التفسير الحديث

محمد عزة دروزة

مقدمة التحقيق

الجزء الأول (بسم الله الرّحمن الرّحيم) [مقدمة التحقيق] مقدمة الطبعة الأولى الحمد لله رب العالمين، إيّاه نعبد وإيّاه نستعين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، المنزل عليه القرآن، فيه شفاء وهدى ورحمة وذكرى للعالمين. وبعد، فإننا بعد أن كتبنا كتبنا الثلاثة وهي: «عصر النبي صلى الله عليه وسلم» ، و «سيرة الرسول صلى الله عليه وسلّم من القرآن» ، و «الدستور القرآني في شؤون الحياة» «1» انبثقت فينا فكرة كتابة تفسير شامل، بقصد عرض القرآن بكامله بعد أن عرضناه فصولا حسب موضوعاته في الكتب الثلاثة، نظهر فيه حكمة التنزيل ومبادئ القرآن ومتناولاته عامة بأسلوب وترتيب حديثين، متجاوبين مع الرغبة الشديدة الملموسة عند كثير من شبابنا الذين يتذمرون من الأسلوب التقليدي ويعرضون عنه، مما أدى إلى انبتات الصلة بينهم وبين كتاب دينهم المقدس، ويدعو إلى الأسف والقلق «2» .

_ (1) طبع الأول في دمشق 1365 هـ 1946 م، والثاني في القاهرة 1367 هـ 1948 م، والثالث في القاهرة أيضا 1376 هـ 1956 م. (2) ونزيد على ما قلناه في الطبعة الأولى فنقول: إن الحاجة إلى ذلك تشتد يوما بعد يوم بنسبة ازدياد ما يتعرض له شبابنا وناشئتنا من تيارات جارفة عاصفة من الإلحاد والتحلل من مختلف القيم والروابط الأخلاقية والاجتماعية، والتقليد الأعمى لكل تافه سخيف مخل بالدين والخلق والمروءة. والإقبال على قراءة المجلات والروايات الماجنة الخليعة التافهة والانصراف عن قراءة الآثار الجادة الإسلامية والعلمية والقومية التي بها وحدها يضمن المرء لنفسه الكرامة والمعرفة والنفع بحيث صار الواجب يقضي تنبيههم إلى ما هم معرضون له من هذه التيارات وإنقاذهم من نتائجها الرهيبة بشرح تراثهم الديني والقومي والخلقي والاجتماعي العظيم الرائع شرحا مؤثرا نافذا، والإهابة بهم إلى الاستمساك بحبل الله والتزود بما في كتابه وسنة رسوله من قواعد ومبادئ وتلقينات من شأنها أن تعصمهم من الزلل وتهديدهم إلى أقوم السبل في شؤون الدين والدنيا.

ولقد تيسّر لنا فراغ جديد مثل الفراغ الذي تيسّر لنا من قبل، فيسّر لنا كتابة الكتب الثلاثة المذكورة ونعني به سجننا في سجن المزة ثم في سجن قلعة دمشق الذي سجننا فيه الإفرنسيون بتحريض الإنكليز بسبب الثورة العربية الفلسطينية في أعوام 1937- 1939 والذي امتد ستة عشر شهرا (حزيران 1939- مارس 1941) إذ لم نكد نخرج من هذا السجن بعد انكسار فرنسا في الحرب العالمية الثانية حتى دهمت سوريا قوات الإنكليز والإفرنسيين الديغوليين المنضمين إليهم. فنزحنا عن دمشق إلى تركية حيث قضينا فيها خمسين شهرا كانت لنا فرصة طيبة لتنفيذ تلك الفكرة وكتابة مسودة التفسير (1941- 1945) . وقد ساعدنا على ذلك ما وجدناه في مكتبات الآستانة من كتب وتفاسير عديدة. ولما عدنا إلى دمشق صرنا نغتنم الفرص لمراجعة ما كتبناه والرجوع إلى مصادر كثيرة أخرى. فلما اتسق التفسير وتكامل بيّضناه، وظللنا نراجع ما كتبناه وندخل عليه ما نراه مفيدا من تعديلات حتى إذا يسر الله أن تطبع أجزاؤه أخذنا نبيضه تبييضا جديدا، ونقدم الأجزاء للطبع واحدا بعد آخر، حامدين الله عز وجل على تيسيره وتوفيقه. ولقد كنّا بعد فراغنا من كتابة مسودات التفسير كتبنا في هجرتنا أيضا كتابا في تنزيل القرآن وأسلوبه وأثره وتدوينه وجمعه وترتيبه وقراءاته ورسمه ومحكمه ومتشابهه وقصصه وغيبياته ومناهج تفسيره، والطريقة المثلى إلى تفسيره وفهمه، وهو الكتاب الذي طبع بعنوان (القرآن المجيد) وكان بمثابة مقدمة للتفسير. ولقد اجتهدنا في السير في التفسير وفق المنهج الذي رأيناه خير سبيل إلى تفسير القرآن الكريم وفهمه، على ما شرحناه في القرآن المجيد وهذا هو: 1- تجزئة المجموعات والفصول إلى جمل تامة، يصح الوقوف عندها من حيث المعنى والنظم والسياق. وقد تكون الجملة آية واحدة أو آيات قليلة أو سلسلة طويلة من الآيات. 2- شرح الكلمات والتعابير الغريبة وغير الدارجة كثيرا، بإيجاز ودون تعمّق لغوي ونحوي وبلاغي، إذا لم تكن هناك ضرورة ماسة.

3- شرح مدلول الجملة شرحا إجماليا، حسب المقتضى المتبادر بأداء بياني واضح، ودون تعمق كذلك في الشروح اللغوية والنظمية. مع الاستغناء عن هذا الشرح والاكتفاء بعرض الهدف والمدلول، إذا كانت عبارة الجملة واضحة نظما ولغة. 4- إشارة موجزة إلى ما روي في مناسبة نزول الآيات أو في صددها، وما قيل في مدلولها وأحكامها، وإيراد ما يقتضي إيراده من الروايات والأقوال، والتعليق على ما يقتضي التعليق عليه منها بإيجاز. 5- تجلية ما تحتويه الجملة من أحكام ومبادئ وأهداف وتلقينات وتوجيهات وحكم تشريعية وأخلاقية واجتماعية وروحية، وملاحظة مقتضيات تطور الحياة والمفاهيم البشرية. وهذه نقطة أساسية وجوهرية في تفسيرنا وهي كذلك في تفسير القرآن والدعوة القرآنية كما هو المتبادر وقد اهتممنا لها اهتماما عظيما. 6- تجلية ما تحتويه الجملة من صور ومشاهد عن السيرة النبوية والبيئة النبوية، لأن هذا يساعد على تفهم ظروف الدعوة وسيرها وأطوارها، وجلاء جوّ نزول القرآن الذي ينجلى به كثير من المقاصد القرآنية. 7- التنبيه على الجمل والفصول الوسائلية والتدعيمية «1» ، وما يكون فيها من

_ (1) نقصد بالجمل والفصول الوسائلية والتدعيمية ما أريد به تدعيم المبادئ القرآنية المحكمة مثل القصص ومشاهد الحياة الأخروية والجن والملائكة وبدء الخلق والتكوين ومشاهد الكون ونواميسه والمواقف الجدلية والحجاجية والترغيب والترهيب والوعد والوعيد والأمثال والتذكير حيث جاء جميع ذلك لتدعيم تلك المبادئ التي وصفت بوصف هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ [آل عمران/ 7] ووصف ما عداها بالمتشابهات في آية سورة آل عمران السابعة هذه هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ... ومع أن الواجب يقضي بالاهتمام للمحكمات فإن جلّ المفسرين المطولين قديما وحديثا بل كلهم اهتموا لما عداها من الفصول الوسائلية والتدعيمية أكثر من اهتمامهم للفصول المحكمة حتى انعكست الآية أو كادت، وصارت هذه الفصول جوهرية فأدى ذلك إلى الإشكالات والمناقضات وتشويش الأذهان وتعريض القرآن للنقاش والتضارب وإخراجه عن قدسيته وغايته وهي الهداية والدعوة والموعظة والتشريع وقلبه إلى كتاب تاريخ وفن ونظريات تتحمل الأخذ والرد والنقض والمعارضة على غير طائل ولا ضرورة. بل لم يقف الأمر عند هذا، فهناك من صرف كثيرا من الآيات عن مفهومها الواضح ودلالتها البينة إلى ما يشبه الألغاز والمعميات بل الهذيان ويتجاوز غاية القرآن بالهدى والموعظة وصلاح البشرية تأثرا بالنزعة الصوفية. وهناك من فعل مثل ذلك وحمل الآيات غير ما تحتمله واستخرج ما زعم أنه باطنها تأثرا بالأهواء وتأييدا لها. مما سوف نوضحه بالأمثلة في مناسباته ثم في شرح مدى آية سورة آل عمران المذكورة إن شاء الله.

مقاصد أسلوبية كالتعقيب والتعليل والتطمين والتثبيت والتدعيم والترغيب والترهيب والتقريب والتمثيل والتنديد والتذكير والتنويه، مع إبقاء ذلك ضمن النطاق الذي جاء من أجله وعدم التطويل فيه. والتنبيه بإيجاز إلى ما ورد في صدده إذا اقتضى السياق بما لا يخرج به عن ذلك النطاق. 8- الاهتمام لبيان ما بين آيات وفصول السور من ترابط. وعطف الجمل القرآنية على بعضها سياقا أو موضوعا، كلما كان ذلك مفهوم الدلالة، لتجلية النظم القرآني والترابط الموضوعي فيه. لأن هناك من يتوهم أن آيات السور وفصولها مجموعة إلى بعضها بدون ارتباط وانسجام، في حين أن إمعاننا فيها جعلنا على يقين تام بأن أكثرها مترابط ومنسجم. 9- الاستعانة بالألفاظ والتراكيب والجمل القرآنية في صدد التفسير والشرح والسياق والتأويل والدلالات والهدف والتدعيم والصور والمشاهد، كلما كان ذلك ممكنا. وهذا ممكن في الأعمّ الأغلب حيث يوجد كثير من الآيات مطلقة في مكان، مقيّدة في مكان آخر، وعامة في مكان مخصصة في مكان آخر، كما يوجد كثير من الجمل المختلفة في الألفاظ المتفقة في المعاني والمقاصد. ثم بعد ذلك بالروايات إذا ما كانت متسقة مع المفهوم والسياق ثم بأقوال المفسرين إذا كانت كذلك. 10- العطف على ما جاء في كتاب «القرآن المجيد» من بحوث حين تفسير الجملة ومقاصدها تفاديا من التكرار والتطويل. 11- عرض المعاني بأسلوب قريب المأخذ سهل التناول والاستساغة، واجتناب الألفاظ الحوشية والخشنة والغريبة والعويصة. 12- شرح الكلمات والمدلولات والموضوعات المهمة المتكررة شرحا

وافيا وخاليا من الحشو عند أول مرة ترد فيها، والعطف على الشرح الأول في المرات التالية دون تكرار شرحها في مواطن تكررها. وقد رأينا بالإضافة إلى هذا من المفيد وضع مقدمة أو تعريف موجز للسور قبل البدء بتفسيرها، يتضمن وصفها ومحتوياتها وأهمّ ما امتازت به، وما يتبادر من فحواها من صحة ترتيبها في النزول وفي المصحف، وما في السور المكية من آيات مدنية، وفي السور المدنية من آيات مكية حسب الروايات، والتعليق على ذلك حسب المقتضى. وكذلك وضع عناوين للموضوعات والتعليقات الهامة التي تناولناها بالبحث والشرح والبيان، ليسهل على من ينظر في التفسير مراجعة ما يريد منها. ولقد رأينا أن نجعل ترتيب التفسير وفق ترتيب نزول السورة، بحيث تكون أولى السور المفسرة الفاتحة ثم العلق ثم القلم ثم المزّمل إلى أن تنتهي السور المكّية ثم سورة البقرة فسورة الأنفال إلى أن تنتهي السور المدنية لأننا رأينا هذا يتّسق مع المنهج الذي اعتقدنا أنه الأفضل لفهم القرآن وخدمته. إذ بذلك يمكن متابعة السيرة النبوية زمنا بعد زمن، كما يمكن متابعة أطوار التنزيل ومراحله بشكل أوضح وأدقّ، وبهذا وذاك يندمج القارئ في جوّ نزول القرآن وجوّ ظروفه ومناسباته ومداه، ومفهوماته وتتجلى له حكمة التنزيل. وقد قلّبنا وجوه الرأي حول هذه الطريقة، وتساءلنا عما إذا كان فيها مساس بقدسية المصحف المتداول، فانتهى بنا الرأي إلى القرار عليها لأن التفسير ليس مصحفا للتلاوة من جهة، وهو عمل فني أو علمي من جهة ثانية، ولأن تفسير كل سورة يصح أن يكون عملا مستقلا بذاته، لا صلة له بترتيب المصحف، وليس من شأنه أن يمسّ قدسية ترتيبه من جهة ثالثة. ولقد أثر عن علماء أعلام، قدماء ومحدثين تفسيرات لوحدات وسور قرآنية، دون وحدات وسور «1» . كما أثر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كتب

_ (1) من القدماء هشام الكلبي الذي روى ابن النديم في كتاب «الفهرست» (ص 51) طبعة المطبعة الرحمانية، أن له كتاب تفسير الآيات التي نزلت في أقوام بأعيانهم. ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية الذي كتب تفسيرا خاصا لسورة الإخلاص طبع في المطبعة الحسينية بالقاهرة سنة 1323 هـ، وكتب تفسيرا لسور الأعلى والشمس والليل والعلق والتين والبيّنة والكافرون. وقد طبعت مجموعتها في بمباي الهند سنة 1374 هـ 1954 م من قبل عبد الصمد شرف الدين، ومن المحدثين الشيخ محمد فوزي مفتي أدرنه، وقاضي بيت المقدس الذي كتب رسالتين: واحدة بتفسير سورة ألم نشرح، وأخرى بتفسير سورة النجم، وقد طبعتا في دار الطباعة العامرة. ومنهم الإمام الشيخ محمد عبده الذي نشر له تفسير سورة العصر وتفسير جزء عمّ، والإمام الشيخ محمد مصطفى المراغي الذي نشر له تفسير ميسّر لآي خاصة من القرآن الكريم.

مصحفا وفق نزول القرآن «1» ، ولم نر نقدا أو إنكارا لهذا وذاك، مما جعلنا نرى السير على هذه الطريقة سائغا. لا سيما والقصد منه هو خدمة القرآن بطريقة تكون أكثر نفعا. وليس هو الانحراف والشذوذ. والله أعلم بالنيات، ولكل امرئ ما نوى. ومع ذلك فقد رأينا أن نستوثق من صحة ما ذهبنا إليه فاستفتينا سماحة الشيخ أبي اليسر عابدين مفتي سورية والشيخ عبد الفتاح أبا غدة، الذي كان من المرشحين لإفتاء مدينة حلب، فتلقينا منهما جوابا مؤيدا حيث قال الأول في جوابه: «إن التأليف والتصنيف تابع لأغراض المؤلفين حسبما يعرض لهم من أشكال، لإظهار الفوائد التي يطلعون عليها، وليس التفسير بقرآن يتلى حتى يراعى فيه ترتيب الآيات والسور، فقد يعنّ للمفسر أن يفسر آية ثم يترك ما بجانبها لظهور معناها وقد يفسر سورة ثم يترك ما بعدها اعتمادا على فهم التالي. ولا مانع من تأليف تفسير على الشكل المذكور، والله أعلم» . وحيث قال الثاني: «إن شبهة المنع لهذه الطريقة آتية من جهة أنها طريقة تخالف ما عليه المصحف الشريف اليوم من الترتيب المجمع عليه والمتواتر إلى الأمة نقله جيلا بعد جيل. ودفع هذه الشبهة أن المنع يثبت فيما لو كان هذا الصنيع مسلوكا من أجل أن يكون هذا الترتيب مصحفا للتلاوة، أي ليتلو الناس القرآن على النحو الذي سلكتموه. أما وإن الغرض للمفسر والقارئ معا غير هذا فلا مانع من

_ (1) «الإتقان في علوم القرآن» للسيوطي ج 1، ص 65 مطبعة عثمان عبد الرزاق، طبعة عام 1306 هجرية.

سلوكه إطلاقا. ويستأنس لسواغية هذه الطريقة بما سلكه أجلّة من علماء الأمة المشهود لهم بالإمامة والقدوة من المتقدمين في تأليفهم ولم يعلم أن أحدا أنكر عليهم ما صنعوا. ويحضرني منهم الآن الإمام ابن قتيبة المتوفى سنة 276 للهجرة، فقد مشى في تفسير ما فسّره في كتابه المطبوع «تأويل مشكل القرآن» على غير ترتيب النزول وعلى غير الترتيب المتلوّ الآن. ويبدو هذا جليا في الصحف (240- 339) . على أن القول بالمنع تبعا لهذه النظرة الضيقة ينبغي أن يشمل ما سلكه الشيخ جلال الدين المحلّي، ثم جلال الدين السيوطي في تفسير هما المعروف بتفسير الجلالين إذ قد بدأ الأول بالتفسير من آخر القرآن الكريم وهو صاعد إلى سورة الكهف، ثم مات فأتمّ الجلال السيوطي من حيث وقف سلفه إلى أول القرآن الكريم. فهما لم يراعيا في مسلكهما هذا البدء على ترتيب القرآن من أوله إلى آخره. وكذلك ينبغي أن يشمل ما صنعه الشيخ عبد الوهاب النجار في كتابه «قصص الأنبياء» ، والشيخ محمد أحمد العدوي في كتابه «دعوة الرسل إلى الله» . فهما أيضا لم يراعيا في موضوعات كتابيهما ترتيب المصحف المتلو اليوم بل راعيا اعتبارا آخر، وكذلك ينبغي أن يتناول المنع كتابكم «الدستور القرآني في شؤون الحياة» ، فقد سلكتم فيه نحو طريقتكم في التفسير من جمع طائفة من الآيات الكريمة في صعيد واحد، ثم تفسيرها وبيان ما تلهمه من المعاني الكريمة. فإن قيل إن هناك فارقا بين صنيعكم في الدستور وصنيعكم في التفسير لأن الأول يمكن أن يجعل من باب التأليف على اعتبار وحدة الموضوع التي ينظر فيها إلى مدلول الآيات فحسب، في حين أن النظر في الثاني متجه إلى مراعاة النزول فحسب، فالجواب: فليجعل هذا أيضا من باب وحدة الموضوع بين السورة والسورة من حيث زمن نزولها سابقة أو لا حقة. وللعلماء أقوال في صدد ترتيب السور وما إذا كان توقيفيّا أو اجتهاديّا. فقد ذكر السيوطي في كتابه «الإتقان» : أن جمهور العلماء على الثاني، منهم مالك والقاضي أبو بكر في أحد قوليه. ومما استدل به على ذلك اختلاف مصاحف السلف في ترتيب السور- والكلام للسيوطي- فمنهم من رتّبها على النزول وهو مصحف عليّ. كان أوله اقرأ ثم المدّثر ثم نون ثم المزّمل ثم تبّت

ثم التكوير وهكذا إلى آخر المكي والمدني. وكان أول مصحف ابن مسعود البقرة ثم النساء ثم آل عمران. وكذا مصحف أبيّ وغيره. ثم ساق السيوطي رحمه الله بعد نحو صفحتين صورة عن الترتيب الذي في مصحف أبيّ بن كعب ومصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما «1» . وقد قال شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى: إن ترتيب السور بالاجتهاد لا بالنصّ في قول جمهور العلماء من الحنابلة والمالكية والشافعية، فيجوز قراءة هذه قبل هذه، وكذا في الكتابة. ولهذا تنوعت مصاحف الصحابة في كتابتها، نعني لما اتفقوا على المصحف في زمن عثمان صار هذا مما سنّه الخلفاء الراشدون. وقد دل الحديث على أن لهم سنة يجب اتباعها. وواضح كل الوضوح أن محل اتباع هذه السنة التي يجب اتباعها إنما هو في كتابة المصحف الذي يكون للتلاوة لا في كتابة تفسير وشرح لمعاني الآيات والسور الكريمة. فإن ذلك غير داخل في موضوع اختلاف العلماء أو اتفاقهم إطلاقا. بل هم فيما روي متفقون على سواغيته وجوازه. والله تعالى أعلم» . وقد استخرنا الله بعد أن تلقينا هذين الجوابين من الأستاذين الجليلين وعزمنا على السير في الطريقة المذكورة لما لها من فوائد عظيمة دون أن يكون لها مساس بقدسية ترتيب المصحف. ولقد أورد السيوطي في كتاب «الإتقان» «2» ترتيبات نزول للسور المكية والسور المدنية منسوبة إلى جابر بن زيد والحسين وعكرمة وابن عباس، وترتيبا رابعا لم يذكر صاحبه. ولقد اطلعنا في مقدمة «تفسير الخازن» على ترتيب وفي مقدمة تفسير «مجمع البيان» على ترتيب آخر، وفي المصحف الذي كتبه الخطاط الشهير بقدر وغلي- والذي طبع بتصريح من وزارة الداخلية المصرية وإذن مشيخة المقاريء المصرية من قبل عبد الحميد أحمد حنفي- ترتيب آخر أشير إليه في رؤوس السور. وبين هذه الترتيبات السبعة بعض التخالف من ناحية التقديم

_ (1) الكلام الذي ساقه الأستاذ أبو غده للسيوطي هو من كتابه «الإتقان» ج 1، ص 65 وما بعدها أيضا من الطبعة المذكورة قبل. (2) انظر الجزء الأول من طبعة مطبعة عبد الرزاق ص 10 وما بعدها.

والتأخير والمدني والمكي، على أن من الحق أن نقول: إنه ليس في الإمكان تعيين ترتيب صحيح لنزول السور القرآنية جميعها، كما أنه ليس هناك ترتيب يثبت بكماله على النقد أو يستند إلى أسانيد قوية ووثيقة. وزيادة على هذا فإن في القول بترتيب السور حسب نزولها شيئا من التجوّز. فهناك سور عديدة مكية ومدنية يبدو من مضامينها أن فصولها لم تنزل مرة واحدة أو متلاحقة، بل نزلت بعض فصولها أولا ثم نزلت بعض فصول سور أخرى، ثم نزلت بقية فصولها في فترات، وأن بعض فصول سور متقدمة في الترتيب قد نزلت بعد فصول سور متأخرة فيه أو بالعكس، وأن فصول هذه السور قد ألّفت بعد تمام نزول فصولها، وأن ترتيبها في النزول قد تأثر بفصلها أو فصولها الأولى، وأن بعض السور المتقدمة في الترتيب أولى أن تكون متأخرة أو بالعكس، أو بعض ما روي مدنيه من السور أولى أن يكون مكّيا أو بالعكس، مما سوف ننبه إليه في سياق تفسير كل سورة إن شاء الله. ومع ذلك فإن هذا لا يعني أن الترتيبات المستندة إلى روايات قديمة أو المنسوبة إلى أعلام الصحابة والتابعين غير صحيحة كلها، أو أنها لا يصحّ التعويل عليها. فالقسم الأعظم من السور المكية نزل دفعة واحدة أو فصولا متلاحقة على ما يلهم سياقها ونظمها ومضامينها. ولم تبدأ سورة جديدة حتى تكون السورة التي قبلها قد تمت. ومضامين سور عديدة مكية ومدنية تلهم أن كثيرا مما روي في ترتيب النزول صحيح أو قريب من الصحة، وكل ما يعنيه أن فيها ما يدعو إلى التوقف وأن الأمر بالنسبة لبعض السور يظل في حدود المقاربة والترجيح. ولهذا لم يكن ما يمكن أن يوجه من مآخذ إلى ترتيب نزول السور ليغير ما قرّ رأينا عليه. لأننا رأيناه على كل حال يظل مفيدا في تحقيق ما استهدفناه والمنهج الذي ترسّمناه، وخاصة بالنسبة إلى فائدة تتبع صور التنزيل القرآني مرحلة فمرحلة والاستشعار بجوّ هذه الصور، حيث يكون ذلك أدعى إلى تفهم القرآن وحكمة التنزيل. وقد اعتمدنا الترتيب الذي جاء في مصحف الخطاط قدر وغلي المذكور قبل. لأنه ذكر فيه أنه طبع تحت إشراف لجنة خاصة من ذوي العلم والوقوف، حيث يتبادر إلى الذهن أن يكون قد أشير إلى ترتيب النزول فيه (السورة كذا نزلت بعد

السورة كذا) بعد اطلاع اللجنة على مختلف الروايات والترجيح بينها. ولقد جاء في تعريف المصحف «إنه كتب وضبط على ما يوافق رواية حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدي الكوفي لقراءة عاصم بن أبي النجود الكوفي التابعي عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأبيّ بن كعب عن النبي صلّى الله عليه وسلم، وأخذ هجاؤه مما رواه علماء الرسم عن المصاحف التي بعث بها عثمان بن عفان إلى البصرة والكوفة والشام ومكة، والمصحف الذي جعله لأهل المدينة والمصحف الذي اختص به نفسه، وعن المصاحف المنتسخة عنها. أما الأحرف اليسيرة التي اختلفت فيها أهجية تلك المصاحف فاتبع فيها الهجاء الغالب مع مراعاة قراءة القارئ الذي يكتب المصحف لبيان قراءته ومراعاة القواعد التي استنبطها علماء الرسم من الأهجية المختلفة على حسب ما رواه الشيخان أبو عمرو الداني وأبو سليمان بن نجاح، مع ترجيح الثاني عند الاختلاف. والعمدة في ذلك على ما حققه الأستاذ محمد بن محمد الأموي الشريشي المشهور بالخراز في منظومته (مورد الظمآن) وما قرره شارحها المحقق الشيخ عبد الواحد بن عاشر الأنصاري الأندلسي. وأخذت طريقة ضبطه مما قرره علماء الضبط على حسب ما ورد في كتاب «الطراز على ضبط الخراز» للإمام التنيسي، مع إبدال علامات الأندلسيين والمغاربة بعلامات الخليل بن أحمد وأتباعه من المشارقة. واتبعت في عدّ آياته طريقة الكوفيين عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي عن علي بن أبي طالب على حسب ما ورد في كتاب «ناظمة الزهر» للإمام الشاطبي وشرحها لأبي عبيد رضوان المخللاتي، وكتاب أبي القاسم عمر بن محمد بن عبد الكافي، وكتاب «تحقيق البيان» للأستاذ الشيخ محمد المتولي شيخ القراء بالديار المصرية سابقا. وأخذ بيان مكّية ومدنيّة من الكتب المذكورة وكتاب أبي القاسم عمر بن محمد بن عبد الكافي، وكتب القراءات والتفسير على خلاف في بعضها. وهذا هو ترتيب نزول السور على حسب ما ورد في مطالع سور هذا المصحف:

السور المكية

السور المكية رقم/ رقم اسم/ ترتيب/ ترتيبها في السورة/ نزولها/ المصحف العلق/ 1/ 96/ القلم/ 2/ 68/ المزمل/ 3/ 73/ المدثر/ 4/ 74/ الفاتحة/ 5/ 1/ المسد/ 6/ 101/ التكوير/ 7/ 81/ الأعلى/ 8/ 87/ الليل/ 9/ 92/ الفجر/ 10/ 89/ الضحى/ 11/ 93/ الشرح/ 12/ 94/ العصر/ 13/ 103/ العاديات/ 14/ 100/ الكوثر/ 15/ 108/ التكاثر/ 16/ 102/ الماعون/ 17/ 107/ الكافرون/ 18/ 109/ الفيل/ 19/ 105/ الفلق/ 20/ 113/ الناس/ 21/ 114/ الإخلاص/ 22/ 2112 رقم/ رقم/ اسم/ ترتيب/ ترتيبها في/ السورة/ نزولها/ المصحف النجم/ 23/ 53/ عبس/ 24/ 80/ القدر/ 25/ 97/ الشمس/ 26/ 91/ البروج/ 27/ 85/ التين/ 28/ 95/ قريش/ 29/ 106/ القارعة/ 30/ 101/ القيامة/ 31/ 75/ الهمزة/ 32/ 104/ المرسلات/ 33/ 77/ ق/ 34/ 50/ البلد/ 35/ 90/ الطارق/ 36/ 86/ القمر/ 37/ 54/ ص/ 38/ 38/ الأعراف/ 39/ 7/ الجن/ 40/ 72/ يس/ 41/ 36/ الفرقان/ 42/ 25/ فاطر/ 43/ 35/ مريم/ 44/ 319 رقم/ رقم/ اسم/ ترتيب/ ترتيبها في/ السورة/ نزولها/ المصحف طه/ 45/ 20/ الواقعة/ 46/ 56/ الشعراء/ 47/ 26/ النمل/ 48/ 27/ القصص/ 49/ 28/ الإسراء/ 50/ 17/ يونس/ 51/ 10/ هود/ 52/ 11/ يوسف/ 53/ 12/ الحجر/ 54/ 15/ الأنعام/ 55/ 6 الصافات/ 56/ 37/ لقمان/ 57/ 31/ سبأ/ 58/ 34/ الزمر/ 59/ 39/ غافر/ 60/ 40/ فصلت/ 61/ 41/ الشورى/ 62/ 42/ الزخرف/ 63/ 43/ الدخان/ 64/ 44/ الجاثية/ 65/ 45/ الأحقاف/ 66/ 46

السور المدنية

رقم/ رقم/ اسم/ ترتيب/ ترتيبها في/ السورة/ نزولها/ المصحف الذاريات/ 67/ 51/ الغاشية/ 68/ 88/ الكهف/ 69/ 18/ النحل/ 70/ 16/ نوح/ 71/ 71/ إبراهيم/ 72/ 14/ الأنبياء/ 73/ 221 رقم/ رقم/ اسم/ ترتيب/ ترتيبها في/ السورة/ نزولها/ المصحف المؤمنون/ 74/ 23/ السجدة/ 75/ 32/ الطور/ 76/ 52/ الملك/ 77/ 67/ الحاقة/ 78/ 69/ المعارج/ 79/ 70/ النبأ/ 80/ 378 رقم/ رقم/ اسم/ ترتيب/ ترتيبها في/ السورة/ نزولها/ المصحف النازعات/ 81/ 79/ الانفطار/ 82/ 82/ الانشقاق/ 83/ 84/ الروم/ 84/ 30/ العنكبوت/ 85/ 29/ المطففون/ 86/ 83/ السور المدنية البقرة/ 87/ 2/ الأنفال/ 88/ 8/ آل عمران/ 89/ 3/ الأحزاب/ 90/ 33/ الممتحنة/ 91/ 60/ النساء/ 92/ 4/ الزلزلة/ 93/ 99/ الحديد/ 94/ 57/ محمد/ 95/ 47/ الرعد/ 96/ 213 الرحمن/ 97/ 55/ الإنسان/ 98/ 76/ الطلاق/ 99/ 65/ البينة/ 100/ 98/ الحشر/ 101/ 59/ النور/ 102/ 24/ الحج/ 103/ 22/ المنافقون/ 104/ 63/ المجادلة/ 105/ 58/ الحجرات/ 106/ 349 التحريم/ 107/ 66/ التغابن/ 108/ 64/ الصف/ 109/ 61/ الجمعة/ 110/ 62/ الفتح/ 111/ 48/ المائدة/ 112/ 5/ التوبة/ 113/ 9/ النصر/ 114/ 110

ولقد رأينا مع ذلك أن نخالف ترتيب هذا المصحف بعض الشيء. فسور العلق والقلم والمزمل والمدثر التي وردت فيه كالسور الأولى والثانية والثالثة والرابعة بالتوالي ليست كذلك إلا بالنسبة لمطالعها فقط على أحسن تقدير، حيث إن ما يأتي بعد هذه المطالع لا يمكن أن يكون نزل إلّا بعد نزول سور وفصول غيرها، على ما سوف نشرحه في سياق تفسيرها، في حين أن هناك رواية معزوّة إلى ابن عباس ومجاهد «1» تذكر أن سورة الفاتحة التي تأتي الخامسة في ترتيب النزول هي أول ما نزل من القرآن. وهناك حديث أخرجه البيهقي والواحدي ووصف رجاله بالثقات عن شرحبيل عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، أن الفاتحة أول ما نزل من القرآن «2» . ولما كان هناك أحاديث صحيحة منها حديث رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها سنورده في سياق سورة العلق تذكر أن آيات سورة العلق الخمس الأولى هي أولى آيات القرآن نزولا «3» فيمكن أن تحمل رواية أولية سورة الفاتحة على أنها أولى السور التامة نزولا بعد مطلع سورة العلق ومطالع السور الثلاث التالية لها في الترتيب والفاتحة بالإضافة إلى ذلك هي فاتحة المصحف، والواجب تلاوتها في كل ركعة صلاة، ولذلك رأينا أن تكون فاتحة التفسير أيضا. وهناك أربع سور ذكر المصحف الذي اعتمدناه أنها مدنية وهي الزلزلة والإنسان والرحمن والرعد، في حين أن مضمونها وأسلوبها مشابهان كل المشابهة للسور المكية دون السور المدنية، وأن هناك روايات تذكر أنها مكية. ولذلك فسرناها في عداد السور المكية. وهناك سور يمكن أن يلهم مضمونها أنها نزلت قبل سور متقدمة عليها في

_ (1) «الإتقان في علوم القرآن» ج 1 ص 24- 25. (2) انظر المصدر نفسه ... (3) انظر المصدر نفسه. وانظر أيضا تفسير الفاتحة في «تفسير المنار» للسيد رشيد رضا. ومما ذكره السيوطي في «الإتقان» أنه لم يرو أنه كان في الإسلام صلاة بغير الفاتحة، وهذا من المرجحات. الجزء الأول من التفسير الحديث 2

الترتيب أو بعد سور متأخرة عنها فلم نشأ الإخلال بترتيبها واكتفينا بالتنبيه إلى ذلك في مقدمة كل سورة منها. وإننا لنرجو من الله تعالى أن نكون قد وفقنا فيما عملناه إلى السداد والصواب. وأن يشملنا بعفوه ورحمته، وأن يتجاوز عما وقعنا فيه من خطأ ونسيان. وأن يتقبل منا هذه الخدمة لكتابه المجيد خالصة لوجهه الكريم وهو ولي التوفيق ولا حول ولا قوة إلّا به. المؤلف دمشق الشام في: 3 من المحرم الحرام 1380 الموافق 27 حزيران 1960

مقدمة الطبعة الثانية

مقدمة الطبعة الثانية وهذه كلمة بين يدي الطبعة الجديدة نذكر فيها بعض ما فاتنا التنبيه عليه في مقدمة الطبعة الأولى وننبه على ما أدخلناه على هذه الطبعة من تنقيحات وتعديلات وإضافات. أولا: مع ترجيحنا السير في التفسير حسب الروايات الراجحة في ترتيب نزول السور، فإننا حافظنا على وحدة السور لأنه ليس هناك ما يمكن الاستناد إليه ولا الاستئناس به بقوة وثقة في أمر وقت نزول فصول وآيات السور وبخاصة الطويلة المدنية التي تلهم مضامينها أن منها ما هو متقدم النزول ومنها ما هو متأخر، وأنها ألّفت بعد تمام ما اقتضت حكمة الله ورسوله أن تحتوي عليه من فصول وآيات بالنسبة لسائر فصول وآيات السورة أو فصول وآيات السور الأخرى التي يمكن أن تكون نزلت قبلها أو بعدها. وقد اختصصنا بالذكر السور المدنية والطويلة منها بخاصة لأنه لم يكن في معظم السور المكية مواضيع متعددة تتحمل مناسبات متباعدة بل الغالب عليها وحدة الموضوع فكانت تنزل متلاحقة الفصول على ما هو المتبادر من نظمها وروحها، ولم تكن تبدو سورة جديدة منها حتى تتم السورة التي قبلها باستثناء بضع سور منها. ولأن فحوى السور المدنية القصيرة يلهم أنها نزلت دفعة واحدة، مما سوف ننبه عليه في مقدمات السور. ثانيا: بالإضافة إلى السور الأربع التي يروي المصحف الذي اعتمدنا عليه أنها مدنية وتروى روايات عديدة أنها مكية وتلهم محتوياتها بقوة رجحان مكيتها ونعني بها سور الزلزلة والإنسان والرحمن والرعد، فهناك سورة خامسة أيضا يروي

ذلك المصحف أنها مدنية وتروى روايات أخرى أنها مكية ومعظم فصولها تلهم بقوة رجحان مكيتها مع احتمال أن يكون بعضها مدنيا وهي سورة الحج. وقد بدا لنا أن نفسرها هي الأخرى في عداد السور المكية. والمصحف الذي اعتمدنا عليه يروي أن سورة الرعد نزلت بعد سورة محمد وسورة الحج نزلت بعد سورة النور وسورة الرحمن نزلت بعد سورة الرعد وسورة الإنسان نزلت بعد سورة الرحمن وسورة الزلزلة نزلت بعد سورة النساء. ولما لم يكن في كتب التفسير التي تروي مكيتها ما يمكن أن يفيد ترتيب نزولها سورة بعد أخرى فقد رأينا أن نفسرها بعد الانتهاء من السور المكية وفق ترتيب نزولها المرجح. وسنفسرها حسب ترتيبها في المصحف بعد سورة (المطففون) هكذا: 1- الرعد 2- الحج 3- الرحمن 4- الإنسان 5- الزلزلة. ثالثا: لقد تبادرت لنا مرجحات قوية جعلتنا أن لا نلتزم ترتيب النزول الذي رواه المصحف الذي اعتمدنا عليه بالنسبة لبعض السور المدنية بحيث صار ترتيب السور المدنية على الوجه التالي: 1- البقرة 2- الأنفال 3- آل عمران 4- الحشر 5- الجمعة 6- الأحزاب 7- النساء 8- محمد 9- الطلاق 10- البينة 11- النور 12- المنافقون 13- المجادلة 14- الحجرات 15- التحريم 16- التغابن 17- الصف 18- الفتح 19- المائدة 20- الممتحنة 21- الحديد 22- التوبة 23- النصر. وسوف نذكر تلك المرجحات في مقدمة كل سورة. رابعا: لقد كان يفوتنا بعض التنبيهات في مناسباتها الأولى فنستدركها في المناسبات التالية، ولقد وقعت أغلاط مطبعية متنوعة، منها أغلاط في الحروف والكلمات وأرقام الهوامش. ومنها وضع نبذ في غير مكانها الصحيح تقديما أو

تأخيرا. ومنها سقوط بعض نبذ من سياق حتى بدا الكلام مختلا ولقد تنبهنا ونحن نهيء الأجزاء ونقدمها إلى المطبعة واحدا بعد آخر إلى نقاط عديدة تحتاج إلى تمحيص أو توضيح أو تعديل أو تصحيح أو توسيع فبذلنا جهدنا لتلافي كل ذلك في هذه الطبعة. خامسا: لقد أوردنا في الطبعة السابقة أحاديث كثيرة في سياق السور المدنية مما فيه توضيح وتعديل وإكمال لما احتوته هذه السور من تشريعات متنوعة ولم نورد منها في سياق السور المكية إلا قليلا لأن هذه السور ليس فيها تشريعات تنفيذية نظرا لطبيعة العهد المكي ولأن معظم الأحاديث النبوية مدنية الصدور إن صح التعبير. وقد اقترح بعض الأفاضل أن نورد في سياق هذه السور ما روي فيها أو ما يتساوق معها من أحاديث ليكون أمام القارئ وبخاصة الناشئ صورة تامة من مصدري الرسالة الإسلامية الرئيسية وهما كتاب الله تعالى وحكمة رسوله صلّى الله عليه وسلّم وسنّته، فاستجبنا للاقتراح. سادسا: هناك بعض مواضيع دار عليها في كتب التفسير كلام كثير، وتتحمل هي وما أورد في سياقها من أحاديث وروايات وتأويلات تمحيصا وشرحا لم نكن نرى ضرورة لهما. ثم بدا لنا من أسئلة وردت علينا في شأنها أن نورد ونمحص ما فاتنا إيراده وتمحيصه وأن نتوسع في الشرح في هذه الطبعة إلى الحد الذي يزول به الإشكال وتطمئن به النفس. وإننا لنسأل الله عزّ وجلّ أن نكون ما فعلنا وقصدنا به خدمة كتابه المجيد الصواب والفائدة وأن يغفر لنا ما يمكن أن يكون وقع في سياق ذلك منا من خطأ ونسيان. والكمال والعصمة له وحده ولا حول ولا قوة إلا به. وكان إتمام تنقيح الأجزاء وكتابة هذه الكلمة يوم الخميس الموافق للخامس عشر من شهر محرم الحرام 1386 والسادس من أيار 1966. والله أكبر والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين. المؤلف

القرآن المجيد تنزيله وأسلوبه وأثره وجمعه وتدوينه وترتيبه وقراءاته ورسمه ومحكمه ومتشابهه وقصصه وغيبياته وتعليقات على مناهج مفسريه والطريقة المثلى لفهمه تأليف محمد عزة دروزة

مقدمة المؤلف

[مقدمة المؤلف] (بسم الله الرّحمن الرّحيم) كتبت هذا الكتاب في مدنية بورسه أثناء هجرتي في الحرب إلى تركيا وبعد أن أتم الله عليّ نعمته فانتهيت من كتابة تفسير القرآن بكامله فيها. وقد وجدت في مكتبات المدينة العديدة ما استعنت به من مراجع قيمة في التفسير والحديث والكلام والقراءات وعلوم القرآن. وقد جاء الكتاب ككتاب مستقل لما احتواه من بحوث عديدة كما جاء كمقدمة للتفسير لما احتواه من شرح المنهج الذي سرت عليه فيه وبيان الطريقة المثلى لفهم القرآن وخدمته وتفسيره. ولقد عدت فقرأت كتبا عديدة أخرى لاستيفاء الكلام في مواضيع الكتاب وتوثيقه، وأدخلت تنقيحات كثيرة على مسودة بورسه فجاء الكتاب على أسلوب ونهج جديدين بحثت في نطاقهما مختلف مسائل القرآن ووصلت بذلك إلى نتائج وحلول هامة وجديدة أرجو أن يكون الله قد هداني فيها إلى الحق والصواب، وأن أكون بذلك قد خدمت كتاب الله المجيد فيما أخذت على نفسي من خدمة له منذ أربع عشرة سنة استغرقت أكثر أوقاتي. كما أرجوه أن يتمّ نعمته وتوفيقه بتنقيح وطبع أجزاء التفسير وهو ولي التوفيق ومنه نطلب العون والسداد. المؤلف

محتويات القرآن المجيد

[محتويات القرآن المجيد] الفصل الأول القرآن وأسلوبه ووحيه وأثره - 1- القرآن والمسلمون: ليس غريبا أن يكون القرآن شغل الناس في كل زمان ومكان طيلة القرون الثلاثة عشر السالفة وطيلة ما شاء أن يكون من أمد هذه الدنيا وأن يتنافس في الكتابة فيه الكتّاب والعلماء والمصلحون والباحثون من مسلمين وغيرهم، وأن يصدر فيه كل يوم كتاب. فهو الكتاب المقدس للمسلمين المنتشرين في كل صقع من أصقاع الأرض والذين تتمثل فيهم شتى أممها، فيه أصول دينهم وشرائع حياتهم ونبع إلهامهم ونبراس أخلاقهم ونور هدايتهم في مختلف شؤونهم الدينية والدنيوية، الروحية والمادية، العامة والخاصة، السياسية والقضائية والاجتماعية والشخصية والإنسانية، وفيه أقوى الحوافز إلى أسمى الآفاق وأبعد الأشواط الموصلة إلى أعلى ما يمكن أن يكون من رفعة الذكر وعلوّ القدر وقوة التمكين والنصر، وجعل متبعيه خير أمة أخرجت للناس إذا هم قاموا بأعباء ما حمّلهم إياه من تبعات، وأدوا ما اؤتمنوا عليه فيه للإنسانية من أمانات: من دعوة إلى الخير والحق والهدى، ومن أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ومن تواص بالصبر والحق والمرحمة، ومن تناصر ضد البغي والإثم والعدوان، ومن اتصاف بكل صفات الخير والعدل والبرّ والرحمة والإحسان والكرامة والعزة والصدق والوفاء وكل خلق كريم، ومن تحظير

- 2 - القرآن وشخصية النبي:

للفواحش والآثام والمنكرات ما ظهر منها وما بطن، وما صغر منها وما عظم. وصفه الله فيه بأنه يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات بعظيم الأجر وأن فيه لهم الشفاء والرحمة والهدى، ووصفه نبيهم بهذا الوصف الشامل الرائع المأثور عن طريق علي بن أبي طالب والمثبت في كثير من كتب الأئمة والثقات: «فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره تأصله الله، وهو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم» . فهم من أجل هذا مكلفون بالاشتغال به دينيا فهما وتدبرا وتفسيرا واستنباطا واستلهاما واستيحاء. - 2- القرآن وشخصية النبي: وشخصية السيد الرسول عليه السلام الذي أنزل عليه القرآن هي الشخصية الوحيدة التي ليست محل شكّ وريب من الوجهة التاريخية وعند مختلف الملل والنحل والأقوام من بين شخصيات الأنبياء، وفي صدد حادث «نبوة النبي» المتصل بسرّ وحي الله وسرّ الوجود وواجب الوجود والذي تواترت الأخبار عن تكرره في مختلف عصور التاريخ السالفة. والقرآن الكريم هو الكتاب السماوي الوحيد الذي ليس محل شك وريب من بين الكتب السماوية المتداولة في كونه متصلا بالنبي، وفي صدوره عنه بحروفه وألفاظه وسوره بوحي من الله، وقد تكرر فيه تقرير بشرية النبي صلّى الله عليه وسلّم وكونه في طبيعته البشرية كسائر البشر وكون قصارى مهمته دعوة الناس إلى الله وحده، وإخراجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، والحثّ على مكارم الأخلاق، والتحذير من الشر والأذى والفواحش، وتبشير المستجيبين بالخير والنجاة وإنذار المعرضين

بالويل والخسران كما ترى في الآيات التالية التي هي فيض من غيض في هذا الباب: 1- قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ الأنعام: [19] . 2- وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ الأنعام: [48- 49] . 3- قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ الأنعام: [50] . 4- الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ إبراهيم: [1] . 5- قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً الكهف: [110] . وقد تكرر فيه تقرير كونه أعظم مظهر لنبوة النبي وأقوى آياتها ودلائلها كما ترى في نصّ الآيات التالية: 1- وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ الأنعام: [155- 157] .

2- وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ الأعراف: [52] . 3- وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ الحجر: [87] . 4- وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ العنكبوت: [50- 51] . وقد تكرر فيه توكيد اتصاله بوحي الله وصدوره عنه وعجز الناس عن الإتيان بمثله معلنا ذلك على ملأ من خصومه الألداء وجاحديه الأشداء كما ترى في الأمثلة التالية بالإضافة إلى الآيات السابقة: 1- وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ البقرة: [23- 24] . 2- أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً النساء: [82] . 3- لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً النساء: [166] . 4- قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً الإسراء: [88] . 5- وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ الشعراء: [192- 195] . وبالإضافة إلى هذا فقد احتوى آيات كثيرة فيها إعلان بإشهاد الله على صحة

هذه التوكيدات والتقريرات وتعظيم لجرم الافتراء على الله كما ترى في الآيات التالية: 1- وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (92) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ الأنعام: [92- 93] . 2- وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (102) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (104) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (105) النحل: [101- 105] . 3- أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ الشورى: [24] . 4- أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ الأحقاف: [8] . 5- تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (44) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48) الحاقة: [43- 48] . ففي أسلوب هذه الآيات وأمثالها الكثيرة ما يبعث في نفس كل منصف حسن

- 3 - الدعوة القرآنية:

النية مهما كانت نحلته وملته أقوى معاني اليقين بصدقها، ويزيل منها أي معنى من معاني الشك والارتياب في عمق إيمان الرسول عليه السلام بصحتها، وفي استغراقه فيها استغراقا تاما لا يمكن أن ينبعث إلا من أقوى الإيمان واليقين والصدق الصميم. - 3- الدعوة القرآنية: واحتوى دعوة الناس كافة إلى عبادة الله وحده، وعدم الخضوع لأي قوة من قوى الكون غيره وتنزيهه عن كل نقص وشائبة، وإلى جماع مكارم الأخلاق والفضائل، وأسباب سعادة الدارين والتصديق بنبوة أنبياء الله والكتب المنزلة عليهم وتقرير اتحاد المتبع والوجهة بين ما دعا إليه ودعوا إليه من غير تفريق بينهم، وتقرير كون هذه الدعوة التي احتواها هي الدين الحق الذي ارتضاه الله للناس جميعا منذ بعث الله رسوله محمدا عليه السلام بالهدى ودين الحق الذي فيه إظهاره على الدين كله، يقيم البشر في ظله دعائم مجتمعهم، ويسيرون في مختلف شؤونهم وفق تعاليمه ومبادئه وتلقيناته القائمة على أسس الحق والعدل والمساواة والإحسان والتعاون، ورفع الإصر والأغلال، وحل الطيبات وتحريم الخبائث والفواحش والمنكرات، وتوطيد السلم العام بين الناس كافة إخوانا متحابين، لا يظلم بعضهم بعضا، ولا يبغي بعضهم على بعض، ولا تنبذ فيه طائفة، ولا تحرم فيه فئة ولا تتعالى فيه طبقة على طبقة، مع إيجاب التناصر على الباغي حتى يفيء إلى حكم الله والحق، ومع الدعوة إلى التمرد على كل ضارّ والإقبال على كل صالح بقطع النظر عن قدمه وجدته، ومع تقرير كون الله إنما يريد للناس اليسر ولا يريد بهم العسر ولم يجعل عليهم في الدين حرجا، وبأسلوب قضي له بالخلود من حيث البرهنة على صدق الدعوة وأهدافها بتوجيه الخطاب للعقول والقلوب، وإدارته حسب أفهام الناس ومداركهم في هذا النطاق ودون أن تجعل المعجزة الخارقة دعامة أساسية في ذلك لأن مثل هذه الدعوة في غنى عن المعجزة

لإثبات حقها وصدقها، ثم من حيث سعة الأفق والشمول والمميزات التي لم تسبق ولم يلحق بها في شتى مناحي التشريع والتلقين، والتوجيه إلى أفضل المثل وأقوم الطرق مع الاتساق التام وحقائق الأمور وطبائع الأشياء والتمشي مع كل ظرف ومكان والاستجابة إلى كل شأن من شؤون الناس وحاجاتهم الروحية والمادية والعامة والخاصة، وحسب اختلافهم وتفاوتهم في العقل والسعة والثقافة والأفق. واحتوى كذلك حلولا للمشاكل المعقدة التي كانت تجعل الناس شيعا وأحزابا، وفرقا وأضدادا، وإهابة بالغلاة والمفرطين للارعواء عن غلوهم وإفراطهم، وإرشادا للحائرين والمترددين للانتهاء من حيرتهم وترددهم بأسلوب وجّه فيه الخطاب إلى العقول والقلوب معا فيه كل القوة وكل النفوذ وكل الإقناع لمن لم تخبث طويته، ويجعل إلهه هواه، ويتعمد العناد والمكابرة والاستكبار عن قصد وتصميم، ثم احتوى تنظيما للمناسبات بين مختلف فئات الناس وخاصة بين المستجيبين للدعوة- المسلمين- وغيرهم على أساس المسالمة والحرية والحق والعدل والتزام حدود ذلك بالتقابل، وكفّ الأذى وعدم الصد والتعطيل والدّس، والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن إلا الظالمين الذين يصدون عن سبل الله ويبغونها عوجا، ومقابلة العدوان بمثله حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله «1» .

_ (1) . 1- اقرأ مثلا الآيات التالية في صدد تقرير كون الدعوة في غنى عن الخوارق: الأنعام [4- 20 و 109- 117] ، ويونس [15- 36] ، والرعد [7- 32] ، والإسراء [89- 100] ، والأنبياء [2- 10] ، والفرقان [1- 10] ، والعنكبوت [45- 52] . 2- اقرأ مثلا الآيات التالية في صدد أهداف الدعوة ومبادئها ووحدتها من دعوة النبيّين وحل المشاكل وتنظيم المناسبات: البقرة [83- 90 و 101 و 136- 139 و 177 و 213 و 261- 286] ، وآل عمران [34- 64 و 104 و 110 و 189- 199 و 150- 166، والنساء [1- 38 و 90- 135 و 163- 179] ، والمائدة [1- 5 و 44- 50 و 59- 86] ، والأنعام [147- 153] ، والأعراف [29- 133 و 156- 158] ، والنحل [90- 97 و 125- 128] ، والإسراء [22- 39] ، ومريم [16- 37] ، والمؤمنون [1- 10] ، والفرقان [63- 76] ، والعنكبوت [45- 49] ، والشورى [13- 15 و 36- 43] ، والممتحنة [1- 12] ، والحشر [7- 10] ، والحجرات [1- 18] ، فإن الكتاب يضيق عن استيعابها لكثرتها. الجزء الأول من التفسير الحديث 3

- 4 - أسلوب القرآن:

- 4- أسلوب القرآن: وقد جاء في نظمه وسوره وآياته وقصصه وعظاته وتلقيناته وأمثاله وخطابه وحججه وجداله أسلوبا رائعا متميزا في ذلك كله بخصوصيات جعلته فذا بالنسبة لأسلوب الكتب السماوية السابقة، وبالنسبة لما هو مألوف من أساليب النظم والسبك والخطاب، ذا طابع خاص خالد مما لا يصح أن يقاس عليه أنواع الكلام وأساليب الكتب والتأليف ومما يصح أن يعد أسلوبا خاصا فيقال إن اللغة العربية نظم ونثر وقرآن كما قاله كبير من أدباء العربية الحديثين بقطع النظر عن الباعث عنده على هذا القول، ومما يصح أن يكون معينا لا ينضب في فنون النظم والسبك وسمو الطبقة. 5- القرآن والبيئة والسيرة النبوية: وعلى اعتباره أصدق مدونة دونت في عهد النبي، بل وأوحد مدونة من عهد النبي احتفظت بصورتها الأصلية دون تحوير وتعديل فقد جاء بما احتواه من معان وأساليب واصطلاحات ومفردات وتشبيهات واستعارات وفنون خطاب ولغة دليلا قويا رائعا على ما وصل إليه العرب الذين نزل بلسانهم في عهد نزوله من الدرجة الرفيعة في سلّم الفصاحة خاصة وما كانوا عليه من حضارة مادية وعقلية وثقافية بصورة عامة خلافا لما حلا لبعضهم أن يرويه ويقوله على ما ذكرناه في كتابنا «عصر النبي» «1» وعلى ما نبهنا عليه في مناسبات كثيرة من التفسير. واحتوى بالإضافة إلى ذلك أولا أصدق الصور وأوثقها لبيئة النبي وعصره من النواحي الاقتصادية والمعاشية والجغرافية، وعمّا كان عليه أهلها من تقاليد وظروف وعادات دينية واجتماعية وأخلاقية وعقلية وثقافية واقتصادية اتصلت

_ (1) صدر عام 1366 هـ/ 1947 م.

- 6 - الوحي الرباني والوحي القرآني:

بظروف البعثة والسيرة النبوية وتطوراتهما أوثق اتصال، وثانيا أصدق الصور وأوثقها للسيرة النبوية الشريفة في عهديهما المكي والمدني، وسواء في ذلك ما كان روحاني المظهر من حيث الصلة بالله ووحيه وتلقينه وتوجيهه ومدده وتأييده وتعليمه وتأديبه وتثبيته، أو ما كان متصلا بالناس من حيث مواقفهم من النبي عليه السلام ودعوته مسلمين وكتابين ومشركين، ومن حيث تأثرهم بهذه السيرة وهم شهود العيان لحادث «نبوة النبي» في شخص محمد عليه السلام، ثم من حيث موقف النبي من الناس ومن حيث تطور موقفهم منه وموقفه منهم بتطور الدعوة واتساع نطاقها. فالقرآن من أجل ذلك كله كان وسيظل موضوع نظر وتدبر واستلهام واستنباط لدى الناس على مختلف الملل والنحل والأجناس بطبيعة الحال. ونريد أن نستدرك بأننا لا نعني أن القرآن قد احتوى جميع صور السيرة النبوية والبيئة النبوية وأحداثها، أو أن ما احتواه منها قد جاء قصدا لها بالذات. فهناك من دون ريب أحداث وصور كثيرة من البيئة والسيرة النبوية لم ترد في القرآن، كما أن ما جاء منها فيه إنما جاء في الحقيقة عرضا وبسبيل الدعوة والموعظة والتذكير والتشريع والأمر والنهي مما اقتضته الحكمة ليكون مصدر إلهام وإيحاء وتوجيه، ومرجع تشريع وتلقين للمسلمين في جميع العصور، ولكن الذي نعنيه أن في القرآن من هذه الصور شيئا كثيرا منه ما جاء بصراحة ووضوح ومنه ما جاء إشارة وتلميحا. - 6- الوحي الرباني والوحي القرآني: وصلة النبي عليه السلام بالوحي الرباني التي كان القرآن مظهرها الرئيسي وإن كانت وظلت في حقيقة كنهها سرا على غيره، لأنها متصلة بسرّ النبوة فإن القرآن احتوى آيات عديدة قد تساعد بعض الشيء على فهم مظاهرها ومداها بقدر ما تسمح به اللغة البشرية وتتسع له أفهام البشر الذين يتخاطبون بها.

منها ما جاء في سورة التكوير: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) . حيث ترد الآيات كما هو واضح على نسبة الجنون وصلة الشيطان بالنبي التي نسبها الكفار إليه حينما أخذ يخبر بحادث رؤياه ملك الله وخطابه له، وسماعه منه أولى آيات القرآن. ولعل هذه الآيات أقدم آيات واردة في الموضوع بهذه الصراحة والصميمية النافذة. ومنها ما جاء في سورة النجم: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (1) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (2) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (7) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (8) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (9) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (10) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (11) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (12) . وهي كسابقتها مضمونا وتوكيدا بصدق تقرير النبي صلى الله عليه وسلّم عن صلته بالله أو ملك الله، ونزول وحي الله عليه. والآيتان الأخيرتان تشيران إلى أن رؤية النبي لملك الله كانت بعين بصيرته وفؤاده، وتتضمنان حجة قوية على انسداد مجال المماراة في هذه الرؤية الخاصة التي ليست قدرا مشتركا بين الناس. ولعل ما يصح التمثيل به- ولله ووحيه ونبيه المثل الأعلى- على سبيل التقريب لمفهوم الآيات ما يخطر ببال الإنسان من خواطر أو ما يراه الرائي في المنام، فهذه وتلك إحساسات أو رؤى خاصة ليست قدرا مشتركا بين الرائي أو الهاجس وغيره حتى تصح فيها المماراة والتكذيب كما تصح في تقرير رواية مشهد من مشاهد الكون كالشمس والقمر والشجر وغيرها. فإذا قال أحد إنه يرى القمر ولم يكن بازغا أو يرى شجرا ولم يكن هناك شجر فالمماراة واردة وصحيحة.

ومنها ما جاء في سورة الشعراء: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) . والسياق الذي جاء بعدها يلهم أنها هي الأخرى بسبيل الرد على نسبة الكفار صلة النبي إلى الشيطان دون الملائكة والتوكيد بأن القرآن وحي رباني حيث جاء بعد قليل: 1- وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (210) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (211) . 2- هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (223) . وفي الآيات الأولى 192- 195 إشارة إلى كيفية صلة وحي الله القرآني بالنبي وهي نزوله به على قلبه مما يتسق مع تقرير آيات النجم الأخيرة. ومنها ما جاء في سورة النحل: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) . إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (102) . وهي مثل سابقاتها تؤكد صلة النبي بالله ووحيه القرآني وتنفي صلة الشيطان المزعومة من الكفار من جهة وتنطوي على كيفية مقاربة لما جاء في الآيات السابقة من جهة أخرى. ومنها ما جاء في سورة البقرة: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ

يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) . وقد جاءت الآية في سياق التنديد باليهود ومواقفهم وإعلانهم العداء لجبريل عليه السلام، وانطوت على كيفية مماثلة للكيفية التي احتوتها آيات الشعراء مع صراحة اسم ملك الله الذي كان اسمه معروفا في معرض الوحي الرباني عند اليهود والنصارى والذي ذكر اسمه في أحد الأناجيل في معرض بشارة مريم وحملها بالسيد المسيح عليه السلام. وفي سورة الشورى آيات فيها بيان كيفيات اتصال الوحي الرباني بالبشر وبالنبي عليه السلام: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51) . وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) . ومع أن الوحي الرباني اصطلاحا هو ملك الله الذي يتصل بالنبي فإن الآية الثانية تلهم أنه أريد به المعنى اللغوي وهو القذف بالقلب والروع على ما فسّره العلماء مما هو متسق مع مضمون الآية الأولى التي احتوت إشارة إلى طريقتين أخريين كما هو ظاهر. ومنها آيات في سورة القيامة: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (19) . وآية في سورة طه مقاربة لهذا المعنى: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (114) .

وآيات القيامة خاصة احتوت نهيا صريحا للنبي عن حركة آنية كانت تبدو منه حينما كان ينزل عليه الوحي القرآني وفيها صورة عظيمة المدى لصلة الشعور النبوي بالوحي الرباني، حيث كان النبي يردد ما كان يوحى إليه بلسانه مماشاة لإلقاء الوحي القرآني في آن نزوله عليه حرصا منه على أن لا يفلت منه آية أو كلمة أو حرف أو معنى مما كان يوحى إليه به. وفي سورتي النحل وغافر آيتان وإن كانتا ليستا في صدد صلة النبي محمد عليه السلام بالوحي خاصة وشخصية فإنهما في صدد معنى ومدى صلة الله ووحيه بمن يختاره لرسالته من عباده: 1- يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ النحل [2] . 2- يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ غافر [15] . والآية الثانية قد تلهم أن الروح فيها لا تعني جبريل الذي فسرت به الكلمة في أكثر ما ورد في صدد الوحي الربّاني وإنما قد تعني تجليا ربانيا يتصل بالشخص المختار. أما الآية الأولى فإنها تلهم أن هذا التجلي يحدث بمرافقة الملائكة وإطلاقا. وفي سورة فاطر آية تؤيد هذا الإطلاق والشمول: الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) . ولقد وردت في صدد صلة النبي بوحي الله أحاديث عديدة توضح أحيانا بعض ما احتوته الآيات من صور وتتسق أحيانا معها. منها حديث البخاري المشهور عن عائشة رضي الله عنها في كيفية بدء الوحي: «أول ما بدأ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم. فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبّب إليه الخلاء. وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه- وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزح إلى أهله ويتزود إلى

ذلك. ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها. حتى جاءه الحقّ وهو في غار حراء. فجاءه الملك فقال اقرأ. قال ما أنا بقارئ. قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ. فقلت ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ. فقلت ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة ثم قال اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربّك الأكرم. فرجع بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يرجف فؤاده فدخل على خديجة وأخبرها الخبر. لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة كلا والله ما يخزيك أبدا. إنك لتصل الرّحم وتحمل الكلّ وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى ابن عم خديجة. وكان امرأ قد تنصّر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة يا ابن عم اسمع ابن أخيك. فقال له ورقة يا ابن أخي ماذا ترى. فأخبره رسول الله خبر ما رآه. فقال له ورقة هذا الناموس الذي أنزل الله على سيدنا موسى ويا ليتني فيها جذع. ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أو مخرجيّ هم قال نعم. لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلّا عودي. وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا» . ومنها حديث رواه الطبري عن ابن الزبير: «قال رسول الله فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال اقرأ فقلت ماذا أقرأ. فغطّني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ماذا أقرأ. وما أقول ذلك إلا افتداء من أن يعود إليّ بمثل ما صنع بي. قال اقرأ باسم ربك الذي خلق إلى قوله علّم الإنسان ما لم يعلم. قال فقرأته ثم انتهى ثم انصرف عني وهببت من نومي وكأنما كتب في قلبي كتابا. قال ولم يكن من خلق الله أبغض عليّ من شاعر أو مجنون. كنت لا أطيق أن أنظر إليهما. قال قلت إن الأبعد يعني نفسه لشاعر أو مجنون. لا تحدّث بها عني قريش أبدا. لأعمدنّ إلى حالق من الجبل فلأطرحنّ نفسي منه فلأقتلنها فلأستريحنّ. قال فخرجت أريد ذلك حتى إذا كنت

في وسط الجبل سمعت صوتا من السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل. قال فرفعت رأسي إلى السماء فإذا جبريل في صورة رجل صافّ قدميه في أفق السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل. قال: فوقفت أنظر إليه وشغلني ذلك عما أردت فما أتقدم وما أتأخر وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك. فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي ولا أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي حتى بلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني. ثم انصرف عني وانصرفت راجعا إلى أهلي» . ومنها أحاديث أخرى وردت في البخاري أيضا: 1- عن عائشة رضي الله عنها أن الحرث بن هشام رضي الله عنه سأل النبي صلّى الله عليه وسلّم كيف يأتيك الوحي فقال رسول الله أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ فينفصم عني وقد وعيت عنه ما قال. وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول. قالت عائشة رضي الله عنها ولقد رأيته يتنزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فينفصم عنه وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا. 2- أخبر صفوان بن يعلى أن يعلى كان يقول ليتني أرى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين ينزل عليه. قال فبينا النبي كان بالجعرانة وعليه ثوب قد أظلّ معه فيه أناسا من الصحابة إذ جاءه أعرابي عليه جبة متضمّخ بالطيب فقال يا رسول الله كيف ترى في رجل بعمرة في جبته بعد ما تضمخ بالطيب فأشار عمر إلى يعلى بيده أن تعال فجاء يعلى فأدخل رأسه فإذا بالنبي صلّى الله عليه وسلّم محمر الوجه يغط كذلك ساعة ثم سرّي عنه فقال أين الذي يسألني عن العمرة آنفا. فالتمس الرجل فأتي به فقال أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات وأما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجّك. 3- أخبر زيد بن ثابت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أملى عليه لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء: 95] فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها قال يا رسول الله والله لو استطعت الجهاد لجاهدت وكان أعمى فأنزل الله على رسوله وفخذه على فخذي فثقلت علي حتى خفت أن ترضّ فخذي ثم

سري عنه فأنزل الله غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ. 4- عن عائشة قالت قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يا عائشة هذا جبريل يقرئك السلام قالت وعليه السلام ورحمة الله قالت وهو يرى ما لا نرى. ففي بعض النصوص القرآنية صراحة بنزول وحي الله بالقرآن على قلب النبي صلّى الله عليه وسلّم، وفي بعضها ما يمكن أن يلهم أن الوحي تجلّ روحاني رباني ينزل على من يختاره الله من عباده لرسالته تارة مترافقا مع الملائكة وبتخصيص مع جبريل وتارة بدون ذلك، وفي بعضها إشارة إلى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يرى الملك الرباني بعين بصيرته وكان يسمع كلامه ويتلقى عنه أيضا. والأحاديث الواردة تفيد تارة نزول الوحي على قلب النبي، وتارة رؤية النبي لملك الله وسماعه كلامه وتلقيه عنه كذلك. وهذه وتلك وآثار عديدة أخرى تفيد أن الوحي كان ينزل على النبي وهو بين الناس أو هو في بيته فلا يشعر به غيره، وكل ما يكون من مظهره أن يأخذه الجهد ويطرأ عليه شيء من الانفعال الروحاني ويتصبب عرقا ثم ينفصم عنه وقد وعى ما نزل عليه فيبادر إلى إبلاغه وإملائه في مجلسه الذي يكون فيه، ويستأنف ما كان فيه من عمل أو حديث، وتفيد كذلك أن النبي كان يشعر بأن الوحي الرباني الذي نزل عليه بمختلف الطرق هو شيء منفصل عن ذاتيته، ولا تصح المماراة في ذلك لأنه المخبر الصادق بأمر لا يستطيع غيره أن يشعر به. هذا ولقد أثر عن النبي النهي عن تدوين شيء غير القرآن عنه كما تواترت الأخبار بأنه كان يأمر أحد كتابه بتدوين ما كان ينزل عليه من الوحي القرآني فورا. فهذا وذاك متصلان بشعوره الخاص بالفرق بين ما كان ينزل عليه من وحي قرآني وبين كلامه العادي أو ما يجول في نفسه من أفكار وخواطر أو ما يلهمه من الله إلهاما أو يوحى إليه إيحاء من غير القرآن وبالحرص على عدم الخلط بينهما. ومما يتصل بهذا الإلهامات أو الإيحاءات الربانية للنبي في صدد أعمال وتشريعات عديدة. فغزوة بدر مثلا أقدم عليها النبي نتيجة لهذه الإلهامات، وسورة الأنفال إنما نزلت بعد وقوعها.

وفي هذه السورة آيات تحتوي، إشارات إلى وقوع تلك الإلهامات قبل الخروج إحداها في صدد القافلة وهي وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ [الأنفال: 7] واثنتان منها في صدد المعركة وهما إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ... [الأنفال: 9- 10] ومع ذلك فإن النبي لم يبلغ هذه الإلهامات على أنها وحي قرآني قبل الخروج أو قبل المعركة، ولكنه سار سير المسلمين إلى الهدف بها، ولم يبلغ الآيات نصا على أنها كذلك. إلا بعد الواقعة وحينما أوحيت إليه مع فصول أخرى من سورة الأنفال على أنها كذلك. ومن هذا رحلة الحديبية وما كان من النبي فيها ورحلة خيبر وتشريع الفيء والخمس والزكاة وصلاة الجمعة وكيفيات وأوقات الصلوات الخمس والوضوء والتنكيل ببني النضير وبني قريظة وغيره وغيره مما يصعب حصره لكثرته حيث كان ذلك بالإيحاء والإلهام الرباني فلم يبلغ النبي ذلك كوحي قرآني وإنما سار وسيّر المسلمين عليه بقوته ولعلّه بكفه للمسلمين على أنه إلهام أو إيحاء مطلق ولم يبلغ ما جاء في القرآن في هذا الشأن بعد السير والتسيير والعمل إلا حينما أوحي إليه على أنه وحي قرآني. ومما يزيد هذا وضوحا ما يروى عن النبي من الأحاديث المعروفة بالأحاديث القدسية والتي تحتوي كلاما ربانيا. فليس من أحد يمكن أن يفهم منطقيا بين هذه الأحاديث وبين ما يوحى إلى النبي قرآنا. ومحتوياتها مما يتصل بمحتويات القرآن وعظا أو إنذارا أو تبشيرا أو إخبارا أو قصصا. ومع ذلك فقد فرق بينها وبين القرآن ولم يأمر النبي بتدوينها قرآنا. ومما لا ريب فيه أن هذا التفريق يتصل بالصفة القرآنية التي كان يدركها النبي لما يوحى إليه به قرآنا.

ولعلّ في آيات سورة يونس هذه: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (16) . دليلا قويا على ما نقرره من ذلك الشعور. كما أن فيها برهانا على أن النبي صلّى الله عليه وسلّم ما كان يفكر في أي شيء من دعوة الناس والاستعداد لها وكل ما كان من أمره أنه كان مستغرقا في الله وآلائه وعظمته حتى صار مظهر رسالة الله والله أعلم حيث يجعل رسالته فأمر بها فصدع بما أمر. ومما يجدر التنبيه عليه: أولا- إن في القرآن آيات عديدة تبدو أنها جاءت على لسان النبي أو على لسان الملائكة مباشرة أي غير مسبوقة بأمر القول ولا معطوفة على آيات فيها ذلك. مثل: 1- الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ هود: [1- 4] . 2- وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا مريم: [64] . 3- وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (164) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ الصافات: [164- 166] . 4- فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ

مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ الذاريات: [50- 51] . وثانيا- إن فيه آيات أخرى احتوت تنبيها على حركة شخصيّة وفورية من النبي عليه السلام وليست متصلة بما سبقها أو بما لحقها من الآيات سياقا وموضوعا وهي آيات سورة طه [111] والقيامة [16- 19] التي نقلناها قبل قليل. ومع أن المفسرين قالوا في صدد الآيات المذكورة في الفقرة الأولى وأمثالها إن هناك تقديرا وهو أن الله أمر النبي بأن يقول ما قال، وأن الله بلغ النبي ما قاله الملائكة، وأن الآيات على هذا التقدير هي من الوحي الربّاني القرآني فإن في هذه الآيات وتلك ما يسبغ على المعنى الذي نقرّره وضوحا على ما هو المتبادر حيث بلغت قرآنا مع ما جاءت عليه من صيغة وأسلوب. وعلى كل حال فالنصوص والآثار تسوغ القول إن صلة الوحي الرباني بالنبي هي صلة روحية خاصة به، كان يشعر بها بالقوة التي اختصه الله بها دون أن يكون بإمكان غيره إدراكها، غير أن أثرها قائم قياما حاسما لا سبيل إلى المماراة فيه، وإن من الممكن أن يدرك بعض كيفياتها وصورها من الآيات والأحاديث والإيضاحات التي أوردناها آنفا. وروحانية صلة النبي عليه السلام بالوحي الرباني وخصوصية ذلك بإدراك النبي عليه السلام قد تبدوان واضحتين أيضا بما كان من تحدي الكفار للنبي باستنزال الملائكة مما حكته آيات مكية عديدة مثل هذه: 1- وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ الأنعام: [8] . 2- فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ هود: [12] . 3- وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ الحجر: [6- 8] .

شهود العيان لأعلام النبوة:

4- وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً الفرقان: [7] . وجلّ هذه الآيات نزل في سياق الحجاج في صحة اتصال النبي بالوحي الرباني. فلو شاءت حكمة الله أن تكون صلة النبي هذه مادية يمكن أن يدركها غير النبي لكان الملك تراءى للكفار أو غيرهم في معرض الإفحام والإلزام أو التأييد. هذا، وننبّه على أن لعلماء القرآن ومفسريه من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم وتابعيهم ومن بعدهم أقوالا كثيرة في كيفية نزول القرآن ووحيه من الناحية الشكلية والعملية مثل كيفية تلقي الملك القرآن عن الله، ومثل نقله القرآن عن اللوح المحفوظ، ومثل إنزال القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا وإنزاله منها منجما، ومثل كيفية تلقي النبي صلّى الله عليه وسلّم القرآن عن الملك وتحوله روحيا ليكون متناسبا مع الروح الملكية وقادرا على التلقي من الملك إلخ لم نر ضرورة إلى التطرق إليها في هذا المقام، لأنها يبدو عليها آثار التكلف والتجوز التي تؤدي إلى عدم الاطمئنان، ولا سيما إن فيها تطرقا لا يشفي غليلا ولا طائل من ورائه إلى السرّ الذي ظل على الرغم من ذلك كله محجوبا عن سائر الناس. على أننا سنعود إلى طرق هذا الموضوع وما يتصل به في مقام أكثر مناسبة من هذا المقام. شهود العيان لأعلام النبوة: وإذا كانت صلة الوحي الرباني بالنبي على الوجه المشروح حقيقة لا يصح إيمان المسلم إلا بالإيمان بها فإن أي شخص منصف حسن النية مهما كانت عقيدته لا يسعه إذا ما تمعن بالآيات والأحاديث، إلا التصديق بصدق الشعور النبوي بها وبكون النبي إنما يصدر عن أمر راهن مهما ظل سرا ربانيا ونبويا فإنه لا يمكن المماراة فيه. على أن في شهود العيان دعامة حقيقة حاسمة في ما نعتقد أيضا. فقد شهد حادث نبوة النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم آلاف الناس منهم العرب ومنهم غير العرب، ومنهم المشركون ومنهم الوثنيون ومنهم الكتابيون، ومنهم المستقرون من هؤلاء

في مكة والمدينة ومنهم الوافدون خصيصا على هاتين المدينتين للاستعلام والاطلاع على النبأ العظيم الذي بلغهم. ولقد آمن بنبوة النبي في بدء الأمر مئات منهم في مكة طوعا وشوقا ممن طابت أنفسهم وحسنت نياتهم وأنار الحق قلوبهم في وسط المعارضة الشديدة التي تولى كبرها زعماء أشداء ألداء لأسباب عديدة ذكرها القرآن، وكان بين المؤمنين تلك الطبقة النيرة القوية في عقولها وشخصياتها وأروماتها والتي لمع أفرادها لمعانا باهرا فيه الدلالة على هذه المزايا مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وسعيد وطلحة والزبير وأبي عبيدة وغيرهم وغيرهم رضوان الله عليهم، ثم كان بينهم كثير من أهل الكتاب بل وعلمائهم مستقرين ووافدين ممن طابت طوياتهم وحسنت نياتهم وتجردوا من الهوى والغرض وأنفوا من المكابرة والعناد ولم يبالوا بما كان من قوة الزعماء الأعداء وتحرشهم وأذاهم على ما احتوته الآيات القرآنية المكية كما ترى في هذه الأمثلة: 1- الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الأعراف: [157] . 2- أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ يونس: [62- 63] . 3- وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ الرعد: [36] . 4- لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (18) أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ الرعد: [18- 19] .

5- وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ النحل: [41- 42] . 6- قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (107) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً الإسراء: [107- 109] . 107- الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ «1» القصص: [52- 55] . ثم آمن بها الرعيل الأول من أهل يثرب وكان من شأنهم ما كان من نصر وتأييد وتفان في دين الله ونبيه وآمن منهم فريق من علماء اليهود وسط معارضة شديدة قادها بعض زعماء العرب مع زعماء اليهود لأسباب عديدة وصفها القرآن وصفا مسهبا وهي متصلة أيضا بنفس أسباب معارضة زعماء مكة وآمن معهم وفود من علماء النصارى وفدوا على النبي في المدينة مستطلعين مستعلمين أيضا على ما احتوته الآيات القرآنية المدنية كما ترى في الأمثلة التالية: 1- لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ... آل عمران: [113- 114] .

_ (1) هناك آيات كثيرة أخرى فيها وصف رائع لتقوى وورع وعبادة وخشية المؤمنين السابقين تدل على عمق الإيمان والاستغراق فيه في العهد المكي مثل الآيات التالية: الرعد: [20- 22] ، والفرقان [63- 76] ، والمؤمنون: [1- 8] ، والذاريات: [15- 19] ، والمعارج: [22- 35] ، والإنسان [5- 22] .

2- وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ آل عمران: [199] . 3- لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً النساء: [162] . 4- لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ المائدة: [82- 83] . 5- وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ «1» ... التوبة: [100] . فالرعيل الأول من المؤمنين العرب المشركين سابقا في مكة والمدينة الذين آمنوا رغبة وطوعا واستهانوا بكل شيء في سبيل إيمانهم، والكتابيون في مكة الذين آمنوا رغبة وطوعا مع أنهم كانوا أكثر تعرضا للأذى- وهذا وذاك في ظروف ضعف النبي المادي- وعلماء اليهود الذين آمنوا رغبة وطوعا واستهانوا بكل شيء في سبيل إيمانهم ولم يبالوا بعداء قومهم، وعلماء النصارى الذين جاؤوا مستطلعين فآمنوا

_ (1) هناك آيات كثيرة أخرى تصف شدة إيمان المؤمنين الصادقين في العهد المدني واستغراقهم في نصرة الله ودينه ونبيه مثل البقرة: [1- 5 و 155- 207] ، وآل عمران: [15- 17 و 133- 136، و 190- 195] ، والمائدة: [45- 56] ، والتوبة: [71] ، والأحزاب: [23 و 35] ، والفتح: [29] ، والحديد: [18- 19] ، والمزمل: [20] وهي مكية، والحشر [8- 10] . [.....] الجزء الأول من التفسير الحديث 4

- 7 - أثر القرآن الروحي وبلاغته النظمية:

كذلك بالصفة الرائعة التي ذكرتها آيات المائدة [81- 86] ما كانوا ليؤمنوا لو لم يشهدوا من أعلام النبوة وصدق الدعوة النبوية وصلة النبي بالله ووحيه ما لا يسع الطيب النفس المتجرد عن الغرض إلا ذلك. - 7- أثر القرآن الروحي وبلاغته النظمية: وهنا محل لاستطراد وتنبيه، فقد ذهب بعض الباحثين «1» استنتاجا مما ذكره علماء المسلمين عن بلاغة اللغة القرآنية إلى أن هذه البلاغة كانت هي المؤثر الأول في إيمان الذين آمنوا في نجاح الدعوة النبوية. ومع كون اللغة القرآنية في الذروة العليا من البلاغة ليس محل شك فإن في هذا الحصر شيئا من الخطأ في ما نعتقد، إذ يجب أن يضاف إلى ذلك روحانية القرآن وقوة نفوذه، بل إن هذه وتلك يجب أن تكونا مقدمتين. والحق إنهما كانتا المؤثرتين في الدرجة الأولى بالإضافة إل روحانية الدعوة النبوية وصدق لهجتها وشواهد أعلامها. ويبدو هذا واضحا في كون فريق الرعيل الأول من المؤمنين في مكة قد آمن في وقت مبكر جدا، وقبل أن يكون نزل من القرآن جملة كبيرة، فلا يصح أن يشك في أن إيمانهم إنما كان بما نفذ إلى أعماقهم من روحانية الدعوة النبوية وصدق لهجتها وبما شاهدوه من أعلام النبوة في الدرجة الأولى. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الوصف الذي به وصف أثر القرآن في الذين أوتوا العلم في آيات سورتي الإسراء [107- 109] والقصص [52- 53] المكيتين لا يصح أن يكون وصف أثر فصاحة القرآن وبلاغته اللغوية فقط بل ولا يصح أن يشك في أنه وصف أثر روحانية القرآن وقوة نفوذه بالإضافة إلى روحانية الدعوة النبوية وشواهد أعلامها الصادقة في الدرجة الأولى ولا سيما إن

_ (1) فيليب حتي وآخرون من المستشرقين.

المذكورين في الآيات كتابيون ويحتمل أن لا يكونوا عربا أو ممن يجيدون العربية ويتذوقون بلاغتها بقوة وإلى أمثالهم على الأرجح نسب الكفار تعليم النبي كما جاء في آية النحل وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) . حيث تقرر صراحة عجمة لسان بعض أهل العلم والكتابيين الذين كانوا في مكة. وهذا الذي نقوله في صدد المؤمنين السابقين من العرب والكتابيين في مكة ينسحب على من آمن بعدهم في مكة ثم في المدينة من الفريقين أيضا. والآيات التي نقلناها قبل قليل وخاصة آيات المائدة بالنسبة لعلماء النصارى تحتوي برهانا حاسما في هذا الشأن. وهناك ملاحظات مهمة في هذا الصدد تدعم ما نحن بسبيل تقريره، وهي أن الذين آمنوا في العهد المكي كانوا بضع مئات في حين بقيت الأكثرية العظمى من أهل مكة ثم سائر أهل المدن والبوادي العربية متصامّة عن الدعوة النبوية بل ومناوئة لها طيلة هذا العهد، والنبي يتلو القرآن على كل من يلقاه من هؤلاء وأولئك في المواسم وغيرها، وظل الأمر كذلك مع أن ثلثي القرآن قد نزلا في هذا العهد وأن الأسلوب القرآني المكي هو أقوى وأنفذ من حيث النظم والإنذار والتبشير والترغيب والترهيب والحجاج والإفحام والإلزام، وليس ما يصح قوله في حال إن الذين آمنوا هم فقط الذين تذوقوا بلاغة القرآن وتأثروا بها فغالب الزعماء والنبهاء والشعراء وذوي الشأن كانوا في صفوف الكفار ولقد ذكرت روايات السيرة «1» ما كان للقرآن من تأثير في بعض زعماء الكفار ونبهائهم في مكة، وما كان منهم من اعتراف بسمو طبقته وبلاغته وحلاوته وقوة نفوذه، ومع ذلك فقد ظلوا مناوئين للدعوة إلى النهاية استكبارا وعنادا وأنفة وعصبية وخوفا على مراكزهم وزعامتهم إلى الفتح المكي أو بعبارة أخرى إلى أن هلك بعضهم وضعف شأن من بقي منهم وأمكن الله منهم.

_ (1) ابن هشام ج 1 ص 247- 248 و 266 و 271- 272 و 285- 286.

- 8 - أثر الدعوة القرآنية في نجاح الفتوحات الإسلامية:

- 8- أثر الدعوة القرآنية في نجاح الفتوحات الإسلامية: والمناسبة تجرنا إلى استطراد وتنبيه آخر مهما كان موضوعه أمس بالتاريخ فإن له مساسا أيضا بالبحث الذي استطردنا إليه. فقد حلا لبعض المستشرقين والباحثين «1» أن يقولوا إن ما تم من انتصار الجيوش الإسلامية في بلاد الشام ومصر والعراق إنما كان انتصارا للعروبة لا «للمحمدية» - الدعوة الإسلامية- أو إن العامل الاقتصادي في بلاد العرب والعامل السياسي في امبراطوريتي الفرس والرومان هما أبرز عوامله وإن الذين أسلموا من أهل هذه البلاد إنما أسلم أكثرهم للتخلص من الجزية أو نتيجة للاضطهاد. فهذه الدعوة تدعونا هنا إلى التنبيه فقط- لأن المقام لا يتسع للإسهاب- على أن القائلين قد أغفلوا أو تجاهلوا عن قصد أو غير قصد أثر الدعوة المحمدية القرآنية العظيم في يقظة العرب الجديدة وتجمعهم وموجتهم الكبرى في عهد الخلفاء الراشدين، وكون قواد الحملات الإسلامية الأولى بنوع خاص وزعماءها ومشاهيرها كانوا من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم الذين رسخت فيهم مبادئ تلك الدعوة، وكون هذه الحملات امتدادا لحركات التنكيل والتأديب الدفاعية التي بدأت في عهد النبي في نطاق تلك المبادئ، وكون الشعار الذي حمله هؤلاء هو الدعوة إلى الإسلام بالموعظة والحكمة والجزية على من أبى من الأعداء وخضع للسلطان الإسلامي حتى لا يصدّ عن الدعوة ولا يفتن المستجيبون إليها ويكون الدين كله لله، والقتال لمن ظلّ على عدائه وصدّه إلى أن يتحقق ذلك القصد، وما احتواه التاريخ الإسلامي من الصحف النورانية الوهاجة عن التصرف الذي تصرفه هؤلاء القواد والزعماء الذين زوّدهم الخلفاء الراشدون بالإضافة إلى ما رسخ فيهم من مبادئ القرآن من الوصايا بالرحمة والبرّ والرأفة والوفاء ورعاية الذمة وترك المسالمين والحياديين وغير المحاربين والعجّز والنساء والرهبان وشأنهم مما هو مستمد كذلك من تلك المبادئ ومن السيرة النبوية الشريفة، وكون

_ (1) فيليب حتي وكايتاني.

الدين الإسلامي لم يكن غريبا أو منحرفا في الأصل والجوهر عن الأديان السماوية التي كانت سائدة في هذه البلاد. فلكل من هذه الأمور أثر قوي في ما تم للعرب المسلمين من نصر وفتح، وما تم للدين الإسلامي من انتشار وإقبال في أثناء الحملات الأولى وما تبعها من ظروف، وإذا كان التاريخ يذكر بعض ثورات قامت في بعض الجهات، وبعض نكسات حدثت أو بعض أحداث نوقضت فيها تلك المبادئ فإن ذلك لا يبرر القول الذي قيل، وما أريد توجيهه من غمز أو استهانة بآثار الدعوة النبوية القرآنية. وإذا كان قصد التخلص من جزية خفيفة هي في الوقت ذاته بدل ضريبة الدم التي كان يؤدّيها المسلمون وبدل ما كان يبذله هؤلاء من حماية وذمة للدافعين سببا في اعتناق الإسلام فإنه يحمل نفسه معنى كبيرا، وهو كون الدين الذي كان المرتدون عنه يدينون به لم يكن من الرسوخ والقوة في النفوس بحيث يكون أغلى من أن يباع بدينار أو دينارين أو أربعة دنانير في السنة يؤديها الرجل البالغ القادر حسب مقدرته لأن الجزية لم تكن تؤخذ من النساء والأطفال والعجز على أن من الحقائق التي لا تتحمل مماراة أن أكثر الذين اعتنقوا الإسلام من هؤلاء قد اعتنقوه عن قناعة ورغبة لأنهم رأوه متطابقا مع ما هو عليه دينهم من أسس، ومع كثير من تقريرات كتبهم المقدسة، ووجدوا فيه حلولا لعقد عقائدية كانت تثير بينهم الحيرة والفتن الهوجاء وتجرّ عليهم الاضطهادات. ولعل انحدار أكثرهم من الأرومات العربية الجنس التي سماها المستشرقون الحديثون بالساميين، وانتساب كثير منهم للعروبة التي تمركزت فيها هذه الأرومات قد ساعد على الانطباق والاندماج. على أن بقاء شراذم من النصارى واليهود والسامريين والصابئة بعد الحملات الإسلامية الأولى ثم خلال ثلاثة عشر قرنا كان السلطان فيها والكثرة للمسلمين، بل كان هذا السلطان في بعضها قويا ليس في الميدان من يدانيه قوة وشمولا أو يتحداه لدليل خالد رائع على أن الطوائف غير المسلمة لم ترغم على الإسلام إجمالا، وخاصة في عهد الحملات الأولى والظروف القريبة منها، وأن الذين اعتنقوه إنما اعتنقوه بطوعهم وقناعتهم، وإن من بقي على دينه منهم قد تمتع بحريته وأمنه في ظل هذا السلطان وفي ظل مبادئ القرآن الذي قام عليه مما لم

يكن مثله في أي حركة دينية قبله وبعده عاضدتها القوة والغلب، بل ومما جاءت الوقائع والنصوص مؤيدة لعكسه على خط مستقيم. ومن الغريب أن يتجاهل المستشرقون المغرضون والمبشرون ذلك ويحاولوا أن يجعلوا الشذوذ في المسلمين وتاريخهم. وإنه لمن الحق والإنصاف أن يلاحظ استنادا إلى ذلك الدليل الخالد الرائع أنه قد يكون لما يمكن أن يكون وقع من نكسات أو تصرفات قاسية أسباب سياسية أو إدارية أو محلية كتمرد أو دس أو استفزاز أو استجابة لدعاة سوء وشر أو لتحريكات خارجية مما سجل التاريخ بعض شواهده في سياق النكسات والتصرفات ومما كان سببا لإيقاع مثلها في بعض طوائف المسلمين أنفسهم أيضا «1» . ومن الغريب الباعث على الدهشة أيضا ما يحلو لمبشّري النصارى بل ولكتّاب عرب «2» منهم يودون أن يظهروا غير متعصبين تعصبا أعمى وغير مغرضين من تكرار القول بقوة تأثير النصارى في المسلمين وأثر النصرانية كدين في مدنية وحضارة بلاد الشام والعراق ومصر حتى بعد اعتناقهم الإسلام وتسلسله فيهم أجيالا عديدة، وضنّهم مع ذلك أن يجعلوا للإسلام والمسلمين والمبادئ القرآنية أثرا ما في الحضارة التي صارت عليها هذه البلاد، حتى بعد أن مضى على السلطان الإسلامي منها أجيال عديدة، ثم من الإصرار على وصف رجل أو امرأة بأنه نصراني قديم أو أنه يستمد مظهره ودوره وروحه وسلوكه ومدنيته من نصرانيته ولو أنه صار مسلما راسخا وقضى في إسلامه أضعاف السنين التي قضاها نصرانيا وعدا كيانه قائما بالإسلام، حتى ولو كان عربيا أعرابيا من بني كلب أو تغلب ولا ندري لماذا لا يعقل أن ينطبع هؤلاء بالطابع الإسلامي ويتأثروا به وأنهم لا بد من أن يكونوا منطبعين دوما بالطابع النصراني وطابعين به الإسلام ثم لا ندري لماذا

_ (1) في كتاب «تاريخ التبشير والدعوة الإسلامية» لأرنولد تقريرات وشواهد كثيرة على ما جاء في هذا البحث، ومثل هذه الشواهد مبثوثة في كتب التاريخ الإسلامي أيضا. (2) فيليب حتي والآباء اليسوعيون في كتبهم العربية والإفرنسية مثلا.

- 9 - تطور سيرة النبي والتنزيل القرآني:

يحاول أولئك الكتّاب العرب خاصة تهوين هذا التراث العظيم والبناء الباذخ، وهم يعرفون أنهم إنما يحاولون عبثا لا جدوى فيه. - 9- تطور سيرة النبي والتنزيل القرآني: والمناسبة تسمح كذلك بتنبيه واستطراد آخر. فقد حلا للمستشرقين والمبشرين أن يستعملوا تعبيرا عجيبا في معرض الإشارة إلى تطور السيرة النبوية في العهد المدني فيقولون إن النبي في هذا العهد انقلب من نبي إلى حاكم أو صار سلطانا أكثر منه نبيا أو ما في معناه، وقد اتخذ بعضهم بعض ما روته الروايات أو ما تبادر لهم أنهم فهموه من عباراتها أو من عبارات القرآن في صدد بعض أحداث السيرة النبوية الشخصية والعامة في العهد المذكور وسيلة للطعن والغمز، والقول إن النبي قد نقض المبادئ التي بشر بها ودعا إليها في مكة وخالفها. أما أن السيرة النبوية في العهد المدني قد تطورت فهذا مما لا شك فيه وفي القرآن شواهد حاسمة عليه غير أن هذا لا يقتضي أن يكون النبي قد انقلب إلى حاكم أو صار سلطانا أكثر منه نبيا. لأن في القول تحكما في تعيين مدى «النبي» ومهمته لا يستند إلى دليل راهن، كما أن القول إن النبي قد نقض المبادئ التي بشر بها في مكة وخالفها خطأ فاحش لا يستند إلى حق أو شبهة من حق. والقرآن هو الحكم الحاسم والقول الفاصل في هذا وذاك، لأنه من جهة احتوى مبادئ وقواعد من شأنها تعيين مدى مهمة «النبي» ، ومن جهة احتوى صورا للسيرة النبوية في مختلف أدوارها وعهديها. فعدم النفوذ إلى مدى الآيات والفصول القرآنية أو عدم الإحاطة بها لا يمكن أن يغير حقيقة ما احتواه من هذا وذاك بطبيعة الحال، كما أنه إذا كان هناك روايات متعارضة مع هذه المحتويات فإنها تكون مدسوسة أو محرفة من دون ريب. والمماراة في ذلك مكابرة تنشأ عن الغرض وسوء النية والقصد حتما.

ولقد عين القرآن المكي مهمة النبي الرسول وهي الدعوة إلى دين الله الحق وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وإحلال الطيبات وتحريم الخبائث، ورفع التكاليف الشديدة السابقة التي تقيد البشر وتغل أيديهم ونشاطهم، وتبشير الذين يتبعونه ويطيعونه ويستجيبون إلى دعوته بسعادة الدنيا والآخرة، وإنذار الضالين المنحرفين بشقاء الدنيا والآخرة، وبيان الهدى من الضلال والحق من الباطل والحلال من الحرام، ومحاربة الشرك بكل معانيه، والأمر بمختلف المكارم الأخلاقية الشخصية والاجتماعية والإنسانية، والنهي عن مختلف الآثام والمنكرات الشخصية والاجتماعية والإنسانية، على أساس الحرية والمساواة والتسامح والتعاون والتواد والأخوة والحق والعدل والإحسان ودفع البغي والعدوان ومقابلتهما بالمثل دفاعا وضمانة لاحترام الناس حقوق بعضهم، والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة إلا مع الظالمين، وعلى أساس صلة النبي والقرآن بالوحي، ثم على أساس طبيعة النبي البشرية، والاتساق مع العقل والمنطق والمصلحة وطبائع الأمور وحقائق الأشياء. وقد وعده الله هو والمسلمين معه بالنصر وأمرهم بالصبر إلى أن يأتي أمر الله فينصر رسوله والذين آمنوا وكان حقا عليه نصر المؤمنين مما هو مثبوت في مختلف الفصول والسور المكية. فإذا أنعم المرء النظر في القرآن المدني وأخذه كمجموعة يتمّ بعضها بعضا فإنه لا يجد مندوحة عن التسليم بأنه قد ظل في حدود ما رسمه القرآن المكي لمهمة النبي والدعوة النبوية ومبادئها وأسسها وتوجيهاتها، ويرى دلائل ذلك في صريح الآيات ومراميها وتلقيناتها وروحها، فنواة كل ما ورد فيه من تشريع وأوامر ونواه وتلقين وتوجيه أو جلّه موجودة في القرآن المكي، وليس مما يصح في عقل عاقل وإنصاف منصف أن يكون النبي الذي بلّغ القرآن والذي قام الإيمان بنبوته وتنزيله وطاعته والفناء فيه من قبل المؤمنين على ما شاهدوه من أعلام نبوته وقوة روحانيته وصدقه واستغراقه في مهمته العظمى وتخلقه بأخلاق القرآن قد خالف في مختلف أدوار سيرته بأقواله أو أفعاله أو أوامره أو نواهيه أو

توجيهاته النصوص والتلقينات والمبادئ القرآنية. نقول هذا ونحن نعرف أن القائلين يذكرون فيما يذكرون على سبيل التدليل ما كان من تبدل موقف القرآن والنبي من اليهود قولا وفعلا، ومن الدعوة إلى قتال المشركين كافة ومطلقا وعدم قبول غير الإسلام منهم، ومن الأمر بقتال الكتابيين عامة حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، وما وهموه من مناقضة بين هذا وبين الحرية الدينية التي قررها القرآن المكي، ومن اقتران الدعوة إلى الجهاد بالإغراء بالغنائم، ومن ظهور النبي في مظهر ذي السلطان السياسي والحربي والقضائي والمالي والتشريعي، وما وهموه من مناقضة بين هذا وبين مهمة «النبي» وما قرره القرآن المكي من أنه لا يطلب أجرا وليس هو مسيطرا على الناس ولا جبارا ولا وكيلا ولا مسؤولا، وليس هو إلا نذيرا وبشيرا وداعيا إلى الحق فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها، ومن القائلين من ضاق أفقه ونظره وخلط مع هذا زوجات النبي وحياته الخاصة أيضا. غير أن إنعام النظر مع الإنصاف والإحاطة يظهر الحقيقة ساطعة وهي أن ما كان من تطور في السيرة النبوية المدنية وفي المرامي القرآنية المدنية ليس هو تطورا في معنى الانحراف عن الأصل المكي سيرة وقرآنا وإنما هو في حدود هذا الأصل ونطاقه. فالقرآن المكي وإن كان دعا إلى ما دعا إليه ونهى عن ما نهى عنه بأسلوب الحثّ والتحريض والترغيب والترهيب والتحسين والتقبيح والتقرير والتبليغ فإنه انطوى على نواة الأمر والنهي والتشريع أيضا كما نرى في الآيات التالية مثلا: 1- قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ

كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الأنعام: [151- 152] . 2- قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ «1» . الأعراف: [33] . فإذا تطور تطور هذا إلى أسلوب التشريع الحاسم في العهد المدني فإنه إنما كان تطورا تطبيقيا ليس فيه شيء من الانحراف والغرابة، كما أن تمثل قوة التشريع والحكم والقضاء والقيادة والزعامة في شخص النبي عليه السلام هو نتيجة طبيعية لهذا التطور التطبيقي، وليس من مسوغ للقول إن طبيعة مهمة النبوة لا تتحمله. وكل ما كان من تبدل في القرآن وموقف النبي إزاء اليهود والدعوة إلى قتال المشركين والأمر بقتال الكتابيين لم يخرج في أصله عن المبادئ القرآنية المكية، ويجد الذي ينعم النظر في الفصول القرآنية المكية والمدنية دلائل حاسمة على ذلك. فالقرآن المكي قرر الحرية الدينية والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكنه قرر كذلك حق المسلمين في الدفاع والانتصار من البغي، وأوجب الوقوف من الظالم موقف الشدة بالمقابلة كما ترى في هذه الآيات: فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (42) الشورى: [36- 42] .

_ (1) ومن هذا القبيل آيات الإسراء: [32- 39] .

والقرآن المدني، إنما ثبت هذه التقريرات في صيغة الأمر والتشريع وحسب وأمر بالتزام العدل التام مع الأعداء والوفاء بعهد المعاهدين وبترك المسالمين والحياديين وشأنهم، وبل وبتشجيع البرّ بهم والتوادّ معهم، وبإنكار كون الغنائم غاية من غايات الحرب الإسلامية، وبالجنوح للسلم إذا جنح العدو لها كما ترى في الآيات التالية التي هي قليل من كثير في هذا الباب: 1- وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ البقرة: [190- 194] . 2- إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا النساء: [90] . 3- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً النساء: [94] . 4- وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ المائدة: [2] . 5- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ

شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ.. المائدة: [8] . 6- وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.. الأنفال: [61] . 7- إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ التوبة: [4] . 8- إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ.. التوبة: [7] . 9- لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ الممتحنة: [8- 9] . ولا يمكن في حال أن يكون النبي عليه السلام قد ناقض المبادئ القرآنية التي بلّغها، وروايات السيرة الوثيقة تؤيد أن ما كان من قتال بين المسلمين والمشركين العرب وغيرهم في حياة النبي إنما كان دفاعا وانتصارا من الظلم والعدوان وتوطيدا لحرية الدعوة إلى الإسلام. وإنه لم يكن بسبيل إكراه الناس على الإسلام أو بدء أحد بالعدوان والإكراه ولا يقدح في هذا أن يكون كثير من العرب قد أسلموا بعد أن قوي المسلمون وانتصروا على أعدائهم وفتح الله عليهم مما يمكن أن يكون طبيعيا لا شذوذ فيه طالما لم يكن فيه إجبار وإكراه. ولعل ما كان بين النبي عليه السلام وبين فئات المشركين من معاهدات في مختلف أدوار العهد المدني أكبر دليل على ما نحن بسبيل تقريره. ولعل التمعّن في نصّ سورة النصر يجلّي هذه الحقيقة كل التجلية. فإن في تعبير وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ

اللَّهِ أَفْواجاً (2) لو صفا رائعا للإقبال التطوعي على الإسلام مهما كان ذلك نتيجة من نتائج الفتح والنصر والتغلب على الأعداء البغاة الصادين عن دين الله وخضد شوكتهم، بل إن هذا يحمل على القول إن عدم إقبال الناس على الإسلام قد كان أثرا لنشاط هؤلاء الأعداء ومكرهم ومؤامراتهم وحسب. وهو ما تؤيده نصوص قرآنية عديدة أيضا كما ترى في الآيات التالية مثلا: 1- إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ البقرة: [166] . 2- وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إبراهيم: [21] . 3- وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً سبأ: [33] . كذلك يجد الذي ينعم النظر في النصوص القرآنية أن قتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية محدود بحد الذين لا يدينون بدين الحق ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، وأن هؤلاء ليسوا جميع أهل الكتاب وإنما فريق منهم. ومعلل كذلك بأن زعماءهم الدينيين كانوا يصدون عن سبيل الله لضمان منافعهم المادية كما ترى في الآيات التالية: 1- قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ التوبة: [29] . 2- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ التوبة: [34] .

ثم نجد أن اليهود وغيرهم تمتعوا بكل حرية الجدل والحجاج والإنكار والجحود بل بثّ الشكوك والريب في صدور المسلمين وغيرهم بل والوقوف موقف السخرية والتحدي مع احتفاظهم بدينهم وطقوسهم وعهودهم وأن موقف العداء الحربي ضد العرب منهم إنما كان مقابلة على ما بدا منهم من صدّ وأذى وطعن وإخراج وفتنة وظلم ومؤامرة وبغي. وإنّ هذا الموقف من اليهود لم يكن إلا بعد أن بدا منهم الصدّ والطعن والأذى والغدر والنكث والتآمر مع الأعداء المحاربين ومظاهرتهم في الحرب مما جاء في القرآن قويا صريحا واضحا «1» . وبالتالي إن ما كان من أحداث بين النبي واليهود لم يخرج عن نطاق المبادئ القرآنية المكية والمدنية. أما ما كان من غزوات مشارف الشام التي يقطنها نصارى العرب في زمن النبي كدومة الجندل وبني كلب ومؤتة وتبوك فالروايات كثيرة على أنها لم تقع إلا مقابلة على عدوان هؤلاء على قوافل المسلمين، والحملات التي جهّزها أبو بكر ليست إلا امتدادا لها ولحركات حروب الردة. والقول إن الجهاد اقترن بالإغراء بالغنائم مهما كان فيه شيء من الحقيقة إلا أنه طبيعي لا شذوذ فيه ما دام الجهاد دفاعيا وفي نطاق الانتصار من الظلم. على أن في إطلاق القول توسعا لا ينطبق على نصوص القرآن فأكثر آيات الجهاد اقترنت ببيان واجب الجهاد وضرورته وثوابه عند الله والقليل الذي اقترن بوعد الفتح والغنائم اقترن أيضا ببيان الواجب والضرورة وحسن الثواب عند الله، وإن من الحق

_ (1) في سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة آيات وفصول عديدة وطويلة فيما كان لليهود من مواقف حجاجية وتشكيكية وتآمرية كما أن في سور الأنفال والحشر والأحزاب آيات صريحة بمواقف النكث والعداء والخيانة التي وقفوها فاستحقوا عليها التنكيل مما يستغرق نقله حيّزا واسعا اقرأ مثلا آيات البقرة: [40- 42 و 75- 76 و 106 و 139 و 147] ، وآل عمران: [65- 120] ، والنساء: [44- 56 و 153- 165] ، والمائدة: [41- 42 و 57- 76 و 72] ، والأنفال: [55- 63] ، والأحزاب: [26- 27] ، والحشر: [1- 4] .

أن يقرر أن ذلك على كل حال قد جاء في القرآن وظل ثانويا ولم يكن رئيسيا أصلا «1» . وعلاوة على هذا فإن الحثّ على الإنفاق في سبيل الله قد شغل حيزا غير يسير من القرآن وجاء بأساليب قوية نافذة. وهذا مما يكون قرينة قوية على الهدف الذي استهدف بالجهاد وهو توطيد الأمن وحرية الدعوة ودفع البغي والعدوان وإيجاب الإنفاق عليه على المسلمين أكثر من إغرائهم بالمغانم من ورائه «2» . أما حياة النبي الشخصية وزواجاته فإنها من جهة متسقة مع طبيعة النبي البشرية التي قررها القرآن، ومن جهة فإن في الفصول القرآنية ما يزيل ما وقع من الوهم في مشكلاتها وما يدل على الخطأ في فهمها وروايتها. وفي آيات تخيير نساء النبي في سورة الأحزاب [28- 34] ما فيه كل الاتساق مع عظمة خلق النبي واستغراقه في الله ومهمته العظمى وما كان يختاره من شظف العيش وضنكه في حياته البيتية الخاصة. هذا مع القول إن الأخذ والردّ في هذه الناحية ليس إلا ظاهرة من ظواهر التمحّل والهوى وضيق الأفق والنظر والتعامي عن الجوهر واللباب «3» .

_ (1) اقرأ مثلا الآيات التالية البقرة: [154 إلى 157 و 190 إلى 194 و 216 إلى 218] ، وآل عمران: [139 إلى 148 و 169 إلى 179 و 195] ، والنساء: [72 إلى 76 و 94 إلى 100] ، والمائدة: [33 إلى 34 و 51 إلى 66] ، والأنفال: [1 إلى 8 و 38 إلى 47 و 55 إلى 71] ، والتوبة: [1 إلى 16 و 20 إلى 22 و 29 إلى 35 و 89 إلى 100 و 111 و 118 إلى 132] ، والحج: [39 إلى 41] ، والأحزاب: [10 إلى 14 و 22 إلى 27] ، والصف: [10 إلى 13] . (2) اقرأ الفصل الرائع في سورة البقرة: [260 إلى 264] وكذلك آيات البقرة: [195 و 245 و 254] ، والحديد: [10 إلى 11 و 18] مثلا. (3) في مختلف فصول كتابنا «سيرة الرسول» الذي صدر عام 1368/ 1948 شروح وبيانات وافية مؤيدة بالأسانيد القرآنية في صدد جميع ما تناوله هذا البحث وخاصة في فصول اليهود والنصارى والجهاد والتشريع في الجزء الثاني.

- 10 - القرآن والعرب في عهد النبي:

- 10- القرآن والعرب في عهد النبي: والناظر في القرآن يجد أن موضوع (القرآن) وصلته بالوحي الرباني كان موضوعا رئيسيا بل من أهمّ المواضيع الجدلية بين النبي وبين زعماء الكفار ونبهائهم. وقد نسبوا إلى النبي في سياق ذلك أنواع النسب فقالوا إنه شاعر وإنه كاهن وإنه ساحر وإنه كاذب وإنه مفتر وإنه يقتبس ما يتلوه من أساطير الأولين وكتبهم وقصصهم، وإن هناك من يعلّمه ويساعده في ما ينظمه ويتلوه، وإنه مسحور وإنه مجنون وإن الذين يوحون إليه به هم الشياطين والجن على ما كانوا يعتقدون ذلك في شأن السحرة والكهان والشعراء. وتآمروا سرا وعلنا على التشويش عليه واللغو عند تلاوته، والإعراض والصدّ عن سماعه، واستغلّوا بعض الظروف «1» في صدده فحملوا بعض ضعفاء الإيمان على الارتداد إلخ، ويجد أن هذا الموضوع قد شغل حيزا غير يسير من سور القرآن وخاصة المكي منه «2» ، وإن القرآن قد حكى عنهم ما قالوه وفعلوه بكل ما في ذلك من جرأة وصراحة وبذاءة وسوء أدب واتهام ومكابرة، وردّ عليهم ردودا قاطعة قوية عنيفة كانت تتلى عليهم على ملأ الناس وتقذف في وجوه الجاحدين والمعاندين والمكذبين والصادقين والمحاجين مسفهة تارة ومنددة تارة ومتحدية تارة ومبينة للأسباب الحقيقة التي

_ (1) اقرأ آيات النحل [98- 110] وكتابنا «سيرة الرسول» ج 1 ص 241- 244. (2) الآيات كثيرة جدا ومبثوثة في سور القرآن عامة المكي منها خاصة ومع ذلك فإننا نشير إلى بعضها للرجوع إليه والتمعن فيه: البقرة: [21- 25 و 40- 46 و 89- 91] ، والنساء: [163- 170] ، والأنعام: [68- 69 و 124] ، والأنفال: [31- 32] ، ويونس: [15- 17 و 36- 40] ، وهود: [13- 14] ، والحجر: [6- 15] ، والإسراء: [45- 48 و 89- 93] ، والكهف: [1- 6] ، والأنبياء: [2- 10] ، والمؤمنون: [66- 67] ، والفرقان: [1- 6 و 30- 34] ، والشعراء: [192- 227] ، والنمل: [1- 6] ، والعنكبوت: [45- 52] ، والسجدة: [1- 3] ، وسبأ: [1- 9 و 31- 35 و 43- 48] ، والحج: [72- 78] ، وفاطر: [29- 43] ، ويس: [1- 11 و 69- 70] ، وفصلت: [26 و 44 إلى 46] .

تمنعهم من الإيمان والتصديق تارة كالاستكبار والتعاظم والاعتداد بالمال والجاه والعصبية، وخشية فقدان المنافع والمصالح وعدوان الخارج وقطيعة الناس وانفضاض الجمهور عنهم إلخ. ثم ظل النبي بتأييد الله ووحيه وقوته وتثبيته لا يزداد إلا استغراقا في مهمته وفناء في ربّه واستمرارا في الدعوة إليه وإشفاقا على قومه لينقذهم ثم لينقذ البشر جميعا من الضلال ويخرجهم من الظلمات إلى النور، إلى أن يسّر الله أمر الهجرة إلى المدينة المنورة وأيد نبيه بنصره وحقق له وعده فنصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب، وأهلك أكثر الزعماء الأقوياء المستكبرين الصادين الذين قادوا حملة المعارضة وتولوا كبرها، ودخل الناس في دين الله أفواجا وصارت كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى. فالقرآن يمثل فيما يمثل هذه القوة الروحانية العظمى التي كانت وما زالت الحاسمة في الموقف والمثيرة للإعجاب والإعظام والإجلال. ومن الجدير بالذكر أن كل ما يمكن أن يقوله كافر جاحد عنيد شديد العداء عن القرآن والنبي قد قاله كفار العرب في حضرته مباشرة، وبكل عناد وقوة ولجاجة، وإن النبي قد ردّ عليه بلسان القرآن بكل قوة وعنف وقطعية وإفحام وصمد له صمودا رائعا عظيما. وكان ذلك على مرأى ومسمع من مختلف الفئات ثم استمر في تبليغ الدعوة إلى الله ومكارم الأخلاق وأسباب سعادة الدارين، وفي كل هذا دليل قوي أخاذ على ما كان من عمق شعوره عليه السلام بصدق رسالته وصدق صلته بالوحي الرباني وإدراكه التام لمدى مهمته العظمى واستغراقه فيها. وإن المرء ليشعر بها شعورا يملك عليه نفسه إذا كان حسن النية متجردا عن الهوى إذ يقرأ في القرآن آيات النساء [167] والأنعام [93] والشورى [24] والأحقاف [8] والحاقة [38- 52] التي نقلناها قبل ويقرأ منها آيات يونس هذه: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا الجزء الأول من التفسير الحديث 5

أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (16) . ومن العجيب أن يظل المغرضون من المبشرين والمستشرقين يأخذون ويردون ويعيدون ويبدئون فيما لم يقصر به زعماء كفار العرب مع النبي صلى الله عليه وسلّم مباشرة، وبعد أن احتوى القرآن ما احتواه في صدد ذلك من آيات رائعة وردود قوية وتحدّ مفحم وصميمية نافذة مستولية، وأن يتمسكوا كما تمسك أولئك بالقشور دون اللباب وبالعرض دون الجوهر وأن لا يتورعوا عن البذاءة والغثاثة والصغار والمراء بالباطل وأن لا يكون تقدم الأدب الإنساني والحضارة الإنسانية والتفكير الإنساني ذا أثر رادع في مكابرة المكابرين ومماراة الممترين وخروجهم فيهما عن نطاق الأدب والحق والمنطق.

الفصل الثاني جمع القرآن وتدوينه وقراءاته ورسم المصحف وتنظيماته

الفصل الثاني جمع القرآن وتدوينه وقراءاته ورسم المصحف وتنظيماته - 1- مجموعات من الروايات والأقوال في تدوين القرآن: أما تدوين القرآن وجمعه وترتيبه فإن الناظر في كتب علماء القرآن ورواة الحديث عنهما يجد أقوالا وروايات كثيرة حول هذا الموضوع مختلفة اختلافا غير يسير، ومتعارضة أحيانا. فأولا: إن هناك أقوالا وروايات تفيد أن النبي عليه السلام توفي ولم يكن القرآن قد جمع في شيء، وإن جمعه وترتيبه إنما تمّا بعد وفاته وإن ما كان يدوّن منه في حياته كان يدون على الأكثر على الوسائل البدائية مثل أضلاع النخيل، ورقائق الحجارة وأكتاف العظام وقطع الأديم والنسيج، وأن المدونات منه على هذه المواد لم تكن مضبوطة ولا مجموعة، وكانت على الأكثر متفرقة عند المسلمين، وأن المعول في القرآن، إنما كان على القراء وصدور الرجال: 1- فقد ورد حديث منسوب إلى زيد بن ثابت برواية الزهري جاء فيه أن النبي قبض ولم يكن القرآن قد جمع بشيء. ولقد علّق الخطابي على ما جاء في «إتقان» السيوطي على هذا الحديث بقوله إنما لم يجمع النبي القرآن لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه وآياته. فلما انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك بوفاء وعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة فكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر. ثم قال وأما ما أخرجه مسلم من حديث أبي مسلم

«لا تكتبوا عني غير القرآن» فلا ينافي ذلك لأن الكلام في كتابة مخصوصة على صفة مخصوصة. وقد كان القرآن كلّه كتب في عهد رسول الله لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور. 2- وقد روى البخاري حديثا عن زيد بن ثابت عن جمع القرآن بعد وفاة النبي هذا نصه: قال زيد أرسل إليّ أبو بكر بعد مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده فقال أبو بكر إن عمر أتاني فقال إن القتل استحر يوم اليمامة بقرّاء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن وإني أرى أن نأمر بجمع القرآن. فقلت لعمر كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله قال عمر هو والله خير. فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري بذلك ورأيت الذي رأى عمر. قال أبو بكر إنك شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله فتتبع القرآن فاجمعه. فو الله لو كلفوني في نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمراني به من جمع القرآن. قلت فكيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله. قال هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للّذي شرح صدر أبي بكر وعمر. فتتبعت القرآن أجمعه من العسب والقحاف وصدور الرجال. ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره. فكانت الصحف عند أبي بكر ثم عند عمر ثم عند حفصة. 3- وقد روى ابن شهاب حديثا جاء فيه إن أبا بكر قال بعد أن تمّ جمع القرآن التمسوا له اسما فقال بعضهم السفر وقال بعضهم المصحف فإن الحبشة يسمونه المصحف. فسماه أبو بكر المصحف. وقد أورد المظفري رواية أخرى جاء فيها أن أبا بكر لما قال سمّوه قال بعضهم سمّوه إنجيلا فكرهوه وقال بعضهم سمّوه السفر فكرهوه فقال ابن مسعود رأيت بالحبشة كتابا يدعونه المصحف «1» فسمّوه به.

_ (1) القول بأنه اقترح أن تسمّى المجموعة إنجيلا محل نظر في ذاته لأن أصحاب رسول الله يعرفون أن هذه التسمية خاصة بكتاب عيسى والنصارى. ولقد قيل إن كلمة «المصحف» دخيلة ونحن نرى ذلك غريبا لأن معنى هذا أنها لم تكن معروفة الأصل والاشتقاق والمعنى عند العرب في حين أن الكلمة على ما هو الأرجح إن لم نقل على الجزم متصلة بكلمة صحف وصحيفة. وكلمة صحف وردت أكثر من مرة في القرآن حيث وردت في سور الأعلى والنجم وعبس والمدثر.

هذا في حين أن هناك حديثا بخاريا آخر في نفس السياق يذكر أن المجموعة كانت تسمى «الصحف» . وعلى كل حال فحديث تسمية المجموعة بالمصحف يفيد أن هذه التسمية التي استفاضت حتى صارت العلم على مجموعة القرآن استعملت لأول مرة في جمع عهد أبي بكر. 3- وأخرج أبو داود حديثا آخر جاء فيه أن عمر أعلن الناس من كان تلقى من رسول الله شيئا من القرآن فليأت به وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب. وكان لا يقبل من أحد شيء حتى يشهد شاهدان. 4- وروى ابن شهاب حديثا آخر جاء فيه: إنه لما أصيب المسلمون باليمامة فزع أبو بكر وخاف أن يذهب من القرآن طائفة فأقبل الناس بما معهم حتى جمع على عهد أبي بكر في الورق. فكان أبو بكر أول من جمع القرآن. 5- وروى الليث بن سعد حديثا جاء فيه أن عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها زيد لأنه كان وحده. 6- وروى عمارة بن غزية حديثا جاء فيه أن زيد بن ثابت قال أمرني أبو بكر فكتبته في قطع الأديم والعسب. فلما هلك أبو بكر وكان عمر، كتبت ذلك في صحيفة واحدة. 7- وروى عكرمة أن عليّ بن أبي طالب قعد في بيته بعد بيعة أبي بكر فقيل لأبي بكر كره بيعتك. فأرسل إليه فقال أكرهت بيعتي. قال لا والله. قال ما أقعدك عني. قال رأيت كتاب الله يزاد فيه فحدثت نفسي أن لا ألبس ردائي إلا لصلاة حتى أجمعه. قال له أبو بكر نعم ما رأيت. 8- وأخرج ابن سيرين حديثا جاء فيه أن عليا لما مات النبي قال آليت أن

- 2 - روايات وأقوال في تدوين القرآن وجمعه

لا آخذ علي ردائي حتى أجمع القرآن فجمعه وأنه كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ. 9- وأخرج أبو داود حديثا عن علي جاء فيه أعظم الناس في المصاحف أجرا أبو بكر رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع كتاب الله. 10- وأورد ابن أشته في كتاب المصاحف حديثا جاء فيه أن أول من جمع مصحفا بعد وفاة النبي هو سالم مولى حذيفة. 11- وأورد السيوطي في «الإتقان» أن ابن فارس وهو من علماء القرآن قال إن تأليف السور كتقديم السبع الطوال وتعقيبها بالمئين قد تولته الصحابة. 12- وقال الحاكم إن جمع القرآن الثالث هو ترتيب السور وقد تمّ ذلك في زمن عثمان. - 2-[روايات وأقوال في تدوين القرآن وجمعه] وثانيا: إن هناك روايات كثيرة عن وجود اختلاف في ترتيب مصاحف بعض الصحابة وعن كلمات زائدة كتبت في بعض المصاحف ولم تكتب في المصحف المتداول وعن آيات كانت تقرأ ولم تكتب كذلك هي هذا المصحف مما يفيد أن النبي توفي ولم يكن القرآن قد جمع ورتب أيضا: 1- فمن الروايات التي أوردها السيوطي نقلا عن كتب علماء القرآن والمصاحف أنه كان لكل من أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وهما صحابيان وعالمان في القرآن «1» مصحف وأن ترتيب سور كل منهما مغاير لترتيب الآخر من جهة ومغاير لترتيب سور المصحف العثماني المتداول من

_ (1) في حديث عن عبد الله بن جابر أورده السيوطي أنه سمع النبي يقول خذوا القرآن عن أربعة عبد الله بن مسعود ومعاذ وسالم وأبي. وهناك أحاديث أخرى في هذا المعنى فيها بعض الخلاف ولكن اسمي عبد الله وأبي موجودان فيها. [.....]

جهة أخرى، وأن في أحدهما زيادة وفي أحدهما نقصا وأن المصحفين ظلا موجودين يقرآن إلى ما بعد عثمان بمدة طويلة. وقد نقل السيوطي كلا من الترتيبين عن كتاب المصاحف لابن أشته، وفي مصحف أبيّ سورتان صغيرتان زائدتان عن سور المصحف واحدة اسمها سورة الحفد وهذا نصها: «اللهم إياك نعبد. ولك نصلي ونسجد. وإليك نسعى ونحفد نخشى عذابك. ونرجو رحمتك. إن عذابك بالكفار ملحق» . والثانية اسمها سورة الخلع وهذا نصها: «اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك الخير ولا نكفرك. ونخلع ونترك من يفجرك» . وقد أخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي إسحاق على ما ذكره السيوطي أن أمية بن خالد أمّ الناس في خراسان فقرأ بسورتي الحفد والخلع. وهذا كان بعد عثمان بمدة طويلة. ومما أورده السيوطي أن سورتي الفيل وقريش في مصحف أبيّ سورة واحدة. وأن سورتي الضحى والانشراح في مصاحف بعض الصحابة سورة واحدة كذلك. أما مصحف ابن مسعود فليس فيه على ما رواه أولئك الرواة سور الفاتحة والمعوذتين، ومن المروي كذلك أنه كان يحكّ المعوذتين ويقول إنهما ليستا من كتاب الله. 2- وروى عبد الله بن زبير الغافقي أن عبد الملك بن مروان قال له لقد علمت ما حملك على حب أبي تراب «1» إلا أنك أعرابي جاف. فقال له والله لقد جمعت القرآن «2» من قبل أن يجتمع أبواك. ولقد علمني منه علي بن أبي طالب سورتين علّمه إياهما رسول الله ما علّمتهما أنت ولا أبوك وهما سورتا الخلع والحفد. 3- وروى البيهقي أن عمر بن الخطاب قنت بعد الركوع فقال بسم الله

_ (1) كان النبي قال لعلي مرة أبا تراب من قبيل المداعبة على ما روي فصار خصومه ينعتونه بهذا اللقب على سبيل التنقّص. (2) كانوا يعنون بجمع القرآن حفظه غيبا أحيانا.

الرحمن الرحيم ثم سرد سورتي الحفد والخلع. واستدل على أنهما سورتان من تقديم البسملة عليهما. 4- وأورد السيوطي حديثا عن عائشة برواية عروة بن الزبير جاء فيه أن سورة الأحزاب كانت تقرأ في زمن النبي مئتي آية. فلما كتب عثمان المصاحف لم نقدر منها إلا ما هو الآن. 5- وأورد كذلك حديثا عن أبيّ بن كعب أنه سأل زر بن حبيش كم تعد سورة الأحزاب قال اثنين وسبعين أو ثلاثا وسبعين. قال إن كانت لتعدل سورة البقرة وإن كنا لنقرأ فيها آية الرجم. قال: وما آية الرجم قال: إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم. 6- وأورد عن أمامة بن سهل قالت لقد أقرأنا رسول الله آية الرجم الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة. 7- وأورد حديثا رواه مسلم عن ابن عباس جاء فيه أن عمر بن الخطاب خطب الناس قائلا لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. إن الله بعث محمدا بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها وو عيناها وعقلناها ورجم رسول الله فرجمنا معه ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة أو كان الحمل أو الاعتراف. 8- وروي عن الليث بن سعد أن عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها زيد لأنه كان وحده. 9- وروي عن حميدة بنت أبي أويس قالت قرأ علي أبي وهو ابن ثمانين في مصحف عائشة (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما وعلى الذين يصلون في الصفوف الأولى) .

وذلك قبل أن يغير عثمان المصاحف. 10- وروي عن أبيّ بن كعب بإخراج الحاكم أن رسول الله قال لي إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ «لم يكن الذين كفروا إلى آخر السورة ومن جملة ما قرأ «لو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيه سأله ثانيا وإن سأل ثانيا فأعطيه سأله ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب. وإن ذات الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية ولا النصرانية. ومن يعمل خيرا فلن يكفره» . 11- وروي عن أبي واقد الليثي أن رسول الله كان إذا أوحي إليه بشيء أتيناه فعلمنا ما أوحي إليه قال فجئت ذات يوم فقال إن الله يقول «إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. ولو أن لابن آدم واديا لأحبّ أن يكون إليه الثاني ولو كان إليه الثاني لأحب أن يكون الثالث. ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. ويتوب الله على من تاب» . 12- وروي عن عدي بن عدي عن عمر قال: كنا نقرأ «ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم» ثم قال لزيد بن ثابت أكذلك قال نعم. 13- وروي عن أبي سفيان الكلاعي أن مسلمة بن مخلد الأنصاري قال لهم ذات يوم أخبروني بآيتين في القرآن لم يكتبا في المصحف فلم يخبروه وعندهم أبو الكنود سعد بن مالك فقال ابن مسلمة هما «إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ألا أبشروا أنتم المفلحون. والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم القوم الذين غضب الله عليهم أولئك لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون» . 14- وروى المسور بن مخرمة أن عبد الرحمن بن عوف قال ألم نجد

في ما أنزل علينا «جاهدوا كما جاهدتم أول مرة» فإنّا لا نجدها. قال أسقطت فيما أسقط من القرآن. 15- وروي عن ابن عمر: لا يقولن أحدكم أخذت القرآن كله وما يدريه ما كلّه قد ذهب منه قرآن كثير. ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر. 16- وروي عن أبي موسى الأشعري: كنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات مما نسبناها غير أني حفظت منها، يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون. فتكتب لكم شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة. 17- وأورد محمد صبيح في «كتاب القرآن» (ص 164) رواية لم يورد مصدرها عن سورة اسمها سورة النورين يزعم بعض المستشرقين أن عثمان أسقطها من مصحفه وإنها مثبتة في مصحف علي بن أبي طالب وهذا نصها: «يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالنورين. أنزلهما يتلوان عليكم آياتي ويحذرانكم عذاب يوم عظيم. نوران بعضهما من بعض وأنا السميع العليم» إن الذين يوفون بعهد الله ورسوله في آيات لهم جنات النعيم. والذين كفروا من بعد ما آمنوا بنقضهم ميثاقهم وما عاهدوا الرسول عليه يقذفون في الجحيم. ظلموا أنفسهم وعصوا وليّ الرسول أولئك يسقون من حميم. إن الله الذي نور السماوات والأرض مما شاء واصطفى من الملائكة والرسل وجعل من المؤمنين أولئك من خلقه يفعل الله ما يشاء. لا إله إلا هو الرحمن الرحيم قد مكر الذين من قبلهم برسلهم فأخذتهم بمكري إن أخذي شديد أليم. يا أيها الرسول بلغ إنذاري فسوف يعلمون. مثل الذين يوفون بعهدك إني جزيتهم جنات النعيم. وإن عليا لمن المتقين. ولقد أرسلنا موسى وهارون بما استخلف فبغوا هارون فصبر جميل فاصبر فسوف يبلون. ولقد آتيناك الحكم كالذين من قبلك من المرسلين وجعلنا لك منهم وصيا لعلهم يرجعون. إن عليا قانتا بالليل ساجدا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربّه قل هل يستوي الذين ظلموا وهم بعذابي يعلمون» . 18- وقد ورد في «موطأ» الإمام مالك عن أبي يونس مولى عائشة قال

أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا ثم قالت إذا بلغت هذه الآية فآذني حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [البقرة: 238] . فلما بلغتها آذنتها فأملت علي «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر» ثم قالت سمعتها من رسول الله. وفي «الموطأ» حديث عن عمر بن رافع أن حفصة أمرته أن يكتب لها مصحفا ثم يتم الحديث بنفس الصيغة السابقة حرفيا. 19- وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ آية الكهف هكذا «وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا» وآية البقرة هكذا «لا جناح عليكم أن تبتغوا فضلا من ربكم في المواسم» . وروي عن ابن الزبير أنه كان يقرأ آية آل عمران هكذا «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون بالله على ما أصابهم» . وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ آية آل عمران هكذا «وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله من أجل ما جئتكم به» ، ويقرأ آية النساء هكذا «فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن» ويقرأ آية الأحزاب هكذا «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم» ويقرأ آية المجادلة هكذا «ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم إذا أخذوا بالتناجي» . 20- إن هناك روايات عديدة تفيد أن بعض الصحابة كانوا يقرأون كلمات بدل كلمات مثل «أيمانهما» بدلا من «أيديهما» في آية السرقة في سورة المائدة، و «لا تجزى نسمة عن نسمة» بدلا من «لا تجزى نفس عن نفس» في آية سورة البقرة، و «صفراء لذة للشاربين» بدلا من «بيضاء لذة للشاربين» في آية سورة الصافات، و «إدراس وإدراسين» بدلا من «الياس والياسين» ، في آية سورة الصافات، و «جاءت سكرة الحق بالموت» بدلا من «جاءت سكرة الموت بالحق» في آية سورة ق، و «صراط من أنعمت عليهم» بدلا من «صراط الذين أنعمت عليهم» في سورة الفاتحة، و «الحي القيام» بدلا من «الحي القيوم» في آية سورة آل عمران، و «للذين يقسمون» بدلا من «للذين يؤلون» في سورة البقرة، و «مثقال

نملة» بدلا من «مثقال ذرة» في سورة النساء، و «اركعي واسجدي في الساجدين» بدلا من «واسجدي واركعي مع الراكعين» في سورة آل عمران، و «تزودوا وخير الزاد التقوى» بدلا من و «تزودوا فإن خير الزاد التقوى» في سورة البقرة، و «أتموا الحج والعمرة إلى البيت» بدلا من «وأتموا الحج والعمرة لله» في سورة البقرة، و «شاورهم في بعض الأمر» بدلا من «وشاورهم في الأمر» في سورة آل عمران إلخ. 21- ويصح أن نورد أحاديث نسخ المصاحف في عهد عثمان في هذا الباب. لأن فيها ما يفيد أن المسلمين كانوا يختلفون في قراءة القرآن حتى أفزع اختلافهم عثمان وغيره من كبار الصحابة وبالتالي يفيد أن القرآن لم يكن في كتابته ومصاحفه وصحفه المتداولة وفي قراءته محررا بحيث يؤمن معه ذلك الخلاف: 1- فقد أورد البخاري حديثا عن أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال لعثمان أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنه إنما نزل بلسانهم. ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة وبعث إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. قال ابن هشام وأخبرني خارجة بن زيد سمع زيد بن ثابت قال ففقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ... [الأحزاب: 23] فألحقناها في سورتها في المصحف. 2- وقد روي حديث آخر عن أنس بن مالك أيضا جاء فيه أن الناس اختلفوا

- 3 - تابع إلى روايات وأقوال في تدوين القرآن

في القرآن على عهد عثمان حتى اقتتل الغلمان والمعلمون فبلغ ذلك عثمان فقال عندي تكذبون وتلحنون به فمن نأى عني كان أشد تكذيبا ولحنا. يا أصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس إماما فاجتمعوا فكتبوا فكانوا إذا اختلفوا وتدارأوا في آية قالوا هذه أقرأها رسول الله فلانا فيرسل إليه وهو على رأس ثلاث من المدينة فيقال له كيف أقرأ لرسول الله آية كذا فيقول كذا وقد تركوا لها مكانا. 3- وقد أخرج أبو داود حديثا وصف بأنه بسند صحيح عن سويد بن غفلة قال: قال لي علي لا تقولوا في عثمان إلا خيرا فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا على ملأ منا. قال ما تقولون في هذه القراءة فقد بلغني أن بعضهم يقول إن قراءتي خير من قراءتك وهذا يكاد يكون كفرا. قلنا ما ترى. قال أرى أن يجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف. قلنا فنعم ما رأيت. 4- وأخرج أبو داود حديثا جاء فيه لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثني عشر رجلا من قريش والأنصار فبعثوا إلى الربعة التي في بيت عمر فجيء بها. - 3-[تابع إلى روايات وأقوال في تدوين القرآن] وثالثا: إلى جانب تلك الأحاديث والأقوال والروايات يوجد أحاديث وروايات وأقوال يستفاد منها أن القرآن كان يدون وترتب آياته وسوره في حياة النبي عليه السلام وبأمره، وأن ترتيب المصحف العثماني متصل بعهد النبي وتوقيفه: 1- فقد أخرج الحاكم عن زيد بن ثابت حديثا وصف بأنه بسند صحيح على شرط الشيخين جاء فيه «كنا عند رسول الله نؤلف القرآن من الرقاع» ، وقد علق البيهقي على ذلك كما جاء في «الإتقان» بقوله يشبه أن يكون المراد به تأليف ما نزل من الآيات المفرقة في سورها وجمعها فيها بإشارة النبي. ويصح أن يستفاد من الحديث أنه كان يكتب ما ينزل به الوحي في رقاع منفردة ثم تنقل هذه الرقاع إلى صحف معدة كالسجل فتلحق فصولها ببعضها وفق ما كان يشير به النبي.

2- وقد أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم حديثا عن ابن عباس جاء فيه قلت لعثمان ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين «1» فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموهما في السبع الطوال فقال عثمان كان رسول الله تنزل عليه السور ذات العدد «2» فكان إذا نزل عليه شيء دعا بعض من كان يكتب له فيقول ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا «3» ، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن نزولا وكانت قضيتها شبيهة بقضيتها فظننت أنها منها وقبض رسول الله ولم يبين لنا أنها منها فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله ووضعتهما في السبع الطوال. وهذا يفيد أن الأنفال في زمن النبي كانت تدون قبل براءة مباشرة ولم يكن بينهما فاصل أو بسملة فتركنا على ذلك وهو الترتيب المتداول. 3- وأخرج الإمام مسلم حديثا عن عمر قال ما سألت النبي عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن في صدري بأصبعه وقال تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء. وهذا يفيد أن سورة النساء كانت مرتبة على ما هو عليه في المصحف المتداول في حياة النبي ولو لم يكن ترتيبها بتوقيف النبي وإشارته لوضعت الآية المذكورة في مكان أكثر مناسبة من السورة. 4- وأخرج الإمام البخاري حديثا عن عبد الله بن الزبير جاء فيه قلت لعثمان وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً [البقرة: 234] قد نسختها الآية الأخرى فلم نكتبها أو ندعها. قال يا ابن أخي لا أغير شيئا من مكانه. الآية الناسخة في سورة البقرة وهي الآية (234) متقدمة في الترتيب على الآية المنسوخة في نفس السورة

_ (1) المثاني هي السور المتوسطة التي تكون آياتها أقل من مئة والمئين هي السور التي كانت آياتها مئة آية أو أكثر قليلا. (2) السور الطويلة أو المتوسطة التي كانت تنزل فصولا متفرقة. (3) هذا تعبير كان يستعمل في عهد النبي للدلالة على شخصية السورة أو اسمها.

وهي [240] . وجواب عثمان يفيد أن الترتيب إنما كان بإشارة النبي فلم ير تغيير شيء من مكانه. 5- وأخرج الإمام أحمد حديثا بإسناد وصف أنه حسن عن عثمان بن أبي العاص قال كنت جالسا عند رسول الله إذ شخص ببصره ثم صوبه ثم قال أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية في هذا الموضع من هذه السورة إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى [النحل: 90] إلى آخرها وهذا يفيد أن النبي كان يأمر بوحي الله بترتيب آيات السور وأن الترتيب المتداول هو مستند إلى ذلك. 6- وروى البخاري حديثا عن زيد بن ثابت أن رسول الله أملى عليه لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء: 95] . فجاء ابن أم كلثوم وهو يمليها عليه فقال يا رسول الله والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان أعمى فأنزل الله على رسوله وفخذه على فخذه فثقلت عليه حتى خاف أن ترضّ فخذه ثم سرّي عنه فأملى عليه غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وهذا يفيد أن النبي كان يستدعي أحد كتاب الوحي حين نزول القرآن عليه فيملي عليه ما ينزل عليه فورا. 7- وروى البخاري أيضا حديثا قريبا من هذا عن البراء لما نزلت آية لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ قال النبي ادعوا زيدا فجاء ومعه الدواة واللوح أو الكتف فقال اكتب لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وخلف النبي ابن أم كلثوم الأعمى فقال يا رسول الله أنا ضرير فنزلت غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ. 8- وحديث زيد بن ثابت الذي رواه عن جمع القرآن في عهد أبي بكر والذي نقلناه في المجموعة الأولى يفيد أن آيات السور كانت معروفة الترتيب في حياة النبي حيث ذكر افتقاد آخر آيتين في سورة براءة ووضعهما في مكانهما حين وجودهما. وترتيبهما هو وفاق ترتيب المصحف المتداول. وحديث البخاري عن نسخ المصاحف في عهد عثمان والذي نقلناه في المجموعة الثانية يفيد نفس الشيء

حيث يذكر افتقاد آية الأحزاب ووضعها في مكانها المعروف في حياة النبي والذي هو وفاق المصحف المتداول أيضا. 9- وروى البخاري عن ابن عباس أن آخر آية نزلت آية الربا وروى النسائي عن ابن عباس أيضا أن آخر آية نزلت وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: 381] ، وأخرج ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن أحدث القرآن عهدا بالعرش آية الدين. وقد لا يكون تناقض بين الروايات لأن هذه الآيات في سلسلة واحدة. وجميعها موضوعة في سورة البقرة بأمر النبي وترتيبه وجاء في «مجمع التبيان» للطوسي أن أبي بن كعب وسعيد بن جبير والحسن بن قتادة رووا أن الآيتين الأخريين من سورة التوبة هما آخر ما نزل من القرآن. وهذا يفيد أن آيات السور كانت معروفة الترتيب في حياة النبي وبأمره كذلك. 10- وروى علي بن إبراهيم عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله جعفر بن محمد «الإمام جعفر الصادق» أن رسول الله قال لعلي يا علي إن القرآن خلف فراشي في المصحف والحرير والقراطيس فاجمعوه ولا تضيعوه كما ضيعت اليهود التوراة، فانطلق علي فجمعه في ثوب أصفر ثم ختم عليه. وهذا يفيد أن القرآن كان يدون على وسائل الكتابة المعروفة وكان مدونا كذلك في حياة النبي وكان النبي يعنى بحفظه في بيته. 11- وقد روى علماء الحديث حديثا ورد في أكثر من كتاب من كتب الحديث المشهورة جاء فيه «لا تكتبوا عني غير القرآن» حيث يفيد أن الصحابة كانوا يدونون في حياة النبي ما يسمعونه من النبي من القرآن. 12- وقد أخرج أبو داود حديثا جاء فيه أن عمر أعلن الناس من كان تلقى عن رسول الله شيئا من القرآن فليأت به وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب. وهذا يفيد ما أفاده الحديث السابق. 13- وروى واثلة عن النبي قال أعطيت مكان التوراة السبع الطوال ومكان

الزبور المئين ومكان الإنجيل المثاني وفضلت بالمفصل «1» وهذا يفيد أن ترتيب سور القرآن حسب المصحف المتداول الطوال أولا فالمئون ثانيا فالمثاني ثالثا فالمفصل رابعا من ترتيب النبي وعهده. 14- وروى البخاري حديثا عن ابن مسعود أن النبي قال إن بني إسرائيل «2» والكهف ومريم وطه والأنبياء هنّ من العتاق الأول وهنّ من تلادي. وهذه السور متسلسلة الترتيب في المصحف المتداول وفاق الترتيب الوارد في الحديث. 15- وأخرج الإمام أحمد وأبو داود حديثا عن أبي أوس وكان قدم على النبي في وفد جاء فيه: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم عليّ حزب من القرآن فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه. فسألنا أصحاب رسول الله كيف تحزبون القرآن؟ قالوا نحزبه ثلاث سور وخمس سور وسبع سور وتسع سور وإحدى عشرة سورة وثلاث عشرة سورة. وحزب المفصل من سورة ق حتى نختم. وعدد السور من البقرة إلى الحجرات تسع وأربعون ومجموع عدد السور المحزبة هو تسعة وأربعون. والحديث يفيد أن سور القرآن كانت مرتبة وفاق ترتيب سور المصحف المتداول منذ حياة النبي. 16- وروى حذيفة عن النبي حديثا جاء فيه أنه قرأ سور البقرة وآل عمران والنساء واحدة بعد أخرى. وهذا يفيد أن السور الثلاث كانت مرتبة في حياة النبي وفاق ترتيبها في المصحف المتداول.

_ (1) المفصل هي السور القصيرة وسميت كذلك لكثرتها وكثرة الفصل بينها. وهناك أحاديث فيها بعض الخلاف في تعيين سور كل مجموعة من مجموعات السور الأربع. فهناك حديث عن ابن عباس أن السبع الطوال هي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف. قال الراوي وذكر السابقة فنسيتها. وعن مجاهد وسعيد أنها يوسف. وعن الحاكم أنها الكهف. والمفصل يبدأ في رواية للبخاري بالجاثية. وهناك قول إنه يبدأ بالصافات وقول إنه يبدأ بسورة ق وقول إنه يبدأ بالحجرات وقول إنه يبدأ بتبارك وقول إنه يبدأ بالفتح وقول إنه يبدأ بالضحى ... (2) اسم آخر لسورة الإسراء. الجزء الأول من التفسير الحديث 6

17- وروى البخاري حديثا عن فاطمة أن النبي أسرّ إليها بأن جبريل يعارضه بالقرآن كل سنة وأنه عارضه في العام الذي توفي فيه مرتين وقال لها ولا أراه إلا حضر أجلي. وروى البخاري حديثا آخر عن أبي هريرة جاء فيه: كان القرآن يعرض على النبي كل عام مرة فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه. وقال البغوي في «شرح السنة» «1» إن زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة التي بين فيها ما نسخ وما بقي وكتبها لرسول الله وقرأها عليه وكان يقرىء الناس بها حتى مات. ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه وولاه عثمان كتب المصاحف. وهذا يفيد أنّ النبي كان يستعرض القرآن جميعه في رمضان وإنه استعرضه مرتين في رمضان الأخير وإن المصحف الذي كتبه زيد في عهد أبي بكر إنما كان وفاقا لذلك نصّا وترتيبا. 18- وروى النسائي عن عبد الله بن عمر حديثا جاء فيه: جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة فبلغ النبي فقال اقرأه في شهر. وقد روي عن ابن عمر أنه قال: قال لي رسول الله اقرأ القرآن في شهر قلت إني أجد قوة. قال اقرأه في عشر. قلت إني أجد قوة. قال اقرأه في سبع ولا تزد. وقد روي عن ابن مسعود حديث جاء فيه «لا تقرءوا القرآن في أقل من ثلاث» وروي عن سعيد بن المنذر حديث جاء فيه قلت يا رسول الله أأقرأ القرآن في ثلاث قال نعم إن استطعت. وروي عن قيس بن صعصعة حديث جاء فيه: قلت يا رسول الله في كم أقرأ القرآن قال في خمسة عشر قلت إني أجدني أقوى من ذلك قال اقرأه في جمعة. وهناك روايات تذكر أسماء صحابة عديدين كانوا يحفظون القرآن جميعه مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود ومعاذ وسالم وأبيّ وأبي الدرداء وزيد بن ثابت وطلحة وسعد وحذيفة وأبي هريرة وعائشة وحفصة وأم سلمة وعبادة بن الصامت ومسلمة بن مخلد وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وسعيد بن المنذر وقيس بن صعصعة. ولا شك في أن هذه الأسماء ليست كل الأسماء وإنما هي التي نقلتها الروايات. وقد جاء في البخاري في حديث شهداء بئر معونة أن بعض العرب جاؤوا يطلبون

_ (1) رسالة الكلمات الحسان للشيخ بخيت.

مددا من النبي فأرسل معهم سبعين من الأنصار ممن كانوا يسمون القراء في زمنهم. وفي حديث جمع القرآن في عهد أبي بكر إشارة إلى القتل الذي استحر بالقراء والخشية من موتهم في المواطن الأخرى. فهذه الأحاديث والروايات تفيد أولا أن القرآن كان محفوظا في الصدور ومدونا في الصحف في ترتيب ثابت آيات في سور وسور في تسلسل لأن حفظ القرآن لا يمكن أن يتيسر إلا بذلك، وتفيد ثانيا أنه كان من الصحابة من يواظب عل تلاوته تعبدا وتفقها، وتفيد ثالثا أن طبقة القراء والحفاظ كانت كثيرة العدد في حياة النبي. 19- وأخرج الحاكم عن عبد الله بن قسطنطين أنه قرأ ختمة على عبد الله بن كثير وهذا إمام من أئمة القراء وهو تابعي فلما بلغ الضحى قال كبّر حتى تختم وأخبره أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك وأن مجاهدا أخبره أنه قرأ على ابن عباس فأمره بذلك وأن ابن عباس أخبره أنه قرأ على أبيّ فأمره بذلك، وأن أبيا أخبر ابن عباس أنه قرأ على النبي فأمره بذلك. وقد روي عن الإمام الشافعي أنه قال إذا تركت التكبير فقد تركت سنّة من سنن نبيك. وهذا وذاك يفيد أن القرآن كان مرتب السور في حياة النبي وفاق ترتيب المصحف المتداول. 20- وروى أبو منصور الأرجاني في كتاب «فضائل القرآن» أن النبي كان يقول عند ختم القرآن اللهم ارحمني بالقرآن واجعله لي إماما ونورا وهدى ورحمة. اللهم ذكرني منه ما نسيت وعلمني منه ما جهلت وارزقني تلاوته آناء الليل والنهار واجعله حجة لي يا ربّ العالمين. وهذا يفيد ما تفيده الأحاديث السابقة آنفا. 21- وفي «مسند الإمام أحمد» حديث عن عبد الله بن مسعود جاء فيه أنه سمع من فم رسول الله بضعا وسبعين سورة. وهذا يفيد أن ما يقرب من ثلثي سور القرآن كان معروف الشخصية تام الترتيب في آياته منذ حياة النبي عليه السلام. 22- وفي حديث البخاري أن ابن عباس قال إنه جمع المحكم في عهد رسول الله فسأله الراوي عن المحكم فقال المفصل وكان ابن عباس صبيا في حياة النبي كما هو معروف. وهذا يفيد أن السور كانت مرتبة وفاق ترتيبها المتداول

الطوال فالمئون فالمثاني فالمفصّل. وأن القرآن كان يحفظ على ما اعتيد حفظه إلى اليوم الأقصر أولا ... 23- وأخرج الحاكم حديثا عن ابن عباس وصف بأنه صحيح أنه قال كان النبي إذا جاءه جبريل فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم علم أنها سورة وورد حديث آخر عن ابن عباس جاء فيه كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم. وأخرج البيهقي عن ابن مسعود أنه قال كنا لا نعلم فصلا بين سورتين حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم. وهذا يفيد أن شخصيات السور أو بالأحرى ترتيب الآيات سورا تامة كان معروفا في حياة النبي. 24- وقد ذكر السيوطي أقوالا لبعض علماء القرآن تفيد أنهم كانوا يعتقدون بصحة ما احتوته الأحاديث والروايات في هذه المجموعة من تقريرات بوجه الإجمال. فقد أثر عن الحارث المحاسبي في كتاب «فهم السنن» قوله إن كتابة القرآن ليست محدثة فإن النبي كان يأمر بكتابته. وقال أبو بكر الأنباري إن اتساق السور كاتساق الآيات والحروف كلّه عن النبي فمن قدّم سورة أو أخّرها فقد أفسد نظم القرآن. وقال الإمام مالك برواية ابن وهب إنما ألّف القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي. وقال البيهقي كان القرآن على عهد رسول الله مرتبا سوره وآياته على هذا الترتيب وقال البغوي في «شرح السنّة» إن الصحابة قد جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله الله على رسوله من غير أن زادوا ونقصوا منه شيئا خوف ذهاب بعضه بذهاب حفاظه فكتبوه كما سمعوه من رسول الله من غير أن قدموا شيئا أو أخروه أو وضعوا ترتيبا لم يأخذوه عن رسول الله وكان رسول الله يلقن أصحابه ويعلمهم ما نزل عليه على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا بتوقيف جبريل إيّاه على ذلك. وقال ابن الحصّار إن ترتيب السور في وضع الآيات مواضعها إنما كان بالوحي فكان رسول الله يقول ضعوا آية كذا في موضع كذا. وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من تلاوة رسول الله ومما أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف.

- 4 - تعليقات على الروايات والأقوال وترجيح تدوين وترتيب القرآن في عهد النبي ومرجحات ذلك

25- وقال أبو بكر الباقلاني «1» والذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزل الله وأمر بإثباته ورسمه ولم ينسخه ولم يرفع تلاوته بعد نزوله هو هذا الذي بين الدفتين الذي حواه مصحف عثمان، وأن ترتيبه ونظمه كلاهما ثابت على ما نظمه الله سبحانه ورتبه عليه رسوله من آي وسور لم يقدّم من ذلك مؤخّر ولا أخّر منه مقدّم وإن الأمة ضبطت عن النبي ترتيب آي كل سورة ومواضعها كما ضبطت عنه نفس القراءة وذات التلاوة. 26- وقال العالم المذكور في كتابه «الانتصار» : لم يقصد عثمان قصد أبي بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين وإنما قصد جمعه على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي وإلغاء ما ليس كذلك وأخذهم بمصحف واحد مع مثبت رسمه ومفروض قراءته وحفظه خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعده. 27- وقال ابن الجوزي وإنما لم يجمع رسول الله لأنه كان بمعرض أن ينسخ منه أو يزاد عليه فلو جمعه كان الذي عنده نقص ينكر على من عنده زيادة. فلما أمن هذا الأمر بموته جمعه أبو بكر. ولم يصنع عثمان في القرآن شيئا. وإنما أخذ الصحف التي وضعت عند حفصة وأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن الحارث بن هشام وسعيد بن العاص وأبيّ بن كعب في اثني عشر رجلا من قريش والأنصار فكتب منها مصاحف وسيرها للأمصار. - 4- تعليقات على الروايات والأقوال وترجيح تدوين وترتيب القرآن في عهد النبي ومرجحات ذلك ومن الحق أن نقول إن في المجموعات الثلاث التي أوردناها ما ليس موثقا بالأسناد القوية، وما يتحمل النظر والتوقف، ومنها ما يتعارض بعض ما جاء في

_ (1) الكلمات الحسان.

مجموعة منه مع بعض ما جاء في نفس المجموعة، ومنها ما يصطبغ بصبغة الأهواء الحزبية الأولى أو فيه رائحتها، ومنها ما يبدو عليه قرائن قصد التوفيق أو التلفيق غير أن من الحق أن يقال إن المجموعة الثالثة أكثر توثقا في الإجمال من جهة وأكثر اتساقا مع طبائع الأمور والظروف من جهة أخرى. فالقرآن أعظم مظاهر النبوة ومعجزتها الخالدة، وكان مدار الاحتجاج والدعوة مع العرب والكتابيين الذين كانت لهم كتبهم المتداولة في أيديهم وقد تكرر في القرآن كثيرا الإشارة إلى كتب الكتابيين من جهة وذكر الكتاب بمعنى القرآن كثيرا من جهة أخرى فلا يعقل في حال أن يهمل النبي عليه السلام تدوين ما كان ينزل عليه من الوحي القرآني، والعناية بهذا التدوين عناية فائقة، والحرص على حفظ المدونات حرصا شديدا بل والمعقول أن يكون ذلك من أمهات مشاغل النبي المستمرة أيضا وهذا يجعلنا نعتقد أن ما روي من أن القرآن كان يدون على قطع عظيمة الحجم ثقيلة الوزن صعبة الحمل والحفظ والترتيب كأضلاع النخيل وأكتاف العظام ورقاق الحجارة والخشب لا يمكن أن يكون هو الواقع على إطلاقه، كما أن هذا القول يطرد في ما يمكن أن يستتبع ذلك من فقدان أو نقص وسائل الكتابة اللينة المعروفة في ذلك العصر في البلاد المجاورة كالقرطاس والورق والحرير والقماش والرقوق الناعمة المسواة. ولقد قيل فيما قيل إن نطاق القراءة والكتابة كان ضيقا جدا في مكة والمدينة مما يمكن أن يظن أن هذا متصل بالنقطة الأولى أو من أسبابها. وهذا أيضا لا يمكن التسليم بصحته على إطلاقه كذلك. ونحن لا نرسل هذا النفي جزافا. فالثابت علميا وبصورة لا تقبل المراء أن الخط العربي الذي كان مستعملا في بيئة النبي وعصره يمتد وجوده إلى عشرات السنين قبل بعثته كما أنه متطور عن أشكال لخطوط أخرى كان يستعملها عرب الشام واليمن، وكذلك فإن من الثابت علميا أن ذلك الخط كان منتشرا بمقياس غير ضيق في بلاد الشام واليمن والحجاز والعراق حتى كان يشمل بدو هذه البلاد ولو بمقياس ضيق. وما جاء في بعض الكتب العربية عن نشأة الخط العربي ووصوله

إلى الحجاز وضيق انتشاره فيه ضيقا شديدا هو تخليط لا يتحمل نقدا «1» . والبيئة الحجازية إلى هذا وخاصة مكة والمدينة كانت بيئة تجارية متصلة بالبلاد المجاورة التي كانت تتمتع بحظ غير يسير من الحضارة والثقافة وكان فيها جاليات كتابية نصرانية ويهودية نازحة من تلك البلاد وكانت تتداول الكتب الدينية وغير الدينية قراءة وكتابة. فلا يعقل أن يظل العرب أهل هذه البيئة غافلين عن اقتباس وسيلة من أشد الوسائل ضرورة إلى الأشغال التجارية ومن أعظم مظاهر الحضارة التي اقتبسوا منها من البلاد المجاورة الشيء الكثير «2» . وهناك رواية مشهورة وهي أن أسرى قريش الفقراء في وقعة بدر الذين لم يستطيعوا أن يدفعوا فدية نقدية كلفوا بتعليم بعض أطفال المسلمين في المدينة القراءة والكتابة، فإذا كان فقراء أهل مكة يقرأون ويكتبون فأولى أن يكون كذلك أغنياؤها وتجارها ونبهاؤها وأن تكون القراءة والكتابة مما هو مألوف ومنتشر بنطاق غير ضيق. ويضاف إلى هذا ما هو أقوى دلالة وهو محتويات القرآن. ففيه آيات كثيرة جدا احتوت تنويها بالعلم والقراءة والكتابة وحضّت عليهما وحضّت خاصة على تدوين المعاملات التجارية نقدا ودينا وصغيرة وكبيرة كما أن فيه آيات عديدة حكت أقوال المشركين المكيين تدل على اتساع نطاق القراءة والكتابة والمعرفة بوجه عام عندهم «3» . وبيئة هذه صلاتها بالبيئات المجاورة المتمدنة التي تتيسر فيها وسائل الكتابة والقراءة المألوفة على تنوعها، وفيها كثيرون من أهل هذه البيئات يقرأون ويكتبون

_ (1) اقرأ مثلا «العقد الفريد» ج 3 ص 202. وننبه على أن للمستشرق الطلياني كايتاني في كتابه «تاريخ الإسلام» فصلا قيّما في نشأة الخط العربي وانتشاره مستندا إلى دراسات ومكتشفات وآثار حاسمة. (2) اقرأ فصل الحياة العقلية في كتابنا «عصر النبي وبيئته قبل البعثة» ففيه بحث مسهب موثق في هذا الأمر. (3) المصدر نفسه.

ويتداولون الكتب، وحركتها التجارية قوية واسعة، وقد احتوى القرآن من أوصاف حياتها ومعايشها وحضارتها ووسائلها ما فيه الدلالة الوافية على أنها هي أيضا كانت على درجة غير يسيرة من الحضارة ووسائلها، والكتابة والقراءة فيها منتشرتان بمقياس غير ضيق لا يعقل في حال أن لا يكون فيها وسائل مدنية للكتابة وأن لا يوجد ما يدون عليه القرآن إلا ألواح العظام ورقائق الحجارة وأضلاع النخيل وقطع الخشب. هذا بالإضافة إلى أن القرآن قد احتوى كلمة القرطاس أكثر من مرة مما يصح أن يكون دليلا على أنه كان معروفا ومألوفا كوسيلة للتدوين والكتابة بل إن هذه الكلمة مفردة وجمعا قد جاءت في سورة الأنعام في سياق الكلام عن كتب الله كما ترى: 1- وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ الأنعام: [7] . 2- قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً.. الأنعام: [91] . فهذا النص القرآني يلهم أن الكتابة على القرطاس وكون الكتب مؤلفة من قراطيس هو الشيء المألوف الذي لم يكن ليتصور غيره. كذلك فإن القرآن احتوى كلمة «الصحف» أكثر من مرة في معرض الإشارة إلى القرآن والكتب السماوية كما ترى: 1- فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ عبس: [13- 14] . 2- إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (18) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى.. الأعلى: [18- 19] . 3- بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً المدثر: [52] . ولم يذكر أحد أن كلمة الصحيفة كانت تطلق على تلك الوسائل البدائية وإنما كانت تطلق على ما كان معروفا من وسائل الكتابة التي تحمل بسهولة وتطوى بسهولة ويجمع بعضها إلى بعض بسهولة ولعل في آية القيامة قرينة على أن الصحف

كانت تنشر وتطوى، وهو ما لا يمكن أن يتصف به إلا وسائل الكتابة اللينة كالقماش وورق القماش وورق الحرير والرقوق الناعمة المسواة إلخ. ولعل في آية سورة الأنبياء هذه يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [104] قرينة أو بالأحرى دليلا على أن طي الورق أو ما كان يقوم مقامه من وسائل الكتابة اللينة ليكون سجلا للكتابة والتدوين كان مألوفا شائعا. وهذا لن يكون إلا حيث تكون الكتب والقراطيس والوسائل الكتابية اللينة الأخرى. ومما يمكن إيراده لتقوية هذه الملهمات والقرائن هذه الآيات: 1- هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ الجاثية: [29] . 2- أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ.. الإسراء: [93] . حيث تخاطب الأولى الناس- ومشركو مكة من أول من خوطبوا- بما لا يعقل إلا أن يكون من مألوفاتهم من الكتابة واستنساخ الكتب وحيث تحكي الثانية قول مشركي مكة مما يعبر عن مفهوم الكتاب المكتوب المقروء المألوف والمنتشر بينهم. ولقد كثرت كما قلنا الإشارات القرآنية إلى كتب الكتابيين وكتابتها وتعليمها ودراستها، وجل الكتابيين الذين كانوا في الحجاز جاليات نازحة من البلاد المجاورة التي كانت وسائل الكتابة اللينة فيها معروفة ميسورة فلا يعقل أن تكون كتبهم هذه مكتوبة على تلك الوسائل البدائية الثقيلة الضخمة، ولا يعقل إلا أن يكون النبي قد اهتم لتدوين القرآن معجزته الكبرى على نسق ما دونت عليه كتب الكتابيين. ولقد احتوت المجموعات الثلاث روايات عديدة تفيد أن الورق والقرطاس مما استعمل في كتابة القرآن في عهد النبي وفي عهد أبي بكر مما هو متسق مع الظروف ولا يكاد يتحمل شكا في صحته بقطع النظر عن وثوق الروايات من الوجهة التعديلية والتجريحية. ونشير بنوع خاص إلى ما كان في أيدي

المسلمين من صحف ومصاحف ورقاع خاصة أمر عثمان بإحراقها بعد ما فرغ من نسخ المصاحف الموحدة ليزول أهم سبب من أسباب الخلاف في القراءة مما ذكره حديث البخاري والإحراق خاصة لا يتوارد معه إلا الورق والقرطاس والرقوق مما يدل على أن التدوين على هذه الوسائل كان هو المألوف السائغ. على أننا لا نريد أن ننفي بالمرة ما ورد في الأحاديث العديدة عن كتابة القرآن على الألواح والأكتاف والرقائق والأديم فإن من الممكن أن يكون لها أصل صحيح أيضا، ولكن على غير الصورة أو المقصد الذي عبرت عنه الروايات أو تركته غامضا. فمن المحتمل أن يكون النبي إذ يستدعي أحد كتابه لإملاء ما يكون نزل عليه من وحي فورا أن لا يكون متيسرا إلا شيء من هذه الوسائل البدائية فيكتب الكاتب عليها ما يمليه النبي مؤقتا ريثما ينقله إلى مكانه من سجلات القرآن، مما عبر عنه زيد بن ثابت في الحديث الذي نقلناه في المجموعة الثالثة في قوله كنا نؤلف القرآن من الرقاع في عهد رسول الله. ومن المحتمل كذلك أن أصحاب رسول الله من أهل المدن أو البادية قد كانوا يكتبون بعض الفصول القرآنية التي يتلقونها عن النبي على قطعة من تلك القطع للتبرك والحفظ والنقل على اعتبار أنها أبقى على الزمن وأقل تعرضا للفناء والتمزيق على نحو ما اعتاد المسلمون أن يفعلوه من قديم الأجيال في كتابة الألواح مع بعض التعديل. فلما دعي المسلمون إلى الإتيان بما عندهم من قرآن بقصد زيادة الاستيثاق والضبط والتحرير والمعارضة أتوا فيما أتوا به بهذه القطع فحفظت الروايات هذه الصورة ونقلتها. هذا من جهة التدوين، وما نقلناه يصح إيراده بتمامه على ترتيب القرآن آيات في سور وسورا في تسلسل أيضا. فالنبي الذي لا شك في أن القرآن كان من أهم مشاغله لا يمكن أن يكون قد أهمل ترتيبه وترك مدوناته مشوشة فوضى لا يعرف لها أول من آخر سواء في التدوين أو في القراءة والتعليم، ولا بد من أن يكون قد عني بترتيبه نفس العناية الفائقة التي كانت منه بتدوينه وحفظ مدوناته.

ولقد قال بعض علماء القرآن كما جاء في كلام الخطابي الذي أوردناه في المجموعة الأولى أن استمرار الوحي في حياة النبي كان سببا في عدم ترتيبه. والذي يتبادر لنا أن هذا لا يوجب عدم ترتيب القرآن آيات في سور وسورا في تسلسل، فإن من السائغ جدا أن يكون الترتيب النهائي قد تمّ في أخريات حياة النبي، وبعد نزول سورة النصر التي أذنت بفتح الله ونصره ودخول الناس في دينه أفواجا، وبالتالي أذنت بانتهاء مهمة النبي. وقد احتوت أحاديث معارضة النبي للقرآن في رمضان الأخير مرتين وكتابته من قبل زيد ما يستأنس به على ذلك، كما أن من السائغ جدا أن يصح احتمال إضافة ما يمكن أن يكون نزل بعد هذا الترتيب من آيات إلى مواضع مناسبة لها في السور. وفي الأحاديث التي نقلناها في المجموعة الثالثة ما يستأنس به على وقوع شيء من هذا فعلا، فلما التحق النبي عليه السلام بالرفيق الأعلى صار ما كان ثابتا من القرآن هو القرآن التام، وصار من واجب خليفة النبي الأول وكبار أصحابه الاهتمام لضبطه وجمعه كاملا، وتحرير نسخة تكون إماما كاملا محفوظا عند إمام المسلمين وخليفة نبيهم وتكون مرجعا عند الخلاف وضمانا من الطوارئ والضياع، وانتقال النسخة التي كتبت في عهد أبي بكر إلى عهدة عمر بن الخطاب الخليفة الثاني وحفظها عند حفصة حينما اغتيل والدها عمر من القرائن القوية على ذلك. ولسنا نرى أن ما نقرره يمكن أن ينقض أيضا بما جاء في حديث زيد بن ثابت من أنه تتبع القرآن فجمعه من العسب والقحاف وصدور الرجال ولا يفنده افتقاد آخر آيتي سورة التوبة وعدم وجودهما إلا عند أبي حذيفة ولا بما جاء في حديث مصاحف عثمان من افتقاد زيد آية الأحزاب وعدم وجودها إلا عند حذيفة أو بما جاء في حديث آخر أن الناس دعوا إلى الإتيان بما عندهم ولم يكن يقبل من أحد شيء إلا بشهادتين، فهذا كله لا يقتضي أن لا يكون للقرآن مدونات مرتبة محفوظة في بيت النبي مما ألفي من الرقاع ومدونات مرتبة محفوظة كذلك عند كبار

أصحاب رسول الله وقرائهم، بل يصح- ونحن نجزم بذلك- أن يكون هذا كله من قبيل الاحتياط والحرص الشديد على الضبط والتحرير. ولقد كان من المحتمل أن يختلط الأمر على بعض الصحابة في بعض الآيات، وأن يكون بعضهم ما يزال يحفظ آيات قد نسخت أو يحتفظ برقاعها مما هو طبيعي كما أن من المحتمل أن يكون مما استهدف معارضة مدونات القرآن المختلفة عند مختلف الفئات مع بعضها لإتقان الضبط والتحرير، فكان هذا التشدد والحرص العظيمان المتناسبان مع موضوع تفوق خطورته أي موضوع آخر، واللذان يصحان أن يكونا مثلا رائعا للتدقيق والفحص والتحري العلمي. ومن النقاط المهمة الجديرة بالتنبيه في هذا المقام أنه لم يرد أي حديث منسوب إلى النبي عليه السلام أو أصحابه المعروفين يمكن أن يفيد أن القرآن لم يكن مرتب الآيات والسور ومعروف الترتيب في حياة النبي، وكل ما جاء في هذا الباب تعليقات وتخمينات متأخرة. وحديثا البخاري في كتابة المصحف في عهد أبي بكر ونسخه في عهد عثمان وهما المعول الأقوى والأشهر قد خلوا من أي إشارة إلى ذلك، بل فيهما على ما أوردناه في المجموعة الثالثة ما يؤيد كون آيات القرآن معروفة الترتيب منذ حياة النبي، وننبه بنوع خاص على أن حديث نسخ المصحف في عهد عثمان صريح جدا بأن ما كان ليس جمعا أو تدوينا جديدا كما توهمه الحاكم على ما أوردناه في المجموعة الأولى وإنما هو نسخ طبق الأصل عن مصحف أبي بكر، وبأن القصد منه ضبط كتابة ألفاظ القرآن من حيث الإملاء وتوحيدها حتى لا يكون محل للاختلاف في قراءتها، حيث كانت المصاحف والصحف التي في أيدي الناس مكتوبة بخطوط متنوعة من المعقول جدا أن تكون متخالفة الإملاء والهجاء، وهو ما أدى إلى الخلاف والفزع منه فعلا. وما دام القرآن قد جمع وضبط وحرر في عهد أبي بكر على ملأ من الصحابة وخاصة كبارهم، وفي وقت يكاد يكون فوريا بعد وفاة النبي، وعلى هذا الوجه من الحرص والتحري الشديدين دون أن يكون أي إشارة إلى قصد ترتيب الآيات أو السور فإنه يصح أن يقال بجزم إن دفتي المصحف الذي حرر قد احتوتا كل ما ثبت

عند كبار الصحابة وقرائهم وحفاظهم بل وكل من شهد العمل منهم أنه القرآن الذي مات النبي عنه وهو ثابت لم ينسخ بترتيبه المعروف في حياته. وما دام النسخ الذي جرى في عهد عثمان إنما كان عن هذا المصحف وكان هذا أيضا على ملأ من الصحابة والقراء والحفاظ وبمعرفة علماء القرآن منهم، ولم يكن الباعث عليه إلا إيجاد إمام يضبط فيه الإملاء والقراءة ويجمع به الناس على رسم واحد، وما دامت المصاحف المتداولة في أيدي المسلمين هي طبق هذا المصحف الإمام كما هو ثابت بالتواتر الفعلي الذي لم ينقطع والذي هو يقيني- باستثناء بعض التنظيمات الشكلية على ما سوف نذكر بعد- فهي بطبيعة الحال طبق مصحف أبي بكر من حيث الألفاظ والآيات والسور وترتيبها، وبالتالي طبق ما مات النبي عنه من قرآن ثابت بترتيبه وتسلسله. وإذا كان من المحتمل أن لا تكون إحدى نسخ مصاحف عثمان الأصلية موجودة اليوم- مع ما يقال عن وجود بعضها قولا غير مؤيد بشاهد ووصف عياني موثوقين- فإن هذا لا ينقض ما نقوله من التواتر الفعلي. ولقد ذكر علماء قديمون أنهم شاهدوا بعض هذه النسخ، وقرروا أن المصاحف المتداولة هي صورة تامة عنها رسما وترتيبا. ومن أقدم من ذكر ذلك أبو القاسم عبيد الله بن سلام من علماء القرن الهجري الثاني الموثوقين ومحدثيهم. وتقرير هذا العالم يهدم كل قول حول التشكيك في مصحف عثمان وكون المصحف المتداول هو صورة تامة صحيحة عنه، وحول رواية أن المصحف المتداول إنما هو مصحف الحجاج وجمعه وترتيبه إذا كان يراد بذلك جمعا وترتيبا جديدين، وأن الحجاج قد جمع المصاحف المتداولة ومصاحف عثمان وأبادها. ولعل الرواية محرفة عن حادثة عناية الحجاج بإعجام القرآن أو نقطه، مما صار نساخ المصاحف بعدها يأخذون به. فقد انتشر المسلمون في عهد الحجاج أكثر من ذي قبل في أنحاء الأرض، وانتشرت نسخ القرآن العثمانية كذلك، فلم يكن في إمكان الحجاج جمع المصاحف المتداولة وإبادتها البتة، ولم يقل أحد إنه رأى مصحفا للحجاج فيه تغاير ما مع المصحف العثماني في نصه وترتيبه، ولو كان وقع شيء من هذا لاهتمّ له أعداء الأمويين

والحجاج الذين بذلوا كل جهد في تشويه سيرتهم وتسويئ سمعتهم بالحق وبالباطل وتعقب كل عمل أو بادرة منهم، ولرأيناه في رأس المطاعن التي يطعنونهم بها. وقد قال أحد أعلام علماء الشيعة ومشهوريهم وكبار مفسريهم الإمام الشيخ محمد بن الحسن الطوسي، صاحب تفسير «التبيان» ، ومن رجال القرنين الرابع والخامس الهجريين، في مقدمة تفسيره، بصدد الكلام في زيادة القرآن المتداول ونقصه (وأما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به أيضا لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانه والنقصان منه فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى رحمة الله عليه، والظاهر في الروايات. والروايات التي رويت من جهة الخاصة والعامة بنقصان آيات منه أو نقلها من موضع إلى موضع فطريقها الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا. والأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بها. ولو صحت لما كان ذلك طعنا على ما هو موجود بين الدفتين إذ كان ذلك معلوما صحته لا يعترضه أحد من الأمة ولا يدفعه) . ومع كل هذا فمما روي أن الحجاج إنما صحح اثنتي عشرة كلمة في مصحف عثمان هي هذه: «لم يتسن» حيث جعلها «لم يتسنه» «1» و «شريعة» حيث جعلها «شرعة» «2» و «ينشركم» حيث جعلها «يسيركم» «3» «وآتيكم» حيث جعلها «أنبئكم» «4» و «معايشهم» حيث جعلها «معيشتهم» «5» و «غير ياسن» حيث جعلها «غير آسن» «6»

_ (1) سورة البقرة، الآية: 259. (2) سورة المائدة، الآية: 48. [.....] (3) سورة يونس، الآية: 22. (4) سورة يوسف، الآية: 45. (5) سورة الزخرف، الآية: 32. (6) سورة محمد، الآية: 15.

- 6 - تابع إلى تعليقات على الروايات والأقوال

و «اتقوا» حيث جعلها «وأنفقوا» «1» و «سيقولون لله» حيث جعلها «سيقولون الله» «2» و «بظنين» حيث جعلها «بضنين» «3» ونقل كلمتي «المرجومين» و «المخرجين» في آيتي الشعراء [116 و 167] كلا منهما مكان الأخرى فصارت المرجومين في قصة نوح والمخرجين في قصة لوط وأنه لم يصنع ما صنعه إلا بعد اجتهاد وبحث مع القراء والفقهاء المعاصرين له وبعد إجماعهم على أن جميع ذلك من تحريف الكتاب والناسخين الذين لم يريدوا تغييرا أو تبديلا وإنما حدث بعض ما حدث لجهلهم بأصول الكتابة وقواعد الإملاء والبعض الآخر لخطأ الكاتب في سماع ما يملى عليه أو التباسه في ما يتلى عليه «4» . هذا في حين أن هناك رواية «5» تفيد أن بعض ما صححه الحجاج إنما صححه عثمان نفسه مثل لم يتسن حيث جعلها لم يتسنه. وبكلمة أخرى إن الحجاج لم يكتب مصحفا جديدا ولم يضع ترتيبا جديدا، وإن تسمية «مصحف الحجاج» ليست في محلها حتى لو صحت رواية تصحيحه لبعض كلمات وحروف رأى فيها مع القراء والعلماء تحريفا من النساخ، هذا بقطع النظر عن ضعف رواية مصحف الحجاج وعدم تناقلها وعدم تعليق الشيعيين عليها تعليقا جالبا للنظر على طريقتهم في التعليقات وخاصة إذا ما كان الأمر متصلا بالأمويين ورجالهم وفيه مجال لقول أو غمز أو تعليق. - 6-[تابع إلى تعليقات على الروايات والأقوال] وعلى هذا كله فكل ما يتعارض مع النتائج الي قررناها من الروايات هو موضع نظر وتوقف أو محمل تخريج. وفي الحق إننا إذا نظرنا في الروايات

_ (1) سورة الحديد، الآية: 7. (2) سورة المؤمنون، الآية: 87 و 89. (3) سورة التكوير، الآية: 24. (4) «الفرقان» لابن الخطيب 50- 52. (5) «الفرقان» أيضا، الآية: 40

المناقضة لهذه النتائج نجدها كلها أو جلّها غير واردة في كتب الحديث الصحيحة. وكثير منها لم يذكر له أسناد متسلسلة معدلة، وفيها من التناقض والتغاير ما يحمل على الشك في صحة روايتها أو متونها. فحديث زيد عن تأليف القرآن من الرقاع أقوى سندا وأكثر اتساقا مع المنطق من حديثه الذي جاء فيه أن النبي قبض ولم يكن القرآن قد جمع في شيء، حتى إذا صح فيجب حمله على جمع القرآن في مصحف واحد كما علق على ذلك الخطابي على ما ذكرناه سابقا. وهذا المعنى هو ما يجب تخريج ما جاء في حديث جمع القرآن في عهد أبي بكر به من المراجعة بين أبي بكر وعمر ثم بين أبي بكر وزيد. وأبي بن كعب وعبد الله بن مسعود من كبار الصحابة وعلماء القرآن الأعلام، فلا يعقل أن يكون جمع القرآن وتحريره وضبطه في عهد أبي بكر ثم نسخه في عهد عثمان قد تمّ دون اشتراكهم أو علمهم، ولا يعقل أن يرمى بأقوالهم عرض الحائط في زيادة أو نقص في الآيات والكلمات والسور لو كان لهم في ذلك رأي وقول حقا، ولا يعقل أن يكونا قد انفردا دون سائر الصحابة في العلم بزيادة أو نقص في القرآن أو أن تكون شهادتهما قد ردّت أو أن يكونا قد عجزا عن إثبات قولهم. وإذا سلمنا بهذا جدلا مع ذلك فالمعقول أن ما يكونان قد ذكراه لم يثبت عند ملأ الصحابة فلم يؤخذ به. وما دام الأمر قد تمّ على ما ثبت عند ملأ الصحابة وأجمعوا عليه فلا يعقل أن يكونا قد أصرا على مخالفة إجماع الصحابة وكبارهم وخلفاء رسول الله فاحتفظا بمصحفيهما وزوائدهما ونواقصهما وتغايرهما للترتيب الثابت وأن لا يكونا قد أطاعا خليفة رسول الله فأحرقا ما عندهما كما أحرق الناس ما عندهم. وهذا ما يجعلنا نشك في بقاء مصحفين لهما مخالفين لمصحف عثمان رسما وترتيبا وعدد سور وكلمات حتى وصل علم ذلك أو عيانه إلى وقت متأخر. ونرجح إن لم نقل نعتقد أن كل هذا مخترع فيما بعد بقصد التشويش والتشكيك من أعداء الإسلام وأن في بعضه أثرا للحزبية السياسية. وقد قال بعض علماء أعلام أقوالا وجيهة في هذا الباب، فقال النووي إن المسلمين أجمعوا على أن المعوذتين والفاتحة من القرآن وأن من جحد منها شيئا كفر وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس

بصحيح. وقال الرازي الأغلب أن نقل هذا عن ابن مسعود باطل لأن النقل المتواتر حاصل في عصر الصحابة أنها من القرآن فإنكار ذلك يوجب الكفر. وإن قلنا ليس التواتر حاصلا في ذلك الزمن فلزم أن القرآن ليس بمتواتر في الأصل وهذا خلاف الإجماع. وقال ابن حزم هذا كذب على ابن مسعود وموضوع، وإنما صح عنه قراءة عاصم عن زر عنه وفيها المعوذتان والفاتحة. والسورتان المسماتان بالحفد والخلع هما دعاءا قنوت ورواية عمر لهما صريحة بأنه إنما قنت بهما بعد قيامه من الركوع. فمن المحتمل حتى في حالة صحة القول بهما من أبيّ- وهو ما نشك فيه- أن يكون أبيّ قد وهم ثم رجع عن ذلك حينما ثبت عند الملأ أنهما ليستا قرآنا فظلّ أثر القول قائما متداولا. وعمر القوي الشديد في إيمانه ومركزه بين الصحابة والذي دعا إلى ضبط القرآن وتحريره وحفظه أجلّ من أن تردّ له شهادة بشأن آية الرجم وأقوى من أن يسكت على عدم إثبات آية يعتقد أن النبي مات وهي قرآن لم تنسخ. ولذلك فإن رواية ردّ آية الرجم منه لأنه أتى بها وحده مما يتحمل كل الشك ولا سيما أن هناك رواية تقول إنه قبل من أبي خزيمة آيتي سورة التوبة الأخيرتين بشهادته وحده. ومثل هذا غرابة وموضع شك شديد رواية أنه ظل يعتقد أنها قرآن بعد أن صارت الخلافة إليه، يضاف إلى هذا أن تعدد روايات آية الرجم وتباين صيغتها مما يثير الشك فيها، وأنه ليس من المعقول أن ينفرد عمر أو صحابي أو صحابيان في علم قرآنية هذه الآية التي تحتوي تشريعا خطيرا دون ملأ الناس أو أن يتواطأ هذا الملأ على عدم إثباتها. وكل ما يمكن فرضه أنها كانت آية فنسخت في حياة النبي. ومثل هذا القول يصح في ما ورد عن عائشة سواء في صدد كلمة «صلاة العصر» أو في صدد آيات سورة الأحزاب. فإنها أجلّ من أن ترفض شهادتها أو تسكت عن عدم إثبات آية أو كلمة أو آيات تعتقد أنها قرآن باق بعد النبي. وإذا كان ورود حديثها عن صلاة العصر في «الموطأ» مما يقويه فينبغي أن يلاحظ أن في «الموطأ» حديثا مثله حرفيا عن حفصة. وأن هذا التشابه مما يبعث على الحيرة الجزء الأول من التفسير الحديث 7

والتوقف. وهذا بالإضافة إلى احتمال أن تكون الجملة تفسيرية أو أن تكون نسخت ولم يثبت بقاؤها عند ملأ الصحابة. ومن غير المعقول أن تخالف عائشة الإجماع فتبقي أو تكتب في مصحفها ما لم يثبت في المصحف الإمام. وهذا القول يصح بتمامه كذلك بالنسبة للروايات المروية عن الكلمات الزائدة في بعض الآيات أو الكلمات المبدلة المعزوة إلى بعض الصحابة بقطع النظر عن احتمال الغلط والدسّ وقصد التشويه والتشويش وعن عدم استناد الروايات إلى أسناد موثقة. ورواية مصحف علي ومخالفته لترتيب المصحف المتداول موضع شك كبير أيضا. فإنه لم يرد أي رواية صحيحة تفيد أن أحدا اطلع على هذا المصحف أو رآه متداولا. وقد روي عن ابن سيرين وهو تابعي أنه تحرى هذا المصحف في كل طرف في المدينة فلم يقع عليه، ولو كان صحيحا لعض عليه الشيعة بالنواجذ كما عضوا على أوهى مما ورد في صدد مخالفة أبي بكر وعمر وعثمان، ولم يرو عنهم شيء من هذا. وفي المجموعتين الأولى والثانية روايات عن ثناء علي على أبي بكر وعثمان على ما قاما به من عمل عظيم في صدد جمع القرآن وتحريره ونسخ مصاحفه. فليس والحالة هذه أي مسوغ للشك في كون المصحف المتداول قد احتوى جميع القرآن الذي مات النبي عنه وهو قرآن ثابت نصا وترتيبا بسبب أي رواية من الروايات المماثلة مما قد لا نكون اطلعنا عليها، ونعتقد أن أي رواية من مثل ذلك لن تكون إلا مخترعة أو مدسوسة بقصد سيء أو ناتجة عن لبس وخطأ على أقل تقدير. فإن مما لا يصح أن يشك فيه أن أصحاب رسول الله قد حرصوا كل الحرص واهتموا أشدّ الاهتمام للقيام على أمر تحريره وضبطه على أحسن وجه وأقومه، وأنهم تضامنوا في ذلك كل التضامن حتى كان مصحف أبي بكر الإمام المتطابق لما مات النبي عنه نصا وترتيبا، وأنهم كانوا مسوقين في حرصهم واهتمامهم بسائق ديني ملك عليهم مشاعرهم رهبة وهيبة وتقديسا وتعظيما يبدو واضحا لكل من دقق

- 7 - تابع إلى تعليقات على الروايات والأقوال

في ما ورد عن أصحاب رسول الله وأولي الشأن فيهم من ثناء وتنويه في القرآن ومن ثناء وتنويه من النبي ومن وصف شدة فنائهم واستغراقهم في النبي، وعمق إيمانهم بنبوته وبصلة القرآن بالوحي القرآني، فالعمل لم يكن عملا شخصيا أو سياسيا بل عمل متصل بأقوى عمد الدين وأعظم مظاهر النبوة وأكبر تراث خلّفه النبي فيهم، فمن المعقول الحق أن يكون حرصهم على استقصائه وتحريره وضبطه أشد حرص وأقومه وأتمه. وننبه على أننا استعملنا تعبير «جميع ما مات النبي عنه وهو قرآن» ولم نستعمل تعبير «جميع القرآن الذي نزل على النبي» قصدا لأن في القرآن نصوصا صريحة مكية ومدنية مثل: 1- ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها البقرة: [106] . 2- وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ النحل: [101] . تفيد أنه وقع بعض التبديل والنسخ في بعض آيات القرآن في عهدي النبي المكي والمدني بوحي الله مما هو مؤيد بأحاديث عديدة مثل حديث مروي عن أبي موسى الأشعري جاء فيه «نزلت سورة نحو براءة ثم رفعت» ومثل حديث أخرجه الطبراني عن ابن عمر جاء فيه أن النبي أقرأ رجلين سورة فكانا يقرآن بها فقاما ذات ليلة يصليان فلم يقدرا منها على حرف فأصبحا غاديين على رسول الله فذكرا له ذلك فقال إنها مما نسخ فالهوا عنها، ومثل حديث رواه البخاري عن أنس أنه نزل في قصة أصحاب بئر معونة قرآن قرأناه ثم رفع إلخ. - 7-[تابع إلى تعليقات على الروايات والأقوال] ولقد أدرنا الكلام في الفقر السابقة في نطاق الروايات المروية المتعارضة والتعليقات الواردة عليها، وما يتسق مع طبائع الأمور والظروف وما لا يتسق. ونقول الآن إن في القرآن ملهمات تؤيد النتائج التي قررناها، وتوثق الروايات التي

تستند إليها، وتدلّ أو تقوم قرينة على أن القرآن كان يدوّن بانتظام ويحفظ بانتظام وإن آياته قد رتبت في السور وسوره قد رتبت في تسلسل في حياة النبي عليه السلام، مما يعدّ جديدا في هذا الباب لم نطلع على مثله. فأولا إن في بعض السور آيات احتوت قرائن قوية على أن ما كان ينزل من القرآن كان يدوّن حال نزوله وأن مدوناته كانت تحفظ وتتلى على ملأ الناس: 1- ففي سورة القيامة الآيات التالية: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ . فهذه الآيات جاءت معترضة بين آيات متصل قبلها بما بعدها اتصال موضوع وخطاب ونظم، في حين أنها غير متصلة بهذه الآيات موضوعا ولا خطابا ولا نظما كما يبدو حين قراءة السياق بطوله «1» . وقد روي بمناسبتها حديث يستفاد منه أنها نزلت على النبي لأنه كان حينما يتلقى وحي القرآن يحرك شفتيه بما ينزل على قلبه خشية نسيانه. ووجود هذه الآيات في موضعها يلهم بقوة أنها أوحيت إلى النبي في أثناء نزول الآيات التي قبلها والتي بعدها. ولا يصح فرض غير هذا فيما نعتقد لفهم حكمة وجودها في السياق، ولا مناص من فرض ثان مع الفرض الأول وهو أن النبي أمر بتدوين آيات السورة فور وحيها، وأملى على الكاتب هذه الآيات في سياق آيات السورة لأنها أوحيت إليه مع آيات السورة، مع أنها كانت خطابا خاصا له وبقصد تعليمه كيفية تلقي الوحي فدونت كما جاءت. وفي هذه الآيات في موضعها ملهمات أخرى

_ (1) لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ. وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ. أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ. بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ. بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ. يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ. فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ. وَخَسَفَ الْقَمَرُ. وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ. يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ. كَلَّا لا وَزَرَ. إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ. يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ. بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ. لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ. كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ. وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ إلخ ...

عظيمة الخطورة أيضا في صدد القرآن، فهي تقف أمام أي شك حتى من أشد الناس تشككا بأن ما كان يبلغه النبي من آيات القرآن إنما كان وحيا يشعر به في أعماق نفسه ويدركه ويستمع إليه بإذن بصيرته ويعيه بقلبه، وهي تبين مقدار عظيم حرصه على أن لا يفلت منه أي كلمة أو حرف أو معنى مما كان يوحى إليه به قرآنا فكان يسارع إلى ترديده وإملائه حتى يبلغه تاما كاملا لا تبديل فيه ولا زيادة ولا نقصا ولا تقديما ولا تأخيرا. وهي تقرر معنى من معاني العصمة النبوية في صدد ما يبلغه النبي من وحي القرآن الرباني في توكيدها بأن الله سيثبت في قلبه ما يلقى عليه ويجعله يحيط به ويلهمه فهمه وبيانه. فالنبي بهذا قد عصم من الغلط والنسيان والخطأ والتقديم والتأخير والزيادة والنقص في القرآن، فكل ما بلغه من آيات القرآن هو وحي رباني، وقد بلغ كل ما أوحي إليه به بتمامه وحرفيته. ولعلها تقوم قرينة على أن لا محل ولا معنى للقول إن القرآن نزل على النبي بالمعنى لا باللفظ أيضا. وإذا لاحظنا أن ضمير الآيات هو ضمير المتكلم وأن القرآن كلام الله وأوامره أمكننا أن نقول إن في الآيات دلالة على أن القرآن كان وحيا ربانيا مباشرا ينقذف في قلب النبي فيعيه ويبلغه، أو على الأقل إن هذه الطريقة من الطرق التي كان يوحي الله إلى النبي بما يشاء أن يوحي إليه به وهذا القول يتسق مع طرائق اتصال الله بأنبيائه على ما جاء في آيات سورة الشورى [51- 52] التي شرحناها في بحث سابق. كذلك فإن هذه الآيات تفيد أن ما كان يوحى به إلى النبي عليه السلام كان النبي يبادر إلى الأمر بتدوينه وتسجيله حتى ولو كان موضوعه خاصا به وبصدد تعليمه تلقي الوحي واستيعابه، وأن النبي قد جرى على هذا منذ أوائل نبوته لأن هذه السورة من أوائل القرآن نزولا. وهذا المعنى عظيم من وجهة عصمة النبي في تبليغ كل ما كان ينزل على قلبه من وحي الله بما في ذلك من خطرات النفس وأسلوب تلقي القرآن والتصرف الشخصي أو الحركة الشخصية اللاشعورية، وهو مؤيد بآيات عديدة علّقنا عليها في مناسباتها من التفسير الكامل الذي كتبناه. 2- في سورة طه آية فيها مشهد مماثل لهذا المشهد في معناه وظروفه وهي هذه:

5 - ويسلك في هذا الباب أيضا آيات متشابهة الألفاظ فيها تقديم أو تأخير كلمة فحسب

فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (114) . وكل ما قلناه بشأن الآيات السابقة يصحّ بشأن هذه الآية. 3- في سورة الشعراء سلسلة طويلة من قصص الأنبياء، وكل من هود وصالح ولوط وصفوا بصفة أخيهم إلا شعيبا فإن هذه الصفة لم تلحق به في حين أنها ألحقت به في فصول سور أخرى «1» . فهذا يلهم بقوة أن الفصول القرآنية دونت كما أنزلت على قلب النبي ولم يكن فيها وصف الأخ لحكمة يعلمها منزل الوحي. ومع أن بعض العلماء قالوا إن مدين التي وصف شعيب في سياق قصتها بأخيهم في سور الأعراف وهود والعنكبوت هي غير أصحاب الأيكة الذين ذكرت قصتهم سورة الشعراء فإن بعضهم قال إنهم واحد. ويلاحظ أولا بأن الكلام عن أصحاب الأيكة مماثل للكلام عن أصحاب مدين. وثانيا أنه لم يجمع في آية واحدة بين الفريقين «2» . وهاتان الملاحظتان تسوغان الترجيح إن لم نقل الجزم بأنهما واحد وتجعلان ما استدللنا عليه في هذه النبذة في محله. 4- ومن هذا الباب الآية التي ذكر فيها إسماعيل واليسع وذو الكفل في سورة ص [48] فكل الأنبياء الذين ذكروا في الآيات المتقدمة أي داود وسليمان وأيوب وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وصفوا بعبد الله وبعباد الله إلا الأنبياء الثلاثة الذين ذكروا في الآية [48] فهذا يلهم بقوة أيضا أن الفصول دونت فورا كما أنزلت على قلب النبي ولم يكن فيها وصف عبادنا للأنبياء الثلاثة لحكمة يعلمها منزل الوحي كذلك. 5- ويسلك في هذا الباب أيضا آيات متشابهة الألفاظ فيها تقديم أو تأخير كلمة فحسب مثل آية المؤمنون [83] لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ في

_ (1) اقرأ آيات الأعراف: [85- 93] ، وهود: [84- 95] ، والعنكبوت: [36- 37] ، مثلا. (2) اقرأ مثلا آيات سورة ق: [13- 14] ، وص: [12- 13] ، والتوبة: [70] ، والحج: [43- 44] .

حين أن آية مماثلة في سورة النمل [68] قد تقدمت فيها كلمة «هذا» كما ترى فيها لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ حيث يصح ما قيل في الفقرتين السابقتين فيها ويستدل منها على الإملاء والتدوين الفوريين. 6- وفي سورة النحل موضوع طريف في صدد ما نحن بسبيل تقريره. فقد اقتضت الحكمة الربانية تبديل آية مكان آية فاستغل المشركون الحادث استغلالا عظيما حتى كان من نتيجة ذلك أن ارتدّ بعض ضعفاء الإيمان في مكة كما يستلهم من آيات السورة هذه: فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (102) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (104) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (105) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (106) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (107) . فهذا الحادث يلهم أن آيات القرآن كانت مدوّنة فأمر النبي بوضع آية مكان آية وفقا لما أوحي إليه فكان ما كان من موقف الكفار، ويسوغ القول أن القرآن لا بدّ من أنه كان مدونا يتلى حتى يكون مجال لهذا الموقف. فهذه عدة أمثلة متصلة بعدة سور مكية متفاوتة في فترات نزولها حتى ليصحّ أن يقال إن منها ما نزل أوائل عهد مكة ومنها ما نزل بعدها بقليل ومنها ما نزل في

أواسطه، تحتوي دلائل على أن القرآن كان يدوّن حال نزوله ويتلى وينشر بين الناس ويسمعه المشركون كما يتداوله المسلمون أيضا. 7- إن القرآن المكي احتوى آيات كثيرة تصف القرآن بالكتاب- وهذه الكلمة تأتي بمعنى المكتوب أيضا- ومنها ما يجمع بين الكلمتين معا «الكتاب والقرآن» «1» أي الكتاب المقروء المكتوب «2» ، وتنوه بخطورته وتشير إليه كأعظم مظهر وآية للنبي والنبوة وتذكر أنه أنزل ليتلى على الناس، وأن فيه متنوع الأمثال ليتدبروا آياته ويعقلوها، وأنه أنزل على النبي ليبيّن لهم ما أنزل إليهم من ربهم ويوضح لهم ما اختلفوا فيه كما يستفاد منها أن القرآن نفسه كان موضوع جدل رئيسي بل أهم موضوع جدل بين النبي والمشركين في مكة «3» . فكل هذا يلهم أنه كان يدون وتتلى مدوناته على الناس مسلمين ومشركين كما يلهم أن المسلمين أيضا كانوا يدونونه ليتدبروا ويتذكروا ويتعلموا ويتفقهوا فيه. 8- في سورة الفرقان آية تلفت النظر وهي: وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها «4» فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) فهذه الآية تلهم أن القول ليس مما يرمى جزافا وإنما هو مستند إلى مشاهدة بأن آيات القرآن وسوره كانت تدون وتتلى على الناس في صحف فكان المشركون يصفونها بهذه الصفة، ويريدون بذلك أن النبي كان يستكتبها عن كتب الأولين وأساطيرهم.

_ (1) مثل الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ الحجر: [2] . وطس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ النمل: [1] . (2) يرجح بعض علماء اللغة أن كلمة القرآن مصدر من مصادر «قرأ» ونحن نعتقد أنها متصلة بجذر «قرأ» على كل حال وقد قال بعض المستشرقين إنها دخيلة عبرانية. ولا نرى لهذا مبررا لأن جذر قرأ أصلي في اللغة العربية، على أن ما لا شك فيه أن الكلمة بصيغتها كانت مستعملة قبل نزول القرآن وليس من الضروري أن تكون دخيلة عبرانية معربة إذا لاحظنا خاصة أن العربية والعبرانية تمتّان إلى أصل واحد وأن كثيرا من الجذور فيها متّحد. [.....] (3) هذه الآيات كثيرة جدا ومنبثة في مختلف السور المكية مما يجعلنا في غنى عن التمثيل لها. (4) تأتي بمعنى استكتبها كما ذكر الزمخشري في «الكشاف» .

9- في سورة الواقعة الآيات التالية: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (78) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) . وفي سورة عبس الآيات التالية: فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرامٍ بَرَرَةٍ (16) . فهذه الآيات وتلك وإن كانت تشير إلى صلة القرآن بالملائكة وطهارة أصله ومصدره وكرامته فإن روح عباراتها تلهم أيضا وبقوة أن القرآن صار مكتوبا في صحف وصار لهذه الصحف واجب التكريم فلا يمسها إلا المطهرون. وهذا ما كان يجري فعلا كما جاء في الروايات الوثيقة وخاصة في رواية إسلام عمر وصحيفة القرآن التي كانت في يد أخته ورفضها تسليمها إليه إلا بعد أن يتطهر «1» وأصل التقليد الإسلامي الفقهي بعدم جواز مسّ المصحف إلا على طهارة هو من هذا الباب. 10- في سورة الحجر هذه الآية إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ «2» وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (9) . فهذه الآية إن احتوت وعد الله بحفظ القرآن فإنها احتوت تلقينا توجيهيا للنبي بتدوينه وحفظه أيضا. 11- لقد كثر في القرآن المكي ترديد ذكر أهل الكتاب وكتبهم، وتقرير معنى التطابق بين القرآن وبين هذه الكتب والاستشهاد بأهل الكتاب على صحته ووصف مواقفهم حينما كانت تتلى عليهم آيات القرآن. وطبيعي أن النبيّ كان يعرف أن الكتب السماوية متداولة في أيدي اليهود والنصارى ومكتوبة في صحف وقراطيس، ومجموعة في أسفار أو سجلات، فمما لا ريب فيه أن الآيات التي احتوت ذلك قد احتوت تلقينا توجيهيا للنبي والمسلمين بأن يدونوا الفصول القرآنية ويجمعوها في أسفار وسجلات أسوة بتلك الكتب التي نزل القرآن مصدقا لها ومتطابقا في أسسه وروحه ومصدره معها، ولا يعقل إلا أن يكون النبي والمسلمون قد اعتنوا كل العناية بهذه النقطة.

_ (1) ابن هشام ج 2 ص 2. (2) يعني القرآن.

- 8 - تابع إلى تعليقات على الروايات والأقوال

- 8-[تابع إلى تعليقات على الروايات والأقوال] وثانيا: إن في القرآن المكي ملهمات عديدة لترتيب الآيات في السور وتأليف السور في حياة النبي عليه السلام: 1- فقد تكرر فيه كلمة «سورة» وخاصة في معرض تحدي المشركين وجاءت مرة بتحديهم بالإتيان بسورة ومرة بعشر سور كما ترى في يونس وهود هاتين: 1- أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ (38) . 2- أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ (13) . وعبارة الآيات لا تدع مجالا للشك في أن مدلول السورة هو مجموعة مستقلة من الآيات أو الفصول القرآنية، ولا تدع مجالا للشك كذلك في أن مجموعات القرآن حينما نزلت هذه الآيات- وترتيب السورتين يلهم أنهما مما نزل في أواسط العهد المكي- كانت سورا مستقلة تامة حتى يصح التحدي والتمثيل. وطبيعي أن هذا الأسلوب قد ظل العمل به مستمرا. 2- إن السور المكية المسجعة أو الموزونة أو المقفاة «1» خمس وستون سورة بما فيها الرحمن والإنسان والزلزلة التي نرجح مكيتها والتي ذكرت مكيتها روايات عديدة في حين أن بعض الروايات قال إنها مدنية منها أربع وخمسون قصيرة هي الفاتحة والناس والفلق والإخلاص وأبي لهب والكافرون والكوثر والماعون وقريش والفيل والهمزة والعصر والتكاثر والقارعة والزلزلة والعاديات والقدر والعلق والتين والانشراح والضحى والليل والشمس والبلد والفجر والغاشية والأعلى والطارق

_ (1) الفرق فيما نعتقد هو أن الأصل في المسجوع وحدة القافية دون التزام التوازن وأن الأصل في الموزون هو التوازن دون التزام وحدة القافية. ومن الممكن أن يكون المسجوع موزونا أيضا. وفي القرآن نماذج لكل ذلك. وهناك سور احتوت فصولا متنوعة في الوزن والقافية أيضا. وفي كتابنا عصر النبي وبيئته قبل البعثة عرض وبحث في هذا الباب في فصل اللغة القرآنية.

والبروج والانشقاق والمطففون والانفطار والتكوير وعبس والنازعات والنبأ والمرسلات والإنسان والقيامة والمدثر والمزمل والجن ونوح والمعارج والحاقة والقلم والملك والواقعة والرحمن والقمر والنجم والطور والذاريات وق، ووحدة الموضوع في هذه السور بارزة بروزا تاما. فالغرض الصحيح الذي نعتقد أنه لا يصحّ غيره هو أنه نزل كل منها دفعة واحدة وكسبت شخصيتها كسور مستقلة. وإذا كان من الممكن أن يكون استثناء فهو قليل بالنسبة إلى هذا العدد الكبير من جهة، وهو في الوقت نفسه ليس استثناء ينقض هذا الغرض في جوهره من جهة أخرى. وقد احتطنا بهذا الاستدراك من أجل ما روي من أن آيات العلق الأولى هي أول ما نزل وأنها نزلت منفردة مما يبرره مضمون آيات السورة، ومن أجل ما روي من مثل ذلك بالنسبة إلى آيات سور المزمل والمدثر والقلم الأولى مما يبرره كذلك مضمون آيات السور «1» ثم من أجل ما روي من أن الآية الأخيرة من سورة المزمل مدنية وليست مكية مما يبرره مضمونها أيضا. 3- إن التدقيق في فصول بقية السور المسجعة أو الموزونة المتوسطة إلى سور ص والصافات ويس وفاطر والشعراء والفرقان وطه ومريم والكهف والإسراء والحجر يظهر تلاحق فصولها وانسجامها بالإضافة إلى تسجيعها وتوازنها. وهذا وذاك يلهمان أو يحملان على الترجيح بأنها هي الأخرى نزلت دفعة واحدة أو فصولا متتابعة بدون اعتراض بفصول من سور أخرى إلى أن تمّ كل منها واكتسب شخصيته كسور مستقلة. 4- إن السور المكية غير المسجعة وغير الموزونة ست وعشرون، وهي الأحقاف والجاثية والدخان والزخرف والشورى وفصلت وغافر والزمر وسبأ والسجدة ولقمان والروم والعنكبوت والقصص والنمل والمؤمنون والحج «2» والأنبياء والنحل وإبراهيم والرعد «3» ويوسف وهود ويونس والأعراف والأنعام.

_ (1) في مبحث أوليات الوحي في الجزء الأول من كتابنا «سيرة الرسول» بيان واف لذلك. (2) أدخلنا الحج لترجيحنا أن جلّ آياتها مكي وبعض الروايات تذكرها في عداد السور المدنية. (3) بعض الروايات تذكر سورة الرعد في عداد المدنيات وبعضها تذكرها في عداد المكيات وأسلوبها ومضمونها يحملان على ترجيح مكيتها.

ووصفنا إياها بغير المسجوعة وغير الموزونة هو من وجه عام، وقد احتوى بعضها فصولا مسجوعة أو موزونة أيضا. ومن هذه السور تسع ضاربة إلى القصر أكثر منها إلى التوسط وهي الأحقاف والجاثية والدخان والزخرف والشورى وفصلت وسبأ والسجدة ولقمان وباقيها متوسط وقريب من الطويل وطويل. ومع أنها غير مسجعة وغير موزونة الآيات كما قلنا فإن خواتم آياتها مركزة. والذي يمعن فيها يجد تلاحقا في السياق وترابطا في الفصول، ويجد أكثرها ذا وحدة موضوعية أيضا. وكل هذا يلهم أن الضاربات إلى القصر منها قد نزلت دفعة واحدة وأن ما يحتمل أن لا يكون نزل دفعة واحدة من باقي السور قد نزل فصولا متتابعة من دون اعتراض بفصول من سور أخرى. إلى أن تمّ كل منها واكتسب شخصيته المستقلة. وما جاء في الرقمين 3 و 4 يمكن توثيقه بمميزات القرآن المكي والعهد المكي. فإن هذا العهد كان عهد دعوة، وأحداثه متشابهة من حيث كونها مواقف دعوة وحض وإنذار وتبشير وتنديد وتذكير ووعظ من جانب النبي، ومواقف إنكار وعناد ومكابرة وجدل وتحدّ وأذى من جانب الكفار. والقرآن المكي قد دار جميعه على هذه المواقف المتشابهة فطبيعة هذا العهد لا تقتضي كما يبدو مستقيما نزول فصل من سورة ثم تعقيبه بفصل من سورة أخرى وقبل أن تتم فصول السورة السابقة. وتلاحق فصول السور المكية المتوسطة والطويلة وانسجامها بل ووحدة الموضوع فيها بوجه الإجمال مما يقوم دليلا قويا على ذلك. 5- إن سبعا وعشرين سورة من السور المكية المتنوعة تبتدئ بحروف متقطعة وهي القلم وق والأحقاف والجاثية والدخان والزخرف والشورى وفصلت وغافر وص ويس والسجدة ولقمان والروم والعنكبوت والقصص والنمل والشعراء وطه ومريم والحجر وإبراهيم والرعد ويوسف وهود ويونس والأعراف. وسبع عشرة منها وجلّها من القصار تبتدئ بالإقسام وهي العصر والعاديات والتين والضحى والليل والشمس والفجر والبلد والطارق والبروج والنازعات والمرسلات والقيامة

- 9 - تابع إلى تعليقات على الروايات والأقوال

والنجم والطور والذاريات والصافات. وتسعا وهي متنوعة أيضا تبتدئ بالثناء والحمد والتسبيح وهي الفاتحة والأعلى والملك وفاطر وسبأ والفرقان والكهف والإسراء والأنعام. وتسعا أخرى كلها من القصار تبتدئ بالاستفهام وهي الماعون والفيل والانشراح والقارعة والغاشية والنبأ والإنسان والمعارج والحاقة. وتسعا أخرى من القصار كذلك تبتدئ بخطاب النبي نداء أو أمرا وهي الناس والفلق والإخلاص والكافرون والكوثر والعلق والمدثر والمزمل والجن. وأربعا منها تبتدئ بالدعاء والإنذار وهي المسد والهمزة والتكاثر والمطففون. وخمسا منها تبتدئ بحرف إذا التنبيهي أو التذكير وهي الزلزلة والانشقاق والانفطار والتكوير والواقعة، أي إن ثمانين سورة مكية من مجموع إحدى وتسعين ذوات مطلع خاص فيه دلالة ما على شخصية السورة واستقلالها. أما بقية السور المكية فمنها سبع قصار مسجوعة هي قريش والقدر وعبس ونوح والرحمن والقمر والزمر يجري عليها ما قلناه من طابعها البارز الذي يدل على نزولها دفعة واحدة واكتسابها شخصيتها. والأربع الأخرى وهي المؤمنون والحج والأنبياء والنحل فإن مطالعها تلهم بدء سورة خاصة مستقلة إذا ما أنعم النظر فيها. - 9-[تابع إلى تعليقات على الروايات والأقوال] وثالثا: إذا صحّ ما قلناه واستلهمناه من آيات القرآن المكي وأساليب نظمه من أن القرآن المكي كان يدوّن فورا ويحفظ بانتظام وهو ما نعتقد بصحته فإن هذا ما ينبغي أن يكون صحيحا من باب أولى بالنسبة للقرآن المدني بطبيعة الحال. لأن الحالة بعد الهجرة أصبحت أعظم خطورة من ناحية الدعوة وتطورها إلى تشريع وتركيز، وأصبح المسلمون أكثر طمأنينة واستقرارا، وهذا يتسع للتدوين والحفظ ويقتضيهما من باب أولى. ثم إنه كان في المدينة جالية كبيرة من اليهود، وكان لها أحبارها وربانيوها وقضاتها ومدارسها وكتبها، وقد نشب بينها وبين النبي عليه السلام منذ حلوله في المدينة تشادّ وخلاف وجدل حول الدعوة والقرآن والتوراة والأنبياء، وهذا كله سائق لتدوين القرآن وحفظه بانتظام كذلك. فليس من مبرر

للشك قط في أن ما جرى عليه النبي والمسلمون في مكة من تدوين القرآن فورا وفي الصحف والقراطيس لم يظل مستمرا في العهد المدني. بالإضافة إلى هذا فإن في القرآن المدني أمثلة مشابهة لما ذكرناه في صدد تدوين القرآن المكي. ففي سورة البقرة آيتان متشابهتان مع فرق قليل في النظم وهما هاتان: 1- وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) . 2- وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) . وفي سورتي البقرة وآل عمران الآيتان التاليتان: 1- قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ البقرة: [136] . 2- قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ آل عمران: [84] . وفي سورة التوبة آيتان متشابهتان مع فرق قليل في النظم كذلك وهما هاتان: 1- فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (55) . 2- وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (85) . والسياق قد يلهم أن كلا من آيتي البقرة قد نزل في سياق طويل في مجلس

واحد، والفرق في النصّ يلهم أن كلا منهما قد دون فورا بعد نزولهما كما أملاهما النبي عليه السلام، وكذلك الأمر في آيتي التوبة أيضا والبقرة من أوائل ما نزل والتوبة من أواخر ما نزل من القرآن. وهذا يعني أن التدوين بدأ منذ أول العهد المدني واستمرّ إلى آخره. والفرق في آيتي البقرة وآل عمران المتشابهتين يلهم ما تلهمه الآيات الأخرى من فورية التدوين بطبيعة الحال. أما من حيث ترتيب آيات القرآن المدني في السور ومن حيث شخصيات سوره فالناظر يجد: 1- أن سورتين منها تبتدئان بحروف متقطعة وهما البقرة وآل عمران. وثماني منها تبتدئ بنداء النبي وتوجيه الخطاب إليه وهي النصر والتحريم والطلاق والمنافقون والمجادلة والفتح والأحزاب والأنفال. وخمسا منها تبتدئ بالتسبيح وهي التغابن والجمعة والصف والحشر والحديد. وثلاثا تبتدئ بخطاب المؤمنين وهي الممتحنة والحجرات والمائدة، أي أن ثماني عشرة سورة من مجموع ثلاث وعشرين ذوات مطالع تلهم أنها مبادئ سور وتلهم أن سورها ذوات استقلال وشخصية. أما باقي السور المدنية وهي البينة ومحمد والنور والتوبة والنساء فمطالعها هي الأخرى تلهم استقلالها وشخصية سورها إذا ما أمعن فيها ولو لم تكن ذات طابع مطلعي خاص. 2- أن من السور المدنية اثنتين قصيرتين جدا وهما النصر والبينة وثلاث عشرة قصارا وهي التحريم والطلاق والتغابن والمنافقون والجمعة والصف والممتحنة والحشر والمجادلة والحديد والحجرات والفتح ومحمد وباستثناء اثنتين منهما وهما الجمعة والمجادلة فإن جميعها أي ثلاث عشرة من خمس عشرة ذوات موضوع واحد. وهذا يلهم أنها نزلت وكسبت شخصيتها دفعة واحدة. كذلك فإن إحدى السور المتوسطة وهي الأنفال ذات موضوع واحد وفصولها تلهم أنها نزلت دفعة واحدة هي الأخرى. 3- أن السور التي احتوت مواضيع عديدة وفصولا متنوعة وغير مترابطة

أحيانا تسع منها اثنتان قصيرتان هما الجمعة والمجادلة، واثنتان متوسطتان هما الأحزاب والنور، وخمس طوال هي التوبة والمائدة والنساء وآل عمران والبقرة وفي الحق أن مواضيع هذه السور وفصولها تلهم أنها لم تنزل دفعة واحدة ولا فصولا متتابعة بدون اعتراض، وتلهم أنها ألّفت تأليفا على ما هي عليه في المصحف بعد تكامل فصولها من دون سائر السور القرآنية المكية والمدنية. ونرجح أن الكلام والتخمين في أمر ترتيب آيات القرآن في سورها قد كان بسبب هذه السور وحولها في الدرجة الأولى لأن وحدة موضوع سائر السور ونظمها وتلاحق سياقها وتناسب فصولها المتتابعة يلهم وحدة النزول أو التتابع فيه. والذي نعتقده أن ترتيب آيات وفصول هذه السور على الوجه الذي هو عليه في المصحف المتداول قد كان في حياة النبي وبأمره وأن ما ورد عن زيد بن ثابت- وهو أنصاري- في حديث تأليف القرآن من الرقاع على عهد النبي «1» وما جاء من أحاديث تتضمن أن النبي كان يوحى إليه بفصل قرآني من السور ذوات العدد كما جاء في حديث عثمان «2» أو بكلمة ثانية ذوات الفصول المتعددة ويمليه على كتّاب وحيه يأمرهم بوضعه في مكان من سورة يعيّنها لهم هو الصورة الصحيحة الصادقة لما كان يقع خاصة في صدد هذه السور المدنية السبع. ولعل من ملهمات القرآن على صحة ذلك التناسب البارز بين كثير من الفصول في هذه السور وخاصة في السور الطويلة موضوعا أو مدى أو مفهوما أو مناسبة حينما ينعم النظر فيها مما نبهنا عليه في التفسير من مثل تسلسل الأسئلة وأجوبتها التشريعية في سورة البقرة، وتسلسل فصول أحكام الأسرة في سورة النساء وتسلسل فصول أهل الكتاب في سورة المائدة، وتسلسل فصول الجهاد ومواقف المشركين والمنافقين في سورتي آل عمران والتوبة، وتسلسل الفصول التأديبية والتعليمية والإرشادية وما يتصل بمشاكل الأسر في سورة النور، وتناسب فصول سورة الأحزاب في الحملة على المنافقين والكفار والتنديد بمواقفهم

_ (1) المجموعة الثالثة. (2) المصدر نفسه.

المختلفة من جهة وتناسب فصولها الأخرى في صدد التأديب والأنكحة في حين أن من هذه الفصول والآيات ما نزل متأخرا أو ما نزل متقدما أو ما نزل بعد فصول سور أخرى إلخ مما نبهنا عليه في التفسير وما يمكن أن نمثل عليه بفقرة من آية النساء [25] التي تذكر أن على الإماء المحصنات نصف ما على الحرائر من الحد، حيث وضعت هذه الفقرة في الآية لمناسبة السياق في حين أنها نزلت حتما بعد آية سورة النور [2] التي تذكر الحدّ على الزناة. ولعل من ملهمات القرآن كذلك على ترتيب آيات وفصول هذه السور المتنوعة الفصول في حياة النبي الآية الأخيرة من سورة النساء في وارث الكلالة، حيث يلهم وضعها أنها نزلت متأخرة وبعد أن تم تأليف السورة فألحقت بأمر النبي بالسورة ولو بآخرها لأن الموضوع الذي تتصل به قد جاء في سورة النساء. ولو كانت فصول سورة النساء وآياتها لم ترتب على عهد النبي وبأمره أو لو كانت هذه السورة غير مرتبة الآيات والفصول حينما نزلت الآية لكانت وضعت، على ما يبدو مستقيما في سياق فصل التوارث مثل عقوبة الإماء المحصنات التي وضعت في مناسبتها، وهذه ظاهرة خطيرة أو بالأحرى دليل قرآني حاسم على أن ترتيب السور إنما تم في حياة النبي وأمره. ومن هذه الملهمات آية الأحزاب [49] بشأن عدة المطلقة بدون مسّ ودخول. وقد احتوت البقرة سلسلة آيات بهذا الشأن [235- 241] وقد انصبت كلها على مهورهن. أما آية الأحزاب فذكرت عدم وجوب العدة عليهن. فلو كانت سورة البقرة لم يتم ترتيبها في عهد النبي عند ما نزلت آية الأحزاب لكان المتبادر أن تلحق بسلسلة البقرة للتناسب الوثيق ولما وضعت في سورة الأحزاب كفصل خاص لا صلة له بسابق ولا لاحق. ومن باب أولى أن يكون ذلك لو كان الترتيب تمّ في عهد أبي بكر. ولقد يرد أن هناك آيات مدنية في سور مكية وآيات مكية في سور مدنية، وأن هذا قد يقوم قرينة على أن السور المكية لم تكن تامة الترتيب في العهد المكي الجزء الأول من التفسير الحديث 8

ونقول من حيث الأساس إن الآيات المدنية المروية في السور المكية ليست كثيرة العدد حتى مع التسليم بصحة رواية مدنيتها جميعها. ففي مصحف مصطفى نظيف قدور أو غلي المطبوع من قبل عبد الحميد أحمد حنفي والمصدق عليه من قبل اللجنة المعينة بأمر الملك فؤاد (147) آية قيل إنها مدنية في (34) سورة من مجموع الآيات البالغ عددها أربعة آلاف ونيفا، فليس مما ينقض ما قررناه وجود هذه الآيات في هذه السور بحيث يمكن أن يفرض أن النبي أمر بإضافة هذه الآيات إلى المكان المناسب لها في السور المكية لتناسب السياق أو الموضوع أو لتدعيمه، ولا يترتب على هذا أن لا تكون السور المكية مرتبة قبل ذلك. هذا مع أن دمج هذه الآيات في سياق مناسب لها في سور مكية يدل دلالة قوية على العكس، أي على أن الآيات المكية كانت مرتبة في سورها من جهة وعلى أن ترتيب الآيات في السور قد كان في حياة النبي وأمره بل وعلى أن عملية التأليف والترتيب والتركيز كانت مستمرة بأمر النبي وتناسب الموضوع وتلازمه بين الآيات المدنية التي لا تحتمل مدنيتها شكا في السور المكية وهي آخر آية في سورة المزمل وآخر آية في سورة الشعراء والآيات [164- 171] في سورة الأعراف يعد دليلا قرآنيا على أن وضعها كان بأمر النبي، ومؤيدا لما نحن في صدد تقريره، فآية المزمل الأخيرة تخفف التكليف الذي كلف به النبي في أولها من قيام الليل وتعذر المسلمين بسبب كثرة مشاغلهم وواجباتهم التي منها القتال الذي لم يكن إلا في العهد المدني، وآية الشعراء تستثني الشعراء المسلمين الذين كانوا يقابلون شعراء المشركين على هجوهم النبي والمسلمين من النعت الذميم الذي نعت به الشعراء وآيات الأعراف في صدد حادثة عدوان اليهود في يوم السبت وما كان من غضب الله عليهم بسببه وقد وضعت في سلسلة قصة بني إسرائيل وبدئت بأمر النبي بتذكير يهود المدينة بأمرهم. فالتناسب قائم بين الآيات المدنية والفصول المكية كما هو ظاهر. أما الروايات عن الآيات المكية في السور المدنية فإنها قليلة جدا فهي في المصحف الذي ذكرناه سبع آيات في الأنفال [30- 36] وآخر آيتي التوبة والآية

- 10 - تابع إلى تعليقات على الروايات والأقوال

[13] من سورة محمد وقد شككنا في الروايات لأن مضامين الآيات وسياقها يحمل على التوقف بالإضافة إلى روايات أخرى تخالفها. ومع ذلك فعلى فرض صحتها فإنها ليس من شأنها أن تخلّ بما نقرره وأن تمنع أن يكون النبي قد أمر بإخراج بعض الآيات من سور مكية وإضافتها إلى سياق مناسب لها أكثر في سور مدنية بل إن في هذا نفس الدلالات التي ذكرناها آنفا. وعلى كل حال فليس من المعقول أن يتصرف الصحابة بعد النبي فينقلوا آيات من سور مكية إلى سور مدنية وآيات من سور مدنية إلى سور مكية البتة، وأنه لا يكاد يتحمل شكا في أن نقل آيات نزلت في عهد إلى سور أو مجموعة آيات نزلت في عهد آخر إنما يكون وقع في حياة النبي وبأمره. وقد يرد ما ذكرته الروايات عن آخر الآيات نزولا مثل آيات الدين أو الربا في سورة البقرة، فعلى صحة هذه الروايات فإنه ليس فيها ما ينقض ما قررناه من ترتيب آيات القرآن في السور في حياة النبي عليه السلام وبأمره، إذ من الممكن والمعقول أن يفرض أن النبي هو الذي أمر بوضعها في مكانها التي هي فيه الآن كما كان شأن آخر آيات سورة النساء، بل وإن وجود هذه الآيات في مواضعها ليقوم دليلا على صحة هذا الفرض بل وعلى أن لا يكون إمكان لغرض غيره. ففي سورتي البقرة وآل عمران مثلا آيات مقاربة لموضوع الآيات المذكورة، في سورة البقرة، فلو لم تكن الآيات موضوعة في مكانها بأمر النبي لكانت وضعت هذه الآيات المتقاربة في سلسلة واحدة. ويقاس على هذا غيره. - 10-[تابع إلى تعليقات على الروايات والأقوال] ورابعا: أما ترتيب السور في تسلسلها على ما هو في المصحف المتداول فليس في القرآن ما يمكن أن يستلهم منه على أن ذلك قد تم في حياة النبي وبأمره، إلا قرائن قليلة قد لا تكون شافية. منها عدم فصل سورة التوبة عن سورة الأنفال في البسملة وتقديم الأنفال عليها مع أنها ليست من الطوال ولا من المئين. والسورتان إذا اجتمعتا تكونان سورة طويلة وتنسجمان مع السور الطوال الست

السابقة. والثابت المؤيد بمضامين السورتين أن الأنفال من أوائل ما نزل في المدينة في حين أن التوبة من أواخر ما نزل فيها فورودهما واحدة وراء الأخرى وفي سلك الطوال ودون فاصل ببسملة يلهم أنه بأمر النبي إذ لو كان هذا الترتيب بعده لو ضعت الأنفال في سلسة المثاني كما هو شأن سورتي النور والأحزاب المدنيتين اللتين جاءت كل منهما منفردة بين سور مكية ومنها ما يلاحظ من الشذوذ في ترتيب السور الأطول وما يليها. فسورة المائدة أقصر وأقل عدد آيات وحيزا من سورتي الأنعام والأعراف بل ومن سورة التوبة بمفردها ولكنها جاءت قبلها. وسورة الشعراء من حيث عدد آياتها تأتي بعد سورة البقرة فهي أكثر عدد آيات من سائر السور الطويلة وسور المئين وقد جاءت مع ذلك بعد ثلاث وعشرين سورة كلها أقل عدد آيات منها ومنها ما هو أقل حيزا أيضا وآيات سورة الصافات التي جاء ترتيبها متأخرا جدا أكثر عددا من آيات سور النساء والمائدة والأنعام وهي أكثر آيات من جميع السور باستثناء البقرة والشعراء والأعراف والنساء وسور إبراهيم والرعد، والحجر أقل حيزا وعدد آيات من سور النحل والإسراء والكهف ومريم وطه ومع ذلك فقد جاءت قبلها. وسورة الأحزاب أكبر حيزا وأكثر عدد آيات من سور الروم ولقمان والسجدة التي سبقتها. وسورة الأعراف أكثر عدد آيات وأكبر حيزا من سورتي الأنعام والمائدة اللتين تقدمتاها. وسورة القصص أكبر حيزا وأكثر عدد آيات من سور الفرقان والنور والحج وأكبر حيزا من سورة النمل التي تقدمتها. وسورة غافر أكبر حيزا وأكثر عدد آيات من سور الزمر ويس وفاطر وسبأ وأكبر حيزا من سورة ص التي تقدمتها ومثل هذا يقال في سورة الزمر وما تقدمها من بعض السور وما ذكرناه هو الشذوذ البارز. وهناك غيره غير قليل مما يدخل في هذا النطاق من حيث الحيز وعدد الآيات أو الأمرين معا بين السور المتوسطة والقصيرة ففي هذا على ما يتبادر لنا ملهمات بأن الترتيب قد كان بأمر النبي للحكمة التي رآها اجتهادا أو بناء على وحي رباني، فلم يكن من شأن أصحابه من بعده أن يبدلوا أو يغيروا فيه ولو لم يكن الأمر كذلك لاجتهدوا في إتمام النسق وفقا للترتيب الذي رأوه وجيها من تقديم الأطول ثم الذي يليه دون ما شذوذ بارز على الأقل. وليست

السور مرتبة بحسب مكيتها ومدنيتها أو بحسب نزولها حتى يعلل هذا الشذوذ بذلك وليس هذا بعسير التعيين والعمل كما يبدو للمدقق في السور. وننبه على أننا هنا بسبيل الاستلهام من القرآن. ونعتقد أن ما قررناه تعليقا على الروايات والأحاديث والأقوال بأن ترتيب الآيات في السور وترتيب السور في تسلسلها المتداول في حياة النبي وبأمره هو قوي بذاته فضلا عن ما تلهمه القرائن القرآنية، وقوته مستمدة بنوع خاص من اتساقه مع طبائع الأمور والظروف، ومن سكوت جميع الروايات والأحاديث المتصلة بأصحاب رسول الله عن القول بأن تحرير المصحف في زمن أبي بكر ونسخ المصاحف في زمن عثمان قد استهدفا ترتيب آيات في سور أو سور في تسلسل أو تناولاه ولهذا دلالته الخطيرة، ومن أن مصحف عثمان هو نسخة طبق الأصل لمصحف أبي بكر وهو أصل المصحف المتداول في ترتيب آياته وسوره. هذا وأخيرا نريد أن ننبه على أمر مهم في صدد هذه المباحث ومداها فإن ما تناولته إنما هو بسبيل البحث العلمي والتاريخي، وليس من شأنه أن يمسّ لبّ الموضوع، وهو كون القرآن المتداول بين المسلمين والذي هو في متناول الجميع سوره وفصوله ومجموعاته وآياته وكلماته ونظمه متصلا بالنبي وصادرا عنه مباشرة بوحي رباني نزل على قلبه، وكون هذا لم يكن في وقت من الأوقات موضع أخذ وردّ ومحل شك وتوقف من قبل المسلمين على اختلاف نحلهم وفرقهم وأهوائهم ومن لدن مشاهدي العيان في حياة النبي إلى الآن، كما أن صدوره مباشرة عنه لم يكن محل ريب من قبل غير المسلمين أيضا، وكون ما جاء ذكره في الروايات جميعها وعلى ما فيها من علل كثيرة من الآيات والكلمات والحروف لا يزيد على أكبر تقدير عن واحد في المائة من آيات القرآن التي تزيد عن ستة آلاف ومئتين، وكلماته التي تزيد عن سبعة وسبعين ألفا وحروفه التي تزيد عن ثلاثمئة ألف، وكون هذه النسبة التافهة جدا مع العلل الكثيرة التي تجعلها غير صحيحة ليس من شأنها أن تخل بتلك الحقيقة المسلم بها، وأن القرآن كان وظلّ ولن يزال معجزة النبي العظمى الخالدة أصفى منبع للأحكام والعقائد والتشريع والإلهام والفيض والتوجيه

والتلقين، فيه الحق والهدى والصدق والرشد، وفيه المبادئ السامية والشفاء للصدور والعلاج للنفوس والحلول لمتنوع المشاكل الإيمانية والروحية والسلوكية للناس كافة، أنزله الله على قلب نبيه الكريم وخلفه النبي عليه السلام في المسلمين فلا يضلّون أبدا إذا ما اتبعوه وتمسكوا به، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم. وإنه ليصحّ أن يقرر جزما أنه قد ظل سليما في حفظ الله محفوظا كل الحفظ من كل تبديل وتغيير وتحريف وزيادة ونقص مجمعا عليه في رسم واحد ونصّ واحد ومصحف واحد وترتيب واحد في مشارق الأرض ومغاربها، وظل يحتفظ بإشراقه وسنائه وروحانيته، ونفس ألفاظه وحروفه وأسلوب ترتيله وتلاوته التي تلاها رسول الله وبترتيبه الذي وضعه، وبكل ما فيه من معاتبات ومؤاخذات وبهت وتكذيب وهزء وزراية ونسبة افتراء وسحر وشعر وكهانة وتعلم واقتباس وجدل مع مختلف طبقات الناس، ومن تقريرات لحقيقة شخصية الرسول البشرية، وتطور في التشريع والمواقف المتنوعة مما لم يتيسر لأي كتاب سماوي ولا لأي نبي، وظل بعد هذا مرجع كل خلاف، والحكم في كل نزاع بين المسلمين على اختلاف فرقهم وأهوائهم والقول الفصل في كل مذهب وعند كل نحلة من مذاهبهم ونحلهم على كثرتها، فتحققت بذلك معجزة الآية الكريمة إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: 9] وإنها لمعجزة كبرى تستحق التنويه في هذا المقام، ويكفي لتبيين خطورتها أن نذكر ما كان من فتن وخلاف وشقاق وحروب منذ صدر الإسلام الأول وما كان من اجتراء الناس في ذلك العهد وبعده على رسول الله والكذب عليه في وضع الأحاديث المتضمنة تأييد فئة على فئة ورأي على رأي ودعوة على دعوة ولإضعاف ذلك بالمقابلة، وما كان من وضع الروايات والأحاديث لصرف آيات من القرآن إلى غير وجهها بسبيل ذلك، وما كان من استعلاء قوم على قوم وشيعة على شيعة استعلاء القوة والسلطان مع اشتداد العداء والتجريح واشتداد تيار الأحاديث المفتراة، وأن نذكر أن هذا كان في حين لم يكن القرآن مطبوعا أو مصورا، وفي حين لم يكن من المستحيل أن يجرأ الذين اجترءوا على رسول الله وعلى كتاب الله

- 11 - خاتمة لموضوع تدوين القرآن

فيغيروا ويبدلوا ويزيدوا وينقصوا شيئا جوهريا سائغا على المسلمين وينشروا به مصاحف جديدة وخاصة في الآيات التي حاولوا صرفها لتأييد الآراء والأهواء أو إضعافها لتكون أكثر مطابقة مع الوجوه التي أريد صرفها إليها سلبا وإيجابا ونفيا وإثباتا، وفي حين كانت الكتابة العربية سقيمة محرجة ولم يكن قد اخترع الشكل والإعجام، وكان التشابه بين الحروف كثيرا واحتمال اللبس قويا، وحفظت ببركته اللغة العربية القرشية التي نزل بها قوية مشرقة بكل ما وصلت إليه من سعة وبلاغة ودقة وقوة ونفوذ وعمق لتظل لغة الأمة العربية الفصحى في كل صقع وواد، وفي كل دور وزمان وهو ما لم يتيسر لأمة من أمم الأرض ولتكون إلى ذلك لغة عبادة الله لجميع الملل الإسلامية المنتشرة في أنحاء الأرض خلال ثلاثة عشر قرنا ثم خلال القرون الآتية إلى آخر الدهر بل ولتترشح لتكون لغة العالم الإسلامي، وحفظت ببركته الأمة العربية قوية الحيوية دون أن يبيدها ما نزل بها من صروف الدهر الجسام التي أباد أخف منها من هو أقوى منها تكمن فيها مواهبها العظيمة وخصائصها القومية التي جعلتها خير أمة أخرجت للناس إن هي قامت بما حملها إياه القرآن من عبء الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. - 11-[خاتمة لموضوع تدوين القرآن] وإتماما لموضوع تدوين القرآن نرى أن نورد بعض البحوث الموجزة في أمور تتصل به. فأولا أسماء السور: 1- إن الضابط أو الأصل العام في تسمية السور القرآنية على ما يبدو من أسمائها هو تسمية السورة بكلمة أو باشتقاق كلمة واردة فيها. وإذا كانت الأسماء المشهورة لبعض السور لا تستمد من هذا الأصل مثل سور الفاتحة والأنبياء والإخلاص فإن هناك روايات بأسماء أخرى لهذه السور تستمد منه مثل الحمد للأولى واقتربت للثانية والصمد للثالثة.

2- على أن بعض المصاحف يختلف عن بعض في الأسماء مع المحافظة على ذلك الأصل فسورة التوبة مثلا تذكر في بعض المصاحف باسم «براءة» والإسراء باسم «إسرائيل» وغافر باسم «المؤمن» وفصلت باسم «السجدة» والملك باسم «تبارك» والنبأ باسم «عم» والبينة باسم «لم يكن» والتبت باسم «أبو لهب» والإخلاص باسم «الصمد» . 3- وهذا الاختلاف ناشىء عن روايات مختلفة معزوة إلى بعض الصحابة كما أن هناك روايات مثلها بتسمية سور أخرى بأسماء أخرى وإن لم نطلع على مصاحف تذكر ذلك مثل سورة التوبة التي يروى أن من أسمائها: «العذاب والمشردة والمنكلة والمدمدمة والمتشقشقة» والفاتحة التي يروى من أسمائها «السبع المثاني والوافية والشافية والصلاة والدعاء وأم القرآن والقرآن العظيم» والأنفال والشعراء والنمل والسجدة والزمر وفصلت والجاثية وق والمجادلة والحشر والطلاق والصف والنصر التي لها أسماء أخرى هي بالتوالي بدر والجامعة وسليمان والمضاجع والغرف والمصابيح والشريعة والباسقات والظهار والنضير والنساء الصغرى والحواريين والتوديع. وهناك كذلك روايات سميت فيها بعض السور بأكثر من كلمة واحدة مثل سورة المؤمنون التي ذكرت بتعبير «قد أفلح المؤمنون» والإنسان بتعبير «هل أتى على الإنسان» والأعلى بتعبير «سبح اسم ربك الأعلى» والليل بتعبير «والليل إذا يغشى» . 4- هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن هناك أحاديث وروايات مختلفة في طريقة تسمية السور. فقد روي عن أنس بن مالك حديث جاء فيه «لا تقولوا سورة البقرة ولا سورة آل عمران ولكن قولوا السورة التي يذكر فيها البقرة والسورة التي فيها آل عمران. وقد ذكرت جلّ السور في تفسير ابن عباس رواية أبي صالح بالطريقة الثانية، في حين أن البخاري روى عن ابن مسعود في معرض تجويز القول سورة كذا أنه قال هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة، وأن هناك أحاديث نبوية وصحابية نقلناها في المجموعة الثالثة في مبحث تدوين وترتيب القرآن احتوت

- 12 - فصل السور بالبسملة: وثانيا - فصل السور بالتسمية:

أسماء بعض السور بالطريقة المختصرة المتداولة أي سورة البقرة وسورة آل عمران وسورة النساء وسورة الكهف إلخ، بل هناك حديث طويل منسوب للنبي ورد فيه جميع أسماء السور وفضائلها ذكره الزمخشري والخازن والبيضاوي في تفسير هم بالطريقة المتداولة المختصرة وأوردوا وراء تفسير كل سورة فضيلة السورة المذكورة في الحديث. 5- ومن جهة ثالثة فإن أسماء السور لم تكتب في جميع المصاحف المخطوطة التي هي الأصل في المصاحف المطبوعة والتي كانت هي المتداولة قبل الطباعة على رؤوس الصحف حيث منها ما كتب فيه الأسماء على رؤوس الصحف وفي فواصل السور ومنها ما كتبت فيه الأسماء في فواصل السور فقط. فكل ما تقدم يمكن أن يسوغ القول إن كتابة أسماء السور في فواصلها وعلى رؤوس صحف المصاحف حسب المتداول ليست واردة في مصحف عثمان لأنها لو كانت كذلك لما كان محل لهذا الخلاف في التسمية والكتابة، وإنما هو عمل تنظيمي متأخر عن نسخ هذا المصحف. وقد يكون- بل هذا هو الأرجح- مستندا إلى روايات تنوقلت فكتبت في المصاحف وكتب القراءات والتفاسير على الوجه الشهير المتداول أو المختلف أحيانا، ونرجح بناء على ذلك أيضا أن للأحاديث والروايات أصلا صحيحا ما، وأنه كان للسور كلها أو كثير منها منذ عهد النبي أسماء تذكر وتعرف بها. - 12- فصل السور بالبسملة: وثانيا- فصل السور بالتسمية: إن المصحف العثماني ومصحف أبي بكر الذي نسخ ذلك عنه قد فصل بين السور فيه بالبسملة كما يستفاد من أحاديث ابن عباس وابن مسعود التي أوردناها في المجموعة الثالثة من بحث التدوين. وليس من خلاف في ذلك بين المصاحف المتداولة. ولذلك يصح أن يقال بشيء من الجزم إن هذا متصل بأول ترتيب

السجدات: وثالثا - السجدات ومواضعها:

للمصحف من عهد أبي بكر وبالتالي بترتيب السور في حياة النبي. وهناك اختلاف في ما إذا كانت البسملة آية أصيلة في كل سورة أم لا. ومنشأ هذا الخلاف على الأرجح أحاديث ابن عباس وابن مسعود من أن الوحي كان ينزل بالبسملة في أول كل سورة، وإنهم كانوا يعرفون أنها سورة جديدة بذلك. فمن أخذ بهذه الأحاديث اعتبر البسملة آية أصلية ومن لم يأخذ بها لم يعتبرها كذلك، هذا مع التنبيه على أن الجمهور على أن البسملة في الفاتحة آية أصلية. ومهما يكن من أمر فإن هذا الخلاف لا ينقض ما جزمنا به من اتصال فصل السور بالبسملة منذ ترتيب المصحف الأول. السجدات: وثالثا- السجدات ومواضعها: إن هناك أحاديث عديدة متصلة بأصحاب رسول الله ومستندة إلى مشاهدة النبي على اختلاف وتفاوت في أسنادها ومتونها تعين أربع عشرة سجدة في القرآن. وللفقهاء بحوث مستندة إلى هذه الأحاديث في وجوب السجود عند تلاوتها أو استحسانه أو عدم وجوبه في بعضها دون بعض حيث أوجبه بعضهم في بعضها واستحبه في بعضها ولم يوجبه في بعضها على اختلاف في ذلك مرجعه اختلاف متون الأحاديث وأسنادها ورتبها مما لا نرى ضرورة للتوسع فيه هنا. ونكتفي بالقول إن هذا الاختلاف يدل على أن مواضع السجدات لم تكن معينة كتابة أو إشارة في مصحفي أبي بكر وعثمان، وإن رواياتها ظلت تتناقل فأخذ بعض نساخ المصاحف يشير إلى مواضعها فيها متأخرا عن ذينك المصحفين كعمل تنظيمي وفي وقت ليس من السهل تعيينه، وإن كان اختلاف أئمة المذاهب يمكن أن يساعد على القول، إن ذلك كان في القرنين الثاني والثالث الهجريين. ورابعا- مبادئ الأجزاء والأحزاب: إن هناك كذلك بعض الخلاف في مبادئ الأجزاء والأحزاب وأواخرها، وليس هناك فيما اطلعنا عليه أحاديث متصلة بالنبي أو أصحابه عن هذه التقسيمات

- 13 - كتابة ترتيب نزول السور القرآنية وعدد آياتها:

الموجودة في المصاحف المتداولة عدا الحديث المطلق الذي أوردناه في المجموعة الثالثة عن تحزيب القرآن والذي لا يفيد شيئا في ما نحن بصدده، وإن كان يستأنس به أن قراء القرآن منذ حياة النبي عليه السلام كانوا يقرأونه أقساما أقساما، ويقفون عند مواقف خاصة حينما يتوقفون عن القراءة. وهذا يسوغ القول إن هذه التقسيمات في المصاحف عمل تنظيمي متأخر عن المصحف العثماني، مع التنبيه على أن ذلك الحديث يمكن أن يكون الباعث عليه. ولعله مستند إلى قراءة القراء التي كان القراء يتلقونها شفهيا خلفا عن سلف إلى أن تتصل بأصحاب رسول الله. - 13- كتابة ترتيب نزول السور القرآنية وعدد آياتها: خامسا- كتابة ترتيب نزول السور وصفاتها وعدد آياتها وأرقامها وفواصلها: إن بعض المصاحف تذكر في فواصل السور: (1) ترتيب نزول كل سورة أي أن السورة قد نزلت بعد السورة الفلانية. (2) وصفة كل سورة أي مكية أو مدنية. (3) وعدد آيات كل سورة. (4) ورقم الآيات المدنية في السورة المكية ورقم الآيات المكية في السورة المدنية إذا كانت السورة احتوت آيات مكية ومدنية معا. (5) ورقم كل آية بعد كتابتها في السورة. في حين أن بعض المصاحف لا تذكر شيئا من هذا وتكتفي بذكر اسم السورة، وأن بعضها تذكر بعض هذه الأمور دون بعض وأن بين المصاحف التي تذكر هذه الأمور جميعها أو بعضها اختلافا في ما تذكره حيث يذكر بعضها سورة ما مكية بينما يذكرها بعضها مدنية. وحيث يكون عدد آيات السورة في مصحف أقل أو أكثر منه في مصحف آخر، وحيث يكون عدد الآيات المكية والآيات المدنية في السور المدنية والمكية وأرقامها في مصحف مغايرة لعددها وأرقامها في مصحف آخر، وحيث توضع فاصلة وراء آية ما في بعضها بينما لا تكون مفصولة في بعضها، وحيث تكون الفواصل بين الآيات في بعضها صماء بينما تكون في بعضها تحمل رقم الآية المتسلسل.

فالواضح من كل ذلك أن هذه الأمور- عدا فصل الآيات بفاصلة ما- هو عمل تنظيمي متأخر وليس له أصل في المصحف العثماني. وقد استثنينا فصل الآيات بفاصلة ما لأننا نعتقد أن المصحف العثماني لم يسرد الآيات سردا دون فصل بينها، ولأن الآية هي الوحدة القرآنية الصغرى المستقلة، وقد أشير إليها في القرآن نصا كذلك كما جاء مثلا في آية النحل [101] هذه وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ. فلا يعقل إلا أن توضع فواصل بين الآيات. ولعل الفاصلة التي كانت تفصل بين الآيات في المصحف العثماني هي نقطة صماء. وهناك اختلاف في عدد آيات كثير من السور. وقد ذكر السيوطي في «الإتقان» أن المتفق على عدد آياته أربعون سورة فقط. ومع أن هناك حديثا أورده ابن العربي عن النبي عليه السلام ونقله السيوطي يفيد أن الفاتحة سبع آيات والملك ثلاثون آية فإن هذا لم يمنع الخلاف على عدد آيات هاتين السورتين أيضا. وقد قال بعض العلماء إن سبب اختلاف السلف في عدد الآيات أن النبي عليه السلام كان يقف على بعض كلمات من الآيات فيحسب السامع أنه يقف على آخر الآية. على أن مما يرد أن يكون ليس في تمييز بعض الفواصل في المصحف العثماني فكان هذا الخلاف في المصاحف التي نسخت عنه وتدوولت. وننبه على أن الخلاف في عدد الآيات ليس كبيرا، وكل ما تناوله دار في نطاق ضيق من نقص آية أو آيتين في بعض السور أو زيادة آية أو آيتين في بعض آخر مثل وصل بعضهم كلمات «طسم وطس» في سور الشعراء والنمل والقصص و «الم» في سورة العنكبوت وغيرها و «الر» في سورة يونس وغيرها و «حم» في سورة فصلت وغيرها وعدها موصولة مع ما بعدها أو مفصولة عنه فتكون آية عند من عدها مفصولة ولا تكون كذلك عند من عدها موصولة، ومثل عدّ البسملة آية في سورة الفاتحة وعدم عدها، وعدّ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ في سورة الفاتحة آية عند بعضهم أو آيتين عند بعض آخر.

ونقول في صدد ترتيب نزول السور إننا اطلعنا على عدة ترتيبات. منها ترتيب المصحف الذي اعتمدناه ونعني مصحف قدور أو غلي، ومنها ترتيب للسيوطي استند فيه إلى ما اعتمده من الروايات، ومنها ترتيب في تفسير الخازن وآخر في تفسير الطبرسي، وثلاثة أخرى أوردها السيوطي في «الإتقان» منسوبة إلى الحسن وعكرمة وابن عباس وجابر. وبين هذه الترتيبات تخالف يسير أو كبير، مع التنبيه على أن مضامين بعض السور المكية والمدنية تسوغ التوقف في ترتيبها الوارد في هذه الترتيبات، وتحمل على القول إنها لا تمثل الحقيقة تمثيلا صادقا، وإنه ليس هناك ترتيب يثبت على النقد والتمحيص بكامله أو يستند إلى أسناد وثيقة متصلة بالعهد النبوي. فهناك روايات عديدة مختلفة في صفات بعض السور وبينما يسلك بعضهم سورا في سلك السور المكية أو بالعكس مثل سور الرعد والحج والرحمن والإنسان والزلزلة والفلق والناس والإخلاص والكوثر وقريش والعصر والعاديات والقدر والمطففون والفاتحة التي تسلكها بعض الروايات في السلك المدني بينما تسلكها روايات أخرى في السلك المكي، ومثل سور الحديد والصف والتغابن والبينة التي تسلكها بعض الروايات في السلك المكي، بينما تسلكها روايات أخرى في السلك المدني. وفضلا عن ذلك فإن في القول بترتيب نزول سور القرآن تجوزا خاصة بالنسبة لبعض السور المدنية حيث تلهم مضامينها أن بعض فصول سور متقدمة في روايات الترتيب قد نزلت بعد بعض فصول سور متأخرة فيه، وإن فصول هذه السور قد ألفت تأليفا متأخرا عن نزولها وقتا ما مما ذكرنا بعض نماذجه ونبهنا عليه في بحث سابق. وكل ما يمكن أن يقال في مثل هذه السور إن وضعها في ترتيب النزول كسور تامة بعد سور تامة حقيقة أو رواية إنما جاء من أن فصلها الأول أو فصولها الأولى قد نزلت بعد الفصل الأول أو الفصول الأولى من السورة التي قبلها. ولقد أجمعت الروايات مثلا على أن سور العلق والقلم والمزمل والمدثر هي أوائل السور نزولا على اختلاف في الأولية بينها، وعند التدقيق تراءى لنا أن هذه

تميز الأسلوب المكي والأسلوب المدني:

الروايات محل نظر، فالآيات الأولى من سورة القلم احتوت آية إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) والآيات الأولى من سورة المزمل احتوت آية وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) والآيات الأولى من سورة المدثر احتوت آية إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) والآيات التي أعقبت الآيات الخمس الأولى من سورة العلق احتوت آيات فيها وصفا لموقف بعض الطغاة من دعوة النبي وصلاته، بالإضافة إلى حكاية السور الثلاث الأولى مواقف بعض الكافرين والمكذبين وجدلهم ومكابرتهم وإلى حملات عليهم فيها بسبب ذلك. فهذا كله يلهم بقوة أنه ينبغي أن يكون قد نزل قبل هذه السور وبعد آيات سورة العلق الخمس الأولى على الأقل قرآن يصح أن يرتل، وأن يقال عنه أساطير الأولين، وقول البشر، وفيه دعوة وإنذار عامان وقد تلي على الناس ودعوا إلى الله به فوقف الكفار منه موقف الجاحد المعاند فنزلت بقية سورة العلق والسور الثلاث الأخرى تحكي مواقفهم وترد عليهم. ومن أجل هذا خمّنّا أن تكون سور الفاتحة والأعلى والشمس والعصر والليل وأمثالها مما لا يحتوي إلا الدعوة والإنذار والأهداف بصورة عامة هي السابقة بالنزول بعد آيات العلق الخمس الأولى إن لم يكن هناك قرآن نزل ثم رفع يحتوي ذلك، ويمكن إيراد أمثلة متعددة أخرى كثيرة أيضا. تميز الأسلوب المكي والأسلوب المدني: ونستطرد فنقول إن أسلوب القرآن يساعد بنطاق غير ضيق على التمييز بين السور المكية والسور المدنية بل الآيات المكية والآيات المدنية أيضا فالسور المكية أولا تنحو في الأغلب نحو التسجيع والتوازن، وثانيا تتكثف فيها الدعوة إلى الله وإثبات استحقاقه وحده للخضوع والعبادة ومحاربة الشرك وكل ما يتصل به وتعنيف الكفار وتقريعهم بسببه، وثالثا إن أسلوبها المتصل بالدعوة إلى المكارم الاجتماعية والروحية والإنسانية وبالتحذير من الآثام والفواحش أسلوب دعوة وحض وتشويق وتنديد وتنويه. ورابعا إن القصص ومشاهد الآخرة والحديث عن الملائكة والجن وحكاية أقوال الكفار وجدلهم وافتراءاتهم ونسبهم المختلفة للنبي قد كثرت

وتكررت، وخامسا إن وحدة الموضوع في السور الطويلة والمتوسطة فضلا عن القصيرة ملموحة في كل سورة منها تقريبا، وسادسا إن تلاحق الفصول والسياق جدلا وحكاية وإنذارا وتبشيرا ووعدا ووعيدا وتدعيما وتمثيلا وتذكيرا وقصصا وتطمينا وتوجيها وتلقينا وبرهنة ملموح كذلك في كل سورة منها تقريبا وفي السور المكية تبرز مبادئ الدعوة القرآنية قوية واضحة، وتبرز خصوصيات القرآن ومميزاته الأسلوبية والموضوعية بالنسبة إلى الكتب السماوية الأخرى قوية واضحة كذلك ومن مميزات الأسلوب المكي اللهجة الخطابية القوية النافذة إلى الأعماق والقارعة للأسماع والقلوب واللهجة التي يذكر بها اليهود خاصة حيث خلت من التقريع والتعنيف والجدل والأخذ والرد، وتلك الصور الجحودية والإزعاجية والتشكيكية والدسية الواردة عنهم في القرآن المدني واللهجة المحببة الاستشهادية التي يذكر بها الكتابيون وأولو العلم كأنما هم حزب المسلمين والدعوة النبوية والأسلوب المكي يغلب فيه وصايا الصبر والتطمين والتسكين وعدم المبالاة بمواقف الكفار كما أنه خلا من الحض على الجهاد ووقائع الجهاد وخلا كذلك من ذكر المنافقين ومواقفهم ودسائسهم والحملات القاصمة عليهم. وواضح أن هذا كله متصل بظروف العهد المكي من السيرة النبوية مما نبهنا عليه في سياق التفسير. أما القرآن المدني فالسجع فيه قليل بل نادر، وطول نفس الآيات غالب، ونقل فيه فصول القصص ووصف مشاهد الآخرة والجن والملائكة والجدل ووصف مشاهد الكون أو تقصر ويكتفى من ذلك بالتذكير والإشارات الخاطفة، وتصطبغ فيه المبادئ والتكاليف التعبدية والأخلاقية والاجتماعية والقضائية والسلوكية بصبغة التقنين والتقعيد، وفيه تشريع الجهاد ووقائعه وظروفها، وفيه إبطال عادات وتقاليد قديمة، وإقرار عادات وتقاليد قديمة أخرى مع الإصلاح والتهذيب، وإنشاء عادات وتقاليد جديدة في سبيل الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي، وفيه صور النفاق والمنافقين ومواقفهم، ولهجته عن اليهود لهجة شديدة في الدعوة والتعنيف والتنديد وفيه صورة عن مواقفهم وأحوالهم، وفيه الاستفتاءات والأسئلة القضائية والاجتماعية والأخلاقية والأسروية وأجوبتها التشريعية، وواضح أن هذا كله متسق

- 14 - الشكل والنقط: سادسا: شكل المصاحف ونقطها:

أيضا مع ظروف العهد المدني من السيرة النبوية مما نبهنا عليه في سياق التفسير كذلك. وعلى ضوء هذه المميزات ومع استلهام المضمون والسياق أمكننا ترجيح مكية سور الرعد والحج والرحمن والإنسان والزلزلة التي يذكر مصحف قدور أو غلي وغيره مدنيتها، وأمكننا كذلك ترجيح مكية ومدنية السور القصيرة الأخرى التي اختلفت الروايات فيها، وترجيح احتمال تقدم بعض السور المتأخرة وتأخر بعض السور المتقدمة، وترجيح مكية آيات ذكرت الروايات أنها مدنية في سور مكية ومدنية آيات ذكرت الروايات أنها مكية في سور مدنية مما نبهنا عليه في سياق التفسير الكامل. - 14- الشكل والنقط: سادسا: شكل المصاحف ونقطها: من الثابت المسلم به أن النقط والشكل على الوجه المستعمل في المصاحف المتداولة قد اخترعا بعد النبي وفي أخريات دور الخلفاء الراشدين أو أواسط دور الأمويين على اختلاف في البدء والتطور. ولذلك فإنهما محدثان وليس لهما أصل في المصحف العثماني وما قبله جزما وقد مست الحاجة إلى إدخالهما على المصحف لضبط القرآن وتيسير قراءته صحيحة وعدم ترك المجال للالتباس. ولا سيما أن المسلمين قد انتشروا في بقاع الأرض أكثر من ذي قبل ودخل الإسلام أمم وطوائف غير عربية، وصارت اللغة العربية تعلّم تعليما ولم تبق سليقية، وقد كان من شأن بقاء القرآن بدون إعجام (تنقيط) خاصة أن يلتبس على قارئه في المصحف قراءة الحروف المتشابهة الشكل التي لا يميزها عن بعضها إلا النقط مثل ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش ص ض ط ظ ع غ كما كان من شأن بقائه بدون شكل أن يلتبس على القارئ غير العربي سليقة تمييز الكلمات المتشابهة الشكل التي لا يميزها عن بعضها الآن إلا الشكل أو كثرة الممارسة وحسب فهم المعنى

علامات الوقف والوصل:

وتمييز أواخر الكلمات ولا سيما حينما يتأخر الفاعل ويتقدم المفعول مثلا، ومما لا ريب فيه أن إدخالهما على الخط العربي عامة وعلى المصحف خاصة خطوة خطيرة جدا في سبيل الإتقان والإحسان والفهم والتمييز. والمرجح أنهما لم يخترعا كاملين، وإنهما سارا سيرا تطوريا حتى بلغا مبلغهما التام في القرنين الثاني والثالث الهجريين. علامات الوقف والوصل: سابعا: علامات الوقف والوصل والأداء: إن ما قررناه في الفقرة السابقة يصح على علامات الوقف والوصل والمدّ والقصر والسكون فوق الكلمات والحروف القرآنية في المصحف العثماني، من حيث كونها محدثة وليست أصيلة في المصحف العثماني ومن حيث قصد ضبط قراءة القرآن وإتقان أداء كلماته وحروفه مع التنبيه على أنه دون خطوة الشكل والنقط خطورة أولا وأنها قد أحدثت بعد هما على الأرجح ثانيا. وننبه كذلك على أن ما نقصده هو وضع العلامات، وهذا لا يقتضي طبعا أن لا يكون النبي عليه السلام وأصحابه قد عنوا بالوقوف على ما ينبغي الوقوف عليه ووصل ما ينبغي وصله والسكوت عند ما يجب السكوت ومدّ ما يقتضي مدّه وقصر ما يحسن قصره إلخ. فلا يصح أن يشك في أن كل هذا قد كان، وأنه متصل بطبيعة النطق الخطابي والتقريري التي هي من طبيعة التلاوة القرآنية ومقتضيات أداء معاني القرآن مما لا يمكن إلا أن يكون، سواء في تلاوته من النبي على الناس أم تلاوته من قبل الصحابة، وسواء أكان ذلك في الصلاة أم في مجال التلاوة والوعظ والبيان، فضلا عن أن طبيعة الخطاب والتلاوة بوجه عام تقتضي ذلك. والراجح أن الأمر القرآني وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل 4] . وهو من أوليات القرآن نزولا هو في صدد ذلك أو مما استهدفه. وتلاوة القرآن على الأداء المعروف متصلة فيما يعتقد بالسماع خلفا عن سلف حتى تتصل بالعهد النبوي. وقد جرى الأمر على هذا بالتواتر الفعلي السماعي الذي لم ينقطع من لدن النبي عليه السلام. ومما لا ريب فيه أن العلامات الجزء الأول من التفسير الحديث 9

- 15 - رسم المصحف العثماني:

وحدها لو لم يكن هذا النقل السماعي المتواتر لا تجزي وحدها ولا تجعل قارئ القرآن يؤدي دلالاتها على وجهها دون تعليم وسماع. والمعقول أن وضع العلامات كان من قبل أعلام القراء والرواة حينما رأوا أن الحاجة صارت ماسة إلى ذلك، وأن بقاء القرآن بدونها قد يؤدي إلى إساءة التلاوة والأداء والانحراف عن الأسلوب الصحيح القويم المتناسب مع طبيعة المفاهيم القرآنية والذي كان يرويه القراء والرواة راو عن راو وقارئ عن قارئ، على أن المعقول أيضا أن وضعها هو من قبيل التذكير بدلالاتها التي كانت تتلقى سماعا. والراجح أن هذا قد كان كذلك في القرنين الثاني والثالث الهجريين. - 15- رسم المصحف العثماني: ثامنا: رسم المصحف العثماني-: إن أكثر العلماء وأئمة القراء قرروا وجوب الاحتفاظ في كتابة القرآن بالرسم العثماني. ومنهم من كره كتابته برسم آخر ومنهم من حرّمها. ولم نطلع على أقوال وأحاديث موثوقة متصلة بأصحاب رسول الله في هذا الشأن. ولذلك يصح أن نقول إنها أقوال اجتهادية. ويبدو أن هذا التشديد متصل بروايات القراءات السبع أو العشر، وخاصة بما يتصل بالصرف والنحو وأجسام الكلمات مثل «ملك ومالك» و «مسجد ومساجد» و «يفعلون وتفعلون» و «فتحت وفتّحت» و «أرجلكم وأرجلكم» و «تبينوا وتثبتوا» إلخ مما يقع في وحدة الرسم، ومتصل كذلك بالقول إن هذه القراءات صحيحة كلها لأنها تقع في نطاق وحدة الرسم من ناحية ومتصلة بالسماع المتسلسل الواصل إلى قراء الصحابة الذين تلقوا القرآن عن النبي من ناحية أخرى بحيث يورد أن شأن كتابة القرآن بغير الرسم العثماني وبالخطوط الدارجة في الأدوار التالية أن تحول دون قراءة الكلمات القرآنية بقراءات مختلفة يحتملها الرسم العثماني ومتصلة بقراء الصحابة، فيكون في ذلك تحكم في تصويب قراءة دون قراءة وإبطال قراءة دون

قراءة أو وسيلة مؤدية إليهما، وأن هذا هو ما تحرز منه العلماء والقراء في مختلف العصور تورعا وتدينا وزيادة في التحري في تلاوة القرآن تلاوة قويمة صحيحة متصلة بالنبي والذين سمعوا منه وتلقوا عنه. ومهما يبدو من وجاهة هذا القول ونتائجه، وخاصة فوائده التي من أهمها أن احتفظت المصاحف خلال ثلاثة عشر قرنا برسم واحد قد كتب وفاقا لما كان يكتب في عهد النبي وبإملائه، وحفظ القرآن بذلك من التحريف والتشويه، ومن الخلافات التي لا بد من أن تنشأ بسبب تطور الخطوط من وقت لآخر وتبدلها في أدوار لم يكن فيها مطابع ولا تصوير شمسي، ومنعت تكرر المأساة التي أفزعت عثمان وحملته على توحيد هجاء القرآن وجعل المصاحف بهجاء واحد تنسخ عن الأصل الذي أمر بنسخه وتنتشر في مشارق الأرض ومغاربها موحدة، فإننا نعتقد أنه ليس من شأنه أن يمنع جواز كتابة المصحف اليوم بالخط الدارج على شرط مراعاة قراءة من القراءات المشهورة المتصلة بأحد أئمة قراء الصحابة والنص على ذلك في مقدمة المصحف. لأنه لا يوجد نصّ ثابت متصل بالنبي وأصحابه يمنع ذلك فيما اطلعنا عليه، ولأننا نعتقد أن في هذا تيسيرا واجبا لتعليم القرآن وتعلّمه وحسن ضبطه وإتقانه. فبين الرسم العثماني والرسم الدارج فروق غير يسيرة فضلا عن ما بين رسوم القرآن نفسها من تناقض مما سوف نشير إليه بعد قليل مؤد في نفس الوقت إلى زيادة التعقيد والتعسير. ومن العسير أن يتعلّم القارئ هذا الرسم بالإضافة إلى الرسم الدارج الذي ألفه في كتابته وكتبه وقراءاته الأخرى. وبالإضافة إلى هذا فإن هناك مسلمين وغير مسلمين لا يتيسر لهم تلقي القرآن من قراء مجازين أو قراء تلقوا أو قرأوا أو سمعوا من قراء مجازين مما يصعب إتقان تلاوة القرآن برسمه العثماني بدونه، والمصاحف في متناول جميع الناس على اختلاف الملل والأجناس، ففي كتابته بالرسم الدارج منع لمغبة الغلط في القراءة والتشويه وسوء الفهم والتفسير، وتيسير واجب لنشر القرآن الذي هو من أهم واجبات المسلمين أيضا، ولا سيما أن الرسم العثماني محفوظ لن يبيد بما يوجد منه من ملايين النسخ المطبوعة وغير المطبوعة والرسوم الشمسية ما فيه الضمانة على بقائه المرجع

والإمام أبد الدهر، وقد رأينا للإمام المفسر الكبير ابن كثير في كتابه «فضائل القرآن» وهو من علماء القرن السادس قولا يبيح به كتابة المصحف على غير الرسم العثماني وفي هذا توكيد وتوثيق لوجهة النظر التي نقررها. هذا أولا. وثانيا إن الذي نعتقده أن رسم المصحف العثماني لم يكن ليكون محتملا للقراءات السبع أو العشر، وليس هو توقيفيا عن النبي عليه السلام كما يظن أو يقول البعض، فليس هناك حديث وثيق بل وغير وثيق متصل بالنبي أو أصحابه المعروفين يؤيد ذلك، وإنما هو الطريقة الدارجة للكتابة في ذلك العصر، ولم يكن النبي يقرأ ويكتب، وإنما كان يملي ما يوحى إليه به على كتابه فيكتبونه وفق ما يعرفونه من طريقة الكتابة. وليس من سبيل إلى غير ذلك. وما دامت طريقة الكتابة قد تطورت فإن تسويغ كتابة المصحف وفق الطريقة الدارجة طبيعي أيضا وخاصة بعد أن صار الاحتفاظ بالرسم العثماني ليكون المرجع والإمام مطبوعا ومحفوظا ومصورا كما قلنا ممكنا إلى ما شاء الله. أما التناقض أو التباين في رسم المصحف العثماني نفسه فإنه في الحقيقة يبعث على العجب والحيرة، حيث وردت كلمات واحدة أو متقاربة في سور مختلفة بل وأحيانا في سورة واحدة مختلفة الرسم في حين أن كثيرا منها متماثل في مواقع الصرف والنحو وإعراب الأواخر والمعنى كما ترى في الثبت التالي مثلا: لا أذبحنه لأعذبنه «1» بنبإ بنبأى «2» سموات سماوات «3» بنت بنات «4» لشيء لشاىء «5» ابن أم ابنؤم «6» إحسانا أحسنا «7» إصلاح

_ (1) سورة النمل، الآية: [21] . (2) سورة القصص الآية: [3] ، وسورة الأنعام، الآية: [34] . (3) سورة فصلت، الآية: [12] ، وسورة الملك، الآية: [3] . (4) سورة الصافات، الآية: [153] ، وسورة الأنعام، الآية: [100] . [.....] (5) سورة النحل، الآية: [40] ، وسورة الكهف، الآية: [23] . (6) سورة الأعراف، الآية: [150] ، وسورة طه، الآية: [94] . (7) سورة البقرة، الآية: [89] ، وسورة النساء، الآية: [36] .

اصلح «1» جزاء جزوأ «2» نعمت نعمة «3» رحمة رحمت «4» قرة قرت «5» امرأة امرأت «6» سنة سنت «7» جنة جنت «8» لعنة لعنت «9» بقية بقيت «10» بسطة بسطت «11» الأيكة لايكة «12» . فهذه المباينات «13» تسوغ القول إن أول ما نسخ وكتب برسم واحد من المصاحف العثمانية مصحف واحد كتبه كاتب أملاه عليه قارئ وتعاقب عليه أكثر من كاتب وأكثر من قارئ فكتب بعضهم الكلمات في مواضع برسم وكتب بعضهم نفس الكلمات في مواضع برسم آخر ثم نسخت المصاحف الأخرى العثمانية التي أرسلت إلى الأقطار عن هذا المصحف حرفيا وأن العلم بالكتابة بين الصحابة لم يكن موحدا وأن الكتابة والإملاء لم يكن متقنا، وحتى لو فرضنا أن المصاحف العثمانية كتبت جميعها معا من ممل واحد فلا بد من أن نفرض أنه تعاقب على كتابتها آخرون، ولعله كان في المصحف والمصاحف المتداولة في أيدي المسلمين إذ ذاك أخطاء ومباينات أكثر وأفدح في الكتابة والإملاء مما أفزع عثمان وكبار الصحابة وحملهم على توحيد الرسم واجتهدوا اجتهادهم فلم يستطيعوا أن

_ (1) سورة البقرة، الآية: [22] ، وسورة النساء، الآية: [114] . (2) سورة البقرة، الآية: [85] ، وسورة المائدة، الآية: [29] . (3) سورة البقرة، الآية: [11 و 131] . (4) سورة الزخرف، الآية: [31] ، وسورة آل عمران، الآية: [74] . (5) سورة القصص، الآية: [9] ، وسورة الفرقان، الآية: [74] . (6) سورة آل عمران، الآية: [35] ، وسورة النساء، الآية: [12] . (7) سورة الأحزاب، الآية: [63] ، وسورة فاطر، الآية: [43] . (8) سورة البقرة، الآية: [264] ، وسورة الواقعة، الآية: [89] . (9) سورة آل عمران، الآية: [61 و 87] . (10) سورة هود، الآية: [86] ، وسورة البقرة، الآية: [268] . (11) سورة البقرة، الآية: [247] ، وسورة الأعراف، الآية: [69] . [.....] (12) سورة الحجر الآية: [78] ، وسورة الشعراء، الآية: [116] . (13) اكتفينا بمثال لكل مباينة مع أن هناك أكثر من آية في أكثر من سورة فيها بعض التباين أيضا.

يتخلصوا من بعض الأخطاء والمباينات أن جاءت غير ذات بال من حيث الجوهر والمعنى، وإذا كان مثل هذه الأخطاء يقع اليوم والمدارس منتشرة والناشئة تتعلم فيها بطريقة موحدة بسبب تفاوت الإتقان والعناية والمران فوقوعها في ذلك العصر الذي لم تكن الكتابة فيه قد وصلت إلى تمامها من النضج من باب أولى. وقد فرضنا أن يكون المنسوخ في أول الأمر من المصاحف العثمانية مصحفا واحدا تعاقب عليه أكثر من كاتب ثم نسخت عنه المصاحف الأخرى لأن هذا الفرض هو الذي يستقيم ويتسق مع وجود تلك المباينات إذ لو نسخت المصاحف جميعها مرة واحدة من قبل عدد من الكتاب لكان تعذر فرض اتحادهم في هذه المباينات التي لا ترجع إلى سبب إملائي فني كما أن ما فرضناه هو المعقول الذي تطمئن به النفس ويتفق مع طبيعة الأمر على ما هو المتبادر. ولقد علق ابن خلدون على هذه الظاهرة فقال: كان الخط العربي لأول الإسلام غير بالغ إلى الغاية من الإحكام والإتقان والإجادة. وانظر ما وقع لأجل ذلك في رسمهم لمصحف حيث رسمه الصحابة بخطوطهم، وكانت غير محكمة في الإجادة فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عند أهلها. ثم اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيها تبركا بما رسمه أصحاب رسول الله وخير الخلق بعده كما يقتفى لهذا العهد خط ولي أو عالم تبركا ويتبع رسمه خطأ أو صوابا ... ونحن نعرف أن لعلماء القراءات تخريجات لهذا التباين. ولكن المدقق يجد فيها تكلفا وتجاوزا كبيرين لا يبعثان اطمئنانا ولا يوجبان اقتناعا ولا سيما أن في هذا التباين كما قلنا أمثلة لا تختلف عن بعضها نحوا وصرفا ونظما وموقع جملة ومعنى. وهناك مسألة أخرى في صدد رسم المصحف العثماني يثيرها حديثان أحدهما مروي عن عائشة ووصف بأنه بإسناد صحيح على شرط الشيخين، وقد

روي عن عروة قال سألت عائشة عن لحن «1» القرآن في قوله تعالى إِنْ هذانِ لَساحِرانِ «2» وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ «3» وإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ «4» فقالت يا ابن أختي هذا من عمل الكتاب أخطأوا في الكتاب «5» . وثانيهما عن عكرمة وغيره جاء فيه أنه لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان فوجد فيها حروفا من اللحن فقال لا تغيروها فإن العرب ستغيرها أو قال ستعربها بألسنتها. وقد أنكر بعض العلماء الحديث المنسوب إلى عثمان وقالوا إن إسناده ضعيف مضطرب منقطع، وإن عثمان جعل للناس إماما يقتدون به فلا يصح أن يكون قد رأى فيه لحنا وتركه لتقيمه العرب بألسنتها وكان أولى الناس بتصحيحه، كما خرّج علماء آخرون ما ظن أنه لحن تخريجا نحويا سليما، ومما قاله الزمخشري في صدد وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [النساء: 162] لا تلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا في خط المصحف وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وغبي عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذبّ المطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب الله ثلمة ليسدها من بعدهم وخرقا يرفوه من يلحق بهم «6» . ومع ما في كلام الزمخشري من قوة خطابية فإننا لا نرى من المستحيل ولا مما لا يتسق مع طبائع الأمور ولا مما ينتقص من قيمة وصحة بل وقدسية المصحف أن يخطىء ناسخ المصحف الأول من المصاحف العثمانية في كتابة

_ (1) يقصد بالكلمة الغلط الصرفي أو النحوي. (2) سورة طه، الآية: [63] . (3) سورة النساء، الآية [162] . (4) سورة المائدة، الآية [69] . (5) أي في الكتابة والرواية من كتاب «الفرقان» لابن الخطيب ص 41 و «الإتقان» للسيوطي. (6) «الكشاف» الجزء 1 ص 397.

- 16 - القراءات:

بعض الكلمات حيث جاءت مخالفة للقواعد اللغوية القرآنية. وقد رأينا فيما اطلعنا عليه من المصاحف المخطوطة أخطاء عديدة وقع فيها النساخ ومنهم خطاطون بارعون لا يتهمون بقصور في الإملاء منها ما ترك على حاله، ومنها ما شطب عليه وكتب صحيحه فوقه أو بعده أو على الهامش ومن هذه الأخطاء ما هو أكثر من كلمة أو جزء من كلمة. وكثيرا ما وقع هذا معنا مع أننا كنّا نحرص أن نكتب عن المصحف دون حافظتنا. ولم نطلع على إنكار لحديث عائشة سواء في سنده أو في متنه مثل ما كان بالنسبة لحديث عثمان، بل رأينا في «الإتقان» تعليقا يؤيد صحته ويحاول تعليل ما جاء فيه محاولة غير شافية. ونحن لا نرى في الحديث شيئا شاذا وغير متسق مع طبيعة الأمور على ما نبهنا عليه آنفا. - 16- القراءات: تاسعا: القراءات المشهورة: إن القراءات المشهورة سبع تنسب إلى سبعة أئمة من القراء هم نافع بن أبي رويم في المدينة وعبد الله بن كثير في مكة وأبو عمرو بن العلاء في البصرة وعبد الله بن عامر في الشام وعاصم بن أبي النجود وحمزة بن حبيب الزيات وعلي الكسائي في الكوفة ويضم إليهم أحيانا أبو جعفر بن يزيد في المدينة ويعقوب الحضرمي في البصرة وخلف البزاز في الكوفة فيبلغون عشرة وتبلغ القراءات عشرا. وأربعة منهم تابعون يروى أنهم تلقوا قراءاتهم عن قراء من الصحابة والباقون تابعو تابعين تلقوا قراءاتهم على ما يروى عن تابعين تلقوا عن قراء من الصحابة. وكل منهم يروي قراءته عن قارئ صحابي معروف كما أن لكل منهم رواة ولكل من رواتهم رواة إلى أن وصل الدور إلى عهد التدوين فدونت القراءات وخلافياتها في تعاريف عامة من جهة وفي كل سورة لحدتها من جهة أخرى. وتدور هذه الخلافيات على الأغلب في النطاق التالي: (1) مخارج الحروف

كالترقيق والتفخيم والميل إلى المخارج المجاورة كنطق الصراط بإمالة الصاد إلى الزاي (2) والأداء كالمد والقصر والوقف والوصل والتسكين والإمالة والإشمام (3) والرسم كالتشديد والتخفيف مثل «يغشى يغشّى» و «فتحت وفتّحت» والإدغام والإظهار مثل «تذكرون وتتذكرون» والهمز ومدّ الألف مثل «ملك ومالك» و «مسجد ومساجد» لتحمل الرسم النطقين (4) والتنقيط والحركات النحوية مثل «يفعلون وتفعلون» و «أرجلكم وأرجلكم» مثلا. وقد وضع علماء القراء شروطا أربعة لصحة القراءة الخلافية وهي (1) التواتر بحيث لا تصح قراءة غير القراءة المتواترة والمشهورة (2) وموافقة العربية بوجه ما بحيث لا تصح قراءة خلافية لا تتفق مع قواعد اللغة (3) ورسم المصحف العثماني بحيث لا تصح قراءة خلافية مغايرة للرسم المذكور (4) وصحة سند القراءة بحيث لا تصح قراءة خلافية لا تستند إلى سند وثيق يتصل بأحد قراء الصحابة. واجتماع الشروط الأربعة شرط لازم بحيث لا تصح قراءة خلافية لا تجتمع فيها. على أن هناك ما يمكن ملاحظته في صدد خلافيات القراءات المذكورة فالمقول والمشروط أن أئمة القراءة قد أخذوا قراءاتهم سماعا عن قراء من الصحابة، وأن قراء الصحابة قد أخذوا قراءاتهم سماعا عن النبي. ومعقول أن يكون قراء الصحابة مختلفين في القراءة الناشئة عن النطق بالحروف وأدائها من ترقيق وتفخيم ومدّ وقصر وإمالة وإشمام ووقف ووصل وتسكين وتنوين حتى ولو قرأوا قراءاتهم على النبي عليه السلام وأجازها لهم على اختلافها في ذلك، وأن يكون سمعها منهم غيرهم من الصحابة والتابعين. ولكن مما يدعو إلى التوقف والنظر أن يكونوا مختلفين في القراءة الناشئة عن الرسم والتنقيط من تشديد وتخفيف وإظهار وإدغام وقراءة المضارع بالغائب أو المخاطب وقراءة بعض الكلمات منصوبة حينا ومجرورة حينا مثل «أرجلكم وأرجلكم» ومفردة حينا وجمعا حينا مثل «مسجد ومساجد» واسم فاعل حينا واسم عادي حينا مثل «ملك ومالك»

ونحو ذلك إلا مع فرض أنهم كانوا يقرأون من المصاحف ولم يسمعوها من النبي، وإن هذا كان شأن أئمة القراءة التابعين وتابعي التابعين فالنبي لم يكن يتلو من مصحف وكان ما يبلغه وحيا، وإذا كان يجنح إلى التيسير كما يدل عليه أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف مما سوف نبحث فيه في مناسبة أخرى «1» فإن هذا منه إنما كان على ما نعتقد بقصد التسهيل على الناس في مخارج الحروف والأداء لأن هذا متصل بتكوين آلة النطق البشرية ومتصل كذلك بعادة إخراج الحروف وأدائها تبعا لاختلاف اللهجات أو المنازل العالية والواطئة والحارة والباردة والتي لا معدى من التسهيل فيها وحكمتها واضحة قائمة وليس في هذا التسهيل تبديل وتغيير في كلمات القرآن وحروفه ونحوه وصرفه. إذ أنه ليس مما يحتمل أن يكون النبي قرأ مرة «يفعلون» وأخرى «تفعلون» ومرة «تغفر» وأخرى «يغفر» ومرة «فتبينوا» وأخرى «فتثبتوا» «2» ومرة «ييأس» وأخرى «يتبين» «3» فضلا عن عدم احتمال تبديله الكلمات بغيرها ولو في معناها مما يروى في غير نطاق رسم المصحف العثماني ولا سيما أن الخلافيات في هذه هي أكثر الخلافيات حتى لقد رأينا الزمخشري في كشافه يروي أمثلة كثيرة جدا منها. ولعله يستقيم أن يفرض أيضا أن القراء التابعين كانوا يقرأون على قراء الصحابة من المصحف قراءات مختلفة ناشئة عن تلك الأسباب والعلل الطبيعية وإن قراء الصحابة كانوا يحبذونها استئناسا بما كان من تساهل النبي وأمره بالتيسير في قراءة القرآن. أما والحالة على ما ذكرنا فإن مما يخطر للبال سؤال عما إذا كان هناك ضرورة دينية لهذه القراءات المتعددة المختلفة بل والمتباينة حينا في قطر واحد. والذي نراه أنه ليس هناك من ضرورة دينية لذلك، وخاصة بالنسبة لجمهور المسلمين، وأنه يكفيهم أن يقرأوا القرآن بقراءة واحدة من القراءات المأثورة من

_ (1) أوردنا هذه الأحاديث وعلقنا عليها في الفصل الرابع من الكتاب «البحث السادس» . (2) سورة الرعد، الآية: [31] . (3) سورة النساء، الآية [94] .

مصحف كتب بالرسم الدارج بينهم، فيه بعض العلامات الضرورية للوقف والوصل والمد والسكوت ونحو ذلك مما تقتضيه هذه القراءة المأثورة بحيث يكون من الميسور للمسلمين وغيرهم- والمصاحف في متناول الجميع- أن يقرأوا القرآن صحيحا بسهولة ويسر، فلا تكون قراءتهم متوقفة دائما على التلقي، لأن ذلك غير ميسور دائما، ونعتقد أنه إذا لم ييسر هذا على هذا الوجه وقع الحرج من سوء التلاوة وسوء الأداء وتحريف الألفاظ والمعاني. وليس من بأس إلى هذا بل لعله مستحب أن يكون هناك فئة من الهواة بل فئة تنفق عليها الحكومات الإسلامية أو المؤسسات الدينية لتظل تتدارس القراءات ويتداولها القراء جيلا بعد جيل فإن فائدة ذلك بمثابة الفائدة المستحبة للتي نوهنا بها في الاحتفاظ برسم المصحف العثماني مطبوعا ومخطوطا ومصورا فيستمر ذاك كما يستمر هذا قائما أبدا بين جماعة المسلمين في كل قطر من أقطارهم، مع ملاحظة نراها هامة وهي وجوب عدم الغلو في أداء هذه القراءات وخاصة الغنّ والمط والترديد مما يخرج القرآن عن قدسيته ويضعف نفوذه الروحي ومما يكاد يبدو من القراء أنه بسبيل التعالم والانتفاخ أكثر منه بسبيل الرواية قراءات غير القراءة الدارجة العامة في قطرهم. ولقد قال الإمام الطحاوي والقاضي الباقلاني وأبو عمر بن عبد البر وغيرهم من أئمة الكلام «1» إن القراءات جميعها كانت رخصة في أول الأمر لتعسر القراءة بلغة قريش على كثير من الناس ثم نسخت بزوال العذر وتيسر الحفظ وكثرة الضبط وتعلم الكتابة. وفي هذا من الوجاهة ما فيه. ولابن قتيبة كلام يمتّ إلى هذا المعنى وفيه من الوجاهة ما فيه حيث قال كان من تيسير الله أن أمر نبيه أن يقرىء كل قوم بلغتهم- يعني بأدائهم الطبيعي في النطق- فالهذيلي يقرأ الحاء عينا والأسدي يقرأ تعلمون بكسر أوله، والتميمي يهمز والقرشي لا يهمز. وللطبري كلام وجيه آخر في تقريره معنى كتابة المصاحف العثمانية حيث قال إن أمير المؤمنين عثمان بن

_ (1) «الفرقان» لابن الخطيب ص 167.

عفان لما رأى اختلاف الناس في القراءة وخاف من تفرق كلمتهم جمعهم على حرف واحد وهو هذا المصحف الإمام، واستوثقت له الأمة على ذلك بل أطاعت ورأت فيما فعله الرشد والهداية. ومع أن المدى الذي انطوت عليه هذه المقتبسات يختلف عن المدى الذي قررناه في هذا المبحث فإن فيها فيما نرى ما يمكن الاستئناس به على صواب ما قررناه.

الفصل الثالث الخطة المثلى لفهم القرآن وتفسيره

الفصل الثالث الخطة المثلى لفهم القرآن وتفسيره تمهيد لقد شغفت منذ شبابي بالقرآن، وتذوقت أسلوبه الرائع الحكيم في شتى مواضيعه ودعوته وتوجيهاته وتقريراته، واطلعت على جملة من كتب التفسير وغيرها من الكتب العربية قديمها وحديثها مما يتصل بموضوع القرآن ومبادئه وأهدافه والجدل حوله، واستظهرت كثيرا من روائعه الجهادية والأخلاقية والاجتماعية والروحية، وكانت لي منهاجا في ظروف حياتي التعليمية والجهادية ثم تيسرت فرصة السجن في دمشق قبل الحرب العالمية الثانية من قبل السلطات الإفرنسية بسبب الثورة الفلسطينية فرغت فيها لنفسي، ورأيتها سانحة مباركة للاشتغال بالقرآن وخدمته أكثر من ذي قبل، فحفظته غيبا من جهة وعدت إلى قراءة ما تيسّر لي من كتب التفسير والكتب القرآنية الأخرى من جهة أخرى، وألفت كتبي الثلاثة فيها «1» ، فكان لي من ذلك مجال لإدامة النظر وإمعان الفكر والتدبر وانتهى بي الأمر إلى اليقين بأن أفضل الطرق لفهم القرآن وتفسيره أن يلاحظ الناظر فيه الأمور التالية مجتمعة:

_ (1) «عصر النبي وبيئته قبل البعثة» - «صور مقتبسة من القرآن» . صدر عام 1366/ 1947، و «سيرة الرسول» جزءان- «صور مقتبسة من القرآن» صدر عام 1367/ 1948، و «نظم القرآن ودستوره في شؤون الحياة» .

القرآن والسيرة النبوية:

القرآن والسيرة النبوية: أولا: إن القرآن سلسلة تامة للسيرة النبوية وتطورها منذ البدء إلى النهاية متصل بعضها ببعض، ومفسر بعضها لبعض، مع ملاحظة الاستدراك الذي أوردناه في آخر الفقرة (5) من الفصل الأول. ففي كل سورة من سوره ومجموعة من مجموعاته، أو فصل من فصوله صورة لموقف من مواقف النبي من سكان بيئته من العرب وغير العرب ومن المشركين والكتابيين، أو صورة لموقف من مواقفهم منه ومن دعوته، أو صورة من صور مواقف النبي من الذين استجابوا للدعوة أو من مواقفهم منه، أو من مواقف الكفار منهم أو مواقفهم من الكفار أو صورة لتطورات جميع هذه المواقف، دعوة وتبيانا وبرهنة وتدليلا وعظة وتنبيها وتبشيرا وإنذارا، ووضعا وتشبيها وقصصا وأمثالا وترغيبا وترهيبا ووعدا ووعيدا، وجدالا وتحديا وعنادا ومكابرة واستكبارا وأذى، وتنديدا وتنويها وتسلية وتثبيتا وتطمينا وتعبيرا، وسؤالا وجوابا وجهادا وتشريعا إلخ وكل صورة معطوفة على صورة سابقة أو مرتبطة بصور لاحقة، في اتساق وانسجام تامين وضمن نطاق واحد مما يتضح لكل من ينعم النظر في القرآن ويقرأ سورة خاصة وفق تتابع النزول بقدر الإمكان. وملاحظة ذلك مهمة جدا في فهم مواضيع القرآن وتقريراته ومداها وروحه وفي جعل الناظر فيه لا يبتعد عن حقيقة الواقع والباعث ويعصمه من التورط، ولا يتورط في التخمينات والتزيدات والجدليات وتحميل العبارات القرآنية ما لا تتحمله. وتوضيحا لذلك نقول إن في القرآن مثلا ما يفيد أنه جرى تبديل بعض الآيات ببعض وإنه نسخت بعض آيات أو أمور مأمورة بغيرها كما يدل على ذلك آيات النحل: [98- 105] والبقرة: [98- 105] ، وفيه ما يفيد أن أحكاما وأوامر وتشريعات عدلت أو نسخت أو تطورت كما تدل على ذلك آيات الأنفال: [65- 66] والمجادلة: [12- 13] والنساء: [15- 16] والنور: [2] ، وفيه تنوع في الخطاب للناس عامة مسلمين وغير مسلمين، سواء أكان ذلك في صدد الدعوة أم

في صدد المواقف أم في صدد التبشير والإنذار والتمثيل والتشريع والهداية والضلال والكفر والإيمان والإحسان والإساءة حيث يكون الخطاب شديدا موئسا حينا ولينا مؤملا حينا، وجانحا حينا إلى تقرير كون الهداية والضلال والكفر والإيمان والإحسان والإساءة من مكتسبات المرء بما أودعه الله فيه من المواهب والقوى الاكتسابية والتمييزية وتقرير عودة التبعة فيها عليه حسنة أو سيئة من أجل ذلك، وجانحا حينا إلى تقرير كون ذلك من تقديرات الله الحتمية التي لا ينفع فيها إنذار ولا تبشير مما هو منبث في مختلف السور والفصول القرآنية، وفيه تقريرات شديدة ومؤئسة بالنسبة للكفار والمنافقين كما جاء في آيات يس: [8- 10] والبقرة: [6- 7] بالنسبة للأولين، والبقرة: [8- 18] والنساء: [137- 143] والمنافقون: [2- 6] بالنسبة للآخرين فيها جزم بمصيرهم الرهيب المحتوم من عدم الإيمان واستحقاق الخلود في النار مع أن كثيرا منهم بل أكثرهم قد آمنوا وحسن إيمانهم وتبدل مصيرهم إلى الثواب والنعيم واستحقوا التنويه والثناء، ونزل في صدد ذلك آيات قرآنية أخرى كما جاء في آيات الأنفال: [25] والنحل: [110] والفرقان: [70- 71] إلخ وقد كانت هذه الأمور وما تزال مثار جدل وحيرة حول ما إذا كان يصح على الله المحيط بما كان ويكون والأزلي العلم والإرادة البداء أي الرجوع عن ما أنزله وقرره وأمر به وأراده ونسخه وتعديله وتبديله وتنويع مفهوم الاحتمالات والنصوص فيه، في حين أن ملاحظة صلة الوحي القرآني الوثيقة بالسيرة النبوية وأحداثها على تنوع صفحاتها وظروفها تجعل الناظر في القرآن يندمج في الوقائع والمقتضيات. وتجعله يعتقد أن الفصول القرآنية، إنما كانت تنزل حسب حوادث السيرة وظروف الدعوة، وأنه لما كانت هذه الحوادث والظروف عرضة للتطور والتبدل والتنوع فإنها تجعله يرى الحكمة واضحة في التبديل والتعديل والنسخ والتنويع والشدة واللين في الخطاب، وتجعله يرى أن الجدل في ذلك النطاق لا محل له ولا طائل من ورائه، لأن التطور والتنوع في الأحداث والظروف والأذهان متسقان مع طبائع الأمور ونواميسها التي فطر الله الكون عليها فلا بدع أن تقتضي حكمته أن يكون ذلك في التنزيل القرآني اتساقا مع هذه الطبائع والنواميس.

- 2 - القرآن والبيئة النبوية:

والمدقق في آيات القرآن التي تفيد ذلك يجد القرآن يورد التقريرات المقتضية حسب الأحداث والظروف وتنوعها وتطورها على أسلوب الحكيم، فلا يدخل في نقاش جدلي إلا بمقدار الضرورة المتناسبة مع الموقف الواقعي، فيعلمنا بذلك الطريقة المثلى لفهم القرآن وروحه ومداه وظروف تنزيله وتنوعه وأسلوبه، وكون المهم فيه هو الإصلاح والتوجيه إلى خير الوجهات لظروف قائمة وأذهان وفئات ومواقف متفاوتة ومتنوعة ومتطورة، وينطوي ذلك في الوقت نفسه على التلقين والتوجيه المستمرين إلى الآماد التالية مما يرشح القرآن للخلود والشريعة القرآنية الإسلامية للعمومية والأبدية. - 2- القرآن والبيئة النبوية: وثانيا: إن الصلة قائمة ووثيقة بين ما كانت عليه بيئة النبي وعصره من تقاليد وعادات وعقائد وأفكار ومعارف وبين البعثة النبوية والسيرة النبوية، وبالتالي بين الوحي القرآني وبين ما كانت عليه هذه البيئة. وهذه الصلة واضحة أولا من جهة أن الدعوة النبوية والوحي القرآني بوجه عام إنما اقتضتهما حكمة الله بسبب ما كان عليه الناس- وأهل بيئة النبي في مقدمتهم وهم المخاطبون الأولون- قبل البعثة من ضلال في فهم وإدراك وجوب وجود الله وكمال صفاته ونزاهته عن الشريك والولد واستغنائه عن الولي والمساعد ومطلق تصرفه في كونه، واستحقاقه وحده للعبودية والخضوع والاتجاه ووجوب نبذ ما سواه، ومن انحراف عن طريق الخير والحق والعدل والفضيلة ومن اختلاف عظيم في المذاهب والعقائد والطقوس، سواء في ذلك كله العرب وغيرهم، والكتابيون والمشركون، ثم بسبب أن ذلك ناشىء عن ما كان من تقاليد وعادات وأفكار ومعارف وأهواء وتأويلات ومفاهيم من ما احتواه القرآن من فصول الجدل والتنديد والتقريع في صدد هذه التقاليد والعادات والأفكار والمعارف والأهواء والتأويلات والمفاهيم التي احتوى القرآن إشارات كثيرة إلى كثير من صورها المتنوعة، وربط بينها وبين مواقف العرب والدعوة النبوية.

يضاف إلى هذا المظهر القرآني العام نصوص قرآنية خاصة «1» في هذا المعنى وردت في مواضع عديدة وبأساليب متنوعة إذا تمعن القارئ فيها ظهرت له هذه الصلة ظهورا جليا. وتزيد في إيضاح ذلك بالأمثلة التالية: 1- في القرآن توكيدات بعدم جدوى الشفاعة والشفعاء عند الله إلا بإذنه ورضائه، وتنديدات باعتذارات المشركين عن عبادتهم لشركائهم واتجاههم إليهم في الدعاء والتضرع بأنهم إنما يتخذونهم شفعاء ووسائل قربى إلى الله، وقد كثرت في هذا الباب مما يدل على رسوخ هذا المفهوم في أذهان المشركين في بيئة النبي وعصره قبل البعثة. 2- إن آيات القرآن الواردة في طقوس الحج تفيد صراحة حينا وضمنا حينا آخر أنها كلها أو جلّها قد كانت ممارسة قبل البعثة النبوية فأقرت في الإسلام بعد تنقيتها من شوائب الشرك والوثنية، مع أن فيها ما لا يمكن فهم حكمة إقراره الآن مثل الطواف حول الكعبة والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار واستلام الحجر الأسود وتقبيله إلخ فهذه الآيات متصلة بتقاليد الحج العربية قبل الإسلام ورسوخها وأهدافها، وفيها مظهر ما لوحدة العرب على اختلاف منازلهم ونحلهم حيث كانوا جميعهم يشتركون في الحج ومواسمه وتقاليده. وحرماته وأشهره الحرم، وحكمة إقرارها في الإسلام منطوية في ذلك الرسوخ من جهة وما كان له من فائدة وأثر في الوحدة المذكورة التي كان القرآن يدعو إليها من جهة ثانية ولعل قصد تأنيس العرب بالدعوة الإسلامية مما ينطوي في تلك الحكمة أيضا. 3- ليس في القرآن المكي حملات عنيفة على اليهود الذين كان يسكن منهم

_ (1) اقرأ مثلا الآيات التالية: البقرة: [81- 85 و 107- 116 و 125- 129 و 158- 189 و 197- 203 و 219- 247 و 275- 283] ، وآل عمران: [59- 60 و 77- 78 و 93- 97] ، والنساء: [2- 12 و 19- 34 و 152- 161] ، والمائدة: [1- 5 و 12- 19 و 72- 80 و 90- 97 و 101- 104] ، والأنفال: [31] ، والنحل: [64] ، ولقمان: [21] ، والقصص: [51- 53] ، والشعراء: [192- 197 و 210- 212، 221- 223] ، ويوسف: [111] ، وفصلت: [3] . [.....] الجزء الأول من التفسير الحديث 10

في الحجاز جاليات كبيرة، واكتفى فيه بذكر قصص موسى وفرعون وبني إسرائيل الأولى مستهدفا بذلك ما استهدف بذكر قصص الأنبياء الأخرى، وقد جاءت تلك القصص بإسهاب أوفى مما جاءت هذه مما يمكن أن يكون الحكمة فيه وجود تلك الجاليات الكبيرة وصلتها الوثقى بالبيئة الحجازية العربية وسكانها. ولقد احتوى القرآن المكي آيات كثيرة فيها استشهاد بأهل الكتاب على صحة رسالة النبي بأسلوب يفيد أنهم شهدوا ويشهدون بذلك «1» ، وتحمل في ثناياها تنويها بهم، وتقرير الاتساق بينهم وبين الدعوة القرآنية والمستجيبين إليها، هذا في حين أن القرآن المدني احتوى حملات شديدة لاذعة على اليهود ووصف سوء أخلاقهم ودسائسهم ومكائدهم، ووصل حاضر هذه الأخلاق بأخلاق الآباء. فهذا متصل بدون ريب بحالة قائمة في البيئة النبوية وظروفها. فإنه لم يكن لليهود في مكة كتلة ذات مركز قوي راسخ في حين كان لهم ذلك في المدينة، ولم يقع بينهم وبين النبي في مكة بسبب ذلك احتكاك وتشاد في حين أن ذلك قد وقع في المدينة بسبب ما كان لهم في المدينة من كتلة قوية وقدم راسخة ومصالح حيوية ومركز ممتاز مما احتوت الآيات القرآنية وصفا لذلك. ومن الممكن إيراد أمثلة كثيرة من هذا النوع الذي يبين صلة مما كانت عليه بيئة النبي بالبعثة النبوية والسيرة النبوية والتنزيل القرآني. وقد اكتفينا بهذه الأمثلة ونبهنا على أمثالها الكثيرة في سياق التفسير. فملاحظة هذه الصلة مهمة جدا كسابقتها في فهم مواضيع القرآن وتقريراته وروحه ومداه، وفي جعل الناظر فيه يندمج في الوقائع ومقتضياتها، ولا يبتعد عن حقيقة الواقع والباعث ويعصمه عن أن يتورط في الجدل والتزيد وتحميل العبارات القرآنية ما لا تتحمله وما لا طائل من ورائه.

_ (1) الأحقاف: [10] ، والأنعام: [114] ، والرعد: [36] ، والشعراء: [197] ، والقصص: [51- 53] ، والعنكبوت: [47] .

- 3 - اللغة القرآنية:

- 3- اللغة القرآنية: ثالثا: إن لغة القرآن في مفرداتها وتراكيبها واصطلاحاتها وأساليبها وأمثالها وتشبيهاتها واستعاراتها ومجازاتها هي لغة البيئة النبوية وإنها مألوفة ومفهومة ألفة وفهما تامين من أهلها. وليس الذي نعنيه بهذا تقرير قضية قد تكون بديهية في بعض الأذهان ولكن الذي نعنيه وجوب ملاحظة ذلك حين النظر في القرآن لأنه يساعد على فهم اصطلاحات لغة القرآن وأساليبها وأمثالها وتعبيراتها واستعاراتها ومجازاتها من جهة، وكون القرآن من جهة ثانية قد وجّه أول ما وجّه إلى أناس ألفوا لغته كل الألفة وفهموها كل الفهم، ووصلوا في عقولهم ومعارفهم وبيانهم ودقة تعابيرهم وبلاغة أساليبهم وفصاحة ألسنتهم، والاستمتاع بمتنوع أشكال الحياة المادية والمعاشية، والنفوذ إلى المفاهيم الأخلاقية والاجتماعية والدينية والعلمية والأدبية إلى درجة غير يسيرة من الرقي متناسبة مع ما عبرت عنه وأشارت إليه وتضمنته لغة القرآن، مما هو نتيجة لازمة لكون القرآن إنما نزل بلسانهم، وكون لغة القوم هي أصدق مظهر لحياتهم المادية والعقلية والاجتماعية والدينية «1» . ثم نعني بالإضافة إلى هذا أن ينتفي من ذهن الناظر في القرآن المعنى الذي حلا لبعضهم أن ينوه به وهو انطواء بعض حروف القرآن وكلماته بل وبعض جمله وتعابيره وصور سبكه ونظمه على أسرار وألغاز ومعميات وكذلك المعنى الذي قرره بعضهم من علو طبقة اللغة القرآنية عن أفهام سامعيها إطلاقا دون استثناء، والمعنى الذي قرره بعضهم من أن لغة القرآن قد احتوت أو قصد أن تحتوي جميع لهجات ولغات العرب القديمة والحديثة مع لغات الأمم الأخرى. ففي «الإتقان» للسيوطي فصول عديدة تشير إلى هذه المعاني ونذكر خاصة منها الفصل السابع والثلاثين كما أن كثيرا من الكتب الموضوعة عن القرآن وتفسيره

_ (1) في عصر النبي وبيئته قبل البعثة بحوث مستفيضة في كل ذلك مقتبسة من الآيات القرآنية.

قد احتوت تقرير هذه المعاني أيضا وفي الأقوال الواردة في تلك الفصول وهذه الكتب المروية أو الصادرة عن علماء قديمين كثير من التكلف والتزيد والتجوز والتخمين والتورط إن لم نقل التحريف. ولقد جاء فيما جاء في فصول «الإتقان» نقلا عن كتاب «الإرشاد» للواسطي في صدد تعدد اللغات التي احتواها القرآن أن في القرآن خمسين لغة وهي لغات قريش وهذيل وكنانة وخثعم والخزرج وأشعر ونمير وقيس وعيلان وجرهم واليمن وأزد شنؤة وكندة وتميم وحمير ومدين ولخم وسعد العشيرة وحضر موت وسدوس والعمالقة وأنمار وغسان ومذحج وخزاعة وغطفان وسبأ وعمان وبني حنيفة وتغلب وطي وعامر بن صعصعة والأوس ومزينة وثقيف وجذام وبلي وعذره وهوازن والنمر واليمامة ومن غير العربية الفارسية والرومية والنبطية والحبشية والبربرية والسريانية والعبرانية والقبطية.. ولو عرف القائل قبائل عربية وأمما غير عربية أخرى غير الذي ذكره لأوردها أيضا.. وزاد غيره تفريعا فقال إن فيه من لغة بلي لغات الطائف وثقيف وهمدان ونصر بن معاوية وعك وليس هذا كل ما قيل وإنما هو أوسع ما قيل فإن في فصول «الإتقان» أقوالا كثيرة في هذا الباب. وكلام القائلين ليس هو من قبيل تقرير ما قد يكون معقولا وصحيحا من أن لغة القرآن التي هي لغة قريش متطورة مع الزمن عن لغات العرب قبل نزوله، ومن أن في القرآن ألفاظا معربة عن اللغات الأجنبية أعلاما وغير أعلام دخلت على اللغة العربية القرشية وجرت مجراها وصارت جزءا منها قبل نزوله كذلك، بل بقصد تقرير أن ذلك التعدد واقعي وأنه إنما كان أولا بسبب أن القرآن حوى علوم الأولين والآخرين ونبأ كل شيء فلا بدّ من أن تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات والألسن لتتم إحاطته بكل شيء فاختير له من كل لغة أعذبها وأخفها وأكثرها استعمالا وثانيا بسبب أنه امتاز عن غيره من سائر الكتب المنزلة فنزلت هذه بلغة القوم الذين أنزلت عليهم ولم تدخل فيه لغة من لغات غيرهم في حين أن القرآن احتوى جميع لغات العرب والعجم. وثالثا بسبب أن النبي محمدا عليه السلام مرسل إلى كل أمة وقوم وقد قال الله وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: 4] فلزم أن يكون

في الكتاب المنزل عليه شيء من لسان كل قوم وإن كان أصله بلغة قومه هو. وجميع هذه المعاني لا تصح في حال. فمن ناحية علو طبقة القرآن عن أسماع الناس وأفهامهم أو انطواء حروفه وكلماته على أسرار وألغاز ومعميات فإن في القرآن نصوصا حاسمة تنفي ذلك حيث تنص على أنه أنزل بلسان مبين أي واضح مفهوم وإن آياته قد فصلت تفصيلا، وإنه أنزل ليتدبره السامعون ويعقلوه ويفهموه ويحلون به ما يختلفون فيه كما أنه كان موجها إلى كل طبقة من أهل بيئة النبي عليه السلام يحكي كلامهم وأسئلتهم ويرد عليها مجيبا أو منددا أو مكذبا أو ملزما أو واعظا أو مشرعا أو في هذا ما يتنافى كذلك مع تلك المعاني. وهذا فضلا عن أنها غير متسقة مع مهمة النبي المكلف بمخاطبة مختلف الطبقات والمأمور بتبليغ ما أنزل إليه من ربه لهم والذي كان يتلوه على الناس كافة من مختلف الفئات في جميع ظروف سيرته الشريفة في عهديها المكي والمدني وأنها غير متسقة مع كون القرآن هدى للناس كافة يؤمرون باتباع ما أنزل فيه وتدبر آياته والتروي في أحكامه ومحتوياته، ويقال لهم فيه إنه مرجعهم في مختلف شؤونهم، ومنه يستمدون تشريعهم وأخلاقهم ونذرهم وبشائرهم وحلول مشكلاتهم إلخ. ومن ناحية احتواء القرآن مختلف لهجات ولغات الأمم عربها وعجمها وقديمها وحديثها على المقصد الذي شرحه القائلون فإنه لا يتسق في حال مع نصوص القرآن المطلقة والمتعددة بأنه أنزل بلسان عربي وجعل لسانا عربيا وإنه أنزل بلسان النبي العربي القرشي ولا مع نصّ حديث البخاري في صدد نسخ المصاحف في عهد عثمان الذي احتوى تقريرا صريحا بأنه إنما أنزل بلغة قريش. ومن هذا الباب ما قيل حتى أصبح مستفيضا وحجة خطابية حاضرة من أن الله كما أرسل موسى في ظرف ارتقى فيه السحر وشاع بمعجزة تشبه السحر وليست سحرا فغلب الساحرين، وأرسل عيسى في ظرف ارتقى فيه الطب وشاع بمعجزة تشبه الطب فأتى بما يعجز الطب والأطباء فإنه أرسل محمدا بالقرآن فائقا على بلاغة البلغاء في ظرف كانت سوق الفصاحة فيه رائجة، وبلاغة الكلام فيه قد وصلت إلى أعلى الذرى نظما ونثرا فقصر عنه البلغاء والفصحاء وكان فيه معجزته، فهذا القول

مع ما في ارتقاء السحر وشيوعه والطب إلى أعلى الذرى في عهدي موسى وعيسى من محل نظر وتوقف- يعني أن القرآن قد قصد به أن يكون معجزا في فصاحته وبلاغته اللغوية والنظمية والفنية كأنما هو معلقة من معلقات الشعر الخالدة، أو قد قصد به أن يكون أعلى من مستوى أفهام الناس وبلاغة بلغائهم. وهذا لا يصح في اعتقادنا على ما ذكرناه آنفا والقرآن يقرر أنه إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ «1» وهذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ «2» إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً «3» ووَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ «4» وفَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا «5» ووَ ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ «6» ووَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ «7» وإِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها «8» إلخ. يضاف إلى هذا أن القرآن في لغته وسبكه وأساليبه واصطلاحاته ومفهوماته وإشاراته ليس مغلقا أو غامضا أو معقدا أو صعبا على متوسط الأفهام والأذهان، وأنه كان يفهمه مختلف أوساط العرب حضرهم وبدوهم بل والمستعربون المقيمون

_ (1) سورة يس، الآية: [69- 70] . (2) سورة إبراهيم، الآية: [52] . (3) سورة الإسراء، الآية: [9- 10] . (4) سورة الإسراء، الآية: [82] . (5) سورة مريم، الآية: [97] . (6) سورة النحل، الآية: [64] . (7) سورة النحل، الآية: [44] . (8) سورة الزمر، الآية: [42] .

في الحجاز أو الوافدون على النبي عليه السلام من البلاد المجاورة من عرب ومستعربين أيضا. ففي القرآن آيات كثيرة تشير إلى أنّ النبي كان يتلو آيات القرآن على مختلف طبقات الناس كما جاء في آيات الكهف [27] والنمل [92] والعنكبوت [45] والأحقاف [28- 30] والجن [1] مما هو متسق مع مهمته، وإن منهم من كان يقول إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر: 25] وإِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ [الأنعام: 25] وقَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال: 31] ولقد تكرر في القرآن المكي والمدني الإشارة إلى أهل الكتاب وأهل العلم وفي بعض الآيات ما يفهم أن من هؤلاء من جاء خصيصا ليجتمع بالنبي ويستمع للقرآن وقد كان منهم من تفيض عيونهم من الدمع ويخرون خشعا سجدا من تأثير ما يسمعون منه ويعلنون إيمانهم وتصديقهم به «1» مما يلهم أنهم كانوا يسمعون كلاما يفهمونه مع أنهم جاؤوا من نجران اليمن أو بلاد الشام أو الحبشة حسب ما أوضحته الروايات، كما أن اليهود الإسرائيليين والنصارى غير الحجازيين والذين يمتون أو يمتّ أكثرهم إلى أصول غير عربية والذين كانوا متوطنين في مكة والمدينة كانوا ممن وجهت إليهم الدعوة وكان القرآن يتلى عليهم ويفهمونه وقد اندمجوا في ظروف السيرة النبوية إيجابيا وسلبيا. وإذا كان يبدو اليوم فيه شيء من ذلك أو إذا كان بدا فيه شيء من ذلك منذ قرون عديدة سابقة أو إذا كان يبدو فيه اليوم وقبل اليوم كذلك مفردات غريبة على الأسماع والمألوف فإن هذا كله إنما نجم عن بعد الناس عن جوّ نزول القرآن وزمنه وجو لغته وجو البيئة التي نزل فيها من جهة، وعن ما طرأ على اللسان العربي من الفساد من جهة، وعن ما كان من اندماج كثير من غير العرب في العروبة ولغتها وتعلّمها تعلّما لا يمكن أن يقوم مقام السليقة الأصلية في بنيها الأصليين من جهة. ولقد احتوى نصوصا كثيرة تقرر المرة بعد المرة ما هو عليه من وضوح وإبانة وإحكام وتفصيل ويسر فهم وسهولة إدراك في معرض التنديد بالمكابرين

_ (1) اقرأ آيات المائدة: [81- 84] ، والإسراء: [107- 109] ، والقصص: [52- 55] مثلا.

والجاحدين والمجادلين «1» وهذا إنما هو ملزم مفحم لأن اللغة التي يسمعونها واضحة بينة مما ألفوه كل الألفة وليس فيها غموض ولا تعقيد وإشكال، ولا علوّ عن الأفهام لا من ناحية النظم والسبك واللغة ولا من ناحية المعنى والمفهوم والدلالة. ونريد أن نستدرك شيئا. فإننا لسنا نعني بما نقرره أننا نشك في إعجاز القرآن وعلوّ طبقته اللغوية والنظمية كما أن كلامنا لا يقتضي ذلك فإعجاز القرآن لا يحتمل شكا، فهو مقرر في القرآن وثابت فعلا بعجز أي كان عن الإتيان بمثله أو بشيء من مثله رغم تكرر التحدي، والإيمان بذلك واجب، وعلوّ طبقته بارز بروزا في غنى عن التدليل، ولم يبق العلماء الثقات في تقرير ذلك محل زيادة لمستزيد غير أن الذي نعنيه أن إعجاز القرآن وعلوّ طبقته وروعة أسلوبه لا تقتضي أن يكون أعلى من مستوى أفهام العرب الذين خوطبوا به ووجّه إليهم، ولا أن يكون أبعد من متناول إدراكهم ولا أن تكون مفرداته ومضامينه وتراكيبه غير مألوفة لديهم، ولا أن يكون قد قصد به أن يكون معجزا في بلاغته اللغوية والنظمية والفنية، والفرق كبير بين المعنيين كما هو واضح فيما يتبادر لنا. ولعلّه مما يصح أن يذكر في هذا المقام على سبيل التمثيل والتقريب- ولله ولكتابه ونبيه المثل الأعلى- كاتب ذو أسلوب راق شائق قوي النفوذ يجعله في الطبقة الأولى أو ذروتها في حين يكون سهل التناول غير غامض ولا معقد، يستطيع أن يسيغه مختلف القراء وأواسطهم، بل وإن هذا الأسلوب ليكون دائما أحسن الأساليب وأفصحها وهو الذي يسميه البيانيون بالسهل الممتنع. هذا عدا عن أن إعجاز القرآن فيما نعتقد ليس من ناحية نظمه وأسلوبه اللغويين فحسب بل هو أيضا من ناحية روحانيته النافذة الباهرة التي تنفذ إلى أعماق عقل الإنسان وقلبه وروحه، ونعتقد أن لهذا الاعتبار الأول في إعجازه، وأن التحدي وتقرير عدم إمكان الإتيان بمثله أو بشيء من مثله إنما هو «للقرآن»

_ (1) النساء: [82] ، والأنعام: [155- 157] ، وهود: [1- 2] ، ويونس: [1- 2] ، والحجر: [6] ، والنور: [1] ، والشعراء: [1- 2] ، والفرقان: [1] ، والنمل: [1- 2] ، والعنكبوت: [51- 52] مثلا.

وهذا هو التعبير الذي استعمل في القرآن. الذي كما هو لغة وأسلوب هو كذلك معان ودعوة قوية نافذة باهرة في مداها ومضمونها وشمولها وسعة أفقها وروحانيتها التي وصف أثرها القرآن نفسه بهذا الوصف: 1- لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ.. الحشر: [21] . 2- اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ.. الزمر: [23] . 3- وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الإسراء: [82] . ثم التي وصف أثرها القرآن في أهل العلم والنية الحسنة من الكتابيين بهذا الوصف القوي النافذ: 1- وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ المائدة: [83- 84] . 2- وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ.. الرعد: 36. 3- قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (107) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً.. الإسراء: [107- 109] . 4- وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا.. القصص: [53] . ولعل من الدلائل على أن لغة القرآن ولغة بيئة النبي شيء واحد- ونعني المفردات والمصطلحات والتراكيب- حكاية القرآن لكلام الكفار وغير الكفارة وردّه عليهم، والأحاديث الكثيرة جدا الواردة عن النبي وأصحابه التي لا فرق بين لغتها ولغة القرآن بل ولقد رويت أحاديث تذكر أن بعض الصحابة والكفار قالوا كلاما

بعينه فنزل القرآن بنفس النظم الذي صدر عنهم منها: 1- حديث روي عن عمر بن الخطاب أنه قال لنساء النبي حينما تآمرن على النبي بسائق الغيرة: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن. 2- حديث بخاري مروي عن زيد بن أرقم أنه سمع عبد الله بن أبيّ يقول «لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله» ويقول «لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ ... » . وآيات سورة المنافقون: [7- 8] وسورة التحريم: [5] قد احتوت هذه النصوص كما هو معلوم. ونحن نرى هذا بديهيا ومن تحصيل الحاصل، ولكنا أثبتناه لأن فكرة أن هناك فرقا عظيما بين لغة القرآن ولغة أهل بيئة النبي وأن تلك اللغة أعلى من مستوى أفهام هؤلاء قوية الرسوخ. ومما يقوم شاهدا قرآنيا على هذا الذي نقرره في هذه النقطة خاصة ما جاء في بعض الآيات من حكاية لأقوال الكفار في القرآن مثل إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ «1» ووَ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا.. «2» وقالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ.. «3» . فهذه النصوص تتضمن قرائن حاسمة على أن سامعي القرآن وخاصة الطبقة المتزعمة والنبيهة التي كانت تتولى كبر المعارضة وقيادتها كانوا يسمعون كلاما يفهمونه كل الفهم بجميع دقائقه، لا يعلو عن أفهامهم ولا يبعد عن مألوفاتهم ويرونه شبيها بأقوال الناس بل ويصفونه بأنه كذلك.. ونريد كذلك أن ننبه على نقطتين أخريين:

_ (1) سورة المدثر، الآية: [25] . (2) سورة الفرقان، الآية: [5] . [.....] (3) سورة الأنفال، الآية: [31] .

فأولا: إن ما قلناه من فهم المخاطبين العرب على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم للقرآن لا يقتضي أن يكون متناقضا مع ما هو مقرر بصورة حاسمة من أن لغة القرآن هي لغة قريش فالقرآن وجّه أول ما وجّه إليهم وإلى القبائل والمدن الحجازية كما جاء في آيتين متماثلتين في سورتي الأنعام والشورى وهما: 1- وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها.. الأنعام: [92] . 2- وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها الشورى: [7] . على أن لغة قريش من جهة أخرى كانت إجمالا في عهد البعثة النبوية لغة العرب جميعهم على اختلاف منازلهم أو على الأقل مفهومة من العرب جميعهم بسبب ما كان من اشتداد التحاك بين قريش وسائر العرب في مواسم الحج التي كان يشترك فيها العرب جميعهم والتي كانت تقام قبل البعثة النبوية بمدة طويلة وبسبب وحدة الأصل من حيث المبدأ. ولعلّ في آية الشورى الآنفة الذكر خاصة دلالة أو قرينة على ذلك حيث وصفت القرآن بالعروبة مع إشارتها إلى مهمة الرسول في إنذاره مكة ومن حولها وقد وصف القرآن بهذا الوصف في آيات مكية عديدة أخرى كما ترى فيما يلي. 1- إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.. يوسف: [2] . 2- وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا الرعد: [37] . 3- نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ الشعراء: [192- 195] . 4- وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.. الزمر: [27- 28] . 5- كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فصلت: [3] .

6- إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ الزخرف: [3] . مما يدعم النقطة التي قررناها. وكذلك مما يدعمها أن القرآن وصف غير العربية بالأعجمية كما ترى فيما يلي: 1- وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ النحل: [103] . 2- وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ فصلت: [44] . بحيث يستفاد من ذلك أن العربية كانت حينما تطلق تشمل لغة العرب جميعهم، وأنه لم يكن للعرب جميعهم لغة غير اللغة التي نزل بها القرآن وأن لغة قريش التي هي لسان النبي الذي ذكر القرآن أن الله قد يسّر القرآن به أي لغته كانت هي لغة العرب جميعهم. وثانيا: - إن ما قلناه من أن كل كلمة في القرآن كانت مفهومة من العرب على حقيقة مداها ومعناها لا يقتضي أن يكون مناقضا لما هو طبيعي فرضا وواقعا وبديهة من وجود كلمات فيه لا يفهم مداها ومعناها إلا الفئات الخبيرة النيرة منهم بل ومن وجود كلمات قد لا يكون سمعها أو قد يجهلها بعض أفراد من هذه الفئات نفسها، ومن وجود أفراد قليلين أو كثيرين أو قبائل برمتها تجهل المعنى الحرفي لقليل أو كثير من مفردات القرآن بل ومن بعض تعابيره كذلك. وهذه الظاهرة مشاهدة ملموسة في كل ظرف وقطر ومن كل فئة بما فيها الفئات المتعلمة ومع ذلك فمن المشاهد الملموس أن الناس على اختلاف فئاتهم وثقافاتهم وخاصة أواسطهم لا يعيبهم أن يفهموا ما يقرأونه من رسائل وكتب وصحف ويسمعونه من خطب وإذاعات. وطبيعي أن العرب في عصر النبي وعهد بعثته لم يكونوا ليخرجوا عن نطاق هذه الظاهرة، وإذا روي عن بعض الصحابة جهلهم لمعنى كلمة من الكلمات القرآنية فلا يكون في ذلك غرابة ما بقطع النظر عن صحة الرواية متنا وسندا.

- 4 - القرآن أسس ووسائل:

ومن هذه البيانات تتجلى فائدة الملاحظة التي هي موضوع البحث الأصلي مهما بدت للبعض بديهية، حيث تجعل الناظر في القرآن يندمج في جو لغته وأساليبه واصطلاحاته التي هي لغة عهد نزوله وأساليبه واصطلاحاته ولغة ظروف هذا العهد فينجلي له كثير من الأمور والمعاني على وجهها وحقيقتها، ولا ينجرّ إلى معان ومدى ومفهومات وتزيدات وتكلّفات وتخمينات ومعميات لا تتحملها نصوص القرآن وأساليبه ودلالاته وظروف نزوله ومهمة من أنزل عليه. - 4- القرآن أسس ووسائل: رابعا: إن محتويات القرآن نوعان متميزان وهما الأسس والوسائل، وإن الجوهري فيه هو الأسس لأنها هي التي انطوت فيها أهداف التنزيل القرآني والرسالة النبوية من مبادئ وقواعد وشرائع وأحكام وتلقينات مثل وجوب وجود الله تعالى ووحدته وتنزهه عن كل شائبة وشريك وولد واتصافه بجميع صفات الكمال ومطلق التصرف في الكون واستحقاقه وحده العبادة والخضوع ونبذ كل ما سواه والقيام بالواجبات التعبدية له، ومثل المبادئ والأمر والنواهي والتشريعات والأحكام والتلقينات الكفيلة بصلاح الإنسانية وطمأنينتها والتعاون الأخوي التام بينها أفرادا وجماعات وسلبية وإيجابية وأخلاقية واجتماعية وسياسية وحقوقية وسلوكية واقتصادية والنهي عن كل ما يناقض ذلك. أما عدا ذلك مما احتواه القرآن من مواضيع مثل القصص والأمثال والوعد والوعيد والترهيب والترغيب والتنديد والجدل والحجاج والأخذ والرد والتذكير والبرهنة والإلزام ولفت النظر إلى نواميس الكون ومشاهد عظمة الله وقدرته ومخلوقاته الخفية والعلنية مثل الجن والإنس وإبليس والشيطان ومشاهد الرؤية فهي وسائل تدعيمية وتأييدية إلى تلك الأسس والأهداف وبسبيلها. ومع أن جل هذه الوسائل ممّا له صلة ببيئة النبي وعصره من جهة والسيرة النبوية من جهة وبفهمها، وأن منها ما يتصل بالأسس والمبادئ من بعض

النواحي كنتائج لها مثل الحياة الأخروية ومشاهدها وأهوالها ونعيمها وعذابها والملائكة والجن ومعجزات الأنبياء مما يدخل في الغيبيات الإيمانية من جهة، ومع أنها قد شغلت حيزا كبيرا أو بالأحرى الحيز الأكبر من القرآن فإن من فائدة هذه الملاحظة أن تجعل الناظر في القرآن يقف عند الأهداف والمبادئ ويعتني العناية الكبرى بتجليتها وإبرازها، ولا يحمل الوسائل والتدعيمات ما لا ضرورة لتحميلها إياه ولا يترك لها المجال لتغطي على تلك، وتكون له شغلا شاغلا مستقلا بحيث يستغرق فيها مثل استغراقه في الأسس فضلا عن استغراقه فيها أكثر من استغراقه في هذه مما هو واقع ومشاهد كالانشغال مثلا في ماهية القصص القرآنية والنواميس الكونية، أو ماهية الملائكة والجن أو ماهية مشاهد الحياة الأخروية، وبحيث يغفل عن هدفها الرامي إلى تدعيم الأسس والأهداف مما يؤدي به إلى إهمال التدبر بالجوهري والتورط فيما لا طائل من ورائه والوقوع في الحيرة والبلبلة دون ما ضرورة. وننبه على أن هذا التقسيم بالمعنى الذي نقرره مستلهم بوجه عام من روح القرآن وأسلوبه وآياته، مما يستطيع أن يلمسه كل من أنعم النظر فيها، حيث يجد أنه لم ترد قصة أو مثل أو موعظة أو حملة تنديد وإنذار أو إشارة تنويه بملكوت الله وعظمته والدعوة إلى التفكير في آلائه أو ذكره للملائكة والجنّ أو تذكير بما كان من دعوة سابقة ومعجزات نبوية خارقة، أو تنبيه إلى الحياة الأخروية ومشاهدها ونتائجها المبهجة أو المزعجة إلا بعد تقرير تلك الأسس والأهداف أو شيء منها والدعوة إليها، أو بيان الحق والخير والصلاح والسعادة فيها، أو حكاية مواقف الكفار منها أو تثبيت النبي والمسلمين فيها وتصبيرهم عليها، وهذا من مميزات الأسلوب القرآني وخصوصياته بالنسبة لسائر الكتب المنزلة، وحيث يجد أن هذه الأسس والأهداف تظل محكمة ثابتة مع ما هو طبيعي من اختلاف مواقف النبي وتنوعها بالنسبة لفئات الناس والعقول والظروف في حين أن ما هو من باب الوسائل والتدعيمات يتنوع ويختلف أسلوبا ومدى وتعبيرا مع اختلاف تلك المواقف وتنوعها وهذا خاصة من شأنه أن يكون مقياسا وضابطا للتفريق بين

القسمين القرآنيين، بل ومن شأنه أن يحل ما يتوهمه الناظر في القرآن من إشكالات قرآنية في الأسلوب والمدى والتعبير أيضا. وهو مستلهم بوجه خاص من بعض نصوص صريحة في القرآن- مع ملاحظة ما قد يكون لها من خصوصيات زمنية يأتي في مقدمتها وقد يكون أقواها مدى وأوضحها دلالة آية آل عمران السابعة هذه: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ... وهذه الآية نزلت في سياق الردّ على وفد نصراني تناظر مع النبي عليه السلام في أمر المسيح فسأله الوفد ألا يقول القرآن إن المسيح كلمة الله وروح منه قال بلى قال فهذا حسبنا. فنزلت الآية تندد بالوفد الذي ترك الأصل القرآني المحكم وهو أن الله واحد لا يصح أن يكون له ولد ولا شريك وجنح إلى التأويل الفاسد لبعض النصوص التي أنزلت بقصد التقريب والتمثيل. وعلى خصوصية الآية من حيث المناسبة فإنها جاءت بأسلوب تقريري عام لتكون شاملة الحكم والمدى، بحيث يصح أن يستلهم منها بقوة أن القرآن قسمان متميزان أحدهما محكم أساسي ثابت لا يحتمل تأويلا ولا تنوعا ولا وجوها افتراضية وتقريبية، وثانيهما متشابهة بسبيل التقريب والتمثيل والإلزام والبرهنة ويحتمل التأويل والتنوع والوجوه الافتراضية. ولسنا منفردين في هذا التخريج فقد سبق إليه كثير من أعلام العلماء والمفسرين على تنوع أقوالهم واختلاف مدى السعة والضيق فيها «1» وقد روي عن ابن عباس «2» في صدد الآية أن المحكم هو ناسخ القرآن وحلاله وحرامه وحدوده

_ (1) «تفسير المنار» ج 3. (2) «الإتقان» للسيوطي.

وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به وأن المتشابه هو منسوخ القرآن ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به. وقد نوّه للأول بآيات الأنعام: 151- 153 والإسراء: 23- 38 التي هي مجموعات رائعة من المبادئ والأهداف التوحيدية والأخلاقية والاجتماعية والسلوكية. وفي سورة محمد آية يصح أن تكون دليلا قرآنيا وهي هذه: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (20) . حيث يلهم نصّها أن معنى «محكمة» هو الفرض الأساسي الحاسم من فروض القرآن وتكاليفه. وفي القرآن آيات كثيرة جدا يبرز فيها تأييد هذا المعنى كآيات البقرة: [12- 26] والأعراف: [57- 58] والكهف: [54- 59] وطه: [113] والعنكبوت: [40- 49] والروم: [20- 28] والزمر: [9- 29] والحاقة: [4- 52] والمعارج: [11- 44] والمدثر: [30- 47] إلخ. وهو متسق مع حكمة بعثة الرسل وهي هداية البشر وإخراجهم من الظلمات إلى النور والدعوة التي دعوا إليها وهي الدعوة إلى الله وحده وإلى مكارم الأخلاق والمبادئ التي يقوم عليها صلاح الإنسانية وسعادة الناس في الدارين. أما ما ظهر على أيدي الرسل من معجزات وما صدر عنهم الوحي الرباني من نذر وبشائر ووعد ووعيد وتذكير وتمثيل وقصص ومواعظ فإنه بسبيل تلك الحكمة وإعلائها وتجليتها والإقناع بها والتوجيه إليها كما يبدو واضحا وبديهيا عند ذوي الألباب والرؤية. ومما يزيد ما نقرره قوة ووضوحا ما يلاحظ من تطور التنزيل القرآني وتطور إطلاق تعبير «القرآن» على أجزاء القرآن وسوره وفصوله. فالقرآن يطلق كما هو معروف على مجموعة السور التي بين دفتي المصحف، غير أن هذا التعبير قد بدىء

باستعماله منذ مبادئ نزول القرآن، وبدىء بإطلاقه على ما كان ينزل من مجموعاته قبل تمامه، بل قبل أن ينزل منه إلا القليل ثم ظلّ يطلق على ما كان ينزل منه وما يجتمع من مجموعاته إلى أن تمّ تمامه بوفاة النبي عليه السلام كما يفهم من آيات المزمل: [4] وق: [1] والبروج: [21] وص: [3] والجن: [1] والفرقان: [32] وطه: [114] والواقعة: [77] والنمل: [1] والإسراء: [9] ويونس: [82] والحجر: [1] إلى كثير غيرها من السور المكية «1» ثم ظل يطلق في السور المدنية على ما نزل وكان ينزل كما يفهم من آيات البقرة: [2] وآل عمران: [3- 4] والنساء: [82] والحشر: [21] ومحمد: [24] وغيرها.. والمعقول والواقع أن الآيات والسور القرآنية التي نزلت قبل غيرها قد احتوت في الأكثر أسس الدعوة ومبادئها وأهدافها واقتصرت أو كادت تقتصر على التبشير بها وإنذار الذين لا يستجيبون إليها ولم تتوسع في الوسائل كما ترى في سور الفاتحة والأعلى والشمس والليل والعصر والإخلاص والتكاثر والتين والقارعة، مما يؤيد أن الأهداف والأسس هي المقصودة الجوهرية في القرآن أولا. وقد خلت هذه السور وأمثالها أو كادت تخلو من العنف مما هو طبيعي لأن الدعوة وأهدافها ومبادئها هي التي يجب أن تعرض أولا وتنشر دون ما عنف ولا جدال، ثم أخذت الفصول التالية لها تحتوي إلى جانب تقرير المبادئ والأهداف والتوسع فيها حملات عنيفة على الجاحدين والكافرين والصادين وحكاية مواقفهم وإنكارهم لصحة الوحي القرآني كما أخذت تتوسع في الوسائل التدعيمية من قصص وأمثال ووصف نواميس ومشاهد وذكر غيبيات إيمانية إلخ مما هو طبيعي كذلك، لأن الجحود والجدل والإنكار والشك والاستغراب والأذى والصدّ والتحدي والتحريض إنما وقع بعد عرض الدعوة وتقرير الأهداف، ولأن مواقف الجاحدين والمفكرين والشاكين والمستغربين والمترددين والصادين والمكابرين والمتحدين استتبعت التوسع في الوسائل التدعيمية والتأييدية. ولقد احتوت الفصول التالية

_ (1) هذه السور من السور المكية المبكرة بالنزول قليلا أو كثيرا. الجزء الأول من التفسير الحديث 11

- 5 - القصص القرآنية:

المذكورة جدلا وحجاجا بين النبي والكفار حول «القرآن» وصحة الوحي الرباني مثل آيات القلم: [9- 15] والتكوير: [19- 29] والفرقان: [1- 6 و 32] والشعراء: [192- 226] والإسراء: [45- 47 و 105- 111] ويونس: [15- 17 و 37- 40] وهود: [13- 14] والسجدة: [1- 3] وسبأ: [31] وفصلت: [40- 45] إلخ، والمعقول أن يكون الكفار قد جادلوا في أول الأمر في ما احتوته الأجزاء الأولى من القرآن وكادت تقتصر عليه من الأسس والمبادئ وكفروا بنبوة النبي وصحة الوحي الرباني فأخذت هذه الآيات وأمثالها تحكي أقوالهم وترد عليها ردودا مفحمة، وتضرب لهم الأمثال وتذكرهم بمن سبقهم من الأمم والأنبياء وتتوعدهم وتنذرهم بالآخرة وهولها وعذابها. وتتحداهم وتندد بما هم عليه من ضلال وسخف، وتبشر المستجيبين بسعادة الدنيا ونعيم الآخرة وتثبتهم وتصبرهم وتسلي النبي وتطمئنه إلخ ثم استمر الأمر على ذلك كله مع تنوع في الأساليب حسب تنوع المواقف وتجددها فالإنذار والتبشير والتنديد والتنويه والوعد والوعيد والقصص والأمثال والإلزام والإفحام والجدال إنما هو كما هو واضح جاء تبعا للأسس والمبادئ والأهداف ودار حولها، بسبيل التدعيم والتأييد اللذين اقتضتهما ظروف السيرة والدعوة ومواقف الناس مسلميهم وكفارهم من تلك الأسس والمبادئ والأهداف التي هي الأصل والجوهر في التنزيل القرآني. - 5- القصص القرآنية: خامسا: إن ما ورد من قصص وأخبار متصلة بالأمم السابقة وأحداثها أولا لم يكن غريبا عن السامعين إجمالا، سماعا أو مشاهدة آثارا أو اقتباسا أو تناقلا، وسواء منه ما هو موجود في أسفار كتب الكتابيين وغيرهم المتداولة مماثلا أو زائدا أو ناقصا أو مباينا لما جاء في القرآن. أم ليس موجودا فيها مما يتصل بالأمم والأنبياء الذين وردت أسماؤهم فيها مثل قصص إبراهيم المتعددة مع قومه وتسخير الجن والريح لسليمان وقارون والعبد الصالح مع موسى ومائدة المسيح، أو

مما يتصل بغيرهم من الأمم والبلاد العربية وأنبيائهم مما لم يرد أسماؤهم فيها مثل قصص عاد وثمود وسبأ وتبع وشعيب ولقمان وذي القرنين. وثانيا لم يورد للقصة بذاتها وإنما ورد للعظة والتمثيل والتذكير والإلزام والإفحام والتنديد والوعيد. وفي القرآن شواهد وقرائن ونصوص عديدة مؤيدة للنقطة الأولى مثل ما جاء في آيات سورة الروم: [9] وسورة غافر: [21] وسورة الحج: [45- 46] وسورة الصافات: [133- 138] وسورة القصص: [58] وسورة الفرقان: [40] وسورة العنكبوت: [38] وسورة هود: [100] وسورة إبراهيم: [45] . وفي أسلوب القصص القرآنية الذي لم يكن سردا تاريخيا كما هو الحال في قصص التوراة والذي تخلله الوعظ والإرشاد والتبشير والإنذار بل والذي جاء سبكه وعظا وإرشادا وتبشيرا وإنذارا، ثم في سياق إيراد القصص عقب التذكير والتنديد والتسلية والتطمين والموعظة وحكاية مواقف الكفار وعنادهم وحجاجهم أو بين يدي ذلك، وتكرارها لتنوع المواقف النبوية دعوة وحجاجا وتنديدا وبيانا وعظة سنين طويلة وتجاه فئات مختلفة تأييد للنقطة الثانية، يضاف إلى هذا ما في القرآن من شواهد ونصوص خاصة وكثيرة أيضا مما يؤيدها كما يبدو واضحا لمن يتمعن في آيات الأعراف: [101 و 163- 166 و 175- 177] والمائدة: [28- 33] والأنفال: [53- 54] والتوبة: [69- 70] ويونس: [12- 13 و 71- 98] وهود: [100- 103] ويوسف: [111] والرعد: [38- 42] وإبراهيم: [9- 14] ومريم: [54- 63] وطه: [99- 101] والفرقان: [35- 40] والنمل: [45- 58] والقصص: [1- 6 و 58- 59] والعنكبوت: [37- 41] ويس: [13- 31] وص: [12- 17] . واللازمة التي اتبعت بكل قصة في سورة الشعراء وهي إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) . وهناك آيتان في سورتي الأنبياء والقصص جديرتان بالتنويه بصورة خاصة لما فيهما من دلالة قوية على أن العرب كانوا يعرفون أخبار الأنبياء ومعجزاتهم وهما هاتان: 1- بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما

أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ... الأنبياء: [5] . 2- فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا «1» أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى.. القصص: [47] . وحكمة النقطة الأولى ظاهرة جلية فيما يتبادر لنا. فالمخاطبون إنما يتأثرون بما احتوته الحادثة أو القصة التي تورد عليهم من موعظة أو مثل أو تذكير وزجر وتنبيه ودعوة إلى الاعتبار والارعواء والتأسي والتدبر في العاقبة إذا كانت مما يعرفونه أو مما يعرفه بعضهم جزئيا أو كليا مفصلا أو مقتضبا. أما إذا لم يكونوا يعرفونه فإنه لا يأتي مستحكم الإلزام والإفحام والتأثير والعبرة، ولا سيما على مخاطبين كافرين بأصل الدعوة التي يراد التذكير بمواقف الغير والسابقين من مثلها وبمصائرهم بسبب هذه المواقف أو جاهلين للحادثة التي يراد استخراج العبرة من سيرها وظروفها وعواقبها. وهذه الملاحظة مهمة وجوهرية جدا، لأن من شأنها أن تحول دون استغراق الناظر في القرآن في ماهيات ووقائع ما احتوته القصص التي لم تقصد لذاتها، وأن تغنيه عن التكلف والتجوز في التخريج والتأويل والتوفيق أو الحيرة والتساؤل في صدد تلك الماهيات والوقائع، وأن تجعله يبقي القرآن في نطاق قدسيته من التذكير بالمعروف والإرشاد والموعظة والعبرة ولا يخرج به إلى ساحة البحث العلمي وما يكون من طبيعته من الأخذ والرد والنقاش والجدل والتخطئة والتشكيك على غير طائل ولا ضرورة. ونريد أن نبحث في ما يمكن أن يرد على موضوع الملاحظة وخاصة نقطتها الأولى. فلقد ورد في سورة هود بعد قصة نوح خاصة وورد في سورة يوسف بعد إتمام القصة وورد في سورة آل عمران في سياق نشأة مريم آيات جاء فيها تنبيه على

_ (1) بمعنى هلا.

أن ذلك من أنباء الغيب كما ترى فيها: 1- تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ هود: [49] . 2- ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ يوسف: [102] . 3- ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ آل عمران: [44] . وظاهر الآيات ينقض تلك النقطة كما هو المتبادر. غير أننا نلاحظ أن قصتي نوح ويوسف خاصة قد وردتا في التوراة قريبتين جدا مما وردتا في القرآن، وإن التوراة كانت متداولة بين أيدي الكتابيين الذين كان كثير منهم يعيشون في بيئة النبي قبل بعثته وبعدها، كما أن أهل هذه البيئة كانوا على صلة وثيقة بهم وبالبلاد المجاورة الكتابية الدين أي الشام ومصر والحبشة والعراق العربي، وأن القرآن قد أكثر من ذكر التوراة مصدقا حينا ومنوها بما احتوته من نور وهدى وحق حينا ومتحديا بها اليهود حينا، وأن فيه آيات تفيد صراحة أو ضمنا أن أهل بيئة النبي كانوا يسمعون من الكتابيين أشياء كثيرة عن كتبهم كما ترى في الأمثلة التالية: 1- أَتَأْمُرُونَ «1» النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ.. البقرة: [44] . 2- وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا «2» فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ.. البقرة: [89] . 3- وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ

_ (1) يعني اليهود. (2) يعني العرب.

بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ البقرة: [76] . 4- أَمْ تُرِيدُونَ «1» أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ البقرة: [108] . 5- وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ «2» مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.. آل عمران: [78] . 6- كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ آل عمران: [93] . 7- وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ المائدة: [43- 44] . وإن أهل هذه البيئة كانوا يثقون بما عند الكتابيين من علوم ومعارف، مما ينطوي في ذلك حكمة ما تكرّر في القرآن من الاستشهاد بهم على صحة الرسالة النبوية مما أوردنا آياته في مناسبة سابقة. والروايات متضافرة على أن اليهود كانوا يتبجحون بالتوراة في سياق الدعوة النبوية وأحداثها. وأنهم نشروها مرة أو أكثر في مجالس النبي، وعلى أنه كان من أهل بيئة النبي العرب من كان يدين بالنصرانية واليهودية ومطلعا على التوراة والإنجيل فضلا عن من يدين بالنصرانية خاصة من العرب الذين يقطنون في أنحاء أخرى من الجزيرة العربية وأطرافها والتوراة كتاب النصارى كما هي كتاب اليهود فضلا عن اختصاص الأولين بالإنجيل كما هو معروف. وفي حديث البخاري عن

_ (1) يعني المسلمين. (2) يعني المسلمين.

بدء الوحي وقد أوردناه في الفصل الأول صراحة بمعرفة ورقة بن نوفل اللغة العبرانية واطلاعه على التوراة والإنجيل. فليس مما يصح فرضه أن لا يكون من العرب السامعين للقرآن من يعرف هاتين القصتين. ومثل هذا يقال بالنسبة لقصة مريم التي ورد في بعض الأناجيل شيء قريب مما ورد عنها في القرآن وفي بدء قصة يوسف آية هذا نصها: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ [7] والسؤال عن أمرهم لا بدّ من أن يكون آتيا من معرفة شيء ما أو سماع شيء ما عنهم من دون ريب. لذلك فإن في الآيات الثلاث المذكورة إشكالا يدعو إلى الحيرة، ولا يستطاع النفوذ إلى الحكمة الربانية فيه نفوذا تاما. وليس من مناص إزاء الواقع ومداه من أن قصص نوح ويوسف ومريم من القصص المشهورة إلا بتأويل هذه الآيات وتخريجها بما يزيل الإشكال ويتسق مع الواقع. وقد رأينا المفسر الخازن يعلق على آية هود فيقول إن قصة نوح مشهورة وإنه ليس مما يحتمل أن لا تكون معروفة، وإنه يجب صرف الآية على محمل قصد عدم معرفة النبي وقومه بجميع تفصيلاتها. وفي هذا التعليق وجاهة ظاهرة كما أنه لا معدى عنه أو عن ما يقاربه كصرف الغيب إلى معنى البعيد غير المشاهد أو الذي صار في طيات الدهر في صدد القصص التي وردت عقبها خاصة هذه الآيات. وننبه على أن بقية الفصول القصصية في سورتي هود وآل عمران، وكذلك الفصول القصصية المتنوعة الواردة في مختلف السور بما في ذلك قصص نوح ومريم ويوسف لم يرد فيها مثل هذا التعليق والتقييد، وأن قصة نوح ذكرت بتفصيل أو اقتضاب مرات كثيرة في السور التي نزلت قبل سورة هود مثل ص والأعراف والقمر والشعراء، وأن قصة مريم وولادة عيسى ذكرت بتفصيل أيضا في سورة مريم التي نزلت هي الأخرى قبل سورة آل عمران وأشير إليها باقتضاب في سور متعددة أخرى ولم يرد كذلك في سياقها مثل هذا التعليق والتقييد مما يجعل التأويل والتخريج سائغا وصوابا. ولعل مما يحسن إيراده في صدد قصة نوح مسألة أصنام قوم نوح المذكورة

في سورة نوح وهي ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر فقد كانت الأصنام من الأصنام المعبودة عند بعض قبائل العرب في عصر النبي وقد تسمّى كثير من الأشخاص المعاصرين للنبي بعبودية بعضها مثل عبد ودّ وعبد يغوث وفي بعض الروايات أن العرب اقتبسوا هذه الأصنام وعبادتها من قوم نوح ولعل هذا ما كان متداولا بينهم قبل البعثة. وعلى كل فإن هذا قرينة على أن العرب لم يكونوا جاهلين قصة نوح ومواقفه من قومه بالكلية. ومما يصحّ إضافته إلى الآيات القرآنية الكثيرة التي احتوت دلائل وقرائن تفيد أن السامعين كانوا يعرفون أخبار الأمم والأنبياء التي تتلى عليهم من القرآن على سبيل العظة والتذكير أن المفسرين قد أوردوا بيانات كثيرة في سياق كل قصة من القصص القرآنية مسهبة حينا ومقتضبة حينا آخر، ومعزوة إلى علماء السير والأخبار إطلاقا حينا وإلى علماء بأسمائهم مثل ابن عباس ومقاتل ومجاهد والضحاك والكلبي وابن إسحاق ووهب بن منبه وكعب الأحبار وغيرهم حينا، واحتوت تفاصيل وجزئيات حول هذا القصص أو قصصا بسبيلها مهما كان فيها من إغراب ومفارقات فإننا نستبعد أن تكون كلها موضوعة بعد النبي عليه السلام، ونميل إلى القول بل نرجح أنها احتوت أشياء كثيرة مما كان يدور في بيئة النبي قبل البعثة وبعدها حولها، وأنها مما يمكن الاستئناس به في تأييد النقطة الأولى من الملاحظة مما هو متسق مع المنطق وهدف التذكير والوعظ القرآني. ومما يصح إضافته أيضا صيغة أعلام القصص مثل طالوت وجالوت ويونس وأيوب وفرعون وهامان وقارون وهارون وإبراهيم وآزر وسليمان وداود وإدريس ونوح والمسيح عيسى وموسى وهاروت وماروت إلخ فإن هذه الأعلام قد جاءت في القرآن معربة وعلى أوزان عربية ومن المستبعد أن تكون قد عربت لأول مرة في القرآن، ومن المرجح أن تكون قد عربت وتداولت بأوزانها العربية قبل نزولها وبهذا وحده يصح أن يشملها تعبير إنزال القرآن بلسان عربي مبين لأنها جزء منه وتداولها معربة قبل نزول القرآن يعني كما هو بديهي معرفة العرب شيئا من أخبار أصحابها على الأقل.

وفي ما تكررت حكايته في القرآن عن الكفار من قولهم إنه أساطير الأولين وأن النبي كان يستكتبها وتملى عليه، وإنه كان أناس آخرون يعينونه عليها، وأنهم لو شاؤوا لقالوا مثلها كما جاء في آيات الأنعام: [25] والأنفال: [30] والفرقان: [5] والقلم: [8 و 15] مثلا قرينة قوية كذلك إن لم نقل قرينة حاسمة على أن العرب كانوا يسمعون من قصص القرآن ونذره وبشائره وتذكيراته ما اتصل بهم علمه وكان من المتداول بينهم. ولقد يرد أن الكفار حينما كانوا يرددون على النبي تعبير أساطير الأولين خاصة كانوا في موقف المكابر المستخف ومع التسليم بهذا فإن كلمة أساطير لا تقتضي دائما أن تعتبر مرادفة لكلمة قصص خرافية كما هو من مفهوماتها فإنها قد تفيد أيضا معنى المدونات لأنها مشتقة من «سطر» بمعنى «كتب» كما هو وارد في القرآن ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ [القلم: 1] وآية الفرقان الخامسة وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا تلهم أن هذا من المعاني المقصودة للكلمة. ومهما يكن من أمرها فإنها تعني على كل حال أنهم يسمعون أخبارا وقصصا وصلت إلى علمهم عن الأمم السابقة حقيقة كانت أو خرافية. ومما يرد على ما نخمّن سؤال عن مدى ما بين القصص القرآنية وأسفار التوراة والإنجيل المتداولة من مباينات. فقد قلنا قبل قليل إن في القرآن قصصا مقاربة لما في هذه الأسفار كما أن فيه قصصا مباينة في الأسماء والأحداث أو بزيادة ونقص، وأن فيه قصصا متصلة بأسماء رجال هذه الأسفار من أنبياء وغيرهم دون ورودها فيها. والذي نعتقده أن ما قلناه ينطبق على هذا أيضا، وأن ما ورد في القرآن هو الأكثر اتساقا مع ما كان معروفا ومتداولا عند السامعين إجمالا وهذا هو المتمشي مع الحكمة التي نبهنا عليها في القصص القرآنية ونراه طبيعيا ومتسقا مع الواقع والمألوف وهو تداول الناس أخبارا وأسماء على غير الوجه المدون في الكتب والصحف بل وكون المتداول أحيانا كثيرة هو الأكثر صحة من المدون أيضا. فليس والحالة هذه ما يمنع أن يكون لدى النصارى واليهود في عصر النبي

وقبله متداولات مدونة وغير مدونة تساق وتورد على هامش ما ورد في أسفار التوراة والإنجيل وبقصد التوضيح والتفسير والتعليق، هذا بقطع النظر عن احتمالات الاختلاف والمباينة بين الأسفار المتداولة اليوم والأسفار المتداولة قديما. وفي كتب تفسير القرآن روايات كثيرة معزوة إلى الصحابة والتابعين احتوت بيانات عن أحداث تاريخية واجتماعية عربية وغير عربية، وعن أحداث متصلة ببيئة النبي وسيرته ولم ترد في القرآن، وإنما وردت إشارة إليها قريبة أو بعيدة، فأوردت على هامش تفسير الآيات القرآنية وبقصد تفسير بعض الوقائع والأحداث والإشارات والمفهومات التي احتوتها والتعليق عليها ولا يمتنع أن تكون صحيحة كليا أو جزئيا. ولقد تكون قصص إبراهيم خاصة لافتة للنظر أكثر من غيرها في هذا الباب لأن جلّ ما ورد منها في القرآن لم يرد في التوراة. والمدقق في القصص التي لم ترد في التوراة يجد أنها متصلة بالحياة والظروف والتقاليد التي كانت عليها البيئة النبوية، وبمواقف الكفار العرب وعقائدهم أيضا اتصالا وثيقا سواء في أمر إسكان ذرية من إبراهيم في مكة أو في إنشاء الكعبة، أو في أصول الحج وتقاليده، أو موقفه من أبيه وبراءته منه، أو حملته على عبادة الأصنام وموقفه من قومه من أجلها وتكسيره إياها وإلقائه في النار بسبب ذلك، أو محاجّته مع الملك أو نظرته في النجوم وانصرافه عنها، ويجد أنها داعية إلى التأسي لأنه أبو العرب. والذي نعتقده أن هذه القصص كانت متداولة بين العرب ومتناقلة فيهم جيلا عن جيل دون ما حاجة إلى أن تكون مستقاة من اليهود مع احتمال أن يكون اسما إبراهيم وإسماعيل قد اقتبسا من اليهود لأن التوراة هي أول ما جاء يحمل هذين الاسمين مدونين، وأن من تلك الناحية خاصة تجيء قصص إبراهيم ملزمة للعرب، وتورد في القرآن بقوتها التلقينية والتذكيرية المستحكمة النافذة التي وردت بها كما يمكن أن يبدو لمن يتمعن في آيات البقرة: [124- 141 و 258 و 260] وآل عمران: [65- 68 و 94- 97] والأنعام: [74- 90] والتوبة: [113- 114] وإبراهيم: [35- 41] ومريم: [42- 50] والأنبياء: [51- 70] والحج: [26- 37 و 78]

والزخرف: [26- 28] والممتحنة: [4- 6] ، وهذا هو هدف القصة القرآنية بالذات. ونظن أنه ليس من شيء يرد من مثل هذا على موضوع القصص الأخرى التي لم يرد أسماء رجالها ومواضيعها في أسفار التوراة والإنجيل ولا سيما أن جل هذه القصص عربي الأمم والأنبياء والبلاد، وأن كونها مما كان متداولا عند العرب لا يصحّ أن يكون موضع شك وجدل، وفي الآيات القرآنية دلالات قوية على هذا خاصة مثل آيات العنكبوت: [36- 38] والأحقاف: [37] والصافات: [137- 138] والقصص: [58] والحج: [45- 46] . هذا، ومعلوم أنه يوجد في القرآن قصص أنزلت جوابا على سؤال صريح مثل قصص ذي القرنين ويوسف وأصحاب الكهف والرقيم، كما أن هناك قصصا أوردت مباشرة مثل قصة نشأة موسى وسيرته في مطلع سورة القصص. ولقد يرد أن في هذا نقضا لما قلناه من أن القصص القرآنية لم تورد لذاتها كما أنه قد يكون بالنسبة لبعض هذه القصص نقضا لما قلناه من أن القصص الموحاة مما كان متداولا وليس غريبا على الأسماع بالمرة. ولقد قلنا قبل في صدد قصة يوسف إن السؤال عنها لا يمكن أن يكون ورد إلا من أناس سمعوها وعرفوها أو سمعوا وعرفوا شيئا عنها. وهذا ينطبق على قصة ذي القرنين كما هو بديهي، ومضامين آيات أصحاب الكهف والرقيم تلهم أنه كان جدل حول قصتهم وعددهم وسني لبثهم، وهذا يعني أن السؤال وجّه على سبيل الاستفسار- وهذا ما روته الروايات- وبالتالي أن السائلين قد سمعوا وعرفوا شيئا عن القصة. ومعرفة السائلين بعض الشيء لا تقتضي بالبداهة أن لا يكون هناك أناس آخرون يعرفون أشياء كثيرة عنها كما لا تقتضي أن يكون أناس يعرفون ثم أرادوا التحقيق أو الاستفسار أو التحدي إلخ. وفي كتب التفسير بيانات وتفصيلات جزئية كثيرة عن هاتين القصتين أيضا مما يمكن أن يكون فيه- بسبب كونه مستندا إلى روايات متصلة بعهد النبي- دلالة على تداوله في هذا العهد أيضا. أما قصة موسى فلا نظن أنه يرد أنها كانت غريبة

عن الأسماع وفي القرآن دلالات حاسمة على عكس ذلك أوردنا بعض الآيات عنها. هذا بالنسبة للنقطة الأولى. أما بالنسبة للنقطة الثانية فإن قصة موسى في سورة القصص قد أعقبها آيات تنديدية وتذكيرية ووعظية معطوفة عليها وكنتيجة لها كما يبدو من الآيات [37- 50] . وهذا ما يدخلها في نطاق القصص الأخرى الواردة في معرض التذكير والتمثيل والإنذار والدعوة والاعتبار. وكذلك قصة يوسف فقد أعقبها آيات مثل تلك وهي الآيات [103- 111] وانتهت بآية فيها قصد العبرة صراحة حيث جاء هذا التعبير لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [يوسف: 111] آخرها. وقصة أصحاب الكهف والرقيم قد جاءت بعد آيات فيها حملة على الكفار لنسبتهم الولد إلى الله وهي الآيات [4- 8] ، كما أعقبها آيات فيها استمرار في الحملة وهي الآيات [23- 31] ، وأسلوبها متسق مع أسلوب سائر القصص أي أنه تضمن المواعظ والتلقينات الأخلاقية والاجتماعية والدينية واستهدف التدعيم والتأييد للدعوة النبوية وأهدافها حتى ليبدو أن هذا هو المقصود بها عند إنعام النظر في سلسلة آياتها [1- 31] وخاصة في أمر النبي بعدم المماراة كثيرا في شأنهم وإيكال علم ذلك إلى الله. ومع أن قصة ذي القرنين جاءت جوابا على سؤال صريح فإنّ أسلوبها مثل ذلك الأسلوب وقد أعقبتها آيات تضمنت حملة على الكافرين الجاحدين ومتصلة بآيات القصة اتصالا وثيقا نظما وانسجاما. وهذا وذاك يبدوان بارزين عند إنعام النظر في سلسلة الآيات. وعلى هذا فإن من الصواب أن يقال إن هذه القصص لا تشذ عن الطابع العام للقصص القرآنية الذي نوهنا به في مطلع البحث. ومما هو جدير بالتنويه ومتصل بالمعنى الذي نقرره وخاصة بالنسبة للنقطة الأولى من الملاحظة أنّ محتويات القصص القرآنية على تنوعها لم تكن موضع جدل ومماراة لا من مشركي العرب ولا من الكتابيين بدليل أنه لم يرد في القرآن أي

إشارة تفيد ذلك صراحة أو ضمنا مع أنهم كانوا يحصون على النبي كل شيء ويترصدون لكل ما يتوهمون فيه تناقضا أو شذوذا عما يعرفونه ويعتقدونه ويتداولونه ويتوارثونه ويسارعون إلى إعلان استنكارهم وتكذيبهم، ويستغلونه فرصة للصد والدعاية والتأليب مما حكى القرآن شيئا كثيرا منه. وقد يؤيد هذا أن العرب جادلوا في الحياة الأخروية أشد جدال وكذبوا وأنكروا أعنف تكذيب وإنكار فحكت ذلك آيات قرآنية كثيرة حتى لقد شغل هذا الجدل والتكذيب والإنكار وما اقتضاه من ردود وتوكيدات متنوعة الأسلوب حيزا كبيرا من القرآن المكي ولقد كان من أسباب هذا الإنكار والتكذيب والجدل أن العرب كانوا يسمعون ما لا علم لهم به سابقا وما لم يسمعوا عنه شيئا مهما من الكتابيين الذين كانوا مصدرا رئيسيا من مصادر معارفهم لأن أسفار هؤلاء لم تكد تحتوي عن الحياة الأخروية شيئا. وليس ما نقل عن العرب من قولهم عن القرآن إنه أساطير الأولين مما يفيد تكذيبهم للقصص التي يسمعونها ومماراتهم فيها لأن هذا التعبير كما قلنا عنى كما تدل عليه مضامين الآيات القرآنية مدونات الأولين وقصصهم إطلاقا، ولأنهم كانوا يردّدون هذا القول بقصد تكذيب صلة الله ووحيه بالنبي وصحة التنزيل القرآني والدعوة النبوية والحياة الأخروية لا بقصد المماراة في هذه القصص وتكذيبها وإنكارها كما يظهر من التمعن في هذه الآيات التي ورد فيها التعبير: 1- وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ الأنعام: [25] . 2- وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31) وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ الأنفال: [31- 32] .

3- وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ النحل: [24] . 4- وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً الفرقان: [5- 6] . 5- فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7) فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (13) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (14) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ القلم: [5- 15] . ولقد أنكر اليهود أمورا واردة في التوراة فتحداهم القرآن بالإتيان بالتوراة وتلاوتها إن كانوا صادقين في إنكارهم كما جاء في آية آل عمران: [93] صراحة وآيات المائدة: [43- 45] ضمنا. ولقد حاجّوا في ما قرره القرآن عن إبراهيم وملته، وقدم الكعبة وصلته بها كما يفهم من آيات البقرة: [132- 141] وآل عمران: [66- 99] صراحة وضمنا. فلو رأى العرب فيما يسمعونه من القصص تناقضا أو تباينا أو شذوذا عما يعرفونه منها إجمالا أو تفصيلا، أو لو سمعوا أشياء لا عهد لهم بها بالمرة ولو رأى الكتابيون وخاصة اليهود في ما يسمعونه مباينة لما كان متداولا في أيديهم من الكتب وتفسيرها وشروحها أو لما هو متداول ومتناقل بينهم على هامشها مما يتصل بأسماء أنبيائهم لجادلوا وطعنوا وغمزوا، ولذكر ذلك عنهم القرآن في معرض التكذيب والردّ كما ذكر عنهم جدالهم وحجاجهم وإنكارهم وطعنهم في هذا المعرض في الأمور الأخرى التي توهموا فيها تناقضا أو تغايرا أو جديدا لا عهد لهم به، ولا غتنموه فرصة للغمز والطعن والدعاية والتهويش. ولقد يرد سؤال عما إذا كان النبي يعرف أيضا القصص القرآنية قبل بعثته أو

عن غير طريق الوحي، وعما إذا لم يكن فيما نقرره تعارض معا مع نزول الوحي بها. والذي نعتقده أن النبي خلافا لما قاله بعضهم كان يعرف كثيرا مما يدور في بيئته من قصص الأمم والأنبياء السابقين وأخبارهم ومساكنهم وآثارهم سواء منها المذكور في أسفار التوراة والإنجيل أو غيره كما أنه كان يعرف كثيرا من أحوال الأمم والبلاد المجاورة للجزيرة العربية بالإضافة إلى ما كان يعرفه من أحوال سكان الجزيرة أيضا وتقاليدهم وأفكارهم وعاداتهم وأخبار أسلافهم، وأن هذا هو المتسق مع طبيعة الأشياء، وأن النبي قد اتصل قبل بعثته بالكتابيين الموجودين في مكة وتحدث معهم حول كثير من الشؤون الدينية وحول ما ورد في الكتب المنزلة واستمع إلى كثير مما احتوته، ونرجح أن هذه الصلة قد استمرت إلى ما بعد بعثته، وأنها انتهت بإيمان الذين اتصل بهم بنبوته لما رأوا من أعلامها الباهرة فيه. ولعل فيما ورد في بعض آيات القرآن قرينة على ذلك، فقد جاء في سورة الفرقان هذه الآية وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (4) وفي سورة النحل هذه الآية وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) فهذه الأقوال الصادرة عن الكفار التي حكاها القرآن لا بد من أن تكون مستندة إلى مشاهدة اتصال النبي ببعض أشخاص كانوا يعرفون أنهم ذوو علم أو مظنة علم وتعليم ومعاونة، ومنهم غرباء، والمرجح أن الغرباء خاصة منهم كتابيون، فوهموا أنه يستعين بهم أو يعينونه على نظم القرآن وتأليفه فقالوا ما قالوه. والآيات تنفي التعليم والإعانة ولكنها لا تنفي الاتصال. وقد وردت في كتب التفسير روايات تذكر وقوع شيء من هذا الاتصال، وقد جاء في «كشاف» الزمخشري مثلا أنه كان لحويطب بن عبد العزى غلام اسمه عايش أو يعيش وكان صاحب كتب وقيل هو جبر غلام رومي كان لعامر بن الحضرمي وقيل عبدان جبر ويسار كانا يصنعان السيوف في مكة ويقرآن من التوراة والإنجيل، فكان رسول الله إذا مرّ وقف عليهما يسمع ما يقرآن. وحديث بدء الوحي للبخاري صريح بأن النبي اجتمع بورقة بن نوفل الذي تنصر وقرأ العبرانية وكان يقرأ الإنجيل ويكتبه، وفي روايات السيرة أن

ورقة هذا تولى تزويج النبي وكان عمره خمسا وعشرين سنة بخديجة ابنة عمه، ففي كل هذا ما يستأنس به على صحة ما ذكرناه. ومن الواضح أن هذا ليس بمخلّ بقدر النبي عليه السلام وعظمته التي إنما كانت تقوم في الحقيقة على ما امتاز به من عظمة الخلق وقوة العقل وصفاء النفس وكبر القلب وعمق الإيمان والاستغراق بالله، ولقد قرر القرآن طبيعة النبي البشرية، وهذا متصل بهذه الطبيعة التي من البديهي جدا أن لا تتناقض مع وقوف النبي على ما كان متداولا في بيئته أو في أي بيئة ونحلة تيسّر له الاتصال بأهلها من أقوال وأفكار وأخبار وعقائد وتقاليد وظروف وأحداث حاضرة وغابرة، بل إن من البديهي جدا أن يكون واقفا على كل ذلك غير غافل عنه، وإن هذا هو المعقول الذي لا يمكن أن يصح في العقل غيره. وإننا لنشعر بالدهشة مما أبداه ويبديه بعض العلماء من حرص على توكيد كون النبي لم يكن له معارف مكتسبة مما لا يتسق مع المنطق والمعقول والبديهي توهما بأن في هذا مأخذا ما على كون ما بلّغه النبي من القرآن إنما أتى من هذه المعارف، ونرى في هذا التوهم خطأ أصليا في تلقي معنى الرسالة النبوية التي هي هداية وإرشاد ودعوة والتي لا يعهد بمهمتها العظمى إلا لمن يكون أهلا لها في عقله وخلقه وقلبه وروحه كما ذكرت آية الأنعام [24] اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ كما أنه آت فيما يتبادر لنا من عدم ملاحظة كون القرآن قسمين متميزين أسسا ووسائل. ومما يورده هؤلاء حجة آيات العنكبوت هذه: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ [48- 49] . حيث يظنون على ما يبدو أن اكتساب المعارف والاطلاع على ما عند الناس من أخبار وأفكار إنما هو حصر على القارئ الكاتب، وليس هذا صحيحا دائما كما أنه ناشىء عن قياس الغائب بالحاضر وهو قياس مع الفارق. والآيات بسبيل تقرير

كون الدعوة التي يدعو إليها النبي وما يبلغه في صددها إنما هو وحي رباني ولم يقتبسه من كتاب، ولا ينبغي أن يكون عندهم محلّ للشك في ذلك لأنهم يعرفون أنه لم يكن يقرأ ولا يكتب، ولا يجحد بآيات الله التي تصدر عن الذين يختصهم الله بمهمته وبيناته إلا المكابرون الظالمون على ما يتبادر. وليس في هذا نقض لما قررناه. والذي نعتقده أنه ليس في ما قررناه أو في كون القصص القرآنية متسقة إجمالا مع ما كان معروفا متداولا تعارض من ناحية ما مع نزول الوحي الرباني بها على قلب النبي عليه السلام- وهو سبب القول أن النبي لم يكتسب معارفه اكتسابا- لأنها لم تنزل لذاتها بقصد القصص والإخبار وإنما أنزلت بالأسلوب والمدى والنحو الذي اقتضت الحكمة نزولها به، في معرض التنديد والموعظة والتذكير والجدل، وكوسيلة من وسائل تدعيم أهداف القرآن وأسس الدعوة النبوية إزاء مواقف المكابرين والمجادلين والجاحدين مما هو موضوع هذا البحث وفوائد الملاحظة التي عقد عليها. ولقد ورد في القرآن فصول كثيرة جدا مما له صلة ببيئة النبي وحاضر تقاليد أهلها وحياتهم وأمثالهم ومعايشهم وما في أذهانهم من صور متنوعة مما هو معروف مشهود بأسلوب الموعظة والتذكير والتنديد وكوسيلة من وسائل التدعيم والتأييد، وليس من فرق من حيث الجوهر بين هذا وذاك وليس مما يصح في حال أو يمكن أن يرد على بال ولا مما ادعاه أحد أن النبي لم يكن يعرفه عن غير طريق الوحي. وقد بقيت مسألتان قد تبدوان مشكلتين، أولاهما ما إذا كان ما احتواه القرآن من قصص صحيحا في جزئيات وقائعه وحقائق حدوثه، وثانيتهما ما بين بعض القصص القرآنية المتصلة بنبي أو أمة من بعض الخلاف مثل وصف عصا موسى بالحية في سورة والثعبان في سورة أخرى، ومثل ذكر وقت ما كان يقع على بني إسرائيل من فرعون من قتل الأبناء واستحياء النساء حيث ذكر هذا الوقت في سورة أنه قبل بعثة موسى وفي سورة أنه بعد بعثته. فنحن كمسلمين نقول إن كل ما احتواه القرآن وحي رباني واجب الإيمان وإنا آمنا به كل من عند ربنا، كما أننا نقول بوجوب ملاحظة كون القرآن في قصصه إنما استهدف العظة والتذكير فحسب، الجزء الأول من التفسير الحديث 12

- 6 - الملائكة والجن في القرآن:

وهما لا يتحققان إلا فيما هو معروف ومسلم به إجمالا من السامع وأن هذا أيضا من الحق الذي انطوى فيه حكمة التنزيل، وبوجوب الوقوف من هذه القصص عند الحدّ الذي استهدفه القرآن وعدم الاستغراق في ماهياتها على غير طائل ولا ضرورة، لأنها ليست مما يتصل بالأهداف والأسس على ما ذكرناه في مطلع البحث وهذا هو الجوهري فيه. وهذا القول يصح على المسألة الثانية مع التنبيه على أن الخلاف ظاهري ويمكن التوفيق فيه وتأويله، وعلى أنه متصل بالماهيات والحقائق التي لم تقصد لذاتها كما كررنا قوله. ونريد أن ننبه على ظاهرة قرآنية مهمة فيها توكيد لما نقرره واتساق معه، وبالتالي فيها دليل انسجام في الأساليب القرآنية ومراميها مكية كانت أو مدنية. وذلك أن أسلوب القرآن القصصي وهدفه قد اتسقا مع ما ورد فيه من ذكر الوقائع الجهادية والمواقف القضائية والحجاجية وغيرها من أحداث السيرة النبوية، بحيث إن الناظر في القرآن يجد أن ما ورد فيه من ذلك إنما ورد بقصد العظة والتذكير والتنبيه والحثّ والتحذير والإرشاد والتعليم والتأديب والتشريع، ولم يرد بأسلوب السرد التاريخي وقصده. وهذا ظاهر من كون تلك الوقائع والمواقف لم تحتو كل الصور والمشاهد والتفصيلات والأحداث، وإنما احتوت ما يحقق ذلك القصد منها. ولعل هذا هو الذي يفسر حكمة عدم ورود ذكر أو تفصيل لأمور كثيرة من أحداث السيرة وفيها ما هو مهم من وقائع جهادية كفتح مكة والطائف وغزوات مشارف الشام ومؤتة واليمن إلخ. فالظاهر أنه لم يكن فيها أمور تستوجب ذلك وتتصل بالقصد المذكور فاقتضت الحكمة عدم إنزال شيء في بعضها والاكتفاء بالإشارات العابرة بالنسبة لبعضها الآخر. - 6- الملائكة والجن في القرآن: سادسا: إن ما ورد من أخبار الملائكة والجنّ لم يكن هو الآخر غريبا عن السامعين جزئيا أو كليا، وإنه من وسائل التدعيم للدعوة وأهدافها وليس مقصودا بذاته.

ففي القرآن آيات عديدة تدل على عقيدة العرب في الملائكة ووجودهم وأنهم موضع أمل ورجاء ومصدر برّ ورحمة. وقد ذكر القرآن أن العرب يعتقدون أنهم بنات الله وذوو حظوة لديه وأنهم اتخذوهم آلهة وشفعاء ليقربوهم إليه زلفى وقد قرر كذلك أنهم كرام بررة متصلون بالله ومختصون بخدماته لا يعصونه في ما يأمر ويقدسونه ويسبحون بحمده على الدوام. وهكذا يبدو أن ما قرره القرآن عن عقائد العرب فيهم متصل بما قرره عن صفاتهم وأعمالهم وصلتهم بالله مع سوء فهم العرب وباطل تأويلهم لهذه الصلة مما كان سبب الحملة عليهم والتنديد بهم في القرآن ولقد حكى القرآن تحدي العرب النبي باستنزال الملائكة ليؤيدوه في دعوته ما دام يقول إنها بوحي الله وهذا التحدي متصل بعقيدتهم فيهم وبتقرير القرآن عنهم كما هو واضح. كذلك في القرآن آيات عديدة تدل على عقيدة العرب في الجن ووجودهم وأنهم مبعث خوف ومصدر أذى وشر، وأنهم كانوا يعوذون بهم ويشركونهم مع الله في العبادة خوفا منهم وتزلفا إليهم وأنهم يختلطون في عقول الناس، وقد قرر القرآن في صددهم أنهم ذوو أعمال خارقة ومصدر غواية وخبث، وأن إبليس وجنوده والشياطين الذين ذكروا مرادفين لإبليس وجنوده أحيانا كثيرة هم منهم، وأنهم يوسوسون في صدور الناس، ويسترقون السمع من السماء ويلقون بأكاذيبهم إلى الأفاكين الكاذبين. وهكذا يبدو أن ما قرره القرآن عن عقائد العرب فيهم متصل بما قرره عن صفاتهم وأحوالهم كذلك «1» . وفي كتب التفسير بيانات كثيرة في صدد الملائكة والجنّ وإبليس وماهياتهم وأعمالهم جاءت في سياق ما ورد عنهم في القرآن سواء فيما له صلة بعقائد العرب أم بأعمالهم وأخبارهم وأقوالهم مسهبة حينا ومقتضبة حينا آخر ومعزوة إلى علماء ورواة معينين حينا وبدون تعيين حينا آخر. ومهما يكن من أمر هذه البيانات فإن من

_ (1) في كتاب «عصر النبي وبيئته قبل البعثة» . بحثان مستفيضان عن عقائد العرب وتقريرات القرآن عن الملائكة والجن.

المستبعد أن تكون موضوعة كلّها بعد الإسلام، ونرجح أنها احتوت أشياء مما كان يدور في بيئة النبي عليه السلام حولهم، وأنها مما يمكن أن يستأنس به بأن العرب كانوا يتداولون عنهم أمورا كثيرة بقطع النظر عن صوابها وخطأها وزيادتها ونقصها، ومن الممكن أن يكون منها ما أتاهم عن الكتابيين لأن أسفار التوراة والإنجيل تحتوي أشياء كثيرة عنهم، كما أن من الممكن أن تكون أو يكون منها ما هو قديم لأن عقيدة وجود مخلوقات خفية طيبة وخبيثة من العقائد البشرية القديمة العامة التي تكاد توجد في جميع الأمم على اختلاف درجتها في الحضارة. ومن المتبادر أن ما ورد عن الجن والشياطين وإبليس من صور قرآنية بغيضة ومن حملات على الكفار في سياقها متصل بما في أذهان العرب عنهم، وبسبيل تقرير كون الانحراف عن الحق والمكابرة فيه والاستغراق في الإثم والخبائث والانصراف عن دعوة الله هو من تلقيناتهم ودسائسهم ومظهرا من مظاهر الانحراف نحوهم وبسبيل التحذير من الاندماغ بهم لما في ذلك من مهانة ومسبّة. ومن هنا يأتي الكلام قويا ملزما ولا ذعا على ما هو ملموس في مختلف الآيات القرآنية، ويقوم البرهان على أن ذلك هو من الوسائل التدعيمية لأهداف القرآن وأسس الدعوة النبوية. ولعلّ الحكمة الربانية في ما أوحى الله به من استماع نفر من الجنّ مرتين للنبي مرة في سورة الجن تلهم أن المستمعين يقولون بولد وصاحبة لله سبحانه- وهذا متصل من ناحية بعقائد العرب المشركين ومن ناحية بعقائد النصارى- ومرة في سورة الأحقاف تلهم أن المستمعين يؤمنون بكتاب موسى ومهتدون بكتاب هداه تنطوي من جهة ما على قصد التدعيم للرسالة النبوية بالإخبار بإيمان بعض طوائف الجنّ ممن يدين بديانات مختلفة منزلة وغير نازلة بالرسالة المحمدية ولهم ما لهم في أذهان العرب من صور هائلة. ومن المتبادر كذلك أن ما ورد عن الملائكة من خضوعهم لله وعدم استكبارهم واستنكارهم واستنكافهم عن عبادته، واستغراقهم في تنفيذ أوامره

ومعرفتهم حدودهم منه، وعدم عصيان أمر له، وعدم إمكان شفاعتهم إلا بإذنه ورضائه، وما يكون من أمرهم في تلقي الكفار بالعنف والشدة وتلقي المؤمنين بالتطمين والبشرى في الآخرة، وما كان من أمرهم من المسارعة إلى السجود لآدم تنفيذا لأوامر الله بينما تمرد إبليس عن ذلك متصل هو الآخر بذلك القصد في بيان واقع الملائكة الذين لهم في أذهان العرب تلك الصور العظيمة الفخمة، وإن الكلام من هذه الناحية يأتي هو الآخر ملزما ومرهبا للكفار، ومطمئنا ومثبتا للمسلمين، ويقوم البرهان على أن ذلك هو من الوسائل التدعيمية لأهداف القرآن وأسس الدعوة النبوية. ولعل المتمعن في الآيات التي جاء فيها ذكر الملائكة والجن وإبليس والشياطين وأعمالهم وتنوعها من جهة وما هنالك من آيات وجمل قرآنية عديدة فيها تقريرات حاسمة عن إحاطة الله بكل شيء في كل آن، وشمول قدرته لكل شيء، واستغنائه عن كل عون في تصريف ملكوت السماوات والأرض يلهم الناظر في القرآن أيضا أن تلك الآيات مع اتصالها بما في أذهان السامعين من صور قد جاءت بسبيل التقريب والتمثيل للناس الذين اعتادوا أن يروا الوسائل والوسائط في متنوع الأعمال ووجوه الحياة، ويعتبروها مظهرا من مظاهر العظمة والإحاطة ولا يدركوا المجردات إدراكا صحيحا. فمن هذه الشروح يبدو واضحا كما هو المتبادر أن ما ورد عن الملائكة والجن ليس غريبا عن السامعين وإنه إنما استهدف كما قلنا التدعيم للدعوة النبوية وأهداف التنزيل القرآني أولا وليس هو مقصودا بذاته ثانيا، وإنه قائم على حكمة التدعيم بما هو معروف متداول ثالثا، وإن في ذلك تدليلا على أهمية ملاحظة ذلك في سياق النظر في القرآن تدبرا وفهما وتفسيرا، لأن من شأنها أن تحول دون استغراق الناظر فيه في الماهيات والكيفيات لذاتها من مثل خلقة الملائكة والجن وكيفية اتصالهم بالله والناس وقيامتهم بأدوارهم على اعتبار أن هذه الماهيات والكيفيات غير مقصودة لذاتها أولا ولا طائل من وراء التنقيب والاستغراق فيها لأنها ليس مما يدخل في نطاق الأسس والأهداف ثانيا كما أنها ليس مما يدخل

- 7 - مشاهدات الكون ونواميسه:

في نطاق المشهودات والملموسات المادية ثالثا ولا سبيل إلى فهمها بالإدراك البشري العادي رابعا، وليست هي إلا حقائق إيمانية غيبية خامسا، ولأن من شأنها كذلك أن تغني الناظر في القرآن عن التكلف والتجوز والتخمين والتوفيق في صدد ما يقوم في سبيل الماهيات والحقائق والكيفيات لذاتها، وأن تجعله يقف منها عند حدّ ما وقفه القرآن، ويبقى القرآن في نطاق قدسيته من الإرشاد والموعظة والهدى ولا يخرج به إلى ساحة البحث التي من طبيعتها الأخذ والرد والنقاش والجدال والجرح والتعديل إلخ. - 7- مشاهدات الكون ونواميسه: سابعا: إن ما ورد في القرآن من مشاهد الكون ونواميسه قد استهدف لفت نظر السامعين إلى عظمة الله وسعة ملكوته وبديع صنعه وإتقانه بقصد تأييد هدف رئيسي من أهداف الدعوة وهو وجوب وجود الله واتصافه بأكمل الصفات وتنزهه عن الشوائب، واستغنائه عن الولد والشريك والنصير والمساعد ووحدته وانفراده في الربوبية واستحقاقه وحده للخضوع والعبادة والاتجاه والدعاء، ومطلق تصرفه وشمول علمه وإحاطته بكل شيء دق أو عظم، وحكمته السامية في خلق الكون على أسس النواميس التي شاءت قدرته أن تقوم عليها ثم بقصد بثّ هيبة الله في قلوب السامعين وحفزهم على الاستجابة إلى دعوة نبيه والانصياع لأوامره ونواهيه، والتزام حدوده، وبتعبير إجمالي آخر قد استهدف العظة والإرشاد والتنبيه والتلقين والتدعيم والتأييد دون أن ينطوي على قصد تقرير ماهيات الكون وأطوار الخلق والتكوين ونواميس الوجود من الناحية العلمية والفنية. وحكمة هذا واضحة، فالقرآن خاطب الناس جميعا على تفاوت مداركهم وأذهانهم، وقصد الموعظة والإرشاد والتنبيه والهدى هو القدر المشترك بينهم من جهة وهو الأصل في القرآن والمتسق مع طبيعته ومداه من جهة أخرى، بحيث يمتد لكل دور ومكان وتجاه أعلم العلماء وأبسط البسطاء، كما أن شواهده قائمة

في آيات القرآن وفصوله وأسلوبه أيضا سواء أكان ذلك في كيفية التعبير والسياق أم في تنوعهما مما هو منبثّ في مختلف السور وخاصة المكية منها لأن هذه هي التي أنزلت في ظروف الدعوة التي تقتضيها. ولعل في تعبير الأوتاد عن الجبال، والسقف المبني عن السماء، والمصابيح المضيئة التي زينت بها السماء عن النجوم وجريان الشمس ومنازل القمر، والسراج الوهاج للأولى، والمصباح المنير للثاني، وفي ذكر إنزال الماء من السماء، وتسيير السحاب وتصريف الرياح، وإرسال الرعد والبرق والصواعق، وإنبات مختلف الزروع والأشجار، وتسخير الدواب والأنعام، وتيسير البحار والأنهار والفلك، وجعل الأرض بساطا، وتصويرها مركزا للكون والإنسان، قطبا للأرض، حيث سخر له كل ما في السماوات والأرض، وأسبغت عليه نعم الله ظاهرة وباطنة، وسوّاه الله بيده ونفخ فيه من روحه اتساقا واضحا مفهوما مع مشاهد ومدركات مختلف فئات الناس الذين يوجه إليهم الكلام، وبالتالي لعل في ذلك دلالات على ما استهدف من هذه التعابير القرآنية مما ذكرناه آنفا وعلى أنها تنص في نطاق وصف المتشابهات التي يراد بها التقريب والتمثيل. وفي القرآن تشبيهات وأمثلة وتذكيرات متنوعة المضامين والسياق فيها ذلك الاتساق وهذه الدلالات واضحة جلية إذا ما أنعم النظر فيها. وإنه ليصح أن يقال بالإضافة إلى ما تقدم وبناء عليه إن المضامين القرآنية في هذه المواضيع متسقة مع ما في أذهان سامعي القرآن عن مظاهر الكون ومشاهده ونواميسه، وتجلي عظمة الله وقدرته فيها. وهذه النقطة متصلة بالمبدأ العام الذي ما فتئنا نقرره من أن القرآن خاطب الناس بما يتسق مع ما في أذهانهم إجمالا من صور ومعارف لما يكون من قوة أثر الخطاب فيهم بمثل هذا الأسلوب. وملاحظة ذلك جوهرية جدا لأنها تجعل الناظر في القرآن يقف من الفصول الواردة في هذا الباب فيه عند الحدّ الذي استهدفته والذي أشرنا إليه، وتحول بينه وبين التكلف والتجوز والتخمين والتزيد ومحاولة استخراج النظريات العلمية

8 - الحياة الأخروية في القرآن:

والفنية في حقائق الكون ونواميسه وأطواره منها والتمحل والتوفيق والتطبيق مما يخرج بالقرآن عن نطاق قدسيته من الوعظ والإرشاد ولفت النظر وبث الهيبة والاستشعار بعظمة الله والتزام حدوده إلى مجال البحث وتعريضه لطبيعة هذا المجال من الجدل والنقاش والتعارض والأخذ والرد على غير طائل ولا ضرورة ولا اتساق مع هدف القرآن وطبيعته. وبالإضافة إلى هذا الذي يتسق مع الهدف والمضمون والمدى القرآني فيما هو المتبادر فإن لملاحظة ذلك فائدة عظيمة لذاتها، حيث تجعل المسلم غير مقيد بنظريات كونية معينة يوهم أنها مستندة إلى القرآن ومستخرجة منه- مع ما في هذا دائما من تمحل- وتبقيه حرا طليقا في ساحات العلوم والفنون ونظرياتها وتطوراتها وتطبيقاتها فلا يختلط عليه الأمر ولا يصطدم في السير، ويكون كل ما يجب عليه أن يظل من ذلك أن يظل في حدود الأسس والأهداف والمبادئ والمثل العليا وفي نطاق أركان الإيمان العامة التي قررها القرآن، وحيث يظل قصد القرآن ومداه ومفهومه سليما في جميع الأدوار، يخاطب بآياته وفصوله مختلف الفئات في مختلف الأزمنة فيثير فيهم الإجلال والهيبة والإذعان سواء كانوا علماء أو بسطاء. وهو قصد القرآن الجوهري من دون ريب. 8- الحياة الأخروية في القرآن: ثامنا: إن ما ورد في القرآن عن الحياة الأخروية وأعلامها ومشاهدها وصورها وأهوالها وعذابها ونعيمها وهو ما ينطبق عليه وصف المتشابهات التي يراد بها التقريب والتمثيل قد ورد بأسلوب منسجم مع مفهومات السامعين ومألوفاتهم، ومتناول إدراكهم وحسهم، وخاصة العرب الذين كانوا أول المخاطبين به، وإنه ورد بالأسلوب الذي ورد به على سبيل التقريب، واستهدف فيما استهدفه إثارة الخوف والرهبة في نفوس الضالين حتى يرعووا ويستقيموا، وبث الاغتباط والطمأنينة في نفوس المؤمنين الصالحين حتى يثبتوا في الطريق القويم الذي اهتدوا إليه.

وحكمة هذا واضحة هي الأخرى، فالقصد القرآني في أصله هو دعوة الناس إلى الله وطريق الحق والخير والهدى، وتحذيرهم من الضلال والانحراف والإثم، وإنذارهم وتبشيرهم بالحياة الأخرى التي يوفى فيها كل منهم بما فعل من خير أو شرّ بما يستحقه. وهذا الأسلوب وسيلة من وسائل تأييد القصد وتدعيمه، لأن ما يراد إثارته في نفوس الناس لا يتم إلا إذا جاء بالأوصاف التي يستطيعون أن يحسوها ويدركوا مداها إحساسا وإدراكا متصلين بتجاربه ومشاهداته ومألوفاته بطبيعة الحال. فإذا ذكر في سياق مشاهد يوم الحساب ما فيه من صور مجالس القضاء والخصوم والشهود والاتهام والمحاورات الدفاعية والكتب والوثائق المدونة ففي ذلك صور دنيوية مألوفة للسامع يستطيع إدراك مداها والتأثر بها. وإذا ذكر أن الجبال تتفتت وتصبح كالهباء والعهن المنفوش، والأرض تحمل وتدك، والسماء تنفطر وتتشقق، والكواكب تنثر وتتكدر وتنطفىء، والبحار تتفجر، والعشار تتعطل، والوحوش تحشر والولدان يصيرون شيبا، ففي ذلك صور هول لا يمكن للسامع إلا أن يتأثر بها ويدرك مداها، ولا سيما تبدل مشاهد الكون الماثلة عظمتها في الذهن وإذا ذكر في أوصاف النعيم ما ذكر من جنات فيها أنهار جارية وسرر موضوعة، وفرش مرفوعة، ومجالس شراب أنيقة، وظلال وارفة وقطوف دانية، وولدان مخلدون كاللؤلؤ المكنون يطوفون بالأباريق الفضية البراقة الشفافة، والكؤوس الممزوجة بالكافور والزنجبيل، وفواكه كثيرة مما تختاره النفوس، ولحوم طير متنوعة مما تشتهيه، وصحاف الذهب والفضة يتناول فيها أصحاب النعيم طعامهم، وثياب الحرير والإستبرق والسندس يلبسونها، وحلى اللؤلؤ والأساور الذهبية والفضية يتزينون بها وحور عين كالبيض المكنون يستمتعون بها إلخ، فلا يمكن إلا أن يتأثر بها السامعون ويفهموا مداها وتتوق إليها نفوسهم لأنها منتهى ما تصبو إليه النفوس والعرب خاصة من نعيم وهناء وحبور يعرفون صورها في الدنيا معرفة مشاهدة أو استمتاع أو سماع. وإذا ذكر في أوصاف العذاب ما ذكر من نار حامية شديدة شررها كقطع الحطب الضخمة ولهبها كالجبال، لا ماء فيها

إلا الحار الشديد الحرارة (الحميم) ولا ظل فيها إلا ظل المساكن التي لا تحجب حرارة ويكون الظل فيها كوهج النار، ولا هواء فيها إلا الريح السموم، ولا شراب فيها إلا الغسلين والغساق، ولا طعام فيها إلا الزقوم والضريع، فإن السامعين والعرب خاصة لا يمكن إلا أن يتأثروا بها ويفهموا مداها لأنها منتهى ما تهلع له قلوبهم وتتكره منه نفوسهم من عذاب وبلاء متصل وصفها بالمشاهد والمعاني الدنيوية المألوفة أو المتصورة لديهم. وإذا كان هناك شيء من الاستثناء مثل أنهار الخمر والعسل واللبن ووصف عرض الجنات بعرض السماوات والأرض فالأسلوب قوي الدلالة على أنه قد جاء في معرض التفخيم والتشبيه مما هو مألوف في كلام السامعين والعرب خاصة وأساليب لغاتهم وخطابهم. وقد اختصصنا السامع العربي بالذكر لأن كثيرا من الأوصاف والألفاظ مما يحمل الدلالة على الحياة العربية والبيئة العربية بنوع خاص، بل وربما على الحياة والبيئة في الحجاز بنوع أخص. وهذا في ذاته قرينة قوية قائمة على ما نقرره. ولعل في تنوع الأوصاف والصور والمشاهد القرآنية عن الآخرة وأهوالها ونعيمها وعذابها قرينة أو دليلا على صواب ما نقرره، فالجبال مثلا في جملة قرآنية تسير سير السحاب، وفي أخرى تنسف نسفا، وفي أخرى كثيب مهيل، وفي أخرى كالعهن المنفوش، وفي أخرى كالهباء المنثور، والسماء في جملة قرآنية تفتّح أبوابا وفي أخرى تتشقق، وفي أخرى تكسف، والنجوم في جملة تنتثر وفي أخرى تنطمس، والشمس في جملة تتكور، وفي أخرى تجمع مع القمر، وبينما السماء تتبدل نواميسها ومشاهدها مستقلة عن الأرض في جملة، والأرض تدك في جملة وتحمل الأرض والسماء فتدك دكة واحدة في جملة أخرى، وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات غير السماوات في جملة أخرى كذلك، إلخ، والكافرون في جملة يدافعون عن أنفسهم في جملة، ويوردون متنوع الأعذار في جملة، ويجري أنواع الحوار بين بعضهم أو بينهم وبين الملائكة أو بينهم وبين الله في جمل بينما لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ولا يتساءلون في جمل أخرى، وفي

جملة ينفخ في الصور وفي أخرى ينقر في الناقور، وفي جملة ليس للكافرين طعام إلا من ضريع وفي أخرى إن شجرة الزقوم طعام الأثيم، وفي أخرى ليس لهم طعام إلا من غسلين، وفي جملة يحشرون وقد كشف عنهم غطاؤهم وأصبح بصرهم حديدا وفي أخرى يحشرون عميا ويسألون الله عن ذلك مع أنهم كانوا في الدنيا مبصرين إلخ. هذا بالإضافة إلى تنوع أوصاف النعيم حيث تأتي في بعض الفصول بسيطة متسقة مع الحياة العادية الدنيوية كما في سورة الغاشية بينما تأتي في أخرى في غاية الأناقة والفخامة مع اتصالها بمعاني ومشاهد الدنيا كما في سورتي الإنسان والواقعة مثلا، وهذا عدا التنوع في الجزئيات حيث تكون الصحاف والأساور في جمل من فضة بينما تكون في أخرى من ذهب، وحيث يذكر في جملة الحلي الذهبية، وفي أخرى الحلي الفضية، وفي أخرى الحلي اللؤلوية، وحيث تشبه الحور العين في جملة بالياقوت والمرجان بينما تشبه في أخرى بالبيض المكنون أي اللؤلؤ إلخ. ومع تقريره (أن الإيمان باليوم الآخر وحسابه ونعيمه وعذابه واجب وأنه ركن من أركان العقيدة الإسلامية، وأن حكمة الله في ذلك قائمة في قصد توفية الناس أعمالهم إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا، وفي تقرير أن الله لم يخلق الكون عبثا) . فإن ملاحظة ما قدمناه جوهرية مثل سابقاتها لأن من شأنها أن تجعل الناظر في القرآن يتجنب الاستغراق في الجدل حول مشاهد الحياة الأخروية وصورها، والتورط والتكلف والتزيد في صدد ما يقوم في سبيل الماهيات والحقائق لذاتها، ويذكر أن هدف القرآن في ما جاء من التعابير والأوصاف هو العظة والتنبيه وإيقاظ الضمائر ليرعوي الضّالّ عن ضلاله ويثبت المهتدي في طريقه بأسلوب يتسق مع متناول إحساس المخاطبين وتجاربهم ومشاهداتهم ومداركهم ومألوفاتهم ويثير فيهم الرهبة من العاقبة، ويتذكر أن ماهية هذه الحياة وحقيقتها مغيبتان لا يستطاع فهم شيء عنهما إلا بالأوصاف الدنيوية، وأن حكمة الله اقتضت وصفهما بهذه الأوصاف على سبيل التقريب والتشبيه. وإذا كانت الحياة الأخروية ومشاهدها وأوصافها وصورها المتنوعة قد شغلت حيزا كبيرا في القرآن حتى لا تكاد سورة من سوره تخلو من ذكرها أو

- 9 - ذات الله في القرآن:

الإشارة إليها بشكل ما فإن مرد ذلك- على كونه من خصوصيات القرآن- إلى أن هذه الحياة من أقوى الدعائم الإنذارية والتبشيرية القرآنية لأهداف القرآن وأسس دعوته وأشدها تأثيرا وإثارة لأنها تمثل عالم ما بعد الموت الذي لا يكاد يخلو إنسان في أي دور من استشعار الرهبة منه من جهة، ومن العقائد الإيمانية الإسلامية من جهة، ولأنها كانت من المواضيع الرئيسية أو بالأحرى أهم موضوع دار حوله الجدل بشدة واستمرار بين النبي ومشركي العرب مما له صلة بظروف الدعوة النبوية من جهة. - 9- ذات الله في القرآن: تاسعا: إن ما ورد في القرآن مما يتصل بذات الله السامية من تعابير اليد والقبضة واليمين والشمال والوجه والاستواء والنزول والمجيء وفوق وتحت وأمام وطي وقبض ونفخ، إنما جاء بالأسلوب والتعابير والتسميات التي جاءت به من قبيل التقريب لأذهان السامعين الذين اعتادوا أن يفهموا منها معاني القوة والإحاطة والشمول والحضور والحركة الدائمة والصفات التي لا تتم هذه المعاني إلا بها. ولقد ورد في القرآن عبارات لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: 11] ولا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الأنعام: 103] ووَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ [البقرة: 255] يصح أن تكون ضوابط حاسمة في صدد الذات الإلهية، وتنطوي على قرينة على صحة ما ذكرناه آنفا في مدى تلك التعابير. ولعل هذه الضوابط تشمل كل ما ورد في صدد الذات السامية من أسماء وأفعال وصفات أخرى قد توهم مماثلة لأسماء وصفات وأفعال البشر أيضا، حيث يصح أن يقال إن ورودها في القرآن إنما جاء كذلك على سبيل التقريب والتشبيه. فالله سميع ولكن ليس كمثل سمعه شيء، وبصير وليس كمثل بصره شيء، ومتكلم وليس كمثل تكلمه شيء، وهو حي وعليم ومريد وقوي وحكيم وصبور وقابض وباسط وليس كمثل حياته وعلمه وإرادته وقوته وحكمته وصبره وقبضه وبسطه شيء.

- 10 - تسلسل الفصول القرآنية وسياقها:

والمتمعن في الآيات القرآنية التي وردت فيها تلك التعابير وهذه الأسماء والصفات مضمونا أو أسلوبا وسياقا يجدها قد استهدفت من جهة تقرير معاني القوة والإحاطة والشمول والقدرة والوجود الدائم الشامل، ومن جهة أخرى تقرير أحسن الأسماء والصفات الدالة على أكمل الحالات وأتمّ المعاني اللائقة بالذات الإلهية بما تتسع له لغة البشر التي نزل القرآن بها. ولعل التنوع الموجود في التعابير القرآنية مما يقوم قرينة قوية على صحة ما نقرره. وملاحظة هذا مهمة جدا من شأنها أن تحول دون استغراق الناظر في القرآن في التكلف والتجوز والتخمين والماهيات من جهة، ودون تورطه في الجدل الكلامي على غير طائل ولا ضرورة من جهة أخرى، وتجعله يقف من هذه التعابير والأسماء والصفات عند الحد الذي وقف عنده القرآن، ويفهم منها الأهداف التي استهدف تقريرها بها دون تزيد ولا تكلّف ولا تمحّل. على أن الناظر في أساليب القرآن المتنوعة يجدها في هذا الصدد كما هو الشأن في ما يتصل بمشاهد الكون والآخرة وأخبار الأمم السابقة وأنبيائهم والجن والملائكة أسلوب الحكيم الذي لا يدخل في نقاش وجدل وتقريرات كلامية، ويتسق مع طبائع الأشياء من حيث إنه يخاطب أناسا متفاوتين متنوعين في أذهانهم وظروفهم، المهم والجوهري من أمرهم دعوتهم إلى الخير وإصلاحهم وتوجيههم إلى أحسن الوجهات، وتقريب الأمور والمعاني إلى عقولهم بأساليب سائغة منسجمة مع مداركهم، وإعطاء كل موضوع في كل موضع ما يتحمله لتدعيم هذه الدعوة وتأييدها وجعلها مؤثرة نافذة، وفي ذلك من دون ريب تعليم للطريقة الفضلى التي يجب الأخذ بها إزاء التعابير والأساليب القرآنية. - 10- تسلسل الفصول القرآنية وسياقها: عاشرا: إن أكثر الفصول والمجموعات في السور القرآنية متصلة السياق ترتيبا أو موضوعا أو سبكا أو نزولا، وإن فهم مداها ومعانيها وظروفها الزمنية

والموضوعية وخصوصياتها وعمومياتها وتلقينها وتوجيهها وأحكامها فهما صحيحا لا يتيسر إلا بملاحظة تسلسل السياق والتناسب، وإن في أخذ القرآن آية آية أو عبارة عبارة أو كلمة كلمة بترا لوحدة السياق في كثير من المواقف والمواضيع، وهو مؤدّ إلى التشويش على صحة التفهم والتدبر والإحاطة أو على حقيقة ومدى الهدف القرآني. ولتمثيل ذلك وإيضاحه نذكر آية الصافات (96) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ فهذه الآية كثيرا ما تورد في معرض الحجاج والبرهنة في بعض المذاهب الكلامية على أن القرآن ينصّ على أن الله قد خلق أعمال الناس، وبطلان القول الذي يقوله بعض المذاهب الكلامية الأخرى أن الإنسان خالق أفعال نفسه ومسؤول عن تبعتها. فبقطع النظر عن هذا الموضوع الكلامي الخلاقي فإن الذين يوردون الآية في معرض الحجاج والبرهان قلّما يلحظون أنها ليست تقريرا ربانيا مباشرا في صدد خلق الناس وخلق أعمالهم، وبالتالي في صدد الموضوع الكلامي، وإنما هي جزء من سلسلة تتضمن حكاية قول إبراهيم لقومه في سياق التنديد بهم، لأنهم يعبدون ما ينحتون من الأصنام مع أن الله كما خلقهم خلق المادة التي يعملونها أي ينحتونها أصناما ليعبدوها، وهي السلسلة [83- 113] من السورة. فالآية هي جزء من حكاية أقوال إبراهيم، ولو لوحظ السياق جميعه لما كان هناك محل لاقتطاع هذه الآية وحدها من السلسلة وتلقيها كتقرير رباني مباشر بخلق أعمال الناس، كما أن من الواضح مع ملاحظة جزئية الآية من السلسلة أنها لا تصح أن تورد في معرض البرهان الذي تورد فيه، هذا بقطع النظر عما ورد في السلسلة نفسها من نسبة العبادة والنحت والإلقاء وإرادة الكيد إلخ إلى قوم إبراهيم وتقرير صدور هذه الأعمال عنهم.. ونذكر جملة وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً في آية التوبة [36] فكثير من المفسرين يفسرونها منفردة ويصفونها بأنها آية السيف ويقولون إنها نسخت كل ما جاء في القرآن من عدم قتال غير المعتدين والمقاتلين من المشركين، وبذلك ينسفون آيات محكمة في هذا الصدد، مع أن في الآية فقرة أخرى مرتبطة أشد

الارتباط بها ومحتوية للتعليل الرائع المعقول المتسق مع طبيعة الأمور للأمر الذي تضمنته بقتال المشركين كافة وهي كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة: 36] فلو لوحظ ذلك ولم تجزأ الآية لما كان محل لذلك التفسير والوصف والقول حيث يبدو واضحا أنها في معرض حثّ المسلمين على قتال المشركين المحاربين مجتمعين وإلبا واحدا كما يقاتلونهم كذلك ولزال الإشكال الذي ينشأ عن هذا التفسير ويؤدي إلى نسخ أحكام وآيات محكمة متسقة مع مبادئ القرآن ومثله السامية، ومع طبائع الأمور ووقائع السيرة النبوية المؤيدة بالآيات من جهة والأحاديث من جهة أخرى وتعني حصر القتال في الأعداء المقاتلين أو المعتدين ودون المشركين والكفار المعاهدين الموفين بعهدهم والمحايدين والمسالمين والعاجزين والنساء والأطفال مما يقتضي قتالهم جميعا وفاق ذلك التفسير. ونذكر آية المجادلة الثالثة كمثل ثالث، وهي التي جاء فيها وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فكثير من المفسرين ينظرون إلى هذه الآية مستقلة عن سابقتها ويحارون في تأويل جملة ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا حتى قال غير واحد منهم إن الجملة من مشكلات القرآن، واضطروا إلى اعتبار «لما» بمعنى «عن ما» وقالوا إن الجملة تعني «ثم يرجعون عن ما قالوا عنه ويرغبون في معاشرة أزواجهم» أو إلى تأويلات أخرى، هذا مع أن هذه الآية متصلة كل الاتصال بسابقتها التي جاء فيها الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ [المجادلة: 2] . فلو لوحظ ذلك لما كان هناك محل لهذه الحيرة والإشكال والتأويل. فالآية الأولى نددت بالمظاهرين والظهار وعدته عملا منكرا ثم انتهت بمقطع وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ فكأنما تقدمت باستنكار الظهار من حيث المبدأ وتقرر أن الله يعفو ويغفر للمظاهرين قبل نزول هذا الاستنكار وبالتالي قبل نزول الآيتين على اعتبار أنه لم يكن مستنكرا ومنهيا عنه ثم أعقبتها الثانية لتقرر الحكم الإسلامي فالذين يعودون إلى ما نهوا عنه واستنكر أي الظهار بعد ذلك

الاستنكار والوصف تجب عليهم الكفارة قبل معاشرة أزواجهم لأنهم يكونون قد أتوا بعمل عده القرآن منكرا وزورا. وطبيعي أن الحكم الإسلامي صار حكما ملزما لكل مظاهر وأن العفو عن المظاهر ظل خاصا بمن ظاهر قبل نزول الآية الأولى وهي حالة خصوصية الزمن لا تتكرر. ولقد احتوت السورة نفسها نفس الحروف في الآية [8] التي جاء فيها أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ [المجادلة: 8] حيث يأتي المعنى فيها واضحا بأن العودة هي لما نهي عنه وأن الوعيد هو للعائدين إلى التناجي بعد النهي عنه، ولا فرق بين الجملتين كما هو ظاهر. وهناك أمثلة كثيرة أخرى بالنسبة لآيات واردة في السور الطويلة والمتوسطة مما نبهنا عليه في سياق التفسير. فبينما تكون المجموعة أو الفصل القرآني مفهوما سائغا يبدو عليه الانسجام والترابط التامان سبكا وموضوعا إذا قرىء ونظر فيه ككل اضطرب على الناظر في القرآن فهمه وقامت في ذهنه بلبلة أو مشكلة أو حيرة في مداه ومدلوله إذا أخذه آية آية أو عبارة عبارة. ومما يجدر التنبيه عليه في هذا المقام أن هناك روايات كثيرة تورد كأسباب لنزول آيات منفردة أو جزء من آية في حين أن سياق الآية ومفهومها لا يتفقان مع الرواية كسبب للنزول، ويلهمان أن الآية منسجمة الأجزاء، وأنها متصلة اتصالا وثيقا بما قبلها أو بعدها في السياق، وكل ما يمكن فرضه في أمر الرواية في حالة صحتها أن تكون الآية أوردت على سبيل الاستشهاد على حادث ما وقع بعد نزولها، أو يكون الحادث قد وقع قبل نزولها بمدة ما فجاءت الإشارة إليه في السياق العام الذي أتت فيه الآية على سبيل التشريع أو التذكير أو التنديد أو التنبيه أو العظة إلخ، فالتبس الأمر على الراوي وظنّ أن الحادث هو سبب النزول. فقد روي مثلا عن ابن مسعود قوله: لما أمرنا بالصدقة كنّا نتحامل فجاء أبو عقيل بنصف صاع وجاء إنسان بأكثر منه فقال المنافقون إن الله لغني عن صدقة ذلك

وإن ما فعله الآخر ليس إلا رياء فنزلت الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ التوبة: [79] . فهذه الرواية توهم أن الآية نزلت منفردة بسب هذا الحادث مع أنها متصلة بسياق عام سابق ولا حق بها أشد الاتصال، وأن في السياق قرائن تدلّ على أن الفصل الطويل الذي تقع فيه هذه الآية [38- 99] قد نزل كلّه أو جلّه في أثناء غزوة تبوك وظروفها وسببها. وهناك رواية أخرى في البخاري عن ابن مسعود أن رجلين من قريش وختنا لهما من ثقيف كانوا في بيت فقال بعضهم لبعض أترون أن الله يسمع حديثنا قال بعضهم يسمع بعضه وقال بعضهم لئن كان يسمع بعضه لقد يسمعه كلّه فنزلت الآية وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ.. فصلت: [22] . مع أن الآية متصلة بسياق يحكي فيه محاورة في الآخرة بين الكفار وبين أعضاء أبدانهم التي تشهد عليهم أشد الاتصال وليس هناك تطابق ما بين مفهوم الرواية وعبارة الآية. والفصول الأولى من سورة النساء من مواريث وأنكحة مترابطة ومنسجمة، والآية الأولى في السورة بمثابة براعة استهلال لما تضمنته من هذه الفصول، وروح آيات الفصول يلهم أنها وحدة تشريعية، في حين أن هناك روايات تكاد تجعل لكل آية مناسبة نزول مستقلة وتوهم أنها نزلت منفردة بسببها. ويقال هذا في فصول سورة الحجرات أيضا. وأمثال ذلك كثير جدا نبهنا عليها في سياق التفسير. فملاحظة السياق والتناسب والترابط بين الفصول والمجموعات القرآنية ضرورية ومفيدة جدا في فهم مدى القرآن ومواضيعه وأهدافه من جهة وفي لمس ناحية من نواحي الروعة والإعجاز والإتقان فيه، لأنهما يظهران الناظر في القرآن الجزء الأول من التفسير الحديث 13

على ما هو عليه من ترتيب وانسجام وترابط نظما وموضوعا من جهة ثانية، وعلى نقاط الضعف في روايات كثيرة وردت في سياق الآيات القرآنية وخاصة في مكية بعض الآيات في السور المدنية ومدنية بعض الآيات في السور المكية من جهة ثالثة، وتزيلان ما هو عالق في الذهن خطأ من أن الفصول القرآنية فوضى لا ترتيب ولا انسجام بينها من جهة رابعة. ومن فوائد هذه الملاحظة المهمة إزالة وهم التعارض والتناقض في نصوص القرآن وتقريراته المتكررة بأساليب متنوعة حسب المواقف والمناسبات وخاصة في القصص والمواعظ والإنذار والتبشير والمشاهد الكونية والأخروية، وبنوع أخص في عبارات وجمل الهداية والضلال والكفر والإيمان وتزيين الأعمال والطبع على القلب وتسليط الشياطين والإغواء ومسؤولية الإنسان عن عمله وحكمة الله في عدم خلق الناس أمة واحدة إلخ، ففي تدبر سياق كل مناسبة وكل جملة قرآنية من هذا القبيل يمكن أن يلمح الناظر في القرآن حكمة ورود كل منها بالأسلوب الذي وردت به والمناسبة التي جاء فيها والمعنى الذي أريد منها والهدف الذي استهدفه، وكل هذا قد يكون متنوعا بتنوع المواقف والأساليب والمضامين والسياق، فيطمئن بسلامة المعنى وحكمة النصّ الوارد في السياق الذي ورد فيه، ويزول وهم التعارض والتناقض وما يؤدي إليه من الحيرة أحيانا، ويحمل عليه من التكلف والتجوز والتخريج والجدل على غير ضرورة ولا طائل وعلى غير اتساق مع الهدف القرآني ونطاقه. فأنت مثلا إذا أخذت جملة يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ في آية فاطر [8] وجملة كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ في آية المدثر [31] وقعت في حيرة لأن هناك آيات كثيرة جاء في بعضها وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ الكهف: [29] وفي بعضها قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها.. يونس: [108] . ولكنك إذا قرأت سياق آيتي فاطر والمدثر كوحدة [3- 10 فاطر] و [1- 31

المدثر] ظهر لك المعنى سائغا مفهوما، وبدا لك أنهما استهدفتا فيما استهدفتاه التنديد بالكافرين والضالين والحملة عليهم من جهة والتنويه بالمؤمنين الصالحين وتطمينهم وتبشيرهم من جهة وتسلية النبي فيما ألم به من حزن وحسرة على مكابرة الكافرين وعنادهم من جهة، بل ظهر لك أن تلك المعاني التي تقررها آيات الكهف ويونس منطوية في نفس سياق جملتي سورتي فاطر والمدثر حيث احتوى سياق آية فاطر يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (6) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [5- 8] وحيث احتوى سياق آية المدثر إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (36) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37) كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) . ويطرد هذا في أمثال كثيرة مثل آية البقرة [16] مع سياقها وآية النحل [93] مع سياقها وآية القصص [56] مع سياقها وآيتي يونس [99- 100] مع سياقها إلخ مما عليه في التفسير عند مناسباته. وأنت إذا أخذت مثلا جملة إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً في سورة الكهف الآية [58] لحدتها وجدت نفسك أمام مشكلة محيرة لأنها توهم أن الله قد صرف الكفار عن فهم القرآن والتأثر به وحتم عليهم عدم الإجابة والاهتداء، ولكنك إذا تدبرت سياق الآية جميعه [الآيات 45- 59] بل أول الآية التي وردت فيها ظهر لك قصد وصف مكابرة الكفار وعنادهم والتسرية عن النبي إزاء هذه المكابرة والعناد. ويطرد هذا كذلك في أمثال كثيرة كآيات هود: [118] والرعد: [31] والبقرة: [7] ويس: [9] وسياقها. ونقول استطرادا إن هذه الأمثلة قد كانت موضوع أخذ ورد وجدل في كتب التفسير بسبب صلتها بالموضوع الخلافي الكلامي في صدد فعل الإنسان وكسبه

وإرادته، حيث ذهب فريق إلى ما يفيد أن الإنسان مجبور على أفعاله وأنها محتمة عليه في الأزل لا معدى له عنها ولا اختيار له فيها من كفر وإيمان وفساد وصلاح وشرّ وخير، وأن العقاب والثواب ينالان الناس بمحض مشيئة الله وفضله، ولا صلة ولا أثر لأعمالهم فيها في حقيقة الأمر، وحيث ذهب فريق آخر إلى ما يفيد أن الإنسان خالق أفعال نفسه فيؤمن ويكفر ويفسق ويصلح بإرادته واختياره، وأن الله لا يصح عليه إرادة الكفر والفسق من العبد ولا تقديرها عليه، بل ولا يصح أن يكون مريدا للقبيح وأنه يجب عليه الأصلح لعباده، وأن الإنسان يعاقب ويثاب على أفعاله حقا وعدلا، وحيث توسط فريق فذهب إلى ما يفيد أن الله هو خالق أفعال عباده من كفر وإيمان وعصيان وطاعة ومنكرات وصالحات، وكل بإرادته ومشيئته وقضائه وتقديره في حدود عموم تأثير صفاته الأزلية، وأن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء بمعنى خلقه الضلال والهدى، وأنه لا يجب عليه الأصلح، وقرروا مع ذلك للإنسان فعلا اختياريا يثاب عليه إذا كان طاعة وصلاحا ويعاقب عليه إذا كان معصية وفسادا، وقالوا إن معنى أن الله أراد من الكافر كفره ومن الفاسق فسقه ومن المؤمن إيمانه ومن الطائع طاعته إنه أرادها باختيار الناس وكسبهم، وتشاد الجميع حول هذه المواضيع كل يؤيد رأيه ويرد على رأي الآخرين بأساليب جدلية من جهة وعبارات قرآنية من جهة أخرى مقتطعة من آيات أو سياق دون تدبر في بقية الآية أو السياق، ويؤول ما هناك من نصوص تناقض رأيه في ظاهرها ولا تتسق معه على ما هو مبسوط في كتب المتكلمين المسلمين على اختلاف مذاهبهم. والموضوع في أصله أي كون الإنسان مخيرا أو مسيرا عويص وموضوع جدلي عام لا ينحصر التشاد حوله في المذاهب الإسلامية الكلامية وله جبهات متنوعة ولا يدخل التبسط فيه في موضوع هذا الكتاب، غير أن المقام يتحمل بعض القول بسبب ما احتواه القرآن من آيات كثيرة جدا اتخذها علماء المذاهب الكلامية الإسلامية مستندا لمذاهبهم المختلفة في هذا الموضوع. ومع أن من المسلم به أن النصوص القرآنية هي سند رئيسي في العقائد والشرائع والأحكام الإسلامية فالذي نعتقده أن الناظر في الآيات القرآنية إذا أخذ المجموعة القرآنية وحدة ولم يغفل

سياقها وظروف نزولها وهدفها، ولم يقتطع منها الجمل وينظر فيها على حدة كما يفعل أصحاب المذاهب الكلامية في تشادهم ومجادلاتهم فيما بينهم- وهذا هو موضوع هذا المبحث في الأصل- يستطيع أن يتبين أهداف القرآن في العبارات الواردة تبينا يزول معه من نفسه ما قد يقوم من وهم التعارض والتناقض في آياته، والقرآن بريء من التعارض والتناقض بنص صريح فيه جاء في آية النساء: [82] أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ويجد حلا لما يبدو من إشكال وتعليلا سائغا لما يوهم ظاهره من معان متعارضة فيه، ويظهر له أن كثيرا مما دار ويدور من جدل ونقاش وحجاج وخلاف لا تتحمله عبارات القرآن ولا تقتضيه، وليس من ورائه طائل ولا ضرورة. وإن هذه العبارات ليست في صدد هذه التقريرات الكلامية، وفي الأمثلة التي أوردناها دلائل كافية، وهي مطردة في سائر فصول القرآن ومجموعاته التي وردت أمثالها فيها، ثم يجد- وهذا مهم جدا- أن النصوص والأهداف القرآنية تجري في مدى هداية الناس ودعوتهم إلى الخير وإصلاحهم وتوجيههم إلى أفضل الوجهات وأنفعها، والتنويه بالمستجيبين المهتدين الصالحين المتقين المحسنين وتبشيرهم وتطمينهم والتحذير من الفساد والإثم والفاحشة وإنكار الله ووحدته وكمال صفاته والتنديد بالضالين الآثمين المكابرين المنافقين الظالمين وإنذارهم، ولا تجري في أي حال في مجرى التقريرات الكلامية التي يدور حولها الخلاف والجدل المذهبي، وهذا هو أسلوب الحكيم الذي يعلمنا إياه القرآن في جميع الأمور، المتسق مع طبائع الأشياء وحقائقها ونعني كون القرآن يخاطب بشرا تعورف على أنهم ذوو قابليات وكسب واختيار، وأن لهم أثرا فيما يصدر عنهم من أعمال وأقوال ومواقف وفقا لما تمليه عليهم عقولهم وميولهم ومداركهم وتقديراتهم ومنافعهم وظروفهم الخاصة والعامة، وأنهم متفاوتون في كل هذا وأنهم ذوو تمييز للخير والشر والحسن والقبيح في نطاق تلك العقول والميول والمدارك والتقديرات والمنافع والظروف والقابليات المتفاوتة، وأن المهم في الأمر هو دعوتهم إلى الهدى والخير وإخراجهم من الظلمات إلى النور وإنقاذهم من الضلال وإثارة نفوسهم وإيقاظ

- 11 - فهم القرآن من القرآن:

ضمائرهم، وتبشير المستجيبين وإنذار المكابرين وإرشاد الضالين الجاهلين منهم، وإن من الممكن أن تؤثر فيهم الدعوة فيستجيبوا تسليما وإذعانا وإدراكا أو خوفا وطمعا ورغبة ورهبة وإن الانحراف عن هذا النطاق والمدى إلى الجدل في ما وراء ذلك تكلف وتجوز وبعد عن مقاصد القرآن وأهدافه، ومؤدّ إلى البلبلة والحيرة والتشويش على هذه المقاصد والأهداف وعلى الراغبين في تفهم القرآن والناظرين فيه. - 11- فهم القرآن من القرآن: حادي عشر: إن الأوثق والأوكد والوسيلة الفضلى لفهم مدى القرآن ودلالاته وتلقيناته بل وظروف نزوله ومناسباته تفسير بعض القرآن ببعض، وعطف بعضه على بعض، وربط بعضه ببعض كلما كان ذلك ممكنا لغة أو مدلولا أو حادثا أو مناسبة أو سبكا أو حكما أو موقفا أو تقريرا، وسواء ذلك ما يدخل في نطاق الأسس والأهداف أو الوسائل والتدعيمات. وإمكانيات ذلك قائمة على نطاق واسع في مختلف فصول القرآن المكية والمدنية. فإن القرآن يكاد يكون سلسلة تامة يتصل بعضها ببعض أوثق اتصال في ما يمثل من أدوار السيرة النبوية في عهديها كما أن من شأن عباراته وجمله وأحكامه ومشاهده وقصصه ومواعظه وحججه أن يفسر بعضها بعضا وأن يدعم بعضها بعضا. وفائدة هذه الملاحظة عظيمة كما يتضح عند التدبر، حيث يمكن أن تغني الناظر في القرآن عن الفروض والتكلف والتخمين، وتحول بينه وبين التورط في موهمات التعارض والإشكالات اللغوية وغير اللغوية، وكثيرا ما تساق على تمييز القوي من الضعيف والصحيح من الباطل من الأقوال والروايات الواردة في تفسير كثير من الآيات أو في مناسبات نزولها وأسبابها. وهذا باب واسع الشمول والمدى. ولنضرب مثلا لذلك آية وردت في سورة الأنعام جاء فيها إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (159) .

فقد قال غير واحد من المفسرين وعلماء المذاهب أقوالا يستفاد منها أن الآية قد احتوت إخبارا غيبيا بما نجم بعد النبي من خلافات ومنازعات وفرق وشيع وبدع إلخ، في حين أنه جاء في سورة الروم جملة مثلها مسبوقة بجملة فيها صراحة بأنها تعني المشركين كما ترى مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) . فلو لو حظت هاتان الآيتان وربط بينهما وبين آية الأنعام لما كان محلّ لتلك الأقوال التي تبدو فيها رائحة ما نجم من تلك الخلافات والمنازعات والفرق والشيع والبدع بعد وفاة النبي بسنين قليلة، بل لوحظ سياق آية الأنعام على ما نبهنا عليه في المبحث السابق وخاصة الآيتين: 155- 156 لظهر أنه احتوى تنديدا بالمشركين ومواقفهم من الدعوة والقرآن ولبدا الاتساق واضحا بين آيات السورتين القرآنيتين ولما كان محل لتلك الأقوال أيضا، ومن الأمثلة التي تساق في صدد المبحث الحالي ما روي عن ابن عباس في الآية وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا الكهف: [50] . وهو قوله إن الجن طائفة من الملائكة وإن التسمية من الاختفاء الذي يشمل الملائكة كما يشمل الجن، هذا في حين أن الآية جمعت بين الملائكة والجنّ على اعتبارهما خلقين مستقلين، وإن هناك آيات قرآنية عديدة حكت قول إبليس إنه مخلوق من النار وأخرى قررت أن الجن قد خلقوا من النار، فملاحظة هذا الاشتراك تظهر عدم صحة الرواية لأن هذا ليس مما يمكن أن يخفى عن ابن عباس الذي يوصف بما يوصف به من سعة العلم وقوة الذكاء والإحاطة بالقرآن، وتساعد على القول الحاسم في جنّية إبليس في النصوص القرآنية. ويمكن أن تساق الآيات التي نصّت على أن الله يهدي من يشاء ويضلّ من

يشاء، ولا نريد أن نكرر ما قلناه قبل قليل في هذا الأمر. ولكنا نريد أن ننبه على أن في القرآن آيات من هذا الباب فيها إيضاح من شأنه أن يضع الأمر في نصاب الحق بالنسبة لإطلاق العبارة في آيات أخرى. ففي سورة البقرة: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ (26) . وفي سورة الرعد: قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (27) . وفي سورة إبراهيم: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (27) . فهذه الآيات حينما تلاحظ أثناء تلاوة وتفسير الآيات التي جاءت عبارتها مطلقة وتفسر بها يزول كل ما يدور حول هذا الموضوع الكلامي من أسباب الحجاج والنقاش ويبدو قصد تقرير كون هدى الله إنما يكون لمن استنار قلبه وحسنت نيته ورغب في الإنابة إلى الله، وكون الضلال إنما يكون للظالمين والفاسقين وأردياء النية والخلق، وكون الهدى والضلال منوطين بحسن نوايا الناس وسوئها والرغبة في الإنابة إلى الله والمكابرة فيها، ويسوق الناظر إلى التماس سبب مجيء العبارة مطلقة في الآيات التي جاءت فيها مطلقة في أسلوبها وسياقها على ما ذكرناه قبل. ويمكن أن تساق آية الشورى هذه كمثل آخر: ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23) . فإن بعض المفسرين وخاصة مفسري الشيعة فسروا الآية على أنها تفيد إيجاب محبة أقارب النبي الأدنين والبرّ بهم وطاعتهم، في حين أن هناك آيات قرآنية عديدة «1» أمرت النبي بالقول إنه لا يسألهم أجرا دون أي استثناء. فملاحظة ذلك تجعل الناظر في القرآن يحمل ما جاء في آية الشورى من استثناء على محمل آخر يبعد عن القرآن وهم التعارض، وينزه الله ونبيه عن تقاضي الأجر على هداية

_ (1) آيات يوسف: [104] ، والمؤمنون: [77] ، والفرقان: [57] ، وسبأ: [47] ، وص: [86] ، والقلم: [46] .

الناس وإيجابه بالنسبة لذريته أو أقاربه الأدنين، ولا يتورط في تأويل يؤيد الاستثناء والأجر اللذين يثيران حيرة وإشكالا. هذا بقطع النظر عن ما في ذلك التفسير من تمحل وتجوز لا يتحملهما مضمون الآية، وعن ما هنالك من رواية مأثورة عن ابن عباس في صددها تجعلها متسقة كل الاتساق مع النصوص القرآنية الأخرى وتفيد أن قصد الآية تقرير كون حرص النبي على هداية قومه لا يمكن أن يتهم لأنه لا يطلب عليها أجرا وكون مردّ هذا الحرص هو ما بين النبي وقريش من أوشاج القربى حيث لم يكن بطن من بطون قريش إلا وبينه وبين النبي قرابة. وهناك تأويل آخر جاء في تفسير ابن كثير المشهور وهو أن الآية بمعنى أني لا أريد منكم شيئا إلا أن تحترموا قرابتي لكم وتوادوني من أجلها وتكفوا عن الأذى والصدّ والتعطيل وهو تأويل وجيه ومتسق مع روح القرآن واللغة. وننبه على أننا هنا في صدد فهم نصوص القرآن ولسنا في صدد نفي واجب المسلمين في برّ ومودة الصالحين الأتقياء الذين ليست نسبتهم إلى بضعة الرسول محلّ شكّ وريب من أجل هذه النسبة الشريفة الكريمة. ومن فوائده ملاحظة ما هو موضوع هذا البحث أنها تساعد على معرفة الناسخ والمنسوخ وصور التطورات المتنوعة في سير الدعوة النبوية والسيرة النبوية والتشريع القرآني. فآيات النساء: [15- 16] مثلّا تشير إلى جريمة الزنا وتعين نصاب شهود ثبوتها ولكنها لا تعين حدا وتكتفي بالأمر بإمساك النساء في البيوت وأذية الزناة بعبارة مطلقة في حين أن آية سورة النور الثانية تعين حدا للزانين والزانيات مئة جلدة. فملاحظة آيات النساء والنور معا في النظر والتفسير تساعد على معرفة كون آيات النساء قد نزلت قبل آيات النور وأن آيات النور هي المحكمة في جريمة الزنا دون آيات النساء، وأن في نزول آيات النور بعد آيات النساء تطورا في التشريع القرآني. وفي آية النساء [25] جملة تنصّ على أن حد الإماء المحصنات (المتزوجات) إذا زنين هو نصف حدّ الحرائر المحصنات وهي هذه فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ فملاحظة آية النور في تفسير هذه الجملة تساعد على معرفة أن هذه الجملة نزلت

- 12 -

بعد آيات النور، بعكس الآيات السابقة حيث نزلت آيات النساء قبل آيات النور، وإنها وضعت في محلّها للتناسب الموجود في سلسلة أحكام الأنكحة والأسرة والمواريث الواردة في سورة النساء وتساعد كذلك على معرفة صورة من صور التأليف القرآني، كذلك إذا قرأنا آيتي سورة المنافقون هاتين هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (8) . ثم قرأنا آيتي التوبة هاتين وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57) . استطعنا أن نتبين من ملاحظة آيات السورتين أن المنافقين في المدينة كانوا في أوائل العهد المدني معتدّين بقوتهم ومالهم ومركزهم بينما صاروا في أواخر هذا العهد إلى حالة الخوف والضعف وأن نلمس صورة تطورية من صور السيرة النبوية، وأن نحكم على تهافت الرواية التي ذكرت أن معسكر المنافقين عند الاستعداد لغزوة تبوك كان يعادل في سعته وعدده معسكر المؤمنين المخلصين. والأمثلة في هذا الباب كثيرة جدا ومنبثّة في السور والفصول القرآنية مكيها ومدنيها نبهنا عليها في التفسير. وهذه الكثرة تظهر فائدة هذه الملاحظة في حسن فهم القرآن وتفسيره كما هو واضح. - 12- ولا أدعي بأن هذه الملاحظات جديدة وغير مسبوقة، ففي «الإتقان» للسيوطي لنفسه ولغيره من العلماء والمؤلفين نبذ عديدة في شروط التفسير وأصوله احتوت غير واحدة من هذه الملاحظات، كما أن كثيرا من العلماء والباحثين والمفسرين نبهوا عليها بأساليب متنوعة، ومنهم من فعل ذلك في مقدمات كتبهم التفسيرية أو في ما كتبوه عن القرآن من كتب خاصة بل ومنهم من سار عليها قليلا

أو كثيرا غير أني لم أر في ما تيسّر لي من الاطلاع عليه من كتب التفسير «1» العديدة القديمة والحديثة أن هذه الملاحظات قد لوحظت جميعها معا في تفسير واحد، وإن صحّ القول إنها لو حظت متفرقة وبسعة أو إيجاز حيث يمكن أن يكون مفسّر لاحظ بعضا وسار عليه وآخر لاحظ بعضا وسار عليه مع أن ملاحظتها جميعا والسير وفقها جوهري جدا فيما أعتقد لفهم القرآن فهما صحيحا وخدمته خدمة فضلى، هذا مع اعترافي بالتقصير إزاء ما أحرزه الذين بحثوا في القرآن وعلومه وألفوا فيه وفسروه قديما وحديثا من علم واطلاع وتمكن وممارسة طويلة وتفرغ أطول وخاصة في علوم الصرف والنحو والبلاغة واللغة وأصول الفقه والحديث والرواية والخلافات المذهبية والكلامية ومع اعترافي بالمجهود الذي بذله كل منهم في خدمة القرآن وتفسيره وما لكثير من كتب التفسير من خصوصيات مفيدة إما من حيث الإسهاب والإيجاز أو من حيث اللغة والبلاغة، والقواعد النحوية والصرفية، أو من حيث التنويه بالمعاني والقضايا وتفريعاتها، أو من حيث الأحكام واستنباطها، أو من حيث إبراز ما في القرآن من إشراق وبعد مدى وقوة تلقين وتوجيه، أو من حيث روايات المناسبات وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ، أو من حيث التعليق على ما فيه من قصص وإيضاحها، أو من حيث شرح المذاهب الكلامية والفقهية وجدلياتها.

_ (1) من كتب التفسير التي اطلعت قراءة أو تصفحا على جميع أو بعض أجزائها التفسير المعزو إلى ابن عباس رواية أبي صالح وباب التفسير في البخاري وتفاسير الطبري والنسفي وأبي السعود والطوسي والخازن والرازي والزمخشري والطبرسي والبيضاوي والجوهري وفريد وجدي ورشيد رضا والألوسي وأبي حيان وابن كثير والبغوي والقرطبي والمراغي والعادلي.

الفصل الرابع نظريات وتعليقات على كتب المفسرين ومناهجهم

الفصل الرابع نظريات وتعليقات على كتب المفسرين ومناهجهم تمهيد ومع ما ذكرناه في صدد كتب المفسرين فإن الناظر في كثير منها يلحظ ثغرات عديدة تنقص من قيمة تلك الفوائد التي احتوتها والجهود التي بذلت فيها قليلا أو كثيرا، وتجعلها غير شافية للنفس شفاء تاما. - 1- روايات أسباب النزول: فأولا: إن هناك روايات كثيرة في أسباب النزول ومناسباته وقد حشرت في كثير من كتب التفسير التي كتبت في مختلف الأدوار لا تثبت على النقد والتمحيص طويلا، سواء بسبب ما فيها من تعدد وتناقض ومغايرة أو من عدم الاتساق مع روح الآيات التي وردت فيها وسياقها بل ونصوصها أحيانا، ومع آيات أخرى متصلة بموضوعها أو موضحة لها أو عاطفة عليها، حتى أن الناقد البصير ليرى في كثير من هذه الروايات أثر ما كان من القرون الإسلامية الثلاثة الأولى من خلافات سياسية ومذهبية وعنصرية وفقهية وكلامية قوي البروز، وحتى ليقع في نفسه أن كثيرا منها منحول أو مدسوس أو محرف عن سوء نية وقصد تشويش وتشويه ودعاية ونكاية وحجاج وتشهير، أو قصد تأييد رأي على رأي، وشيعة على شيعة. والمتبادر أنه لما كان عهد التدوين الذي راجت فيه الرواية تلقف المدونون من الأفواه الغثّ والسمين والصحيح والفاسد والمعقول وغير المعقول والملفق

والمنحول والمحرف فدونوه وتناقلوه، وجعله المفسرون القديمون من عمد تفسيرهم، بل كان وظلّ الركن الأقوى والأوسع في التفسير، فكان هذا التساهل من جانب المدونين أولا والمفسرين المتقدمين ثانيا باعثا على تسلسل الدور وانتقال الروايات من عهد إلى عهد من دون تحفظ أو تمحيص إلا قليلا حتى صارت كأنها قضايا مسلّمة أو نصوص نقلية يجب الوقوف عندها والتقيد بها أو التوفيق بينها إلخ، وأدى هذا إلى الوقوع في أخطاء وتشويشات ومفارقات كثيرة، سواء كان في صدد السيرة النبوية وأحداثها أو ظروف ما قبل البعثة، أو المفهومات والدلالات والأحكام القرآنية. ولقد كان هذا في أحيان كثيرة مستندا من مستندات أعداء العرب والإسلام المتعقبين للثغرات فيهم، فتمسكوا بكثير من الروايات الواردة في التفسير مع ما هي عليه من وهن وتهافت فأساؤوا فهم القرآن وخلطوا فيه عن عمد أو غير عمد، شأنهم في ذلك شأنهم في التمسك بكثير من الروايات الواردة عن السيرة النبوية والبيئة النبوية وظروفها وما بعدها من أحداث الحركة الإسلامية وظروفها وتاريخها. والأمثلة على ذلك كثيرة جدا، وقد نبهنا عليها في سياق التفسير، وإليك بعضها على سبيل التمثيل والإيضاح: (1) فقد نقل الخازن «1» في تفسير أوائل سورة التوبة عن محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما أن النبي عليه السلام أمّر أبا بكر على الحج في أول حجّ بعد فتح مكة وبعث معه أربعين آية من سورة براءة ليقرأها على أهل الموسم، ثم بعث بعده عليا ليقرأ على الناس صدر براءة ويؤذن بمكة ومنى أن قد برئت ذمة الله وذمة رسوله من كل مشرك، وأن لا يطوف بالبيت عريان، وأن أبا بكر رجع فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي أنزل في شأني شيء قال لا ولكن لا ينبغي أن يبلغ هذا

_ (1) إن إشارتنا إلى كتب تفسير بعينها في هذا الفصل وغيره لا تعني أن عدا هذه الكتب خال من الثغرات التي ننبه عليها ونمثل لها. فإن أكثر ما اطلعنا عليه من هذه الكتب ينطوي على واحدة أو أكثر من هذه الثغرات، وبعضها ينقل عن بعض حرفيا وبعضها يعزو إلى بعض والقليل منها تعليق على ما يورده أو ينقله أو يعزوه وكثير منها يورد فيها بدون تعليق كأنما يتبناه أو ليس له اعتراض وتعليق عليه.

إلا رجل من أهلي. هذا بينما ورد في البخاري حديث عن أبي هريرة أن أبا بكر بعثه في الحجة التي أمّره رسول الله عليها في رهط يؤذن في الناس يوم النحر أن لا يحج بعد العام مشرك ويطوف بالبيت عريان. وفي الحديث الثاني تعارض مع الأول كما هو ظاهر، ولقد كان الحديث الأول موضع تأويل متقابل من الشيعة والسنة، فالأولون احتجوا به لصواب مذهبهم لأنه مؤيد لحق علي في القيام مقام النبي بعده، وكون ما تمّ هو مخالف لتلقين النبي، والآخرون قالوا مقابل ذلك إنما بعث النبي عليا في هذه الرسالة حتى يصلي خلف أبي بكر ويراه الناس أنه تحت إمرته ويكون في ذلك تنبيه على إمامة أبي بكر بعد رسول الله، وأن الأمير على الناس كان أبا بكر ولم يكن عليا وأن في هذا تقديما له عليه، ولم يكلف من هؤلاء وأولئك نفسه عناء البحث في متن الرواية، فإنّ ما احتواه حديث بعث النبي مع أبي بكر أربعين آية من صدر سورة براءة يجعل الحديث موضع نظر وتوقف لأن هذا العدد من صدر السورة احتوى مواضيع متنوعة ومنها ما نزل في شؤون أخرى، ومنها ما هو متصل بسلسلة طويلة من بعده، بل ومنها ما نزل قبل الفتح المكي على ما ذكرته من روايات أخرى يؤيدها أو يقوم قرينة عليها نصوص بعض هذه الآيات، هذا فضلا عن رائحة التشاد الحزبي بين الشيعة والسنة القوية في الحديثين وما يمكن أن تعنيه من وضعهما لتأييد كل رأيه وتجريح رأي خصمه هجوما ودفاعا! (2) وقد روى السدّي عن الزبير على ما جاء في «كشاف» الزمخشري أنه قال إن آية وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: 25] ، نزلت فينا، وأنه كان يساير النبي يوما فأقبل عليه فضحك له الزبير فقال رسول الله كيف حبك لعلي فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي إني أحبّه كحبي لولدي أو أشدّ قال فكيف أنت إذا سرت إليه تقاتله. هذا في حين أن الآية شديدة الانسجام مع سابقاتها ولا حقاتها، وأن السياق في صدد تثبيت المسلمين وتذكيرهم وتحذيرهم وعظتهم على أثر التشاد الذي كان بينهم حول غنائم بدر وفي سبيل توطيد طاعة للنبي في نفوسهم، وفي حين أنه لا يبدو قط أي اتساق وصلة بين الرواية والآية

معنى أو موضوعا أو مدى، فضلا عما يلفت النظر فيها من أثر الفتنة التي نجمت مذ مقتل عثمان ومن عدم احتمال صدورها عن الزبير لأن فيها إدانة له. ومن هذا الباب روايات كثيرة في أسباب نزول آيات كثيرة تضمنت صرف الآيات إلى بعض الصحابة وتشم فيها رائحة الخلاف السني الشيعي ولا تتسق في حال مع الآيات وظروف نزولها وسياقها، فقد روى بعض الشيعة رواية بأن آية وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) [الزمر: 33] قد نزلت بحق علي، وروى بعض السنيين رواية بأنها نزلت في حق أبي بكر، والسياق يدل على أنها مع ما سبقها ولحق بها عامة متصلة بظروف الدعوة في العهد المكي الذي لم يكن علي في أوائله إلا صبيا، ومن ذلك ما رواه بعض السنيين من أن آية يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: 64] ، قد نزلت عند إسلام عمر، ومن أن جملة وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: 159] ، نزلت في إيجاب مشاورة أبي بكر وعمر، مع أن آية الأنفال مدنية ومتصلة بظروف الجهاد في العهد المدني وجزء من سياق منسجم، وأن جملة آية آل عمران من آية يدل مضمونها نفسه على أنها متصلة بموقف بعض المسلمين والمنافقين في ظروف وقعة أحد فضلا عن أنها جزء من سياق منسجم في ظروف هذه الوقعة، ومن ذلك ما رواه الشيعيون من أن آية وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ [الصافات: 24] ، قد نزلت في الذين ينكرون حقّ علي في الولاية مع أن السياق عام متصل بظروف الدعوة في العهد المكي، وفيه حكاية عن ما يراه الكافرون والمؤمنون من المشاهد الأخروية ترهيبا وترغيبا. (3) وجاء في البخاري عن أنس أن عمر بن الخطاب قال يا رسول الله يدخل عليك البرّ والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله آية الحجاب، بينما جاء في البخاري عن أنس أيضا أنه لما تزوج رسول الله زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا فلما رأى ذلك قام فلما قام من قام وقعد ثلاثة نفر فجاء النبي ليدخل فإذا القوم جلوس ثم

إنهم قاموا فانطلقت فأخبرت النبي أنهم انطلقوا فجاء حتى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه وأنزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلى آخر آية الأحزاب: [53] ، وهي الآية التي ذكر فيها الحجاب والتي توصف بأنها آية الحجاب والتي نزلت بناء على مراجعة عمر كما جاء في الرواية الأولى، وجاء كذلك في البخاري عن عائشة أن عمر بن الخطاب كان يقول لرسول الله احجب نساءك فلم يفعل وكان أزواج النبي يخرجن ليلا قبل المناصع «1» فخرجت سودة بنت زمعة وكانت امرأة طويلة فرآها عمر وهو في المجلس فقال عرفتك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب قالت فأنزل الله آية الحجاب. وجاء في البخاري أيضا عن عائشة قالت خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها فرآها عمر بن الخطاب فقال أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين قالت فانكفأت راجعة إلى رسول الله في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرق فدخلت فقالت يا رسول الله خرجت لبعض حاجتي فقال عمر كذا وكذا قالت فأوحى الله إليه ثم رفع عنه وأن العرق في يده ما وضعه فقال إنه أذن لكن أن تخرجن. فهذه أربعة أحاديث بخارية حول الحجاب، وثلاثة منها في مناسبة نزول آية الحجاب في سورة الأحزاب، وفيها ما فيها من التغاير في هذه المناسبة وكل هذا في حين أن الحجاب المذكور في الآية يعني الستر على باب البيت كما رواه أنس في أحد أحاديثه السابقة وأمر الناس بأن يطلبوا ما يكون لهم من حاجات من زوجات النبي من ورائه ولا يدخلوا عليهن بسبب ذلك كما أن الآية لم تنزل خاصة في الحجاب حتى تسمى آيته كما يظهر ذلك لمن ينعم النظر فيها. (4) وروى الضحاك عن ابن عباس على ما جاء في الخازن أن آية إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً.. إلخ. [المائدة: 33] ، نزلت في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله عهد وميثاق فنقضوا عهد الله وأفسدوا في الأرض فخير الله رسوله إن يشأ يقتل وإن يشأ يصلب وإن يشأ

_ (1) محلات الغائط. [.....] الجزء الأول من التفسير الحديث 14

- 2 - روايات التفسير:

يقطع الأيدي والأرجل من خلاف بينما روى الكلبي عن ابن عباس أيضا أنها نزلت في قوم هلال بن عويمر وذلك أن النبي وادع هلالا على أن لا يعينه ولا يعين عليه وأن من مرّ بهلال إلى النبي فهو آمن، فمرّ قوم من بني كنانة يريدون الإسلام بقوم هلال فشدوا عليهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم فنزل جبريل بالقضاء فيهم بهذه الآية، وهذا وذاك في حين أن رواية عن سعيد بن جبير تقول إن الآية نزلت في قوم من عرينه وعكل أتوا رسول الله وبايعوه على الإسلام وهم كذبة، فاستوخموا المدينة فبعثهم رسول الله إلى إبل الصدقة فارتدوا وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل. فهذه ثلاث روايات في سبب نزول آية كل منها مخالف للأخرى من حيث القصة وكل منها يفيد أن الآية نزلت مستقلة بسبب حادث معين، واثنتان منها على تخالفها مرويتان عن ابن عباس، مع أن الذي ينعم النظر في سياق الآية يجدها غير منفصلة عن السياق السابق الذي يدور الحديث فيه عن اليهود والتنديد بهم ويربط حاضرهم بماضيهم، ثم يجد في الآية التالية لها ما يدل على أن الذين هم موضوع الكلام ليسوا في متناول يد النبي وأن ما نسب إليهم إنما صدر عنهم في ظرف كفرهم، وأنها أمرت بقبول توبتهم أي إسلامهم إذا تابوا قبل أن يقعوا في متناول يد النبي ويجد السياق التالي لها متصلا بالسياق السابق أيضا [الآيات 32- 37 المائدة] . ولقد روى البخاري حديثا عن أنس بن مالك في قصة عرب عكل وعرينه التي ذكرت في الرواية المعزوة إلى سعيد بن جبير جاء فيه أن النبي سمّر أعينهم كواها بأسياخ النار وقطع أيديهم وأرجلهم وتركهم في ناحية الحرة حتى ماتوا، ولم يرد في هذا الحديث أن الآية نزلت فيهم كما أنها لا تحتوي تسمير العينين ومحال أن يخالف النبي نصّ الآية لو أنها نزلت فيهم. - 2- روايات التفسير: ثانيا: إن هناك أولا تفسيرا كاملا معزوا إلى ابن عباس رواية أبي صالح عن الكلبي احتوى تفسيرات لغوية وكثيرا من أسباب النزول وتأويلات للقصص

والتعابير والمشاهد والأوصاف القرآنية وتعليقات عليها، وثانيا أقوالا كثيرة جدا في كتب التفسير معزوة إلى ابن عباس منها ما ورد في ذلك التفسير ومنها ما لم يرد، واحتوت هي الأخرى تفسيرات لغوية وأسباب نزول وتأويلات للقصص والتعابير والمشاهد والأوصاف القرآنية وتعليقات عليها. وثالثا أقوالا كثيرة جدا كذلك في كتب التفسير معزوة إلى علماء من التابعين وتابعي التابعين أمثال مجاهد والضحاك وقتادة والحسن البصري وعكرمة وسعيد ومسروق ومحمد القرظي وسفيان بن عيينة وعطاء إلخ فيها كذلك تفسيرات لغوية وأسباب نزول وتعليقات وتأويلات بل وهناك روايات عن كتب تفسير معزوّة إلى بعض هؤلاء مثل مجاهد والضحاك وقتادة وسفيان، وقد وصف السيوطي ما ورد عن ابن عباس من روايات تفسيرية بكلمة «لا تحصى» دلالة على كثرته، وذكر أن عدد مثل هذه الروايات المروية عن الصدر الأول قد بلغ بضعة عشر ألفا، والأرجح أن هذا العدد لا يشمل ما يرويه الشيعة بطرقهم وشروطهم الخاصة التي لا يستقيم كثير منها عند السنيين ولا يحتجون بها والتي ربما بلغ عددها نفس العدد أو زاد، وكثير من الأقوال المنسوبة إلى هذا الصدر ومن يليه يصح عليها ما قلناه في الفقرة السابقة من أنه لا يثبت على النقد والتمحيص للأسباب التي ذكرناها هناك، ومن حيث ما يقع في النفس من تلقفها من الأفواه وتدوينها في عهد رواج الرواية فاختلط حابلها بنابلها وغثّها بسمينها وصحيحها بباطلها، وظهر على كثير منها أثر تلك الخلافات السياسية والحزبية والكلامية والمذهبية والعنصرية، ومن حيث ما يقع في النفس من قصد التشويش والتشويه في بعضها وتعمد النحل والتلفيق في بعض آخر منها، وفي بعضها ما هو أدخل في باب الخرافة منه في باب الحقيقة أو الاحتمال كما أن كثيرا منها لا يصح تصديق صدوره عن صحابة وتابعين وتابعي تابعين وخاصة من علمائهم الأجلاء المشهورين في سلامة المنطق والفهم والذكاء والدراية والورع. ويؤيد هذا قول الإمام الشافعي بأنه لم يثبت عن ابن عباس مما عزي إليه من روايات التفسير إلا نحو مئة، بينما المنسوب إليه يبلغ بضعة آلاف، ويؤيده كذلك موقف الإمام الحنبلي من هذه الروايات حيث يسلك روايات التفسير المعزوة إلى

الصحابة والتابعين- وكل ذلك مما يدخل في شمول كتب الحديث- في سلك روايات الملاحم والمغازي من حيث غلبة احتمال تسرب الأخطاء والمبالغات وعدم صحة السند فيقول إنها لا أصل لها. ومع ذلك فقد صارت هي الأخرى من عمد المفسرين القديمين وكتبهم وانتقلت من دور إلى دور حتى استفاضت في كتب التفسير جميعها تقريبا وغدت نصوصا نقلية يوقف عندها ويتقيد بها بل ويحتج بها بسبب مكانة المصدر الذي نسبت إليه بدءا، ولم تحظ إلا بقليل من النقد والتمحيص، بل وإن ما جرح منها ظل ينتقل من دور إلى دور ويستفيض في كتب التفسير، ويورد في سياق الآيات من جملة الأقوال والتأويلات، ومنها ما لا يذكر جرحه، ولقد جرح بعض علماء القرآن والرواية رواية ابن الكلبي بل سمّاه بعضهم بالكذاب، ولكن كثيرا مما رواه أخذه المفسرون القدماء وتنوقل عنهم دورا بعد دور، منهم ما ذكر راويه ومنهم ما لم يذكر، ودخل كذلك في عداد النصوص المروية التي يوقف عندها ويتقيد ويحتج بها، وهذا شأن كثير من الروايات المجروحة أيضا، فأدى ذلك كله إلى أخطاء وتشويشات وتشويهات ومفارقات ومجادلات كثيرة، وكان وسيلة من وسائل غمز الأغيار والباحثين المستشرقين وطعنهم أيضا كما كان ذلك في روايات الأسباب والمناسبات على ما ذكرناه قبل والأمثلة على ذلك كثيرة جدا نورد بعضها فيما يلي للتمثيل والإيضاح: (1) ففي تفسير سورة القلم من تفسير ابن عباس المذكور أن النون هو السمكة التي تحمل الأرضين على ظهرها، وهي في الماء وتحتها الثور وتحت الثور صخرة وتحت الصخرة الثرى ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله- كأن هذا من العلم الذي عرفه البشر- وأن اسم السمكة ليواش ويقال ليوتي واسم الثور يلهموت ويقال يلهوى ويقال ليوتا، وهي في بحر يقال له عصواص وهو كالصور الصغير في البحر العظيم، وهذا البحر في صخرة جوفاء، وفي هذه الصخرة أربعة آلاف خرق يخرج منها الماء. وقد وردت هذه الأقوال بعينها أو مزيدا عليها أو مبدلة بعض الشيء في كتب عديدة من كتب التفسير منها ما عزي إلى ابن عباس عن أبي صالح

عن الكلبي ومنها ما لم يذكر راويه ومصدره. (2) وقد صرفت كلمة (ربك) في هذا التفسير في جملة فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا [المائدة: 24] إلى هارون. (3) ولقد علّق فيه على جملة وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ بأن الله قد صور آدم بين مكة والطائف. (4) وقد صرف فيه المقصود من آيتي الأعراف هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) إلى آدم وحواء. وروى فيه أنهما جعلا لله شركاء في ما أتاهما حيث سمى أحد أولادهما عبد الله والآخر عبد الحارث. وقد ورد هذا القول في الخازن عن ابن عباس بغير ذكر الكلبي بهذا النص: كانت حواء تلد لآدم أولادا فيسميهم عبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن فيصيبهم الموت فأتاهما إبليس فقال إن سرّكما أن يعيش لكما ولد فسمّياه عبد الحرث- يعني نفسه- فولدت ولدا فسمّياه كذلك فعاش! (5) وذكر فيه نسب نمرود هكذا: نمرود بن كنعان بن سنحاريب بن كوش. (6) وعلّق فيه على جملة فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ [الحجر: 19] كل شيء يوزن مثل الذهب والفضة والحديد والصفر والنحاس. (7) وفسّرت فيه كلمتا تَمَنَّى وأُمْنِيَّتِهِ الواردتان في آية الحج وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [52] بمعنى قرأ وقراءته فكان هذا التفسير من أركان الأقوال والروايات التي قيلت ورويت في قصة الغرانيق وكون الشيطان هو الذي أجرى على لسان النبي الجملتين (تلك الغرانيق العلى. وإن شفاعتهن لترتجى) في أثناء تلاوة سورة النجم في صلاة أقامها بالمؤمنين في فناء الكعبة، وكون آيات الحج. هي بسبيل نسخ تلك العبارات

والتنبيه على أنها من إلقاء الشيطان، مما كان مثار أخذ ورد ومغامز ومطاعن في حين أن عبارات آيات الحج [52- 54] وروحها وسياقها لا يتسق مع ذلك التفسير ولا مع تلك الأقوال قط على ما فصلناه في سياق تفسيرها «1» ، فضلا عما هناك من رواية تفيد أن هذه الآيات نزلت على النبي بطريق هجرته إلى المدينة. (8) وقد أولت فيه آيات زواج النبي بمطلقة متبنيه الواردة في سورة الأحزاب تأويلا تنزه رسول الله عنه من عشقه لزينب ومخادعته لزيد كان مثار أخذ وردّ ومغامز ومطاعن أيضا في حين أن عبارة الآيات وظروفها تناقض هذا التأويل. كما فصلناه كذلك في سياق تفسيرها «2» . (9) ومما نقل عن ابن عباس من غير طريق ابن الكلبي وأشرك معه غيره من الصحابة والتابعين ما نقله الخازن عن قصة هاروت وماروت العجيبة والشائقة معا حيث جاء فيها أنهما كانا أعبد الملائكة وأنهما عيرا الله في خلقه البشر على عصيانهم وأن الله قد تحداهما أن يثبتا إذا ركب فيهما طبائع البشر، وأنهما لما انقلبا بشرا زنيا وشربا الخمر وقتلا النفس وسجدا للأصنام وأساءا استعمال اسم الله الأعظم إلخ بتفصيل طويل، مما لا يتسق مع منطق من جهة وفيه ما فيه من موقف نحو الله من جهة أخرى. ولقد صارت هذه القصة وسيلة لجدل كلامي في عصمة الملائكة، واحتج القائلون بعدمها بالقصة كحجة نقلية مروية بألفاظ متقاربة عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وكعب الأحبار والسدي والربيع ومجاهد! (10) ومن ذلك أن لحملة العرش قرونا وأن ما بين أخمص أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام ومن كعبه إلى ركبته مسيرة خمسمائة عام ومن ترقوته إلى موضع القرط منه مسيرة خمسمائة عام. (11) وروى «الكشاف» عن عكرمة في تأويل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ [الفتح: 29] أن هذا مثل ضربه الله لبدء الإسلام

_ (1) اقرأ أيضا كتاب «سيرة الرسول» الجزء الأول ففيه بحث وتمحيص. (2) المصدر نفسه.

وترقيه فأخرج شطأه بأبي بكر وآزره بعمر واستغلظ بعثمان واستوى على سوقه بعلي. وأثر المقالات الخلافية في ترتيب الخلفاء الراشدين ظاهر القول. (12) وروى «الكشاف» معزوا إلى الحسن في صدد خلق الأرض والسماء أن الله خلق الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليها دخان ملتزق بها ثم أصعد الدخان وخلق منها السماوات وأمسك النهر في موضعه وبسط منه الأرض فذلك قوله كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما الأنبياء: [30] . (13) وروى الخازن معزوا إلى عبد الله بن عمر أن الذين يحملون العرش ما بين سوق أحدهم إلى مؤخر عينيه خمسمائة عام. (14) وروى الخازن أيضا معزوا إلى عروة بن الزبير أن من حملة العرش من صورته على صورة الإنسان ومنهم من صورته على صورة النسر ومنهم من صورته على صورة الثور ومنهم من صورته على صورة الأسد. (15) وروى أيضا معزوا إلى نوفل البكالي في وصف السلسلة التي ذكرت في سورة الحاقة ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (32) ، أن كل ذراع سبعون باعا وكل باع أبعد ما بينك وبين مكة وكان هو في رحبة الكوفة. (16) وروت روايات شيعية عن مقاتل عن أبي عبد الله أنه وجد في كتاب علي بن أبي طالب أن آدم لما هبط إلى الأرض كانت رجلاه بثنية الصفا ورأسه دون أفق السماء وأنه شكا لله حرارة الشمس فأوحى إلى جبريل أن أغمزه فغمزه فصير طوله سبعين ذراعا بذراعه ثم غمز حواء غمزة فصير طولها خمسة وثلاثين ذراعا بذراعها. وقد رأينا تعليقا على رواية تقصير آدم وحواء لمؤلف شيعي آخر حاول فيه أن يعلل أذى الشمس بأن حرارتها تكون من غير جهة الانعكاس وتكون قامة آدم طويلة بحيث تتجاوز طبقة الزمهرير! ثم أيد صحة طول آدم واحتمال تأذيه من حرارة الشمس بقصة عوج بن عناق فذكر كيف كان يأخذ السمكة من قاع البحر ويشويها في عين الشمس، ولم يكتف المؤلف بهذا فقد أخذ يورد احتمالات ووجوها من طرائفها أن جبريل غمز آدم فجعله سبعين لا سبعين وغمز حواء

فجعلها خمسين وثلثي الخمس لا خمسة وثلاثين وأن من المحتمل أن يكون الناقل وهم في القراءة. (17) وجاء في تفسير القرطبي معزوا إلى ابن عباس أنه كان يوضع لسليمان ستمائة كرسي ثم يجيء أشراف الإنس فيجلسون مما يليه ثم يأتي أشراف الجن فيجلسون مما يلي الإنس ثم يدعو الطير فتظللهم ثم يدعو الريح فتقلهم وتسير بالغداة الواحدة مسيرة شهر. (18) وجاء فيه معزوا إلى جابر بن عبد الله إلى النبي عليه السلام أنه كان نقش خاتم سليمان بن داود «لا إله إلّا الله محمد رسول الله» . (19) وجاء فيه أيضا معزوا إلى الحسن أن الجياد المذكورة في قصة سليمان في سورة ص إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (31) ، خرجت من البحر لها أجنحة، ومعزوا إلى الضحاك أنها كانت منقوشة ذات أجنحة، ومعزوا إلى علي أن الشيطان أخرجها مجنحة من مروج البحر وكانت عشرين فرسا. (20) وفي الخازن عن البغوي عن الثعلبي عن كعب الأحبار أن موسى نظر في التوراة فقال إني أجد أمة هي خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالكتاب الأول والآخر ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال، ربّ اجعلهم أمتي قال هي أمة محمد يا موسى. قال ربّ إنّي أجد أمة هم الحمادون المحكمون إذا أرادوا أمرا قالوا نفعل إن شاء الله فاجعلهم أمتي قال هي أمة محمد. قال ربّ إني أجد في التوراة أمة يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم- وكان الأولون يحرقون كفاراتهم بالنار- وهم المستجيبون والمستجاب لهم الشافعون والمشفوع لهم فاجعلهم أمتي. قال هي أمة محمد. ويستمر الكلام فيتناول بضع صور أخرى من هذا القبيل. ونقول بهذه المناسبة إن المفسرين كثيرا ما نقلوا عبارات وجملا على أنها واردة في التوراة والإنجيل ومنها ما يشبه بعض آيات وعبارات القرآن، ويعزون ذلك إلى كعب الأحبار أو عبد الله بن سلام أو ابن عباس أو بعض التابعين ومن جملة ذلك ما رواه البيهقي عن ابن عباس أن سورة

الكهف تسمى في التوراة الحائلة وسورة يس المعمة كأنما كل سورة في القرآن لها ما يقابلها أو لها ذكر في التوراة. (21) وجاء في الخازن أن سعيد بن جبير قال عن ألواح موسى إنها من ياقوتة حمراء، وإن الكلبي قال إنها من زبرجدة خضراء، وإن ابن جريج قال إنها من زمرد وإن الله أمر جبريل فجاء بها من جنة عدن وكتبها بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد- أي أخذ الحبر- من نهر النور، وإن الربيع بن أنس قال إن الألواح كانت من زبرجد، وإن وهبا قال: إن الله أمر جبريل فقطعها من صخرة صماء عينها له ثم شقها الله بأصبعه وسمع موسى صريف الأقلام بالكلمات العشر وكان ذلك أول يوم من ذي الحجة، وكان طول الألواح عشرة أذرع على طول موسى واختلفوا في عدد الألواح فروي عن ابن عباس أنها كانت سبعة، وروى عنه رواية أخرى أنها لوحان ورجحه الفراء وقال إنما جمعت على عادة العرب في إطلاق الجمع على الاثنين، وإن وهبا قال إنها عشرة وإن مقاتلا قال إنها تسعة، وإن الربيع بن أنس قال إنها كانت وفر سبعين بعيرا يقرأ الجزء منها في سنة ولم يقرأها إلا أربعة نفر موسى ويوشع وعزير وعيسى. (22) وجاء في الخازن عن الربيع عن أنس أن درجات الجنة سبعون ما بين الدرجتين حضر الفرس المضمر سبعين سنة. (23) وجاء فيه عن ابن مسعود أن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وما بين كل سماء وسماء خمسمائة عام وفضاء كل سماء وأرض خمسمائة عام وما بين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام وما بين الكرسي والماء خمسمائة عام والعرش على الماء والله على العرش. وهناك خبر عن ابن عباس أن المسافة ... فحاول أحد المفسرين التوفيق بين القولين فقال إن الخلاف في قدر المسافة على اختلاف سير الدواب. (24) وجاء فيه معزوا إلى ابن عمر أن السور الذي ذكر في القرآن فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ [الحديد: 13] ، هو سور

- 3 - تعليقات المفسرين على القصص:

بيت المقدس الشرقي باطنه فيه المسجد وظاهره من قبله العذاب وادي جهنم. وهذا قليل جدا من كثير جدا مما ورد من هذا الباب معزوا مثل ما تقدم إلى صحابة وتابعين عن الخلق والتكوين والقصص وتأويل الآيات والأحداث المتصلة بالسيرة النبوية وظروف الدعوة. وهذا غير ما روي من روايات تأويلية وتفسيرية كثيرة جدا في كتب السنة والشيعة معزوة إلى صحابة أو تابعين ممن عرفوا بالعلم والدراية والورع وسلامة المنطق متناقضة من جهة ويبرز فيها أثر الخلافات الحزبية والمذهبية والسياسية بروزا واضحا من جهة أخرى. وفي كل هذا ما هو ظاهر من الإغراب والتخمين بل والتخريف وعدم الاتساق مع مرامي الآيات ومضمونها وظروفها، ودلائل الجهل بحقائق الكتب المنزلة ومحتوياتها وبما هو معروف إذ ذاك من الحقائق العلمية والتاريخية والجغرافية مما يشوش على الراغب في تفهم القرآن ويجعل القرآن عرضة للحجاج والجدل والأخذ والرد، ويشوه أسماء كثير من أصحاب رسول الله وتابعيهم، ويجعل المسلم يقف موقف الحيرة والبلبلة مما نقل عنهم. - 3- تعليقات المفسرين على القصص: ثالثا: إن كثيرا من المفسرين قد ولعوا بالتعليق على ما ورد في القرآن من قصص ولعا كبيرا تجاوزوا فيه حدود الروايات المنسوبة إلى الصحابة والتابعين على علّات كثير من هذه الروايات، وجالوا في ساحات التخمين والتخرص والتكلف والتزيد والمبالغة جولات مسهبة حينا وموجزة حينا آخر، ومنسوبة إلى رواة من غير تلك الطبقة بالأسماء حينا وبدون أسماء حينا وصادرة عنهم أو موهمة أنها كذلك حينا آخر، حتى ليقع في نفس القارئ من فحوى عباراتهم وأساليب إيرادهم أحيانا أنهم يعنون أن القصص القرآنية أو بعضها على الأقل قد وردت في القرآن لذاتها، وبقصد الإخبار والماهيات والحقائق أكثر من قصد العظة والتذكير، وكثير مما أورده لا يتفق مع دلالات الآيات ولا تتحمله أهدافها ولا تقتضيه عباراتها كما فيه

مفارقات كثيرة وما هو أدخل في باب الخرافة منها في باب الحقائق. وإليك بعض الأمثلة من ذلك للتمثيل والإيضاح: (1) فهذه سلسلة مما ورد عن ذي القرنين ويأجوج ومأجوج منقولة عن الخازن وأبي السعود والبيضاوي والكشاف، وأكثرها بتعبير روي وقيل وأحيانا بدون ذلك وقليل منها معزو لقائل معين: 1- إن الله إنما ذكر ذا القرنين لأن حكمته شاءت تخليد اسمه في القرآن على مرّ الدهور لما بلغه من عظمة السلطان وسعة الملك. 2- إن ذا القرنين دخل الظلمة في طلب عين الحياة، وإن الخضر كان من رجال جيشه فوقع على العين فاغتسل وشرب منها. 3- إن عمر ذي القرنين ألف وثلاثون سنة. 4- وقال ابن جريج كان عند العين الحمئة مدينة يقال لها الجاسوس لها اثنا عشر ألف باب وسكانها من نسل ثمود الذين آمنوا بصالح ولولا ضجيج أهلها لسمع الناس وجيب الشمس حين تغيب. 5- إن يأجوج أمة ومأجوج أمة، وكل أمة أربعة آلاف أمة، ولا يموت الرجل منهم حتى يرى من صلبه ألف رجل قد حمل السلاح، وهم ثلاثة أصناف صنف منهم أمثال الأرز شجر بالشام طوله عشرون ومئة ذراع، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومئة ذراع وهؤلاء لا يقوم لهم جبل ولا حديد، وصنف منهم يفترش أحدهم أذنه ويلتحف بالأخرى، ولا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه، ومنهم من طوله شبر. وقال كعب إن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته بالتراب فخلق الله من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم. 6- كان لذي القرنين قرنان فأمر قومه بتقوى الله فضربوه على قرنه الأيمن فمات فأحياه الله ثم بعثه فأمرهم بتقوى الله فضربوه على قرنه الأيسر فمات فأحياه الله.

7- سخر الله لذي القرنين السحاب فحمل عليه، ومدّ له الأسباب وبسط له النور فكان الليل والنهار عليه سواء. وخاطبه قائلا إني باعثك إلى أمم مختلفة ألسنتهم، منهم أمتان بينهما طول الأرض إحداهما عند مغرب الشمس يقال لها ناسك والأخرى عند مطلعها يقال لها منسك، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض إحداهما في القطر الأيمن يقال لها هاويل والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها تاويل، ومنهم أمم في وسط الأرض منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج! فقال بأي قوة أكابدهم وبأي جمع أكاثرهم وبأي لسان أناطقهم، فقال الله إني سأقويك وأبسط لسانك وأشد عضدك فلا يهولنك شيء، وألبسك الهيبة فلا يرو عنك شيء وأسخر لك النور والظلمة وأجعلهما من جنودك. فالنور يهديك من أمامك والظلمة تحوطك من ورائك. 8- إنه الإسكندر الذي ملك الدنيا. وقيل ملكها مؤمنان وهما ذو القرنين وسليمان وكافران وهما نمرود وبختنصر. 9- قيل إنه كان عبدا صالحا ملكه الله الأرض وأعطاه العلم والحكمة وسخر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه. وقيل كان نبيا وقيل كان ملكا من الملائكة. وعن علي أنه ليس بملك ولا نبي ولكنه عبد صالح ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله فمات ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي ذا القرنين، وإن فيكم لمثله. وعلق المفسر قائلا إن عليا أراد نفسه. 10- إن معاوية قرأ جملة عَيْنٍ حَمِئَةٍ [الكهف: 86] «عين حامية» فقرأها ابن عباس «عين حمئة» فقال معاوية لعبد الله بن عمر كيف تقرأها فقال كما يقرأ أمير المؤمنين، ثم إن معاوية وجّه إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب في التوراة قال في ماء وطين فوافق قول ابن عباس. (2) وهذه سلسلة أخرى في سياق قصص موسى وفرعون وبني إسرائيل وسليمان منقولة عن «الكشاف» . وقد وردت في كتب تفسير أخرى مقاربة أو نصا

كما جاءت في «الكشاف» : 1- قيل إن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطا تبرأ سبط منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم وبين إخوانهم ففتح الله لهم نفقا في الأرض فساروا فيه سنة ونصفا حتى خرجوا من وراء الصين، وهم هناك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا. وذكر عن النبي أن جبريل ذهب به ليلة الإسراء نحوهم فكلمهم فقال لهم جبريل هل تعرفون من تكلمون قالوا لا قال هذا محمد النبي الأمي فآمنوا به ثم قالوا يا رسول الله إن موسى أوصانا من أدرك منكم أحمد فليقرئه مني السلام فردّ محمد على موسى السلام، ثم أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة ولم تكن نزلت فريضة غير الصلاة والزكاة وأمرهم أن يقيموا مكانهم، وكانوا يسبتون فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبت. 2- روي أن معسكر سليمان كان مئة فرسخ في مئة. خمسة وعشرون للجن وخمسة وعشرون للإنس. وخمسة وعشرون للطير وخمسة وعشرون للوحش، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة زوجة وسبعمائة سرية، وقد نسج له الجنّ بساطا من ذهب وإبريسم فرسخا في فرسخ، وكان له منبر يوضع في وسطه، وهو من ذهب فيقعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة فيقعد الأنبياء على كراسي الذهب والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الإنس وحول الإنس الجنّ والشياطين، وتظللهم الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليهم الشمس، وترفع الريح البساط فتسير به مسيرة شهر في يوم وأن الله أوحى إليه مرة وهو يسير بين الأرض والسماء أني قد زدت في ملكك فلا يتكلم أحد بشيء إلا ألقته الريح في سمعك، فيحكى أنه مرّ بحراث فقال لقد أوتي آل داود ملكا عظيما فألقته الريح في أذنه فنزل ومشى إلى الحراث وقال: إنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه. وكان من أمره أن سمع كلام النملة من ثلاثة أميال. وقد ذكر بعض المفسرين في سياق هدهد سليمان أنه كان مكلفا بالتنقيب عن مواضع المياه للجيوش اللجبة التي تسير مع سليمان لأن الأرض في عيني الهدهد ككرة من زجاج شفاف يرى ظاهرها وباطنها.

3- كانت عند شعيب عصي الأنبياء، فأمر موسى أن يدخل ويأخذ له عصا، فوقعت يده على عصاه وكان آدم هبط بها من الجنة ولم يزل الأنبياء يتوارثونها، فضنّ بها على موسى وألقاها بين العصي أولا وثانيا وثالثا إلى السابعة وكانت في كل مرة تقع في يده فوقع في نفس شعيب أن له شأنا فأعطاها له. 4- أرسل فرعون خلف بني إسرائيل ألف ألف وخمسمائة ألف ملك، ومع كل ملك ألف، وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت مقدمته سبعمائة ألف كل رجل على حصان وعلى رأسه بيضة. وعن ابن عباس أن فرعون خرج في ألف ألف حصان سوى الإناث، وهذا سبب استقلاله قوم موسى وقوله عنهم إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ.. [الشعراء: 54] ، مع أن عددهم ستمائة ألف وسبعون ألفا. 5- إن بلقيس كانت من الجن، وإن الجن خشوا أن يتزوجها سليمان فيجتمع في ابنه منها فطنة الإنس والجن فدسوا له عنها وشنعوا له سيقانها فامتحنها بالصرح الممرد، ولما ظهر له كذبهم استنكحها وكان يزورها في الشهر مرة. 6- حينما كانت العصا تنقلب ثعبانا في يد موسى كان يبدو أنه ثعبان ذكر أشعر فاغرا فاه بين لحييه ثمانون ذراعا وقد وضع حينما ألقاه بين يدي فرعون لأول مرة لحيه الأسفل في الأرض ولحيه الأعلى على سور القصر ثم توجه نحو فرعون ليأخذه فوثب من سريره وهرب وأحدث ولم يكن أحدث قبل ذلك، وهرب الناس وصاحوا، وحمل على الناس فانهزموا فمات منهم خمسة وعشرون ألفا قتل بعضهم بعضا. 7- كان عدد السحرة سبعين ألفا وقيل ثمانين ألفا وقيل بضعة وثلاثين ألفا. 8- في الجزء الخامس عشر من تفسير القرطبي المعروف ب «جامع أحكام القرآن» اثنتان وثلاثون صحيفة في تفسير الآيات الواردة في سورة ص عن داود محشوة حشوا عجيبا بالقصص عن داود وسليمان والأقوال التي تدور حول هذه القصص، وفيها من الإغراب ما يثير الدهشة. منها ما جاء في صدد توبة داود معزوا

إلى عطاء الخراساني أن داود سجد أربعين يوما حتى نبت المرعى حول وجهه وغمر رأسه فنودي أجائع فتطعم وعار فتكسى فنحب نحبة هاج المرعى من حرّ جوفه فغفر له وستر بها ذنبه فقال يا ربّ هذا ذنبي فيما بيني وبينك قد غفرته فكيف بفلان وكيف بفلان وكذا وكذا رجلا من بني إسرائيل تركت أولادهم أيتاما ونساءهم أرامل، قال يا داود لا يجاوزني يوم القيامة ظلم أمكنه منك ثم أستوهبك منه بثواب الجنة.. ثم قيل يا داود ارفع رأسك فذهب ليرفع رأسه فإذا به قد نشب في الأرض فأتاه جبريل فاقتلعه عن وجه الأرض كما يقتلع من الشجرة صمغها. رواه الوليد بن مسلم عن ابن جابر عن عطاء.. قال الوليد وأخبرني منير بن الزبير قال فلزق مواضع مساجده على الأرض من فروة وجهه ما شاء الله.. وقال وهب إن داود نودي إني قد غفرت لك فلم يرفع رأسه حتى جاءه جبريل فقال لم لا ترفع رأسك وربك قد غفر لك. قال يا ربّ كيف وأنت لا تظلم أحدا فقال الله لجبريل اذهب إلى داود فقل له يذهب إلى قبر أوريا فيتحلل منه فسأسمعه نداءه. فلبس داود المسوح وجلس عند قبر أوريا ونادى يا أوريا فقال لبيك من هذا الذي قطع عليّ لذتي وأيقظني فقال أنا أخوك داود أسألك أن تجعلني في حلّ، فإني عرضتك للقتل قال عرضتني للجنة فأنت في حلّ. وفي الخبر وكان داود يقعد على سبعة أفرشة من الليف محشوة بالرماد فكانت تستنقع دموعه تحت رجليه حتى تنفذ من الأفرشة كلها، وكان إذا جاء يوم نواحه نادى مناديه في الطرق والأسواق والأودية والشعاب وعلى رؤوس الجبال وأفواه الغيران ألا إن هذا يوم نواح داود فمن أراد أن يبكي على ذنبه فليأت داود فيسعده فيهبط الناس من الغيران والأودية وترتج الأصوات حول منبره والوحوش والسباع والطير عكّف وبنو إسرائيل حوله فإذا أخذ في العويل والنواح وأثارت الحرقات منابع دموعه صارت الجماعة ضجة واحدة نوحا وبكاء حتى يموت حول منبره بشر كثير في مثل ذلك اليوم.. وفي هذا الجزء من تفسير القرطبي أربع عشرة صحيفة أخرى محشوة بمثل هذه الأقوال في سياق الآيات الواردة في سورة ص. كذلك عن سليمان تثير الدهشة في إغرابها وتفصيلاتها وخاصة في وصف كرسي سليمان وانتقال موكبه بواسطة الريح

وشياطينه المسخرة والمصفدة والبنائين والغواصين وخاتم سليمان والجسد الذي ألقي على كرسيه ونسائه، منها ما هو معزوّ إلى رواة ومصادر معينة ومنها ما هو مروي بصيغة المجهول مما يطول الأمر بنقله. وهذا الذي نقلناه غيض من فيض وقطرة من بحر مما أورده المفسرون في سياق القصص القرآنية. ولقد كان أمرهم أن استغرقوا فيها حتى صاروا يحاولون التوفيق بين مختلف الروايات الواردة فيها والجدل في ذلك بالإضافة إلى محاولات التوفيق والتلفيق والتأليف بين ما جاء فيها وبين ما يبدو من مناقضة العبارات القرآنية لبعض ما فيها، أو لما يجب من حق الله والأنبياء والملائكة ويضاف إلى هذا محاولتهم أخذ بعض الأحداث القصصية كحجة لأحكام فقهية في الإسلام مثل ما فعلوا في قصة أيوب واستنباط جواز الحيلة في التحلل من اليمين لأن القصة احتوت أمرا لأيوب يضرب زوجته بضغث من حشيش بدلا من جلدها بالسوط مئة مرة كما أقسم، ومثل تجويز أن تكون أجرة الراعي صداقا وعدم تعيين البنت التي آجر موسى نفسه مقابل نكاحها في قصة موسى وشعيب.. وهكذا كاد القرآن يخرج من نطاق قدسيته من الموعظة والدعوة والتذكير إلى نطاق بحوث في التاريخ والوقائع المروية وفي نطاق هذه الروايات العجيبة التي أوردت على هامش القصص القرآنية والتي لا يتفق كثير منها مع ما ورد في القرآن منها، ويتعرض بذلك إلى الأخذ والرد والنفي والإثبات والجدل والتصويب والتخطئة، بل ويدخل محتويات بعض قصصه مثل قصص آدم وإبليس ويوسف مع امرأة العزيز ويونس في مغاضبته وإبراهيم في طلبه من الله إراءته كيف يحيي الموتى وموسى في طلبه رؤية الله وفي قتله القبطي، والملائكة في مراجعتهم الله في شأن خلقه آدم في نطاق الجدل بين أصحاب المذاهب الكلامية من نواح متعددة تخطئة وتصويبا وتخريجا وتأويلا، كما يدخل محتويات بعض قصصه مثل حقيقة واسم مؤمن آل فرعون وإيمان امرأة فرعون، وحقيقة الذبيح، والدراهم التي بيع بها يوسف والأذى الذي أوذي به موسى وأسماء أهل الكهف وكلبهم، وأسماء امرأة فرعون ومؤمن آل فرعون والذي أماته الله هو وحماره ثم بعثه وعفريت سليمان والذي عنده علم الكتاب والذي

- 4 - تعليقات المفسرين على مشاهد الكون والجن والملائكة:

اشترى يوسف وامرأته وفرعون والغلام الذي قتله العبد الصالح وأبويه والغلامين اليتيمين ورهط قوم صالح وعاقر الناقة وابن لقمان والشيطان الذي ألقي على كرسي سليمان وشيطان أيوب ونفر الجن الذين استمعوا القرآن إلخ إلخ في نطاق البحث والنقاش واستنباط حقائق التاريخ لذاتها، وإيراد الأقوال والروايات في هذه الشؤون التي فيها كثير من التكلف والمفارقات والتخمين والإغراب والتخريف، مما هو منبث بكثرة في كثير من كتب التفسير، ومما يجعل المرء يندهش ويحار من روايتها وإيرادها من قبل علماء أعلام وجوازها عليهم، ومما ظل أثره مستمرا متمكنا إلى عصرنا هذا، حيث كان كثير من هذه القصص بالإضافة إلى القصص القرآنية مواضيع كتب خاصة عليها طابع الكتب التاريخية وتحمل اسم «قصص الأنبياء» وحيث يتجادل الباحثون على صفحات المجلات في ذي القرنين وماهيته وما هو معروف عن تاريخ الإسكندر، وفي ما إذا كان بنو إسرائيل قد ورثوا ملك فرعون في مصر وملكوها بعد أن غرق هو وجنوده أجمعون إلخ ويتكلفون بما لا طائل من ورائه. وكل هذا مؤدّ كما هو ظاهر إلى التشويش على الناظر في القرآن ومراميه في القصص وعلى أهدافه السامية وإلى غدو كتب تفسيره معرضا للكثير من المفارقات والمبالغات والتمحلات والمجادلات والمنحولات والمدسوسات وغدو القرآن بذلك عرضة للغمز والجرح من قبل الأغيار أيضا. كما أن ذلك قد أدى إلى استحواذ القصة القرآنية لذاتها على أفكار السواد الأعظم من المسلمين بل وخاصتهم، وصارت عندهم كذلك موضوعا ذاتيا ومجالا واسعا للأخذ والرد والسؤال والاستفتاء والاستقصاء والحجاج والاحتجاج والتصويب والمناظرة إلخ، مما كاد يضيع معه مواضع العبرة في القصة وقصد القرآن الجوهري منها. - 4- تعليقات المفسرين على مشاهد الكون والجن والملائكة: رابعا: إن كثيرا من المفسرين قد ولعوا أيضا بالتعليق على ما ورد في القرآن من تعابير وإشارات وتذكيرات وتنبيهات وتقريرات حول مشاهد الكون ونواميسه، الجزء الأول من التفسير الحديث 15

وحول ما ورد كذلك في صدد الملائكة والجن وإبليس وخلقه آدم ولعا تجاوزوا فيه حدود الروايات المنسوبة إلى الصحابة والتابعين وتابعيهم، وجالوا في ساحات التخمين والتكلّف والتزيد والإغراب، وأوردوا أقوالا منسوبة إلى رواة ومصادر من غير تلك الطبقة بأسماء وبدون أسماء وصادرة أحيانا عنهم أو موهمة أنها كذلك، حتى ليقع في نفس القارئ أنهم يعنون أن ما ورد في القرآن في هذه الشؤون كله أو بعضه قد ورد لذاته وبقصد تقرير الماهيات والحقائق أكثر من قصد الدعوة والتذكير والتدعيم به وفي كثير مما نقلوه وقالوه ما لا يتفق مع دلالات الآيات ولا تتحمله أهدافها ولا تقتضيه عباراتها كما أن فيه مفارقات كثيرة هي أدخل في باب الخرافة منها في باب الحقيقة. وإليك بعض الأمثلة على سبيل الإيضاح، منقولة عن كتب تفسيرية متعددة: (1) إن سماء الدنيا سوح مكفوف والثانية مرمرة بيضاء والثالثة حديد والرابعة صفر وقيل نحاس والخامسة فضة والسادسة ذهب والسابعة ياقوتة حمراء وما بين السابعة إلى الحجب صحار من نور. (2) إن وجهي الشمس والقمر متجهان إلى السماوات وضوءهما فيهن جميعا وأقفيتهما نحو الأرض. (3) إن اللوح من درة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق والمغرب وحافتاه الدر والياقوت ودفتاه ياقوتة حمراء وقلمه من نور وأصله في حجر ملك. (4) إن الأنهار التي أنزلها الله من عين من عيون الجنة واستودعها الجبال وأجراها على الأرض وهي سيحون وجيحون ودجلة والفرات والنيل هي التي عنيت في الآية وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ [المؤمنون: 18] . (5) لما خلق الله الأرض وفتقها سبع أرضين بعث من تحت العرش ملكا فهبط إلى الأرض حتى دخل تحت الأرضين السبع وضبطها فلم يكن لقدميه موضع قرار فأهبط الله من الفردوس ثورا له أربعون ألف قرن وأربعون ألف قائمة وجعل

قرار قدم الملك على سنامته فاستقرت، وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض ومنخاره في البحر، فهو يتنفس كل يوم نفسا فإذا تنفس كان مدّ البحر وإذا ردّ نفسه كان جزره، ولم يكن لقوائم الثور قرار فخلق الله صخرة كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين فاستقرت قوائم الثور عليها وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ [لقمان: 16] ، ولم يكن للصخرة مستقر فخلق الله نونا وهو الحوت العظيم فوضعت الصخرة على ظهره والحوت على البحر والبحر على متن الريح والريح على القدرة، ولقد تغلغل إبليس إلى الحوت فوسوس إليه فقال أتدري ما على ظهرك يا ليوتا من الأمم والدواب والشجر والجبال لو نفضتهم لألقيتهم عن ظهرك، فهمّ ليوتا أن يفعل فبعث الله له دابة فدخلت منخره فوصلت إلى دماغه فضجّ الحوت إلى الله منها فأذن لها فخرجت، وإنها لتنظر إليه وينظر إليها إن همّ بشيء من ذلك عادت كما كانت. (6) إن القلم من نور وإن طوله ما بين السماء والأرض. وقد نظر الله إليه أول ما خلقه فانشقّ نصفين ثم قال له أخبر بما هو كائن إلى يوم القيامة فجرى على اللوح المحفوظ. والناس إنما يجرون على أمر قد فرغ منه. (7) إن بين كل سمائين مسيرة خمسمائة عام وغلظ كل سماء كذلك، والأرضون مثل ذلك، وإن الصخرة التي تحت الأرض السابعة والتي منتهى علم الخلائق على أرجائها يحملها أربعة من الملائكة لكل منهم أربعة وجوه وجه إنسان ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر. فهم قيام عليها قد أحاطوا بالسماوات والأرض ورؤوسهم تحت العرش. (8) إن الناس ينادون يوم القيامة من صخرة القدس لأنها أقرب إلى السماء باثني عشر ميلا وإنها في وسط الأرض. (9) إن المطر ينزل من السماء كل عام بقدر واحد لا يزيد ولا ينقص. (10) إن في العرش تمثال ما خلق الله في البرّ والبحر وذلك تأويل قوله تعالى وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ [الحجر: 21] .

(11) إن سدرة المنتهى شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش ثمرها كقلال هجر وورقها كآذان الفيل. ينبع من أصلها الأنهار التي ذكرها الله في القرآن ويسير الراكب في ظلها سبعين عاما لا يقطعها. (12) إن جبريل نزل بالميزان فدفعه إلى نوح وقال مر قومك يزنوا به. (13) إن آدم نزل من الجنة ومعه خمسة أشياء من حديد وهي السندان والكلبتان والمطرقة والإبرة والميقعة وقيل إن معه كذلك المرو والمسحاة. (14) اختلف في عدد عوالم الله فقيل إنها ألف عالم ستمائة في البحر وأربعمائة في البرّ، وقيل ثمانون ألف عالم أربعون ألفا في البرّ ومثلها في البحر، وقيل ثمانية عشر ألفا منها عالم الدنيا عالم واحد، وما العمران في الخراب إلا كفسطاط في صحراء. (15) لما أراد الله أن يخلق آدم أوحى إلى الأرض إني خالق منك خليقة منهم من يطيعني ومنهم من يعصاني فمن أطاعني أدخلته الجنة ومن عصاني أدخلته النار. قالت الأرض أتخلق مني خلقا يكون للنار. قال نعم. فبكت الأرض فانفجرت منها العيون إلى يوم القيامة. وبعث الله جبريل ليأتيه بقبضة منها أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها، فلما أتاها ليقبض منها قالت أعوذ بعزة الله الذي أرسلك أن لا تأخذ مني شيئا. فرجع جبريل إلى مكان وقال يا ربّ استعاذت بك مني فكرهت أن أقدم عليها فقال الله لميكائيل انطلق فأتني بقبضة منها فلما أتاها قالت له مثل ما قالت لجبريل فرجع إلى ربّه فقال ما قالت له. فقال الله لعزرائيل انطلق فأتني بقبضة منها فلما أتاها قالت له ما قالت لجبريل وميكائيل فقال وأنا أعوذ بعزته أن أعصي له أمرا فقبض منها قبضة من جميع بقاعها من عذبها ومالحها وحلوها ومرها وطيبها وخبيثها وصعد بها إلى السماء، فسأله ربّه وهو أعلم بما صنع فأخبره بما قالت له الأرض وبما ردّ عليها فقال الله وعزتي وجلالي لأخلقن مما جئت به خلقا ولأسلطنك على قبض أرواحهم لقلة رحمتك، ثم جعل الله تلك القبضة نصفها في الجنة ونصفها في النار ثم تركها ما شاء الله ثم أخرجها فعجنها طينا لازبا

مدة ثم حمأ مسنونا مدة ثم صلصالا «1» ثم جعلها جسدا وألقاه على باب الجنة. فكانت الملائكة يعجبون من صفة صورته لأنهم لم يكونوا رأوا مثله. وكان إبليس يمرّ به ويقول لأمر ما خلق هذا. فنظر إليه فإذا هو أجوف فقال هذا خلق لا يتمالك، وقال يوما للملائكة إن فضل عليكم ماذا تصنعون. قالوا نطيع ربنا ولا نعصاه. فقال إبليس في نفسه لئن فضّل علي لأعصينه، ولئن فضلت عليه لأهلكنه. فلما أراد الله أن ينفخ فيه الروح أمرها أن تدخل في جسد آدم فنظرت فرأت مدخلا ضيقا فقالت يا ربّ كيف أدخل هذا الجسد قال الله ادخليه كرها وستخرجين منه كرها، فدخلت يافوخه فوصلت إلى عينيه فجعل ينظر إلى سائر جسده طينا، فسارت إلى أن وصلت إلى منخريه فعطس فلما بلغت لسانه قال الحمد لله ربّ العالمين، وهي أول كلمة قالها فناداه الله رحمك ربك يا أبا محمد، ولهذا خلقتك. ولما بلغت الروح إلى ركبتيه همّ ليقوم فلم يقدر فقال الله خلق الإنسان من عجل. فلما بلغت الساقين والقدمين استوى قائما بشرا سويا لحما ودما وعظاما وعروقا وعصبا وأحشاء وكسي لباسا من ظفر يزداد جسده جمالا وحسنا كل يوم. (16) إن الملائكة الذين ذكروا في آية البقرة [30] هم الذين كانوا في الأرض. وذلك أن الله خلق الأرض والسماء وخلق الملائكة والجن فأسكن الملائكة السماء وأسكن الجن الأرض فعبدوا دهرا طويلا، ثم ظهر فيهم الحسد والبغي فأفسدوا واقتتلوا فبعث الله عليهم جندا من الملائكة يقال لهم الجان ورأسهم إبليس وهم خزان الجنان فهبطوا إلى الأرض وطردوا الجن إلى جزائر البحار وشعاب الجبال، وسكنوا الأرض، وخفف الله عنهم العبادة، وأعطى إبليس ملك الأرض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنة وكان رئيسهم وأكثرهم علما. فكان يعبد الله تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة. فدخله العجب وقال في نفسه ما أعطاني الله هذا الملك إلا لأني أكرم الملائكة عليه فقال له ولجنده إني

_ (1) يظهر أن القائل أراد أن يوفق بين التعابير القرآنية حيث جاء في أحدها أن الله خلق البشر من طين لازب وفي أحدها من حمأ مسنون وفي أحدها من صلصال.

جاعل في الأرض خليفة بدلا منكم ورافعكم إلي فكرهوا ذلك لأنهم كانوا أهون الملائكة عبادة. (17) كان إبليس من حي من الملائكة وقيل من الجن ممن يولد له ويأكلون ويشربون بمنزلة الآدميين، ومن الجن من هو بمنزلة الريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون. وقيل إن إبليس يدخل ذنبه في دبره فيبيض فتنفلق البيضة عن جماعة من الشياطين، وإن من أولاده لا قيس ولهاب والهفاف ومرة وزنبور وبتر والأعور ومطوس وداسم، ومنهم من يتولى إفساد الصلاة وآخر يتولى التنجيس وآخر يزين اللغو والأيمان الكاذبة وآخر يغري بالزنا فينفخ في إحليل الرجل وعجيزة المرأة. وهذا قليل من كثير من هذا الباب مما يكاد يكون من عمد أكثر كتب التفسير القديمة، وفيه ما هو ظاهر من الإغراق والمفارقات ودلائل الجهل بما كان معروفا من الحقائق الكونية حتى ليدهش المرء من جوازه على علماء أعلام ونقلهم إياه بأساليب وسياقات تدل على أنهم مندمجون فيه ومنزلوه منزلة الحقائق أو على الأقل غير شاكين فيه ولا مكذبيه، وأنهم يرمون أو يرمي بعضهم إلى التوفيق بين مختلف الآيات والتعابير القرآنية وإلى شرحها وتعليل مداها، وفي ذلك ما هو واضح من أسباب التشويش على أهداف القرآن وصرف الذهن عن مراميه، وجعل كتب التفسير معرضا لكثير من المفارقات والمبالغات والمنتحلات والمدسوسات. ومما هو جدير بلفت النظر أن بعض الباحثين والناظرين في القرآن بل ومفسريه من المتأخرين والمعاصرين قد ولعوا بمثل ذلك الولع مع تعديل اقتضته تطورات العلوم والمفاهيم، حيث نراهم يحاولون استنباط النواميس العلمية والفنية واستخراج نظريات الدورات الشمسية والقمرية والأرضية وكروية الأرض ونظام الأفلاك والمطر وأطوار النشوء ونمو الأحياء وانفتاق الأرض والسماء والذرة والكهرباء إلخ إلخ من بعض الآيات القرآنية، أو يحاولون تطبيق النظريات العليمة والفنية المتصلة بنواميس الكون والتكوين والشمس والقمر والسماء والأرض والحياة والكهرباء والبرق والرعد إلخ إلخ على بعض الآيات القرآنية ليدللوا على

احتواء القرآن أسس هذه النظريات أو نواتها مما أخذ يستفيض في الكتب والمجلات بل والصحف منذ أواخر القرن السابق. و «تفسير الجواهر» للشيخ طنطاوي جوهري الذي صدر في أوائل القرن الحاضر مثال عجيب لهذه المحاولات والتطبيقات. والثغرة في هذا هو ما يفيده ويوهمه هذا الولع كما ذكرنا هذا في ما تقدم من أن ما ورد في القرآن من الإشارات والتنبيهات والتعابير مقصود لذاته وماهياته، وما يؤدي هذا إليه من صرف هذه الإشارات والتنبيهات والتعابير عن هدفها الوعظي والتدعيمي للدعوة أولا، ومن إخراج محتويات القرآن في نطاق هذا الهدف وقدسيته إلى نطاق الجدل والبحث والنفي والإثبات في حقائق النظريات العلمية والفنية الكونية، وما تتعرض له هذه النظريات من تبدل وتطور وجدل ثانيا، في حين أن تلك المحاورات أو بالأحرى التمحلات قائمة على الظن والتخمين ومنها ما هو متهافت جدا من جهة، وإن أسلوب الآيات القرآنية من جهة أخرى واضح الدلالة على اقتصار ما احتوته على الهدف المذكور، وعدم استهدافه التقريرات العلمية والفنية في ماهية الخلق والتكوين ونواميسهما، حيث هو أسلوب خطابي موجّه إلى مختلف طبقات الناس بقصد إيقاظ ضمائرهم ولفت أنظارهم إلى ما يقع تحت مشاهدتهم من مشاهد الكون العظيمة، وما يرونه من مظاهر نواميسه، وما يتمتعون به من مختلف تلك المشاهد وهذه النواميس في مختلف حياتهم على الوجه الذي يفهمونه منها، وتمتلىء أذهانهم بها، وبقطع النظر عن ماهياتها لذاتها، والتدليل بهذا الأسلوب العام الموجه إلى مختلف الطبقات على وجود الله وعظمته وقدرته وشمول حكمه وتصرفه ووحدته واستحقاقه وحده للخضوع والعبادة وصحة الدعوة إليه وواجب طاعته في ما يأمر وينهى بواسطة أنبيائه وتنزيله مما يستطيع أن يلمسه كل من أنعم النظر في الآيات والفصول القرآنية. وما أحسن ما قاله الإمام الغزالي في «تهافت الفلاسفة» من كلام قوي حكيم يتصل بهذا الموضوع حيث قال في صدد تقسيم مذاهب الفلاسفة «والقسم الثاني ما لا يصدم مذهبهم فيه أصلا من أصول الدين وليس من ضرورة تصديق الأنبياء

- 5 - التشاد المذهبي في سياق التفسير:

والرسل منازعتهم فيه كقولهم إن خسوف القمر عبارة عن إمحاء ضوئه بتوسط الأرض بينه وبين الشمس من حيث إنه يقتبس نوره من الشمس، والأرض كرة، والسماء محيطة بها من الجوانب فإذا وقع القمر في ظل الأرض انقطع عنه نور الشمس، وكقولهم إن كسوف الشمس معناه وقوع جرم القمر بين الناظر والشمس وذلك عند اجتماعهما في العقدتين على دقيقة واحدة. وهذا الفن أيضا لسنا نخوض في إبطاله إذ لا يتعلق به غرض. ومن ظنّ أن المناظرة في إبطال هذا من الدين فقد جنى على الدين وضعف أمره، فإن هذه الأمور تقوم على براهين هندسية وحسابية لا تبقى معها ريبة في من يطلع عليها ويتحقق أدلتها حتى يخبر بسببها عن وقت الكسوفين وقدرهما ومدة بقائهما إلى الانجلاء قبل وقوعهما، وإذا قيل له إن هذا على خلاف الشرع لم يسترب فيه وإنما يستريب في الشرع. وضرر الشرع بمن ينصره بغير طريقه أكثر ممن يطعن عليه بطريقه وكما قيل عدوّ عاقل خير من صديق جاهل» . ونضيف إلى هذا أن عظمة شأن القرآن هي في روحانيته القوية النافذة وفي قوة هدايته الخالدة وفي ما احتواه من أسس ومبادئ ومثل عليا تستجيب لحاجات الإنسانية المتنوعة على كرّ الدهور ومتنوع الظروف، وإن الواجب الأعظم هو التزام حدود هذه الأسس والمبادئ والمثل وتجليتها وإزالة كل ما يشوش عليها ويعرقل بروزها أو إهماله والانصراف عنه. - 5- التشاد المذهبي في سياق التفسير: خامسا: إن بعض المفسرين قد اتخذوا التفسير وسيلة من وسائل الجدل المذهبي وخاصة في علم الكلام. فقد تجاذبوا وتشادوا حول العبارات القرآنية التي جاءت عن ذات الله وصفاته وأفعاله وأعضائه ونزوله وعروجه واستوائه نفيا وتأويلا وإثباتا وتسليما. وقد تجاذبوا كذلك وتشادوا حول ما جاء عن أعمال الإنسان وسلوكه وإيمانه وكفره وذنوبه وحسناته وثوابه وعقابه واختلاف الناس الطبيعي أو

الخلقي، فقرر بعضهم قدرة الإنسان على العمل وكسبه إياه وقابليته الذاتية على التمييز بين الحقّ والباطل والحسن والقبيح واختياره ما يختار منهما واستحقاقه الثواب والعقاب عدلا وحقا نتيجة لذلك وبقصد تنزيه الله عن الظلم والتناقض، في حين أن آخرين رأوا في ذلك تغايرا مع قدرة الله ومطلق تصرفه ونقضا لعلمه الأولي ولكونه المؤثر الحقيقي في كل شيء فقرروا أن أفعال الإنسان مكتوبة عليه في الأزل لا معدى له عنها، وإن الله لا يسأل عما يفعل، وإنه لا يصح أن يقاس ما يجريه بمقياس البشر في الحسن والقبيح والعدل والظلم إلخ، وقد تجاذبوا وتشادوا حول ما ورد من عبارات في توبة التائب وغفران الذنوب بدون قيد فقرر بعضهم أنه لا غفران بدون توبة وأن أصحاب الكبائر مخلدون في النار وأن الله كتب على نفسه قبول التوبة فصار واجبا عليه قبولها، في حين أن آخرين قرروا أن الله لا يجب عليه نحو خلقه شيء وأنه يغفر لمن يشاء ما يشاء دون قيد وشرط، وأن المؤمن لا يخلّد في النار ولو كان صاحب كبيرة. وتجاذبوا وتشادوا في ما يجوز على الله وما لا يجوز وما يجب وما لا يجب في عصمة الأنبياء المطلقة وإمكان صدور الأخطاء منهم ووقوع السحر عليهم، وفي المفاضلة بينهم وبين الملائكة، وفي عصمة الملائكة المطلقة وإمكان صدور الهفوات والأخطاء عنهم، وفي خلق القرآن، وفي صفات الله وكونها ذات الله أو غير ذاته، وفي إمكان رؤية الله أو رؤية الجن والملائكة إلخ من المسائل الكلامية الخلافية الكثيرة. واستند كل فريق إلى آيات قرآنية تؤيد رأيه في كل مسألة من تلك المسائل، وأول ما استند إليه الفريق الآخر من الآيات التي يتعارض ظاهرها مع رأيه، واستغرق الفريقان في الجدل والتشاد والتجاذب كل يؤيد مذهبه ويندد بالمذهب المخالف حتى خرجا في أحيان كثيرة عن وقار العلم بما وجّهوه إلى بعضهم من الشتيمة والتسفية والغمز والانتقاص بل والتكفير، وحتى يبدو للذي ينعم النظر أن كلا الفريقين يصرف أحيانا الكلام عن وجهه الحق ويتجوز ويتكلف فيه عصبية للحزبية المذهبية إن صحّ التعبير مع أن كلا منهم في الأصل صادق الإيمان والإخلاص مستهدف تنزيه الله وتوقيره.

وفي تفسير «الكشاف» للزمخشري وهو من أعلام علماء القرن السادس الهجري ويمثل مذهب الاعتزال أو ما يسميه مذهب أهل العدل والتوحيد وفي تعليقات القاضي ابن المنير عليه وهو من علماء القرن السابع ويمثل مذهب الأشاعرة من أهل السنة أمثلة كثيرة على ذلك حتى ليصح أن يقال إن التفسير والتعليق قد استهدفا هذه الوجهة في الدرجة الأولى. يقول الزمخشري في سياق تفسير جملة الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: 275] ، وتخبط الشيطان من زعمات العرب، حيث يزعمون أن الشيطان يتخبط الإنسان فيصرعه، ثم يستطرد فيقول ورأيت لهم- ويقصد أهل السنة- قصصا وأخبارا وعجائب في الجنّ، وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات، فيعلّق ابن المنير على هذا القول فيقول إنه على الحقيقة من تخبط الشيطان بالقدرية- يعني المعتزلة- في زعماتهم المردودة بقواطع الشرع فاحذرهم قاتلهم الله. ويقول الزمخشري في سياق تفسير جملة كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ [الأنعام: 71] ، إن هذا جاء على ما كانت تزعمه العرب فيعلق ابن المنير قائلا ومن أنكر استيلاء الجنّ على بعض الإناس واستهوائهم حتى يحدث من ذلك الخبط والصرع فهو ممن استهوته الشياطين في مهامه الضلال الفلسفي. ويقول الزمخشري في سياق تفسير جملة إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ [النساء: 17] ، بوجوب قبول التوبة على الله فيعلق ابن المنير قائلا إنه إطلاق يتقيد عنه لسان العاقل ويقشعرّ منه جلده استبشاعا لسماعه ويتعثر القلم عند تسطيره. على أن من لطف الله أنه لم يجعل حاكي الكفر كافرا وحاكي البدعة لضرورة ردّها مبتدعا. ويقول الزمخشري في سياق تفسير جملة يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [المائدة: 171] ، إن غلوهم كغلوّ الأشاعرة في جعلهم لله صفات أفعال فهم كالنصارى، فيردّ عليه قائلا إن التشبيه بهم أولى، فالنصارى غلوا فجعلوا الإله ثلاثة ولكن المعتزلة غلوا فجعلوا كل آدمي خالقا وشريكا لله.

وفي سياق تفسير معنى استواء الله ووجهه ويده ونزوله وعروجه يورد الزمخشري الأبيات المشهورة: وجماعة سموا هواهم سنة ... لجماعة حمر لعمري مؤكفة قد شبهوه بخلقه وتخوفوا ... شنع الورى فتستروا بالبلكفة «1» فيورد ابن المنير ردا عليه الأبيات التالية: وجماعة كفروا برؤية ربّهم ... حقا ووعد الله ما إن يخلفه وتلقبوا الناجين كلا إنهم ... إن لم يكونوا في لظى فعلى شفه ويذكر الزمخشري رواية عن طاووس التابعي جاء فيها أنه طرد رجلا من مجلسه يقول بالقدر فقيل له هذا فقيه فقال إبليس أفقه منه لأنه قال فيما أغويتني وهذا يقول إني أغوي نفسي، ثم يقول إن الرواية من تكاذيب المحيرة الذين بلغ بهم من تهالكهم على إضافة القبائح إلى الله أن لفقوا الأكاذيب على الرسول والصحابة والتابعين، فيرد ابن المنير فيقول إن كلامه حيدان عن العقيدة الصحيحة، وإن ذنب أهل السنة أنهم يؤمنون بخالق واحد في حين أن القدرية يتهالكون حتى ليشركوا كل شخص مع الله في الخلق. ويحمل الزمخشري على الأشاعرة في سياق تفسير جملة وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ [الحج: 3] ، فيقول وما أرى رؤساء أهل الأهواء والبدع والحشوية المتلقبين بالإمامة في دين الله إلا داخلين تحت هذا دخولا أوليا، بل هم أشد الشياطين ضلالا وأقطعهم لطريق الحق حيث دونوا الضلال تدوينا ولقنوه أشياعهم تلقينا وكأنهم ساطوه بلحومهم ودمائهم. ويندد بخصومه في صدد تفسير جملة فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ [البقرة: 284] فيقول إن أهل الأهواء والبدع يتصامون عن آيات الله فيخبطون خبط عشواء ويطيبون لأنفسهم بما يفترون على ابن عباس في قولهم هذا، وإن انتظار

_ (1) منحوتة عن جملة «بلا كيف» يعني أن الأشاعرة يقولون إن الله استوى إلى العرش ولكن دون أن يعرف أحد كيفية هذا الاستواء.

الغفران بدون توبة وانتظار الشفاعة بدون سبب غرور وحمق وجهالة. وفي إحدى المناسبات يشبه ابن المنير المعتزلة بالمشركين ويقول إنهم يقولون هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا حيث يثبتون خالقا غير الله ولا يأنفون عن إثبات رازق غيره فأنّى يؤفكون. وفي سبيل الهوى المذهبي يصرف الزمخشري جملة وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [النساء: 64] ، إلى معنى جرحه الله بمخالب قدرته.. ثم ينسى هذا فيقول في سياق آية وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف: 143] ، أسمعه الله كلاما وحروفا وأصواتا خلقها في ما حوله. وبينما يؤول الزمخشري (عرش الله) في سياق آيات عديدة بعظيم قدرته وملكه يقول في سياق آية وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ [هود: 7] ، إن فيها لدليلا على أن العرش والماء قد خلقا قبل السماوات والأرض، فيعترف بذلك بوجود مادي للعرش يناقض تأويله الأول. وهذا قليل متنوع المدى من كثير جدا في «الكشاف» وتعليقات ابن المنير عليه يكفي لإيضاح ما قصدنا إليه. وليس معنى اكتفائنا بنقل ما جاء في «الكشاف» والتعليقات أنهما الوحيدان في هذا الباب، فإن المدقق في مختلف كتب التفسير كالخازن والبيضاوي وأبي السعود والرازي وغيرها يجد غمزات شديدة وخفيفة في مناسبة كثير من العبارات القرآنية، وتنبيهات على ما فيها من دلائل ضد مذهب مخالفيهم، أو على ما في استناد هؤلاء المخالفين إليها من وهن كما يجد توجيهات وتأويلات تتسق مع مذهبهم وتؤيده سلبا أو إيجابا وممن ذكرهم صاحب «الإتقان» على نمط الزمخشري في اتخاذ تفاسيرهم وسيلة إلى شرح مذاهبهم وتأييدها والطعن على غيرهم عبد الرحمن بن كيسان الأصمّ والجبائي وعبد الجبار الرماني. وهذا عدا ما احتوته الكتب الكلامية والخلافية والنحلية والمذهبية الأخرى من التشاد والتجاذب حول العبارات القرآنية وصرفها من جانب كل فريق إلى مذهبه

تقريرا أو تأويلا مما هو خارج عن مدى الموضوع الذي نحن بسبيل التنبيه عليه وإن يكن فرعا من أصل. وليس يعنينا هنا بيان المصيب أو تأييد مذهب على مذهب، وإنما يعنينا الثغرة في الأسلوب، وبيان ما صارت إليه كتب التفسير بسببه من معارض تشاد وتسفيه ومهاترة وتكلف في صدد الجدل الكلامي. ومع أن من المسلّم به أن النصوص القرآنية في حد ذاتها مستند للعقائد والأحكام والتشريع الإسلامي، إلا أننا نعتقد أن أصحاب المذاهب الكلامية والخلافية قد تكلفوا وتمحلوا في كثير مما تجاذبوا وتشادوا فيه على غير طائل ولا ضرورة، وإنهم حملوا العبارات القرآنية ما لا محل لتحميلها إياه ولا يقتضيه السياق الذي جاءت فيه، وإن هذا قد نشأ بنوع خاص من أخذهم إياها مستقلة لذاتها في حين تكون قد جاءت متصلة بسياق لا تفهم على وجهها إلا معه، وبمناسبة لا تلمح حكمة صيغتها إلا بملاحظتها، أو على سبيل التقريب والتمثيل، أو على سبيل التسلية والتطمين أو التنديد والتسفية أو الحجاج والإلزام أو الحكاية إلخ تبعا لتنوع الأساليب والمناسبات القرآنية ومواقف وأحداث السيرة النبوية مما يمكن أن يتبينه كل من أمعن النظر في المجموعات القرآنية التي وردت فيها العبارات التي تكون موضوع التشاد والتجاذب، وإن العبارات القرآنية إذا ما نظر فيها مع سياقها السابق أو اللاحق أو كليهما زال الموهم فيها واتسقت التقريرات والمعاني القرآنية، وإن محاولات أهل المذاهب الكلامية والخلافية هذه تجعل القرآن يناقض بعضه بعضا مما يجب تنزيهه عنه ومما هو منزه عنه فعلا بنصّ القرآن. ومما يحسن إيراده هنا ما جاء في تفسير الرازي حيث قال في إحدى المناسبات إن الرافضة يعني الشيعة- قالت إن هذا الذي عندنا ليس هو القرآن الذي جاء به محمد بل غيّر وبدّل، والدليل عليه اشتماله على هذه المناقضات التي ظهرت بسبب المناظرات الدائرة بين أهل الجبر وأهل القدر. وإطلاق الرازي كلمته

يوهم أن الشيعيين جميعا يقولون هذا، وهو غير صحيح لأن الشيعة والإمامية خاصة تعترف بالقرآن الموجود بين دفتي المصحف اعترافا تاما، وقد نقلنا في مناسبة سابقة كلمة أحد أعلام مفسريهم القدماء الشيخ الطوسي في هذا الصدد، ولا يمنع هذا أن تكون إحدى فرقهم الغالية قد قالت هذا لأن من هذه الفرق من تعمّد هدم الإسلام والتشكيك في القرآن تعمدا. وعلى كل حال فإن كلمة الرازي صدى لما كان من تجاذب وتشادّ حول العبارات القرآنية في سبيل الخلاف المذهبي وتأييد لما نحن في صدده من ضرر ذلك وخطله، واعتباره ثغرة خطيرة في تفسير القرآن. وما ذكرناه هو ما يتصل بالخلاف المذهبي الكلامي. وهناك تفاسير عديدة احتوت أشياء كثيرة مما يتصل بالخلاف الشيعي السني ومنها ما اتخذ وسيلة إلى تقريرات وتأويلات متصلة بهذا الخلاف، مما يمتّ إلى الثغرة التي نحن بصدد التنبيه عليها، ومما ينسحب عليه الكلام الذي قلناه آنفا بطبيعة الحال. ولقد أشرنا إلى بعض هذه التقريرات والتأويلات في مناسبات متنوعة، ونكتفي هنا بإيراد شيء منها منقول عن «تفسير التبيان» للشيخ الطوسي. ففي سياق تفسير آية آل عمران المعروفة بآية المباهلة فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (61) ، قال الشيخ دون استناد إلى حديث أو رواية ولما نزلت الآية أخذ النبي بيد علي وفاطمة والحسن والحسين ثم دعا النصارى إلى المباهلة. ثم قال واستدل أصحابنا بهذه الآية على أن أمير المؤمنين- يعني عليا- كان أفضل الصحابة من وجهين أحدهما أن موضوع المباهلة هو تمييز الحق من الباطل وذلك لا يصح أن يكون إلا بمن هو مأمون الباطن مقطوعا على صحة عقيدته وأفضل الناس عند الله، والثاني أنه جعله مثل نفسه بقوله وأنفسنا وأنفسكم والآية تدل على أن الحسن والحسين ابنا النبي بلا خلاف لأنها تقول أبناءنا وتدل على أن تعبير نساء النبي بقوله نساءنا قد صرف إلى فاطمة فقط،

- 6 - الولع بأسرار القرآن ورموزه ومنطوياته:

وإذ جعل النبي أمير المؤمنين مثل نفسه وجب ألا يدانيه أحد في الفضل والإيثار به، ومتى قيل إنه أدخل في المباهلة الحسن والحسين مع كونهما غير بالغين وغير مستحقين للثواب، وإن كانا مستحقين للثواب لم يكونا أفضل الصحابة قال لهم أصحابنا إن الحسن والحسين كانا بالغين مكلفين لأن البلوغ وكمال العقل لا يفتقران إلى شرط مخصوص، وقد تكلم عيسى في المهد بما دلّ على كونه مكلفا عاقلا، وقد ذكر الشيخ في سياق آية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: 3] ، أنه روي عن أبي جعفر وأبي عبد الله أن الآية نزلت بعد أن نصب النبي عليا علما للأمة يوم غدير خم منصرفه من حجة الوداع، كما ذكر في سياق آية يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [المائدة: 67] ، أنه روي عن أبي جعفر وأبي عبد الله أن الله لما أوحى إلى النبي أن يستخلف عليا كان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه فأنزل الله هذه الآية تشجيعا له ... والهوى الحزبي ظاهر البروز في ذلك كله. - 6- الولع بأسرار القرآن ورموزه ومنطوياته: سادسا: إن بعض المفسرين والمشتغلين بالقرآن قد ولعوا بتخمين انطواء القرآن على أسرار ورموز، واستغرقوا في استقراء الحروف والكلمات والتراكيب القرآنية بقصد الكشف عن تلك الأسرار والرموز واتسع مجال التفريع والتكلف والإغراب في هذا المجال كثيرا. ولعل أصل هذا الولع يرجع إلى بعض روايات في الحروف المتقطعة المنفردة التي جاءت في مطالع نحو ربع السور القرآنية مكية ومدنية. فمع أن القسم الأكبر من هذه المطالع قد أعقبه ذكر القرآن والكتاب وتنزيله وإحكامه وحكمته قسما أو بيانا أو تنويها أو تنبيها «1» ، ومع أن روحها تلهم أنها جاءت بسبيل التوكيد

_ (1) هي سورة القلم وق وص والأعراف ويس وطه والشعراء والنمل والقصص ويونس وهود ويوسف والحجر ولقمان وغافر وفصلت والشورى والزخرف والدخان والجاثية والأحقاف وإبراهيم والسجدة والبقرة وآل عمران والرعد. أما السور التي مطلعها حروف متقطعة منفردة ولم تعقب بالإشارة إلى القرآن فهي سورة مريم والروم والعنكبوت.

والتنبيه واسترعاء الأسماع إلى القرآن وآياته وعبره وحكمته وإحكامه مما قرره غير واحد من أعلام علماء القرآن من ابن عباس فما بعد ومما تطمئن إليه النفوس ويتسق مع مهمة الذي أنزل عليه القرآن وخطاب القرآن لجميع الفئات وتوكيده أنه واضح مبين لا عوج فيه ولا أمت ولا تعقيد ولا اختلاف فقد روى في سياق البحث في الحروف المذكورة رواية مفادها أن اليهود جاؤوا إلى النبي فسألوه عما أوتيه من عمر الدنيا فقال لهم «ال م» فحسبوها فجاءت (71) في الحساب المعروف بالحساب الجمل والذي هو حساب يهودي يقوم على ترتيب الأحرف الهجائية العبرانية (اب ج د هـ وز إلى آخره) فقالوا ثم ماذا فقال لهم (ال م) ثانية ثم (ال م ص) إلى آخر السور فحسبوا حساب الحروف جميعها فبلغ سبعمئة وكسورا من السنين «1» فأقروا بالأمر تسليما بأن النبي قد بعث بين يدي الساعة. ومع أن هذه الرواية ليست موثقة ولا يثبت مضمونها ومداها على نقد وتمحيص من وجوه عديدة فقد تنوقلت واستفاضت في جملة ما تنوقل واستفاض في مختلف كتب التفسير والقرآن. ومثل هذه الرواية أقوال مروية أخرى معزوة إلى بعض الصحابة والتابعين ومستفيضة في كتب التفسير وليست هي الأخرى موثقة أو من شأنها أن تثبت على نقد وتمحيص ذكر فيها أن هذه الحروف ترمز إلى بعض أسماء الله وأسماء النبي، وأنها تحتوي أسرار القرآن وسرّ اسم الله الأعظم. ومن هذه الروايات روايتان أوردهما الرازي في سياق تفسير أول البقرة إحداهما معزوة إلى أبي بكر جاء فيها أن لكل كتاب سرا وسرّ القرآن في أوائل سوره، وثانيتهما معزوة إلى علي بن أبي طالب جاء فيها أن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي. وهناك روايات وأقوال شيعية المصدر جاء في بعضها أن الحروف تحتوي رموزا للنبي وعلي والحسن والحسين، وفي بعضها أن كل مطلع من المطالع المتقطعة

_ (1) حساب الحروف جميعها يتجاوز الثلاثة آلاف والمائتين!.

يشير إلى دور من أدوار التاريخ المتصلة بالأئمة العلويين، ومن ذلك أن مطلع سورة آل عمران يشير إلى حادث الحسين ومطلع سورة الأعراف يشير إلى دور العباسيين. وقد نقل عن تفسير الطبري أن مطلع سورة الشورى يشير إلى أحداث تاريخية عظيمة في مدينتين من مدن المشرق وملكين من ملوكها، وقد ذكر السيوطي في «الإتقان» أن لمحمد بن حمزة الكرماني كتابا في مجلدين سماه «العجائب والغرائب» وضمنه أقوالا ذكرت في الحروف المتقطعة مثل (ح م ع س ق) مطلع سورة الشورى حيث ترمز الحاء إلى حرب علي ومعاوية والميم إلى الدولة المروانية والعين إلى الدولة العباسية والسين إلى الدولة السفيانية والقاف إلى الدولة المهدوية اللتين تظهران في آخر الزمان. ثم اتسع القول في مدى هذه الحروف ودلالاتها الفنية والنظمية فتراءى للزمخشري مثلا بعض أسرارها، فهي نصف حروف المعجم، وعدد السور التي تبتدئ بها على قدر حروف المعجم، وهي تحتوي نصف الحروف المهموسة ونصف الحروف المجهورة، وتحتوي كذلك نصف الحروف المستعلية ونصف الحروف المنخفضة ونصف الحروف القلقة. وتراءى لصاحب كتاب البرهان على ما ذكره السيوطي في الإتقان أن كل سورة بدأت بحرف منها فإن أكثر كلماتها وحروفها مماثل له، وحق لكل سورة منها أن لا يناسبها إلا الحروف الواردة فيها، وذكر على سبيل المثال سورة ق حيث كان ذلك لأن حرف القاف قد تكرر كثيرا في كلمات السورة، وسورة ص حيث كان ذلك لأنها احتوت خصومات عديدة خصومة النبي مع الكفار وخصومة الخصمين أمام داود وخصومة أهل النار وخصومة إبليس، وسورة يونس حيث بدأت بحروف الألف واللام والراء بسبب تكرر هذه الحروف وخاصة الراء فيها إلى آخره، والتكلف شديد البروز وفي هذه الأقوال عند إمعان النظر كما أنها غير مطردة عند التطبيق حيث فيها النقص والزيادة والخلاف «1» .

_ (1) نقول من قبيل الاستطراد إننا اطلعنا على بحث وجيز للأستاذ نصوح الطاهر تضمن تقرير كون الحروف المتقطعة تشير إلى عدد آيات السور. ولم نجد فيما جاء في مقاله الموجز شفاء يساعد على القطع برأي حاسم في صحة النظرية وبطلانها، ثم في صواب شمول الأمثلة لجميع السور ذات الحروف المتقطعة على ما يقول به صاحب النظرية. وقد تراءى لنا من الأمثلة الواردة أن هناك تجوزا وتحكما في حساب الآيات ودمج بعض السور في بعض وترجيحا بغير مرجح لروايات الآيات المدنية في السور المكية والآيات المكية في السور المدنية، ولروايات أخرى في صدد عدد وحجم بعض السور وإسقاط بعض سور مشابهة في مطلعها لسور أخرى كإسقاط سورة الحجر مع أنها تبدأ بجملة «الر» وإسقاط سورة الأحقاف مع أنها تبدأ بجملة «حم» وكل ذلك رغبة في التوفيق والتطبيق بسبب صدفة في حساب آيات أو وحدات وانطباق على حساب الروايات. وقد وعد الأستاذ بنشر البحث تاما شاملا لجميع السور «المبدوءة بالحروف المتقطعة والتي يقول إن نظريته وحسابه قد صح فيها جميعها فلننتظر وفاءه بما وعد حتى نتمكن من القطع في النظرية. وقد كتبنا هذا من قبيل الاستطراد وليس من شأنه أن يؤثر في البحث الذي بحثناه حول ما دار في صدد أسرار القرآن أو ألغازه أو رموزه وآثارها كما هو واضح. الجزء الأول من التفسير الحديث 16

ثم اتسع القول فقال قائل إنه ما من شيء إلا يمكن استخراجه من القرآن، وإنه لو ضاع عقال بعير لوجدته في كتاب الله، واستنبط بعضهم عمر النبي ثلاثا وستين سنة من سورة المنافقون لأنها الثالثة والستون من السور وفق ترتيب المصحف وقد جاء فيها آية وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها [11] وقال قائل إن نصوص القرآن ليست على ظاهرها، وإن لها معاني باطنة محجوبة عن غير الواصلين والمعلمين، وقال قائل إن علوم القرآن خمسون علما وأربعمائة علم وسبعة آلاف علم أو سبعون ألف علم على عدد كلم القرآن مضروبة في أربعة إذ لكل كلمة ظهر وبطن وحدّ ومطلع وقال قائل إنه ما من كائن ويكون من أحداث الدنيا منذ بدئها إلى منتهاها إلا احتوت حروف القرآن وكلماته علمها وغيبها، وأنه احتوى جميع علوم الأولين والآخرين، وقال قائل إن لكل آية ستين ألف فهم وروى راو عن علي بن أبي طالب أنه لو أراد أن يوفر حمل سبعين بعيرا من تفسير أم القرآن- يعني الفاتحة- لفعل، وفصل بعضهم وفود العلوم المستنبطة من القرآن استنادا إلى ما ورد من بعض كلمات لها صلة ما لغة أو معنى بعلم أو فن أو صناعة ما من العلوم والفنون والصناعات المعروفة فقال إن في القرآن أصل علم الهندسة

مستنبطا من جملة ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ [المرسلات: 30] ، وأصل علم الجبر والمقابلة مستنبطا من أوائل السور التي فيها ذكر مدد أمم سالفة وأعوامها وأيامها وتواريخها وتاريخ ومدة أيام الدنيا وما مضى وما بقي بعضها ببعض، وأصل علم الطب مستنبطا من ثلاث آيات وهي آية الفرقان وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (67) وآية الإسراء وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [82] وآية النحل يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ [69] . وأصل علم الهيئة مستنبطا مما ورد من ذكر ملكوت السماوات والأرضين وما بثّ في العالم العلوي والسفلي من المخلوقات، وأصل علم المواقيت مستنبطا من آيات الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والبروج والمنازل، وأصل علم التنجيم مستنبطا من جملة أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ [الأحقاف: 4] ، وأصل علم تعبير الرؤيا مستنبطا من قصة يوسف، وأصل علم الحساب مستنبط مما فيه من ضروب الجمع والقسمة والضرب والأعداد والموافقة والتأليف والمناسبة والتنصيف والمضافة، وأصل كل من علوم النحو والصرف والبيان والبديع والجدل والمنطق والتاريخ والقصص والقضاء والتشريع والفقه والفرائض مستنبطا مما فيه من قواعد صرفية ونحوية ونظم بياني وبديعي وجدلي ومنطقي وقصصي وتاريخ وأحكام وحدود وأنكحة ومواريث إلخ، وأصل صناعات التجارة والحدادة والزجاجة والقصارة والبناء والخياطة والصباغة والفلاحة والنحت والفخارة والكيالة والرمي والصيد والصياغة والملاحة مستنبطا من كلمات وآيات وردت فيها إشارات إلى هذه الصناعات أو ما يتصل بها «1» . ورأى مفسرو الشيعة وباحثوهم في كثير من آيات القرآن وعباراته إشارات ورموزا إلى علي وفاطمة والحسن والحسين مثل جملة مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ [الرحمن: 19] ، حيث ترمز إلى علي وفاطمة وجملة يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (22) نفس السورة، حيث ترمز إلى الحسن والحسين. وجملة

_ (1) جميع هذه الأقوال واردة في «الإتقان» للسيوطي.

أَلْفِ شَهْرٍ (3) في سورة القدر، حيث ترمز إلى مدة الدولة الأموية. وجملة هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج: 19] ، حيث ترمز إلى علي وخصومته لدى ربّه مما وقع عليه من حيف في الخلافة، وجملة يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة: 3] ، حيث ترمز إلى المهدي المنتظر، وجملة وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات: 107] ، حيث ترمز إلى الحسين، وجملة أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ [النمل: 82] ، حيث ترمز إلى علي يوم رجعته، وجملة وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ [الرعد: 43] ، حيث ترمز إلى علي، وجملة أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ [الشعراء: 205] ، حيث ترمز إلى الأمويين. وجملة سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي [الحجر: 87] ، حيث ترمز إلى الأئمة السبعة. وجملة حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً [الأحقاف: 15] ، حيث ترمز إلى الحسين وفاطمة. وجملة وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ [الزخرف: 61] ، حيث ترمز إلى المهدي. وجمل رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ [الإسراء: 6] ، وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا [النمل: 83] ، إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ [غافر: 51] ، رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ [الحجر: 2] . ووَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ [القصص: 5] ، حيث ترمز إلى الرجعة والدور الذي يكون فيه الأئمة الفاطميون أصحاب السلطان ويتمكنون فيه من الانتقام من خصومهم وسالبي حقوقهم. حتى إن الناظر في ما كتبه بعضهم ليجد أن كثيرا من محتويات القرآن مصروف إلى الأئمة وذرية فاطمة، ومحمول على تأييد أقوالهم ومذاهبهم وأئمتهم ورجعتهم وخصومهم وفيه من الغرائب والمفارقات العجيبة ما لا يتسع له أي حوصلة. ولعل مما يتصل بهذا الباب ما أدير من الأقوال حول أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف فقد ورد عدة أحاديث في ذلك منها أن عثمان بن عفان وقف على المنبر فقال أذكر الله رجلا سمع النبي قال إن القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها شاف وكاف إلّا قام فقاموا حتى لم يحصوا فشهدوا فقال وأنا أشهد معهم، ومنها

عن ابن عباس أن النبي قال أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف. ومنها حديث نبوي رواه النسائي أن جبريل وميكائيل أتياني فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري فقال جبريل اقرأ القرآن على حرف فقال ميكائيل استزده حتى بلغ سبعة أحرف، وفي حديث مروي عن أبي بكرة زيادة مفادها أنه لما بلغ سبعة أحرف نظرت إلى ميكائيل فسكت فعلمت أنه قد انتهت العدة. ومنها عن أبيّ عن النبي قال أرسل إليّ ربي أن أقرأ القرآن على حرف فرددت عليه أن هوّن على أمتي فأرسل إليّ أن أقرأه على حرفين فرددت عليه أن هوّن على أمتي فأرسل إليّ أن أقرأه على سبعة أحرف. ومنها حديث آخر عن أبيّ قال لقي رسول الله جبريل فقال يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط قال يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ومنها حديث ابن مسعود أن النبي قال كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف زجر وأمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه وقولوا آمنا كل من عند ربنا. ومنها حديث جاء في «الموطأ» قال عمر سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأها وكان رسول الله أقرأنيها فكدت أن أعجل عليه ثم أمهلته حتى انصرف يعني أتم صلاته ثم لبسته بردائه فجئت به رسول الله فقلت يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها، فقال رسول الله أرسله ثم قال اقرأ فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ فقال رسول الله هكذا أنزلت، ثم قال لي اقرأ فقرأت فقال هكذا أنزلت ثم قال إن القرآن نزل على سبعة أحرف فاقرأوا منه ما تيسّر. فمع أن هذه الأحاديث المروية ومداها وظروفها بوجه الإجمال باستثناء حديث ابن مسعود الذي يتحمل نصّه التوقف والنظر أكثر من غيره لأنه لا يتسق مع سائر الأحاديث الواردة وفيه تقسيم وتصنيف علميين يشبهان تقسيم العلماء

المتأخرين عن عهد النبي كثيرا تلهم أنها في صدد التيسير والتسهيل في قراءة القرآن نطقا وأداء وعدم الإحراج والإعنات في ذلك وهذا مما قرره غير واحد من العلماء. فإن البحث حولها اتسع حتى خرج عن هذا النطاق ودخل في نطاق آخر يتصل بما ذكرناه من التخمينات حول أسرار القرآن ومكنوناته وشموله. ولقد عدّ صاحب «الإتقان» خمسة وثلاثين قولا في هذه الأحاديث أقلها متصل بتسهيل القراءة وأكثرها من قبل تلك التخمينات كما ترى في هذه السلسلة: 1- سبعة أوجه للقراءة. 2- سبعة أوجه يقع فيها تغاير في فتح ورفع وكسر وتقديم وتأخير وتخفيف وتشديد وإدغام. 3- سبعة أنواع من الآيات: آية في صفات الله وآية تفسيرها في آية أخرى وآية بيانها في السنة الصحيحة وآية في قصة الأنبياء والرسل وآية في خلق الأشياء وآية في وصف الجنة وآية في وصف النار. 4- سبع جهات من صفات الله. 5- سبعة أنواع أخرى من الآيات آية في وصف الصانع وآية في إثبات الوحدانية له وآية في إثبات صفاته وآية في إثبات رسله وآية في إثبات كتبه وآية في إثبات الإسلام وآية في إثبات الكفر. 6- سبع قراءات لسبعة من الصحابة وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وأبيّ بن كعب. 7- ظهر وبطن وفرض وندب وخصوص وعموم وأمثال. 8- تصريف ومصادر وعروض وغريب وسجع ولغات مختلفة كلها في واحد. 9- سبعة ألفاظ عام أريد به الخاص وخاص أريد به العام، وعام أريد به العام وخاص أريد به الخاص ولفظ يستغني تنزيله عن تأويله ولفظ لا يعلم تأويله إلا الراسخون ولفظ لا يعلم تأويله إلا الله.

10- المطلق والمقيد والعام والخاص والنصّ والمؤول والناسخ والمنسوخ والمجمل والمفسر والاستثناء وهذا قول الفقهاء. 11- الحذف والصلة، والتقديم والتأخير، والاستعارة والتكرار، والكناية والحقيقة والمجاز، والمجمل والمفسر، والظاهر والغريب وهذا قول علماء اللغة. 12- التذكير والتأنيث، والشرط والجزاء، والتصريف والإعراب والإقسام وجوابها، والجمع والإفراد والتصغير والتعظيم، واختلاف الأدوات وهو قول علماء النحو. 13- الزهد والقناعة مع اليقين والجزم والخدمة مع الحياء، والكرم والفتوة مع الفقر، والمجاهدة والمراقبة مع الخوف، والرجاء والتضرع والاستغفار مع الرضى، والشكر والصبر مع المحاسبة والمحبة والشوق مع المشاهدة وهذا قول الصوفية. 14- أمر ونهي وبشارة وإنذار وأخبار وأمثال. 15- علم الإنشاء، وعلم الإيجاد، وعلم التوحيد والتنزيه، وعلم صفات الذات، وعلم صفات الفعل، وعلم صفات العفو والعذاب، وعلم الحشر والحساب، وعلم النبوات. 16- المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ والخصوص والعموم والقصص. 17- سبع لغات لغة قريش ولغة اليمن ولغة جرهم ولغة هوازن ولغة قضاعة ولغة تميم ولغة طي. 18- سبعة أوجه إعراب للكلمة الواحدة حتى يكون المعنى واحدا وإن اختلف لفظا. 19- سبعة أحرف هي أمهات الهجاء وهي الألف والباء والجيم والدال والزاي والسين والعين. 20- إن جبريل كان يكرر كل كلمة سبع مرات على سبعة أوجه. 21- تقرير كون القرآن نزل بمعان متسق مفهومها مختلف مسموعها حيث يجوز التغاير إذا لم تبدل كلمة عذاب بكلمة رحمة. وروى القائلون في معرض

تدليلهم على قولهم إن ابن مسعود كان يقرأ (امهلونا) مكان انْظُرُونا في سورة الحديد [13] ، وأن أبيّا كان يقرأ (سعوا) بدل مَشَوْا في سورة البقرة [20] ، وأن ابن مسعود أجاز للقارىء أن يقرأ (طعام الفاجر) بدل طَعامُ الْأَثِيمِ (44) في سورة الدخان لأنه لم يكن يحسن النطق بكلمة الأثيم. 23- التسهيل في التقديم والتأخير مثل جاءت سكرة الحق بالموت بدلا من وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ في سورة ق [19] . وواضح أن في كل ما ذكرناه في هذا المبحث ثغرات عديدة من شأنها التشويش على القرآن ومداه وعلى الناظر فيه والراغب في تفهمه، وصرف القلب عن روحانيته وأهدافه الوعظية والإرشادية والتذكيرية والتوجيهية، والاستغراق في هذه الناحية حتى تنقلب جمل القرآن وكلماته وحروفه إلى معادلات جبرية ورياضية وكيمياوية وتنجيمية ومنطقية وكلامية وجدلية إلى آخره مما يخرجه عن قدسيته ولا يتسق مع طبيعة توجيهه إلى مختلف طبقات الناس، وما تقتضيه هذه الطبيعة من عدم انطوائه على أسرار ورموز وغوامض غيبت عن فئة دون فئة، واختصت بها فئة دون فئة، كما لا يتسق مع نصوص القرآن الصريحة بأنه أنزل ليكون موعظة وهدى ورحمة للناس كافة، وبأن الناس جميعهم مدعوون إلى تفهمه وتدبره والتزام حدوده الإيجابية والسلبية، وهذا فضلا عن ما في الأقوال أو كثير منها من التكلف والتزيد والتجوز والتحكم، وعن ما يبدو في بعضها من آثار الخلافات الحزبية والسياسية والنحلية والمذهبية من جهة وعما يبدو في بعضها من جهة ثانية من مقاصد الدسّ على القرآن والإسلام من بعض النحل والفرق التي حرصت أن تبثّ في الأذهان أن التكليفات الشرعية معاني وأهدافا مكنونة تخالف ظاهرها، وأن تثير في النفوس نحو القرآن الشكوك والريب، وفضلا عن ما يبدو من جهة ثالثة من مقاصد التجزئة على التبديل والتغيير في نظم القرآن وكلماته من ناحية ما هناك من روايات الخلافات اللفظية والنظمية، ونكاد نجزم أن كثيرا من هذه الروايات الكثيرة جدا والواردة في مختلف كتب التفسير والقراءات والمعزوة إلى الصحابة، والتي

- 7 - الولع بالتفريع والاستطراد:

تدور في نطاق الألفاظ والنظم تبديلا وتقديما وتأخيرا وزيادة ونقصا ونحوا وصرفا مدسوس أو محرّف، وأنه يمتّ إلى هذه المقاصد الخبيثة على اعتبار أن صحة صدور القرآن عن النبي منوطة بوحدة اللفظ والنظم، وأن تشويه هذه الوحدة كفيل بالتشكيك في صحة صدور القرآن المتداول عن النبي، مع التنبيه على أننا لا نرى ما يمنع أن يكون بين المندمجين في هذه الروايات والتخمينات أناس ذوو نيات حسنة وطويات سليمة ومقاصد بريئة. - 7- الولع بالتفريع والاستطراد: سابعا: إن بعض المفسرين قد ولع ولعا غريبا في التفريع والتقسيم والاستطراد إلى البحوث المتنوعة الآلية والعقلية والكونية والكلامية والطبيعية والفقهية والفلسفية. والعلم البارز في هذا الباب من قدماء المفسرين الرازي في تفسيره «مفاتيح الغيب» وهذا الولع ليس من نوع الولع بالرموز والأسرار والمغيبات، وهذا ما جعلنا نفرد له نبذة خاصة. وقبل كل شيء نريد أن ننبه على أن تفسير هذا الإمام من ناحية متناوله العلمي الأسلوبي القديم كنز غني ومعلمة كبرى يصح أن تكون مفخرة من مفاخر المؤلفين الإسلاميين وبما بلغوا إليه من رفيع المستوي في البحث والعلم وسعة الاطلاع وشموله وطول النفس، ولو أنه ألّف كتابه الذي يقع في أكثر من ستة آلاف صحيفة من القطع الكبير ذي الحرف الدقيق كمعلمة مرتبة على حروف الهجاء أو الكلمات أو المواضيع لكان عملا عظيما لا غبار عليه، ولكن الثغرة فيه أنه كتبه في صدد تفسير القرآن في حين أن الناظر فيه يكاد ينسى أنه يقرأ تفسيرا لكثرة التفريع وتعداد المسائل والوجوه وتوالي الاستطرادات التي كثيرا ما لا تكون متصلة بالموضوع القرآني إلا اتصالا لفظيا.

وفي الصفحات الأولى لهذا التفسير يبدو أن الدافع إليه هو الرغبة في تعداد كثرة المسائل التي تتفرع من كل فصل أو آية أو عبارة في القرآن فيقول المؤلف مثلا إنه قال إن سورة الفاتحة يمكن أن يستنبط منها عشرة آلاف مسألة فاستبعد هذا بعض ذوي الهمم القاصرة، ثم يأخذ يجمل في التعداد وفي أنواع المسائل وما تحتويه من وجوه وأمثلة حتى ينتهي به القول إلى أن الاستعاذة وحدها تحتوي عشرة آلاف مسألة، وأن البسملة وحدها تحتوي مثل ذلك، وأن الحمد لله رب العالمين تحتوي مثل ذلك، ثم يجمل فيقول إن سورة الفاتحة تحتوي ألف ألف (ميليون) مسألة أو أكثر وليس عشرة آلاف كما قرر أولا من باب التساهل، فربّ العالمين مثلا على أسلوبه تعني جميع المخلوقات السماوية والأرضية من ملائكة وسماوات وكواكب وأرضين وجنّ وإنس ودواب وطيور وهوام ومعادن ومياه وبحار ونباتات وأشجار وما يتصل بكل ذلك من عادات ونواميس ومعايش إلى آخره، حيث يبدو في هذا من الإغراق العجيب في التجوز والتوسع في سياق تفسير القرآن ما يثير العجب. ولقد بلغ عدد الصفحات الكبيرة التي فسر فيها سورة الفاتحة مئتين وستا وعشرين احتوت أكثر من مئة ألف كلمة أو بمقدار المصحف جميعه مرة ونصفا. فيذكر الكلمة من ناحية تركيبها الهجائي عكسا وطردا وتبديل مواقع حروف وثنائيا وثلاثيا ورباعيا وخماسيا وسداسيا، ثم من ناحية اشتقاقها ومعانيها في كل هذه التركيبات الهجائية والأوزان الصرفية، ثم من ناحية صرفها ونحوها ومداها الفلسفي والمنطقي والكلامي والجدلي والذهني والاستعمالي والحسي والنفسي والتصوري والفقهي، مع استعراض أقوال وافتراض أسئلة وإيراد ردود وأجوبة إلى آخره، فلا يلبث القارئ كما قلنا أن ينسى أنه يقرأ تفسيرا للقرآن وإنما معلمه فيها كل شيء مما حمل بعض العلماء على القول إن فيه كل شيء عدا التفسير. وبنفس هذا الأسلوب الاستطرادي ذي النفس الطويل يتناول البحث في ماهية كل موضوع، سواء أكان ذلك من مشاهد الكون والخلق والتكوين، أم من مشاهد الآخرة أم من مواضيع الملائكة والجن والشياطين فيستعرض أقوال مختلف الفئات من طبيعيين والهيين وفلاسفة وملاحدة وفرق إسلامية في تلك المشاهد وهذه

المواضيع وأدلتهم واعتراضات خصوم كل فئة وفرقة وأدلتهم ويناقش ويجادل ويقرر ويصوّب ويخطىء. وبنفس الأسلوب يدخل في بحوث جدلية كلامية فيورد أقوال مختلف الفئات والفرق وأدلتهم واعتراضاتهم على خصومهم ويناقش ويجادل ويقرر ويصوب ويخطىء أيضا. ومع ما على كلام المؤلف من طابع الاستقلال بوجه عام وما تدل عليه استطراداته وتعليقاته واستدراكاته ومنقولاته من قوة العقل وسعة الأفق والنظر والمشاركة الواسعة في مختلف العلوم والمواضيع من نحو وصرف وبلاغة ومنطق وجدل وفقه ورواية وفلسفة وطبيعيات وإلهيات إلى آخره فإن المدقق فيها يجد كثيرا من التكلف والتحكم والاضطراب والتخمين والمفارقة والمبالغة والإغراب في مواضع ومواضيع كثيرة يرى القارئ شيئا منها في بعض الأمثلة التي سننقلها عنه بعد قليل. وهذا بالإضافة إلى نظره في القرآن جملة جملة وعبارة عبارة وسوقه التعليقات والاستطرادات على هذا الاعتبار في الأعمّ الأغلب، وإلى ما في كتابه في صدد القصص القرآنية من تعليقات فيها ما في كتب غيره من المبالغات والتهافت والمفارقات والإغراب، وإلى ما في كتابه مع طابع الرأي والشخصية من الأحاديث الكثيرة المعزوة إلى الصحابة والتابعين ومن الأحاديث النبوية التي أوردت في سياق التعليقات والاستطرادات ومناسبات النزول فيها شيء كثير لا يستند إلى أسناد موثقة ولا يثبت على النقد والتمحيص. والكتاب جميعه أمثلة على ما قلناه آخذ بعضها برقاب بعض حتى إن الناظر فيه لا يجد أي صعوبة في تلقف الأمثلة في سياق أي جملة أو عبارة قرآنية. ومع أن نقل نماذج في هذا المقام مؤدّ إلى التطويل بسبب كثرة التداخل والتفريع والاستطراد وطول النفس فإننا رأينا أن نورد بعض المقتطفات الموضوعية مع مثال أسلوبي واحد:

(1) تساءل المؤلف في سياق جملة أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ [البقرة: 19] ، عن فائدة ذكر السماء مع أن الصيّب لا يكون إلا من السماء وأجاب بقوله إن ذلك لئلا يظن احتمال نزول الصيّب من بعض جوانب السماء دون بعض، فلما ذكرت السماء دلّ على أنه عام مطبق آخذ بآفاق السماء جميعها. ثم استطرد فقال إن من الناس من قال إن المطر يحصل من ارتفاع أبخرة من الأرض إلى الهواء فتنعقد هناك من شدة برد الهواء ثم تنزل مرة أخرى فذاك هو المطر فأبطل الله ذلك المذهب حيث بيّن أن الصيّب نزل من السماء، وأكّده في آيات أخرى مثل وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً [الفرقان: 48] ، ووَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ [النور: 43] ، والتكلّف في التساؤل واضح كما أنه ربط في استطراداته نظرية ماهية المطر بنصوص قرآنية وفي هذا تعريض للقرآن للنقاش الجدلي. (2) قال في سياق تعبير يا أَيُّهَا النَّاسُ [البقرة: 21] ، إنه روى عن علقمة والحسن أنهما قالا إن كل شيء في القرآن يبدأ بهذا النداء فإنه مكي وما ابتدأ بنداء المؤمنين فهو مدني. ثم قال إن القاضي قال إن هذا الذي ذكروه إن كان مرجعه النقل فمسلّم به وإن كان السبب فيه حصول المؤمنين في المدينة على الكثرة دون مكة فهو ضعيف لأنه لا يجوز أن يخاطب المؤمنون مرة بصفتهم ومرة بجنسهم، وقد يؤمر من ليس بمؤمن بالعبادة كما يؤمر المؤمن بالاستمرار عليها فالخطاب في الجميع ممكن. وغفل هو والقاضي ومن نقل عن علقمة والحسن أو هذان إذا كانا قالا القول الذي نقل عنهما عن واقعية وقطعية مدنية آيات فيها الخطاب بنداء المسلمين مثل آية النساء الأولى والآية [170] منها ومثل آية الحجرات [13] مثلا فأراد القائلون أن يحلوا المسألة بالمنطق أو التسليم بالنقل مهما كان بادي الوهن دون الواقع الراهن. (3) قال في سياق جملة الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً [البقرة: 22] ، إنها دليل على أن الأرض ساكنة غير متحركة لا بالاستقامة ولا بالاستدارة فلو كانت

متحركة بالاستقامة لما كانت فراشا على الإطلاق لأن من ظفر من موضع عال يجب أن لا يصل إلى الأرض لأنها هاوية وذلك الإنسان هاو والأرض أثقل من الإنسان والثقيلان إذا نزلا كان أثقلهما أسرعهما والإبطاء لا يلحق الإسراع فثبت أنها لو كانت هاوية لما كانت فراشا.. أما لو كانت حركتها بالاستدارة فلا يمكن انتفاعنا بها لأن حركة الأرض إذا كانت إلى المشرق مثلا والإنسان يريد أن يتحرك إلى جانب الغرب فيجب أن يبقى في مكانه ولا يستطيع أن يصل إلى حيث يريد لأن حركة الأرض أسرع ولما أمكنه الوصول علمنا أن الأرض غير متحركة بالاستدارة أيضا. (4) تساءل عن أيّهما أفضل الأرض أم السماء في سياق آية البقرة [22] فأورد أربعة أقوال لمفضلي السماء على الأرض هي: (1) إن السماء متعبد الملائكة وما فيها بقعة عصى الله فيها أحد (2) إن آدم لما ارتكب المعصية قيل له اهبط من الجنة وقال الله لا يسكن في جواري من عصاني (3) إن ذكر السماء على الأغلب قد ورد مقدما والتقديم دليل التفضيل (4) إن الله قال وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً [الأنبياء: 32] ، وتَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً [الفرقان: 61] ، ولم يذكر الأرض في ذلك، ثم أورد أقوال مفضلي الأرض وهي: (1) إن الله وصف بقاعا من الأرض بالبركة (2) الله وصف جملة الأرض بالبركة (3) إن الله خلق الأنبياء من الأرض (4) إن الله كرّم الأرض بالخلق منها في حين أنه لم يخلق من السماء شيئا (5) إن الله كرم نبيه فجعل له الأرض كلها مسجدا وجعل له ترابها طهورا. (5) ومما قاله في تعليل طلوع القمر وغيابه إن الله جعل في كلا الحالتين مصلحة، ففي غروبه نفع لمن هرب من عدوه فيستره الظلام ويخفيه فلا يلحقه طالب فينجو، وفي طلوعه نفع لمن ضلّ عنه شيء وأخفاه الظلام قبل الطلوع. (6) وقال فيما قاله في سياق جملة وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ.. [البقرة: 30] ، روي أن بني آدم عشر الجن وإن الجن عشر حيوانات البرّ وهؤلاء كلهم عشر

الطيور وهؤلاء كلهم عشر حيوانات البحر وهؤلاء كلهم عشر ملائكة الأرض الموكلين بها وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الدنيا، وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثانية وعلى هذا الترتيب إلى السماء السابعة، ثم الكل في مقابلة ملائكة الكرسي نزر قليل، ثم كل هؤلاء عشر ملائكة السرادق، وعدد سرادقات العرش ستمائة ألف وطول كل واحد وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السماوات والأرضون وما فيها وما بينها فإنها كلها تكون شيئا يسيرا وقدرا صغيرا، ثم كل هؤلاء في مقابلة الملائكة الذين يحومون حول العرش كالقطرة من البحر ولا يعلم عددهم إلا الله، ثم هؤلاء في مقابلة ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل والملائكة الذين هم جنود جبرائيل مثل ذلك. ثم استطرد فقال إنه قرأ في بعض الكتب أن النبي حين عرج به رأى الملائكة بمنزلة سوق بعضهم يمشي تجاه بعض فسأل جبريل أين يذهبون فقال لا أدري إلا أني أراهم مذ خلقت ولا أرى واحدا منهم قد رأيته قبل ذلك، ثم سألوا واحدا منهم. مذ كم خلقت فقال لا أدري غير أن الله تعالى يخلق كوكبا كل أربعمائة ألف سنة فخلق الله مثل ذلك الكوكب منذ خلقني أربعمائة ألف. وروى في سياق الجملة القرآنية المذكورة عن ابن عباس أن النبي بينما كان في ناحية ومعه جبريل إذ انشقّ أفق السماء فأقبل جبريل يتضاءل ويدخل بعضه في بعض ويدنو من الأرض فإذا ملك قد مثل بين يدي رسول الله فقال يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويخيرك بين أن تكون نبيا ملكا أو نبيا عبدا قال عليه السلام فأشار إليّ جبريل بيده أن تواضع فعرفت أنه لي ناصح فقلت عبدا نبيا فعرج ذلك الملك إلى السماء، فقلت يا جبريل قد كنت أردت أن أسألك عن هذا فرأيت من حالك ما شغلني عن المسألة فمن هذا يا جبريل، قال هذا إسرافيل خلقه الله يوم خلقه بين يديه صافا قدميه لا يرفع طرفه وبينه وبين الرب سبعون نورا ما منها نور يدنو منه إلا احترق، وبين يديه اللوح المحفوظ فإذا أذن الله في شيء من السماء أو من الأرض ارتفع ذلك اللوح بقرب جبينه فنظر إليه فإن كان من عملي أمرني به، وإن كان من عمل ميكائيل أمره به وإن كان من عمل ملك الموت أمره به، قلت على أي شيء أنت يا جبريل قال على الرياح والجنود، قلت على أي شيء ميكائيل

قال على النبات، قلت على أي شيء ملك الموت، قال على قبض الأنفس، وما ظننت أنه هبط إلا لقيام الساعة، وما ذاك الذي رأيت مني إلا خوفا من قيامها.. وهذا مثال أسلوبي منه قال: إن جملة يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة: 21] ، تحتوي مسائل (المسألة الأولى) طرز الخطاب وفيها فوائد: (الفائدة الأولى) تحريك السمع (الثانية) توجيه الخطاب (الثالثة) الانتقال من الغيبة إلى الحضور (الرابعة) الأمر بالتكليف. (المسألة الثانية) احتوت شرح كلمة الناس ومداها واشتقاقاتها. (المسألة الثالثة) في النداء فذكر وجوه النداء وموانعه أولا وثانيا وثالثا. (المسألة الرابعة) في حروف النداء. (المسألة الخامسة) في صلة النداء. (المسألة السادسة) في الأمر الذي احتوته الجملة وفيها أبحاث: (الأول) حرف التعريف ومداه (الثاني) موضع الخطاب (الثالث) شموله وعدم شموله للسامعين (الرابع) مدى الأمر بالعبادة (الخامس) ما إذا كان يتناول الكفار (السادس) إنكار التكليف وأقوال المفكرين فأورد منها خمسة وردّ على كل منها (السابع) استثناءات شمول التكليف. (المسألة السابعة) سبب الدعوة للعبادة ومنها يستطرد إلى الجملة الثانية من الآية الَّذِي خَلَقَكُمْ وهذا الذي ذكرناه رؤوس أقوال فإن المؤلف قد شرح كل مسألة وكل بحث وكل فائدة احتوتها المسألة شرحا وافيا بإيراد الوجوه ووجوه الاعتراض والأقوال والأدلة والردّ عليها إلخ واستغرق الكلام على هذه الجملة وحدها وهي نصف آية خمس صحف كبيرة وهناك جمل كثيرة جدا استغرق الكلام عليها أكثر مما استغرقه الكلام على هذه الجملة، واستفاض الكلام فيها استفاضة أبعد عن الشروح اللغوية والنظمية، وجاء فيها استطرادات ضعيفة الصلة جدا بالجملة ومداها. ونظن أننا في غنى عن القول إن هذا الأسلوب مشوش على الناظر في القرآن والراغب في تفهم مراميه ومبادئه واستيحاء توجيهاته وأحكامه وتلقيناته الكافلة لسعادة الدارين والتي هي الأصل والجوهر فيه وفي الدعوة التي قامت عليه!

وهذا فضلا عما فيه من مآخذ التكلف والتخمين والتزيد والإغراب وإيراد الأقوال والروايات المتهافتة والاستغراق في الجدل والماهيات الكونية والغيبية والعقائدية. وإذا كنا اختصصنا تفسير الرازي بالكلام في هذه الفقرة فإننا لا نعني أنه هو وحده الذي سارع على هذا الأسلوب فهناك تفاسير عديدة وكثيرة التفريع والاستطراد إلى ما لا صلة له بتفسير القرآن إلا ما يمكن أن يكون من صلة بعيدة لغوية أو موضوعية ذكر «الإتقان» منها تفسير الثعلبي. وقد اطلعنا في إحدى مكتبات بورسة على تفسير مخطوط ضخم وعديد المجلدات اسمه العادلي ينحو مؤلفه هذا النحو. ولعل «تفسير المنار» من التفاسير الحديثة مما يصح أن يسلك في هذا السلك. فقد صدر منه اثنا عشر مجلدا تبلغ صفحاتها نحو ستة آلاف من القطع الكبير والحرف الدقيق لتفسير اثني عشر جزءا من القرآن أي أن الله لو فسح في حياة مؤلفه العظيم وأتمه لبلغت صفحاته خمسة عشر ألفا أي أكثر من ضعف تفسير الرازي، ولعله يكون بذلك أضخم تفسير في القديم والحديث. وقد توسع مؤلفه في البحوث وأكثر من الاستطرادات والتفريعات والتعليقات والتزم في كثير منها أسلوب المناظرة وخاصة بين الإسلام والنصرانية ومبشري النصارى وكتابهم بحيث يكاد القارئ ينسى أنه يقرأ تفسيرا وبحيث يصعب التفرغ لقراءته، فأبعده ذلك فيما نعتقد عن أن يكون التفسير المثالي، مع أن التمحيص والتدقيق في بحوثه غالبان، والتكلّف والتهافت فيها قليلان: وقد نمّ عن فهم عميق لأهداف القرآن ومراميه، بحيث يعدّ بحق أحسن المؤلفات الإسلامية القرآنية الكبيرة وأقومها وأقواها وأشدها حرارة وحيوية. وهو من هذه الناحية معلمة إسلامية قرآنية عظيمة القدر من الخسارة أن يموت مؤلفها قبل إتمامها، وفرق كبير من ناحية التمحيص والتدقيق وقلة التكلّف والتهافت والإغراب بينه وبين تفسير الرازي وغيره من التفاسير الكبيرة القديمة والحديثة.

- 8 - بحوث وآراء حول القرآن

ولقد اطلعنا على تفسير حديث نشر معظمه للأستاذ المراغي «1» ومع أن قصد التحرز والتحاشي وعدم الإغراب والسير بأسلوب قريب المتناول على أوساط الأفهام ملموس فيه فإنه يأخذ كثيرا من الروايات والأقوال الضعيفة وغير المتسقة مع الآيات سندا أو كقضايا مسلمة ولا يندمج في جو القرآن ونزوله وبيئته، وليس فيه تلك الحرارة والحيوية اللتين تثيران الاهتمام والشوق فضلا عن تفصيلات كثيرة لا طائل من ورائها أدخلته في عداد كتب التفسير الضخمة التي لا تسمح لكثير من الراغبين بالإحاطة به واستيعابه حيث تبلغ صفحاته نحو سبعة آلاف ونيفا، وكل ذلك لا يجعله تفسيرا مثاليا فيما نعتقد. - 8-[بحوث وآراء حول القرآن] بالإضافة إلى ما شرحناه من الثغرات وأوردناه من التعليقات والمآخذ حول كل مبحث من مباحث هذا الفصل فإن هناك بحوثا وآراء دارت حول القرآن، وكانت فيما يتبادر لنا مظاهر عامة مشتركة بين هذه الثغرات يصح أن تشرح وأن يعلق عليها في هذا المقام. روايات نزول القرآن جملة واحدة وأثرها: فأولا: من ذلك الآثار المروية بأن القرآن قد نزل جملة واحدة إلى سماء الدنيا ثم صار ينزل على النبي خلال مدة حياته بعد بعثته. فالذي يبدو لنا أنه كان لهذه الآثار أثر قليل أو كثير في بعض الثغرات التي ذكرناها أو بالأحرى في أكثرها، بحيث صارت عاملا بين حين وآخر وبقصد وغير قصد في إغفال صلة الفصول القرآنية بالسيرة والبيئة النبوية، ومفهوم الأساليب الخطابية العربية ومدارك سامعي القرآن ومألوفاتهم ومتداولاتهم وعاملا كذلك في إسباغ معان خاصة أو مستقلة على

_ (1) هو غير المرحوم شيخ الأزهر. الجزء الأول من التفسير الحديث 17

الألفاظ والأساليب القرآنية، واستخراج معان خاصة منها تباعد بيننا وبين نزول القرآن وجو البيئة النبوية التي تتصل بالقرآن ونزوله وأساليبه وألفاظه اتصالا مباشرا ووثيقا على ما شرحناه في مناسبة سابقة. ومع أن من العلماء من توقف في التسليم بمدى هذه الآثار ورأى فيها تعارضا مع ما في القرآن من ناسخ ومنسوخ وجدل، وقال إن القرآن كان ينزل على قلب النبي من عند الله منجما حسب الحوادث فإن كثيرا منهم أخذوا بها كما يبدو من التدقيق في مختلف الكتب والتفاسير القديمة التي كانت عماد كتب التفسير التالية قليلا أو كثيرا، ومنهم من جمع بين الأخذ بها وبين القول بنزول القرآن حسب الحوادث معا، وجل هذه الآثار إن لم يكن كلّها منسوب إلى ابن عباس مع اختلاف في النصوص والطرق: 1- فقد أخرج الحاكم من إحدى الطرق عن ابن عباس أنه قال: «أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة ثم قرأ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: 32] . 2- وأخرج الحاكم كذلك بطريق أخرى عن ابن عباس أنه قال «فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل به على النبي» . 3- وأخرج الطبراني من إحدى الطرق عن ابن عباس قال «أنزل القرآن في ليلة القدر إلى سماء الدنيا جملة واحدة ثم أنزل نجوما» . 4- وأخرج الطبراني كذلك عن ابن عباس من طريق أخرى أنه قال «أنزل القرآن جملة واحدة حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا ونزله جبريل على محمد بجواب كلام العباد وأعمالهم» . 5- وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس «أن القرآن دفع إلى جبريل في ليلة القدر جملة واحدة ثم جعل ينزله تنزيلا» .

6- وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال «نزل القرآن جملة واحدة من عند الله من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا فنجمته السفرة على جبريل عشرين ليلة ونجمه جبريل على النبي عشرين سنة» . وقد سيقت هذه الروايات في سياق هذه الآيات: 1- شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة: 185] . 2- إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ [الدخان: 3] . 3- إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: 1] . ووردت متقاربة المدى مع بعض التباين في الصيغة في التفسير المنسوب إلى ابن عباس وفي تفاسير عديدة مثل الطبري و «الكشاف» والخازن وأبي السعود والبيضاوي جريا على العادة من اتخاذ المفسرين الروايات الواردة في أغلب الأحيان عمادا للتفسير مهما كان أمرها ورواتها على ما شرحناه في مناسبة سابقة. ولم يقتصر الأمر على الروايات المعزوة إلى ابن عباس فإن بعض العلماء رووا روايات وقالوا أقوالا أخرى في الموضوع فقال أبو شامة وهو من علماء القرآن باحتمال أن يكون القرآن قد أنزل إلى السماء قبل نبوة النبي. وروي عن عكرمة أنه قال إن آية فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ [الواقعة: 75] ، تعني نزول القرآن منجما من السماء الأولى. وعلّق بعض العلماء والمفسرين على ما تضمنته الروايات تعليقات تطبيقية وتوفيقية على اعتبار أنها قضية مسلمة فقال أبو شامة إن السرّ في إنزاله إلى السماء تفخيم أمره وأمر من نزل عليه، وذلك بإعلام سكان السماوات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم قد قربناه إليهم لننزله عليهم، ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهم منجما حسب الوقائع لهبط به الأرض جملة واحدة كسائر الكتب المنزلة قبله، ولكن الله باين بينه وبينها فجعل له الأمرين بإنزاله جملة ثم إنزاله مفرقا.. وقال الحاكم والترمذي أنزل القرآن جملة واحدة إلى

سماء الدنيا تسليما منه للأمة ما كان أبرز لهم من الحظ بمبعث محمد، وذلك أن بعثة محمد كانت رحمة فلما خرجت الرحمة بفتح الباب جاءت بمحمد وبالقرآن فوضع القرآن ببيت العزة في السماء الدنيا ليدخل في حدّ الدنيا ووضعت النبوة في قلب محمد، وجاء جبريل بالرسالة ثم بالوحي، كأنه تعالى أراد أن يسلم هذه الرحمة التي كانت حظ هذه الأمة من الله.. وقال السخاوي إن في إنزاله إلى السماء جملة واحدة تكريما لبني آدم وتعظيما لشأنهم عند الملائكة، وتعريفهم عناية الله بهم ورحمته لهم، ولهذا أمر سبعين ألفا من الملائكة أن تشيع سورة الأنعام «1» ، وزاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمر جبريل بإملائه على السفرة الكرام وإنساخهم إياه وتلاوتهم له، وفيه تسوية بين نبينا وبين موسى في إنزاله كتابه جملة، والتفضيل لمحمد في إنزاله جملة ومنجما..! وجاء في تفسير الخازن في سياق سورة القدر وبعد إيراد الروايات المذكورة سابقا: قيل إنما أنزله إلى سماء الدنيا لشرف الملائكة بذلك ولأنها كالمشترك بيننا وبين الملائكة فهي لهم سكن ولنا سقف وزينة، وذكر السيوطي في إتقانه أنه ورد في تفسير النيسابوري أن جماعة من العلماء قالوا نزل القرآن جملة ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى بيت يقال له بيت العزة فحفظ جبريل وغشي على أهل السماوات من هيبة كلام الله فمرّ بهم جبريل وقد أفاقوا وقالوا ماذا أنزل ربكم قالوا الحق يعني القرآن وهو معنى قوله تعالى حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ: 23] ، فأتى به جبريل إلى بيت العزة فأملاه على السفرة الكتبة يعني الملائكة وهو معنى قوله تعالى: بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرامٍ بَرَرَةٍ (16) [عبس 15- 16] ، وآية سبأ جاءت في سياق مشهد من مشاهد الآخرة وفيه إنذار وتنديد بالكفار وحكي فيه موقف من مواقف الجدل بينهم وبين النبي ولا صلة قط بينه وبين المعنى أو المشهد الذي أورده النيسابوري، وفي هذا مثل آخر لأخذ المفسرين الآيات آية أو جملة من آية وعدم ملاحظتهم السياق الذي جاءت فيه.. ومنهم من ناقش ما إذا كانت جملة

_ (1) هناك حديث روي عن النبي بذلك.

إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: 1] من جملة القرآن الذي نزل جملة واحدة أم لا لأنها تتضمن إخبارا وتوهم التعارض، ثم خرجوها بأن معنى أنزلناه في الجملة قضيناه وقدرناه «1» . كل هذا في حين أن هذه الأقوال وخاصة المعزوة إلى ابن عباس وهي الأصل فيها ليست مرفوعة إلى النبي، وهي أخبار عن غيب متصل بعلم الله وسرّ ملكوته ووجوده لا يمكن العلم بها إلا عن طريق النبي وهو ما لم يثبت فيما اطلعنا عليه، ونستبعد صدورها عن ابن عباس لما فيها من تخمين في أمر لا يصح أن يلقى الكلام فيه جزافا ومن غير سند نبوي ثابت أو صراحة قرآنية. وفي الروايات الوثيقة الواردة أن الوحي نزل لأول مرة على النبي بأول آيات القرآن في ليلة من ليالي رمضان وهو معتكف في غار حراء على عادته من الاعتكاف في هذا الشهر، وما احتوته آيات البقرة والدخان والقدر هو فيما نعتقد إشارة إلى هذا الحادث، وقد جاءت كلمة القرآن في أوائل سورة المزمل التي هي من أوائل القرآن نزولا ثم ظلت تتكرر في السور المكية والمدنية وكانت تعني بطبيعة الحال الجزء الذي تم نزوله على قلب النبي، وفي هذا دليل على أن تعبير إِنَّا أَنْزَلْناهُ في آيتي الدخان والقدر وجملة شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ في آية البقرة [158] لا تقتضي أن تكون قصدت جميع القرآن مما يمكن أن يكون محل إشكال أريد تخريجه على الوجه الذي خرج به. ولقد أورد السيوطي في إتقانه حديثا نبويا برواية واثلة بن الأسقع جاء فيه أن النبي قال إن التوراة نزلت لست مضين من رمضان والإنجيل لثلاث عشرة والزبور لثمان عشرة والقرآن لأربع وعشرين خلت منه، وسيق هذا الحديث في معرض تلك الآيات والروايات والأقوال، ومهما يكن من أمره فليس من شأنه على فرض صحته أن يؤيد تلك الأقوال والروايات لأنه ليس فيه صراحتها، وليس من المستبعد أن يكون أريد به الإشارة إلى أول نزول الكتب السماوية بما فيها القرآن كما هو الواقع

_ (1) الأقوال التي أوردناها قد ورد جلّها في «الإتقان» للسيوطي.

المروي في الأحاديث الصحيحة بالنسبة إلى القرآن. ومن الطريف أن بعض المعلقين استنبط على ما ذكره السيوطي من عدم الرد على الكفار فيما تحدوه من إنزال القرآن جملة واحدة صحة ما قيل من أن الكتب السماوية نزلت جملة واحدة وقال إنها لو لم تكن نزلت جملة واحدة لكان القرآن ردّ على المتحدين. وإذا كان بعض العلماء توقف في ما إذا كانت جملة إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: 1] هي من جملة القرآن الذي نزل جملة واحدة أم لا لأنها تتضمن إخبارا وتوهم التعارض فكم بالأحرى الآيات الكثيرة المماثلة ثم الفصول الكثيرة جدا الواردة في مختلف السور والتي تحكي حجاج الكفار وجدلهم في القرآن وتحديه أو تحكي مواقف الكفار من الدعوة النبوية ومن إنذارات القرآن وتبشيراته باليوم الآخر وحسابه وثوابه وعقابه، وهزؤهم بالنبي وتحديه بإحداث المعجزات وإنزال الملائكة إلخ، ثم التي تحكي وقائع السيرة الجهادية والتشريعية، ثم التي تندد بالكفار وتصور عنادهم وتحتم لهم الخلود في النار وتلك التي تذكر إسلام كثير منهم وتوبة الله عليهم وانتقالهم من صف الكفار إلى صف المسلمين ومن مصير الخلود في النار إلى الخلود في الجنة وأمثال ذلك مما كان يقع نتيجة لسير الدعوة وظروفها الطارئة ومما يغلب عليه طابع الوسائل التدعيمية لأهداف القرآن وأسسه ودعوته. ولا ندري كيف سوغ القائلون لأنفسهم بعد هذا أن يقولوا إن القرآن- وهم يعنون جميع ما بين الدفتين من أسس ووسائل- قد نزل جملة واحدة يوم بعثة النبي أو قبله. وعلى كل حال فإن ما ساقه القائلون في حكمة إنزال القرآن جملة واحدة إلى السماء عند بدء النبوة أو قبلها وكذلك ما علقوا به من تعليقات هي الأخرى أقوال تخمينية، وفيها من التكلّف والتزيد بل والتهافت ما يستطيع أن يلمسه المدقق الذي ينعم النظر، وأن القول في أصله يظل غير مفهوم الحكمة، وغير متسق مع طبائع الأمور وحقائق الأشياء، ولقد غاب عنهم فيما يتراءى لنا أن القرآن بصفته وحي الله

- 9 - روايات نزول القرآن بالمعنى وأثرها:

قد تحققت فيه جميع معاني التعظيم والتفخيم والتكريم، وإنه ليس في حاجة إلى المزيد بمثل هذه المظاهر كما غاب عنهم أنهم يقررون ماهيات مادية عن السماء الأولى وبيت العزة والحفظة والسفرة والتوزيع على جبريل وتلقي جبريل عنهم، ويصفون مشاهد إبصارية لا يصحّ إلقاء الكلام فيها جزافا، وليس عندهم أي دليل نقلي ثابت وصحيح صادر عن النبي الذي هو وحده صاحب الحق في الإخبار عن الغيبيات. ومهما يكن من أمر فإن هذه الأقوال تدل على أن كثيرا من الناظرين في القرآن وعلمائه ومفسريه اعتبروا أو يقع الوهم بأنهم اعتبروا القرآن- ومن جملته الفصول الوسائلية والتدعيمية والوقائع الجهادية والأسئلة والأجوبة ومواقف التحدي والجدل والحجاج المتقابلة- مستقلا في أصله عن الأحداث التي نزل بمناسباتها، وكون هذه الأحداث ليست إلا ظروفا عابرة لنزوله حتى مع قولهم إن القرآن قد نزل منجما حسب الحوادث- لأن هذا يبدو غريبا إزاء القول إن القرآن نزل في بدء نبوة النبي أو قبلها جملة واحدة إلى سماء الدنيا- فقالوا ما قالوه وولعوا بما ولعوا به من أسرار القرآن، واستقراء حروفه ورموزه ومغيباته، واستغرقوا في ماهيات ما جاء فيه من مشاهد كونية وقصص تاريخية، وحاولوا أن يستخرجوا حقائق ما كان ويكون من الوقائع والعلوم ونظرياتها، وفي هذا ما فيه من التكلّف والتجاوز والتشويش وتعريض القرآن للمغامز والمطاعن في حين أنه لا طائل من ورائه ولا ضرورة له ولا أسناد وثيقة تدعمه. - 9- روايات نزول القرآن بالمعنى وأثرها: ثانيا: ومن ذلك ما قاله بعض العلماء من نزول القرآن على قلب النبي بالمعنى لا باللفظ. فقد ذكر صاحب «الإتقان» هذا الموضوع في فصل كيفية نزول القرآن على قلب النبي بالمعنى لا باللفظ. فقد ذكر صاحب «الإتقان» هذا الموضوع في محل كيفية نزول القرآن، وقال إن هناك أربعة أقوال: (1) إنه نزل باللفظ

والمعنى وإن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به. (2) إن جبريل إنما نزل به بالمعاني خاصة وإن النبي علم تلك المعاني وعبر عنها بلغة العرب، واستند قائلو هذا القول بظاهر قوله تعالى نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [الشعراء: 193- 194] . (3) إن القرآن ألقي إلى جبريل بالمعنى وإنه عبر عن المعاني بالألفاظ العربية وبها نزل على النبي، وإن أهل السماء يقرأونه بالعربية. (4) إن الوحي نزل باللفظ حينا وبالمعنى حينا فما نزل باللفظ فهو القرآن وما نزل بالمعنى فهو السنّة، أي أن الأحاديث النبوية هي أيضا وحي رباني ولكنها نزلت بالمعنى، وعلّل أصحاب هذا القول إنه كان يقصد التخفيف عن الأمة، ولذلك جازت رواية الأحاديث النبوية بالمعنى. ويلاحظ أن هذه الأقوال تخمينية، ولم يورد قائلوها أسنادا موثقة لها في حين أن الموضوع متصل بسرّ وحي الله وسرّ النبوة كذلك، فهو أمر غيبي إيماني لا يصح قول شيء فيه إلا بنصّ صريح من قرآن أو حديث ثابت عن النبي، وما دام أنه لم يرد شيء من ذلك، وإن النبي قد بلغ القرآن الموحى به إليه بألفاظه العربية التي دوّنت وحفظت عنه بالتواتر اليقيني فليس من محل للقول إن القرآن أوحي إليه بالمعنى كما أنه ليس من ورائه طائل، وإن الحق في هذا هو ما يتسق مع الواقع وحسب وهو أن ما بلغه النبي من ألفاظ القرآن هو ما نزل الوحي به على قلبه، وأنه لا يصح أن يعدل عن هذا إلى غيره بالظنّ والتخمين. على أن النصوص القرآنية هي في جانب ما نقول أيضا أكثر منها في الجانب الآخر أو في جانب السكوت. فآيات يوسف [2] والزخرف [3] والزمر [28] وفصلت [3 و 44] التي تذكر تنزيل القرآن عربيا وجعله عربيا- وقد نقلناها في مناسبات سابقة- تحتوي قرائن بل دلائل قوية على قصد تقرير كون الألفاظ العربية التي بلغها النبي هي ما نزل الوحي به على قلبه. ومن الغريب أن القائلين بنزول القرآن بالمعنى استندوا إلى آيتي الشعراء: [193- 194] اللتين نقلناهما وغفلوا عن ما بعدها بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) ، كما

هي العادة من أخذ آية دون آية ودون سياق للتدليل بهما على رأي ما، في حين أن بعدهما أي الآية [195] يحتوي ما ينقض ذلك بصراحة، ومن الغريب أكثر أن لا يحتج القائلون بنزول القرآن بألفاظه بهذا النصّ القرآني الصريح القاطع. ومما يجدر التنبيه عليه في هذه المناسبة أن القول بأن الأحاديث النبوية مما كان ينزل به الوحي بالمعنى على إطلاقه لا يتسق مع الواقع والنصوص القرآنية. فقد احتوت آيات عديدة عتابا للنبي على بعض الحوادث والوقائع والمواقف والأقوال التي صدرت منه بل وعلى بعض الأفكار والخطرات التي دارت في ذهنه في العهد المكي والعهد المدني على السواء مما تشير إليه آيات سورة عبس: [1- 10] والإسراء: [73- 75] وهود: [12] والأنفال: [67- 68] والتوبة: [43 و 113- 117] والأحزاب: [37] والتحريم: [1- 2] والنساء: [105- 112] . فلو كان كل ما قاله النبي وفعله وفكر فيه وحيا على إطلاق القول لما كان محل لمعاتبته. ولقد أثر عن النبي حوادث وأخبار وأحاديث كثيرة ووثيقة في تقرير كونه بشرا قد يخطىء ويصيب في اجتهاداته في أمور الدنيا وسياستها وفي ما يبدو له من ظواهر الأمور التي لا يكون مطلعا على بواطنها وملابساتها، وإنه لا يحلف على شيء فيرى ما هو خير إلا كفّر عن يمينه وأتى الذي هو خير إلخ. ولقد استند القائلون بالوحي العام الشامل إلى آيتي سورة النجم وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (4) ، مع أن روح الآيات وسياقها هما في صدد توكيد صحة ما أخبر به النبي عن اتصال وحي الله به بصورة عامة كما هو المتبادر منها، وهو ما تكررت في صدده الآيات واستهدفته، وإن من التجوز تشميل مداها لكل قول صدر عن النبي لتعارض ذلك مع الوقائع والنصوص. ونريد أن ننبه على نقطة هامة، فنحن لا نعني بما نقرره أن لا يكون النبي في كثير مما قاله وفعله وأمر به ونهى عنه وخاصة مما لم ينزل فيه قرآن ناقض أو معدل أو معاتب ملهما به من الله، ففي القرآن دلائل عديدة على أن كثيرا مما وقع من النبي قبل نزول قرآن به قد وقع بإلهام رباني، وإن القرآن الذي نزل بذلك جاء مؤيدا

له فيه، كما أن جميع ما ثبت عن النبي من سنن قولية وفعلية، وأوامر ونواه مات عنها دون أن ينقضها هو أو القرآن هو تشريع واجب الاتباع بنص القرآن «1» ، وإنما الذي نعنيه التعليق على القول بأن جميع ما صدر عنه من قول وفعل إطلاقا، وبأن جميع السنن النبوية القولية والفعلية وحي من جنس الوحي القرآني مع فارق واحد وهو أن هذا باللفظ وذاك بالمعنى مما لم يرد ما يؤيده من حديث نبوي ثابت أو نص قرآني صريح، ومما لا يجوز الكلام فيه بالظن والتخمين والاجتهاد. وفي القرآن مشاهد كثيرة تدل على أن النبي كان يجتهد في أمر فينزل القرآن مؤيدا له ومثبتا فيه ومنددا بالذين وقفوا منه موقف المخالفة أو التردد أو التمرد، فلو كان ذلك وحيا من جنس الوحي القرآني مع ذلك الفارق لكان يقتضي أن ينصّ عليه حين صدوره عن النبي، أو حين تثبيت النبي فيه قرآنيا بعد صدوره أنه كان وحيا ربانيا وهذا لم يقع. ولقد استهدف بعض الذين قالوا ذلك تقرير العصمة النبوية. وننبه على أن ما نقرره لا يمسّ هذه العصمة، عدا أنه قائم على براهين محكمة قرآنية وواقعية. فالعصمة النبوية تتناول ما يبلغه النبي عن الله، وآيتا النجم مصوبتان على هذا المعنى، والمبلغ عن الله بصراحة هو القرآن فقط ثم تتناول امتناع النبي عن اقتراف إثم أو جريمة أو فاحشة أو مخالفة للقرآن قولا وفعلا، ولا تتناول فيما نعتقد الأقوال والأفعال والمواقف الاجتهادية والعادية التي لم تؤيد بقرآن وليس فيها نية الإثم والضرر والشر والمخالفة، والتي قد يكون فيها الخطأ والصواب وخلاف الأولى الذي في علم الله والذي لا ينكشف للنبي إلا بوحي. وفي القرآن مشاهد عديدة تدل على أن النبي كان يجتهد في أمر فيصدر عنه قولا أو فعلا فينزل القرآن معاتبا حينا ومنبها أو مذكرا حينا بما هو الأولى كمشاهد أسرى بدر وتحريم النبي على نفسه زوجاته واستغفاره لأقاربه من المشركين وإذنه للمعتذرين عن الانضمام لحملة تبوك، وزواجه بمطلقة متبنيه وحادث الأعمى وخطرات نفسه في التساهل

_ (1) اقرأ آيات الحشر: [7] ، والنساء: [80] ، وآل عمران: [31] .

مع المشركين مما احتوت الإشارات إليه سورة الأنفال والتحريم والتوبة والأحزاب وعبس والإسراء، مما لا يمكن أن يحتمل القول معه أن ذلك كان إلهاما ربانيا في معنى الوحي البتة. ونحن من المؤمنين بالعصمة النبوية ولكن لا على ذلك المعنى الذي يجعل النبي يمتنع عليه أن يصدرمنه أي اجتهاد في خلاف الأولى المغيب عنه علمه أو أي خطأ بريء مما لا يمكن أن ينتفي عن الطبيعة البشرية النبوية المقررة في القرآن، ومما تنعدم به حكمة الثناء العظيم الذي أثناه الله في القرآن على أخلاقه، وحكمة اختصاصه من دون الناس بالرسالة، ولكن على المعنى الذي يتحقق في الكمال النبوي خلقا وروحا وعقلا والذي لم يصل النبي إلى درجة الاصطفاء الرباني إلا بعد أن وصل إليه، فصار من سموّ الأخلاق وصفاء الروح وعظم القلب ورجاحة العقل إلى ما يرتفع به عن كل ما يشين، ثم على معنى عصمته من أي خطأ في تبليغ ما أوحي إليه والتزامه له بكل دقة وأمانة وصدق واستغراق. ومهما يكن من أمر، ومع أن كثيرا من العلماء على رأي أن القرآن نزل بألفاظ عربية، وأن ما بلغه النبي من ألفاظه هو ما ألقي إليه من الوحي فالذي يتبادر لنا أن لتلك الأقوال أثرا في الروايات الكثيرة عن خلافيات القراءة وخاصة الخلافيات اللفظية والنظمية من بدل كلمة بكلمة ومن تقديم وتأخير مما أوردنا أمثلة عديدة عنه في مناسبة سابقة، أو أن الذين تداولوا ودونوا هذه الخلافيات دون تمحيص ونقد قد تأثروا بهذه الأقوال، أو أن الذين اخترعوا ودسوا هذه الخلافيات أو بعضها بقصد التشكيك قد استغلوا وروجوا هذه الأقوال، أو أن كل هذا قد وقع معا، كما أنه مما يتبادر لنا أن تكون هذه الأقوال قد أثرت أو تأثرت بأحاديث الأحرف السبعة وتأويلاتها العجيبة التي ذكرنا بعضها سابقا، وخاصة ما ورد في بعض وجوهها من أنها بقصد تقرير أن القرآن قد نزل بمعان متسق مفهومها مختلف مسموعها حيث يجوز التغاير إذا لم تبدل كلمة عذاب بكلمة رحمة. ولعل ما عزي إلى أبي حنيفة من تجويزه الصلاة بقراءة القرآن بالترجمة الفارسية، وتقريره أن المهم في القرآن هو المعنى متصل بهذه الأقوال. وقد ذكر الزمخشري أن أبا حنيفة استند إلى ما روي عن ابن مسعود من إجازته لقارىء بقراءة

- 10 - الخلاف على خلق القرآن وأثره:

«طعام الفاجر» بدلا من طَعامُ الْأَثِيمِ [الدخان: 44] على شرط أن تؤدي الترجمة المعاني على كمالها، وعلق الزمخشري على هذا بقوله إن هذا الشرط بمثابة المنع لأن في كلام العرب وخصوصا القرآن الذي هو معجز بفصاحته وغرابة نظمه وأساليبه من لطائف المعاني والأغراض ما لا يستقل بأدائه لسان من فارسية وغيرها، ولم يكن أبو حنيفة يحسن الفارسية فلم يكن ذلك التقرير منه عن تحقيق وتبصّر، ثم قال إن صاحبي أبي حنيفة أنكرا جواز الصلاة بالقراءة الفارسية، وإن عليّ بن الجعد روى عن أبي يوسف أن أبا حنيفة هو على رأي صاحبيه في الإنكار. وننبه على أننا لسنا هنا في معرض منع ترجمة القرآن أو عدم جوازه، بل إننا نرى هذا مفيدا جدا وواجبا لازما في سبيل نشر الدعوة الإسلامية القرآنية العظمى، كما أن عموم الرسالة النبوية، وعموم الخطاب القرآني لجميع الناس من الدلائل على هذا الوجوب، على أن يقوم بها الأكفاء في فهم القرآن ولغته ولغة ترجمته، وعلى أن يكون القصد منها النشر والدعوة والتبشير لا الصلاة بها، حيث نعتقد بصواب رأي أبي يوسف والحسن صاحبي أبي حنيفة في إنكار الصلاة بها وعدم جوازها إلا بالألفاظ القرآنية العربية التي نزل القرآن بها، لأن القرآن قد وصف فيه بأنه قرآن عربي ولا يمكن أن يعتبر قرآنا تصح به صلاة إلا بهذا الوصف. - 10- الخلاف على خلق القرآن وأثره: ثالثا: ومن ذلك ما دار عليه الخلاف الكلامي المشهور من كون القرآن مخلوقا أو غير مخلوق. ومع أن هذه المسألة فرع من أصل موضوع صفات الله ومعانيها ومداها فإنها اشتهرت أكثر من غيرها لأن الخلاف فيها أدى إلى أحداث تجاوزت الجدل الكلامي بين العلماء إلى الميدان السياسي، وكان من آثارها فتن عمياء أريق فيها الدماء واضطهدت حرية الرأي والعقيدة، وازدرى فيها العلماء واشترك فيها الغوغاء مع الساسة في ساحة واحدة حتى صارت رئيسية، وحتى قال بعضهم إن علم الكلام قد سمّي بهذا الاسم بسبب الخلاف الشديد المشهور على

صفة الكلام الإلهي المتصلة بمسألة خلق القرآن وعدمه. وكان الخلاف من حيث الأساس بين المعتزلة الذين سموا أنفسهم أهل العدل والتوحيد وبين أهل السنة الذين التزموا ما كان عليه السلف من قول وما وردت به الأحاديث أو دلت عليه الآيات، أو كانوا في موقف يرون أنفسهم فيه كذلك. على أن هؤلاء افترقوا في القول حيث إن ابن حنبل وأشياعه قالوا غير ما قاله أبو الحسن الأشعري وجماعته مثلا. ومن أصول الخلاف بين المذهبين صفات الله، فالمعتزلة قالوا إن صفات الله هي ذات الله فهو عالم بذاته قادر بذاته متكلم بذاته إلخ أي بدون علم وقدرة وكلام زائد عن ذاته أو غير ذاته، على اعتبار أن الذهاب إلى كون صفات الله القديمة بقدمه غير ذاته هو تعدد الله القديم الذي يستحيل عليه التعدد، وأهل السنة قالوا إن لصفات الله معنى زائدا عن ذاته فهو عالم بعلم وقادر بقدرة ومتكلم بكلام، واحترزوا بهذا لمنع تعدد الله القديم بتعدد صفاته لأنهم مثل أولئك معتقدون باستحالة التعدد في حق الله، ثم تكشف الخلاف في هذا الباب حول صفة كلام الله وماهية القرآن باعتباره كلام الله، فقال الأشاعرة إن الله متكلم بكلام أزلي قديم زائد عن ذاته وغير منفك عنها، وإن القرآن معنى قائم بذات الله، وقيدوا أنهم لا يعنون بذلك الحروف والأصوات المقروءة المسموعة المكتوبة، ومثلوا على ذلك بالفرق بين ما يدور في خلد الإنسان من كلام دون أن ينطق به فهو شامل في آن واحد لجميع الكلام الذي يدور في الخلد، أما الحروف والأصوات المقروءة المسموعة المكتوبة من القرآن فإنها ليست من تلك الصفة القديمة وإنما هي من الحوادث، لأنها تابعة لترتيب يتقدم فيه حرف عن حرف نطقا وكتابة وسمعا وهذا من سمات الأمور الحادثة، وافترق الحنابلة وهم من أهل السنة عن الأشاعرة في تقريرهم أن حروف القرآن المكتوبة المقروءة وأصواتها المسموعة غير منفكة عن صفة كلام الله الأزلي القديم وأنها مثلها قديمة أزلية أيضا أي ليست حادثة ولا مخلوقة. أما المعتزلة- والشيعة الإمامية مثلهم في أكثر المذاهب الكلامية- فقد قالوا إن الله متكلم بذاته بدون كلام زائد عنها، وإنه يخلق الحروف والأصوات في الأعراض

فتقرأ وتسمع، وإن القرآن باعتبار أنه متصف بما هو صفات المخلوق وسمات الحدوث من تأليف وتنظيم وإنزال وتنزيل وكتابة وسماع وعروبة وحفظ وناسخ ومنسوخ إلخ هو مخلوق ولا يصح أن يكون قديما أزليا، ويقولون إن القرآن اسم لما نقل إلينا عن دفتي المصحف تواترا وهذا يستلزم كونه مكتوبا في المصاحف مقروءا بالألسن مسموعا بالآذان وكل ذلك من سمات الحدوث بالضرورة، فيجيبهم الأشاعرة بأنه كلام الله مكتوب في مصاحفنا محفوظ في قلوبنا مقروء بألسنتنا مسموع بآذاننا غير حال فيها بل هو معنى قديم قائم بذات الله يلفظ ويسمع بالنظم الدال عليه ويحفظ بالنظم المخيل، ويكتب بنقوش وصور وأشكال موضوعة للحروف ويكتب بالقلم، وإن المراد بأن القرآن غير مخلوق هو حقيقته الموجودة في الخارج إلخ. وواضح أن الجماعات المختلفة معترفون بكمال صفات الله، وإن اختلافهم هو حول آثار هذه الصفات الكاملة وتخيلها وتفهمها ومداها، وأن شأنهم في هذا شأنهم في الخلافيات الكلامية الأخرى منهم المعظم لله ومنهم المنزّه له وإنهم متفقون على أن القرآن منزل من الله على نبيه. ولا يعنينا التبسط في هذه المسألة الخلافية وتاريخها، ونعتقد أنها ذات صلة بالأحداث السياسية والنحلية والطائفية والعنصرية التي حدثت في القرون الإسلامية الأولى، وكان لتسرب الأساليب الكلامية والكتب الفلسفية الأجنبية أثر قوي فيها، وأنها لا تتصل بآثار نبوية وراشدية موثقة ثابتة في ذاتها، فضلا عن ما هناك من آثار نبوية وراشدية تنهى عن التورط في بحوث قد تنتهي إلى الخوض في ماهية الله والقرآن ومحتوياته وإنه يكفي للمسلم أن يظل فيها في حدود التقريرات القرآنية من أن القرآن كلام الله ومن عند الله، ومن أن الله ليس كمثله شيء، وإن ما عدا ذلك متصل بسرّ الوجود وواجب الوجود وسرّ الوحي والنبوة مما لا يستطاع إدراكه بالعقل البشري، وإنه لا طائل من الجدل والخلاف فيه ولا ضرورة له، وإنما الذي يعنينا هنا هو تقرير أن هذه المسألة الخلافية قد تكون أدت بين حين وآخر وبقصد وبغير قصد إلى إغفال صلة الفصول والآيات القرآنية بأحداث السيرة النبوية

- 11 - النهي عن التفسير بالرأي وأثره:

وظروف البيئة النبوية، واعتبار هذه الأحداث والظروف شأنا عابرا. وأن هذا قد أدى إلى ما قيل من أقوال وضمّن من تخمينات حول أسرار القرآن وحروفه ورموزه ومغيباته وماهيات ما جاء فيه من مشاهد الكون ونواميس الخلق وقصص التاريخ والأمثال ومطوياتها مما لا يتسق مع حقائق الأمور وأهداف القرآن الواضحة في الهداية والإرشاد والدعوة إلى الخير والحق وأسباب السعادة، ومما فيه تشويش على الأهداف وعلى الناظر في القرآن والراغب في تفهمه وتفهم السيرة النبوية والبيئة النبوية والأسس والمبادئ القرآنية، وما كان من سير التشريع القرآني وتطوره. - 11- النهي عن التفسير بالرأي وأثره: رابعا: ومن ذلك ما ورد في النهي عن تفسير القرآن بالرأي. وما قيل من وجوب الوقوف في تفسيره عند حدود الروايات المروية عن النبي والصحابة والتابعين أو علمائهم. فقد قال بعض العلماء إنه لا يجوز لأحد أن يتعاطى تفسير شيء من القرآن إلا أن ينتهي إلى ما روي عن النبي في ذلك، وقال بعضهم إن التفسير قسمان قسم ورد تفسيره بالنقل وقسم لم يرد، والأول إما أن يكون عن النبي أو الصحابة أو رؤوس التابعين، وإما لم يرد فيه نقل فهو قليل، وقال بعضهم إن ما ورد فيه حديث نبوي لا يعدل عنه فيه إلى غيره، وما لم يرد فيه حديث نبوي وورد فيه قول صحابي فلا يعدل فيه إلى غيره، وما لم يرد فيه قول صحابي وورد فيه قول عالم تابعي أو قول تابعي- على اختلاف في التخصيص والإطلاق- فلا يعدل فيه إلى غيره، وإنه إذا كان هناك أقوال عديدة من مصدر من هذه المصادر الثلاثة فيجتهد في التوفيق والجمع بينها. وقد روي عن الشافعي أنه قال إنه لا يحلّ تفسير المتشابه إلا بسنّة أو خبر أو إجماع «1» ، ولم يحدد المتشابه في هذا

_ (1) الأقوال ملخصة عن «الإتقان» للسيوطي.

القول مع أن مداه واسع جدا وموضوع خلاف كبير. ولما كان قد ورد روايات منسوبة إلى المصادر الثلاثة المذكورة كثيرة جدا وصف ما ورد عن ابن عباس منها بوصف لا يحصى، وقيل إن ما روي منها منسوبا إلى النبي والصحابة نحو خمسة عشر ألفا، وتكاد تشمل كل آية في القرآن، بل وإن كثيرا ما ورد في آية واحدة أكثر من رواية وحديث، وقد روي تفسير كامل عن ابن عباس وحده، ونسب إلى تابعين وتابعي تابعين تفاسير عديدة كاملة أو ناقصة فإن من شأن الأقوال الواردة في إيجاب الوقوف في التفسير عند الروايات والأقوال المنسوبة إلى المصادر الثلاثة المشار إليها أن يؤدي إلى أن هذا الموقف يجب أن يشمل جميع آيات القرآن. هذا من جهة ومن جهة أخرى فقد روي حديثان نبويان أخرج أحدهما أبو داود والترمذي والنسائي جاء فيه «من تكلم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ» وأخرج ثانيهما أبو داود جاء فيه «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» وفسّر بعضهم تعبيري «برأيه» و «بغير علم» في الحديثين بغير سند من حديث أو رواية أو خبر.. وقد التزم إمام المفسرين بعد عصر تابعي التابعين أي الطبري هذا المبدأ فألّف تفسيره الكبير في نطاقه، ويكاد يكون قاصرا على الروايات المروية عن المصادر الثلاثة المذكورة. وفعل قبله مثله البخاري في الكتاب الذي عقده في صحيحه على التفسير وبوّبه على ترتيب السور في المصحف مع التزامه شروطه في رواية الأحاديث والأقوال المنسوبة إلى هذه المصادر. ومع أن من العلماء المتقدمين من خرّج الحديثين النبويين تخريجا من شأنه التوسيع فقال إنهما في صدد النهي عن التفسير بالهوى، وعن القول بقول يعلم قائله أن الحق غيره، وعن الكلام في القرآن بغير علم يساعد صاحبه على الاستنباط وحسن الإدراك من معرفة باللغة والفقه والناسخ والمنسوخ إلخ، وإن منهم من أورد بعض الأحاديث التي تسوغ النظر في القرآن والاجتهاد في الاستنباط منه مثل

الحديث الذي أخرجه أبو نعيم وجاء فيه «القرآن ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه» ، وإن منهم من قال إن المسلمين مأمورون بنص القرآن بالنظر فيه وتدبره وتفهم أحكامه وهذا هو متناول التفسير والتأويل، وإن نصوص القرآن تحتم صرف الأحاديث النبوية في حالة صحتها إلى مثل ما صرفت إليه، وأنه ما من آية إلا ويحب الله أن يعلم الناس فيما أنزلت وما أريد منها، ومع أن هذا التوجيه متسق مع طبائع الأشياء، بحيث يكون النهي في الأحاديث إذا صحت قد استهدف النعي على الذين يحاولون صرف نصوص القرآن ودلالاته إلى تأييد بدعة في القول أو رأي فيه انحراف عن جادة الحق وتلقينات القرآن الواضحة ومفهوماته المتواترة، وعلى الذين يلقون الكلام في القرآن على عواهنه ويحملون عباراته غير ما تتحمله ويخوضون في الماهيات الغيبية التي وردت الإشارات إليها بغير سند، ولم يستهدف خطر التدبر في آيات القرآن وأهدافه وتفهم معانيه بالعقل والتفكير والدراية والاستنباط والمقايسة، وخاصة في سبيل تجلية الأهداف السّامية والمثل العليا والأحكام الشرعية التي تنطوي فيه، لأن هذا هو الذي أوجبه القرآن على سامعيه وأنزل على النبي من أجله وجرى السلف الصالح عليه، وهو الذي تدل عليه الروايات الكثيرة جدا المعزوة إلى علماء الصحابة والتابعين وتابعيهم والوارد كثير منها في كتب الأحاديث الصحيحة أيضا إذ أن كثيرا من هذه الروايات إن لم يكن أكثرها تأويلات وتفسيرات اجتهادية شخصية، ويدل عليه كذلك سير المفسرين الذين جاؤوا بعد هذه الطبقة على هذا النمط متجاوزين أحيانا كثيرة حدود الروايات المعزوة إلى المصادر الثلاثة، ومدونين هم الآخرون تأويلات وتفسيرات اجتهادية شخصية نقول إنه مع ذلك كله فإن الروايات ظلت عماد التفسير الأقوى وركنه الأعظم. ومما لا ريب فيه أن الفكرة من حيث أصلها وجيهة كل الوجاهة، لأن الصحابة والتابعين وخاصة علماءهم هم أعلم بمفهومات القرآن ودلالاته ومناسبات نزوله ومدى مقاصده على اعتبار أنهم أشد الطبقات اتصالا بظروف نزوله وجو نزوله، ومما لا ريب فيه أن القول أقوى صحة ووجاهة وصوابا وأولوية بالنسبة الجزء الأول من التفسير الحديث 18

للأحاديث النبوية، كما أن للنهي والتشديد ما يبرر هما لأن خطورة شأن القرآن من جميع الاعتبارات توجب حتما الاحتياط والتروي والتدبر وعدم إلقاء الكلام فيه جزافا، وتجعل الانحراف عن هذه الخطة والخطأ الناشئ عن غير علم وروية إثما كبيرا، لما يترتب عليه من آثار تمسّ بأمور الإيمان والعقيدة ومصالح الإنسانية عامة والمسلمين خاصة. ومما لا ريب فيه أيضا أن هناك أحاديث نبوية وصحابية قوية الأسناد وردت في كتب الصحاح ومتسقة مع روح الآيات القرآنية ومضامينها كما أن هناك أقوالا منسوبة إلى الصحابة والتابعين وخاصة علمائهم وردت في كتب الحديث المعتبرة سائغة ومعقولة المتون كذلك في شرح العبارات القرآنية وتفسيرها وإيضاح مداها، فيجب الأخذ بتلك الأحاديث وهذه الأقوال والوقوف عندها وإدارة الكلام في نطاقها تبيانا وشرحا وتجلية وتطبيقا. غير أنه مما لا ريب فيه أن الروايات والأقوال لا يصح أن تؤخذ قضايا مسلمة في هذا الصدد كما في غيره إلا بعد التمحيص متنا وسندا وتطبيقا ومقايسة على العبارات والدلالات القرآنية، وإنه قد تسوهل في هذا الباب تساهلا عظيما، وإن كثيرا مما ورد إن لم نقل أكثره مما يحمل على التوقف فيه من حيث أسناده ومتونه، لغلبة احتمال الخطأ والتحريف والتلفيق والدسّ والانتحال والغرض السياسي والطائفي والنحلي فيه وخاصة ما لا يتسق في مداه ومعناه مع روح الآيات والوقائع التي يلهمها القرآن، وإنه يصدق فيه قول ابن حنبل الذي أشرنا إليه في مناسبة سابقة «ثلاثة لا أصل لها التفسير والمغازي والملاحم» بل ولعلّه إنما قيل بسبب هذه العلات. ومع أن العلماء والمفسرين قالوا بوجوب التمحيص والنقد، وتوقفوا في روايات وأقوال كثيرة وناقشوها وجرحوها، وفي طليعتهم إمام مفسري المأثور الطبري فإن النهي في أصله والقول بالأخذ بالروايات أولا، وكثرة الروايات كثرة عجيبة ثانيا جعل هذه الروايات تستفيض في مختلف كتب التفسير على علاتها،

وتكون عمادا قويا بل العماد الأقوى فيها، ولم يحظ إلا القليل منها بالنقد والتمحيص والجرح، بل وإن هذا المنقود المجروح لم يبعد من كتب التفسير، ومنها ما لم يشر إلى جرحه، وكان هذا من أسباب وعلل ما وقع في هذه الكتب من تشويش واضطراب وإغراب ومفارقة، وما أدى إليه من تشويش على الناظر في القرآن والراغب في تفهمه، ومن اتخاذه من قبل المغرضين وسيلة إلى الغمز والطعن وسوء التفسير والاستنباط، سواء أكان ذلك في أحداث السيرة النبوية المختلفة أم في ظروف البيئة النبوية، أم في ما احتواه القرآن من قصص ومشاهد كونية وأخروية وأخبار إيمانية غيبية، أم في انسجام الفصول والمجموعات القرآنية وتوجيهاتها وتلقيناتها ومداها الخاص والعام والزمني المستمر.

خاتمة

خاتمة ذلك اليقين بالخطة المثلى لفهم القرآن وخدمته التي شرحناها في الفصل الثالث، وهذه الثغرات العديدة التي نبهنا عليها في الفصل الرابع جعلنا نعتقد أن الحاجة ما تزال ماسة إلى تفسير واف بالغرض غير مطول مملّ ولا موجز مخلّ، تجتمع فيه الملاحظات، وتتحاشى فيه الثغرات، ويسار فيه وفق هذا المنهج المتسق مع الخطة التي شرحناها والثغرات التي نبهنا عليها: (1) تجزئة المجموعات والفصول القرآنية إلى جمل تامة يصح الوقوف عندها من حيث النظم والمعنى والسياق، وقد تكون هذه الجمل آية واحدة أو آيات قليلة أو سلسلة طويلة. (2) شرح الكلمات والتعابير الغريبة والجديدة وغير الدارجة كثيرا بإيجاز ودون تعمق لغوي ونحوي وبلاغي إذا لم يكن هناك ضرورة ماسة. (3) شرح مدلول الجملة شرحا إجماليا حسب المقتضى والمتبادر بأداء بياني واضح وبسيط، والاكتفاء من ذلك بعرض الهدف والمدلول إذا كانت العبارة واضحة للمتوسطين نظما ولغة. (4) إشارة موجزة إلى ما روي في مناسبة الآيات أو في صددها وما قيل في مدلولها وأحكامها وقصصها إذا كان الموضوع يقتضي ذلك، وإيراد ما يقضي إيراده من الروايات والأقوال، والتعليق على ما يقتضي التعليق عليه منها بإيجاز. (5) تجلية ما تحتويه الجملة من أحكام أو مبادئ أو تلقينات أو توجيهات تشريعية وأخلاقية واجتماعية وروحية.

(6) تجلية ما تحتويه الجملة من صور ومشاهد عن السيرة النبوية والبيئة النبوية، وقد اهتممت لذلك حتى جاء الكلام أحيانا بحثا ودرسا وتقريرا موضوعيا مع أنه ليس من الأسس، لأني رأيت أن هذا يساعد على تفهم ظروف الدعوة النبوية وسيرها وصورها وتطورها، وعلى تجلية جوّ نزول القرآن الذي ينجلي به كثير من المقاصد القرآنية سواء أكانت أسسا أم وسائل، فضلا عن أنه يساعد على تصحيح كثير مما جاء مضطربا أو ناقصا أو محرّفا في الروايات من سور البيئة ومشاهد السيرة النبوية وأحداثها. (7) التنبيه على الجمل الوسائلية والتدعيمية، وعلى ما يكون فيها من مقاصد أسلوبية كالتعقيب والتعليل والتطمين والتثبيت والتبصير والترغيب والترهيب والتقريب والتمثيل والتشبيه والتنديد والتنويه والتذكير إلخ، مع إبقاء ذلك ضمن المقصد الذي جاءت من أجله، وعدم الاستغراق والتطويل فيه، والتنبيه بإيجاز على ما ورد في صدده مما يخرج به عن هذا النطاق إذا اقتضى الأمر. (8) وصل الجمل القرآنية بعضها ببعض سياقا أو موضوعا كلما كان ذلك مفهوم الدلالة، والتنبيه على هذا لتجلية النظم القرآني والترابط الموضوعي أو السياقي أو الهدفي أو الوسيلي. وقد اهتممت لهذه النقطة اهتماما خاصا لأنها مما يساعد كثيرا على فهم دلالات القرآن وظروف نزوله ومدى متناوله. (9) الاستعانة بالألفاظ والتراكيب والجمل القرآنية قبل كل شيء في صدد التفسير والشرح والسياق والدلالات والهدف والتدعيم والصور والمشاهد ما دام ذلك ممكنا وضروريا. ثم بعد هذا بالروايات إذا ما كانت متسقة مع المفهوم والسياق، ثم بأقوال المفسرين إذا كانت كذلك وما دام ذلك ممكنا وضروريا أيضا. (10) العطف على ما جاء في السور السابقة حين تفسير الجمل القرآنية ومقاصدها إذا ما كان ذلك ممكنا وضروريا وكافيا لتفادي التكرار والتطويل. وإنا لنرجو الله أن يوفقنا إلى إخراج تفسيرنا الحديث الذي نهجنا فيه هذا المنهج فنتمّ به السلسلة القرآنية التي بدأناها بكتاب «عصر النبي عليه السلام وبيئته

قبل البعثة» مقتبسا من القرآن ثم بكتاب «سيرة الرسول عليه السلام» مقتبسا كذلك منه ثم بكتاب «نظم القرآن ودستوره في شؤون الحياة» ، ولا سيما إننا نشعر برغبة ملحة عند كثير من شباب المسلمين في فهم القرآن ومدلولاته وظروفه بتفسير حديث يتسق مع روح العصر، وبأسلوب قريب التناول، غير ضارب بالتفريع والاستطرادات والتزيد في العلوم الآلية، ثم لا سيما إن الرغبة أخذت تزداد عند المسلمين عامة في تخطي القرون الطويلة التي ساد فيها الجهل والغفلة ووقف المسلمون فيها جامدين في نطاق التقليد والترديد والتعقيد، وفي تفهّم أهداف الدعوة الإسلامية وظروفها وتوصياتها في «القرآن المجيد» معجزتها الخالدة.

(بسم الله الرحمن الرّحيم)

التفسير الحديث السور مرتبة حسب النزول محمد عزّة دروزة الجزء الأول

السور المفسّرة في هذا الجزء «1» 1- الفاتحة 2- العلق 3- القلم 4- المزّمل 5- المدّثر 6- المسد 7- التكوير 8- الأعلى 9- الليل 10- الفجر 11- الضحى 12- الشرح 13- العصر

_ (1) انظر الفهرست المفصل في آخر الجزء. [.....]

سورة الفاتحة

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة الفاتحة فيها تقرير الحمد لله تعالى وربوبيته للعالمين، وسعة رحمته، وتعليم بعبادته وحده والاستعانة به وحده وطلب الهداية منه، والوقاية من طريق الضالين والمغضوب عليهم. وقد ورد حديث نبوي يفيد أنها أولى السور القرآنية التامة نزولا على ما ذكرناه في المقدمة، وقد قال كثير من المفسرين إنها براعة استهلال رائعة للقرآن. ولعل في ذلك كله تنطوي حكمة وضعها فاتحة للمصحف وإيجاب قراءتها في كل ركعة صلاة، ومطلعها مما تكرر في مطالع سور عديدة أخرى وهي الأنعام والكهف وسبأ وفاطر مما يمكن أن يعد أسلوبا من أساليب القرآن في مطالع سوره. [سورة الفاتحة (1) : الآيات 1 الى 7] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (2) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (3) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (7) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1) (1) (1) الرحمن الرحيم: مما قيل في الفرق بينهما أن الرحمن يعني المنعم بجلائل النعم، والرحيم المنعم بدقائقها. ومن ذلك أن الرحمن يعني المنعم بنعم عامة تشمل جميع الناس مؤمنين وكفارا، والرحيم هي خاصة بالمؤمنين. وفي ذلك

في السورة:

أن الرحمن لا يطلق إلا على الله عزّ وجلّ في حين أن الرحيم يمكن أن يطلق على الناس مثل عليم وحكيم وحليم وجميل. وعلى كل حال فممّا لا ريب فيه أن هناك فرقا في اللفظين، وأن هذا ما يفسر حكمة التنزيل في استعمالهما معا. (2) الربّ: لها في القرآن معان عديدة. منها المعبود الرئيسي، ومنها المعبود الثانوي الذي يشرك مع الله، ومنها الرئيس، ومنها صاحب الشيء، وسيد الأشخاص الذين يكونون تحت رعايته، والمتسلط والراعي، والمربي، والحاكم. وهي هنا بمعنى المعبود الرئيسي، وصاحب السلطان الشامل لجميع الأكوان والعالمين. (3) العالمين: هنا كناية عما في الكون من كائنات ومخلوقات. (4) الدين: للدين في القرآن أكثر من معنى وهي هنا بمعنى الجزاء والحساب والقضاء. ويوم الدين كناية عن أول يوم من الحياة الأخروية الذي يحاسب فيه الناس على أعمالهم في الدنيا. (5) الصراط: الطريق. في السورة: 1- تقرير الحمد لله ربّ الأكوان وما فيها من كائنات ومخلوقات. 2- وتقرير لصفات الرحمة الشاملة لله، وملك يوم الجزاء له وحده. 3- وخطاب موجّه من عباده إليه كتعليم لهم بأن يقولوا إنهم يعبدونه وحده ويستعينون به وحده. 4- ودعاء موجه منهم إليه كتعليم لهم، بأن يدعوه أن يهديهم الطريق القويم، وهو طريق الذين أنعم عليهم لا طريق الضالين ولا المغضوب عليهم. أسماء السورة جرت تسمية السور القرآنية على الأغلب بكلمة أو اسم يكون فيها. والاسم المشهور لهذه السورة هو الفاتحة الذي وضعناه عنوانا لها. وهذا الاسم ليس ممّا احتوته السورة من كلمات كما هو ظاهر. والمتبادر أن هذا الاسم اشتهر لأنه جاء

من وضع السورة في مفتتح السور القرآنية في ترتيب المصحف الذي نرجح أنه من متصل بالنبي صلى الله عليه وسلم ثم من أنها مفتتح التلاوة القرآنية في كل صلاة ذات ركوع وسجود. وهناك أسماء أخرى للسورة منها ما ورد في حديث رواه أبو داود والترمذي وصححه عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «الحمد لله ربّ العالمين أمّ القرآن وأمّ الكتاب والسبع المثاني» «1» . ولقد ذكرت بعض الروايات أن السورة مدنية «2» ، وذكرت رواية أنها نزلت

_ (1) انظر كتاب «التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول» ج- 4، ص 13. وسوف يأتي ذكر هذا الكتاب كثيرا. وتعريفا به نقول إنه من تأليف الشيخ منصور ناصف وهو في خمسة أجزاء. وجمع فيها المؤلف معظم الأحاديث الواردة في صحيحي البخاري ومسلم وسنن أبي داود وجامع الترمذي ومجتبى النسائي. وقد اتفق العلماء على أن الأحاديث الواردة في هذه الكتب هي أوثق وأصح من غيرها وتعتبر عندهم الطبقة الأولى من كتب الحديث. وحين نذكر عبارة الخمسة نعنيهم. وحين نذكر كتب الأحاديث الصحيحة نعني هذه الكتب وهو ما يقوله علماء الحديث. وإن كان بعضهم يحصر وصف (صحيح) في ما جاء في كتابي البخاري ومسلم اللذين ينعتان أحيانا بالشيخين. ويطلق علماء الحديث على كتب الثلاثة الآخرين اصطلاح (أصحاب السنن) وترتيبهم: أبو داود أولا فالترمذي فالنسائي. وحين نذكر هذا الاصطلاح نعني أن الحديث مروي من قبل ثلاثتهم وحينما نذكر رواه الثلاثة نعني البخاري ومسلم وأبو داود. والأربعة يكون الرابع الترمذي. (انظر «قواعد التحديث» للقاسمي ص 225 وما بعدها) . وننبه على أن هناك كتابا آخر هو كتاب «الموطّأ» للإمام مالك وهو أقدم ما وصل إلينا من كتب الحديث تأليفا وصاحبه توفي سنة 170 هـ واحتوى عددا كبيرا من أحاديث النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه وتابعيهم ويلحقه كثير من علماء الحديث بالكتب الخمسة. وكثير ممّا ورد فيه ورد في الكتب الخمسة. وننبه في هذه المناسبة على أمر هام وهو أن هناك أحاديث نبوية وصحابية كثيرة أخرى في كتب أئمة آخرين من أئمة الحديث يأتي في مقدمتهم أبو عبد الله القاسم والشافعي وأحمد بن حنبل وابن ماجه والبيهقي والدارقطني والحاكم وغيرهم تروى عن راو عن راو إلى رسول الله أو أصحابه تحتمل الصحة من حيث رواتها ومتونها وكثير منها من باب ما جاء في الكتب الستة. (2) انظر تفسير السورة في «تفسير الآلوسي» و «الإتقان» ج 1، ص 24- 25.

حكم البسملة في مفتتح هذه السورة ومفتتح السور الأخرى

مرتين، مرة في مكة ومرة في المدينة «1» . وأسلوبها ثم التواتر اليقيني بأنها مفتتح التلاوة في كل صلاة والتواتر اليقيني المؤيد بمضامين قرآنية بأن الصلاة كانت تمارس منذ بدء الدعوة حيث احتوت هذه المضامين آيات سورة العلق هذه: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (9) عَبْداً إِذا صَلَّى (10) يسوغ القول بشيء من الجزم أن السورة مكية وهو ما عليه الجمهور. حيث ذكرت كذلك في جميع تراتيب السور المروية، أما رواية نزولها مرتين مرة في مكة وأخرى في المدينة، فنحن نتوقف فيها لأننا لم نر حكمة ظاهرة لذلك. حكم البسملة في مفتتح هذه السورة ومفتتح السور الأخرى لقد اختلفت الأقوال التي يرويها المفسرون عن أهل التأويل في هذه المسألة. فهناك من قال إن البسملة في هذه السورة آية أصلية خلافها للسور الأخرى وهناك من قال إن البسملة آية أصلية في كل سورة. وهناك من قال إنها ليست آية أصلية لا في هذه السورة ولا في السور الأخرى. وهناك أحاديث يوردها المفسرون في صدد هذه المسألة «2» منها حديث يرويه الدارقطني عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا قرأتم الحمد فاقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها أم القرآن والسبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها» . وحديث يرويه مسلم عن أنس جاء فيه: «كان إذا نزل على رسول الله سورة قال أنزلت عليّ آنفا سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم» . وحديث يرويه أبو داود في «سننه» والحاكم في «مستدركه» عن ابن عباس جاء فيه: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم» . وحديث عن ابن مسعود جاء فيه: «كنا لا نعلم فصلا بين سورتين حتى تنزل بسم الله الرحمن

_ (1) «الإتقان» أيضا ج 1، ص 24- 25. (2) انظر تفسير السورة في تفسير ابن كثير والخازن ورشيد رضا مثلا.

الرحيم» ، وحديث رواه الترمذي والحاكم عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يجهر بقراءة بسم الله الرحمن الرحيم قبل سائر آيات السورة» . وحديث رواه أبو داود والحاكم عن أم سلمة: «أنه كان يقرأ البسملة مع سائر آيات السورة» . وليس شيء حاسم في الصدد الذي نحن فيه إلّا في الحديث الأول ويظهر أنه لم يثبت عند أصحاب الأقوال الأخرى. وليس في الأحاديث الأخرى حسم بدليل اختلاف الأقوال في المسألة. ومما استدل عليه الذين قالوا إنها آية في كل سورة وضعها في مفتتح كل سورة باستثناء سورة التوبة لسبب خاص سوف نشرحه في مناسبتها. وقال غيرهم إن وضعها هو للتبرك وحسب. والذين قالوا إنها آية أصلية في الفاتحة اعتبروا جملة صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ آية والذين قالوا إنها ليست أصلية قطعوا هذه الجملة إلى آيتين. والجمهور على أن البسملة آية أصلية في هذه السورة دون غيرها. والله تعالى أعلم. وننبه على أن هذا الخلاف لا يمسّ كون جملة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ جزءا من آية أصلية في الآية [30] من سورة النمل. ولقد أورد ابن كثير حديثا في سياق البسملة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم جاء فيه: «كلّ أمر لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم» «1» . ولقد درج المسلمون منذ النبي صلّى الله عليه وسلّم على أن يبدأوا رسائلهم وكتبهم وعزماتهم وأكلهم وشربهم بالبسملة حتى غدت طابعا مميزا لهم. وهناك من يختصره ويكتفي بجملة باسم الله. حيث رويت أحاديث نبوية يأمر النبي فيها بعض المسلمين بقولها إذا أكلوا أو باشروا عملا أو عثروا «2» .

_ (1) ذكر ابن حجر في فصل تخريج أحاديث تفسير «الكشاف» في الجزء الرابع من هذا التفسير هذا الحديث بفرق يسير وهو بدل (أجذم) (أقطع) مرويا عن أبي هريرة من طريق بشر بن إسماعيل عن الزهري. (2) روى الأربعة عن عمر بن أبي سلمة قال: «كنت غلاما في حجر رسول الله وكانت يدي تطيش في الصّحفة فقال لي يا غلام سمّ الله وكل بيمينك» «التاج» ج 3، ص 106. وروى ابن حجر في الفصل المذكور حديثا رواه أحمد جاء فيه: «كلّ أمر لا يفتتح بذكر الله فهو أبتر أو أقطع» . وقد يكون من هذا الباب حديث آخر رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» التاج ج 1 ص 88. الجزء الأول من التفسير الحديث 19

خطورة شأن الفاتحة

خطورة شأن الفاتحة ولقد أكثر المفسرون القول في صددها ومداها وبركاتها «1» . وقالوا فيما قالوه إنها احتوت رموزا لكل ما جاء في القرآن من مواضيع. ففيها التوحيد وفيها الثناء على الله وتقرير ربوبيته العامة وفيها العبادة لله والاستعانة به. وفيها إشارة إلى اليوم الآخر، وإشارة إلى الأمم على اختلافها من مهتدين ومغضوب عليهم وضالين. وفيها إشارة إلى ملكوت الله وما فيه من عوالم إلخ. ورأوا فيها من أجل ذلك كله براعة استهلال رائعة للقرآن وعنوانا لمواضيعه. ولمحوا من هذا حكمة جعلها في ترتيب المصحف فاتحة القرآن وفي الصلاة مفتتح التلاوة وتكرارها في كل ركعة. ولعل في كل هذا تدعيم لأولية نزولها كسورة تامة ولا سيما أنها لا تحتوي إشارة ما إلى وقائع السيرة التي وقعت بعد أن سار النبي صلّى الله عليه وسلّم شوطا ما في الدعوة، وأن ما فيها هو تعليم وتلقين عامان مما يصح أن يكون طابع الآيات والسور الأولى. وأسلوب السورة يلهم أنها بسبيل تعليم المسلمين ما يجب عليهم من حمد الله وعبادته وطلب الهداية منه. وفيها تلقينات جليلة: فالإله الذي يؤمن به المسلمون هو ربّ جميع العالمين ورحمته شاملة عامة. وهو ملك يوم الآخرة. وعليهم أن يفرغوا أنفسهم وقلوبهم من غيره فلا يخضعوها لأحد ولا يبالوا في الحق أحدا. لأنه هو النافع والضار والخالق والرازق والشامل برحمته جميع الخلق. وهم مدينون له في حياتهم ومماتهم وهدايتهم ورزقهم وكيانهم وفي هذا ما فيه من إنقاذ المسلم وروحه من تأثير غيره فيه، وبثّ القوة والاعتماد والكرامة فيه. والصراط المستقيم يصح أن يكون الطريق القويم في أمور الدين والدنيا معا. فالإيمان بالله وبما جاء به رسوله هو طريق قويم. والقيام بالواجبات التعبدية هو

_ (1) لا يكاد يخلو كتاب تفسير قديم وحديث من شيء من ذلك، فلم نر ضرورة إلى تعيين مصادر للأقوال.

طريق قويم. والتزام الصدق والوفاء وسائر مكارم الأخلاق هو طريق قويم، وكل ما يغاير هذا هو طريق أعوج لا يسير فيه إلّا الضالون والمستحقون لغضب الله. وهناك أحاديث نبوية وردت في كتب الأحاديث الصحيحة في خطورة هذه السورة ووجوب قراءتها في كل ركعة من كل صلاة. منها حديث رواه الخمسة عن عبادة بن الصامت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» «1» ، وحديث رواه الخمسة إلّا البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأمّ الكتاب فهي خداج ثلاثا غير تمام. قيل لأبي هريرة: إنّا نكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك» «2» . وحديث رواه البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي سعيد بن المعلّى قال: «إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: ألا أعلّمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد، فأخذ بيدي فلمّا أردنا الخروج قلت له: يا رسول الله إنّك قلت لأعلّمنّك أعظم سورة في القرآن، قال: الحمد لله ربّ العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» «3» . وحديث رواه مسلم عن ابن عباس قال: «بينما جبريل قاعد عند النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قطّ إلّا اليوم فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قطّ إلّا اليوم فسلّم فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبيّ قبلك: فاتحة الكتاب وخواتم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منهما إلّا أعطيته» «4» . وحديث رواه الخمسة إلّا البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين. ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد: الحمد لله ربّ العالمين قال الله: حمدني عبدي. وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي. وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجّدني عبدي. فإذا قال: إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، قال:

_ (1) التاج ج 1، ص 156. (2) انظر المصدر نفسه. (3) التاج ج 4 ص 13- 14. (4) انظر المصدر نفسه.

تعليق على موضوع الأحاديث القدسية

هذا بيني وبين عبدي. ولعبدي ما سأل. فإذا قال: اهدنا الصّراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضّالين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» «1» . تعليق على موضوع الأحاديث القدسية وهذا الحديث الأخير مما يسمى في اصطلاح علماء الحديث بالحديث القدسي، لأن الكلام فيه مروي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم عن الله عز وجل، وبهذه المناسبة نقول إن هناك أحاديث كثيرة مروية عن النبي صلّى الله عليه وسلّم عن جبريل عن الله عز وجل، أو عن النبي صلّى الله عليه وسلّم عن الله عز وجل. ومنها ما ورد في الكتب الخمسة. ومن واجب المؤمن أن يؤمن ويصدق بكل ما ثبت صدوره عن النبي صلّى الله عليه وسلم. ولما كان القرآن يبلّغ عن الله تعالى بواسطة الوحي الرباني أو جبريل عليه السلام فقد تكون مسألة الأحاديث القدسية موضع سؤال عن الفرق بين الوحي بالحديث القدسي والوحي بالقرآن، وحكمة ذلك. ولما كان هناك كما قلنا أحاديث قدسية صحيحة فالذي يمكن أن يقال في صددها أنها هي الأخرى من سرّ النبوة مثل سرّ الوحي القرآني الذي لا يدرك بالعقول العادية ويجب الإيمان به لأنه ثابت بنص القرآن والحديث النبوي مع فارقين أو لهما أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يفرق بين الحديث القدسي وبين الوحي القرآني، فيأمر بتدوين الوحي القرآن حال نزوله ويبلّغه كقرآن، ويخبر بالحديث القدسي إخبارا مرويا عن الله ولا يأمر بتدوينه بل كان يدخل في متناول النهي النبوي كتابة غير القرآن حيث روى مسلم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تكتبوا عني غير القرآن ومن كتب شيئا فليمحه» . ومن الحكمة الملموحة في هذا الحديث الحرص على عدم اختلاط أي كلام غير قرآني بالقرآن. وهو أمر ذو دلالة خطيرة في صدد عمق اليقين النبوي بالوحي القرآني وتمييزه عن أي معنى آخر

_ (1) التاج ج 4، ص 32- 33.

تعليق على كلمة (الله) جل جلاله

يحبك في صدر رسول الله صلى الله عليه وسلّم ويحدث به أصحابه، أو أي معنى آخر يوحي الله به إليه أو يلهمه إياه ويحدث به أصحابه دون أن يتصف بأنه قرآن. وهذا يشمل كما هو المتبادر الأحاديث القدسية التي يحدث بها النبي صلى الله عليه وسلّم عن الله تعالى والأحاديث العادية التي كان يقولها لأصحابه في مناسبة ما. ويبدو ذلك السرّ وهذه الدلالة الخطيرة أقوى صورة إذا لوحظ أن السنن النبوية القولية والفعلية واجبة الاتباع مثل القرآن وهي مصدر التشريع الإسلامي مثله وكل ما في الأمر أنها تأتي بعده «1» . ولقد جاء في سورة النساء هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) ، والقرآن يمثل الله تعالى والحديث يمثل رسوله بعد موته. وفي ذلك السر وهذه الدلالة ردّ مفحم على الأغيار الذين ينسبون القرآن إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم. أما الفارق الثاني فهو أن أسلوب الأحاديث القدسية مماثل لأسلوب الأحاديث النبوية العادية أي أسلوب مخاطبة عادية دون أسلوب القرآن من حيث التقطيع والتوازن والتركيز في أواخر المقاطع أو الآيات كما هو ملموح في الحديث الذي أوردناه عن أبي ذر وفي غيره مما سوف نورده في مناسبات أخرى والله تعالى أعلم «2» . تعليق على كلمة (الله) جلّ جلاله وبمناسبة ورود اسم الجلالة (الله) لأول مرة في البسملة والسورة نقول إن من المفسرين «3» من قال إن الكلمة مضعفة أو معدلة من لفظ (إله) وإنها من جذر (أله)

_ (1) انظر كتاب «السنة» للسباعي ص 72. (2) انظر «قواعد التحديث» للقاسمي ص 39- 45 ففيها بحث واف عن الأحاديث القدسية ومداها. [.....] (3) انظر تفسير الفاتحة في تفسير الطبري والزمخشري والطبرسي والخازن وغيرهم.

بمعنى عبد أو (وله) بمعنى حار من شدة الوجد أو (لاه) بمعنى سكن إلى الشيء. ومما قاله بعضهم إن كلمة (اللاة) المعبود الجاهلي المشهور المذكور في سورة النجم هي مؤنث (الله) . ويقتضي القول الأخير أن تكون كلمة (اللاة) عربية فصحى أصلا مع أن هذه الكلمة قرئت بصيغ متنوعة متقاربة مثل (اللاتو) و (اللت) و (هاللت) على آثار قديمة بابلية ونبطية وثمودية وتدمرية ولحيانية «1» قبل البعثة بأمد طويل قد يصل إلى ألفي عام ولا يقل عن أربعمائة عام أي قبل أن تصبح اللغة العربية فصحى مثل لغة القرآن وعصر النبي صلّى الله عليه وسلّم. ولما كانت لغة البابليين والثموديين واللحيانيين والأنباط والتدمريين واللغة العربية الفصحى من أصل قديم واحد فلا يبعد أن يكون أصل الكلمة يعني الربّ المعبود وأن تكون من جذر من الجذور السابقة الذكر. وأن تكون كلمة (الله) الفصحى هي تطور من ذلك. وفي اللغات العربية القديمة وردت كلمة (ايل) بمعنى الله أو الإله أو المعبود. وكانت تطلق على المعبود الأعظم أحيانا وعلى بعض المعبودات أحيانا في بلاد اليمن والعراق والشام قبل البعثة النبوية بمئات السنين. وكانوا يضمون إليها كلمات متنوعة ويسمون أنفسهم بها تسجيلا لعبوديتهم للمعبود الذي كانت ترمز إليه. ومن ذلك يسمع ايل (إسماعيل) ويصدق ايل وحي ايل وباب ايل وإسرائيل. وقد يكون من هذا الباب جبرائيل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل إلخ ... فليس من المستبعد أن تكون كلمة (الله) في الفصحى وكلمة (اللاة) تطورا عن تلك الكلمات وأن يكون أحد الجذور المذكورة مشتركة بين هذه اللغات وأن تكون الكلمة من أحدها. وفي اللغة العبرانية التي هي شقيقة من شقائق اللغة العربية كلمة (الوهيم) بمعنى الآلهة حيث يبدو من ذلك صورة من صور تطور الكلمة من أحد تلك الجذور.

_ (1) انظر «تاريخ العرب قبل الإسلام» جواد علي ج 5، ص 72 وما بعدها.

تعليق على مدى جملة رب العالمين

وعلى كل حال فإن كلمة (الله) قد غدت في اللغة العربية الفصحى قبل الإسلام علما على القوة العظمى العاقلة الخالقة المدبرة الرازقة المحيية المميتة، أو اسما رئيسيا وأصيلا لها. وقد كان العرب يستعملونها في هذه الدلالة على اعتبار أنه لا بدّ لهذا الكون العظيم البديع من صانع عاقل حكيم مدبر والدينونة له بالعبودية والعبادة. وكانوا يعبدونه ويحلفون بكلمتي (الله) و (اللهم) ويسمون أنفسهم (عبد الله) للدلالة على ذلك. وإن كانوا يشركون معه شركاء للتقرب إليه والاستشفاع بهم عنده مما حكته آيات قرآنية كثيرة كثرة تغني عن التمثيل. ولقد استعمل القرآن هذا اللفظ علما أو اسما رئيسيا على تلك القوة أيضا. وورد فيه لحدته أحيانا ومع صفات الله وأسمائه الحسنى أحيانا. ومع تقرير وجوب وجود القوة العظمى التي يرمز إليها ووجوب الاعتقاد بها وشمول ربوبيتها ووجوب الدينونة لها بالعبادة والخضوع، والإخلاص لها وحدها، ووجوب تنزيهها عن أية شائبة ومماثلة وشراكة بأي اعتبار كان، ووصفها بجميع صفات الكمال مما احتوت تقريره والتدليل عليه آيات كثيرة كثرة تغني عن التمثيل كذلك. ومما غدا الطابع المميز للعقيدة الإسلامية. وقد جرى المسلمون على إطلاق لفظ (الجلالة) على الله تقويا وتعظيما. تعليق على مدى جملة رَبِّ الْعالَمِينَ في أسفار العهد القديم المتداولة اليوم والتي كتبت بأقلام بشرية بعد موسى عليه السلام تكرر وصف الله تعالى برب إسرائيل وإله إسرائيل، وتكررت حكاية أقوال بني إسرائيل بأن الرب رب إسرائيل والإله إله إسرائيل على معنى الاختصاص والحصر حتى صار ذلك عندهم عقدة وعقيدة. وبلغ الأمر بهم أنهم رفضوا أن يشترك أهل منطقة السامرة في فلسطين الذين كانوا يدينون بالدين الموسوي في تجديد معبد أورشليم حين سمح لهم كورش ملك الفرس بالعودة من بابل إلى أورشليم وتجديد المعبد. فقد حكى سفر نحميا أحد أسفار الكهنة القديم أن أهل

تعليق على الحياة الأخروية

السامرة جاؤوا إليهم وقالوا لهم نبني معكم معبد الرب الذي نعبده مثلكم فرفضوا وقالوا لهم إننا نبني معبد إله إسرائيل. وهذا من دون ريب تحريف وتشويه للحق والحقيقة بكون الله عز وجل رب جميع الأكوان والمخلوقات. ومن هذا الاعتبار فإن تقرير هذا المعنى لله عز وجل في أولى سور القرآن يصح أن يعتبر تصحيحا ربانيا لذلك النشوز والتحريف، ووضعا للأمر في نصاب الحق المحكم ليكون عقيدة الدين الإسلامي الذي شاء الله سبحانه أن يكون دين الناس جميعهم على اختلاف أجناسهم وألوانهم وبلادهم ولغاتهم. ووعد أن يظهره على الدين كله كما جاء في هذه الآية من سورة الفتح: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (28) «1» . تعليق على الحياة الأخروية ويَوْمِ الدِّينِ في الآية الثالثة يعني يوم القضاء بين الناس ويوم جزائهم على أعمالهم. والمقصود منه هو الحياة الأخروية التي يبعث الناس فيها ويقفون في يومها الأول أمام ربهم عز وجل ليحاسبوا على ما فعلوه في الدنيا ويجزوا عليه. وهذه أولى إشارة إلى هذه الحياة، تأتي في أولى سور القرآن التي يجب تلاوتها في كل ركعة من ركعات كل صلاة مما يسبغ عليها مغزى هام وخطير. ثم توالت الإشارات إليها بأساليب متنوعة حتى شغلت حيزا عظيما في القرآن وحتى يمكن أن يقال إنها ذكرت في معظم سوره بإسهاب حينا واقتضاب حينا آخر. وصار الإيمان بها بمقتضى النصوص القرآنية ركنا من أركان الإسلام كما ترى في آية سورة البقرة هذه: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ

_ (1) تكرر هذا مرتين بتوكيد أقوى في سورتي الصف والتوبة بصيغة مماثلة تقريبا في الآيات 32- 33 من سورة التوبة و 8- 9 من سورة الصف. وهذا نصّ آيات سورة التوبة: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) .

وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ ... [177] ، وهذه الآية في سورة النساء: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً (136) ، وحتى صارت تشغل حيزا كبيرا في القرآن وخاصة في المكي منه بحيث يمكن أن يقال إنها كانت من أقوى وسائل الدعوة وتنبيه الناس وحثّهم على الإيمان بالله وحده والعمل الصالح وتحذيرهم من الآثام والمنكرات والفواحش. ولقد احتوت الآيات القرآنية فيما احتوته بيانا للأهداف والمقاصد يمكن تلخيصها بأن الله تعالى لا يمكن أن يكون خلق الكون عبثا وأن حياة الإنسان الذي شاء أن يكون أكمل مخلوقاته الأرضية عقلا لا يمكن أن تكون قاصرة على الزمن القصير الذي يحياه في الدنيا. وأنه لا بد من أن يكون لها تتمة أكمل وأفضل وأدوم يسود فيها أهل الإيمان والحق والعدل والخير وينخذل فيها أهل الجحود والباطل والظلم والشر. وأنه لا يتسق مع عدل الله أن يفلت الشرير مما يرتكبه من الآثام التي كثيرا ما ينجو من عواقبها في الدنيا ومن عقاب جحوده لخالقه وما أسبغه عليه من نعم. وأن يذهب عمل المؤمن الصالح وما قد يناله في سبيل الحق والخير من أذى وحرمان كثيرا ما لا ينال عليه مكافأة في الدنيا هدرا وهباء. وأن يكون الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالجاحدين لله المفسدين في الأرض والمتقون كالفجار. وأن حكمة الله اقتضت من أجل ذلك تلك التتمة المسماة بالحياة الأخرى. يرجع فيها الناس إلى ربهم ويكافأ فيها المؤمن المحسن، ويعاقب فيها الجاحد المسيء. والمؤمن بالله الذي ينعم النظر في مشاهد الكون ونواميسه ويلمس فيها ما يذهب بلبّه ويملك عليه مشاعره من العظمة والإتقان والنظام واجد كل الطمأنينة والحق في هذه المقاصد والأهداف. وواجد أن الحياة الأخروية ليست مما يخرج عن نطاق قدرة الله مبدع هذا الكون ومدبره وحكمته السامية. ومن المتبادر بالإضافة إلى ما تقدم أن فكرة الحياة الأخروية وثوابها وعقابها تنطوي على الحافز

على الخير والوازع عن الإثم. فالذين لا يخافون الآخرة وحسابها ولا يعتقدون بها قلّما يأبهون للحق والخير في شتى مجالاتهما. ويندفعون فيهما اندفاعا ذاتيا وجدانيا دون انتظار مقابلة أو جزاء في الدنيا، وقلما يتورعون عن الإثم والمنكرات والفواحش إذا ما تيقنوا من النجاة من العقوبة وأمنوا منها في الدنيا. وفي هذا ما فيه من مقاصد صلاح الإنسانية وخيرها على مختلف المستويات. وفي القرآن آيات عديدة تتضمن ذلك صراحة وضمنا، مثل آية سورة النحل هذه: إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22) [22] ، وآيات سورة المؤمنون هذه: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (60) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (61) وآية سورة المؤمنون هذه: وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (74) . وهذا يعني فيما يعنيه أن الإيمان بالآخرة يجعل صاحبه يتحمل المكاره ويصبر على الشدائد ويقوم على التضحية بماله ونفسه في سبيل الله والحق دون أن يهتم كثيرا لما قد يصيبه أو يناله من جزاء دنيوي أو حرمان أو أذى أو نكران لأنه يعتقد أنه سوف يستوفي جزاءه على أوفى ما يكون في ذلك اليوم أكثر بكثير من غير المؤمن بها وعلى أي مستوى. ونحن نعرف أن من الذين لا يؤمنون بالآخرة من يقول أنه ليس لفكرتها التأثير الخلقي العميق، لأنها سبب خارجي أو نظري ليس من كيان النفس وأعماق الضمير. وإن أقل صدمة لهذا السبب تجعل ما أوجده من الحافز والوازع عدما. وإن تربية الناس تربية خلقية عميقة نافذة هي التي تستطيع أن تكون الحافز والوازع الذاتيين. وينسى القائلون- ونقول هذا من قبيل المساجلة- أن الأمل في هذه التربية وشمولها خيال مستحيل التحقيق بالنسبة لجميع البشر أو جمهورهم أو لكثرة ما منهم. وإنه إذا أمكن أن تكون في أناس فإنهم من الندرة والقلة في الدرجة التي لا يكون منها أي أثر إيجابي محسوس بالنسبة للمجموع، بل إن هناك ظروفا

اجتماعية ونفسية يفقد فيها الحافز والوازع في هذه الطبقة القليلة النادرة، وتصبح تحت حكم الغرائز والطبائع البهيمية. هذا إلى أن الكثرة العظمى من المجتمع لا يمكن أن تستغني عن حافز ووازع مؤثرين وما اضطرار الهيئات الحاكمة في الجماعات وما اضطرار الهيئات الاجتماعية إلى وضع القوانين والحدود والتقاليد إلا مظهر من مظاهر هذه الحاجة وتثبيت لها. ولم يقل أحد إنه ليس من حاجة إلى هذه القوانين والحدود لمنع الناس من الشذوذ والبغي والآثام وحفزهم على العمل الصالح والاستقامة على طريق الحق. وإن هذا وذاك يمكن التحقق ذاتيا. وما دامت التجربة قد أثبتت أن كثيرا من الأفراد ينزعون إلى التفلّت من القوانين والتقاليد والقيود ومعاكستها بشتى الأساليب تحقيقا لمنافعهم وأهوائهم الخاصة حينما يأمنون المغبة ولا يقبلون على الخير لذاته ولا يستقيمون على طريق الحق، إذا أمنوا اللوم والمهانة والحرج والخطر فإن الحاجة تظل ماسة إلى حافز ووازع أقوى تأثيرا وأعمق أثرا في النفوس من القوانين والتقاليد يجعلان المرء رقيبا على نفسه ولو لم يكن عليه رقيب ويحملانه على الرهبة من الإثم والشر والشذوذ والرغبة في المعروف والخير والاستقامة في حال سرّه وعلنه وفي داخل نفسه وأعماقها. والإيمان بالآخرة وثوابها وعقابها هو الذي يستطيع أن يسد هذه الحاجة. وإذا كان كثير من المؤمنين بالآخرة ينزعون أيضا إلى الإثم والشر ولا يندفعون إلى الخير فإن غير المؤمنين أكثر نزوعا إلى التفلّت من وازع الضمير ووازع الرهبة من القوانين والتقاليد لأن أثرا ما من إيمان المؤمنين والخوف من الحساب الأخروي يظل في هؤلاء قد يوقظهم في لحظة ما ويجعلهم يندمون ويثوبون ويصلحون ... بينما لا يكون في الجاحدين أثر من شيء ما داموا مستطيعين التفلت من العقوبة المانعة والفوز بالمنفعة الذاتية. ويمكن أن يضاف إلى هذا أمر خطير آخر وهو ما تكون عليه قلوب ونفوس الجاحدين من فراغ ويأس وحيرة وقلق وتساؤل لا جواب عليه من أمر هذه الحياة

التي يحيونها بدون غاية ومدى بدءا وسيرة ونهاية. في حين أن المؤمنين بالله واليوم الآخر تكون قلوبهم مطمئنة بحكمة الله السامية في خلقهم وحياتهم وسيرتهم ومماتهم ويملأ نفوسهم الأمل بتتمة أفضل وأسعد لكل ذلك. ولقد قلنا إننا نقول هذا من قبيل المساجلة وحسب، وإلّا فإن فكرة الآخرة متصلة أشد الاتصال بفكرة الإيمان بالله وعظمته وعدله وقدرته وحكمته. ثم هي متصلة بما في أعماق النفس البشرية من فكرة الدين. وبما تثيره عظمة الكون وبدائعه ونواميسه في هذه النفس من يقين عميق ذاتي بوجود واجب الوجود وعظمته وحكمته وعدله واستحالة أن يكون خلق ما خلق من أكوان ومخلوقات عبثا لا يكاد يستطيع أن يتفلت منها أحد حتى الذين يظنون أحيانا أنهم استطاعوا التفلت منها وبخاصة في وقت الرخاء والسعة حيث إنهم لا يشعرون إلّا وهم تحت تأثيرها حينما تلمّ بهم النائبات وتجتاحهم الأخطار. ولقد كانت الحياة الأخروية كما قلنا من أكثر ما دار حولها الجدل بين النبي صلّى الله عليه وسلّم والكفار على ما حكته الآيات الكثيرة جدا. وكان ذلك من أسباب هذه الكثرة على ما هو المتبادر. ولقد احتوت ردودا متنوعة على جحود الكفار المتنوع الصور والأساليب للحياة الأخروية فيها توكيد وبراهين على قدرة الله على ذلك وحكمته السامية المتوخية للحقّ والعدل في هذه الحياة. وقد جاءت بأساليب نافذة إلى أعماق النفوس والقلوب باعثة أشد اليقين فيها بحقيقة هذه الحياة على ما سوف ننبه عليه في مناسباته الآتية. هذا، ويلحظ أولا أن كثيرا من الآيات التي ذكرت فيها الحياة الأخروية قد جاءت بأساليب تلهم أنها بالإضافة إلى حقيقتها الإيمانية استهدفت في جملة ما استهدفته الترغيب والترهيب وحمل الناس على الإيمان بالله وحده واليوم الآخر، والتزام ما رسمه من حدود وأحكام من الإقبال على الخير والعدل والحق والابتعاد عن الشر والظلم والباطل، كما جاء مثلا في آيات سورة الزمر هذه: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ

الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (15) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (16) ، وآيات سورة الشورى هذه: تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (22) ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ... [22- 23] ، وفي سورة طه آية مهمة في هذا الباب وهي: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (113) . ويلحظ ثانيا أن مشاهد الحياة الأخروية وأهوالها وحسابها وثوابها وعقابها في القرآن متساوقة مع مألوفات الناس في الحياة الدنيا مما يتمثل في آيات لا تكاد تحصى كثرة. والإيمان بكل ما ورد في القرآن وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلّم من المشاهد الأخروية على مختلف أنواعها وكونه في نطاق قدرة الله عز وجل واجب مع واجب الإيمان بأنه لا بدّ من أن يكون للأسلوب والعبارات التي ذكرت بها تلك المشاهد حكمة، ولعل من ذلك قصد التأثير في النفوس التي لا تتأثر إلّا بما تعرفه وتحس به والله أعلم. وننبّه على أن هناك أحاديث نبوية واردة في كتب الأحاديث الصحيحة المشهورة وغيرها في صور مشاهد الحياة الأخروية على أنواعها متساوقة مع ما ورد من ذلك في القرآن. وقد أجّلنا إيرادها إلى مناسبات آتية أكثر ملاءمة. والحياة الأخروية ليست عقيدة إسلامية فقط، بل هي عقيدة مشتركة بين جميع الأديان والنحل والملل وفي جميع الأدوار البشرية. ومنها ما شملت هذه الحياة ومشاهدها ونعيمها وعذابها حيزا غير يسير فيها يشبه ما ورد عنها في النصوص الإسلامية. غير أن وصفها بالأوصاف والسعة التي جاءت في القرآن هو من الخصوصيات القرآنية لأنها لم ترد بسعة وصراحة وتركيز إلّا في القرآن. وليس من ذلك في أسفار اليهود والنصارى المتداولة اليوم إلّا إشارات غامضة ومقتضبة وخاطفة.

والجاحدون للحياة الأخروية يركزون على ناحية من أمر هذه الحياة وهي أنها تجعلهم ينفضون أيديهم من الحياة الدنيا ويعتبرون أنفسهم عابري سبيل فيها. ونقول إنهم بالنسبة للمسلمين يقيسون الأمر على الواقع الذي لا يتحمل الإسلام والقرآن مسؤوليته. فكل ما في القرآن حتى العبادات من صلاة وصيام وحج هادف إلى صلاح الإنسان في الحياة الدنيا على ما سوف نشرحه في مناسباته. وحتى الحياة الأخروية نفسها قد انطوت على هذا الهدف على ما مر شرحه. وصلاح الإنسان في الدنيا أمر عام يشمل كل شيء، ولقد: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً [النور/ 55] ، والصالحات التي قرنت بالإيمان كل شيء يجعل المسلمين صالحين لهذه الخلافة من علم وعمل وعزة وكرامة وقوة وتقدم في كل مجال من مجالات الحياة. وكل هذا هو عماد النجاح للاستخلاف في الأرض والتمكن منها. ولا يصح أن يكون الله قد رشحهم لذلك ويرضى منهم أن ينفضوا أيديهم منه بطبيعة الحال. ولقد توقع الله منهم أن يكونوا عند هذا حينما هتف بهم: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (105) [آل عمران/ 104- 105] ، وكُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران/ 110] ، والَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج/ 41] ، والمعروف هو كل ما فيه خير ونفع ومصلحة وعزة وكرامة وعدل واستقامة وصلاح وحق. والمنكر هو كل ما فيه أضداد ذلك. وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة/ 143] ، أي حاملي مشعل الهداية لهم والخير العادل المستقيم على الحق الذي برىء من الإفراط والتفريط والغلوّ والتقصير.

وقد استكبر الله تحريم طيباته وجعل للمسلمين حقهم فيها مثل غيرهم في الدنيا مع اختصاصهم بها في الآخرة: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) [الأعراف/ 32] . ويحسن أن ننبه في هذه المناسبة على نقطة هامة، وهي أن الوعد والوعيد في القرآن للمؤمنين الصالحين المتقين والجاحدين والآثمين الباغين ليسا قاصرين على الحياة الأخروية. ففيه آيات كثيرة وعد فيها الأولون بالحياة السعيدة الرضية والآخرون بالخيبة والشقاء والعذاب في الحياة الدنيا أيضا. حيث يبدو من هذا تساوق حكمة التنزيل مع الحاجات النفسية العاجلة والآجلة معا لتحقيق أهدافها بصلاح البشر وسعادتهم في الدنيا والآخرة. والآيات في ذلك كثيرة كما قلنا فنكتفي بالأمثلة التالية: 1- وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف/ 96] . 2- وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ [النحل/ 30] . 3- أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ [النحل/ 45] . 4- وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [النور/ 55] . هذا، وبعض الذين ينحون في تأويل الآيات القرآنية تأويلا باطنيا أو صوفيا يذهبون إلى تأويل الحياة الأخروية وآياتها إلى مذهب يتناسب مع نحوهم حتى

تعليق على جملة المغضوب عليهم ولا الضالين

يصل أمرهم إلى إنكارها كما جاء خبرها وتفصيلاتها بالعبارات الصريحة القرآنية. وهذا لا يستقيم لا من حيث اللغة ولا من حيث مقاصد الله عز وجل المبينة في كثير من الآيات بصراحة قطعية لا تتحمل أي تأويل غير تأويل الحياة الأخروية الفعلية بعد الموت. فضلا عن هذه الحياة بهذا الوصف من عقائد البشر التي كانت عامة شاملة وقت نزول القرآن. وحمل الآيات القرآنية على غير ذلك شطح بل هذيان، والله تعالى أعلم. ومن الذين يؤمنون بالحياة الأخروية من يرى أنها ستكون حياة روحية أو عالما روحيا لا جسديا. وآيات القرآن صريحة صراحة قطعية بأن البعث سيكون بالجسد أيضا. وإنكار ذلك أو التمحّل فيه مراء إزاء هذه الصراحة. ولقد أنكر ذلك الكفار فردّ عليهم ردا قويا في آيات كثيرة وبأساليب متنوعة، وواجب المؤمن أن يؤمن بما جاء بالقرآن بدون تمحل ولا مراء وأن يؤمن بأن ما ورد فيه هو في نطاق قدرة الله وأن لا يقيس الأشياء بعقله وأن يكل ما يعجز عن إدراكه إلى الله عز وجل. وسنزيد هذا الموضوع شرحا في مناسبات آتية، والله تعالى أعلم. تعليق على جملة الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ وكثير من المفسرين فسروا المغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى والصراط المستقيم بالدين الإسلامي. ورووا حديثا مرفوعا بأن اليهود هم المغضوب عليهم والنصارى هم الضالون «1» . وهناك حديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم رواه الإمام أحمد وابن حبان والترمذي عن عدي بن حاتم جاء فيه: «اليهود مغضوب عليهم والنّصارى ضالّون» «2» . والذي نلاحظه أن السورة أولى سور القرآن نزولا

_ (1) انظر مثلا تفسير السورة في تفسير المنار والطبرسي والزمخشري والطبري وابن كثير. (2) انظر «التاج الجامع» ، ج 4 ص 33.

وعلى الأقلّ من أبكر ما نزل من القرآن. والقرآن المكي قد جرى على ذكر أهل الكتاب اليهود والنصارى إجمالا بأسلوب محبب وعلى سبيل الاستشهاد بهم على صحة رسالة النبي صلّى الله عليه وسلّم وصدق الوحي القرآني. وذكرت آيات عديدة فيه خبر إيمانهم وإظهار الخشوع والخضوع حينما كان يتلى عليهم كما ترى في الأمثلة التالية: 1- أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [الأنعام/ 114] . 2- فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ [يونس/ 94] . 3- وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ [الرعد/ 36] . 4- قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (107) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (109) [الإسراء/ 107- 109] . 5- الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) [القصص/ 52- 53] . 6- وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [العنكبوت/ 47] . 7- وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (23) وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (24) [السجدة/ 23- 24] . 8- قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الأحقاف/ 10] . الجزء الأول من التفسير الحديث 20

حيث يلهم كل ذلك أن المسلمين كانوا يعتبرون أنفسهم والكتابيين حزبا واحدا. والمستفاد من نصوص الآيات القرآنية المدنية أن مواقف الصدّ والجحود والمناوأة والعداء من جمهرة اليهود، ومن بعض فئات النصارى إنما كانت بعد الهجرة. ولهذا كله نقول إن الحديث مدني وإذا صحّ فإنه يكون من قبيل تطبيق مدى الآية على اليهود والنصارى الذين كابروا وعاندوا تطبيقا مؤخرا من حيث إن اليهود فعلوا ذلك عن بينة وعلم فاستحقوا غضب الله الذي سجلته عليهم آيات مدنية عديدة مثل آيات سورة البقرة هذه: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (90) ومن حيث إن النصارى فعلوا ذلك عن ضلال مما انطوى في آيات عديدة منها آيات المائدة هذه: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) . ولقد كان استدلال المفسرين على أن المقصود من الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ هم اليهود من الآيات التي سجل فيها غضب الله عليهم والتي أوردناها آنفا. وعلى أن المقصود من الضَّالِّينَ هم النصارى من آية في سورة المائدة جاءت بعد آيات كان موضوع الكلام والخطاب فيها النصارى وعقيدتهم في المسيح وأمّه وهي هذه:

قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (77) [المائدة/ 77] وهذه الآيات مدنية حيث ينطوي في هذا تدعيم لما قلناه من أن القول هو من قبيل التطبيق في العهد المدني نتيجة لمواقف النصارى واليهود في هذا العهد، والله أعلم. وبناء على ذلك يتبادر لنا والله أعلم أن جملة الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ في أولى سور القرآن قد تضمنت التنبيه على أن صنوف الناس عند الله ثلاثة، صنف أنعم الله عليه فاهتدى وسار على طريقه المستقيم. وصنف انحرف عن هذا الطريق عن علم ومكر واستكبار فاستحق غضب الله. وصنف انحرف عن هذا الطريق ضلالا بغير علم وبينة ثم ظل منحرفا دون أن يهتدي بما أنزل الله على رسله فلزمته صفة الضلالة. والتصنيف رائع جليل شامل. وفي القرآن الذي جاءت سورة الفاتحة براعة استهلال له صور متنوعة منه في صدد أهل الكتاب وغيرهم. وقد أوردنا آنفا بعض الآيات بالنسبة لأهل الكتاب. وهذه بعض آيات بالنسبة لغيرهم: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً (42) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر/ 42- 43] ، وفي هذه الآيات نموذج لمن ينحرف مكرا واستكبارا. وهذه آيات فيها نماذج عن الضلال بغير علم والاستمرار فيه: فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) [الأعراف/ 30] ، ويَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13) [الحج/ 12- 13] . والأمثلة كثيرة سوف تأتي في السور الآتية فنكتفي بما تقدم.

بعض أحاديث واردة في واجب حمد الله تعالى في مناسبة جملة الحمد لله رب العالمين

بعض أحاديث واردة في واجب حمد الله تعالى في مناسبة جملة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ومع أن جملة الْحَمْدُ لِلَّهِ هي تقرير رباني مباشر بما الله تعالى أهل له وحده من الحمد فقد أورد المفسرون في سياق الجملة أحاديث عديدة فيما يجب على المسلم من حمد الله تعالى. منها حديث رواه الإمام أحمد عن الأسود بن سريع قال: «قلت يا رسول الله ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي تبارك وتعالى؟ فقال: أما أن ربّك يحب الحمد» . وحديث رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه عن جابر بن عبد الله قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله» . وحديث رواه ابن ماجه عن أنس بن مالك قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله إلّا كان الذي أعطي أفضل مما أخذ» والأحاديث لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة. ولكن هذا لا يمنع صحتها، والتعليم والتنويه اللذان ينطويان فيها حقّ واجب على كل مسلم في كل ظرف ومناسبة. التأمين بعد الآية الأخيرة من السورة ولقد جرى المسلمون جيلا بعد جيل على أن يقولوا (آمين) بعد سماع الآية الأخيرة من السورة وتلاوتها وليست هذه الكلمة من السورة. وإنما كان ذلك سنّة نبوية قولية وفعلية. حيث روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن وائل بن حجر قال: «سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم قرأ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فقال آمين مدّ بها صوته» . وحيث روى أبو داود عن أبي هريرة قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا تلا غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ قال آمين حتى يسمع من يليه من الصفّ الأول» «1» . وحيث روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا أمّن الإمام فأمّنوا فإنّه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر الله ما تقدّم من ذنبه» «2» .

_ (1) «التاج» ، ج 1، ص 164. (2) انظر المصدر نفسه.

تعليق على تفسير شيعي باطني لكلمة الصراط

ومع أن المتبادر أن معنى آمين هو دعاء بالاستجابة فقد روى الزمخشري حديثا عن ابن عباس أنه سأل النبي عن معناها فقال له: (افعل) . وقد روى كذلك في خطورة آمين وفي تعليم قولها للنبي من قبل جبريل حديثين آخرين واحد منهما عن أبي هريرة جاء فيه: «قال النبيّ آمين خاتم ربّ العباد على عباده المؤمنين» . وثانيهما عن أبي ميسرة التابعي جاء فيه: «أقرأ جبريل النبيّ فاتحة الكتاب فلما قال وَلَا الضَّالِّينَ قال له قل آمين فقال آمين» «1» . وبعض هذه الأحاديث لم يرد في كتب الأحاديث الصحيحة ولكنه ورد في كتب حديث أخرى مثل الطبراني وابن مردويه والإمام أحمد «2» . ولا تبعد في مآلها عن الحديث الوارد في هذه الكتب والله تعالى أعلم. تعليق على تفسير شيعي باطني لكلمة الصراط واستطراد إلى روايات ومذاهب مفسري الشيعة وأثرها هذا، وبمناسبة ورود كلمة الصراط في السورة نقول إن بعض مفسري غلاة الشيعة الباطنية يروون عن أبي جعفر الطوسي أنه قال لأبي عبد الله أحد الأئمة الإثني عشر الذين يدين لهم الشيعة بالولاية دون غيرهم: أنتم الصراط في كتاب الله وأنتم الزكاة وأنتم الحج؟ فقال يا فلان: نحن الصراط في كتاب الله عز وجل، ونحن الزكاة، ونحن الصيام ونحن الحج، ونحن الشهر الحرام ونحن البلد الحرام ونحن كعبة الله ونحن قبلة الله ونحن وجه الله» «3» . وفي هذا ما هو ظاهر من الغلوّ الحزبي الذي ننزّه أبا عبد الله عنه ونرجّح أنه منحول له نحلا. ومثل هذا كثير مما سوف نعرض أمثلة منه في مناسبات آتية. بل هذا ديدن الشيعة غلاتهم ومعتدليهم وباطنييهم حيث يصرفون العبارات القرآنية إلى

_ (1) انظر فصل تخريج أحاديث تفسير الزمخشري لابن حجر في الجزء الرابع من «الكشاف» . (2) انظر المصدر نفسه. (3) «التفسير والمفسرون» لمحمد حسين الذهبي ج 2، ص 267.

ما يوافق هواهم ومقالاتهم مهما كان في ذلك من تعسف وغرابة وسخف وشطط وبعد عن الفحوى والمناسبة والسياق، حتى ولو كان في سياق قصص الأمم السابقة وأنبائهم أو مشاهد الآخرة أو في مشاهد الكون أو في حق الكفار بالله ورسالات رسله والمشركين به قبل النبي صلّى الله عليه وسلّم وفي حياته. وحيث يزعمون أن لكل آية وجملة بل وكلمة في القرآن باطنا وظاهرا وأن الباطن متعدد الوجوه والمدى حتى يبلغ سبعين وجها لكل آية أو كلمة أو جملة، وأن من السائغ أن يكون أول الآية في أمر وآخرها في أمر وظاهرها في أمر وباطنها في أمر. وظاهرها في ماض أو حاضر وباطنها في مستقبل وظاهرها في أناس بأعيانهم وباطنها في أناس آخرين بأعيانهم. حتى لقد بلغ بهم الأمر إلى حد الزعم أن جلّ القرآن بل كله في الأئمة وحقوقهم وشيعتهم وأعدائهم، وإن لم يكن ذلك ظاهرا فهو منطو في الباطن. وإلى حد صرف كلمات الصلاة والصيام والزكاة والحج والجنة والنار والقيامة والحشر إلى معان متصلة بعقائدهم، مما مرّت أمثلة منه في أول هذا التعليق، ومن ذلك أن الوضوء هو موالاة الإمام، والتيمم هو الأخذ من المأذون في غيبة الإمام والصلاة هي اتباع الإمام الناطق بالحق والغسل هو تجديد العهد للإمام، والجنة هي سقوط التكاليف، والنار هي مشقة حمل التكاليف. ومنهم من زعم أن صفات علي وأحفاده الأئمة وحقوقهم وفضلهم كانت في القرآن صراحة وأن الذين جمعوا القرآن من كبار أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد أسقطوا كل ما فيه من ذلك وحرفوا كل ما فيه إشارة ضمنية إلى ذلك. ومنهم من بلغ به الزعم إلى القول أن ما أسقط من القرآن أكثر من نصفه حيث كان نحو سبعة عشر ألف آية فلم يبق منه إلا نحو سبعة آلاف، وأن الإمام علي دوّنه جميعه وأودعه أولاده. وأن هناك مصحفا عندهم باسم مصحف فاطمة يبلغ ثلاثة أضعاف المصحف الحالي وفيه ما أسقطه الصحابة من القرآن، وإلى حد

الزعم أن إنكار الباطن في القرآن كفر «1» . ووصل بهم الشطط إلى صرف كل ما ورد في القرآن من أسماء الله الحسنى وصفاته وغضبه وأسفه إلى الأئمة. وكل ما ورد فيه من وصف للكافرين والمنافقين والمشركين ومن لعنة وتنديد بالكفار والمنافقين والمشركين وإنذار لهم بعقوبة الدنيا والآخرة إلى كبار أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، باستثناء بضعة منهم كانوا بزعمهم موالين لعلي رضي الله عنه فقط، ثم إلى سائر من كان مواليا للخلفاء الراشدين الثلاثة من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثم إلى كل من والاهم من المسلمين من لدن عهد الخلفاء إلى اليوم. وإلى زعم كون أسماء علي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة مكتوبة على عرش الله قبل خلق الناس وأن الله إنما أمر الملائكة بالسجود لآدم لأن أنوارهم كانت متلألئة على جبينه، وأن أنبياء الله الأولين كانوا يتوسلون بهم في الملمات وأنهم معصومون وأنهم يتلقون الوحي عن الله مباشرة خلافا للأنبياء الذين كانوا يتلقونه بالواسطة مما فيه معنى تفضيلهم عليهم، وأن الله يحل فيهم دورا بعد دور وأن عليا هو النبي بل هو الإله والعياذ بالله. وقد تجرأوا على رسول الله وعلى علي وأولاده. فوضعوا على ألسنتهم الأحاديث الكثيرة جدا بسبيل تأييد أقوالهم ومذاهبهم، يبرز عليها التزوير والكذب فحوى وأسلوبا ومناسبة، وأنكروا كل حديث يروي خلاف ما يقولون ولو كان واردا في كتب الصحاح. وقرروا أنه لا يجوز ولا يصح حديث لم يروه أئمتهم وأنهم هم تراجمة القرآن الذين هم أدرى بما فيه لأنهم أهل البيت الذي نزل فيه وأنه لا يجوز لأحد أن يتلقى التفسير أو يفسر القرآن بدون أحاديثهم المذكورة. فجعلوا

_ (1) يستند القائلون بذلك والذين يفسرون القرآن تفسيرا باطنيا إلى حديثين معزوين إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منهما واحد مرسل أخرجه الغرياني عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حد ولكل حد مطلع» . وثان أخرجه الديلمي مرفوعا إلى رسول الله جاء فيه: «القرآن تحت العرش له ظهر وبطن يحاج العباد» . ( «التفسير والمفسرون» لمحمد حسين الذهبي، ج 2، ص 19) ولم يرد أي من الحديثين في كتب الحديث المعتبرة. وعبارتهما لا يمكن أن تبعث أي طمأنينة بصدورهما عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

بذلك عامتهم وراء سور مغلق يجترون ما يقرؤونه في كتب تفسيرهم منها وتترسب بذلك فيهم العقد والأحقاد ضد الجمهور الأكبر من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والجمهور الأكبر من المسلمين من بعدهم الذين يحترمونهم ويوالونهم حتى ولو كانوا يوالون عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وأولاده ويحترمونهم. وهو ما هو عليه فعلا جمهور أصحاب رسول الله وجمهور المسلمين من بعدهم، لأنهم أهل لذلك لإسلامهم وجهادهم وصلتهم برسول الله وهذا سرّ المأساة المروعة الأليمة التي يعيشها عامة الشيعة منذ أكثر من اثني عشر قرنا وسرّ الانقسام الذي انقسم إليه المسلمون وافترقوا به عن بعضهم «1» . ومن العجيب أن يؤلف بعضهم كتبا في الطعن بأبي هريرة رضي الله عنه لأنه يروي كثيرا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ويرى تعسفا في بعض من يرى ما لا يصح من أخبار

_ (1) في الجزء الثاني من كتاب «التفسير والمفسرون» تأليف محمد حسين الذهبي حيث يجد القارئ الغريب العجيب المذهل الذي لا يكاد يصدق أنه يصدر من مؤمن عاقل من كل ذلك مرويا عن كتب تفسير الشيعة مثل كتب الكارزاني والعسكري، والكاشي والعلوي والخراساني والطوسي والطبرسي. والذهبي إنما يورد أمثلة فقط أو غيضا من فيض مما في تلك الكتب ويستوي في ذلك معتدلوهم وغلاتهم. فالطبرسي مثلا من أشدهم اعتدالا وتحرزا ومع ذلك فهو يروي الكثير مما يرويه الغلاة. ونحن نعتقد أن هؤلاء المفسرين ليسوا أغبياء وبلهاء وأنهم أوردوا ما أوردوه وهم يعلمون ما فيه من سخف ومفارقة وصنع وكذب على الله ورسوله وآله الطيبين لمآرب وضغائن ترسبت فيهم مستغلين طيبة وغفلة عوام الشيعة وعزلتهم عن أهل السنة والجماعة ليستمر لهم شفاء هذه المآرب والضغائن لأنه كما قلنا لا يمكن أن يصدق أحد أنه يصدر عن مؤمن عاقل. وقد يستثنى من ذلك الطبرسي لما نراه من اعتداله وتحفظه في ما يورده وعدم إيراده لكثير مما يورده غيره وإيراده مع ما يورده ما يورده أهل السنة والجماعة من روايات وأحاديث حيث يدل هذا على أمانته العلمية. وننبه على أن أقوال وروايات وأحاديث وأفكار وعقائد الشيعة على اختلاف فرقهم لا تنحصر في كتب تفسيرهم. فلهم كتب كثيرة في الحديث والفقه والتاريخ والعقائد والجدل فيها الغريب العجيب المذهل، ولكننا سنقتصر من الأمثلة على ما رووه وساقوه في سياق التفسير.

وأحداث دنيوية وأخروية وينسون ما يروونه من آلاف الأحاديث الكاذبة الموضوعة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وآل بيته والتي لا يمكن بشيء منها أن يصح والتي يبرز عليها طابع الوضع والصنع المتعمدين لتحريف كلام الله عن مواضعه في حين أنه ليس فيما ورد في كتب الأحاديث الصحيحة من رواية أبي هريرة ما لا ينطبق على القرآن أو يغاير أحاديث رسول الله التي يرويها غيره من أصحاب رسول الله. ونريد أن ننبه على أمر وهو أننا نجلّ عليّ بن أبي طالب وأولاده الطيبين رضي الله عنهم ثم الصالحين من ذريتهم كل الإجلال لصلتهم برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأن هذا واجب كل مؤمن مخلص. وهو ما نعتقد أن جل أهل السنة بل كلهم عليه. وإننا إذ نكتب هذا التعليق وإذ نورد الأمثلة من تفسيرات مفسري الشيعة وغلاتهم وباطنييهم لا نقصد تشهيرا وتقبيحا لذاتهما وإنما نقصد تحذير المسلمين جميعهم سنيين وشيعيين على السواء. ولا نحمل مسؤولية ذلك على عامة الشيعة فهم منها براء ولا يحمل مسؤوليته وإثمه إلا الذين صنعوه ورووه وتمسكوا وما يزالون يتمسكون به ويحثون العامة من الشيعة على التمسك به ويلقنونهم أنهم هم وحدهم على الحق وأنهم هم وحدهم أصحاب الحظوة عند الله حتى يظلوا متمسكين به تحقيقا لما توخوه ويتوخونه من مآرب ومنافع ونشهد الله على صدق ما نفعله. ومن الجدير بالذكر أن كتب الشيعة المتنوعة على اختلاف فرقهم لم تنحصر وتقف عند القرون الإسلامية الأولى، فقد استمر كتابهم يكتبون مختلف الكتب في التفسير والحديث والفقه والجدل والتاريخ والعقائد في كل دور من أدوار التاريخ الإسلامي إلى اليوم يكررون فيها ما قاله ورواه أسلافهم من العجيب الغريب المذهل «1» فكان هذا مما ساقنا إلى هذا التحذير. وإلى إيراد تأويلاتهم الشاذة

_ (1) من هذه الكتب «الإيقاظ» للحرّ العاملي و «الآيات البينات» لكاشف الغطاء و «أعيان الشيعة» لمحسن الأمين وهذا موسوعة كبرى فيها تراجم كل نابه من الشيعة وأقواله وأفعاله. وفي هذه الكتب وغيرها تكرار لما قاله ورواه قدماء الشيعة من أفكار وعقائد ومجادلات ومدائح وقبائح وعادات وأفكار وتأييد لها وفيها العجيب المذهل من كل ذلك وبخاصة في صفات الأئمة وعصمتهم وصلتهم المباشرة بالله وفي حصر صفة الإسلام والنجاة في الشيعة ونفيهما عن سائر المسلمين. وفي تكفير وذم كبار أصحاب رسول الله ومن والاهم من المسلمين إلى الآن.

للقرآن التي لم يمنعهم منها عقل ولا دين على ما مرّت أمثلته وعلى ما سوف يمر منه أمثلة كثيرة أخرى ليرى القارئ ما فيها من شطط وزور وشذوذ. ومهما يمكن أن يقال أن التشيع قد غدا مع الزمن الطويل عقدة معقدة يجعل أصحابها متعصبين لها متمسكين بالروايات والأقوال التي يسوقها لهم علماؤهم ومفسروهم ورواتهم مهما كان فيها من التعسف والشطط والمفارقة والبعد عن العقل والمنطق والحق والدين والإيمان فإنه قد آن لنبهاء الشيعة وعقلائها والصادقين منهم في إيمانهم والمخلصين للإسلام وهم كثيرون فيما نعتقد أن يتنبهوا إلى أن أسبابه سياسية لا صلة صحيحة لها بالدين والقرآن وأن هذه الأسباب قد عفّى عليها الزمن ولم يعد لها مكان ولا معنى ولا مبرر ولا فائدة إلا لفئة قليلة من الناس الذين يرون في التمسك به مأربا خاصا لأنفسهم وأن يبذلوا جهودهم للتخفيف من غلواء التمسك بتلك الروايات والأقوال والتعصب للفكرة التي وراءها والتي هي سياسية قديمة وللتقارب مع السنيين إلى أن تسود الأخوة والمحبة وتزول الفرقة والضغينة. وعلى نبهاء السنيين وعقلائهم والصادقين في إيمانهم والمخلصين بإسلامهم بدورهم أن يبذلوا جهودهم بسبيل ذلك أيضا بمختلف الوسائل والمواقف وعلى مختلف المستويات، والله الهادي إلى سواء السبيل.

سورة العلق

سورة العلق تضع جميع تراتيب السور المروية هذه السورة أولى السور ترتيبا. والمتبادر أن ذلك بسبب كون الآيات الخمس الأولى منها هي أولى آيات القرآن نزولا على ما عليه الجمهور. لأن مضمون باقي الآيات وأسلوبها يدلان على أنه نزل بعد مدة ما من نزول آياتها الخمس الأولى، على أن هذه المدة ليست طويلة على ما تلهم آيات السورة. وفي الآيات الخمس الأولى أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بالقراءة وتنويه بما ألهم الله الإنسان من العلم. وفي بقية الآيات حملة على باغ مغتر بماله وجاهه تصدى للنبي صلّى الله عليه وسلّم وتثبيت للنبي في دعوته وموقفه وعدم المبالاة به. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة العلق (96) : الآيات 1 الى 5] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (5) (1) العلق: الدم المتجمد. هذه الآيات هي على ما جاء في حديث رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها، سنورده بعد قليل، أولى الآيات القرآنية نزولا. ومع أن هناك روايات تذكر أن الآيات الأولى من سور أخرى مثل سور القلم والمدثر والمزمل وأن سورا أخرى

أول قرآن نزل على النبي صلى الله عليه وسلم

مثل سورتي الفاتحة والضحى هي أول القرآن نزولا فإن أحاديث أولية هذه الآيات أقوى سندا كما أن مضمونها يلهم ترجيح هذه الأولية «1» . وليس في هذه الآيات الواضحة العبارة أمر بالدعوة. وإنما هي تنبيه وإعداد. ولما كانت الآيات التالية لها تتضمن مشهدا من مشاهد تصدي بعض الطغاة للنبي عليه السلام حينما بدأ بدعوته وصلاته، فإن المعقول أن تكون هذه الآيات قد نزلت وحدها ثم نزلت آيات أو سور قرآنية أخرى فيها أمر بالدعوة ومبادئها، وأن تكون أولية السورة في ترتيب النزول هي بسبب أولية نزول هذه الآيات. أول قرآن نزل على النبي صلى الله عليه وسلّم وقد نزلت هذه الآيات على النبي صلى الله عليه وسلّم ليلا في غار حراء أحد جبال مكة أثناء اعتكافه في هذا الغار في رمضان على ما ورد في حديث رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها جاء فيه: «أوّل ما بدىء به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصّبح. ثم حبّب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنّث- أي يتعبّد- فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها حتّى جاءه الحقّ وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: «اقرأ» فقال: «ما أنا بقارئ» قال: «فأخذني فغطّني حتّى بلغ منّي الجهد ثم أرسلني» . فقال: «اقرأ» ، فقلت: «ما أنا بقارئ» قال: «فأخذني فغطّني الثانية حتّى بلغ مني الجهد ثم أرسلني» فقال: «اقرأ» فقلت: «ما أنا بقارئ» فأخذني فغطّني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني» فقال:

_ (1) انظر سياق تفسيرها في الطبري وابن كثير والطبرسي وغيرهم وانظر كذلك كتاب «الإتقان في علوم القرآن» للسيوطي ج 1 ص 24 وما بعدها، الطبعة المذكورة سابقا. وننبه إلى أننا سرنا على الاكتفاء بذكر اسم كتاب التفسير أو مؤلفه دون ذكر رقم المجلد أو الجزء أو الصفحة لأن هناك أكثر من طبعة لأكثر من كتاب من كتب التفسير، وقد لا تكون الطبعة التي ننقل عنها هي المتيسرة في يد القارئ، وطريقتنا تيسر للقارىء أن يراجع المادة في أي طبعة كما هو واضح. [.....]

مغزى التنويه بالقراءة والكتابة والعلم في أول ما نزل من القرآن

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ حتى بلغ: ما لَمْ يَعْلَمْ» «1» . ونزول هذه الآيات ليلا وفي رمضان مؤيد بآيات قرآنية منها آية سورة البقرة هذه: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ [185] ، وآية سورة الدخان هذه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) ، وآية سورة القدر هذه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) . والأمر بالقراءة قصد به تلاوة ما يلقى إليه كما قصد به تنبيهه صلّى الله عليه وسلّم إلى المهمة العظمى التي انتدب إليها، وتعليمه أن يجعل الله هو الفكرة الرئيسية التي تشغل ذهنه، وأن يذكره في كل أمر من أموره دون سواه كما هو المتبادر. وفي هذا تلقين جليل مستمر المدى وشامل للناس جميعا بالانصراف عما سوى الله، وبالارتفاع بالنفس الإنسانية إلى أفق لا تتأثر فيه بقوى الدنيا ومخاوفها، ولا ترتبط في حياتها ومعايشها ومطالبها وآمالها بغير الله الربّ الأكرم. مغزى التنويه بالقراءة والكتابة والعلم في أول ما نزل من القرآن والآيات إلى هذا تنطوي على تنويه بالقراءة والكتابة والعلم، وبالإنسان الذي اختص وحده بالقابلية لهذه النعم، وبدء القرآن بذلك يزيد في قوة هذا التنويه، فكأنما أريد جعل هذه النعم في مقدمة نعم الله التي أنعمها على الإنسان، وفي مقدمة ما يجب على الإنسان أن يشكر الله عليه ويسعى في اكتسابه. والقرآن على هذا الاعتبار أعظم وأقوى، وأول داع ديني إلى العلم والقراءة والكتابة. وتعبير الإنسان شامل للذكر والأنثى على السواء، وهكذا تكون الدعوة القرآنية شاملة جنسي الإنسان.

_ (1) «التاج» ، ج 3 ص 226.

[سورة العلق (96) : الآيات 6 إلى 19]

وفي هذا من الجلال والروعة ما يعلو فوق كل مستوى، وما يدل على عظمة براعة استهلال القرآن الكريم والدعوة الإسلامية وبعد مداها، وقوة عناصر خلودها. ولقد احتوت سور القرآن المكية والمدنية بعد هذه السورة آيات كثيرة جدا في التنويه بالكتاب والقرآن والعلم والعلماء والحثّ على العلم والتعلّم وبيان مسؤولية أهل العلم والذكر. وهو ما يزيد من جلال هذه البراعة وعظم مداها. والمتبادر أنه لا يقصد بالإشارة إلى خلق الإنسان من علق تقرير حقيقة تشريحية، ولا تخصيص الإنسان وحده بالخلق من علق دون غيره من الحيوان، وإنما قصد التنبيه على مظهر من مظاهر قدرة الله في نواميسه على إخراج إنسان كامل في صورته وأعضائه وحواسه من شيء تافه في مظهره المادي، وقد اختص الإنسان بالذكر لأنه موضوع الخطاب في الآيات، وهذا أسلوب قرآني عام. وهو الأسلوب التنبيهي الموجه إلى مختلف الطبقات في المناسبات الملائمة بما تتناوله عقولهم وحواسهم، وبقصد الموعظة والهداية. وبناء على هذا فلا نرى محلا ولا ضرورة إلى الاستطراد إلى حقائق تشريحية عن خلق الإنسان وتكوينه لأن ذلك ليس من أهداف الجملة القرآنية، ونرى وجوب الوقوف عند ما ذكرناه من هدفها على ما نبهنا عليه في المقدمة. هذا، ولقد تعددت السور التي تبدأ بأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم ببعض الأفعال والأقوال مما يمكن أن يعد أسلوبا من أساليب النظم القرآني في مطالع السور. [سورة العلق (96) : الآيات 6 الى 19] كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (7) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (8) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (9) عَبْداً إِذا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (14) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (15) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (18) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) (1) كلّا: حرف ردع وزجر. وقال المفسرون إنها في المقام الذي تأتي فيه بمعنى أيها الناس ارتدعوا وازدجروا فالأمر أعظم مما ظننتم. وقد وردت كثيرا ولا سيما في السور المبكرة في النزول الذي يشتد فيها الإنذار والتنبيه والتنديد ووردت كذلك في معرض التنديد والاستدراك والتثبيت وكثرة ورودها في القرآن تدل على أنها مما كان مستفيضا في أساليب الخطاب العربي. (2) يطغى: يتجاوز الحد في العدوان والبغي. (3) استغنى: ظن نفسه مستغنيا، أو رأى نفسه غنيا. والكلمة هنا بمعنى (رأى نفسه غنيا بماله) على ما عليه الجمهور. واستعملت الكلمة بمعنى (رأى نفسه غنيا عن مساعدة الغير فتمنع وتكبر) كما في آيات سورة عبس هذه: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) . وأصل معنى كلمة (غني) غير المحتاج سواء أكانت الحاجة مالا أو غيره. وقد وصف الله جلّ جلاله نفسه بها في آيات كثيرة. (4) التقوى: الاتقاء من عذاب الله بصالح العمل. (5) تولّى: ذهب دون أن يصغي للدعوة ويهتم لها. (6) السفع: الأخذ أو الجذب بقوة، واللطم بشدة. (7) الناصية: مقدم الوجه أو شعر الجبهة. (8) ناديه: النادي: مجلس القوم، والمقصود أهل المجلس. (9) الزبانية: الموكلون بالعذاب. (10) اسجد: أمر بالسجود لله. والسجود هو وضع الجبهة على الأرض في معرض عبادة الله وتعظيمه والخضوع له. (11) اقترب: تقرب إلى الله بالسجود.

في هذه الآيات:

في هذه الآيات: 1- تقرير حقيقة في أخلاق البشر بوجه عام. وهي أن كثيرا منهم يتجاوزون الحدّ كبرا وبغيا حينما يشعرون في أنفسهم بالقوة ويخيل إليهم أنهم في غنى عن غيرهم بكثرة مالهم وقوة أنصارهم وعصبيتهم وشخصيتهم وأسلوب الآية التي وردت فيها أسلوب تنديدي بهذا الخلق. 2- تذكير وإنذار بأن الناس راجعون إلى الله ومعروضون عليه. 3- تنديد بالذي يتعرض لعبد من عباد الله فينهاه عن الصلاة له مع أنه يسير على طريق الحق والهدى. ويدعو إلى تقوى الله ويذكّر به. وتنديد كذلك بالذي يكذّب دعوة الله ويعرض عنها، وتذكير له في معرض الإنذار وبأسلوب الاستفهام الإنكاري عما إذا لم يكن يعلم أن الله يراقبه ويحصي عليه آثامه ومواقفه. 4- تهديد وتحدّ وإنذار لهذا المكذّب المتعرض المعرض بأسلوب قارع قاصم. فإذا لم ينته عن موقفه الباغي فلسوف يسفعه الله بناصيته الكاذبة الخاطئة. وإذا دعا ناديه لنصرته فسوف يدعو الله الزبانية الموكلين بالعذاب ليتولوا أمرهم. 5- تثبيت للنبي عليه السلام في دعوته. فلا محلّ للخوف من هذا المتعرض والاستجابة لما يقول والاهتمام به. وعليه أن يسجد لله ويتقرب إليه. والآيات الثلاث الأولى تمهيد لما بعدها على ما هو المتبادر مما هو مستفيض في الأسلوب القرآني. والآيات التالية لها تتضمن مشهدا من مشاهد الدعوة النبوية في الخطوات الأولى حيث تفيد أن زعيما طاغية تعرّض للنبي عليه السلام حينما رآه يصلي صلاة جديدة، ويدعو إلى الله وتقواه، فضلا عن تكذيبه للدعوة وإعراضه عنها. ولقد رويت بعض الأحاديث الصحيحة في مناسبة نزول هذه الآيات. منها حديث رواه الشيخان والترمذي عن ابن عباس قال: «قال أبو جهل لئن رأيت محمدا يصلّي عند الكعبة لأطأنّ على عنقه فبلغ ذلك النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: لو فعل

لأخذته الملائكة عيانا» «1» . ومنها حديث رواه مسلم عن ابن عباس أيضا قال: «قال أبو جهل: هل يعفّر محمّد وجهه بين أظهركم- يريد على ما يظهر هل يصلّي ويسجد- قيل: نعم، فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته. فأتى النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو يصلّي فما فجئهم منه إلّا وهو ينكص على عقبيه ويتّقي بيديه فقيل له: ما لك، فقال: إنّ بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا فأنزل الله: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (6) إلى آخر السورة» «2» . ومنها حديث رواه الترمذي عن ابن عباس قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يصلّي فجاء أبو جهل فقال: ألم أنهك عن هذا ألم أنهك عن هذا؟ فزبره النبي، فقال أبو جهل: إنّك لتعلم ما بها ناد أكثر منّي فأنزل الله: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (18) . قال ابن عباس: (فو الله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله) «3» . والحديث الأخير قد يفيد أن الآيات نزلت على دفعات. غير أن الذي نرجّحه على ضوء الحديث الثاني أنها نزلت دفعة واحدة. ولا يمنع هذا أن يكون ما روي عن لسان أبي جهل مما ذكره الحديث الأخير صحيحا من جملة ما قاله وفعله وحاول أن يفعله فكان كل هذا مناسبة لنزول الآيات جميعها. وتسمية (أبي جهل) تسمية إسلامية، واسم هذا الرجل هو عمرو بن هشام المخزومي وكنيته أبو الحكم. ولقد روى ابن هشام أن أبا سفيان وأبا جهل والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليستمعوا لرسول الله وهو يصلي في بيته فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا فجمعهم الطريق فتلاوموا وقالوا لبعضهم: لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا. ثم انصرفوا غير أنهم عادوا ليلة ثانية

_ (1) «التاج» ، ج 4 ص 262. (2) انظر المصدر نفسه. (3) انظر المصدر نفسه. الجزء الأول من التفسير الحديث 21

علنية الدعوة في بدئها

ثم ليلة ثالثة. وذهب الأخنس إلى أبي سفيان فقال له: ما رأيك يا أبا حنظلة فيما سمعت من محمد؟ قال: والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها وسمعت أشياء ما عرفت معناها وما يراد بها، فقال له: وأنا والذي حلفت به كذلك. ثم خرج حتى أتى أبا جهل فقال: ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ما سمعت: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف. أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا وأعطوا فأعطينا حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك مثل هذه، والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه «1» . حيث يفيد هذا أن موقف أبي جهل كان متأثرا بالاعتبارات الشخصية والأسرية. علنية الدعوة في بدئها والمشهد الذي احتوته الآيات والأحاديث المروية في صدده يدلّ بقوة على أن الدعوة بدأت علنية خلافا لما روي «2» أو لما هو مستقر في الذهن. وأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أخذ يمارس صلاته الجديدة جهرة ويدعو الناس إلى الله وتقواه. وفي المشاهد المماثلة التي ظلت تذكر في السور العديدة المبكرة في النزول، مثل القلم والمزمل والمدثر والتكاثر والماعون والكافرون تأييد لذلك. وكل ما يمكن أن يقال إزاء ما ورد في الأحاديث التي تروي أقوال بعض أصحاب رسول الله مثل ما روي عن عمر في قصة إسلامه حيث سأل بعد إسلامه: «أنحن على حقّ أم باطل؟ فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: بل على حقّ، فقال عمر: ففيم التخفي إذن؟» . ومثل ما روي عن ابن مسعود أنه قال: «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر. ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالكعبة ظاهرين آمنين حتى أسلم عمر» «3» . إن النبي صلّى الله عليه وسلّم- حماية لأصحابه- كان يلزم الحذر والتحفظ في الصلاة والاجتماع بهم. غير أن دعوته للناس كانت

_ (1) انظر «السيرة الحلبية» ، ج 1، ص 330 وما بعدها. وانظر تفسير آية سورة الحجر فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [94] في كتاب تفسير ابن كثير والبغوي بل وغيرهما من المفسرين. (2) المصدر نفسه. (3) انظر «سيرة ابن هشام» ج 1 ص 342 وما بعدها.

موقف الزعامة من النبي وموقف النبي منها منذ البدء

وظلت جهرة. وهذا هو المعقول المتسق مع هدف الدعوة وإيمان النبي بالله ورسالته. والمتبادر أن هذه الآيات قد نزلت بعد نزول الآيات الخمس الأولى بمدة ما، وبعد نزول جملة من القرآن تتضمن أمرا بالدعوة وشيئا من مبادئها وأهدافها. وبعد أن سار النبي صلّى الله عليه وسلّم في دعوته شوطا ما، حيث أخذ يتصل بالناس ويدعوهم ويبشرهم وينذرهم ويتلو عليهم ما أوحي إليه من آيات القرآن وسوره ويصلي جهرة، فتصدى له الطاغية فنزلت منذرة منددة، مذكرة قارعة. وإلحاق هذه الآيات بالآيات الخمس الأولى حيث تكونت شخصية السورة يدل على أن سور القرآن كانت تؤلف أولا فأولا، وعلى أن المشهد الذي احتوته لم يتأخر كثيرا. ولعله من أوائل مشاهد المناوأة للدعوة والتعرّض لصاحبها مما يدل عليه إلحاق آياته بأولى آيات القرآن نزولا. موقف الزعامة من النبي وموقف النبي منها منذ البدء وفي الآيات وبخاصة في الآيات [15- 19] تطمين وتثبيت للنبي صلّى الله عليه وسلّم إزاء تعرض الزعيم الطاغية كما هو واضح، وقد ثبت فيه بدون ريب الطمأنينة والقوة والعزم على متابعة مهمته العظمى. ومما لا ريب فيه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد تلا الآيات حتى وصلت إلى مسامع الطاغية، بل من المحتمل القوي أن يكون قذف بها في وجهه مباشرة. وإذ يتصور المرء النبي صلّى الله عليه وسلّم يصرخ في وجه هذا الطاغية المعتدّ بماله وقوته وناديه صرخته المدوية تردادا لوحي الله: كلا كلا، ثم يقذف بكلمات التنديد والتهديد والتحدي والإنذار القرآنية غير مبال بالزعامة وقوتها وهو من دون نصير من الناس ولم يكن قد آمن به من يستطيع له نصرا ويقف في جانبه يدرك من دون ريب تلك الشجاعة التي كان يتحلى بها والتي استمدها من إيمان عميق مستول على

مشاعره جعله لا يرى عظمة إلا لله ولا قوة إلا لله ولا سلطانا إلا لله، وجعله يرى كل ما عداه أضعف من أن يخشى، وأعجز من أن يستطيع له نفعا أو ضرا، أو يقف أمام دين الله ويحول دون الدعوة إليه. ويدرك بهذا ما تحلى به من عظمة الخلق وقوة الجنان وعمق اليقين، مما كان موضوع ثناء الله في آية القلم: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) . وفي كل هذا أسوة يجب على المسلمين أن يتأسوا بها وبخاصة الدعاة إلى الإصلاح والمتعرضين للظلم والطغيان. لأن الله سبحانه أمرهم بأن يكون لهم في رسوله الأسوة الحسنة كما جاء في آية سورة الأحزاب هذه: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (21) . ويتبادر من عنف الآيات وقوتها القارعة أن الحكمة الربانية اقتضت أن يكون الرد على أول متصدّ للنبي صلّى الله عليه وسلّم من الزعماء الأقوياء بهذا الأسلوب لتثبيت النبي وأصحابه القلائل الذين آمنوا به، ومواجهة الزعيم القوي بقوة وعنف يصدمانه على غير توقع. ولا شك في أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد تلا الآيات على أصحابه، فقوّت من روحهم وزادتهم إيمانا، ووصلت إلى صاحبها وناديه فصعقتهم بعنفها وجعلتهم يشعرون بالقوة الروحية التي يستمد منها النبي، وازداد النبي بهذا وذاك قوة وعزما على الاستمرار في مهمته، غير مبال بالزعيم القوي وناديه. على أن جملة: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ تسوغ القول أن أبا جهل لم يكن وحيدا في موقفه من النبي صلّى الله عليه وسلّم. وهو ما تدل عليه الآيات التي نزلت بعد هذه الآيات في مناسبات عديدة مبكرة. وليس بعيدا أن يكون تعبير «ناديه» قد عنى دار الندوة التي كان يجتمع فيها أهل الحلّ والعقد في مكة الذين هم رؤساء الأسر القرشية البارزة، وقد كانت هذه الدار قرب الكعبة، فإذا صحّ هذا فإن من السائغ أن يقال إن السلطات الرسمية قد رأت في صلاة النبي صلّى الله عليه وسلّم علنا بصلاة جديدة لا عهد للناس بها، وفي دعوته الناس جهارا إلى دين يخالف ما عليه الناس بدعة، ورأت وجوب الوقوف في وجهها،

وأنها عمدت إلى أحد أعضائها بتنفيذ ذلك، أو أن هذا العضو كان أشدّ حماسا ضدها من غيره فكان هو المتصدي. وهكذا ينطوي في الآيات المبكرة جدا في النزول أولى صورة من صور مواقف زعماء مكة الشديدة المناوأة التي تكررت واستمرت إلى أن تمّ الفتح المكي. وأولى صورة من صور الردّ القرآني المبلغ للرسول والمعلن للناس من قبله على هذه المواقف التي تكررت وحكاها القرآن المكي في مختلف أدوار التنزيل. وفي الرد القرآني المنطوي في آيات السورة تعليل لهذا الموقف وقد انطوى في الردود القرآنية مثل هذا التعليل أو ما يقاربه. وهو على الأكثر الاستكبار ومكر السيء والاستهتار والاعتداد بالمال والولد والحرص على التقاليد التي كانوا يستمدون منها قوة وجاها والحسد والاعتبارات الشخصية والأسرية. ومن ذلك آيات سورة فاطر هذه: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً (42) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ، وآيات سورة الزخرف هذه: وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (30) وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) ، وآيات سورة ص هذه: وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (6) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ (7) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (8) . وقد يعني هذا أن الزعماء الذين كان أكثرهم أغنياء وأولو عصبية في الوقت نفسه قد رأوا في الدعوة النبوية تحدّيا لهم وتهديدا لمركزهم وثرواتهم فانبروا إلى مناوأتها من أول أيامها، وأدى ذلك إلى نضال طويل مرير مختلف الصور والأشكال بينهم وبين النبي صلّى الله عليه وسلّم مما شغلت حكايته وصوره حيزا كبيرا من القرآن وبخاصة المكي منه على ما سوف يأتي متواليا.

تعليق على ما في الآيات كلا إن الإنسان ليطغى (6) أن رآه استغنى

تعليق على ما في الآيات كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (7) من تلقين ثم من مدى ومغزى في صدد أهداف الرسالة الإسلامية وهذه الآيات بخاصة محل لتعليق آخر من حيث إنها تجعل الطغيان نتيجة لكثرة المال والغنى. ولقد احتوت سور كثيرة مبكرة في النزول حملة على شدة حبّ المال والحرص عليه والتباهي به واعتباره عنوانا للكرامة وتنديدا بذلك مثل سور القلم والمزمل والمدثر والمسد والفجر والعاديات والتكاثر والهمزة والبلد ممّا لم نر إيراده لأنه سوف يأتي بعد قليل. ولقد احتوت هذه السور وسور أخرى مبكرة في النزول أيضا مثل الليل والأعلى والنجم فضلا عن سور كثيرة أخرى نزلت في مختلف أدوار التنزيل حضا على إطعام المساكين والتصدّق على الفقراء وتزكية المال والإنفاق في سبيل الله. واحتوت في الوقت نفسه صورا عديدة من مواقف الأغنياء المناوئة لنبوة النبي ودعوته إلى جانب الزعماء حيث يبدو أن الأغنياء بدورهم رأوا في هذه النبوة والدعوة تهديدا لثرواتهم فتضامنوا مع الزعماء في المناوأة منذ عهد مبكر جدا واستحقوا وصف الطغيان الذي احتوته الآيات. وبالإضافة إلى ما في هذا من تلقين جليل سلبي وإيجابي للمسلم فإنه ينطوي على مدى ومغزى عظيمين في صدد الرسالة الإسلامية التي يمثلها القرآن في الدرجة الأولى. وهما كون هذه الرسالة قد جاءت في جملة ما جاءت به للحدّ من جشع الإنسان للمال وتكالبه عليه والدعوة إلى مساعدة المحتاجين خطورة إليه. وورود هذا في السور المبكرة في النزول يسبغ على ذلك المدى والمغزى خطورة خاصة، وقد استمر ذلك بأساليب متنوعة في سور كثيرة أخرى مما يزيد في قوة هذه الخطورة.

تعليق على كلمة الصلاة

وهناك أحاديث كثيرة مأثورة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم متساوقة مع كل ذلك أيضا شأنها مع كل المبادئ والتلقينات القرآنية سنوردها في مناسبات آتية أكثر ملاءمة. تعليق على كلمة الصلاة وبمناسبة ورود كلمة «صلى» لأول مرة نقول: إن الصلاة تعني في اللغة الدعاء والبركة وقد جاءت بهذين المعنيين في القرآن كما يفهم من آيات سورة الأحزاب هذه: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ، وإِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (56) ، ومن آية سورة التوبة هذه: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ، وتعني كذلك الشكل الخاص الذي يتعبد المتعبد به لمعبود، كما هي في هذه السورة وغيرها، والمعنيان متقاربان ولعلّ الأصل هو الأول، ولا سيما والعبادة هي الاتجاه للمعبود ودعاؤه. وإطلاق كلمة الصلاة على الشكل الخاص من العبادة مطلقا ليس إسلاميا، بل كان كذلك قبل البعثة كما تدل عليه آية الأنفال هذه: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً «1» [35] ، حيث عبرت عما كان يؤديه المشركون من الطقوس الدينية عند الكعبة بكلمة الصلاة. ومع أن الروايات تذكر «2» أن شكل الصلاة الإسلامية المعروف هو الشكل الذي أدّى به النبي صلّى الله عليه وسلّم صلاته الأولى بتعليم الملك، فإن ورود تعابير الركوع والسجود والقيام في القرآن وتكليف المشركين بالسجود تارة، والركوع أخرى كما جاء في آية سورة البقرة هذه: وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ

_ (1) المكاء هو التصفير، والتصدية هي التصفيق على ما جاء في تفسير الزمخشري «الكشاف» . (2) ابن هشام ج 1 ص 229 وما بعدها، و «السيرة الحلبية» ج 1 ص 263 وما بعدها.

وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) ، وفي آية سورة الحج هذه: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) ، وفي آية سورة الفرقان هذه: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً (60) ، وفي آية سورة المرسلات هذه: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (48) ، يلهم أن هذه الأشكال كانت معروفة قبل البعثة وممارسة، كأشكال عبادة وصلاة، وكمظهر خضوع لله أو للمعبودات. ولقد روى ابن هشام خبر أولى صلاة صلاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال عزوا إلى ابن اسحق: «حدثني بعض أهل العلم أن الصلاة حين افترضت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أتاه جبريل وهو بأعلى مكة، فهمز له بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت منه عين فتوضأ جبريل عليه السلام ورسول الله ينظر إليه ليريه كيف الطهور إلى الصلاة ثم توضأ رسول الله كما رأى جبريل توضأ. ثم قام به جبريل فصلى به، فصلى رسول الله بصلاته ثم انصرف جبريل. فجاء رسول الله خديجة فتوضأ لها ليريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبريل، فتوضأت كما توضأ لها رسول الله ثم صلّى بها كما صلى به جبريل» . وقال كذلك عزوا إلى ابن اسحق: «وحدثني عتبة بن مسلم عن نافع بن جبير وكان كثير الرواية عن ابن عباس قال: لما افترضت الصلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أتاه جبريل عليه السلام فصلى به الظهر حين مالت الشمس، ثم صلى به العصر حين كان ظله مثله، ثم صلّى به المغرب حين غابت الشمس، ثم صلّى به العشاء الأخيرة حين ذهب الشفق. ثم صلّى به الصبح حين طلع الفجر. ثم جاءه فصلى به الظهر من غد حين كان ظله مثله. ثم صلى به العصر حين كان ظله مثليه، ثم صلّى به المغرب حين غابت الشمس لوقتها بالأمس، ثم صلّى به العشاء الأخيرة حين ذهب ثلث الليل الأول، ثم صلّى به الصبح مسفرا غير مشرق. ثم قال: يا محمد الصلاة فيما بين صلاتك اليوم وصلاتك بالأمس» «1» .

_ (1) ابن هشام ج 1 ص 244- 245.

ولقد روى الترمذي وصاحباه حديثا عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم فيه معظم ما جاء في هذا الحديث وهذا نصّه: «أمّني جبريل عليه السلام عند البيت مرّتين، فصلّى الظهر في الأولى منهما حينما كان الفيء مثل الشّراك، ثم صلّى العصر حين كان ظلّ كلّ شيء مثله ثم صلّى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، ثم صلّى العشاء حين غاب الشّفق، ثم صلّى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم. وصلّى المرّة الثانية الظهر حين كان ظلّ كلّ شيء مثله لوقت العصر بالأمس، ثم صلّى العصر حين كان ظلّ كلّ شيء مثليه. ثم صلّى المغرب لوقته الأول، ثم صلّى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلّى الصبح حين أسفرت الأرض، ثمّ التفت إليّ جبريل فقال: يا محمّد هذا وقت الأنبياء من قبلك والوقت فيما بين هذين الوقتين» «1» . ولقد روى الخمسة إلّا الترمذي عن أبي مسعود عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «نزل جبريل فأمّني فصلّيت معه ثم صلّيت معه ثمّ صلّيت معه ثمّ صلّيت معه ثمّ صليت معه يحسب بأصابعه خمس صلوات. زاد في رواية ثمّ قال بهذا أمرت» «2» . وليس في هذه الأحاديث تعيين لوقت هذا التعليم والإمامة. ولكن ورود الإشارة إلى صلاة النبي صلّى الله عليه وسلّم في هذه السورة التي هي من أبكر ما نزل من القرآن قد يدل على أن ذلك كان عقب نزول أول وحي على النبي صلّى الله عليه وسلّم. وقد يؤيد هذا ما جاء في حديث ابن اسحق الأول من مجيء النبي صلّى الله عليه وسلّم بعد ذلك إلى بيته وتعليمه ما علمه إياه الملك لخديجة رضي الله عنها التي كانت أول من آمن به، والتي لم يكن بعد على ما هو محتمل مؤمنا به غيرها. وقد يؤيد ذلك أيضا أن الإشارة إلى الصلاة والدعوة إليها وخبر ممارستها قد ذكرت في سور أخرى مبكرة جدا في النزول مثل سور المزمل والمدثر والأعلى والشرح والكوثر. هذا في حين أن البخاري ومسلم والنسائي والترمذي يروون حديثا عن أنس جاء فيه: «فرضت على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ليلة

_ (1) «التاج الجامع» ، ج 1، ص 125 و 126. (2) المصدر نفسه.

أسري به الصلوات خمسين ثم نقصت حتّى جعلت خمسا ثم نودي يا محمد إنه لا يبدّل القول لديّ، وإنّ لك بهذه الخمس خمسين» «1» . والإسراء ذكر في سورة الإسراء بأسلوب قد يلهم أنه ذكر عقب وقوعه، وسورة الإسراء ليست من السور المبكرة في النزول بل يخمن أنها نزلت في أواخر الثلث الأول من العهد المكي. وهناك روايات تذكر أن الإسراء وقع في مثل هذا الظرف. ولقد روى الترمذي ومسلم حديثا عن عبد الله في سياق تفسير بعض الآيات الأولى من سورة النجم التي تروي بعض الأحاديث أنها في صدد مشاهد الإسراء والمعراج جاء فيه: «إنه لما بلغ رسول الله سدرة المنتهى قال: انتهى إليها ما يعرج من الأرض وما ينزل من فوق، فأعطاه الله عندها ثلاثا لم يعطهنّ نبيا قبله. فرضت عليه الصلاة خمسا وأعطي خواتيم سورة البقرة وغفر لأمته المقحمات ما لم يشركوا بالله شيئا» «2» . وسورة النجم نزلت كذلك بعد عدة سور ذكرت فيها الصلاة مثل المزمل والمدثر والأعلى والشرح والكوثر والماعون. وعلى هذا فإن الصلاة إما أن تكون غير مفروضة فرضا مستقرا وكانت تؤدى كمظهر من مظاهر العبادة لله تعالى وحسب قبل نزول سورتي النجم والإسراء أو قبل سورة النجم- لأن هناك احتمالا أن يكون الإسراء وقع قبل نزول سورة الإسراء بمدة ما وأن يكون ذكره في سورة الإسراء من قبيل التذكير به- إذا صح حديثا أنس وعبد الله رضي الله عنهما. وإما أن يتوقف في هذين الحديثين استئناسا بالآيات وبحديث ابن اسحق الأول. ويقال إنها كانت تمارس كفرض محدود الأوقات في عهد مبكر من البعثة النبوية وقبل الإسراء النبوي، والله تعالى أعلم.

_ (1) «التاج» ج 1 ص 117. (2) «التاج» ، ج 4 ص 221، المقحمات: الذنوب العظيمة. [.....]

وليس في القرآن مما يتصل بشؤون الصلاة والاستعداد لها إلّا إشارات في صدد الوضوء والاغتسال من الجنابة والتيمم بدلا منهما، واستقبال القبلة والأذان وتطهير الثياب والبدن وقصر الصلاة وصلاة الخوف وصلاة الجمعة شاءت حكمة التنزيل أن تشير إليها في مناسبات حادثة في بعض السور. أما كيفيات الصلاة وأوقاتها وأركانها وركعاتها والدخول فيها والخروج منها وما يقرأ ويدعى ويسبح فيها والنوافل المؤكدة وما يفعل في السهو فيها والعجز عن بعض كيفياتها وأركانها وما يكره فيها ... إلخ. فقد تكفلت ببيانها السنة النبوية القولية والفعلية على اختلاف في أسانيدها ورتبها حفلت بها وبشرحها كتب الحديث والفقه وتعددت المذاهب بسبب ما بها من اختلاف في النصوص مما لا يدخل تفصيله في منهاج التفسير وما صار متمما لتشريعها القرآني وجزءا منه وصار العمل بالثابت منه واجبا كما هو الشأن في كل ما سكت عنه القرآن أو جاء فيه غامضا أو مطلقا أو غير مستوف لكل جانب في مسألة من المسائل عملا بالمبدأ القرآني المنطوي في آية سورة النساء هذه: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ، وآية سورة الحشر هذه: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا. وقد أوردنا من قبل بعض هذه الأحاديث ونورد فيما يلي طائفة منها مما ورد في الكتب الخمسة تحتوي صورا وسننا رئيسية مع التنبيه على أنها ليست كل ما ورد في هذه الكتب، فضلا عن أن هناك أحاديث كثيرة من بابها وردت في كتب الأحاديث الأخرى. من ذلك ما رواه الخمسة عن أبي هريرة: «أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم دخل المسجد فدخل رجل فصلّى ثم جاء فسلّم على النبي فردّ النبيّ عليه السلام فقال: ارجع فصلّ، فإنّك لم تصلّ. فصلّى، ثم جاء فسلّم على النبيّ فقال: ارجع فصلّ فإنك لم تصلّ ثلاثا. فقال: والذي بعثك بالحقّ ما أحسن غيره فعلّمني، فقال: إذا قمت إلى الصلاة فكبّر ثمّ اقرأ ما تيسّر معك من القرآن ثمّ اركع حتى تطمئنّ راكعا ثمّ ارفع حتّى تعتدل قائما ثمّ اسجد حتى تطمئنّ ساجدا ثمّ ارفع حتى تطمئنّ جالسا ثم اسجد حتى تطمئنّ ساجدا ثمّ افعل ذلك في صلاتك كلّها» . وزاد أبو داود: «فإذا فعلت هذا فقد تمّت صلاتك

وما انتقصت من هذا شيئا فإنّما انتقصته من صلاتك» «1» . وروى الخمسة أيضا عن عبادة بن الصامت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» «2» . وروى الخمسة إلّا البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأمّ الكتاب فهي خداج ثلاثا غير تمام. فقيل لأبي هريرة: إنما نكون وراء الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك» . وروى الخمسة عن عبد الله قال: «كنّا نقول في الصلاة خلف رسول الله: السلام على الله السلام على فلان، فقال لنا رسول الله ذات يوم: إن الله هو السلام فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل التحيات لله والصلوات والطيبات. السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإذا قالها أصابت كلّ عبد لله صالح في السماء والأرض. أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أن محمّدا عبده ورسوله ثمّ يتخيّر من المسألة ما يشاء» . وروى الخمسة عن كعب بن عجرة قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول في الصلاة: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم وبارك على محمّد وآل محمّد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد» . وروى الخمسة عن أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «اعتدلوا في السّجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب» وروى أبو داود والترمذي عن حذيفة: «أنه صلّى مع النبي صلّى الله عليه وسلّم فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم وفي سجوده سبحان ربي الأعلى» . وحديث رواه أصحاب السنن عن أبي مسعود عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تجزىء صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود» . وروى أصحاب السنن

_ (1) هذا الحديث وما نورده بعده من أحاديث منقولة من الجزء الأول من كتاب «التاج الجامع» ، انظر الصفحة 117 وما بعدها. (2) هناك أحاديث صحيحة عديدة تذكر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يقرأ بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين من صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء قرآنا غير الفاتحة.

عن الحسن بن علي قال: «علّمني رسول الله كلمات أقولهنّ في قنوت الوتر: اللهمّ اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولّني فيمن تولّيت وبارك لي فيما أعطيت وقني شرّ ما قضيت إنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذلّ من واليت ولا يعزّ من عاديت تباركت ربّنا وتعاليت» . وروى الخمسة إلّا مسلما عن عمران بن حصين قال: «كانت بي بواسير فسألت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن الصلاة فقال صلّ قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب» . وروى الخمسة عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» . وروى الشيخان والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» . وروى أبو داود والنسائي والحاكم وأحمد والترمذي عن سبرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «مروا الصبيّ بالصلاة إذا بلغ سبع سنين وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها» . وروى الخمسة عن أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من نسي صلاة فليصلّ إذا ذكرها لا كفّارة لها إلّا ذلك. أقم الصلاة لذكري» . وروى مسلم حديثا جاء فيه: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلّها إذا ذكرها» . وروى الترمذي والبيهقي والحاكم عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر» . وروى الخمسة عن عبد الله قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يكبّر في كلّ خفض ورفع وقيام وقعود» . وروى الخمسة عن ابن عمر قال: «رأيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم افتتح التكبير للصلاة فرفع يديه حين يكبّر حتى يجعلهما حذو منكبيه وإذا كبّر للركوع فعل مثله وإذا قال سمع الله لمن حمده فعل مثله وقال ربّنا ولك الحمد» . وفي رواية: «إذا قام من الركعتين رفع يديه ولا يفعل ذلك حين يسجد ولا حين يرفع رأسه من السجود» . وروى مسلم وأبو داود حديثا جاء فيه: «كان النبيّ إذا كبر رفع يديه ثم التحف بثوبه ثم أخذ شماله بيمينه» . وروى الخمسة إلّا البخاري عن علي قال: «كان رسول الله إذا قام إلى الصلاة كبّر ثم قال وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ

العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. اللهمّ أنت الملك لا إله إلّا أنت، أنت ربّي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا لا يغفر الذنوب إلّا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلّا أنت، واصرف عني سيّئها لا يصرف سيّئها إلّا أنت، لبّيك وسعديك، والخير كلّه في يديك، والشرّ ليس إليك، وأنا بك وإليك تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك» . وروى أصحاب السنن عن أبي سعيد قال: «كان رسول الله إذا قام إلى الصلاة كبّر ثمّ يقول: سبحانك اللهمّ وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدّك ولا إله غيرك، ثم يقول الله أكبر كبيرا، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه» . وروى الخمسة عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا أمّن الإمام فأمّنوا فإنّه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدّم من ذنبه» . وروى الترمذي وأبو داود عن عبد الله عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه سبحان ربّي العظيم ثلاث مرات فقد تمّ ركوعه وذلك أدناه. وإذا سجد فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تمّ سجوده وذلك أدناه» . وروى أصحاب السنن عن الفضل بن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «الصلاة مثنى مثنى تشهّد في كلّ ركعتين وتخشّع وتضرّع وتمسكن وتقنع يديك يقول ترفعهما إلى ربك مستقبلا ببطونهما وجهك وتقول يا ربّ يا ربّ ومن لم يفعل فهي خداج» . وروى أبو داود والنسائي عن ابن أبي أوفى قال: «جاء رجل إلى النبي فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلّمني ما يجزئني منه، فقال: قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلّا بالله العظيم. قال: يا رسول الله هذا لله فما لي؟ قال: قل اللهمّ ارحمني وارزقني وعافني واهدني. فلمّا قام قال هكذا بيديه. فقال رسول الله: أما هذا فقد ملأ يديه من الخير» . وروى البخاري والنسائي وأبو داود عن عائشة قالت: «سألت رسول الله عن الالتفات في

الصلاة فقال هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد» . وروى الخمسة إلّا البخاري عن أم حبيبة قالت: «سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: ما من عبد مسلم يصلّي لله كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوّعا غير فريضة إلّا بنى الله له بيتا في الجنة» . وزاد الترمذي: «أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل صلاة الفجر» . وروى الخمسة عن ابن عمر قال: «حفظت من رسول الله عشر ركعات ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته وركعتين بعد العشاء في بيته وركعتين قبل صلاة الصبح» . وروى أبو داود والترمذي والحاكم وصححه عن خارجة بن حذافة قال: «خرج علينا رسول الله فقال: إن الله قد أيّدكم بصلاة وهي خير لكم من حمر النّعم وهي الوتر فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر» . وروى الأربعة عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا» . وروى الخمسة عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان فلبس عليه حتّى لا يدري كم صلّى فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس» . وروى مسلم وأبو داود وأحمد عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا شكّ أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلّى ثلاثا أو أربعا فليطرح الشّكّ وليبن على ما استيقن ثمّ يسجد سجدتين قبل أن يسلّم فإن كان صلّى خمسا شفعن له صلاته وإن كان صلّى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان» . وروى الخمسة عن أبي هريرة قال: «صلّى لنا رسول الله صلاة العصر فسلّم في ركعتين فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله: كلّ ذلك لم يكن، فقال: كان بعض ذلك يا رسول الله فأقبل رسول الله على الناس فقال: أصدق ذو اليدين؟ فقالوا: نعم يا رسول الله، فأتمّ رسول الله ما بقي من الصلاة ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم» . وروى الخمسة عن عبد الله: «أنّ رسول الله صلّى الظهر خمسا فقيل له أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ قال: صلّيت خمسا، فسجد سجدتين بعد ما سلّم. وفي رواية قال: أنا بشر

مثلكم أذكر كما تذكرون وأنسى كما تنسون. ثم سجد سجدتي السّهو» . وروى الخمسة إلّا الترمذي عن أبي قتادة قال: «رأيت رسول الله يؤمّ الناس وأمامة بنت أبي العاص وهي ابنة زينب بنت رسول الله على عاتقه فإذا ركع وضعها وإذا رفع من السجود أعادها» وروى أصحاب السنن عن عائشة قالت: «جئت ورسول الله يصلي في البيت والباب مغلق فمشى حتى فتح لي ثمّ رجع إلى مكانه ووصفت الباب في القبلة» . وروى الخمسة إلّا الترمذي عن عائشة قالت: «لقد رأيتني ورسول الله يصلّي وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة فإذا أراد أن يسجد غمز رجليّ فقبضتهما» . وروى البخاري ومسلم وأبو داود عن سهل بن سعد عن النبي قال: «من نابه شيء في صلاته فليسبّح فإنّه إذا سبّح التفت إليه» . وروى البخاري ومسلم عن عائشة: «أنّ رسول الله كان يصلّي الصبح بغلس فينصرف نساء المؤمنين لا يعرفن من الغلس» . وروى البخاري ومسلم وأبو داود عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» . وروى الخمسة إلّا أبا داود عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة» . وروى أصحاب السنن وأحمد عن أبيّ بن كعب عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحبّ إلى الله عزّ وجلّ» . وروى البخاري ومسلم وأبو داود عن نافع عن ابن عمر «أن رسول الله كان يأمر المؤذّن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول ألا صلّوا في الرّحال» . وروى أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من سمع المنادي فلم يمنعه من اتّباعه عذر لم تقبل منه الصلاة التي صلّى. قالوا وما العذر؟ قال: خوف أو مرض» . وروى البخاري ومسلم وأبو داود عن مالك بن الحويرث قال: «قال لنا رسول الله إذا حضرت الصلاة فأذّنا ثمّ أقيما وليؤمّكما أكبركما، ولأبي داود، ليؤذّن لكم خياركم وليؤمّكم قرّاؤكم» . وروى الخمسة إلّا البخاري عن أبي مسعود عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «يؤمّ القوم أقرأهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم

بالسّنة فإن كانوا في السّنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا ولا يؤمّنّ الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلّا بإذنه» . وروى أصحاب السنن عن مالك في الحديث قال: «سمعت رسول الله يقول من زار قوما فلا يؤمّهم وليؤمّهم رجل منهم» . وروى الخمسة عن أبي مسعود أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ منكم منفّرين فأيّكم صلّى بالناس فليتجوّز فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة وإذا صلّى لنفسه فليطول ما شاء» . وروى أبو داود والحاكم وابن خزيمة وصححه عن عبد الرحمن بن خلّاد: «أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يزور أمّ ورقة في بيتها فاستأذنته في مؤذّن فجعل لها مؤذّنا وأمرها أن تؤمّ أهل دارها» . وروى البخاري وأبو داود عن ابن عمر قال: «لما قدم المهاجرون الأولون العصبة موضعا بقباء قبل قدوم النبيّ كان يؤمّهم سالم مولى أبي حذيفة وكان أكثرهم قرآنا» . وروى أبو داود وأحمد عن أنس: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم استخلف ابن أمّ مكتوم يؤمّ الناس وهو أعمى» . وروى أبو داود والدارقطني حديثا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم جاء فيه: «الصلاة المكتوبة واجبة خلف كلّ مسلم برّا كان أو فاجرا وإن عمل الكبائر» . وروى الخمسة عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنما جعل الإمام ليؤتمّ به فإذا كبّر فكبّروا وإذا ركع فاركعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهمّ ربّنا لك الحمد. وإذا صلّى قائما فصلّوا قياما وإذا صلّى قاعدا فصلّوا قعودا أجمعين» . وروى الطبراني عن أبي بكرة أنه ركع دون الصف فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «زادك الله حرصا ولا تعد صلّ ما أدركت واقض ما سبقك» «1» . وروى الطبراني عن ابن مسعود في الذي يفوته بعض الصلاة مع الإمام قال: «يجعل ما لا يدرك مع الإمام آخر صلاته» «2» . وروى أبو داود والترمذي والحاكم وصححه عن أبي سعيد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «الأرض كلّها مسجد إلّا الحمّام

_ (1) عن «مجمع الزوائد» ج 1 ص 76. ويفيد الحديثان أن على من يدرك الإمام وقد صلى بعض الركعات أن يتمم ما فاته منها بعد انتهاء الإمام من صلاته. (2) المصدر نفسه. الجزء الأول من التفسير الحديث 22

والمقبرة» . وروى الترمذي عن ابن عمر: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهى أن يصلّى في سبع مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمّام، ومعاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله الحرام» . وروى النسائي وأحمد وابن ماجه عن عمر قال: «صلاة الأضحى ركعتان وصلاة الفطر ركعتان وصلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان تماما ليس بقصر على لسان النبي صلّى الله عليه وسلّم» . وروى أبو داود وأحمد والترمذي عن عائشة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يكبّر في الفطر والأضحى. في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمسا» . ولفظ الترمذي: «كان النبي يكبّر في العيدين في الأولى سبعا قبل القراءة وفي الآخرة خمسا قبل القراءة» . وروى الخمسة إلّا الترمذي عن جابر قال: «شهدت العيد مع رسول الله فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثمّ قام متوكّئا على بلال فأمر بتقوى الله وحثّ على طاعته ووعظ الناس وذكّرهم» . وروى النسائي عن أبي رمثه قال: «رأيت النبي يخطب وعليه بردان أخضران» وروى أصحاب السنن عن ابن عباس: «أن رسول الله خرج في الاستسقاء متبذّلا متواضعا متضرّعا حتى أتى المصلّى فرقى المنبر فلم يخطب خطبكم هذه ولكن لم يزل في الدّعاء والتضرّع ثم صلّى ركعتين كما يصلّي في العيد» . وروى الخمسة عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أوصاني خليلي بثلاث بصيام ثلاثة أيام من كلّ شهر وركعتي الضّحى وأن أو تر قبل أن أنام» . وروى الخمسة إلّا البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أفضل الصّيام بعد رمضان شهر الله الحرام وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» . وروى الترمذي وأحمد والحاكم عن أبي أمامة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «عليكم بقيام الليل فإنّه دأب الصالحين قبلكم وهو قربة إلى ربّكم ومكفرة للسّيئات ومنهاة للإثم. وفي رواية ومطردة للدّاء عن الجسد» . وروى الخمسة عن ابن عمر: «أنّ رجلا قال: يا رسول الله كيف صلاة الليل؟ قال: مثنى مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة» . وروى مسلم عن عائشة قالت: «لما بدّن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وثقل كان أكثر صلاته جالسا» . وروى الخمسة عن جابر قال: «كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلّها، كما يعلّمنا السورة من

القرآن يقول إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثمّ ليقل اللهمّ إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علّام الغيوب. اللهمّ إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال وعاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسّره لي ثمّ بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله فاصرفه عنّي واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به قال ويسمّي حاجته» . وروى الخمسة عن زيد بن أرقم قال: «كنّا نتكلّم في الصلاة يكلّم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصّلاة حتى نزلت: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ [البقرة/ 238] فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام» . وروى مسلم وأبو داود وأحمد عن عبد الله عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس. إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» . وروى الخمسة إلّا الترمذي عن ابن عمر: «أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يركز له الحربة فيصلّي إليها» . وروى أبو داود وأحمد عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا صلّى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا فإن لم يجد فلينصب عصا فإن لم يكن معه عصا فليخطط خطا ثمّ لا يضرّه من مرّ أمامه» . وروى الخمسة عن أبي جهم عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لو يعلم المارّ بين يدي المصلّي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمرّ بين يديه- قال أبو النضر أحد رواة الحديث- لا أدري قال أربعين يوما أو شهرا أو سنة» . وهناك أحاديث كثيرة أخرى في طهارة الثياب والوضوء والغسل من الجنابة ونظافة البدن والمياه وستر العورة والقبلة وصلاة الخوف والسفر والجمعة والميت والأذان والإقامة والمساجد مما له صلة بالصلاة سنورد الرئيسي منها في سياق إشارات وردت إليها في سور أخرى. هذا، والصلاة في أصلها تمجيد وتسبيح وابتهال لله تعالى وأداء حقه من العبادة وطلب الرحمة والهدى منه. والصلاة الإسلامية من أكمل أشكال ذلك،

حيث توجب على المسلم أن يستعد لها بطهارة البدن والثوب ثم يدخل فيها متفرغا لله وحده بعبارة الله أكبر التي تعني التحرر من الغير وتقرير الكبرياء والعزّة والقوة لله وحده. ويكرر هذه العبارة عند كل حركة من حركات القيام والركوع والسجود والجلوس، ويتلو في مفتتح كل ركعة سورة الفاتحة التي تقرر الحمد لله رب العالمين، وتعلم إعلان الخضوع والعبادة له وحده وطلب الرحمة والهداية والعون منه وحده، ويركع ويسجد في كل ركعة مسبحا في ركوعه وسجوده باسم الله العظيم الأعلى. ولقد أسبغ القرآن على الصلاة خطورة عظمى فجعلها من عناوين الإيمان والتقوى المتلازمة معهما كما جاء في آيات سورة البقرة هذه: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3) ، ونوّه بالمؤمنين الذين يقيمونها باستمرار وخشوع كما جاء في آيات سورة المؤمنون هذه: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (2) ، ووَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (9) ، ووصفها بأنها كتاب، أو فرض معين الأوقات يجب أداؤها فيها على أي حال وفي أي ظرف ولو في ظرف القتال والحرب، كما جاء في آيات سورة النساء هذه: وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (101) وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (102) فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (103) .

وجريا على العادة القرآنية في بيان فوائد أوامر الله ونواهيه في الدنيا والآخرة معا نبه في أكثر من آية إلى ما تؤدي إليه الصلاة من نتائج عظيمة خلقية وروحية واجتماعية مثل ما جاء في آية سورة البقرة هذه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) ، وفي آية سورة العنكبوت هذه: اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (45) ، وفي آيات سورة المعارج هذه: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (29) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (34) . ولقد أمر الله النبي صلّى الله عليه وسلّم بمعالجة ما كان يلم به من أزمات بالصلاة، ومن ذلك ما جاء في الآية الأخيرة من سورة العلق التي نحن في صددها، حيث أمرته بأن لا يأبه للطاغية المتصدي له، وبأن يسجد لله ويتقرب إليه حيث يجد في ذلك أمنه وطمأنينته. ومن ذلك ما جاء في سورة الشرح: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (6) فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8) ، ومن ذلك آيات سورة الحجر هذه: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) ، ومن تحصيل الحاصل أن يقال إن هذا موجه للمسلمين، وقد خوطبوا بذلك فعلا في آية سورة البقرة [153] التي أوردناها آنفا. ولقد أثرت أحاديث نبوية كثيرة في فضل الصلاة وثوابها ورد كثير منها في

كتب الأحاديث الصحيحة. ولقد روى أبو داود والنسائي عن عبد الله بن الصنابحيّ حديثا جاء فيه: «أشهد أنّي سمعت رسول الله يقول: خمس صلوات افترضهنّ الله عزّ وجلّ، من أحسن وضوء هنّ وصلّاهنّ لوقتهنّ وأتمّ ركوعهنّ وخشوعهنّ كان له على الله عهد أن يغفر له» «1» . وحديث رواه أبو داود عن أبي قتادة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «قال الله عزّ وجلّ إني افترضت على أمتك خمس صلوات وعهدت عندي عهدا أنّه من جاء يحافظ عليهنّ لوقتهنّ أدخلته الجنة ومن لم يحافظ عليهنّ فلا عهد له عندي» «2» وروى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي حديثا عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «أرأيتم لو أنّ نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كلّ يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء. قالوا: لا، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهنّ الخطايا» «3» وروى البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربّهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلّون وأتيناهم وهم يصلّون» «4» . وروى مسلم والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفّارات لما بينهنّ ما لم تغش الكبائر» «5» . وروى مسلم حديثا عن عمرو بن سعيد جاء فيه: «كنت عند عثمان فدعا بطهور فقال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلّا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يأت كبيرة وذلك الدهر كلّه» «6» .

_ (1) «التاج» ، ج 1 ص 118. (2) المصدر نفسه، ج 1، ص 118- 119. (3) المصدر نفسه. (4) المصدر نفسه. (5) المصدر نفسه. (6) المصدر نفسه.

وبهذا يتسق التلقين النبوي مع التلقين القرآني في هذا الأمر الخطير كما هو الشأن في كل أمر على ما سوف يأتي إيراده في مناسباته. ومما لا ريب فيه أن الصلاة بإيمان وقلب وذكر وخشوع تجعل المصلي لا يفكر إلا في الله وعظمته، فتتحرر نفسه من كل خوف وقلق، ويشعر بالطمأنينة والقوة المعنوية، فتهون لديه كل خطوب الدنيا، ولا يعود يرى كبيرا إلا الله ولا قويّا إلّا الله ولا ضارّا ولا نافعا إلّا الله. ثم تجعله يستحيي من التلبس بالنفاق والكذب إذا ما خالف بين باطنه وظاهره وقوله وعمله، بينما هو يتهيأ من آن لآخر للوقوف بين يدي الله تعالى، فينتهي كما ذكرت آية سورة العنكبوت عن الفحشاء والمنكر، ويتطهر من الهلع والجزع ويتحلى بالصفات الكريمة الفاضلة كما ذكرت آيات سورة المعارج حقا وصدقا. وعلى هذا فيسوغ القول إن الصلاة التي لا تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، ولا تجعله يتحلى بفاضل الأخلاق ويعمل صالح الأعمال لا تكون صحيحة. وهذا ما عبرت عنه أحاديث عديدة مروية عن النبي صلّى الله عليه وسلّم «1» منها: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له» . ومنها: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلّا بعدا» ومنها: «لا صلاة لمن لم يطع الصلاة. وطاعة الصلاة أن تنهاه عن الفحشاء والمنكر» . هذا، وهناك أحاديث نبوية تسجل عظيم إثم تارك الصلاة حتى لتعتبره مرتدا وكافرا منها حديث رواه مسلم والنسائي والترمذي وأبو داود عن جابر قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم إنّ بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» «2» . وحديث رواه الترمذي عن بريدة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» . وحديث رواه الترمذي عن عبد الله بن شقيق قال: «كان أصحاب محمّد صلّى الله عليه وسلّم

_ (1) انظر تفسير الآية [45] من سورة العنكبوت في تفسير ابن كثير. (2) «التاج» ، ج 1 ص 124- 125.

لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة» «1» . وننبه على أن مسألة كفر تارك الصلاة من المسائل الخلافية فهناك من الأئمة من أخذ بظاهر الأحاديث فاعتبر تارك الصلاة كافرا مرتدا يستتاب فإن لم يتب يقتل وفقا للتشريع النبوي الذي شرع قتله في حديث رواه الخمسة جاء فيه «لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلّا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس والثيّب الزاني والمفارق لدينه التارك للجماعة» «2» . وهناك من تأول الأحاديث فذهب إلى أن الكفر والارتداد إنما يكونان بسبب جحود واجب الصلاة فقط. ويكون تاركها كسلا فاسقا مرتكبا إحدى الكبائر. ومهما يكن من أمر فالأحاديث تنطوي على تعظيم الصلاة وتفظيع إثم تاركها. ولقد سألني سائل عن كيفية تعبّد النبي صلّى الله عليه وسلّم في غار حراء في اعتكافاته، قبل بعثته التي جاء ذكرها في الحديث الذي أوردناه قبل. وجوابا على السؤال قلنا إن القيام والركوع والسجود كأشكال للعبادة كانت معروفة وممارسة على ما تلهمه بعض آيات القرآن وهو ما ذكرناه قبل. وفي آيات سورة الحج [25/ 26] وسورة البقرة [124/ 125] التي أوردناها قبل أمر إبراهيم بتطهير بيت الله للقائمين الركع السجود. ولقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم في جماعة أنفوا أن يسيروا في طريق الشرك ودين الجاهلية وكانوا ينشدون ملة إبراهيم. ولقد روي عن زيد بن عمرو أحد هؤلاء أنه كان يسجد في فناء الكعبة ويهتف قائلا: «لبيك حقا حقا، تعبدا ورقا، عذت بما عاذ به إبراهيم، إنني لك عان راغم. مهما تجشمني فإني جاشم» «3» . ولقد أمر الله نبيه بعد أن بعثه أن يقول: قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) [الأنعام/ 161- 163] ، حيث يمكن

_ (1) المصدر السابق نفسه. (2) «التاج» ج. 3 ص 17. [.....] (3) انظر «أسد الغابة» ج 2 ص 178.

تعليق على آية ألم يعلم بأن الله يرى

القول على ضوء ذلك أن من الجائز أن يكون تعبّد النبي صلّى الله عليه وسلّم في غار حراء قائما راكعا ساجدا داعيا لله مسبحا مقدسا ذلك غير أنه لا يمكن القول بجزم أنه كان يصلي بالصلاة الإسلامية المعروفة بحذافيرها لأن الآثار التي أوردناها تفيد أن هذه الصلاة كانت من تعليم جبريل بعد الوحي والله تعالى أعلم. ومن الجدير بالذكر أن الصلاة الإسلامية المفروضة والنافلة على السواء، غير مقيدة بمكان وإمامتها غير منوطة بما يعرف في الملل الأخرى بطبقة الكهنوت ورجال الدين. فكل مكان طاهر ليس محلا للمناظر الكريهة يصح أن يكون مكانا لصلاة المسلم. وكل مسلم مهما كانت مهنته وصفته ولونه وجنسه يصح أن يؤمّ غيره إذا كان يحسن قراءة القرآن ويعرف سنن الصلاة، ولقد روي في صدد هاتين المسألتين أحاديث في الكتب المعتبرة. ففي صدد المسألة الأولى روى أبو داود والترمذي والحاكم عن أبي سعيد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «الأرض كلّها مسجد إلّا الحمام والمقبرة» «1» وروى الترمذي عن ابن عمر «أنّ رسول الله نهى أن يصلّى في سبعة مواطن في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمّام ومعاطن الإبل وفوق ظهر البيت الحرام» «2» . وروى الخمسة إلّا أبا داود عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «فضّلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرّعب وأحلّت إليّ الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون» «3» . تعليق على آية أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى وبمناسبة ورود هذه الآية لأول مرة نقول: إن القرآن احتوى آيات كثيرة، نسبت فيها الرؤية والسمع إلى الله تعالى، وإنه دار جدل وتشاد بين علماء الكلام

_ (1) «التاج» ج 1 ص 219- 220. (2) المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه ص 205.

تعليق على كلمة (التقوى) وما ينطوي فيها من تلقين وأهداف جليلة

حول ذلك من حيث إنه إنما يحدث من أعضاء السمع والبصر، وما إذا كان لله سبحانه مثل هذه الأعضاء أم لا. وخير المذاهب في هذا الموضوع وأمثاله هو مذهب الصدر الإسلامي الأول، وهو عدم الخوض في الكيفيات وعدم التشاد والجدل حولها، مع تنزيه الله سبحانه عن كل مماثلة لخلقه وملاحظة الضابط القرآني المحكم المنطوي في آية سورة الشورى وهو: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [11] ، واعتبار أن المقصود بذلك وصف الله عز وجل بشمول العلم والإحاطة بكل شيء والقدرة على كل شيء والهيمنة الكاملة على الكون وما فيه من كائنات والتصرف المطلق فيه واتصافه بكل صفات الكمال. والمتدبر في نصف آية الشورى المذكورة والآية التالية لها يرى تأييد هذا قويا، وهذا نص الآيتين: فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12) . تعليق على كلمة (التقوى) وما ينطوي فيها من تلقين وأهداف جليلة وبمناسبة ورود كلمة (التقوى) لأول مرة في السورة نقول إن الأمر بالتقوى والحثّ عليها والتنويه بالمتقين ووعد الله لهم بالغفران وتوسيع الرزق والهداية إلخ قد تكرر في القرآن كثيرا حتى لقد بلغ عدد الآيات التي وردت فيها الكلمة ومشتقاتها نحو مئتين وخمسين مرة مما يدل على مبلغ العناية القرآنية بذلك. والكلمة في أصل معناها وقصدها التوقّي من غضب الله وسخطه باجتناب نواهيه واتباع أوامره. وهو لا يأمر إلّا بما فيه خير للإنسان والإنسانية. ولا ينهى إلّا عما فيه ضرر لهما. وبعبارة أخرى أن المقصد أو الهدف المتوخى من الأمر بالتقوى والحثّ عليها هو إصلاح الإنسان وتوجيه المسلم إلى كل ما فيه الخير

وإشعاره بالخوف من الله عز وجل وجعله يتجنب كل ما فيه شرّ وضرر. وفي القرآن آيات عديدة تضمنت تقرير وجوب تلازم التقوى مع الإيمان مثل آيات سورة يونس هذه: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (63) . وآية سورة الأعراف هذه: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (156) ، وآية سورة البقرة هذه: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (103) ، وآية سورة المائدة هذه: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93) . حيث يتضمن هذا تقرير كون الإيمان وحده لا يكفي لنجاة الإنسان إذا لم يرافقه عزم على اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه وممارسته لذلك أو بعبارة أخرى تقرير كون الإيمان هو أمر في سريرة الإنسان لا دليل عليه إلّا التقوى التي تحمل المؤمن على اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه. وفي القرآن آيات عديدة تضمنت تقرير الفوائد المتنوعة التي ييسرها الله للمتقين مثل آيات سورة الطلاق هذه: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (3) ، وهذه: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً (4) ، وهذه: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (5) ، وآية سورة هود هذه: إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49) ، وآية سورة الأنفال هذه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) ، وآية سورة الزمر هذه: قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (10) ، وآية سورة الحديد هذه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28) . ويبدو هذا ظاهر الحكمة لأن المتقي يكون قد تجنب العثرات والمواقف الضارة المؤذية فأمن شرها وحظي بما يكون فيه الأمن والسلامة والنفع والخير والسداد والتوفيق والنجاح والنجاة في دنياه وأخراه. ولهذا كله حثّ القرآن على التقوى واعتبرها خير زاد يتزود بها المؤمن- والزاد لا بد منه لدوام الحياة مما يفهم ضرورته ذوو العقول النيرة- كما جاء في آية سورة البقرة هذه: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (197) ، ونبّه على أن أولياء الله هم المتقون كما جاء في آيات سورة يونس [62/ 63] التي أوردناها قبل قليل. وقرر أن الله هو ولي المتقين كما جاء في آية سورة الجاثية هذه: وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19) ، وأن أكرم الناس عند الله أتقاهم كما جاء في آية سورة الحجرات/ 13 وجعل قبول دعاء الداعين وعبادة العابدين منوطا بالتقوى كما جاء في آية سورة المائدة هذه: قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) ، وكرر تقرير محبة الله للمتقين في آيات عديدة منها آية آل عمران هذه: بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) «1» ، وأنه مع الذين اتقوا كما جاء في سورة النحل: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128) ، وأنه ينجي الذين اتقوا كما جاء في آية سورة الزمر هذه: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (61) «2» ، وفي سورة البقرة آية فيها جماع الفضائل الإيمانية والأخلاقية والاجتماعية والإنسانية وصف المتصفون بها بالمتقين وهي: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ

_ (1) لهذه الآيات أمثال أخرى فاكتفينا بمثل واحد. (2) المصدر نفسه.

تعليق على مدى جملة: كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية وما بعدها

وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) . حيث يبدو من كل ذلك كما قلنا عناية الله الجليلة وحكمة التنزيل السامية بإصلاح المسلم وتوجيه إلى أحسن الوجهات التي فيها خيره وخير الإنسانية وسعادته في الدنيا والآخرة. تعليق على مدى جملة: كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ وما بعدها وجملة: كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ وما بعدها، تفتح الباب للكافر والمجرم والمنحرف للتراجع والأمل بعفو الله ومغفرته على سابق أفعاله. وتجعل العقوبة المنذر بها مستحقة عليه إذا أصرّ على كفره وإجرامه وانحرافه ولم ينته ولم يتراجع عنه. ولقد انطوى هذا المعنى في آيات كثيرة جدا مكية ومدنية كثرة تغني عن التمثيل. بحيث يقال إن الإنذارات القرآنية إنما استهدفت في الدرجة الأولى تنبيه الكفار والمنحرفين والمجرمين وردعهم وصلاحهم وحملهم على التراجع والانتهاء من كفرهم وانحرافهم وإجرامهم. وفي هذا ما فيه من روعة وحكمة سامية وتلقين مستمر المدى. تعليق على سنّة سجود التلاوة في مناسبة الآية الأخيرة من السورة هذا وهناك أحاديث عديدة تقرر سنة نبوية بالسجود عند تلاوة عدد من الآيات فيها أمر بالسجود لله أو خبر باستكبار الكفار عنه. من جملة ذلك سنة:

السجود عند تلاوة آخر سورة العلق حيث روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة حديثا جاء فيه: «سجدنا مع رسول الله في إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق/ 1] ، واقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق/ 1] » . ومن الأحاديث المروية في الموضوع عامة حديث رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر جاء فيه: «كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقرأ السورة التي فيها السجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد أحدنا مكانا لموضع جبهته» . وحديث رواه مسلم عن أبي هريرة جاء فيه: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله، وفي رواية يا ويلي أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار» . وحديث رواه أبو داود والحاكم عن ابن عمر جاء فيه: «كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقرأ علينا القرآن فإذا مرّ بالسجدة كبّر وسجد وسجدنا معه» «1» . وفي المصحف الذي اعتمدنا عليه إشارة إلى أربع عشرة سجدة هي آيات الرعد [15] والنحل [49] والإسراء [107] ومريم [58] والحج [18 و 77] والفرقان [60] والنمل [25] والسجدة [15] وص [24] وفصلت [37] والنجم [62] والانشقاق [21] والعلق [18] . وفي بعض هذه السجدات أحاديث دون بعض. ولقد روى أبو داود وابن ماجه عن عمرو بن العاص حديثا قال فيه: «إن النبي صلّى الله عليه وسلّم أقرأني خمس عشرة سجدة منها ثلاث في المفصّل وفي سورة الحجّ سجدتان» «2» . وروى الترمذي وأبو داود عن أبي الدرداء حديثا جاء فيه: «سجدت مع رسول الله إحدى عشرة سجدة منها التي في النجم» «3» . وروى أبو داود حديثا مرفوعا جاء فيه: «قرأ رسول الله وهو على المنبر (ص) ، فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه. فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تشزّن الناس للسجود فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّما هي توبة نبيّ ولكنّي رأيتكم تشزّنتم للسجود فنزل

_ (1) «التاج» ج 1 ص 198 وما بعدها. (2) التاج ج 1 ص 198 وما بعدها. (3) المصدر نفسه.

تعليق على الأحاديث الواردة في صدد فضل قراءة السور القرآنية

فسجد وسجدوا» «1» . وهذا بالإضافة إلى حديث أبي هريرة الذي ذكر في سجدتي الانشقاق والعلق. وما بقية السجدات فهي على ما يبدو من تنبيهات المفسرين اجتهادية جريا على قاعدة ذكرها الزمخشري في سياق آية سورة النمل [25] حيث قال إن مواضع السجدة إما أمر بها أو مدح لمن أتى بها أو ذم لمن تركها. ثم قال: إن أبا حنيفة والشافعي رحمهما الله اتفقا على أن سجدات القرآن أربع عشرة وإنما اختلفا في سجدة (ص) وسجدتي (النحل) . ولقد روى الخمسة عن زيد بن ثابت قال: «قرأت على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم والنجم فلم يسجد فيها» وروى البخاري عن ربيعة بن عبد الله قال: «قرأ عمر بن الخطاب على المنبر يوم الجمعة بسورة النحل فلما جاء السّجدة نزل فسجد وسجد الناس حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها فلما جاء السّجدة قال يا أيّها النّاس إنما نمرّ بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه ولم يسجد عمر» وروى البخاري حديثا عن ابن عمر جاء فيه: «إن الله لم يفرض علينا السجود إلّا أن نشاء» . ويلحظ أن السجدات جميعها في سور مكية وقد كان العهد المكي بنوع خاص عهد نضال وتشاد مريرين بين التوحيد والشرك والإيمان والكفر وبين النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه وكفار العرب وفي مقدمتهم زعماء مكة. حيث يلمح من ذلك حكمة السنة النبوية التي فيها علامة الاستجابة السريعة من أهل الإيمان إلى السجود إلى الله عز وجل عند كل مناسبة ورد وتحد عمليان على الكفار بسبب استكبارهم وعنادهم. تعليق على الأحاديث الواردة في صدد فضل قراءة السور القرآنية هذا، ولقد أورد الزمخشري في آخر تفسير هذه السورة حديثا معزوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جاء فيه: «من قرأ سورة العلق أعطي من الأجر كأنما قرأ المفصل كله» .

_ (1) المصدر السابق نفسه.

وننبّه بهذه المناسبة على أن الزمخشري يورد في آخر كل سورة بدون استثناء حديثا من هذا الباب «1» . وقد نبّه ابن حجر الذي اضطلع بتخريج أحاديث هذا المفسر على ضعف رواة هذه الأحاديث وانقطاعها عن رسول الله، والمتبادر أن في هذا الحق والصواب. وقد جعلنا هذا نكتفي بإيراد حديث هذه السورة كمثال والتنبيه على ما نبه عليه ابن حجر. على أننا ننبه على أن هناك أحاديث وردت في كتب الأحاديث الصحيحة بالتنويه ببعض السور. ومن ذلك الأحاديث التي أوردناها في سورة الفاتحة. وسنورد ما كان من هذا الباب في سياق السور التي جاءت في صددها.

_ (1) هذه بعض نماذج أخرى من هذه الأحاديث: 1- من قرأ لَمْ يَكُنِ كان يوم القيامة مع خير البرية. 2- من قرأ سورة الشمس فكأنما تصدق بكل شيء طلعت عليه الشمس والقمر. 3- من قرأ سورة نوح كان من المؤمنين الذين تدركهم دعوة نوح عليه السلام. 4- من قرأ سورة الممتحنة كان له المؤمنون والمؤمنات شفعاء له يوم القيامة. 5- من قرأ سورة الحجرات أعطي من الأجر بعدد من أطاع الله وعصاه. 6- من قرأ سورة الأنفال وبراءة فأنا شفيع له يوم القيامة وشاهد أنه بريء من النفاق وأعطي عشر حسنات بعدد كل منافق ومنافقة وكان العرش وحملته يستغفرون له أيام حياته في الدنيا والنصوص بينة لا تكاد تبقي شبهة في النفس بأنها موضوعة مكذوبة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

سورة القلم

سورة القلم في السورة تثبيت وتطمين للنبي صلّى الله عليه وسلّم وثناء عليه وحملة على المكذبين وإنذار لهم، وصور لمواقفهم من الدعوة. وفيها قصة جاءت في معرض التذكير والإنذار كما فيها إشارة إلى قصة يونس في معرض تثبيت النبي صلّى الله عليه وسلّم. ومضمون الآيات الأربع الأولى منها والتالية لها يحتمل أن تكون الآيات الأربع نزلت لحدة، وأن تكون بقية الآيات نزلت بعد مدة ما، كما يحتمل أن تكون جميعها نزلت دفعة واحدة. وترتيبها كثانية السور نزولا هو بناء على احتمال نزول الآيات الأربع لحدتها. وعقب آيات سورة العلق الخمس الأولى. فإذا لم يكن هذا الاحتمال صحيحا وكانت الآيات الأربع وما بعدها قد نزلت معا، فلا يكون ترتيبها هذا صحيحا والحالة هذه، ويقتضي أن تكون نزلت متأخرة بعض الشيء. وقد ذكر المصحف الذي اعتمدناه أن الآيات [17- 33] و [48- 50] مدنيات. وأسلوبها ومضمونها يلهمان عدم صحة ذلك. وآيات السور منسجمة في موضوعها وتسلسلها وسبكها. وهذا يسوغ القول إنها من السور التي نزلت دفعة واحدة أو فصولا متلاحقة، مع ملاحظة ما ذكرناه في صدد آياتها الأربع الأولى. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة القلم (68) : الآيات 1 الى 4] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (1) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) الجزء الأول من التفسير الحديث 23

(1) يسطرون: من سطر بمعنى كتب. (2) المنّ: يأتي في القرآن واللغة في معان عديدة. منها القطع، ومنها الإنعام والتفضل. ومنها تعداد النعم في مقام التذكير بالجميل. وجملة غير ممنون هنا بمعنى غير مقطوع على ما عليه الجمهور. الخطاب في الآيات موجه إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، وفيها: قسم بالقلم وما يكتب الناس به على سبيل التوكيد بأن عناية الله ونعمته شاملتان له، وأنه ليس مجنونا، وأن له أجرا دائما من الله على قيامه بمهمته العظمى وما يتحمله في سبيلها، وأنه على خلق عظيم أهّله لاصطفاء الله وعنايته. وفي كتب التفسير أقوال عديدة في مدلول حرف (ن) . في بعضها إغراب وخيال. فمن ذلك ما ورد في تفسير ابن عباس الذي يرويه الكلبي عن أبي صالح أنه السمكة التي تحمل الأرضين على ظهرها وهي في الماء وتحتها الثور وتحت الثور الصخرة وتحت الصخرة الثرى ولا يعلم ما تحت الثرى إلّا الله وأن اسم السمكة ليواشي أو ليوتي واسم الثور يهبموت أو يلهوي. وقد ورد في التفسير نفسه إلى هذا إنه اسم من أسماء الله أو إنه الدواة. وهذه الأقوال الثلاثة مروية في كتب تفسير أخرى مثل كتب الطبري والبغوي وابن كثير والخازن وغيرهم عن ابن عباس أو (الرواة) أو كعب الأحبار. وفي الرواية الأولى في تفسير البغوي زيادات أكثر غرابة وخيالا معزوة إلى (الرواة) نرويها كنموذج مستغرب أكثر المفسرون السابقون من إيراد أمثاله على هوامش الألفاظ والأعلام والقصص والمشاهد القرآنية عزوا إلى الأخباريين من أصحاب وتابعين الذين تذكر أسماؤهم أحيانا وتغفل أحيانا حيث جاء فيها: «لما خلق الله الأرض وفتقها بعث من تحت العرش ملكا فهبط إلى الأرض حتى دخل تحت الأرضين السبع فوضعها على عاتق إحدى يديه بالمشرق والأخرى بالمغرب باسطتين قابضتين على الأرضين السبع حتى خبطها فلم يكن

لقدميه موضع قرار فأهبط الله عليه من الفردوس ثورا له أربعون ألف قرن وأربعون ألف قائمة وجعل قرار قدمي الملك على سنامه فلم تستقر قدماه فأخذ الله ياقوتة خضراء من أعلى درجة من الفردوس غلظها مسيرة خمسمائة ألف عام فوضعها بين سنام الثور إلى أذنه فاستقرت عليها قدماه. وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض ومنخراه في البحر فهو يتنفس كل يوم نفسا فإذا تنفس مدّ البحر وأزبد. وإذا ردّ نفسه جزر فلم يكن لقوائم الثور موضع قرار فخلق الله تعالى صخرة كغلظ سبع سموات وسبع أرضين فاستقرت قوائم الثور عليها وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ [لقمان/ 16] ولم يكن للصخرة مستقر فخلق الله نونا وهو الحوت العظيم فوضع الصخرة على ظهره وسائر جسمه خال والحوت على البحر والبحر على متن الريح والريح على القدرة يقل الدنيا كلها بما عليها حرفان من كتاب قال لها الجبار كوني فكانت. ويستمر البغوي في سياقه فيقول: وقال كعب الأحبار إن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض فوسوس له فقال له أتدري ما على ظهرك يا لوثيا من الأمم والدواب والشجر والجبال لو تنفثهم ألقيتهم عن ظهرك. فهم لوثيا أن يفعل ذلك فبعث الله دابة فدخلت منخره فوصلت إلى دماغه فعج الحوت إلى الله منها فأذن لها فخرجت. قال كعب: فو الذي نفسي بيده إنه لينظر إليها وتنظر إليه، إن هم بشيء من ذلك عادت إلى ذلك كما كانت ... وفي كتب التفسير بالإضافة إلى هذه الروايات والأقوال أحاديث معزوة إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة. سنورد نصوصها بعد قليل في واحد منها أن النون هو الحوت. وفي واحد منها أنه الدواة. وفي واحد منها أنه لوح من نور. وفي الآيات الأخيرة من السورة إشارة إلى يونس عليه السلام بوصفه صاحب الحوت على ما سوف نشرحه بعد. وفي سورة الأنبياء آية فيها إشارة أخرى إلى يونس عليه السلام بوصفه ذي النون: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [87] ، حيث يمكن أن يكون كون (النون) اسما للحوت الذي ذكر صاحبه

استطراد إلى ما عرف في كتب التفسير بالإسرائيليات وتعليق عليها

في آخر السورة واردا وربط ذلك أول السورة بآخرها. وفي هذا إن صح صورة من صور النظم القرآني. وجملة وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ قد تجعل كون (النون) اسما للدواة واردا أيضا للتناسب الظاهر. وتعدد السور التي تبتدئ بحرف أو حروف هجائية يتبعها قسم قد يجعل القول إن حرف النون مثلها واردا أيضا، وقد يكون ما احتوته الآيات الخمس الأولى من سورة العلق أول القرآن نزولا وما احتواه مطلع السورة من مماثلة موضوعية، حيث أمر في الأولى بالقراءة ونوه بالقلم وما علمه الله للإنسان وحيث أقسم في الثانية بالدواة والقلم والكتابة. وهي يَسْطُرُونَ مع حديث أبي هريرة الذي فيه تفسير نبوي للنون بالدواة والذي لا مانع من صحته كل هذا يجعل الرجحان لهذا أكثر. وإذا صح هذا الترجيح فيكون مطلع السورة الذي من المحتمل أن يكون نزل بعد الآيات الخمس الأولى من سورة العلق توكيدا لما احتوته هذه الآيات الخمس في صدر تلقين القرآن منذ بدء تنزيله بخطورة القراءة والكتابة والعلم والتعليم في حياة الإنسان وكرامته. استطراد إلى ما عرف في كتب التفسير بالإسرائيليات وتعليق عليها وسياق الرواية الطويلة التي نقلناها عن البغوي معزوة إلى (الرواة) يفيد أن كعب الأحبار هو المعني بالرواة أو هو منهم. وهذا الرجل من اليهود الذين أسلموا في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم وخلفائه الراشدين واندمجوا في المجتمع الإسلامي، وقد روى عنه وعن رفاقه مثل عبد الله بن سلام ومحمد القرظي وثعلبة ونوف البكالي وأبناء منبه روايات كثيرة على هامش الألفاظ والأعلام والقصص والمشاهد القرآنية فيها مثل ما في هذه الرواية من إغراب وخيال. وقد وصفها علماء المسلمين بالإسرائيليات التي تتضمن معنى التشكيك وعدم الثقة فيها. ولقد كان عند اليهود أسفار وقراطيس فيها شرائعهم وأخبار أجدادهم

وأنبيائهم وأخبار ما قبلهم من خلق وتكوين وأنبياء وأحداث. وقد استطاعوا قبل البعثة أن يوجدوا في نفوس العرب فكرة كونهم أصحاب علم في شؤون الدين والدنيا المتنوعة. وكانوا هم يتبجحون بذلك وينسبون كثيرا مما يحدثون به العرب إلى كتب الله على ما أشارت إليه آيات قرآنية كثيرة في سورتي البقرة وآل عمران «1» . فلما أسلم من أسلم منهم بعد البعثة صار المسلمون في الصدر الإسلامي يسألونهم عن تفصيل ما ورد مجملا في القرآن من قصص وأعلام ومشاهد وأحداث واصطلاحات فيفيضون لهم عنه. وكانوا يفيضون بذلك بدون سؤال أيضا إذا ما وقعت المناسبة. ولقد روى البخاري عن أبي هريرة حديثا جاء فيه: «كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا [136] ، إلى آخر الآية من سورة البقرة» «2» . فكان الرواة يتلقون ما يذكره هؤلاء ويروونه إلى غيرهم. إلى أن بدأ التدوين فصارت بياناتهم تدون في الكتب الأولى ثم تنقل منها إلى كتب أخرى. ولم يكن للمفسرين اطلاع على الأسفار بلغاتها ولم يتيسر لهم ترجمات لها فصاروا يدونون ما يروى لهم على علاته التي منها الكثير من الإغراب والخيال والمفارقة. ولقد شغلت الإسرائيليات حيزا كبيرا جدا من كتب التفسير وكان كثير منها مملوءا مثل الرواية التي أوردناها بالإغراب والخيال برغم احتمال كون شيء قليل أو كثير مما كانوا يدلون به واردا في أسفار وقراطيس لم تصل إلينا. وليس كل ما كان في أيديهم من أسفار وقراطيس صحيحا في مجمله أو تفصيله. ولقد كان لتداول الرواة لهذه البيانات وتدوينها في كتب التفسير وشغلها منها حيزا كبيرا بل الحيز الأكبر أثر قوي في التغطية على ما في القرآن من مبادئ وأحكام وتلقينات ووصايا هي جوهر القرآن ومحكمه الذي فيه الهدى والنور

_ (1) «التاج» ، ج 4 ص 43. (2) المصدر نفسه.

تنبيه في صدد الأحاديث والأقوال التي تروى بدون سند صحيح

والموعظة والفرقان حينما يريد المسلم أن يقرأ القرآن مفسرا في أحد هذه الكتب ثم في استغراق المسلمين في هذه البيانات بقصد استقصاء جزئيات القصص والأعلام والمشاهد والاصطلاحات القرآنية حتى صارت وما تزال أسئلتهم لمن يشتغل بالقرآن من العلماء عنها في الدرجة الأولى دون الأهداف والمحكمات القرآنية بحيث يقال بحق إنها شوشت على القرآن وأذهان المسلمين. ويحمل الباحثون اليهود الرواة مسؤولية ذلك. ومنهم من يرى أنهم قصدوا إليه قصدا كيدا للإسلام واستغفالا للمسلمين. وقد يكون في هذا القول شيء من الحق. غير أننا نرى أن الرواة الأولين من المسلمين ثم المدونين الذين دونوا رواياتهم لأول مرة ثم الذين نقلوا عن هؤلاء يتحملون كذلك مسؤولية مثلهم إن لم نقل أكثر منهم لأنهم مفروض فيهم القدرة على تمييز الغثّ من السمين والباطل من الحق والكذب من الصدق وعلى لمح ما في الروايات من غلوّ ومبالغات لا يصح كثير منها في عقل ومنطق وواقع ولا يؤيدها أثر صحيح. ثم القدرة على إدراك ما في رواية هذه الروايات وتدوينها وإشغالها الحيز الكبير أو الأكبر من كتب التفسير من تشويش على أذهان قارئي هذه الكتب وعلى أهداف القرآن ومحكماته. وقد يكون من الحق أن بعض المفسرين وقفوا من الاسرائيليات موقف المنكر المنبه الناقد غير أن هذا ليس شاملا ولا عاما، ومن الناقدين والمنكرين والمنبهين أنفسهم من روى كثيرا منها في مناسبات كثيرة بدون نقد ولا إنكار ولا تنبيه. تنبيه في صدد الأحاديث والأقوال التي تروى بدون سند صحيح ويكون فيها تعدد وتباين وتباعد وغرابة في الأحاديث المعزوة إلى النبي صلّى الله عليه وسلم عن مدلول النون واحد يذكر أنه الدواة وواحد يذكر أنه الحوت وواحد يذكر أنه لوح من نور. وليس شيء من هذه الأحاديث واردا في الكتب المعتبرة. وفي الأقوال المعزوة إلى ابن عباس رواية مختصرة مماثلة في مداها لما رواه البغوي عن كعب الأحبار ورفاقه الرواة. ورواية

تعليق على الحروف المتقطعة في أوائل السور

تذكر أنه اسم الله بالإضافة إلى قولين مما ورد في الأحاديث وهما أنه لوح من نور أو أنه الدواة. ومع ما قلناه من أن هذه الأحاديث والأقوال لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة فإن المتبادر أنه لا يعقل أن يصدر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أو ابن عباس أقوال متعددة فيها تباين وتضارب وغرابة. وكل ما يعقل أن يكون صدر قول واحد في تفسير الكلمة. وأن تكون الأقوال الأخرى على الأقل منحولة نحلا. ومثل هذا كثير على ما سوف ننبه عليه في مناسباته. وليس هذا خاصا بالنبي صلّى الله عليه وسلّم وابن عباس فإن المفسرين يروون أقوالا عديدة فيها تضارب وتباين وتباعد وغرابة عن شخص واحد من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتابعيهم. وقد أردنا بهذا تنبيه القارئ إلى ضرورة التدبر في هذا الأمر والتوقف فيما لا يكون وثيق السند ويكون فيه في الوقت نفسه تعدد وتضارب وتباين وغرابة سواء أنسب إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم أو إلى أصحابه أو تابعيهم، والله تعالى أعلم. تعليق على الحروف المتقطعة في أوائل السور وعلى تقدير أن حرف (ن) من الحروف المتقطعة المماثلة للحروف التي بدئت بها سور عديدة أخرى نقول إن هذه السور [29] وهي سورة البقرة وآل عمران والأعراف ويونس وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر ومريم وطه والشعراء والنمل والقصص والعنكبوت والروم ولقمان والسجدة ويس وص وغافر وفصلت والشورى والزخرف والدخان والجاثية والأحقاف وق ون. وهناك من يخرج (طه) و (يس) ويقول إنهما اسمان للنبي صلّى الله عليه وسلّم و (ق) ويقول إنه اسم جبل بالإضافة إلى (ن) التي قال بعضهم إنه الحوت أو الدواة كما ذكرنا آنفا. وهناك من يجعل هذه الأربعة كسائر الحروف. وليس هناك أثر نبوي وثيق في مدى ومغزى هذه الحروف التي جرى التواتر غير المنقطع على قراءتها بأسمائها (الف. لام. ميم إلخ) وقد تعددت روايات

وأقوال المفسرين في هذا المدى والمغزى «1» . منها أنها رموز إلى أسماء الله تعالى أو صفاته. أو أقسام أقسم الله تعالى بها، أو أسماء للسور، أو أريد بها تحدي الكفار بالقول إن القرآن إنما هو حروف وكلمات من جنس ما يعرفونه فليأتوا بمثله أو بشيء منه. وهناك من فضل عدم التخمين ووكل علمها وحكمتها إلى الله تعالى. وهناك من خمن أنها أو أن بعضها احتوى أسرارا أو ألغازا دنيوية مغيبة. وهناك من روى أنها لحساب المدة الباقية من الدنيا بحساب الأرقام التي ترمز إليها الحروف في حساب الأبجدية التي ترتيبها (أب ج د هـ وز ح ط) (ي ك ل م ن س ع ف ص) (ق ر ش ت ث خ ذ ض ظ غ) حيث تحسب الحروف التسعة الأولى أرقام آحاد من الواحد إلى التسعة والحروف التسعة التالية أرقام عشرات إلى التسعين والحروف العشرة التالية أرقام المئات إلى الألف ويبلغ مجموع أرقام جميع الحروف على هذا الحساب (3295) وهذا الترتيب والحساب هو ترتيب الأبجدية العبرانية وحساب اليهود لها باستثناء الحروف الستة الأخيرة التي ليس لها نظير في هذه الأبجدية. وقد طلع باحث عربي مؤخرا برأي يقول فيه إنها ترمز إلى عدد آيات السور التي جاءت في مطلعها على أساس ذلك الحساب «2» .

_ (1) انظر تفسير أول سورة البقرة خاصة وتفسير أوائل السور التي تبتدئ بهذه الحروف بصورة عامة في مختلف كتب التفسير القديمة كالطبري والبغوي والقرطبي والنيسابوري والنسفي والخازن والزمخشري والطبرسي وابن كثير ... إلخ إلخ. [.....] (2) نشر السيد نصوح الطاهر في رمضان 1373 هـ- 1954 م رسالة عنوانها «أوائل السور في القرآن» ذهب فيها هذا المذهب. ومن ينعم النظر فيها ير تجوزا بارزا في الحساب وتسليما بروايات مدنية الآيات في السور المكية ومكية الآيات في السور المدنية بدون سند وثيق وعدم تسليم ببعضها بدون سند وثيق للحساب والتطبيق. مع أن هناك روايات مضادة ومع أن روح الآيات وسياقها يلهمان بقوة عدم صحة معظم روايات مدنية ومكية الآيات في السور المكية والمدنية. ومما يقوله السيد الطاهر أن الحروف في بعض السور بل في معظمها كانت ترمز إلى عدد آيات السور في مرحلة من المراحل وقبل ترتيب آياتها نهائيا. ثم أضيف بعد هذه المرحلة إليها آيات وفصول أو أنقص منها آيات وفصول. ومن السور المكية ما أضيف إليه آيات مدنية ومن السور المدنية ما أضيف إليه آيات مكية. وإن من السور ما كان متداخلا بعضه في بعض فلما رتبت آيات السور وفصل بعض ما كان داخلا في سور أخرى عن بعضها ووضع في سور أخرى أو جعل بعضها سورا مستقلة اختل العدد الذي ترمز إليه الحروف في الحساب الأبجدي. وهنا سلاسل من هذه السور متشابهة في حروفها المتقطعة. فذهب في بعضها إلى أن أحدها كان يرمز إلى عدد جميع آيات السور وذهب في بعضها إلى أن حروف إحداها هي التي كانت ترمز إلى عدد آياتها جميعا دون تعليل مقنع لتكرر الحروف المتشابهة في هذه السلاسل. وهذا الرأي يعني أن إضافة آيات أو فصول في سورة ما مرموز فيها إلى عدد آياتها في مرحلة من المراحل أو إنقاص آيات وفصول قد أخل في هذه الرمزية إذا كانت الحروف وحيا قرآنيا كما نعتقد ونزلت لترمز لذلك حسب رأي السيد الطاهر الذي نعتقد أنه هو الآخر لا ينكر كونها وحيا. وبالتالي قد أفقدتها حكمتها التي علمها الله. فإذا فرضنا أن ترتيب السور في صورتها النهائية قد تم في حياة النبي صلّى الله عليه وسلم وأمره وهو ما نعتقده استنادا إلى دلائل وقرائن كثيرة قرآنية وغير قرآنية فيكون النبي قد أخل بحكمة الرمزية الربانية وحاشاه أن يفعل. وإذا كان الترتيب قد تم بعد وفاته على ما يقول به بعض العلماء فيرد حينئذ سؤال عما إذا كان النبي قد أخبر أصحابه بمفهوم الرمز. فإذا لم يكن قد أخبر به فيكون قد خالف أمر الله فلم يبين بعض ما أنزله الله عليه وحاشاه أن يفعل. وإذا كان قد أخبرهم به فيكونون قد خالفوه وأخلّوا بحكمة الرمزية الربانية معا وحاشاهم أن يفعلوا. ويبقى هناك فرض وهو أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يكن يعرف مفهوم ورمزية الحروف. وظل هذا خفيا عليه وعلى جميع الناس من بعده إلى أن كشف عنه للسيد الطاهر ولا نظن هذا السيد يدعي ذلك.

وهناك قول معزو إلى ابن عباس رضي الله عنه بأنها للتنبيه واسترعاء الأسماع أي من نوع هلا، ألا. ولقد روى الترمذي حديثا في سياق أوائل سورة الروم جاء فيه «إنّها لمّا نزلت خرج أبو بكر يصيح في نواحي مكة: «الم، غلبت الروم» «1» الآيات ونحن نرجح هذا القول. واتباع الحروف في معظم السور بالتنويه بالقرآن وبجمل قسمية به مما يقوي في نظرنا هذا الترجيح. وهو ما أخذنا به مع القول إن تنوع الحروف التي أريد بها الاسترعاء والتنبيه متصل بحكمة التنزيل. ولا بأس بالقول إنها أقسام ربانية وردّ حكمة ذلك وعلمه إلى الله عز وجل أيضا قول عليم

_ (1) انظر «التاج الجامع» ج 4 ص 178- 179.

تعليق على ما ورد من أحاديث وأقوال عن مدى (القلم) في الآية

حكيم متسق مع مذهب السلف الإسلامي الأول في تجنب الخوض والتخمين والمراء في العبارات القرآنية التي يصعب على الأفهام اكتناه كنهها. وحساب الحروف لاستخراج عدد السنين الباقية للدنيا أو محاولة الاستدلال بها على عدد آيات السور في مرحلة من المراحل أو القول بأنها تنطوي على أسرار وألغاز ورموز لأحداث مغيبة مستقبلة يؤدي إلى القول إن في القرآن أسرارا خفيت عن النبي صلّى الله عليه وسلم أو كتمها عن أصحابه، وليس من أثر نبوي وثيق في ذلك. ولا يجوز أن يظن أن الله تعالى أخفاها عن النبي أو أن النبي أخفاها عن أصحابه، والقرآن يقرر أن الله أنزله ليتدبر الناس آياته ويعقلوها وأن الله أمر نبيه أن يبين للناس ما نزل إليه من ربه. تعليق على ما ورد من أحاديث وأقوال عن مدى (القلم) في الآية لقد أورد المفسرون في سياق الآية الأولى أحاديث عديدة عن معنى القلم مفردا ومعناه ومعنى النون معا. منها حديث ورد في كتب الأحاديث المعتبرة أو الصحيحة حيث روى الترمذي وأبو داود حديثا جاء فيه: «قال عبادة بن الصامت لابنه يا بنيّ إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتّى تعلم أنّ ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب قال يا ربّ وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كلّ شيء حتى تقوم الساعة» «1» . ومنها ما رواه المفسرون بطرق أخرى، من ذلك حديث أخرجه ابن جرير الطبري عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم إن أول ما خلق الله القلم والحوت. فقال للقلم اكتب. قال: ما أكتب. قال: كلّ شيء كائن إلى يوم القيامة. ثم قرأ ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ [القلم/ 1] . فالنون الحوت والقلم القلم» . وحديث أورده ابن كثير رواه ابن عساكر عن أبي هريرة قال: سمعت رسول

_ (1) انظر «التاج» ، ج 1 ص 33.

تعليق على الأقسام القرآنية

الله صلّى الله عليه وسلّم يقول إن أول شيء خلقه الله القلم ثمّ خلق النون وهي الدواة ثم قال له اكتب قال وما أكتب قال اكتب ما يكون أو ما هو كائن من عمل أو رزق أو أجل فكتب ذلك إلى يوم القيامة. فذلك قوله ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ. ثم ختم على القلم فلم يتكلم إلى يوم القيامة. ثم خلق العقل وقال وعزّتي لأكملنّك فيمن أحببت ولأنقصنّك ممن أبغضت» . وحديث رواه ابن جرير الطبري مرويا عن معاوية بن قرة عن أبيه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ. لوح من نور. وقلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة» . وأورد المفسرون أقوالا عن بعض التابعين تفيد أن القلم المقسم به في الآية هو هذا القلم الذي أمره الله أن يكتب ما هو كائن. ومع ذلك فقد قالوا أيضا إنه أريد بالقلم المقسم به جنس القلم مطلقا وأريد بالقسم به تعظيم الكتابة وأدواتها حيث يفيد هذا أن الذين قالوا هذا لم يأخذوا الأحاديث النبوية كتفسير قاطع للمراد بالقلم المقسم به في الآية. ونحن نرى هذا هو الأوجه. ولعل اتباع القلم بجملة وما يسطرون وسبقه بكلمة نون المفسرة بالدواة من مقويات هذا الترجيح. لأن صيغة المضارع تفيد الحاضر والمستقبل في حين أن أمر الله للقلم المذكور في الأحاديث هو في صدد أمر مضى. كما أن الاتساق في المعنى والموضوع بين معنى وعمل القلم هنا وفي آيات سورة العلق من مقوياته أيضا، والله أعلم. وما احتوته الأحاديث من كتابة المقادير بالقلم على اللوح متصل ببحثي القدر واللوح مما سوف يكون موضوع تعليق في مناسبات آتية. تعليق على الأقسام القرآنية والآية الأولى تضمنت قسما ربانيا، والآيات الثلاث هي جوابه. والأيمان الربانية أسلوب قرآني مألوف كثير الورود والصور، بسبب كون الأيمان أسلوبا تخاطبيا مألوفا كما هو المتبادر. وهناك سور عديدة تبدأ بالأيمان مما يمكن أن يعتبر كأسلوب من أساليب النظم القرآني في مطالع السور.

وقت نزول الآيات الأولى من هذه السورة

ولقد تنوع المقسم به تنوعا كبيرا فشمل مشاهد الكون السماوية والأرضية وموجوداته الحية والجامدة. غير أن الذي يتبادر من المقسم به وأسلوب القسم أن ذلك مما له خطورة في أذهان الناس أو واقع حياتهم. سواء أكان ذلك بسبب ما فيه من عظمة مشهد وروعة مظهر وقوة صورة، أم بسبب ما يثيره من معان وآثار نفسية، أم بسبب ما له من نفع عظيم، أم بسبب ما يتصل به من عادات وتقاليد ومفهومات. وإن مما هدفت إليه الأقسام التوكيد واسترعاء الأذهان والأسماع لما يأتي بعد القسم من تقريرات متنوعة الأهداف والمعاني. وقت نزول الآيات الأولى من هذه السورة وقد روي «1» أن هذه الآيات هي التي أعقبت آيات سورة العلق الأولى. ووضع سورة القلم في ترتيب ثانية سورة قرآنية نزولا إنما هو بسبب ذلك. فإذا صحت الرواية فتكون الآيات قد نزلت وحدها وبقية آيات السورة نزلت بعدها بمدة ما. ثم ألحقت بها وتم بذلك تأليف السورة وشخصيتها. وتكون كذلك قد نزلت لتطمين النبي عليه السلام وتثبيته، ونفي ما ظنه وخشي منه، وهو أن يكون ما رآه وسمعه حينما أوحي إليه لأول مرة مسّا من الجن حتى إنه أراد أن يلقي نفسه من شاهق الجبل على ما رواه الطبري «2» في حديث معزو إلى عبد الله بن الزبير عن النبي صلّى الله عليه وسلم، وإن لم تصح الرواية فيكون في الآيات تطمين وتثبيت من جهة، ورد

_ (1) «السيرة الحلبية» ، ج 1 ص 244. (2) «تاريخ الطبري» ، ج 2 ص 48- 49 مطبعة الاستقامة. ومما جاء في هذا الحديث عن لسان النبي صلّى الله عليه وسلم: «لما انصرف عني الملك وهببت من نومي وكأنما كتب في قلبي كتابا قال ولم يكن من خلق الله أحد أبغض إليّ من شاعر أو مجنون. كنت لا أطيق أن أنظر إليهما. قلت الأبعد يعني نفسه شاعر أو مجنون، لا تحدث بها عني قريش أبدا. لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها فلأستريحن..» .

أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم

على نعت الكفار للنبي صلّى الله عليه وسلّم بالجنون من جهة. وقد حكى ذلك القرآن عنهم في آيات عديدة مثل آية سورة الحجر هذه: وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) ، ومثل آية سورة المؤمنون هذه: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (70) ، ومثل الآية الأخيرة من سورة القلم نفسها: وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (52) . ويلحظ الانسجام والتلاحق بين هذه الآيات وما بعدها، وهذا قد يضعف الرواية الأولى ويسوغ القول إنها نزلت هي وما بعدها سلسلة واحدة أو متلاحقة، وإن ترتيبها كثاني سورة غير صحيح، لأن الآيات التالية لها تضمنت مشاهد تكذيبية وجدلية، وحملة تنديدية وحكاية لقول المكذبين إن القرآن أساطير الأولين، مما لا يمكن أن يكون وقع إلّا بعد نزول جملة غير يسيرة من القرآن واتصال النبي عليه السلام بالناس وتلاوته عليهم واشتباكه معهم بالجدل والحجاج. أخلاق النبي صلّى الله عليه وسلم والثناء من الله على خلق النبي صلّى الله عليه وسلّم بهذا الأسلوب البليغ التوكيدي، ووصفه بالعظمة رائع كل الروعة، يتضاءل أمامه كل ثناء ووصف وتكريم بشري، ثم كل ما حاوله بعض المسلمين في وصف شخصيته بأوصاف تكاد تخرجه عن نطاق البشرية، مما جاء في بعض كتب السيرة والشمائل «1» على غير طائل وضرورة، وعلى غير ما صرح به القرآن من أن النبي صلّى الله عليه وسلّم بشر كسائر البشر في جميع الأعراض والمظاهر، ورسول قد خلت من قبله الرسل، وليس بدعا فيهم كما جاء في آية سورة الأحقاف هذه: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9) ، وفي آية سورة آل عمران

_ (1) انظر كتابنا «سيرة الرسول عليه السلام» ، ج 1 ص 24 وما بعدها.

هذه: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [144] ، وفي آية سورة الأعراف هذه: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ [188] ، وفي آية سورة الكهف هذه: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110) ، والمتبادر أن ذلك متأتّ من قصور الأفهام عن إدراك ما في أخلاق النبي صلّى الله عليه وسلّم من عظمة وما في نفسه من صفاء، وما في قلبه من إيمان وإخلاص جعله أهلا لاصطفاء الله، فحفزهم إلى البحث عن أسباب أخرى، فيها ما فيها من الغلو الذي لا ينسجم مع طبائع الأشياء، ولا يتسق مع نصوص القرآن. والآيات من أوائل القرآن نزولا على كل حال، وهذا يعني أن الخلق العظيم الذي كان عليه النبي صلّى الله عليه وسلم، واستحق به هذا الثناء البليغ الرباني، قد كان مما تحلى به قبل البعثة، وهو الذي أهّله للاصطفاء والمهمة العظمى، والله أعلم حيث يجعل رسالته. ولقد جاء في حديث للبخاري عن عائشة أن السيدة خديجة رضي الله عنها حينما عاد إليها بعد نزول الوحي عليه لأول مرة، وقصّ عليها ما رآه وسمعه وقال لها: «إني خشيت على نفسي قالت له كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكلّ وتكسب المعدوم، وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق» «1» ، وجاء في الحديث الذي رواه الطبري عن عبد الله «2» بن الزبير أنها قالت له حينما قال لها إني خشيت أن أكون شاعرا أو مجنونا: «أعيذك بالله من ذلك يا أبا القاسم، ما كان الله ليصنع ذلك بك مع ما أعلم منك من صدق حديثك وعظم أمانتك وحسن خلقك وصلة رحمك» وهذا مما يؤيد قولنا، لأن هذه الأخلاق الكريمة مما كان يتحلى به النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل بعثته.

_ (1) انظر كتاب «التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول» للشيخ منصور علي ناصف ج 3 ص 226 طبعة ثانية نشر دار إحياء الكتب العربية. (2) «تاريخ الطبري» ج 2 ص 47- 48.

[سورة القلم (68) : الآيات 5 إلى 16]

[سورة القلم (68) : الآيات 5 الى 16] فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7) فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (13) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (14) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16) (1) المفتون: الضال أو المنحرف. (2) تدهن: تلاين أو تصانع. (3) همّاز: عيّاب أو شتّام. (4) مشاء بنميم: يسعى بالنميمة. (5) عتلّ: جاف غليظ. (6) زنيم: دعيّ. ويقال للئيم زنيم أيضا. (7) الخرطوم: هذا التعبير خاص بالفيل والكلمة هنا على الاستعارة لفم القائل، فيكون في النار عقابا على قوله. (8) أساطير الأولين: الأساطير جمع أسطورة وهي مشتقة من سطر بمعنى كتب، والجملة تعني قصص الأولين وكتاباتهم. (9) سنسمه: مشتقة من وسم أي جعل علامة للشيء. وخاصة العلامة التي تعلم بالكيّ على جلود الأنعام وهي عادة عربية بدوية لتمييز الأنعام عن بعضها وخاصة الإبل. شرح الآيات [5- 16] من سورة القلم وما انطوى فيها من صور وتنبيهات عبارة الآيات واضحة. وفيها حكاية لبعض ما وقع بين النبي صلّى الله عليه وسلّم وبين الكفار ورد عليهم وتنديد بهم وتثبيت للنبي صلّى الله عليه وسلم:

1- فقد أخذ بعضهم يعيره بأنه مفتون ضال خارج عن دين آبائه وتقاليدهم. فردت الآية الأولى عليهم بأن الحق لن يلبث أن يظهر ويعرف من هو المفتون، ثم وجه الخطاب إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم منطويا على التثبيت بأن ربه هو الأعلم بمن هو ضالّ حقّا ومهتد حقّا. 2- وقد أخذ بعضهم يقترح على النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يلاين فيلاينوا بالمقابلة. والملاينة التي طلبوها على ما ذكرته الروايات «1» عدم تسفيه أحلامهم وسبّ آلهتهم، ومشاركتهم في تقاليدهم وعبادتهم، والملاينة التي وعده بها هي تركه وشأنه أو مجاراته في بعض ما يدعو إليه. وكان بعضهم يحلف له الأيمان على ذلك، فأمرته الآيات بعدم تصديقهم وعدم إطاعتهم لأنهم كاذبون. 3- وقد أخذ بعضهم إذا ما تلا النبي القرآن يقولون إنه مقتبس من صحف الأول وقصصهم، منكرين أنه من وحي الله، معتزين بمالهم وأولادهم وقوتهم، وقد حملت الآيات حملة عنيفة على هؤلاء، فهم كاذبون مهينون، عيابون شتامون، مشاؤون بين الناس بالفساد والنميمة، مناعون للخير، غلاظ القلوب لؤماء أو مدخولو الأنساب، وقد توعدتهم الآية الأخيرة بكيّ أفواههم بالنار، جزاء ما يصدر منها من الكذب والتكذيب والافتراء والأيمان الكاذبة الخداعة. وهو وعيد مستمد من عاداتهم ليكون تأثيره أشد في نفوسهم. والضمير في الآيات [10- 16] مفرد، وقد ذكر المفسرون «2» اسم الأخنس ابن شريق واسم الأسود بن عبد يغوث وقالوا إنها عنت أحدهما. والآيات تبدأ بكلمة (كل) . والآيات السابقة لها جاءت بصيغة الجمع ضمائر وأفعالا حيث يسوغ ذلك القول أن أسلوبها أسلوب خطابي وأنها بسبيل التعبير عن طبقة وليس عن فرد، ولو صح ما ذكره المفسرون. وفي الوقت نفسه انطوى فيها تنبيهات عامة للنبي صلّى الله عليه وسلم، منها أن الذين هم على

_ (1) انظر تفسير الآيات في كتب تفسير الطبري وابن كثير والطبرسي والنيسابوري. (2) المصدر نفسه.

تعليق على ما في التنديد بأخلاق المتصدين لمناوأة الدعوة النبوية من تلقين مستمر المدى

مثل تلك الأخلاق الذميمة لا يمكن أن يصدروا عن رغبة صادقة في الاهتداء، ومنها أن الملاينة في الحق والمبادئ والتساهل فيها لا يجوز أن يكون موضع بحث وجدل، وفي هذا ما فيه كذلك من التلقين القرآني الجليل المستمر المدى في كل زمن ومكان. وعلى اعتبار أن هذه الآيات مما نزل مبكرا فإن فيها تأييدا لما استدللنا عليه من آيات سورة العلق من أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد سار في الدعوة علنا منذ بدئها كما هو المتبادر. تعليق على ما في التنديد بأخلاق المتصدين لمناوأة الدعوة النبوية من تلقين مستمر المدى ومع أن الآيات كما قلنا قبل هي بسبيل وصف أخلاق الطبقة الغنية المترفة التي تصدت لمناوأة الدعوة النبوية وأهدافها فإن فيما احتوته من تنديد بالكذب والأيمان الكاذبة والنميمة والعيب في الناس وشتمهم ومنع الخير عنهم والبغي عليهم وغلظ القلب وقسوة العاطفة تنطوي على تلقينات قرآنية جليلة مستمرة المدى بوجوب احتقار ونبذ المتصفين بهذه الصفات واجتناب هذه الصفات والأفعال الذميمة المكروهة وتنقية النفس من الأوضار. ولقد تكرر ذمّ هذه الأخلاق والصفات ومدح أضدادها في مختلف السور المكية والمدنية معا وبكثرة تغني عن التمثيل مما فيه دلالة على شدة اهتمام القرآن بالأخلاق وتقويمها على اعتبار كون أفعال الناس إنما تصدر عنها وتتأثر بها. ونكتفي هنا بهذه الكلمة لأن التنديد بالأخلاق السيئة والتنويه بالأخلاق الحسنة سوف يتكرر في تجدد المناسبات الكثيرة الآتية. ولقد أثر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أحاديث عديدة ورد بعضها في كتب الأحاديث الخمسة في الأخلاق السيئة المندد بها في الآيات. من ذلك حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن حذيفة قال: «سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول لا يدخل الجزء الأول من التفسير الحديث 24

الجنة قتّات وفي رواية نمّام» «1» . وحديث رواه الأربعة عن أبي هريرة قال: «سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول إنّ شرّ الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه» «2» . وحديث رواه الترمذي عن أبي هريرة قال: «قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: إيّاكم وسوء ذات البين فإنها الحالقة» «3» . وحديث رواه مسلم عن عبد الله قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ألا أنبّئكم ما العضه هي النميمة القالة بين الناس» «4» . وحديث رواه أبو داود عن عمّار قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار» «5» . وحديث رواه أبو داود عن أبي هريرة قال: «قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إنّ من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم بغير حقّ ومن الكبائر السبّتان بالسّبة» «6» . وحديث رواه أبو داود والترمذي عن أبي برزة قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتّبعوا عوراتهم فإنه من اتّبع عوراتهم يتّبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته» «7» . وحديث رواه الترمذي عن عبد الله قال: «قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم: ليس المؤمن بالطّعّان ولا اللّعّان ولا الفاحش ولا البذيء» «8» . وحديث رواه أبو داود عن سفيان بن أسيد قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كبرت خيانة أن تحدّث أخاك حديثا هو لك به مصدّق وأنت له به كاذب» «9» . وحديث رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خلّة منهنّ كانت فيه خلّة من نفاق حتى يدعها إذا

_ (1) «التاج» ، ج 5 ص 23. (2) المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه. (4) المصدر نفسه. [.....] (5) المصدر نفسه ص 23- 39. (6) المصدر نفسه. (7) المصدر نفسه. (8) المصدر نفسه. (9) المصدر نفسه.

تعليق ثان على موقف المناوأة الذي وقفه الزعماء والأغنياء

حدّث كذب وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر» «1» . وحديث رواه أبو داود عن أنس قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: لمّا عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» «2» . وحديث رواه الشيخان والترمذي عن حارثة بن وهب عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ألا أخبركم بأهل الجنة، كلّ ضعيف متضاعف لو أقسم على الله لأبرّه. ألا أخبركم بأهل النار كلّ عتلّ جوّاظ مستكبر» «3» . وحديث رواه الترمذي عن الزبير بن العوام أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «دبّ إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدّين. والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابّوا. ألا أنبّئكم بما يثبت ذاكم لكم أفشوا السلام بينكم» «4» . وهكذا يتساوق التلقين القرآني مع التلقين القرآني في التنديد بالأخلاق السيئة. وهذا ليس كل ما روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم فهناك أحاديث كثيرة من بابها وردت في كتب ومساند أئمة آخرين فاكتفينا بما أوردناه نقلا من الكتب الخمسة. وهناك أحاديث أخرى في هذه الكتب سنوردها في مناسبات أكثر ملاءمة. تعليق ثان على موقف المناوأة الذي وقفه الزعماء والأغنياء ووصف الكذاب الحلاف بذي مال وبنين يدل على أن الذين وقفوا من النبي صلّى الله عليه وسلّم هذه المواقف وطلبوا منه المداهنة ونعتوه بالضلال هم بصراحة من ذوي اليسار. وفي الآيات صورة ثانية من صور مواقف زعماء الكفار من الدعوة النبوية منذ بدئها كرد فعل لما كان يتلوه النبي صلّى الله عليه وسلّم من آيات وسور قرآنية فيها دعوة ملحة

_ (1) «التاج» ج 5 ص 23- 39. (2) المصدر نفسه، ص 25- 27. (3) المصدر نفسه. (4) المصدر نفسه.

تعليق على مفاوضات وعروض زعماء قريش على النبي صلى الله عليه وسلم

إلى التصدق على الفقراء وإطعام المساكين ونعي على شدة حب المال والتكالب عليه على ما شرحناه في سورة العلق. تعليق على مفاوضات وعروض زعماء قريش على النبي صلّى الله عليه وسلم وآية وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم/ 9] «1» صريحة بأنها تحكي رغبة بعض الزعماء في ملاينة النبي صلّى الله عليه وسلّم معهم ومجاراته لهم حتى يقابلوه بالمثل. وقد ذكر بعض المفسرين أنهم طلبوا منه ذكر آلهتهم بالخير أو السكوت عنها، حتى يستمعوا إليه ويجاروه في بعض ما يطلب. ومن الجدير بالذكر في هذه المناسبة أن هذا لم يبق وحيدا. بل تكرر في ظروف عديدة في العهد المكي، على ما أشارت إليه بعض الآيات وروته بعض الروايات مما فيه صورة خطيرة من صور السيرة النبوية في هذا العهد. ولقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم منذ البدء- وظل- شديد الحرص على هداية قومه شديد الحزن من انقباضهم عن دعوته وبخاصة الزعماء، لأنهم يسدون الطريق أمام السواد الأعظم من العرب على ما ذكرناه قبل قليل. فكان بعض الزعماء يستغلون هذه العاطفة ويعرضون عليه مباشرة أو بواسطة عمه أبي طالب بعض العروض والاقتراحات بسبيل تبادل الملاينة والمسايرة. من ذلك ما تضمنت الإشارة إليه آيات سورة الإسراء هذه: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا (74) ، وقد روى المفسرون «2» في صددها روايات عديدة، منها أن فريقا من زعماء قريش اقترحوا عليه السكوت عن شتم آلهتهم وتسفيه أحلامهم ليحاسنوه ويسايروه. ومنها أنهم طلبوا منه الإبقاء على

_ (1) انظر تفسيرها في كتب تفسير البغوي وابن كثير والطبري والخازن والطبرسي. (2) المصدر نفسه.

بعض تقاليدهم وطقوسهم مدة من الزمن، ومنها أنهم طلبوا منه الإلمام بأصنامهم كما يفعل بالحجر الأسود، ومنها السماح لهم بذلك. ويظهر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم خطر لباله أن يسايرهم بعض المسايرة، فثبته الله تثبيتا ينطوي فيه التنبيه المنطوي في آيات سورة القلم والذي نوهنا به آنفا. وفي سورة يونس هذه الآية: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) ، وقد روى المفسرون «1» أنهم طلبوا منه قرآنا خاليا من الحملة عليهم وعلى شركائهم. ولقد روى ابن هشام «2» أن زعماء قريش جاءوا إلى أبي طالب متذمرين أكثر من مرة، طالبين منه ردع ابن أخيه عن شتم آلهتهم وتسفيه عقولهم. ومما قالوه له في إحدى المرات وكان حاضرا في مجلسهم: إننا نحب أن يسمع العرب أنك أعطيتنا ما لم تعط غيرنا. وفي إحدى المرات قال لعمه: أريد منهم أن يعطوني كلمة يملكون بها العرب ويدين لهم بها العجم فقالوا له: نعم وأبيك وعشر كلمات، قال تقولون: لا إله إلا الله وتخلعون ما تعبدون من دونه. فصفقوا وقال بعضهم لبعض: ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا. وفي سورتي الأنعام والكهف آيات تلهم نصوصها وما رواه المفسرون في صددها «3» أن الزعماء كانوا يقترحون عليه طرد الفقراء والمساكين من حوله إذا كان يريد منهم أن يجلسوا إليه ويستمعوا منه ويستجيبوا له، ويتمجحون بهم لعدم استجابتهم لدعوته وهي هذه: 1- وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ

_ (1) انظر تفسيرها في كتب تفسير البغوي وابن كثير والطبري والخازن والطبرسي.. (2) ابن هشام ج 1 ص 282- 285 وج 2 ص 26- 28. (3) المصدر السابق نفسه. [.....]

حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) [الأنعام: 52- 53] . 2- وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) [الكهف: 28] . وقد تضمنت الآيات تحذير النبي صلى الله عليه وسلّم من الاستجابة لاقتراحات زعماء الكفار، وبإغداق عطفه واهتمامه على أصحابه الذين آمنوا به والتفوا حوله مهما كانت طبقتهم الاجتماعية لأنهم أظهروا من صدق الرغبة في الإيمان والاتجاه إلى الله وحده ما رفع شأنهم وقدرهم عند الله. وفي الآيات من التلقين الجليل ما هو ظاهر. هذا، وجنوح الزعماء إلى طلب المداهنة والملاينة من النبي صلّى الله عليه وسلم، ووعدهم بالمقابلة بالمثل منذ عهد مبكر، واستمرارهم على ذلك يدل على أنهم لم يكونوا يجدون في أنفسهم من القوة ما يستطيعون به إرغامه على الكف عن دعوته والاعتدال في تنديداته وحملاته، كما يدل على أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان لديه من الجرأة والقوة الروحية والاستغراق في الله ما يجعله غير مبال بما كان عليه الزعماء من قوة ومال وكثرة، وما يجعله يظل يقذف بنذر القرآن وحملاته في وجوههم ويقرع بها آذانهم منذ بدء الدعوة، ويدل في الوقت نفسه على أن الزعماء يعرفون ذلك، وفي هذا ما فيه من العظمة وبليغ الأسوة. ولقد قلنا قبل إن هذه الآيات لا بد من أن تكون نزلت بعد طائفة من السور التي فيها مبادئ الدعوة من وحدانية الله تعالى وإيجاب اختصاصه وحده بالعبادة والدعاء وترك كل ما عداه والإيمان باليوم الآخر وإيجاب الأعمال والأخلاق الحسنة وتجنب الأعمال والأخلاق السيئة وعدم الاستغراق في حب المال واكتنازه وإيجاب البر بالمساكين والفقراء والإنفاق على سبل الخير المختلفة إلخ.. ومعنى

تعليق على جملة أساطير الأولين

أمر الله تعالى لرسوله بعدم إطاعتهم في ما يطلبونه من مسايرة مقابل وعدهم له بالمسايرة في بعض ما يدعو إليه أن المبادئ الأساسية للدعوة لا يصح في أي حال وظرف أن تكون محل مساومة وتمييع. وهذا الأمر قد تكرر على ما تفيده آيات سورة الإسراء [73- 74] التي أوردناها آنفا. وفي هذا ما فيه روعة وتلقين جليل مستمر المدى. تعليق على جملة أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ وجملة أساطير الأولين قد تكررت كثيرا في القرآن حكاية لزعم الكفار عن القرآن، وهذه الجملة أو بتعبير أدق كلمة أساطير تعني الآن القصص التي لا تستند إلى أصل أو يشوبها الغلو أو الخرافة. غير أن الذي يتبادر لنا أن استعمالها في القرآن لم يكن لهذا المعنى فقط، وإنما كان أيضا لمقصد الإشارة إلى كتب الأولين وصحفهم، بما في ذلك كتب النصارى واليهود التي كانت متداولة. وفي سورة الفرقان آية قد تؤيد ذلك حيث جاء فيها: وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) ، وحيث أراد الكفار أن يقولوا إن ما يتلوه النبي صلّى الله عليه وسلّم قد اقتبسه واستكتبه وحفظه من الكتب الأولى المتداولة وليس وحيا. والجملة في السورة تدل في حد ذاتها على أن ما نزل من القرآن قبل هذه الآيات كان شيئا غير يسير حيث رأى الكفار فيه من التطابق والمواضيع، ما سوغ لهم هذا القول وتؤيد ما قلناه في صدد ترتيب هذه السورة. [سورة القلم (68) : الآيات 17 الى 33] إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (17) وَلا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (23) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (28) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (30) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (31) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (32) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (33)

(1) بلوناهم: امتحنّاهم واختبرناهم. (2) الصرم: القطف أو القطع. (3) مصبحين: في الصباح الباكر. (4) لا يستثنون: لا يقولون إن شاء الله بعد القسم. (5) فطاف عليها طائف من ربك: كناية عن بلاء رباني أصاب ثمر الجنة فأيبسه وجعله كالصريم أي كالمقطوف. (6) حرثكم: هنا بمعنى بستانكم. (7) يتخافتون: يتهامسون. (8) حرد: شدة التصميم أو سوء النية والقصد. (9) ضالون: هنا بمعنى حائرون أو تائهون. (10) أوسطهم: أعقلهم وأرشدهم. (11) ظالمين: وردت كلمة الظلم في القرآن كثيرا وفي معان عديدة، منها الجور ضد العدل. ومنها الانحراف عن طريق الحق. ومنها الجناية على النفس والإضرار بالنفس والغير. ومنها العدوان والبغي على الغير. ومنها الإجرام. ومنها النقص والبخس. وهي هنا بمعنى الجناية على النفس. (12) يتلاومون: يلوم بعضهم بعضا. (13) طاغين: متجاوزين الحد في البغي والتمرد. هذه الآيات تحكي قصة جماعة كان لهم بستان، أقسموا على قطف ثمره دون أن يقولوا إن شاء الله، وصمموا على حرمان الفقراء منه وغدوا مصبحين إلى تنفيذ عزيمتهم معتمدين على قدرتهم، فسلط الله على الثمر بلاء جعله كالمقطوف عقابا لهم

تعليق على قصة البستان وهدفها

على سوء نيتهم، ولما رأوا بستانهم على هذه الحالة ذهلوا حتى لقد ظنوا أنهم ضلوا عنه، ثم عرفوا الحقيقة فأدركوا أنهم قد خسروا ثمرهم وحرموا منه، وكان فيهم رجل صالح عاقل كان ينصحهم بالاعتدال وعدم البغي فقال لهم: ألم أخبركم بما سوف ينتج عن سلوككم؟ وطلب منهم أن يستغفروا الله ويسبّحوه ويعترفوا بذنبهم، فأخذ بعضهم يلوم بعضا وسبّحوا الله واستغفروه واعترفوا بظلمهم وطغيانهم، وأعلنوا توبتهم وإنابتهم إلى الله على أمل أن يعوضهم بما هو خير مما خسروه وحرموا منه. وقد ابتدأت الآيات بما يفهم منه أن الله قد امتحن المكذبين بما امتحن به أصحاب البستان، وانتهت بالتنويه بعذاب الله الشديد الذي يحل بالظالمين الجاحدين لنعمة الله في الدنيا وبالوعيد بعذاب الآخرة الذي ينتظرهم والذي هو أشد وأكبر. تعليق على قصة البستان وهدفها وقد روى المفسرون «1» أن البستان المذكور في القصة كان في اليمن والحبشة، وذكر بعضهم أنه كان لرجل من ثقيف، وأنه كان يترك ما يسقط من الثمر للفقراء، فلما مات وورثه أبناؤه قالوا إن أبانا لأحمق، وصمموا على حرمان الفقراء من ذلك. وبعبارة أخرى إن الحكاية لحادث واقعي. وروح الآيات ومضمونها يلهمان ذلك ويلهمان أيضا أن الحادث مما كان معروفا عند السامعين. وضمير بَلَوْناهُمْ راجع مباشرة إلى المكذبين الذين حكت الآيات السابقة موقفهم وهم زعماء قريش كما هو المتبادر، وفي ذلك قرينة على أنهم كانوا يعرفون قصة البستان. وواضح أن القصة أوردت في معرض التذكير والمثل. وهذا شأن جميع القصص والأمثال القرآنية والأسلوب القرآني في ذلك من خصوصيات القرآن،

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري وابن كثير والنيسابوري مثلا.

لأن ما احتوته الكتب الدينية اليهودية والنصرانية من القصص هي في صدد التاريخ والإخبار. والعظة والتذكرة اللتان تنطويان في هذه القصة هما أن الله قد امتحن المكذبين بالرسالة النبوية، كما امتحن أصحاب البستان بالنعمة التي أنعمها عليهم بثمرهم، وكما أن هؤلاء قد تعرضوا لعذاب الله وبلائه لعدم استماعهم لنصيحة عاقلهم ومرشدهم وعدم شكر نعمة الله، ولسوء النية التي بيتوها بحرمان الفقراء فإن أولئك- أي كفار قريش المكذبين- أمام امتحان رباني، فإذا لم يستمعوا لنصيحة ناصحهم ومرشدهم ولم يستجيبوا إليها ولم يشكروا نعمة الله التي أنعمها عليهم فإنهم سيتعرضون لبلاء الله وعذابه في الدنيا فضلا عما سيتعرضون لعذابه الأكبر في الآخرة. ولهم الأسوة بأصحاب البستان الذين أدركوا مدى ظلمهم وانحرافهم وسوء نيتهم فاستجابوا لمرشدهم وتابوا إلى الله واستغفروه. والمصحف الذي اعتمدنا عليه يذكر أن هذه الآيات مدنية، غير أننا نلاحظ أولا: أنها منسجمة مع ما قبلها وما بعدها كأنما جميعها في سياق واحد وموضوع واحد. وثانيا: أن مضمونها يلهم كون المثل موجها إلى الناس في مبادئ الدعوة وعهد النبوة. وثالثا أن الضمير في بَلَوْناهُمْ راجع إلى الذين كانوا موضوع الآيات السابقة مما ينطوي فيه الاتصال بين هذه الآيات وسابقاتها. ورابعا أن أسلوبها وطابعها أكثر شبها لأسلوب وطابع الآيات المكية ولذلك فإننا نتوقف في صحة الرواية، وإذا صحت ملاحظاتنا فتكون هذه القصة أولى القصص القرآنية نزولا والله أعلم. ونقول في هذه المناسبة إن القرآن قد احتوى كثيرا من القصص بأساليب متنوعة، مسهبة حينا ومقتضبة حينا وبإشارات خاطفة حينا، منها قصص خاصة بحياة وسيرة أنبياء الله ورسله، ومنها مزيجة بين حياة وسيرة أنبياء الله ورسله وما جرى بينهم وبين أقوامهم أو الذين أرسلوا إليهم ونتائجه. ومنها قصص أشخاص أو جماعات غير أنبياء. ومن هذه القصص ما ورد جزئيا أو كليا أو مباينا بعض الشيء مع التوافق في أمور. وفي الأسماء في الأسفار التي يتداولها اليهود

تعليق على روايات الآيات المدنية في السور المكية

والنصارى التي يجمعها ما يسمى بالكتاب المقدس أو ما يسمى أسفار العهد القديم وأسفار العهد الجديد. ومنها ما هو عائد إلى أسماء وردت في هذه الأسفار دون القصص. ومنها قصص عربية لجماعات وأنبياء وأقوام عاشوا في جزيرة العرب قبل الإسلام. ويصدق على جميعها ما قلناه من أنها جاءت في القرآن في معرض التذكير والمثل، ولسوف نزيد كل هذا شرحا في مناسبات آتية. تعليق على روايات الآيات المدنية في السور المكية وبمناسبة ذكر رواية مدنية الآيات المذكورة لأول مرة نقول: إن هناك روايات عديدة عن وجود آيات مدنية في السور المكية. والمصحف الذي اعتمدنا عليه يروي مدنية [147] آية في [34] سورة مكية، وهناك روايات تزيد في عدد الآيات وأخرى تنقص منها. والمتدبر في الآيات يرى طابع العهد المكي وصوره وأحداثه بارزا على معظمها، كما يرى انسجام معظمها انسجاما تاما في السياق والمضمون بل والنظم مع ما قبلها وما بعدها، ولا يستبين الحكمة في وضعها لو كانت مدنية حقا بحيث يسوغ الشك والتوقف في صحة الروايات التي تروي مدنيتها وتروي أسباب نزولها في المدينة، إلا إذا فرض أن تكون حكمة التنزيل اقتضت تدعيم السياق المكي بها وهو فرض لا يمكن أن تطمئن النفس به. ومن الجدير بالذكر أن معظم الروايات ليست أحاديث نبوية أو صحابية موثقة ومسندة على أسلوب توثيق الأحاديث وإسنادها. ومما يرد على البال تعليلا لها أن الآيات المكية ذكرت أو استشهد بها بمناسبة بعض أحداث جرت في المدينة وكان بعضهم قد نسيها فالتبس عليهم الأمر وظنوها آيات مدنية. والكلام ينطبق كما قلنا على معظم الآيات، وهناك بضع آيات في بعض السور المكية تستثنى من ذلك يسوغ طابعها ومضمونها الجزم بصحة رواية مدنيتها. وقد وضعت في السياق المناسب لمضمونها على ما سوف نشرحه في مناسباتها.

[سورة القلم (68) : الآيات 34 إلى 43]

[سورة القلم (68) : الآيات 34 الى 43] إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (38) أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (39) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (40) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (41) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (42) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ (43) . (1) تدرسون: تقرءون أو تتعلمون أو تعلمون منه. (2) تخيرون: تتخيرون وتختارون. (3) أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة: بمعنى هل لكم عهد من الله بالنجاة مستمر وشامل ليوم القيامة. (4) زعيم: كفيل أو ضامن أو مؤيد. (5) يوم يكشف عن ساق: كناية عن وقت اشتداد الخطب، حيث كان من عادة العرب إذا اشتدت معركة الحرب أن يكشفوا عن سيقانهم، وهنا يعني يوم القيامة واشتداد الخطب فيه. (6) ترهقهم: تلحقهم أو تزعجهم أو تحيق بهم. في هذه الآيات: 1- تقرير تبشيري بما للمتقين المصدقين عند ربهم من النعيم في جناته. 2- تساؤل على سبيل الإنكار عما إذا كان يصح أن يجعل الله المسلمين كالمجرمين في اليوم الآخر. 3- أسئلة فيها تحد وتهكم موجهة للمكذبين: فهل يظنون أن الله حقا يمكن أن يجعل المسلمين كالمجرمين؟ وبأي وجه يحكمون بصحة هذا الظن وهل عندهم كتاب من الله يستندون إليه ويعلمون أن لهم في ذلك اليوم ما يشتهون ويختارون؟ وهل عندهم عهد من الله مستمر وشامل ليوم القيامة بأن لهم فيه ما يبتغون ويحكمون؟.

4- وأمر للنبي صلّى الله عليه وسلّم بسؤالهم عمن يضمن لهم ذلك وعما إذا كانوا يظنون أن شركاءهم يفعلون ذلك حقا، وتحدّ لهم بدعوة هؤلاء الشركاء وطلب نصرتهم إن كانوا صادقين. 5- وحكاية لما سوف يكون من أمرهم يوم القيامة على سبيل الإنذار والتحدي والتبكيت: فحينما يشتد خطب ذلك اليوم عليهم، وتستدعي حالة الخطر المحيق بهم أن يسارعوا إلى السجود طلبا لغفران الله فلسوف يعجزون. لأنهم أضاعوا الفرصة التي سنحت لهم حينما كانوا يؤمرون بالسجود وهم في متسع من الوقت والسلامة فلا يسجدون ولسوف تكون أبصارهم حينئذ خاشعة من الرعب والخوف وقد حاقت بهم الذلة والهوان. والآيات متصلة بالسياق السابق، وهي استمرار له، وتعقيب على المثل المضروب في القصة كما هو المتبادر. وروح الآيات تلهم أن القصد من المتقين هم الذين آمنوا واستجابوا للدعوة، فوقوا أنفسهم من غضب الله وأن القصد من المجرمين هم الذين جحدوا وتمردوا وناوأوا. وتلهم كذلك أن الكفار كانوا يزعمون أنهم في عقائدهم وتقاليدهم على حق. ولعل هذا الزعم متصل بما كان العرب يعرفونه ويقولون به من صلة تقاليدهم الدينية بإبراهيم عليه السلام وملته وصحفه. وورود ضمير الجمع للمخاطب، وأمر النبي عليه السلام بتوجيه الأسئلة والتحدي يمكن أن يلهما أن الموقف كان موقف مواجهة ومناظرة، أو نتج عنه مواجهة ومناظرة وأن الكفار كانوا يصرون على صحة عقائدهم واتصالهم بتعاليم ربانية. وحكاية مثل هذا الموقف تكررت كثيرا في القرآن مما يؤيد تكرر مواقف المناظرة والجدل والنقاش والحجاج الوجاهي بين النبي صلّى الله عليه وسلّم والكفار من حين لآخر، مما هو طبيعي في نشر الدعوة.

تعليق على الجنات الأخروية

تعليق على الجنات الأخروية والإشارة الخاطفة إلى الجنات الأخروية يمكن أن تدل على أن ذكرها هنا يأتي لأول مرة. وبهذه المناسبة نقول: إن الجنات في القرآن جعلت عنوانا لما سيناله المؤمنون الصالحون من النعيم في الآخرة. فالناس في الدنيا وخاصة سامعي القرآن الأولين قد اعتادوا أن يجدوا اللذة والمتعة في الجنات والبساتين، وما فيها من أشجار وأزهار ومياه وظلال وثمار. وفي إقامة مجالس الأكل والشرب واللهو فيها، فاقتضت حكمة الله أن يوعد المؤمنون الصالحون منهم بأحسن ما اعتاد الناس أن يتمتعوا به في الدنيا وتصبو إليه نفوسهم. وقد وصفت في آيات كثيرة من القرآن بأوصاف وتشبيهات مألوفة في الدنيا تتناولها مفهوماتهم، وتشعر بها حواسهم. ونقول هنا ما قلناه في سياق الحياة الأخروية من أن الإيمان بما جاء في القرآن من مشاهد الجنة والنعيم وكون ذلك في نطاق قدرة الله تعالى واجب مع واجب الإيمان بأنه لا بد من ذكره بالأسلوب الذي ذكر به حكمة ولعل قصد التقريب للأذهان والتأثير في النفوس والتطمين والبشرى من هذه الحكمة. ولقد أثر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في وصف الجنة ونعيمها وأهلها ومشاهدها أحاديث كثيرة جدا. منها ما ورد في كتب الأحاديث الصحيحة، ومنها ما رواه أئمة معروفون من علماء الحديث. وقد رأينا أن نورد بعض ما ورد في كتب الأحاديث الصحيحة هنا على سبيل التمثيل ونرجىء بعضا آخر إلى مناسبات آتية أكثر ملاءمة. فمن ذلك حديث رواه الترمذي عن أبي هريرة قال: «قلت يا رسول الله ممّا خلق الخلق؟ قال: من الماء. قلنا الجنة ما بناؤها؟ قال: لبنة من فضة ولبنة من ذهب وملاطها المسك الأذفر وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت. وتربتها الزعفران من دخلها ينعم ولا يبؤس. ويخلّد ولا يموت، لا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم. ثم قال ثلاثة لا تردّ دعوتهم، الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم. يرفعها فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء ويقول الربّ عزّ وجل: وعزّتي لأنصرنّك ولو بعد حين» «1» . وحديث

_ (1) «التاج» ج 5 ص 365.

رواه الشيخان والترمذي عن أبي سعيد قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّ أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدّرّيّ الغابر في الأفق. من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين» «1» . وحديث رواه الترمذي عن علي قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: إنّ في الجنة لغرفا يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها فقام إليه أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: هي لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصّيام وصلّى لله بالليل والناس نيام» «2» ، وحديث رواه مسلم عن أنس قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: إنّ في الجنة لسوقا يأتونها كلّ جمعة فتهبّ ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا فيرجعون إلى أهلهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا فيقول لهم أهلوهم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا فيقولون وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا» «3» . وحديث رواه الترمذي عن أبي هريرة قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلم: إن في الجنة سوقا إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم ثمّ يؤذن في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون ربّهم ويبرز لهم عرشه ويتبدّى لهم في روضة من رياض الجنة فيوضع لهم منابر من نور ومنابر من لؤلؤ ومنابر من ياقوت ومنابر من زبرجد ومنابر من ذهب ومنابر من فضة ويجلس أدناهم وما فيهم من دنيء على كثبان المسك والكافور وما يرون أن أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلسا» «4» . وحديث رواه الترمذي عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أهل الجنة جرد مرد كحل لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم» «5» . وحديث رواه الشيخان والترمذي عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر والذين

_ (1) المصدر السابق ص 370- 371. (2) المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه. (4) المصدر ص 371- 375. (5) المصدر نفسه.

يلونهم على أشدّ كوكب درّيّ في السماء إضاءة. لا يبولون ولا يتغوّطون ولا يمتخطون ولا يتفلون. أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الألوّة. وأزواجهم الحور العين. أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السّماء. وفي رواية ولكلّ واحد منهم زوجتان يرى مخّ ساقهما من وراء اللحم من الحسن. لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم واحدة يسبّحون الله بكرة وعشيا» «1» . وواضح من هذه الأمثلة أن الأحاديث النبوية في الجنة متساوقة مع الآيات القرآنية الكثيرة في وصف مشاهد الجنة بأحسن المشاهد الدنيوية. والإيمان بما يثبت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من ذلك وكونه في نطاق قدرة الله تعالى واجب مثل ما هو واجب بالنسبة للقرآن. مع الإيمان بأنه لا بدّ لذكر ذلك بالأسلوب الذي ذكر به من حكمة. ويلمح في الأحاديث كما يلمح في الآيات أن من تلك الحكمة التبشير والتطمين وإثارة الرغبة في التقرب إلى الله تعالى بصالح الأعمال. ولقد حاول الأغيار أن يجدوا في جنات القرآن مغمزا بالدين الإسلامي، بزعم أن ذلك يثير الأنانية والطمع في المسلمين، ويجعلهم لا يفعلون الصالحات إلّا رغبة في الأجر الشخصي، ويخرج صفة الحياة الأخروية من نطاقها الروحاني التجريدي. أما إثارة الطمع والأنانية فالبداهة تقضي بأن تكون الحياة الأخروية وجناتها قاضية عليها. لأن الإنسان الذي يؤمن بأنه إذا آمن واتقى وعمل الصالحات واصل إلى أعلى ما تصبو إليه نفسه من لذة ونعيم في الحياة الأخرى يستطيع أن يوطن النفس على التضحيات المتنوعة في المال والنفس، وعلى القناعة والغيرية وأعمال البرّ، دون أن ينتظر جزاء ماديا معجلا في الحياة الدنيا. وأما النطاق الروحاني التجريدي فإن القرآن قد جرى فيما قرره في كل شأن مع طبائع الأمور وحقائقها. والدين الإسلامي من أجل هذا صح أن يكون دين الخلود والإنسانية العام. وما جاء في القرآن من صفات الجنات ونعيمها قد جرى في هذا النطاق. على أنه لم يقصر ما سوف يتمتع به المؤمن الصالح في الحياة الأخروية على الجنات بل

_ (1) المصدر السابق ص 371- 375.

تعليق على كلمة المسلمين

ذكر أيضا ما سوف يناله من رضوان الله الأكبر وقرة العين ومشتهيات النفس وطمأنينتها، بأساليب متنوعة ومواضع عديدة مما هو متسق كذلك مع طبائع الأمور من حيث إن الله يعلم أن هناك من يجد في هذا طمأنينة نفسه وقرة عينه أيضا، فاحتوى القرآن ما يرضي الماديين والمثاليين معا، كما ترى في آية آل عمران هذه: قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (15) ، وفي آية التوبة هذه: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72) . وفي آيات السجدة هذه: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (17) . وفي آيات سورة الفجر هذه: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) . تعليق على كلمة المسلمين وبمناسبة ورود كلمة المسلمين في الآية [35] التي صارت علما على المؤمنين برسالة محمد صلّى الله عليه وسلّم لأول مرة نقول: إن الكلمة ومشتقاتها ومصدرها قد تكرر كثيرا في القرآن. وقد عنت إسلام النفس لله تعالى كما جاءت علما على الدين الصحيح إطلاقا، ووصف بها الذين يؤمنون بالله وحده وكتبه ورسله إطلاقا كما جاء في آيات سورة البقرة هذه: رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ [128] وإِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) ، وقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما الجزء الأول من التفسير الحديث 25

أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) ، وآيات سورة آل عمران هذه: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (20) ، ووَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (85) . فكل من تجرد عما سوى الله وحده وتحرر من الخضوع لغيره وأسلم وجهه ونفسه وانقاد له ولزم حدوده فهو مسلم. وفي هذا المعنى من الروعة والنفوذ والعمق في مجال توحيد الله والإخلاص له والتفاني فيه، وتحرر النفس من غيره ما هو واضح، وما يثير في أتباع محمد صلى الله عليه وسلّم الاعتزاز بهذا المعنى للإسلام الذي أصبح علما عليهم منذ العهد النبوي إلى أبد الآبدين. أما علمية كلمة (المسلمين) عليهم فقد تقررت فيما نعتقد بعد نزول آية الحج هذه: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) . وهذه السورة مختلف في مكيتها ومدنيتها ولكن مضامينها تلهم بقوة أنها مكية أضيف إليها آيات مدنية، اقتضت إضافتها المناسبات على ما سوف نشرحه عند تفسيرها، وهذه الآية هي من الآيات المكية على ما يلهم سياقها، وهذا يعني- إذا صح- أن العلمية تقررت في العهد المكي، ثم جاءت آية سورة المائدة المدنية الثالثة التي جاء فيها: ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ... لتكون علما على دين المسلمين.

[سورة القلم (68) : الآيات 44 إلى 45]

[سورة القلم (68) : الآيات 44 الى 45] فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45) (1) الاستدراج: التوريط في الأمر درجة بعد درجة. (2) الإملاء: الإمداد والإمهال. (3) الكيد: التدبير ضد العدو ونكايته. (4) متين: قوي أو شديد. الآيتان استمرار في حملة التقريع كسابقاتهما مع تطمين للنبي صلّى الله عليه وسلّم وتقوية له وإنذار للمكذبين. والخطاب موجه إليه: فليترك لله الذين يكذبون بالقرآن ولا يغتر بما يتمتعون به من قوة ومال، فإن الله إنما يفعل ذلك استدراجا لهم من حيث لا يعلمون وإملاء، وإن كيده لقوي شديد، ولسوف يحيط بهم. تعليق على آيتي سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ووَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ وصيغة هاتين الآيتين قد تكررت في مواضع أخرى في مقامات مماثلة للمقام الذي جاءتا فيه. والمتبادر من روحهما أن تعابير سَنَسْتَدْرِجُهُمْ ووَ أُمْلِي لَهُمْ وكَيْدِي هي تعابير أسلوبية مألوفة في الخطاب البشري ثم في الكلام العربي. ولا محل للتوهم بأنها تعني أن الله يصبر على الكفار المكذبين بقصد توريطهم ويمد لهم بقصد بث الاغترار فيهم، أو أنه يكيد لخلقه كيدا. فإنه سبحانه منزّه عن ذلك كله. وقد وقع من الكفار التكذيب ووقفوا موقف الجحود والتمرد والمناوأة والصد عن سبيل الله فاستحقوا النكال والعذاب. والتعابير إلى هذا تنطوي على تطمين النبي صلّى الله عليه وسلّم وتثبيته وتقويته وإنذار للكفار المكذبين كما قلنا. وهناك آيات فيها تعليل لعدم التعجيل بعذاب أمثال هؤلاء والاكتفاء بمثل هذه

[سورة القلم (68) : الآيات 46 إلى 47]

الانذارات التي احتوتها الآيتان. من ذلك آية سورة الكهف هذه: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58) ، وآية سورة فاطر هذه: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (45) . وهناك حديث يرويه الشيخان والترمذي وأبو داود يصح أن يساق في هذا المقام عن أبي موسى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» «1» . ويتبادر من ذلك كله أن حكمة الله تعالى اقتضت أن يمنح الكفار والمكذبون والبغاة الفرصة لعلهم يرتدعون ويرعوون فإذا أضاعوها واستمروا في غيهم وبغيهم استحقوا النكال في الدنيا أو في الآخرة أو في الدنيا والآخرة معا حسب مشيئة الله تعالى. وجملة: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [58] في آية الكهف ذات دلالة جليلة في المدى المتبادر. والآيات في ذات الوقت تسجيل للحالة التي كان عليها الكفار المكذبون حين نزولها، ومن المعلوم اليقيني أن كثيرا منهم قد آمن بعد نزولها قبل الفتح المكي أو بعده فظهر مصداق حكمة الله المتبادرة، والله تعالى أعلم. [سورة القلم (68) : الآيات 46 الى 47] أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (46) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47) . (1) المغرم: التكليف المالي أو الدين أو المخسر. (2) يكتبون: هنا بمعنى يقضون أو يقررون ما يريدون. والآيتان أيضا استمرار في السياق، والخطاب فيهما موجه إلى النبي صلّى الله عليه وسلم

_ (1) التاج، ج 5 ص 64.

نفي طمع النبي صلى الله عليه وسلم في أجر على رسالته:

كذلك. وقد جاءتا بأسلوب التساؤل عما إذا كان يطلب من الكفار أجرا على دعوته لهم وإرشادهم حتى يستثقلوا الطلب ويتهربوا من الدعوة تفاديا من المغرم والخسارة أو عما إذا كانوا مطلعين على غيب الله أم بيدهم أمر المستقبل، فيقررون لأنفسهم ما يشاؤون حتى يبدو منهم هذا الاطمئنان إلى العاقبة. نفي طمع النبي صلّى الله عليه وسلّم في أجر على رسالته: وأسلوب الآيتين منطو على التنديد بالمكذبين على تصاممهم عن الدعوة وعدم مبالاتهم، كما هو منطو على الإنذار كما هو المتبادر. كذلك فإنه منطو على نفي طلب النبي صلّى الله عليه وسلّم أو طمعه في أجر أو مكافأة على مهمته العظمى، وقد تكرر في القرآن أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بإعلانه ذلك في معرض الدعوة والتنديد، ثم في معرض التدليل على صدق الدعوة والإخلاص لها إخلاصا مجردا من أي غاية خاصة إلّا واجب القيام بأمر الله ورغبة هدايتهم إلى الله ومكارم الأخلاق، وتأمين أسباب السعادة لهم في الدنيا والآخرة وإنذارهم بالعواقب الوخيمة لعدم استجابتهم مثل آيات سورة سبأ هذه: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (46) قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (48) قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (49) . وآية سورة الفرقان هذه: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (57) . [سورة القلم (68) : الآيات 48 الى 50] فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50) [50- 48] . (1) صاحب الحوت هو النبي يونس كما ذكرت ذلك آيات أخرى بصراحة.

(2) مكظوم: ممتلىء غيظا وغمّا. (3) نبذ: ألقي مهملا. (4) العراء: الأرض العارية من الشجر. (5) مذموم: سيء الذكر والعاقبة. (6) اجتباه: اختاره وقرّبه وتاب عليه. الآيات موجهة إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وفيها: 1- أمر بالصبر إلى أن يتم أمر الله وحكمه. 2- ونهي عن أن يكون كصاحب الحوت الذي ضاق ذرعه ولم يطق صبرا على تكذيب أمته له. 3- وإشارة خاطفة إلى ما كان من عاقبته حيث استغاث الله وناداه فعطف عليه وتداركته نعمته واجتباه وجعله من الصالحين. ولولا ذلك لألقاه الحوت إلى الأرض العارية منبوذا مذموما. والآيات استمرار للسياق كما هو واضح. وفيها صورة مما كان يطرأ على النبي صلّى الله عليه وسلّم من أزمات وضيق صدر من موقف الصدّ والتكذيب والمناوأة الذي أخذ يواجهه منذ أوائل الدعوة. وقد تكررت الإشارات القرآنية إلى مثل هذه الصورة كما تكررت الأوامر القرآنية للنبي صلّى الله عليه وسلّم بالصبر والثبات «1» . والإشارة إلى صاحب الحوت هي أولى الإشارات القرآنية إلى الأنبياء وقصصهم لأن صاحب الحوت هو النبي يونس على ما ذكر ذلك بصراحة في سورة الصافات. ثم توالت الفصول القرآنية في قصص الأنبياء وأقوامهم. ومعظمها تكرر وروده أكثر من مرة مقتضبا في مكان مسهبا في مكان آخر حتى شغلت حيزا غير قليل من القرآن وخاصة المكي منه. واقتضاب الإشارة وخاصة الاكتفاء بالإشارة الضمنية إلى النبي يونس بتعبير صاحب الحوت يدلان على أن قصة يونس لم تكن

_ (1) انظر كتابنا «سيرة الرسول صلّى الله عليه وسلم» ج 1 ص 275 وما بعدها.

أهداف القصص القرآنية

غريبة عن سامعي القرآن. ولقد ذكرت بتفصيل واف في سفر يونان أحد أسفار العهد القديم المتداولة اليوم. وهذه الأسفار كانت متداولة بين اليهود والنصارى في بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم والمتبادر أن أهل بيئة النبي صلى الله عليه وسلّم وسامعي القرآن منهم قد سمعوها أو أن بعضهم قد سمعها منهم. وملخص ما ورد في السفر المذكور وهو متطابق إجمالا مع ما ورد في القرآن أن الله تعالى أمر يونان بن امتاي «1» بإنذار أهل نينوى بعذاب الله ولكنه هرب من وجه الرب إلى يافا ليبحر إلى ترشيش فركب سفينة فثارت زوبعة عظيمة فخاف الملاحون وألقوا أثقالهم ثم اقترعوا على إلقاء بعضهم على أمل أن يلقوا من كان الشر بسببه فوقعت القرعة عليه وحثهم على إلقائه قائلا إن الزوبعة ثارت من أجلي فألقوه فوقفت الزوبعة. وابتلع يونان حوت عظيم وبقي في بطنه ثلاثة أيام وكان يصلي لله ويستغيث به فاستجاب الله له وأمر الحوت بقذفه من جوفه ثم أمره بالذهاب إلى نينوى ثانية فلما جاءهم وأنذرهم آمنوا فكشف الله عنهم الشر الذي كان يوشك أن ينزل بهم. أهداف القصص القرآنية والإشارة إلى صاحب الحوت هنا وردت في معرض التمثيل والتحذير والتثبيت حتى لا يضيق صدر النبي صلّى الله عليه وسلّم بموقف التكذيب واللجاج الذي وقفه قومه منه. وهذا ما استهدفته قصص الأنبياء في القرآن التي يلحظ أنها استهدفت ثلاثة أهداف: الأول: تثبيت النبي عليه السلام ودعوته إلى التأسي كما هو في الآيات التي نحن في صددها وكما ذكر في آيات كثيرة منها آيات سورة الأنعام هذه: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ

_ (1) عرّب هذا الاسم فصار يونس بن متى. وقد ذكر في بعض الأحاديث النبوية بصيغته المعربة من ذلك حديث رواه مسلم وأبو داود جاء فيه: «ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى» ، انظر «التاج» ، ج 3 ص 368.

كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) . والثاني: إنذار الكفار وتذكيرهم بما حل بمن سبقهم من الجاحدين المكذبين الصادين كما ذكر في آيات كثيرة منها آيات سورة العنكبوت هذه: وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (39) فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) . والثالث: تطمين وتبشير المسلمين بما كان من عاقبة كل من المؤمنين والكفار من الأمم السابقة حيث أهلك الله الكفار ونصر ونجى المسلمين ودعوتهم إلى التأسي بما كان من صبر الأنبياء والمؤمنين السابقين وثباتهم على دين الله كما ذكر في آيات كثيرة منها آيات سورة هود هذه: فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (68) . ومجمل الأهداف الثلاثة هو العبرة والموعظة والتطمين والتسلية والتنديد والإنذار، وفي القرآن آيات كثيرة أخرى تتضمن تقرير هدف القصص القرآنية في نطاق ذلك منها آية سورة الأعراف هذه: تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (101) . وآية سورة هود هذه: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) ، وآية سورة

يوسف هذه: لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [111] . ولقد قلنا إن قصة يونس لم تكن غريبة عن سامعي القرآن، وهذا يطّرد في القصص القرآنية عامة على ما سوف نبينه في مناسباته. وآيات العنكبوت تنطوي على دليل قوي على ذلك إذا ما أنعم القارئ النظر فيها. وهناك آيات عديدة أخرى تفيد ذلك منها آية سورة الأنبياء هذه: بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) ، وآية سورة القصص هذه: فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى [48] . حيث يمكن أن يقال إن حكمة الله اقتضت أن تكون القصص معروفة من قبل السامعين جزئيا أو كليا لتكون العبرة والعظة والإلزام والإفحام أشد، لأن الناس يتأثرون بالأمثال التي يعرفونها، والأحداث التي يعلمون نبأها. ولقد سبق الآيات التي نحن في صددها آيات تنديدية وإنذارية، كما لحقتها آيتان فيهما تنديد وتثبيت أيضا. وهذا مؤيد لكون الهدف هو التثبيت والتحذير. وقد جرى القرآن على هذا الأسلوب في معظم الفصول التي وردت فيها قصص الأنبياء، بل إن هذا في هذه الفصول أوفى وأظهر، مما هو مؤيد لفكرة الهدف من جهة ومظهر من مظاهر الانسجام في النظم القرآني من جهة ثانية، ودليل على أن القصص القرآنية لم ترد لماهيتها التاريخية من جهة ثالثة. ولقد قلنا إن معظم قصص الأنبياء وأقوامهم قد تكررت في القرآن وتنوعت أساليبها ومنها ما تكرر مرارا عديدة، وقد غمز المغرضون من المبشرين والمستشرقين القرآن بسبب ذلك وبسبب تكراره الفصول التدعيمية الأخرى كمشاهد الكون ومشاهد الآخرة والحجج والبراهين. وردا على ذلك نقول إن الفصول القصصية لم تكن للسرد التاريخي وإنما هي للوعظ والعبرة ولقد كانت اتصالات النبي صلّى الله عليه وسلّم بمختلف طبقات الناس والمناسبات والأوقات مستمرة متجددة. وكانت متنوعة في ظروفها وأشخاصها. فمن الطبيعي أن تتماثل الفصول القرآنية التي كانت تتلى بوحي الله على مختلف الطبقات وفي مختلف المناسبات والأوقات بسبيل

تدعيم الدعوة وتحقيق الهدف من القصص القرآنية. ومع جلالة قدر النبوة وصاحبها صلى الله عليه وسلّم يمكن أن يقال إن مثل النبي في ذلك مثل الواعظ أو المدرس أو المعلم الذي يلقي دروسه على طلابه ومستمعيه. فهؤلاء يتجددون من آن لآخر، فمن الطبيعي أن يكرر المعلم والواعظ والمدرس دروسه ومواعظه بناء على ذلك. وقصارى ما يمكن أن يحدث هو شيء من التبدل والتنوع في طريقة العرض والأسلوب والألفاظ. وهو نفس الشيء الذي كان بالنسبة للفصول القصصية والتدعيمية الأخرى المتكررة «1» ، حيث كانت حكمة التنزيل توحي إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم بما يقتضي الموقف ذكره من القصص بالأسلوب الذي يقتضيه. ولا يتناقض هذا مع كون النبي صلى الله عليه وسلّم كان قد عرف أو سمع هذه القصص قبل الوحي لأن الوحي ينزل بالأسلوب المؤدّي إلى الهدف من القصص. ويلحظ أنه كل مرة تكررت فيها هذه الفصول جاء فيها شيء جديد استكمالا للعبرة والموعظة على ما سوف ننبه إليه في مناسباته. وهذا من مظاهر تلك الحكمة كما هو المتبادر. وهناك نقطة أخرى يحسن أن نشير إليها، وهي أن المفسرين يجنحون إلى القول أو الظن أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يكن يعلم شيئا من القصص التي كان يوحى إليه بها قبل نزولها. ولسنا نرى هذا وجيها لا من وجهة نظر الوحي القرآني ولا من وجهة نظر النبوة. فالنبي صلّى الله عليه وسلّم كان يعيش قبل نزول الوحي عليه في بيئة فيها كتابيون يروون ما في كتبهم من قصص ويتداولونها والروايات العديدة تذكر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يتصل بهم ويسمع منهم ما في كتبهم. وتجار وغير تجار كانوا يرحلون إلى البلاد المجاورة للجزيرة يسمعون من أهلها مختلف الأنباء والأخبار والقصص. والنبي صلّى الله عليه وسلّم نفسه قام ببعض الأسفار إلى بعض هذه البلاد كما هو ثابت ثبوتا في درجة اليقين. ورواة العرب يروون ما يتناقله الأجيال من أخبار وأحداث وقصص عربية. فليس من المعقول ولا من الطبيعي أن يقال إن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يجهل هذه القصص كليا أو جزئيا. ونقول هنا ما قلناه قبل قليل إن ذلك آت من سوء فهم كنه

_ (1) انظر كتابنا «القرآن المجيد» ، في مقدمة هذا التفسير.

وهدف الوحي بهذه القصص عن حسن نية. وليس من تعارض قط بين وحي ما اقتضت حكمة التنزيل إيحاءه منها بالأسلوب الذي أوحيت به وبين ما يمكن ويصح أن يكون النبي قد عرفه منها قبل نزولها. ولقد كان في بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم تقاليد دينية واجتماعية متنوعة وكان يجري فيها أحداث متنوعة شاهد بعضها وسمع بعضها وعاش بعضها. ولقد ذكر في القرآن كثير من ذلك وليس أحد يدعي أو يمكن أن يدعي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يكن يعرف ذلك قبل بعثته. وهذا وذاك من باب واحد. ويورد الذين يقولون ذلك القول بعض آيات وردت في سياق بعض القصص منها آية سورة هود هذه في سياق قصة نوح: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا [49] ، وآية سورة آل عمران هذه في سياق قصة مريم: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) ، وآية سورة يوسف في سياق قصة يوسف وإخوته: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) . وقصتا نوح ويوسف وردتا متصلتين في سفر التكوين وبين ما ورد في هذا السفر وما ورد في القرآن تطابق كثير. وهذا السفر كان مما يتداوله الكتابيون. وكان العرب يعرفون قصة نوح واتخذوا أصنام قومه التي ذكرها الله في سورة نوح أصناما لهم على ما سوف نشرحه في سياقها. فلا يصح أن يكون النبي صلّى الله عليه وسلّم وقومه لم يعرفوا شيئا من هذه القصص الثلاث، وليس من مناص إزاء الواقع من تخريج الآيات بما يزيل الإشكال ويتفق معه. وقد رأينا الخازن يعلق على آية هود فيقول: إن هذه القصة مشهورة وإنه ليس مما يحتمل أن لا تكون معروفة. وإنه يجب صرف الآية على محمل قصد عدم معرفة النبي وقومه بجميع تفصيلاتها، وفي هذا التعليق وجاهة ظاهرة كما أنه لا معدى عنه أو عن ما يقاربه كصرف كلمة (الغيب) إلى معنى الزمن البعيد غير المشاهد أو الذي صار في طيات الدهر.

وننبه على أن بقية الفصول القصصية في سورتي هود وآل عمران وكذلك الفصول المتنوعة الواردة في مختلف السور بما في ذلك قصص نوح ويوسف ومريم لم يرد فيها مثل هذا التعليق والتقييد. وأن قصة نوح ذكرت بتفصيل أو اقتضاب مرات كثيرة في السور التي نزلت قبل سورة هود مثل سور ص والأعراف والقمر والشعراء وأن قصة مريم وولادة عيسى ذكرت بتفصيل أيضا في سورة مريم التي نزلت هي الأخرى قبل سورة آل عمران وأشير إليها باقتضاب في سور متعددة أخرى ولم يرد في هذه القصص في هذه السور مثل هذا التعليق والتقييد مما يجعل التأويل والتخريج سائغا وصوابا. ومما يصح إضافته إلى الآيات العديدة التي احتوت دلائل وقرائن على أن السامعين كانوا يعرفون أخبار الأمم والأنبياء التي تتلى عليهم في القرآن على سبيل العظة والتذكر أن المفسرين قد أوردوا بيانات كثيرة في سياق كل قصة من القصص مسهبة حينا ومقتضبة حينا معزوة إلى علماء الأخبار إطلاقا حينا وبأسماء حينا مثل ابن عباس ومقاتل ومجاهد والضحاك والكلبي وابن اسحق ووهب بن منبه وكعب الأحبار وغيرهم. واحتوت تفاصيل وجزئيات حول هذه القصص أو قصصا لسبيلها مهما كان فيها من إغراب ومفارقات فإننا نستبعد أن تكون كلها موضوعة بعد النبي صلّى الله عليه وسلّم ونميل إلى القول بل نرجح أنها احتوت أشياء كثيرة مما كان يدور في بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل البعثة وبعدها وحولها. وأنها مما يمكن الاستئناس به في تأييد ما قلنا. وكذلك مما يصح إضافته أيضا صيغة أعلام القصص مثل طالوت وجالوت ويونس وأيوب وفرعون وهامان وقارون وهرون وإبراهيم وسليمان وداود وإدريس ونوح والمسيح عيسى وموسى وهاروت وماروت ... إلخ. فإن هذه الأعلام قد جاءت في القرآن معرّبة وعلى أوزان عربية من لغات غير عربية ولم تكن فيها بالصيغة العربية الواردة حتما ومن المستبعد أن تكون قد عربت لأول مرة في القرآن ومن المرجح أن تكون عربت وتداولت بأوزانها العربية قبل نزولها. وبهذا وحده يصح أن يشملها (بلسان عربي مبين) الذي جاء في معرض نزول القرآن لأنها جزء منه. وتداولها معربة قبل نزول القرآن يعني كما هو بديهي معرفة العرب شيئا من

أخبار أصحابها. وفي ما تكررت حكاية في القرآن عن الكفار من قولهم عن القرآن إنه أساطير الأولين وإن النبي صلى الله عليه وسلم استكتبها وهي تملى عليه وإنه كان أناس يعينونه عليها وإنهم لو شاؤوا لقالوا مثلها كما جاء في آيات سور [الأنعام/ 25] و [الأنفال/ 30] و [الفرقان/ 5] و [القلم/ 8 و 15] قرينة قوية كذلك إن لم نقل حاسمة على أن العرب كانوا يسمعون من مقصد القرآن ونذره وبشائره وتذكراته ما كان اتصل علمه بهم وكان متداولا بينهم. وننبه على ظاهرة هامة في صدد القصص القرآنية، وهي أن السور المكية هي التي ورد فيها على الأعم الأغلب ما اقتضت إيراده حكمة التنزيل من القصص بأحداثها وأخبارها وأشخاصها وتكراراتها بالصيغ والأساليب المتنوعة. وأن السور المدنية لم تحتو إلا إشارات تذكيرية خاطفة إليها، والحكمة التي نلمحها في هذه الظاهرة هي أن القصص كانت تورد كما قلنا قبل في مجال الجدل والحجاج للإلزام والإفحام والموعظة والتذكير والإنذار وتدعيم الدعوة ومبادئها الرئيسية. ومسرح ذلك في الأعم الأغلب كان العهد المكي. في حين صار العهد المدني عهد قوة وعزة وطمأنينة وتشريع وجهاد أكثر منه عهد حجاج ولجاج. والله تعالى أعلم. ويذهب بعض الذين يفسرون القرآن تفسيرا باطنيا أو صوفيا إلى زعم كون القصص القرآنية رموزا لشؤون أخرى ويؤولونها على هذا الاعتبار تأويلا تعسفيا فيه العجيب الغريب. وفي هذا ما فيه من شطح بل وهذيان. لأن جل القصص الواردة في القرآن إن لم نقل كلها مما كان واردا في أسفار وقراطيس ومما كان متداولا بين الناس جيلا بعد جيل ومعروفا بأشخاصه وأحداثه. ولقد ذكر المصحف الذي اعتمدناه أن الآيات التي نحن في صددها من سورة القلم مدنية، غير أن انسجامها مع السياق والموضوع انسجاما تاما وقويا ومماثلة الصورة التي احتوتها لصور العهد المكي تجعلنا نتوقف في صحة رواية مدنيتها، والله تعالى أعلم.

[سورة القلم (68) : الآيات 51 إلى 52]

[سورة القلم (68) : الآيات 51 الى 52] وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) وَما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (52) (1) الإزلاق: الإهلاك. وبعض المفسرين قالوا إنها الإصابة بالعين «1» ومعنى الجملة هنا: أنهم يكادون يلتهمونك ويهلكونك بأعينهم الناظرة إليك شزرا. (2) الذكر: في الآية الأولى كناية عن القرآن وقد تكرر ذلك في آيات عديدة، وفي الآية الثانية بمعنى التذكير، وقد تكرر ذلك كذلك. وفي هاتين الآيتين صورة أخرى من مواقف الكفار تجاه النبي صلّى الله عليه وسلم، إذ كانوا حينما يسمعونه يتلو القرآن ينظرون إليه شزرا حتى يكادوا يلتهمونه ويهلكونه بأبصارهم ويأخذون في نعته بالمجنون. وقد احتوت الآية الثانية ردا عليهم وتوكيدا بأن القرآن هو هدى للعالمين ومنبه ومذكر لهم. والآيتان متصلتان بالسياق والموقف الذي هو موضوع الآيات السابقة كما هو المتبادر وأسلوب الآية الأولى تنديدي في معرض حكاية موقفهم. تعليق على نعت الكفار النبي صلّى الله عليه وسلّم بالجنون ولقد تكررت هذه الصورة في القرآن، مما يدل على أن مثل هذا الموقف والقول كان يتكرر من الكفار. وأسلوب الآية الثانية يلهم بقوة أن الكفار لم يعنوا بنعت النبي صلّى الله عليه وسلّم بالجنون أنه كان مختل العقل أو به خبل وصرع، مما هو من أعراض الأمراض العقلية فقد كانوا من النباهة في درجة لا يعقل معها ذلك وهم يسمعون ما يتلوه عليهم من الفصول القرآنية الرائعة في بلاغتها وقوتها وحكمتها

_ (1) انظر تفسيرها في تفسير الطبري.

وأمثالها وانسجامها وما بدا منهم من جنوح إلى التفاهم معه ومصانعته، وحلفهم له الأيمان على ذلك دليل قوي آخر. وفي القرآن آيات تفيد أنهم كانوا يعرفون فيه رجاحة العقل وسلامة الذهن والبعد عن الفضول والتكلف مثل ما تلهمه آية سورة يونس هذه: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (16) . وما تلهمه آيات سورة المؤمنون هذه: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69) . فالذي يتسق مع هذا أن نعتهم كان على سبيل الاستنكار ومن قبيل ما اعتاد الناس أن يفعلوه إزاء من يدعو إلى شيء جديد مثير في العقائد والآراء ويرون منه جرأة لا تتسع لها حوصلتهم. ومن الممكن أن يكونوا قد أرادوا بذلك أيضا نسبة اتصال الجن بالنبي صلّى الله عليه وسلّم وتلقيه عنهم، على ما كانوا يعتقدونه بالنسبة إلى الشعراء والكهان والعرافين والسحرة «1» حيث كانوا يعتقدون أن شياطين الجن هم الذين يوحون للشعراء النوابغ بشعرهم وإلى الكهان والعرافين والسحرة بما يقولونه للناس الذين يراجعونهم لحل ما يلمّ بهم من مشاكل. والراجح أن نسبتهم الشعر والكهانة والسحر إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم على ما جاء في آيات كثيرة مثل آية الذاريات هذه: كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) ، ومثل آيات سورة الطور هذه: فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31) متصل بذلك. ومن المحتمل أن يكون نعتهم النبي صلّى الله عليه وسلّم بالجنون يرمي إلى القصدين معا، بحيث كانوا أو كان بعضهم يقصد هذا حينا، وكانوا أو كان بعضهم يقصد ذاك حينا. وفي سورة الشعراء آيات تنفي تنزّل الشياطين بالقرآن وهي: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (210) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212) . وفي

_ (1) انظر كتابنا: «عصر النبي صلّى الله عليه وسلّم وبيئته قبل البعثة» ، الفصل الرابع من الباب الثالث «حياة العرب العقلية» ص 293- 298، والفصل الرابع من الباب الرابع «حياة العرب الدينية» ص 371- 378. [.....]

سورة الحجر آيات تحكي قولهم إنه مجنون وتتحداه أن يأتي بالملائكة إن كان من الصادقين وهي: وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) [6- 7] ، كأنما تقول إن اتصالك إنما هو بالجن وإلّا فائتنا بالملائكة إن كنت صادقا أن اتصالك بالله، حيث كانوا يعترفون أن الملائكة هم المختصون بخدمة الله. ويعتقدون أنهم بنات الله على ما حكته عنهم آيات كثيرة، منها آيات الصافات هذه: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (150) «1» . وفي جملة وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ينطوي ردّ قوي على الكفار الذين نعتوا النبي صلّى الله عليه وسلّم بالجنون. ففي هذا القرآن الذي يتلوه عليهم هدى وموعظة وذكر للعالمين جميعهم ولا يمكن أن يصدر هذا من مجنون. وفي سورة الشعراء آيات أخرى جاءت بعد تلك الآيات السابقة الذكر ذات مدى عظيم في هذا الباب وهي: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (223) وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (226) ، حيث ينطوي فيها تقرير كون الوحي الذي يأتي النبي لا يمكن أن يكون شيطانا وكون النبي لا يمكن أن يكون شاعرا، لأن الشياطين كاذبون وإنما يتنزلون على الأفاكين الآثمين ولأن الشعراء يتصفون بأوصاف لا تمت إلى الأخلاق الفاضلة بسبب ولا يتبعهم إلّا الغاوون أمثالهم في حين أن النبي صلّى الله عليه وسلّم صادق يدعو إلى توحيد الله وتمجيده وعبادته وحده ثم إلى الخير والحق والعدل والإحسان ومكارم الأخلاق وينهى عن الإثم والفواحش والمنكرات وأن الذين يتبعونه هم من ذوي الأخلاق الفاضلة والنفوس الكريمة والنوايا الطيبة الطاهرة.

_ (1) انظر كتابنا «عصر النبي عليه السلام وبيئته» ، الفصل الرابع، الحياة الدينية.

تعليق على نعت المستشرقين والمبشرين النبي صلى الله عليه وسلم بالجنون

تعليق على نعت المستشرقين والمبشرين النبي صلّى الله عليه وسلّم بالجنون ونقول بهذه المناسبة إنه لمما يدعو إلى الاشمئزاز ألّا يتورع المبشرون والمغرضون من المستشرقين عن تكرار نعت النبي صلّى الله عليه وسلّم بالجنون وأن يصل بهم الزعم إلى القول إنه كان مصابا بالصرع، وإنه كان يفقد صوابه حينما تأتيه النوبة وتعتريه التشنجات ويسيل العرق منه حتى إذا أفاق منها تلا على المؤمنين ما يقول إنه من وحي الله إليه، في حين أن هذا الوحي لم يكن إلّا أثرا من نوبات الصرع «1» . وقد أساءوا تأويل بعض الأحاديث والروايات التي ذكرت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يأخذه الوجد والعرق ويحمرّ وجهه حينما كان يوحى إليه وحرفوها عن حقيقة مداها. ولقد كشفهم حقدهم وخبث سرائرهم فأنساهم أن المصابين بالصرع تتعطل فيهم أثناء النوبة حركة الشعور والتفكير والذاكرة «2» وجعلهم يناقضون أنفسهم حين يعترفون أنه كان عقب ذلك يتلو آيات القرآن التي أوحي إليه بها، متجاهلين إلى ذلك ما فيها من الروعة والبلاغة والحكمة والمبادئ الإنسانية والاجتماعية والأخلاقية السامية والدعوة إلى الله وحده والخير والمعروف ومحاربة الشرك والوثنية والنهي عن الإثم والفواحش والمنكرات مما لا يعقل أن يصدر عن مريض في عقله وجسمه وخلقه. ولقد تجاهلوا إلى هذا أيضا أن القرآن قد حكى مرارا نسبة الجنون إليه على لسان خصومه الأشداء ومكذبيه العنيدين، وهو أمر بالغ الخطورة والقوة في هذا المقام ويردها عليهم ردّا شديدا مرفقا كما هو في الآية التي نحن في صددها بإعلان أن ما جاء به هو ذكر للعالمين ودعوة لهم. ومن ذلك آية سورة الأعراف هذه: أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) ، وآيات سورة المؤمنون هذه: أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69)

_ (1) انظر كتاب «حياة محمد» ، حسين هيكل طبعة ثانية ص 39- 40. (2) المصدر نفسه. الجزء الأول من التفسير الحديث 26

أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (70) ، وآيات سورة الطور هذه: فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (29) ، وآية سورة سبأ هذه: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (46) «1» . وهذا بالإضافة إلى آيات سورة الشعراء التي أوردناها الرائعة القوية في عبارتها وما ينطوي فيها وأن حكاية أقوال الكفار والرد عليها بمثل هذه الردود النافذة إلى أعماق القلوب والعقول كافيان وحدهما للجم ألسنة الأفاكين الآثمين عند كل منصف مهما كانت نحلته. ويقف بعض مفسري الشيعة عند الآية [47] فيقولون إنها عنت أبا بكر وعمر حين قالا يوم الغدير الذي أعلن فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم وصاية علي وإمامته من بعده: «انظروا إلى عينيه تدوران كأنهما عينا مجنون» «2» . وفي هذا ما هو ظاهر من زور واجتراء على الله ورسوله وأصحابه لا يكونان من عاقل مؤمن والعياذ بالله.

_ (1) تتضمن الآية معنى عظيما، فقد كان الكفار وبخاصة زعماءهم يتضامنون في موقف العداء ويشجع بعضهم بعضا ويستحي بعضهم من بعض، بل ويخاف بعضهم من بعض لأسباب تتعلق بمراكزهم ومصالحهم وما ثار فيهم من حسد واستكبار لاختصاص محمد صلّى الله عليه وسلّم دونهم بالوحي والقرآن على ما حكته آيات عديدة. منها آيات سورة فاطر هذه: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً (42) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [42، 43] ، ومنها آية سورة ص هذه: أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا [8] فدعتهم آية سبأ/ 46 المذكورة إلى التفكر الهادئ على انفراد في أمر النبي ورسالته وحينئذ يتيقنون من الحق والحقيقة فيها ويتجلى لهم باطل ما ينسبون إليه من جنون. (2) انظر كتاب «الصراع بين الإسلام والوثنية» للقصيمي، ج 1 ص 435 نقلا عن كتاب الوافي وعزوا إلى أحد الأئمة الإثني عشر الصادق الذي نحب أن ننزهه عن هذا القول الأثيم.

تعليق على جملة وما هو إلا ذكر للعالمين

تعليق على جملة وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ وجملة وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ التي اختتمت بها السورة عظيمة المدى في إطلاقها حيث ينطوي فيها إعلان كون الرسالة المحمدية دعوة شاملة لجميع الأجناس والألوان والأديان والبلدان في جميع الأزمان. وتبكير ورودها يعني أن ذلك كان هدفا محكما من أهداف هذه الرسالة منذ بدئها خلافا لما يحلو لبعض المستشرقين أن يزعموه من أن هذه الرسالة للعرب فقط أو بأن عمومها قد كان تطورا متأخرا. ولقد تكرر هذا المعنى في آيات كثيرة مكية ومدنية متنوعة الأساليب قوية المدى. منها آيات سورة ص هذه: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ «1» (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88) ، وآية سورة الأنعام هذه: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (90) ، وفي سورة الأنبياء آية تضمنت المعنى مع زيادة تقرير كون رسالة النبي صلّى الله عليه وسلّم هي رحمة للعالمين وهي: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (107) ، وفي سورة الأعراف آية تأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بإعلان كون رسالته للناس جميعا وهي: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) . وهذا بالإضافة إلى آيات عديدة وجهت فيها الدعوة إلى أهل الكتاب مثل آيات سورة المائدة هذه: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (15) ، وهذه: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) . وهناك آيات ذات مدى عظيم حيث تضمنت تقريرا ربانيا بأن الله

_ (1) في سورتي يوسف والتكوير فصل مماثل أيضا.

قد أرسل رسوله بالهدى ودين الحق وبأنه سيظهره على الدين كله على ما جاء في آية سورة الفتح هذه: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (28) ، وآية سورة الصف هذه: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) «1» حيث ينطوي في هذا تأييد لعموم رسالة النبي صلّى الله عليه وسلّم ووعد رباني بأنها ستعم البشرية وتظهر على سائر الأديان لأنها رسالة الحق والهدى. ولن يخلف الله وعده. هذا، ويلحظ أن فصول السورة قد نزلت بمناسبة مواقف الكفار وأقوالهم واحتوت ردا عليهم وإنذارا وتثبيتا وتأييدا للنبي صلّى الله عليه وسلّم والمسلمين. فهي من قسم الوسائل ويصح أن تكون نموذجا كاملا من نماذجه المبكرة في النزول. ومع ذلك فقد تخللها مبادئ اجتماعية وإيمانية محكمة أيضا، مما فيه صورة من صور التنزيل القرآني التي تكررت في كثير من فصول القرآن وسوره.

_ (1) في سورة التوبة آية مماثلة.

سورة المزمل

سورة المزّمّل في السورة نداء للنبي صلّى الله عليه وسلّم للقيام بالليل وتلاوة القرآن والاستعداد لما يوحى إليه، وتثبيت له إزاء مواقف الزعماء والأغنياء المكذبين، وحمله عليهم. وإشارة إلى موقف فرعون من رسالة موسى عليه السلام ونكال الله به على سبيل الإنذار والتذكير، وتخفيف من شدة قيام الليل وتهجده. والآية الأخيرة التي فيها هذا التخفيف مدنية وقد ألحقت بالسورة لمناسبة ما جاء في أولها. وترتيبها كثالث سورة نزولا بسبب رواية نزول آياتها التسع الأولى لحدتها كثالث مجموعة نزولا، غير أن هذه الرواية وترتيب السور بسببها موضع نظر على ما يرد شرحه بعد. ولقد تكرر بدء مطالع السور بنداء النبي صلّى الله عليه وسلّم مما يصح أن يقال إنه أسلوب من أساليب النظم القرآني في مطالع السور وشخصياتها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة المزمل (73) : الآيات 1 الى 9] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5) إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (6) إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (9) . (1) المزمّل: المتزمل. والتزمل هو الالتفاف بالثوب.

(2) الترتيل: هنا بمعنى التجويد والتمهل في القراءة. وجاءت الكلمة في سورة الفرقان بمعنى تنزيل القرآن مفرقا قسما بعد قسم. (3) ناشئة الليل: النهوض من النوم في الليل. (4) أشد وطئا: قيل إن معناها أشد وقعا، وقيل أكثر موافقة وملاءمة وأدعى إلى التنبيه والإخلاص. (5) أقوم قيلا: القيل هو القول، ومعنى الجملة هو أسد وأقوم للمقال والتلاوة. (6) سبحا طويلا: مجالا طويلا للعمل والمشاغل. (7) التبتل: الخشوع. في هذه الآيات أمر للنبي صلّى الله عليه وسلّم بتخصيص قسم كبير من الليل للتهجد والخشوع والعبادة وتلاوة القرآن، لأنه يتمكن فيه من تفريغ القلب وتصفية النفس والذهن والسداد في القول أكثر من النهار، بسبب ما في النهار من شواغل كثيرة. وأمر له كذلك بالاستعداد لما سوف يلقى عليه من المهام العظمى والأعباء الثقيلة. وباتخاذ الله وحده وكيلا ومعتمدا له وهو الذي لا إله إلّا هو ربّ المشرق والمغرب. وقد جاء في بعض الروايات «1» أن هذه الآيات أول ما نزل من القرآن، كما جاء في بعضها «2» أنها نزلت حينما رجع النبي صلّى الله عليه وسلّم من غار حراء بعد نزول الوحي عليه لأول مرة وقلبه يرجف فقال لأهله: «زملوني» . ومضمون الآيات يجعل الرواية الثانية أقوى وهو ما عليه جمهور المفسرين. وهذه الروايات تعني والحالة هذه أن هذه الآيات نزلت وحدها. لأن الآيات التالية لها احتوت مشاهد ومواقف لا يمكن أن تقع إلّا بعد أن يكون قد نزل جملة من القرآن وسار النبي صلى الله عليه وسلّم في الدعوة شوطا غير يسير. وفي هذه الحالة يكون ترتيب السورة كثالثة السور نزولا بسبب ذلك.

_ (1) انظر تفسير الآلوسي لهذه السورة. (2) المصدر أيضا.

على أن ما بين هذه الآيات والآيات التالية لها من انسجام وتوازن قافية وعطف ما بعدها عليها وما فيها من حكاية لموقف المكذبين وتثبيت للنبي صلّى الله عليه وسلم يمكن أن يدل على أنها ليست منفصلة عما بعدها وأنها جاءت كمطلع تمهيدي له فيه تثبيت وإعداد. وإذا صح هذا فإن أولية الآيات وبالتالي فإن ترتيب السورة لا يكون صحيحا. والآيات على كل حال مما نزل مبكرا جدا، ويصح أن يقال والحالة هذه إن ما احتوته من أوامر بشأن قيام الليل وترتيل القرآن والتبتل إلى الله فيه كان خاصا بالنبي صلّى الله عليه وسلّم بالدرجة الأولى بحسب إعداده للمهمة العظمى التي اصطفاه الله لها. ولعل الضمير المفرد المخاطب يقوم قرينة على ذلك. ولا بد من أن يكون النبي صلّى الله عليه وسلّم قد قام بما أمر به أحسن قيام وهو ما تواترت فيه الآثار «1» . والناقد البصير يقرأ والحالة هذه في هذه الآيات صفحة من حياة الرسول صلّى الله عليه وسلم الروحية وسيرته التعبدية واستغراقه في الله في الخلوات وهدأة الليل في معظمه، ويلمس ما كان لهذا من أثر في صفاء نفسه وقوة روحه. ولا سيما إذا تذكر ما كان من مثل هذه الخلوات والاعتكافات الروحية قبل بعثته صلّى الله عليه وسلّم على ما جاء في حديث البخاري عن عائشة رضي الله عنها الذي أوردناه في تفسير العلق، حيث جاء فيه فيما جاء: «ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد» ، وكان لذلك من دون ريب أثر في استعداده لتلقي وحي ربه. وكان من أسباب اصطفاء الله له لتلك المهمة. وقد روي «2» أن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الأولين السابقين ما لبثوا أن اقتدوا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم في ذلك حتى صارت تنتفخ أقدامهم من قيام الليل والوقوف في الصلاة، وكان ذلك مما يزيدهم قوة وإيمانا وصفاء نفس وصلابة أمام المناوئين. ولقد روي هذا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم نفسه في حديث رواه البخاري والترمذي

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري وابن كثير. (2) المصدر نفسه.

والنسائي عن المغيرة قال: «إن كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يقوم ليصلي حتى ترم قدماه أو ساقاه فيقال له فيقول أفلا أكون عبدا شكورا» وفي رواية الترمذي: «حتى انتفخت قدماه فقيل له تتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: أفلا أكون عبدا شكورا» . وفي سورة الذاريات المكية آيات تصدق ما كان عليه المؤمنون الأولون من ذلك وهي: إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) . ولقد أكد على ذلك في آية مكية أخرى في سورة الإسراء جاء فيها: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (79) . ولقد استمر النبي صلّى الله عليه وسلّم على هذا في العهد المدني أيضا على ما تفنده الآية الأخيرة من السورة التي هي آية مدنية بإجماع الروايات وبما يدل عليه نصها حيث شاءت حكمة الله التخفيف عن المسلمين فيها على ما سوف نشرحه بعد مما هو أثر من آثار الأمر القرآني الوارد في الآيات. ولقد رويت أحاديث نبوية عديدة في فضل قيام الليل والصلاة والقراءة فيه أوردنا طائفة منها في سياق تفسير سورة العلق. وهي على ما هو المتبادر تعكس ما كان من الأثر القرآني للنبي صلّى الله عليه وسلّم في نفسه ثم ما كان من قصده في حث المسلمين على قيام الليل في مختلف الأزمنة والأمكنة لما في ذلك من تربية روحية وخلقية جليلة. والآية المدنية التي ألحقت بآخر هذه السورة لا تنسخ قيام الليل وإنما تخفف وبخاصة على أصحاب الأعذار على ما هو المتبادر منها والله تعالى أعلم. والآية الأخيرة تنطوي على دعم للنبي صلّى الله عليه وسلّم وتقوية إعداده واستعداده. فالله هو رب كل الكون مشرقه ومغربه، وليس من إله غيره، وعلى النبي أن يجعل اعتماده عليه وحده. فهو الكفيل بإنجاحه في مهمته، وفي كل هذا تثبت وتطمين وبث قوة وروح. وإلى هذا فإن فيها لأول مرة إعلانا لوحدة الله وشمول ربوبيته، ودعوة إلى

تعليق على كلمة القرآن

جعله وحده وكيلا ومعتمدا في محيط اتخذ أهله مع الله شركاء وأندادا، وجعلوا لهم من دونه أولياء وشفعاء ونصراء، واستكبر زعماؤه حتى كاد الناس يتخذون منهم أربابا من دون الله. وهكذا تسجل هذه الآية أول جملة قرآنية على الشرك وعبادة غير الله والدعاء لغير الله والاتجاه لغير الله، وأول دعوة قرآنية إلى جعل الله وحده المتجه والوكيل والمعتمد، وتخليص النفس من أي سيطرة وخضوع لغيره، وهذا هو أساس الإسلام وجوهر دعوته. تعليق على كلمة القرآن وكلمة «القرآن» ترد هنا لأول مرة، وهي مصدر القراءة. وتعني المقروء أيضا، ومع أنها صارت علما على جميع محتويات المصحف منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين فإنها كانت تطلق على ما نزل من القرآن قبل أن يتم تمامه أيضا على ما تدل عليه آية سورة النمل هذه: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) ، وآية سورة الأنعام هذه: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [19] . ومثل آية سورة طه هذه: طه (1) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (2) وآية سورة البقرة هذه: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ [185] . وإلى هذا فإنها كانت تعني القسم الذي يحتوي مبادئ الدعوة ومؤيداتها دون حكاية مواقف تكذيب الكفار وحجاجهم والرد عليهم على ما تدل عليه آية سورة الإسراء هذه: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً (82) ، ومثل آيات سورة يونس هذه: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (16) ، ومثل آية سورة الفرقان هذه: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ

تعليق على مدى تعبير ورتل القرآن ترتيلا

عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (32) ، ومثل آية سورة فصلت هذه: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) ، ومثل آية سورة الحشر هذه: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) ، وآية سورة إبراهيم هذه: الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) . وواضح من آيات يونس/ 15- 16، والفرقان/ 32 وفصلت/ 26 وأمثالها الكثيرة التي حكت أقوال الكفار عن القرآن أنهم كانوا يعنون بالقرآن ما فيه دعوة إلى الله وحده وحملة على شركهم وتسفيه لعقولهم ومخالفة لتقاليدهم وعقائدهم، وما فيه من المبادئ الإيمانية والاجتماعية والإنسانية والاقتصادية والأخلاقية التي رأوا فيها بدعة ورأوها تهدد مراكزهم ومصالحهم. وعلى أي حال لا يدخل فيما كانوا يعنونه من الكلمة حكاية أقوالهم والرد عليها، وهذا شغل جزءا كبيرا من القرآن المكي. كذلك فإن ذلك هو الذي عنته على ما هو المتبادر آيات الأنعام/ 19 والبقرة/ 185 والإسراء/ 82 والحشر/ 21 وإبراهيم/ 1 وأمثالها الكثيرة جدا. تعليق على مدى تعبير وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا وما روي في صدد أدب تلاوة القرآن لقد رويت أحاديث وقيلت أقوال عديدة في صدد أدب تلاوة القرآن في سياق تفسير جملة وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا من ذلك حديث رواه البخاري وأبو داود جاء فيه: «أن أنس سئل كيف كانت قراءة رسول الله صلّى الله عليه وسلم؟ فقال: إنها كانت مدا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمدّ ببسم الله ويمدّ بالرحمن ويمدّ بالرحيم» «1» . وحديث

_ (1) التاج، ج 4 ص 8- 9.

رواه الترمذي عن أم سلمة قالت: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقطّع قراءته يقول الحمد لله ربّ العالمين ثم يقف، الرحمن الرحيم ثم يقف، وكان يقرأ ملك يوم الدين» «1» . وحديث رواه البخاري والترمذي عن أبي موسى: «أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال له لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود» «2» . وحديث رواه البخاري وأبو داود عن عبد الله بن مغفّل قال: «قرأ النبي صلّى الله عليه وسلّم عام الفتح في مسير له على راحلته سورة الفتح فرجّع في قراءته. قال معاوية لولا خوفي من اجتماع الناس عليّ لحكيت لكم قراءته» . وحديث رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ما أذن الله لشيء ما أذن لنبيّ حسن الصوت يتغنّى بالقرآن يجهر به» «3» . وحديث رواه البخاري وأبو داود عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «زيّنوا القرآن بأصواتكم. ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن» «4» وقد علق مؤلف التاج على الحديث الأخير بقوله شارحا إن تحسين الصوت بالقرآن يزيد في بهائه وجلاله ويصل بمواعظه إلى أعماق القلوب مع مراعاة علم التجويد فإن زاد القارئ في المد والغن أو تركهما كان مكروها في قول وحراما في قول وأثم القارئ ووجب على السامع الإنكار. ولقد روى الطبري في سياق شرح العبارة عن مجاهد أن معناها (ترسل فيه ترسلا) وعن قتادة (بينه بيانا) وقال النسفي: إن معناها وجوب القراءة بتأنّ وتثبت وإشباع الحركات. وروى البغوي عن ابن عباس أنها بمعنى: «اقرأه على هينتك ثلاث آيات أو أربعا أو خمسا» . وروي عن ابن مسعود أنه قال في شرحها: «لا تنثروه نثر الدقل- الرمل- ولا تهذوه هذّ الشعر. قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكن هم أحدكم آخر السورة» . ويعني بالجملة الأخيرة عدم السرد السريع.

_ (1) المصدر السابق، ص 8- 9. (2) المصدر نفسه. [.....] (3) المصدر نفسه. (4) المصدر نفسه.

[سورة المزمل (73) : الآيات 10 إلى 14]

وعلى ذلك يمكن أن يقال إن من أدب تلاوة القرآن وترتيله تلاوته بتأنّ وتثبت وتبيين وأداء وعظي وخاشع نافذ إلى العقول والقلوب وحسن إخراج الحروف ومراعاة علم التجويد. وإنه لا بأس في ترجيعه بصوت حسن إذا لم يزد عن الحد الذي يخرجه إلى ما لا يستحب ولا ينسجم مع قدسيته من أساليب الغناء. [سورة المزمل (73) : الآيات 10 الى 14] وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً (10) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (11) إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً (12) وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً (13) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً (14) . (1) اهجرهم: اعتزلهم أو تجنبهم. (2) أولي النعمة: المتنعمين، وتعني الأغنياء والزعماء والمترفين. (3) الأنكال: الأغلال والقيود. (4) الجحيم: النار الشديدة. (5) ذا غصة: الذي يسبب الغصة. (6) الكثيب: تل الرمل. (7) المهيل: الرخو المتداعي للتبعثر والانسياح. وفي هذه الآيات: 1- تثبيت للنبي صلّى الله عليه وسلّم إزاء تكذيب الأغنياء المترفين الذين لا يخجلون من ذلك وهم يتمتعون بنعم الله، وأمره بتركهم لهم فهو قادر عليهم. 2- وأمر آخر له بهجرهم هجرا لينا. 3- ووعيد لهم بما سوف يلقونه يوم القيامة من أغلال وعذاب وجحيم وطعام يغصون به لمرارته وسوئه. 4- ووصف لهول هذا اليوم حيث ترجف الأرض والجبال وتصبح الجبال فيه ككثبان الرمل المهيلة.

تعليق على مدى الأمر بهجر الزعماء والأغنياء وسرية الدعوة

ولم نطلع على رواية تذكر أسباب نزول الآيات. ومطلعها يفيد أن الزعماء والمترفين كانوا يتقولون على النبي صلّى الله عليه وسلّم الأقاويل فاحتوت ما احتوته من تثبيت النبي صلّى الله عليه وسلّم وإنذار ووعيد قاصمين لهم. وحرف العطف الذي بدأت به الآيات بعد أن طلبت الآية الأخيرة السابقة لها من النبي صلّى الله عليه وسلّم اتخاذ الله وكيلا قد يكون قرينة على اتصال الكلام بين هذه الآيات وسابقاتها، وتوازن القافية قد يكون قرينة على ذلك أيضا. وذكر الأغنياء والزعماء والمترفين كأصحاب القول تكرار لما احتوته آيات سورتي العلق والقلم، وتوكيد لما قلناه قبل من أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد قوبل بموقف الصدّ والتكذيب من هذه الطبقة منذ خطواته الأولى لأن رجالها رأوا في دعوته وحركته خطرا على مراكزهم ومصالحهم وأدى ذلك إلى نشوب المعركة بينهم وبينه منذ عهد مبكر، ثم استمرت إلى أن أظفره الله بهم في بدر وما بعدها. وليس في الآيات ما يشير إلى موقف شخص بعينه كما هو الحال في آيات السورتين السابقتين. وبمعنى آخر إن الحملة قد جاءت عامة على المكذبين من الأغنياء والمترفين بسبب موقف الصد والتكذيب الذي أخذوا يقفونه. وهذا لا يمنع أن يكون قد وقع منهم شيء جديد من ذلك فاقتضت حكمة التنزيل إنزال هذه الآيات. تعليق على مدى الأمر بهجر الزعماء والأغنياء وسرّية الدعوة والأمر بهجر المكذبين لا يمكن أن يكون بتركهم وشأنهم بالمرة، لأن هذا لا يتسق مع طبيعة رسالة الرسول صلّى الله عليه وسلّم التي تقضي بالاستمرار في الدعوة. ويبدو لنا أن فيه تفريجا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم إزاء شدة الموقف الذي واجهه منذ البدء، وتلقينا بأن لا يهتم له، وتوجيها له إلى الفريق الصالح الطيب الذي استجاب أو الذي يمكن أن يستجيب إلى الدعوة، مع عدم قطع الحبل مع الزعماء والأغنياء بالمرة، وعدم الغلظة والشدة في الهجر، وهذا مستلهم من الآية الأولى أيضا. كما أنه قد تكرر

في القرآن المكي كلما حزب النبي صلّى الله عليه وسلّم موقف الكفار المعاندين وأحزنه مثل ما جاء في آية سورة فاطر هذه: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (8) ، ومثل ما جاء في آية سورة النحل هذه: وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) ، ومثل ما جاء في سورة يونس: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) ، وقُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (109) ، ومثل ما جاء في آية ق: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (45) . ولقد ذكرت الروايات «1» أن النبي صلّى الله عليه وسلّم اتخذ له مركزا سرّيا عرف بدار الأرقم يجتمع فيه مع المؤمنين، فيقيمون فيه صلواتهم معه، ويتلقون تعاليم دينهم عنه، كما أثر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يدعو الله بأن يعزّ دينه ببعض الأقوياء «2» وأن هذه الحالة دامت نحو ثلاث سنين «3» ، إلى أن أسلم عمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهما وغيرهما من الأقوياء المعروفين. فإذا صحت هذه

_ (1) السيرة الحلبية ج 1 ص 283. (2) انظر المقاصد الحسنة للسخاوي ص 87 وما بعدها. (3) السيرة الحلبية نفس الجزء والصفحة. وننبه على أن ابن هشام لم يذكر مدة السنين الثلاث وإنما ذكر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم بعد أن أسلم جماعة فيهم ضعفاء صار يجتمع ويصلي بهم مستخفيا في دار الأرقم في الصفا وفي شعاب مكة إلى أن صار عدد المسلمين أربعين وأسلم حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب فخرجوا (انظر ج 1 ص 253- 264) واحتمال أن تكون مدة اجتماع النبي صلّى الله عليه وسلّم بالمؤمنين الأولين في دار الأرقم وصلاته بهم مستخفيا امتدت ثلاث سنين وارد لأن عمر وحمزة رضي الله عنهما لم يسلما إلّا في السنة الثالثة أو الرابعة. غير أن سياق ابن هشام يدعم ما قلناه من أن الاستخفاء إنما كان رفقا بالمسلمين الأولين ولم يكن انقطاعا عن الدعوة.

تعليق على رواية نسخ حكم الآية: واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا

الروايات فإن من الممكن أن يقال إن هذا كان بتلقين الآية الأولى، ولا سيما أنها من الآيات المبكرة المتسقة مع ما ورد من الروايات، ومن الممكن أن تلهم بسبب ذلك معنى عمليا أكثر مما تلهمه مثيلاتها التي نزلت فيما بعد. ومع كل هذا فإننا نعتقد أن هذا قد كان لحماية أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الأولين الذين كان فيهم الضعفاء والفقراء والذين كانوا يتعرضون للعدوان والبغي والأذى وأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يتوقف عن دعوته. وكل ما يحتمل أنه صار يتجنب الأعداء الألداء لدعوته وحركته من الزعماء أو يتحاشى مخاشنتهم وهذا ما تلهمه جملة وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا أيضا. ولقد استمرت الآيات متواصلة في الأمر بالدعوة والإنذار. وفي حكاية ما كان يقع بين النبي صلّى الله عليه وسلّم وزعماء الكفار من محاورات ومشادات مما فيه تأييد لذلك على ما سوف يأتي بعد. تعليق على رواية نسخ حكم الآية: وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا ولقد روى الطبري وتابعه المفسرون عن قتادة وغيره من علماء التابعين أن هذه الآية نسخت بآية القتال أو آية السيف في سورة التوبة التي تأمر بقتال المشركين بدون هوادة إلى أن يسلموا وهي: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) . ويورد المفسرون هذا القول في مناسبة كل آية مكية فيها أمر للنبي صلّى الله عليه وسلّم بالصبر والصفح والإعراض عن المشركين والكافرين أو التحريض والترقب وانتظار أمر الله أو فيها تنبيه إلى أنه ليس عليهم مسيطرا ولا جبارا وإنما هو منذر ومذكر. والأمر يتحمل شيئا من البيان، فمن جهة أولى إن هذه الآيات في ظرف نزولها ومقامها استهدفت تسلية النبي وتثبيته وتهوين موقف الصد والمناوأة الذي

تعليق على تبدل نواميس الكون عند قيام الساعة

يقفه الكفار والمشركون منه في الدرجة الأولى والمباشرة وتظل تعبر عن هذا الهدف. ومن جهة ثانية إن القول وجيه بالنسبة لكل كافر ومشرك كان وظل في موقف العدوان على الإسلام والمسلمين الذي كان يتمثل في العهد المكي بالطعن بالإسلام وتكذيب النبي صلّى الله عليه وسلّم وقذفه ومناوأته وصد الناس عن دعوته وتأليبهم عليه وأذيته وأذية الذين اتبعوه وفتنتهم عن الإسلام بالإكراه والإغراء وهو موقف زعماء المشركين أو معظمهم في العهد المكي. أما الذين لم يكن منهم مثل هذا الموقف العدواني والذين يقفون من الإسلام والمسلمين موقف الموادة والمسالمة والحياد فلا يصح ذلك القول بالنسبة إليهم على ما سوف نشرحه في مناسبات آتية أكثر ملاءمة والله أعلم. تعليق على تبدل نواميس الكون عند قيام الساعة وبمناسبة ما ورد في الآية الأخيرة من رجفان الأرض والجبال يوم القيامة وصيرورتها كثيبا مهيلا نقول: إن الإشارة إلى تبدل مشاهد الكون ونواميسه يوم القيامة قد تكررت في القرآن كثيرا. وأكثر هذا التبدل في المشاهد التي تملأ عظمتها وروعتها نفوس الناس، على مختلف طبقاتهم، هيبة ورهبة، كالأرض والجبال والسماء والشمس والقمر والنجوم والبحار كما في مطالع سور التكوير والانفطار والانشقاق. وقد تنوعت أساليب وصف هذا التبدل وعباراته. فالأرض والجبال هنا ترجف، والجبال تصبح كثيبا ومهيلا. والأرض والجبال في سورة الحاقة تحمل وتدك دكة واحدة، والجبال في سورة طه تنسف ويصبح مكانها مستويا، وفي سورة النمل تسير سير السحاب وفي سورة النبأ تكون سرابا وفي سورة القارعة تكون كالعهن المنفوش. ومثل هذا التنوع وارد بالنسبة للبحار والنجوم والسماء والشمس والقمر أيضا. والمتبادر أنه بالإضافة إلى ما في هذه الإشارات القرآنية من حقائق إيمانية غيبية عن تبدل نواميس الكون ومشاهده عند انتهاء الحياة الدنيا وبدء الحياة

تعليق على النار الأخروية

الأخرى، ثم إلى كونها في نطاق قدرة الله الذي خلقها وسوّاها أول مرة، فإنها قد جاءت بسبيل وصف يوم القيامة وإثارة الرعب في قلوب السامعين الذين تدهش نفوسهم من عظمة هذه المشاهد والنواميس وروعتها، وعلى وجه التقريب والتمثيل لإنذار المكابرين المعاندين وحملهم على الارعواء والشعور بسوء العاقبة إن هم ظلوا في موقفهم الجحودي العنيد. ولعل تنوع الصيغ الواردة مما يقوم قرينة على ذلك، بالإضافة إلى ما في آيات الوصف وسياقها من القرائن والدلالات التي يلمسها من أنعم النظر فيها. والقرينة قائمة في الآيات التي نحن في صددها والتي ترد لأول مرة، حيث احتوت إنذارا وإعلانا بما لدى الله من الأنكال والجحيم في ذلك اليوم الذي ترجف فيه الأرض والجبال وتكون الجبال كثيبا مهيلا. ولقد توسع كثير من المفسرين المطولين في وصف مشاهد التبدل وحاول بعضهم أن يوفقوا بين ما ظنوه موهما للتناقض بسبب تنوع الوصف. وليس من طائل وراء ذلك كله. وفيه تكلف لا ضرورة له فيما هو المتبادر عدا أنه لا يستند إلى روايات وثيقة متصلة بالنبي صلّى الله عليه وسلم. فالحياة الأخروية حقيقة إيمانية مغيبة في جميع مشاهدها. والزيادة على ما جاء في القرآن أو تفسيره وتفصيله لا يمكن أن يكون صحيحا إذا لم يكن متصلا بالنبي صلّى الله عليه وسلّم لأن ذلك من الأمور التي لا يجوز الكلام فيها بالتخمين. ويجب- والحال هذه- أن يوقف منها عند ما وقف القرآن أو الآثار النبوية الثابتة دون تزيد وتوسع وتخمين وتكلف مع ملاحظة استهدافها التدعيم والانذار والترغيب والترهيب الذي تكرر في القرآن كثيرا تلميحا حينا وتصريحا حينا آخر، والذي يلمح في الآيات التي نحن في صددها. تعليق على النار الأخروية وبمناسبة ورود ذكر الجحيم التي توعد الله بها الكفار لأول مرة نقول: إن الجحيم أو النار أو جهنم أو السعير- وكلها مترادفة- قد جعلت في القرآن عنوانا الجزء الأول من التفسير الحديث 27

لما سينال الكافرين الآثمين من حياة العذاب والآلام في الاخرة. لأن الناس في الدنيا وبخاصة الذين وجه إليهم الخطاب لأول مرة قد اعتادوا أن يجدوا في شدة الحرارة والنار أشد الآلام الجسمانية فاقتضت حكمة الله أن يوعد الكافرون الآثمون بأشد ما اعتاده الناس من أسباب العذاب والألم. وفي بعض الآيات في سور أخرى ذكرت وسائل ومشاهد عذاب أخرى غير النار. وقد وصفت هي الأخرى بأوصاف وتشبيهات متساوقة مع المألوفات الدنيوية ومن ذلك ما جاء في الآية التي ورد فيها ذكر الجحيم. أي الطعام ذي الغصة والأنكال أي القيود والأغلال. ومن ذلك آيات سورة الغاشية هذه تَصْلى ناراً حامِيَةً (4) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7) وآيات سورة النبأ هذه: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (24) إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً (25) وآيات سورة الدخان هذه: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43) طَعامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (48) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) . ويلحظ أن هذه الوسائل والمشاهد من أشد ما يؤلم الناس في الحياة الدنيا أيضا. ومع واجب الإيمان بما جاء في القرآن من المشاهد الأخروية وكونها في نطاق قدرة الله تعالى فإنه يجب الإيمان بأنه لا بد لذكر ذلك بالأسلوب الذي ذكر به من حكمة. ولعل قصد التقريب للأذهان والتأثير في النفوس وإثارة الفزع والخوف، والحمل على الارعواء من تلك الحكمة، والنفوس تتأثر بما تعرف وتمارس من آلام وعذاب. والآيات القرآنية في النار ووسائل العذاب الأخروية كثيرة جدا كالجنة ووسائل النعيم الأخرى. وهي كذلك من خصوصيات القرآن تبعا لخصوصيته في وصف الحياة الأخروية بوجه عام. وننبه كذلك إلى أن القرآن لم يقصر ما سوف ينال الكافر الآثم من آلام الحياة الأخروية وعذابها على النار والوسائل المادية

الأخرى، بل ذكر كذلك ما سوف يناله من سخط الله وغضبه وبعد عن رضائه ومن ذلّ وهوان، بأساليب متنوعة وفي مواضع عديدة، مما هو متسق مع طبائع الأمور من حيث إن الله يعلم أن هناك من يرى في هذه آلاما شديدة وأن هناك من يرى في تلك الآلام الشديدة. وكما أثرت أحاديث نبوية عديدة في الجنة وأوصاف النعيم الأخروي أثرت أحاديث نبوية عديدة في النار والعذاب الأخروي. منها ما ورد في كتب الأحاديث الصحيحة ومنها ما رواه أئمة الحديث الآخرون. وقد رأينا أن نورد بعضها هنا، ونرجىء بعضها إلى مناسبات أكثر ملاءمة كما فعلنا في أحاديث الجنة والنعيم الأخروي. فمن ذلك حديث رواه الشيخان والترمذي عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من حرّ جهنم. قالوا والله إن كانت لكافية يا رسول الله قال فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرها» . وحديث رواه الترمذي عن أبي هريرة قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلم: تخرج عنق من النار يوم القيامة لها عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول إني وكلت بثلاثة بكل جبار عنيد وبكل من دعا مع الله إلها آخر وبالمصورين» . وحديث رواه الترمذي عن أبي هريرة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة» . وحديث رواه الترمذي عن أبي سعيد قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلم: لسرادق النار أربعة جدر كثف كل جدار مثل مسيرة أربعين سنة» . وحديث رواه الترمذي عن أبي سعيد أيضا قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: الصعود جبل من نار يتصعد فيه الكافر سبعين خريفا ثم يهوي كذلك فيه أبدا» . وحديث رواه الترمذي عن عتبة بن غزوان قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم إن الصخرة العظيمة لتلقى من شفير جهنم فتهوي فيها سبعين عاما وما تفضي إلى قرار معا» قال عتبة وكان عمر يقول: «أكثروا ذكر النار فإن حرها شديد وإن قعرها بعيد وإن مقامعها حديد» . وحديث رواه الترمذي عن أبي هريرة، قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلم: إن الحميم

ليصب على رؤوسهم فينفذ حتى يخلص إلى جوفه فيسلق ما في جوفه حتى يحرق من قدميه وهو الصهر ثم يعاد كما كان» . وحديث رواه الترمذي عن ابن عباس قال: «قرأ رسول الله صلّى الله عليه وسلم اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102] ، ثم قال لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم فكيف بمن يكون طعامه» وحديث رواه الترمذي عن أبي الدرداء قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: يلقى على أهل النار الجوع فيعدل ما هم فيه من العذاب فيستغيثون فيغاثون بطعام من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام ذي غصة فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم فإذا وصلت بطونهم قطعت ما في بطونهم فيقولون ادعوا خزنة جهنم فيقولون ألم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى، قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلّا في ضلال. قال: فيقولون: ادعوا مالكا فيقولون له يا مالك ليقض علينا ربك فيجيبهم إنكم ماكثون. قال فيقولون ادعوا ربكم فلا أحد خير من ربكم فيقولون ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين. ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون. قال فيجيبهم اخسئوا فيها ولا تكلمون. قال فعند ذلك يئسوا من كل خير وعند ذلك يأخذون في الزفرة والحسرة والويل» . وحديث رواه الشيخان والترمذي عن النعمان بن بشير قال: «سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لرجل توضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه» . وواضح من هذه الأمثلة كذلك أن الأحاديث النبوية في النار والعذاب الأخروي متساوقة هي الأخرى مع الآيات القرآنية في وصف النار ووسائل العذاب الأخروية بأشد ما يكون إيلاما للنفوس والأجسام. والإيمان بالمشاهد الأخروية التي يثبت خبرها عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكونها في نطاق قدرة الله تعالى واجب كالإيمان بما جاء في ذلك في القرآن مع الإيمان بأن ذكر ذلك لا بد من أن يكون له حكمة وهدف. وإثارة الفزع والخوف والارعواء عن الكفر والغي

[سورة المزمل (73) : الآيات 15 إلى 19]

وسيء الأعمال من الملموح في الأحاديث من تلك الحكمة كما هو الشأن في الآيات القرآنية. [سورة المزمل (73) : الآيات 15 الى 19] إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (15) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً (16) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (17) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً (18) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (19) . (1) وبيلا: شديدا أو ثقيلا. (2) منفطر: متشقق ومتصدع. الخطاب في الآيات موجه إلى سامعي القرآن أو المكذبين منهم وينطوي على الإنذار والزجر حيث: 1- يقرر لهم أن الله قد أرسل إليهم رسولا شاهدا عليهم كما سبق وأرسل إلى فرعون رسولا. 2- ويذكرهم بمصير فرعون الذي عصى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخذه الله أخذا شديدا. 3- وينذرهم بيوم القيامة بأسلوب السؤال الإنكاري عن الوسيلة التي يتقون بها- إذا كفروا بالله وجحدوا رسالة رسوله- هول ذلك اليوم الذي يجعل الأطفال شيبا وتكون السماء فيه متصدعة. 4- ويؤكد لهم أن هذا الوعد الرباني آت لا ريب فيه، لأن وعد الله صادق. 5- ويقرر بأسلوب عام أن ما يسمعونه من إنذار ودعوة، هو تذكير وتنبيه وبلاغ. وأن الناس بعد ذلك موكولون إلى اختيارهم ومشيئتهم، فمن شاء اتعظ واتخذ إلى ربه سبيلا بالإيمان به وتصديق رسالة رسوله.

تعليق على قصة موسى وفرعون

والآيات غير منفصلة عن السياق السابق موضوعا ولا نظما. وقد جاءت بأسلوب انتقال والتفات، وهو ما جرى عليه النظم القرآني. والآية الأولى منها تحتوي أول تنزيل قرآني صريح في مهمة رسالة النبي صلّى الله عليه وسلم ونعته بنعت الرسول ثم توالى ذلك وتنوع حيث نعت بالنبي وبالنذير وبالبشير، وهي نعوت توضيحية لمهمة الرسالة. تعليق على قصة موسى وفرعون والإشارة إلى فرعون وموقفه من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إليه أولى إشارة قرآنية إلى أخبار ومواقف المكذبين الأولين عامة وفرعون خاصة. واقتضاب الإشارة من جهة وأسلوب الآيتين الأوليين من جهة أخرى يدلان أولا على تلك الأولية، وثانيا على أن قصة موسى وفرعون ليست غريبة عن سامعي القرآن. ولقد ذكرت قصة موسى وفرعون بتفصيل كثير في سفر الخروج. وهو من أسفار العهد القديم. وكانت هذه الأسفار متداولة بين أيدي اليهود والنصارى في بيئة النبي. صلّى الله عليه وسلم. ولا بد من أن العرب غير الكتابيين قد سمعوا القصة منهم. ويبدو هدف الإنذار والتذكير للكفار في مضمون الآيات وأسلوبها واضحا وهو الهدف الرئيسي من الإشارة والقصة في القرآن. وقد سبقت بآيات تنديدية وإنذارية وألحق بها مثل ذلك جريا على أسلوب النظم القرآني الذي نوهنا به سابقا وفيه توكيد لذلك الهدف أيضا. ولقد تكرر ورود قصة موسى وفرعون وأخبار بني إسرائيل وأنبيائهم أكثر من غيرهم من الأنبياء والأمم الأولين، كما أن هذه القصة والأخبار جاءت مسهبة أكثر من غيرها أيضا. ولقد كانت كتلة كبيرة من بني إسرائيل مستوطنة في بيئة النبي عليه السلام منذ بضعة قرون قبل البعثة، وشغلوا حيزا كبيرا في هذه البيئة اجتماعيا ودينيا وثقافيا

بيان مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم

واقتصاديا «1» وكان ذلك مما جعل أهل هذه البيئة يعرفون الشيء الكثير من قصة موسى وفرعون ومن أخبار بني إسرائيل وأنبيائهم، فاقتضت حكمة التنزيل أن يكثر الاستشهاد بذلك في معرض العظة والإنذار والتذكير والتأييد. بيان مهمة الرسول صلّى الله عليه وسلم وفي الآية الأخيرة شرح موجز وضمني لمهمة الرسول ومداها. فالرسول مذكر وداع إلى الله. والناس بعد ذلك موكولون إلى قابلية الاختيار وقوة التمييز اللتين أو دعهما الله فيهم فمن شاء اختار طريق الهدى واتخذ إلى ربه سبيلا فكان سعيدا ناجيا. وهكذا تكون الآية في نفس الوقت قد تضمنت تقرير قابلية الإنسان وقدرته على التمييز والاختيار. وهذا وذاك من المبادئ القرآنية المحكمة التي تكرر تقريرها بأساليب متنوعة على ما سنشير إليه في مناسباته. وهو المتسق مع حكمة الله في إرسال الرسل وتبشير المؤمنين وإنذار الكافرين كما هو واضح. ولقد رأينا المستشرق الطلياني كايتاني في كتابه «تاريخ الإسلام» يزعم أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يقدم نفسه كرسول من الله في أوائل دعوته، تهيبا وتحفظا، وأنه اكتفى بقوله إنه نذير لهم مع صراحة ذكر نعته بالرسول في هذه الآيات التي وردت في سورة من أبكر السور نزولا. هذا بالإضافة إلى أن القرآن استعمل كلمات نذير وبشير ونبي ورسول في مقامات متجانسة وفي آيات مبكرة ومتأخرة ومكية ومدنية ووصف النبي في آية مبكرة مكية بوصف الرسول النبي الأمي كما جاء في آية سورة الأعراف [157] كما وصف بهما في آيات عديدة أخرى ضمنا وصراحة ومقارنة على ما سوف يأتي التنبيه إليه بعد مما يدل على أن الاستعمال كان متسقا مع ما تقتضيه حكمة الخطاب والأسلوب. ولقد جمعت هذه الصفات جميعها للنبي صلّى الله عليه وسلم

_ (1) انظر الفصل الثالث من الباب الأول من كتابنا «عصر النبي صلّى الله عليه وسلّم وبيئته قبل البعثة» ص 95 وما بعدها.

تعليق على السماء وانفطارها يوم القيامة

في آية واحدة هي آية سورة المائدة هذه: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) وهذا من غرائب مفارقات المستشرقين ومثل على إرسالهم الكلام جزافا. تعليق على السماء وانفطارها يوم القيامة والسماء تذكر هنا لأول مرة، ولقد ذكرت في القرآن مرارا كثيرة جدا. مفردة حينا وجمعا مطلقا بصيغة (السموات) حينا وبصيغة (سبع سموات) و (السموات السبع) حينا، وأحيط ذكرها بحفاوة عظيمة وأقسم بها مرات عديدة. ومعنى السماء اللغوي هو العالي، وقد وصفت بالعلو في بعض الآيات كما جاء في آية سورة طه هذه: تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (4) ووصفت بالفوقية التي هي في نفس المعنى كما جاء في آية سورة الشورى هذه: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ. وليس في القرآن شيء صريح عن ماهية القرآن، ولم نطلع على حديث صحيح صريح في ذلك أيضا. وقد يقال إن ذكر انفطار السماء قد يفيد قرآنيا أنها جسم صلب قابل للتشقق، غير أن الأسلوب الذي جاء به ذلك هو أسلوب إنذار وترهيب ووصف لهول يوم القيامة مثل ما جاء قبل قليل عن مصير الجبال. ومثل ما جاء في الجملة نفسها من صيرورة الولدان شيبا في ذلك اليوم استهدافا لإثارة الرهبة في نفوس المكذبين وحملهم على الارعواء واتقاء غضب الله تعالى. وهو ما تستهدفه الآيات المماثلة بصورة عامة على ما نبهنا إليه قبل، وما دامت حكمة الله ورسوله لم تشأ ذكر ماهية السماء بصراحة وقطعية فالأولى من ناحية التفسير القرآني الوقوف من ذلك عند الحد الذي وقف عنده القرآن والذي فيه تحقيق للهدف الذي استهدفه منه.

تعليق على مدى كلمة الكفر في القرآن

تعليق على مدى كلمة الكفر في القرآن وبمناسبة ورود أحد اشتقاقات كلمة الكفر في القرآن لأول مرة في الآيات وهو (كفرتم) نقول: إن هذه الكلمة اشتقاقاتها قد وردت كثيرا في القرآن. وجاءت في معظم آياته التي وردت فيها بمعنى جحود رسالة النبي صلّى الله عليه وسلّم أو الأنبياء من قبله وإنكار الله وآياته ونعمه. ولا تدل على عقيدة دينية خاصة. وهي في أصلها وصف أسلوبي يصح أن يوجه إلى كل إنسان جاحد بشيء ما. غير أنها صارت في القرآن ومنذ عهد النبي وما بعده وصف تشنيع أيضا. وقد استعملت من أجل معناها المذكور في معرض الإشارة إلى إنكار المشركين والوثنيين والكتابيين وجحودهم جميعا على أنها استعملت في بعض الآيات في وصف الذين أنكروا وحدة الله مطلقا أو اعتقدوا بألوهية السيد المسيح لما جاء في آيات المائدة هذه: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (72) ، ولَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ [73] . [سورة المزمل (73) : آية 20] إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20) . (1) يقدّر: يحسب. (2) لن تحصوه: هنا بمعنى لن تصلوا إلى الغاية من عبادته أو لن تطيقوه.

تعليق على الآية: إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه إلخ

(3) فتاب عليكم: هنا بمعنى خفف عنكم وتسامح معكم. (4) الضرب في الأرض: كناية عن السعي في سبيل الرزق. تعليق على الآية: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ إلخ وما روي في سياقها من روايات وما انطوى فيها من صور وتلقين معنى الآية واضح، والجمهور على أنها مدنية «1» . والمصحف الذي اعتمدناه ذكرها كذلك. وطابع المدنية عليها واضح مثل ذكر القتال في سبيل الله الذي إنما كان بعد الهجرة ومثل تعبير إقراض الله الذي لم يرد إلّا في الآيات المدنية حثا على الإنفاق في سبيل الله. ويلحظ أن هناك مناسبة بين موضوع الآية وموضوع الآيات الأولى من السورة، فقيام الليل موضوع مشترك بينهما. وفي الآيات الأولى معنى الإلزام به وفي هذه الآية تخفيف. وفي هذا صورة من صور التأليف القرآني وخاصة في وضع الآيات المدنية في السور المكية. ونعتقد أن ذلك كان يتم بأمر النبي صلّى الله عليه وسلم وفي حياته. ومن البراهين القرآنية على ذلك الآية الأخيرة من سورة النساء. فقد نزلت بعد أن تم تأليف السورة وفيها تتمة لتشريع الإرث الذي احتوته آيات السورة الأولى فأمر النبي بإلحاقها بالسورة ولو في آخرها للتناسب الموضوعي. ولقد روى الطبري عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت أجعل لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم حصيرا يصلي عليه من الليل فتسامع به الناس فاجتمعوا فخرج كالمغضب وكان بهم رحيما، فخشي أن يكتب عليهم قيام الليل فقال يا أيها الناس أكلفوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل وخير الأعمال ما دمتم عليه. ورأى الله ما يبتغون من رضوانه فرحمهم وأنزل الآية» . ومهما يكن من أمر ففي الآية تنطوي صورة من صور حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه

_ (1) انظر كتب تفسير الطبري والنسفي والطبرسي والخازن وابن كثير والبغوي.

تعليق على الزكاة

الأولين التعبدية، فالنبي صلّى الله عليه وسلّم ظل ملازما لما أمره الله به من قيام الليل والتهجد فيه وتلاوة القرآن. وأصحابه الأولون حذوا حذوه في ذلك كما هو صريح في الآية وكما ذكرته آيات سورة الذاريات التي أوردناها قبل قليل. واستمر ذلك ردحا في العهد المدني على ما تدل عليه الآية. فلما نما عدد المسلمين وكثرت مشاغلهم وواجباتهم اقتضت الحكمة التخفيف تمشيا مع الظروف والمصلحة وطبائع الأمور. فنزلت الآية وألحقت بالسورة التي أمرت آياتها الأولى النبي صلّى الله عليه وسلّم بقيام قسم كبير من الليل وحفزت أصحابه الأولين على الاقتداء به. وواضح أنه ليس في الآية نسخ وإنما تخفيف وتعديل في أمر ليس أساسيا في العقيدة والتكليف. فالصلاة والزكاة فرضان أساسيان في التكليف فأمرت بالتزامهما. والتهجد الليلي الطويل هو أمر إضافي مستحب، فلم تر حكمة الله بأسا في تخفيفه وتعديله مراعاة لطاقة المسلمين وظروفهم. وفي هذا مشهد من مشاهد التطور في التكليف والتشريع والتنزيل. وفيه تلقين جليل يصح أن يقاس عليه. وفيه إيذان بأن الله لا يكلف في عبادته إلّا المستطاع الذي لا يكون فيه مشقة وضنى، ولا يسبب إهمالا وانصرافا وعجزا عن الواجبات المشروعة الأخرى شخصية كانت أم عمومية. فالله يعلم أن الناس مهما حرصوا واشتدوا في العبادة فلن يوفوا الله حقه ولن يبلغوا الغاية. وإن منهم المريض ومنهم الساعي في سبيل الرزق والمرابط والمقاتل في سبيل الله. وكل هذه واجبات وأعذار مشروعة للتخفيف، ومثل هذه التلقينات قد تكرر في القرآن بأساليب متنوعة على ما سوف نشير إليه في مناسباته. وننبه على أن هذا التلقين وأمثاله يجب أن يبقى في نطاق ما لم يرد فيه نصّ قرآني أو نبوي ثابت قاطع وصريح، وفي نطاق الرخص الصريحة ومدى التسهيلات القرآنية والنبوية الثابتة. تعليق على الزكاة وبمناسبة ورود كلمة «الزكاة» لأول مرة هنا ولو في آية مدنية نقول إن أصل

الكلمة زكا بمعنى نما وطلب. وقد وردت الكلمة في القرآن بمعنى التطهير أو مرادفة له مثل ما جاء في آية سورة البقرة هذه: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) ، وفي آية سورة التوبة هذه: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [103] ، وإطلاقها على الصدقات مجازي يراد به أنها مطهرة أو منمية للمال. ونرجح أنها كانت تستعمل في هذا المعنى قبل البعثة بدليل ورودها به في آيات مبكرة جدا مثل آيات سورة الأعلى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) ، وآيات سورة الليل هذه: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (18) على اعتبار أن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وكل ما فيه بهذا اللسان الذي كان هو لسان العرب وأهل بيئة النبي قبل نزوله «1» . غير أنها صارت علما على الفريضة التي فرضت على أموال الأغنياء للفقراء والمحتاجين وسبل الخير ومصلحة المسلمين العامة. وقد ذكرت بلفظها في سورة مبكرة نوعا ما مثل آية سورة الأعراف هذه: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (156) ، وآية سورة مريم هذه: وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (31) . وفي سورتي النمل ولقمان المبكرتين نوعا ما في النزول أيضا وردت بلفظها في سياق وصف المسلمين الأولين كما ترى في هذه الآيات: 1- الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) [النمل/ 3] . 2- الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) [لقمان/ 4- 5] . حيث ينطوي في هذه الآيات دليل على أن الزكاة كانت ممارسة من قبل المسلمين الأولين قبل نزولها بمدة ما.

_ (1) انظر فصل الحياة العقلية في كتابنا «عصر النبي صلّى الله عليه وسلّم وبيئته قبل البعثة» .

وهذه الآيات وإن جاءت بأسلوب التنويه والحثّ فإن ذلك هو صفة جميع المأمورات والمنهيات القرآنية في السور المكية لأنه هو المتسق مع طبيعة العهد المكي على ما سوف ننبه عليه في مناسباته ولا يمنع القول إن النبي صلّى الله عليه وسلّم استلهاما من آيات سورتي الأعلى والليل اللتين يرجح أنهما نزلتا في السنة الأولى من البعثة قد يكون اعتبرها ركنا من أركان الإسلام منذ عهد مبكر وأمر المسلمين الأولين الميسورين بأدائها لأن الحاجة كانت ماسة إلى ذلك سواء أكانت من أجل أغراض الدعوة أم من أجل مساعدة الذين آمنوا من الفقراء والمساكين والأرقاء وكانوا يتعرضون للأذى والحرمان. ويلحظ أن أسلوب الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة جاء في آية سورة البقرة هذه: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) ، التي نرجح أنها من أبكر الآيات المدنية في بابها حيث يسوغ القول إن هذا الركن قد ثبت بأسلوب الأمر والتشريع حالما سنح الظرف المناسب وهو الهجرة التي قوي بها الإسلام وصار له بها سلطان ودولة يتمثلان في النبي صلّى الله عليه وسلّم والمجتمع الإسلامي الجديد في المدينة. وليس في القرآن المكي ولا المدني مقدار محدد للزكاة، وقد حدد ذلك في الأحاديث النبوية. وهذه الأحاديث على ما يلمح من أسماء رواتها هي أحاديث مدنية «1» غير أن آيات في سور المعارج والذاريات والأنعام يمكن أن تفيد أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد حدد لها مقادير معينة في العهد المكي كما ترى فيما يلي: 1- كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ [الأنعام/ 141] . 2- وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) [المعارج/ 24- 25] . ومن المحتمل أن يكون النبي صلّى الله عليه وسلّم في العهد المدني أدخل تعديلات على

_ (1) انظر نصوص الأحاديث وأسماء رواتها في كتاب «التاج الجامع» ، ج 2 ص 8- 21.

المقادير التي حددها في العهد المكي. ومع أن مصارف الزكاة قد ذكرت في آية من آيات سورة التوبة هذه: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) . التي نزلت في وقت متأخر من العهد المدني فإن أسلوبها والسياق الذي جاءت فيه يلهمان أن هذه المصارف كانت مما جرى عليه قبل نزولها، وبالتالي أنها تشريع نبوي ثبت في هذه الآية. وقد ذكرت بعض هذه المصارف بألفاظها في إحدى آيات سورة البقرة المبكرة في النزول في العهد المدني وهي: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ [177] . والزكاة في الآية التي نحن في صددها قرنت إلى الصلاة. وهذا تكرر في معظم الآيات التي ذكرت فيها الصلاة. وفي هذا القرآن من جهة وفي جعلها من صفات المؤمن الرئيسية كما جاء في آية النمل التي أوردناها قبل، وكما جاء في آيات سورة المؤمنون هذه: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (4) وغيرهما. وبعبارة أخرى في جعلها عنوانا من عناوين الإيمان وركنا من أركان الإسلام من جهة ثانية توطيد لمبدأ المعونة المالية للمحتاجين إليها وللمصالح العامة بصورة إلزام وفرض، وعدم ترك ذلك للتطوع والاختيار. ولقد روي أن ابن عباس سئل عن حكمة قرن الصلاة إلى الزكاة في القرآن فقال لأن الصلاة والزكاة توأمان في الإسلام لا تقبل إحداهما بدون الأخرى. تلك حق الله وهذه حق الناس. ولعل فريضة الزكاة بهذه الصفة والمعنى من أعظم التشريعات الإسلامية سعة مدى وأثرا في صلاح المجتمع الإسلامي وأمنه وتضامنه، وتخفيف أزمات بنيه ومحتاجيه، وتقليل أسباب الأحقاد والضغائن والحسد بين المحتاجين، وغير المحتاجين، وتيسير تغذية المشاريع العامة التي لا تقوم إلّا بالمال. وهي من أعظم

مميزات الشريعة الإسلامية على غيرها، على هذا الاعتبار والمعنى ومن أعظم مرشحاتها للخلود. ولقد ذكرت الزكاة حضا عليها وإيجابا لها وتنويها بفاعليها وتنديدا بمانعيها ووعدا بمضاعفة ثوابها وبإخلاف الله على فاعليها في آيات كثيرة جدا مكية ومدنية تغني كثرتها عن التمثيل حيث ينطوي في ذلك مقدار العناية التي أعارتها حكمة التنزيل للزكاة ومدى ما كان وقدر لها من أثر وخطورة في حياة المجتمع الإسلامي. ولقد ورد مثل ذلك في أحاديث نبوية عديدة أيضا. من ذلك ما رواه الشيخان والنسائي عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهمّ أعط ممسكا تلفا» «1» . وما رواه كذلك عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «ما تصدّق أحد بصدقة من طيّب ولا يقبل الله إلّا الطيّب إلّا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربو في كفّ الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربّي أحدكم فلوّه أو فصيله» «2» . وروى الترمذي زيادة على ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلم: «وتصديق ذلك في كتاب الله عزّ وجلّ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ» «3» . وما رواه النسائي عن أبي سعيد قال: «خطبنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوما فقال: والذي نفسي بيده ثلاث مرات ثم أكبّ فأكبّ كلّ رجل منّا يبكي لا ندري على ماذا حلف ثمّ رفع رأسه في وجهه البشرى فكانت أحبّ إلينا من حمر النّعم ثم قال ما من عبد يصلّي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويخرج الزكاة ويجتنب الكبائر إلّا فتحت له أبواب الجنة فقيل له (ادخل بسلام) » «4» . وما رواه الشيخان والنسائي والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من آتاه الله مالا فلم يؤدّ زكاته مثّل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوّقه يوم القيامة ثمّ يأخذ

_ (1) التاج الجامع، ج 2 ص 4- 5. (2) المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه. (4) المصدر نفسه، ص 5- 7.

بلهزميه ثم يقول أنا مالك أنا كنزك ثم تلا: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ [آل عمران/ 180] «1» . مما ينطوي فيه كذلك تساوق مع العناية والخطورة اللتين أعارتهما حكمة التنزيل للزكاة. وفي القرآن آيات عديدة تنبه المسلمين بل والناس جميعا إلى أمر هام وهو أن ما في أيديهم من مال هو مال الله الذي رزقهم إياه وجعلهم مستخلفين فيه ليكون في ذلك تلقين جليل هو أنهم وكلاء على هذا المال وأن صاحبه الأصلي هو الله وهو الذي يأمرهم بالإنفاق منه فليس لهم من جهة منة على أحد فيما ينفقون وليس لهم من جهة أخرى حق في الامتناع عن الإنفاق. من ذلك آية سورة الحديد هذه: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) ، وآية سورة النور هذه: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ [33] ، وآية سورة البقرة هذه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ [254] . والزكاة ضريبة سنوية على رأس المال وليست على الربح بالنسبة للنقود والعروض والمواشي والأنعام وعلى جميع الغلات الزراعية غير الصافية. وبكلمة أخرى إن المعوزين المفتقرين إلى المعونة حقا يستحقون في كل سنة جزءا معينا من كل ذلك واجب الأداء في كل سنة جزءا معينا من رؤوس الأموال التي في أيدي الناس يبلغ مقداره اثنين ونصفا من المائة بالنسبة للنقود والعروض وعشرة من المائة بالنسبة للغلات الزراعية ونحوا من ذلك بالنسبة للمواشي. وهو مقدار لم تصل الأمم الحديثة التي تقرر حصة من مواردها للإنفاق على المعوزين إلى مثله. وننبه على أنه ليس هناك ما يمنع أن ينفق هذا المورد الكبير أو قسم منه على

_ (1) المصدر السابق ج 2 ص 5- 7. [.....]

إنشاء المياتم ودور العجزة والصنائع ودور الضيافة والمشافي والعيادات والملاجئ والمعاهد المتنوعة لمصلحة الفئات المعوزة فيكون الانتفاع به أشمل وأدوم وأجدى. وإذا لوحظ أن التشريع الإسلامي لم يقتصر على هذه الضربية لمصلحة المعوزين بل أوجب لهم جزءا آخر من كل مورد مالي رسمي ذكر في القرآن وهو الفيء والغنائم على ما سوف نشرحه في مناسباته ومما يمكن أن يقاس عليه الموارد الرسمية المالية الأخرى. ثم إذا لوحظ أن القرآن احتوى إلى جانب ذلك آيات كثيرة تغني كثرتها عن التمثيل فيها حثّ على التصدق على الفقراء والمساكين والمحتاجين والإنفاق في سبيل الله بأسلوب يلهم أن المقصود منها صدقات تطوعية زيادة على الفريضة على ما سوف ننبه عليه في مناسباته بدت قوة وروعة حكمة الله بهذه الفئات وقصد ضمان صلاح المجتمع الإسلامي وأمنه وتضامنه وتخفيف أزمة بنيه والمحتاجين وتقليل أسباب الأحقاد والضغائن والحسد على ما ألمحنا إليه آنفا. وبدت قوة جريمة الذين لا يراعون قصد الله عز وجل فلا يؤدون الحق المفروض لهذه الفئات وشدة مسؤوليتهم عن ما يتعرض له المجتمع من هزات وأزمات بسبب ذلك. وآية التوبة التي أوردناها صريحة الدلالة على أن النبي صلّى الله عليه وسلّم هو الذي كان يجبي الزكاة بواسطة عمال يعينهم وينفقها على مصارفها في حدود ما يراه من مصلحة وحاجة وظرف. وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يمثل بذلك سلطان الدولة في الإسلام، وهذا يسوغ القول أن سلطان الدولة في الإسلام هو صاحب الحق في جباية الزكاة وإنفاقها في حدود ما رسمه القرآن والسنة النبوية الثابتة «1» . ونكتفي هنا بما تقدم، وهناك أحاديث نبوية وصحابية واجتهادات فقهية حول مقادير الزكاة والفئات والجهات التي تستحقها سنوردها ونتوسع في شرحها في سياق آية سورة التوبة التي هي أكثر ملاءمة.

_ (1) اقرأ بحث النظام المالي في كتابنا الدستور القرآني في شؤون الحياة. الجزء الأول من التفسير الحديث 28

تعليق على تعبير وأقرضوا الله قرضا حسنا

تعليق على تعبير وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وبمناسبة ورود هذا التعبير لأول مرة نقول إنه كما هو المتبادر تعبير استحثاثي على الإنفاق في سبيل الله والتصدق على المحتاجين وقد تكرر في آيات مدنية عديدة. وفيه معنى لطيف يزيد في قوة الحث وهو أن الذي ينفق أمواله في سبيل الله ويتصدق بها على المحتاجين كأنما يقرض الله وأن الذي يقرض الله يستحق الوفاء أضعافا مضاعفة. وهذا ما ورد في آيات عديدة مثل آية سورة البقرة هذه: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245) وورود هذا التعبير بعد الأمر بإيتاء الزكاة في الآية التي نحن في صددها ذو مغزى عظيم حيث يفيد أن المطلوب من الميسورين ليس الزكاة فقط بل أكثر منها وأن الزكاة هي الحد الأدنى الواجب الذي يكون تركه معصية كبيرة. ويتبادر لنا أن هذا المعنى هو المقصود في كل موضع جاء فيه التعبير والله أعلم. تعليق على تعليم الاستغفار ولقد انتهت الآية بطلب استغفار الله، والغفران في الأصل بمعنى الستر والوقاية، ثم صار بمعنى التسامح والإغضاء عن الذنوب. والمرجح أنه كان بهذا المعنى قبل البعثة أيضا. وفي الأمر تلقين رباني بأن الله يعلم أن أكثر الناس لا يمكنهم أن يكونوا في نجوة من الهفوات والأخطاء، وأنه هو الغفور الرحيم الذي من شيمته التسامح والإغضاء وشمول عباده بالرحمة الواسعة إذا آمنوا به واعترفوا بذنوبهم وندموا عليها ولجأوا إليه يطلبون غفرانه ورحمته. وفي هذا ما فيه من حث المذنب على الندم والتوبة وتأميله بالغفران والرحمة وبعبارة أخرى فيه وسيلة من وسائل التربية الروحية وقصد إصلاح المسلم وصلاحه وهو مما تتوخاه الآيات القرآنية بصورة عامة. ولقد تعددت الآيات التي تأمر المؤمنين بالاستغفار في السور المكية والمدنية

مما فيه تدعيم لهذا التلقين. وفي إحدى آيات سورة النساء حض للمسيئين بالاستغفار وتأميل بغفران الله لمن يستغفره وهي: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً (110) . وفي إحدى آيات سورة آل عمران تنويه بالمستغفرين وهي: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) . ولقد أثرت أحاديث نبوية عديدة في حض المؤمنين على الاستغفار وتعليم بعض صيغه وبيان فوائده. منها حديث رواه البخاري والترمذي وأبو داود عن شداد بن أوس قال: «قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سيد الاستغفار أن تقول اللهمّ أنت ربّي لا إله إلّا أنت. خلقتني وأنا عبدك. وأنا على عهدك ما استطعت. أعوذ بك من شرّ ما صنعت. أبوء لك بنعمتك عليّ. وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلّا أنت. قال ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة» «1» . وحديث رواه أبو داود والترمذي عن زيد مولى النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول من قال أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلّا هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه غفر له وإن كان فرّ من الزحف» «2» . وحديث رواه أبو داود والترمذي عن أبي بكر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرّة» «3» وحديث رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من لزم الاستغفار جعل الله له من كلّ ضيق مخرجا ومن كلّ همّ فرجا ورزقه من حيث لا يحتسب» «4» . وحديث رواه الترمذي عن أبي موسى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال:

_ (1) التاج، ج 5 ص 134- 135. (2) المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه ص 135- 137. (4) المصدر نفسه.

تعليق على تعبير سبيل الله

«أنزل الله عليّ أمانين لأمتي، وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال/ 33] فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة» «1» . وحديث أورده ابن كثير في سياق آية النساء المار ذكرها أخرجه ابن مردويه عن علي قال: «سمعت أبا بكر هو الصديق يقول سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول ما من عبد أذنب فقام فتوضّأ فأحسن الوضوء، ثم قام فصلّى واستغفر من ذنبه إلا كان حقا على الله أن يغفر له لأنّ الله يقول: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [النساء/ 110] الآية» ، حيث ينطوي في كلّ هذا تلقين نبوي متسق مع التلقين القرآني. ويحسن بنا أن ننبه في هذا المقام على نقطة هامة، وهي أن الاستغفار يعني التوبة أو هو صيغة من صيغها. وللتوبة شروط وهي الندم على الذنب والعزم على الإصلاح وعدم الرجوع إليه في فسحة من العمر والعافية على ما تفيده الآيات الكثيرة التي سوف نوردها ونعلق عليها في سياق سورة البروج التي ذكرت فيها التوبة لأول مرة والتي يأتي تفسيرها في هذا الجزء. وفائدة الاستغفار إنما تتحقق بذلك ولا تكون بحركة اللسان والشفتين وحسب. ومن الأولى أن تحمل الأحاديث النبوية الخاصة على الاستغفار والمبشرة بفوائده على ذلك. تعليق على تعبير سبيل الله وتعبير «سبيل الله» يأتي لأول مرة في الآية التي نحن في صددها وإن كانت مدنية. ولقد التبس مفهومه بحيث صار كثير من الناس يظنون أنه الجهاد ووسائله لأنه جاء كثيرا في آيات الجهاد، غير أن إمعان النظر في هذه الآيات يكشف أنه غير الجهاد وأنه أعم منه وأن الجهاد بالمال والنفس إنما شرع لأجله، وأنه في الحقيقة مرادف لمعنى طريق الله ودعوته ودينه وتعاليمه الإيمانية والأخلاقية والاجتماعية والإنسانية والسياسية والتهذيبية التي احتواها القرآن

_ (1) التاج، ج 4 ص 109.

وهدى إليها الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وبعبارة ثانية إنه الدعوة الإسلامية نفسها. وهذا ما يبدو واضحا بقوة في آية سورة النحل هذه: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) [125] . وإذا كان تعبير سبيل الله اقترن في القرآن كثيرا بالجهاد فلا يعني هذا أن الجهاد قد شرع لنشر الدعوة الإسلامية. فالقرآن قد قرر خطة حكيمة مثلى لنشر الدعوة منطوية في آية النحل وفي آيات كثيرة أخرى مكية ومدنية. وقد ظلت هذه الخطة خطة النبي صلّى الله عليه وسلّم في عهديه المكي والمدني ثم خطة خلفائه من بعده. أما الجهاد فقد شرع لمقابلة العدوان ودفع الأذى وحماية الدعوة من الصد والتعطيل والطعن مما احتوى القرآن كثيرا من الآيات في صدده سوف نشرحها في مناسباتها. ويروي الخمسة حديثا عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلّا الله فمن قالها عصم منّي ماله ونفسه إلّا بحقّه وحسابه على الله» «1» . ولما كانت جميع الغزوات التي قادها النبي صلّى الله عليه وسلّم وجميع السرايا التي سيرها كانت ضد أعداء بادئين بالعدوان ومقابلة لعدوان وتنكيلا بمعتدين ومتآمرين على العدوان وناقضين للعهد وصادين عن دين الله ولم يرو أية رواية أن النبي قاتل أناسا لأنهم كفار ودون أن يبدو منهم عمل عدواني ما. فنحن نحمل هذا الحديث على قصد أنه أمر بمقاتلة الأعداء حتى يقولوا لا إله إلّا الله كما جاء في آية سورة التوبة هذه: فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [5] ، وعبارة فَإِنْ تابُوا صريحة الدلالة على أن المقصودين هم أعداء معتدون. وبعد هذه الآية آيات أكثر صراحة في هذا الباب وهي: فَإِنْ تابُوا

_ (1) «التاج» ، ج 4 ص 326. وهناك حديث في بابه في صيغة أخرى رواه أصحاب السنن عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلّا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن يستقبلوا قبلتنا وأن يأكلوا ذبيحتنا وأن يصلوا صلاتنا فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلّا بحقها لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين» ج 4 ص 326.

وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) ، وهذه الآيات من أواخر ما نزل من القرآن لأن سورة التوبة هي آخر ما نزل وقد نزلت بعد فتح مكة. وبالإضافة إلى هذا فإن هذا الحديث روي في مناسبتين أخريين، أولاهما رواها الترمذي في سياق آيتي سورة الغاشية: إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) ، فقال: «إنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال نفس الحديث ثم تلا هاتين الآيتين» «1» حيث يفيد هذا أنه إنما قال الحديث ليكون مفسرا لخطته بالنسبة لمن يعصمون بقولهم لا إله إلّا الله دماءهم وأموالهم إلّا بحقها وليقول إنه يترك حساب ما لا يعرف من أعمال الناس الذين يقولون لا إله إلّا الله إلى الله وليس هو محاسبا على خفاياهم وأسرارهم. فإذا كان الحديث في أصله قد صدر من النبي صلّى الله عليه وسلّم في هذا الموقف وحسب فيكون لذلك دلالته الخطيرة في صدد ما نحن بسبيل تقريره. أما المناسبة الثانية فهي عزيمة أبي بكر رضي الله عنه على حرب الممتنعين عن الزكاة بعد وفاة النبي حيث جاءه عمر رضي الله عنه فقال له: كيف تقاتلهم وهم يقولون لا إله إلّا الله وقد قال رسول الله أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلّا الله فإن قالوها عصموا دماءهم وأموالهم إلّا بحقّها وحسابهم على الله؟ فقال له أبو بكر: والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإنّ الزكاة حقّ المال، والله لو منعوني عناقا لقاتلتهم على منعها فلم يلبث أن شرح الله صدر عمر وجعله يرى موقف أبي بكر هو الحقّ «2» . وهذه الرواية يرويها أصحاب الكتب الخمسة. وخطورة دلالتها لا تقل عن خطورة دلالة رواية المناسبة الأولى إن لم تفقها. ويتبادر لنا أن رواية الترمذي هي أصل ظرف صدور الحديث وأن رواية

_ (1) «التاج» ، ج 4 ص 258. (2) المصدر نفسه، ج 2 ص 7- 8.

أصحاب الكتب الخمسة هي المتأخرة وهي في مثابة تطبيق للحديث في مقام مماثل للمقام الذي صدر فيه الأصل. وكان رد أبي بكر رضي الله عنه واضعا للأمر في نصابه من حيث إنه أصرّ على قتال الممتنعين عن الزكاة لأنهم امتنعوا عن أداء حق المال. ومع ذلك حتى لو أردنا أن نأخذ الحديث مجردا من زيادة الترمذي وملابسة حرب الممتنعين عن الزكاة فإن حمله على قصد مقاتلة الأعداء هو الأولى بل الأوجب كما قلنا ما دام أنه لم يرو قط أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قاتل حياديين ومسالمين وموادين أو أمر بقتال غير المقاتلين من ذوي الأعداء من شيوخ ونساء وأطفال. وفي سورة الممتحنة آية فيها فيما نعتقد القول المحكم الفيصل في هذا الباب وهي: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) ، ولقد قال المفسر الطبري في صدد هذه الآية إن أولى الأقوال بالصواب قول من قال إنها عنت جميع من لم يقاتل المسلمين في الدين من جميع أصناف الملل والأديان وأنه لا معنى لقول من قال إن ذلك منسوخ لأن برّ المؤمن لأهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غير محرم ولا منهي عنه أصلا. إذا لم يكن في ذلك دلالة لهم على عورة لأهل الإسلام أو تقوية لهم بكراع أو سلاح. والله سبحانه وتعالى أعلم.

سورة المدثر

سورة المدّثّر في هذه السورة أول أمر صريح للنبي صلّى الله عليه وسلّم بالقيام بمهمة الدعوة والإنذار، ورسم الخطة التي يجب عليه اتباعها في ذلك. وفيها إنذار للكفار بيوم القيامة وتنديد بمن وقف من النبي صلّى الله عليه وسلّم والقرآن موقف الهزء والإنكار والإعراض والتحدي. وتقرير لمسؤولية الإنسان عن عمله. وذكر للملائكة وأهل الكتاب لأول مرة أيضا. ومن المحتمل أن تكون آياتها الأولى نزلت لحدتها، وأن يكون ترتيب السورة بسبب نزول هذه الآيات مبكرة لأن الآيات الأخرى احتوت مشاهد ومواقف لا يمكن أن تقع إلّا بعد مضي النبي صلّى الله عليه وسلّم في دعوته شوطا ما. على أن أسلوب آيات السورة وانسجامها يسوغ القول أيضا أنها نزلت دفعة واحدة أو متلاحقة. وأن الآيات الأولى بسبيل التثبيت. وحينئذ يكون ترتيبها كرابع سورة غير صحيح. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة المدثر (74) : الآيات 1 الى 7] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) . (1) المدثر: المتدثر أي المتلفف بدثاره أو غطائه. (2) الرجز: الفحش قولا وعملا أو المعصية والأوثان والإثم «1» . (3) ولا تمنن تستكثر: لا تعط ما تعطيه بقصد نيل الأكثر مقابلة له، وقيل لا

_ (1) انظر تفسيرها في تفسير الطبري.

تستكثر ما تفعله من الخير وتمنن به أي تفخر به أو تحمل من تعطيه الجميل «1» ، ويمكن أن تكون بمعنى أنك إذا لم تمنن بما تعطيه ييسر الله لك الأكثر منه، من باب لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم/ 7] . ظاهر أن في ألفاظ بعض الآيات تأخيرا وتقديما لحفظ الوزن والقافية وأن تقديرها: وكبر ربك وطهر ثيابك واهجر الرجز ولا تستكثر ما تفعل ولا تمنن به أو لا تفعله للاستكثار من المقابلة عليه واصبر لحكم ربك، ومعانيها واضحة لا تحتاج إلى شرح آخر. وقد ذكرت الروايات أن هذه الآيات نزلت بعد فترة قصيرة من الوحي، بعد نزوله الأول على النبي صلّى الله عليه وسلّم في غار حراء. ومما جاء في حديث مروي عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو يحدث عن فترة الوحي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: بينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجثوت منه خوفا وجئت أهلي فقلت زملوني زملوني، وفي رواية دثروني دثروني، فدثروني فأنزل الله: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ إلى قوله وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ. ثم تتابع الوحي «2» وهناك روايات تذكر أنها أول ما أنزل أو أنها ثاني أو ثالث أو رابع مجموعة نزلت «3» . ولما كانت الآيات التالية لها قد احتوت حكاية أقوال بعض المكذبين ومواقفهم، ولا يمكن أن يكون هذا إلّا بعد نزول جملة من القرآن وسير النبي صلّى الله عليه وسلّم في الدعوة شوطا، فيكون ترتيب السورة المتقدم بسبب رواية تبكير نزول آياتها الأولى هذه. والرواية التي تذكر أولية نزولها على غيرها وردت في حديث رواه البخاري

_ (1) انظر الطبري أيضا. (2) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري وحديث جابر رواه الشيخان والترمذي أيضا بصيغة قريبة جدا. انظر التاج ج 3 ص 228. (3) انظر تفسير الآيات في تفسير الآلوسي وتاريخ الطبري ج 2 ص 50- 52 مطبعة الاستقامة.

ومسلم عن يحيى قال: «سألت أبا سلمة أيّ القرآن أنزل أول؟ فقال: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قلت: أنبئت أنه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ! فقال: لا أخبرك إلّا بما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. قال جاورت في حراء فلما قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض. فأتيت خديجة فقلت دثّروني وصبّوا عليّ ماء باردا ففعلوا وأنزل عليّ: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) » «1» [سورة المدثر: 1- 3] . ومع ذلك فليس في الكلام النبوي ما يساعد على الجزم بأولية الآيات. ويظل حديث أولية آيات سورة العلق الأولى أقوى. والآيات تحتوي أول أمر للنبي صلّى الله عليه وسلّم بإنذار الناس ودعوتهم وبما يجب عليه من الظهور بالمظهر الطاهر النظيف واللسان العفيف والتواضع. وهذا مما يمكن أن يدعم رواية كونها ثانية مجموعة نزلت بعد آيات العلق الأولى. والمصحف الذي اعتمدناه هو الذي ذكر أنها نزلت بعد المزمل، وجعلها رابع السور نزولا فلم نشأ أن نخلّ في ترتيبه. على أن روح الآيات ونظمها وروح الآيات التالية لها ونظمها أيضا يمكن أن يلهم أنها غير منفصلة عن بعضها. وحينئذ فإن الآيات تكون قد نزلت بقصد تثبيت النبي صلّى الله عليه وسلّم وتكون قد نزلت هي والآيات التالية لها معا أو متلاحقة بعد نزول سور وفصول قرآنية فيها مبادئ الدعوة وأهدافها. وفي هذه الحالة يكون ترتيبها كرابعة سورة قرآنية غير صحيح. وعلى كل حال فالآيات وآيات السورة معا مما نزل مبكرا على ما يلهم أسلوبها ومضمونها والخطة التي رسمها الله للنبي صلّى الله عليه وسلّم في الدعوة والاتصال بالناس

_ (1) التاج ج 4 ص 247. وهناك حديث آخر رواه الشيخان والترمذي عن جابر قريب من هذا مع زيادة ونصه: «بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه ورجعت وقلت زملوني زملوني فأنزل الله يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ» . التاج ج 3 ص 227- 228. [.....]

ودعوتهم وإنذارهم من الأدلة القوية على ذلك. وهي خطة رائعة جليلة الشأن، فالله أكبر من كل شيء، وكل ما عداه حقير صغير، فلا ينبغي أن يعتبر غيره كبيرا مرهوبا ويجب أن يكون التعظيم له وحده. والصبر والثبات في المهمة كافلان للنجاح فيها. والداعي إلى الله ومكارم الأخلاق يجب أن يكون القدوة الصالحة لمن يدعوهم في الاستغراق في الله ومكارم الأخلاق وفعل الخير، بدون منّ واستكثار وانتظار جزاء ومقابلة، والطهارة مع البعد عن كل فحش وإثم وبذاءة ومظهر مستنكر. والمدقق في السيرة النبوية وآيات القرآن التي احتوت أصدق الصور عنها يرى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم التزم هذه الخطة. وكانت من أقوى وسائل نجاح دعوته وتفاني أصحابه السابقين إلى الإيمان به في تأييده والالتفاف حوله وتهيب غير المؤمنين له وتقديرهم إياه وعدم إنكارهم مزاياه الخلقية. وهذه الخطة وإن كانت كما يتبادر قد رسمت للنبي صلّى الله عليه وسلّم، فإن ما احتوته من تلقين موجه إلى كل مسلم وبخاصة إلى كل صاحب دعوة إصلاح ومعروف وإلى كل صاحب شأن ممن يتولون في الأمة الزعامة والتوجيه والإرشاد والإصلاح. بل إنه موجه إلى كل مسلم إطلاقا في كل زمن ومكان ليكون عنوانا للخلق الذي يجب أن يكون عليه المسلمون مظهرا وسيرة. وفي القرآن آيات عديدة تؤكد ذلك، من ذلك في صدد المنّ آيات سورة البقرة هذه: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [264] . وفي صدد الفواحش والآثام في الأقوال والأفعال آية سورة الأعراف هذه: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ

يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (33) . وهناك أحاديث عديدة متساوقة مع الآيات، من ذلك حديث رواه الترمذي عن عبد الله عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ليس المؤمن بالطعان ولا اللّعان ولا الفاحش ولا البذيء» «1» ، وحديث رواه الترمذي أيضا عن أبي بكر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يدخل الجنة خبّ ولا منّان ولا بخيل» «2» . وحديث رواه الترمذي كذلك عن أبي سعيد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «خصلتان لا تجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق» «3» . ولقد أثرت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أحاديث توجب غسل النجاسات عن الثياب مثل الدم والبول والغائط من ذلك حديث رواه البزار عن عمار بن ياسر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّما يغسل الثوب من الغائط والبول والقيء والدم» «4» . وقد رتّب الفقهاء على ذلك كون طهارة الثياب ركنا من أركان الصلاة، ولقد أوجب الله على المسلم أن يصلي خمس مرات كل يوم، ويستتبع هذا واجب عناية المسلم بطهارة ثيابه في كل وقت في الليل والنهار، وفي هذا ما فيه من روعة وجلال. ومن الجدير بالذكر أن حثّ الله ورسوله على الطهارة لا يقتصر على طهارة الثياب. ففي القرآن والأحاديث نصوص كثيرة توجب على المسلم طهارة البدن بالإضافة إلى طهارة ثيابه فيتوضأ إذا قام إلى الصلاة ويغتسل إذا كان جنبا ويغسل أطرافه ويغتسل حتى لغير الوضوء والجنابة مما سوف نورده وننبه عليه في مناسبات أخرى. هذا، والتساوق في مطلعي السورتين المزمل والمدثر لافت للنظر، ففي مطلع الأولى إعداد للنبي صلّى الله عليه وسلّم لمهمته العظمى وفي مطلع الثانية خطة له حينما أمر

_ (1) التاج ج 5 ص 34- 38. (2) المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه. (4) مجمع الزوائد ج 1 ص 283.

[سورة المدثر (74) : الآيات 8 إلى 10]

بدعوة الناس وإنذارهم. بل إن التساوق بين مطلعي السورتين الأوليين أيضا ملحوظ إذا ما أنعم القارئ النظر، وكل هذا يؤيد تبكير نزول هذه المطالع. [سورة المدثر (74) : الآيات 8 الى 10] فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10) . (1) الناقور: الأداة التي يدق عليها أو ينفخ فيها لإحداث صوت خاص بدعوة الناس وتنبيههم أو هو الصور أو القرن «1» . في الآيات إشارة إلى الموقف العصيب العسير الذي سوف يواجهه الكافرون حينما يبعث الناس إلى يوم القيامة والحياة الأخرى. والمتبادر أنها بسبيل الإنذار والوعيد، والفاء التي بدئت بها الآيات تعقيبة، فكأنما جاءت الآيات معقبة على أمر الله للنبي صلى الله عليه وسلم بالصبر الذي كان في معرض التثبيت والتطمين، ومؤكدة له. فعليه الصبر لأمر ربه رغما عن موقف الجاحدين لرسالته الذين سوف يكون حسابهم عسيرا يوم الجزاء الأخروي. وقد يلهم هذا صحة التوجيه الذي وجهناه من أن آيات السورة متصلة ببعضها نظما وموضوعا ونزولا. تعليق على النقر في الناقور ومرادفه النفخ في الصور وما ورد في ذلك من أحاديث: والنقر في الناقور هو إيذان للبعث والقيامة الأخروية على ما تفيده العبارة والآيات. وقد فسره المفسرون وعلماء اللغة بالصور أو القرن الذي ينفخ فيه لتجميع الناس. وكلمة الناقور لم ترد إلّا هذه المرة. غير أن كلمة الصور التي ترادفها في المعنى وردت مرات عديدة منها ما ورد بدون آثار مثل آية سورة ق

_ (1) انظر تفسيرها في تفسير الطبري.

هذه: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) ، وآية سورة طه هذه: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (102) . ومنها ما ورد مع ذكر آثار النفخ في البشر مثل آية سورة النمل هذه: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ... [87] ، وآية سورة الزمر هذه: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (68) . وهناك أحاديث عديدة متنوعة الرتب في الصور، منها ما رواه أصحاب الكتب الخمسة، من ذلك حديث رواه الترمذي وأبو داود عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر، أن ينفخ فينفخ، قال المسلمون فكيف نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل، وعلى الله توكّلنا» «1» . وحديث ثان روياه أيضا جاء فيه: «سئل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الصّور فقال قرن ينفخ فيه» «2» . وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا جاء فيه: «ذكر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الدجّال إلى أن قال ثم ينفخ في الصّور فلا يسمعه أحد إلّا أصغى لتيا ورفع لتيا وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله فيصعق ويصعق الناس ثم يرسل أو قال ثم ينزل الله مطرا كأنه الطلّ أو الظلّ فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. ثم يقال يا أيها الناس هلمّ إلى ربّكم وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ثم يقال أخرجوا بعث النار فيقال من كم فيقال من كلّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعين قال فذاك يوم يجعل الولدان شيبا وذلك يوم يكشف عن ساق» «3» . وروى الشيخان عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما بين النفختين أربعون، قالوا يا أبا هريرة أربعون يوما قال أييت. قالوا أربعون شهرا قال أييت، قالوا أربعون سنة قال أييت ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل وليس من الإنسان شيء إلّا يبلى إلّا عظما واحدا وهو

_ (1) التاج ج 4 ص 201. (2) المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه ج 5 ص 328- 329 وفسّر الشارح كلمه لتيا بمعنى ناحية من عنقه وكلمة (أييت) بمعنى لا أدري.

عجب الذنب ومنه يركّب الخلق يوم القيامة» «1» . ومنها أحاديث أوردها المفسرون في سياق السور التي ذكر فيها الصور رواها أئمة حديث آخرون وهي إجمالا من باب الأحاديث السابقة وصحتها محتملة. منها حديث رواه الطبري في سياق تفسير جملة إن هي: إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ [ص/ 15] ، عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إنّ الله لمّا فرغ من خلق السموات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر قال أبو هريرة يا رسول الله وما الصور؟ قال: قرن. قال: كيف هو؟ قال: قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات نفخة الفزع الأولى والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة القيام لربّ العالمين. يأمر الله اسرافيل بالنفخة الأولى فيقول انفخ نفخة الفزع فيفزع أهل السموات والأرض إلّا من شاء الله ويأمره الله فيديمها ويطوّلها فلا يفتر وهي التي يقول الله: وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ [ص/ 15] «2» . وما دام النفخ في الصور والنقر في الناقور قد ذكر في القرآن مع شيء من البيان في أحاديث نبوية صحيحة فمن واجب المسلم الإيمان بذلك مثل سائر المشاهد الأخروية التي ورد خبرها في القرآن والحديث الصحيح. وهذا لا يمنع القول إن حكمة التنزيل كما اقتضت أن تكون المشاهد الأخروية الأخرى من حساب ونعيم وعذاب مما هو مألوف في الدنيا من صور وبعبارات من بابها على ما ذكرناه في تعليقنا على الحياة الأخروية والجنة والنار في سور الفاتحة والقلم والمزمل اقتضت أن تكون دعوة الناس حين بعثهم من قبورهم وحشرهم يوم القيامة حينما تقترن مشيئة الله بذلك بأدوات وأساليب مألوفة في الدنيا من حيث أن الناس اعتادوا الضرب على الطبول والنفخ بالأبواق والقرون والنقر على الأدوات المصوتة

_ (1) المصدر السابق نفسه. (2) هناك أحاديث أخرى رواها المفسرون في صدد الاستثناء الوارد في آيتي سورتي النحل والزمر سنوردها في مناسباتهما.

[سورة المدثر (74) : الآيات 11 إلى 17]

والهتاف بالأصوات العالية والصيحات الداوية حينما يراد تجميع الجموع لأمر هام. ولقد ورد في سورة ق ثلاث صور من ذلك معا، ففي آية ذكر نفخ الصور [20] وفي آية ذكر المنادي [41] وفي آية ذكرت الصيحة [42] . وقد يصح أن يضاف إلى ما قلناه أن فحوى وأسلوب الآيات والأحاديث يسوغان القول إن قصد التأثير على السامعين وبعث الخوف والرهبة في قلوبهم من يوم الحشر والحساب الأخروي وحملهم على تقوى الله لينالوا رضاءه وأمانه فيه من الحكمة المنطوية فيها، والله تعالى أعلم. [سورة المدثر (74) : الآيات 11 الى 17] ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً (12) وَبَنِينَ شُهُوداً (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلاَّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (17) . (1) خلقت وحيدا: يمكن أن تكون الجملة بمعنى خلقته مجردا من كل قوة ومال وبنين. والآيات التالية تدعم هذا التأويل. (2) بنين شهودا: يمكن أن تكون الجملة بمعنى بنين حاضرين لديه لنصرته وقضاء مصالحه. (3) مهدت له: مكنت له. (4) سأرهقه صعودا: بمعنى سأتعبه وأحمله المشقات لأن المشقة تحصل عادة من الصعود للمرتفعات. والآيات واضحة المعنى، وقد احتوت صورة لأحد الزعماء الأثرياء المغترين بوفرة المال وكثرة البنين والتمكن وهو طامع بأن يجد عند الله المزيد من ذلك. ورد عليه وإنذار له فلن يكون له ما يطمع لأنه كان لآيات الله عنيدا رغم ما أغدقه عليه من النعم ولن يجد عند الله إلّا الصعاب والمشاق. وكلمة «ذرني» التي بدئت بها الآيات تلهم أن الآيات نزلت بسبيل تثبيت النبي صلّى الله عليه وسلم، فليترك لله هذا الجاحد العنيد فهو الكفيل بالنكال به.

[سورة المدثر (74) : الآيات 18 إلى 25]

وقد روي «1» أن هذه الآيات نزلت في حق الوليد بن المغيرة. ومما روي «2» أن هذا قال: إذا كان محمد صادقا فيما يصف فإن الجنة لم تخلق إلّا لي ولأمثالي فنزلت الآيات مقرعة مكذبة لأمله في زيادة نعم الله عليه وإدامتها في الآخرة. وهذه الآيات تؤيد ما نبهنا عليه من الدلالات في سياق السور السابقة من أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أخذ يلقى منذ بدء البعثة صدّا وعنادا من زعماء قريش وأثريائهم، وأن التشاد أخذ يستمر بينه وبينهم منذ عهد مبكر ثم استمر، مما فيه دلالة على استمرار النبي صلّى الله عليه وسلّم في اتصاله بمختلف طبقات قريش وزعمائهم بسبيل مهمته، وعلى عدم قطعه الصلة بالمرة بينه وبينهم على ما رجحناه في مناسبة سابقة أيضا. وفي الآيات تلقين مستمر المدى: فالإنسان الذي يسبغ الله عليه نعمه الكثيرة فيقويه ويغنيه ويعلي جاهه وشأنه حري بأن يكون أولى الناس بالاعتراف بفضله والقيام بما يأمره به من واجبات نحوه ونحو خلقه. [سورة المدثر (74) : الآيات 18 الى 25] إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقالَ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هذا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (25) . (1) إنه فكر وقدر: بمعنى استنتج وحسب بعد التفكير. (2) قتل: دعاء بمعنى قاتله الله. (3) بسر: تجهم. (4) سحر: أصل معنى الكلمة إزالة الشيء أو صرفه عن موضعه. ومن

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري والآلوسي. (2) انظر تفسير الآيات في تفسير الكشاف للزمخشري. الجزء الأول من التفسير الحديث 29

التعريفات التي عرف بها أنه كل ما دقّ مأخذه وخفي سببه من آثار نفسية وحسية. أو كل ما ظهر على غير حقيقته. أو كل ما يحدث في النفس والحث من آثار غير اعتيادية. (5) يؤثر: معروف مأثور. وهذه الآيات تصف موقف ذلك الكافر العنيد الذي أشير إليه في الآيات السابقة، فقد فكر في نفسه حينما سمع النبي صلّى الله عليه وسلّم يتلو القرآن واستنتج وحسب أنه عرف الحقيقة قاتله الله ثم قاتله، فلم يلبث أن عبس في وجه النبي صلّى الله عليه وسلّم وتجهم ثم أدبر عنه مستكبرا مستخفا قائلا إن هذا هو من أعمال السحرة وأقوالهم المعروفة، وإنه ليس إلّا من كلام البشر. والآيات متصلة بالسياق السابق واستمرار له كما هو واضح. وأسلوبها تنديدي وتقريعي ووصفي معا. والوصف قوي يكاد القارئ يرى منه موقف الكافر العنيد ماثلا بارزا. وقد روى المفسرون أن هذا الموقف الذي وصفته الآيات هو كذلك موقف الوليد بن المغيرة الذي روي عنه القول السابق في سياق الآيات السابقة. فقد روى الطبري في سياق هذه الآيات أن الوليد قال لزعماء قريش: سأختبر لكم الليلة هذا الرجل. فأتى النبي صلّى الله عليه وسلّم فوجده قائما يصلي ويقرأ القرآن فعاد فسألوه فقال: سمعت قولا حلوا أخضر مثمرا يأخذ بالقلوب، فقالوا: هو شعر؟ فقال: لا والله ما هو بالشعر وليس أحد أعلم بالشعر مني. قالوا: فهو كاهن؟ فقال: لا والله ما هو بكاهن فقد عرضت الكهانة عليّ. قالوا: فهو سحر الأولين اكتتبه؟ فقال: لا أدري إن كان شيئا فهو إذا سحر يؤثر. وقد روى ابن كثير في سياق تفسير هذه الآيات رواية أخرى فيها بعض المباينة ولكنها متفقة في جوهرها مع الرواية السابقة. ومهما يكن من أمر ففي الآيات صورة أخرى تكررت كثيرا فيما بعد، مما وجه للنبي صلّى الله عليه وسلّم مباشرة من ردود على دعوى نبوته وصلته بوحي الله. ففي سورة

تعليق على موضوع السحر

القلم حكي أنه قيل له إنه مجنون وإن ما يتلوه هو من أساطير الأولين. وهنا قيل له إنه قول بشر وإنه مظهر من مظاهر السحرة والسحر. وكما ردّ القرآن على ذلك القول ردا قويا ردّ على هذا ردا قويا أيضا. ثم بين بعد قليل جانبا من أهداف الدعوة السامية وحمل حملة تنديدية على الذين يقفون منها موقف التكذيب والمناوأة. وهكذا يتسق الموقف في المنافحة والنضال ويصمد النبي صلّى الله عليه وسلّم بتأييد الله ووحيه. وهذا وذاك كلاهما ظل يتكرر في كل مناسبة وظل الموقف متسقا في كل مشهد إلى أن حق الحق وزهق الباطل. وحكاية قول الكافر: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) هي عن القرآن. وليس في السور الثلاث السابقة إلّا حكاية مواقف حجاج وجحود وحملات على أصحابها. والمعقول أن يكون هذا القول هو في صدد مجموعات قرآنية أخرى، فيها مبادئ الدعوة وأهدافها، وهي التي كان يعنيها لفظ القرآن، ولو أنه صار علما صادقا على جميع محتويات المصحف على ما شرحناه في تفسير سورة المزمل. ولذلك فإن هذه الآيات لا بد من أن تكون قد نزلت بعد نزول مجموعة من «هذا القرآن» وحينئذ يكون شكنا في صحة ترتيب هذه السورة والسور الثلاث السابقة لها في محله إلّا إذا صحت روايات تبكير نزول مطالعها منفصلة عن سائرها لتأييد النبي صلّى الله عليه وسلّم وتثبيته وإعداده وحسب. وباستثناء مطلع سورة العلق، فإن روايات المطالع الأخرى موضع نظر على ما نبهنا عليه. تعليق على موضوع السحر وبمناسبة ورود كلمة السحر ونسبة الكفار السحر إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم لأول مرة نقول: إن كلمة السحر ومشتقاتها قد وردت في القرآن نحو خمسين مرة. ولقد تكرر فيه حكاية قول الكفار ما حكته الآية التي نحن في صددها. وقد جاء في آيات أخرى حكاية نعتهم النبي صلّى الله عليه وسلّم بالساحر والمسحور، مثل ما جاء في آية سورة يونس هذه: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ

لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (2) ، ومثل ما جاء في آية سورة الفرقان هذه: أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً (8) ، كما أنه ورد في القرآن آيات عديدة ذكر فيها السحر في غير معرض الدعوة النبوية مثل ما جاء في سورة البقرة هذه: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ [102] . وأكثر ما ورد في معرض الدعوة قد ورد في حكاية مواقف حجاج الكفار خاصة في موضوع البعث بعد الموت وجحوده، حيث يفيد هذا بطبيعة الحال أن السحر كان معروفا في بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم وعصره، وأن من المحتمل- إن لم نقل من المحقق- أنه كان في بيئة النبي وعصره سحرة يرجع إليهم الناس في قضاء مطالبهم ورغباتهم «1» . والآيات القرآنية يمكن أن تفيد أن مفهوم السحر عند العرب هو أعمال خارقة تقع على أيدي أشخاص ذوي مواهب وبراعة وقوى فوق العادة فيرى الناس بتأثيرها ما لا يرى في العادة، ويسمعون ما لا يسمع في العادة، ويحسون ما لا يحس في العادة وتحدث أمور لا تحدث في العادة أيضا. ويمكن أن تفيد أيضا أن من العرب من كان يظن أن السحر وأعمال السحر تخييلات أكثر منها وقائع حقيقية مما انطوى في آية سورة الأنعام هذه: وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) ، وفي آية سورة هود هذه: وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) ، وفي آيات سورة الحجر هذه: وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15) ، وفي آيات سورة ص هذه: وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (5) .

_ (1) اقرأ موضوع السحر والكهانة في الباب الثالث (الحياة العقلية) في كتابنا «عصر النبي صلّى الله عليه وسلم وبيئته قبل البعثة» ص 293 وما بعدها.

[سورة المدثر (74) : الآيات 26 إلى 31]

وفي القرآن آيات أخرى تفيد أيضا صحة ما كان يدور في أذهان العرب عن السحر حيث ورد في سورة الأعراف في سياق قصة موسى وفرعون آية فيها حكاية لقول موسى عليه السلام للسحرة وهي هذه: قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) ، وحيث ورد في سورة طه في سياق مماثل هذه الآية: قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (66) . والمتبادر أن العرب بناء على هذه المفهومات كانوا يظنون ويزعمون أحيانا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم ساحر وأحيانا أنه مسحور وأن القرآن سحر لأنهم رأوا النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول ما لم يعتادوه ويخبر بما لم يكن لهم به عهد وبما لا يمكن مشاهدته وإدراكه في العادة وبما ظنوه مستحيلا. ولأنهم سمعوا من القرآن بلاغة مؤثرة تذهب بلبّ السامع وتؤثر على روحه. ولعل نعتهم إياه بالمسحور كان يعني زعمهم أنه تحت تأثير السحر فيما يقوله ويخبر به ويدعيه ويتلوه. والآيات التي أوردناها هي بسبيل حكاية الواقع سواء أفي ما ذكرته من أقوال العرب وأشارت إليه من مفهوماتهم أم فيما ذكرته في سياق قصة موسى عليه السلام وسحرة فرعون أكثر منها بسبيل تقرير حقيقة السحر. وفي سورة البقرة آية في السحر استطرد المفسرون في سياقها إلى موضوع حقيقة السحر وأثره وحكمه وأوردوا بعض الأحاديث والمذاهب في ذلك رأينا أن نؤجلها إلى مناسبتها التي هي أكثر ملاءمة مكتفين الآن بما تقدم. [سورة المدثر (74) : الآيات 26 الى 31] سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (27) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (30) وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَما هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (31)

(1) سقر: النار الشديدة الحرارة. (2) لا تبقي ولا تذر: تحرق كل أجسادهم ولا تبقي منها شيئا «1» . (3) لواحة: حارقة. (4) : البشر: في الآية [29] بمعنى بشرات الأجسام وجلودهم وفي الآية [31] بمعنى الناس. (5) فتنة: اختبار وابتلاء وامتحان. الآيات تتمة للآيات السابقة وقد تضمنت: 1- إنذارا ربانيا لذلك الكافر العنيد بأنه سيصليه النار الشديدة التي لا تبقي ولا تذر الحارقة للجلود. 2- وإخبارا بأن القائمين عليها تسعة عشر من ملائكة الله. 3- وتعليلا لحصر العدد حيث ذكر ليكون فتنة ومثار حيرة للكافرين ووسيلة لاستيقان الكتابيين من صحة الدعوة النبوية وصدقها، وسببا لازدياد إيمان المؤمنين. وفي أسلوب وصف النار من قوة ما يحدث الفزع في النفوس ويحفز إلى الارعواء. وهو مما قصد إليه هنا وفي الآيات الكثيرة الأخرى من جملة ما قصد بالإضافة إلى قصد الإنذار الشديد للكافر العنيد. ولقد روى الترمذي عن جابر «أن بعض اليهود قالوا لأناس من الصحابة هل يعلم نبيّكم عدد خزنة جهنّم قالوا لا ندري حتّى نسأل نبينا فجاء رجل إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلم فقال يا محمد غلب أصحابك اليوم قال وبم غلبوا؟ قال: سألهم اليهود فقالوا لا ندري حتّى نسأل نبيّنا قال أيغلب قوم سئلوا عمّا لا يعلمون فقالوا حتى نسأل نبيّنا لكنّهم قد سألوا نبيّهم فقالوا أرنا الله جهرة. عليّ بأعداء الله إنّي سائلهم عن تربة

_ (1) انظر تفسيرها في الطبري. [.....]

تعليق على موضوع زيادة الإيمان ونقصه

الجنة وهي الدّرمك فلمّا جاؤوا قالوا يا أبا القاسم كم عدد خزنة جهنّم قال هكذا وهكذا في مرّة عشرة وفي مرة تسعا قالوا نعم فقال لهم النبي صلّى الله عليه وسلّم ما تربة الجنة فسكتوا هنيهة ثم قالوا أخبرنا يا أبا القاسم فقال الخبز من الدّرمك» «1» . وراوي الحديث صحابي مدني، وفحواه يدل على أن السؤال أورد على المسلمين في المدينة. ولذلك نراه عجيبا لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه كانوا يعرفون العدد بصيغة صريحة منذ العهد المكي من الآية [30] . وروح الآيات تلهم أن الكفار ومرضى القلوب قابلوا ذكر عدد الذين يتولون النار من الملائكة بالاستخفاف والاستهزاء، فردت عليهم بأن ذلك إنما هو من قبيل الامتحان الرباني للفرق الأربعة التي كان يتألف منها أهل بيئة النبي صلّى الله عليه وسلم. وهي المؤمنون والكتابيون والكافرون ومرضى القلوب. فأما الكتابيون فإنهم مفروض فيهم أن يعرفوا أن لله ملائكة يقومون بالمهام التي يكلفهم بها، وأنه ليس مما هو خارج عن حدود قدرة الله أن يكون مثل هذا العدد منهم كافيا لتولي أمر النار فيستيقنوا من صحة الرسالة المحمدية التي تأتي بما يتسق مع ما عندهم. وأما المؤمنون فقد آمنوا في الأصل بالنبي صلّى الله عليه وسلّم وصلته بالله فيتلقون الخبر بالتصديق والتسليم وبذلك يزدادون إيمانا ويقينا. ولا يقف موقف الشك والاستخفاف إلّا الكفار ومرضى القلوب الذين يكون موقفهم هذا هو الأضعف لأنه غير صادر عن علم ونية وعقيدة وإيمان بينما يكون موقف الفريقين الأولين هو الأقوى لأنه صادر عن مثل ذلك. تعليق على موضوع زيادة الإيمان ونقصه وجملة وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً في الآية [31] قد تكررت بأسلوب مقارب في سور عديدة مدنية منها آية سورة الأنفال هذه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ

_ (1) انظر التاج ج 4 ص 247- 248.

اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) ، وآية سورة آل عمران هذه: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) ، وآية سورة الأحزاب هذه: وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً (22) ، وآية سورة التوبة هذه: وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) . ولقد كان ما احتوته هذه الآيات من المسائل التي دار الكلام والبحث حولها بين علماء الكلام وأئمة التأويل من ناحية ما إذا كان الإيمان يزيد وينقص «1» . ومنهم من استدل بها على أنه يزيد وينقص أو على تفاضل الإيمان في القلوب وهناك أحاديث تساق في سبيل الاستدلال على ذلك أيضا منها حديث رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري جاء فيه: «من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» «2» . ومنها حديث رواه الخمسة جاء فيه: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» «3» . والذي يتبادر لنا أن الإيمان في حدّ ذاته لا يصح عليه زيادة ولا نقص مع احتفاظه بصفته. لأن الزيادة تعني نقصا سابقا والنقص يعني تراجعا وشكا. وكلاهما ينقض صفة الإيمان لذاته. وكل ما يمكن أن يصح فيما يتبادر لنا أن هناك يقينا أو إيمانا غيبيا يمكن أن يصير يقينا أو إيمانا عينيا من قبل طمأنينة القلب بالبرهان والمشاهدة مع الإيمان قبل ذلك إيمانا غيبيا ومن قبيل ما حكي في آية البقرة هذه عن إبراهيم وجواب الله على سؤاله: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ

_ (1) انظر تفسير هذه الآيات في كتب تفسير الطبري والبغوي وابن كثير والزمخشري والخازن والطبرسي والمنار والقاسمي. (2) التاج ج 1، ص 24. (3) المصدر نفسه، ص 23.

تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [260] . والجملة التي نحن في صددها تتسق مع هذا الشرح من حيث إنها تصف الذين آمنوا بالرسالة المحمدية بالذين آمنوا وتقرر أنهم بتلقيهم الخبر الذي يبلغهم إياه النبي صلى الله عليه وسلم عن الله بالتصديق والتسليم تبعا لإيمانهم بالله ورسوله فيكون ذلك مظهرا جديدا من مظاهر قوة يقينهم وإيمانهم عبر عنه بالزيادة. وهذا ملموح بقوة في آيات آل عمران والأنفال والتوبة والأحزاب التي أوردناها آنفا، ويزداد لمحها قوة من السياق الذي وردت فيه إذا ما أمعن النظر فيه أيضا. والذي يتمعن في الأحاديث النبوية لا يجد فيها على ما يتبادر لنا أية دلالة على ما أريد الاستدلال بها عليه من احتمال الزيادة والنقص في الإيمان لذاته. وفي سورة الحجرات آيات فيها تدعيم لما يتبادر لنا أنه الصواب إن شاء الله وهي: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) [14- 15] . فقد علم الله تعالى أن الأعراب كانوا مشككين مرتابين وهذا يتناقض مع الإيمان فأمر نبيه بإجابتهم بأنهم لم يؤمنوا وكل ما في الأمر أنهم يمكن أن يقولوا أسلمنا لأنهم أذعنوا وخضعوا فقبل منهم ذلك تسامحا دون أن يستحقوا صفة الإيمان. ثم وصف المؤمنين الصادقين بأنهم الذين لم يرتابوا بعد أن آمنوا ... والله تعالى أعلم. هذا من ناحية الموضوع في ذاته. وأما من ناحية الجملة في مقامها وفي المقامات الأخرى التي وردت فيها فالذي يتبادر من روح الآيات والسياق أنها تورد في صدد التنبيه والتنويه والعظة في الأمر الذي جاءت له الجملة. وليست لأجل تقرير الموضوع من الناحية الكلامية والعقائدية. وأن الأولى أخذ الأمر على هذا الوجه والوقوف عنده. وهذا يقال بالنسبة لكثير من الآيات والجمل القرآنية التي يتشاد علماء المذاهب الكلامية حولها ويحاولون استنباط مذاهبهم منها أو الاستناد إليها.

تعليق على جملة كذلك يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء

تعليق على جملة كذلك يضلّ الله من يشاء ويهدى من يشاء وتنبيه إلى ما ينبغي ملاحظته والتعويل عليه في صدد ما قد يتوهمه بعضهم من إشكال في بعض العبارات القرآنية التعليق على هذه الجملة يتناول أمرين أو وجهين: الأول مداها في مقامها الذي جاءت فيه. والثاني مداها من وجهة عامة. ففي صدد الأول نقول إن أسلوب ومضمون الآية [31] جميعها يلهمان أن فيهما تثبيتا للنبي صلى الله عليه وسلم وتنويها بالمؤمنين، واستشهادا بالكتابيين مع الوثوق بشهادتهم الإيجابية وإنذارا للكفار ومرضى القلوب وتنديدا بهم وأنهما يعنيان الذين كانوا يسمعون القرآن في الدرجة الأولى من مؤمنين وكتابيين ومرضى قلوب وكفار. وفي صدد الأمر الثاني نقول إن الآية وبخاصة الجملة بسبب أسلوبها المطلق يكون مداها عاما شاملا لغير السامعين الأولين للقرآن. وينطوي في الجملة من هذه الناحية قصد تقرر كون امتحان الله تعالى الناس يؤدي إلى اهتداء من حسنت نيته وأنار الله قلبه وإلى ضلال من كان قاسي القلب سيء الطوية والقصد. وليس فيها قصد تقرير أزلية تقدير الهدى والضلال على الناس بأعيانهم أو تقرير كون هدى الناس وضلالهم هو تقدير رباني حتمي لا كسب لهم ولا خيرة لهم فيه. ولعل في الآية التالية مباشرة قرينة حاسمة حيث جاء فيها فيما جاء: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ [المدثر/ 37] وفي آية أخرى تأتي بعد قليل قرينة حاسمة أخرى تقرر كون الإنسان رهنا بما يكسب: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر/ 38] كما أن في الآيات بصورة عامة قرائن حاسمة أيضا على صحة هذا التوجيه. وفي سور البقرة والرعد آيات مقاربة لهذه الجملة وفيها زيادات توضيحية تصح أن تورد كدلالة حاسمة على هذا التوجيه أيضا. ونص آيات البقرة هو: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ

الْخاسِرُونَ (27) ونص آيات الرعد هو: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (27) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29) ، حيث تنطوي الآيات على تقرير كون الذين يهديهم الله هم أصحاب السيرة الطيبة والرغبة الصالحة في الإنابة إلى الله، والمؤمنون الذين يعملون الصالحات، وكون الذين يضلهم الله هم الفاسقون المتمردون على الله المفسدون في الأرض الناقضون لعهد الله القاطعون ما أمر الله به أن يوصل. وفي سورة الرعد آيات فيها صورة أخرى وهي أن الذين يتذكرون ويتأثرون هم أولو الألباب الموفون بعهد الله والواصلون ما أمر الله به أن يوصل دون الذين يتعامون عن الحق المنطوي في ما أنزل الله على رسوله وبمعنى آخر أن الهدى إنما يكون لهؤلاء بسبب ما عندهم من رغبة في الحق والهدى وهي: فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) وجاء بعدها إشارة إلى صفات الذين لا يهديهم الله: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25) . وفي سورة الأعراف آية مهمة في بابها تفيد أن الذين حقت عليهم الضلالة هم الذين اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله: فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) . وفي سورة إبراهيم آية مؤيدة لهذه المعاني وهي: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (27) . كذلك في سورة غافر آيات مهمة فيها مماثلة لهذه الآية مع التوضيح وهي: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي

آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ (74) . وفي سورة يونس آية مهمة أخرى في هذا الباب وهي: كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (33) . وفي سورة الزمر آيات هامة جدا في هذا الباب، وهي: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (55) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (59) ، حيث تدعو الآيات عباد الله المسرفين على أنفسهم إلى الإنابة إلى الله واتباع أحسن ما نزل إليهم قبل مداهمة العذاب حتى لا يتحسروا على ما فاتهم من الفرص، ويقولوا فيما يقولونه أن لو هدانا الله لا هتدينا وكنا من المتقين فقد جاءتهم آيات الله ليهتدوا بها فكذبوا واستكبروا وكفروا فحق عليهم العذاب. وقد اهتممنا لتوضيح هذه الآية وبخاصة جملة: يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ [31] لأنها وأمثالها التي تكررت في القرآن كانت وما تزال موضوع جدل وتشاد بين علماء الكلام في صدد الاستدلال على قابلية الإنسان لاختيار الهدى والضلال ومسؤوليته عن اختياره، ولأنها وأمثالها كانت وما تزال تبدو لبعض الباحثين محل إشكال من حيث توهمهم أن الله يقدر الهدى والضلال على أناس بأعيانهم تقديرا حتميا لا دخل لإرادتهم واختيارهم وكسبهم وأفعالهم فيه.

ونحن نعرف أن هناك أحاديث نبوية صحيحة قد يتعارض ظاهرها مع هذا التخريج. من ذلك حديث رواه الشيخان عن أنس قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إن الله عزّ وجلّ قد وكّل بالرحم ملكا فيقول أي ربّ نطفة، أي ربّ علقة، أي ربّ مضغة. فإذا أراد الله أن يقضي خلقا قال الملك أي ربّ ذكر أو أنثى. شقيّ أو سعيد. فما الرزق. فما الأجل فيكتب كذلك في بطن أمه» «1» . وحديث رواه الشيخان والترمذي وأبو داود عن علي قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جالسا ذات يوم وفي يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال ما منكم من نفس إلّا وقد علم منزلها من الجنة والنار. قالوا: يا رسول الله فلم نعمل أفلا نتّكل قال اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له. ثم قال: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (7) والآية التالية لها» «2» . وحديث رواه مسلم والترمذي جاء فيه: «قيل يا رسول الله بيّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن ففي العمل أفيما جفّت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما نستقبل قال لا بل فيما جفّت به الأقلام وجرت به المقادير. قال: ففيم العمل؟ قال: كلّ عامل ميسّر لعمله» «3» . وفي رواية للترمذي: «قال عمر يا رسول الله أرأيت ما نعمل فيه أمر مبتدع أو فيما قد فرغ منه فقال فيما قد فرغ منه يا ابن الخطاب كل ميسر، أمّا من كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة، وأمّا من كان من أهل الشّقاء فإنّه يعمل للشقاء» «4» . وحديث رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو قال: «سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: إنّ الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضلّ فلذلك أقول جفّ القلم على علم الله تعالى» «5» . غير أنه ما دام هناك آيات صريحة بأن الله إنما يضل الظالمين وإنه لا يضل

_ (1) التاج، ج 5 ص 173. (2) المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه ص 173- 174. (4) المصدر نفسه. (5) المصدر نفسه.

إلّا الفاسقين وإنه يهدي إليه من أناب وما في باب ذلك فينبغي حمل هذه الأحاديث وأمثالها على سبق علم الله تعالى بما سوف يختار عباده من طرق الهداية والضلال. وهذا الموضوع متصل من ناحية ما بموضوع القدر وسيأتي تعليق مسهب عليه في مناسبة آتية أيضا، وما تقدم هو من ناحية العبارة بالذات. أما من ناحية جعلها موضوع تشاد كلامي فنقول أولا: إن الآية كما قلنا قبل قد عنت سامعي القرآن الأولين بقصد التنويه بالمؤمنين منهم وإنذارا للكفار ومرضى القلوب وتثبت النبي صلّى الله عليه وسلّم وإن الأولى أن تؤخذ على هذا الاعتبار ويوقف عنده. ومع ذلك فإن المدقق في الآيات وما يماثلها يجدها تهدف بصورة عامة إلى غير ذلك من حيث إنها تهدف إلى التدعيم والتثبيت والوصف والتقريب والتسلية على ما سوف ننبه إليه في المناسبات الآتية ويجد أن التشاد حولها لا محل له. ولا يتسق مع أهداف القرآن وحكمة إرسال الرسل وإنذار الناس وتبشيرهم، وإن الحق يوجب ألا يخرج القرآن عن نطاقه من التبشير والموعظة والدعوة إلى نطاق الجدل والنقاش ولا سيما فيما يتعارض مع تلك الأهداف والحكمة. هذا، ولقد رأينا عبد الحميد الخطيب المكي يؤول في تفسيره «تفسير الخطيب» الذي نشره حديثا جملة: يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ بنسبة المشيئة إلى الإنسان أي إن الله يضل من يشاء لنفسه الضلالة بالكفر والإثم ويهدي من يشاء الهدى لنفسه بالإيمان والعمل الصالح. وقد هدف بتأويله إلى تثبيت قابلية المشيئة والاختيار للإنسان وتنزيه الله عن إضلال الناس وهدايتهم بدون أن يكون في ذلك أثر لكسبهم واختيارهم وأخلاقهم. ومع أن وجهة نظره تلتقي مع وجهة نظرنا التي شرحناها فإننا نرى في تأويله تكلفا وغرابة على غير ضرورة. ولا سيما وهناك آيات تنسب الهدى والضلال إلى الله وليس فيها جملة «من يشاء» مثل آية البقرة [26] التي أوردناها آنفا ومثل آية سورة الأعراف هذه: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (178) ، ومثل آية سورة الشورى هذه: وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (46) .

تعليق على عبارة في قلوبهم مرض

ومن الجدير بالذكر والتنبيه في هذه المناسبة أن كثيرا مما يأتي مطلقا في آيات من أمثال هذه الآية ومما له صلة بكسب الإنسان واختياره ومصيره وثوابه وعقابه يأتي في آيات أخرى مقيدا وموضحا، فيزول بذلك الوهم واللبس اللذان قد ينشآن عن الإطلاق، ويتجلى الانسجام التام بين التقريرات القرآنية. وهذا فضلا عن أن في القرآن تقريرات ومبادئ محكمة هي بمثابة القول الفصل الذي يجب أن يعول عليه في ما يبدو من إشكالات أو مباينات في عبارة بعض الآيات وسبكها وسياقها. وكثير من الذين يتشادون حول بعض الآيات القرآنية أو يتحيرون أمام ما يرونه في ظاهره إشكالات ومباينات يغفلون عن ذلك. فالحق الواجب هو اعتبار القرآن كلا، يفسر بعضه بعضا في كثير من الموضوعات والألفاظ والتراكيب والمعاني والسياق والمبادئ والاستعانة على تأويل ما يبدو فيه إشكال بسبب إطلاقه وأسلوبه وسياقه وعبارته بالآيات الأخرى التي فيها تقييد أو التي جاءت بأسلوب أو في سياق أوضح وأظهر أو بالمبادىء المحكمة التي هي القول الفصل. وحينئذ لا يبقى كثير مما كان من أسباب الخلاف والتشاد حول النصوص القرآنية، وسنزيد هذا توضيحا في المناسبات الآتية. تعليق على عبارة فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وجملة وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ في الآية [31] تفيد أن الذين كانوا يقفون من النبي صلّى الله عليه وسلّم موقف العناد والتكذيب والتشكيك فريقان: مرضى قلوب وكفار. ولا بد من أن يكون بينهما فرق. وقد قال بعض المفسرين «1» إن في هذا تلميحا للمنافقين الذين ظهروا فيما بعد في المدينة بعد هجرة النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه إليها. وفي هذا القول تكلف ظاهر فيما يتبادر لنا. فالآيات مكية وتحكي مواقف وصورا مكية. ولقد حكت آيات قرآنية مكية مواقف لفريقين كانوا في مكة: فريق كان يكذب النبي في دعواه بكل شدة ويقف موقف العناد والمكابرة والصدّ والأذى

_ (1) انظر تفسير الآيات في كشاف الزمخشري.

تعليق على موضوع الملائكة

بدون هوادة، وفريق لم يكن في هذه الشدة، وإنما كان مترددا متشككا يقنع نفسه بالأعذار الواهية أو يخجل من الناس أو الزعماء أو يخشى شرهم، بينما كان في قرارة نفسه يعترف بصدق ما كان يخبر به النبي صلّى الله عليه وسلّم، وبما كان النبي صلّى الله عليه وسلّم عليه من أخلاق عظيمة وعقل راجح، مما ينطوي في آية الأنعام هذه: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (109) ، وفي آية القصص هذه: وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (57) وغيرهما مما سوف ننبه إليه في المناسبات الآتية «1» فالمتبادر أن الفريق الأول هو الذي نعتته الآية بالكافر وأن الفريق الثاني هو الذي نعتته بمريض القلب. وفي ذلك صورة من صور العهد المكي. تعليق على موضوع الملائكة وبمناسبة ورود ذكر الملائكة لأول مرة نقول: إن ذكرهم قد تكرر في القرآن كثيرا وفي مواضع ومناسبات متنوعة. وأكثر المفسرين على أن الاسم مشتق من الألوكة بمعنى الرسالة وأن الكلمة تعني الرسل «2» وفي سورة فاطر آية يمكن أن يستأنس بها على صحة هذا القول بقوة وهي: الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ [1] ، وهناك آيات أخرى مؤيدة لذلك مثل آية سورة النحل هذه: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ [2] . وبعض الباحثين يرجعون الكلمة إلى أصل عبراني ويقولون إنها دخيلة بلفظها ومعناها على اللغة العربية، ويمكن أن يورد على هذا أن العبرانية والعربية من أصل واحد والتشارك بين اللغتين في الأسماء والأفعال

_ (1) انظر كتابنا «سيرة الرسول عليه السلام» ج 1 ص 190 وما بعدها. (2) انظر تفسير آية وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ [30] من سورة البقرة في تفسير الطبري وابن كثير والطبرسي وغيرهم.

والمصادر واسع جدا، وليس من الضروري أن تكون الكلمة عبرانية ودخيلة إلّا إذا فقد من العربية ما يمكن أن يكون أصلا لها. والحال في هذه الكلمة ليست كذلك ما دام يوجد في العربية جذر «ألك» بمعنى أرسل «1» . ولا سيما أن من الممكن أن يكون هذا الجذر- أو أي جذر آخر يحتمل أن ترجع إليه الكلمة- مشتركا بين اللغتين. وهذا يقال بالنسبة لكلمات كثيرة يحلو لبعض الباحثين رجعها إلى العبرانية، والزعم بأنها دخيلة على العربية. وننبه إلى أننا لا نريد أن ننفي وجود كلمات كثيرة في اللغة العربية القرآنية معرّبة عن لغات أخرى. غير أن هذا قد كان قبل نزول القرآن وصار ما في اللغة العربية من ذلك جزءا من هذه اللغة بالصقل والاستعمال. وعلى كل حال فإن مما لا يحتمل شكا أن كلمة الملائكة ومفردها مما كان مستعملا في اللسان العربي قبل نزول القرآن ومما كان يعد من هذا اللسان، ومما كان مفهوم الدلالة عند العرب. ودليل هذا الحاسم هو في اتخاذ العرب الملائكة آلهة وشفعاء قبل الإسلام، واعتقادهم أنهم بنات الله على ما حكته عنهم آيات عديدة مثل آيات سورة الصافات هذه: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ (150) ، وآيات سورة الزخرف هذه: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (19) وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20) وقد حكى القرآن في آيات كثيرة أقوال الكفار عن الملائكة أيضا منها هذه الآية في سورة الأنعام: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ [8] ، ومنها هذه الآيات في سورة الحجر: وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) .

_ (1) انظر «أساس البلاغة» للزمخشري. الجزء الأول من التفسير الحديث 30

ولقد أيّد القرآن ذلك حيث يفيد ما ورد فيه عن الملائكة أنهم ذوو صلة بالله وأنهم يقومون بخدم متنوعة له من تبليغ الأنبياء والرسل أوامر الله ومن تولي أمر الجنة والنار واستقبال المؤمنين والكافرين حسب ما يستحق كل منهم فيهما، ومن إنزال العذاب الرباني بمستحقيه في الدنيا ومن تأييد الأنبياء والمؤمنين، ومن إحصاء أعمال الناس، ومن حمل عرش الله والتسبيح بحمده، ومن استعدادهم للقيام بكل مهمة يأمرهم بها الله دون أن يعصوا له أمرا، وليس في القرآن شيء عن ماهيتهم. وكل ما فيه في صفتهم أنهم أو أن منهم ذوي أجنحة مثنى وثلاث ورباع على ما جاء في آيات سورة فاطر التي أوردناها قبل. وهناك حديث رواه مسلم والإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها جاء فيه: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم في قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) [المؤمنون/ 12] » «1» . وقد يتبادر من الحديث أن الملائكة ليسوا من مادة جامدة. ومع ذلك ففي القرآن ما يفيد أنهم يتراءون للأنبياء وغيرهم بأشكال مادية كما ترى في آيات سورة هود هذه: وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (70) ، وفيه ما يفيد أنهم يمكن إذا شاء الله أن يتشكلوا على شكل الرجال وينزلوا راكبين الخيل المسومة لتأييد المؤمنين كما ترى في هذه الآيات: 1- وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (9) الأنعام [8- 9] . 2- بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [آل عمران/ 125] «2» .

_ (1) التاج الجامع ج 5، ص 269. [.....] (2) في القرآن آيات عديدة أخرى يمكن أن تورد في هذا الصدد فاكتفينا بما أوردناه للتمثيل.

وهناك أحاديث صحيحة تفيد أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يرى ملك الله أو جبريل عليه السلام حينما ينزل عليه ويكلمه بين الناس وإن لم يكن يراه غيره. من ذلك الحديث الذي أوردناه في مطلع السورة والذي ذكر فيه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم رأى الملك على عرش بين السماء والأرض، ومن ذلك حديث رواه البخاري ومسلم والترمذي عن عائشة رضي الله عنها جاء فيه: «إن الحارث بن هشام سأل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كيف يأتيك الوحي فقال أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول» «1» . وحديث عن عائشة أيضا رواه الشيخان والترمذي جاء فيه: «قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يا عائشة هذا جبريل يقرئك السلام قلت وعليه السلام ورحمة الله. ترى يا رسول الله ما لا أرى» . وحديث طويل رواه الخمسة عن عمر بن الخطاب مفاده أن جبريل طلع على النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه في صورة رجل وقد جاء فيه: «بينما نحن عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منّا أحد حتى جلس إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفّيه على فخذيه وقال يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال صدقت قال فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال فأخبرني عن الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشرّه قال صدقت قال فأخبرني عن الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك. قال فأخبرني عن الساعة قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل قال فأخبرني عن أماراتها قال أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان. قال ثم انطلق فلبثت مليا ثم قال لي يا عمر أتدري من السائل قلت الله ورسوله أعلم قال فإنه جبريل أتاكم يعلّمكم دينكم» «2» .

_ (1) التاج ج 1 ص 20- 21. (2) المصدر نفسه.

ومهما يكن من أمر فإن وجود الملائكة واختصاصهم بخدمة الله ثابت بصراحة القرآن والإيمان بذلك واجب بنص القرآن على ما جاء في آيات كثيرة، منها آية البقرة هذه: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ [177] وليس وجودهم مما هو خارج عن نطاق قدرة الله تعالى بطبيعة الحال ولو لم تدركه عقولنا التي يعييها إدراك كثير من قوى الكون ونواميسه. ومن الواجب أن يوقف في أمر ماهيتهم وخدماتهم لله عز وجل واتصالهم بالأنبياء وغيرهم عند ما وقف عنده القرآن أو السنة الثابتة بدون تزيد ولا تخمين وأن يسلم به تبعا لواجب التسليم والإيمان بما جاء في القرآن والسنة الثابتة. ولعل حكمة ما احتواه القرآن من صور عن الملائكة متصلة من ناحية ما بما كان في أذهان العرب عنهم وما كان لهم فيهم من عقائد تأليه واستشفاع وبنوة لله وحظوة لديه مما أشارت إليه آيات قرآنية عديدة أوردنا بعضها آنفا، بحيث أريد فيما أريد تقرير كونهم ليسوا إلّا عبيدا لله وخدما ينفذون أوامره ويسبحون بحمده، وأن الله هو وحده المستحق للعبادة والخضوع، وهو وحده النافع والضار، وأن من يحيد عن ذلك ويعبد عبيده وخدمه ويرجو منهم النفع والضرر يكون في أشد الضلال والانحراف عما يقضي به العقل والمنطق. وفي آيات سورة الأنبياء هذه: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (26) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29) ، وآيات سورة سبأ هذه: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (40) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41) وآيات سورة الفرقان هذه: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17)

قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ [18] ، وآية سورة النساء هذه: نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [172] قرائن قوية على ذلك. وفي هذا كما هو المتبادر تدعيم للدعوة القرآنية والرسالة النبوية. وعلى كل حال إن القرآن وهو يخبر عن الملائكة ويتحدث عنهم في شتى المواضع والمناسبات يخبر ويتحدث عن قوى ومخلوقات يعترف السامعون بوجودها وصفاتها بما يقارب ما يقرره القرآن عنها بقطع النظر عن عقائدهم الدينية فيها. وهذه نقطة مهمة في أسلوب القرآن من حيث مخاطبته للناس بما يعرفونه ويسلمون به مستهدفا العظة والعبرة والتدعيم أيضا، إذ لا يكون الخطاب عن الأمور والوقائع ذا أثر إلّا حينما يكون مستمدا من معارف السامعين ومتسقا معها «1» . ولقد أورد المفسرون كثيرا من البيانات المعزوة إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه وتابعيهم عن مختلف أحوال الملائكة وخدماتهم وخلقتهم وحركاتهم في السموات والأرضين وحول العرش على هامش ما ورد عنهم من ذلك في القرآن جلها أو كلها غير موثق بأسناد صحيحة وفيها إغراب غير قليل وخوض في ماهيات وتفصيلات غيبية من الأحوط الوقوف منها موقف التحفظ. وفيها مع ذلك دلالة على أن الحديث عنهم من شتى النواحي كان مستفيضا في بنية النبي صلّى الله عليه وسلّم مما يتسق مع ما قلناه ويؤيده. هذا، وننبه على أن أسفار العهد القديم والأناجيل قد ذكرت الملائكة في مواضع عديدة بصفتهم رسل الله إلى أنبيائه ومنفذي أوامره. غير أن الأسلوب الذي ذكروا به في القرآن يختلف اختلافا كبيرا عنه في هذه الكتب، سواء أكان ذلك في التنويه بما لهم لدى الله من مكانة أم فيما يقومون به من مهام عظمى في الدنيا والآخرة. وهذا من خصوصيات القرآن ولعله متصل من ناحية ما بأحوال بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم وعصره.

_ (1) انظر كتابنا القرآن المجيد في مقدمة هذا التفسير.

تعليق على أهل الكتاب

تعليق على أَهْلِ الْكِتابِ وبمناسبة ورود تعبير أَهْلِ الْكِتابِ لأول مرة نقول إن التعبير يعني على ما يستفاد من الآيات القرآنية أهل الملل التي عندها كتب منسوبة إلى الله تعالى أنزلها على أنبيائه وفيها شرائعه ووصاياه. ولقد تكرر ذكر أهل الكتاب كثيرا في القرآن بأساليب متنوعة ومواضع عديدة في مناسبات شتى. ويلحظ أن الكلام عنهم في الآية التي نحن في صددها يفيد أنهم لم يكونوا مناوئين وجاحدين للرسالة النبوية. وفي القرآن آيات عديدة تفيد ذلك أيضا، وقد استشهد بهم في آيات كثيرة على صحة النبوة المحمدية والوحي القرآني ووحدة المصدر لكتبهم وللقرآن ولرسالة رسلهم وأنبيائهم ولرسالة النبي صلّى الله عليه وسلّم ورسالته. وأسلوب الاستشهاد بهم يلهم أن شهادتهم في جانب النبي صلّى الله عليه وسلّم هي المنتظرة. وفي آيات مكية عديدة ما يفيد أنهم شهدوا وصدقوا وآمنوا مثل آيات سورة القصص هذه: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) وآيات سورة الإسراء هذه: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (107) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (109) وآية سورة الأنعام هذه: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) ، وآية سورة العنكبوت هذه: وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ (47) ، وآية سورة الرعد هذه: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (36) ، وهذه: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (43) مع التنبيه على أن في السور المدنية ما يفيد أن من أهل الكتاب من

آمن بالنبي صلّى الله عليه وسلّم والقرآن في العهد المدني أيضا مثل آية سورة آل عمران هذه: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (199) ، وآية سورة النساء هذه: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [162] . وفي القرآن آيات عديدة تفيد أن المقصود بالتعبير بالدرجة الأولى هم اليهود والنصارى مثل آيات سورة البقرة هذه: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (111) بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) وفي آيات سورة آل عمران [63- 67] وسورة النساء [43- 55] وسورة المائدة [12- 16] وسورة التوبة [29- 34] نفس الدلالة. والآيات والروايات الموضحة تدل على أن أكثر الكتابيين في مكة كانوا من النصارى ولم يكونوا مع ذلك كتلة كبيرة. ومنهم من كان غير عربي جاء من البلاد المجاورة. وأنه كان في المدينة وحولها كتلة كبيرة من اليهود. وأن هؤلاء كانوا جاليات إسرائيلية جاءت قبل البعثة بقرون عديدة إلى هذه المنطقة. وأن بعض أفراد منهم كانوا يقيمون في مكة أو يترددون عليها. وأسلوب الآيات المكية إجمالا يتسم بالعطف والودّ نحو أهل الكتاب. وقد طرأ على هذا الأسلوب بعض التبدل

في القرآن المدني بالنسبة لليهود بخاصة تبدل موقفهم من الدعوة النبوية «1» ، بسبب أخلاقهم وجبلتهم ومصالحهم خاصة، وأدى ذلك إلى التصادم بينهم وبين النبي صلّى الله عليه وسلّم والمسلمين وإجلاء بعضهم والتنكيل ببعضهم. وفي القرآن آيات كثيرة في ما كانوا عليه من أخلاق ووجوه من مواقف الكيد والتآمر. ولقد ذكر القرآن كتب اليهود باسم الكتاب وباسم التوراة وكتب النصارى باسم الإنجيل وذكر أن الله قد أنزلهما وآتاهما موسى وعيسى عليهما السلام. والعبارة القرآنية بذلك صريحة الدلالة على أن المقصد هو الكتب والتبليغات الربانية بالأحكام والشرائع والمبادئ الإيمانية كما ترى في الآيات التالية: 1- نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ ... آل عمران [3- 4] . 2- إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (44) وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (47) المائدة [43- 47] . 3- وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ

_ (1) اقرأ مبحث الجاليات الأجنبية في الحجاز ومبحث النصارى واليهود في كتابنا عصر النبي وبيئته قبل البعثة ومبحث النصارى واليهود في كتابنا سيرة الرسول عليه السلام.

فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ (66) المائدة [65- 66] . 4- وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا الإسراء [2] . والمتبادر أن اليهود والنصارى قد سموا باسم أهل الكتاب والذين أوتوا الكتاب في القرآن بسبب ذلك. وهناك نقاط أخرى في صدد اليهود والنصارى وما في أيديهم من كتب وما طرأ عليها من تحريف ستكون موضوع تعليقات وبيانات أوفى في مناسبات آتية أكثر بلاغة إن شاء الله. وننبه على أمر هام وهو أن في القرآن ما يسوغ القول إن تعبير أهل الكتاب أشمل من اليهود والنصارى. فهناك آيات تذكر أن الله قد أرسل في كل أمة رسولا وأنه لم تخل أمة إلّا جاءها نذير وأن الله قد أرسل رسلا منهم من قصهم في القرآن ومنهم من لم يقصص. وآيات تذكر أهل الكتاب بأسلوب مطلق، وتأمر المسلمين بأن يعلنوا إيمانهم بكل أنبياء الله وكتبه، كما ترى في الآيات التالية: 1- لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ ... البقرة [177] . 2- آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ... البقرة [285] . 3- قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ آل عمران [84] . 4- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً النساء [136] .

5- وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ النحل [36] . 6- إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ فاطر [24] . 7- وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ غافر [78] . 8- فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ الشورى [15] . بحيث يسوغ القول بناء على ذلك أن التعبير يصح أن يشمل كل أمة تدعي أن عندها كتبا منسوبة إلى الله تعالى أوحيت إلى رجال قدماء منهم وفيها شرائعها وعليها سمة ما من سمات الكتب المنسوبة إلى الله دعوة أو مبادئ أو أحكاما أو وصايا أو شرائع مهما كان فيها تحريف وانحراف. لأن هذا كان وما يزال قائما بالنسبة لليهود والنصارى وما في أيديهم من كتب منسوبة إلى الله تعالى. ومعلوم اليوم أنه كان في فارس شخص اسمه زرداشت له كتاب ويوصف بأنه من الأنبياء وأن أشخاصا عديدين ظهروا في الأزمنة القديمة في الهند والصين وغيرهما وتركوا كتبا فيها شرائع وتعاليم ووصايا منسوبة إلى خالق الأكوان وربّ الأرباب. وهناك آية مهمة في بابها تؤيد النتيجة التي انتهينا إليها وهي آية سورة الحديد هذه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ. فذكر ذرية نوح مع ذرية إبراهيم يفيد كما هو المتبادر أن هناك أنبياء آخرين من ذرية نوح أنزل عليهم كتب الله من غير ذرية إبراهيم التي منها جل أبناء بني إسرائيل وبنوع خاص موسى وعيسى اللذين أنزل عليهما التوراة والإنجيل. وليس في القرآن والحديث شيء مهم في ذرية نوح إلّا ما جاء في القرآن بأن الله نجاها مع نوح من الطوفان الذي أغرق الله به الكافرين. ومن ذلك آية سورة الصافات هذه: وَجَعَلْنا

[سورة المدثر (74) : الآيات 32 إلى 37]

ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ [77] ، وفي الإصحاحات (7- 10) من سفر التكوين أول أسفار العهد القديم المتداولة اليوم ذكر أن الذين نجوا مع نوح هم أبناؤه سام وحام ويافث ونسوتهم وأمهم فصاروا أجداد أمم شتى نمت في آسيا وإفريقية. وإذا صح ما انتهينا إليه إن شاء الله فيكون من تعنيهم الآيات من كون المقصود بالتعبير بالدرجة الأولى على ما نبهنا عليه قبل هم اليهود والنصارى إنما هو على ما يتبادر بسبب كونهم هم الذين كان العرب الذين أنزل القرآن في بيئتهم يعرفونهم ويتصلون بهم كأهل كتاب، والله تعالى أعلم. [سورة المدثر (74) : الآيات 32 الى 37] كَلاَّ وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (34) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (36) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37) . (1) أدبر: ولّى. (2) الصبح: هنا بمعنى الفجر أو النهار. (3) أسفر: انجلى أو انكشف. (4) إحدى الكبر: إحدى آيات الله الكبرى، والمرجح أن المقصود بذلك سقر. والآيات استمرار للآيات السابقة. وقد تضمنت ردعا بمعنى الإيعاد والزجر، وقسما بالقمر والليل حين ينقضي ويولي والصبح حين يسفر بأن سقر التي ينذر الكفار بها حقيقة وليست وهما، وأنها إحدى آيات الله الكبرى، وأنها ذكرت لتكون نذيرا لجميع البشر حتى يكونوا على بينة من أمرهم فيتقدم من يشاء إلى الإيمان بالله واتباع الدعوة فينجو، ويتأخر من يشاء عن ذلك فيهلك. والآية الأخيرة احتوت- بعد أن أكدت الآيات السابقة لها حقيقة الحياة الأخروية وما سوف يلقاه الكافرون من العذاب والنار- تقريرا لقابلية التمييز عند الناس وقدرتهم على الاختيار، ولكون مهمة الرسول هي الإنذار والتبليغ. وفي ذلك توكيد لما قررناه في سياق الآيات السابقة ودليل حاسم عليه.

[سورة المدثر (74) : الآيات 38 إلى 47]

[سورة المدثر (74) : الآيات 38 الى 47] كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلاَّ أَصْحابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (47) . (1) كل نفس بما كسبت رهينة: كل نفس مسؤولة بما عملت ومرتهنة به. وتأويل الطبري يفيد أن ذلك بالنسبة لذوي المعاصي والكافرين. (2) أصحاب اليمين: تعبير قرآني عن الناجين يوم القيامة. (3) ما سلككم في سقر: ما الذي جعلكم في عداد أصحاب جهنم. (4) الخوض: التوغل في الشيء، والمقصود الخبط والتورط بدون علم وحق أو الاندماج في الباطل. (5) اليقين: الموت وانقضاء الحياة. والآيات استمرار للسياق السابق كذلك. والآية الأولى خاصة تتمة للآية السابقة لها وتعقيب عليها بسبيل تقرير كون مصير كل نفس رهنا بما كسبته وشاءته من تقدم نحو الهدى أو تأخر عنه. وقد قررت الآية الثانية بأسلوب استدراكي أن أصحاب اليمين لهم الجنات في الآخرة. وبسبب هذا الاستدراك أوّل الطبري وغيره بأن الآية الأولى تعني الذين يكسبون المعاصي ويكفرون، فهم مرتهنون بما كسبوه من ذلك. وقد حكت الآية الثالثة وما بعدها حوارا مقدرا بين أصحاب اليمين والمجرمين، فسأل الأولون الأخيرين سؤال تعجب وشماتة عما جعلهم في عداد أهل النار فأجابوا أن سبب ذلك هو أنهم لم يكونوا يعبدون الله ويصلون له ولا يطعمون المسكين، وكانوا إلى هذا يخوضون في الباطل مع الخائضين، ويكذبون بيوم الحساب والجزاء إلى أن انقضت حياتهم وصاروا إلى الحقيقة واليقين من أمرهم وحقّت عليهم كلمة العذاب الذي أوعدوا به ولم يصدقوه.

تعليق على مدى ما أولاه القرآن من العناية بالمسكين

تعليق على مدى ما أولاه القرآن من العناية بالمسكين وبمناسبة جملة وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ التي تأتي لأول مرة في الآية [44] نقول: إن الآيات القرآنية التي ذكرت المسكين والمساكين بسبيل الحثّ على البرّ بهم ومساعدتهم والعناية بهم والتنديد بمن لا يفعل ذلك قد بلغت اثنتين وعشرين منها المكي ومنها المدني حيث يبدو من ذلك مبلغ عناية الله سبحانه بهذه الطبقة منذ أوائل عهد التنزيل واستمرارها إلى نهاياته. ومما احتوى حثا على إطعامه وتنويها بمن يفعلون وتنديدا بمن لا يفعلون آيات سورة البلد هذه: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (16) ، وآيات سورة الفجر هذه: كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (18) ، وآيات سورة الماعون هذه التي تجعل عدم الحض على طعامهم دليلا على عدم الإيمان بالآخرة وعقاب الله: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (3) ، وآيات سورة الحاقة هذه: إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (35) وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ (37) ، وآيات سورة الإنسان هذه: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (8) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (9) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (10) فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (11) وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً (12) وفي سورتي الإسراء والروم آيتان تجعل للمسكين حقا وتوجب إعطاءه له وهذا نص آية الروم: فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39) . وقد يتبادر إلى الذهن أن كلمة المسكين تعبر عن الطبقة الفقيرة المحتاجة،

غير أن هناك آيات تذكر المساكين مع الفقراء وآيات تذكر المساكين مع السائلين مثل آية سورة التوبة هذه: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها [60] . وآية سورة البقرة هذه: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ [177] . وهناك حديث فيه وصف للمسكين رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم جاء فيه: «ليس المسكين الذي يطوف على الناس تردّه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدّق عليه ولا يقوم فيسأل الناس» «1» حيث يظهر في هذا الوصف جانب من حكمة الله تعالى في ما ورد في القرآن من حضّ على البرّ بالمسكين وإطعامه والتنديد بمن لا يفعلون ذلك لأنه يصبر على العوز والحرمان ولا يسأل الناس وفي هذا ما فيه من مغزى جليل. ولقد خصت حكمة التنزيل المسكين دون الفقير بنصيب من خمس غنائم الحرب ومن الفيء وهما موردان جعل للدولة حق استيفائهما وتوزيعهما على ما جاء في آية سورة الأنفال هذه: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [41] ، وآية سورة الحشر هذه: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [41] ، وخصت المسكين بخاصة بطعام الكفارات كما جاء في آية سورة المائدة هذه: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ ... [89] ، وهذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ ... [95] ، وآيات سورة المجادلة هذه: وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ

_ (1) التاج ج 2 ص 28.

تعليق على تعبير: (أصحاب اليمين وأصحاب الشمال)

مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً [3- 4] . حيث تزداد تلك الحكمة وهذا المغزى روعة وجلالا. وهذا بالإضافة إلى ذكر المسكين كصاحب نصيب مع الفقراء في مورد الزكاة الذي تستوفيه الدولة وتوزعه كذلك على ما جاء في آية سورة التوبة التي أوردناها آنفا. ولقد روى الشيخان والترمذي عن صفوان بن سليم عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «السّاعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو كالذي يصوم النهار ويقوم الليل» «1» . والحديث من ناحية يدعم الوصف الذي ورد في الحديث السابق ويتساوق مع التلقين القرآني في هذا الأمر كما هو في كل أمر. وهناك مناسبات آتية أخرى سوف يكون لنا فيها تعليقات أخرى على هذا الأمر وأمثاله فنكتفي بما تقدم. تعليق على تعبير: (أصحاب اليمين وأصحاب الشمال) وتعبير أَصْحابَ الْيَمِينِ تعبير مجازي، فالعرب كانوا يتفاءلون بالجهة اليمنى ويعتبرونها مباركة، ويتشاءمون باليسرى ويعتبرونها منحوسة. ولقد ذكرت آيات أخرى أن الناس يوم القيامة يعطون كتب أعمالهم. وأن الناجين يعطونها بأيمانهم والخاسرين بشمالهم كما جاء في آيات سورة الحاقة هذه: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (22) قُطُوفُها دانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (24) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (26) يا لَيْتَها كانَتِ

_ (1) التاج ج 5 ص 13.

هدف المحاورات الأخروية بين الناجين والخاسرين

الْقاضِيَةَ (27) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (34) وقد يسوغ هذا القول أن تعبير أصحاب اليمين قد قصد به الناجون يوم القيامة بأيمانهم وأعمالهم الصالحة. والمتبادر على كل حال أن تعبير أصحاب اليمين وأصحاب الشمال بالمقابلة هو تعبير مقتبس مما في أذهان العرب الذين يسمعون القرآن، ومفهوماتهم وأساليب خطابهم، للتقريب والتشبيه والتمثيل والتأثير، مع واجب الإيمان بوقوع ما أخبرت به الآيات من ذلك كمشهد من المشاهد الأخروية. هدف المحاورات الأخروية بين الناجين والخاسرين ولقد تكررت حكاية المحاورات المفروض وقوعها بين الناجين المؤمنين والخاسرين الكفار في الآخرة، حينما يصير كل منهم إلى مصيره، كما تكررت حكاية اعتراف الكفار وندمهم وحسرتهم، مثل ما جاء في آيات سورة الأعراف هذه: وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (45) [44- 45] ومع واجب الإيمان بوقوع ما احتوته الآيات من مشهد أخروي فإن من الحكمة الملموحة في ذلك قصد الإنذار والتنديد وإثارة الخوف في نفوس الكفار حتى يرعووا ويرتدعوا. تعليق على تعبير كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ وتعبير كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ تقرير قرآني حاسم بمسؤولية الناس عن أعمالهم، وقابليتهم للكسب والاختيار واستحقاقهم للجزاء وفاقا لذلك، وهذا

[سورة المدثر (74) : آية 48]

التقرير بهذا الأسلوب ذو خطورة تلقينية عظمى في صدد أعمال الناس وتصرفاتهم وتربية نفوسهم وأخلاقهم. والمؤمن إذا تيقن من هذا واجتهد ليكون من نفسه على نفسه رقيب، وحسب حساب عاقبة كل ما يقدم عليه نما فيه الوازع الذاتي الذي يزعه عن الإثم والشر، والحافز الذاتي الذي يحفزه إلى الخير والصلاح والهدى. وفي هذا التعبير على ضوء هذا الشرح الذي نرجو أن يكون فيه الصواب إن شاء الله تدعيم لشرحنا الذي شرحنا به مدى جملة كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ أيضا حين إمعان النظر. حيث يتضمن كون الإنسان مسؤولا عمّا يكتسب ويختار من هدى وضلال. [سورة المدثر (74) : آية 48] فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) . وهذه الآية تعقيب على الآيات السابقة، وقد تضمنت تقريرا بأن الكفار والمجرمين لن تنفعهم يوم القيامة شفاعة الشفعاء، فتحول دون صيرورتهم إلى المصير الرهيب الذي استحقوه بكسبهم. وقد استهدفت كما هو المتبادر فيما استهدفته تنبيه الكفار إلى أن المرء إنما ينفعه في الدرجة الأولى إيمانه وعمله الصالح، وحملهم على الارعواء من ضلالهم وعدم الإركان إلى شفاعة الشافعين. تعليق على عقيدة الشفاعة والشرك عند العرب وهدفها واستطراد إلى حقيقة فائدة الشفاعة للمؤمنين وما ورد في ذلك من آيات وأحاديث ولقد حكت آيات قرآنية عديدة عقائد العرب بالشفاعة بأسلوب يدل على أن ذلك كان يمثل عقيدة الشرك عندهم أو عند أكثريتهم الكبرى، فقد كانوا يعترفون بالله كالإله الأعظم الخالق المدبر الضار النافع، على ما حكته آيات كثيرة مثل آيات سورة المؤمنون هذه: قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ الجزء الأول من التفسير الحديث 31

لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89) ، وآية سورة الزخرف هذه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) ، وآية سورة العنكبوت هذه: فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) ، وآية سورة الزمر هذه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38) ، وآية سورة يونس هذه: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (31) . ثم يشركون به غيره في العبادة والاتجاه والدعاء، بقصد الاستشفاع لديه على ما جاء في آيات كثيرة، منها آية سورة يونس هذه: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [18] ، وآية سورة الزمر هذه: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (3) . والراجح أن معنى الآية التي نحن في صددها متصل بهذه العقيدة بقصد تزييفها، وإفهام أصحابها أنهم على ضلال وخسران. وقد تكرر ذلك في آيات عديدة مثل آيات سورة الزمر هذه: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44) وآية سورة الزخرف هذه: وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86) وآية سورة النجم هذه: وَكَمْ

مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (26) . وأكثر الآيات القرآنية تلهم أن الشفعاء الذين كانوا يعتقدون بهم ويشركونهم مع الله هم الملائكة في الدرجة الأولى على اعتبار أنهم بزعمهم بنات الله وأصحاب الحظوة لديه، على ما شرحناه في سياق سابق من السورة وعلى ما جاء في آية سورة سبأ هذه: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (40) . ولعل ذلك آت من قياس الله تعالى في أذهانهم على ملوك الدنيا وأصحاب القوة والسلطان فيها، الذين تحول مشاغلهم ومراكزهم بينهم وبين أصحاب المصالح فيرى هؤلاء أنه لا بد لهم من وسطاء إليهم. وفي اعتبار ذلك شركا مع إيمان العرب بالله وعظمته ينطوي معنى التوحيد الرائع في الإسلام الذي لا يتحمل أي شائبة أو ملابسة بأي تأويل كان. وعلى كل حال ففي الآية وما جاء في بابها من آيات تلقين مستمر المدى بضلال الاعتماد على شفاعة الشافعين إذا لم يكن المرء من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وبأن الشافعين مهما علت مرتبتهم عند الله لا يمكن أن يشفعوا إلّا لمن حاز مبدئيا رضاء الله وآمن به واتقاه وفي هذا ما فيه الوازع والحافز. ولقد قلنا في سياق التعليق على الحياة الأخروية أن المشركين الذين تحكي الآية قولهم كانوا لا يؤمنون بهذه الحياة ولا يخافونها. وهذا ما حكته عنهم آية في هذه السورة تأتي بعد قليل. وقد يرد بناء على ذلك سؤال عن هدف الشفاعة التي كان المشركون يرجونها من الشفعاء المحظيين عند الله. والجواب المتبادر هو أنهم كانوا يفعلون ذلك لضمان قضاء مصالحهم ومآربهم في الدنيا من دفع الضرر وجلب النفع والخير على اختلاف المجالات والحالات والأنواع. وهذا هو ما كانوا يتوخونه بصورة عامة من عبادة الله وعبادة الشركاء على اختلاف مظاهرها وطقوسها. ولقد احتوت آيات عديدة أوردنا بعضها آنفا إيذانا بأن الذين يعبدونهم من دون الله ويشركونهم معه بقصد جلب النفع والخير ودفع الضر والشر في الدنيا لن ينفعوهم في ذلك فأرادت الآية التي نحن في صددها على ما هو المتبادر إيذانهم

أن شركاءهم المحظيين عند الله لن ينفعوهم في الآخرة أيضا لو قالوا في أنفسهم ذلك إذا كان ما ينذر النبي به حقا. ونستطرد إلى القول إن القرآن آيات عديدة تقرر نفع الشفاعة وانفساح المجال لها لمن يأذن الله ويرضى ويتخذ عنده عهدا منها آيات سورة النجم [26] وسورة الزخرف [86] التي أوردناها قبل قليل وآية سورة مريم هذه: لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (87) ، وآية سورة طه هذه: يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109) . كما أن هناك أحاديث صحيحة عديدة تذكر شفاعة النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم والأنبياء عليهم السلام وبعض فئات المؤمنين للمؤمنين. منها حديث رواه الترمذي عن أنس قال: «سألت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أن يشفع لي يوم القيامة فقال أنا فاعل ... » «1» وحديث رواه الترمذي أيضا عن عوف بن مالك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أتاني آت من عند ربّي فخيّرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئا» «2» . وحديث عن أنس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الناس تبعا» «3» . وحديث رواه الترمذي وأبو داود عن جابر قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي» «4» . وحديث رواه الاثنان أيضا عن أبي سعيد قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّ من أمّتي من يشفع للفئام ومنهم من يشفع للقبيلة ومنهم من يشفع للعصبة ومنهم من يشفع للرجل حتى يدخلوا الجنة» «5» . وحديث رواه الاثنان كذلك عن أبي الدرداء

_ (1) التاج ج 5 ص 342. (2) المصدر نفسه ص 348- 360. (3) المصدر نفسه. (4) المصدر نفسه. (5) المصدر نفسه.

قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم يشفّع الشهيد في سبعين من أهل بيته» «1» ، وحديث رواه ابن ماجه عن عثمان قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم يشفع يوم القيامة ثلاثة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء» «2» . وهناك بضعة أحاديث صحيحة طويلة في شفاعة النبي صلّى الله عليه وسلّم للناس جميعا للقضاء فيهم يوم القيامة حين يطول عليهم الأمر والجهد ويعتذر الأنبياء ويدلّون الناس على النبي فيسجد لله ويطلب منه الإذن في الشفاعة فيؤذن له «3» . ومما جاء في بعضها «أنّ الله لما يأذن للنبي بالشفاعة يقول يا ربّ أمّتي أمّتي فيقال له انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبّة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منه فأنطلق فأفعل ثم أرجع إلى ربّي فأحمده بتلك المحامد ثم أخرّ له ساجدا فيقال لي يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفّع، فأقول أمتي أمتي فيقال لي انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها فأنطلق فأفعل ثم أعود إلى ربّي فأحمده بتلك المحامد ثم أخرّ له ساجدا فيقال لي يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفّع فأقول يا ربّ أمتي أمتي فيقال لي انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل» . والإيمان بما جاء في الآيات القرآنية وما ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم واجب مع الإيمان بأنه لا بد لذلك من حكمة. والمتبادر من فحوى الآيات والأحاديث أن من تلك الحكمة تقرير كون السعادة والنجاة في الإيمان بالله وحده والعمل الصالح الذي يرضى عنه الله والترغيب في ذلك. وفي ذلك ما فيه الفوائد الجليلة في الدنيا بالإضافة إلى مثل ذلك في الآخرة.

_ (1) التاج ج 5 ص 348- 360. (2) المصدر نفسه. [.....] (3) المصدر نفسه.

[سورة المدثر (74) : الآيات 49 إلى 51]

[سورة المدثر (74) : الآيات 49 الى 51] فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51) . (1) التذكرة: كناية عن الدعوة النبوية. (2) حمر: جمع حمار. وقيل إن هذا الجمع خاص بحمار الوحش وقد ورد في سورة لقمان لفظ (حمير) جمعا لحمار. (3) مستنفرة: شاردة. (4) قسورة: من أسماء السبع. والآيات استمرار للسياق وتعقيب عليه، حيث تندد بالكفار وتتساءل عن سبب إعراضهم عن الدعوة النبوية وفرارهم منها، كما تفرّ الحمر الوحشية من السبع حين يبدو لها. [سورة المدثر (74) : الآيات 52 الى 56] بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (52) كَلاَّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (53) كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (55) وَما يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56) والآيات استمرار للسياق وتعقيب استدراكي وتنديدي عليه. وقد تلهم الآية الأولى أن الكفار تحدوا النبي صلّى الله عليه وسلّم بإنزال صحف مكتوبة على كل منهم لتكون برهانا على صحة دعواه ودعوته، كما تحتمل أن تكون في معرض التنديد بشدة عنادهم، حتى لكأنهم يريدون ليؤمنوا ويصدقوا أن ينزل على كل منهم كتاب خاص من السماء «1» . وقد روى بعض المفسرين «2» أن المشركين قالوا للنبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن سرك أن نتبعك فأتنا بكتاب خاصة إلى فلان وفلان نؤمر فيه

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري وابن كثير ففيهما ما يدعم الوجهين. (2) انظر تفسير الآيات في الطبري.

تعليق على تعبير وما يذكرون إلا أن يشاء الله

باتباعك» كما روى بعضهم أنهم قالوا له: «ليصبح عند رأس كل رجل منا كتاب منشور من الله أنك رسوله نؤمر فيه باتباعك» «1» . ولقد حكت إحدى آيات سورة الإسراء ذلك عنهم فعلا في مناسبة أخرى كما ترى فيها: أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا (93) . والآية الثانية احتوت تقريرا لواقع الحال من أمرهم وسبب عدم استجابتهم بأسلوب الزجر والاستدراك وهو عدم خوفهم من الآخرة وجحودهم بها. وتلهم أنها بسبيل تسلية النبي صلّى الله عليه وسلّم. والآيتان الثالثة والرابعة احتوتا ردا على تحدّيهم وشدة عنادهم في صورة تقرير لمهمة النبي صلّى الله عليه وسلّم التي هي تذكير وتبليغ للناس ثم تركهم لاختيارهم ومشيئتهم في الاستجابة إليها. أما الآية الخامسة فإنها احتوت تقريرا بأن مشيئة الناس في التذكر والاستجابة منوطة بمشيئة الله الذي هو الجدير بالاتقاء والخشية والذي هو القادر على العفو والمغفرة. ولقد روى الترمذي في سياق الآية الأخيرة حديثا عن أنس بن مالك قال: «قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في هذه الآية هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ قال: قال الله عزّ وجل أنا أهل أن أتّقى فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها فأنا أهل أن أغفر له» «2» . حيث ينطوي في الحديث توضيح فيه تبشير وترغيب للمتقين. تعليق على تعبير وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ولقد يبدو فيما جاء في الآية الخامسة من إناطة تذكر الناس بمشيئة الله نقض

_ (1) انظر تفسير الآيات في الخازن. (2) التاج ج 4 ص 248.

أو تحديد لما جاء في الآية [37] من تقرير المشيئة للناس إطلاقا. ولقد قال بعض العلماء والمفسرين إن هذه الآية وما في بابها مثل آية سورة الإنسان هذه: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ بسبيل تقرير أن الناس إنما يشاءون بقوة المشيئة التي خلقها الله فيهم. وقال آخرون إن إناطة مشيئة الناس بمشيئة الله تعالى السابقة على مشيئتهم تعني مفهومها الظاهر إطلاقا فلا يشاءون إلّا ما شاء الله «1» . وقد كانت هذه الآية وما يماثلها مدار جدل بين علماء المذاهب الكلامية بسبب ما يبدو من التعارض بينها وبين الآيات الأخرى التي تقرر قابلية الاختيار والمشيئة في الناس إطلاقا. ونقول أولا إن النظم القرآني جرى أحيانا على نسبة كل شيء من أفعال العباد الواقعة أو المتوقعة إلى الله تعالى وعلى جعل كل شيء منها منوطا بمشيئته مع قيام قرائن في الآيات نفسها أو في غيرها على أنها من كسب العباد ومشيئتهم المباشرة فيما يترافق معها أو يترتب عليها من تثريب وتنديد ووعيد لما يكون ضلالات وانحرافات وتنويه ووعد جميل لما يكون استقامة وحقا وهدى. غير أنه جرى أيضا وفي الأعم الأغلب على نسبة الأفعال والمشيئة إلى العباد مما هو مثبوت في مختلف السور بكثرة تغني عن التمثيل بحيث يسوغ القول إن الأسلوب الأول ينبغي أن يؤول على ضوء ما فيه وما في القرآن من قرائن ولا يصح أن يوقف عند كل عبارة لحدتها لأن في ذلك تعريضا للقرآن للتعارض والاختلاف مما يجب تنزيهه عن ذلك ولا سيما إن في القرآن حلا لما يبدو من توهم في ذلك على ما شرحناه في سياق جملة كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ [31] وإن القول إن الناس يشاؤون بقوة المشيئة التي أودعها الله فيهم هو المتسق مع تقرير المشيئة للعباد وتقرير قابلية الاختيار والكسب فيهم مما انطوى في الآيات السابقة وآيات كثيرة أخرى وهو المتسق مع روح الآية نفسها التي جاءت بعد الآية التي تقرر المشيئة للناس مباشرة. ثم هو المتسق مع حكمة إرسال الرسل ويوم الجزاء الذي يوفى فيه

_ (1) انظر تفسيرها في تفسير أبي السعود والنيسابوري.

تعليق على تحدي الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم بالآيات وأجوبة القرآن على ذلك ودلالتها

الناس جزاء أعمالهم التي اكتسبوها بقوة هذه المشيئة والقابلية للاختيار والكسب التي أودعها الله فيهم بمقتضى إرادته وحكمته ومشيئته الأزلية. وعبارة الآيات ومعظم آيات القرآن التي تنسب الأفعال والتفكير للإنسان من الأدلة التي تكاد تكون حاسمة على ذلك. ويتبادر لنا إلى هذا أنه أريد بالآية تسلية النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى لا يغتم بموقف الإعراض والعناد والمناوأة والتكذيب الذي وقفه الجاحدون. وقد تكرر مثل ذلك في مواضع كثيرة في القرآن مثل آية سورة فاطر هذه: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (8) ، وآية القصص هذه: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) ، وآية سورة الأنعام هذه: وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (35) إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) بحيث تبدو بذلك حكمة التنزيل في الأسلوب. ويلحظ أن الآيات نسبت اكتساب الهدى والاستجابة إلى أصحابها مما قد يكون فيه دليل على صحة تأويلنا، والله أعلم. تعليق على تحدي الكفار للنبي صلّى الله عليه وسلّم بالآيات وأجوبة القرآن على ذلك ودلالتها ولقد تكررت حكاية القرآن لصور عديدة من تحدي الجاحدين ومعجزاتهم، والآية [52] من هذه الآيات احتوت أولى مرات التحدي- إذا صحت روايات المفسرين- وليس ما يمنع صحتها، لأن الصورة مؤيدة بنص قرآني آخر على ما أوردناه قبل، وذلك بطلب الكفار إنزال كتب إليهم فيها تأييد لصحة رسالة النبي صلّى الله عليه وسلّم وأمر باتباعه. وقد ردت الآيات التالية عليهم، فبينت أن موقفهم هو في حقيقته راجع إلى عدم خوفهم من الآخرة، وأن رسالة النبي صلّى الله عليه وسلّم والقرآن الذي يتلوه عليهم تذكرة فمن شاء تذكر واهتدى. ولم تجبهم إلى تحديهم. ولقد ظلت آيات القرآن

ترد عليهم في كل موقف تحدّ وقفوه، وكل ما طالبوا ببرهان خارق للعادة مما عبر عنه القرآن بتعبير آية أو آيات بمثل ما ردت عليهم في هذه الآيات من حيث الجوهر، مع تنوع الصيغ والأساليب دون الاستجابة إلى تحديهم، موجهة الخطاب إلى العقول لتتدبر وإلى القلوب لترعوي، ومقررة صراحة حينا وضمنا حينا أن الدعوة النبوية إنما هي دعوة إلى الله وحده والإقرار له بالعبودية ونبذ ما سواه والتزام الأعمال الصالحة، وتحذير من الكفر والشرك والإثم والفواحش، وأن مثل هذه الدعوة لا تحتاج إلى معجزات مؤيدة، وإنما تحتاج طلى تروّ وإذعان ونية حسنة وطوية نقية ورغبة في الحق والخير والهدى وبعد عن العناد واللجاج، ليرى المرء البرهان على صحتها وقوتها في الكون وما فيه من آيات باهرة وحكمة بالغة ونواميس دقيقة، وفيما تدعو إليه من مكارم الأخلاق والفضائل وتنهى عنه من الإثم والبغي والفواحش كما تلهم آيات سورة الأنعام هذه: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (9) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (10) ، ومثل آيات سورة الأنعام هذه: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111) وآيات سورة الرعد هذه: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (7) وآية سورة الرعد هذه: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (27) وآيات سورة الإسراء هذه: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا

كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا (93) وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا (94) قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا (95) قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (96) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً (97) وآيات سورة العنكبوت هذه: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (52) . وهذه الردود القوية على تحدي الكفار هي بسبيل تقرير أن الدعوة إلى الله ومكارم الأخلاق لا تحتاج إلى معجزات وأن الذين حسنت طواياهم ونواياهم وصدقت رغباتهم في الحق والحقيقة آمنوا، ففيها ما يكفي لحملهم على الارعواء والاستجابة. أما الذين خبثت نواياهم وانعدمت فيهم الرغبة في الحق والحقيقة فلن يؤمنوا مهما رأوا من الآيات والمعجزات. ولئن لم يكن بدّ من آية فهي القرآن الذي يتلى عليهم وفيه الكفاية كل الكفاية. وهكذا تنفرد الدعوة القرآنية والرسالة المحمدية عما سبقها، من حيث إنها لم تقم على الخوارق استجابة للتحدي وإنما قامت على خطاب العقل والقلب والبرهنة بما في الكون من إبداع ونظام وعظمة يدل على وجود الله عز وجل واستحقاقه وحده للخضوع والعبادة والاتجاه وبطلان الشرك والوثنية والعقائد المتناقضة مع ذلك هم بما انطوى في هذه الدعوة من مبادئ الحق والخير والبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحلال الطيبات وتحريم الخبائث والفواحش والآثام ما ظهر منها وما بطن والحث على التضامن والتعاون ومنع الاستعلاء والاستغلال وإقامة مجتمع إنساني عام يتساوى فيه الناس في الحقوق والواجبات، ويتكافلون فيها ويسود فيه الحق والعدل والحرية والمعروف والخير.

ولعل مما يحسن أن يضاف إلى هذا من حكمة الله في عدم الاستجابة إلى تحدي الكفار أن الأنبياء السابقين قد جاؤوا لقومهم وأن المعجزات التي أظهرها الله على أيديهم هي لإقناع جيل هذا القوم الذي كانت رسالة الأنبياء لهم في حين أن الله سبحانه قد شاء أن تكون رسالة محمد صلّى الله عليه وسلّم لجميع الأجيال ودين الإنسانية العام في جميع الأزمنة والأمكنة. وهو ما انطوى في آيات عديدة أوردنا بعضها في تعليقنا على جملة رَبِّ الْعالَمِينَ في سياق تفسير سورة الفاتحة، وفي هذا لا تغني المعجزة لأنها غير دائمة الأثر. وقد تنكر من الأجيال الآتية فكان الإقناع وقوة البرهان ومخاطبة العقل والقلب والقرآن المجيد الذي ينطوي فيه كل ذلك بأروع وأقوى ما يكون هي الحجج المؤيدة لصدق الرسالة المحمدية التي تظل واردة وقائمة راهنة بكل قوتها في كل ظرف ومكان. ولقد جاء في سورة الإسراء هذه الآية: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ [59] وهي عظيمة المدى والدلالة بسبيل ما نحن في صدده حيث تضمنت تقريرا ربانيا صريحا بأن الله عز وجل امتنع عن إظهار المعجزة على يد النبي صلّى الله عليه وسلّم إجابة على تحدي الكفار وتعليلا لذلك بأن الأمم السابقة قد كذبت بالمعجزات التي أظهرها الله على أيدي أنبيائه السابقين ولم يتحقق المقصود منها. ولقد روى البخاري ومسلم حديثا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جاء فيه: «ما من نبي إلّا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» حيث يتساوق الحديث مع التلقين القرآني بأن معجزة النبوة المحمدية هي ما أوحاه الله تعالى إلى النبي من قرآن وحكمة فيهما الهدى والرحمة وأسباب الصلاح والنجاة للبشر في دنياهم وآخرتهم. ونريد أن ننبه إلى أمر وهو أن ما قررناه استلهاما من الآيات القرآنية هو بسبيل الردّ على تحدي الكفار للنبي صلّى الله عليه وسلّم وطلبهم منه الإتيان بالمعجزات والخوارق لتأييد صلته بالله وإننا لا ننكر أن الله عز وجل قد أظهر على يد النبي صلّى الله عليه وسلّم معجزات متنوعة الصور في ظروف كثيرة له خاصة وله وللمسلمين عامة على ما تدل عليه

تعليق على مدى الآية كلا بل لا يخافون الآخرة

آيات قرآنية عديدة مما سوف ننوه به في مناسباته وعلى ما ورد في أحاديث عديدة قوية الأسانيد سنوردها في مناسبات آتية. نقول هذا ونحن نعرف أن هناك أحاديث قوية الأسانيد بأن ما احتوته الآية الأولى من سورة القمر من انشقاق القمر بناء على تحدي الكفار قد وقع فعلا. غير أن هناك ما يمكن إيراده في هذا الصدد على ما سوف نذكره في سياق تفسير هذه الآية. تعليق على مدى الآية كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ وبمناسبة هذه الآية في هذه السورة نقول إن الآيات القرآنية المكية التي ينطوي فيها المعنى المقرر في الآية قد تكررت بسبيل تعليل موقف الكفار الجحودي والمناوىء والعدواني والمستكبر والمستهتر والساخر بالوعيد والإنذار الربانيين. من ذلك آية سورة النحل هذه: إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22) وآية سورة المؤمنون هذه: وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (74) وآية سورة الزمر هذه: وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45) وآية سورة النجم هذه: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (27) . والموضوع في أصله متصل بموضوع جحود الكفار للآخرة الذي نبهنا عليه في التعليق على الحياة الأخروية في تفسير سورة الفاتحة. غير أن النقطة الجديرة بالتنبيه في هذا المقام هي ما انطوى في الآية التي نحن في صددها وأمثالها من تلقين جليل وتعليل لموقف الكفار. فالذي لا يخاف الآخرة لا يأبه كثيرا للحق والخير في شتى ساحاتهما ولا يندفع فيهما اندفاعا ذاتيا وجدانيا إذا لم يأمل في مقابلة وجزاء في الدنيا. ولا يتورع عن الإثم والمنكر إذا ما تيقن الخلاص من

تعليق على مدى ما ينطوي في جملة بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة

العقوبة. وفي سورة الأنعام آية داعمة لذلك بأسلوب إيجابي وهي: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (92) ومن هذا الباب آية سورة هود هذه: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وهكذا تكون الآيات قد انطوت على تقرير أثر الإيمان بالآخرة في سلوك الناس سلبا وإيجابا. وهو متسق مع ما جاء في تعليقنا السابق وداعم له. وإذا كان من المحتمل أن يكون بعض الناس يقدمون على عمل الخير والامتناع عن الإثم والشرّ بدون إيمان بالله واليوم الآخر فإن أغلب هؤلاء يستهدفون جزاء ما ولو معنويا في الدنيا. فضلا عن أن ذلك الاحتمال يظل بعيدا بالنسبة للكثرة الكاثرة في أغلب المواقف. وإذا كان من المحتمل أن يكون كثير من المؤمنين بالله واليوم الآخر لا يقدمون على الخير ولا يمتنعون عن الإثم إلّا بقوة ما يتحققون من نيله من ثواب وعقاب دنيويين في الدرجة الأولى فإن أمثال هؤلاء لا يمكن أن يوصفوا بصفة الإيمان الصحيح السليم أولا وإن إيمان هؤلاء يظل على كل حال ذا قوة وازعة ورادعة ثانيا. تعليق على مدى ما ينطوي في جملة بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً ويتبادر لنا من هذه الجملة أنها تنطوي على قرينة أو دليل على أن عدد الذين يقرأون ويكتبون من سامعي القرآن كبير. وعلى أن المعتاد عندهم أن يكتب على صحف تطوى وتنشر أي على ورق أو رقوق ناعمة رقيقة. وفي هذا نقض لما في الأذهان من ضعف الثقافة العربية وضيق نطاقها في عصر النبي صلّى الله عليه وسلّم وبيئته «1» .

_ (1) انظر أيضا فصل الحياة العقلية في كتابنا عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة.

سورة المسد

سورة المسد فيها دعاء على أبي لهب وإنذار له ولامرأته بالنار. ورواية سبب نزولها لا تتسق مع رواية تبكير نزولها. ورواية تبكير نزولها أكثر اتساقا مع مضمونها. ولعلها تلهم أن يكون موقف أبي لهب وامرأته من أبكر وأول مواقف الصدّ والمناوأة التي واجهها النبي صلّى الله عليه وسلّم وأنه كان لهذا الموقف أشد الأثر في نفس النبي وسير الدعوة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة المسد (111) : الآيات 1 الى 5] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (2) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5) . (1) تبت: خسرت أو هلكت، والمصدر تبّ وتباب، والكلمة دعاء بالخسران أو الهلاك. (2) الجيد: العنق. (3) مسد: ليف أو حديد أو نار على اختلاف الأقوال. ومما قيل إن المسد نبات ذو ألياف تجدل منه حبال متينة. في آيات السورة دعاء على أبي لهب بالهلاك والخسران، وتقرير بأنه لن يغني عنه ماله وما كسبه شيئا، وأنه سيصلى نارا عظيمة هو وامرأته حمالة الحطب التي سوف يكون في جيدها حبل من مسد، تقاد به.

والروايات مجمعة على أن أبا لهب هذا هو عم النبي صلّى الله عليه وسلّم وأن اسمه عبد العزى وأن امرأته هي أم جميل أخت أبي سفيان «1» والمرجح أن كنية «أبي لهب» هي كنية قرآنية على سبيل الهجو فصارت له علما. ولقد روى الشيخان والترمذي عن ابن عباس قال: «لمّا نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء/ 214] خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتّى صعد الصفا فهتف يا صباحاه فاجتمعوا إليه فقال أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقيّ؟ قالوا: ما جرّبنا عليك كذبا. قال: فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد. قال أبو لهب تبا لك ما جمعتنا إلّا لهذا، ثم قام فنزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد/ 1] » «2» . وإلى هذا الحديث الذي أورده أيضا الطبري والمفسرون الآخرون «3» رووا روايات أخرى كسبب نزول السورة منها «أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم لما نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [214] جمع أقاربه فدعاهم إلى الإسلام فقال له أبو لهب تبا لك سائر اليوم ألهذا دعوتنا؟» ومنها: «أن أبا لهب قال للنبي صلّى الله عليه وسلّم: ماذا أعطى يا محمد إن آمنت بك؟ قال: كما يعطى المسلمون. فقال: ما لي عليهم فضل. قال: وأيّ فضل تبتغي؟ قال: تبا لهذا من دين أن أكون أنا وهؤلاء سواء فأنزل الله سورة تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [1] » . ونلحظ في صدد الرواية الأولى والثانية أنهما تقتضيان أن تكون سورة المسد نزلت بعد سورة الشعراء التي منها آية: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ مع أن الروايات مجمعة تقريبا على وضع سورة المسد كسادس سورة أو خامس سورة في ترتيب النزول بينما تأتي سورة الشعراء كرابعة وأربعين أو خامسة وأربعين في هذا

_ (1) انظر تفسير السورة في تفسير ابن كثير والبغوي وغيرهما. (2) التاج ج 4 ص 268. (3) انظر تفسير النيسابوري والطبرسي وابن كثير والبغوي والخازن أيضا.

الترتيب «1» أي أنها نزلت بعد سورة المسد بثلاث سنين على الأقل. وروح آية وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ تلهم أنها لم تنزل مبكرة «2» . لذلك فنحن نتوقف في الروايات، وإشراك امرأة أبي لهب مما يقوي صواب توقفنا إن شاء الله. ولقد ذكرت الروايات «3» أن إحدى بنات النبي كانت مخطوبة أو زوجة لعتبة بن أبي لهب وأن بيت النبي صلّى الله عليه وسلّم كان مجاورا لبيت أبي لهب. فمما يمكن أن يرد على البال بقوة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد اتصل بعمه عقب نزول الوحي عليه في أول من اتصل بهم ودعاه في أول من دعا. فالرجل عمه وجار بيته وصهره، ولعله كان يكثر التردد على بيته. ومن المعقول أن يفاتحه قبل الناس وأن يفضي إليه بأمره وأن يطلب منه التصديق والتعضيد ولعله كان واثقا كل الثقة بأنه سيقابل بالحسنى والإجابة، وبأنه واجد في عمه العضد القوي والسند الأمين. فلم يلبث أن خاب أمله فقوبل أسوأ مقابلة، وكان من عمه وزوجته أشد موقف في الأذى والعناد والتعطيل، والقطيعة حتى لقد روي «4» أن أبا لهب كان يسير وراء النبي صلّى الله عليه وسلّم فكلما رآه يكلم أحدا جاء إليه وقال له: أنا عمه فلا تصدقه فإنه ذاهب العقل، وأن زوجته كانت تضع الأقذار أمام بيته وتشيع عنه الإشاعات السيئة. وأن الزوجين حملا ابنهما على تطليق بنت النبي صلّى الله عليه وسلّم. وعمومة أبي لهب للنبي صلّى الله عليه وسلّم مما يزيد في شدة موقفه في نفس النبي صلّى الله عليه وسلّم وفي الغرباء كما هو بدهي. ونعت امرأة أبي لهب بحمالة الحطب يلهم أنها كانت ذات تأثير قوي في الموقف فيزداد شدة ولعلها كانت تقوي زوجها وتنفخ في روحه كلما أنست فيه جنوحا إلى الفتور والتروي، بسبب ما كان

_ (1) انظر تراتيب النزول المروية في كتابنا سيرة الرسول ج 1 ص 134- 135 والإتقان في علوم القرآن ج 1، ص 26. (2) يذكر الطبري في تاريخه ج 2 ص 61. (3) انظر مجمع الزوائد، مكتبة القدسي ج 9 ص 213- 214. (4) انظر سيرة ابن هشام ج 2 ص 32 مطبعة حجازي وتفسير السورة في تفسير ابن كثير والبغوي والطبري والنيسابوري وابن عباس، والجزء والصحف المذكورة آنفا من مجمع الزوائد. [.....] الجزء الأول من التفسير الحديث 32

يربطه بالنبي صلّى الله عليه وسلّم من روابط العصبية التي كانت تقاليدها شديدة الرسوخ في بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم، فكان تأثيرها عاملا قويا في شذوذ هذا العم عن سائر أعمامه وسائر أفراد عشيرته الذين كانوا يحمون النبي صلّى الله عليه وسلّم وينصرونه بقوة العصبية برغم أن أكثرهم ظلوا في العهد المكي نائين عن اعتناق الإسلام. وإذا صحت رواية كون أم جميل هي أخت أبي سفيان- وليس هناك ما ينفيها- فلا يبعد أن يكون موقفها متأثرا بموقف أخيها الذي كان من أبرز الزعماء وذوي الشأن في قريش والذي كانت لأسرته المكانة البارزة في مكة، والذي ظل هو وأسرته يناوئون النبي صلّى الله عليه وسلّم نحو عشرين سنة أي إلى فتح مكة في العام الثامن من الهجرة مناوأة عنيفة، وقد قاد زعيمهم أبو سفيان الجيوش التي غزت المدينة دار هجرة النبي صلّى الله عليه وسلّم مرتين. ولا يبعد أن تكون فكرة النضال الأسروي بين الأسرة الأموية صاحبة الشأن والبروز في مكة والأسرة الهاشمية التي ترشحت للبروز والخلود بدعوة النبي صلّى الله عليه وسلّم وحركته حافزا أو مقويا لموقف أبي سفيان المناوىء من النبي صلّى الله عليه وسلّم وموقف أخته زوجة أبي لهب منه أيضا. وأبو لهب وامرأته هما الشخصان الوحيدان اللذان اختصهما القرآن بالذكر وسوء الدعاء وبصراحة، وسجل عليهما اللعنة الخالدة على مرّ الدهور. ولا شك في أن هذا يدل على أن موقفهما كان شديد الأثر في نفس النبي صلّى الله عليه وسلّم وسير دعوته وخاصة في أول أمرها فاستحقا من أجله هذا التخصيص. وإننا لنرجو أن تكون هذه البيانات والتوجيهات هي المتسقة مع حقيقة الموقف لأنها هي المتسقة مع روح الآيات ومضمونها وإشراك زوجة أبي لهب ثم مع رواية تبكير نزول السورة.

سورة التكوير

سورة التكوير السورة فصلان، الأول في صدد يوم القيامة وهول أعلامه وحساب الناس فيه ومصائرهم، والثاني في صدد توكيد صدق ما أخبر به النبي صلّى الله عليه وسلّم من صلته بوحي الله وملكه ونفي الجنون عنه وصلة الشيطان به. والفصلان على اختلاف موضوعيهما غير منفصلين عن بعضهما، والمرجح أنهما نزلا متتابعين فوضع الواحد بعد الآخر. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة التكوير (81) : الآيات 1 الى 14] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (14) . (1) كورت: سترت أو لفّت. والمقصود إذا ذهب ضوءها وانمحق على الأرجح. (2) انكدرت: اغبرّت وانطفأت أو تساقطت على اختلاف الأقوال. (3) العشار عطلت: العشار هي النياق وقيل الغمام وتعطيلها بمعنى توقفها عن طبيعتها ومهمتها. (4) حشرت: جمعت من كل ناحية.

(5) سجرت: تفجرت أو أفرغت أو التهبت على اختلاف الأقوال. (6) النفوس زوجت: الناس صنفوا حسب أعمالهم. (7) الموءودة: الطفلة التي تدفن في التراب وهي في حالة الحياة بتعمد قتلها. (8) كشطت: تمزقت أو تشققت أو كشفت أو أزيلت على اختلاف الأقوال. (9) سعرت: أو قدت أو توقدت بشدة. (10) أزلفت: أدنيت أو هيئت لأصحابها «1» . تشير الآيات إلى قيام القيامة أو اليوم الآخر وما يكون حينذاك من انقلاب وتبدل في نواميس الكون كانمحاق ضوء الشمس وانطفاء النجوم وتسيير الجبال وجمع الوحوش وتعطيل العشار عن طبيعتها وتفجير البحار واشتداد حرارة المياه والتهابها، وتشقق السماء أو انكشافها، وتصنيف الناس حسب أعمالهم، ونشر كتب الأعمال وتأجيج النار وتهيئة الجنة، وحينئذ يرى كل امرئ نتيجة عمله وعاقبة ما قدم بين يديه، ومن جملة ما يسأل الناس عنه وأد بناتهم بدون ذنب. والآيات كما يبدو تتضمن توكيدا قويا بمجيء يوم القيامة وأهواله وأماراته التي تسبقه أو ترافقه ومحاسبة الناس على أعمالهم في الدنيا وتوفية كل منهم جزاءه بالجنة والنار. ولقد روى الترمذي في سياق هذه السورة حديثا عن ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من سرّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير/ 1] وإِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ [الانفطار/ 1] وإِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ» [الانشقاق/ 1] » «2» ومطلع السورتين الثانية والثالثة المذكورتين في الحديث مشابه لمطلع هذه السورة في وصف مشاهد القيامة وأهوالها.

_ (1) انظر معاني الكلمات في تفسير الآيات في تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والنيسابوري والزمخشري والطبرسي. (2) التاج ج 4 ص 252.

تعليق على جملة وإذا الصحف نشرت

وما ذكر من الانقلاب الذي يطرأ على نواميس الكون هو على ما يتبادر وبالإضافة إلى حقيقته الإيمانية ودخوله في نطاق قدرة الله بسبيل تصوير هول يوم القيامة وأثره في مشاهد الكون العظيمة التي تملأ الأذهان استهدافا لإثارة خوف السامعين وحملهم على الارعواء. وليس من طائل في التخمين والتزيّد في مظاهر هذا الانقلاب وماهياته المادية. وليس ذلك من أغراض القرآن على ما شرحناه في مناسبة سابقة «1» . وعادة دفن البنات أحياء وكراهة ولادتهن من صور حياة العرب قبل البعثة وعاداتهم. وقد ذكر هذا في أكثر من موضع في القرآن، ومن ذلك في آيات النحل هذه: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (59) [58- 59] . وأسلوب الآية هنا أسلوب تنديد بهذه العادة وإنذار بشدة عقوبتها عند الله لما فيها من قسوة بالغة وجرأة على إزهاق روح بريئة. وتخصيص وأد البنات بالذكر لا يعني بطبيعة الحال أن هذا هو وحده الذي يسأل الناس عنه. وإنما يمكن أن يلمح منه قصد تشديد النكير على هذه العادة القاسية البشعة التي كان الذين يمارسونها يظنون أنه ليس عليهم فيها حرج ولا إثم. تعليق على جملة وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ وبمناسبة آية وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ نقول إن هذا المعنى قد تكرر بأساليب متنوعة في القرآن. وقد ذكر في بعض الآيات أن لله على الناس مراقبين يكتبون ما يفعلونه. وأن ما يكتبونه هو صحف أعمال الناس التي تنشر يوم القيامة وتوزع على أصحابها، وتعطى للناجين بأيمانهم وللخاسرين بشمالهم. ومما جاء في القرآن في هذا آية سورة الزخرف هذه: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ

_ (1) انظر كتابنا القرآن المجيد في مقدمة هذا التفسير.

[سورة التكوير (81) : الآيات 15 إلى 29]

يَكْتُبُونَ (80) وآيات سورة ق هذه: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (17) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) وآيات سورة الجاثية هذه: وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29) ومنها آيات سورة الحاقة التي أوردناها في سياق تفسير سورة المدثر. ولما كان الله عز وجل غنيا عن كل ذلك لا يعزب عنه شيء فالذي يتبادر من الحكمة الربانية لما ذكرته الآيات أنه بسبيل الإنذار والترهيب والوعيد بأسلوب من الأساليب التي اعتادها الناس في الدنيا من تسجيل الأحداث وإبراز التسجيلات في مقام الإثبات والإفحام. ولقد نبهنا قبل إلى ما اقتضته حكمة التنزيل من وصف المشاهد الأخروية بأوصاف مستمدة من مألوفات الحياة الدنيا في التعليق على الحياة الأخروية في سورة الفاتحة. وهذا من ذاك، هذا مع تقرير وجوب الإيمان بما ذكرته الآيات كحقيقة إيمانية غيبية، وبأنه في نطاق قدرة الله تعالى وحكمته. [سورة التكوير (81) : الآيات 15 الى 29] فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (27) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (29) . (1) الخنس: جمع خانس من خنس الشيء إذا سكن واستخفى. والمراد هنا النجوم التي لا تظهر. وقيل النجوم الرواجع التي تسير في اتجاه فتختفي ثم تظهر. (2) الكنس: جمع كانس من كنس الشيء إذا توارى وانحجب. والمراد هنا النجوم التي تنحجب في النهار بضوء الشمس وتظهر في الليل. (3) عسعس: أدبر أو انقضى.

(4) تنفس الصبح: بمعنى طلوع الفجر. (5) الغيب: بمعنى وحي الله الذي يأتي من الغيب والخفاء. (6) ضنين: ممسك، وقرئت ظنين. ومعناها المتهم في أمانته والمراد هنا إخفاء شيء من الرسالة التي أوحيت للنبي صلّى الله عليه وسلّم أو خيانتها. (7) الشيطان: العاتي القوي من الإنس والجن. (8) رجيم: مرجوم ومطرود من رحمة الله «1» . وفي هذه الآيات قسم بالمشاهد الكونية المذكورة وحركاتها بأن الذي يبلغ وحي الله هو رسول كريم أمين على ما ينقل قوي على حمل الأمانة حظي عند الله، وبأن النبي صلّى الله عليه وسلّم ليس مجنونا وبأنه قد رأى ملك الله في أفق السماء، وبأنه صادق فيما يقول غير متهم في أمانته، وغير مخف شيئا مما رآه وسمعه وعرفه، وبأن ما يبلغه ليس من تخليط الشيطان الرجيم وأقواله. وسألت إحدى الآيات السامعين أين يذهبون في أمر النبي وماذا يظنون؟ والسؤال ينطوي على تنديد بالمكذبين والمترددين في تصديق ما أخبر به النبي صلّى الله عليه وسلّم وبأوهامهم وتفسيراتهم الخاطئة لما يخبر به من المشاهد الروحانية. ونبهت إحدى الآيات على أن ما يبلغه إنما هو تذكرة لهم وموعظة ليرى من شاء الحق فيتبعه ويستقيم عليه فيكون قد اهتدى بهدى الله ومشيئته التي تناط بها مشيئة الناس. والآيات فصل مستقل الموضوع عن سابقاتها، غير أن الارتباط بينها وبين هذه السابقات قائم. فالأولى تخبر بيوم القيامة وأهواله ونتائجه وتنذر الناس بعواقب أعمالهم، والثانية تؤكد صدق الأخبار والإنذار وترد على الكفار ما يقولونه في صددهما وما ينسبونه إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم من تخليط الشياطين عليه، والمرجح أن الفصلين نزلا متتابعين إن لم يكونا قد نزلا معا. وقد ذكر المفسرون «2» عدة وجوه في صدد حرف «لا» الذي سبق فعل القسم

_ (1) انظر تفسير الكلمات في كتب التفسير المذكورة آنفا. (2) انظر تفسير الآيات في تفسير الآلوسي والنسفي وانظر تفسير سورة الواقعة في تفسير الطبري والزمخشري والبغوي.

فقالوا إنه قد يكون مختصرا من «ألا» التنبيهية أو قد يكون حرف ابتداء فقط أي لأقسم بمعنى إني لأقسم، أو قد يكون حرف نفي، ليفيد أن الأمر المذكور صحيح وواضح لا يحتاج إلى القسم، أو قد يكون زائدا وليس حرف نفي. وقد أسهبنا في ذكر الوجوه لأن هذا قد تكرر أكثر من مرة في معرض التوكيد والقسم. ومهما يكن من أمر فالجملة قسمية على ما تلهمه روح الآيات. ولا شك أن هذا من الأساليب التي كانت مستعملة في كلام العرب. وفي سورة الواقعة هاتان الآيتان: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) ، وفيهما صراحة بأن الجملة قسمية. ولم نطلع على رواية تذكر سبب نزول هذه الآيات. والمتبادر أنها نزلت ردّا على أقوال تقولها الكفار والجاحدون. وقد انطوت على ردّ قوي يوحي بصدق ما أخبر به النبي صلّى الله عليه وسلّم وعمق إيمانه به واستناده فيه على الحقيقة الواقعة التي أدركها بالقوة التي اختصه الله بها، ويقضي على أي شك في نفس كل امرئ حسنت نيته ورغب عن المماراة بالباطل. ونفي الآيات الجنون عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وصلة الشيطان بما يبلغه دليل على أن المكذبين كانوا يقولون إن ما يخبر به هو من تلقينات الشيطان. ويقصدون بذلك الجن على الأرجح لأن العرب كانوا يعتقدون أن شياطين الجن يوحون إلى الشعراء والكهان والسحرة. وقد يأتي على البال من هذا أن المكذبين كانوا حينما ينعتون النبي صلّى الله عليه وسلّم بالمجنون، ويقولون إن به جنّة على ما حكته آيات عديدة منها آية سورة المؤمنون هذه: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (70) ، كانوا أحيانا يعنون أن له شيطانا من الجن يتصل به ويلقنه ما يقول على نحوما كانوا يعتقدونه. والراجح أنهم نعتوه بالشاعر والكاهن والساحر بناء على هذا الاعتقاد. وأكثر المفسرين «1» يصرفون تعبير رَسُولٌ كَرِيمٌ إلى الملك الذي كان يبلغ

_ (1) انظر تفسير السورة في تفسير الطبري وابن كثير والنيسابوري والبغوي والزمخشري والطبرسي.

تعليق على العرش

النبي صلّى الله عليه وسلّم وحي الله وقرآنه. والضمير في الآية [23] يدعم هذا القول. ولقد ورد في الحديث المروي عن جابر بن عبد الله والذي ذكرناه في سياق تفسير سورة المدثر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد رأى الملك في أفق السماء. فالآية هنا على الأرجح في معرض التوكيد لهذه الرؤية الروحانية التي كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يذكرها فكان المؤمنون يصدقونه والجاحدون يكذبونه. وتبكير نزول السورة يؤيد هذا، حيث لم يكن قد مضى وقت طويل على هذه الرؤية. والتوكيد والنفي والتنديد في الآيات قوي يبعث اليقين في نفس من لا يتعمد العناد والمكابرة في صدق هذه المشاهدة، ويجلّي صورة رائعة لصميمية النبي صلّى الله عليه وسلّم ويقينه بصحة ما رأى، ويؤيد صحة الحديث. وعلى المسلم أن يؤمن بذلك ويقف عنده ولا يزيد في الظن والتخمين في صدد الماهية والكنه. فلا طائل من وراء ذلك وهما سرّ من واجب الوجوب وسرّ النبوة والوحي الذي تقصر عنه عقول الناس. تعليق على العرش وكلمة العرش تأتي هنا لأول مرة ثم تكررت كثيرا. وقد جاءت في سياق ذكر ملكة سبأ في آية سورة النمل هذه: إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) ، وجاءت جمعا في سياق ذكر القرى التي دمرها الله في آية سورة الحج هذه: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) ، وأكثر ما جاءت منسوبة إلى الله بمعنى ربّ العرش وصاحبه كما جاءت في هذه السورة أو بصيغة استواء الله على العرش كما جاء في آية سورة الأعراف هذه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (54) ، وذكر في آية في سورة هود هكذا: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [7] ، وفي آية في سورة

الزمر هكذا: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [75] ، وفي آية في سورة غافر هكذا: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [7] . وفي كتب التفسير والحديث أحاديث وروايات عديدة ذكر فيها العرش، منها حديث رواه الترمذي عن أبي رزين جاء فيه: «قلت يا رسول الله أين كان ربّنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: كان في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء وخلق عرشه على الماء» «1» . وروى الإمام أحمد هذا الحديث بمغايرة يسيرة حيث جاء فيه بعد: «وما فوقه هواء» ، ثمّ خلق العرش بعد ذلك» ، ومنها حديث رواه الترمذي عن أبي هريرة قال: «بينما نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال هل تدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا العنان هذه روايا الأرض يسوق الله تعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه. هل تدرون ما فوقكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنّها سقف محفوظ وموج مكفوف. قال: هل تدرون كم بينكم وبينها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: بينكم وبينها مسيرة خمسمائة سنة. ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنّ فوق ذلك سماءين ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة حتى عدّد سبع سموات ما بين كلّ سماءين كما بين السماء والأرض. ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد ما به مثل ما بين السماءين. ثم قال: هل تدرون ما الذي تحتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها الأرض. ثم قال: هل تدرون ما الذي تحت ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن تحتها الأرض الأخرى مسيرة خمسمائة سنة حتى عدّد سبع أرضين بين كلّ أرضين مسيرة خمسمائة سنة ثم قال والذي نفس محمد بيده لو أنكم دلّيتم رجلا بحبل إلى الأرض السّفلى لهبط على الله ثم قرأ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ

_ (1) التاج ج 4 ص 131.

عَلِيمٌ» «1» [الحديد: 3] . ومنها حديث لم يرد في كتب الأحاديث الصحيحة جاء فيه: «ما السموات السبع وما فيهنّ في الكرسي إلّا كحلقة ملقاة بأرض فلاة. والكرسي في العرش المجيد كتلك الحلقة في تلك الفلاة، لا يقدر قدره إلّا الله عز وجل» «2» . ومنها رواية معزوة إلى (بعض السلف) جاء فيها: «إن بعد ما بين العرش إلى الأرض مسيرة خمسين ألف سنة. وبعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة وهو من ياقوتة حمراء» «3» . ومنها حديث رواه أبو داود عن النبي صلّى الله عليه وسلّم جاء فيه: «شأن الله أعظم من ذلك وإنّ عرشه على سمواته هكذا وأشار بيده مثل القبة» «4» . ومنها رواية عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده جاء فيها: «إن ما بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطير المسرع ثلاثين ألف عام، والعرش يكسى كلّ يوم سبعين ألف لون من النور. لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من خلق الله. والأشياء كلّها في العرش كحلقة ملقاة في فلاة» «5» . ورواية عن مجاهد جاء فيها: «إنّ بين السماء السابعة وبين العرش سبعين ألف حجاب. حجاب من نور وحجاب من ظلمة. وحجاب من نور وحجاب من ظلمة» «6» والروايات الثلاث الأخيرة لم ترد كذلك في كتب الأحاديث الصحيحة. وهناك قول معزو إلى بعض السلف بدون أسماء جاء فيه: «إنّ مسافة ما بين قطري العرش من جانب إلى جانب مسيرة خمسين ألف سنة وارتفاعه من الأرض

_ (1) التاج الجامع ج 4 ص 226- 227، وإذا صح الحديث الثاني فالواجب أن يحمل تعبير (هبط على الله) على غير المعنى الجسماني المادي المتبادر منها أو على معنى الوجود الشامل والإحاطة الكاملة لأن الله عز وجل منزّه عن ذلك. (2) تفسير ابن كثير للآية [7] من سورة هود. (3) تفسير المفسر نفسه للآية الثانية من سورة الرعد. (4) تفسير المفسر نفسه للآية [86] من سورة المؤمنون. (5) تفسير البغوي للآية السابقة من سورة غافر. (6) المصدر نفسه.

السابعة مسيرة خمسين ألف سنة» «1» . وقول معزو إلى كعب الأحبار جاء فيه: «إن السموات والأرض في العرش كالقنديل المعلّق بين السماء والأرض» «2» . وواضح أنه ليس في الآيات القرآنية ولا في الأحاديث النبوية الصحيحة وغيرها شيء صريح عن ماهية العرش بل باستثناء الرواية التي يرويها ابن كثير عن بعض السلف بأنه من ياقوتة حمراء والتي تتحمل التوقف ليس في الروايات الأخرى أيضا شيء صريح عن ماهيته. ومهما يكن من أمر فإن من واجب المسلم الإيمان بما جاء في القرآن والأحاديث الصحيحة عن العرش والوقوف عند حدّ ذلك بدون تزيد مع الإيمان بقدرة الله تعالى على كل شيء. وبأن ذكر العرش بالأسلوب الذي ذكر به لا بد من أن يكون له حكمة سامية. ولما كانت الآيات والأحاديث التي ورد فيها ذكر عرش الله قد وردت في صدد بيان عظمة الله عز وجل وعلو شأنه وشمول ربوبيته وسعة كونه وبديع خلقه ونفوذ أمره في جميع الكائنات خلقا وتدبيرا وتسخيرا فإن هذا قد يكون من الحكمة التي انطوت في الآيات والأحاديث. ولا سيما أن الله عز وجل ليس مادة يمكن أن تحدّ بمكان أو صورة أو تحتاج إلى عرش مادي يجلس عليه أو تكون فوقه. وفي القرآن آيات نسبت إلى الله عز وجل اليد واللسان والروح والنزول والمجيء والقبضة والوجه مما هو منزّه سبحانه عن مفهوماتها ومما هو بسبيل التقريب والتشبيه والمجاز. وقد يكون هذا من هذا الباب والله تعالى أعلم. هذا، وهناك أحاديث وأقوال في صدد استواء الله تعالى على العرش وحمل الملائكة للعرش نرجىء إيرادها والتعليق عليها إلى مناسباتها.

_ (1) تفسير ابن كثير للآية [86] من سورة المؤمنون وهناك روايات أخرى أوردها المفسران في سياق سور أخرى فاكتفينا بما أوردناه. [.....] (2) المصدر نفسه.

تعليق على كلمة الشيطان

تعليق على كلمة الشيطان وبمناسبة ورود كلمة الشيطان لأول مرة نقول إن المفسرين «1» قالوا إن اشتقاق الكلمة عربي من شطن بمعنى بعد أو شاط بمعنى بطل وفسد، وإنها نعت لكل داهية قوي الحيلة والبغي. وقد خطر لبالنا أن يكون بينها وبين شط بمعنى جار وبغى صلة، ومنه ما جاء في آية ص هذه: فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (22) ، وفعلان من الصيغ العربية التي تتضمن معنى الوصف والمبالغة. والمتبادر أن شيطان من هذا الباب اشتقت من جذر من الجذور الثلاثة. والكلمة أكثر ما وردت في القرآن مرادفة لإبليس ومفهومه من إغواء الناس، كما جاء في آية سورة النساء هذه: الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (76) ، وفي آيات سورة البقرة هذه: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (34) وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (36) ، وقد وردت مرات عديدة للتعبير عن جبابرة الجن ومرة في شمولها لجبابرة الإنس كما جاء في آية سورة الأنعام هذه: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (112) . وقد قال بعض الباحثين إنها دخيلة على العربية من كلمة سلطان أو جطان العبرية وإن مفهومها المرادف لإبليس دخيل أيضا. ومع أن هذا المفهوم لا يبعد أن يكون منقولا إلى العرب من الكتابيين الذين وردت كلمة الشيطان في معرض إغواء الناس والوسوسة لهم في ما كان وما يزال متداولا من أسفار وقراطيس مرات عديدة فإن

_ (1) اقرأ تفسير الفاتحة في تفسير الطبرسي «مجمع البيان» وانظر مادة شط في أساس البلاغة للزمخشري.

وجود جذر عربي فصيح للكلمة لا يبرر إبعادها عن الأصالة العربية الفصحى. على أن هذا لا يمنع القول باحتمال وحدة جذر الكلمة في العربية والعبرية أيضا لأنهما شقيقتان ترجعان إلى أصل واحد. ومهما يكن من أمر فإن من الحق أن يقال إن الكلمة بقالبها الذي وردت به في القرآن قد استعملها العرب قبل نزولها وكانوا يفهمون كل الدلالات التي تدل عليها الآيات المتنوعة التي وردت فيها، وإنها تعد من اللسان العربي المبين ما دام القرآن يقرر أنه نزل بهذا اللسان. وهي هنا على كل حال تعني جبابرة الجن الذين كانوا يتنزلون على الشعراء والكهان والسحرة على ما كان يعتقده العرب. ونعت الشيطان بالرجيم يدل على أنه كان للشيطان في أذهان سامعي القرآن صورة بغيضة. وفي سورة الصافات هذه الآية من آيات فيها وصف لشجرة الزقوم الأخروية: طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (65) حيث ينطوي في هذا أنه كان للشياطين في أذهانهم صورة مخيفة أيضا. وأسلوب مطلع السورة مما تكرر في مطالع عديدة أخرى بحيث يسوغ أن يقال إنه أسلوب من أساليب النظم القرآني في مطالع السور. ولقد علقنا على فقرة تشبه الآية الأخيرة في صدد إناطة مشيئة الناس بمشيئة الله في سياق تفسير سورة المدثر. وما قلناه هناك يصح هنا بتمامه فنكتفي بالإشارة دون الإعادة.

سورة الأعلى

سورة الأعلى تتضمن السورة أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بتقديس اسم الله، وإيذانا له بأن الله ميسره في طريق اليسر، وأمره بالتذكير وتبشير المستجيبين بالفلاح وإنذار المتمردين بالنار. وأسلوبها يلهم أنها بسبيل عرض عام للدعوة وأهدافها ومهمة النبي صلّى الله عليه وسلّم. وليس فيها مواقف ومشاهد جدلية، ولعلها نزلت بعد الفاتحة. أو نزلت قبل نزول ما تضمن حكاية مواقف الكفار وأقوالهم والرد عليهم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الأعلى (87) : الآيات 1 الى 13] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (4) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (5) سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (6) إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (7) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (8) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (10) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (12) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (13) . (1) التسبيح: التنزيه والتقديس عن كل ما لا يليق. (2) سوّى: أتقن وجعل الشيء سويّا تاما. (3) قدّر: حسب ورتب. (4) غثاء: النبات اليابس المتكسر الذي تحركه الرياح وتجره المياه. (5) أحوى: أسود أو ضارب للسواد. (6) اليسرى: مؤنث الأيسر أي الأسهل، من اليسر.

تنبيه على ما أسبغه القرآن والسنة النبوية على التسبيح من حفاوة

الخطاب في الآيات موجه للنبي صلّى الله عليه وسلّم وقد تضمنت: 1- أمره بتقديس اسم ربّه الأعلى الذي يستحق كل تقديس وتنزيه. فهو الذي خلق كل شيء وسوّاه على أتم وجه. وهو الذي رتب وحسب في الخلق كل أمر. وأودع في خلقه قابلية الهدى. وهو الذي أنبت النبات ثم جعله جافا متكسرا أسود اللون بالناموس الذي أودعه في الكون بعد ما كان أخضر لينا. 2- وتنبيها له بأنه سيوحى إليه بالقرآن ويعلمه إياه، فلا ينسى منه شيئا إلّا ما شاء الله فهو العليم بكل شيء ظاهر وخفي وبمقتضيات كل حال، وبأنه سييسره في أسهل السبل وأيسرها، وبأن عليه أن يدعو الناس إليها ويذكرهم لعل الذكرى تنفعهم وهذه مهمته. 3- وتقريرا بأن الناس إزاء الذكرى فريقان: تقي صالح وشقي آثم. فالأول هو الذي يخشى العاقبة فيتقبل الدعوة وينتفع بالذكرى، والثاني هو الذي لا يخشى العاقبة فيعرض عن الدعوة والذكرى، فيكون جزاؤه النار الهائلة التي لا يموت فيها فيستريح، ولا يأمل الخلاص منها والحياة الآمنة المطمئنة. وليس في الآيات إشارة إلى موقف خاص لمكذبين ومناوئين، وإنما هي بسبيل عرض عام للدعوة ومهمة النبي صلّى الله عليه وسلّم بأسلوب رصين وهادىء معا. تنبيه على ما أسبغه القرآن والسنّة النبوية على التسبيح من حفاوة وبمناسبة الأمر بتسبيح الله تعالى في مفتتح السورة نقول إن الأوامر القرآنية للنبي صلّى الله عليه وسلّم وللمؤمنين بتسبيح الله تعالى قد تكررت كثيرا. منها ما فيه أمر بالتسبيح في أوقات معينة، ومنها ما فيه أمر بالتسبيح مطلقا أو في كل وقت. ومنها ما فيه أمر بالتسبيح باسم الله أو التسبيح بحمد الله. ومن السنن النبوية الصحيحة المعمول بها بدون انقطاع صيغة (سبحان الله العظيم) في كل ركوع من كل صلاة وصيغة (سبحان ربي الأعلى) في كل سجود من كل صلاة. حيث تتساوق السنة النبوية مع الأوامر القرآنية.

والتسبيح هو تقديس وتنزيه وذكر لله عز وجل وثناء عليه بما هو أهله. بحيث يسوغ القول إن الأوامر القرآنية والنبوية بمواصلة تسبيح الله تعالى قد هدفت إلى جعل المسلم يديم ذكر الله في كل وقت مقدسا منزها مثنيا حامدا مستعيذا. ولا شك في أن المسلم الذي يداوم على ذلك بصدق وقلب وإيمان يظل مستشعرا بالله عز وجل مراقبا جانبه في كل ما يفعل أو يريد أن يفعل فيجعله ذلك حريصا على تنفيذ أوامره واجتناب نواهيه. ويكون له بذلك وسيلة عظمى من وسائل التربية الروحية والأخلاقية والاجتماعية. ولقد أثرت أحاديث نبوية عديدة فيها صيغ التسبيح بسبيل تعليم المسلمين وبيان لما في التسبيح من ثواب وقربى عند الله عز وجل. فمن ذلك ما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك اللهمّ اغفر لي» «1» وما رواه مسلم وأبو داود والنسائي عنها أيضا: «أنه كان يقول في ركوعه وسجوده سبّوح قدّوس ربّ الملائكة والروح» «2» . وما رواه الترمذي وأبو داود عن عبد الله قال: «قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاث مرات فقد تمّ ركوعه وذلك أدناه وإذا سجد فقال في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تمّ سجوده وذلك أدناه» «3» وما رواه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي عن جويرية: «أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم خرج من عندها بكرة حين صلّى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال ما زلت على الحال التي فارقتك عليها قالت نعم قال لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهنّ: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته» «4» . وما رواه مسلم والترمذي والنسائي وأبو داود عن أبي هريرة قال: «قال

_ (1) انظر التاج الجامع، ج 1 ص 169. (2) المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه. (4) التاج ج 5 ص 92 و 96. الجزء الأول من التفسير الحديث 33

التلقين المنطوي في الآيتين سيذكر من يخشى (10) ويتجنبها الأشقى (11)

النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مئة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلّا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه» «1» . وما رواه أبو داود: «كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يعلّم بعض بناته فيقول قولي حين تصبحين سبحان الله وبحمده ولا قوة إلّا به، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن أعلم أن الله على كلّ شيء قدير وأنّ الله قد أحاط بكلّ شيء علما، فإنه من قالهنّ حين يصبح حفظ حتى يمسي ومن قالهنّ حين يمسي حفظ حتى يصبح» «2» . وما رواه أبو داود كذلك عن ابن عباس قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم من قال حين يصبح فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ إلى تُخْرَجُونَ «3» أدرك ما فاته في يومه ذلك ومن قالهنّ حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته» «4» . ومن تحصيل الحاصل أن يقال إن الانتفاع بالتسبيح رهن بالإخلاص فيه وعدم اقتصاره على الحركة اللسانية التي لا يستشعر صاحبها بما فيه من تذكير وتنبيه وحافز على مراقبة الله عز وجل وتقواه. والله أعلم. التلقين المنطوي في الآيتين سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (10) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) ولقد احتوت الآيتان [10- 11] تلقينا جليلا مستمدا من الوصف الذي وصف به الفريقين اللذين أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بتذكيرهما ودعوتهما. فالذي يعرض عن دعوة الحق هو شقي بطبعه يصدر عن نية خبيثة وطوية فاسدة وخلق سيء بعكس الذي يتأثر بدعوة الحق ويستجيب إليها فإنه يصدر عن نية حسنة وطوية سليمة وخلق

_ (1) المصدر السابق. (2) التاج ج 5 ص 99. (3) المقصود هو آيات سورة الروم هذه: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ (19) . (4) التاج ج 5 ص 99.

تعليق على جملة سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله ومسألة جواز النسيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم

فاضل ويخشى العاقبة ويسارع إلى رضاء الله. وينطوي في هذا تقرير كون الاستجابة والإعراض عملين اختياريين يقدم من يقدم عليهما بدافع من عقله وطبعه وخلقه وطويته. وفي الآية [3] تأييد لهذا التقرير حيث تقرر أن الله قد أودع في الناس قابلية الهدى والسير في طريق الحق والخير والصواب. فمن لم ينتفع بها فيكون هو الشقي الذي اختار لنفسه طريق الضلال المؤدية إلى الهلاك والخسران والمتبادر أن هذا مبدأ من المبادئ المحكمة التي نوهنا بها في سياق تفسير سورة المدثر، والتي ينبغي النظر في إشكالات بعض الآيات والعبارات القرآنية في ضوئها. تعليق على جملة سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ومسألة جواز النسيان على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتعليقا على هذه الجملة نقول إن في القرآن والحديث ما يسيغ القول بجواز النسيان على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. من ذلك آية سورة الكهف هذه: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (23) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (24) وقد روي أن الآيات نزلت لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم وعد بالإجابة على أمر دون أن يقول إن شاء الله على ما سوف نشرحه في مناسبتها. ومن ذلك آية سورة الأنعام هذه: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) والنبي صلّى الله عليه وسلّم داخل في مدى التعليم القرآني المنطوي في آية البقرة هذه: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [286] على ما يلهمه سياقها. ومن الحديث ما رواه الخمسة عن عبد الله قال: «إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صلّى الظهر خمسا فقيل له أزيد في الصلاة فقال وما ذاك قال صلّيت خمسا فسجد سجدتين بعد ما سلّم» . وفي رواية قال: «أنا بشر مثلكم أذكر كما تذكرون وأنسى

تعليق على وصف الأعلى

كما تنسون ثم سجد سجدتي السّهو» «1» . غير أن الجملة كما يتبادر لنا توجب على المسلم أن يعتقد أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يمكن أن ينسى تبليغ شيء من القرآن الذي يوحي الله به إليه إلّا ما شاء الله أن ينساه. وتكون هذه في الحالة من نوع النسخ القرآني على ما سوف نشرحه في سياق تفسير إحدى آيات سورة النحل لأن ذلك أكثر ملاءمة والله تعالى أعلم. تعليق على وصف الْأَعْلَى ولقد استنبط بعض أصحاب المذاهب الكلامية من وصف (الأعلى) الذي وصف به الله عز وجل أنه سبحانه وتعالى في السماء. ونقول تعليقا على ذلك أن الله تعالى منزّه عن الجسمانية والجهة وإن في السماء. ونقول تعليقا على ذلك أن الله تعالى منزّه عن الجسمانية والجهة وإن في القرآن آيات عديدة تذكر أنه في السماء إله وفي الأرض إله وأنه ربّ السّموات وربّ الأرض مثل آيات سورة الزخرف هذه: سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (82) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84) وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85) والمتبادر أن وصفه بالأعلى يهدف إلى تقرير وصفه بالعلوّ عن كل شيء الذي يدانيه في عظمته وقوته وتساميه شيء. ولقد روى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر الجهني قال: «لما نزلت سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: اجعلوها في سجودكم» «2» فجرى المسلمون من لدن النبي صلّى الله عليه وسلّم بدون انقطاع على ذكر هذه الصيغة مرات في كل سجدة يسجدونها مما فيه معنى لطيف متصل بالهدف المذكور فيما يتبادر لنا من حيث تضمنه الاعتراف لله بصفة العلوّ عن

_ (1) التاج الجامع ج 1 ص 197، وهناك أحاديث صحيحة أخرى من هذا الباب فاكتفينا بهذا الحديث. (2) أورد الحديث المفسر ابن كثير في سياق هذه السورة وفي سياق سورة الواقعة.

[سورة الأعلى (87) : الآيات 14 إلى 19]

كل شيء في حالة السجود التي تمثل أروع حالات الخضوع لله عز وجل. [سورة الأعلى (87) : الآيات 14 الى 19] قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (17) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (18) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (19) . (1) تزكى: تطهر أو أدى الزكاة. والمعنى الأخير هو المرجح هنا. (2) الصحف الأولى: الكتب المنزلة السابقة. وفي هذه الآيات: 1- تقرير توكيدي لفلاح ونجاة الذين يتزكون ويذكرون ربهم ويصلّون له. 2- وخطاب موجه إلى السامعين فيه تنبيه بأنهم يؤثرون الحياة الدنيا، في حين أن الآخرة هي خير وأبقى لهم، وبأن هذه الدعوة التي يدعوهم إليها النبي صلّى الله عليه وسلّم ليست بدعا وإنما هي حلقة من سلسلة دعوة أنبياء الله الأولين والكتب المنزلة عليهم وخاصة كتب موسى وإبراهيم. والآيات متصلة بسابقاتها اتصالا وثيقا، وفيها ذكر مصير الذي ينتفع بالذكرى ويخشى العاقبة وتتمة للكلام عنه بعد ذكر مصير الشقي الذي يعرض عنها. وكلمة «تزكى» تحتمل في الآية معنى التطهير أو أداء الزكاة غير أن تلازم ذكر الصلاة والزكاة في جلّ المواضع القرآنية قد يسوّغ الترجيح بأن المقصد هنا هو زكاة المال. وإذا صح هذا كانت الدعوة إلى الزكاة والحثّ عليها قد لازما الأمر بالصلاة والحث عليها منذ بدء الدعوة. وقد يفسّر هذا الموقف المتجهم الذي وقفه الأغنياء بالإجمال من الدعوة منذ بدئها. وأسلوب الدعوة إلى الزكاة إذا صح الترجيح هو أسلوب الحث والترغيب. وهذا هو المتسق مع ظروف العهد المكي وخاصة مع ظروف أوائله. وهذا

القرآن لا يحظر الاستمتاع بالطيبات

الأسلوب ملموح في الدعوة إلى الصلاة أيضا، وهو ملموح في المواضيع المماثلة في جميع السور المكية. وروح آيات السورة وأسلوبها يلهمان أن الخطاب في الآية [16] لم يوجه لفريق خاص بقصد التثريب والتنديد وإنما هو موجه إلى الناس جميعا بقصد تقرير الطبيعة الغالبة فيهم وهي إيثار النفع العاجل على الآجل، وبقصد تنبيههم إلى ما هو خير وأبقى استهدافا لإقبالهم على الاستجابة للدعوة. القرآن لا يحظر الاستمتاع بالطيبات وليس في الآية بطبيعة الحال حظر الاستمتاع بالحياة الدنيا إذا ما استجاب الناس للدعوة وقرنوا العمل للدنيا والآخرة معا. وفي آيات سورة الأعراف هذه: يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (33) تأييد صريح لما نقرره. وفي سورة المائدة آية نهت المسلمين عن تحريم طيبات ما أحله الله لهم على أنفسهم بدون تجاوز على الحدود المعقولة. وهي هذه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وكان هذا النهي في مناسبة جنوح بعض المسلمين إلى الرهبانية والتقشف والامتناع عن النساء ولذائذ العيش. وحلفهم على ذلك وقد فرض الله لهم تحلة لأيمانهم في آية أخرى بعد هذه الآية وهي: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ

تعليق على ذكر إبراهيم وموسى عليهما السلام وصحفهما

تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89) وفي هذا تدعيم آخر كما هو واضح. تعليق على ذكر إبراهيم وموسى عليهما السلام وصحفهما وإبراهيم وموسى عليهما السلام يذكران في القرآن هنا لأول مرة. ثم تكرر ذكرهما كثيرا وبحفاوة عظيمة في سور عديدة مكية ومدنية. وقد ذكر إبراهيم عليه السلام وسيرته وأولاده وأحفاده في سفر التكوين أول أسفار العهد القديم المتداولة اليوم بشيء غير قليل من الإسهاب. ويستفاد من ذلك أنه هاجر من بلاد أور الكلدانيين أو حاران إلى أرض كنعان التي صارت تعرف بفلسطين بأمر الله عز وجل هو وزوجته ساره وابن أخيه لوط عليهم السلام. فاستقروا ونموا فيها وكانوا موحدين مخلصين لله ومحل تجلياته وعنايته وشاخ ومات ودفن في فلسطين. وفي السور الأخرى شيء من سيرتهم، منه ما يتطابق مع ما ورد في السفر المذكور ومنه ما لا يتطابق أو ما لم يذكر فيه على ما سوف ننبه عليه في مناسبات أخرى. وفي كتب التفسير روايات كثيرة ومسهبة عنهم مروية عن بعض أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتابعيهم وعلماء الأخبار في الصدر الإسلامي الأول. منها المتطابق مع ما جاء في سفر التكوين ومنها غير المتطابق. وفيها على كل حال دلالة على أن ذكرهم كان متداولا بنطاق واسع في بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل البعثة ومصدر ذلك على ما هو المتبادر الكتابيون الذين كانوا في هذه البيئة وبنوع خاص الاسرائيليون الذين ينتسبون إليهم بالأبوة. على أن لإبراهيم عليه السلام مقاما خاصا عند العرب يأتي مما كان متواترا حتى بلغ مبلغ اليقين من أن القرشيين والعدنانيين الذين يتفرع الأولون منهم كانوا يتداولون نسبتهم بالأبوة إليه من ناحية إسماعيل ابنه

البكر عليهما السلام. ونسبة الكعبة وتقاليد الحج المتنوعة إليه أيضا. وفي القرآن آيات فيها تأييد وترديد لذلك منها آيات سورة البقرة هذه: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) وآية سورة الحج هذه: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) وهذه: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ... [78] . وقد ذكر موسى في سفر الخروج ثاني أسفار العهد القديم والأسفار التالية له المتداولة اليوم بإسهاب. وهو من نسل إبراهيم على ما يستفاد من أسفار العهد القديم ومن القرآن معا. وكثير مما ورد في القرآن عنه متطابق مع ما ورد في أسفار هذا العهد، ومنه غير المتطابق أيضا. وفي كتب التفسير روايات كثيرة عنه مروية عن بعض أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتابعيهم وعلماء الأخبار في الصدر الإسلامي الأول منها ما هو المتطابق مع هذه الأسفار ومنها غير المتطابق. وفيها على كل حال دلالة على أن ذكره كان متداولا بنطاق واسع في بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل البعثة. ومصدر ذلك على ما هو المتبادر الكتابيون الذين كانوا في هذه البيئة وبنوع خاص الإسرائيليون.

ونكتفي بهذه اللمحة عنه لأن ذكره هنا جاء خاطفا وسوف نعود إلى ذكره بتوسع أكثر في المناسبات التي ذكر فيها بتوسع أكثر. والإشارة الواردة في الآيتين الأخيرتين [18- 19] هي أولى الإشارات إلى كتب الله الأولى التي فسرت في الآية [19] بصحف إبراهيم وموسى. والإشارة خاطفة يمكن أن تؤيد أولية ذكر هذه الكتب وأسلوبها يمكن أن يدل على أن السامعين لا يجهلون أن هناك كتبا إلهية نزلت على أنبيائه ومنهم إبراهيم وموسى عليهما السلام. ولقد كان في الحجاز جاليات نصرانية ويهودية وكانوا يتداولون الأسفار المنسوبة إلى الله وإلى الأنبياء ولا بد من أن السامعين كانوا يعرفون ذلك من طريقهم. والمتبادر أن المقصود من تعبير (صحف موسى) هو ما أوحاه الله إليه من تعليقات وتشريعات. وقد ذكر ذلك بصراحة في آيات عديدة مكية ومدنية غير أنه عبر عنه بتعبير «الكتاب» الذي أنزله الله هدى للناس وآتاه الله موسى هدى لبني إسرائيل وبتعبير التوراة التي فيها نور وهدى يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار مما أوردنا أمثلة منه في تعليق آخر في سورة المدثر. ولقد كتب موسى عليه السلام ما بلغه الله إليه في سفر سمي التوراة وكتاب الشريعة وفي ألواح. ولكن ذلك لم يصل إلينا وكان يتداوله اليهود في الأزمنة القديمة على ما ذكر في بعض الأسفار المتداولة اليوم «1» . والمتبادر أن ذلك هو ما قصد بصحف موسى. أما ما في أيدي اليهود والنصارى اليوم مما يسمى بالعهد القديم والمؤلف من مجموعة كبيرة من الأسفار والتي في بعضها تشريعات وأحكام ربانية مبلغة من الله لموسى عليه السلام ومن موسى لبني إسرائيل والتي في بعضها تاريخ بني إسرائيل قبل موسى وبعده مع تاريخ أنبياء وأشخاص وأحداث شعوب أخرى قبله وبعده أيضا فإنها مكتوبة بأسلوب الحكاية وبأقلام كتاب عديدين في أزمنة مختلفة

_ (1) انظر سفر الخروج الإصحاح 24 وسفر التثنية الإصحاح 31 وسفر الملوك الثاني الإصحاح 22 وسفر نحميا الإصحاح 8.

بعد موسى. وفيها كثير من التناقض والمفارقات والغلوّ وفيها أشياء كثيرة منسوبة إلى الله عز وجل وأنبيائه لا يمكن أن تكون صحيحة. ولا يصح أن توصف بوصف صحف موسى كما هو ظاهر. وسيأتي بيان أوفى عنها في مناسبة أخرى. أما صحف إبراهيم فليس هناك شيء عنها إلّا هذه الإشارة التي تفيد أن فيها ما قررته آيات سورة الأعلى من مبادئ. وإشارة مثلها في سورة النجم مع زيادة توضيحية هذا نصها: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (36) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (40) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (41) . وهناك حديث طويل أورده المفسر ابن كثير في سياق تفسير الآية [163] من سورة النساء مرويا عن أبي ذر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم جاء فيه: «إن عدد الصحف المنزّلة على إبراهيم عشر» ولكن الحديث لم يرد في كتب الأحاديث الصحيحة. وقد توقف بل طغى فيه بعض علماء الحديث على ما ذكره المفسر المذكور والله تعالى أعلم. وذكر صحف إبراهيم وموسى في مقام عرض الدعوة وأهدافها يلهم أنه بسبيل تقرير كون الدعوة المحمدية وما يبشر وينذر به النبي صلّى الله عليه وسلّم مما هو متطابق مع دعوة الأنبياء السابقين وما أنزل عليهم واستمرار له. وهذا مما تكرر تقريره في القرآن كثيرا، من ذلك آية سورة الشورى هذه: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) وآيات سورة النساء هذه: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (164) رُسُلًا

مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (165) . ونرجح، بل نعتقد أنه كان في أيدي اليهود في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم أسفار أو قراطيس فيها أخبار أخرى غير الواردة في سفر التكوين وهو أول أسفار العهد القديم المتداولة اليوم عن إبراهيم عليه السلام وملته كانوا يسمونها صحف إبراهيم لم تصل إلينا. ولقد ذكر في سور عديدة مثل مريم والشعراء والأنعام والأنبياء قصص رسالة إبراهيم لأبيه وقومه وما كان بينهم وبينه من جدل وحجاج حول عبادتهم للأصنام وما كان من تأجيجهم النار وإلقاء إبراهيم فيها. وهذه القصص لم ترد في سفر التكوين. ويتبادر لنا أن هذه القصص كانت في تلك الأسفار والقراطيس. ولعل اختصاص صحف إبراهيم وموسى بالذكر في هذه السورة المبكرة متصل خاصة بما كان للنبيين الكريمين من صورة خطيرة في أذهان السامعين أكثر من غير هما. فقد كان في الحجاز جاليات يهودية كبيرة ذات تأثير في أهلها، وكانت توراة موسى وشريعته وقصة رسالته إلى فرعون ومعجزاته مشهورة متداولة. ولقد كان إبراهيم عليه السلام وملته الحنيفية وصلته بالكعبة وتقاليد الحج وأبوته- من طريق ابنه إسماعيل- للعدنانيين سكان الحجاز مما يشغل في أذهان العرب حيزا كبيرا مما احتوى القرآن آيات عديدة في صدده مثل آيات سورة البقرة هذه: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ

دلائل أولية سورة الأعلى وصفتها

الْحَكِيمُ (129) وآيات سورة الحج هذه: وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (28) وهذه: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) . وفحوى الآيات يلهم بقوة أن سامعيها من العرب كانوا يعرفون كثيرا مما احتوته ونوهت به ويعتقدون به، وهناك روايات كثيرة تؤيد ذلك «1» . دلائل أولية سورة الأعلى وصفتها وأسلوب آيات السورة ومضمونها ونظمها يسوّغ القول بأنها من السور التي نزلت جملة واحدة، وأنها من أوائل ما نزل وأنها سبقت سور القلم والمزمل والمدثر، أو على الأقل سبقت ما جاء بعد مطالع هذه السور إذا صحت روايات أولية نزول هذه المطالع، وسبقت كذلك آيات سورة العلق التي جاءت بعد مطلعها. ولعلها نزلت بعد سورة الفاتحة، أو بعد مطلع سورة العلق. ويلحظ أن إحدى آيات السورة احتوت تعبير (سنقرئك) وأن السورة بدئت بأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بتسبيح اسم ربه الأعلى، مما فيه شيء من التجانس بينها وبين مطلع سورة العلق، وعلى كل حال فهي من القسم الذي كانت تعنيه تسمية القرآن في بدء الدعوة مثل سورة الفاتحة، والذي احتوى عرض أهداف الرسالة المحمدية والدعوة إليها على ما هو المتبادر، والله أعلم.

_ (1) انظر سيرة ابن هشام ج 1 ص 5- 13 و 237- 247 طبعة مصطفى البابي الحلبي سنة 1355 هـ 1936 م. [.....]

سورة الليل

سورة الليل في السورة تصنيف الناس حسب أعمالهم، وتنويه بصالح العمل وأصحابه، وتنديد بسيء العمل وأصحابه وإنذارهم. وفيها تنويه بمن يتزكّى بماله، وتنديد بالبخل والمنع. وأسلوبها كسابقتها من حيث دلالته على احتوائها عرضا عاما للدعوة وعلى تبكير نزولها قبل غيرها الذي احتوى مشاهد ومواقف حجاجية وتكذيبية. وبين السورتين من التوافق في المبنى والأسلوب والجرس ما يلهم أنهما نزلتا متتابعتين. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الليل (92) : الآيات 1 الى 13] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (1) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (2) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (10) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (11) إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (12) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (13) . (1) يغشى: يغطي أو يخيم أو ينتشر. (2) تجلى: ظهر أو انكشف أو برز. (3) شتى: جمع شتيت بمعنى أنواع مختلفة. (4) الحسنى: مؤنث الأحسن. ومن المفسرين من أوّل جملة وَصَدَّقَ

بِالْحُسْنى بمعنى صدق بوعد الله بزيادة الإخلاف على المنفقين. ومنهم من أوّلها بمعنى صدق بالموعود الأحسن من الله، ومنهم من أوّلها بمعنى صدق بالجنة التي وعد الله المؤمنين المحسنين «1» . (5) اليسرى: مؤنث الأيسر أي الأسهل. (6) استغنى: شعر بالغنى عن غيره أو عن الله بما صار عنده من مال. (7) العسرى: مؤنث الأعسر أي الأشق الأصعب. (8) تردى: سقط أو هوى من عال. الخطاب في الآيات موجه إلى السامعين بأسلوب مطلق وتقريري. وقد تضمنت: 1- قسما ربانيا بالليل إذا خيم والنهار إذا انجلى، وما خلق الله من ذكر وأنثى إن الناس في سلوكهم وأعمالهم أنواع. منهم المؤمن بالله والمتصدق بماله والمصدق بوعود الله الحسنى في الدنيا والآخرة. وهذا ييسره الله في السبيل اليسرى التي فيها النجاة والسعادة. ومنهم البخيل الذي يستشعر الغنى عن غيره وربه، البخيل بماله الجاحد لوعود الله الحسنى في الدنيا والآخرة. وهذا ييسره الله في السبيل العسرى التي فيها الهلاك والخسران ولن يغني عنه ماله ويقيه السقوط والتردي في ذلك المصير الرهيب. 2- وتقريرا ربانيا بأن ما للناس على الله هو أن يبين لهم طريق الهدى والخير ويدلهم عليه ويحذرهم من طريق الضلال والشر، وبأن أمر الدنيا والآخرة في يده وهو المتصرف فيهما تصرفا مطلقا. والآيات كما هو ظاهر بسبيل الدعوة العامة للناس. وليس فيها مواقف ومشاهد حجاجية وتكذيبية. وفيها مبادئ هذه الدعوة بإيجاز بليغ وهي الإيمان بالله وتصديق وعود الله والعمل الصالح ونفع الغير ومساعدتهم وعدم البخل بالمال بسبيل ذلك مع التنبيه على أن هذا المال لن يغني عنه شيئا إذا لم يستجب للدعوة

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري والزمخشري والطبرسي وابن كثير.

تعليق على جملة وما خلق الذكر والأنثى

ويلتزم بمبادئها. فمن فعل ذلك فهو ناج سعيد ومن فعل العكس فهو خاسر شقي. وقد انطوى فيها حكمة إرسال الله الرسل للناس ليبين لهم بلسانهم معالم الهدى. كما انطوى فيها تقرير كون الناس موكولين بعد ذلك إلى اختيارهم للطريق التي يسيرون فيها ومستحقين للنتائج التي تترتب على هذا الاختيار في الدنيا والآخرة معا. وكل هذا مما تكرر تقريره بحيث يعد من المبادئ القرآنية المحكمة. ولقد روى الشيخان والترمذي في سياق هذه الآيات حديثا عن علي بن أبي طالب قال: «كنّا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم في بقيع الغرقد في جنازة فقال ما منكم من أحد إلّا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة. قالوا يا رسول الله أفلا نتّكل على كتابنا وندع العمل. قال اعملوا فكلّ ميسّرّ لما خلق له. أمّا من كان من أهل السعادة فييسّر لعمل أهل السعادة. وأمّا من كان من أهل الشقاء فييسّر لعمل أهل الشّقاء ثم قرأ فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (7) [الليل/ 5- 7] » «1» . والحديث ينطوي على إيذان بعلم الله عز وجل الأزلي بمصير كل إنسان في الآخرة وليس في كون الله عز وجل قد قدر على الناس مصائرهم الأخروية بقطع النظر عن أعمالهم التي يستحقون هذه المصائر بسببها كما هو المتبادر. وهذا ما ينطوي في الآيات أيضا حين إمعان النظر فيها. حيث يربط الآيات والحديث السعادة والشقاء بالعمل فمن عمل عمل أهل السعادة سعد ومن عمل عمل أهل الشقاء شقي. وهذا الموضوع متصل بناحية ما بموضوع القدر الذي سوف نبحثه بحثا وافيا في مناسبة أكثر ملاءمة. تعليق على جملة وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى وجملة وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى التي جمع فيها من الذكر والأنثى في القسم قرينة

_ (1) التاج ج 4 ص 259- 260

[سورة الليل (92) : الآيات 14 إلى 21]

على نظرة الله تعالى المتساوية لهما وتسوغ القول إن ما جاء بعدها من الإشارة إلى أعمال الناس من خير وشر وتيسير الله لهم وفقها يشمل الذكر والأنثى معا. وإن صح استنتاجنا ونرجو أن يكون صحيحا فيكون أول تقرير قرآني لمبدأ تكليف الذكر والأنثى على السواء تكليفا متساويا بكل ما يتصل بشؤون الدين والدنيا ولمبدأ ترتيب نتائج سعي كل منهما وفقا لما يكون من نوع هذا السعي من خير وشر ونفع وضرّ وهدى وضلال. وأول تقرير قرآني لتساوي الذكر والأنثى في القابليات التي يختار كل منهما عمله وطريقه بها. ولقد تكرر تقرير كل ذلك كثيرا وبأساليب متنوعة وفي القرآن المكي والمدني معا. ومن ذلك آيتان مهمتان في بابهما في سورة الأحزاب وهما: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (73) . وجمهور المؤولين والمفسرين على أن كلمة «الأمانة» تعني هنا التكليف أي ما رسمه الله للإنسان من واجبات ونهاه عنه من محظورات. والإنسان في الآية الأولى مطلق أريد به الإنسان الذي يمثله الذكر والأنثى معا بدليل الآية الثانية التي احتوت إنذارا للمنافقات والمشركات اللاتي ينحرفن عن التكليف أسوة بالمنافقين والمشركين وبشرى للمؤمنات اللاتي يلتزمن حدود الله المرسومة أسوة بالمؤمنين على قدم المساواة، وفي ذلك ما فيه من روعة وجلال. [سورة الليل (92) : الآيات 14 الى 21] فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (14) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (19) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضى (21) . (1) تلظى: تتوهج وتتقد.

وهذه الآيات معقبة على الآيات الأولى وفيها إنذار للسامعين الذين وجهت إليهم الدعوة بأسلوب تقريري بالنار المتوهجة المعدة للأشقياء الذين يكذبون الدعوة ويعرضون عنها. أما الذين يتقون الله بالإيمان والعمل الصالح ويعطون أموالهم زكاة ابتغاء وجه ربهم ورضائه، ودون أن يكون مقابلة لأحد له عليهم نعمة سابقة أو يد سالفة فيجنبونها، ويكون لهم من الله ما فيه رضاؤهم وطمأنينتهم. وآيات السورة كسابقتها تماما من حيث هي عرض عام للدعوة وتبشير وإنذار بأسلوب آخر هو أيضا هادىء ورصين ورائع. وقد احتوت مثلها تلقينات جليلة. ففيها حث على تقوى الله بالإيمان والعمل الصالح والإنفاق في وجوه البر دون غاية من غايات الدنيا المألوفة وتنويه بجلال هذا العمل. وتلقين بأن المال إنما يفيد صاحبه إذا هو اتجه في طريق الصلاح والخير وأنفقه بسخاء في وجوه البر ابتغاء وجه الله. وأنه شر على صاحبه إذا أثار فيه الغرور والاعتداء وبخل به ولم ينتفع به غيره. وقد جاءت الدعوة فيها إلى إعطاء المال زكاة بصراحة، وهذا يدعم ترجيحنا من أن تعبير «تزكى» في السورة السابقة قد قصد به زكاة المال. وهكذا يتوالى في المجموعات القرآنية الأولى الحث على الإنفاق والزكاة وفعل الخير ابتغاء وجه الله ورضائه فحسب، والتنديد بالبخل والغرور بالغنى والمال والتمسك بأعراض الدنيا وشهواتها والإعراض عن الخير والبر، مما ينطوي فيه أن ذلك من أهم أهداف ومبادئ الدعوة بعد الإيمان بالله واليوم الآخر وعبادة الله وحده. وفي هذا ما فيه من بالغ الروعة والجلال. فالمال من أعز الأشياء على أصحابه. والمعوزون أكثر من الميسورين دائما كما أن كل مشروع خيري وإصلاحي عام يحتاج إلى المال في أول ما يحتاج. وقد روى المفسرون «1» أن الآيات [17- 21] نزلت في حق أبي بكر رضي

_ (1) انظر تفسير السورة في تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والزمخشري وغيرهم. الجزء الأول من التفسير الحديث 34

الله عنه لكثرة ما أنفقه وخاصة في شراء أرقاء المسلمين الذين كان مالكوهم الكفار يعذبونهم. غير أن وحدة وزن الآيات السابقة لها وأسلوب آيات السورة وتماسكها يجعلنا نرجح نزولها جملة واحدة وكونها بسبيل عرض عام للدعوة وأهدافها. وهذا لا ينفي رواية إنفاق أبي بكر رضي الله عنه وإنقاذه الأرقاء المعذبين من المؤمنين. وقد رأينا ابن كثير يقول بعد ذكر رواية نزولها في حق أبي بكر: إنه ولا شك داخل فيها بسبب كثرة ما أنفقه ولكن لفظها لفظ العموم. والسورة من أبكر ما نزل كما قلنا. وقد نزلت فيما نعتقد قبل أن ينشب حجاج ونضال بين النبي صلّى الله عليه وسلّم وأتباعه الأولين وبين الكفار. ومن المحتمل أن يكون أبو بكر فعل ما فعل بتأثير ما احتوته من حث وتنويه وأن يكون أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد رأوا في فعله مطابقة تامة للآيات فنوهوا به في مناسبتها، فكان هذا أصل الرواية. ولقد استعظم مفسرو الشيعة ما روي من أن الآيات [17- 21] في حق أبي بكر رضي الله عنه فنفوا ذلك وقالوا إنها مع الآيات [5- 7] في حق علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والهوى الحزبي بارز على هذا القول وهذا مثال آخر من أمثلة كثيرة سوف نوردها في مناسباتها «1» . هذا، ويلحظ شيء من التوافق اللفظي بين آيات هذه السورة وآيات السورة السابقة كما يلحظ توافق أسلوبي وهدفي أيضا. وهذا وذلك يلهمان صحة ترتيب تتابعهما في النزول ووحدة ظروف نزولهما وكون هذه كتلك من أولى السور نزولا ومما كان يعنيه لفظ القرآن في بدء الأمر مثلها.

_ (1) التفسير والمفسرون للذهبي ج 2 ص 224.

سورة الفجر

سورة الفجر تحتوي السورة تذكيرا بعذاب الله الذي حل بالطغاة المتمردين من الأمم السابقة كعاد وثمود وفرعون وإنذارا لأمثالهم، وتنديدا بحب المال والاستغراق فيه، واستباحة البغي والظلم في سبيله، وعدم البر باليتيم والمسكين، ودحضا لظن أن اليسر والعسر في الرزق اختصاص من الله بقصد التكريم والإهانة. وفيها تصوير مشهد ما يكون من مصير البغاة يوم القيامة وحسرتهم، وتنويه بالمؤمنين ذوي النفوس المطمئنة وبشرى لهم برضاء الله وجنته. وأسلوب السورة عام العرض والتوجيه مما يدل على تبكيرها بالنزول. وفصولها وآياتها منسجمة مما يدل على نزولها جملة واحدة أو متتابعة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الفجر (89) : الآيات 1 الى 14] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالْفَجْرِ (1) وَلَيالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (6) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (14) . (1) ليال عشر: قيل إنها العشر الأخيرة من رمضان وقيل إنها العشر الأولى من المحرم وقيل إنها العشر الأولى من ذي الحجة. وكل من هذه العشرات مبارك

في الآثار والتقاليد الإسلامية. ومما قيل إنها العشر الأولى من كل شهر حيث يبدو في أولها الهلال ثم يكبر ثم يكبر كما يبدو الفجر خيطا من نور ثم يتسع. وفي ذلك توافق بين الفجر والهلال. (2) الشفع: كل شيء مزدوج من اثنين ومضاعفاتهما. وقيل إن المقصود هو يوم النحر لأنه عاشر أيام ذي الحجة وهو شفع. (3) الوتر: كل شيء مفرد غير قابل للقسمة على اثنين، وقيل إن المقصود هو يوم عرفات لأنه التاسع من ذي الحجة وهو وتر. ومما قيل في المقصود من الشفع والوتر هو الله سبحانه الوتر وجميع الأحياء هم شفع لأنهم من زوجين ذكر وأنثى. ومما قيل كذلك أن المقصود هم جميع الخلق الذين منهم الشفع ومنهم الوتر وروى الترمذي إلى هذا حديثا عن عمران بن الحصين أن النبي صلّى الله عليه وسلّم سئل عن الشفع والوتر فقال «هي الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر» «1» . (4) يسري: يمضي أو يدبر أو يجري نحو الانتهاء. (5) ذي حجر: ذي عقل. وجملة هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ هي بمعنى أليس فيما تقدم من الأقسام كفاية ومقنع لمن لديه عقل على ما ذكره جمهور المفسرين. (6) عاد: قبائل عربية قديمة كانت تسكن في القسم الجنوبي من جزيرة العرب الذي كان يسمى بالأحقاف أيضا. وقد وردت هذه التسمية في سورة الأحقاف في صدد الإشارة إلى قوم عاد. والأحقاف هي أكثبة الرمل. (7) إرم: قيل إنها اسم جدّ عاد الأقدم. وقيل إنها اسم مدينة قوم عاد. (8) ذات العماد: ذات الأعمدة. قيل إنها وصف لمدينة إرم. وقيل إنها وصف لمساكن قبائل عاد بن إرم التي كانت خياما تقوم على أعمدة. (9) ثمود: قبائل عربية قديمة كانت تسكن في القسم الشمالي الغربي من جزيرة العرب في طريق المدينة والشام وفي المنطقة المعروفة اليوم بمدائن صالح.

_ (1) التاج ج 4 ص 258.

(10) جابوا: قطعوا. ولعلها بمعنى نحتوا الصخر واتخذوه منازل. وقد ذكر ذلك عن ثمود في مواضع قرآنية أخرى مثل آية سورة الشعراء وهي: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ (149) التي جاءت في سلسلة قصة ثمود ونبيهم صالح عليه السلام. (11) ذي الأوتاد: صاحب المنشآت العظيمة التي تشبه الجبال حيث وصفت الجبال في القرآن بالأوتاد كما جاء في آية سورة النبأ هذه: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (6) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (7) ولعلها تعني الأهرام أو أن الأهرام بعضها لأن الكلمة جاءت وصفا لفرعون. (12) سوط: أصل معناه العصا التي يضرب بها أو ما يقوم مقامها. واستعملت هنا مجازا. (13) بالمرصاد: محل الرصد والترصد. والمقصود من جملة إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ أن الله مترصد للطغاة لينكّل بهم «1» . في الآيات الأربع الأولى أقسام ربانية بالفجر والليل الذي يجري حتى ينتهي إلى الفجر والنهار وبالليال العشر المباركة وبالشفع والوتر. أما جواب القسم فقيل إنه في جملة إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ حيث يعني أن الله يقسم إنه بالمرصاد للطغاة الجاحدين كما فعل بأمثالهم السابقين المذكورين. وقيل إنه محذوف مقدر بأن ما يسمعه الناس من الإنذار حقّ لا ريب فيه أو بأن الله الذي هو بالمرصاد للطغاة الجاحدين ليعذبنهم أو ليقتصن منهم كما فعل بأمثالهم «2» . والآية الخامسة توكيد رباني بأن فيما فعله الله في الأولين وفي قسمه بأنه بالمرصاد للطغاة الجاحدين مقنعا لذوي العقول والبصائر.

_ (1) انظر معاني الكلمات في تفسير السورة في تفسير الطبري والزمخشري والطبرسي وابن كثير والبغوي والنيسابوري. (2) انظر تفسير السورة في تفسير مجمع البيان للطبرسي مثلا.

تعليق على قصص الأقوام المذكورة في السورة

تعليق على قصص الأقوام المذكورة في السورة والأسلوب الاستفهامي الذي جاءت فيه الآية السادسة وما بعدها يلهم أن أخبار عاد وثمود وفرعون وآثارهم والعذاب الرباني الذي حل فيهم غير مجهول عند سامعي القرآن كما يلهم أن ذكرهم هو في معرض التذكير والإنذار والموعظة. وبهذا يستحكم جواب القسم والإنذار الذي انطوى فيه، وهذا وذاك هو هدف القصص القرآنية. ولقد وردت إشارة خاطفة إلى فرعون في سورة المزمل. وأسلوبها يلهم ذينك الأمرين معا. وحكمة ذلك ظاهرة. فالسامع يتأثر بالقصص التي يعرفها أو يعرف عنها شيئا أكثر مما لا يعرفه. وقصة فرعون مع بني إسرائيل وموسى مفصلة في سفر الخروج من أسفار التوراة. ولا بد من أن العرب كانوا يعرفون كثيرا منها من طريق الكتابيين الذين كانوا بينهم، والذين كانت هذه الأسفار متداولة عندهم. ولقد رجحنا أن الأوتاد هي الأهرام المصرية لأنها جاءت مع ذكر فرعون. ولقد كان تجار الحجاز يصلون في رحلاتهم التجارية إلى مصر بطريق شرق الأردن وفلسطين على ما تلهم آيات في سورة الصافات التي تذكر الحجازيين بما رأوه من آثار تدمير الله سدوم وعمورة بلدي لوط في غور أريحا، وهي هذه: وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (138) ولقد ذكرت الروايات «1» اسم عمرو بن العاص من جملة من زاروا مصر قبل إسلامه. والمتبادر أن الأهرام وهولها ومماثلتها للجبال مما كان يتحدث به الزوار. أما قصص عاد وثمود فليست واردة في أسفار أهل الكتاب المتداولة. وهي في صدد قومين عربيين قديمين. وأسلوب الآيات يلهم أن السامعين لا يجهلونها

_ (1) انظر كتاب حياة عمرو بن العاص لإبراهيم حسن.

وأنها وصلت إليهم منقولة من جيل إلى جيل. وفي سورة العنكبوت آية قد يكون فيها دليل على أن من سامعي القرآن من زار مساكن عاد وثمود ورأى أطلالها وخرائبها وسمع أن الله تعالى قد دمرها بعذابه بسبب تكذيب أهليها لرسوليهم هود وصالح عليهما السلام وهي هذه: وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) وبلاد عاد هي في جنوب اليمن مما يعرف اليوم ببلاد حضرموت وبلاد ثمود هي في شمال الجزيرة العربية وعلى طريق بلاد الشام مما يعرف اليوم ببلاد مداين صالح. وكانت القوافل الحجازية التجارية تمرّ بمداين صالح في طريقها إلى بلاد الشام ومصر كما كانت تصل إلى بلاد حضرموت في رحلتها الشتوية إلى اليمن. ولقد تكررت قصص فرعون وثمود وعاد في القرآن مرارا، مسهبة حينا ومقتضبة حينا حسب حكمة التنزيل بسبب تكرر المناسبات والمواقف على ما شرحناه في سورة القلم. وفي القصص الواردة في السور الأخرى بيانات كثيرة عنهم وعن أنبيائهم ومواقفهم منهم ونكال الله عليهم. وفي كتب التفسير بيانات كثيرة على هامشها أيضا معزوة إلى علماء الصدر الإسلامي الأول حيث يفيد هذا أن الحديث في هذه القصص مما كان يجري في بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم وعصره متصلا بالأجيال السابقة. ومما يؤيد القول بمعرفة أهل هذه البيئة والعصر أشياء كثيرة منها. ونكتفي الآن بما قلناه على أن نعلق بما يقتضي في المناسبات الآتية إن شاء الله. والمتبادر أن ما احتوته الآيات هنا عنهم هو بسبيل التنويه بما كانوا عليه من قوة وبسطة، وبسبيل تقرير أنهم لم يعجزوا الله حينما طغوا وتجبروا فصبّ عليهم عذابه ونكّل بهم، وبسبيل البرهنة على قدرته على كل من يسير في طريقهم من التجبر والطغيان والتمرد على الله، وكل هذا متصل بأهداف القصص القرآنية كما هو واضح.

[سورة الفجر (89) : الآيات 15 إلى 20]

هذا، والآيات لا تحتوي إشارة إلى موقف معين للمكذبين والجاحدين. ولذلك يصح أن يقال إنها بسبيل الإنذار والتذكير والتحذير من الطغيان والفساد والتمرد على الله ودعوته بصورة عامة. وفي هذا ما هو واضح من التلقين الجليل المستمر المدى. [سورة الفجر (89) : الآيات 15 الى 20] فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (16) كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (20) . (1) ابتلاه: اختبره وامتحنه. (2) أكرمني: هنا بمعنى رفع قدري وعني بي. (3) قدر عليه رزقه: بمعنى ضيقه عليه. (4) أهانني: هنا بمعنى وضع قدري وتقصد ضرري وإهانتي. (5) تحاضون: تتحاضون أي تحضون بعضكم بعضا. (6) التراث: الميراث. (7) لمّا: جمعا والقصد أكل الميراث جميعه بدون تفريق بين حق وباطل. (8) جمّا: كثيرا. في الآيتين الأوليين: 1- عرض لصورة من تفكير الإنسان وتلقّيه في حالتي الغنى والفقر والنعيم والبؤس. ففي الأولى يظن أن الله إنما يسّر له ذلك عناية به ورفعا لقدره واهتماما لشأنه. وفي الثانية يظن أن الله إنما اختصه بذلك حطّا من قدره وإهانة له في نظر الناس.

2- تقرير بأن ذلك ليس كما يظن الإنسان في حاليه. ونفي ردعي لهذا الظن. وإنما هو امتحان رباني، ليظهر موقفه من الله والناس في حالتي اليسر والعسر والنعيم والبؤس. وفي الآيات الأربع التالية تأنيب ردعي وتكذيبي: 1- للذين يحتقرون اليتيم ولا يرعون حقه. 2- وللذين يضنون على المساكين وخاصة بما هم في حاجة إليه من الطعام الذي فيه حفظ حياتهم، ولا يحض بعضهم بعضا على ذلك. 3- وللذين يشتد فيهم الشره إلى المال ويحبونه حبّا يملك عليهم مشاعرهم ويجعلهم يستبيحون أكل الميراث، دون تفريق بين حقّ وباطل وحلال وحرام. ولقد روى الطبري عن حرملة بن عمران أنه سمع عمر مولى غفرة يقول: إذا سمعت الله يقول (كلا) فإنما يقول للمخاطب (كذبت) وتطبيقا على هذا يكون ما ذكرناه مما انطوى في الآيات الأربع بمثابة تكذيب لقول القائلين. ويبدو لأول وهلة أن هذا الفصل منفصل عن الفصل السابق. غير أن الصلة تلمح بينهما حين التروي. فالفصل الأول بسبيل التذكير بما كان من بغي بعض الأمم والملوك السابقين وطغيانهم وفسادهم في الأرض ونكال الله فيهم، وقد احتوى قسما ربانيا بأن الله بالمرصاد لأمثالهم دائما. وهذا الفصل بسبيل بيان ما يدور في أذهان الناس- ومنهم السامعون- من ظنون خاطئة في حالتي يسرهم وعسرهم فيها غرور وسوء أدب نحو الله. وما يقدم عليه الناس- ومنهم السامعون- من بغي على الفئات الفقيرة والضعيفة وحرمان لهم من مقومات الحياة ونعم الله التي أنعم عليهم. وازدرائهم، وما ينبعث في نفوس الناس- ومنهم السامعون- من حب شديد للمال يجعلهم لا يفرقون في سبيله وخاصة في الميراث بين حلال وحرام. ويلمح في حرف الفاء التعقيبي أو التفسيري- الذي بدىء به الفصل الثاني والله أعلم- قصد تشميل قسم الله بأنه بالمرصاد للناس الذين حكى هذا الفصل

ظنونهم الخاطئة وغرورهم وسوء أدبهم نحو الله وعدم شكرهم له، وازدرائهم باليتيم وحرمانهم المساكين من مقومات الحياة، واستغراقهم في حب المال ذلك الاستغراق الذي يجعلهم لا يفرقون في سبيله بين حلال وحرام. ومع أن كلمة الإنسان مطلقة، والخطاب في صدد عدم إكرام اليتيم وعدم الحض على طعام المسكين وحب المال حبا شديدا وأكل الميراث أكلا ذريعا موجه إلى السامعين إطلاقا فالمتبادر أن المقصودين بالتنديد هم الذين يظنون تلك الظنون الخاطئة، ويفعلون هذه الأفعال الكريهة. ويلمح أن الآيات الأربع الأخيرة قد جاءت على أسلوب الحكيم، فالآيتان السابقتان لها تعرضان إلى الخطأ في تفكير الناس في حالتي السعة والضيق واليسر والعسر، مع تقريرهما أن ذلك امتحان رباني. فجاءت الآيات تلفت نظرهم إلى خطيئات أخرى هم واقعون فيها وتندد بهم من أجلها وتكذبهم في أقوالهم وتعليلاتهم. وقد روى بعض المفسرين «1» أن الآيات أو القسم الأول منها نزل في أمية بن خلف أحد زعماء قريش مع أن أسلوبها عام مطلق كسابقاتها وهي منسجمة مع بعضها انسجاما قويا. وكلام الطبري شيخ المفسرين يفيد أنها عرض عام لظنون المنحرفين من الناس وسلوكهم بصورة مطلقة. ولقد انطوى فيها تلقينات جليلة مستمرة المدى. فالمرء ينبغي ألّا تبطره النعمة واليسار فيخرج عن حده بالخيلاء والغرور وزعم اختصاص الله إياه بالحظوة، كما أنه لا ينبغي أن يداخله غم ويأس إذا ما حل فيه ضيق وعسر فيعتبر ذلك نقمة وإهانة اختصه الله بهما. فكثيرا ما يكون في الثروة والرخاء بلاء، وكثيرا ما يكون في الفقر والخصاصة راحة نفس وسلامة دين وعرض. ومن الواجب أن يرى كل من الفريقين كذلك أنهما إزاء اختبار رباني وأن على الميسور أن يشكر الله ويقوم بواجبه نحوه ونحو الناس وخاصة ضعفاءهم وذوي الحاجة منهم وأن

_ (1) انظر تفسير البغوي.

على المعسر أن يصبر ويصابر. ومن تلقيناتها تقرير كون الغنى والفقر عرضين تابعين لنواميس الكون ومن جملتها قابليات الناس وظروفهم التي لا تبقى على وتيرة واحدة. ولا يصح أن يظن ظانّ أنهما اختصاص رباني بقصد التكريم والإهانة ورفع القدر أو حطه. ومن تلقيناتها كذلك أن جعل المال أكبر الهمّ وقصارى المطلب واستباحة البغي والظلم في سبيل الحصول عليه وحرمان المحتاجين والضعفاء من المساعدة والعطف والبر بتأثير حب المال من الأخلاق الذميمة التي يجب على الإنسان وعلى المسلم من باب أولى اجتنابها والترفع عنها. ويلفت النظر بخاصة إلى الآيات وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (20) التي جاءت بعد الآيات: كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (18) [17- 18] التي تنطوي على تنديد لاذع لمن يفعل ما جاء فيها حيث يلمح فيها إيذان قرآني بكراهية الاستكثار من حيازة المال والحرص الشديد عليه وعدم إنفاقه على المحتاجين والفقراء. ولهذا دلالة خطيرة المدى ولا سيما أنه بدأ منذ أوائل التنزيل القرآني واستمر يتكرر إلى آخر حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم الذي نزل فيه آيات سورة التوبة هذه التي كانت من أواخر ما نزل: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35) . وهناك أحاديث كثيرة تتساوى في التلقين المنطوي في الآيات بالنسبة للأمر الأخير بخاصته. منها حديث رواه البخاري عن أبي ذرّ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ المكثرين هم المقلّون يوم القيامة إلّا من أعطاه الله خيرا فنفخ فيه يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيرا» «1» . وحديث رواه البخاري عن أبي هريرة عن

_ (1) التاج ج 5 ص 145 وما بعدها. هناك أحاديث عديدة أخرى من هذا الباب فاكتفينا بما تقدم.

النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «تعس عبد الدينار والدّرهم والقطيفة والخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض» «1» . وحديث رواه الترمذي ومسلم عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «قد أفلح من أسلم وكان رزقه كفافا وقنّعه الله. وفي رواية طوبى لمن هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافا وقنع» «2» . وحديث رواه الترمذي والإمام أحمد عن كعب بن مالك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشّرف لدينه» «3» وحديث رواه الشيخان والترمذي عن ابن عباس قال: «قدم أبو عبيدة بمال من البحرين وانتظر بعض الصحابة فقال رسول الله لهم والله ما الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم» «4» . وحديث رواه الترمذي عن كعب بن عياض عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ لكلّ أمّة فتنة وفتنة أمتي المال» «5» . وحديث رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لو كان لي مثل أحد ذهبا لسرّني ألا تمرّ بي ثلاث ليال وعندي منه شيء إلّا شيئا أرصده لدين» «6» . وحديث رواه الشيخان والترمذي عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب» «7» . وحديث رواه الشيخان عن أبي سعيد جاء فيه: «إنّ هذا المال حلوة من أخذه بحقّه ووضعه في حقّه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع» «8» .

_ (1) التاج ج 5 ص 148- 149. (2) المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه. (4) المصدر نفسه. [.....] (5) المصدر نفسه. (6) المصدر نفسه. (7) المصدر نفسه. (8) المصدر نفسه.

تعليق على ما أولاه القرآن من العناية باليتيم

تعليق على ما أولاه القرآن من العناية باليتيم وبمناسبة التنديد في الآية [17] بالذين لا يكرمون اليتيم نقول إن القرآن المكي والمدني معا قد احتوى آيات كثيرة بلغ عددها اثنتين وعشرين في صدد العناية باليتيم وتكريمه وحفظ ماله وإعطائه حقه وعدم معاملته بالعنف والقسوة والنهي عن أكل ماله وأذيته والتحايل عليه. والإنفاق والتصدق على فقراء اليتامى وتخصيص نصيب لهؤلاء في موارد الدولة الإسلامية الرسمية، وبعبارة أخرى جعل ذلك من واجبات هذه الدولة أسوة بالمسكين ولأنه على الأرجح من نوعه لا يسأل الناس ولا يفطن له فيتصدق عليه، حيث يدل هذا على عظم عناية حكمة التنزيل به طيلة زمن التنزيل في مكة والمدينة. نورد منها الأمثلة الآتية: 1- أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (7) الماعون [1- 7] . 2- فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) الضحى [9] . 3- فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (16) البلد [11- 16] . 4- وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ الإسراء [34] . 5- فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) الروم [38] . 6- يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) البقرة [215] . 7- وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ الأنفال [41] .

8- وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (2) النساء [2] . 9- إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (10) النساء [10] . 10- ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ الحشر [10] . ولما كان اليتيم على الأكثر ضعيفا فاقد المعين والكافل والمنفق فالعناية القرآنية به متسقة مع روح البرّ والحق والعدل التي انطوت في المبادئ القرآنية والدعوة الإسلامية منذ البدء كما هو شأن البر بالمساكين على ما مر شرحه في سياق سورة المدثر. ولعل في كثرة ما جاء في حق اليتيم صورة لما كان اليتيم معرضا له قبل البعثة من صنوف الهضم والأذى والإهمال والحرمان. وفي آيات الإسراء المكية والنساء المدنية ما يفيد أنه كان الذين يترك لهم آباؤهم مالا منهم معرضين لضياع إرثهم وأكله من قبل الأوصياء والأولياء فاقتضت حكمة التنزيل أن توالى الحث والنهي والإنذار في شأنه بأساليب متنوعة وأحيانا بأساليب قارعة. ولقد أثرت أحاديث نبوية عديدة في البر والعناية باليتيم. منها حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن سهل بن سعد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أنا وكافل اليتيم في الجنّة هكذا وقال بإصبعيه السّبابة والوسطى» «1» . وحديث رواه الشيخان عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اجتنبوا السبع الموبقات. قيل يا رسول الله وما هنّ؟ قال الشرك بالله والسّحر وقتل النفس التي حرّم الله إلّا بالحقّ وأكل الرّبا وأكل مال اليتيم والتولّي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» «2» . وحديث رواه

_ (1) التاج ج 5 ص 13. (2) المصدر نفسه ج 3 ص 4- 5.

[سورة الفجر (89) : الآيات 21 إلى 30]

الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من قبض يتيما من بين مسلمين إلى طعامه وشرابه أدخله الله الجنة البتة إلا أن يعمل ذنبا لا يغفر له» «1» . وهناك حديث أورده ابن كثير في سياق الآية [10] من سورة النساء أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال: «قلنا يا رسول الله ما رأيت ليلة أسري بك؟ قال: انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير، رجال كلّ رجل منهم له مشفران كمشفري البعير. وهو موكّل بهم رجال يفكون لحاء أحدهم ثم يجاء بصخرة من نار فتقذف في أحدهم حتى تخرج من أسفله. ولهم جؤار وصراخ. قلت يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنّما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا» . وحديث آخر أورده المفسر نفسه في صحيح ابن حبان عن أبي حرزة قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجّج أفواههم نارا. قيل يا رسول الله من هم قال ألم تر إلى أنّ الله قال: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً النساء [10] . حيث يتساوق التلقين النبوي مع التلقين القرآني في هذا الأمر الخطير كما هو في كل أمر آخر. وفي الآيات تنديد بمن لا يحض على طعام المسكين. ولقد سبق مثل هذا في آية سورة المدثر وعلقنا عليه بما يغني عن التكرار. [سورة الفجر (89) : الآيات 21 الى 30] كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (23) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (25) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (26) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) . (1) دكا دكا: القصد من ذلك وصف شدة الانهيار والتدمير الذي يحلّ في

_ (1) المصدر السابق نفسه.

الأرض يوم تقوم القيامة، أو وصف هول هذا اليوم وأثره في الأرض. (2) جهنّم: الوادي أو البئر العميق الموحش. ويقال بئر جهنام أيضا بنفس المعنى. ثم صارت علما قرآنيا على الحفرة الهائلة النارية التي يلقى فيها الكفار والمجرمون يوم القيامة. وتعبير وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ تعبير أسلوبي بمعنى هيئت. (3) لا يعذب عذابه أحد: يحتمل أن تكون الجملة بمعنى لا يعذب مكانه أحد غيره، كما يحتمل أن تكون بمعنى لا يعذب مثل عذابه أحد بسبيل وصف شدة عذابه «1» . والأول أوجه فيما نرى، لأن العذاب لكل إنسان استحقه. (4) لا يوثق وثاقه أحد: الوثاق هو الغل والحبل الذي يقيد به الشيء. والجملة تحتمل الاحتمالين المذكورين آنفا. والأول أوجه فيما نرى للسبب نفسه. وقد ذكرت آيات عديدة أن المستحقين للعذاب يوم القيامة يقيدون بالأغلال. في الآيات تنبيه زجري وردعي لما سوف يكون في يوم القيامة، حيث تندك الأرض اندكاكا شديدا، ويقف الله لمحاسبة الناس والملائكة من حوله صفوفا، وتهيأ جهنم لمستحقيها. وحينذاك يتذكر الإنسان الذي اقترف الأفعال السيئة الباغية ويتمنى أن لو قدم بين يديه الخير والعمل الصالح. ولكن الذكرى لن تنفعه لأنه أضاع وقتها والتمني لن يغني عنه شيئا. وحينذاك يصير إلى العذاب ولن يكون له مفلت منه، ولن يكون له فيه بديل، ويوثق بالأغلال ولن يوثق محله بديل عنه. أما المؤمنون الصالحون ذوو النفوس الطيبة المطمئنة بما قدمت فيهتف بهم بأن لهم من ربهم الرضاء التام، وبأن مكانهم هو بين عباده الصالحين الأبرار وبأن منزلهم هو الجنة. والصلة بين هذه الآيات وسابقاتها ملموحة حيث يتبادر أنها تعقيب عليها بقصد بيان ما يكون من مصير الذين يقترفون الأفعال السيئة التي ذكرت في الآيات السابقة بعض نماذجها، وأسلوب الآيات عام مطلق أيضا مثل سابقاتها.

_ (1) انظر تفسيرها في تفسير الطبري والنيسابوري والآلوسي.

ولقد تكررت في القرآن كثيرا حكاية ما سوف يصدر من الكفار ومقترفي الآثام من ندم وحسرة على ما فعلوه حينما يرون مصيرهم الرهيب يوم القيامة، وقد مرّ مثل هذا في سورة المدثر بأسلوب آخر، كما تكرر الإنذار بأنه لن يغني في الآخرة أحد عن أحد. والمتبادر أن هذا الأسلوب مع ما ينطوي عليه من حقيقة إيمانية مغيبة قد استهدف فيما استهدفه إثارة الندم والخوف في هذه الفئة وحملها على الارعواء قبل فوات الفرصة والندم حيث لا ينفع الندم. ولقد تكرر في القرآن ذكر وقوف الناس بين يدي الله يوم القيامة أو مجيئه لذلك واصطفاف الملائكة حوله في مشهد الحساب والجزاء يوم القيامة بأساليب متنوعة. والمتبادر أن هذا مع وجوب الإيمان به وكونه في النص من قدرة الله ومع وجوب تنزيه الله عز وجل من مفهوم المجيء والرواح والوقوف والجلوس وغير ذلك من أفعال الخلق وصفاتهم قد استهدف التأثير بالسامعين لأنهم بخطورة المشهد القضائي الأخروي العظيم، قد اعتادوا في الدنيا عقد مجالس قضائية لمحاكمة المجرمين وعقوباتهم. وقد يكون الشأن في هذا هو مثل وصف الجنة والنار بأوصاف اعتادها الناس في الدنيا للتقريب والتمثيل والتأثير في السامعين على ما شرحناه قبل. ولهذا لا نرى طائلا من التزيد الذي يتزيده بعض المفسرين في صدد هذه المشاهد، ونرى وجوب البقاء في حدود ما جاء عنها في القرآن والسنة الثابتة، مع ملاحظة ذلك الهدف الذي ذكرناه والذي جاء وصف المشاهد الأخروية بأوصاف الدنيا من أجله. ولقد أولنا جملة وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ بما أولناها به لأن هذا هو الأكثر ورودا من معناها. والمتبادر أن الآيات الثلاث الأخيرة قد رمت إلى ذكر مصير الصالحين في الآخرة للمقابلة بمصير الآثمين الباغين مما جرى عليه الأسلوب القرآني كثيرا. وهي قوية رائعة بهتافها وتلقينها وروحها، حيث تنطوي على الإشارة بطمأنينة الجزء الأول من التفسير الحديث 35

تفسير الشيخ محيي الدين بن عربي للآية الأخيرة من السورة

النفس وما سوف يلقاه صاحبها من التكريم والرضاء عند الله. ولعل مما تنطوي عليه ويتصل بموضوع الآيات السابقة وخاصة الآيتين [15 و 16] تلقين التخلق بخلق الاطمئنان والرضى وعدم الاضطراب بتبدل ظروف الحياة عسرا ويسرا، وكون هذا هو ما يجب أن يكون عليه الإنسان العاقل في حالتي العسر واليسر. وهذا الخلق من أقوى المشجعات على مواجهة أحداث الحياة بقلب قوي ونفس رضية والتغلب على صعابها. ومن أوتيه فقد أوتي خيرا كثيرا وصار جديرا بهذا النداء الرباني المحبب النافذ إلى الأعماق. وواضح أن الآيات تلهم أن مثل هذا الخلق وأثره لا يكون إلا فيمن شع في نفسه الإيمان واستشعر بعظمة الله وقدرته الشاملة، وأسلم النفس والأمر إليه، ولم يتوان مع ذلك في القيام بواجبه نحوه ونحو الناس على كل حال. وآيات السورة وأسلوبها كما قلنا لا تحتوي مواقف جدل مع أشخاص بأعيانهم، وهي بسبيل إنذار عام وتوجيه عام ونقد عام حيث يصح أن يقال عنها ما قلناه عن سورة الفاتحة والأعلى والليل. تفسير الشيخ محيي الدين بن عربي للآية الأخيرة من السورة واستطراد خاطف إلى تفسيرات الصوفية وتعليق عليها هذا وفي الجزء الثالث من كتاب التفسير والمفسرون لمحمد حسين الذهبي تفسير مروي عن الشيخ محيي الدين بن عربي الصوفي المشهور للآية وَادْخُلِي جَنَّتِي جاء فيه: «وادخلي جنتي التي هي ستري وليست جنتي سواك. فأنت تسترني بذاتك الإنسانية فلا أعرف إلّا بك كما أنك لا تكون إلّا بي فمن عرفك عرفني وأنا لا أعرف فأنت لا تعرف فإذا دخلت جنة دخلت نفسك فتعرف نفسك معرفة أخرى غير المعرفة التي عرفتها حين عرفت ربك بمعرفتك إياها فتكون صاحب معرفتين معرفة به من حيث أنت ومعرفة بك من حيث هو لا من حيث أنت. فأنت عبد رأيت ربا وأنت رب لمن له فيه أنت عبد وأنت رب وأنت عبد لمن

له في الخطاب عهد ... » «1» . والشطح في هذا التفسير ظاهر حيث تفسر كلمات القرآن الواضحة المعنى والمدى بتأويلات رمزية لا تتصل بهدف القرآن الذي هو دعوة الناس إلى الإيمان بالله وحده واليوم الآخر وبرسالة رسوله وبما جاء في كتابه وسنة رسوله والالتزام به والوقوف عنده لأنه في ذلك صلاح بني الإنسان ونجاتهم في الدنيا والآخرة. وفي حين أن العبارات القرآنية قطعية الدلالة على أن خلق الله هو غير الله تعالى فإن الشيخ في شطحه حين يفسر الآية التي نحن في صددها يجعل الله تعالى وتنزه وخلقه شيئا واحدا متعدد الصور فلا يتورع من القول إن العبد رب للرب والرب عبد للعبد مما يقال له وحدة الوجود التي يستغرق فيها الصوفيون فيعمدون إلى تفسير آيات القرآن وفاقا لها مهما كانت المناسبة مفقودة ومهما كانت العبارات واضحة صريحة. ومهما كان فيما يقولونه شطح وشطط ومفارقة لغوية أو سبكية أو نظمية. بل ومهما كان فيه كفر بواح. ولهم شعار خاص بهم أسوة بشعار غلاة الشيعة والباطنية فهؤلاء يعمدون إلى تغطية هذياناتهم وشطحاتهم بالقول إن لكل آية وجملة قرآنية ظاهرا وباطنا وإن الجوهري المهم هو الباطن الذي يمكن أن تتعدد وجوهه وأن لا يكون منطبقا على سياق أو مناسبة أو حاضر أو مستقبل أو لغة كما شرحنا ذلك قبل. والصوفيون يعمدون إلى تغطية هذياناتهم وشطحاتهم بالقول إن للجمل القرآنية معنى حقيقيا ومعنى ظاهرا تشريعيا ويقولون إن الجوهري هو الحقيقة وإن الشريعة فيه هي شؤون ظاهرة تناسب عقول البسطاء من المسلمين وإن من السائغ

_ (1) ص 8 والمؤلف يعزو تفسير الآية هذا إلى كتاب للشيخ محيي الدين اسمه فصوص الحكم. وقد اطلعنا على هذا الكتاب وفيه سبعة وعشرون فصلا عقد كل فصل على نبي أو شخص من أنبياء وأشخاص القرآن وفسر في كل فصل لبعض آيات الله وقصص الأنبياء والأشخاص تفسيرا من نوع هذا التفسير وفيه العجيب الغريب من الشطح إن لم نقل من الهذيان. ويعزى لهذا الشيخ تفسير اسمه الفتوحات المكية فيه مثل ذلك من الشطح على ما يستفاد من النبذ المنسوبة إليه.

أن لا يكون بين الحقيقة والشريعة توافق في المدى والمحتوى والمناسبات وسائر الوجوه والمجالات. وسنورد أمثلة أخرى من تفسيراتهم لتوكيد الصورة بقصد تنبيه المسلمين إلى نموذج آخر من النماذج الشاذة في تفسير كتاب الله تعالى وهو التفسير الصوفي، وتحذيرهم من هذا النحو الذي لا سند له من عقل ونقل والذي يعمد إليه أفراد شاذون في خيالهم وعقولهم يزعمون لأنفسهم الإلهام والوحي أو يزعم لهم ذلك في حين أن الله تعالى قد أنزل الكتاب على رسوله ليكون للعالمين نذيرا وليخرج الناس من الظلمات إلى النور وليكون فيه هدى ورحمة لقوم يؤمنون وليهديهم به إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين كما علمنا الله أن ندعوه وله الحمد أولا وآخرا. ولقد تصدى لابن عربي وأمثاله المتصوفة القائلين بوحدة الوجود وكون كل ما في الكون من خلق وكل ما يفعله الخلق هي صور لله كثير من العلماء في مختلف الحقب والبلاد الإسلامية ويندّدون بأقوالهم ويبينون ما فيها من تخريف وانحراف بل ودسائس على الإسلام لما فيه من شطح وهذيان ثم لما تؤدي إليه من إسقاط تكاليف الإسلام وإباحة كل محرم والتسوية بين الله والأوثان وبين المتقين والمجرمين والزناة واللصوص وبين الخير والشر والهدى والضلال والانحراف والاستقامة وإنكار لليوم الآخر وحسابه وثوابه وعقابه «انظر كتاب مصرع التصوف أو تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي وتحذير العباد من أهل العناد، تأليف العلامة برهان الدين البقاعي، تحقيق وتعليق عبد الرحمن الوكيل، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة 1373 هـ- 1953 م» .

سورة الضحى

سورة الضحى في هذه السورة تطمين النبي صلّى الله عليه وسلّم بعدم ترك الله إياه. وتذكير له بما كان من أفضاله عليه، وحثه على البر باليتيم والسائل والتحدث بنعمة الله. وأسلوبها ومضمونها يلهمان أنها نزلت في ظروف أزمة نفسية ألمّت بالنبي صلّى الله عليه وسلّم، وأن نزولها كان في عهد مبكر من الدعوة. وفيها إشارة إلى نشأة النبي صلّى الله عليه وسلّم في طفولته وحاله الاقتصادية والروحية في شبابه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الضحى (93) : الآيات 1 الى 11] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالضُّحى (1) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (2) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (6) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى (7) وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11) . (1) سجى: هدأ وسكن أو أطبق بالظلام. (2) ودعك: بمعنى تركك. (3) قلى: ترك وهجر. (4) ضالا: هنا بمعنى حائرا. (5) عائلا: فقيرا. (6) فلا تقهر: فلا تظلمه ولا تغلبه على حقه ولا تذله. (7) فلا تنهر: فلا تصرخ فيه ولا تؤذه بالقول.

تعليق على روايات فتور الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم

(8) التحدث بنعمة الله كناية عن ذكر نعمة الله وشكر الله عليها وأداء الواجب على صاحبها نحو الله والناس. جميع آيات السورة موجهة إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، ومعانيها واضحة. وفي آياتها الخمس الأولى قسم رباني في معرض التوكيد والتطمين. وفي آياتها الثلاث الأخيرة تعليمه ما يجب عليه إزاء نعم الله من الشكر وإزاء اليتيم من الرعاية وإزاء السائل من كلمة الخير والمساعدة. ومع احتمال انصراف الآية الرابعة إلى الحياة الأخروية فإن من المحتمل أيضا أن يكون قصد بها تطمين النبي صلّى الله عليه وسلّم وتبشيره بنجاح الدعوة، وبأن مستقبلها سيكون خيرا من بدئها وقد تساعد الآية الخامسة على تدعيم هذا التوجيه حيث تلهم أن ما احتوته من الوعد والبشرى بإعطاء الله له حتى يرضى هما بالنسبة لظروف الحياة الدنيا أقوى منهما بالنسبة للحياة الأخروية. ومع أن الخطاب في الآيات موجه إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فإن الأوامر الربانية الواردة في الآيات الثلاث الأخيرة متسقة مع المبادئ والأهداف التي احتواها القرآن منذ بدء تنزيله، وتلقينها شامل لجميع المؤمنين. ويلحظ أن الفصول القرآنية السابقة قد احتوت ما يماثل هذه الأوامر، وقد استمرت الفصول القرآنية على ذكرها مما له مغزى جليل ينطوي على عظمة أهداف الرسالة المحمدية في صدد البرّ بالفقراء والرأفة بالضعفاء والتحدث بنعمة الله قولا وفعلا. ويتبادر لنا أن هذا كان من الأسباب القوية التي جعلت أغنياء مكة وزعماءها يتحالفون ضدّ الدعوة ويشتدون في مناوأتها، ويستمرون في ذلك طيلة العهد المكي والشطر الأكبر من العهد المدني. تعليق على روايات فتور الوحي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ولقد روى المفسرون أن هذه السورة نزلت بعد فترة من نزول الوحي على النبي صلّى الله عليه وسلّم والروايات متنوعة ومتعددة في ذلك. منها ما هو في مدة هذه الفترة حيث تتراوح حسب اختلاف الروايات بين يومين وبين ثلاث سنين. ومنها ما هو في أسبابها وأثرها حيث روي فيما روي أن السيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها

قالت له حينما فتر عنه الوحي: ما أرى إلّا أن ربك قلاك، وأن مثل هذا القول صدر عن امرأة أبي لهب في معرض السخرية والشماتة، وأن امرأة أتت النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالت له ما أرى شيطانك إلّا تركك فإني لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث، وأن المشركين أو بعضهم قالوا لما عرفوا خبر الفترة إن محمدا قد ودّع وأن السورة لم تلبث أن نزلت بعد هذه الأقوال، وحيث روي أن اليهود سألوا النبي صلّى الله عليه وسلّم عن ذي القرنين وأهل الكهف والروح فقال لهم: سأخبركم غدا ولم يقل إن شاء الله ففتر الوحي عنه، فلما جاءه بعد الفتور بهذه السورة قال له يا جبريل ما جئت حتى اشتقت إليك، فقال: إني كنت أشد شوقا إليك ولكني عبد مأمور، وحيث روي أنه كان للحسن أو الحسين في بيته جرو فلما نزل الوحي بالسورة وسأله النبي عن فتوره قال له: إنا لا ندخل بيتا فيه كلب! ومن الروايات ما هو في وقت نزول السورة حيث روي أن الفترة كانت بعد نزول آيات سورة العلق الأولى، وأن سورة الضحى هي أول ما نزل بعد هذه الآيات. ومنها ما هو في عدد فترات الوحي حيث روي أنها لم تكن مرة واحدة وإنما تكررت قصيرة حينا وطويلة حينا. وقد روي فيما روي كذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم حزن حزنا شديدا من الفترة حتى همّ بأن يلقي نفسه من شاهق الجبل «1» . ومعظم الروايات غير موثق ومنها ما لا يمكن التسليم به لتعارضه مع وقت نزول السورة خاصة مثل رواية الفترة بسبب عدم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم إن شاء الله حينما سأله اليهود عن المسائل الثلاث وقال لهم سأخبركم غدا. لأن احتكاك النبي صلّى الله عليه وسلّم باليهود وأسئلتهم التعجيزية له كانت في العهد المدني ولم ترد رواية وثيقة عن مثل ذلك في العهد المكي فضلا عن أن نزول قصص أهل الكهف وذي القرنين والسؤال عن الروح إنما كان في أواسط العهد المكي، ومثل رواية الفترة بسبب جرو الحسن

_ (1) انظر هذه الروايات المتنوعة والمتعددة في سياق تفسير السورة في تفسير الطبري والنيسابوري وابن كثير والبغوي والطبرسي والزمخشري والخازن والآلوسي وشرح العيني على البخاري ج 19 ص 62 وكتاب التاج الجامع وكتاب التفسير في تفسير سورة الضحى وفترة الثلاث سنين ذكرت في شرح العيني على البخاري ورواية حزن النبي من الفترة حتى همّ بأن يلقي نفسه من شاهق في تاريخ الطبري ج 2 ص 52 مطبعة الاستقامة.

أو الحسين رضي الله عنهما في بيت النبي صلّى الله عليه وسلّم لأن السبطين الشريفين من مواليد المدينة، ومثل رواية قول خديجة رضي الله عنها للنبي صلّى الله عليه وسلّم: ما أرى ربك إلّا قلاك، لأن المأثور أنها كانت تشجعه وتثبته وتبثّ في نفسه الثقة والقوة والعزيمة على ما أوردنا بعض ذلك في مناسبة سابقة ومثل رواية استمرار الفترة ثلاث سنين لأن هذا لو وقع لكان غيّر مجرى تاريخ الدعوة لأن من شأنه أن يثير القلق بل والشكّ حتى في نفوس المؤمنين المخلصين الذين استجابوا للدعوة والتفوا حول النبي صلّى الله عليه وسلّم. والموثق من الروايات والتي يبدو عليها سمة الصحة وصدق الاحتمال هي رواية فتور الوحي ليلتين أو ثلاثا وقول امرأة للنبي صلّى الله عليه وسلّم إني أرى شيطانك قد تركك، فما لبثت السورة أن نزلت وقد جاءت هذه الرواية في حديث للبخاري ومسلم، ورواية إبطاء الوحي عن النبي أياما وقول المشركين أن محمدا قد ودّع فما لبثت السورة أن نزلت، وقد جاءت هذه الرواية في حديث لمسلم والترمذي «1» . وعلى كل فيمكن القول بشيء من القطعية والجزم استلهاما من سورة الضحى واستئناسا بالروايات الكثيرة المتواترة: 1- إن الوحي قد فتر أياما عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في أوائل عهد الدعوة. 2- وإن الفترة قد أثارت في نفسه حزنا وأزمة وخوفا من أن يكون الله قد تخلّى عنه بعد أن سار في الدعوة شوطا ما. 3- وإن المشركين أو بالأحرى الذين قادوا حركة المعارضة لدعوته والذين أظهروا عداء شديدا له استغلوا ذلك وقالوا في سخرية وشماتة إن ربّه قد قلاه

_ (1) التاج الجامع ج 4 ص 260 ونص الحديث الأول: «اشتكى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلم يقم ليلتين أو ثلاثا فجاءت امرأة فقالت يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث فأنزل الله: وَالضُّحى (1) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (2) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (3) » ، وعلق مؤلف التاج على هذا الحديث أن المرأة هي العوراء أخت أبي سفيان وزوجة أبي لهب. وقد روى المفسرون اسمها في جملة ما رووه. ونصّ الحديث الثاني قال الراوي: «كنت مع النبي صلّى الله عليه وسلّم في غار فدميت إصبعه فقال هل أنت إلّا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت. قال فأبطأ عليه جبريل فقال المشركون قد ودّع محمد فأنزل الله ما ودّعك ربّك وما قلى» .

صورة من صميمية النبي صلى الله عليه وسلم

وودعه، وإن منهم من عيّره بذلك مواجهة، وإن ذلك قد زاد من حزنه وأزمته حتى نزلت السورة التي احتوت تثبيتا وتطمينا وردا على الشامتين. ومن الجدير بالذكر أن في القرآن قرائن قد تدل على أن الوحي فتر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في أواسط العهد المكي على ما سوف ننبه عليه في مناسباته. غير أن ذلك لم يحدث في النبي صلّى الله عليه وسلّم أزمة، ولم يتعرض بمناسبة ذلك لحملة كما كان شأن هذه المرة مما هو طبيعي، لأن هذه المرة كانت في مبادئ الدعوة وخطواتها الأولى. صورة من صميمية النبي صلّى الله عليه وسلّم والمتمعن في آيات السورة الأولى وهي تؤكد للنبي صلّى الله عليه وسلّم عدم ترك ربّه إياه يلمس صميمية رائعة تملأ النفس إعجابا فيما أثارته الفترة من قلق في نفس النبي صلّى الله عليه وسلّم وتنمّ عن يقينه العميق بأنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وبأن ما كان يبلغه من الآيات والفصول القرآنية هو وحي الله، فإذا أوحي إليه بشيء تلاه وإذا فتر عنه الوحي أعلن ذلك، وإذا لم يتل على الناس شيئا جديدا في ظرف ما فلأنه لم يوح إليه بشيء جديد. فقد علمه الله أن يعلن للناس أنه ليس عنده خزائن الله ولا يعلم الغيب ولا يزعم أنه ملك كما جاء في سورة الأنعام هذه: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ [50] وآية سورة الأعراف هذه: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) وقد أمره الله أن يعلن أنه لا يبلغ إلّا ما يوحى إليه ولا يستطيع أن يغير ويبدل فيه كما جاء في آية يونس هذه: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) .

نشأة النبي صلى الله عليه وسلم منذ طفولته إلى نبوته

نشأة النبي صلّى الله عليه وسلّم منذ طفولته إلى نبوته وفي الآيات [6 و 7 و 8] إشارة إلى ما كانت عليه ظروف النبي صلّى الله عليه وسلّم في نشأته الشخصية والروحية وحاله الاقتصادية منذ طفولته إلى أن أكرمه الله بالنبوة، فأشير فيها إلى يتمه في عهد طفولته، وفقره في عهد فتوته وشبابه، ثم حيرته الروحية في الاتجاه الذي يتجه إليه في دينه وعبادته ومبادئه. وقد قررت أن الله قد حماه في عهد يتمه حيث كان اليتيم معرضا للإرهاق والقهر والضياع فجعل له مأوى أمينا، ويسّر له في عهد شبابه من بسطة العيش واليسر ما جعله في غنى عن التكسب وفي راحة من عناء المعيشة وهمها، ونقّى نفسه ووجّهه إلى سبيل الهدى القويم فأنقذه من حيرته. والروايات تكاد تكون متواترة إلى حد اليقين «1» بأنه كان له من جده عبد المطلب أولا ومن عمه أبي طالب بعده من البرّ والرأفة والحماية والعناية في طفولته وشبابه ثم من عمّه بعد بعثته من النصر والعطف ما ضمن له النشأة الصالحة ثم الحرية والمنعة. كذلك فإن الروايات تكاد تكون متواترة إلى حدّ اليقين «2» بأن حاله الاقتصادية قد تحسنت وانتهى ما كان يعانيه من متاعب العيش بزواجه من السيدة خديجة رضي الله عنها الشريفة في قومها، الغنية في مالها القوية في خلقها وعقلها وروحها، المتنعمة في معيشتها، وكان من أثر ذلك أن اطمأنت نفسه وأخذ يفرغ قلبه وذهنه لما كانت نفسه مستعدة له من الاستغراق في آلاء الله ومظاهر الكون والتفكير فيما عليه قومه من ضلال في التقاليد والعقائد، وتمكن من القيام باعتكافات روحية كانت خديجة رضي الله عنها تشجعه عليها وتهيىء له ما يحتاج إليه فيها على ما جاء في الحديث الذي رواه الشيخان عن عائشة والذي أوردناه في سياق سورة العلق، حتى كان مظهر اختصاص الله إياه بالرسالة العظمى حينما بلغ أشده واستوى. ولقد كانت السيدة خديجة رضي الله عنها عطوفة عليه بارة به، ومن أقوى

_ (1) انظر طبقات ابن سعد ج 1 ص 99 وما بعدها مثلا. (2) انظر طبقات ابن سعد ج 1 ص 113 وما بعدها وانظر أيضا الأمرين في كتاب حياة محمد صلّى الله عليه وسلّم لهيكل طبعة ثانية ص 105- 132.

المشجعين المثبتين له الذابّين عنه المصدقين به، مما يمكن أن يدل على أنها قد أدركت بفراستها القابليات العظمى التي تميز بها والاستعداد الروحي الذي ظهرت آثاره عليه، والأخلاق الكريمة التي تحلى بها فلم يكد يخبرها بأمر الوحي حتى تيقنت صدقه ونفت ما طاف في ذهنه من خوف وهتفت بتلك الكلمات المأثورة الخالدة: «كلا إن الله لن يخزيك. فإنك تفعل المعروف. وتقري الضيف. وتحمل الكل. وتعين على نوائب الدهر» على ما أوردناه من حديث للبخاري في سياق سورة القلم. وأما عن حيرته فقد كان إزاء ما عليه قومه من تقاليد وطقوس وأخلاق وعادات وعقائد في موقف المنقبض المتشكك منذ عهد شبابه على ما ذكرته الروايات» كما كان في مثل هذا الموقف إزاء ما كان عليه أهل الكتاب من اختلاف ونزاع وشذوذ من دون شك ولا سيما حينما كان يسمع اليهود يقولون ليست النصارى على شيء، وحينما كان يسمع النصارى يقولون ليست اليهود على شيء، ويرى الخلاف والنزاع يشتدان بينهم إلى درجة الاقتتال مما أشارت إليه آية البقرة هذه: وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) وآية البقرة هذه أيضا: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ «2» [253] . فكانت تعتلج في نفسه الأفكار وتقوم في صدره الشكوك في صواب ما يرى، ويسلم نفسه إلى التفكير في آلاء الله وعظمة الكون والاعتكافات الروحية، فلم يلبث أن صفت نفسه وشعّ في قلبه نور الحقيقة الإلهية العظمى واهتدى إليها بإلهام الله فجعلها الهدف الذي يستهدفه والاتجاه الذي يتجه إليه.

_ (1) انظر طبقات ابن سعد ج 1 ص 112 و 126- 127 و 136 و 140. [.....] (2) الآيات تذكر أمرا واقعا قبل نزولها ممتدا إلى ما قبل البعثة ونعتقد أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يسمعه ويعرفه.

ولقد روت الروايات «1» أنه أخذ ينشأ في بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم طبقة من العقلاء داخلهم الشك مثله في صواب ما عليه العرب والكتابيون، وأخذوا يبحثون مثله عن الطريق الأقوم والسبيل الحق ويتجهون مثله إلى الحقيقة الإلهية العظمى وحدها، ومنهم من كان اعتزم الطواف للبحث عن ملّة إبراهيم ليسير عليها وأن النبي صلّى الله عليه وسلّم التقى ببعض هؤلاء قبل البعثة. فمن الممكن أن يقال إن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان في عهد حيرته هذا من هذه الطبقة وإنه كان مثل أفرادها يود أن يتعرف على حدود ملة إبراهيم ويسير في سبيلها عن يقين، ثم كان له من صفاء النفس وذكاء العقل وقوة القلب وعظيم الخلق وعيمق الاستغراق ما جعله يمتاز عليهم فكان مصطفى الله من بينهم، فأتم الله إيمانه وأنار بصيرته وأنقذه من حيرته إلى اليقين واختصه بالنبوة وانتدبه للمهمة العظمى التي أوحي إليها فيما بعد بآيات الأحزاب هذه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (45) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (46) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً (47) وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (48) . ولقد نصت الآيات القرآنية على أن النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى عهد نبوته لم يكن يدري من أمر نبوته ومهمته شيئا، ولم يكن يرجو أن ينزل عليه كتاب كما جاء في آية سورة القصص هذه: وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [86] وفي آية سورة الشورى هذه: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) وفي آية سورة يونس هذه: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا

_ (1) انظر الفصلين الخامس والسادس من الباب الرابع في الحياة الدينية عند العرب في كتابنا عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة ص 396- 434 وانظر سيرة ابن هشام ج 1 ص 215- 323 وج 2 ص 103، وص 177، 178 وطبقات ابن سعد ج 1 ص 202 وتفسير الرازي ج 1 ص 369، 370 وأسد الغابة ج 2 ص 327- 329.

أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (16) . وهذا يجعلنا نقول إن هذا الدور الذي قضاه منذ شبابه إلى اكتمال نضجه ونزول الوحي عليه كان دور استعداد وتأهل روحي، وهو الدور الذي يمكن أن يطلق عليه دور الحيرة والذي عنته الآية الكريمة: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى فيما يتبادر لنا مما يجعلنا نعتقد أن كلمة ضَالًّا لم تعن السير في سبيل الضلالة والشرك والتقاليد الجاهلية والوثنية التي كان عليها العرب، وأن كلمة فَهَدى لم تعن أن الله أخرجه من هذا النطاق بعد أن ارتكس فيه، وإنما عنت الأولى ما كان في نفسه من حيرة وتململ وتوقان إلى ساحل اليقين، كما عنت الأخرى ما كان من اليقين الذي وصل إليه فاطمأنت به نفسه. وفي سورة الأنعام آيات يمكن الاستئناس بها لما قررناه بوجه عام ولما أشرنا إليه في صدد ملة إبراهيم والرغبة في الاهتداء إليها واتباعها بوجه خاص وهي: قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) وقوة التلقين والدلالة في هذه الآيات قوية أخّاذة. هذا ولقد روى بعض المفسرين «1» في سياق آية وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى (7) أنها إشارة إلى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد تاه في طفولته في جبال مكة فقلق عليه جده وبحث عنه طويلا حتى وجده ولم يصب بسوء. ونحن نشك في الرواية كل الشك، لأنّ الحادث الذي ذكرته أتفه من أن يكون موضوع ذكر وتذكير، فضلا عن عدم وثوقها وعن التوجيه الصحيح الذي قررناه والذي تسنده آيات القرآن.

_ (1) انظر تفسير السورة في تفسير الكشاف للزمخشري وتفسير مجمع البيان للطبرسي والخازن. على أن هؤلاء المفسرين وجمهرة المفسرين الآخرين يؤولون الضلال بنحو ما أولناه أو في نطاقه. انظر كتب التفسير الثلاثة المذكورة وانظر أيضا تفسير الطبري والنيسابوري والبغوي وابن كثير والآلوسي إلخ.

سورة الشرح

سورة الشرح في السورة تطمين لنفس النبي صلّى الله عليه وسلّم وتذكيره بعناية الله به. وبينها وبين سابقتها تماثل حتى لكأنها امتداد لها وحتى لقد روي أن السورتين سورة واحدة غير أن المتواتر أنهما سورتان، تفصل بينهما بسملة مثل سائر السور. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الشرح (94) : الآيات 1 الى 8] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (6) فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8) . (1) وضعنا: حططنا وخففنا. (2) وزرك: حملك. (3) أنقض ظهرك: أتعبك وأثقل عليك. (4) فرغت: خلوت أو انتهيت من شغلك. (5) فانصب: فقم واجهد. (6) وإلى ربك فارغب: أقبل بشوق على عبادة ربك. آيات هذه السورة موجهة كذلك إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم كسابقتها. وقد احتوت تذكيرا بما كان من عناية الله به وتطمينا وتثبيتا له أو حثا على عبادة الله والتقرب إليه.

وقد ذكرت بعض الروايات «1» أنها وسورة الضحى سورة واحدة وأن طاوسا وعمر بن عبد العزيز من التابعين كانا يتلوانهما معا بدون فصل بالبسملة. غير أن المتواتر المتصل بمصحف عثمان رضي الله عنه الذي هو على ترتيب المصحف الذي كتب في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، والذي نعتقد أنه الترتيب المأثور عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنهما سورتان تفصل بينهما بسملة. والمتبادر أن التماثل والتعاقب بين السورتين مما جعل بعض التابعين إذا صحت الرواية يقولان إنهما سورة واحدة. وهذا التماثل والتعاقب يلهمان أن هذه السورة بمثابة استمرار لسابقتها ظرفا وسياقا وموضوعا، أو أنها نزلت في ظرف أزمة نفسية ثانية، ألمت بالنبي صلّى الله عليه وسلّم بعد أزمة فترة الوحي مما كان يلاقيه من قومه من عناء وعسر. وأسلوبها أسلوب تطميني محبب. فالله الذي شرح صدره وخفف الوزر الذي كان شديدا عليه ورفع ذكره مما هو معترف به منه، لا يمكن أن يدعه وشأنه، ولا أن يجعل عسره مستمرّا، وعليه أن يتجلد ويصبر، فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا. والمتبادر أن شرح الصدر قد قصد به ما أنعم الله على النبي صلّى الله عليه وسلّم من الهدى واليقين. وأن وضع الوزر قد قصد به إنقاذه من دور حيرته النفسية، وأن رفع الذكر قد قصد به ما كان من اختصاصه بالنبوة العظمى. وفي التوكيد مرتين بأنه سيكون مع العسر يسرا ما يدل على أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يلقى صدا وعسرا شديدين، وأنه كان يعتلج في نفسه بسبب ذلك همّ وغمّ وقلق. وفيه بشرى وتطمين بأن الأمر سينتهي إلى اليسر والنجاح. ومثل هذه البشرى قد جاءت في السورة السابقة بأسلوب الوعد بأن الله سوف يعطيه حتى يرضى، وأن النهاية ستكون خيرا من البداية. ومما لا شك فيه أنه كان لهذا التوكيد وكذلك للأمر بالاتجاه في الفراغ والخلوات حالما يفرغ من عمله اليومي أثر في استشعار النبي صلّى الله عليه وسلّم بالسكينة وقوة

_ (1) انظر تفسير السورة في تفسير النيسابوري «غرائب القرآن» .

النفس والروح، وأن ذلك قد ساعده أعظم مساعدة على مواجهة الصعاب، والاستخفاف بالعقبات والاستغراق في الدعوة والاندفاع فيها، والثبات والصبر حتى تمّ له النصر الموعود وتبدل العسر يسرا، وصارت كلمة الله هي العليا. وفي هذا تلقين جليل مستمر المدى دون ريب، حيث يمد كل صاحب دعوة إلى سبيل الله والخير العام بقوة الروح، وسكينة النفس وطمأنينة القلب والاندفاع فيما هو بسبيله، واقتحام صعابه وعقباته وتحمل العناء، راضيا مطمئنا إلى أن يصل إلى هدفه، ويكون له بعد العسر يسر إذا ما تشبع قلبه بالإيمان، وامتلأ بعظمة الله واتجه إليه وحده واستصغر كل ما عداه.

سورة العصر

سورة العصر احتوت السورة توكيدا حاسما بأن لا فلاح للإنسان إلّا بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر. وأسلوبها يدل على أنها من أوائل السور نزولا مثل الليل والأعلى وغيرهما، لأنها احتوت مبادئ عامة محكمة من مبادئ الدعوة. وقد ذكرت بعض الروايات «1» أنها مدنية، غير أن أسلوبها يدل على مكيتها وهو ما عليه الجمهور. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة العصر (103) : الآيات 1 الى 3] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (3) . (1) العصر: آخر النهار إلى احمرار الشمس، ويقال له الأصيل أيضا. وبعض المفسرين قالوا إن العصر هو الدهر «2» ولكن الجمهور على القول الأول. (2) تواصوا: أوصى بعضهم بعضا. السورة على قصرها جاءت بأسلوب حاسم قوي، لتهتف بالناس أن لا فلاح لهم ولا نجاح ولا صلاح إلّا في الإيمان بالله وحده والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر، وأن كل من ينحرف عن هذه السبيل فهو خاسر.

_ (1) انظر تفسير الآلوسي ج 30 ص 227. (2) انظر تفسير السورة في تفسير النيسابوري مثلا. الجزء الأول من التفسير الحديث 36

تعليق على تعبير الصالحات

وهي على إيجازها خلاصة هدف الدعوة الإسلامية الموجهة إلى الإنسانية جمعاء، وهي عرض عام مثل سورة الأعلى والليل. ولذلك نرجح أنها نزلت مثلهما قبل الفصول القرآنية التي فيها حكاية مواقف المكذبين في سورة العلق والقلم والمزمل والمدثر. ولقد كان المؤمنون الأولون رضي الله عنهم يعرفون عظم مدى السورة حتى لقد روي «1» أن الرجلين من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا التقيا لم يفترقا إلّا بعد أن يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر ثم يسلم أحدهما على الآخر. ولقد قال الشافعي رحمه الله «2» : لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم. ونقول بالمناسبة إن هناك آثارا في فضل صلاة العصر. وقد فسرت الصلاة الوسطى المأمور بالمحافظة عليها بنوع خاص في آية البقرة هذه: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [238] بصلاة العصر «3» . والتسمية تنويهية بفضل هذه الصلاة. ومما يروى «4» أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يجلس في مسجده في المدينة لأصحابه بعد هذه الصلاة فيلتفون حوله ويستمعون إلى تعاليمه وعظاته ويراجعه الناس في مشاكلهم، لأنهم يكونون في هذا الوقت قد فرغوا من مشاغلهم اليومية أو كادوا، وتكون شدة الحرارة في الصيف قد خفّت. ومن هنا كان الحث على المحافظة عليها كما هو المتبادر ومن هنا تبدو حكمة القسم الرباني بوقتها. تعليق على تعبير الصَّالِحاتِ وتعبير الصَّالِحاتِ عام مطلق يتضمن كل نوع من أنواع الخير والبر والمعروف تعبديا كان أم غير تعبدي، فعبادة الله وحده وإسلام النفس إليه ونبذ ما

_ (1) انظر تفسير السورة في تفسير ابن كثير. (2) المصدر نفسه. (3) انظر تفسير الآية في تفسير الزمخشري والطبرسي وابن كثير والطبري والمنار. (4) انظر تفسير آية المائدة التي فيها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ ... الآية [106] في تفسير الزمخشري والطبرسي والمنار أيضا.

تعليق على التواصي بالحق والتواصي بالصبر

سواه عمل صالح، والإحسان والبرّ بالمحتاجين والرحمة بالضعفاء عمل صالح، والجهاد في سبيل الله ومكافحة الظلم والظالمين وتضحية النفس والمال في هذا السبيل عمل صالح، والتزام الحق والعدل والإنصاف والصدق والأمانة عمل صالح، والتعاون على البرّ والتقوى والأعمال العامة عمل صالح، والكسب الحلال وقيام المرء بواجباته نحو أسرته وأولاده وأقاربه عمل صالح، ومعاملة الناس بالحسنى عمل صالح إلخ ... وهكذا يكون تلقين السورة وما انطوى فيها من هدف الدعوة هو التبشير بكل عمل فيه خير وبرّ ورحمة ومكرمة وفضيلة وإخلاص لله، وبكلمة ثانية بكل ما فيه جماع الخير وسعادة الدارين. وأعظم بهما من تلقين وهدف جليلين خالدين، ومن هنا تبدو قوة القول المأثور عن الشافعي رحمه الله. تعليق على التواصي بالحق والتواصي بالصبر وتعبير «التواصي» قوي لأنه للمشاركة. فلا يكفي أن يلتزم الإنسان الحق والصبر بنفسه، بل يجب أن يتضامن الناس فيهما ويوصي بعضهم بعضا بهما. والتواصي بالحق يستهدف تضامن أفراد المجتمع في الحق وإحقاقه، بحيث يكون الحق هو القائم الحاكم المؤيد من مجموعهم. والتواصي بالصبر يستهدف تضامن أفراد المجتمع في شد بعضهم أزر بعض في الأحداث الملمة والمصاعب المدلهمة وفي مواقف الحق والخير، دونما وهن ولا ضعف ولا جزع ولا تراخ. وإذا لوحظ أن تعبير الحق عام يشمل كل شيء من حقوق الله على عباده وحقوق المجتمع على أفراده، وحقوق المجتمعات على بعضها، وحقوق الأفراد على بعضهم ومجتمعاتهم، وحقوق الضعفاء والبؤساء والمحرومين على الأقوياء والقادرين والميسورين يبان مدى التلقين القرآني الجليل في التنويه بالتواصي بالحق وجعله لازما للذين آمنوا وعملوا الصالحات، واختصاصه بالذكر من الصالحات مع أنه داخل في معناها الشامل، وما استهدفه هذا التلقين من الارتفاع بالإنسان

مدى التنويه القرآني بالصبر

والمجتمع الإنساني إلى مرتبة الكمال من حيث الطمأنينة العامة والسلامة الاجتماعية، وانتفاء أسباب الضغينة والحقد والقطيعة والخصام والبغي والبؤس والقلق التي تجتاح المجتمع حينما تنتشر فيه الفردية وتقوى الأنانية، ويشتد عدم مبالاة الفرد بغير نفسه ومصلحته وكيانه الخاص لضمان النفع لنفسه من أي سبيل، أو حينما يتسع المجال فيه لبغي الناس وعدوانهم بعضهم على بعض بدون رادع، أو حينما تداس فيه حقوق الضعفاء وتفقد فيه رغبة مساعدة المحتاجين، وتضعف أو تزول فيه عاطفة البرّ والتعاطف الاجتماعية. وهذا المبدأ بهذه السعة من المبادئ الجليلة التي قررها القرآن مرة بعد مرة وبأساليب متنوعة، حتى كان من أهم أهداف الدعوة الإسلامية. ووروده في هذه السورة المبكرة وبهذا الأسلوب القوي يدل على أنه من أسس الدعوة الرئيسية، وإنه لكذلك. وإنه لمن أقوى مرشحات الإسلام للشمول والخلود. ومثل هذا يقال في صدد الصبر والتواصي به. لأن ذلك الخلق الشخصي الاجتماعي من لوازم الحياة الإنسانية الصالحة وعمدها. ويهدف القرآن إلى تقويته في الأفراد والمجتمع وبثّ روح القوة والطمأنينة فيهم. ووروده في هذه السورة المبكرة وبهذا الأسلوب القوي يدل على اعتباره من أهم الأخلاق التي يجب أن تقوم عليها الشخصية الإنسانية الإسلامية، وعلى ما له من خطورة وضرورة في حياة الأفراد والمجتمع. مدى التنويه القرآني بالصبر ونرى بهذه المناسبة أن نشير إلى ما تكرر كثيرا في القرآن من التنويه بالصبر حتى لقد بلغ عدد المرات التي وردت فيها كلمة الصبر ومشتقاتها في القرآن المكي والمدني ونوّه فيها بخلق الصبر وحثّ عليه وأثنى على من يتخلق به ويلتزمه ووعد بالنجاح والأجر وأمر بالاستعانة به على مواجهة الخطوب والشدائد نحو مائة مرة حيث يدل هذا على مبلغ العناية الربانية بترسيخ هذا الخلق أو هذه الفضيلة التي هي من أجل الفضائل الأخلاقية في المسلمين. من ذلك في القرآن المكي هذه الآيات:

1- إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ يوسف [90] . 2- وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) الرعد [22] . 3- وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42) النحل [41- 42] . 4- ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (96) النحل [96] . 5- الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (35) الحج [35] . 6- قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (10) الزمر [10] . 7- وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) فصلت [34- 35] . 8- وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43) الشورى [43] . ومن ذلك في القرآن المدني هذه الآيات: 1- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (154) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ

مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (156) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) البقرة [153- 157] . 2- لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) البقرة [177] . 3- وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) آل عمران [146] . 4- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) آل عمران [200] . وواضح من هذه الآيات ومن الآيات الكثيرة الأخرى التي وردت في سور عديدة، أن هدفها هو بثّ روح الجلد ورباطة الجأش وضبط النفس والسكينة والتضحية في نفس المسلم مما يضمن له الكرامة والعزة والنجاح ويجنبه الطيش والهلع والجزع والاضطراب والقلق في الأزمات والأخطار. والصبر بعد يتجسد في أخلاق كثيرة، فالشجاعة هي الصبر على مكاره الجهاد ومواقف الحق. والعفاف هو الصبر على الشهوات. والحلم هو الصبر على المثيرات. والكمال هو الصبر على أمانة الأسرار. والزهد هو الصبر على الحرمان. فإذا ما رسخ هذا الخلق في امرئ صار له من القوة المعنوية والشجاعة والجلد ما يمكنه من مواجهة الخطوب دون فزع وجزع وتحمل المشاق والرضاء بالمكروه والحرمان في سبيل الحق والشرف والكرامة والعزوف عن الشهوات والمثابرة على المقاصد النبيلة مهما عسرت وطال أمدها وغدا محل رضاء الله عز وجل والناس واعتمادهم. ولقد روى الخمسة عن أبي سعيد الخدري حديثا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم جاء فيه:

«ما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر» «1» . حيث ينطوي في الحديث التنويه العظيم بالصبر الذي ينطوي في الآيات القرآنية ويتساوق بذلك التلقين النبوي مع التلقين القرآني في هذا الأمر مثل سائر الأمور. ولقد يكون في القرآن المكي بل والمدني آيات تحثّ النبي صلّى الله عليه وسلّم والمسلمين على الصبر على ما كان يقع من أذى الكفار وما كان من هؤلاء من مكابرة وعناد ومناوأة. غير أن المتمعن فيها يجد أنه ليس من تناقض بينها وبين ما قررناه. كما أنه ليس فيها ما يمكن أن يكون حثا على احتمال الظلم والجور والضيم والذل. وكثير منها بل جميعها إنما توخت تثبيت النبي صلّى الله عليه وسلّم على ما هو عليه من الحق وتهدئتهم إلى الوقت المناسب وحث النبي صلّى الله عليه وسلّم على الاستمرار في الدعوة والمهمة التي انتدب لها كما ترى في الأمثلة التالية وهي مكية ومدنية: 1- وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (109) يونس [109] . 2- وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128) النحل [126- 128] . 3- فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (77) غافر [77] . 4- وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) الطور [48] . 5- وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) البقرة [109] .

_ (1) التاج ج 2 ص 32- 33.

مغزى تلازم الإيمان والعمل الصالح في القرآن

6- لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) آل عمران [186] . مغزى تلازم الإيمان والعمل الصالح في القرآن وفي تقديم الإيمان على العمل الصالح إشارة إلى انبثاق العمل الصالح من الإيمان. فالإيمان هو الذي يدفع صاحبه إلى الخير ويزعه عن الشر. وفي ربط الإيمان بالعمل الصالح إشارة إلى وجوب تلازمهما واعتبار العمل الصالح عنوانا أو مظهرا للإيمان. وهذا التلازم بين ذكر الإيمان والعمل الصالح يلحظ في جل الآيات القرآنية مما يمكن أن يدل على قصد الإشارة إلى شدة الارتباط واللحمة والتوافق بينهما وتوكيدها. وإذا لوحظ أن الإيمان شيء داخلي أو ذاتي في أعماق النفس لا يمكن أن يدل على نفسه بنفسه، ولا يمكن أن يدل عليه إلا العمل الصالح بأن لنا وجه الحق في ذلك. والحكمة في هذا ظاهرة قوية، فالإيمان يمنح صاحبه طمأنينة واستقرار نفس يجعلانه يصدر في أعماله وأهدافه عن يقين وقصد وتثبت واندفاع وصبر، ويتحمل في سبيل ذلك ما قد يلاقيه من مصاعب وما تمس الحاجة إليه من تضحيات. والإيمان بالله يجعل صاحبه يقبل على الخير والعمل الصالح وينقبض عن الشر والإثم والسيئات ابتغاء لوجه الله واتقاء لغضبه واكتسابا لرضائه ورضوانه، دون أن يكون هناك حافز من منفعة عاجلة أو دون أن يكون ذلك مما لا بد منه على الأقل. أما العمل الذي لا يصدر عن إيمان فإنه يكون معرضا في الأغلب للانقطاع والتردد والتأثر بالمؤثرات والاعتبارات الشخصية والنفعية والظرفية. وكثيرا ما ينصرف المرء عنه حينما يلقى المصاعب والمشاكل، أو حينما يتطلب منه التضحيات أو حينما لا يكون من ورائه جلب خير أو دفع شر عاجل. والعمل الصالح من الجهة

الأخرى لا يكون فيه حيوية ويقين وتثبت واستمرار إذا لم يكن منبثقا من إيمان يجعله لازما حيّا قويا بذاته وبصرف النظر عن أي اعتبار، ويجعل صاحبه لا ينصرف عنه مهما لاقى في سبيله من مصاعب واقتضى منه من تضحية وعناء واستنفد من قوة وجهد. وإذا أراد قائل أن يقول إن هناك من يفعل الخير لذاته نتيجة للتربية الخلقية الراسخة فليذكر هذا القائل أن هذا النوع من الندرة بحيث لا يمكن أن يورد على ما قررناه آنفا وأن المجتمع في حاجة دائمة إلى حافز مشترك يشمل بتأثيره أكبر عدد ممكن من البشر، وليس هذا الحافز إلّا الإيمان. وهذا فضلا عن أن التدين الراسخ في أعماق الطبيعة الإنسانية يمهد السبيل لقوة هذا الحافز وتأثيره وشموله. وإذا أراد قائل أن يقول إن كثيرا من المؤمنين بالله واليوم الآخر لا يفعلون الخير أو لا يفعلونه إلّا إذا رجوا مقابلة عاجلة عليه، فالجواب على هذا هو أن إيمان هؤلاء ليس هو الإيمان الصحيح. فهم مسلمون أكثر منهم مؤمنون. وقد فرق القرآن بين الفئتين ونبه لمدى وأثر الإيمان الصحيح في صاحبه في آيات سورة الحجرات هذه: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) . على أن الوازع للخير يظل دائما أقوى في المؤمنين على كل حال منه في غير المؤمنين على ما هو المشاهد المحسوس في كل وقت. هذا، وأسلوب السورة المطلق يسوغ وصفها بما وصفت به سورة الفاتحة والأعلى والليل والفجر، والله أعلم. [تم بتوفيق الله الجزء الأول ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني وأوله تفسير سورة العاديات]

فهرس المحتويات

فهرس المحتويات مقدمة الطبعة الأولى 5- 18 مقدمة الطبعة الثانية 19- 21 محتويات القرآن المجيد الفصل الأول: القرآن أسلوبه ووحيه وأثره 27- 66 القرآن والمسلمون- شخصية النبي- الدعوة القرآنية- أسلوب القرآن- القرآن والبيئة والسيرة النبوية- الوحي الرباني والوحي القرآني- شهود العيان لأعلام النبوة- أثر القرآن الروحي وبلاغته النظمية- أثر الدعوة القرآنية في نجاح الفتوحات الإسلامية- تطور سيرة النبي والتنزيل القرآني- القرآن والعرب في عهد النبي. الفصل الثاني: جمع القرآن وتدوينه وقراءاته ورسم المصحف وتنظيماته.. 67- 140 مجموعات من الروايات والأقوال في تدوين القرآن وجمعه- تعليقات على الروايات والأقوال وترجيح تدوين القرآن وترتيبه في عهد النبي ومرجحات ذلك-- أسماء السور- فصل السور بالبسملة- السجدات- كتابة ترتيب النزول وعدد الآيات- الشكل والنقط- علامات الوقف والوصل- رسم المصحف العثماني- القراءات.

الفصل الثالث: الخطة المثلى لفهم القرآن وتفسيره 141- 203 القرآن والسيرة النبوية- القرآن والبيئة النبوية- اللغة القرآنية- القرآن أسس ووسائل- القصص القرآنية- الملائكة والجنّ في القرآن- مشاهد الكون ونواميسه في القرآن- الحياة الأخروية في القرآن- ذات الله في القرآن- تسلسل الفصول القرآنية وسياقها- فهم القرآن من القرآن. الفصل الرابع: نظرات وتعليقات على كتب المفسرين ومناهجهم 205- 275 روايات أسباب النزول- روايات التفسير- تعليقات المفسرين على القصص- تعليقات المفسرين على مشاهد الكون والملائكة والجن- التشاد المذهبي في سياق التفسير- الولع بأسرار القرآن ورموزه ومنطوياته- الولع بالتفريع والاستطراد- روايات نزول القرآن جملة واحدة وأثرها- روايات نزول القرآن بالمعنى وأثرها- الخلاف على خلق القرآن وأثره- النهي عن التفسير بالرأي وأثره. خاتمة: أفضل المناهج لتفسير القرآن 276- 278

محتويات التفسير الحديث تفسير سورة الفاتحة 285 حكم البسملة 288 خطورة شأن الفاتحة 290 تعليق على موضوع الأحاديث القدسية 292 تعليق على كلمة الله جلّ جلاله 293 تعليق على مدى جملة رَبِّ الْعالَمِينَ 295 تعليق على الحياة الأخروية 296 تعليق على جملة الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ 304 بعض الأحاديث في جملة الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ 308 التأمين بعد الآية الأخيرة من السورة 308 تعليق على تفسير شيعي باطني لكلمة الصراط 309 تفسير سورة العلق 315 أول قرآن نزل على النبي صلّى الله عليه وسلّم 316 مغزى التنويه بالقراءة والكتابة والعلم 317 علنية الدعوة في بدئها 322 موقف الزعامة من النبي 323 تعليق على كلمة الصلاة 327 تعليق على آية أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى 2345 تعليق على كلمة التقوى 346 تعليق على مدى جملة كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ ... 349 تعليق على سنّة سجود التلاوة 349 تعليق على الأحاديث في فضل قراءة السور القرآنية 351 تفسير سورة القلم 353 استطراد إلى ما عرف في كتب التفسير بالإسرائيليات 356 تنبيه في صدد الأحاديث التي تروى 358 تعليق على الحروف المتقطعة في أوائل السور 359 تعليق على ما ورد عن مدى القلم 362 تعليق على الأقسام القرآنية 363 تعليق وقت نزول الآيات الأولى من هذه السورة 364 أخلاق النبي صلّى الله عليه وسلّم 365 تعليق على موقف المناوأة للدعوة النبوية 369 تعليق ثان على موقف المناوأة للدعوة النبوية 371

تعليق على عروض زعماء قريش للنبي 372 تعليق على جملة أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ 375 تعليق على قصة البستان وهدفها 377 تعليق على روايات الآيات المدنية في السور المكية 379 تعليق على الجنات الأخروية 382 تعليق على كلمة المسلمين 385 نفي طمع النبي في أجر على رسالته 389 أهداف القصص القرآنية 391 تعليق على نعت الكفار النبي بالجنون 398 تعليق على نعت المستشرقين والمبشرين النبي بالجنون 401 تعليق على جملة وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ 403 تفسير سورة المزمل 405 تعليق على كلمة القرآن 409 تعليق على تعبير وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا 410 تعليق على هجر الزعماء والأغنياء وسرّية الدعوة 413 تعليق على رواية نسخ حكم الآية وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ.. 415 تعليق على تبدل نواميس الكون عند قيام الساعة 416 تعليق على النار الأخروية 417 تعليق على قصة موسى وفرعون 422 بيان مهمة الرسول 423 تعليق على السماء وانفطارها يوم القيامة 2424 تعليق على مدى كلمة الكفر في القرآن 425 تعليق على الآية إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ.. 426 تعليق على الزكاة 427 تعليق على تعبير وَأَقْرِضُوا اللَّهَ.. 434 تعليق على تعليم الاستغفار 434 تعليق على تعبير سبيل الله 436 تفسير سورة المدثر 440 تعليق على النقر في الناقور 445 تعليق على موضوع السحر 451 تعليق على موضوع زيادة الإيمان ونقصه 455 تعليق على جملة كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ 458 تعليق على عبارة فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ 463 تعليق على موضوع الملائكة 464 تعليق على أَهْلِ الْكِتابِ 470 تعليق على عناية القرآن بالمسكين 477 تعليق على تعبير أَصْحابَ الْيَمِينِ.. 479 هدف المحاورات الأخروية بين الناجين والخاسرين 480 تعليق على تعبير كُلُّ نَفْسٍ.. 480 تعليق على عقيدة الشفاعة والشرك 481 تعليق على تعبير وما يدركون إلا.. 487 تعليق على تحدي الكفار للنبي 489 تعليق على مدى كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ.. 493 تعليق على مدى بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ.. 494 تفسير سورة المسد 495

تفسير سورة التكوير 499 تعليق على جملة وَإِذَا الصُّحُفُ.. 501 تعليق على العرش 505 تعليق على كلمة الشيطان 509 تفسير سورة الأعلى 511 تنبيه على ما أسبغه القرآن والسنّة على التسبيح 512 التلقين المنطوي في الآيتين سَيَذَّكَّرُ مَنْ.. 514 تعليق على جملة سَنُقْرِئُكَ فَلا.. 515 القرآن لا يحظر الاستمتاع بالطيبات 518 تعليق على وصف الْأَعْلَى 516 تعليق على ذكر إبراهيم وموسى عليهما السلام 519 دلائل أولية سورة الأعلى وصفتها 524 تفسير سورة الليل 525 تعليق على جملة وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى 2527 تفسير سورة الفجر 531 تعليق على قصص الأقوام المذكورة في السورة 534 تعليق على ما أولاه القرآن من العناية باليتيم 541 تفسير الشيخ محيي الدين بن عربي للآية الأخيرة 546 تفسير سورة الضحى 549 تعليق على روايات فتور الوحي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم 550 صورة من صميمية النبي صلّى الله عليه وسلّم 553 نشأة النبي صلّى الله عليه وسلّم منذ طفولته إلى نبوته 554 تفسير سورة الشرح 558 تفسير سورة العصر 561 تعليق على تعبير الصَّالِحاتِ 562 تعليق على التواصي بالحق والتواصي بالصبر 563 مدى التنويه القرآني بالصبر 564 مغزى تلازم الإيمان والعمل الصالح. 568

الجزء الثاني السور المفسّرة في هذا الجزء «1» 1- العاديات 2- الكوثر 3- التكاثر 4- الماعون 5- الكافرون 6- الفيل 7- الفلق 8- الناس 9- الإخلاص 10- النجم 11- عبس 12- القدر 13- الشمس 14- البروج 15- التين 16- قريش 17- القارعة 18- القيامة 19- الهمزة 20- المرسلات 21- ق 22- البلد 23- الطارق 24- القمر 25- ص 26- الأعراف

_ (1) انظر الفهرست المفصل في آخر الجزء.

سورة العاديات

سورة العاديات تتضمن السورة تنديدا بجحود الإنسان واستغراقه في حب المال وتذكيرا بالآخرة وإحاطة الله بأعمال الناس. وأسلوبها عرض عام للدعوة كسابقتها. وقد روي «1» أنها مدنية والجمهور على أنها مكية وأسلوبها وتبكير نزولها مما يؤيد مكيتها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة العاديات (100) : الآيات 1 الى 11] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (1) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (2) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (5) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11) (1) العاديات: من العدو وهو الجري السريع، والمقصود بالعاديات الخيل أو الإبل على اختلاف الأقوال والأول أوجه ومتسق مع الآيات الأخرى. (2) الضبح: هو صوت نفس الخيل حينما تركض وتتعب، وقيل إنه نوع من السير. (3) الموريات: من الوري، وهو إيقاد الشرارة والشعلة والنار. (4) قدحا: القدح هو الحك الشديد بالشيء الصلب لبعث الشرر.

_ (1) انظر تفسير السورة في الطبرسي والنيسابوري.

(5) المغيرات: من الإغارة وهي مباغتة العدو. (6) أثرن: من الإثارة وهي التحريك والتهييج. (7) النقع: الغبار. (8) كنود: جاحد للنعمة. (9) حب الخير: جمهور المؤولين يؤولون الجملة بحب المال. (10) بعثر ما في القبور: كناية عن بعث الناس وخروجهم من قبورهم يوم القيامة. (11) حصل ما في الصدور: كناية عن مواجهة الناس بما حفظ عنهم وسجل عليهم من أعمال. في آيات السورة تنديد ببعض أخلاق الإنسان وإنذار له، وقد تضمنت: 1- قسما ربانيا بالخيل وهي تعدو عدوا شديدا حين تعتزم الإغارة فيغدو نفسها ضبحا وينقدح من اصطدام حوافرها بالحجارة الشرر، ويثور الغبار، وتتوسط الجمع المغار عليه على أن الإنسان جاحد لنعمة الله مع ما يشهده من آثار أفضال الله عليه، مستغرق في حب المال. 2- وتساؤلا في معرض الاستنكار والإنذار والتذكير عما إذا كان الإنسان لا يعرف أن الله محاسبه على ما يقدم من عمل حين يبعث الناس من قبورهم ويواجهون بأعمالهم، ولسوف يظهر لهم جليا أن الله خبير بهم وبأعمالهم. والمتبادر أنه أريد بوصف الإنسان بما وصف تقرير كون ذلك هو الطبع الغالب على الجبلة الإنسانية وأن الآيات قد استهدفت تنبيه الإنسان إلى ما في هذه الأخلاق من شطط ومجانبة للحق والواجب نحو الله والناس وحمله على تجنبها وتذكيره بنعمة ربه عليه وكونه محيطا بأعماله مراقبا له فيها ومحاسبه عليها في الحياة الأخرى. وإطلاق الآيات وعدم احتوائها إشارة إلى موقف معين يسوغان القول بأنها بسبيل عرض أهداف الدعوة ومبادئها عرضا عاما كسابقتها، كما يسوغ وصفها بما

مغزى القسم القرآني بالخيل

وصفت به سور الفاتحة والأعلى والليل والفجر والعصر أيضا. والأهداف التي احتوتها جليلة في صدد الأخلاق الشخصية والاجتماعية، حيث إنها ترتفع بالإنسان إلى أن لا يكون المال هو كل شيء لديه فينسيه واجباته نحو ربه بالاعتراف بربوبيته والخضوع له وشكره على نعمه، ونحو الناس بالبر والرحمة. ويلفت النظر بنوع خاص إلى التنديد بحب المال. وما سبق من مثل ذلك في سورة الفجر حيث يتلاحق الإيذان الرباني بكراهية اكتناز المال واستقطاب الثروة على ما نبهنا عليه في سياق سورة الفجر. مغزى القسم القرآني بالخيل وقد يكون القسم القرآني بالخيل متصلا بما كان للخيل والفروسية في عصر النبي صلّى الله عليه وسلّم وبيئته من أهمية بالغة. حيث ينطوي فيه صورة من صور ذلك العصر والبيئة. ولقد روى البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وأبو داود حديثا عن عروة الباقي قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمغنم» «1» مما قد يكون فيه توكيد لتلك الأهمية البالغة. تعليق على رواية مدنية السورة ولقد روى الطبرسي المفسر الشيعي أن السورة مدنية. وروى مناسبتين لنزولها واحدة عن مقاتل جاء فيها أن النبي صلّى الله عليه وسلّم بعث سرية إلى حي من حنانة عليهم المنذر بن عمرو الأنصاري فتأخر رجوعهم فقال المنافقون إنهم قتلوا جميعهم فأخبر الله تعالى بما كان من غارتهم ونصرهم. وثانية عن الإمام أبي عبد الله جاء فيها أنها نزلت في مناسبة بعث النبي صلّى الله عليه وسلّم عليّ بن أبي طالب إلى ذات السلاسل ونصره بعد أن أرسل مرارا غيره فعادوا بدون نصر. وأنها لما نزلت خرج رسول

_ (1) التاج الجامع ج 4 ص 312. [.....]

الله صلّى الله عليه وسلّم الغداة فصلى بالناس وقرأ السورة وقال إن عليا ظفر بأعدائه وبشرني جبريل بذلك هذه الليلة في هذه السورة. وجمهور المفسرين على أنها مكية مبكرة في النزول، وأسلوبها وفحواها يؤيدان ذلك بكل قوة. ونخشى أن يكون للهوى الشيعي أثر في رواية مدنيتها فإن الرواة الشيعيين دأبوا يروون روايات كثيرة في مناسبات آيات كثيرة لتأييد هواهم بقطع النظر عن ما في الروايات من مآخذ على ما سوف ننبه عليه في مناسباته.

سورة الكوثر

سورة الكوثر في السورة بشرى وتطمئن للنبي صلّى الله عليه وسلّم وتنديد بمبغضيه. وقد روي أنها مدنية ومضمونها وأسلوبها يلهمان مكيتها وهو ما عليه الجمهور. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الكوثر (108) : الآيات 1 الى 3] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3) . (1) الكوثر: على وزن فوعل: الكثير جدا. وقيل إنه نهر في الجنة. وأوّل ابن عباس الكلمة بالخير الكثير «1» . (2) انحر: اذبح الضحية، وقيل: ارفع يدك إلى نحرك «2» . والمعنى الأول أوجه وعليه الجمهور. (3) الشانئ: المبغض أو العدو. (4) الأبتر: المقطوع وهنا بمعنى مقطوع النسل. الخطاب في الآيات موجه إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم بسبيل البشرى والتطمين. فقد أعطاه الله الكوثر، فعليه أن يصلي لربه ويقرب إليه القرابين شكرا. ويتأكد أن عدوه ومبغضه هو الأبتر.

_ (1) انظر تفسير السورة في الطبري. (2) المصدر نفسه.

وقد روى المفسرون «1» أن وائل بن العاص أو عقبة بن معيط قال على أثر وفاة عبد الله بن النبي صلّى الله عليه وسلّم: إن محمدا أبتر، فإذا مات انقطع ذكره واسترحنا منه، فأنزل الله السورة. ومضمون الآيات وروحها يلهمان صحة الرواية ويلهمان أن قول الكافر ونعته النبي صلّى الله عليه وسلّم بالنعت المؤذي قد أثارا في نفسه أزمة، فأنزل الله السورة ترد عليه وتحمل البشرى والتطمين للنبي صلّى الله عليه وسلّم بالأسلوب القوي الذي جاءت به حيث تقول له إن الله قد أعطاه الكوثر ومن أعطي الكوثر فلن يكون أبتر وأن مبغضه المقطوع من رحمة الله لهو الحري بهذا النعت وعليه أن يشكر الله بالصلاة وذبح القرابين تقربا إليه. ومما روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان مستغرقا في النوم فأفاق ضاحكا مستبشرا ثم قال نزلت عليّ هذه السورة «2» . وهذه الرواية لم ترد في كتب الصحاح. وإن صحت ففيها صورة من صور الوحي القرآني. وهناك رواية تذكر أن السورة نزلت يوم الحديبية بسبيل التنويه بما تم للنبي صلّى الله عليه وسلّم والمسلمين في ذلك اليوم من الفتح وبشرى وأمر بالصلاة ونحر الهدي في الحديبية «3» . وكان إذ ذاك عيد الفطر، ولم ترد هذه الرواية في كتب الصحاح ولا في كتب السيرة القديمة التي روت تفاصيل يوم الحديبية. على أن جمهور الرواة والمفسرين على أن السورة مكية ومن السور المبكرة جدا في النزول. وقد تعددت الأقوال في معنى الكوثر وفي المقصود من الصلاة والنحر. ففي صدد الكوثر روى البخاري والترمذي عن أنس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لمّا عرج بي إلى السماء أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوّفا فقلت ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر» . وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها سئلت عن قوله تعالى

_ (1) انظر تفسير السورة في تفسير الطبري والنيسابوري وابن كثير والبغوي والطبرسي والزمخشري فقد رووا ذلك جميعهم. (2) الإتقان للسيوطي ج 1 ص 24 وتفسير الآلوسي للسورة. (3) الإتقان ج 1 ص 15 وتفسير الآلوسي.

إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ الكوثر [1] فقالت: «نهرا أعطيه نبيّكم صلّى الله عليه وسلّم شاطئاه عليه درّ مجوّف آنيته كعدد النجوم» . وروى الترمذي وأبو داود عن أنس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «بينا أنا أسير في الجنة إذ عرض لي نهر حافتاه قباب اللؤلؤ قلت للملك ما هذا قال هذا الكوثر الذي أعطاكه الله ثم ضرب بيده إلى طينه فاستخرج مسكا ثمّ رفعت لي سدرة المنتهى فرأيت عندها نورا عظيما» . وروى الترمذي عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدرر والياقوت تربته أطيب من المسك وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج» «1» . وإلى جانب هذه الأحاديث التي رواها الطبري بنصوصها أو نصوص مقاربة أورد هذا المفسر أقوالا رواها عن رواة عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير من علماء أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتابعيهم تذكر أن معنى الكلمة الخير الكثير الذي أعطاه الله لنبيه والنبوة والحكمة والقرآن. ومما أورده الطبري أن سائلا سأل سعيد بن جبير عن معناها فلما قال له الخير الكثير قال السائل كنا نسمع أنه نهر في الجنة؟ فقال: هو الخير الكثير الذي أعطاه الله لنبيه وفي رواية أخرى أنه نهر وغيره ... «2» . فيمكن والحالة هذه أن يقال إن ابن عباس وتلامذته لم يثبت عندهم تلك الأحاديث ففسروا الكلمة بهذه التفسيرات الوجيهة المتسقة مع ظروف الدعوة الأولى التي كان يلقى النبي فيها المواقف الشديدة فتقتضي حكمة التنزيل تثبيته وتطمينه وتذكيره بما أنعم الله عليه من نعم عظمى وحثه على التقرب إليه بالصلاة والشكر مما تكرر في السور السابقة. ومما يلحظ أن ترتيب هذه السورة سابق على سورة النجم التي تروي مشاهد الإسراء والمعراج في سياق آياتها الأولى. وقد يكون في هذا تدعيم لذلك التفسير والتوجيه.

_ (1) الأحاديث الأربعة في التاج الجامع ج 4 ص 266. (2) استوعب الطبري جميع الأقوال وليس في كتب التفسير الأخرى أقوال مغايرة لها.

ولقد جمع سعيد بن جبير مع ذلك في جوابه بين القولين. وقد يكون في هذا توفيق موفق والله تعالى أعلم. وأما الصلاة والنحر فليس فيهما حديث صحيح. وقد قيل إن الصلاة هي صلاة الفجر يوم عيد النحر كما قيل إنها صلاة ذلك العيد وإن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد أمر في الآية بنحر القربان عقب الصلاة على اختلاف الوقتين المرويين. وهناك من قال إنهما أمران مطلقان للنبي صلّى الله عليه وسلّم بالصلاة والتقرب إليه بالقرابين شكرا على نعمه الكثيرة التي والاها عليه. كما أن هناك من قال إنها تأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بأن تكون صلاته ونحره لله وحده إذا كان قومه يصلون وينحرون لغيره وقد أعطاه الخير الكثير «1» . ونحن نميل إلى ترجيح أحد القولين الأخيرين والله أعلم.

_ (1) استوعب الطبري جميع الأقوال وليس في كتب التفسير الأخرى أقوال مغايرة لها.

سورة التكاثر

سورة التكاثر في السورة تنديد بالمستغرقين في الدنيا ومالها ونعيمها. وإنذار لهم بالآخرة. وهي عامة العرض والتوجيه. وقد روي أنها مدنية. وأسلوبها ومضمونها يحمل على الشك في ذلك. وقد سلكتها التراتيب المروية في سلك السور المكية. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة التكاثر (102) : الآيات 1 الى 8] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (2) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8) (1) التكاثر: المباراة في الاستكثار من المال والبنين والتفاخر بذلك. (2) زرتم المقابر: كناية عن الموت حيث يؤتى بالأموات فيدفنون في المقابر. (3) الجحيم: النار المتقدة أو المتأججة. في آيات السورة: 1- تنديد موجه إلى السامعين بما هم فيه من المباراة في الاستكثار من الأموال والأولاد والتفاخر بذلك واستغراقهم بسبب ذلك استغراقا يمنعهم من التفكير في الموت وما بعده، بحيث لا ينتهون مما هم فيه إلّا حين يموتون.

2- وتنبيه وتبصير لهم. فإنهم سوف يعلمون علما يقينيا بأنهم مخطئون، وأنهم سوف يرون الجحيم الموعودة ويرون بعين اليقين ما أوعدوا به. وأنهم سوف يسألون عن أعمالهم وما قضوه في الدنيا من حياة النعيم التي ألهتهم عن الآخرة والتفكير فيها. ولقد روى بعض المفسرين روايات عديدة في نزول السورة. منها أنها نزلت في قبيلتين من الأنصار تفاخرتا فيما بينهما بما عندهما من مال وما هما فيه من نعيم. ومنها أنها نزلت في فريق من اليهود فخروا على المسلمين بما كان عندهم من مال. ومنها أنها نزلت في حيين من قريش هما بنو مناف وبنو سهم تفاخرا فيما بينهما بما عندهما من مال «1» . ولم ترد هذه الروايات في كتب الصحاح. والروايتان الأوليان تقتضيان أن تكون السورة مدنية مع أن رواة النزول وجمهور المفسرين يسلكونها في سلك السور المكية المبكرة في النزول. وأسلوبها ومضمونها يحملان على الشك في الروايتين وفي رواية تفاخر بني سهم ومناف القرشيين أيضا ويسوغان الترجيح بأنها مطلقة التوجيه عامة الإنذار والتنبيه مثل سور العاديات والعصر والأعلى والليل والفجر إلخ. ولقد احتوت تلقينا جليلا مستمر المدى. ومتسقا مع التلقينات التي احتوتها السور المماثلة السابقة وهو وجوب تنبيه الناس إلى واجباتهم نحو الله ونحو الناس في الحياة الدنيا وعدم الاندفاع في الاستكثار من المال والاستغراق في النعيم وجعل شهوات الحياة ونعيمها قصارى الهمّ والمطلب. ولقد رويت بضعة أحاديث نبوية على هامش هذه السورة. منها حديث رواه مسلم والترمذي عن عبد الله بن الشخير قال: «إنه انتهى إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو يقرأ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ [1] قال يقول ابن آدم مالي مالي. وهل لك من مالك إلّا ما تصدّقت فأمضيت أو أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت» «2» . وحديث رواه الترمذي

_ (1) انظر تفسير السورة في تفسير ابن كثير والبغوي والطبرسي والنيسابوري. (2) التاج ج 4 ص 365.

عن الزبير بن العوام قال: «لما نزلت ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [8] قلت يا رسول الله فأيّ النعيم نسأل عنه وإنما هما الأسودان التمر والماء. قال أما إنّه سيكون» «1» . حيث يتسق التلقين النبوي مع ما نوهنا به من التلقين القرآني في هذا الأمر كما هو الشأن في كل أمر آخر. وننبه مع ذلك على ضوء آيات سورة الأعراف [31- 33] التي أوردناها في مناسبة مماثلة في تفسير سورة الأعلى أن روح الآيات تلهم أن التنديد والتنبيه موجهان إلى من تلهيه أمواله وأولاده وشهواته ومتعه عن واجباته نحو ربه ونحو الناس ويستغرق في ذلك استغراقا يملك عليه تفكيره ويعمي بصيرته ويجعله لا يحسب للعواقب حسابا ويوهمه بأنه في أمن دائم. لا إلى أصحاب الأموال والأولاد والمتنعمين إطلاقا إذا ما أدوا حق الله بالإيمان به وعبادته وشكره وحق الناس بالبر والتزموا القصد والاعتدال. وليس في الأحاديث النبوية ما يتناقض مع ذلك. بل هناك أحاديث ينطوي فيها هذا بصراحة أوردناها في سياق تفسير سورة الفجر فنكتفي بهذا التنبيه دون التكرار.

_ (1) التاج ج 4 ص 365. الجزء الثاني من التفسير الحديث 2.

سورة الماعون

سورة الماعون تضمنت السورة نعيا وتنديدا بالذين يكذبون بالآخرة ويقسون على اليتيم ويحرمون المسكين من الطعام ويراؤون في صلاتهم وأعمالهم ويمنعون ماعونهم عن ذوي الحاجة إليه، وقد روي أن السورة مدنية كما روي أن آياتها الثلاث الأخيرة فقط هي مدنية. ومع احتمال صحة الرواية الأخيرة استلهاما من مضمون الآيات، فإننا نميل إلى ترجيح كونها مكية جميعها وكونها عرضا عاما لأهداف الدعوة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الماعون (107) : الآيات 1 الى 7] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (7) . (1) الدين: كناية عن يوم الآخرة والحساب. (2) يدعّ: يدفع بشدة. (3) ساهون: هنا بمعنى لاهون وغافلون وقيل إنها بمعنى تفويت وقت الصلاة. والمعنى الأول أوجه على ضوء الآية السادسة فإن المرائي لا يلهم الجد في الصلاة فيؤديها وهو غافل لاهي القلب. (4) ويل: وردت هذه الكلمة مرارا في القرآن. وأكثر ورودها في معنى إنذار

رباني لمن يستحقها من الكفار والمشركين والظالمين والكذابين والمعتدين. ووردت على لسان الظالمين في معنى التندم والتحسر والهلع من عذاب الله مثل: يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا الفرقان [28] ، ومثل: يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ الأنبياء [14] . ووردت على لسان زوجة إبراهيم في معنى التعجب: يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً هود [72] وهي هنا من الباب الأول. ويروي الطبري في سياق الآية [79] من سورة البقرة حديثين أحدهما عن عثمان بن عفان عن النبي صلّى الله عليه وسلّم جاء فيه: «الويل جبل في النار» وثانيهما عن أبي سعيد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم جاء فيها: «ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره» . وهذان الحديثان لم يردا في كتب الأحاديث الصحيحة. وقد روى الطبري عن ابن عباس أن الويل هو العذاب مطلقا. حيث يبدوا أنه لم يثبت عنده الأحاديث. ويتبادر لنا أن هذا هو الأوجه والله أعلم. (5) يراؤون: يتظاهرون بغير حقيقتهم أو ينافقون. (6) الماعون: روى المفسرون أنها المعونة إطلاقا أو أنها الزكاة أو أنها أدوات البيت كالقدر والدلو والفأس ونحو ذلك وكل ذلك وارد. في الآيات الثلاث الأولى: 1- سؤال تنديدي موجه للسامع عن ذلك الذي يكذب بالحساب والجزاء الأخرويين. 2- وتقرير بمثابة الجواب بأنه هو الذي لا تأخذه الشفقة على اليتيم فينتهره ويدفعه بشدة والذي لا تأخذه الرأفة بالمسكين فلا يطعمه ولا يحض غيره على إطعامه. وفي الآيات الأربع التالية: إنذار وسوء دعاء على الذين يصلون وقلوبهم لاهية عما هم فيه. والذين يصدرون في عبادتهم وأعمالهم أمام الله والناس عن رياء وخداع. والذين يمنعون عونهم وبرّهم أو ماعونهم عن المحتاجين إليه.

وقد روي أن السورة جميعها مدنية «1» كما روي أن الآيات الثلاث الأخيرة فقط هي المدنية، وطابع الآيات الأربع الأولى مكي، وقد تكررت ألفاظها ومعانيها في السور المكية كثيرا وفيما سبق من السور وقد روي أنها نزلت في أبي جهل حيث كان وصيا على يتيم فسأله شيئا من ماله فدفعه ولم يعبأ به، كما روي أنها نزلت في أبي سفيان الذي كان ينحر في الأسبوع جزورين فأتاه يتيم فسأله لحما فقرعه بالعصا «2» . أما الآيات الثلاث الأخيرة فإن الصورة التي انطوت فيها قد تكون مدنية من الوجهة الزمنية، لأن صورة المسلم المتظاهر بالإسلام واللاهي عن الصلاة، هي صورة من صور المنافقين في المدينة الذين وصفوا في القرآن المدني بهذه الصفة كما جاء في آية سورة النساء هذه: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) . غير أن الآيات من جهة أخرى متسقة في الوزن ومنسجمة مع الآيات السابقة لها كما هو ظاهر. وحرف الفاء في بدء الآية الرابعة قد يسوغ القول إن الآيات الثلاث جاءت معقبة على الآيات الأربع السابقة لها. وعلى هذا فإما أن يكون التنديد في الآيات الثلاث الأخيرة تنديدا بالإنسان المرائي في صلاته وعمله ودينه، المانع معونته عن المحتاج إليها إطلاقا، ومثل هذا يكون في أي مجتمع وظرف. ويكون من هدف الآيات تحذير المؤمنين الأولين من هذا الخلق، وإما أن تكون رواية مدنية الآيات الثلاث صحيحة وقد أضيفت إلى الأربع حينما أوحي بها لحكمة متصلة بهذه الآيات بدت للنبي صلّى الله عليه وسلّم. ونحن نميل إلى ترجيح الاحتمال الأول بسبب التوازن والانسجام وعدم وضوح الحكمة في إضافة آيات قليلة مدنية إلى آيات قليلة مكية وتكوين سورة قصيرة من هذه وتلك.

_ (1) انظر الإتقان للسيوطي ج 1 ص 15- 18 الطبعة المذكورة سابقا وتفسير الآلوسي ج 3 ص 241. (2) انظر تفسير السورة في تفسير الخازن والطبرسي والنيسابوري.

مدى وتلقينات آيات السورة

وأسلوب الآيات قد جاء مطلقا فيكون ما احتوته مستمر المدى والتلقين. وهو ما جرى عليه النظم القرآني بسبيل ذلك مما مرت منه أمثلة عديدة. ولا يتعارض هذا مع ما يمكن أن يصح من نزولها أو نزول بعضها في مناسبة حادث وقع من بعض الأشخاص، فكثير من آيات القرآن وفصوله نزلت في مناسبات معينة بأسلوب مطلق ليكون مستمر المدى والتلقين. مدى وتلقينات آيات السورة ومن تلقينات السورة الرئيسية تقريرها لكون جحود الإنسان للآخرة هو الذي يشجعه على اقتراف الآثام في الدنيا وعلى قسوة القلب إزاء الضعفاء واليتامى والمساكين، إذا أمن الجزاء والمقابلة، وفي هذا توكيد لتقريرات قرآنية سابقة، ولحكمة الله التي جعلت للحياة الدنيا تتمة في حياة أخرى لجزاء كل امرئ بما عمل. كما أن فيه مظهرا من مظاهر حكمة التنزيل في تكرار الإنذار بالحياة الأخرى وجعل الإيمان بها ركنا من أركان الإسلام على ما شرحناه في سياق سورة الفاتحة. وتخصيص اليتيم والمسكين بالذكر لا يعني كما هو المتبادر أن قهر الأول وحرمان الثاني هما عنوان التكذيب بالآخرة وجزائها حصرا. فهذا أسلوب من أساليب القرآن وهناك آيات قرآنية كثيرة منها مما سبق تذكر آثاما أخرى عامة وخاصة يقترفها الإنسان نتيجة لجحوده ذلك. وقد يعني تخصيص ذلك بالذكر هنا قصد التنويه بخطورة أمر اليتيم والمسكين. وهو ما تكرر كثيرا في القرآن وقد سبق منه أمثلة عديدة وعلقنا عليه بما يغني عن التكرار. وفي التنديد بالمصلين اللاهية قلوبهم عن صلاتهم تنبيه لوجوب تذكر المصلي الله، وإفراغ قلبه له حينما يقف أمامه متعبدا، وتقرير ضمني بأنه بذلك فقط يتأثر بصلاته تأثرا يبعث فيه السكينة والطمأنينة ويرتفع به إلى أفق الروحانية العلوية كما هو مجرب عند كل من يفعل ذلك حقا. ويوقظ فيه الضمير فيبتعد عن الفحشاء والمنكر ويندفع نحو الخير والصلاح. وكل هذا من مقاصد الصلاة بالإضافة إلى

كونها واجب العبادة ومظهر الخضوع لله على ما شرحناه في سياق سورة العلق. أما اللاهون فلا يتأثرون ذلك التأثير الباعث الموقظ الوازع الدافع فتكون صلاتهم عملا آليا لا روح فيها ولا حياة ويكون القصد منها الرياء والخداع ولا تكون بعد مقبولة عند الله. وجملة يُراؤُنَ [6] جاءت مطلقة لتنعى الرياء على الإنسان إطلاقا سواء أكان يرائي في صلاته أم في أي موقف وعمل آخر. وتتضمن بناء على ذلك تنديدا بخطورة خلق الرياء وبشاعته حيث يكون المتخلق به أمام الله مخادعا وأمام الناس كاذبا مضللا ساخرا، وتنبيها إلى ما في انتشار هذا الخلق في مجتمع من المجتمعات من الشر العام. ولقد تكرر النعي القرآني على هذا الخلق والنهي عنه كما جاء في سورة البقرة هذه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (264) وآية سورة النساء هذه: وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (38) وآية سورة الأنفال هذه: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) وآية سورة النساء هذه: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) . ولقد أثرت أحاديث نبوية عديدة في ذمّ الرياء والمرائين منها حديث أخرجه الترمذي عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تعوّذوا بالله من جبّ الحزن قالوا يا رسول الله وما جبّ الحزن؟ قال: واد في جهنّم تتعوّذ منه جهنّم كلّ يوم ألف مرة. قيل يا رسول الله من يدخله قال القرّاء المراءون بأعمالهم» «1» . وحديث رواه

_ (1) التاج ج 1 ص 50. [.....]

البغوي بطرقه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا يا رسول الله وما الشرك الأصغر قال الرياء» . وحديث رواه الترمذي ومسلم عن أبي سعيد بن أبي فضالة قال: «قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا جمع الله الناس يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمل عمله الله أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله فإنّ الله أغنى الشركاء عن الشرك» «1» . ولمسلم عن أبي هريرة حديث آخر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم جاء فيه: «قال الله تبارك وتعالى أنا أغنى الشركاء عن الشّرك. من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» «2» . وحديث رواه مسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل، ثمّ أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النّار. ورجل تعلّم العلم وعلّمه وقرأ القرآن فأتى به فعرّفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها، قال تعلّمت العلم وعلّمته وقرأت فيك القرآن. قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كلّه فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها قال ما عملت فيها، قال ما تركت من سبيل تحبّ أن ينفق فيها المال إلا أنفقت فيها لك. قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار» «3» . وننبه على أن هناك حديثا فيه استدراك يحسن سوقه في هذا المساق رواه الترمذي جاء فيه: «قال رجل يا رسول الله الرجل يعمل العمل فيسره فإذا اطلع عليه أعجبه ذلك، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم له أجران أجر السرّ وأجر العلانية» «4» . حيث يفيد

_ (1) التاج ج 4 ص 154. (2) التاج ج 1 ص 49. (3) المصدر نفسه ص 50- 51. (4) المصدر نفسه.

هذا أن الرياء المعاقب عليه هو ما قصد صاحب العمل أن يقال عنه وليس خالصا لله. وأنه إذا كان عمل المرء عملا بنية خالصة وعرفه الناس وأعجبوا به لا يعد من هذا الباب. والتنديد بما نعى الماعون سواء أكان المعونة عامة أم الزكاة أم أدوات البيت جدير بالتنويه من حيث كون منع الماعون مظهرا من مظاهر عدم التعاون وعدم تبادل المعروف أو عدم بذل ما يكون الآخر في حاجة إليه من عون. ومن حيث تضمنه حقا لكل مسلم على تجنبه وعلى بذل كل عون يقدر عليه إلى من هو في حاجة إليه وهو ما تكرر تقريره في آيات عديدة مرت أمثلة منها. ولقد روى مسلم وأبو داود والترمذي حديثا عن أبي هريرة قال: «قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة. ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة. ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدّنيا والآخرة. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» «1» . حيث يتساوق التلقين النبوي مع التلقين القرآني في هذا الشأن كما هو في كل شأن.

_ (1) التاج ج 5 ص 68.

سورة الكافرون

سورة الكافرون في السورة أمر للنبي صلّى الله عليه وسلّم بإعلان الكفار أنه لا يعبد ما يعبدون، ولهم إذا شاءوا أن يظلوا على ما هم عليه فلا يعبدون ما يعبد، ولكل من الفريقين دينه، وقد تضمنت مبدأ حرية التدين الذي ظلت الآيات القرآنية تقرره في المكي منها والمدني. ولقد روى الترمذي عن أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من قرأ إذا زلزلت عدلت له بنصف القرآن ومن قرأ قل يا أيّها الكافرون عدلت له بربع القرآن ومن قرأ قل هو الله أحد عدلت له بثلث القرآن» «1» . وروى الترمذي عن أنس أيضا: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لرجل من أصحابه هل تزوّجت يا فلان قال لا والله يا رسول الله ولا عندي ما أتزوّج به، قال: أليس معك قل هو الله أحد، قال: بلى، قال: ثلث القرآن، قال: أليس معك إذا جاء نصر الله والفتح، قال: بلى، قال: ربع القرآن، قال: أليس معك قل يا أيّها الكافرون، قال: بلى، قال: ربع القرآن. قال: أليس معك إذا زلزلت، قال: بلى، قال: ربع القرآن، تزوّج تزوّج» «2» . ومن الحكمة الملموحة في الحديثين التنويه والترغيب والتيسير، والله تعالى أعلم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الكافرون (109) : الآيات 1 الى 6] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (2) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (3) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (4) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)

_ (1) التاج ج 4 ص 21. (2) المصدر نفسه.

في الآيات أمر للنبي صلّى الله عليه وسلّم بأن يعلن جاحدي رسالته بخطته بالنسبة لدينهم وعبادتهم. وبأن لهم إذا شاءوا أن يسيروا على نفس الخطة فهو يعبد غير ما يعبدون. ويخضع لغير ما يخضعون، ويتجه إلى غير ما يتجهون. وهو مسؤول عن تبعة موقفه، وهم مسؤولون عن تبعة موقفهم، ولكل من الفريقين دينه الذي ارتضاه لنفسه. وقد روي أن السورة نزلت بمناسبة مراجعة بعض زعماء قريش للنبي صلّى الله عليه وسلّم وطلبهم التشارك في عبادة الآلهة، فيصلي إلى آلهتهم ويصلون إلى إلهه، ويحترم آلهتهم ويحترمون إلهه إلى أن يتحقق الفريقان أيّ الدينين خير فيتبعونه «1» . والرواية محتملة الصحة على ما تلهمه روح الآيات، ويؤيدها آية سورة القلم: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) التي مر تفسيرها قبل في سياق السورة المذكورة. على أن من المحتمل أيضا أن تكون نزلت بمناسبة موقف حجاجي بين النبي صلّى الله عليه وسلّم والكفار، ظل هؤلاء معاندين مكابرين فيه فنزلت لإنهاء الموقف. وقد تكرر مثل ذلك في مواقف ومناسبات مماثلة كما جاء في آية سورة يونس هذه: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41) وفي آية سورة يونس هذه أيضا: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108) وفي آية سورة الكهف هذه: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [29] وفي آيات سورة سبأ هذه: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ

_ (1) انظر تفسيرها في تفسير الطبري وابن كثير والطبرسي وغيرهم.

مبدأ حرية التدين في النظام الإسلامي

السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24) قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26) . وقد يفسر هذا التوجيه أسلوب السورة من حيث خلوه من الحملة على عبادة الكفار الضالة. ولعلها استهدفت فيما استهدفته درء الأذى عن المسلمين المستضعفين الذين كان زعماء الكفار ينالونهم به وخاصة في أوائل عهد الدعوة حيث تدعوهم إلى الإنصاف، فإن كانوا يريدون أن يثبتوا على دينهم ويرون ذلك من حقهم فعليهم أن يحترموا هذا للمسلمين أيضا. مبدأ حرية التدين في النظام الإسلامي ومع خصوصية الخطاب وزمنيته فالمتبادر أن السورة تضمنت مبدأ قرآنيا جليلا منذ عهد مبكر من الدعوة، في تقرير حرية التدين والعبادة والدعوة إلى احترامها واستشعار الناس بشعور الإنصاف والعدل فيما بينهم في صددها، باعتبار هذه المسألة مسألة وجدان ويقين وطمأنينة قلب وروح وانشراح صدر، لا يجوز أن تكون معرضة لأي تأثير أو تابعة لأي اعتبار. ومن الجدير بالذكر أن هذا المبدأ لم يقرر في هذه السورة فحسب أو في العهد المكي الذي كان فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم ضعيفا والمسلمون قلة مستضعفة، بل قررته آيات القرآن المكي في مختلف أدوار التنزيل مرات كثيرة وبأساليب متنوعة، كما يفهم من الآيات التي أوردناها آنفا ومن آيات سورة النمل هذه: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92) ومن آيات سورة الأنبياء هذه: قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (109) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (110) وَإِنْ

أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (111) ثم قررته آيات عديدة من القرآن المدني في مختلف أدوار التنزيل كذلك كما يفهم من آية سورة البقرة هذه: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) وآية سورة آل عمران هذه: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) وآية سورة آل عمران هذه: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (20) وآية سورة النساء هذه: إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90) وآية سورة المائدة هذه: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) وآيات سورة التوبة هذه: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) وإِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) وآيات سورة الممتحنة هذه: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) وهكذا يكون هذا المبدأ من المبادئ المحكمة. وفي هذا ما فيه من بليغ التلقين وبعد المدى ومؤيدات الخلود للإسلام ومبادئه. ولقد يرد أنه ورد في القرآن آيات كثيرة تدل على أن كفار العرب لم يكونوا ينكرون ربوبية الله ولم يكونوا منصرفين عن عبادته ودعائه بالمرة مثل ما جاء في آية سورة الزخرف هذه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87) وفي آية

سورة لقمان هذه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (25) ، وإن في هذا ما يتناقض مع مضمون السورة. ومع أن الشق الأول صحيح فليس هناك من تناقض. فقد كانوا يشركون مع الله غيره ويتخذون الأصنام رموزا لشركائهم فيسجدون لها ويقربون القرابين عندها، وكانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله ويعبدونهم ويدعونهم ولو ليكونوا شفعاءهم عند الله وفي هذا كفر صريح بحق الله وواجبه على خلقه وتناقض صريح بين ما يعبد النبي صلّى الله عليه وسلّم ويدعوا إليه وهو الله وحده لا شريك له ولا كفؤ له ولا ولد له وبين ما يعبدونه ويتجهون إليه، وهذا هو المراد في آيات السورة كما هو المتبادر. ونحن نعرف أنه يورد على هذا أقوال من جانب المسلمين وغير المسلمين على السواء. فإن كثيرا من علماء المسلمين ومفسري القرآن قالوا إن الآيات التي تأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بالاكتفاء بإنذار المشركين وهجرهم وتركهم وشأنهم وإعلانهم أنه ليس إلّا منذر لهم وأنه ليس عليهم مسيطر ولا جبار أو التي تأمر بقتال المقاتلين للمسلمين منهم دون سواهم مما جاء في سور كثيرة مكية ومدنية مثل الآيات التالية في السور المكية: 1- قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ سورة يونس [108] . 2- فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ سورة الحجر [94] . 3- وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ سورة النحل [127] . 4- إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ سورة النمل [91- 92] .

5- وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا سورة المزمل [10] . 6- فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ سورة الغاشية [21- 22] . ومثل الآيات التالية في السور المدنية: 1- وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ البقرة [190] . 2- وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ البقرة [193] . 3- لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ البقرة [256] . 4- إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا النساء [90] . وأمثالها الكثير في السور المكية والمدنية قد نسخت بآيات سورة التوبة هذه: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (2) وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (3) إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) التي تأمر بقتال المشركين بدون هوادة إلى أن

يسلموا ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. ثم بآية سورة التوبة [36] التي جاء فيها: وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً والتي ينعتها بعض العلماء والمفسرين بآية السيف. وقد فسر كثير من مفسري القرآن وعلمائهم كلمة فتنة الواردة في آية سورة البقرة هذه: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) بمعنى الشرك وقالوا إنها توجب قتال المشركين حتى لا يبقى شرك ومشركون ويسود دين الله الإسلام. ومما قاله المفسرون في سياق تفسير آية البقرة لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ البقرة [256] إن هذه الآية منسوخة بالنسبة للعرب المشركين دون غير العرب. وإن العرب المشركين لا يقبل منهم إلّا الإسلام أو السيف وإن غير العرب يقبل منهم الجزية دون السيف. وأما من ناحية غير المسلمين فإن كثيرا من المبشرين والمستشرقين قالوا إن محمدا صلّى الله عليه وسلّم لم يقف عند مبدأ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ الكافرون [6] إلّا في ظروف ضعفه، وإنه حالما قوي بعد الهجرة أخذ يقاتل الكفار ولم يكن يقبل من المشركين إلّا الإسلام ومن الكتابيين إلّا الاستسلام والجزية. واستمر على ذلك إلى النهاية وكان يغري المسلمين بالغنائم. وشرح الموضوع على وجهه الحق الذي يتبادر من نصوص القرآن ووقائع السيرة النبوية كفيل بالإجابة على الطرفين. إن القتال في الإسلام إنما شرع للدفاع عن حرية الدعوة والمسلمين ومقابلة الأذى والعدوان والصدّ إلى أن تضمن الحرية والسلامة للمسلمين، والحرية والانطلاق للدعوة ويمتنع الأذى والعدوان على المسلمين والإسلام، وظل هذا المبدأ محكما إلى النهاية.

وأول آيات وردت في هذا الصدد آيات سورة الحج هذه: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) . ثم نزلت آيات سورة البقرة هذه: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) . والأساس في هذه الآيات وتلك هو ذلك المبدأ، وفيها صراحة أن المشركين كانوا يقاتلون المسلمين. وكانوا إلى هذا يفتنون المسلمين عن دينهم بالجبر والإكراه ويصدون عن سبيل الله ويعطلون سير الدعوة. ويضطرون المسلمين إلى الخروج من موطنهم مرغمين. وكل هذا سبب مشروع لقتالهم متسق مع ذلك المبدأ. وفي تأويل كلمة «الفتنة» بالشرك تجوّز كبير. فالفتنة هي إرغام المسلمين على الارتداد عن الإسلام الذي كان يمارسه زعماء المشركين في مكة ضد ضعفاء المسلمين. والدليل على ذلك آية سورة البروج هذه: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (10) وآية سورة النحل هذه: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110) والكلمة في الآية الثانية من سلسلة آيات البقرة [190- 194] والتي هي في جملة وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ البقرة [191] تعني نفس الشيء حينما يتروى فيها. ولا يصح في حال أن تؤول بالشرك. ونزول

آية: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ البقرة [193] دليل قوي بل حاسم على أن معنى الآية هو قتال المعتدين إلى أن ينتهوا عن موقف العدوان وفتنة المسلمين وتغدو حرية الدعوة وحرية المسلمين في دينهم ودمائهم وأموالهم وحقوقهم مضمونة. وقد جاء في سورة الأنفال آية مثلها تقريبا وهي: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) ولعل في مقطع هذه الآية الأخير قرينة أقوى على أن المقصد من جملة «فإن انتهوا» الانتهاء من موقف العدوان وفتنة المسلمين. ومن الأدلة اليقينية على أن جملة فَإِنِ انْتَهَوْا الأنفال [93] في هذه الآية وفي آية سورة البقرة [193] ليست الانتهاء بالإسلام فقط وإن من الممكن أن يكون بوقف حالة الحرب بالصلح أيضا صلح الحديبية الذي جرى بين النبي صلّى الله عليه وسلّم وقريش في السنة الهجرية السادسة حيث أنهى هذا الصلح حالة الحرب ووقف القتال ضد قريش. والآيتان نزلتا قبل هذا الصلح على الأرجح. ومما يسوغ تخمينه بقوة أن آية البقرة نزلت قبل وقعة بدر وآية الأنفال نزلت بعد هذه الوقعة على ما سوف نشرحه في مناسباتهما. وفي سورة الإسراء آية فيها دليل حاسم على معنى كلمة الفتنة وهو الرد والارتداد والإرجاع وهي هذه: وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) . وآيات سورة التوبة التي تعلن البراءة من المشركين وتأمر بقتالهم إلى أن يتوبوا ويؤمنوا ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة والتي أوردناها آنفا تخللها وجاء معها استثناءات تجعل ذلك الإعلان والأمر محصورا في المشركين المعتدين والناكثين لعهودهم كما جاء في عبارة إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً التوبة [4] وكما جاء في الآيات التالية التي هي جزء من السلسلة: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ الجزء الثاني من التفسير الحديث 3

مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (9) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) . وآيتا فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ في سلسلة آيات التوبة ليستا المخرج الوحيد كما قد يتبادر. فالآيات في جملتها تعني أنهم إن آمنوا فبها ونعمت ويصبحوا إخوانا للمسلمين، ويهدر كل ما فعلوه معهم قبل. وإن لم يؤمنوا وحافظوا على عهدهم واستقاموا عليه فلا مانع. وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في الدين فيقاتلون حتى ينتهوا من هذا الموقف العدواني. وجملة وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً في آية التوبة [36] ليست منفردة. فإن لها تتمة وهي كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً التوبة [36] وهذه التتمة تزيل اللبس في الجملة وتعيد الأمر إلى أصله من وجوب قتال المشركين الذين يقاتلون المسلمين وتظهر مقدار ما في الاستناد إليها من تجوز كبير أيضا. وفحوى القول إن آية سورة النساء [90] منسوخة تجوز كبير أيضا إزاء ما فيها من صراحة وحسم. ويدعم هذا آية في سورة الممتحنة التي نزلت قبيل الفتح المكي فيها مثل هذه الصراحة والحسم بل وأكثر حيث إنها تحض على البرّ والإقساط للذين لا يقاتلون المسلمين ولا يشتركون في إخراجهم من ديارهم وهي:

لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) وقد فند الطبري قول من قال إن هذه الآية منسوخة وقال إن برّ المؤمن لأهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غير محرم ولا منهي عنه أصلا إذا لم يكن في ذلك دلالة لهم على دعوة لأهل الإسلام أو تقوية لهم بكراع أو سلاح. وفي سورة البقرة آية أخرى تدعم ذلك وتدعم أو توضح مدى آية الممتحنة في الوقت نفسه وهي: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (272) وقد روى الطبري وغيره روايتين في نزولها واحدة تذكر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يمنع الصدقات عن فقراء المشركين وثانية أن المسلمين كانوا يمنعون صدقاتهم عن المشركين من أقاربهم وأنسبائهم فنزلت الآية مؤذنة بأن النبي والمسلمين غير مسؤولين عن هداهم الذي هو في يد الله وأن الصدقات هي قربة من المتصدق لله عن نفسه فلا مانع من إعطائهم منها على شركهم ... وليس هناك أي قول فيما اطلعنا عليه بنسخ هذه الآية الرائعة في مداها الذي نحن في صدده. ولقد حدث مرة سوء تفاهم بين قائد إحدى السرايا وبعض العرب الذين أظهروا الإسلام أو المسالمة، فظن القائد أن ذلك خدعة، وقتل بعضهم وأخذ ماشيتهم فغضب النبي صلّى الله عليه وسلّم أشد الغضب ولم يلبث أن أوحى الله بآية قوية رائعة فيها عتاب على عدم قبول ظواهر الناس كما ترى فيها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً سورة النساء [94] ، وفي آية سورة الأنفال هذه: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) أمر صريح بأن يسالم كل من جنح إلى المسالمة من الأعداء. وفي آيات سورة محمد هذه: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ

أَعْمالَهُمْ (1) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (2) ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (3) فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها [4] آمر بقتال الكفار الصادّين عن سبيل الله إلى أن تخضد شوكتهم ثم يؤسر الباقون إلى أن يفتدوا أنفسهم أو يطلق سراحهم منّا دون إرغام على الإسلام لأن المقصود من القتال قد حصل. ولم يرد أي خبر بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم رفض في أي وقت طلب صلح أو عهد أمان من أعداء محاربين، كما أنه لم يرد أي خبر بأنه قاتل أو أمر بقتال أناس مسالمين أو حياديين أو معتزلين. والذي يدرس وقائع الجهاد «1» يرى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يبعث سرية ولم يباشر غزوة ولم يشتبك بقتال مع فئة إلّا ردا على عدوان أو انتقاما من عدوان أو دفعا لأذى أو تنكيلا بغادر أو تأديبا لباغ أو ثأرا لدم إسلامي أهدر أو ضمانة لحرية الدعوة والاستجابة إليها، أو بناء على نكث عهد أو بسبب مظاهرة لعدو أو تآمر معه على المسلمين. وكل هذا متسق مع النصوص القرآنية التي لا يمكن أن يصدر منه ما ينقضها بطبيعة الحال. وكل هذا ينطبق على وقائع القتال مع اليهود والنصارى الكتابيين أيضا. فكل عملية تأديب أو تنكيل أو غزوة ضد يهود يثرب والقرى اليهودية الأخرى في طريق الشام كانت ردا على عدوان أو مؤامرة ضد الإسلام والمسلمين «2» . وحملات مؤتة وتبوك كانت مقابلة على عدوان القبائل العربية النصرانية في طريق الشام والبلقاء

_ (1) انظر وقائع الجهاد وغزوات النبي صلّى الله عليه وسلّم وسراياه في طبقات ابن سعد وسيرة ابن هشام وفي الجزء الثاني من الطبرسي. (2) اقرأ الوقائع من الكتب الثلاثة السابقة الذكر وكتابنا القرآن واليهود.

على رسل النبي صلّى الله عليه وسلّم وقوافل المسلمين «1» . وآية التوبة هذه: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (29) تضمنت إشارة إلى ذلك وحصرت أمر القتال في الفئات التي لا تدين دين الحق ولا تحرم ما حرم الله ورسوله من الكتابيين دون سائرهم وحملات الفتح التي سيرها أبو بكر رضي الله عنه وما بعدها هي امتداد لهذه الحملات حيث كانت حالة الحرب التي نشأت عن العدوان قائمة. ووصايا النبي صلّى الله عليه وسلّم والخلفاء رضي الله عنهم لقواد هذه الحملات بألّا يقاتلوا إلّا من يقاتلهم وبأن يسالموا من يسالمهم وبأن يتركوا من لا يتعرض لهم ومن يعتزلهم وشأنه وأن لا يقتلوا النساء والصبيان معروفة مشهورة «2» . ولو كان قتال كل كافر وكل مشرك مبدأ إسلاميا لاقتضى أن يقاتل كل كافر وكل مشرك مهما كانت حالته وسنه وموقفه وهذا لم يحصل إطلاقا لا في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا في زمن خلفائه الراشدين رضي الله عنهم. وقتال أبي بكر للمرتدين وعدم قبوله منهم إلّا الإسلام والاستسلام حالة أخرى لأن الارتداد كان ضد الدولة الإسلامية والنظام الإسلامي في الدرجة الأولى «3» .

_ (1) اقرأ الجزء الثاني من كتابنا سيرة النبي عليه السلام ص 161 وما بعدها وطبقات ابن سعد ج 3 ص 103- 104 و 174- 178 و 218- 221. (2) طبقات ابن سعد ج 3 ص 132 والطبرسي ج 2 ص 520 وما بعدها وأشهر مشاهير الإسلام ج 1 ص 66 وما بعدها. ولقد روى الإمام مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن أبا بكر قال ليزيد بن أبي سفيان حين بعثه على رأس جيش إلى الشام «إني موصيك بعشر لا تقتلن امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما ولا تقطعن شجرا مثمرا ولا تخربن عامرا ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكلة ولا تحرقن نخلا ولا تغلل ولا تجبن وإنك ستجد قوما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له» . (3) انظر تفسير آية سورة البقرة [190] : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ في تفسير الخازن والطبرسي والزمخشري وتفسير آية سورة البقرة [193] : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ في تفسير الطبرسي والزمخشري وتفسير آيات سورة التوبة [1- 13] في تفسير الخازن. ففي أقوال هؤلاء المفسرين في تفسير هذه الآيات نماذج لأقوال المفسرين وتأويلاتهم التي ذكرناها في مطلع البحث، وانظر تفسير آية [190] : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وآية [193] : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ في تفسير المنار للسيد رشيد رضا، فهو مطابق لما قلناه من عدم إساغته لتأويل الفتنة بالشرك وعدم إساغته لنسخ الاية الأولى. وعزا إلى الإمام محمد عبده أنه ردهما. ج 2 ص 209 الطبعة الأولى لسنة 1352 هـ- 1934 م.

وفي موطأ الإمام مالك حديث عن يحيى بن سعيد احتوى وصية أبي بكر ليزيد بن أبي سفيان حين بعثه على رأس جيش إلى الشام جاء فيها: «إني موصيك بعشر لا تقتلنّ امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما ولا تقطعنّ شجرا مثمرا ولا تخربنّ عامرا ولا تعقرنّ شاة ولا بعيرا إلّا لمأكلة ولا تحرقنّ نخلا ولا تفرّقنّه ولا تغلل ولا تجبن. وإنك ستجد قوما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له» . ويورد فيما يورد حديث صحيح جاء فيه: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلّا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلّا بحقّه وحسابه على الله» «1» . ونكرر هنا ما قلناه تعليقا على هذا الحديث في سياق التعليق على (سبيل الله) والخطة القرآنية للدعوة إلى سبيل الله في سورة المزمل من أن ذلك يحمل على قصد قتال الذين يستحقون القتال حسب المبادئ التي قررها القرآن وليس قتل الكفار والمشركين بسبب كفرهم وحسب. لأنه لم يرد كما قلنا أي خبر عن قتال النبي صلّى الله عليه وسلّم لكفار ومشركين موادين ومسالمين ومحايدين وغير معتدين وغير متآمرين وغير ناقضين بشكل ما. وهناك أحاديث صحيحة عديدة تدعم ما ذكرناه. منها حديث رواه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي عن بريدة قال: «كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا أمّر أميرا على جيش أو سريّة أوصاه في خاصّته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلّوا ولا تغدروا ولا

_ (1) التاج ج 4 ص 326. [.....]

تمثلوا ولا تقتلوا وليدا وإذا لقيت عدوّك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال فأيّتهنّ ما أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم. ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم ثم ادعهم إلى التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا أن يتحوّلوا فأخبرهم أنّهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين. ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلّا أن يجاهدوا مع المسلمين. فإن أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم» «1» . وحديث رواه أبو داود عن أنس قال: «إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله ولا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امرأة ولا تغلّوا وضمّوا غنائمكم وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحبّ المحسنين» «2» . وحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن ابن عمر قال: «وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي صلّى الله عليه وسلّم فنهى عن قتل النساء والصبيان. وسئل النبيّ عن أهل الدار يبيّتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريّهم قال هم منهم» «3» . وحديث رواه الترمذي والنسائي عن عطية القرظي قال: «عرضنا على النبي صلّى الله عليه وسلّم يوم قريظة فكان من أنبت قتل ومن لم ينبت خلّي سبيله فكنت ممّن لم ينبت فخلّي سبيلي» «4» . وفي الحديث الأول بخاصة نقض لما قاله بعض المفسرين في سياق جملة لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ في الآية [256] من سورة البقرة وذكرناه قبل من أن هذه

_ (1) التاج ج 4 ص 327- 329. (2) المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه، ص 333 والمتبادر أن جملة (هم منهم) بسبيل عذر من يقتل بعض النساء والأولاد في التبييت العام الذي لا يمكن التمييز فيه بين الكبار والصغار والرجال والنساء ويظل الأصل وهي النهي عن قتل النساء والصبيان محكما. ويوم قريظة هو يوم قتل النبي صلّى الله عليه وسلّم يهود بني قريظة عقب وقعة الخندق مما سوف نشرحه في سياق سورة الأحزاب. (4) المصدر نفسه.

الجملة منسوخة بالنسبة للمشركين من العرب ولا يقبل منهم غير الإسلام أو السيف. فليس في القرآن على ضوء ما قدمناه ما ينسخ ذلك بالنسبة للمشركين العرب. وفي هذا الحديث الصحيح إجازة بقبول الجزية من الأعداء المشركين ومعظم الجيوش والسرايا التي سيرها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كانت على الأعداء المشركين من العرب. بل وإن صلح الحديبية الذي أشرنا إليه دليل على جواز الصلح مع المشركين العرب بدون جزية إذا ما كان في ذلك من مصلحة المسلمين. وفي سورة الأنفال آية تأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بالجنوح إلى السلم إذا جنح إليها الكفار الأعداء. وهي الآية [61] وهي مطلقة لا تشترط جزية ولا شرطا آخر، وفي هذا دليل على ما تقدم أيضا، والله تعالى أعلم.

سورة الفيل

سورة الفيل في السورة تذكير بما كان من نكال الله في أصحاب الفيل في معرض الإنذار. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الفيل (105) : الآيات 1 الى 5] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5) . (1) أبابيل: جماعات وفرق يتبع بعضها بعضا. أو الجماعات الكثيرة وقيل إن واحدها أبيل، وقيل إنها جمع إبّالة وهي الحزمة، وهذا في نفس المعنى الأول. (2) سجيل: الطين المتحجر وقيل إنها تعريب سنك كيل الفارسية التي تعني ذلك. وقد تكرر ورودها في القرآن مما يدل على أن دخولها في اللسان العربي قديم. (3) العصف: ورق الزرع. معنى آيات السورة واضح، وهي تذكر السامعين في معرض الإنذار بما كان من نكال الله في أصحاب الفيل فجعل كيدهم حابطا خاسرا حيث أرسل عليهم جماعات من الطير فرمتهم بحجارة طينية وجعلتهم كورق الزرع الممضوغ.

وجمهور المفسرين «1» على أن المقصد من أصحاب الفيل هم الأحباش الذين غزوا مكة فإذا كان هذا صحيحا فإنه يؤيد الروايات التي ترويها الكتب العربية القديمة عن الغزوة التي تعرف في تاريخ العرب قبل الإسلام بغزوة الفيل والتي قام بها الأحباش بقيادة أبرهة. وسميت كذلك لأنه كان في الحملة الحبشية بعض الأفيال. وملخص ما جاء في الروايات «2» أن الأحباش غزوا اليمن قبل البعثة النبوية بذريعة نصر النصارى الذين اضطهدهم الملك الحميري ذو نواس الذي كان يعتنق اليهودية وانتصروا عالى الدولة الحميرية ووطدوا سلطانهم في اليمن. وقد اضطهدوا بدورهم اليهود اليهودية وأخذوا يدعون العرب إلى النصرانية وينشئون الكنائس في اليمن وقد أنشئوا كنيسة كبرى سمتها الكتب العربية باسم القليس. غير أن العرب لم يستجيبوا إلى الدعوة وظلوا متعلقين بتقاليدهم وبالحج إلى الكعبة في الحجاز حتى أن بعضهم نجّس القليس فغضب الأحباش وأرادوا أن يخضعوا الحجاز لحكمهم ويهدموا الكعبة التي يتعلق بها العرب فجاءوا بحملة كبيرة فلما وصلت قرب مكة شرد أهل مكة إلى الجبال لأنهم رأوا أن لا طاقة لهم بها. ولكن الله حبس الفيل الكبير الذي كان في طليعة الحملة عن مكة فتوقفت الحملة، فسلط الله عليها جماعات كثيرة من الطيور تحمل بمناقيرها حجارة صغيرة من طين متحجر وأخذت ترمي بالحجارة على الأحباش فلا يكاد الحجر يصيب جسم الحبشي حتى يتهرأ. وقد تمزق شمل الحملة نتيجة لذلك ونجا الحجاز والكعبة. وقد كان لهذا الحادث ونتيجته ردّ فعل عظيم في بلاد العرب حتى صاروا يؤرخون أحداثهم بعام الفيل. وقد روي فيما روي أن النبي صلّى الله عليه وسلّم ولد في هذا العام كما روي أن الحادث كان قبل ولادته بمدة تراوحت بين ثلاث عشرة سنة وأربعين سنة على اختلاف

_ (1) انظر تفسير السورة في تفسير الطبري والنيسابوري وابن كثير والبغوي والزمخشري والخازن والطبرسي إلخ. (2) انظر تاريخ الطبري مطبعة الاستقامة ج 1 ص 529- 560. وغزو الحبشة لليمن وسيطرتهم عليها مما أيدته المنقوشات والآثار القديمة أيضا انظر الجزء الخامس من كتابنا الجنس العربي ص 76 وما بعدها.

الروايات، ومما ذكرته الروايات أن عربيا اسمه أبو رغال صار دليلا للحملة فمات في مكان اسمه المغمس فصار العرب يرجمون قبره استنكارا لخيانته لقومه وظلوا على ذلك دهرا. وأسلوب الآيات ومضمونها يدلان أولا على أن الحادث كان لا يزال صداه يتردد على الألسنة في بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم حينما نزلت السورة. وثانيا على أن العرب كانوا يعتقدون أن البلاء الذي وقع على الأحباش وهرّأ أجسامهم ومزق شملهم هو بلاء رباني. وثالثا على أن القصد من التذكير بالحادث الذي كان قريب العهد، وكان مالئا للأذهان هو الموعظة ودعوة السامعين أو زعماء قريش إلى الارعواء عن مواقف الأذى والجحود التي يقفونها. فالله الذي كان من قدرته أن يصب بلاءه على الأحباش ويمزقهم شرّ ممزق مع ما هم عليه من شدة البأس قادر على أن يصب بلاءه عليهم ويمزقهم. وهم يعرفون ذلك فعليهم أن يرعووا ويحذروا ويتركوا الأذى والعناد. وهكذا يتسق الأسلوب والهدف القرآني في هذه القصة اتساقهما في القصص القرآنية عامة، على ما شرحنا قبل، أما ماهية الطير والحجارة فقد ذكر المفسرون القدماء «1» في صددها أقوالا تجعل الحادث في نطاق المعجزات والخوارق. ورووا فيما رووه أن مرضي الحصبة والجدري ظهرا لأول مرة في الحجاز «2» عقب الحادث كأنما يريدون أن يقولوا إن الطير رمتهم بحجارة أصيبوا منها بأحد المرضين. وقد أوّل الإمام الشيخ محمد عبده «3» ذلك بأن الحجارة كانت ملقحة بجرثومة الجدري. ولسنا نرى كبير طائل في تحقيق ماهية الحادث لذاته لأنه خارج عن نطاق الهدف القرآني. ولكنا نقول إن حرفية آيات السورة وظاهرها على كل حال في جانب كون الحادث بلاء ربانيا خارقا كما أن أسلوبها يساعد على القول إنها في صدد التذكير بحادث عظيم، وإن سامعي القرآن الذين كانوا حديثي عهد

_ (1) انظر كتب التفسير المذكورة سابقا. (2) انظر تفسيرها في تفسير الطبري والزمخشري. (3) انظر تفسير السورة في تفسير جزء عم للإمام الشيخ محمد عبده.

بالحادث كانوا يعتقدون أن الذي وقع على الأحباش هو بلاء رباني خارق في صورة زحوف من الطير كانت ترميهم بحجارة من سجيل. هذا، ولقد أسهب المفسرون المطولون في صور الحادث وأوردوا روايات عديدة عن ماهية الطير والحجارة وأشكالها وكيفية رميها والإصابات التي كانت تحدثها ومقابلة عبد المطلب جد النبي صلّى الله عليه وسلّم لأبرهة قبل الحادث وما دار بينه وبينه في صدد مواشي أهل مكة والكعبة، وأوردوا فيما أوردوه أن ابن عباس قال: إنه رأى من حجارة الطير قفيزا عند أم هانئ رضي الله عنها عمة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهي مخططة بحمرة وأن عائشة رضي الله عنها قالت إنها رأت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين ... إلخ «1» ومع أن هذا الإسهاب لا يدخل في غرض التفسير وأن الروايات تتحمل الشك والتوقف، فإن هذا وذاك يدلان على أن العرب في بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم كانوا يتداولون أخبار الحادث العظيم ومشاهده.

_ (1) انظر كتب التفسير المذكورة سابقا.

سورة الفلق

سورة الفلق في السورة تعليم رباني بالاستعاذة بالله من أسباب المخاوف والهواجس في معرض تدعيم وحدة الله ونبذ ما سواه. وبعض الروايات تذكر أنها مكية وبعضها تذكر أنها مختلف في مكيتها ومدنيتها، ومعظم روايات ترتيب النزول تسلكها في سلك السور المكية المبكرة في النزول، وأسلوبها يسوغ ترجيح مكيتها وتبكير نزولها. ولقد روى البخاري ومسلم والترمذي عن عائشة قالت: «كان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوّذتين وينفث فلما اشتدّ وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها» «1» . وروى البخاري عنها أيضا: «أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان إذا أوى إلى فراشه كلّ ليلة جمع كفّيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما قل هو الله أحد وقل أعوذ بربّ الفلق وقل أعوذ بربّ الناس ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده. يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات» «2» . وروى مسلم والترمذي عن عقبة بن عامر قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ألم تر آيات أنزلت عليّ الليلة لم ير مثلهنّ قطّ قل أعوذ بربّ الفلق وقل أعوذ بربّ الناس» «3» . وروى أبو داود والنسائي عن عقبة أيضا قال: «كنت أقود لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم في السفر ناقته فقال لي يا

_ (1) التاج ج 4 ص 24. (2) المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه.

[سورة الفلق (113) : الآيات 1 إلى 5]

عقبة ألا أعلّمك خير سورتين قرئتا فعلّمني قل أعوذ بربّ الفلق وقل أعوذ بربّ الناس» «1» . وروى الاثنان نفسهما عن عقبة كذلك قال: «بينا أنا أسير مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين الجحفة والأبواء إذ غشيتنا ريح وظلمة شديدة فجعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يتعوّذ بالمعوّذتين ويقول يا عقبة تعوّذ بهما فما تعوّذ متعوّذ بمثلهما قال وسمعته يؤمّنا بهما في الصلاة» «2» . وروى الترمذي بسند حسن عن عقبة أيضا قال: «أمرني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن أقرأ بالمعوّذتين في دبر كلّ صلاة» «3» . والمتبادر أن ما احتوته السورتان من بث السكينة والطمأنينة في النفس وتعليم اللجوء إلى الله تعالى وحده والاستعاذة به في ظروف المخاوف والأزمات النفسية المتنوعة من الحكمة المنطوية في الأحاديث، وهي حكمة مستمرة الفائدة لاستمرار دواعيها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الفلق (113) : الآيات 1 الى 5] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (5) . (1) أعوذ: أحتمي وألتجئ. (2) الفلق: أوجه الأقوال أنه فلق الصبح أو الفجر حيث ينفلق من ظلمة الليل. (3) غاسق: الليل والظلمة. (4) وقب: خيّم أو انتشر.

_ (1) التاج ج 4 ص 24. [.....] (2) المصدر نفسه ص 24- 25. (3) المصدر نفسه.

(5) النفاثات في العقد: النفث هو النفخ واصطلاحا هو تمتمة السحرة ونفثهم. والعقد جمع عقدة والجملة كناية عن أعمال السحرة والساحرات حيث كانوا يعقدون عقدا في خط وينفثون عليها وهم يتلون تعاويذهم وتمتماتهم حينما كانوا يريدون أن يصنعوا سحرا لأحد بسبيل منعه من عمل أو حمله على عمل أو جعله مريضا إلخ ... في آيات السورة تعليم رباني بالاستعاذة بالله من شرّ ما خلق ومن الظلام إذا انتشر وخيم ومن السحرة ونفثاتهم ومن الحاسدين. والمتبادر أن ما علّمته السورة يتصل بالمخاوف التي كان العرب يخافونها حين تنزيلها ممتدا إلى ما قبل ذلك. فقد كانوا يخافون من الظلام ويعتقدون أن الجنّ يظهرون ويتعرضون للناس فيه حتى إنهم كانوا إذا نزلوا واديا بالليل هتفوا مستعيذين ومستجيرين بسكان الوادي من الجنّ ليكونوا في جوارهم وحمايتهم فتطمئن بذلك قلوبهم «1» . وكان عندهم سحرة وساحرات يستعين الناس بهم على تحقيق رغباتهم وشهواتهم، وكان مما يفعله هؤلاء عقد العقد في الخيوط والنفث فيها وتلاوة التعاويذ عليها وكان العرب يعتقدون بنفع ذلك وضرره «2» . وكانوا يعتقدون بتأثير الحسد وعيون الحاسدين. فإذا كان لأحدهم ولد أو بستان أو دابة محببة فأصيب بعارض مفاجئ فسروه بعين أصابته وحسود حسده «3» . وعلى هذا فالمتبادر أن الهدف الذي استهدفته السورة هو تثبيت فكرة القدرة

_ (1) انظر تفسير السورة في تفسير الطبري والنيسابوري وابن كثير والطبرسي وانظر تفسير سورة الجن والقلم في الاستعاذة بالجن وإصابة عين الحسود في الكتب المذكورة وفي كتاب بلوغ الأرب في أحوال العرب للآلوسي ج 3 ص 232 و 365 الطبعة الثانية. (2) المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه.

طائفة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في الاستعاذة وأهدافها وتلقيناتها

الإلهية وشمولها وكون الله عز وجل وحده هو النافع والضار، ووجوب عدم الاستعاذة أو الاستعانة بغيره عند ما ينبعث في نفوسهم خوف أو هاجس أو اضطراب، وتلقين كون الله هو القادر وحده على تسكين الروع وإدخال الطمأنينة إلى القلب ودفع الضرر وتحقيق النفع ووجوب الالتجاء إليه وحده والاستعاذة به وحده. وهذا مما يتصل بمبدأ أساسي من مبادئ الدعوة وهو الإيمان بالله وحده ونبذ ما سواه خضوعا وعبادة ودعاء ورجاء. وننبه على أن السورة ليست بسبيل تقرير قدرة النفاثات في العقد على إيراث النفع والضرر ولا تأثير الحاسد في المال والنفس والولد. ولا يدل مضمونها وأسلوبها على ذلك. وإنما هي كما قلنا بسبيل التعليم والتلقين والتطمين ومعالجة ما هو مستقر في أذهان الناس من بواعث الخوف، ومعالجة روحية بالاعتماد على الله وحده والالتجاء إليه وحده. طائفة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في الاستعاذة وأهدافها وتلقيناتها ولقد تكرر في القرآن أمر الله تعالى للنبي صلّى الله عليه وسلّم وبالتبعية للمؤمنين بالاستعاذة بالله مطلقا وبالاستعاذة به من الشيطان أحيانا حينما يحزبهم حازب أو تحدق بهم أزمة أو يشعرون بوسوسة شيطانية تحيك في صدورهم كما تكرر حكاية ذلك عن بعض أنبياء الله وعباده الصالحين كما ترى في الآيات التالية: 1- وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) الأعراف [200] «1» . 2- قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي

_ (1) في سورة فصلت آية مماثلة لهذه وهي الآية [36] .

أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (47) هود [47] «1» . 3- فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) النحل [98- 99] . 4- قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) مريم [18] «2» . 5- وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98) المؤمنون [97- 98] «3» . حيث ينطوي في هذه الآيات توكيد للمعنى الذي نقرره وهو قصد المعالجة الروحية بالاعتماد على الله تعالى وحده في ظروف الأزمات والمخاوف المتنوعة في حالاتها وأسبابها، والاستعاذة من الشيطان خاصة متصلة بالحقيقة الإيمانية المغيبة عن الشيطان ووساوسه على ما شرحناه في سياق سورة التكوير شرحا يغني عن التكرار. ولقد روى الشيخان والنسائي عن أبي هريرة: «أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يتعوّذ من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء» «4» . وروى الخمسة عن أنس: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يقول اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال» «5» . وروى الترمذي عن عائشة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نظر إلى القمر فقال يا عائشة استعيذي بالله من شرّ هذا فإنّ هذا الغاسق إذا وقب» «6» . وروى الخمسة عن عائشة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يقول

_ (1) حكاية عن لسان نوح عليه السلام. (2) حكاية عن لسان مريم عليها السلام. (3) هناك آيات أخرى لم نر ضرورة لإيرادها وهناك سورة الناس التي تأتي بعد هذه السورة فلم نر كذلك ضرورة لإيرادها. (4) التاج ج 5 ص 113. (5) المصدر نفسه. (6) المصدر نفسه، ج 4 ص 270.

اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم والمأثم والمغرم ومن فتنة القبر وعذاب القبر ومن فتنة النار وعذاب النار ومن شرّ فتنة الغنى وأعوذ بك من فتنة الفقر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجّال. اللهمّ اغسل عني خطاياي بماء الثلج والبرد. ونقّ قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب» «1» . وروى مسلم والترمذي والنسائي وأبو داود عن زيد بن أرقم قال: «لا أقول لكم إلّا كما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل والهرم وعذاب القبر. اللهم آت نفسي تقواها وزكّها أنت خير من زكّاها أنت وليّها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها» «2» . روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يدعو اللهمّ إني أعوذ بك من الهدم وأعوذ بك من التردّي وأعوذ بك من الغرق والحرق والهرم وأعوذ بك أن يتخبّطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا وأعوذ بك أن أموت لديغا» «3» . وروى المفسر البغوي وهو من أئمة الحديث حديثا رواه بطرقه في سياق الآية [98] من سورة النحل عن مطعم جاء فيه: «إنه رأى النبي صلّى الله عليه وسلّم يصلي قال فكبّر فقال الله أكبر كبيرا ثلاث مرات والحمد لله كثيرا ثلاث مرات وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاث مرات ثم قال اللهمّ إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ولمزه ونفخه ونفثه» . وإلى هذا فقد روى البخاري ومسلم والترمذي عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوّذات. وفي رواية كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوّذات وينفث» «4» . وروى الترمذي عن أبي سعيد «أن رسول

_ (1) التاج الجامع ج 5 ص 113- 114. (2) المصدر نفسه. [.....] (3) المصدر نفسه ص 115. (4) التاج ج 3 ص 194. وهناك مأثورات نبوية أخرى في الاستعاذة أوردها مؤلف التاج في الجزء الخامس فاكتفينا بما أوردناه.

تعليق على ما روي في صدد نزول السورة ومدنيتها وسحر النبي صلى الله عليه وسلم

الله صلّى الله عليه وسلّم كان يتعوّذ من الجانّ وعين الإنسان حتى نزلت المعوّذتان فلما نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما» «1» . وعلى كل حال فإن الأحاديث النبوية تتساوق مع التلقين القرآني الذي نوهنا به آنفا. تعليق على ما روي في صدد نزول السورة ومدنيتها وسحر النبي صلّى الله عليه وسلّم ولقد روى المفسر البغوي عزوا إلى ابن عباس وعائشة أن هذه السورة وسورة الناس بعدها نزلتا معا في مناسبة سحر النبي صلّى الله عليه وسلّم من قبل ساحر يهودي اسمه لبيد بن الأعصم. ويروي رواية أخرى في ذلك عزوا إلى مقاتل والكلبي جاء فيها أنهما «قالا كان السحر في وتر عقد عليه إحدى عشرة عقدة وقيل كانت العقد مغروزة بالإبرة فأنزل الله هاتين السورتين وهي إحدى عشرة آية سورة الفلق خمس آيات، سورة الناس ست آيات كلما قرأ آية انحلت عقدة حتى انحلت العقد كلها فقام النبي صلّى الله عليه وسلّم كأنما نشط من عقال» . وروى أنه لبث فيه ستة أشهر واشتد عليه ثلاث ليال فنزلت المعوذتان. ويروي هذا المفسر في سياق ذلك عن عائشة «2» : «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم طب حتى إنه ليخيل إليه أنه قد صنع شيئا وما صنعه وأنه دعا ربه ثم قال أشعرت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه فقالت عائشة وما ذاك يا رسول الله قال جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال أحدهما لصاحبه ما وجع الرجل؟ قال الآخر: هو مطبوب. قال من طبه؟ قال لبيد بن الأعصم. قال: فبماذا؟ قال: في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر «3» . قال فأين هو؟

_ (1) المصدر السابق نفسه. (2) المفسر من أئمة الحديث وهو يروي هذا الحديث بطرقه سماعا من راو عن راو عن هشام عن أبيه عن عائشة. (3) أي في وعاء من طلع النخل.

قال في ذروان- وذروان بئر في بني زريق- قالت عائشة: فأتاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثم رجع إلى عائشة فقال والله لكأن ماءها نقاعة الحناء ولكأن نخلها رؤوس الشياطين. قالت: فقلت له يا رسول الله فهلا أخرجته؟ فقال: أما أنا فقد شفاني الله فكرهت أن أثير على الناس به شرا» . وقد قال البغوي بعد هذا الكلام «وروي أنه كان تحت صخرة في البئر فرفعوا الصخرة وأخرجوا جف الطلعة فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان مشطه فيها» . ويروي هذا المفسر كذلك حديثا عن زيد بن أرقم جاء فيه «1» : «سحر النبي صلّى الله عليه وسلّم رجل من اليهود. قال فاشتكى لذلك أياما قال فأتاه جبريل فقال إن رجلا من اليهود سحرك وعقد لك عقدا فأرسل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليا فاستخرجها فجاء بها فكلما حل عقدة وجد لذلك خفة فقام رسول الله كأنما نشط من عقال فما ذكر ذلك لليهود ولا رأوه في وجهه قط» . وليس في الحديثين صراحة بأن السورتين نزلتا في مناسبة ما ذكر فيهما من خبر سحر النبي صلّى الله عليه وسلّم حيث يبقى ذلك كراوية مستقلة مروية عن ابن عباس وعائشة ومقاتل والكلبي. وشيء مما ذكره ورواه البغوي وارد في كتب تفسير الخازن والطبرسي والنيسابوري وابن كثير. ومما جاء في تفسير الأخير زيادة عزوا إلى ابن عباس وعائشة أنه كان غلام من اليهود يخدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فدبت إليه اليهود فلم يزالوا به حتى أخذ مشاطة رأس النبي صلّى الله عليه وسلّم وعدة من أسنان مشطه فأعطاها اليهود فسحروه فيها وكان الذي تولى ذلك لبيد بن الأعصم وقد مرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وانتثر شعره ولبث ستة أشهر يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن وجعل يذوب ولا يدري ما عراه. ولم يذكر الطبري وهو أقدم المفسرين المطولين الذين وصلت إلينا كتبهم شيئا من ذلك في صدد سخر النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا في صدد نزول المعوذتين. ولم يذكر ذلك الزمخشري ولا النسفي. ويمكن أن يكون هناك مفسرون آخرون لم يذكروه لأننا لم

_ (1) يروي البغوي هذا الحديث بطرقه سماعا من راو إلى راو إلى يزيد بن حسان عن زيد بن أرقم.

نطلع على جميع كتب التفسير. وليس في فصول التفسير التي عقدها البخاري ومسلم في صحيحيهما شيء من ذلك أيضا مع التنبيه إلى أن هذين رويا حديثا عن عائشة قريبا في نصه إلى ما رواه البغوي وهذا نصه: «قالت سحر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يهوديّ من يهود بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم حتّى كان رسول الله يخيّل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة دعا رسول الله ثم دعا ثم دعا ثم قال يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه، جاءني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجليّ فقال الذي عند رأسي للذي عند رجليّ أو الذي عند رجليّ للذي عند رأسي ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب. قال: من طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة وجفّ طلعة ذكر. قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان. قالت: فأتاها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في أناس من أصحابه ثم قال يا عائشة والله لكأنّ ماءها نقاعة الحنّاء ولكأنّ نخلها رؤوس الشياطين. فقلت يا رسول الله أفلا أحرقته قال لا. أمّا أنا فقد عافاني الله وكرهت أن أثير على الناس شرا فأمرت بها فدفنت» «1» . وفي تفسير الخازن تعقيبا على نص قريب من هذا النص بهذه العبارة: «إن للبخاري رواية أخرى ذكر فيها أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن. وأن سفيانا قال إن هذا أشدّ ما يكون من السحر» . وروايات البغوي والطبرسي والخازن والنيسابوري وابن كثير تقتضي أن يلتزموا القول بأن السورتين مدنيتان. غير أنهم لم يفعلوا ذلك فقال البغوي إنهما مكيتان وقيل إنهما مدنيتان. وقال الطبرسي أكثر الأقاويل أنهما مدنيتان وقيل إنهما مكيتان. وقال النيسابوري إنهما مكيتان. ولم يذكر ابن كثير والخازن لهما صفة. أما المفسرون الآخرون فمنهم من لم يصفهما بصفة مثل الطبري ومنهم من قال إنهما مدنيتان. ومنهم من قال إنهما مختلف فيهما مثل النسفي والزمخشري.

_ (1) التاج ج 3 ص 173- 174.

ومقتضى سكوت الطبري عمّا روي في صدد سحر النبي صلّى الله عليه وسلّم ونزولهما في مناسبته أن تكونا مكيتين. ويلحظ أن المعوذتين ليستا معقودتين على السحر وأثره. وأنهما تعلمان النبي التعوذ من شرّ الظلمات والحاسدين وشرار الخلق والنفاثات في العقد ووساوس الجن والإنس بأسلوب مطلق وعام. وهما مماثلتان لسور عديدة في القصر والتسجيع نزلت في وقت مبكر في مكة ممّا مر منه أمثلة. ومعظم روايات ترتيب النزول تسلكهما في سلك السور المكية المبكرة في النزول أيضا. ونص الأحاديث الواردة في سحر النبي صلّى الله عليه وسلّم ليس فيه إشارة إلى أنهما في نزلتا في هذه المناسبة ورواية نزول السورتين معا تبعدهما عن حادث السحر المروي وكل هذا يجعل مكيتهما هي الراجحة. بقي أمر ما ذكرته الأحاديث التي توصف بالصحة من خبر سحر النبي صلّى الله عليه وسلّم وامتداد ذلك ستة أشهر حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله. وقد صنع شيئا وما صنعه. ويأتي النساء وما يأتيهن فعلا. ولو لم تكن الأحاديث موصوفة بالصحة لكان يمكن أن يقال إن من المحتمل أن يكون الخبر من ذكريات ظرف طرأ على النبي صلّى الله عليه وسلّم فيه بعض مظاهر تعب وقلق فظن المسلمون أن هذا من تأثير سحر اليهود على ما كان مستقرا في الأذهان من تأثير السحر وعلى ما كان معروفا من عداء اليهود للنبي صلّى الله عليه وسلّم ومعاطاتهم للسحر مما أيدته آية سورة البقرة هذه: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ [102] وأن يكون النبي صلّى الله عليه وسلّم تلا المعوذتين مرة بعد مرة في هذا الظرف فعاد إليه نشاطه وسكون نفسه. ولكنا نقف حائرين أمام الحديث الذي روى واقعة السحر والذي وصف بالصحة. ويظهر أن هذا الأمر كان موضوع جدل فيما إذا كان للسحر تأثير حقيقي في النبي صلّى الله عليه وسلّم وفيما إذا كان هذا إذا صح يتسق مع العصمة النبوية حيث يكون إمكان لصدور شيء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يكون وحيا ولا صوابا حيث رأينا الخازن يتعرض

لهذه النقطة فيقول فيما يقول: «قد أنكر المبتدعة حديث عائشة المتفق عليه وزعم أنه يحط من منصب النبوة ويشكك فيها وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع. ورد على ذلك بأن هذا الزعم باطل لأن الدلائل القطعية والنقلية قامت على صدقه صلّى الله عليه وسلّم وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ والمعجزة شاهدة بذلك. وتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل، وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا وهو ما يعرض للبشر فغير بعيد أن يخيل إليه من أمور الدنيا ما لا حقيقة له وقد قيل إنه كان يخيل إليه أنه وطئ زوجاته وليس بواطئ وهذا مثل ما يتخيله الإنسان في المنام فلا يبعد أن يتخيله في اليقظة ولا حقيقة له. وقيل إنه يخيل إليه أنه فعله وما فعله ولكن لا يعتقد صحة ما تخيله فتكون اعتقاداته على السواء» . وقال القاضي عياض على ما جاء في تفسير الخازن: «وقد جاءت في بعض روايات هذا الحديث مبينة أن السحر إنما سلط على بدنه وظواهر جوارحه لا على قلبه وعقله واعتقاده وليس في ذلك ما يوجب لبسا على الرسالة ولا طعنا لأهل الزيغ والضلالة» . ومن الصعب أن يقال إن هذا مقنع ومزيل للحيرة. ويظهر أن هذا الأمر قد أشكل على المفسر الطبرسي فأبى أن يقبله كما هو وقال في سياق تفسير الآية [102] من سورة البقرة إن هذا من الأخبار المفتعلة. وقال في سياق تفسيره لسورة الفلق إن هذا لا يجوز لأن هذا يجعل وصف المسحور متحققا بالنبي مع أن الله تعالى قد أبي ذلك حينما قاله الكفار فيه فقال: وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً (8) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا الفرقان [8- 9] «1» ثم قال ولكن يمكن أن يكون اليهودي أو بناته على ما روي اجتهدوا في ذلك فلم يقدروا عليه. وأطلع الله نبيه على ما فعلوه من التمويه حتى استخرج وكان ذلك دلالة على صدقه. وكيف يجوز أن يكون المرض من فعلهم ولو قدروا على ذلك لقتلوه وقتلوا كثيرا من المؤمنين من شدة عداوتهم له. وكلام

_ (1) الآيات في سورة الفرقان 8- 9 وفي سورة الإسراء أيضا آيتان قريبتان من هاتين الآيتين في الرد على الكفار 47- 48.

الطبرسي قوي ولا سيما احتجاجه برد القرآن عن النبي صلّى الله عليه وسلّم صفة المسحور كما هو المتبادر. ومثل هذا القول رواه المفسر القاسمي عن الشهاب عن أبي بكر الأصم الذي قال: «إن حديث سحره صلوات الله عليه المروي متروك لما يلزمه من صدق قول الكفرة إنه مسحور وهو مخالف لنص القرآن حيث أكذبهم الله فيه» . ويروي المفسر القاسمي كذلك عن الرازي عن القاضي أنه قال: «هذه الرواية باطلة، وكيف يمكن القول بصحتها والله تعالى يقول: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ المائدة [67] ووَ لا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى طه [69] ولأن تجويز ذلك يفضي إلى القدح في النبوة. ولو صح لكان من الممكن أن يصلوا إلى ضرر جميع الأنبياء والصالحين وأن يحصلوا على الملك العظيم لأنفسهم وكل ذلك باطل. وكان الكفار يعيرون النبي صلّى الله عليه وسلّم بأنه مسحور فلو وقعت هذه الواقعة لكان الكفار صادقين في تلك الدعوة ولحصل فيه عليه السلام العيب وذلك غير جائز» . وقد عقب القاسمي على هذه الأقوال قائلا إنه لا غرابة في أن لا يقبل الخبر لما برهن عليه وإن كان مخرجا في الصحاح وذلك لأنه ليس كل مخرج فيها سالما من النقد سندا أو معنى كما يعرفه الراسخون. والمناقشة في خبر الآحاد معروفة عند الصحابة «1» . ثم أخذ يورد أقوالا للأئمة الغزالي وابن تيمية والفناري في جواز رد خبر الآحاد وعدم الأخذ به، وخلافه إذا قامت الأدلة عليه. وفي كل ذلك ما فيه من قوة ووجاهة، وقد أسهبنا في هذه المسألة في طبعة الكتاب الجديدة لأننا رأيناها مهمة يحسن تمحيصها سواء من ناحية وقوعها أو من ناحية صلتها بصفة وعصمة النبوة والله تعالى أعلم «2» .

_ (1) القصد من هذا هو التوقف في الأخذ بالأحاديث التي لا تروى إلا من شخص واحد إذا كان فيها مناقضة لمبدأ من المبادئ المحكمة القرآنية أو النبوية. (2) للإمام محمد عبده كلام سديد في هذا الموضوع متفق مع النتيجة التي انتهينا إليها والرأي الذي رجحناه. انظر الجزء الثالث من كتاب التفسير والمفسرون لمحمد حسين الذهبي ص 238 وما بعدها.

هذا، ولقد روي أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أحد كبار أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعلماء القرآن كان يحك هذه السورة وسورة الناس من مصحفه ويقول إنهما ليستا سورتين من القرآن وإنما كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يتعوذ بهما ويأمر بذلك. وقد استوعب ابن كثير الآثار الواردة في هذا الموضوع فأورد أحاديث عديدة رواها الإمام أحمد والبخاري والحافظ بن يعلى عن زر بن حبيش مفادها أن هذا قال لأبي بن كعب- وهو من كبار علماء أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في القرآن- إن ابن مسعود يحك المعوذتين من المصحف ولا يكتبهما في مصحفه، فأجابه: «أشهد أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخبرني أن جبريل قال له قل أعوذ برب الفلق. فقالها. قل أعوذ برب الناس فقالها. فنحن نقول ما قاله النبي صلّى الله عليه وسلّم» . وأن زرا سأل ابن مسعود فأجابه قائلا: «سألت النبي صلّى الله عليه وسلّم عنهما فقال قيل لي فقلت لكم فقولوا» . وأورد ابن كثير أحاديث عديدة أخرى أخرجها الإمام أحمد ومسلم والنسائي والإمام مالك تفيد أن النبي صلّى الله عليه وسلّم ذكر المعوذتين في مناسبات عديدة كسورتين قرآنيتين وكان يقرأهما ويأمر بقراءتهما على هذا الاعتبار في الصلاة وغيرها. والأحاديث التي أوردناها في مطلع السورة صريحة الدلالة على ذلك كما أن الحديث الذي أوردناه في سياق التفسير والذي رواه الترمذي عن أبي سعيد صريح الدلالة على ذلك، ولقد أورد ابن كثير هذا الحديث وقال إن ابن ماجه والنسائي أخرجاه بالإضافة إلى الترمذي. ولقد روى ابن كثير عن الأعمش قولا جاء فيه أن من المحتمل أن يكون ابن مسعود قد رجع عن قوله إلى قول الجماعة لأن الصحابة أثبتوا السورتين في المصاحف الأئمة وأنفذوها إلى سائر الآفاق. حيث يستخلص من ذلك

ثبوت المعوذتين كسورتين قرآنيتين عند جميع المسلمين بالتواتر الذي لم ينقطع منذ عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم. وقد أشار غير واحد من المفسرين إلى هذه المسألة وأورد بعض ما أورده ابن كثير مقتضبا مؤيدا للنتيجة المستخلصة. وقد نقل السيوطي «1» أقوالا للرازي والنووي وغيرهما مؤيدة لهما حتى إن النووي ذهب إلى إنكار ما نسب إلى ابن مسعود ووصفه بأنه باطل.

_ (1) انظر الإتقان، ج 1 ص 84.

سورة الناس

سورة الناس في السورة تعليم بالاستعاذة من وسوسة الموسوسين وشرهم إنسا كانوا أم جنا. وبعض الروايات تذكر أنها مكية وبعضها تذكر أنها مختلف في مكيتها ومدنيتها ومعظم روايات ترتيب النزول تسلكها في سلك السور المكية المبكرة في النزول. وأسلوبها يسوغ ترجيح مكيتها وتبكير نزولها. ولقد أوردنا الأحاديث النبوية التي تذكر تعوذ النبي صلّى الله عليه وسلّم بهذه السور وأمره بذلك ونوهنا بما في ذلك من حكمة في مطلع تفسير السورة السابقة فنكتفي بهذه الإشارة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الناس (114) : الآيات 1 الى 6] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6) . (1) الوسوسة: الإيحاء والتلقين والإغراء والإغواء والصوت الخفي الهامس. (2) الخناس: الذي يأتي ويعود ويختفي ويتربص. (3) الجنة: مرادفة لكلمة الجن ومعناها في الأصل الخفي المستتر غير الظاهر. في آيات السورة أمر رباني موجه للنبي صلّى الله عليه وسلّم بالاستعاذة بالله من وسوسة الإنس والجن وإغرائهم وإغوائهم. وهي مثل سابقتها في معرض تعليم المسلمين الاستعاذة بالله وحده ونبذ ما

سواه من كل وسوسة ظاهرة وخفية من جن وإنس. والمتبادر أن المقصود من وسوسة الإنس هو ما يحاوله ويقوم به ذوو الأخلاق السيئة والسرائر الفاسدة من إغراء وإغواء وإيحاء وتلقين بالشرور والمنكرات والبغي وإقامة العثرات في سبيل الخير والصلاح والحق والبر. أما وسوسة الجنة فالمقصود منها كما هو المتبادر أيضا وسوسة تلك العناصر الخفية التي توسوس في صدور الناس وتغريهم بالشر والفساد والمنكرات والبغي والكفر وعبادة غير الله وجحود نعمته. وتزينه لهم وتمنعهم عن الإيمان والخير والمعروف والبر، والتي سماها القرآن بأسماء إبليس وجنوده وذريته وقبيله والشيطان والشياطين، مما هو مستفيض في فصول القرآن المكية والمدنية استفاضة تغني عن التمثيل. وروح الآيات تلهم أن السامعين يعرفون ما يفعله الوسواس الخناس من الجنة والناس. وقد تضمنت السورة أهدافا جليلة وتلقينات بليغة. فالوساوس سواء أكانت تلك التي تأتي من أعماق النفس وعناصر الشر الخفية أم تلك التي تأتي عن طريق وألسنة الشر وأعوان السوء من البشر من شأنها أن تثير مختلف الهواجس ونوازع الشر والإثم، وتسبب نتائج خطيرة في علاقات الناس ببعضهم، وتزلزل فكرة الخير والمعروف والثقة والتضامن والسكينة والطمأنينة فيهم. فالأمر بالاستعاذة بالله منها ومن شر مسببيها يتضمن التحذير والتنبيه والتنديد من جهة، والدعوة إلى الازورار عن الموسوسين ونبذهم من جهة، وتلقين تغليب نوازع الخير وإقامة الناس علاقاتهم فيما بينهم على أساس الروح الطيبة والنية الحسنة وحسن الظن والتواثق من جهة، وعدم الاستسلام لسوء الظن الذي تثيره الوساوس وعدم الإصغاء إلى كل كلمة يقولها المرجفون والدساسون وكل خبر يذيعونه وعدم الاندماج فيما ينصبونه من مكايد ويحيكونه من مؤامرات من جهة. وبعض الروايات تذكر أنها نزلت مع سورة الفلق في مناسبة حادث سحر

النبي صلّى الله عليه وسلّم في المدينة. وقد علقنا على هذا الحادث في سياق السورة السابقة. ولا تبدو صلة ظاهرة بين هذه السورة وبين الحادث المذكور. بل إن روايات نزول السورتين متتابعتين وفي ظرف واحد تبعد السورتين معا عن ذلك الحادث. ومعظم روايات ترتيب السور تسلك هذه السورة كما تسلك السورة السابقة في سلك السور المكية المبكرة في النزول. وروح السورة وأسلوبها يجعلان النفس مطمئنة إلى ذلك ولا سيما أن مضمونها عام شامل، وفيها صورة لما كان يجري بين الكفار إزاء الدعوة النبوية حيث كان زعماؤهم يبثون الدعاية والوساوس ضدها ويكيدون لها ويتآمرون عليها ليلا ونهارا على ما حكته آيات قرآنية مكية عديدة أوردنا أمثلة منها في المناسبات السابقة. هذا إلى ما ذكرته آيات كثيرة مكية ومدنية من وساوس الشيطان وإبليس اللذين عنتهما كلمة «الجنة» في السورة على الأرجح ونزغاتهما وإغراءاتهما للكفار وتزيينهما لهم مواقف الجحود والعناد والبغي مثل ما جاء في آية سورة فصلت هذه: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36) وآية سورة ص هذه: قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) «1» . وآية سورة فاطر هذه: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (6) ومثل آية سورة العنكبوت هذه: وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) وآيات سورة المؤمنون هذه: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98) . وآية سورة الكهف هذه: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50) .

_ (1) الآيتان من سلسلة قصة آدم وإبليس.

تعليق على موضوع الجن

تعليق على موضوع الجن وبمناسبة ورود كلمة الْجِنَّةِ لأول مرة نقول: إن هذه الكلمة وبعض متشابهاتها وتفرعاتها اللفظية مثل جن وجنين تنطوي على معنى الاستتار والخفاء في اللغة العربية. وهذا يسوغ القول إن معنى الخفي والمستور وغير المرئي بالنسبة إلى الجن والجنة مما كان مستقرا ومفهوما في أذهان العرب قبل الإسلام. ولعل مما يصح قوله أن إطلاق التسمية مقتبس من المعنى اللغوي الذي يمكن أن تكون صيغته الفصحى متطورة عن جذر قديم أطلق على العناصر الخفية الشريرة التي كان الاعتقاد بوجودها طورا بشريا عاما مشتركا بين الأمم منذ أقدم الأزمنة ومن جملتهم العرب قبل الإسلام في مختلف أطوارهم كما هو الشأن إزاء العناصر الخفية الخيرة. ولقد كان لأهل الكتاب الذين كان العرب يتصلون بهم في جزيرتهم وخارجها عقائد متطورة فيهم فمن المحتمل كثيرا أن يكون ذلك قد تسرب إلى العرب فأدخل تطورا ما على عقائدهم فيهم أيضا. ولقد احتوى القرآن آيات كثيرة حول الجن وماهيتهم أولا وحول عقائد العرب فيهم ثانيا. ومجمل ما جاء عن ماهيتهم أنهم مخلوقات نارية على ما تفيده آية سورة الحجر هذه: وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (27) وآية سورة الرحمن هذه: وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (15) وأنهم طوائف وطبقات على ما تفيده آية سورة الجن هذه التي تحكي أقوالهم: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً (11) ، وأن منهم طبقة إبليس وذريته الذين يوسوسون للناس ويزينون لهم الشر والإثم والتمرد على الله على ما تفيده آيات سورتي ص والكهف التي أوردناها قبل قليل، وأن منهم من ينزل على الناس ويلقون إليهم ببعض الأقوال والأخبار والأفكار على ما تفيده آيات سورة الشعراء هذه: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ

الشَّياطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (223) وأن منهم من كان يصعد إلى السماء ويحاول استراق السمع على ما تفيده آيات سورة الجن هذه: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (9) وأن منهم من كان تحت تسخير سليمان عليه السلام يعملون له ما يشاء ويقومون بأعمال أضخم من أعمال البشر على ما تفيده آيات سورة سبأ هذه: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ [13] وآيات سورة ص هذه: فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (36) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (38) وأن منهم من سمع القرآن من النبي صلّى الله عليه وسلّم وآمنوا به وذهبوا إلى قومهم مبشرين ومنذرين به كما تفيده آيات سورة الجن هذه: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (2) وآيتا سورة الأحقاف هذه: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) وأنهم صائرون إلى ما هو صائر إليه الإنس من الحياة الأخروية ومنازلها جنة ونارا وكرامة وهوانا وفق أعمالهم كما تفيده آية سورة الأعراف هذه: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (179) وآية سورة الأحقاف هذه: يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (31) وأنهم إلى ذلك كله عناصر خفية لا يمكن رؤيتها ولا الشعور بماديتها عادة على ما تفيده آية سورة الأعراف هذه: يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما

لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (27) «1» . أما مجمل ما جاء في القرآن عن عقائد العرب في الجن فهو أنهم كانوا يعتقدون أن بينهم وبين الله نسبا وصهرا على ما تفيده آية سورة الصافات هذه: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158) وأنهم كانوا يتجهون إليهم ويشركونهم مع الله في العبادة والدعاء على ما تفيده آية سورة سبأ هذه: قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41) وآية سورة الأنعام هذه: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ [100] وأنهم كانوا يرونهم مصدر خوف وشر ويعوذون بهم اتقاء شرهم على ما تفيده آية سورة الجن هذه: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (6) ولعل بشراكهم إياهم مع الله وعبادتهم لهم جاءت من هذا الخوف ومن الاعتقاد بقدرتهم على الأذى والضرر. وأنهم كانوا يخالطون الناس في عقولهم فيكون من ذلك الجنون وأعراضه على ما تفيده آية سورة المؤمنون هذه: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (70) وأنهم ينزلون على بعض الناس ويوحون إليهم ويوسوسون في صدور الناس على ما تفيده آية سورة التكوير هذه: وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (25) وآية سورة الشعراء هذه: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (210) وآية سورة الأعراف هذه: إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) . فالصورة القرآنية عن الجن سواء أكانت بما جاء عن ماهيتهم وأعمالهم أم حكاية عن عقائد العرب فيهم هي صورة مخلوقات خفية غير مرئية ولا محسوسة

_ (1) وفي آيات سورتي الأحقاف والجن التي أوردناها قبل وذكرت خبر استماع نفر من الجن للقرآن من النبي صلّى الله عليه وسلّم قرينة على ذلك حيث تفيد أنهم رأوا النبي صلّى الله عليه وسلّم واستمعوا له دون أن يراهم. وهناك حديث عن ابن عباس جاء فيه إن النبي صلّى الله عليه وسلّم ما قرأ على الجن ولا رآهم وإنما أوحي إليه قولهم. (التاج ج 4 ص 246 وتفسير ابن كثير لآيات سورة الأحقاف [29- 30] .

المادة عادة، فائقة القدرة متسلطة على البشر تثير فيهم الخوف والفزع، وتؤثر في أفكارهم وتوجههم توجيها ضارّا فاسدا باستثناء بعضهم الذين كانوا يؤمنون بالله ويخشونه. وهذه الصورة تتفق في بعض الخطوط مع الصورة القرآنية للملائكة وتختلف عنها في بعض، فهم سواء في الخفاء وعدم المادية والقدرة الفائقة. مفترقون من حيث كون الجن ناريين ومبعث خوف وقلق ومصدر شر وأذى، ومن حيث كون غالبيتهم موضع سخط الله ونقمته لشرورهم وتمردهم على الله، ومن حيث كون اتصالهم وتعاونهم مع ذوي النيات السيئة والأفكار الخبيثة والأخلاق المنحرفة، في حين أن الملائكة مبعث طمأنينة وسكينة ومصدر أمن وخير وعون ورجاء ومختصون من الله مكرمون لديه، يقومون بخدمته ويسبحون باسمه ويخضعون لأمره ويخشونه، وفي حين أن اتصالهم مع الأنبياء والرسل الذين لهم الكرامة عند الله. وكما قلنا بالنسبة للملائكة نقول بالنسبة للجن إن وجودهم في نطاق قدرة الله وإن لم تدرك عقول الناس مداه. وإن التصديق به واجب إيماني غيبي لأن نصوص القرآن قطعية في ذلك. وذكر الجن بالأساليب المتنوعة التي ذكروا بها في القرآن ماهية وعقائد وصورا لم يرد في كتب اليهود والنصارى المنسوبة إلى الوحي الرباني كما هو شأن الملائكة، ولذلك فإن هذا الأسلوب من خصوصيات القرآن أيضا. ولعل ما كان من عقائد العرب في الجن وما كان من صور في أذهانهم لهم هو من حكمة هذه الخصوصية كما هو الشأن بالنسبة للملائكة أيضا. وعلى كل حال فإن مما هو جدير بالتنبيه أن القرآن وهو يذكر الجن بما يذكر ويتحدث عنهم بما يتحدث إنما يذكر ويتحدث عن مخلوقات وكائنات يعتقد العرب بها ويعترفون بوجودها بما يقارب ما جاء فيه. وهذه مسألة مهمة في صدد كل ما جاء عن الجن، لأن الكلام عما هو معروف ومعترف به هو أقوى أثرا ونفوذا كما لا يخفى. الجزء الثاني من التفسير الحديث 5

ومما يتبادر أن ما ورد عن الجن والشياطين وإبليس من صور قرآنية بغيضة ومن حملات على الكفار في سياقها متصل بما في أذهان العرب عنهم، وبسبيل تقرير كون الانحراف عن الحق والمكابرة فيه والاستغراق في الإثم والخبائث والانصراف عن دعوة الله هو من تلقيناتهم ووساوسهم، ومظهرا من مظاهر الانحراف نحوهم، وبسبيل التحذير من الاندماغ بهم لما في ذلك من مهانة ومسبة. ومن هنا يأتي الكلام قويا ملزما ولاذعا، ويقوم البرهان على أن ذلك من الوسائل التدعيمية لأهداف القرآن وأسس الدعوة الإسلامية. وهذا ملموح أيضا على ما هو المتبادر من آيات سورتي الجن والأحقاف التي تخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم باستماع الجن للقرآن، فآيات سورة الجن تفيد أن الذين استمعوا القرآن منهم ممن كانوا يعتقدون أن الله ولدا وصاحبة كما ترى فيها: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (2) وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً (3) وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً (4) وآيات سورة الأحقاف تفيد أن الذين استمعوا هم من المتدينين بالديانة الموسوية على ما تفيده الآيات [29- 30] التي أوردناها قبل قليل، والصورة الأولى متصلة من ناحية بعقائد العرب المشركين ومن ناحية بعقيدة النصارى حيث يلمح أن هذا وذاك ينطويان من جهة ما على قصد التدعيم للرسالة المحمدية بالإخبار بأن بعض طوائف الجن الذين يدينون بالديانة الموسوية والديانة العيسوية وبعقائد العرب والذين لهم في أذهان العرب تلك الصورة الهائلة قد آمنوا بهذه الرسالة حينما سمعوا النبي صلّى الله عليه وسلّم يتلو القرآن «1» . ولقد تزيد المفسرون المطولون في صدد ماهية الجن وأوردوا أقوالا متنوعة عنهم بسبيل ذلك «2» معظمها مغرب وغير موثق. ولما كان القرآن إنما ذكر الجن في معرض التنديد والتحذير والموعظة والتدعيم والتمثيل، ثم لما كان الجن كائنات

_ (1) انظر كتابنا القرآن المجيد، ص 185، 189. [.....] (2) انظر نماذج من ذلك في كتابنا المذكور أيضا ص 242 وما بعدها.

غيبية إيمانية لا يصح الكلام فيها إلّا في نطاق ما جاء عنها في القرآن أو السنة النبوية الثابتة فإن من الواجب ملاحظة ذلك الهدف من جهة والوقوف عند الحد الذي وقف عنده القرآن من جهة أخرى فضلا عن انتفاء أي طائل في إرسال الكلام عنهم والتزيد فيه خارج ذلك.

سورة الإخلاص

سورة الإخلاص في السورة تقرير العقيدة الإسلامية بذات الله بأسلوب حاسم وقطعي ووجيز. وأسلوبها عام التوجيه والتقرير. وهناك روايات تذكر أنها مدنية وأخرى تذكر أنها مكية. والمصحف الذي اعتمدنا عليه يروي مكيتها، كما أنها مكية في التراتيب الكاملة المروية الأخرى «1» . ومن أسمائها «الصمد» وبذلك يتم الاتساق في تسميتها مع أسلوب تسمية السورة بصورة عامة. ولقد روى البخاري وأبو داود عن أبي سعيد: «أن رجلا سمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد يردّدها فلما أصبح جاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فذكر ذلك له وكأنّ الرجل يتقالّها فقال رسول الله والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن» «2» . وروى الشيخان والترمذي عن أبي الدرداء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن. قالوا وكيف يقرأ في ليلة ثلث القرآن قال قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن» «3» . وحديث رواه مسلم والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «احشدوا فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن فحشد من حشد فخرج نبيّ الله فقرأ قل هو الله أحد ثم دخل فقال بعضنا لبعض إني أرى هذا خبرا جاءه من السماء فذاك الذي أدخله ثم خرج نبيّ الله فقال إني قلت لكم سأقرأ عليكم ثلث القرآن ألا إنها تعدل ثلث القرآن» «4» . وروى مسلم حديثا جاء فيه: «بعث النبي صلّى الله عليه وسلّم رجلا على سريّة

_ (1) أسماء التراتيب وأصحابها في مقدمة الجزء. (2) التاج ج 4 ص 22. (3) المصدر نفسه. (4) المصدر نفسه.

فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد فلما رجعوا ذكر ذلك للنبي صلّى الله عليه وسلّم فقال سلوه لأيّ شيء يصنع ذلك فسألوه فقال لأنها صفة الرحمن فأنا أحبّ أن أقرأ بها فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخبروه أنّ الله يحبّه» «1» . وروى الترمذي عن أنس قال: «كان رجل من الأنصار يؤمّهم في مسجد قباء فكان كلّما أمّهم في الصلاة قرأ بقل هو الله أحد ثم يقرأ سورة أخرى معها وكان يصنع ذلك في كلّ ركعة فكلّمه أصحابه إمّا أن تقرأ بها وإمّا أن تدعها وتقرأ بسورة أخرى فقال ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمّكم بها فعلت وإن كرهتم تركت، وكانوا يرونه أفضلهم فلما أتاهم النبي صلّى الله عليه وسلّم أخبروه الخبر فقال يا فلان ما يمنعك مما يأمرك به أصحابك وما يحملك أن تقرأ هذه السورة في كل ركعة؟ فقال: يا رسول الله إني أحبّها. فقال: إن حبّها أدخلك الجنة» «2» . وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: «أقبلت مع النبي صلّى الله عليه وسلّم فسمع رجلا يقرأ قل هو الله أحد الله الصمد فقال رسول الله وجبت قلت وما وجبت قال الجنة» «3» . وروى الترمذي عن أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من قرأ كلّ يوم مائتي مرة قل هو الله أحد محي عنه ذنوب خمسين سنة إلّا أن يكون عليه دين» «4» . وروى الإمام أحمد عن أنس بسند حسن أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من قرأ قل هو الله أحد عشر مرات بنى الله له بيتا في الجنة» «5» . وروى النسائي عن معاذ بن عبد الله عن أبيه قال: «أصابنا عطش وظلمة فانتظرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليصلّي بنا فخرج فقال قل قلت ما أقول قال قل هو الله أحد والمعوّذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثا يكفك كلّ شيء» «6» . حيث ينطوي في الأحاديث تنويه بفضل هذه السورة وحثّ على قراءتها من حكمتها

_ (1) المصدر السابق نفسه. (2) المصدر نفسه، ص 23. (3) المصدر نفسه، ص 22- 23. (4) المصدر نفسه. (5) المصدر نفسه. (6) المصدر نفسه.

[سورة الإخلاص (112) : الآيات 1 إلى 4]

المتبادرة ما انطوت فيه من إعلان الإيمان بوحدة الله التامة المنزّهة عن كل شائبة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الإخلاص (112) : الآيات 1 الى 4] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (4) (1) الصمد: أوجه الأقوال في معنى الكلمة أنه السيد المصمود إليه في الحوائج الغني عن غيره. (2) كفو: مماثل وندّ. في الآيات أمر رباني للنبي صلّى الله عليه وسلّم بأن يعلن صفات الله عز وجل وهي أنه واحد أحد، المصمود إليه في الحاجات، المستغنى عن غيره. لم يلد ولم يولد وليس له مماثل ولا ندّ. وقد روي أن بعض العرب سألوا النبي صلّى الله عليه وسلّم أن ينسب لهم ربّه فأوحى الله بهذه السورة كما روي أن السؤال من اليهود «1» . وهناك حديثان صحيحان في صدد السورة ومعناها ونزولها واحد رواه الترمذي عن أبيّ بن كعب قال: «إن المشركين قالوا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم انسب لنا ربّك؟ فأنزل الله قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ فالصمد الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ لأنه ليس شيء يولد إلّا سيموت ولا شيء يموت إلّا سيورث والله عز وجل لا يموت ولا يورث وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ قال لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء» «2» . وثان رواه البخاري عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: قال الله تعالى كذّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي

_ (1) انظر تفسير السورة في تفسير الطبري. (2) التاج ج 4 ص 269.

تعليق على مدى تقرير وحدة الله في سورة الإخلاص

أن يقول إني لن أعيده كما بدأته وأما شتمه إياي أن يقول اتخذ الله ولدا وأنا الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد» «1» . تعليق على مدى تقرير وحدة الله في سورة الإخلاص ومهما يكن من أمر الرواية فالسورة قد استهدفت تقرير عقيدة الوحدة الإلهية ونفي كل ما يتناقض معها من العقائد الموجودة في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم وما تنطوي عليه هذه العقائد من المشابهة والمماثلة والتعدد والشركة والوالدية والولدية بأسلوب حاسم وجيز. ففي إعلان الوحدة الإلهية ردّ على من يجعل الله أكثر من واحد، سواء أكان هذا التعدد مؤولا مرده إلى الوحدة كما هو في العقيدة النصرانية أم غير مؤول كما هو في عقيدة المشركين. وفي إعلان أن الله هو المتّجه المفرد والغني المطلق ردّ على ما كان من اتجاه بعض الفئات إلى غيره أو إليه وإلى غيره معا إشراكا أو استشفاعا، ورد على ما كان من اعتقاد بعض الفئات من حاجة الله إلى المساعدين في تدبير ملكوت السموات والأرض، ومن أثر هؤلاء المساعدين في الكون إيجابا وسلبا ونفعا وضرّا. وفي إعلان نفي الولد عن الله رد على من كان يعتقد أن لله ولدا، سواء أكان ذلك من مشركي العرب الذين كانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله أم النصارى الذين كانوا يعتقدون أن المسيح ابن الله أم اليهود الذين كانوا يعتقدون أن العزير ابن الله كما جاء في آية سورة التوبة [30] . وفي إعلان نفي تولد الله من والد ردّ على من كان يتخذ الملائكة أو المسيح آلهة ويعتقدون أنهم أولاد الله.

_ (1) التاج ج 4 ص 269. [.....]

وفي إعلان نفي المماثلة ردّ على من كان يتخذ لله أندادا ويجعل له شركاء في الخلق والاتجاه والعبادة وارتجاء الخير واتقاء الشر، كما حكت ذلك آيات عديدة مثل آية سورة البقرة هذه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [165] وآية سورة الرعد هذه: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (16) . والسورة في حسمها وإيجازها قطعية المعنى التقريري، سهلة الحفظ والإيراد على لسان كل مؤمن، وعنوان الإخلاص في عقيدة الله ووحدته وتفرده بالربوبية وشمول قدرته وتصرفه واستغنائه عن كل معين، واحتياج جميع الكائنات إليه. وهي من هذا الاعتبار الصورة الواضحة القطعية المحكمة المجردة من كل الملابسات والشبهات للعقيدة الإسلامية بذات الله بحيث تكون مردّ كل ما يمكن أن يكون من الألفاظ والآيات المتشابهة التي قد تكون وردت في القرآن على سبيل التقريب والتمثيل في نطاق اللغة البشرية ومفاهيمها. وليس من ريب في أن من شأن الإخلاص في هذه العقيدة على هذا الوجه الحاسم المحكم أن يحرر النفس الإنسانية من الشبهات والارتكاسات والتأويلات والحيرة والخضوع لغير الله من القوى والمظاهر وأن يجعل اتجاهها لله الواحد الأحد الشامل القدرة المنزّه عن كل ما يتناقض مع هذا الشمول والتفرد، كما أن من شأنه أن يبعث فيها الطمأنينة والقوة والمناعة من التأثر بأي مؤثر ومن ارتجاء الخير واتقاء الشر من أي مصدر، ومن الخضوع لأي قوة والرهبة من أحد غيره والأمل في سواه. ويلحظ أن السورة قد اقتصرت كما قلنا على تقرير عقيدة الوحدة الإلهية

ونفي كلّ ما يتناقض معها حيث يبدو أن حكمة التنزيل اقتضت ذلك في هذه السورة إزاء ما كان سائدا في العالم من نقائض متنوعة المدى لهذه الوحدة المستغنية عن كل شيء والتي هي مرجع ومصدر كل شيء. ولقد وصف الله عز وجل في السور السابقة واللاحقة برب العالمين الرحمن الرحيم المالك لكل شيء والعالم بكل شيء والمحيط بكل شيء والقادر على كل شيء والمتصرف في كل شيء الذي لا تدركه الأبصار والذي ليس كمثله شيء المتصف بجميع صفات الكمال والمنزّه عن كل شائبة ونقص. وبذلك تكتمل الصورة القرآنية لله عز وجل في العقيدة الإسلامية كمالا لا يماثله بل ولا يدانيه شيء من الصور الإلهية في مختلف الديانات الأخرى. ومعظم روايات النزول وتراتيب السور تجعل هذه السورة بعد سورتي الناس والفلق مما يسوغ القول أن السور الثلاث نزلت في ظرف واحد وأوقات متقاربة أو متعاقبة. ولهذا دلالة مهمة من حيث توكيد السور الثلاث عدم وجود غير قوة الله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد قادرة على النفع والضرر والمنع والإعطاء. ومن حيث إيجاب الاستعاذة به وحده وعدم خشية أحد غيره وعدم الاتجاه إلى غيره في أي مطلب وحاجة.

سورة النجم

سورة النجم تتضمن السورة توكيدا بصدق النبي صلّى الله عليه وسلّم فيما أخبر به من رؤيته المشاهد الربانية والملك الرباني وبصدق صلته بالوحي الرباني. وتزييفا لعقائد العرب بالأصنام والملائكة والشفاعة، وتنويها بالمؤمنين الصالحين. وتنديدا بالكفار المكذبين. وإنذارا بالآخرة والوقوف بين يدي الله، وتقريرا بعدم انتفاع الإنسان إلّا بسعيه. وتذكيرا ببعض الأقوام السابقة، وما كان من تنكيل الله بهم بسبب تكذيبهم أنبياءه وتمردهم على دعوتهم إلى الله. وهي متوازنة الآيات مترابطة الفصول، مما يلهم أنها نزلت دفعة واحدة أو فصولا متتابعة. وقد ذكر المصحف الذي اعتمدنا عليه أن الآية [32] مدنية وانسجامها مع ما قبلها وما بعدها نظما وموضوعا يحمل على التوقف في هذه الرواية. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة النجم (53) : الآيات 1 الى 12] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (1) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (2) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (7) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (8) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (9) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (10) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (11) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (12) . (1) النجم: تعددت الأقوال في النجم المقصود، وأوجهها عندنا هو الشهاب المنقض من السماء بقرينة جملة «إذا هوى» .

(2) هوى: خرّ وسقط. (3) ضل: انحرف أو ذهل. (4) صاحبكم: كناية عن النبي صلّى الله عليه وسلّم. (5) غوى: جهل أو التبس عليه أو ضلّ عن الحق. (6) الهوى: الرأي الذي لا يستند فيه صاحبه إلى الحق ويصدر فيه عن غاية خاصة وعاطفة وأنانية. (7) وحي يوحى: الوحي من الإيحاء وأصل معنى الكلمة السرعة والإيعاز والإلهام والقذف بالروع. وجاءت في القرآن بهذه المعاني. وجاءت بمعنى النواميس التي أودعها الله في كائناته وخلقه. وجاءت في معرض إرسال الله الملائكة بأوامره إلى أنبيائه أو إلهام الله لأنبيائه ما يريد إلهامهم به أو قذفه في قلوبهم. والجملة هنا بأحد المعنيين الأخيرين. (8) علمه: الضمير في هذا الفعل عائد إلى الملك الذي أرسله الله للنبي صلّى الله عليه وسلّم على ما عليه جمهور المفسرين وهو جبريل. (9) ذو مرة: ذو قوة أو ذو حصافة وإحكام في عقله، وهذا هو المقصود على الأرجح، والكلمة وصف لملك الله على ما عليه الجمهور. (10) استوى: اعتلى أو وقف موقف البروز والعلو. والضمير عائد للملك أيضا. (11) الأفق الأعلى: كناية عن السماء. (12) ثم دنا فتدلى: قال الطبري في الجملة تقدم وتأخير ومعناها: تدلى ثم دنا أي نزل من العلو ثم اقترب. ولو لم يصح التقديم والتأخير فنفس المعنى موجود. (13) قاب قوسين: جملة تعني شدة القرب وقصر المسافة. فكان بين النبي والملك ما بين قوسي الحاجبين من قرب. (14) فأوحى إلى عبده ما أوحى: عبده هنا كناية عن النبي صلّى الله عليه وسلّم والضمير في أوحى عائد إلى الملك جبريل على ما عليه الجمهور.

(15) الفؤاد: كناية عن القوة الواعية المدركة في الإنسان. (16) تمارونه: تجادلونه. في الآيات قسم رباني في معرض التوكيد بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يذهل ولم ينحرف عن الحق والصدق، ولم ينطق بما نطق ولم يبلغ ما بلغ كذبا وشفاء لهوى النفس وخيلائها، وبأن ما أخبر به هو وحي أوحي إليه، وقد أبلغه إياه رسول رباني قوي صادق، وقد رآه في أفق السماء وقد اقترب منه إلى مسافة قريبة جدا، ومن المكابرة أن تجادلوه فيما رآه وعاينه. وواضح من هذا أن الآيات بسبيل وصف مشهد شهده النبي صلّى الله عليه وسلّم وتوكيد صدق ما أخبر به من ذلك. ولقد روى الشيخان والترمذي في فصل التفسير في سياق تفسير هذه الآيات حديثا عن الشيباني قال: «سألت زرا عن قوله تعالى: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (9) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (10) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى النجم [9- 11] فقال: أخبرنا عبد الله أن محمدا صلّى الله عليه وسلّم رأى جبريل له ستمائة جناح» «1» . وروى البخاري حديثا عن مسروق جاء فيه: «قال مسروق لعائشة أين قوله تعالى: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (8) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى النجم [8- 9] قالت: ذلك جبريل كان يأتيه في صورة الرجال وأتاه هذه المرة في صورته الأصلية فسدّ الأفق» «2» . وأكثر المفسرين «3» يرجحون أن المشهد هو مشهد جبريل عليه السلام الذي رآه النبي صلّى الله عليه وسلّم بالأفق الأعلى، وهو الأوجه فيما هو المتبادر. ولقد ورد في سورة التكوير آيات فيها بعض ما في هذه الآيات من وصف لملك الله ورؤية النبي صلّى الله عليه وسلّم له بالأفق وتوكيد ذلك وهي: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23)

_ (1) التاج ج 4 ص 220. (2) المصدر نفسه. (3) انظر كتب تفسير الطبري والبغوي والخازن وابن كثير والنيسابوري إلخ.

التكوير [19- 23] ، فمن الجائز أن تكون آيات النجم التي نحن في صددها بسبيل توكيد صحة ما أخبر به سابقا حيث ظل الكفار يكذبون ويمارون. ولقد احتوت الآيات التالية لهذه الآيات إشارة إلى مشهد ثان مماثل رآه النبي صلّى الله عليه وسلّم والضمير فيه معطوف على الأول. فمن الجائز كذلك أن تكون الآيات التي احتوت توكيدا للمشهد الذي حكته آيات سورة التكوير قد جاءت كتمهيد توكيدي واستشهادي للمشهد الثاني الذي حكته الآيات التالية لها. وتعبير ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى النجم [11] قد يفيد كون المشهد الذي شهده النبي صلّى الله عليه وسلّم روحاني خاص به شهده بقوة البصيرة التي اختصه الله بها من دون الناس العاديين على ما هو المتبادر من السياق. والآية التالية لهذه الآية تدعم هذا حيث استنكرت المرء في أمر خاص بالشعور والإدراك النبوي الذي لا يجوز أن يكون موضع مراء كأنما أرادت الآية أن تقول إن المراد إنما يصح أن يكون فيما يمكن أن يكون قدرا مشتركا بين الناس يستطيع جميعهم أن يروه ويحسوا به ويدركوه بحاسة من حواسهم. فإذا ادعى أحدهم أنه رآه وأحس به وأدركه كان لغيره أن يماري في ذلك إذا لم يره هو ويحس به ويدركه. ويمكن أن يضرب المثل للتوضيح برؤية الكسوف والرؤيا النومية. فلا يستطيع أحد مثلا أن يدعي أنه رأى كسوف الشمس دون سائر الناس، لأنه مشهد عام يتساوى الناس في رؤيته. وذلك على عكس الرؤيا لأنها خاصة بالشخص الذي رآها، ولا تتحمل دعوى رؤياها أي جدل أو مكابرة أو مراء. وقد قصدنا بهذا الشرح المستلهم من الآيات توضيح ما يكون بين الله وبين أنبيائه من اتصال خاص بهم على اختلاف صوره التي ذكرتها آية سورة الشورى هذه: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [51] «1» يدركونه ويشعرون به بما

_ (1) في الآية ثلاث صور لاتصال الله بأنبيائه وهي الوحي المباشر الذي يقذف في قلوبهم ويلهمون إياه أو صوت يسمعونه أو رسول ملك يرسله الله إليهم.

تعليق على مدى متناول آيات: وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى والعصمة النبوية

اختصهم الله به من قوة لا يمكن إدراكها بالعقل العادي، ويجب الإيمان بها لأن ذلك مما يستتبعه الإيمان بالله وأنبيائه، والمشهد الذي وصفته وأكدته الآيات مظهر من مظاهر هذا الاتصال ويجب الإيمان بصحته لأن القرآن والنبي قد أخبرا به. تعليق على مدى متناول آيات: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى والعصمة النبوية وقد ذهب بعض المفسرين «1» إلى أن آيتي: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى النجم [3- 4] تشملان كل ما صدر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم من قول أو عمل ديني ودنيوي وقرآني وغير قرآني، وجعلوهما في عداد الدلائل على العصمة النبوية. والذي نلحظه من روح الآيات وسياقها أن الآيتين في صدد توكيد صحة ما أخبر به النبي صلّى الله عليه وسلّم من اتصال وحي الله به ورؤيته الملك وما ألقاه عليه من آيات القرآن. وفي الاستدلال بها على عصمة النبي صلّى الله عليه وسلّم في كل ما صدر عنه من قول وعمل دنيوي وغير قرآني واعتباره وحيا ربانيا تجوز كبير يتعارض مع وقائع ونصوص قرآنية كثيرة تدل على أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يجتهد في أمر فيصدر عنه فيه قول أو فعل فينزل قرآن معاتبا ومنبها حينا ومذكرا حينا بما هو الأولى مثل حادث استغفاره مع المؤمنين لذوي قرباهم من موتى المشركين الذي أشارت إليه آيات سورة التوبة هذه منبهة: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (113) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114) «2» ومثل حادث أسرى بدر الذي أشارت إليه آيات سورة الأنفال هذه: ما كانَ لِنَبِيٍ

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبرسي والنيسابوري والخازن مثلا. (2) في الآية الثانية ما يفيد أن النبي صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين اجتهدوا فقاسوا بما فعله إبراهيم عليه السلام فبين الله فيها الفرق ووجه الحق في ذلك.

أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (68) ومثل حادث حلفه على عدم قرب زوجاته التي أشارت إليها آية سورة التحريم هذه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) ومثل حادث الأعمى الذي أشارت إليه آيات سورة عبس هذه: عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (2) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (8) وَهُوَ يَخْشى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) «1» . ونريد أن ننبه على نقطة هامة، فنحن لا نعني بما نقرره ألّا يكون النبي صلّى الله عليه وسلّم في كثير مما قاله أو فعله أو أمر به أو نهى عنه مما لم ينزل فيه قرآن ناقض أو معدل أو معاتب ملهما به من الله عز وجل. ففي القرآن دلائل عديدة على أن كثيرا مما وقع من النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل نزول القرآن قد وقع بإلهام رباني. وأن القرآن نزل بعد وقوعه مؤيدا له فيه، ومن الأمثلة على ذلك سيره إلى مكة لأجل العمرة مع أصحابه بناء على رؤيا رآها وانتهاء ذلك بصلح الحديبية. فقد كان ذلك بإلهام رباني ثم نزلت سورة الفتح مؤيدة له. ومن ذلك أيضا واقعة بدر، فقد خرج النبي صلّى الله عليه وسلّم بإلهام رباني مع أصحابه للاستيلاء على قافلة قريش وأدى ذلك إلى الاشتباك مع جيش قريش الذي انتصر فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه انتصارهم العظيم. وقد نزلت بعد ذلك سورة الأنفال مؤيدة له «2» . وإلى هذا فإن جميع ما ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم من سنن قولية وفعلية وأوامر ونواه مات عليها دون أن ينقضها هو أو القرآن هو تشريع واجب الاتباع بنص القرآن على ما جاء في آية سورة الحشر هذه: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [7] ومن المحتمل أن يكون بإلهام رباني. وإنما الذي نعنيه التوقف في تشميل مفهوم الآيتين

_ (1) هناك أمثلة أخرى سننبه عليها في مناسباتها. (2) وهناك أمثلة أخرى سننبه عليها في مناسباتها أيضا.

[سورة النجم (53) : الآيات 13 إلى 18]

لكل ما صدر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم من فعل وقول طيلة حياته إطلاقا حسب ما شرحناه آنفا. وهذا لا يمس العصمة النبوية التي يجب الإيمان بها لا على ذلك المعنى الذي يجعل النبي صلّى الله عليه وسلّم يمتنع عليه أن يصدر منه أي قول أو فعل أو اجتهاد في مختلف شؤون الحياة والناس، قد يكون فيه الخطأ والصواب وخلاف الأولى الذي في علم الله والذي لا ينكشف له إلّا بوحي، مما لا يمكن أن ينتفي عن الطبيعة البشرية النبوية المقررة في القرآن، وإنما على المعنى الذي يرتفع به النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى العصمة عن أي إثم أو جريمة أو فاحشة أو مخالفة للقرآن فعلا وقولا، وعن كتم أي شيء أوحي به إليه أو تحريفه وتبديله وذلك نتيجة لما وصل إليه بنعمة الله وفضله من كمال الخلق والروح والعقل والإيمان والاستغراق في الله الذي جعله أهلا للاصطفاء الرباني «1» . [سورة النجم (53) : الآيات 13 الى 18] وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (14) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (16) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (17) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (18) (1) رآه: ضمير الفاعل عائد إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وضمير المفعول عائد إلى جبريل عليه السلام على ما عليه جمهور المفسرين. (2) سدرة المنتهى: شجرة السدرة التي ينتهي عندها التقدم أو الشوط. (3) جنة المأوى: قال بعض المفسرين إنها جنة خاصة على يمين العرش يأوي إليها أرواح الشهداء (انظر الكشاف والطبري) وقد وردت كلمة المأوى مضافة إلى «الجنات» بالجمع وبمعنى المثوى مطلقا للناجين والخاسرين معا. وقال ابن كثير: إن جنة المأوى وجنات المأوى هي التي يكون فيها منازل ومساكن للإقامة بالإضافة إلى الأشجار والمياه.

_ (1) انظر كتابنا القرآن المجيد ص 288- 294.

تعليق على حادث الإسراء والمعراج وما ورد في ذلك من أحاديث

(4) زاغ: انحرف وذهل ولم ير ما ينبغي أن يرى. (5) طغى: تجاوز الحد والهدف. في الآيات إشارة إلى مشهد آخر شاهده النبي صلّى الله عليه وسلّم فشاهد فيه ما شاء الله أن يشاهده من آيات الله الكبرى. ولقد روى الإمام أحمد عن ابن مسعود في صدد تفسير هذه الآيات أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «رأيت جبريل وله ستمائة جناح» «1» . وروى الإمام أحمد عن مسروق أنه سأل عائشة عن آية: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى النجم [13] «فقالت: أنا أول هذه الأمة سألت رسول الله عنها فقال إنما ذاك جبريل لم يره في صورته التي خلق عليها إلّا مرتين. رآه متهبطا إلى الأرض سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض» . ففي هذه الأحاديث تفسير لمدى هذه الآيات أيضا، مع التنبيه على أنه ليس هناك ما يساعد على توضيح مدى المقصود من سدرة المنتهى وجنة المأوى في سياق ذلك إلّا إذا كان جاء كوصف متمم للمشهد، والله أعلم. وقد يلحظ فرق في التعبير في مجموعتي الآيات حيث ورد في الأولى: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى النجم [11] وفي الثانية: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى النجم [17] . ويتبادر لنا أن مؤدى التعبيرين واحد وهو توكيد صحة المشهدين الذين شاهدهما النبي صلّى الله عليه وسلّم واللذين فسرتهما الأحاديث بأنهما مشهدا منظر جبريل عليه السلام في الأفق في صورته العظيمة. والله تعالى أعلم. تعليق على حادث الإسراء والمعراج وما ورد في ذلك من أحاديث ومع ما ورد في صدد هذه الآيات من الأحاديث التي أوردناها آنفا والتي تفسر مداها فإن المفسرين «2» يذكرون في سياقها أيضا حادث الإسراء والمعراج

_ (1) انظر تفسير ابن كثير والنصوص منه. (2) انظر تفسير سورتي النجم والإسراء في كتب تفسير الطبري والبغوي وابن كثير والخازن والطبرسي والنيسابوري والقاسمي والقرطبي إلخ. الجزء ثاني من التفسير الحديث 6

ويصرفونها إليه ويروون في صدده أحاديث كثيرة متنوعة الرتب. وفيها شيء كثير من التضارب فمنها ما يفيد أن الإسراء والمعراج كانا رؤيا منامية وأن جسد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يبرح مكانه. ومنها ما يفيد أنه كان مشهدا روحانيا، ومنها ما يفيد أنه كان مشهدا حيا وحادثا واقعا بالجسد واليقظة. ومنها ما يفيد أن الإسراء كان بالجسد واليقظة وأن المعراج كان في النوم أو بالروح. هذا أولا. وثانيا إن معظم الروايات تقرن حادث العروج بحادث الإسراء وتجعلهما في وقت واحد وتروي مشاهدهما في سلسلة واحدة، وإن كان هناك روايات تفيد حدوث كل منهما لحدته. وقد ذكرت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم بعد وصوله في حادث الإسراء إلى المسجد الأقصى عرج به إلى السماء. هذا في حين أن حادث الإسراء قد أشير إليه في سورة الإسراء التي يجيء ترتيبها بعد هذه السورة بمراحل. والإشارة فيها قاصرة على الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى كما ترى في نص الآية الأولى من سورة الإسراء وهو: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) ومن الروايات ما يجعل حادث الإسراء قاصرا على الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى دون عروج إلى السماء. ومنها ما يجعل الإسراء والعروج أكثر من مرة، وثالثا إن في الروايات تضاربا في الوقت الذي وقع فيه الحادث. فهناك رواية تذكر أن الإسراء والمعراج معا قد كانا بعد البعثة بخمسة عشر شهرا، وهذا قد يتطابق مع تاريخ نزول سورة النجم، ولكنه لا يتطابق مع تاريخ نزول سورة الإسراء التي يرجح أنها نزلت في أواسط العهد النبوي المكي. وهناك رواية تذكر وقوعهما معا بعد البعثة بخمس سنوات. وهذا قد يتطابق مع تاريخ نزول سورة الإسراء. ولكنه لا يتطابق مع تاريخ نزول سورة النجم، لأنها نزلت أبكر كثيرا من سورة الإسراء. وهناك روايات تذكر أنهما كانا قبل الهجرة بخمس سنوات وهذا لا يتطابق مع تاريخ نزول أي من السورتين!. بل وهناك رواية غريبة جدا تذكر أنهما وقعا قبل البعثة بسنة واحدة. وهناك رواية موازية في الغرابة لهذه الرواية وهي أن الإسراء والمعراج

وقعا قبل الهجرة بسنة واحدة. أي بعد نزول السورتين بمدة طويلة. ومما يزيد في غرابة هذه الرواية أن بعض الأئمة مثل البغوي وابن حزم يقولان إنها مما يكاد يتفق فيها الجمهور «1» . وهناك أحاديث كثيرة جدا أوردها المفسرون في سياق حادثي الإسراء والمعراج. منها ما ورد في كتب الصحاح بنصه أو قريب منه ومنها ما لم يرو «2» . ومن هذا النوع ما روي من قبل أئمة معروفين من أئمة الحديث بأسناد متواصلة مثل الإمام أحمد والإمام الطبراني والحافظ البزار والإمام ابن جرير والنسائي وابن أبي حاتم. ومنها ما وصف بأنه بسند حسن ومنها ما وصف بالغريب أو المنكر. ومنها ما أورد في سياق الآية الأولى من سورة الإسراء ومنها ما أورد في سياق آيات سورة النجم التي نحن في صددها. وأكثر المفسرين استقصاء واستيعابا لها فيما بدا لنا الإمام ابن كثير حتى لقد استغرقت نحو خمس وثلاثين صفحة من القطع الكبير. وقد أورد جلها في سياق تفسير مطلع سورة الإسراء. ومع أن بعض هذه الأحاديث قد يفيد أن المعراج كان لحدة ومن مكة رأسا وأن الإسراء كان كذلك لحدة ومن مكة رأسا فإن معظمها يفيد أنهما وقعا معا ومرة واحدة حيث أسري بالنبي صلّى الله عليه وسلّم إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السموات حتى انتهى إلى سدرة المنتهى. مع التنبيه على أمر مهم وهو أن ما ورد في كتب الصحاح من هذه الأحاديث لا يقرن بين الإسراء والمعراج فبعضها اقتصر على خبر الإسراء إلى بيت المقدس دون عروج إلى السماء وبعضها ذكر أن الانطلاق من المسجد الحرام كان إلى السماء دون تعريج على بيت المقدس. ولقد قلنا قبل إن هناك فترة طويلة بين نزول سورة النجم التي تساق قصة

_ (1) البغوي قال هذا في تفسيره لآية سورة الإسراء الأولى والقاسمي هو الذي روى قول ابن حزم في سياق تفسير الآية المذكورة. (2) انظر تفسير سورتي النجم والإسراء في كتب تفسير الطبري والبغوي وابن كثير والخازن والطبرسي والقرطبي والنيسابوري والنسفي. منهم من أورد جميع الأحاديث والروايات التي أشرنا إليها في هذه النبذة ومنهم من أورد بعضها.

الإسراء والمعراج في مناسبة آياتها التي نحن في صددها وبين نزول سورة الإسراء التي ذكر فيها الإسراء. وقد يمكن التوفيق بين ذلك بالقول تبعا لما تفيده معظم الأحاديث التي منها الوارد في كتب الصحاح أنهما وقعا في ظرف نزول سورة النجم التي كان نزولها سابقا وإن ذكر الإسراء في سورة الإسراء إنما جاء للتذكير بواقعته. وهذا إذا تغاضينا عن الاختلافات في سنة حدوث الإسراء والمعراج التي لا تتفق أحيانا مع الظرف المخمن لنزول أية من السورتين والتي تبدو غريبة جدا مثل وقوعهما قبل البعثة بسنة أو قبل الهجرة بسنة. غير أنه يظل هناك نقطة معترضة. وهي أن آية سورة الإسراء الأولى تقتصر في ما تخبر به أو تذكر به على الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. وليس في آيات النجم شيء صريح عن المعراج الذي يظل خبره الصريح مستندا إلى الأحاديث المروية وحسب، وأكثرهم يعتبر جملة وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى النجم [13] من قرائن العروج مع أن الحديث الذي أوردناه قبل عن عائشة يذكر أن المرئي هو جبريل عليه السلام. وليس في معظم الأحاديث صراحة قطعية بأن الإسراء والمعراج وقعا باليقظة والجسد. وإن كان ذلك قد يستفاد من فحواها. غير أن في بعضها ما يفيد أنه وقع والنبي صلّى الله عليه وسلّم نائم في المسجد الحرام وأنه استيقظ بعد أن تمت مشاهدهما. وهناك روايات أخرى بينها تضارب في صدد ذلك. رواية أو حديث عن معاوية أن الحادث كان رؤيا صادقة. ورواية أو حديث عن عائشة أن جسد النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يفارق فراشه. وأن الإسراء إنما كان بروحه. ورواية أو حديث عن أم هانئ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يبيت في بيتها ليلة الإسراء وأنها افتقدته في فراشه فلم تجده وخافت عليه أن يكون قد لحقه أذى من قريش ثم عاد فأخبرها عن ركوبه البراق ومسراه إلى بيت المقدس ورؤيته لإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ولله جلّ جلاله» . ورواية أو حديث آخر عن أم هانئ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نام عندها بعد صلاة العشاء فلما كان قبل الفجر أهابت به فاستيقظ فصلى الصبح وصلت معه ثم قال لها يا أم هانئ لقد صليت معكم العشاء الأخيرة كما رأيت بهذا الوادي ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ثم صليت الغداة معكم الآن كما ترين. وقال لها إنه

سيخبر الناس بذلك فأخذت تحذره وتخوفه من التكذيب والأذى. وهناك رواية أو حديث عن أنس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان في بيته نفسه وأن جبريل نزل عليه من سقفه وانطلق به. وفي الأحاديث المروية على مختلف رتبها حتى فيما ورد منها في كتب الصحاح أشياء عجيبة مذهلة. ونكتفي بإيراد النص الكامل لما ورد منها في هذه الكتب. فمن ذلك حديث رواه مسلم والترمذي عن عبد الله في سياق تفسير سورة النجم جاء فيه: «لما بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سدرة المنتهى قال انتهى إليها ما يعرج من الأرض وما ينزل من فوق. قال فأعطاه الله عندها ثلاثا لم يعطهنّ نبيا قبله. فرضت عليه الصلاة خمسا وأعطي خواتيم سورة البقرة وغفر لأمته المقحمات ما لم يشركوا بالله شيئا» «1» . وحديث رواه البخاري عن عبد الله كذلك قال: «قال الله تعالى لقد رأى من آيات ربّه الكبرى. قال رأى رفرفا أخضر قد سدّ الأفق» «2» . وحديث رواه الترمذي في سياق تفسير سورة الإسراء عن أنس قال: «إن النبي صلّى الله عليه وسلّم أتي بالبراق ليلة أسري به ملجما مسرجا فاستصعب عليه فقال له جبريل أبمحمد تفعل هذا. فما ركبك أحد أكرم على الله منه قال فارفضّ عرقا» «3» . وحديث ثان رواه الترمذي عن بريدة في نفس السياق عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لما انتهينا إلى بيت المقدس قال جبريل بأصبعه فخرق بها الحجر وشدّ به البراق» «4» . وحديث ثالث في نفس السياق عن أبي هريرة رواه الشيخان والترمذي قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم حين أسري بي لقيت موسى عليه السلام فإذا رجل مضطرب رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة ولقيت عيسى فإذا ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس. ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه وأنا أشبه ولده به. قال فأتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر خمر فقيل لي خذ أيّهما شئت فأخذت اللبن فشربته فقيل لي هديت الفطرة أو

_ (1) التاج ج 4 ص 221. [.....] (2) المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه ص 140- 141. (4) المصدر نفسه.

أصبت الفطرة. أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك» «1» . وحديث رواه البخاري عن مالك بن صعصعة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان وذكر بين الرجلين فأتيت بطست من ذهب ملأى حكمة وإيمانا فشقّ من النحر إلى مراق البطن ثم غسل البطن بماء زمزم ثم ملئ حكمة وإيمانا وأتيت بدابة أبيض دون البغل وفوق الحمار البراق فانطلقت مع جبريل حتى أتينا السماء الدنيا قيل من هذا قال جبريل قيل من معك قال محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به ولنعم المجيء جاء فأتيت آدم فسلمت عليه فقال مرحبا بك من ابن ونبيّ. وفي رواية فلمّا علونا السماء الدنيا فإذا رجل عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى فقال مرحبا بالنبيّ الصالح والابن الصالح قلت من هذا يا جبريل قال هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه فأهل اليمين منهم أهل الجنة والتي عن شماله أهل النار فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى. فأتينا السماء الثانية قيل: من هذا؟ قال جبريل، قيل: من معك؟ قال: محمد، قيل: أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به ولنعم المجيء جاء فأتيت على عيسى ويحيى فقالا [مرحبا بك من أخ ونبي. فأتينا السماء الثالثة قيل من هذا قيل جبريل قيل من معك قال محمد قيل وقد] أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به ولنعم المجيء جاء فأتيت يوسف فسلّمت عليه فقال مرحبا بك من أخ ونبيّ فأتينا السماء الرابعة قيل من هذا قيل جبريل قيل من معك قيل محمد قيل وقد أرسل إليه قيل نعم قيل مرحبا به، ولنعم المجيء جاء فأتيت على إدريس فسلمت عليه فقال مرحبا بك من أخ ونبيّ فأتينا السماء الخامسة قيل من هذا قيل جبريل قيل ومن معك قيل محمد قيل وقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به، ولنعم المجيء جاء فأتينا على هارون فسلّمت عليه فقال مرحبا بك من أخ ونبيّ فأتينا السماء السادسة قيل من هذا قيل جبريل قيل من معك قيل محمد قيل وقد أرسل إليه [قيل نعم قيل] مرحبا به، ولنعم المجيء جاء فأتيت على موسى فسلّمت عليه فقال مرحبا بك من أخ ونبيّ فلما جاوزته بكى فقيل ما أبكاك قال يا ربّ هذا الغلام

_ (1) التاج ج 4 ص 140- 141.

الذي بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أفضل مما يدخل من أمّتي. فأتينا السماء السابعة قيل من هذا قيل جبريل قيل من معك قيل محمد قيل وقد أرسل إليه [قيل نعم قيل] مرحبا به ولنعم المجيء جاء فأتيت على إبراهيم فسلّمت عليه فقال مرحبا بك من ابن ونبيّ فرفع لي البيت المعمور فسألت جبريل فقال هذا البيت المعمور يصلّي فيه كلّ يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم. ورفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها كأنه قلال هجر وورقها كأنه آذان الفيول في أصلها أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران فسألت جبريل فقال أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات. وفي رواية ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام ثم فرضت عليّ خمسون صلاة فأقبلت حتى جئت موسى فقال ما صنعت قلت فرضت عليّ خمسون صلاة قال أنا أعلم بالناس منك عالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة وإنّ أمتك لا تطيق فارجع إلى ربك فسله التخفيف فرجعت فسألته فجعلها أربعين ثم مثله ثم ثلاثين ثم مثله فجعل عشرين ثم مثله فجعل عشرا فأتيت موسى فقال مثله فجعلها خمسا فأتيت موسى فقال ما صنعت قلت جعلها خمسا فقال مثله قلت سلّمت بخير فنودي إنّي قد أمضيت فريضتي وخفّفت عن عبادي وأجزي الحسنة عشرا. وفي رواية مسلم فلم أزل أرجع بين ربي تبارك وتعالى وبين موسى عليه السلام حتى قال يا محمد إنهنّ خمس صلوات كلّ يوم وليلة لكلّ صلاة عشر فذلك خمسون صلاة» «1» . وحديث رواه مسلم عن جابر عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جاء فيه: «وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلّي فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة. وإذا عيسى ابن مريم عليه السلام قائم يصلي أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم- يعني نفسه- فحانت الصلاة فأممتهم فلما فرغت من الصلاة قال قائل يا محمد هذا مالك صاحب النار فسلّم عليه فالتفتّ إليه فبدأني بالسلام» «2» .

_ (1) التاج ج 3 ص 230- 233. (2) المصدر نفسه ص 234.

وحديث رواه البخاري عن شريك بن عبد الله قال: «سمعت أنس بن مالك يقول ليلة أسري برسول الله صلّى الله عليه وسلّم من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد فقال أولهم أيهم هو فقال أوسطهم هو خيرهم فقال آخرهم خذوا خيرهم فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عيناه ولا ينام قلبه- وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم- فلم يكلّموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم فتولاه منهم جبريل فشقّ ما بين نحره إلى لبّته حتى فرغ من صدره وجوفه فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه ثم أتى بطست من ذهب فيه تور من ذهب محشو إيمانا وحكمة فحشا به صدره ولغاديده- يعني عروق حلقه- ثم أطبقه ثم عرج به إلى السماء الدنيا فضرب بابا من أبوابها فناداه أهل السماء من هذا فقال جبريل، قالوا ومن معك قال معي محمد قالوا وقد بعث إليه قال نعم قالوا مرحبا به وأهلا به، يستبشر به أهل السماء لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم فوجد في السماء الدنيا آدم فقال له جبريل هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلم عليه ورد عليه آدم فقال مرحبا وأهلا بابني فنعم الابن أنت فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان فقال ما هذان النهر إن يا جبريل فقال هذا النيل والفرات عنصرهما ثم مضى به في السماء فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر فقال ما هذا يا جبريل؟ قال هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك ثم عرج به إلى السماء الثانية فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الملائكة الأولى من هذا قال جبريل قالوا ومن معك قال محمد قالوا وقد بعث إليه قال نعم قالوا مرحبا به وأهلا. ثم عرج به إلى السماء الثالثة فقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية ثم عرج به إلى السماء الرابعة فقالوا له مثل ذلك ثم عرج به إلى السماء الخامسة فقالوا له مثل ذلك. ثم عرج به إلى السماء السادسة فقالوا له مثل ذلك ثم عرج به إلى السماء السابعة فقالوا له مثل ذلك كل سماء فيها أنبياء قد سماهم فوعيت منهم إدريس في الثانية وهارون في الرابعة وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه وإبراهيم في السادسة وموسى في السابغة بتفضيل كلام الله تعالى فقال موسى ربّ لم أظن أن ترفع عليّ أحدا ثم علا به فوق ذلك بما

لا يعلمه إلا الله عز وجل حتى جاء سدرة المنتهى ودنا الجبار ربّ العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله إليه فيما يوحي خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال يا محمد ماذا عهد إليك ربك فقال عهد إليّ خمسين صلاة كل يوم وليلة. قال إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم فالتفت النبي إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت فعلا به إلى الجبار تعالى وتقدس فقال وهو في مكانه يا ربّ خفف عنا فإن أمتي لا تستطيع هذا فوضع عنه عشر صلوات ثم رجع إلى موسى فاحتبسه فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال يا محمد والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه فأمتك أضعف أجسادا وقلوبا وأبدانا وأبصارا وأسماعا فارجع فليخفف عنك ربك كل ذلك يلتفت النبي إلى جبريل ليشير إليه ولا يكره ذلك جبريل فرفعه عند الخامسة فقال يا رب إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم فخفف عنا. فقال الجبار تبارك وتعالى يا محمد قال لبيك وسعديك، قال إنه لا يبدل القول لدي كما فرضت عليك في أم الكتاب فكل حسنة بعشر أمثالها فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك فرجع إلى موسى فقال كيف فعلت فقال خفف عنا أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها قال موسى قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، فارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضا قال رسول الله يا موسى قد والله استحييت من ربي عز وجل ممّا اختلفت إليه. قال فاهبط باسم الله. قال واستيقظ وهو في المسجد الحرام» «1» . وفي هذه الأحاديث التي يرويها أصحاب الكتب الخمسة وفي الأحاديث الكثيرة الأخرى التي يرويها أئمة آخرون والتي لم نر ضرورة إلى إيرادها تفاديا من

_ (1) هذا النص مفصول عن تفسير ابن كثير الذي قال هكذا ساقه البخاري في كتاب التوحيد ورواه في صفة النبي صلّى الله عليه وسلّم عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه عن أبي بكر عبد الحميد عن سليمان بن بلال. والنص لم يرد في التاج.

التطويل ولأنها لا تخرج في مداها عن هذه الأحاديث بقطع النظر عن صور جديدة ومتنوعة «1» أشياء عجيبة مذهلة كما قلنا. مثل شق بطن النبي صلّى الله عليه وسلّم من النحر إلى مراق البطن وإخراج قلبه وغسله وحشوه بالإيمان والحكمة ودابة البراق البيضاء التي تضع يدها في منتهى نظرها. وجمع الله الأنبياء في المسجد الأقصى وصلاة النبي بهم إماما. ومثل العروج إلى السماوات واحدة بعد أخرى واستفتاح جبريل أبوابها وفتحها له وسؤال الملائكة جبريل عن من معه وتساؤلهم حينما أخبرهم أنه محمد تساؤل المفاجأ وهل بعث؟ ولقاء النبي في بعضها لبعض الأنبياء وحديثه معهم. ومثل رؤية النبي صلّى الله عليه وسلّم الجنة والنار وما فيهما من أسباب النعيم والعذاب. وسماعه صوتيهما وهما يذكران ما فيهما من ذلك والله يعدهما بملئهما من أهلهما. ومثل طريقة فرض الصلوات الخمسين والمراجعة المتكررة بين النبي وربه صعودا وهبوطا في صدد تخفيفها بتوصية من موسى ومثل وصف سدرة المنتهى الهائلة بورقها التي كل ورقة تعطي الأمة ... ومثل ما رأى في طريقه في طريق الإسراء ثم في طريق المعراج من مختلف المشاهد لمختلف الفئات من البشر كانوا يعذبون بأنواع من العذاب وكان يفسر جبريل له هذه المشاهد حيث كان منهم من يأكل لحوم الناس ومن يلمز ويهمز ومن يأكل مال اليتيم ومن لا يؤدي الزكاة. ومن يأكل الربا، ومن يزني، ومن يخطب في الفتن، ومثل رؤيته جماعة من الحور العين بسبب دعوة منه وما كن عليه من جمال وما كان عليهن من حلى. ومثل رؤيته جميع أرواح ذرية آدم السعداء عن يمينه في السماء الأولى وجميع ذريته التعساء عن شماله وضحكه حينما يلتفت إلى الأولين وبكائه حينما يلتفت إلى الآخرين ومثل عرض أرواح الناس على آدم أبيهم فيأمر بالمؤمنين إلى عليين وبالكفار إلى سجين. ورؤيته أمته شطرين شطرا عليهم ثياب بيض كأنها القراطيس وشطرا عليهم ثياب رمد. وصلاته في البيت المعمور بالأولين وحجب الآخرين عنه والأعداد والأشكال الهائلة للملائكة الذين رآهم عند سدرة المنتهى أو في البيت المعمور. ومثل رؤيته نهر الكوثر وعليه قباب اللؤلؤ والياقوت والزبرجد وأواني الذهب وماءه

_ (1) انظر مطلع تفسير سورة الإسراء في تفسير ابن كثير.

الذي كان أبيض من الثلج وأحلى من العسل وطينه الذي كان أطيب من المسك. ومثل رؤيته نهري الفرات والنيل ينبعان من ناحية سدرة المنتهى. ورؤيته في الجنة أنهار اللبن والعسل المصفى والخمر. وهناك تغاير بارز في بعض ما يوصف بالصحيح منها مثل رؤيته موسى قائما يصلي في قبره ورؤيته إياه في السماء السادسة. ومثل رؤيته إبراهيم وعيسى في الأرض ثم في السموات ... وفي حين يذكر حديثا مالك بن صعصعة وشريك اللذان يرويهما البخاري خبر شق بطن النبي صلّى الله عليه وسلّم بين يدي حادث الإسراء يروى حديث صحيح آخر عن أنس بن مالك أن عملية من هذا النوع أجريت للنبي صلّى الله عليه وسلّم في زمن رضاعته في بني سعد حيث روى عنه «أنّ رسول الله أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فشقّ عن قلبه فاستخرجه فاستخرج منه علقة فقال هذا حظّ الشيطان منك ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه ثم أعاده في مكانه وجاء الغلمان يسعون إلى أمّه يعني ظئره فقالوا إن محمدا قد قتل فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره» «1» . ونحن نعرف أن كثيرا من أئمة الحديث والتفسير يقررون صحة خبر وقوع الإسراء والمعراج معا وباليقظة والجسد. غير أننا إزاء صراحة القرآن القطعية في الإسراء دون المعراج، وإزاء الأحاديث التي وردت في كتب الصحاح وإزاء بعضها الذي يذكر خبر الإسراء إلى بيت المقدس فحسب، وبعضها يذكر خبر الانطلاق إلى السماء رأسا وإزاء ما احتوته الأحاديث من تفاصيل عجيبة نرى أن نقف موقف التحفظ إزاء ما احتوته من تفاصيل في سياق المعراج وبخاصة من القول إنه كان باليقظة والجسد. وكل ما نرجح صحته إزاء كثرة الأحاديث الواردة التي لا يمكن إلّا أن تكون ترديدا لخبر مشهور هو أن المعراج رؤيا منامية أو مشهد روحاني شاء الله عز وجل أن يري رسوله فيه من آياته الكبرى مشاهد مما في عمله في ملكوت السموات والأرض حاضرا ومستقبلا ودنيويا وأخرويا ومما ورد كثير من صوره في

_ (1) التاج ج 3 ص 213- 214.

القرآن المكي أولا ثم القرآن المدني. وأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قصّ على أصحابه ما شاء الله عز وجل أن يجليه له من صور في هذا المشهد في ظروف متفرقة نرجح أنها كانت في العهد المدني لأن معظم رواة أحاديث هذا المشهد من أهل هذا العهد وبخاصة مالك بن صعصعة وأبو هريرة وأنس بل وعائشة رضي الله عنهم والأخيرة كانت طفلة حين وقوع الحادث. ولم تبلغ وترشد إلّا في المدينة كما هو مشهور وقد يدعم ما رجحناه نصوص بعض الأحاديث. وقد رأينا أن نسهب في هذا الأمر في هذه الطبعة لأننا سمعنا بعض النقد على ما كتبناه مقتضبا في الطبعة الأولى فأردنا أن نعرض الأمر في هذه الطبعة عرضا أوسع. أما حادث الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى فالنص القرآني الصريح به قد يجعل الأمر مختلفا عنه بالنسبة لما قلناه عن ماهية المعراج. ونؤجل الكلام عنه إلى مناسبته القرآنية في سورة الإسراء. ولقد روى البخاري حديثا عن سمرة بن جندب يحتوي خبر رؤيا منامية رآها النبي صلّى الله عليه وسلّم وقصها على أصحابه جاء فيه: «كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا صلّى صلاة أقبل علينا بوجهه فقال من رأى منكم الليلة رؤيا فإن رأى أحد قصّها فيكون ما شاء الله. فسألنا يوما فقال هل رأى أحد منكم رؤيا؟ قلنا: لا، قال: لكنّي رأيت الليلة رجلين أتياني فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كلّوب من حديد يدخله في شدقه حتى يبلغ قفاه ثمّ يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك ويلتئم شدقه هذا فيعود فيضع مثله. فقلت ما هذا قالا انطلق، فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة فيشدخ به رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه وعاد رأسه كما هو فعاد إليه فضربه. قلت من هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيّق وأسفله واسع تتوقّد تحته نار فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا يخرجون فإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة قلت من هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم على وسط النهر، وعلى شطّ النهر رجل بين يديه حجارة. فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا

أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فردّه حيث كان فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان. فقلت ما هذا. قالا انطلق. فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ وصبيان وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها فصعدا بي في الشجرة فأدخلاني دارا لم أر قطّ أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشباب ونساء وصبيان ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فأدخلاني دارا هي أحسن وأفضل فيها شيوخ وشباب. فقلت طوفتماني الليلة فأخبراني عما رأيت. قالا نعم، أما الذي رأيته يشقّ شدقه فكذاب يحدّث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق فيصنع به إلى يوم القيامة. والذي رأيته يشدخ رأسه رجل علّمه الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار يفعل به إلى يوم القيامة. والذي رأيته في الثقب فهم الزناة. والذي رأيته في النهر آكل الرّبا والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم عليه السلام والصبيان حوله فأولاد الناس والذي يوقد النار مالك خازن النار. والدار الأولى التي دخلت الجنة دار عامة المؤمنين. وأما هذه الدار فدار الشهداء. وأنا جبريل وهذا ميكائيل فارفع رأسك فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب قالا ذاك منزلك قلت دعاني أدخل منزلي قالا إنه بقي لك عمر لم تستكمله. فلو استكملته أتيت منزلك» «1» . ولقد أورد ابن كثير في سياق تفسير سورة الإسراء وفي سياق تفسير الآية [69] من سورة ص حديثا رواه الإمام أحمد عن ابن عباس فيه خبر رؤيا منامية رآها النبي صلّى الله عليه وسلّم جاء فيه: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أتاني ربي الليلة في أحسن صورة أحسب يعني النوم. فقال يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال قلت: لا، فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي- أو قال نحري- فعلمت ما في السموات وما في الأرض ثم قال يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى قال قلت نعم يختصمون في الكفارات والدرجات. قال وما الكفارات؟ قال قلت المكث في المساجد بعد الصلوات والمشي على الأقدام إلى الجماعات وإبلاغ

_ (1) التاج ج 4 ص 275- 277.

الوضوء في المكاره. من فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه. وقال قل يا محمد إذا صليت اللهمّ إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحبّ المساكين وإذا أردت بعبادك فتنة أن تقبضني إليك غير مفتون وقال والدرجات بذل الطعام وإفشاء السلام والصلاة بالليل والناس نيام» . وروى الطبري هذا الحديث أيضا في سياق تفسير آية سورة ص [69] عن ابن عباس مع زيادة مهمة وهي: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لربّه بعد ما ذكر له فيما يختصم الملأ الأعلى يا ربّ إنك اتخذت إبراهيم خليلا وكلّمت موسى تكليما وفعلت وفعلت فقال ألم أشرح لك صدرك. ألم أضع عنك وزرك. ألم أفعل بك ألم أفعل بك قال فأفضى إليّ بأشياء لم يؤذن لي أن أحدّثكموها قال فذاك قوله في كتابه ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (8) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (9) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (10) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (11) فجعل نور بصري في فؤادي فنظرت إليه بفؤادي» . وحديث رواه البخاري عن سمرة بن جندب عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر كأقبح ما أنت راء قالا لهم اذهبوا فقعوا في ذلك النهر فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة. قالا لي هذه جنة عدن وهذاك منزلك. أما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا تجاوز الله عنهم» «1» . ولقد روى الشيخان والنسائي عن ابن عباس حديثا فيه خبر مشهد روحاني شهده النبي صلّى الله عليه وسلّم في حالة يقظته حيث روى: «أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم صلّى بأصحابه صلاة كسوف فرأوه يمدّ يتناول شيئا فلمّا فرغ قالوا يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك ثم رأيناك تكعكعت فقال إني رأيت الجنة فتناولت عنقودا ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا. وإني رأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قطّ أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال بكفرهنّ قالوا أيفكرن بالله؟ قال: يكفرن

_ (1) التاج ج 4 ص 119.

العشير ويكفرن الإحسان» «1» . وروى مسلم والنسائي هذا الحديث عن جابر ببعض المغايرة حيث روى جابر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم بعد أن قضى صلاة الكسوف قال لأصحابه: «ما من شيء توعدونه إلّا قد رأيته في صلاتي هذه. لقد جيء بالنار وذلكم حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها، وحتى رأيت فيها صاحب المحجن يجرّ قصبه في النار كان يسرق الحاجّ بمحجنه فإن فطن له قال إنما تعلّق بمحجني وإن غفل عنه ذهب به وحتّى رأيت فيها صاحبة الهرة التي ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من حشاش الأرض حتى ماتت جوعا. ثم جيء بالجنة وذلكم حين رأيتموني تقدمت حتى قمت مقامي هذا، ولقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه. ثم بدا لي أن لا أفعل فما من شيء توعدونه إلّا قد رأيته في صلاتي هذه» «2» . وروى الشيخان والنسائي عن أسماء حديثا فيه مشهد روحاني آخر في اليقظة قالت: «إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حمد الله وأثنى عليه ثم قال ما من شيء لم أكن أريته إلّا رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار فأوحي إليّ أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريبا من فتنة المسيح الدجال. يقال ما علمك بهذا الرجل فأما المؤمن فيقول هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبناه واتبعناه هو محمد ثلاثا فيقال نم صالحا فقد علمنا إن كنت لموقنا به وأما المنافق أو المرتاب فيقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته» «3» . وبين هذه الأحاديث التي يتبادر أن من الحكمة التي توخاها النبي صلّى الله عليه وسلّم في قصة فيها ما رآه من رؤاه المنامية كما هو ملموح فيها قصد الإنذار والترهيب والبشرى والترغيب والحث على الأعمال الصالحة والتزام ما أمر الله والتحذير من المخالفة والانحراف نحو ما نهى الله عنه من أفعال وتصرفات وبين ما ذكرته بعض الأحاديث عن مشاهدات النبي صلّى الله عليه وسلّم في إسرائه وبخاصة في معراجه من تماثل عجيب يدعم فيما

_ (1) التاج ج 1 ص 279. (2) المصدر نفسه ص 279- 280. (3) المصدر نفسه ص 239. [.....]

يتبادر لنا فأرجحناه من أنه مشهد روحاني إن لم يكن رؤيا منامية قصها على أصحابه متوخيا ما ذكرناه من إنذار وترهيب وترغيب وحث وتحذير، ويسوغ القول إن هناك التباسا في الروايات أو من الرواة بسبب بعد الحادث الذي وقع في أواسط العهد المكي، والله أعلم. ونريد أن تحسن الظن في ذكاء الذين انتقدوا ترجيحنا في الطبعة الأولى بأن المعراج ومشاهده مشاهد روحانية إن لم تكن رؤيا منامية فلا نود لهم أن يكونوا قد ظنوا أننا في ما رجحناه ننكر قدرة الله على خرق النواميس. فاعترافنا بقدرة الله الشاملة ومعجزاته للنبي صلّى الله عليه وسلّم والأنبياء وما في ملكوت الله وعلمه من عجائب مذهلة يقصر العقل الإنساني عن إدراكها لا يحتاج إلى تكرار وتوكيد في هذه المناسبة. غير أن ترجيحنا إنما كان بسبب الأحاديث المتضاربة في كون المعراج بالروح أو الجسد واليقظة أو المنام ومكان الانطلاق أولا وما روي في صدد كون آيات النجم التي تتخذ قرينة عليه هي في مشهد جبريل عليه السلام ثانيا، والتماثل العجيب بين كثير من المشاهد التي وردت في أحاديث المعراج والمنامات النبوية التي قصها النبي صلّى الله عليه وسلّم على أصحابه ثالثا، وكون الرؤيا المنامية أو المشهد الروحاني هما اللذان يتحملان دون اليقظة والجسد معنى انتقاد الزمان والمكان ورؤية المشاهد العجيبة المذهلة الدنيوية والأخروية والسماوية والأرضية والسابقة والحاضرة واللاحقة إلى آخر الحياة في لمحة أو لحظة رابعا. والله تعالى أعلم. ونحن إذ نرجح أن المعراج رؤيا منامية أو مشهد روحاني مماثل لما رآه النبي صلّى الله عليه وسلّم في مناماته التي قص فيها على أصحابه ما رآه فيها من مشاهد ونبههم إلى ما فيها من عبر ونذر نقرر أن رؤيا النبي صلّى الله عليه وسلّم حق. وأن ما يمكن أن يكون قصه على أصحابه مما شاء الله تعالى أن يجليه له من مشاهد متنوعة في السماء والأرض وأن يبلغه إياه من أوامر ونواه وأن يريه إياه من مصائر الأتقياء، والمنحرفين هو حق ومن جملة ذلك كيفية فرض الخمسين صلاة ثم تخفيفها بالمراجعة إلى خمس. ولقد رأى النبي صلّى الله عليه وسلّم في منامه أنه زار على رأس المؤمنين المسجد الحرام فاعتبر ذلك أمرا ربانيا

تعليق على ما ورد في كتب التفسير في سياق بعض هذه الآيات من مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل

ورحل مع المؤمنين إلى مكة بسبيل تنفيذه. وأيده الله فيما رآه ووصفه بأنه حق كما جاء في آية سورة الفتح هذه: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (27) والله تعالى أعلم. تعليق على ما ورد في كتب التفسير في سياق بعض هذه الآيات من مسألة رؤية النبي صلّى الله عليه وسلّم ربه عز وجل ومما يعرض له المفسرون في سياق بعض هذه الآيات والتي قبلها مسألة رؤية النبي صلّى الله عليه وسلّم ربه عز وجل. وقد أوردوا في صدد ذلك أحاديث عديدة ومثبتة ونافية ومؤولة. وفي بعضها تضارب أيضا. منها حديث رواه مسلم عن ابن عباس في معنى ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (11) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى [النجم: 11- 13] أنه قال: «إنّ محمدا رأى ربّه مرتين بفؤاده» وحديث رواه مسلم عن أبي ذرّ قال: «سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هل رأيت ربّك فقال نور. إني أراه. وفي رواية رأيت نورا» «1» . وحديث عن عكرمة جاء فيه: «إنه سمع ابن عباس يقول إن محمدا رأى ربّه فقال له أليس الله يقول لا تدركه الأبصار؟ فقال له: ويحك إذا تجلّى بنوره، وإنه أريه مرتين» «2» . وحديث رواه ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب قال: قالوا يا رسول الله هل رأيت ربّك؟ قال: رأيته بفؤادي مرتين «3» . ثم قرأ: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى النجم [11] وقد روى هذا الحديث أيضا ابن جرير بطرقه. وحديث رواه ابن أبي حاتم عن أبي ذر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم رأى ربّه بقلبه ولم يره بعينه» . وحديث رواه الإمام أحمد عن مسروق وروى صيغة قريبة له الشيخان

_ (1) التاج ج 4 ص 220. (2) المصدر نفسه. (3) انظر تفسير ابن كثير لسورة النجم. الجزء الثاني من التفسر الحديث 7

والترمذي. وقد جاء في هذه الصيغة: «قال مسروق كنت متكئا عند عائشة فقالت ثلاث من تكلّم بواحدة منهنّ فقد أعظم على الله الفرية. من زعم أن محمدا رأى ربّه فقد أعظم على الله الفرية والله يقول: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ الأنعام [103] . ووَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ الشورى [51] فقلت يا أمّ المؤمنين أنظريني ولا تعجليني أليس يقول الله وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى النجم [13] ووَ لَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ التكوير [23] . قالت: أنا أول من سأل رسول الله قال إنما ذاك جبريل ما رأيته في الصورة التي خلق فيها غير هاتين المرتين رأيته مهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض ... إلخ» «1» . والحديث الذي أوردناه قبل قليل عن الإمام أحمد عن ابن عباس والذي يبدأ بجملة: «أتاني ربّي الليلة في أحسن صورة أحسب يعني في النوم» ثم الزيادات الواردة في الصيغة التي رواها الطبري عن ابن عباس والتي أوردناها آنفا أيضا. وحديث رواه الإمام أحمد عن ابن مسعود في سياق تفسير وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى النجم [13- 14] قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رأيت جبريل وله ستمائة جناح ينتثر من ريشه التهاديل من الدر والياقوت» . ويمكن أن يستخلص من هذه الأحاديث أن الضمير في وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى مصروف على الأرجح إلى جبريل كما هو الشأن في ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى النجم [8] وأن النبي صلّى الله عليه وسلّم إنما رأى جبريل وإنه لم ير ربه بعينه الباصرة في يقظته وأن ذلك ممتنع. ونصوص كثير من الأحاديث التي أوردناها هنا تقوي رجحان انقطاع الصلة بين آيات سورة النجم التي نحن في صددها وحادث المعراج وتسوغ القول إنه أقحم عليها إقحاما وإن خبره إنما كان في الأحاديث المروية في صدده. كما أنها تدعم ما قلناه في نهاية التعليق السابق في صدد ماهيته، والله أعلم.

_ (1) التاج ج 4 ص 100.

أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَناةَ (1) الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (21) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (2) (22) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ (3) إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (23) أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (25) . وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (26) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (27) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (28) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا (29) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (30) [19- 30] . (1) اللات والعزى ومناة: أسماء أصنام أو معبودات عربية جاهلية. وقد قال المفسرون إن اللات مؤنث الله. والعزى مؤنث الأعز. ومناة مفعلة من النوء. وسنزيد ذلك شرحا في سياق التفسير. (2) ضيزى: جائرة. (3) سلطان: بمعنى برهان وتأييد. في الآيات تنديد بالمشركين الذين يسمون الملائكة تسمية الإناث ويعبدونهم ويستشفعون بهم على اعتبار أنهم بنات الله مع أنهم عبيده ولا يشفعون لأحد إلّا بإذنه ورضائه. وتسفيه لهم على إقامة دينهم على أساس الظن وهوى النفس وإعراضهم عن الهدى والحق الذي جاءهم من ربهم وتقرير بأنهم في ذلك كله يصدرون عن عدم إيمانهم بالآخرة واستغراقهم في الدنيا ومطالبها ولذاتها. والآيات هي الأولى من نوعها في احتوائها تعريضا صريحا بمعبودات العرب وعقائدهم ونقاشا وحجاجا وتسفيها وإفحاما حول هذه العقائد. فإن الآيات التي نزلت قبلها من السور الأخرى اكتفت بالإنذار والوعيد والدعوة إلى وحدة الله وبيان أهداف الرسالة النبوية العامة، والتنديد بموقف التصدي والتعطيل والتكذيب

شرح عقائد العرب في اللات والعزى ومناة والملائكة وتعليقات في صدد ذلك

والمكابرة الذي وقفه المشركون والرد على ما نسبوه إلى النبي صلّى الله عليه وسلم وشككوا فيه في صدد صلته بالله ووحيه، وفي ذلك صورة من صور تطور التنزيل القرآني كما هو المتبادر. ولقد أمرت الآية [29] النبي صلّى الله عليه وسلّم بالإعراض عمن تولى عن ذكر الله ولم يستجب إلى دعوته. والمتبادر أن ذلك أسلوب يقصد به تسلية النبي صلّى الله عليه وسلّم إزاء ما بدا من الكفار من إعراض عن الدعوة واستغراق في متاع الحياة لأن الاستمرار في الدعوة هو مهمة النبي صلّى الله عليه وسلّم الرئيسية بقطع النظر عن استجابة المدعوين وعدمها. والآية التي تلاها تدعم هذا القصد كما يلمح فيها، فكأنما تقول للنبي صلّى الله عليه وسلّم ألّا يغتم لموقفهم فإنه مظهر من مظاهر ضعف إدراكهم للأمور وعدم تقديارهم للعواقب، وإن الله هو الحكم الفصل في من هو على الحق والهدى ومن هو في الغواية والضلال. ولقد احتوت الآيات تلقينات جليلة عامة ومستمرة المدى في تنديدها الشديد المتكرر بالذين يتبعون هوى النفس ويسيرون وراء الظن والوهم وخاصة بعد أن تبدو أعلام الحق والهدى ويستبين الحق من الباطل والهدى من الضلال. فالحق والهدى يجب أن يكونا غاية مطلب المرء. وعليه أن يبذل جهده في الوصول إليهما واتباعهما. ولا يجوز له أن يا بني أحكامه على الظنون أو يصدر عن هوى النفس المنحرفة وأغراضها ومتعها. شرح عقائد العرب في اللات والعزى ومناة والملائكة وتعليقات في صدد ذلك ونرى من المفيد أن نشرح ما تضمنته الآيات من إشارات إلى عقائد العرب وتقاليدهم قبل الإسلام، لأن ذلك يساعد على فهم مقاصد الآيات وحكمة تنزيلها فنقول: إن مضمون الآيات وروحها تدل على الأمور التالية: 1- إن العرب كانوا يعبدون اللات والعزى ومناة وكانوا يسمونها بأسمائها

المؤنثة على اعتبار أنها رموز للملائكة وأن أسماءها هي أسماء الملائكة وأن الملائكة هم بنات الله. 2- إنهم كانوا يعبدون الملائكة بقصد الاستشفاع بهم عند الله على اعتبار أنهم بناته وذوو حظوة لديه. 3- إن هذه العقائد ليست حديثة وإنما هي متوارثة عن الآباء. 4- إنهم كانوا يقصدون من عبادتهم الملائكة والاستشفاع بهم تحقيق ما يبتغون من مطالب الحياة الدنيا فقط من جلب النفع ودفع الضرر دون تفكير بالآخرة ومصيرهم فيها لأنهم لم يكونوا يؤمنون بها. 5- ولقد تكرر في القرآن تسفيه العرب في عقائدهم المذكورة ونفي أثر ونفع استشفاعهم بالملائكة وتقرير كون الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح فقط هو المفيد للإنسان مما مرت منه أمثلة ومما سوف يأتي كثير منه، حيث يدل هذا على أن فكرة الشفاعة كانت راسخة عندهم يعتقدون بأثرها النافع. ولقد تكرر كذلك تقرير كون الملائكة إنما هم عبيد الله، وأنهم لا يشفعون لأحد عند الله إلا إذا كان راضيا عنه آذنا بالشفاعة فيه مما أوردنا في سياق سورة المدثر أمثلة قرآنية عنه. والمتبادر أن هذا التقرير المتكرر قد انطوى فيه فيما انطوى إفهام العرب أن الذين يعبدونهم ويشركونهم في الدعاء والاتجاه مع الله هم عبيد خاضعون له لا يفتأون يسبحون بحمده ويقدسونه. وأن الأحجى أن يعبدوا الله ربّ العالمين من إنس وجن وملائكة. 6- والأقوال في اللات والعزى ومناة عديدة وفيها تضارب. منها أن اللات كان صنما بالطائف لثقيف أو بنخلة لقريش. وأن العزى شجرة بأرض غطفان أو صنم لهم أو بيت عبادة في الطائف. وأن مناة صنم لهذيل وخزاعة، وكان من معبودات أهل مكة أو أنها بيت عبادة في المشلل كان يطوف به بنو كعب، أو أنها صخرة كان العرب يستمطرون عندها، وأن اسمها مشتق من النوء وهو الريح الماطر. وقد ورد فيما ورد أن الثلاثة أصنام كانت قائمة في فناء الكعبة أو موضوعة في جوفها.

وذكر هذه المعبودات في آيات مبكرة وقبل أن تتجاوز الدعوة مدينة مكة وورود السؤال عنها في صيغة الخطاب القريب الذي يرجح أنه وجه لأهل مكة ثانيا وتواتر الروايات على أن أهل مكة كانوا يحلفون باللات والعزى وأنهم كانوا يسمون المعبودات الثلاثة الغرانيق العلى، ويهتفون بها ويقولون إن شفاعتها لترتجى، وأنهم كانوا يقسمون بها مضافة إلى تعبير العبودية أي «عبد العزى» و «عبد اللات» و «عبد مناة» وما يفيده هذا من اعتبارهم هذه المعبودات معبودات لهم ثالثا، وما في روايات السيرة من أن أبا جهل كان يقول للناس: إن محمدا يريد أن يصرفكم عن اللات والعزى. ومن هتاف أبي سفيان يوم أحد متفاخرا على المسلمين وقد نكبوا في هذا اليوم: «لنا العزى ولا عزى لكم» رابعا، كل هذا يجعل الرجحان للقول بأن هذه المعبودات الثلاث كانت في مكة وكانت معبودات لأهلها. وهذا لا يمنع أن تكون قبائل أخرى في مناطق أخرى مشتركة في عبادتها أو في عبادة بعضها أو أن يكون لها في هذه المناطق هياكل مشابهة لها. بل إن اختصاصها بالذكر في القرآن وهي الوحيدة التي ذكرت فيه كمعبودات عربية جاهلية يدل على أنه كان لها خطورة وعمومية عند العرب أو على الأقل في بلاد الحجاز. وانتشار الحلف باللات والعزى وانتشار تسميات عبد اللات وعبد العزى وعبد مناة في خارج مكة من قرى وقبائل على ما تذكره الروايات العديدة يؤيدان كلتا الخطورة والعمومية. واعتبار العرب هذه المعبودات رموزا للملائكة يستلهم من مضمون الآيات وروحها حيث تربط بقوة بين هذه المعبودات وأسمائها المؤنثة وبين الملائكة. وبين عقيدة العرب بأن الملائكة بنات الله وبين تسمية الملائكة بأسماء الإناث. وقد ذكر ذلك عنهم في آيات عديدة صريحة تارة، وضمنية تارة، مسفهة منددة مما مرت منه أمثلة في سياق تفسير سورة المدثر ومما سوف يأتي كثير منه بعد. ولقد قلنا في تعريف كلمة «اللات» إن المفسرين قالوا إنها مؤنث الله. غير أن المعروف أن بين معبودات العراق القديمة معبودا اسمه «اللاتو» وأن هيرودت ذكر

اللات قبل ألف سنة من البعثة النبوية على أنها من معبودات العرب. وقد قرئ اسم اللات- اللت- هلّلت- على نقوش نبطية ولحيانية وثمودية كتبت قبل البعثة بزمن يتراوح بين ثلاثمائة عام وثمانمائة عام. فالذي يتبادر أنه الأصوب هو أن اللاة معبود عربي قديم اشترك في عبادته جماعات كثيرة من العرب في أنحاء مختلفة في جزيرة العرب وخارجها وظل يحتفظ باسمه ومكانته في عصر النبي صلّى الله عليه وسلّم وبيئته بنوع خاص. ولعل مفهوم كون اللاة مؤنث الله عز وجل نشأ عندهم حين استقرت صيغ الفصحى وصاروا يعتقدون بوجود الله كإله أعظم وبكون الملائكة إناثا وبنات الله. فصاروا يعتبرون المعبود الذي يسمونه بهذا الاسم رغما عن قدم التسمية من الوجهة التاريخية رمزا للملائكة. ويظل احتمال أن يكون اللاة من جذر عربي قديم فيه معنى الألوهية أو العبادة واردا على ما ذكرناه في سياق التعليق على كلمة «الله» في سورة الفاتحة. كذلك قلنا في تعريف مناة إن المفسرين قالوا إنها مشتقة من النوء وإن العرب كانوا يستمطرون عندها. ولقد قرئ اسم «منوتو» على نقوش نبطية تعود إلى قرون عديدة قبل الإسلام كمعبود من جملة المعبودات النبطية. حيث يمكن أن يقال عن هذا المعبود ما قلناه عن اللاة. وإن كانت دائرة التشارك فيه أضيق. واحتمال تطور مفهوم الاسم والرمزية الذي أوردناه بالنسبة للاة في بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم في دور العروبة الفصحى وارد أيضا بالنسبة لمناة التي يحتمل والحالة هذه أن تكون تطورا عن منوتو. ولا يبعد أن يكون جذر هذه الكلمة متصلا بمعنى النوء والمطر فكان أهل بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم يتفاءلون بالاسم ويستمطرون عند المعبود المسمى به. ولعل في هذا تفسيرا لتعدد المعبودات والآلهة عند العرب حيث كانوا يتجهون في كل مطلب إلى إله خاص. وفي الروايات العربية تأييدات أخرى لذلك كانوا يلقون سهام الاستخارة حينما يريدون مشاورة المعبودات في بعض شؤنهم عند صنم لهم في الكعبة اسمه هبل. ولعله كان غير ذلك مما أباد عصر الإسلام خبره.

وهذا طور من أطوار العقائد البشرية ما تزال آثاره قائمة إلى اليوم في أوساط تعدّ متحضرة وأصول ديانتها توحيدية علوية حيث يتخذ بعض المسلمين والنصارى واليهود فضلا عن غيرهم من أبناء الأديان الأخرى لكل مطلب وليا أو قديسا يتوسلون بهم أو عند قبورهم في مطالبهم برغم ما في ذلك من انحراف عن أصل العقيدة عند أصحاب الديانات التوحيدية السماوية. ولقد قلنا إن المفسرين قالوا إن العزى هي تأنيث الأعز أو العزيز. ولقد قرئ اسم «عزيزو» في نقوش تدمرية تعود إلى ما قبل البعثة بعدة قرون كمعبود من المعبودات. وقد ذكر في بعض المؤلفات السريانية القديمة المؤلفة قبل البعثة اسم «العزى» كمعبود لأهل الحيرة له صنم كانوا يقدمون إليه قرابين من البشر. حيث يصح أن يقال في هذا المعبود ما قلناه في المعبودين السابقين سواء من حيث احتفاظه باسمه ومكانته وتطور صيغته ورمزيته. ويبدو من صيغته أنه أكثر من الأولين انسجاما مع صيغ الفصحى ليكون رمزا على بنت من بنات الله سبحانه وتعالى. وأسلوب الآيات التي تجعل صلة بين هذه المعبودات الثلاثة وبين الملائكة وتسمية الملائكة بتسميات الأنثى هو أسلوب تنديدي فيه تنبيه لعقول العرب على عقائدهم الباطلة. والأسئلة الاستنكارية التي جاءت فيها هي من قبيل المساجلة والسخرية من قولهم وعقيدتهم. فقد كانوا يكرهون ولادة البنات ويتمنون لأنفسهم الذكور ويعتبرون ولادتهم علامة امتياز وفضل. فكأنما أريد أن يقال لهم إنكم تزدادون ضلالا وسخفا بنسبتكم البنات لله وأنتم تفضلون الذكور حيث إن من المعقول أن يتخذ الله ولدا من الجنس المفضل. إذا كان لا بد من أن يكون له ولد. وقد جاء هذا صريحا في آية سورة الزمر هذه: لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (4) ، وفي آيات سورة الزخرف هذه: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) أَمِ

اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) «1» . وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ (1) وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ (2) إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ (3) فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا (4) أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (32) [31- 32] . (1) الإثم: بمعنى الذنب بصورة عامة. (2) اللمم: الهفوات الصغيرة أو الإلمام ببعض الذنوب الصغيرة من حين إلى حين أو النية والتحويم حولها دون اقترافها فعلا. (3) أجنّة: جمع جنين. وهو الطفل في بطن أمه. (4) فلا تزكوا أنفسكم: لا تتبجحوا ولا تدّعوا الطهارة والنقاء والبراءة لأنفسكم. في الآيات تقرير لشمول علم الله وحكمته وإحاطته بأحوال الناس منذ بدء خلقتهم، ومعرفته محسنهم ومسيئهم، وقدرته على جزاء كل منهم حسب عمله. وفيها تنويه بأصحاب الأعمال الحسنة الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، وتأميلهم بغفران ما يلمون به من هفوات وأخطاء، فإن الله واسع المغفرة. والصلة ملموحة بين هذه الآيات وسابقاتها. فتلك تضمنت التنديد بعقائد العرب الجاهلية واتباعهم الظن والهوى وتبجحهم بأنهم على الحقّ، وهذه تضمنت تعقيبا وتوضيحا وتنبيها.

_ (1) انظر لأجل ما ورد في هذه النبذة تفسير سورة النجم في تفسير الطبري والنيسابوري والبغوي وابن كثير والطبرسي والخازن وكتابنا عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة، الباب الرابع في الحياة الدينية عند العرب.

تعليق على اجتناب كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم

تعليق على اجتناب كبائر الإثم والفواحش إلّا اللمم وفي الآية الأولى توكيد لتقريرات سابقة بأن الله سيحاسب الناس على أعمالهم الحسنة والسيئة وسيجزيهم عليها، ويتضمن هذا توكيد تقرير قابلية الإنسان للكسب ومسؤوليته عن كسبه. ومما لا ريب فيه أن هذه التقريرات والتوكيدات المتكررة مما يفيد فائدة كبيرة في تربية النفس وجعل المرء يفكر قبل إقدامه على أي عمل في عواقب ما هو مقدم عليه. ولقد تعددت الأقوال في تأويل «اللمم» المستثنى في الآية الثانية حيث قيل إنه الذنب الذي يتوب عنه فاعله أو صغائر الذنوب أو الذنب الذي لم يذكر الله عليه حدا ولا عذابا أو ما يخطر على القلب من ذنوب أو ما ليس عادة متكررة أو النظرة غير المتعمدة أو القبلة والغمزة والنظرة. والذي نرجحه هو أنه صغائر الذنوب والهفوات التي لا يمكن للطبيعة البشرية أن تتفاداها. ولقد روى الترمذي في صددها «1» أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يقول: «إن تغفر اللهم تغفر جمّا ... وأي عبد لك لا ألمّا» مما فيه تدعيم لذلك. وعلى هذا تكون الآية الثانية قد احتوت مبدأ قرآنيا جليلا متمشيا مع الوقائع وطبائع الأمور. فالناس بسبب ما فيهم من غرائز تسوقهم إلى ما يرون فيه نفعهم وتدفعهم عما يرون فيه من ضرر لا يمكن أن يكونوا معصومين من الوقوع في الأخطاء واقتراف الذنوب والانحراف. غير أن من هذه الذنوب والأخطاء والانحرافات ما يكون كبائر وفواحش ويكون مخالفته لحقوق الله وضرره العظيم للناس واضحا لا يدق عن الأفهام بصورة عامة، ومنه

_ (1) التاج ج 4 ص 222.

الهفوات التي قد تبدر عن حسن نية أو غفلة أو تقصير غير متعمد فيه الضرر والإثم والمخالفة. أو التي يكون ضررها محدودا ضئيلا. ومنه كذلك خلجات النفس الآثمة التي تظل في القوة ولا تخرج إلى حيّز الفعل. فالواجب المحتم على الناس أن يجتنبوا كبائر الإثم والفواحش على كل حال ولا يمكن أن يعذروا على اقترافها. أما تلك الهفوات والأخطاء والإلمامات العابرة والخلجات التي لا تخرج إلى نطاق الفعل فإن الله عز وجل يشملها بعفوه وغفرانه إذا كانت صدرت من صاحبها عن نية حسنة أو غفلة أو تقصير أو اضطرار ولم يكن ضررها كبيرا، وكان صاحبها مؤمنا مجتنبا للكبائر. وفي سورة النساء آية فيها هذا المعنى بأسلوب إيجابي قوي داعم لما قررناه وهي: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً (31) حيث يتساوق التلقين القرآني المدني مع التلقين القرآني المكي تساوقا رائعا قويا. وفيما جاء في الآية نفسها من التنبيه إلى عدم التبجح والدعاوى الفارغة وتزكية النفس بغير حقّ تلقين جليل في صدد تربية النفس وجعل صاحبها يعرف حدوده، ويعرف أن الله لا تخفى عليه خافية فتزعه هذه المعرفة عن الخيلاء والغرور وتبعده عن الخداع والتضليل. وقد ذكر المصحف الذي اعتمدنا عليه أن الآية [32] مدنية في حين أنها متصلة بما قبلها وما بعدها اتصالا قويا نظما وموضوعا. وهذا ما يحمل على التوقف في الرواية. ولقد روى مسلم والترمذي عن النواس الأنصاري حديثا نبويا فيه تعريف للإثم جاء فيه: «سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن البر والإثم فقال البر حسن الخلق والإثم ما جال في صدرك وكرهت أن يطلع الناس عليه» «1» . غير أن الكلمة

_ (1) التاج ج 5 ص 3.

في مقامها تعني كما هو المتبادر الذنب المقترف بصورة عامة. ولقد وردت الكلمة في هذا المعنى في آيات عديدة مكية ومدنية مثل آية سورة الأعراف هذه: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (33) وآية سورة الأنعام هذه: وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) وآية سورة المائدة هذه: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ [2] وآية سورة النور هذه: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ [11] حيث يبدو من هذا أن الحديث النبوي إنما احتوى تعريفا بأخف مظاهر الإثم لينبه على أن هذا المظهر مكروه عند الله ومؤاخذ عليه فيكون ما هو أكبر منه أكثر كراهية ومؤاخذة. على أن جملة كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ في مقامها تعني الذنوب الكبيرة كما هو المتبادر. وهناك أحاديث نبوية عديدة في وصف هذه الذنوب. وأكثرها متماثل بخلاف يسير ومنها المرفوع ومنها المتصل ومنها ما ورد في كتب الأحاديث الصحيحة بوصف الموبقات. ومما ذكر فيها الشرك بالله. وأكل مال اليتيم، وأكل الربا وقذف المحصنات والفرار يوم الزحف واستحلال البيت الحرام، وشهادة الزور وعقوق الوالدين وشرب الخمر والسحر والبهتان والقتل وترك الصلاة واليمين الغموس والزنا واستطالة المسلم في عرض رجل مسلم بغير حق. والقنوط من رحمة الله وسوء الظن بالله والسرقة والغلول ومنع فضول الماء والتعرب بعد الهجرة- أي العودة إلى الأعراب والبادية. وهناك من قال إن الكبائر كثيرة قد يصل عددها إلى سبعين بل وإلى سبعمائة «1» . وهذه بعض نصوص الأحاديث النبوية الواردة في ذلك، فمن ذلك حديث

_ (1) انظر تفسير الآية [31] من سورة النساء في كتب تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والخازن والقاسمي وغيرهم. وأكثرهم استيعابا للأحاديث الواردة في كتب الأحاديث الصحيحة وغيرها ابن كثير.

رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هنّ قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرّم الله إلّا بالحقّ وأكل الرّبا وأكل مال اليتيم والتولّي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» «1» . وحديث رواه الطبري بطرقه عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري قالا: «خطبنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوما فقال والذي نفسي بيده ثلاث مرات ثم أكبّ فأكبّ كلّ رجل منا يبكي لا يدري على ماذا حلف ثمّ رفع رأسه وفي وجهه البشر فكان أحبّ إلينا من حمر النعم فقال ما من عبد يصلّي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويخرج الزكاة ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة ثم قيل ادخل بسلام» . وحديث رواه الشيخان والترمذي عن أبي بكرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ألا أخبركم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور أو قول الزور قال فما زال يقولها حتى قلنا ليته سكت» «2» . وحديث أورده ابن كثير عن عمير بن قتادة قال: «إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال في حجة الوداع ألا إن أولياء الله المصلون من يقيم الصلاة الخمس التي كتب الله عليه ويصوم رمضان ويحتسب صومه يرى أنه عليه حق، ويعطي الزكاة من ماله يحتسبها ويجتنب الكبائر التي نهى الله عنها فسأله رجل يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: تسع الشرك بالله وقتل نفس مؤمن بغير حق وفرار يوم الزحف وأكل مال اليتيم وأكل الربا وقذف المحصنة وعقوق الوالدين المسلمين واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا» . وهناك نصوص عديدة أخرى في كتب التفسير وبخاصة في تفسير ابن كثير لا تخرج عن نطاق ما أوردناه فنكتفي بما أوردناه. وننبه على أن كل ما ورد في

_ (1) التاج ج 3 ص 4- 5. (2) المصدر نفسه ص 57.

الأحاديث مما نهى القرآن وشدد فيه الإنذار والوعيد. ويبدو من تنوع الكبائر في الأحاديث أنها لم تذكر على سبيل الحصر، وفي القرآن كبائر لم تذكر في الأحاديث مثل الكذب والميسر والظلم والنفاق والفساد في الأرض مثلا. والأحاديث الواردة في هذا الصدد مما أوردناه ولم نورده هي على الأرجح على ما يدل عليه أنواع الكبائر المذكورة فيها وأسماء رواتها من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد صدرت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في العهد المدني، حيث يمكن القول إن الجملة التي نحن في صددها والتي نزلت في وقت مبكر من العهد المكي قد قصدت كل ذنب كبير إطلاقا مما فيه تقرير مبدئي. وهذا من سمات القرآن المكي، أما التنوع الملحوظ في الأحاديث فالمتبادر أنه متصل بالظروف التي كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يرى من الحكمة أن ينبه أو ينهى عما جاء فيها، والله تعالى أعلم. أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى (1) (34) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (35) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (36) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ (2) وازِرَةٌ وِزْرَ (3) أُخْرى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (40) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (41) وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (42) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (4) (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (47) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (5) (48) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (6) (49) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى (50) وَثَمُودَ فَما أَبْقى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ (7) وَأَطْغى (52) وَالْمُؤْتَفِكَةَ (8) أَهْوى (9) (53) فَغَشَّاها ما غَشَّى (10) (54) فَبِأَيِّ آلاءِ (11) رَبِّكَ تَتَمارى (12) (55) [33- 55] . (1) أكدى: بخل وأمسك ومنع وأظهر الفقر. (2) تزر: تحمل. (3) وزر: حمل ومعنى الآية أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى: ألا يحمل امرؤ ذنب امرئ آخر.

(4) تمنى: تنزل منيّا. (5) أقنى: يسر للناس أن يقتنوا الأموال والمقتنيات. أو أغناهم حتى أرضاهم، حسب تعدد الأقوال. (6) الشعرى: أحد الكواكب المشهورة عند العرب. (7) أظلم: هنا بمعنى أشد جرما وعدوانا وانحرافا. (8) المؤتفكة: قوم لوط وقراهم على ما ذكره جمهور المفسرين. (9) أهوى: أسقطها وجعل عاليها سافلها كما جاء في آيات أخرى. (10) فغشّاها ما غشّى: فألبسها من العذاب ما ألبسها. (11) آلاء: آيات أو نعم. (12) تتمارى: تشك وتكذّب. معاني الآيات اللغوية والبيانية واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. وأكثرها جاء على ما يتبادر استطرادا معطوفا على التنديد بالذي أعرض عن الدعوة ولم يعط من ماله إلّا القليل ثم تباخل وتظاهر بالفقر مطمئنا إلى المستقبل كأنما أمر الغيب في يده، وهو ما احتوته الآيات الثلاث الأولى فجاء ما بعدها من الآيات لتستطرد إلى توكيد المبادئ التي قررها الله في كتبه منذ القدم بحتمية انتهاء مصائر الناس إليه ونيلهم جزاء أعمالهم من خير وشر، دون أن يحمل أحد وزر غيره، والتنبيه إلى سنن الله وآلائه في كونه والتذكير بما كان من نكال الله في الطغاة والغابرين أمثال عاد وثمود وقوم لوط في معرض التدليل على شمول قدرته وتصرفه، وكون ما في أيدي الناس من مال وخير إنما هو من تيسيره ونعمه. والمتبادر أن الآيات غير منقطعة الصلة عن الآيات السابقة لها وخاصة الآيتين السابقتين مباشرة. ففيهما أمر بالإعراض عمن تولى عن ذكر الله وتنويه وبشرى للذين أحسنوا. فجاءت هذه الآيات تندد بالمتولي المتباخل ثم تستطرد إلى ما استطردت إليه.

ولقد روى المفسرون «1» روايات عديدة في مناسبة نزول الآيات أو القسم الأول منها. فهناك رواية بأنها نزلت في الوليد بن المغيرة الذي لان قلبه واتبع الرسول فعيره بعضهم فقال إني خشيت عذاب الآخرة فقال له أعطني بعض مالك وأنا أتحمل عنك ذلك العذاب فأعطاه شيئا ثم أمسك. ورواية بأنها نزلت في أبي جهل أو العاص بن وائل السهمي لأنهما كادا يقران برسالة النبي ثم نكصا. ورواية بأنها نزلت في عبد الله بن أبي سرح أخي عثمان بن عفان في الرضاعة لأنه خوف أخاه من ذهاب ماله من كثرة ما أنفق في سبيل الله فقال له إن لي ذنوبا كثيرة أرجو بما أفعله عفو الله فقال له أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك. والحوادث المروية لا تتطابق مع نص الآيات ومضمونها. ومع أننا نرجح أن يكون شخص معين فعل شيئا مما ورد في الآيات فاستحق ما احتوته من حملة تنديدية فإن عدم انفصاح السلسلة عما قبلها يسوغ القول إن فعل هذا الشخص كان وسيلة وموضوعا لحملة عامة مطلقة تشمله وتشمل أمثاله. وتقرر ما قررته من مبادئ وتذكر بما ذكرت به من مواضع العبر السالفة مما جرى النظم القرآني عليه كثيرا. ولقد روى الطبري بطرقه في سياق تفسير الآية [124] من سورة البقرة أحاديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم فيها توضيح لجملة وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) منها حديث رواه أبو أمامة قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وإبراهيم الذي وفّى أتدرون ما وفّى؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال: وفّى عمل يوم أربع ركعات في النهار» . وحديث رواه أنس قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم ألا أخبركم لم سمّى الله خليله الذي وفّى؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون حتى يختم الآيات» . والأحاديث لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة، والخبر من المغيبات يجب الوقوف منها عند ما وقف عنده القرآن ما دام ليس هناك أثر نبوي وثيق فيها.

_ (1) انظر تفسيرها في كتب تفسير الطبري والبغوي والزمخشري.

تعليق على مبدأ

وإن كان يصح القول أن الجملة في صدد التنويه بإبراهيم عليه السلام لأنه وفّى ما أمره به الله تعالى. تعليق على مبدأ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وعلى مبدأ: أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وفي الآيات [40- 42] توكيد قوي وحاسم للمبدأ القرآني الذي قررته بعض آيات هذه السورة والسور التي قبلها. وهو قابلية الإنسان للكسب والاختيار والسعي ومسؤوليته عن كسبه واختياره، واستحقاقه الجزاء على ذلك وفاقا لما يكون فيه من خير وشر ونفع وضرّ وهدى وضلال. وفي هذا ما فيه من تقوية الوازع الذاتي فيما يباشره الإنسان من عمل وفي عواقبه على ما ذكرناه في سياق سورة المدثر. وفي الآيات زيادة مهمة ذات خطورة تلقينية عظمى في تقوية هذا الوازع وهي تقرير أثر سعي الإنسان في عاقبته وجزائه على طريق الحصر بحيث يوفر في نفسه عدم الجدوى في الاعتماد على شيء آخر غير العمل الصالح على سعة شموله لنيل ما وعد الله عباده الصالحين من سعادة الدنيا والآخرة. ولقد استطرد المفسرون «1» في سياق تفسير هذه الآيات إلى مسألة انتفاع الموتى بما يهبه لهم الأحياء من عبادات وصدقات. وأوردوا في ذلك أحاديث نبوية عديدة، منها حديث رواه الشيخان عن عائشة جاء فيه: «أن رجلا قال للنبي صلّى الله عليه وسلّم إنّ أمي افتلتت نفسها ولم توص وأظنّها لو تكلّمت لتصدّقت أفلها أجر إن تصدّقت عنها قال نعم» «2» . وحديث رواه البخاري والترمذي والنسائي عن ابن عباس جاء

_ (1) انظر تفسير البغوي والخازن وابن كثير والطبرسي. (2) التاج ج 1 ص 345- 346. الجزء الثاني من التفسير الحديث 8

فيه: «إن أمّ سعد بن عبادة توفّيت وهو غائب عنها فقال يا رسول الله أينفعها شيء إن تصدّقت عنها قال نعم قال فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عنها» «1» . وحديث رواه أبو داود وأحمد والنسائي عن سعد بن عبادة نفسه أنه قال: «يا رسول الله إنّ أمّ سعد ماتت فأيّ الصدقة أفضل قال الماء فحفر بئرا وقال هذه لأمّ سعد» «2» . وحديث عن عائشة رواه البخاري ومسلم عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليّه» «3» . وحديث رواه الخمسة عن ابن عباس قال: «جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال يا رسول الله إنّ أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال: لو كان على أمّك دين أكنت قاضيه عنها؟ قال: نعم، قال فدين الله أحقّ أن يقضى» «4» . وحديث رواه الشيخان جاء فيه: «جاءت امرأة إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالت يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر أفأصوم عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمّك دين فقضيتيه أكان يؤدّي ذلك عنها قالت نعم قال فصومي عن أمك» «5» . وحديث رواه الترمذي وابن ماجه عن ابن عمر قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كلّ يوم مسكينا» «6» . وقد ذهب الإمام أحمد إلى صحة انتفاع الميت بثواب كل ما يوهب له من عبادات وتطوعات وصدقات استنادا إلى هذه الأحاديث. والمذهب وجيه، ولسنا نرى فيه تناقضا مع روح الآيات، وفي الأحاديث النبوية حثّ على فعل الخير عبادة وصدقات ولو كان للميت. وفي ذلك ما فيه من تلقين. ويتحفظ الإمام الشافعي بخاصة في انتفاع الموتى بما يقرأ ويوهب لهم من قرآن لأنه ليس من عملهم وكسبهم، وأيده ابن كثير الذي فرق بين قراءة القرآن وبين الدعاء والصدقات وقال إن هذا مجمع على وصول

_ (1) التاج ج 1 ص 345- 346. [.....] (2) المصدر نفسه. (3) التاج ج 2 ص 71. (4) المصدر نفسه ص 72. (5) المصدر نفسه. (6) المصدر نفسه.

نفعه إلى الموتى. ومن هذا السنة المتواترة بالصلاة على الأموات والدعاء والاستغفار لهم. ولقد أورد المفسرون إلى ذلك أحاديث أخرى عن انتفاع الموتى بثواب ما يكون أثرا من آثارهم. منها حديث رواه مسلم والترمذي وأبو داود عن أبي هريرة جاء فيه: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا. ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» «1» . وحديث رواه مسلم والترمذي والنسائي وأبو داود عن أبي هريرة أيضا جاء فيه: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلّا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» «2» . وحديث رواه ابن ماجه والبيهقي عن أبي هريرة كذلك جاء فيه: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم إن ممّا يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علّمه ونشره وولدا صالحا تركه أو مصحفا ورّثه أو مسجدا بناه أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهرا أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحّته وحياته تلحقه من بعد موته» «3» . وحديث رواه مسلم والترمذي عن جرير قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء. ومن سنّ في الإسلام سنّة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء» «4» وحديث رواه الترمذي عن عوف المزني قال: «إن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال لبلال بن الحارث اعلم قال ما أعلم يا رسول الله قال إنه من أحيا سنة من سنّتي قد أميتت بعدي فإنّ له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله كان عليه مثل آثام من

_ (1) التاج ج 1 ص 66. (2) المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه ص 66- 67. (4) المصدر نفسه.

عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا» «1» . وهذه الأحاديث أكثر من تلك تساوقا مع الآيات لأن هذه الأعمال التي تلحق آثارها الموتى هي من كسبهم وسعيهم. ومهما يكن من أمر هذا الاستطراد فإن المتبادر أن الآيات في أصلها وظرف نزولها المبكر قد استهدفت حضّ السامع على الإيمان والعمل الصالح، وتحذيره من عواقب الإثم والضلال وتنبيه إلى أن نجاته وشقاءه في الآخرة مرهونان بسعيه وكسبه اللذين سوف يجازى حسبهما جزاء تاما وافيا. وليس من شأن ما ورد من آثار أن تؤثر في قوة ما احتوته الآيات من ذلك. وجملة: أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى النجم [38] تكررت أربع مرات أخرى في أربع سور «2» . وفي كل المقامات جاءت في صدد كسب الإنسان لعمله ومسؤوليته عنه أمام الله تعالى. حيث ينطوي في ذلك إيذان قرآني بأن كل إنسان مسؤول عن عمله وبأن الله تعالى لا يمكن أن يحمل أحدا مسؤولية عمل صدر من غيره وحيث يمكن أن يقال إن هذا من المبادئ القرآنية المحكمة المتسقة مع مبادئ الحق والعدل التي بشرت بها الدعوة الإسلامية. وإطلاق العبارة يجعل تلقينها شاملا بحيث يمكن أن يقال إن الله تعالى كما أنه لا يحمل أحد مسؤولية عمل صدر عن غيره وبأن كل إنسان مسؤول عن عمله أمامه فلا ينبغي لأحد أن يحمل شخصا مسؤولية عمل صدر من شخص آخر إذا لم يكن له صلة ما بهذا العمل ظاهرة أم باطنة. وإن مسؤولية أعمال الإنسان منحصرة في فاعلها. وقد تقدم تعريف بقومي عاد وثمود في سياق تفسير سورتي الشمس والفجر. وسيأتي بتفصيلات أخرى عنهما في مناسبات أخرى لأن قصصهما تكررت وتنوعت مضامينها في سور عديدة وليس في ما جاء عنهما في السورة جديد يتحمل تعليقا

_ (1) التاج ج 1 ص 66- 67. (2) الأنعام 164 والإسراء 15 وفاطر 18 والزمر 7.

جديدا فنرجئ ذلك إلى المناسبات الآتية. وذكر قوم نوح يأتي هنا لأول مرة، وقد تكرر كثيرا في سور أخرى في بعضها إسهاب غير يسير. وخلاصة قصة نوح وقومه في القرآن أن الله أرسله إلى قومه فكفروا وكذبوه فأخبره الله أنه سوف يهلكهم بالطوفان وأمره بصنع سفينة تحمله وأهله وزوجين من كل حي لينجيهم من الطوفان ففعل ثم كان الطوفان فأغرق الناس ونجا نوح وأهله ومن على السفينة. وكان نوح وأهله هم الباقين من بني آدم وأصلهم الثاني. وقد ذكرت قصة نوح وسفينته وطوفانه في الإصحاحات 5- 9 من سفر التكوين وبين ما ورد في هذا السفر وما ورد في القرآن تطابق إجمالا مع بعض التغاير وسوف نعلق على ذلك في المناسبات الآتية التي جاءت قصة نوح فيها أكثر بيانا وإسهابا. والمتبادر أن سامعي القرآن كانوا يعرفون هذه القصة التي كان يعرفها الكتابيون من أسفارهم ومنهم من كان بينهم. وفي كتب التفسير بيانات كثيرة على هامشها معزوة إلى علماء الصدر الإسلامي الأول، وفي ذلك دليل على ما قلناه. وليس في سفر التكوين شيء عن البلاد التي كان فيها نوح وقومه. وقد ذكر فيه أن السفينة استقرت فوق جبل أرارات. وذكر في سورة هود اسم آخر لهذا الجبل وهو الجودي وأرارات أو الجودي أحد جبال شمال العراق. ولا ندري إذا كان هذا يسوغ القول إن مكان نوح وقومه كان بلاد العراق. وسفر التكوين متطابق مع القرآن في أن نوحا هو أقدم أنبياء الله ورسله بعد آدم، والله تعالى أعلم. والإشارة إلى قوم لوط تأتي هنا لأول مرة أيضا إذا كان تعبير المؤتفكة يعني قوم لوط. وقد تكررت كثيرا في سور أخرى فيها شيء من البيان والإسهاب. وخلاصة قصة لوط وقومه في القرآن أن الله أرسله إلى قومه فكفروا برسالته وكانوا يرتكبون الفاحشة مع الذكور ولم يرتدوا رغم الإنذار فأرسل الله عليهم حاصبا

ودمر قراهم وجعل عاليها سافلها وترك آثارها للعبرة. وفي القرآن آيات تشير إلى ذلك وإلى الجهة التي فيها هذه الآثار وهي آيات سورة الصافات هذه: وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (138) والآيات تفيد أن هذه الآثار في طريق قوافل أهل بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم ويمرون عليها في الصباح وبالليل. والمقصود من ذلك على ما هو المتواتر آثار سدوم وعمورة على شاطئ البحر الميت الذي كان في طريق قوافل أهل الحجاز إلى فلسطين ومصر. ولقد ذكرت قصة لوط وقومه في الإصحاحات 12- 19 من سفر التكوين بشيء من الإسهاب متطابق إجمالا مع ما جاء في القرآن مع شيء من التغاير. وسنعلق على ذلك في المناسبات الآتية التي جاءت هذه القصة أكثر بيانا وإسهابا. والمتبادر أن سامعي القرآن كانوا كذلك يعرفون هذه القصة من الكتابيين وفي كتب التفسير بيانات كثيرة على هامشها أيضا معزوة إلى علماء الصدر الإسلامي الأول مما فيه دليل على ذلك. ولقد ذكرت الكتب العربية اسم الشعرى الوارد في الآيات وقالت إنه النجم الوقّاد الذي يتبع الجوزاء وإن هناك شعريين شعرى العبور وشعرى الغميضاء وإن العرب كانت تتعبدهما ويقال لهما أختا سهيل أيضا. وروت بعض الأساطير حولهما «1» . والمتبادر من الأسلوب الذي ذكرت به الشعرى في الآيات أن القصد من ذلك تنبيه السامعين إلى أن الله عز وجل هو رب ذلك المعبود الذي يسمونه الشعرى ويعبدونه. وصحف إبراهيم وموسى ذكرت في سورة الأعلى وقد نبهنا في سياق تفسير هذه السورة إلى القصد من ذلك وعلقنا على الموضوع بما فيه الكفاية. ولقد قال المفسرون في معنى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى النجم [37] الذي قام بما أمره الله به

_ (1) انظر بلوغ الأرب للآلوسي ج 2 ص 239 وما بعدها، وانظر تفسير الآيات في تفسير الطبري وابن كثير.

على سبيل التنويه. وفي سورة البقرة آية تذكر ذلك وهي: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [124] وسنذكر ما ذكرته الروايات عن هذه الكلمات في مناسبة هذه الآية لأنها ملائمة أكثر. هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (56) أَزِفَتِ (1) الْآزِفَةُ (2) (57) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ (58) أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (3) (61) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62) [56- 62] . (1) أزفت: اقتربت. (2) الآزفة: كناية عن يوم القيامة حيث تتضمن معنى القريبة. (3) سامدون: متكبرون وشامخون أو معرضون أو غافلون. في الآيات توكيد بأن الإنذار القرآني الذي يبلغه النبي صلّى الله عليه وسلّم للناس هو من جنس النذر الأولى التي أرسلها الله على لسان رسله الأولين وهتاف بقرب مجيء يوم القيامة الذي ليس لأحد منه معاذ إلّا الله والاستجابة لدعوته، وخطاب تنديدي موجه إلى الكفار بسبب مقابلتهم نذير الله وقرآنه بالعجب والضحك والإعراض في حين أن الأولى بهم أن يخافوا ويبكوا من هول ما ينذرون به وقد انتهت الآيات بأمر السامعين بالسجود لله وعبادته كأنما تهتف بهم بأن هذا هو ما يجب أن يفعلوه. والآية الأخيرة يمكن أن تكون موجهة إلى المؤمنين حثا لهم على عدم الاهتمام بموقف الكفار وما هم فيه من لهو وضحك، والإقبال على عبادة الله والتقرب إليه كما يمكن أن تكون موجهة إلى الكفار استمرارا على الخطاب الموجه إليهم. والآية الأولى خاصة جاءت معقبة على الآيات السابقة فبعثة النبي صلّى الله عليه وسلّم ليست بدعا يستدعي الاستغراب ويثير العجب. والقرآن ليس هو الكتاب الوحيد الذي

أوحى الله به. وهذا وذاك مما جرى من سنن الله في إنذار البشر منذ الأزمنة الأولى كما أنهما متصلان في أهدافهما ومضامينهما بما أرسل الله من رسل وأوحى إليهم من كتب، وهذا المعنى قد تكرر كثيرا في القرآن، والمتبادر أنه استهدف تأنيب الكفار على مواقفهم من جهة وتقرير وحدة الأسس والمصدر بين دعوة النبي صلّى الله عليه وسلّم ودعوة الأنبياء السابقين عليهم السلام من جهة أخرى، ولما كان السامعون والكفار منهم يعرفون خبر رسالات الرسل السابقين كانت الحجة قد قامت عليهم. والآية الثانية وإن كان يبدو من ظاهرها أنها تتضمن معنى اقتراب يوم القيامة فإن روحها تلهم أنها بقصد الإنذار بهذا اليوم مطلقا إنذار فيه إرهاب وقطعية، على اعتبار أن الشيء الذي لا بد من مجيئه وشهوده واقع لا ريب فيه ومقترب إليهم. فكأنما أريد تذكير السامعين وخاصة المكذبين بأسلوب إنذاري حاسم أن ما يظنونه غير ممكن أو غير حقيقي أو بعيد الاحتمال هو أمر حقيقي لا ريب فيه، ولا يقيهم من هوله إلّا اللجوء إلى الله والاستجابة إلى دعوة نبيه، وفي هذا من التلقين وقوة الوازع ما فيه.

سورة عبس

سورة عبس في السورة عتاب رباني للنبي صلّى الله عليه وسلّم على اهتمامه بزعيم كافر معرض عن الدعوة أكثر من اهتمامه بأعمى مسلم، وتقرير لمهمة النبوة وتنديد بالإنسان وجحوده وتعداد نعم الله عليه. وإنذار بالآخرة وهولها ومصائر الصالحين والمجرمين فيها. ومن المحتمل أن تكون قد نزلت فصلا بعد فصل حتى كملت بدون انفصال، وعدا فصل العتاب الذي هو الفصل الأول فإن أسلوب باقي آياتها هو تنديد وإنذار عام. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة عبس (80) : الآيات 1 الى 12] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (2) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (8) وَهُوَ يَخْشى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (12) . (1) يزكّى: يتزكى بمعنى يستفيد ويزداد علما وصفاء روح. (2) تصدّى: تتصدى أي تتعرض له. (3) تلهّى: تتلهى أي تتشاغل عنه. في الآيات عتاب للنبي صلّى الله عليه وسلّم على ما كان منه من عبوس وانصراف عن الأعمى المسلم المستشعر بخوف الله الذي جاءه ساعيا للاستفادة والاستنارة وتصدّ لرجل عنيد مكذب يظهر الاستغناء عن دعوة الله ليس مسؤولا عن عدم إسلامه واستجابته.

مدى العتاب الرباني للنبي صلى الله عليه وسلم وما في آيات سورة عبس الأولى من تلقين ومبادئ

وقد انتهت بتقرير كون الدعوة إنما هي تذكير للناس لا إلزام فيه ولا إبرام، فمن شاء الخير تذكّر وانتفع، ومن لم يشأ فعليه وبال أمره. وقد روي أن الآيات نزلت بمناسبة مجيء أعمى مسلم يتفق جمهور المفسرين على أنه ابن أم مكتوم إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم ليسأله في بعض شؤون الدين في وقت كان يتحدث فيه مع بعض الزعماء بأمر الدعوة، وأن الأعمى قد ألحّ في السؤال حتى بدت الكراهية في وجه النبي صلّى الله عليه وسلّم وظل منصرفا معرضا عنه ماضيا في حديثه مع الزعيم الذي روي في رواية أنه عتبة بن ربيعة وفي رواية أنه أبو جهل وفي رواية أنهم كانوا ثلاثة وهم عتبة وأبو جهل والعباس بن عبد المطلب «1» ، وروح الآيات تلهم صحة الرواية إجمالا. مدى العتاب الرباني للنبي صلّى الله عليه وسلّم وما في آيات سورة عبس الأولى من تلقين ومبادئ وهذه أول مرة ينزل فيها قرآن فيه عتاب للنبي صلّى الله عليه وسلّم، وروح الآيات ومضمونها يلهمان أن العتاب إنما كان على مخالفة النبي صلّى الله عليه وسلّم لما هو الأولى. فالنبي صلّى الله عليه وسلّم كان في موقف المجتهد فيما رآه الأولى. والمستغرق في دعوته ونشرها والحريص على النجاح فيها، وليس في موقف الممتنع عن تعليم الأعمى وتنويره وليس في هذا شيء يناقض العصمة النبوية. وفي العتاب وأسلوبه ومفهومه وروحه تهذيب رباني عظيم المدى للنبي صلّى الله عليه وسلّم وفي إعلان النبي صلّى الله عليه وسلّم العتاب يتجلى الصدق النبوي العميق الذي يملك النفس والقلب ويملأهما بالإعظام والإجلال. وفي الآيات تلقينات ومبادئ أخلاقية واجتماعية وسلوكية جليلة مستمرة المدى، ففيها إشادة بذوي النيات الحسنة من الناس الذين يسعون وراء الخير والمعرفة صادقي الرغبة في الاستفادة والاستنارة وصالح العمل، وإيجاب الاهتمام

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري والنيسابوري وابن كثير والبغوي والطبرسي.

[سورة عبس (80) : الآيات 13 إلى 16]

لهم والعناية بهم وتشجيعهم ومساعدتهم مهما كانت طبقتهم، وترجيحهم على الذين يترفعون عن كلمة الحق والدعوة إليه ويظهرون الغرور والاستغناء مهما علت مراكزهم، وإيجاب معاملة هؤلاء بالإهمال والاستهانة تأديبا لهم ولأمثالهم، وفيها تقرير الأفضلية بين الناس لذوي النيات الحسنة والصلات الصادقة في الخير بقطع النظر عما يكونون عليه من فضل أو تأخر في الدرجات الاجتماعية. وفي الآيتين الأخيرتين خاصة تطمين للنبي صلّى الله عليه وسلّم وتقرير لمهمته. فمهمته التذكير والدعوة لا الإلزام، وفيهما توكيد تقرير المشيئة والاختيار للإنسان بعد بيان طريق الهدى والضلال والحق والباطل وتقرير مسؤولية كل امرئ عن عمله، فمن اهتدى فقد نجى نفسه ومن ضل فقد أهلكها. وهذا كله مما تكرر تقريره في كثير من المناسبات وفي ذلك تلقين جليل مستمر المدى يجب على المسلمين وخاصة أصحاب الدعوات الإصلاحية والاجتماعية والسياسية أن يسيروا على ضوئه في صلاتهم بالناس. وبعض مفسري الشيعة يروون أن العتاب ليس موجها إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم لأنه لا يمكن أن يصدر منه ما يستوجب عتابا. وإنما هو موجه إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه أو أحد بني أمية من كان حاضرا مجلس النبي صلّى الله عليه وسلّم حينما جاء الأعمى فأظهر تقززه منه «1» . غير أن جمهور المؤولين والرواة على أنه موجه إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم. وفحوى الآيات ينطوي على دلالة تكاد تكون حاسمة على ذلك. والمتبادر أن روايات الشيعة منبثقة من هواهم وبغضهم لعثمان وبني أمية. وهذا ديدنهم في كل مناسبة مماثلة على ما نبهنا عليه في سياق سورة الليل. [سورة عبس (80) : الآيات 13 الى 16] فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرامٍ بَرَرَةٍ (16) . (1) صحف: الجمهور على أن الكلمة تعني الفصول القرآنية التي كانت توحى إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم. وقد قال بعض المفسرين إنها صحف أعمال الناس التي

_ (1) انظر الجزء الثاني من كتاب التفسير والمفسرون السابق الذكر ص 167 و 191. [.....]

يكتبها الملائكة الموكلون بهم أو كتب الله التي أنزلها على أنبيائه «1» . والقول الأول أوجه لأنه متسق مع ظرف نزول الآيات. (2) سفرة: جمع سفير وهو الرسول. والجمهور على أنهم الملائكة الذين يبلغون وحي الله وقرآنه. وقد قال بعض المفسرين إنهم قراء القرآن «2» والقول الأول أوجه. (3) بررة: جمع بار، وهنا بمعنى الصادق الأمين. جاءت هذه الآيات معقبة على الآيات السابقة وبخاصة على الآيتين الأخيرتين منها، فقد تضمنت الآية [9] كلمة تذكرة فجاءت الآيات لتبين ماهية هذه التذكرة وتنوه بها فهي صحف مكرمة مطهرة رفيعة القدر يبلغها سفراء كرام على الله بررة أمناء مخلصون لله عز وجل فيما يقومون به من مهمة السفارة بينه وبين أنبيائه. وواضح أن تعبير الصحف على التأويل المتقدم الذي عليه الجمهور هو هنا تعبير مجازي لأن الوحي الرباني لم يكن يحمل إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم شيئا مكتوبا في صحف وإنما كان يلقى ما يحمله من وحي رباني عليه إلقاء. ولعل في التعبير تلقينا بوجوب تدوين ما يلقيه الوحي في الصحف أو إشارة إلى مصيره إلى ذلك. والمأثور المتواتر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يأمر بتدوين ما كان ينزل به الوحي من فصول القرآن في صحف في حين نزوله «3» حيث يكون قد لمح ذلك التلقين وعمل به. وفي الآيات تلقين مستمر المدى بما يجب للمدونات القرآنية من التكريم والطهارة وحرمة الشأن والرفعة. هذا، ولما كان الملك الرباني الذي كان يتصل بالنبي ويبلغه القرآن واحدا وهو جبريل في آية سورة البقرة هذه: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) والروح الأمين في

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري وابن كثير والطبرسي والنيسابوري والبغوي. (2) المصدر نفسه. (3) انظر الفصل الثاني من كتابنا القرآن المجيد.

[سورة عبس (80) : الآيات 17 إلى 23]

آيات الشعراء هذه: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) وروح القدس في آية سورة النحل هذه: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (102) «1» . فالمتبادر أن صيغة الجمع لكلمة سفرة وأوصاف السفرة هي بقصد تعظيم شأن ملك الله جريا على أسلوب التخاطب البشري عامة والعربي خاصة. [سورة عبس (80) : الآيات 17 الى 23] قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (23) . (1) قدّره: دبر خلقه على ناموس محسوب قويم. (2) كلّا لمّا يقض ما أمره: قال جمهور المفسرين إنها جاءت منددة بالإنسان على جحوده لأنه لم يقم بواجبه نحو الله «2» وقال بعضهم إنها من المحتمل أن تكون توضيحا للآيات التي قبلها أي إن الله لا ينشر من في القبور إلّا في الوقت الذي قضى به «3» ، والتأويل الأول هو الأوجه. في الآيات استطراد تنديدي بالإنسان الذي يجحد الله ويتمرد على أوامره ولا يقوم بواجبه نحوه على ضآلة شأنه في كون الله وشمول تصرف الله فيه إنشاء وإحياء وإماتة ونشرا بعد الموت حين تشاء حكمته. ومع احتمال أن يكون التنديد بالكفار على مواقف المكابرة والعناد التي وقفوها فإن أسلوب الآيات المطلق يجعلها في نفس الوقت تنديدا عاما ذا تلقين

_ (1) جمهور المفسرين على أن الروح الأمين وروح القدس تعنيان جبريل عليه السلام أيضا، انظر تفسير آيات الشعراء والنحل في تفسير الطبري وابن كثير والطبرسي والزمخشري وغيرهم. (2) انظر تفسيرها في الطبري والبغوي والنيسابوري والطبرسي وابن كثير. (3) انظر تفسيرها في تفسير ابن كثير أيضا.

[سورة عبس (80) : الآيات 24 إلى 32]

مستمر المدى بكل إنسان يجحد الله ويتمرد عليه كما هو المتبادر. والآية [20] تتضمن تقرير كون الله قد بيّن للناس الطريق القويم ويسّر لهم سلوكه وأوجد فيهم قابلية القدرة على هذا السلوك. وفي هذا توكيد للتقريرات القرآنية السابقة في هذا الصدد كما هو ظاهر. [سورة عبس (80) : الآيات 24 الى 32] فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (27) وَعِنَباً وَقَضْباً (28) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (29) وَحَدائِقَ غُلْباً (30) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (32) . (1) قضبا: الرطب أو الثمار الغضة التي يتكرر قطف أشجارها أو العلف على اختلاف الأقوال. (2) غلبا: كثيفة الشجر. (3) فاكهة: كل ثمرة لذيذة حلوة. (4) أبّا: المرعى على أوجه الأقوال. الآيات جاءت معقبة على ما سبقها من الآيات كما هو المتبادر، واستمرارا لها سياقا وموضوعا، فعلى ذلك الإنسان الجاحد المتمرد على الدعوة إلى الله وغير القائم بحق الله أن ينظر ويفكر فيما يتمتع به مما يسره الله له من أسباب الغذاء المتنوع له ولأنعامه ليرعوي عن موقفه لأنه سوف يرى أن كل هذا إنما يتم له بتيسير الله ورعايته. ومع أن ورود جمع المخاطب في الآية الأخيرة يجعل الكلام موجها في الدرجة الأولى إلى السامعين وبخاصة المكابرين الجاحدين منهم، فإن أسلوب الآيات وبدأها بخطاب الإنسان يجعلها كذلك عامة التوجيه والتنديد أيضا. والمتبادر أن ما عددته الآيات من نعم الله على الإنسان من أنواع الغذاء لم

[سورة عبس (80) : الآيات 33 إلى 42]

يكن على سبيل الحصر وإن كان يتضمن التنويه بما فيه قوام حياة الإنسان والأنعام تقوية للتذكير وإحكاما للتنديد. كذلك فإن الآيات ليست بسبيل بيان نواميس الطبيعة، وإنما هي بسبيل الوعظ والتذكير بما هو ماثل للناس وواقع تحت مشاهدتهم وحاصل بممارستهم وفيه متاع متنوع الأشكال والصور لهم. وقد استهدفت إيقاظ الضمير الإنساني وحمله على الاعتراف بفضل الله وحقه وربوبيته. وهذا وذاك مما يلحظ في جميع الفصول القرآنية المماثلة. [سورة عبس (80) : الآيات 33 الى 42] فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (41) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42) . (1) الصاخة: الصاكة للآذان من شدة الصوت. والكلمة كناية عن يوم القيامة وتتضمن الإشارة إلى هوله. (2) صاحبته: كناية عن زوجته. (3) شأن يغنيه: شغل يشغله عن غيره. (4) مسفرة: منبسطة الأسارير. وهذه علامة الفرح والطمأنينة. (5) عليها غبرة ترهقها قترة: القترة سواد الدخان المتصاعد من النار وقيل إن القترة الغبار النازل من علو والغبرة الغبار الصاعد من الأرض والمقصود من الجملة بيان شدة ما يلحق بوجوه الكفار الفجار من اربداد وسواد ووسخ من شدة الهول والبلاء الذي يصيبهم في الآخرة. (6) الفجرة: جمع فاجر وهو المستهتر الموغل في الغواية والفاحشة. وهذه الآيات أيضا معقبة على ما سبقها واستمرار في السياق، وقد تضمنت

إنذارا بيوم القيامة ووصفا لهوله الذي يذهل المرء عن أقرب الناس إليه، وتصنيفا للناس فيه. فمنهم الفرح المغتبط المستبشر وهم المؤمنون الصالحون، ومنهم المربد الوجه الذي يعلوه الوسخ والاسوداد من شدة البلاء، وهم الكفرة الفجرة. والوصف قوي من شأنه إثارة الطمأنينة في الفريق الأول والفزع والرعب في الفريق الثاني. وحفز الأول على الثبات فيما هو فيه والثاني على الارعواء وتلافي العاقبة الوخيمة الرهيبة وهو في متسع من الوقت وهما مما استهدفته الآيات كما هو المتبادر.

سورة القدر

سورة القدر في السورة تنويه بليلة القدر وتقرير إنزال القرآن فيها. وبعض الروايات تذكر أنها مدنية «1» . غير أن جميع التراتيب المروية تسلكها في عداد السور المكية. وأسلوبها ووضعها في المصحف بعد سورة العلق قد يؤيدان مكيتها وتبكيرها في النزول. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة القدر (97) : الآيات 1 الى 5] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5) . (1) القدر: الشأن والنباهة. وفي آية سورة الأنعام هذه: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [91] أي ما عظموه تعظيما يتناسب مع قدره العظيم. (2) وما أدراك: جملة تنبيهية لخطورة الأمر المذكور وقد تكرر ورودها في معرض التنبيه للأمور الخطيرة. (3) جمهور المفسرين على أن هذا الاسم ينصرف إلى جبريل أحد عظماء الملائكة أو عظيمهم. احتوت الآيات تقريرا تذكيريا بإنزال القرآن في ليلة القدر، وتنبيها تنويهيا

_ (1) انظر الإتقان للسيوطي ج 1 ص 14. الجزء الثاني الحديث 9

تعليقات على ما روي في صدد نزول السورة ومدى جملة خير من ألف شهر وصلتها بدولة بني أمية

بهذه الليلة وعظم شأنها وخيرها وشمولها ببركة الله وسلامه، وتنزل الملائكة والروح فيها بأوامره وتبليغاته. والآيات لم تذكر القرآن غير أن جمهور المفسرين على أن ضمير الغائب في «أنزلناه» عائد إليه، وروح الآية تلهم ذلك كما أن آيات سورة الدخان هذه: حم (1) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) تؤيد ذلك. تعليقات على ما روي في صدد نزول السورة ومدى جملة خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ وصلتها بدولة بني أمية ولقد روى المفسرون «1» أن النبي صلّى الله عليه وسلّم ذكر يوما رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر فعجب المسلمون فأنزل الله السورة. كما رووا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم ذكر يوما أربعة من بني إسرائيل عبدوا الله ثمانين عاما لم يعصوه طرفة عين فعجب المسلمون فأتاه جبريل فقال يا محمد عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر فقد أنزل الله خيرا من ذلك ثم قرأ عليه السورة. وهذه الروايات لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة. والذي يتبادر لنا استئناسا من بكور نزول السورة وترتيبها في المصحف بعد سورة العلق أنها نزلت بعد قليل من آيات سورة العلق الخمس الأولى للتنويه بحادث نزول أول وحي قرآني. ولقد أورد المفسرون حديثا رواه الترمذي عن القاسم بن الفضل الحداني عن يوسف بن سعد قال: «قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية فقال سوّدت وجوه المؤمنين أو يا مسوّد وجوه المؤمنين فقال لا تؤنّبني رحمك الله فإنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم أري بني أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (1) الكوثر يا محمد يعني نهرا في الجنّة ونزلت: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ

_ (1) انظر كتب تفسير الطبري والبغوي وابن كثير والخازن.

الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) ، يملكها بعدك بنو أمية يا محمد. قال القاسم فعددناها فإذا هي ألف شهر لا تزيد يوما ولا تنقص» «1» . ولقد علق الطبري على هذا بقوله إنها دعاو باطلة لا دلالة عليها من خبر وعقل. وذكر ابن كثير أن الترمذي وصف حديثه بالغريب وقال إنه لا يعرف إلّا عن طريق القاسم. ووصفه ابن كثير بأنه منكر جدا وقال إن شيخنا الإمام الحافظ الحجة أبو الحجاج المزي قال عنه إنه منكر. ونبه على عدم انطباق مدة بني أمية على الألف شهر لأنها أكثر من ذلك بنحو تسع سنين. وفي هذا إظهار لكذب القاسم راوي الحديث في قوله إننا حسبناها فلم تزد ولم تنقص يوما. وقال ابن كثير فيما قاله إن السورة مكية ولم يكن للنبي منبر في مكة. والذي نعتقده أن الرواية من روايات الشيعة التي يخترعونها لتأييد مقالاتهم على ما نبهنا عليه في مناسبة سابقة مهما كان بين ما يروونه وبين فحوى العبارة القرآنية وسياقها مفارقة. وهذا يظهر قويا في هذه الرواية. ورواية الترمذي للرواية ليس من شأنها أن تجعلنا نتوقف في ذلك فاحتمال التدليس في ذلك وارد دائما. ولعل ما قاله ابن كثير من أنه لم يكن في مكة منبر هو الذي جعل رواة الشيعة يروون رواية مدنية السورة لأن روايتهم تتسق بهذه الرواية. ولقد قال الطبري إن أشبه الأقوال بظاهر التنزيل في معنى جملة لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) من قال: «عمل في ليلة القدر خير من عمل ألف شهر ليس فيها ليلة القدر» وروي عن مجاهد قولا جاء فيه أن معناها هو أن قيامها والعمل فيها خير من ألف شهر. ومع ما في هذا القول وذاك من وجاهة وصواب فإننا لا نزال نرجح أن الجملة قد جاءت بقصد التوكيد على ما في ليلة القدر من خير وبركة على سبيل التنويه والتعظيم بحدث الحادث العظيم الذي كان فيها، والله أعلم.

_ (1) انظر تفسيرها في الطبري وابن كثير ونص الحديث من ابن كثير. وقد أورده أيضا مؤلف التاج عزوا إلى الترمذي انظر التاج ج 4 ص 263.

تعليق على روايات نزول القرآن جملة واحدة

تعليق على روايات نزول القرآن جملة واحدة ولقد أورد المفسرون في سياق هذه السورة روايات وأقوالا تتضمن فيما تتضمنه أن القرآن أنزل دفعة واحدة إلى سماء الدنيا ثم أخذ ينزل منجّما أي مفرقا، وأن ما عنته هذه السورة هو هذا حيث قصدت جميع القرآن «1» . ولقد أورد ابن كثير في سياق تفسير آية البقرة [185] عن الإمام أحمد حديثا رواه عن واثلة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «أنزلت صحف إبراهيم في أول رمضان والتوراة لست خلت منه والإنجيل لثلاث عشرة خلت منه» . وأورد حديثا آخر رواه جابر بن عبد الله فيه زيادة عن الزبور وتعديل لوقت الإنجيل حيث جاء فيه: «إن الزبور نزل لثنتي عشرة خلت من رمضان والإنجيل لثماني عشرة خلت منه» . والمتبادر أن الأحاديث بسبيل ذكر نزول هذه الكتب في هذه الأوقات دفعة واحدة. والأحاديث لم ترد في الكتب الخمسة، ولقد روى بعضهم عن الشعبي أن الآية الأولى من سورة القدر تعني «إنّا ابتدأنا بإنزاله في ليلة القدر» «2» . والنفس تطمئن بقول الشعبي هذا، وبأن هذا السورة وآيات سورة الدخان التي أوردناها آنفا وآية سورة البقرة هذه: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ [185] قد عنت بدء نزول القرآن، وبأن سورة القدر قد احتوت تنويها بعظم حادث بدء نزول القرآن وجلالة قدره، وبخطورة الليلة التي شرّف الله قدرها، بحدوث هذا الحادث العظيم فيها. أما إنزال القرآن جميعه دفعة واحدة إلى سماء الدنيا فليس عليه دليل من القرآن أو من الحديث الصحيح. ولا يبدو له حكمة كما لا يبدو أنه منسجم مع طبيعة الأشياء حيث احتوت معظم فصول القرآن صور السيرة النبوية المتنوعة في مكة أولا ثم في المدينة وكثيرا ما كانت تنزل في مناسبات

_ (1) انظر تفسيرها في تفسير الطبري والنيسابوري وابن كثير والبغوي والطبرسي والزمخشري. (2) انظر تفسير السورة في تفسير الزمخشري والطبرسي أيضا وانظر تفسير آية شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن من البقرة في تفسير المنار وانظر الإتقان للسيوطي ج 1 ص 42 وانظر كتابنا القرآن المجيد ص 281 وما بعدها.

تعليق على ليلة القدر

أحداثها، وهذا الذي قلناه ينطبق على رواية قتادة التي أوردها الطبري بالنسبة للكتب السماوية الأخرى. تعليق على ليلة القدر ولقد أورد المفسرون ورواة الأحاديث أحاديث عديدة في صدد تعيين ليلة القدر. منها حديث رواه الشيخان والترمذي عن عائشة أيضا قالت: «كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يجاور في العشر الأواخر من رمضان ويقول تحرّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» «1» . وحديث رواه الخمسة إلّا الترمذي جاء فيه: «قال ابن عمر إن رجالا من أصحاب النبي أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحرّيها فليتحرّها في السبع الأواخر» «2» . وحديث رواه الشيخان والترمذي عن عائشة قالت: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تحرّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأخير من رمضان» «3» . وحديث رواه الخمسة إلّا البخاري عن زرّ بن حبيش قال: «سألت أبيّ بن كعب فقلت إن أخاك ابن مسعود يقول من يقم الحول يصب ليلة القدر فقال رحمه الله أراد ألا يتكل الناس. أما إنّه قد علم أنها في رمضان وأنها في العشر الأواخر وأنها ليلة سبع وعشرين ثم حلف لا يستثني أنّها ليلة سبع وعشرين فقلت بأيّ شيء تقول ذلك يا أبا المنذر قال بالعلامة أو بالآية التي أخبرنا رسول الله أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها» «4» . وحديث عن معاوية بن أبي سفيان رواه أبو داود وأحمد قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم ليلة القدر ليلة سبع وعشرين» «5» .

_ (1) التاج ج 2 ص 73- 76 ومعنى يجاور: يعتكف في المسجد. (2) المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه. [.....] (4) المصدر نفسه ص 77- 78 وهناك أحاديث عديدة أخرى أوردها ابن كثير في وقتها لم ترد في كتب الصحاح ومنها ما يذكر غير الأوقات المذكورة في الأحاديث التي أوردناها والواردة في كتب الصحاح فاكتفينا بذلك لأنها هي المشهورة والوثيقة معا. (5) المصدر نفسه.

ولما كانت آية البقرة تنصّ على نزول القرآن في شهر رمضان وآية القدر تنص على نزوله في ليلة القدر فيمكن أن يقال إن حادث أول وحي قرآني قد وقع في إحدى الليالي العشر الأخيرة من رمضان أو ليلة السابع والعشرين منه على التخصيص. والتنويه القرآني بهذه الليلة قوي. وهي جديرة به لأن الحادث الذي وقع فيها أعظم حادث في تاريخ الإسلام. وإليه يرجع كل حادث فيه. وكل ذكرى من ذكرياته، وكل خير وبركة من خيراته وبركاته، وهو الجدير بأن يكون تاريخه موضع تنويه وإشادة وتكريم واحتفاء في كل جيل من أجيال الإسلام، بل في كل جيل من أجيال البشر وفي كل مكان من الأرض. فالنبوة المحمدية التي بدأت به هي نبوة الخلود والبشرية جمعاء. والقرآن الذي بدئ بإنزاله على النبي صلّى الله عليه وسلّم في هذه الليلة هو كتاب الله الخالد الذي فيه رحمة وهدى وشفاء لجميع الناس في كل مكان وزمان، والذي احتوى ما فيه الكفاية لرجع أمور الدين والدنيا إلى نصابها الحق ولإقامة إخاء عام بين البشر. ونظام اجتماعي وسياسي واقتصادي مرتكز على قواعد الحق والعدل والحرية والمساواة والكرامة وهذا التاريخ هو التاريخ الوحيد المعروف في مثله من تاريخ الأنبياء وكتبهم. والقرآن هو الكتاب الوحيد الذي بقي في أيدي الناس كما بلغه النبي صلّى الله عليه وسلّم سليما تاما فوق كل مظنة. ومحمد صلّى الله عليه وسلّم هو النبي الوحيد الذي لم يدر حول وجوده وشخصيته وتاريخه ما دار حول غيره من الشكوك والأقوال. وفيما احتوته السورة من الإشارة إلى نزول الملائكة وعلى رأسهم عظيمهم في هذه الليلة بأوامر الله وبركاته وشمولها بالسلام والتجليات الربانية قصد إلى بيان عظمة شأنها ورفعة قدرها أولا، ودعوة ضمنية إلى المسلمين إلى إحيائها في كل عام اقتداء بالملائكة وتحصيلا للبركة الربانية فيها وتكريما للذكرى المقدسة التي انطوت فيها. ولقد أثرت بعض الأحاديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في خير هذه الليلة وبركتها، والحث على تحريها وإحيائها منها حديث رواه الخمسة عن أبي هريرة قال: «قال

النبي صلّى الله عليه وسلّم من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه» «1» . وحديث رواه الخمسة عن عائشة قالت: «كان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا دخل العشر شدّ مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله» . ولفظ الترمذي: «كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها» «2» . وهذا متصل من دون ريب بالذكرى الجليلة. ومن الغريب أن يغفل المسلمون عن المعنى العظيم لهذه الذكرى وأن ينتهوا من أمرها إلى المعاني والأهداف المادية الخاصة فيما يدعون الله به كما هو السائد في الأوساط الإسلامية منذ قرون طويلة. وقد يكون هنا مجال للتساؤل عما إذا كانت تسمية «ليلة القدر» هي تسمية قرآنية ونعتية طارئة، القصد منها التنويه والحفاوة والتذكير بعظمة شأن الحادث الذي كان فيها، أم أنها كانت معروفة قبل نزول القرآن. ولم نطلع على قول وثيق يساعد على النفي أو الإثبات. غير أن في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها والذي أوردناه في سياق تفسير سورة العلق أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يخلو بغار حراء فيتحنّث أي يتعبد فيه الليالي ذوات العدد، وأن الوحي نزل عليه هنا ما يمكن أن يكون دلالة ما إلى ما كان من معنى خطير لليالي ذوات العديد قبل البعثة. وما دام أن الوحي نزل عليه في إحدى هذه الليالي فمن الجائز أن تكون الليالي ذوات العدد هي الليالي العشر الأخيرة من رمضان أو أن هذه الليالي العشر منها. ولقد ذكرت الروايات «3» أن التحنث في شهر رمضان كان معروفا وممارسا في أوساط مكة المتقية المتعبدة حيث يسوّغ هذا أن يقال إن الليالي ذوات العدد كانت من الأمور المعروفة في هذه الأوساط أيضا. ولقد صارت ليلة القدر علما على ليلة بعينها، ووردت بمعنى هذه العلمية أحاديث عديدة مما مرت نصوصها، ولقد ورد في سورة الدخان هذه الآيات: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) حيث يفيد هذا أن الله عز وجل قد جرت

_ (1) التاج ج 2 ص 73- 74. (2) المصدر نفسه. (3) تاريخ الطبري ج 2 ص 48.

تعليق على كلمة الروح

عادته على قضاء الأمور الخطيرة المحكمة في ليلة القدر. ففي كل هذا كما يتبادر لنا قرائن أو شبه قرائن على أن تسمية ليلة القدر ليست تسمية طارئة ونعتية أو تنويهية وحسب، وأنها قد كان لها في أذهان بعض الأوساط المكية خطورة ما دينية الصفة. تعليق على كلمة الروح وبمناسبة ورود تعبير «الروح» نقول إن هذه الكلمة قد وردت في القرآن كثير في سياق الإشارة إلى هبة نسمة الحياة لآدم والمسيح والناس مضافة إلى الله عز وجل كما في آيات سورة الحجر هذه: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (29) وفي سورة الأنبياء هذه: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (91) وفي آيات سورة السجدة هذه: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (9) . وقد وردت الكلمة أيضا في صدد الإشارة إلى وحي الله وأوامره، وإلى الملك الذي كان ينزل بالقرآن على النبي صلّى الله عليه وسلّم كما جاء في آية سورة النحل هذه: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2) وفي آية غافر هذه: رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (15) وآيات سورة الشعراء هذه موصوفا بالأمين: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) . ووردت مطلقة بما يفيد أنها عظيم الملائكة كما جاء في آية سورة النبأ هذه: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (38) ووردت مضافة إلى القدس في سياق تنزيل القرآن كما جاء في آية

سورة النحل هذه: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (102) ووردت في آيات عديدة مضافة إلى القدس في صدد تأييد المسيح عليه السلام كما ترى في هذا المثال: وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ البقرة [87] والمتبادر أن المقصود من الكلمة هنا على ما تلهمه روح العبارة هو عظيم الملائكة. وفي سورة التحريم آية تلهم أن عظيم الملائكة هو جبريل وهي: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (4) ولما كانت آيات النحل نعتت الملك الذي ينزل بالوحي القرآني بالروح ولما جاء في آية في سورة البقرة أن الذي ينزل بهذا الوحي هو جبريل وهي: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) فيكون المقصود من الكلمة هنا هو جبريل عظيم الملائكة على ما هو المتبادر. وجمهور المفسرين على أن تسمية جبريل بروح القدس هي على اعتبار أنه روحاني الخلقة بدون تولد من أب وأم وأنه مطهر من الرجس والله تعالى أعلم. ولما كان أمر الملائكة وحقيقتهم وأعمالهم من المسائل الغيبة الواجب الإيمان بها لأن القرآن قد قررها كما قلنا قبل فالواجب الإيمان بما جاء في صددهم في الآية دون تخمين وتزيد مع ذكر كون ذلك بسبيل التنويه بعظم شأن الليلة للحادث العظيم الذي كان فيها. وندع التعليق على ما ورد في الآيات التي أوردناها في معرض التمثيل والتي تنسب الروح إلى الله عز وجل وتذكر نفخه بروحه في آدم ومريم والإنسان عامة إلى تفسير هذه الآيات في سورها.

سورة الشمس

سورة الشمس في السورة توكيد بفلاح المتقين الصالحين وخسران المنحرفين الضالين. وتذكير بحادث ناقة ثمود ونكال الله فيهم لتمردهم وطغيانهم. وتقرير لقابلية اكتساب الخير والشر في الإنسان وإيداع الله فيه تلك القابلية وإقداره على هذا الاكتساب. وهي عرض عام لأهداف الدعوة، وليس فيها مواقف حجاج وردود، مما يمكن أن يدل على أنها نزلت قبل الفصول التي ذكرت فيها مثل ذلك: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الشمس (91) : الآيات 1 الى 15] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالشَّمْسِ وَضُحاها (1) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (2) وَالنَّهارِ إِذا جَلاَّها (3) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (4) وَالسَّماءِ وَما بَناها (5) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (6) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (7) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (9) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (10) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (12) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (14) وَلا يَخافُ عُقْباها (15) (1) ضحاها: ضوءها في أول النهار. (2) تلاها: تبعها. (3) طحاها: بسطها أو وسعها. (4) ونفس وما سواها: جعلها سوية تامة الصفات والمظاهر خلقا وعقلا.

(5) فألهمها فجورها وتقواها: هنا بمعنى أودع فيها قابلية الفجور والتقوى. (6) زكاها: طهرها بصالح الأعمال. (7) دساها: أفسدها بسيء الأعمال وخبيثها. (8) طغواها: طغيانها. (9) أشقاها: أشقى قوم ثمود وهو الذي عقر ناقة الله. (10) سقياها: نصيبها من الشرب. (11) عقروها: هنا بمعنى قتلوها. (12) فدمدم: دمر أو استأصل. (13) فسوّاها: أحاط عذابه بها. (14) لا يخاف عقباها: قال بعض المفسرين إن الجملة تعني أن الله لا يعبأ بأحد حينما ينزل عليهم عذابه ولا يسأل عن ذلك، كما قالوا إنها تعني شقيّ ثمود الذي أقدم على عقر الناقة دون أن يحسب حساب العاقبة «1» . في السورة قسم رباني بما عدده من مظاهر الكون والخلق ونواميسها بأن المفلح السعيد من طهر نفسه باتباع الهدى وعمل الصالحات والتزام حدود الله، وبأن الخاسر الشقي من أفسدها بالضلال والتمرد والأفعال المنكرة. وفيها كذلك تذكير بما كان من تكذيب ثمود لنبيهم وطغيانهم وجرأة أحدهم نتيجة لذلك على عقر ناقة الله دون أبوه بتحذير نبيهم وبما كان من نكال الله فيهم. والسورة احتوت تقريرا عام التوجيه مستمر المدى لأهداف الدعوة في تطهير النفس والتسامي بها عن الإثم والغواية، وتبشير المستقيمين بالفلاح والمنحرفين بالخسران. والإطلاق في كلمتي (زكاها ودساها) يمكن أن يتناول الطهارة الدينية والدنيوية أو الروحية والأخلاقية أو الفساد الديني والدنيوي أو الروحي والأخلاقي معا، كما أن الفلاح والخيبة الواردين مع الكلمتين يمكن أن يتناولا الدنيا والآخرة معا، وفي كل ذلك من جلال التلقين وشموله ما هو ظاهر.

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري وابن كثير والبغوي مثلا.

تعليق على جملة ونفس وما سواها

تعليق على جملة وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها وجملة وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (7) تعني نفس الإنسان دون الأحياء الأخرى كما هو ظاهر من مضامين الآيات الثلاث التالية لها. ولما كان الله عز وجل قد خلق كل شيء وأحسن خلقه كما جاء في آيات أخرى منها آية سورة السجدة هذه: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [7] فإن في ذكر الإنسان بما جاء في الآيات [7- 10] معنى من معاني التنويه به وما اختصه الله به من إدراك وأودعه فيه من قابليات. ومعنى من معاني التنبيه على أنه ملزم دون غيره من الأحياء نتيجة لذلك بمسؤولية سلوكه. وفي هذا ما فيه من تكريم للإنسان وتحميله مسؤولية عن هذا التكريم. وقد تكررت هذه المعاني كثيرا في القرآن حيث ينطوي في ذلك خطورة ما تهدف إليه. تعليق على جملة فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها وحديث نبوي ورد في تفسيرها ولقد روى مسلم والترمذي عن عمران بن حصين قال: «إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالا يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه. أشيء قضي عليهم ومضى أو فيما يستقبلون به. فقال لا بل شيء قضي عليهم. وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (7) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (8) » «1» حيث ينطوي في الحديث تفسير للآية مفاده أن ما يفعله الإنسان من خير وشر هو بقضاء رباني سابق لا حيلة فيه. في حين أن الذي يتبادر بقوة من فحوى الآية وروحها أنها تتضمن تقرير كون الله عز وجل قد أودع في الناس قابلية

_ (1) التاج ج 5 ص 174.

تعليق على ناقة ثمود

فعل الخير والشر والهدى والضلال والتمييز والاختيار والسلوك. وفي الآيتين التاليتين لها تأييد قوي لذلك حيث احتوتا تنبيها تبشيريا وإنذاريا إلى نتائج استعمال هذه القابلية مع نسبة هذا الاستعمال للإنسان. وحيث يبدو من ذلك قصد التنبيه على التلازم والتلاحم بين الاختيار ونتائجه. وحيث يتسق هذا مع التقريرات القرآنية السابقة بتحميل الإنسان مسؤولية عمله واختياره. وقد تكرر هذا كله بعد هذه السورة بأساليب متنوعة على ما سوف ننبه إليه في مناسباته حتى ليصح أن يقال إنه من المبادئ القرآنية المحكمة ثم من الضوابط القرآنية التي يمكن أن يزول على ضوئها ما يبدو أحيانا من وهم المباينات والإشكالات في بعض العبارات القرآنية. فإذا صح الحديث فيكون هناك حكمة نبوية ضاعت علينا. وننبه على أننا لسنا هنا في صدد الكلام في موضوع القدر الذي قد يكون التفسير الذي انطوى في الحديث متصلا به ولسوف يأتي الكلام فيه في سياق سورة القمر إن شاء الله. تعليق على ناقة ثمود والناقة المذكورة قد وصفت بناقة الله وهذا يعني أنها معجزة ربانية ظهرت على يد نبي ثمود جوابا على تحديهم. وقد تكرر ذكرها في مواضع عديدة من القرآن المكي. والمفسرون يذكرون استنادا إلى الروايات أن الناقة خرجت من بطن صخرة، كما يذكرون بيانات كثيرة عن جسمها وكيفية شربها وحلبها ومقامها ورغائها والمؤامرة على عقرها ونهاية أمرها وعن تدمير مساكن ثمود وإبادة أهلها «1» . غير أن كل ما جاء في القرآن عنها أنها آية من آيات الله وأن نبي ثمود وهو صالح عليه السلام اشترط عليهم أن يتحاموها ويمكنوها من نصيبها من الشراب وأن يجعلوا لشرابها يوما خاصا فلم يوفوا بشرطهم ثم عقروها وأصروا على الكفر والعناد فأخذتهم الرجفة ودمرت منازلهم وحلّ عليهم عذاب الله ونقمته

_ (1) انظر تفسير سورة الأعراف وهود والشعراء والنمل في كتب تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والنيسابوري والطبرسي والخازن.

كما جاء في قصة ثمود في سور الأعراف وهود والشعراء والنمل. والذي نراه إزاء الناقة وغيرها من معجزات الله التي أظهرها الله على يد رسله والمحكية في القرآن، والتي هي في نطاق قدرة الله عز وجل، هو الإيمان بما جاء في القرآن عنها والوقوف عند ذلك دون تزيد ولا تخمين، والتحفظ إزاء ما توسع فيه الرواة توسعا جلّه غير قائم على أساس وثيق. والمرجح إن لم نقل المحقق أن أخبار ثمود وناقتهم على الوجه الذي ورد في القرآن أو ما يقاربه مما كان متداولا عند العرب قبل الإسلام ... وفي آية سورة العنكبوت هذه: وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) دليل على ذلك فجاء ذكرهم بسبيل التذكير والإنذار بعاقبة مثل عاقبتهم لمن يطغى ويتمرد على الله ودعوته، على ما هو ظاهر في أسلوب الآيات هنا وفي كل مكان آخر وردت فيه القصة. ولعل ما أورده المفسرون استنادا إلى الروايات قد يكون دليلا على ذلك التداول. ويضاف إلى هذا وهو بسبيل ذلك أيضا أن في مساكن ثمود التي تعرف اليوم بمداين صالح أطلالا مدمرة وأن عرب الحجاز كانوا يمرون بها في طريقهم إلى بلاد الشام. هذا، وليس في السورة إشارة إلى موقف تكذيب معين أو موقف حجاج ولجاج. وهي عرض لأهداف الدعوة عرضا عاما وإنذار للناس بعاقبة كعاقبة قوم ثمود التي يعرفونها إذا طغوا وتمردوا على الله بصورة عامة، ولذلك نرجح أنها من أوائل ما نزل من القرآن، وتصح أن تسلك في سلك القسم الذي كانت تعنيه تسمية القرآن كالفاتحة والأعلى والليل والله أعلم.

سورة البروج

سورة البروج في السورة حملة على الكفار لاضطهادهم ضعاف المؤمنين والمؤمنات وفتنتهم إياهم عن الإسلام، وإشارة إنذارية إلى حادث مماثل، وتثبيت للمؤمنين وتذكير بمصائر البغاة كفرعون وثمود، وتنويه بقدر القرآن وحفظه وآياتها متصلة ببعضها نظما وموضوعا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة البروج (85) : الآيات 1 الى 9] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) . (1) البروج: واحد البرج. وأصل معنى البرج ما ارتفع وبرز، ثم صار يطلق على القصر العالي وعلى القلاع والحصون. ومن ذلك ما جاء في آية سورة النساء هذه: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [78] وكان العرب قبل الإسلام يطلقون كلمة البروج على النجوم وعلى المنازل أو المدارات السماوية التي تدور فيها الشمس والقمر والكواكب السيارة المعروفة آنذاك وهي المريخ وزحل وعطارد والمشتري والزهرة، وهي اثنا عشر وهذه أسماؤها: الحمل، الثور،

الجوزاء، السرطان، الأسد، السنبلة، الميزان، العقرب، القوس، الجدي، الدلو، الحوت «1» . (2) اليوم الموعود: كناية عن يوم القيامة. (3) وشاهد ومشهود: في حديث رواه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن الشاهد هو يوم الجمعة والمشهود هو يوم عرفة. واليوم الموعود هو يوم القيامة. ومع ذلك فقد روي عن بعض التابعين أن المشهود هو يوم القيامة والشاهد هو ابن آدم أو أن المشهود يوم عرفة والشاهد يوم الأضحى. ومما قاله الطبري الصواب أن يقال إن الله أقسم بشاهد شهد ومشهود شوهد، وما ذكر من بيان هو ما ظنه العلماء أنه المعنى المقصود. (4) الأخدود: الشق الطويل الذي يحفر في الأرض. (5) وما نقموا منهم: وما أنكروا عليهم أو حقدوا عليهم أو سخطوا منهم. في الآيات قسم رباني بالأقسام الثلاثة بأن لعنة الله قد حقّت على الذين حفروا الأخدود وأججوا فيه النيران وألقوا فيه المؤمنين وهم جالسون يشهدون عذابهم دون أن تأخذهم الشفقة عليهم. ولم يكن لهم ذنب يغضبهم عليهم إلّا أنهم آمنوا بالله وحده. والمتبادر أن الأقسام الثلاثة في بدء السورة مما كان يعرف السامعون خطورته ومداه مهما اختلف المؤولون فيه. وبهذا فقط تبدو الحكمة في ذلك، والله أعلم ولقد رويت روايات مختلفة في صدد الحادث الذي ذكر في الآيات منها حديث نبوي «2» عن ساحر كان يعلم أحد الأولاد السحر فمر الولد براهب فأسلم على يديه وصار يبرئ الأكمه والأبرص باسم الله ثم أسلم الساحر على يد الولد

_ (1) انظر تفسير هذه السورة وسورة الحجر والفرقان في الطبري والبغوي وابن كثير والخازن والطبرسي. (2) انظر تفسير السورة في تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والطبرسي والتاج ج 4 ص 254- 257.

تعليق على ذكر البروج

وعلم الملك بالأمر فعذب الراهب والساحر والولد ثم قتلهم. وظهرت للولد كرامات فآمن الناس بالإله الذي يؤمن به فأمر الملك بحفر أخدود وتأجيج النار فيه وإلقاء من لم يرتد عن دين الولد فيه. ومنها «1» أن ذا نواس ملك حمير الذي اعتنق اليهودية طلب من نصارى نجران أن يتركوا دينهم ويتهودوا فأبوا فخذّ الأخدود وأجّج فيه النار وألقى فيها كل من ثبت على نصرانيته حتى بلغ من حرقهم 12 ألفا في رواية وعشرين ألفا في رواية وأن هذا العمل حفز الأحباش النصارى على غزو اليمن وتفويض حكم ذي نواس والديانة اليهودية. وتهود ذي نواس وبعض أهل اليمن واضطهاده النصارى وغزو الأحباش لليمن بسبب ذلك وقائع تاريخية ثابتة «2» يمكن أن يستأنس بها في ترجيح هذه الرواية وقد ذكرنا ذلك في سياق تفسير سورة الفيل. ومهما يكن من أمر فإن روح الآيات واكتفاءها بالإشارة الخاطفة إلى أصحاب الأخدود يدلان على أن سامعي القرآن كانوا يعرفون حادث التحريق في الأخدود وأسبابه فاقتضت حكمة التنزيل التذكير به في صدد الحملة على مقترفي إثم يماثل إثم أصحاب الأخدود. وأسلوب الآيات أسلوب تقريعي لهذا العمل الوحشي الظالم غضبا على أناس آمنوا بالله وتمسكوا بإيمانهم. وفيه تلقين قرآني عام مستمر المدى كما هو المتبادر. تعليق على ذكر البروج هذا، وما تعنيه كلمة «البروج» هو مما كان متداولا بين العرب قبل الإسلام على ما هو مستفاد من أقوال المفسرين. حيث يصح القول إن حكمة التنزيل قد شاءت بأن تقسم بأمر يعرف العرب خطورته ويعرفون أنه مظهر من مظاهر قدرة الله

_ (1) انظر تفسير السورة في تفسير ابن كثير والبغوي. (2) انظر تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي ج 3 ص 165- 209. وقد أورد بعض المفسرين روايات أخرى غير أن الروايتين اللتين أوردناهما هما الأوثق الأشهر فاكتفينا بهما. الجزء الثاني من التفسير الحديث 10

[سورة البروج (85) : الآيات 10 إلى 16]

تعالى وبكلمة أخرى شاءت أن تذكر هذا المظهر من مظاهر الكون بما كان متداولا بينهم. وهذا الأسلوب مما تكرر كثيرا في هذا الأمر لأنه أكثر تأثيرا فيهم كشأن القصص على ما شرحناه في سياق سورة القلم. ولقد كانوا يعرفون ويعترفون بأن الله سبحانه هو الذي خلق السموات والأرض وما بينهما وهو مدبر الأكوان على ما جاء في آيات كثيرة منها آية سورة يونس هذه: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (31) وآية سورة الزخرف هذه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) . [سورة البروج (85) : الآيات 10 الى 16] إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (10) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (16) . (1) فتنوا: بمعنى اضطهدوا أو أرغموا المؤمنين على الارتداد. يصرف المفسرون بدون سند وثيق ضمير الفاعل في الآية الأولى من هذه الآيات إلى أصحاب الأخدود ويقولون إن الوعيد فيها لهم وإن عذاب الحريق هو مقابلة عينية لما فعلوه من حرق المؤمنين في نار الأخدود. وهذا عجيب وغير صواب فيما يتبادر لنا. وجملة ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا دليل على ذلك لأن أصحاب الأخدود ماتوا وانقضى أمرهم ولم يعد لفتح باب التوبة لهم محل. والمعقول الذي تدل عليه هذه الجملة أن يكون الوعيد لجماعة كانوا يفتنون المؤمنين والمؤمنات وقت نزولها. ولقد كان ذلك أمرا واقعا حيث كان بعض الزعماء المشركين في مكة يضطهدون ضعفاء المؤمنين والمؤمنات ويؤذونهم ليرغموهم على الافتتان أي

تعليق على محنة فتنة المؤمنين الأولين

الارتداد عن الإسلام. وهكذا تكون الآيات الأولى من السورة بمثابة مقدمة بين يدي هذا الوعيد يحتوي وعيدا مماثلا للمشركين الذين كانوا يفعلون بالمؤمنين بالرسالة النبوية شيئا مما فعله أصحاب الأخدود بالمؤمنين السابقين. وتكون الصلة قائمة واضحة بين المجموعتين. وهو ما جرى عليه النظم القرآني في سياق قصص الأمم السابقة وما كان من نكال الله الدنيوي فيهم جزاء كفرهم ومواقفهم العدائية والعدوانية من أنبيائهم مما مرّ منه بعض الأمثلة. وقد احتوت الآيات بالإضافة إلى الوعيد لفاتني المؤمنين والمؤمنات، إذا لم يتوبوا بشرى للمؤمنين الذين يعملون الصالحات وتثبيت لهم وتنويه بقوة بطش الله الذي خلق الخلق بدءا والقادر على خلقه إعادة، الفعال لما يريد. وتنويه في الوقت نفسه بسعة رحمة الله وغفرانه ومودته للصالحين من عباده. وفي التنويه بالبطش والغفران والمودة وفي الإنذار والتبشير تساوق تام إزاء موقف المؤمنين ومضطهديهم وما يطلب من كل منهم كما هو المتبادر. وذكر العرش هنا يأتي للمرة الثانية، ولقد علقنا على هذا الموضوع في سياق سورة التكوير بما يغني عن التكرار إلّا أن نقول إن الأسلوب الذي جاء به هنا أيضا يؤيد ما نبهنا عليه في ذلك التعليق من الحكمة المنطوية في ذكر العرش وهو قصد بيان عظمة شأن الله تعالى. تعليق على محنة فتنة المؤمنين الأولين وفتنة المؤمنين في العهد المكي ذكرت في غير هذه السورة أيضا. وذكرها في هذه السورة المبكرة في النزول يدل على أنها قد بدأت منذ عهد مبكر من الدعوة، ولقد رويت روايات عديدة في سياقها كما وردت أيضا آيات في القرآن تشير إلى بعض نتائجها. ويستفاد من هذه وتلك أن الأرقاء والمستضعفين من المسلمين الأولين هم الذين تعرضوا لها في الدرجة الأولى وأنها كانت مع ذلك تشمل المؤمنين من الأسر القرشية البارزة وأنه كان من صورها أن يعرى المسلمون

ويطرحون فوق الرمال والصخور الشديدة الوهج من حرارة الشمس وتوضع على أجسادهم الصخور الثقيلة ويمنع عنهم الماء والطعام ساعات طويلة أو أياما عديدة وكانت تقيد أيديهم وأرجلهم بقيود الحديد ويجلدون شديد الجلد، وأنه قد زهقت بسبب العذاب أرواح فضرب أصحابها الشهداء مثلا خالدا على التمسك بالعقيدة وتحمل أنواع الأذى والتضحية بالنفس في سبيلها «1» والراجح أن آيات سورة البروج هذه تشير إلى هذه المرحلة. وفي سورة النحل آيتان قد تدلان على أنّ بعض المؤمنين أرغموا على الافتتان والتبرؤ من الإسلام فمنهم من ظل كافرا ومنهم من عاد إلى الإسلام حينما سنحت له الفرصة وفرّ من مكة وهما هاتان: 1- مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (106) . 2- ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110) . وقد روى المفسرون «2» أن الاستثناء في الآية الأولى كان لعمار بن ياسر رضي الله عنه الذي أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، وأنه قد جاء يبكي للنبي صلّى الله عليه وسلّم ويقول له إني نلتك بالشر فقال له مشجعا مطمئنا (إن عادوا لك فعدلهم) . وقد كان بعض أغنياء المسلمين وبخاصة أبا بكر رضي الله عنه يشترون بعض الأرقاء المضطهدين من مالكيهم وينقذونهم من المحنة. وقد استمرت المحنة طيلة العهد المكي ثم إلى الفتح المكي في السنة الهجرية الثامنة بالنسبة لمن اضطر إلى البقاء في مكة ومنع الهجرة إلى المدينة. وكانت من أهم الحركات التي سببت للنبي صلّى الله عليه وسلّم والمسلمين همّا عظيما. وكان من نتائجها أن هاجر معظم المسلمين

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير البغوي وابن كثير وغيرهما. (2) المصدر نفسه. [.....]

رجالا ونساء إلى الحبشة. وآيات سورة النحل هذه: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42) تشير إلى ذلك. ولقد كاد النبي صلّى الله عليه وسلّم نفسه يهاجر نتيجة لذلك على ما تفيده آية سورة الإسراء هذه: وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) ثم كانت من أسباب هجرة النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه إلى المدينة. وآية سورة الأنفال هذه: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (30) وما جاء في آية الحج [40] من هذه الجملة: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وآية سورة آل عمران هذه: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (195) تشير إلى ذلك. وقد وصفها القرآن بأنها أشد من القتل وأكبر واعتبر الكفار بسببها البادئين بالحرب المستحقين للانتقام وأوجب الاستمرار في قتالهم إلى أن ينتهوا عنها على ما جاء في آية سورة الحج هذه: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) وآيات سورة البقرة هذه: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) وفي كل هذا ينطوي ما كان لهذه المحنة من أثر عظيم وشديد في أحداث وسير السيرة النبوية ثم ما كان من تحمل النبي صلّى الله عليه وسلّم والرعيل الأول من المؤمنين رضوان الله عليهم شدّة هذه المحنة بقلوب عامرة بالإيمان مستغرقة في الله

تعليق على موقف المرأة المسلمة في هذه المحنة

ودينه، وعظم كفاحهم وثباتهم في سبيل إعلاء دين الله أمام تألب السواد الأعظم من أهل مكة وقبائلها بقيادة الزعماء الأقوياء والأغنياء إلى أن حق الحق وزهق الباطل وانتصر دين الله وصارت كلمته هي العليا. تعليق على موقف المرأة المسلمة في هذه المحنة ولقد كان الرعيل الأول من المؤمنين من الرجال والنساء على السواء، وكما تعرض الرجال للمحنة وصبروا عليها وكافحوا وثبتوا فقد تعرض النساء لها وصبرن وكافحن، على ما تفيده آيات سورة البروج التي نحن في صددها أولا، وآية سورة آل عمران [195] التي أوردنا نصها آنفا ثانيا. وقد ذكرت الروايات أن أم عمار بن ياسر رضي الله عنهما ماتت تحت العذاب مع أبيه وفضّلا الموت على النطق بكلمة الكفر. كما ذكرت أن المهاجرين إلى الحبشة ثم إلى المدينة كانوا من الرجال والنساء على السواء. ومن اللاتي هاجرن إلى الحبشة بنات زعماء كبار من قريش أسلمن مع أزواجهن وهاجرن معهم إلى الحبشة تمسكا بدينهن رغم قوة آبائهن، مثل أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، وسهلة بنت سهيل بن عمرو، وأم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومي وفاطمة بنت صفوان بن أمية، وكان عدد النساء المهاجرات إلى الحبشة سبع عشرة. ولقد سجل القرآن حادثا عظيما من هذا الباب حيث كان من نساء الرعيل الأول من أجبر على التخلف عن الهجرة إلى المدينة، فما إن سنحت لهن الفرصة حتى غامرن وخرجن والتحقن برسول الله صلّى الله عليه وسلّم تاركات أزواجهن وأهلهن الكفار مما انطوى خبره في آية سورة الممتحنة هذه «1» : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ

_ (1) هذه الآية والحادثة التي ذكرت فيها نزلت بعد صلح الحديبية فجاء ذووهن إلى المدينة وطالبوا بإرجاعهن بمقتضى شروط الصلح فأمر الله في الآية بعدم إرجاعهن وتعويض ذويهن أو أزواجهن. انظر الجزء الثاني من كتابنا سيرة الرسول عليه السلام، ص 294- 295.

تعليق على موضوع التوبة

مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10) . وهكذا سجلت المرأة العربية المسلمة شخصيتها وقوة إيمانها ووعيها وكفاحها وثباتها وجرأتها ومخاطرتها منذ بدء الدعوة الإسلامية وفي دور الأذى والمحنة العصيب أسوة بالرجل مما يثير الإعجاب والإجلال. تعليق على موضوع التوبة وبمناسبة ورود جملة لَمْ يَتُوبُوا [10] في الآية الأولى نذكر أن القرآن فتح باب التوبة لكل فئة من الناس ومهما كانت أفعالهم وسواء منهم الكفار أم المنافقون أو مقترفو المنكرات من المسلمين وحضّهم عليها بمختلف الأساليب وفي مختلف السور المكية والمدنية وفي مختلف أدوار التنزيل من عهد مبكر في مكة إلى عهد متأخر في المدينة كما جاء في الآية التي نحن في صددها وكما جاء في آيات كثيرة أخرى منها الأمثلة التالية: 1- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ البقرة [278- 279] . 2- كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ آل عمران [86- 89] . 3- وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما

إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (16) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً النساء [16- 18] . 4- وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً النساء [110] . 5- إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (146) ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً النساء [145- 147] . 6- إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ المائدة [33- 34] . 7- وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ المائدة [38- 39] . 8- وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ الأنعام [54] . 9- وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ

وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ التوبة [3] . 10- فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ التوبة [5] . 11- لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ التوبة [10- 11] . 12- يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ التوبة [74] . 13- وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (68) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (69) إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70) وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً الفرقان [68- 71] . 14- قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ الزمر [53- 55] . وكل هذا يلهم أن التوبة في الإسلام مبدإ قرآني محكم وأن كون صلاح الناس وهدايتهم وإنقاذهم من الضلال والغواية والارتكاس في الآثام هو الجوهري في

الدعوة الإسلامية حيث يفتح الكافر حينما يسلم صفحة جديدة ويستقبل عهدا جديدا وهو ما عبر عنه الأثر المشهور «الإسلام يجبّ ما قبله» ومؤيد بما تضمنته آية التوبة [11] ويصبح الكفار إخوانا للمسلمين مهما فعلوا معهم من أفعال ووقفوا من مواقف ومهما ارتكبوا من آثام قبل إسلامهم. وحيث يتاح للمخطئين والآثمين من المسلمين فرصة الرجوع عن خطأهم وآثامهم ويشجعون على السير في سبيل الصلاح والإصلاح والحق والخير. ويحال دون تسرب الناس إلى قلوب الجاهلين والاستمرار في طريق الأشر والإثم. وفي هذا كله من المصلحة الإنسانية وصلاحها الأخلاقي والاجتماعي والديني ما هو واضح من الروعة والجلال. والآيات مكية ومدنية، وقد نزلت في مختلف أدوار التنزيل وبدأ نزولها من عهد مبكر حيث يبدو من هذا حرص الدعوة الإسلامية على فتح ذلك الباب وإتاحة تلك الفرصة منذ أولى خطواتها ثم استمر ذلك إلى آخر عهودها. وفي الآيات شروط هامة جدا للتوبة وقبولها ونفعها لا تدع مجالا لقول قائل إنها مما يشجع على اقتراف الإثم وتجاوز الحد. وهي التوبة الصادقة التي تتمثل في الندم على ما فات والعزم على الكف والإصلاح والإنابة إلى الله واتباع ما أمر به ونهى عنه. وفي متسع من الحياة والعمر والعافية. وللإصلاح الذي تكرر وروده في الآيات معنى واسع شامل. وقد يتناول بالإضافة إلى تحسين الخلق والسلوك والتزام الحق والفضيلة. بالنسبة للمسلم الجانح والدخول في دين الله بالنسبة للكافر تلافي ما يمكن أن يكون سببه التائب من أضرار مادية ومعنوية وبخاصة مما يتعلق بحقوق الناس أفرادا وجماعات. لأن حقوق الناس ودماءهم وأموالهم تظل في عنق المعتدين عليها حتى يؤدوها أو تؤخذ منهم في الدنيا أو يعاقبوا عليها في الآخرة. وقد روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلّله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم. إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه» «1»

_ (1) التاج ج 5 ص 19.

وحديث رواه مسلم والترمذي عن أبي هريرة جاء فيه: «لتؤدّنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة» «1» . وواضح من كل ما تقدم أن استغفار المستغفرين وتوبة التائبين باللسان إذا كانت على غير أساس هذه الشروط تظل لغوا لا قيمة له ولا فائدة. وفي القرآن آية تذكر غفران الله لمن يشاء بدون أن يكون ذلك مترافقا مع ذكر التوبة وهي آية سورة النساء هذه: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً النساء [48] . والمتبادر أن أسلوب الآية جاء بسبيل تشنيع الشرك وتعظيمه، وما دام القرآن يفسر بعضه بعضا فالمتبادر أن ما جاء في الآيات الكثيرة الأخرى من غفران الشرك إذا تاب عنه المشرك ومن شرط التوبة والإخلاص فيها لمرتكبي الذنوب يقيد الإطلاق الذي جاءت عليه الآية. وهناك آية تقرر الخلود في جهنم لقاتل المؤمن عمدا دون أن يرد فيها ذكر للتوبة جريا على النظم القرآني في الأمثلة المتقدمة. وهي آية سورة النساء هذه: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً النساء [93] ولقد استند عليها بعض العلماء وأصحاب المذاهب الكلامية وقالوا إن مرتكب الكبيرة مخلد في النار. ولقد روى الشيخان عن ابن عباس أن لا توبة لقاتل المؤمن العمد استنادا إلى هذه الآية وإن سعيد بن جبير لما راجعه في ذلك وقال له إن آيات سورة الفرقان [70- 71] تفتح باب التوبة للقاتل وغيره قال له إن هذه آيات مكية قد نسختها آية مدنية وهي آية سورة النساء المار ذكرها «2» . مع أن آيات سورة النساء [110] و [147] و [149] وسورة المائدة [33- 34] و [38- 39] وسورة التوبة [3 و 5] و [10] و [11]

_ (1) التاج ج 5 ص 19. (2) التاج ج 4 ص 84 و 173 وهذا نص حديث مسلم من الصفحة 173: «قال سعيد بن جبير قلت لابن عباس ألمن يقتل مؤمنا متعمدا توبة. قال لا، فتلوت عليه آية الفرقان إِلَّا مَنْ تابَ فقال هذه آية مكية نسختها آية مدنية ومن يقتل مؤمنا متعمدا ... الآية.

و [74] والتي أوردناها قبل قد نزلت بعد آية سورة النساء [93] وقد أبقت باب التوبة مفتوحا لمختلف الفئات من مشركين وكفار ومرتدين ومنافقين ومحاربين لله ورسوله وسارقين إلخ حيث يسوغ هذا التوقف في التسليم بقول ابن عباس والقول إن أسلوب آية النساء [93] إنما جاء على ما جاء به بسبيل تشنيع قتل المؤمن العمد وتغليظه وتعظيمه وإن باب التوبة يظل مفتوحا لقاتل المؤمن العمد إذا كان مؤمنا مخلصا وتاب توبة صادقة. ولقد روى الشيخان تتمة الحديث الذي روياه عن سعيد ابن جبير وابن عباس وهي أن سعيدا أخبر مجاهدا وهو من كبار علماء التابعين ومفسريهم بجواب ابن عباس فعقب قائلا «إلّا من ندم» «1» حيث يدعم هذا ما قلنا. وما قاله مفسرون آخرون قبلنا أيضا. وهنا آثار نبوية مؤيدة لذلك أيضا حيث تذكر أن الخلود في النار هو لمن يستحل القتل ومات على ذلك لأنه يكون كافرا. وتذكر أن لا خلود لمن مات مؤمنا وأن باب التوبة لهذا غير مغلق. ومن ذلك حديث رواه مسلم عن أنس قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يخرج من النار من قال لا إله إلّا الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان» «2» . وحديث رواه الخمسة عن ابن عباس قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب حين يشرب وهو مؤمن ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن. وزاد أبو هريرة في رواية جملة «والتوبة معروضة بعد» «3» . وقد يصح القول على ضوء حديث أنس أن هؤلاء وأمثالهم من مرتكبي الكبائر إذا لم يتوبوا وكانوا مؤمنين وغير مستحلين لما اقترفوه يعذبون في النار عذابا طويلا ثم يخرجون منها في النهاية، والله تعالى أعلم. وهناك أحاديث نبوية عديدة فيها حثّ على التوبة وتأميل في عفو الله وغفرانه وتبيين لمدادها وتلقين متساوق مع التلقين القرآني فيها. منها حديث رواه الشيخان والترمذي عن أنس: «أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال الله أشدّ فرحا بتوبة عبده حين يتوب

_ (1) التاج ج 4 ص 84. (2) التاج ج 1 ص 27. (3) التاج ج 3 ص 5.

إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلّها قد أيس من راحلته فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدّة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربّك أخطأ من شدّة الفرح» «1» . وحديث رواه مسلم والترمذي عن ابن عمر: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال يا أيّها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مئة مرة» «2» . وحديث رواه الترمذي وأحمد والحاكم عن أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «كلّ بني آدم خطّاء وخير الخطائين التوّابون» «3» . وحديث رواه الثلاثة عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» «4» . وحديث رواه مسلم عن أبي موسى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» «5» . وحديث رواه الشيخان وأبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت آمن الناس كلّهم أجمعون فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا» «6» . وحديث أخرجه ابن مردويه عن عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ما من عبد مؤمن يتوب قبل الموت بشهر إلّا قبل الله منه أدنى من ذلك. وقبل موته بيوم وساعة يعلم الله منه التوبة والإخلاص إليه إلّا قبل منه» .

_ (1) التاج ج 5 ص 137- 139. (2) المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه. (4) المصدر نفسه، والمقصود بتعبير يغرغر حشرجة الموت. ولا يعني الحديث تسويغ تأخير التوبة إلى هذا الوقت وإنما معناه أن التوبة مقبولة إلى هذا الوقت. وقد ندد الله بالذين يؤخرون التوبة إلى وقت الموت وحث على التوبة في متسع من العمر والعافية في الآيات 16- 18 من سورة النساء التي أوردناها مع الآيات. وطلوع الشمس من مغربها من علامات قيام الساعة على ما جاء في الحديث التالي للحديث الخامس. (5) المصدر نفسه. (6) المصدر نفسه ص 139.

هذا، والآيات والأحاديث الواردة في موضوع التوبة وهذه الآيات الواردة في سورة التوبة: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102) خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) تفسح المجال لشيء من المقايسة بين التوبة والاعتراف بالذنب في الإسلام وبين ما هنالك من ذلك في التقاليد النصرانية. وقد يكون مساغ للقول إن ما بين الإسلام والنصرانية شيئا من التساوق في جوهر الموضوع. غير أن الأسلوب مختلف، فتقاليد الاعتراف النصرانية منوطة بمراسم ووساطة كهنوتية في حين أن التوبة في الإسلام ليست في شيء من ذلك. ولم ترو أي رواية تفيد أن المسلمين كانوا يراجعون النبي صلّى الله عليه وسلّم وخلفاءه من بعده ويعترفون لهم بذنوبهم ويطلبون منهم الدعاء لهم. والمتواتر الذي لا خلاف فيه أن التوبة تتم بين الله وعباده مباشرة. وهذا متصل بعدم وجود مراسم ووساطة كهنوتية في الإسلام كما هو واضح. ونحن نرى في هذا امتياز يحفظ للمسلم كرامته ونراه مما تميزت به الديانة الإسلامية فلم يقم فيها ما قام في النصرانية وغيرها من كهنوت ديني يتوسط بين الله وعباده في التوبة وطلب الغفران ومنحه أو يناط به إبرام عقود الزواج وتعميد الأطفال وإقامة الطقوس وتحديد خطوات وحدود العقل والبحث في مختلف شؤون الدين والدنيا الأمر الذي ينطوي على حكمة الله تعالى في جعل العقل والفكر الإنسانيين في ظل هذه الديانة في كل مسلم ومسلمة مطلقين يستطيعان أن يحلقا في كل جو ويتناولا كل شأن في حدود الإيمان بالله ورسوله وقرآنه واليوم الآخر وصفات الله الكاملة المنزهة عن كل نقص وشائبة ومماثلة. ثم في حدود ما أمر الله ورسوله به وما نهيا عنه من أوامر ونواه إيمانية وتعبدية وسلوكية واجتماعية بسبيل الصلاح والنجاة في الدنيا والآخرة. وهناك نقطة هامة يحسن أن ننبه عليها، وقد أشير إليها في بعض الآيات إشارات خاطفة. وهي أن الآيات المكية والمدنية الواردة في موضوع التوبة والآيات المكية والمدنية التي لم يذكر فيها موضوع التوبة التي وصفت الكفار من

[سورة البروج (85) : الآيات 17 إلى 22]

الكتابيين وغيرهم والمنافقين والآثمين من المسلمين بالفسق والظلم والإجرام والفساد والبغي والضلال أو قررت ضلالهم وأن الله لا يهديهم وأن النذر لا تؤثر فيهم وأنهم لن يجدوا من دون الله هاديا ولا نصيرا وأنذرتهم بالعذاب الأخروي الخالد والخزي. وسجلت عليهم لعنة الله وغضب الملائكة والناس أجمعين إلخ، ليست هي على ما يفيده فحواها وروحها على سبيل التأبيد إلّا بالنسبة للذين يصرون على كفرهم ونفاقهم وآثامهم وفسقهم وضلالهم ويموتون على ذلك فقط. وإنها في ظروف نزولها كانت على سبيل وصف واقعهم من جهة ولإنذارهم وتخويفهم وحملهم على الارعواء والتوبة إلى الله من جهة أخرى. وهناك دليل من الوقائع الثابتة من سيرة الرسول صلّى الله عليه وسلّم على ذلك وهو أن كثيرا من الذين نعتوا في الآيات بما نعتوا وأنذروا بما أنذروا وقرر في حقهم وسجل عليهم ما قرر وسجل بل غالبيتهم- باستثناء غالبية يهود الحجاز الذين لم يكونوا بالنسبة لعرب الحجاز فضلا عن الجزيرة العربية إلّا أقلية ضئيلة- قد آمنوا في حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل الهجرة وبعدها وحسن إسلامهم ونالوا رضاء الله وتنويهه في القرآن في آيات كثيرة منها هذه الآية في سورة التوبة التي نزلت في أواخر حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) . [سورة البروج (85) : الآيات 17 الى 22] هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22) . (1) الجنود: هنا بمعنى الجموع المتجمعة. (2) مجيد: يمكن أن تكون الكلمة من المجد ويكون معناها صاحب المجد والعظمة، ويمكن أن تكون من الإجادة ويكون معناها المجوّد. الآيات متصلة بسابقاتها نظما وموضوعا، حيث احتوت تذكيرا آخر بما كان

تعليق على جملة في لوح محفوظ

من مواقف فرعون وثمود وجموعهم المجندة وتمردهم ونكال الله فيهم، وإنذارا للكافرين المكذبين بنقمة الله المحيط بهم. وقد انتهت السورة بالتنويه بالقرآن بسبيل توكيد صلة الله به وتوكيد ما احتواه من نذر ووعيد للطغاة المتمردين. فهو كتاب الله المجيد الذي لا يمكن أن يطرأ عليه تبديل وتغيير لأن الله حافظ له في لوحه. تعليق على جملة فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ إن أصل معنى اللوح الشيء الممهد المنبسط الذي يكتب أو ينقش عليه. ولقد أورد المفسرون في سياق الجملة المذكورة أقوالا وروايات عديدة «1» . منها ما أوردوه في سياق تفسير سورة البروج ومنها ما أوردوه في سياق تفسير جملة «أم الكتاب» في سورة الرعد التي فسروها بمعنى «اللوح المحفوظ» . ومنها ما أورده في سياق تفسير مطلع سورة القلم حيث رووا أن «ن» تعني اللوح النوراني الذي أمر الله القلم أن يكتب عليه المقادير. وقد أوردنا ذلك في سياق تفسير هذه السورة فنكتفي بالإشارة إليه. ولقد روى الطبري في سياق تفسير سورة البروج عن أنس أنه القرآن المجيد المحفوظ في جبهة إسرافيل. وقال البغوي هو أم الكتاب ومنه تنسخ الكتب ومحفوظ من الشياطين ومن الزيادة والنقصان. وروي عن ابن عباس أنه من درة بيضاء طوله ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق إلى المغرب وحافتاه الدر والياقوت ودفتاه ياقوتة حمراء وقلمه نور وكلامه قديم وكل شيء فيه مستور. وأعلاه معقود بالعرش وأصله في حجر ملك وعن يمين العرش. وأنه مكتوب في صدره «لا إله إلا الله وحده دينه الإسلام ومحمد عبده ورسوله فمن آمن بالله عز وجل وصدق بوعده واتبع رسله أدخله الجنة» . وروى ابن كثير عن عبد الرحمن بن

_ (1) انظر كتب تفسير الطبري والبغوي وابن كثير والخازن والطبرسي والزمخشري. [.....]

سليمان أنه ما من شيء قضى الله القرآن وما قبله وما بعده إلّا وهو في اللوح المحفوظ واللوح المحفوظ بين عيني إسرافيل لا يؤذن له بالنظر فيه وروي عن الحسن البصري أن معنى الجملة إن هذا القرآن عند الله في لوح محفوظ ينزل ما يشاء على من يشاء من خلقه وأورد حديثا أخرجه الطبراني عن ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الله تعالى خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء صفحاتها من ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور، لله في كل يوم ستون وثلاثمائة لحظة، يخلق ويرزق ويميت ويحيي ويعز ويذل ويفعل ما يشاء» . وفي سياق جملة (أم الكتاب) قال البغوي إن أم الكتاب هو اللوح المحفوظ الذي لا يبدل ولا يغير. وروي عن ابن عباس أنهما كتابان كتاب يمحو منه ما يشاء ويثبت وأم الكتاب الذي لا يغير منه. وروي كذلك عن ابن عباس قوله «إن الله تعالى لوحا محفوظا مسيرة خمسمائة عام من درة بيضاء لها دفتان من ياقوت. لله في كل يوم فيه ثلاثمائة وستون لحظة يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب. وروي كذلك أن ابن عباس سأل كعبا عن أم الكتاب فقال علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون. وفي تفسير ابن كثير في سياق تفسير الآية [7] من سورة هود حديث رواه الإمام أحمد عن عمران بن الحصين أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال جوابا على سؤال: «كان الله قبل كل شيء، وكان عرشه على الماء، وكتب في اللوح المحفوظ ذكر كل شيء» . ويلحظ أن الحديث الذي أورده ابن كثير عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم من إخراج الطبراني أورده البغوي بصيغة مباينة وعزوا إلى ابن عباس فقط والبغوي من أئمة الحديث حيث يفيد هذا أنه لم يثبت عنده صدور ذلك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وهذا فضلا عن أن مسند الطبراني لا يعد من كتب الأحاديث الصحيحة. وليس هناك فيما اطلعنا عليه حديث صحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في ماهية اللوح. والحديث الذي أوردناه في سياق كلمة القلم في سورة العلق والذي رواه الترمذي وأبو داود عن عبادة بن الصامت لم يذكر اللوح وإنما ذكر القلم وذكر أن الله أمره أن يكتب ما هو كائن. ومهما يكن من أمر فإننا نقول إن القرآن لم يحتو أي بيان عن ماهية اللوح ومدى الجملة. وأنه ليس هناك أثر نبوي صحيح في ذلك وهما المصدران اللذان الجز الثاني من التفسير الحديث 11

يجب الوقوف عندهما في مثل هذه الأمور الغيبية. وليس فيما قيل وروي عن غير النبي صلّى الله عليه وسلّم ما يمكن أن تطمئن به النفس باستثناء ما روي عن كعب من أن معنى «أم الكتاب» التي يذكرها المفسرون كمرادفة للوح هو علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون. والإيمان بما جاء في القرآن عن الأمور الغيبية واجب. ومع إيماننا بذلك فلا نرى ما يمنع الأخذ بتفسير كعب لأم الكتاب ولا القول إن الله عز وجل منزه عن الحاجة إلى تثبيت كلامه وقرآنه وعلمه ومقدراته وكتابتها ونقشها على ألواح مادية. وإنه لما كان الناس قد اعتادوا أن يكتبوا وينقشوا ما يريدون تثبيته وحفظه من الأحداث والأفكار على الألواح بالأقلام أو ما يقوم مقامها ولما كانت حكمة التنزيل جرت على استعمال مألوفات البشر في الدنيا في التعبير عن المشاهد الأخروية والغيبية فالذي يتبادر لنا أولا إن اللوح والقلم هما من هذا الباب للتعبير عن علم الله الأزلي الأبدي لكل كائن. وثانيا إن من حكمة استعمال كلمة اللوح في صدد القرآن قصد التقريب والتشبيه، وبيان كون القرآن محفوظا حفظا تاما لا يمكن أن يطرأ عليه تبدل ولا تحريف. وفي سورة الواقعة آيتان عن القرآن مشابهتان لآيتي سورة البروج اللتين نحن في صددهما مع اختلاف في اللفظ وهما هاتان: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (78) فكريم هنا مقابل مجيد في آيتي البروج. وفي «كتاب مكنون» مقابل «في لوح محفوظ» وهذا الاختلاف اللفظي مع الاتفاق في المعنى يؤيد ما قررناه حيث يمكن أن يكون الكتاب واللوح في معنى واحد ومعرض واحد بقصد التقريب والتشبيه وتوكيد الحفظ التام، والله أعلم.

سورة التين

سورة التين في السورة تنويه بتكوين الإنسان ومواهبه، وتنبيه إلى ما يمكن أن يتردى إليه من الانحطاط بالانحراف عن الإيمان والعمل الصالح، وتوكيد بالجزاء الأخروي واتساق ذلك مع عدل الله وحكمته، والسورة عامة التوجيه والعرض. وقد روت بعض الروايات أنها مدنية، غير أن أكثر الروايات متفقة على مكيتها وأسلوبها يؤيد ذلك. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة التين (95) : الآيات 1 الى 8] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (5) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (8) . (1) طور سينين: لغة في طور سيناء وهو الطور الكائن في شبه جزيرة سيناء الذي كلّم الله فيه موسى عليه السلام كما جاء في القرآن. (2) البلد الأمين: مكة. ووصف بالأمين للإشارة إلى تحريم سفك الدم فيه وكون كل من يدخله آمنا كما جاء في القرآن. (3) أحسن تقويم: أحسن تكوين وأتمه. في السورة قسم رباني بأن الله قد خلق الإنسان في أحسن تكوين وأقومه وأتمه بما أودعه الله فيه من مواهب وقوى ثم ردّه إلى أسفل سافلين باستثناء الذين

آمنوا وعملوا الصالحات الذين لهم عنده الأجر الدائم. وانتهت آياتها بسؤال استنكاري عن السبب الذي يحمل الناس على التكذيب بالجزاء الأخروي بعد هذا البرهان وبجواب رباني بأسلوب السؤال بأن الله هو أحكم الحاكمين وأن صفته هذه تقتضي ذلك الجزاء. ولقد تعددت الأقوال المعزوة إلى ابن عباس وعلماء التابعين كالحسن وعكرمة ومقاتل ومجاهد وعطاء. أولا: في مدلول وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، حيث قيل إنهما الثمرتان بذاتهما وقد أقسم الله بهما لكثرة منافعهما وحيث قيل إن التين جبل أو مسجد في دمشق والزيتون جبل أو مسجد في بيت المقدس. وحيث قيل إن المقصود منابتهما في دمشق وبيت المقدس على اعتبار أنهما قد اشتهرا بهما. ولا حظ بعض المفسرين أن طور سينين مهبط وحي موسى عليه السلام والبلد الأمين مهبط وحي محمد صلّى الله عليه وسلّم وأن فلسطين كانت مشهورة بكروم زيتونها وتينها وهي مهبط وحي عيسى عليه السلام وأن التساوق يقضي أن يكون المقصود هو فلسطين المشهورة بتينها وزيتونها. وفي هذا وجاهة ظاهرة «1» . ثانيا: في مدلول أَسْفَلَ سافِلِينَ حيث قيل إنها الشيخوخة التي يرتد فيها الإنسان إلى أرذل العمر بعد ما كان عليه من القوة العقلية والجسمية. وحيث قيل إنها النكال الأخروي الذي يكون نصيب المنحرفين عن سبيل الله من الناس. واستثناء

_ (1) انظر تفسير الطبري والبغوي وابن كثير والطبرسي والخازن والقاسمي. ولقد ذكرت أقوال أخرى فيها غرابة تركناها واكتفينا بما هو وارد ومشهور. وفي صدد شهرة فلسطين بكرومها منذ القديم وردت في الإصحاح السادس من سفر التثنية من أسفار العهد القديم المتداولة هذه العبارة في وصف أرض كنعان (مدن عظيمة لم تبنها وبيوت مملوءة خيرا لم تملأها وكروما وزيتونا لم تغرسها) . وفي كتاب التفسير والمفسرون للذهبي أن بعض مفسري الشيعة أوّلوا كلمة (الزيتون) بعلي وبعضهم بالحسين رضي الله عنهما. (ج 2 ص 69 و 70) وهذا من غرائب تأويلاتهم.

الذين آمنوا وعملوا الصالحات يسوغ القول إنه أريد أن يقال إن الله عز وجل قد خلق الإنسان على أحسن تقويم عقلي وجسمي وجعله موضع اختبار فمن آمن وعمل صالحا كان له الأجر الذي لا ينقطع من الله ومن شذّ عن ذلك ارتكس إلى أحط الدركات في الدنيا والآخرة. ونسبة رد الإنسان الشاذ إلى أسفل سافلين إلى الله لا ينقص القول إن الله قد جعله موضع اعتبار ورتب ما يستحقه على اختباره على ضوء آيات قرآنية عديدة منها آيات سورة البقرة هذه: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (27) . أما الآيتان الأخريان فهما نتيجة للمقدمة أو البرهان الذي احتوته الآية الرابعة وهو خلق الله الإنسان في أحسن تقويم. والبرهان مستحكم في السامعين لأنهم يؤمنون به على ما حكته عنهم آيات عديدة منها آية سورة يونس هذه: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (31) وآية سورة الزخرف هذه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) وآية سورة الزخرف هذه أيضا: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87) والسورة كما هو ظاهر من نوع السور العامة المبشرة المنذرة وهي قريبة المدى إلى سورة العصر. ولقد قلنا في التعريف أن الْبَلَدِ الْأَمِينِ هي مكة التي جعلها الله أمانا للناس وحرم سفك الدم فيها. وفي سورة النمل جملة فيها هذا المعنى صريح أكثر وهي: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها [91] . واسم مكة ورد في آية سورة الفتح هذه: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ [24] وفي القرآن اسم آخر لمكة وهو بكة وقد ورد في آية

سورة آل عمران هذه: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (96) . وسنزيد مسألة أمن مكة وحرمها شرحا في سياق تفسير سورة قريش التي تأتي بعد هذه السورة.

سورة قريش

سورة قريش في السورة تذكير لقريش بنعم الله عليهم ودعوة لهم إلى عبادته وقد روي أنها مدنية، غير أن أسلوبها يلهم مكيتها كما أن أكثر الروايات متفقة على ذلك. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة قريش (106) : الآيات 1 الى 4] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) . (1) الإيلاف: بمعنى التهيؤ والاتجاه أو الألفة والاعتياد أو الإعداد ومن أوجه الأقوال في اللام التي بدئت بها السورة أنها متعلقة بكلمة فليعبدوا وأن في الآيات تقديما وتأخيرا مقدرين. ونصب (رحلة) هو بمصدر إيلافهم. (2) البيت: كناية عن الكعبة. وفي سورة المائدة آية ذكر البيت فيها بدلا من الكعبة وهي: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ [97] . في السورة هتاف بقريش أن يعبدوا الله ربّ البيت الذي هم في جواره. فقد يسّر الله لهم ببركته الأمن من الخوف والوقاية من الجوع كما يسّر لهم رحلتي الشتاء والصيف اللتين كانوا يتهيأون لهما كل عام ويعدون لهما العدة ويجنون منهما أسباب الرخاء والرفاه، فمن واجبهم شكر أفضاله عليهم بالإيمان وعبادته وحده.

تعليق على قريش والبيت والرحلات التجارية

تعليق على قريش والبيت والرحلات التجارية واختصاص قريش بالذكر إما لأنهم أول من وجهت إليهم الدعوة أو لأنهم كانوا قدوة العرب بسبب جوارهم وسدانتهم للكعبة التي كانت تسمى بيت الله وكانت محجا للعرب أجمع والتي كان لهم بسببها المركز المحترم بين العرب، أو لأن زعماء قريش وأثرياءهم كانوا يقفون متمردين في وجه الدعوة ويحولون دون استجابة الناس إليها، وينالون بالأذى من قدروا عليه من المستجيبين إليها، ومن الجائز أن يكون كل هذا مما قصد إليه بهذا الاختصاص الذي فيه شيء من التنديد كأنما يقال لهم إن عليكم بدلا من أن تفعلوا ذلك أن تكونوا أولى الناس بالاستجابة إلى دعوة الله شكرا على نعمته واعترافا بفضله. ولقد كانت قريش تدرك خطورة مركزها وتدرك أنها مدينة به وبما تتمتع به من خيرات وبركات وأمن ورغد رزق للكعبة، على ما يمكن أن تدل عليه آية سورة المائدة هذه: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97) وآية سورة القصص هذه: وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (57) وآية سورة العنكبوت هذه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67) وآيات سورة الحج هذه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (25) وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما

رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (28) . ولقد ظل معظم العرب من بدو وحضر منقبضين عن الدعوة إلى السنّة الهجرية الثامنة فلما يسّر الله سبحانه وتعالى لنبيه صلّى الله عليه وسلّم فتح مكة ودخل أهلها في الإسلام أخذ الناس يدخلون في دين الله أفواجا على ما جاء في سورة النصر: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً (3) حيث يبدو من هذا أثر الموقف الذي وقفته قريش بزعامة سادتها وكبرائها وأغنيائها في سيرة الدعوة الإسلامية الذي يدل على ما كان لها من خطورة في المجتمع العربي، وعلى هدف هذه السورة التي اختصتهم بالهتاف وذكرتهم بأفضال الله عليهم ونبهتهم إلى وجوب مقابلة ذلك بالشكر والاستجابة لدعوته. ولقد تعددت الأقوال في معنى قريش واشتقاقها، فهناك قول بأن هذا الاسم مقتبس من اسم دابة بحرية قوية تظهر في سواحل البحر الأحمر الحجازية وهي القرش. وهناك قول بأنه من التقرش بمعنى التجمع، أو التقرش بمعنى التجارة، وهناك قول بأن هذا الاسم أطلق على بطون قريش قبل قصي الجد الرابع للنبي صلّى الله عليه وسلّم الذي اجتمعت هذه البطون تحت لوائه، والإجماع منعقد على أن هذه القبيلة تمتّ إلى عدنان أولا ومضر ثانيا من الأجداد الأولين. وقد كان من المتداول قبل البعثة النبوية أن عدنان من أنسال إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام الذي أسكنه أبوه في وادي مكة وتزوج من جرهم إحدى قبائل العرب فيه. وإسكان إبراهيم لابنه إسماعيل في وادي مكة مشار إليه في القرآن في آية سورة إبراهيم هذه: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) . ولقد ذكر في الإصحاح السادس عشر من سفر التكوين المتداول اليوم وهو أول أسفار العهد القديم أن إبراهيم عليه السلام صرف إسماعيل مع أمه تلبية لطلب سارة زوجته التي غارت منهما وإن هاجر تاهت مع ابنها في برية بئر سبع ونفد الماء

منها وخشيت أن يموت الصبي من العطش وبكت ورفعت صوتها فأرسل الله إليها ملاكا طمأنها ووعدها بأنه سيجعله أمة كبيرة وكشف لها عن بئر ماء. وأن الله كان مع الغلام وأمامه مع أمه في برية فاران واتخذت له أمه امرأة من أرض مصر. وباستثناء الخبر الأخير فإن نفس القصة مما كان متداولا في بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم ومن جملة ذلك أن البئر الذي كشفه لها الملاك هو بئر زمزم أو ماء زمزم. وعلماء المسلمين بناء على ذلك يفسرون فاران بوادي مكة. ويوردون بعض الأدلة على صحة تفسيرهم. والنص القرآني يؤيد ذلك. وسفر التكوين وسائر الأسفار المتداولة الأخرى قد كتبت بعد موسى عليه السلام بمدة طويلة وطرأ عليها تحريفات وتشويهات متنوعة على ما سوف نشرحه في مناسبات أخرى. والواجب على المسلم أن يؤمن بما جاء في القرآن. وليس هناك أي دليل تاريخي يقيني أو أي دليل عقلي صحيح يناقضه «1» . ونرجح إلى هذا أنه كان في أيدي اليهود أسفار ذكرت ما هو متطابق مع القرآن الكريم وضاعت كما ضاع كثير غيرها على ما سوف نشرحه كذلك في مناسبة آتية. ومهما يكن من أمر فإن اسم قريش كان يطلق على القبيلة المسماة به قبل البعثة بمدة غير قصيرة على ما تؤيده الروايات وعلى ما يلمح في سورة قريش التي نحن في صددها. ولقد كانت قريش قبل البعثة مؤلفة من عدة بطون، وكان في مكة من رؤساء بطون قريش البارزة حكومة أو شبه حكومة أو حكومة شيوخ، لكن بطن أو عشيرة مركز معين فيها ينتقل في زعماء العشيرة أو البطن جيلا بعد جيل، ومن هذه المراكز ما هو ديني مثل سدانة الكعبة وحجابتها وسقاية الحج ورفادته (ضيافته وقراه) ومنها ما هو سياسي مثل اللواء وقيادة الجيش والسفارة ومنها ما هو اجتماعي مثل الأنساب والأشناق أي تأمين الديات التي تطلب من بطون القبيلة،

_ (1) انظر تفسير سورة التين في تفسير القاسمي وتفسير سورة إبراهيم في تفسير البغوي والطبري وابن كثير، وانظر الفصل الأول من كتابنا عصر النبي صلّى الله عليه وسلّم وبيئته قبل البعثة.

وكان بين أصحاب المراكز تضامن وتساند، وكان لهم دار ندوة قرب الكعبة يجتمعون فيها للمداولة في مختلف شؤون القبيلة، وقد كان هذا مع كونهم أهل حرم الله وسدنته وسقايته وعمارته مما جعل لهذه القبيلة خطورة واحتراما بين سائر العرب، وسيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم من أحد بطون قريش البارزة وهو بطن هاشم. وكان عمه العباس صاحب مركز هذا البطن وكان يتولى سقاية الحج أي أمر توفير المياه للحجاج في موسم الحج «1» . والمتبادر أن تعبير «البيت» والإشارة القريبة إليه وتذكير قريش بما كان من أفضال الله عليهم متصل بتلك الخطورة وإدراكها، والتعبير يلهم أن قريشا كانوا يعتقدون أن الكعبة بيت الله، والآيات التي أوردناها تلهم أن العرب كانوا يشاركون قريشا في هذه العقيدة. ويحجون الكعبة وهي المرادف القرآني للبيت على ما جاء في الآية [97] من سورة المائدة. ويحترمون حرمها وقدسيتها وأمنها على أساس هذه العقيدة. وكانت الحرمة والقدسية شاملة لجميع منطقة مكة على ما تفيده الآيات العديدة التي منها آية سورة النمل هذه: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) ومنها آيات سورة القصص [57] وسورة العنكبوت [67] التي أوردناها آنفا. وعلى هذا فإن الكعبة وحجها كان نوعا ما مظهرا لوحدة عربية دينية قبل البعثة. وقد اقتضت حكمة الله عز وجل أن يبقى تقليد الحج وحرمة الحرم المكي ومعظم طقوسه بعد تنقيتها من شوائب الشرك في الإسلام بسبب ذلك على ما هو المتبادر والله أعلم. والكعبة غرفة مثمنة الأضلاع تقوم في وسط الحرم المكي. ولها باب مرتفع عن الأرض بنحو متر ثم يرتفع البناء إلى نحو خمسة أمتار ويقوم السقف على ستة أسطوانات مرمرية. ويبلغ مسطحها الداخلي نحو ثلاثين مترا، والبناء الحاضر هو بناء إسلامي وقد تجدد ورمّم في الإسلام أكثر من مرة. وهو مكان بناء قديم وعلى صورته التي كان عليها قبل البعثة. وهذه الصورة ليست هي القديمة الأولى وإنما

_ (1) انظر كتابنا عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة ص 215 وما بعدها.

كانت تجديدا لها أيضا في حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل بعثته حيث تروي روايات السيرة أن البناء القديم تصدّع فهدمه القرشيون وجددوه. ومما روته هذه الروايات أن زعماء قريش اختلفوا على من يضع الحجر الأسود في ركنه المعتاد وهو حجر صواني لامع بقدر بلاطة عادية كانوا يقدسونه ويستلمونه أو يقبلونه عند الطواف حول الكعبة فحكموا النبي صلّى الله عليه وسلّم في الأمر، لأنه كان مشهورا عندهم بالأمانة ورجحان العقل فوضعه في رداء، وطلب من الزعماء أن يحملوا الرداء ويرفعوه جميعا حتى إذا بلغ مستوى مكانه وضعه فيه بيده الشريفة «1» . وروايات المفسرين متعددة في أصل هذا الحجر حيث يذكر بعضها أن الحجر من زمن إبراهيم وبعضها أنه هدية من السماء. وليس هذا واردا في كتب الأحاديث الصحيحة. والاحتمال الأقوى أن يكون قطعة من نيزك سقط من السماء على أرض مكة فاعتبروه هدية سماوية وقدسوه ووضعوه في ركن بيت عبادتهم المقدس. وقد هدم البناء من قبل عبد الله بن الزبير لما أعلن خلافته في سنة 62 هـ ووسعه وأدخل فيه المقام المسمّى بحجر إبراهيم وجعل له بابين لأن هناك حديثا رواه البخاري عن عائشة قالت: «قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ألم تري أن قومك بنوا الكعبة واقتصروا عن قواعد إبراهيم. فقلت يا رسول الله ألا تردّها على قواعد إبراهيم قال لولا حدثان قومك بالكفر. فقال ابن عمر لئن كانت عائشة سمعت هذا من النبي صلّى الله عليه وسلّم ما أراه ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلّا أن البيت لم يتمّم على قواعد إبراهيم» «2» . وفي الجزء الأول من طبقات ابن سعد ورد هذا النص مع زيادة جاء فيه: «فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلم أريك ما تركوا منه فأراها قريبا من سبع أذرع في الحجر، قالت عائشة وقال رسول الله: ولجعلت لها بابين موضوعين في الأرض شرقا وغربا» «3» . ثم تصدع في زمن ابن الزبير نتيجة لضرب مكة بالمجانيق من قبل الحجاج

_ (1) انظر طبقات ابن سعد ج 1 ص 126- 128. (2) التاج ج 4 ص 43. (3) الطبقات الكبرى ج 1 ص 129.

قائد عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي الذي قاد حملة لإرغام ابن الزبير، حيث كان يعتبر خارجا متمردا على الدولة. فلما تمت الغلبة له على ابن الزبير هدم الكعبة وأعاد بناءها إلى الصورة التي كانت عليها قبيل البعثة، ثم في حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم. وتصدع البناء ورمم وجدد بعد ذلك وكان يعاد إلى هذه الصورة التي هو عليها الآن. وهناك أحاديث أخرى وردت في الكتب الخمسة في صدد الكعبة غير التي أوردناها فيها بعض الصور التي كانت وتأييد لما ذكرناه استنادا إلى الروايات. منها حديث رواه البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال: «إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما قدم أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة فأمر بها فأخرجت فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قاتلهم الله أما والله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها قطّ. فدخل البيت فكبّر في نواحيه» «1» . وحديث رواه الخمسة عن ابن عمر قال: «دخل رسول الله البيت هو وأسامة وبلال وعثمان بن طلحة فأغلقوا عليهم فلما فتحوا كنت أول من ولج فلقيت بلالا فسألته هل صلّى فيه رسول الله؟ قال: نعم بين العمودين اليمانيين وفي رواية جعل عمودا عن يساره وعمودين عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ثم صلّى» «2» . وحديث رواه أصحاب السنن وصححه الترمذي عن عائشة قالت: «كنت أحبّ أن أدخل البيت وأصلّي فيه فأخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بيدي فأدخلني في الحجر فقال صلّي في الحجر إن أردت دخول البيت فإنما هو قطعة من البيت فإنّ قومك اقتصروا حين بنوا الكعبة فأخرجوه من البيت» «3» . وحديث رواه الخمسة عنها قالت: «سألت رسول الله عن الجدار أمن البيت هو قال نعم، قلت فلم يدخلوه في البيت قال إن قومك قصّرت بهم النفقة قلت فما شأن بابه مرتفعا، قال فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا. ولولا أن

_ (1) التاج ج 2 ص 162- 163. (2) المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه ص 163- 164.

قومك حديث عهدهم في الجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أدخل الجدر في البيت وأن ألزق بابه بالأرض. وفي رواية لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا. باب يدخلون منه وباب يخرجون منه وزدت فيها ستة أذرع من الحجر فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة» «1» . أما بناء الكعبة (البيت) وقدسيتها وجعل حرمها آمنا لا يقع فيه قتال ولا يسفك فيه دم. وحجها فالقرآن يقرر أن ذلك يرجع إلى عهد إبراهيم عليه السلام الذي يخمن وجوده في القرن الثالث والثلاثين أو الرابع والثلاثين قبل الهجرة النبوية. والقرن التاسع عشر أو العشرين قبل الميلاد المسيحي على ما تفيد آيات سورة الحج [25- 28] التي أوردناها قبل وآيات سورة البقرة هذه: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) . وآيات سورة آل عمران هذه: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (96) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (97) . والمرجح أن العرب كانوا يعتقدون ذلك قبل البعثة ويتناقلونه جيلا عن جيل ويشيرون إلى علامات موجودة في حرم الكعبة تدل عليه. وهي ما عبر عنه في آيات

_ (1) التاج ج 2 ص 163- 164.

البقرة وآل عمران بجملة مَقامِ إِبْراهِيمَ وجملة آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ حيث كانوا يرون أثرا في حجر كبير لقدم إنسانية ويتداولون أنه الحجر الذي كان يقف عليه إبراهيم فيما كان يرفع قواعد البيت مع إسماعيل على ما ذكرته آيات البقرة وانطبع عليه أثر قدمه فسموه مقام إبراهيم، وقد أقر القرآن التسمية وأمر المسلمين باتخاذه مصلى. ولقد أشار ديودور الصقلي من أهل القرن الأول قبل الميلاد إلى الكعبة في سياق كلام عن الأنباط حيث قال: «ووراء أرض الأنباط بلاد فيها هيكل يحترمه العرب كافة احتراما كبيرا» «1» وحيث يدل هذا على تقدم وجود الكعبة على زمنه بمدة طويلة وعلى ما كان لها من احترام شامل. والقرآن يقرر أنه أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ آل عمران [96] . والمؤولون «2» يؤولون الجملة بأنها أول بيت قام في الأرض لعبادة الله. ويروي المفسرون «3» في سياق ذلك روايات كثيرة عن هذه الأولية. منها أن الله قد خلق الكعبة قبل الأرض بألفي سنة إذ كان عرشه على الماء ودحيت الأرض من تحته. وإن الله بعث الملائكة فبنتها على مثال بيت لعبادتهم في السماء اسمه البيت المعمور. وإنها كانت موجودة قبل آدم أو أن آدم هو أول من بناها بأمر الله على مثال ذلك البيت وطاف بها. وأنها رفعت زمن الطوفان إلى السماء أو هدمت به فأمر الله إبراهيم وإسماعيل بإعادة بنائها في مكانها الذي كشف الله لهما عنه وعلى مثالها الأول. وهناك من قال إن هذه الأولية تعني كون الكعبة أول مكان جعل للناس قبلة ومحجا وأمانا لمن يدخله أو أول بيت وضعت فيه البركة. وليس شيء من هذه الروايات واردا في كتب الأحاديث المعتبرة وإن كان القولان الأخيران هما على ما يتبادر الأكثر ورودا ووجاهة.

_ (1) انظر تاريخ العرب قبل الإسلام لجرجي زيدان ص 244. (2) انظر تفسير آيات البقرة وآل عمران والحج المذكورة وآيات سورة إبراهيم [25- 40] في كتب تفسير الطبري والبغوي والخازن وابن كثير والقاسمي وغيرهم. (3) المصدر نفسه.

وهناك حديث رواه الشيخان والنسائي عن أبي ذر قال: «سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن أول مسجد وضع في الأرض، قال المسجد الحرام، قلت ثم أيّ قال المسجد الأقصى، قلت كم بينهما؟ قال أربعون عاما. ثم الأرض لك مسجد فحيثما أدركتك الصلاة فصلّ» «1» . والمسجد الأقصى تسمية إسلامية والمراد بها لغة المسجد البعيد جدا. والمتفق عليه أن المقصد منها مسجد بيت المقدس، وقد قام على أنقاض معبد اليهود القديم الذي دمره الرومان في القرن الأول بعد الميلاد «2» . ولم يكن مسجد قائم في مكانه حينما نزل القرآن فتكون التسمية على اعتبار ما كان قبل وبعد. والمعروف المتداول أن الذي أنشأ ذلك المعبد هو سليمان بن داود عليهما السلام «3» الذي عاش على وجه التخمين القريب في القرن العاشر قبل الميلاد أي بعد الزمن الذي يخمن أن إبراهيم عاش فيه بألف عام. وهذا يثير إشكالا بالنسبة للحديث كما هو المتبادر. ويزداد هذا الإشكال بحديث رواه النسائي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن سليمان بن داود عليهما السلام لمّا بنى بيت المقدس سأل الله عزّ وجلّ خلالا ثلاثة حكما يصادف حكمه فأوتيه. وملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه وسأل الله تعالى حين فرغ من بنائه ألا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمّه» «4» حيث ينطوي في الحديث خبر نبوي بأن الذي بنى المسجد هو سليمان عليه السلام لأن الفقرة الثالثة قوية الدلالة على أن المراد بها هو المسجد. ولقد حاول ابن القيم في كتابه زاد المعاد أن يحلّ الإشكال فقال إن المستشكلين لا يعرفون أن سليمان ليس هو الباني الأول للمسجد وإنما هو مجدد له وأن الباني الأول هو يعقوب حفيد إبراهيم عليهما السلام وتكون المسافة بين

_ (1) التاج ج 1 ص 209. [.....] (2) انظر كتابنا الجزء الرابع من تاريخ الجنس العربي ص 241 وما بعدها. (3) انظر الإصلاحات 2 و 3 و 4 و 5 و 7 و 8 و 9 من سفر الملوك الثالث في الطبعة الكاثوليكية والأول في الطبعة البروتستانتية. (4) التاج ج 1 ص 210.

الجد وحفيده صحيحة كما في الحديث «1» . ولم يذكر ابن القيم من أين استقى هذا والراجح أنه قرأ سفر التكوين المتداول اليوم. وفي الإصحاح (33) من هذا السفر خبر بناء يعقوب مذبحا للرب وأنه دعاه باسم القدير إله إسرائيل في قطعة حقل اشتراها عند شليم مدينة أهل شليم، وشليم هذه كانت عاصمة ملك اسمه ملكيصادق على ما جاء في الإصحاح (14) من السفر المذكور. وشراح الأسفار يراوحون الظن في شليم بين أن تكون مدينة أورشليم التي عرفت باسم بيت المقدس أو مدينة يقوم مكانها اليوم قرية اسمها سالم قريبة من نابلس. والظاهر أن ابن القيم رجح الظن الأول واعتبر يعقوب هو المنشئ الأول لمسجد بيت المقدس الذي سمي في القرآن والحديث المسجد الأقصى. وعلى كل حال فإن من واجب المسلم الإيمان بكل ما يثبت صدوره عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهذا يشمل حديث أبي ذر إذا كان صادرا يقينا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وليس فيه ما يمنع ذلك. وليس هناك من دليل تاريخي يقيني وعقلي صحيح ينفي ما جاء فيه. وفيه تساوق مع كلام الله الذي يقرر السبق والأولوية للبيت. ومن الحكمة التي قد تلمح فيه بالإضافة إلى ذلك توكيد فضل البيت الذي صار حجه واستقباله في الصلاة من أركان دين المسلمين وصلاتهم على كل بيت آخر من بيوت الله تعالى. ولقد روى الشيخان والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في سواه، إلّا المسجد الحرام» «2» . وفي رواية ابن ماجه: «وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه» «3» مما فيه توكيد لذلك الفضل الذي تلمح حكمة توكيده في الحديث الأول، والله تعالى أعلم. وهناك أحاديث وروايات وشروح أخرى متصلة بظروف وكيفية بناء الكعبة

_ (1) انظر تفسير آية سورة آل عمران 96 في تفسير القاسمي. (2) التاج ج 1 ص 210. (3) المصدر نفسه. الجز الثاني التفسير الحديث 12

لأول مرة من قبل إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وبمناسك الحج جاءت في سياق آيات أخرى في سور أخرى فرأينا أن نؤجلها إلى مناسباتها. وجملة وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ تعني ما كان يتمتع به أهل مكة من أمن بسبب وجود بيت الله في مدينتهم. وهو ما ذكر في آيات القصص [67] والنمل [91] والبقرة [125- 129] وآل عمران [97] التي قرر بعضها أن هذا الأمن كان من لدن إبراهيم عليه السلام حين أنشأ الكعبة حيث دعا الله بأن يجعل البلد آمنا. وقد جاء هذا الدعاء أيضا في آية سورة إبراهيم هذه: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (35) . ولقد كان من مظاهر هذا الأمن أن كل إنسان يكون فيه آمنا على دمه وماله من غيره مهما كان بينه وبين هذا الغير من عداء وإحن وثارات وسواء أكان من أهل مكة أم غريبا عنها. وكان لمكة أو لما كان يسمى الحرم حدود معينة تشمل جميع منطقة مكة إلى مسافة أميال من جميع جوانبها. ولقد كان زعماء مكة يدركون في قرارة أنفسهم أن رسالة النبي صلّى الله عليه وسلّم حق وهدى ولكنهم كانوا يخافون أن تنسف هذا التقليد الذي كانوا يتمتعون في ظله بالأمن والرفاه فيما تنسفه من عادات جاهلية فقالوا للنبي صلّى الله عليه وسلّم ما حكته عنه آية القصص [57] : وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا وقد طمأنتهم الآية على ذلك إذ قالت: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ القصص [57] لأن حكمة الله اقتضت أن تبقى معظم تقاليد الحج ومن جملته أمن مكة بسبب وجود بيت الله فيها على ما ذكرناه قبل قليل. ولقد أشارت آية في سورة العنكبوت إلى نفس المعنى الذي أشارت إليه هذه الجملة من آية القصص وهي: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67) . ولقد وقعت بعض الأحداث التي اعتدي فيها على بعض الناس في حرم مكة أي أخل بها في تقليد أمن الحرم فنشبت بسبب ذلك وبسبيل تأديب المخلّين حروب عرفت بحروب الفجار أو أيام الفجار وسميت بهذا الاسم لأنها وقعت في منطقة

حرم مكة وفي الأشهر الحرم وقد شهد أحد الأيام رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مع أعمامه وكان ينبل عليهم أي يرد عليهم نبل عدوهم إذا رموهم بها على ما رواه ابن هشام عن أبي عبيدة النحوي عن أبي عمرو بن العلاء «1» . وقد روى ابن هشام رواية أخرى في حادث متصل بأمن مكة شهده رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جاء فيها أن بني هاشم وبني عبد المطلب وبني أسد بن عبد العزى وبني زهرة بن كلاب وبني تميم بن مرة اجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلّا قاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته وسمّوا حلفهم هذا حلف الفضول. وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم ممن شهد هذا الحدث. وقد روى ابن هشام هذه الرواية عن زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن اسحق. وأورد في سياقها حديثا عن محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ التيمي أنه سمع طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري يقول: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم. ولو أدعى به في الإسلام لأجبت» «2» . وهناك أحاديث نبوية عديدة صحيحة في حرمة بيت الله ومكة التي هو فيها. من ذلك ما جاء في حديث رواه مسلم وأبو داود عن جابر بن عبد الله عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» «3» . وحديث رواه الخمسة عن أبي هريرة عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ الله عزّ وجلّ

_ (1) انظر الجزء الرابع من تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي ص 372- 374 وابن هشام ج 1 ص 184. (2) ابن هشام ج 1 ص 133 وانظر طبقات ابن سعد ج 1 ص 108- 110 حيث ذكر خبر اشتراك النبي صلّى الله عليه وسلّم في أحد أيام الفجار وذكر في رواية هذا الخبر قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «قد حضرته ورميت مع عمومتي فيه بأسهم وما أحب أني لم أكن فعلت» وذكر خبر شهوده عهد حلف الفضول وقوله: ما أحب أن لي بحلف حضرته بدار ابن جدعان حمر النعم وإني أغدر به ولو دعيت به لأجبت» . وروى ابن سعد هذين الخبرين عن راو عن راو إلى حكيم بن حزام أحد أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. (3) التاج ج 2 ص 143.

حبس عن مكة الفيل وسلّط عليها رسوله والمؤمنين. ألا وإنها لم تحلّ لأحد قبلي ولن تحلّ لأحد بعدي. ألا وإنها أحلّت لي ساعة من النهار. ألا وإنها ساعتي هذه حرام. لا يخبط شوكها ولا يعضد شجرها وزاد في رواية ولا ينفّر صيدها ولا يلتقط ساقطتها إلّا منشد» «1» . وحديث رواه الشيخان عن ابن عباس عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة» «2» وحديث رواه الشيخان والترمذي عن أبي شريح العدوي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ مكة حرّمها الله ولم يحرّمها الناس فلا يحلّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرة. فإن أحد ترخّص بقتال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيها فقولوا له إنّ الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم وإنّما أذن لي فيها ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس وليبلّغ الشاهد الغائب» «3» . ورحلتا الشتاء والصيف هما رحلتان تجاريتان كان القرشيون يقومون بهما: واحدة إلى اليمن جنوبا في الشتاء، وأخرى إلى الشام شمالا في الصيف. وكانوا يصلون إلى بلاد الصومال والحبشة في رحلة الجنوب وإلى فلسطين ومصر وربما إلى بلاد العراق وفارس في رحلة الشمال على ما ذكرته الروايات العربية «4» ، وأشارت إلى شيء منه آيات سورة الصافات هذه في معرض ذكر مساكن قوم لوط التي كانت في تخوم فلسطين: وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (138) وكانت هذه الرحلات وسائل عظيمة لتنمية ثروة القرشيين واكتسابهم المهارة التجارية واقتباسهم كثيرا من معارف العالم المتحضر الذي كان يحيط بالجزيرة ووسائل حضارته ومعيشته. وكانت مواسم الحج والأسواق التي كانت تقام فيها مجالا واسعا لأعمالهم التجارية أيضا فضلا عما كان يعقد في هذه

_ (1) التاج ج 2 ص 157- 159. (2) المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه. (4) انظر كتاب تاريخ حياة عمرو بن العاص للدكتور حسن إبراهيم ص 24 وما بعدها.

المواسم والأسواق من مجالس قضائية وندوات شعرية وخطابية يشهدها وفود من مختلف أنحاء جزيرة العرب وأطرافها التي كان ينتشر فيها العرب ويقوم لهم فيها ممالك، ونعني بلاد الشام حيث كان فيها مملكة الغساسنة وبلاد العراق حيث كان فيها مملكة المناذرة أو اللخميين. وكل هذا مما جعل كذلك لقريش خطورتهم واحترامهم ومما ساعدهم على الاستنارة والتفوق الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. فالدعوة المحمدية انبثقت في هذا الوسط الذي كانت له زعامة موطدة وخطورة مفروضة وحرمات محترمة ومصالح متنوعة في الحجاز بنوع خاص، وفي خارجها بنوع عام. وقد توهم الزعماء في هذه الدعوة تهديدا لزعامتهم وخطورتهم ومصالحهم وحرماتهم، فكان منهم المواقف المناوئة التي حكت فصول القرآن عنها الشيء الكثير فاقتضت حكمة التنزيل توجيه الهتاف في هذه السورة إلى قريش وزعمائهم في الجملة للكف عنها وشكر الله على نعمه وأفضاله التي يسّرها لهم والاستجابة لدعوته وعبادته بدلا منها.

سورة القارعة

سورة القارعة في السورة إنذار بهول القيامة وبيان مصير المحسنين والمسيئين فيها، وأسلوبها عام وليس فيها إشارة إلى موقف معين، فهي من نوع سور الليل والشمس والأعلى وأخواتها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة القارعة (101) : الآيات 1 الى 11] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْقارِعَةُ (1) مَا الْقارِعَةُ (2) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (9) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (10) نارٌ حامِيَةٌ (11) . (1) القارعة: التي تقرع الآذان لشدتها، وهي كناية عن يوم القيامة، وقد ذكرت بهذا المعنى بصيغة أصرح في سورة الحاقة كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ [4] . (2) مبثوث: منتشر. (3) العهن: الصوف. (4) أمّه: قيل إنها على مفهومها المعروف وإنها هنا على مألوف خطاب العرب. إذا هلك امرؤ قالوا هوت أمه ثكلا وحزنا، وقيل إنها على مضاف إليه محذوف وهو أم رأسه، ولعلها بمعنى أمامه أو مصيره. (5) هاوية: حفرة عميقة.

تعليق على تعبير الموازين وثقلها وخفتها في الآخرة

أسلوب الآيتين الأوليين استرعائي إلى يوم القيامة للإنذار بهوله وشدته، وهو من أساليب النظم المتكرر في متون السور وفي مطالعها وتعبير وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ بسبيل تعظيم أمرها وهولها. والآيتان التاليتان لهما احتوتا وصفا لما يكون عليه الناس والجبال في هذا اليوم، بسبيل توكيد هوله وشدته أيضا. والآيات الأربع الأخيرة احتوت تصنيف الناس حسب أعمالهم حيث يكونون فريقين: فريقا موازينه ثقيلة، فمصيره الطمأنينة والعيش الرضي، وآخر خفيفة فمصيره أعماق النار الحامية. وتشبيه الناس بالفراش المبثوث والجبال بالعهن المنفوش مستمد من مألوفات الناس ومدركاتهم، فالفراش دائم الاضطراب والتحويم والانتشار، وسيكون الناس كذلك يوم القيامة من شدة القلق والرعب، والجبال معروفة بصلابتها وصخورها ورسوخها في الأرض وارتفاعها في السماء. فأريد إفهام السامعين أن أشد ما يعرفونه صلابة ورسوخا يتفكك وينحل ويصبح كالعهن المنفوش رخاوة ولينا وخفة من شدة الهول وقد تنوع وصف حالة الجبال في يوم القيامة، ومرّ من ذلك مثال في سورة المزمل. وهذا التنوع قد يدل على ما قلناه من أن القصد بهذا الوصف وأمثاله توكيد هول يوم القيامة وشدته. تعليق على تعبير الموازين وثقلها وخفتها في الآخرة وبمناسبة ورود تعبير الموازين وثقلها وخفتها في الآخرة في هذه السورة لأول مرة نقول إن ذلك قد ورد في سور أخرى منها آيات سورة الأعراف هذه: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (9) وآية سورة الأنبياء هذه: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (47) وآيات سورة المؤمنون هذه: فَإِذا نُفِخَ فِي

الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (101) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (103) . ولقد تعددت التأويلات المروية لهذه المسألة كما روي في صددها أحاديث عديدة. ومن الأحاديث حديث رواه أبو داود عن عائشة جاء فيها: «إنها ذكرت النار فبكت فقال لها رسول الله ما يبكيك فقالت ذكرت النار فبكيت فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة يا رسول الله. فقال أمّا في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدا: عند الميزان حتّى يعلم أيخفّ ميزانه أو يثقل، وعند الكتاب حين يقال هاؤم اقرأوا كتابيه حتّى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه أم في شماله أم من وراء ظهره، وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنّم» «1» . وحديث رواه الترمذي عن أنس قال: «سألت النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يشفع لي يوم القيامة فقال أنا فاعل، فقلت يا رسول الله فأين أطلبك قال اطلبني أول ما تطلبني على الصّراط، قلت فإن لم ألقك على الصّراط قال فاطلبني عند الميزان، قلت فإن لم ألقك عند الميزان، قال فاطلبني عند الحوض فإني لا أخطئ هذه الثلاث المواطن» «2» . وحديث رواه الترمذي كذلك عن عبد الله بن عمرو قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم إن الله سيخلص رجلا من أمّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا كلّ سجلّ مثل مدّ البصر ثم يقول الله أتنكر من هذا شيئا، أظلمتك كتبتي الحافظون. فيقول لا يا ربّ. فيقول أفلك عذر؟ فيقول لا يا ربّ. فيقول بلى إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم فتخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فيقول احضر وزنك فيقول يا ربّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلّات فيقول إنك لا تظلم فيقول فتوضع السجلات في كفّة والبطاقة في كفّة فتطيش السجلات وتثقل البطاقة فإنه لا يثقل مع اسم الله شيء» «3» .

_ (1) التاج الجامع ج 5 ص 342. [.....] (2) المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه ص 342- 343.

وحديث رواه الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال اقرؤوا فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا» «1» . وحديث رواه الإمام أحمد جاء فيه: «إنّ ابن مسعود كان يجني سواكا من أراك وكان دقيق الساقين فجعلت الريح تكفؤه فضحك القوم منه فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ممّ تضحكون. قالوا يا نبيّ الله من دقة ساقيه. فقال والذي نفسي بيده إنّهما أثقل في الميزان من أحد» «2» . والتأويلات المروية عن أهل التأويل أو التي ذكرها المفسرون مختلفة، فهناك من أخذ الآيات على ظاهرها مستأنسا بالأحاديث فقال إنه ينصب موازين بكفتين فتوضع الأعمال الحسنة في كفة والسيئة في كفة. ومن الذين ذهبوا هذا المذهب من قال استئناسا ببعض الأحاديث السابقة الذكر إن الذي يوضع في الكفتين كتب الأعمال، ومنهم من قال إن الأعمال ذاتها تتجسد، واستند هؤلاء إلى أحاديث أخرى منها حديث رواه مسلم عن أبي أمامة الباهلي قال: «سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه. اقرأوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صوافّ تحاجّان عن أصحابهما» «3» . وحديث أخرجه ابن ماجه عن بريدة قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب يقول أنا الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك» . «4» وحديث رواه الإمام أحمد عن البراء في قصة سؤال القبر جاء فيه: «فيأتي المؤمن شاب حسن اللون طيب الريح فيقول من أنت فيقول أنا عملك الصالح وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق» «5» .

_ (1) المصدر السابق نفسه ج 4 ص 153. (2) تفسير القاسمي لآيات سورة الأعراف 8- 9. (3) التاج ج 4 ص 16. (4) المصدر نفسه. (5) المصدر نفسه.

على أن هناك من قال إن الميزان في الجملة القرآنية تمثيلي يعني القضاء السوي والحكم العادل وأن استعمال الميزان بهذا المعنى شائع في اللغة. وقد عزيت بعض هذه الأقوال إلى مجاهد والضحاك من علماء التابعين بل وروي عن مجاهد قوله: «ليس ميزانا وإنما هو ضرب مثل» «1» . ومع ما في هذه الأقوال من وجاهة وسداد فان جمهور المفسرين وأهل السنة قد أخذوا المذهب الأول بناء على صراحة العبارة القرآنية وما روي من أحاديث صحيحة. وعلى كل حال فإننا نقول إن الإيمان بما جاء في القرآن والأحاديث الصحيحة في هذا الأمر كما في غيره واجب على المسلم مع الإيمان بأنه لا بد من أن يكون لذكر الأمر بالأسلوب الذي ذكر به حكمة. ولما كانت حكمة التنزيل اقتضت أن تكون أوصاف مشاهد الآخرة من نعيم وعذاب وحساب مستمدة من مألوفات الناس على ما نبهنا عليه في سياق تعليقنا على الحياة الأخروية في سورة الفاتحة. ولما كان الناس في الحياة الدنيا قد اعتادوا على وزن الأشياء لمعرفة مقاديرها وقيمها واستيفاء حقوقهم فيها حسب نتيجة الوزن واعتبار ذلك هو مقتضى العدل واعتبار الشذوذ عنه ظلما وغبنا وإجحافا فقد يكون هذا من مقتضيات تلك الحكمة. وقد يكون من مقتضياتها كذلك تنبيه الناس إلى أنهم محاسبون على أعمالهم مهما كانت صغيرة أو كبيرة وأنها سوف يقايس ويوازن بين الحسنات والسيئات منها ولا ينجو إلّا من كانت أعماله حسنات أو على الأقل من كانت حسناته غالبة على سيئاته حتى يجتهدوا في الأعمال الحسنة ويتجنبوا الأعمال السيئة، والله تعالى أعلم.

_ (1) انظر تفسير آيات الأعراف والأنبياء والمؤمنون في كتب تفسير الطبري والبغوي وابن كثير والخازن والطبرسي والمنار والقاسمي.

تلقينات السورة جملة

تلقينات السورة جملة هذا، وفيما احتوته السورة من الإنذار الشديد والوصف القوي وبيان مصير المحسن والمسيء دعوة للناس ليرجعوا عن طريق الغواية والشرّ ويسلكوا طريق الهدى والحق في الحياة الدنيا حتى ينالوا الحياة الرضية والعيشة الهنيئة في الآخرة، وهو ما استهدفه الإنذار والتبشير القرآنيان بصورة مستمرة. كذلك فإن في الآيات الأربع الأخيرة تقريرا ضمنيا لمسؤولية الناس عن أعمالهم وأنها إنما تصدر عن كسبهم وأنهم إنما ينالون جزاءها حقا وعدلا وفاقا لها.

سورة القيامة

سورة القيامة في السورة توكيد لمجيء يوم القيامة وبرهنة على قدرة الله على بعث الناس. وتنبيه لهم بأن أعمالهم محصاة. وبيان لمصائرهم حسب سلوكهم. وتنديد باستغراق من يستغرق في الحياة ويهمل واجباته نحو الله والناس. وفيها آيات تتصل بظروف الوحي القرآني وتحتوي دلالة خطيرة في سوره. وأسلوب آياتها يمكن أن يعتبر عرضا عاما وإنذارا وتبشيرا وتنديدا عاما أيضا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة القيامة (75) : الآيات 1 الى 6] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (1) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (3) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (4) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (5) يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (6) . (1) النفس اللوامة: قيل إنها إشارة إلى ما طبع الإنسان عليه من التلوم والندم على ما يفوته، أو إلى ما طبع بعض الناس عليه من التلوم على كل شيء. وقيل إنها نفس المؤمن الذي يظل يلوم نفسه مهما اجتهد في العمل الصالح خشية التقصير. وقيل إنها إشارة إلى ما يستشعر به الخاسر يوم القيامة من الندم والتلوم على ما فاته «1» . ولعل المعنى الأخير أوجه لأنه متسق مع ذكر القيامة في الآية السابقة.

_ (1) انظر تفسيرها في تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والطبرسي والزمخشري.

(2) البنان: الظاهر من باطن الأصابع. وأوجه التأويلات لآية بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ أنها جواب على الجاحد الذي يحسب أن الله لن يجمع عظامه على ما جاء في الآية السابقة لها، بمعنى أن الله عزّ وجلّ الذي قدر على تكوين البنان من عظام دقيقة قادر على جمع عظام الإنسان مرة أخرى «1» . (3) بل يريد الإنسان ليفجر أمامه: بمعنى أن الإنسان الجاحد يرغب في الاستمرار على الفجور فينكر الآخرة ولا يخشى عواقبها. في الآيات قسم رباني مقدّر الجواب، وهو توكيد البعث والقيامة وتكذيب الإنسان فيما يظنه من عدم قدرة الله على جمع عظامه وتساؤله تساؤل المنكر الجاحد عن يوم القيامة الموعود. فالله الذي سوّى بنانه العجيب الصنع بعظامه الصغيرة وتكوينه الدقيق قادر على ذلك. وجحوده إنما هو بسبيل رغبته في الاستمرار فيما هو فيه من إثم وفجور دون أن يخشى العواقب الوخيمة. وأسلوب القسم مما هو متكرر في القرآن، وقد سبق مثله في سورة التكوير وعلقنا عليه بما فيه الكفاية. وقد قال بعض المفسرين إن المناسبة بين يوم القيامة وبين النفس اللوامة قد تكون فيما يظهر من الآثمين الجاحدين من ندم وحسرة وتلوم في ذلك اليوم. وفي القول وجاهة قد تدعمها آيات عديدة حكت ما سوف يكون من الجاحدين والمجرمين من ندم وحسرة يوم القيامة مثل آية سورة الأنعام هذه: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (31) ومثل آية سورة سبأ هذه: وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ (33)

_ (1) انظر تفسيرها في تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والطبرسي والزمخشري.

تعليق على محاولة ربط البنان بفن بصمات الأصابع الحديث وعلى محاولة استخراج النظريات الفنية الحديثة من العبارات القرآنية بصورة عامة

ولقد روى البغوي أن الآيات نزلت في عدي بن ربيعة الذي أتى إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فسأله عن القيامة فلما بيّن له أمرها قال له لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك ولم أو من بك. أو يجمع الله العظام؟. والرواية محتملة، وفيها صورة لما كان يقع بين النبي صلّى الله عليه وسلّم والجاحدين من محاورات. وقد اقتضت حكمة التنزيل أن تحكى بأسلوب منسوب إلى الإنسان مطلقا لأن أكثرية الناس كانوا جاحدين إلّا أن مضمونه يدل على أن ذلك حكاية موقف الجاحد ليوم البعث والحساب فقط. أما المؤمن بذلك الذي يزعه إيمانه عن الفجور ويسوقه إلى العمل الصالح فهو خارج عن متناول التنديد الذي تضمنته. وفي الفصل الأخير من السورة تأييد لذلك. وواضح أن الآيات في تنديدها وتكذيبها وتوكيدها تستهدف بالإضافة إلى تقرير الحقيقة الإيمانية وهي البعث تنبيه السامعين الجاحدين إلى وجوب الارعواء والارتداع، لأن بعثهم وحسابهم حقيقة لا تتحمل ريبا. فوعد الله بذلك صادق واقع وهو قادر عليه. تعليق على محاولة ربط البنان بفن بصمات الأصابع الحديث وعلى محاولة استخراج النظريات الفنية الحديثة من العبارات القرآنية بصورة عامة وبمناسبة ورود كلمة البنان في الآيات نذكر أننا كنا قرأنا مقالا أراد كاتبه أن يجعل صلة بين اختصاص البنان بالذكر وبين ما ظهر حديثا من علم بصمات الأصابع وما صار له من خطورة في إثبات شخصيات الناس، وتمشيا مع الفكرة التي سادت بعض الناس من استخراج النظريات العلمية والفنية والكونية من الكلمات والآيات القرآنية للتدليل على صدق القرآن وإعجازه. ومعجزات الله المشار إليها فيه، وفي هذا في اعتقادنا تحميل لكلمات القرآن وآياته غير ما تتحمل وإخراج له من نطاق قدسية وغايته التي هي هداية البشر إلى أسباب سعادتهم ونجاتهم.

وفي كل كبيرة وصغيرة وجليلة ودقيقة من خلق الله وملكوته، وفي عالم الحياة والجماد من الدقة والإتقان ما يبعث الذهول في النفس ويملأها بالدهشة، وليس البنان وتكوينه إلّا نقطة من محيط عظيم، وعدم التشابه بعد ليس محصورا في أصابع اليد وبصماتها بل هو شامل لكل أعضاء الناس وأشكالهم وصورهم! بل ليس هو خاصا بالبشر وإنما هو شامل لمخلوقات الله عز وجل على اختلافها وكل ما هنالك أن الذهن البشري اهتدى إلى طريقة تسجيل البصمة للدلالة على الشخصية فانتشرت لأنها سهلة، واختصاص البنان بالذكر ليس بدعا في القرآن يستلزم استنتاج أمور خاصة منه فقد جرت حكمة التنزيل القرآني على اختصاص شؤون بالذكر دون شؤون، وأعمال دون أعمال، وأخلاق دون أخلاق في معرض العظة والتذكير والإنذار والتبشير دون أن يكون الشيء المختص بالذكر هو الأهم والأخطر دائما، وقد مرّ من ذلك أمثلة نبهنا إليها. ويستشهد بعضهم للتدليل على هذا المذهب ببعض آيات القرآن ومنها آية سورة فصلت هذه: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) ومنها آيات سورة الذاريات هذه: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (21) وليس في الآيات ما يؤيد مذهبهم في تطبيق الآيات والإشارات القرآنية على ما يظهر من نواميس الكون والأنفس التي لم تكن معروفة. وهي تخاطب السامعين الجاحدين للرسالة النبوية وتنذرهم. والآية التي تلي آية سورة فصلت تنطوي على دليل حاسم على ذلك وهي: أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54) وكذلك الأمر في الآيات التي تلت آيات سورة الذاريات. وواضح من هذا أنه ليس من مانع من الاستشهاد بالعبارات القرآنية على ما في الكون من عظمة وإبداع ونواميس وعجائب ظاهرة وخفية أو مكتشفة حديثا. بل هذا واجب لأن حكمة التنزيل قد هدفت إلى التدليل على عظمة الخالق وشمول قدرته وإيجاب الاتجاه إليه وحده فيما استعملته من أساليب التنبيه والاسترخاء

تعليق آخر على ما تفيده ظواهر الآيات من بعث الناس بأجسادهم

والتنويه بما في الكون من عجائب وبدائع. على أن يبقى الأمر في نطاق هذه الأساليب التي وجهت إلى جميع الناس على اختلاف عقولهم ومداركهم والتي فيها الكفاية كل الكفاية لتحقيق تلك الحكمة ودون أن يخرج إلى نطاق التمحلات في التطبيقات الفنية التي كثيرا ما تؤدي إلى مأزق وليس من ورائها في الوقت نفسه طائل في صدد الهدف القرآني. تعليق آخر على ما تفيده ظواهر الآيات من بعث الناس بأجسادهم وظاهر الآية الرابعة أن الناس يبعثون في الحياة الأخرى بأجسامهم وما ركّبت عليه في الدنيا من عظام ولحم ودم وأعضاء بأعيانها. وهذه المسألة من المسائل التي يختلف فيها المؤمنون بالحياة الأخروية «1» حيث ينفي بعضهم بعث الناس بأعيان أجسامهم لأن هذه الأعيان تنحلّ وتدخل في بنيان أجسام أخرى بشرية وغير بشرية، ويظل هذا يتكرر بصورة مستمرة وقالوا بناء على ذلك إن البعث الأخروي وما يكون فيه من حساب ونعيم وعذاب هو روحاني أي إنه يقع على الأرواح التي هي وحدها التي تكسب وتستحق الجزاء حسب كسبها لا على الأجسام التي هي غلاف للروح، وقال آخرون: إن الناس يبعثون جسمانيا وإن ذلك في نطاق قدرة الله على كل حال، وإن هذا هو المؤيد باستمرار في مختلف آيات القرآن، وردّ بعضهم بأنه ليس من الضروري أن تبعث الأجسام بأعيانها لأنها ليست إلّا غلافا للروح الكاسبة المستحقة للنعيم والعذاب فمن الممكن أن يبعثها الله بأجسام جديدة لأن الروح المستحقة للنعيم والعذاب لا تشعر بهما إلّا بالإحساس الجسماني. والذي يتبادر لنا بالنسبة للآية التي نحن في صددها أنها بسبيل المساجلة في أسلوب الإنكار وتعبير المنكرين. فقد أنكر كفار العرب الذين وجهت إليهم الدعوة والقرآن لأول مرة جمع العظام بعد الموت فردّت عليهم الآية بأسلوب مثل أسلوبهم

_ (1) انظر مثلا تفسير المنار ج 8 الطبعة الثانية الصفحة 264 وما بعدها.

[سورة القيامة (75) : الآيات 7 إلى 15]

منوّهة بقدرة الله تعالى على كل ما يحسبونه غير ممكن. وقد تكرر في القرآن حكاية أقوالهم وإنكارهم كثيرا وكان الجدل حول البعث بين النبي والكفار من أكثر ما دار الجدل حوله على ما ذكرناه في تعليق سابق. واحتوى القرآن ردودا قوية بأساليب متنوعة في كل مرة حكى فيها إنكارهم ومراءهم مؤكدا بأن ذلك في نطاق قدرة الله تعالى الذي خلقهم أول مرة وبأن الله تعالى لم يخلقهم ولم يخلق الأكوان عبثا وإنما ليبلوهم أيهم أحسن عملا ويجزي كل الناس حسب أعمالهم في الدنيا. والآيات كثيرة كثرة تغني عن التكرار. ويمكن القول إن الآيات القرآنية مؤيدة في ظاهرها للقائلين بالبعث الجسماني وإن قدرة الله لا يعجزها شيء فإذا اقتضت حكمة الله بعث الأجسام جسمانيا فإن ذلك داخل ولا ريب في نطاق هذه القدرة. مع التنويه بوجاهة قول القائلين بأنه ليس من الضروري أن تبعث نفس الأجسام وأن من الجائز أن تحلّ الروح في أجسام جديدة لأن الأجسام غلاف أو وعاء والروح هي التي تحسّ بالنعيم والعذاب. ومعلوم أن الجسم الإنساني تتبدّل خلاياه دوما في أثناء حياة صاحبه. ومع ذلك تظلّ شخصيته محتفظة بذاتيتها مع قواها العقلية وذكرياتها منذ أيام الطفولة إلى آخر أيام الحياة. وقد يكون في هذا تقريب وتوضيح. وعلى كل حال فالحياة الأخروية مسألة غيبية يجب على المسلمين أن يؤمنوا بها في نطاق ما جاء عنها في القرآن لأن ذلك من أركان الإسلام وإن كان جاء بأساليب وألفاظ دنيوية مألوفة للناس مما قد يكون من حكمته قصد التقريب والتأثير والمساجلة في الجدل. ولسنا نرى الآية وأمثالها يقتضي أن تكون مثار جدل ولا خلاف بينهم ولا تتحمل ذلك من حيث المدى والقصد. وعلى المسلم أن يعتقد أن ما جاء في القرآن هو في نطاق قدرة الله وحكمته وأن يقف عنده بدون تحمل ومراء وأن يكل ما يعجز عن إدراكه من صور وكيفيات إلى الله تعالى، والله تعالى أعلم. [سورة القيامة (75) : الآيات 7 الى 15] فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلاَّ لا وَزَرَ (11) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (15) الجزء الثاني من التفسير الحديث 13

(1) برق البصر: زاغ من الفزع أو اتسعت حدقتاه منه. (2) وزر: ملجأ أو معصم. (3) بل الإنسان على نفسه بصيرة: قيل إن معنى الآيتين هو أن جوارح الإنسان شهيدة عليه مهما أنكر وحاجّ، وقيل إن معناهما هو أن الإنسان يعلم في نفسه ماهية أفعاله مهما أنكر وحاجّ، وقيل هما بمعنى أن الإنسان أدرى بنفسه ولذلك يكون ما يلقاه على عمله جزاء حقّا لأنه عمله باختياره، وقيل هما بمعنى كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (14) «1» وجميع الأقوال وجيهة والمقصد في الآيتين واضح. (4) معاذيره: أعذاره وحججه. الآيات استمرار للسياق السابق كما هو ظاهر. وقد هدفت إلى توكيد قيام القيامة وإنذار السامعين وتكذيب المكذبين. فيوم القيامة آت لا ريب فيه. وستزوغ من هوله الأبصار ويخسف القمر ويجتمع أو يصطدم الشمس والقمر. ويتساءل الناس وهم مأخوذون فزعون عما إذا كان من مجال لفرار فيجابون أن لا ملجأ من الله ولا معصم. ويحاسب الناس على جميع ما عملوه في الدنيا وهم يعرفون ما عملوه لأن جوارحهم شاهدة عليه، ولن ينفعهم ما قد يبدونه من حجج وأعذار. والآيتان الأخيرتان مفحمتان ملزمتان وقد احتوتا تلقينا جليلا أو وسيلة تربوية نفسية فالأعذار والحجج لن تغني عن الناس شيئا، لأن للإنسان على نفسه بصيرة وشاهدا.

_ (1) انظر تفسيرها في تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والطبرسي والزمخشري.

[سورة القيامة (75) : الآيات 16 إلى 19]

[سورة القيامة (75) : الآيات 16 الى 19] لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (19) . (1) قرآنه: هنا بمعنى قراءته لأن قرآن مصدر من مصادر قرأ. الخطاب في الآيات موجّه إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم. وفيها أمر بعدم تحريك لسانه بالقرآن الذي يوحى إليه مستعجلا آية بعد آية، بل عليه متابعة سماع الآيات إلى أن ينتهي وحيها. وفيها تطمين بأن الله عزّ وجلّ مثبت في وعيه ما يلقى عليه وملهمه بيانه وفهمه. والآيات جاءت كما هو ظاهر معترضة بين آيات تؤكد مجيء يوم القيامة وتنذر منكريه وتبين مصائر الناس فيه. والآيات التالية لها استمرار في نفس الموضوع والسياق. حيث يبدو من هذه أن لا صلة لهذه الآيات بالسياق. وقد روى المفسرون أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان حينما يوحى إليه بالقرآن يردّد الآيات واحدة بعد أخرى بشفتيه قبل انتهاء وحيها مستعجلا حفظها وتذكرها خشية نسيانها فنزلت الآيات للتنبيه والتعليم والتطمين «1» . والرواية متسقة مع الآيات. وورودها في الموضع الذي وردت فيه والذي يبدو عجيبا لا يستقيم والله أعلم إلّا بفرض أن تكون هذه الحادثة قد وقعت أثناء نزول الآيات السابقة لها فأوحى الله عزّ وجلّ بهذه الآيات فورا لبيان ما في العمل

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والطبرسي. وقد روى ذلك أيضا البخاري والترمذي عن ابن عباس (انظر التاج ج 4 ص 248) وهذا نص الحديث: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا نزل جبريل بالوحي وكان مما يحرك في لسانه وشفتيه فيشتدّ عليه وكان يعرف منه فأنزل الله الآيات فكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه كما وعد الله» .

تعليق على دلالة آيات لا تحرك به لسانك لتعجل به وأخواتها

من عجلة لا ضرورة لها، فأملى النبي صلّى الله عليه وسلّم على كاتبه الآيات مع الآيات الأخرى ولو لم تكن متصلة بها موضوعا. تعليق على دلالة آيات لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ وأخواتها وفي الآيات صورة رائعة من صور التنزيل القرآني ووحيه ترد لأول مرة في وقت مبكر نوعا ما من العهد المكي. وهي تثير معاني خطيرة وجليلة نبهنا إليها بإسهاب في كتابنا «القرآن المجيد» . ومن ذلك أنها لا تدع محلّا لشك ولا مراء حتى من أشدّ الناس شكّا ومراء بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان مؤمنا أقوى الإيمان بأن الوحي الرباني هو الذي كان يوحى إليه بالقرآن، لا على معنى أنه نابع من ذاته، بل على معنى أنه من خارج ذاته، يشعر به في أعماق نفسه ويستمع إليه بأذن بصيرته ويعيه بقلبه. ومن ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان شديد الحرص على ألّا يفلت منه آية أو كلمة أو حرف أو معنى مما يوحى إليه. ومن ذلك أنه كان يأمر بتدوين ما يوحى إليه حالا ويملي على كاتبه حتى ما هو تعليم خاص له بكيفية تلقيه وحي الله عزّ وجلّ وقرآنه، لأنه وحي. ومن ذلك أن الوحي القرآني كان يقذف من الله رأسا في روع النبي صلّى الله عليه وسلّم. ولما كان هناك آيات صريحة أخرى تفيد أن الله كان ينزل القرآن على النبي بواسطة جبريل الذي ذكر اسمه صراحة في هذا الصدد في آية سورة البقرة [97] وذكر بوصف الروح الأمين في آية سورة الشعراء [193] وبوصف روح القدس في آية سورة النحل [102] «1» فيقال بسبيل التوفيق: إن في الآيات التي نحن في صددها صورة من صور الوحي القرآني وهي قذف هذا الوحي من الله عزّ وجلّ رأسا في روع النبي صلّى الله عليه وسلّم. وهذه الصورة إحدى الصور الثلاث لاتصال الله سبحانه بمن يصطفيهم من عباده التي انطوت في آية سورة الشورى هذه: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ

_ (1) أوردنا الآيات في سياق تفسير سورة القدر. [.....]

[سورة القيامة (75) : الآيات 20 إلى 25]

بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51) . هذا، ولقد قال بعض المفسرين في صدد آية فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ إنها أمر بوجوب اتباع أوامر القرآن ونواهيه. والمتبادر أنها في صدد أمر النبي عليه السلام بمتابعة استماع وحي الله. ومضمون الآيات جميعها والآية التي جاءت بعد هذه الآية بنوع خاص مما يدعم ذلك على أن في أقوال المفسرين ما يتطابق مع هذا بل إن بعضهم فنّد القول الأول «1» . [سورة القيامة (75) : الآيات 20 الى 25] كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (21) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (22) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (25) . (1) ناضرة: مشرقة من السرور. (2) باسرة: عابسة من الشدّة. (3) فاقرة: داهية تكسر فقار الظهر. الخطاب في الآيات موجه إلى مخاطبين سامعين. وهي بسبيل تقرير أسباب ما يحدو بالناس إلى تكذيب يوم القيامة، وهي استغراقهم في محبة الدنيا وإهمالهم الآخرة. وقد احتوت بيانا استطراديا على سبيل الإنذار فالناس في الآخرة فريقان: فريق ناضر الوجه لما يشعر به من الرضى والطمأنينة ينظر إلى ربّه وفريق عابس لما يتوقعه من الهول الذي يكسر فقار الظهر. والخطاب في الآيات وإن كان مطلقا فإن الآيتين الأوليين منها تدلان على أنه موجه بخاصة إلى منكري البعث والجزاء على سبيل التنديد بهم. والذي تلهمه روح الآيات أن التنديد ليس موجها لمحبة الناس الدنيا

_ (1) انظر تفسير الآيات في الطبري والطبرسي والنيسابوري وغيرهم والتفنيد في تفسير النيسابوري.

تعليق على موضوع رؤية الناس لله عز وجل

ورغبتهم في الاستمتاع بخيراتها وطيباتها إطلاقا. فهذا من فطرة الله التي فطر الناس عليها، وإنما هو موجّه بخاصة للذين يندفعون في ذلك بدون تقيد ولا تحفظ ولا تفكير بالمصير الأخروي وما يجب عليهم إزاءه من حسن التصرف والقصد والقيام بالواجبات نحو الله عزّ وجلّ ونحو الناس. فالذين يأخذون من العاجلة أي من الحياة الدنيا ما هو مشروع لا إسراف فيه، ولا يهملون ما يجب عليهم نحو الله والناس ولا ينسون الآخرة والعمل لها لا يدخلون في شمول التنديد. وهذا مبدأ من المبادئ القرآنية المكررة بأساليب ومناسبات عديدة. وقد نبّهنا على ذلك في مناسبات سابقة. تعليق على موضوع رؤية الناس لله عزّ وجلّ ولقد كانت الآيتان وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (22) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ من الآيات التي نحن في صددها وأمثالها مما يحتوي معنى رؤية الله من قبل عباده من المسائل الخلافية بين علماء الكلام والفرق الإسلامية. وهذه المسألة هي غير مسألة رؤية النبي صلّى الله عليه وسلّم لله عزّ وجلّ التي كتبنا تعليقا عليها في سياق بعض آيات سورة النجم وإن تكن غير منفصلة عن مداها بصورة عامة. ولقد استند فريق من العلماء إلى هاتين الآيتين وأمثالهما وإلى أحاديث نبوية وصحابية متنوعة الرتب فقالوا بإمكان الرؤية. واستند فريق آخر إلى آيات أخرى وإلى أحاديث مماثلة فقالوا بعدم إمكانها. ومن الفريق الأول من أكد إمكانها في الآخرة بنوع خاص استنادا إلى أحاديث نبوية عديدة توصف بالصحة والقوة. ومنهم من استند إلى آيات واحدة في النفي والإثبات. فقال النافون إن آية سورة الأعراف وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) تنفي الرؤية على التأبيد باستعمالها تعبير لَنْ تَرانِي وإن تعليقها إمكان الرؤية على استقرار الجبل هو من قبيل تقرير كون الجبل لن يستقرّ

لتجلّي الله. في حين قال المثبتون إن الله علّق الرؤية على شيء غير مستحيل وأن رسول الله موسى عليه السلام ما كان يمكن أن يطلب شيئا لو علم أنه مستحيل. وقال المثبتون إن جملة إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ تتضمن وعدا ربانيا بالرؤية وتوكيد إمكانها في حين قال النافون إنها لا تتضمن معنى الرؤية وإن معناها أنها منتظرة أوامر ربها وثوابه. واستند النافون إلى آية سورة الأنعام هذه: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) في نفي إمكان الرؤية في حين قال المثبتون إنها لا تنفي الرؤية وإنما هي بسبيل تقرير عدم إمكان الإحاطة بالله وكنهه وعلمه. كما قال بعض الذين يثبتون الرؤية في الآخرة دون الدنيا أن هذه الآية خاصة بالدنيا لأن أبصار أهل الدنيا فيها لا تقوى على ذلك بخلاف أبصار أهل الآخرة من عباد الله المؤمنين. ومن الأحاديث التي أوردها المثبتون لرؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة بنوع خاص حديث رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة جاء فيه: «أنّ أناسا قالوا يا رسول الله هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارّون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترون ربّكم كذلك» «1» . وحديث رواه البخاري ومسلم كذلك عن جرير قال: «نظر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى القمر ليلة البدر فقال: إنّكم سترون ربّكم كما ترون هذا القمر. فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا» «2» . وحديث رواه مسلم عن صهيب أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة قال يقول الله تعالى: تريدون شيئا أزيدكم. فيقولون ألم تبيّض وجوهنا. ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار. قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحبّ إليهم من النظر إلى ربّهم. وهي الزيادة في هذه الآية لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ» «3» .

_ (1) التاج ج 5 ص 357. (2) التاج ج 4 ص 217. (3) المصدر نفسه ص 129.

وحديث رواه الترمذي والإمام أحمد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «إنّ أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وأزواجه وخدمه وسروره مسيرة ألف سنة. وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ثم قرأ رسول الله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (22) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ» «1» . ومن الأحاديث التي في جانب عدم إمكان رؤية الله عزّ وجلّ حديث رواه الإمام أحمد عن مسروق قال: «سألت عائشة فقلت يا أمّ المؤمنين هل رأى محمد ربّه عزّ وجلّ؟ قالت: سبحان الله، لقد قف شعري لما قلت أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب. من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب ثم قرأت: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ [الأنعام: 103] ووَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الشورى: 51] ومن أخبرك أنه يعلم ما في غد فقد كذب ثم قرأت: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ [لقمان: 34] الآية ومن أخبرك أن محمدا قد كتم فقد كذب ثم قرأت: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: 67] ، ولكنه رأى جبريل مرتين في صورته» «2» . وحديث رواه مسلم عن أبي ذرّ قال: «سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: هل رأيت ربّك؟ فقال: نور. أنّى أراه» . وحديث رواه مسلم عن عبد الله بن شفيق قال: «قلت لأبي ذرّ لو رأيت رسول الله لسألته. فقال عن أي شيء كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله هل رأيت ربّك؟ قال أبو ذرّ: قد سألته فقال رأيت نورا» . وحديث رواه النسائي عن أبي ذرّ قال: «رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ربّه بقلبه ولم يره ببصره» . ووصل

_ (1) التاج، ج 5 ص 220. (2) تفسير ابن كثير. وروى هذا الحديث بصيغة قريبة الشيخان والترمذي وأوردناها في تعليقنا على رؤية النبي صلّى الله عليه وسلّم ربّه في سورة (النجم) . وهناك أحاديث أخرى يرويها المفسرون فاكتفينا بما أوردناه مما ورد في كتب الأحاديث الصحيحة وقريبا منه. انظر تفسير هذه الآيات وتفسير سور (ق) و (الأنعام) في تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والخازن ورشيد رضا وغيرهم.

الأمر بين الفريقين إلى التهاجي لأن الفريق المثبت قال إن رؤية الله ممكنة بلا كيفية. فهجاهم النافون حيث قال قائل منهم: وجماعة سموا هواهم سنة ... لجماعة حمر لعمري مؤكفة قد شبهوه بخلقه وتخوفوا ... شنع الورى فتستروا بالبلكفه ورد عليهم خصومهم فقال قائلهم: وجماعة كفروا برؤية ربهم ... حقا ووعد الله ما لن يخلفه وتلقبوا عدلية قلنا أجل ... عدلوا بربهم فحسبهمو سفه وتلقبوا الناجين كلا إنهم ... إن لم يكونوا في لظى فعلى شفه مع أن الفريقين مخلصان في إيمانهم بالله ورسوله واليوم الآخر وفي تنزيه الله عزّ وجل عن المماثلة لأي شيء كل الإخلاص. وقصارى اختلافهم أن الفريق النافي ينزّه الله عن الجسمانية التي لا يمكن للرؤية البصرية أن تتحق إلّا بها ويتوقف في الأحاديث الواردة بإمكان ذلك في الآخرة. والفريق المثبت يقف عند هذه الأحاديث مع تنزيه الله عز وجل عن المماثلة والتحفظ في صدد الكيفية. ولقد عقد السيد رشيد رضا في الجزء التاسع من تفسيره فصلا طويلا في سياق تفسير آية سورة الأعراف المذكورة آنفا على مسألة رؤية الله عز وجل وأورد كثيرا مما روي وقيل فيها من أحاديث وأقوال وخلافات كلاميين وتأويلات متنوعة للنصوص وانتهى به الكلام إلى القول إنه ليس هناك نصّ قطعي الرواية والدلالة على الرؤية البصرية. وليست من العقائد الدينية الضرورية العلم كما أنها ليست مما كان يدعى إليها في تبليغ الدين مع التوحيد والرسالة «1» .

_ (1) بالإضافة إلى هذا الفصل الطويل انظر هذه المسألة في تفسير سور (الأنعام والأعراف والقيامة والإسراء والنجم) في كتب تفسير الطبري والبغوي والزمخشري وابن كثير والخازن والطبرسي وغيرهم. وانظر كتابه في مجموعة تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية نشر عبد الصمد شرف الدين في بومباي عام 1374 هـ- تفسير سورة الأعلى أيضا. وما أوردناه في النبذة مستقى منها.

ونحن بدورنا نقول إنه ليس في القرآن فيما يتبادر لنا من النصوص شيء صريح وقطعي بإمكان رؤية الله عز وجل في الدنيا والآخرة. وفيه ما ينفي عنه المماثلة لأي شيء ما لا يمكن أن يتحقق أي معنى من معاني الرؤية البصرية إلّا بها وفيه ما ينفي احتمال إدراك الأبصار له. وفي الأحاديث المأثورة ما فيه نفي لإمكان الرؤية مطلقا. وإذا كان من الحق أن يقال إن الأحاديث التي تذكر إمكان ذلك في الآخرة عديدة وقوية السند ولا يصح إنكارها فإن اتصال الأمر بالحياة الأخروية يسوغ عطفها على هذه الحياة المغيبة التي يجب الإيمان بها على إطلاقها. ونحن نرى بعد أن الخلاف والجدل والكلام في هذه المسألة وأمثالها مما يتصل بذات الله عز وجل لا طائل من ورائه لأنه متصل بالحقيقة الإلهية الكبرى التي يجب الإيمان بوجوب وجودها استدلالا من الكون ورسالات الرسل دون الدخول في بحث كنهها أو ماهيتها الذي لا سبيل إلى الوصول منه إلى نتيجة إيجابية، مع ملاحظة الضابط القرآني المحكم القاطع الذي ينطوي في الآية [11] من سورة الشورى وهو لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ومع ملاحظة أن الألفاظ المستعملة فيما يتصل بذات الله تعالى إنما تستعمل للتقريب والتمثيل للسامعين من البشر بأسلوب خطابهم ومفهوماتهم فلا محل للدخول بسببها في متاهات لا نهاية لها. وأن الأولى أن يقف المسلم منها ومن أمثالها موقف المتحفظ المؤمن بتلك الحقيقة الكبرى مع التنزيه المطلق الواجب لله عزّ وجل عن المكان والحدود والجسمانية، وما يتناقض معها من كيفيات وماهيات وحركات وهو ما كان عليه من السلف الصالح في الصدر الإسلامي الأول. هذا. مع القول بوجوب الإيمان بما صحّ عن رسول الله من أخبار متصلة بالمشاهد الأخروية وبأنه لا بدّ من أن يكون في ذلك حكمة. وقد يتبادر من نصوص الأحاديث أن التبشير وإثارة الغبطة في نفوس المؤمنين وجعلهم يتوسلون بكل وسيلة إلى نيل رضاء الله والمنزلة السامية عنده في الآخرة من تلك الحكمة. والله أعلم.

[سورة القيامة (75) : الآيات 26 إلى 40]

[سورة القيامة (75) : الآيات 26 الى 40] كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ راقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (30) فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (31) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (33) أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (34) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (35) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (37) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (39) أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (40) . (1) التراقي: جمع ترقوة وهي أعلى الصدر مما يلي الحلق. وبلغت التراقي بمعنى وصلت روح الإنسان إلى ترقوته في طريقها إلى الخروج منه. والجملة كناية عن الاحتضار. (2) من راق: من الذي يرقى. قيل إن السؤال من الملائكة عن هوية المحتضر. (3) ظنّ: هنا بمعنى تيقن. (4) التفت الساق بالساق: قيل إن معناها التفت شدة الدنيا بشدة الآخرة، أو التفت ساق الدنيا بساق الآخرة كما قيل إنها وصف لحالة المحتضر الذي يعاني سكرات الموت وتلتف ساقاه على بعضها منها وهذا هو الأوجه فيما يتبادر لنا. (5) المساق: الحشر. (6) يتمطى: يتبختر. (7) أولى لك فأولى: دعاء بالسوء بمعنى الويل لك. والآيات استمرار للسياق أيضا. وهي في صدد الإنذار بالآخرة ومصائر الناس فيها، والبرهنة على قدرة الله على بعث الناس وحشرهم إلى الحساب والجزاء. وفيها وصف لحال الإنسان حينما يحضره الموت ويتأكد من فراق الدنيا ويساق إلى الله وفيها تنديد في معرض الإنذار لمن لا يكون قد آمن وقام بواجبات عبادة الله وأعرض عن الدعوة إليه مستكبرا متبخترا، وتساؤل استنكاري في معرض التوكيد بأن الله لا يمكن أن يكون خلق الناس عبثا وأن يتركهم بدون

حساب وجزاء كما قد يحسب الجاحدون. فالله قد أنشأ الإنسان من نطفة ثم من علقة ثم جعله خلقا سويا ثم جعله زوجين ذكرا وأنثى، ومن قدر أن يفعل ذلك قادر من باب أولى أن يحيي الموتى ويبعثهم ليحاسبوا على أعمالهم. والآيات على ما يبدو من مجموعها في صدد التنديد بالمعاند المكذب ليوم القيامة المهمل لواجباته نحو الله والمنصرف عن دعوته. والوصف الذي بدأت به الآيات قد قصد به على ما هو المتبادر تذكير السامعين وبخاصة المعاندين والمكذبين بالمصير المحتوم لكل حي، وإثارة الخوف في نفوسهم ودعوتهم إلى التفكير في العاقبة والمصير قبل أن يصلوا إلى النهاية من آجالهم وتكون الفرصة قد أفلتت منهم.

سورة الهمزة

سورة الهمزة في السورة حملة على من اعتاد السخرية بالناس ولمزهم والتفاخر بماله، ومع صلتها بالسيرة النبوية وبعض صور مواقف الأغنياء فيها فأسلوبها عام مطلق. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الهمزة (104) : الآيات 1 الى 9] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (7) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9) . (1) ويل: كلمة دعاء سوء وإنذار وتقريع. (2) همزة: من الهمز، ومعناه في الأصل الكسر والقبض على الشيء بعنف واستعير منه كسر أعراض الناس ونفوسهم بالعيب عليهم والسخرية منهم. (3) لمزة: من اللمز وهو إلصاق المعايب بالناس والوقيعة بهم. (4) عدّده: أكثره وجعله كثير العدد، أو اعتدّ به أو أعدّه. (5) الحطمة: من الحطم وهو الإهلاك والتكسير، وهنا كناية عن جهنّم. (6) تطلع على الأفئدة: تصل بإحراقها وحرارتها إلى قلوب المعذبين بها. (7) مؤصدة: مغلقة. (8) عمد: جمع عمود.

في الآيات حملة شديدة قارعة على من يجعل ديدنه السخرية بالناس وإلصاق المعايب فيهم، وبخاصة على صاحب المال الكثير من هؤلاء الذي غرّه ماله وجعله يحسب أنه واقيه من النكبات ومخلده في النعيم والقوة، وتكذيب له وتوكيد بأن مصيره جهنّم الشديدة الحرارة التي تحرق كل شيء وتصل إلى القلوب والتي ستوصد أبوابها عليه ويحكم سدّها بالأعمدة ويكون له فيها العذاب الدائم. وقد روي «1» أن الآيات نزلت في حقّ شخص اختلف في اسمه بين الأخنس بن شريق وأمية بن خلف والوليد بن المغيرة كان غنيا وجيها مغرورا ديدنه السخرية بالنبي صلّى الله عليه وسلّم واتهامه بالمعايب. والرواية متسقة مع الآيات كما هو واضح، والآيات بذلك تحتوي صورة من صور مواقف الكفار وبخاصة أغنياءهم وزعماءهم من النبي عليه السلام ودعوته، وصرخة داوية رادعة في وجوههم بالتقريع والإنذار. ومع هذا فأسلوب الآيات التعميمي المطلق يتضمن تلقينا مستمر المدى ضدّ هذا النوع من الناس والتنديد به والتنبيه إلى ما في أخلاقه من سوء ووجوب اجتنابها.

_ (1) انظر تفسيرها في تفسير البغوي والطبري وابن كثير مثلا.

سورة المرسلات

سورة المرسلات في السورة توكيد ليوم القيامة وهوله، وإنذار بمصير الكفار الرهيب وتنويه بمصير المؤمنين فيه، وأسلوبها ذو خصوصية فنية نثرية، ومع ما في بعض فصولها من خطاب للمكذبين فإنها لا تحتوي موقفا شخصيا معينا ويصح أن تسلك في سلك السور ذات الطابع العام، وقد ذكر المصحف الذي اعتمدنا عليه أن الآية [48] مدنية، وانسجام هذه الآية التام مع الآيات يسوغ الشك في صحة ذلك، وترابط فصول السورة وتوازنها وخصوصية نظمها تسوغ القول إنها نزلت دفعة واحدة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة المرسلات (77) : الآيات 1 الى 7] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (1) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (2) وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (3) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (4) فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (5) عُذْراً أَوْ نُذْراً (6) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (7) . (1) المرسلات: من الإرسال، والمرسلات عرفا بمعنى المرسلات متتابعة كعرف الفرس أو الديك. (2) عرفا: من عرف الديك أو الفرس. (3) العاصفات عصفا: الشديدة الهبوب والحركة. (4) الناشرات: من النشر بمعنى الإعلان والإذاعة.

(5) الفارقات: بمعنى المفرقات بين شيء وآخر. (6) ذكرا: هنا بمعنى التذكير أو الوحي. (7) عذرا: من الإعذار وهو التنبيه حتى لا يبقى محل للوم والتحجج. (8) نذرا: من الإنذار. تعددت الأقوال في تأويل الفقرات المقسم بها ومحمولها، وقد تكرر القسم بمثل هذا الأسلوب الذي تتعدد في تأويلها ومحمولها الأقوال كمطالع سور الصافات والذاريات والنازعات. وقد قيل في صدد فقرات السورة إنها الرياح كما قيل إنها الملائكة. وقيل كذلك إنها الرياح والملائكة معا. ومن نماذج الأقوال ما جاء في تفسير ابن عباس رواية الكلبي بأن الله أقسم بالملائكة الذين يرسلون متتابعين كعرف الفرس، وأقسم بالرياح العواصف وأقسم بالسحاب الناشرات بالمطر، أو الملائكة الذين ينشرون الكتاب وأقسم بالملائكة الذين يفرقون بين الحق والباطل، والحلال والحرام بما يلقونه من الذكر والوحي عذرا لله من الجور والظلم، أو نذرا لخلقه من عذابه. وقد جاء في تفسير الكشاف للزمخشري أن الله أقسم بطوائف من الملائكة أرسلهن بأوامره فعصفن في مضيهن كما تعصف الرياح امتثالا لأمره، وبطوائف منهن نشرن أجنحتهن في الجو عند انحطاطهن بالوحي، أو نشرن الشرائع في الأرض أو نشرن النفوس الموتى بالكفر والجهل بما أوحين، ففرقن بين الحق والباطل، فألقين ذكرا إلى الأنبياء عذرا للمحقين أو نذرا للمبطلين، أو أقسم برياح عذاب أرسلهن فعصفن وبرياح رحمة نشرن السحاب في الجو ففرقن بينه، أو بسحائب نشرن الموات ففرقن بين من يشكر الله تعالى على نعمة الغيث وبين من يكفر. والذي يتبادر لنا أن السامعين أو نبهاءهم كانوا يفهمون محمول هذه الفقرات ودلالتها لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين يسمعه أناس يعلمونه على ما جاء في آية

[سورة المرسلات (77) : الآيات 8 إلى 15]

سورة فصلت هذه: كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) على أن الفقرة أو الآية الخامسة أوضح دلالة على أن المقسم به هم الملائكة. لأنهم هم الذين ينزلون بالوحي الذي يحتوي الإنذار أو الإعذار ويلقونه. والآية الأخيرة هي جواب القسم كما هو واضح. والآيات والحال هذه بصدد توكيد وقوع ما يوعد به الناس وهو يوم القيامة وحسابه وثوابه وعقابه وكون الله عزّ وجلّ ينزل الوحي مع الملائكة لإنذار الناس والإعذار إليهم. حتى يتعظوا ولا يبقى لهم حجة بالغفلة. والخطاب وإن كان للسامعين عامة فهو كما تلهمه عبارة تُوعَدُونَ وهي من الوعيد موجه بخاصة إلى الكفار لأنهم المحتاجون للتوكيد بسبب تكذيبهم للقيامة وهم موضع الوعيد بسبب جحودهم وإعراضهم عن الدعوة. [سورة المرسلات (77) : الآيات 8 الى 15] فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (9) وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (10) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (14) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (15) . (1) طمست: محيت أو انطفأت. (2) فرجت: فتحت. (3) وإذا الرسل أقتت: جعل لهم موعد موقوت. (4) يوم الفصل: يوم القضاء بين الناس وهو كناية عن يوم القيامة. الآيات متصلة بالآيات السابقة ومعقبة عليها. فالذي يوعد به الكافرون واقع وسيكون من أعلامه تبدّل نواميس الكون ومشاهده الكبرى. وسيعلن الرسل بميقاته حتى يأتوا لشهود حساب أممهم، وسيكون هذا الميقات هو يوم الفصل الذي يحاسب الناس ويفصل في أمرهم فيه، وهو يوم عظيم يكون الجزء الثاني من التفسير الحديث 14

تعليق على عبارة انفراج السماء وانطماس النجوم

الويل فيه والخزي للمكذبين بالقيامة والغافلين عنها. والمتبادر أن السؤال لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ يهدف إلى استرعاء السمع إلى خطورة اليوم المعين بمثابة (هل تدرون أي يوم ذلك اليوم) فيأتي الجواب (إنه يوم الفصل وما أدراك ما خطورة يوم الفصل) . والتبدّل الذي أشير إلى طروئه على السماء والنجوم والجبال هنا ليس بقصد الحصر. فقد ورد في سور عديدة سابقة ولاحقة إشارات إلى طروء التبدّل على مشاهد كونية غيرها. وقد ذكرنا ما تلهمه هذه الإشارات من مقاصد في المناسبات السابقة فلا حاجة إلى التكرار. تعليق على عبارة انفراج السماء وانطماس النجوم وقد يتوهم البعض أن استعمال فعل الانفراج للسماء والطمس للنجوم يدل على أن القرآن يعني أن السماء جسم صلب وأن النجوم مصابيح قابلة للاشتعال والانطفاء. والذي نراه أن هذا أسلوب خطابي للناس متسق مع ما يرونه من مشاهد واعتادوه من ظواهر وقام في أذهانهم من صور، وأن القصد منه البرهنة على قدرة الله عزّ وجلّ ومطلق تصرفه في الأكوان وبخاصة بما يملأ النفوس روعة من مشاهدها. وقد أوّلنا توقيت الرسل بما أوّلناه في القرآن آيات عديدة ذكر فيها الإتيان بالنبيين والرسل لشهود محاسبة أممهم يوم القيامة، منها آية سورة النساء هذه: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (41) وآيات سورة الزمر هذه: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (69) وآية سورة المائدة

[سورة المرسلات (77) : الآيات 16 إلى 28]

هذه: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109) . [سورة المرسلات (77) : الآيات 16 الى 28] أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (17) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (19) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (21) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (23) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (24) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (25) أَحْياءً وَأَمْواتاً (26) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (27) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (28) . (1) قرار مكين: كناية عن الرحم، والمكين بمعنى الحصين والحريز. (2) قدر معلوم: كناية عن مدة الحمل. (3) فقدرنا: فدبرنا وحسبنا. (4) كفاتا: وعاء ونطاقا متسعا للأحياء والأموات. (5) رواسي شامخات: كناية عن الجبال، وشامخات بمعنى عاليات. (6) فراتا: عذبا حلوا. والآيات متصلة بالسياق السابق أيضا وبسبيل التدليل على قدرة الله على تحقيق ما يوعد به الناس من البعث والحساب والجزاء وهي ثلاثة مقاطع كل منها ينتهي بإنذار المكذبين بهول ذلك اليوم. وهذا التكرار مستمر في جميع مقاطع السورة مما جعل لها خصوصية نظمية ومما ينطوي فيه تشديد في الإنذار والتقريع كما هو المتبادر. وفي كل مقطع حجة مقتطعة مما يعرفه السامعون من حقائق لا سبيل للمماراة فيها من قدرة الله وعظمة كونه ودقة نواميسه فيه حيث تستحكم الحجة فيهم.

وقد جاءت المقاطع بأسلوب السؤال الاستنكاري الذي ينطوي فيه تقرير معرفة السامعين لجوابه الصحيح وهو التسليم بقدرة الله وصدق الحجة. فهم يعرفون أن الله عزّ وجلّ قد أهلك الأولين وأتبعهم بمن بعدهم، وأن هذه عادته في المجرمين. وهم يعرفون أن الله عزّ وجلّ خلقهم من ماء مهين قدّر له وقتا معلوما في الرحم وأنه هو الذي سوّاهم على أحسن تقدير وحساب وتكوين، وهم يعرفون أن الله عزّ وجلّ جعل الأرض نطاقا واسعا للأحياء والأموات وجعل فيها الرواسي الشامخات وأجرى فيها المياه العذبة التي يستقون منها والتي فيها قوام حياتهم. وفي كل هذا الدليل القاطع على قدرته على بعثهم بعد الموت للحساب. وفي القرآن آيات جاء فيها اعترافهم صريحا بكل هذا وهو الذي سوّغ لنا تأويل الآيات بما أوّلناه بها. ففي سورة العنكبوت هذه الآية: وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) حيث ينطوي فيها معرفتهم بنكال الأقوام السابقين بسبب اتباعهم الشيطان وعدم استجابتهم إلى رسلهم. ومن هذا الباب آيات سورة الصافات هذه: وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (138) . وفي سورة الزخرف هذه الآيات: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (11) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (12) . وهذه الآية وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87) وفي سورة الواقعة هذه الآيات: أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ

تنبيه إلى أن الدعوة قائمة على الإقناع

فِي ما لا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (62) . ومع أن أسلوب الآيات عام للسامعين على اختلافهم فالمتبادر من روحها أنها موجهة إلى الكفار والمكذبين على سبيل الإنذار والتقريع والإفحام والدعوة إلى الارعواء. وفي الآيات التالية لها دلالة صريحة على ذلك. تنبيه إلى أن الدعوة قائمة على الإقناع وفي هذه الآيات وأمثالها الكثيرة مما سبق ومما سيأتي ظاهرة قرآنية جليلة وهي أن الدعوة كانت تقوم على الإقناع والجدل المنطقي الذي فيه الحجة الدامغة والإفحام، وعلى لفت النظر إلى وجود الله وقدرته الشاملة وحكمته البالغة بما في ملكوت السموات والأرض، وبما في تكوين وقوى الناس أنفسهم الذين يوجه إليهم الخطاب من آيات ومشاهد باهرة قائمة، مما يعترفون به ومما لا يتحمل مماراة ولا يحتاج إلى براهين خارقة، واستحقاق الله وحده من أجل ذلك للخضوع والعبودية والاتجاه. [سورة المرسلات (77) : الآيات 29 الى 40] انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (29) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (30) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (33) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (34) هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (35) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (37) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (38) فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (39) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (40) . (1) ظليل: ذو ظلّ واق. (2) القصر: قطع الشجر أو الحطب الكبيرة. (3) جمالات: جمع جمالة وهي الحبل المجدول أو حبل السفينة.

تعليق على ما يمكن أن يتوهم من تناقض في حكاية حال الكفار يوم القيامة

والآيات متصلة بالسياق ومعقبة على ما سبقها كما هو ظاهر. والخطاب فيها موجّه إلى المكذبين بصراحة. وهو حكاية لما سوف يقال لهم يوم القيامة. وقد تكرر هذا الأسلوب في القرآن كثيرا بقصد تصوير الحال كأنما يراها السامع حتى يرتدع عن الغي ويستجيب إلى الدعوة. والوصف في المقطع الأول قوي مرعب. فجهنّم التي يساق المكذبون إليها والتي كانوا يكذبونها ترمي بشرر عظيم الحجم والطول. وقد ضرب عليها رواق ذو ثلاث شعب يظنه الرائي ظلا واقيا ولكنه لا يلبث أن يعرف أنه لا يصلح للاستظلال ولا يقي من اللهب. وكذلك ما احتواه المقطعان التاليان حيث يحكيان ما سوف تكون عليه حال المكذبين من سوء وحرج. فهم لا يستطيعون أن يقولوا شيئا، ولا يسمح لهم بالاعتذار عمّا بدا منهم ويتحدون بأسلوب السخرية والاستهتار فيقال لهم لقد جمعناكم جميعا الأولين والآخرين فاصطنعوا أي حيلة وتوسلوا بأي وسيلة للخلاص من قبضة الله إذا استطعتم. وكل هذا من شأنه أن يثير الفزع في السامعين ويحملهم على تدبر أمرهم قبل فوات الوقت وهو مما استهدفته الآيات كما هو المتبادر. تعليق على ما يمكن أن يتوهم من تناقض في حكاية حال الكفار يوم القيامة ولقد يبدو تناقض بين الآيتين [36، 37] اللتين تقرران أن الكفار في ذلك اليوم لا ينطقون. ولا يؤذن لهم فيعتذرون وبين آيات أخرى سابقة ولاحقة فيها إشارة إلى ما يكون في الآخرة من حجاج ومحاورات بين الله والكفار وبين الملائكة والكفار وبين المؤمنين والكفار وبين الكفار أنفسهم. وفيها اعتذارات عما بدا منهم مثل آيات سورة المدثر هذه: إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ

[سورة المرسلات (77) : الآيات 41 إلى 45]

الْخائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (47) ومثل آية سورة الزمر هذه: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (71) ومثل آيات سورة المؤمنون هذه: قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ (106) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (107) ومثل آيات سورة الشعراء هذه: قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (98) وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99) فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (100) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) ومثل آية سورة السجدة هذه: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (12) . وهذا التناقض المتوهم يزول إذا ما لوحظ أن هذه التعابير هي تعابير تصويرية أسلوبية وفاق ما اعتاده الناس في حياتهم للتقريب والتأثير، وهذا الذي اعتاده الناس يتحمل هذا كما يتحمل ذلك حسب تنوّع المواقف ومقتضياتها. والهدف العام هو وصف هول مصير الكفار وشدّة موقفهم يوم القيامة، لإثارة الرعب والفزع في نفوسهم وحملهم على الارعواء والازدجار على ما قررناه آنفا. [سورة المرسلات (77) : الآيات 41 الى 45] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (45) . وهذا المقطع استطرادي كما هو ظاهر، وصلته بالسياق قائمة بالاستطراد إلى ذكر مصير المؤمنين الصالحين بعد ذكر مصير الآثمين المكذبين، وقد تكرر مثل هذا الاستطراد كثيرا في المناسبات المماثلة، ومعنى الآيات واضح لا يحتاج إلى أداء بياني آخر. ومع أن نعتي المتقين والمحسنين يعنيان المؤمنين بالله عزّ وجلّ ورسالة

تعليق على مدى التنويه بالمحسنين والإحسان

نبيه صلّى الله عليه وسلّم فإن في استعمالهما كما هو متبادر تلقينا مقصودا به تقرير كون الإيمان بالله ورسوله يجب أن يكون له أثر بارز في سلوك المؤمنين وتصرفهم نحو الله والناس، بحيث يجتهدون في تقوى الله باجتناب الآثام والفواحش وفي الحصول على رضائه بالعمل الصالح والإحسان والإخلاص فيه، وبكلمة ثانية بحيث يتحقق في سلوكهم وتصرفهم صفتا المتقي المحسن فيكونون أهلا لرضوان الله وتكريمه وهكذا يبدو التلقين قويا رائعا. وهو مستمر المدى كما هو واضح. تعليق على مدى التنويه بالمحسنين والإحسان ولقد تكرر التنويه بالمحسنين والحثّ على الإحسان كثيرا في السور المكية والمدنية كما تكرر ذلك بالنسبة للمتقين والتقوى. ولقد علّقنا على مدى عناية التنزيل القرآني بالتنويه بالمتقين والحثّ على التقوى في سياق سورة القلم، ونقول هنا بمناسبة ورود كلمة المحسنين لأول مرة إن هذه الكلمة ومشتقاتها قد وردت في أكثر من مائة آية حيث يدلّ هذا على مبلغ عناية التنزيل القرآني بالتنويه بالمحسنين والحث على الإحسان كما هو الشأن بالنسبة للمتقين والتقوى. والتعبير في أصل معناه والمقصد منه هو عمل ما هو حسن وأحسن وبعبارة أخرى عدم التقيد بقيد الواجب المقتضي عقلا وشرعا وخلقا بل تجاوزه إلى ما هو الأفضل والأحسن والأتمّ. وفي هذا ما فيه من قصد جليل إلى الارتفاع بالمسلم إلى ذرى الفضائل والمكرمات والكمال الخلقي والنفسي ونكتفي هنا ببعض الأمثلة التي يبرز فيها هذا القصد الجليل ويبرز معه ما وعده وأعده الله للمحسنين من مكافأة وجزاء في الدنيا والآخرة: 1- بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: 112] . 2- وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: 195] .

3- الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ [آل عمران: 172] . 4- وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً [النساء: 128] . 5- لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: 93] . 6- وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: 56] . 7- إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: 9] . 8- ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل: 125- 128] . 9- وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً [الإسراء: 53] . 10- وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: 69] . 11- قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [الزمر: 10] .

[سورة المرسلات (77) : الآيات 46 إلى 50]

12- وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت: 33- 35] . 13- إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ [الذاريات: 16- 19] . ولقد تعددت الآيات المكية والمدنية التي قررت أن الله لا يضيع أجر المحسنين وأنه يحب المحسنين وأنه سيزيد المحسنين وأنه سيجزي المحسنين مما فيه توكيد وتشويق متكرران. ومما هو متصل بذلك القصد الجليل كما هو المتبادر. [سورة المرسلات (77) : الآيات 46 الى 50] كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (46) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (47) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50) . والاتصال مستمر كذلك بين هذين المقطعين وما قبلهما، وفي المقطع الأول التفات خطابي للمجرمين المكذّبين احتوى إنذارا لهم وتنديدا باستكبارهم عن الركوع لله، أما الآية الأخيرة فقد جاءت خاتمة قوية للسورة تضمنت تنديدا وتقريعا للكفار على عنادهم وعدم تأثرهم بما يتلى عليهم من قرآن الله ونذره مع ما فيها من الحجة الدامغة والموعظة البالغة، وقد جاءت بأسلوب الاستنكار القوي فبأي شيء يؤمنون إذا لم يقنعهم هذا ويؤمنوا به. وقد ذكر المصحف الذي اعتمدناه أن الآية [48] مدنية وذكرت بعض الروايات «1» أنها نزلت في مناسبة استثقال وفد ثقيف الذي جاء لمفاوضة النبي عليه السلام بعد فتح مكة لحركة الركوع وطلبهم إعفاءهم منه، وانسجام الآية

_ (1) انظر تفسيرها في الكشاف للزمخشري وتفسير ابن عباس رواية الكلبي.

مع سائر الآيات وزنا وموضوعا يسوغ الشك في الرواية، ومن الطريف أنه بينما يعزى لابن عباس رواية نزولها في مناسبة مفاوضة ثقيف يعزى إليه قول آخر «1» وهو أن هذا سوف يقال لهم يوم القيامة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون. والمتبادر أن الركوع هنا تعبير عن الصلاة لله وحده، وهذا ما كان يطلب من الناس عامة منذ بدء الدعوة.

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير البغوي.

سورة ق

سورة ق وفي السورة توكيد للبعث الأخروي وتبشير وإنذار به، وتدليل على قدرة الله عليه، وحكاية لبعض مشاهده، وتنديد بالكافرين المكذبين وتنويه بالمتقين، وبيان مصير هؤلاء وأولئك في الآخرة، وفيها تذكير بمصير الأقوام السابقة المكذبين، وتسلية للنبي وتطمين له من مواقف قومه، وموضوعها عام ليس فيه مشاهد ومواقف شخصية ومعينة، وانسجام فصولها وترابطها واتساق وزنها يسوغ القول إنها من السور التي نزلت دفعة واحدة أو فصولا متلاحقة، وقد روي أن الآية [38] مدنية، وأسلوبها وانسجامها مع بقية الآيات يحملان على الشك في ذلك. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة ق (50) : الآيات 1 الى 5] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (4) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) . (1) مريج: مضطرب أو ملتبس عليهم. قال بعض المفسرين إن ق اسم جبل ومنهم من قال إنه جبل أخضر محدق بالدنيا ومنهم من قال إنه اسم السورة أو من أسماء الله، ومنهم من قال إنه حرف مثل الحروف المفردة التي بدئ بها كثير من السور للتنبيه والاسترعاء «1»

_ (1) انظر تفسير السورة في تفسير ابن عباس وابن كثير والطبرسي والطبري والخازن.

تعليق على ذكر القرآن والقسم به بعد حرف ق

ونحن نرجح هذا لأن القسم بالقرآن أعقب حرف ق وهذا الأسلوب قد تكرر كثيرا في هذه السور بل هو الأغلب. أما جواب القسم فإما أنه محذوف وتقديره إن الكفار كاذبون أو إن ما يتلى من القرآن صدق لا ريب فيه أو إن بعثكم أكيد وإما في الآية الرابعة. وفي الآيات حكاية لما ثار في الكافرين من عجب ودهشة حينما جاءهم النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو منهم ومثلهم يدعوهم إلى الله وينذرهم بالآخرة. ويبدو من مضمون الآيات وروحها أن عجب الكافرين ودهشتهم كانا منصبين في الدرجة الأولى على البعث الأخروي، حيث حكت الآية الثالثة تساءلهم عما ينذره النبي من هذا البعث وقولهم إنه مستبعد بعد أن يموتوا ويصبحوا ترابا، وفي الآية الرابعة ردّ عليهم بأسلوب تقريري بأن الله محيط بهم وبذرات أجسامهم وقادر على بعثهم، أما الآية الخامسة فهي بسبيل تقرير أنهم في تكذيبهم إنما يكذبون الحق الذي لا ريب فيه حينما جاءهم وأن الأمر قد التبس عليهم واضطرب، شأن من يبهته الحق فيذهله. تعليق على ذكر القرآن والقسم به بعد حرف ق هذه السورة أولى السور التي أعقبت حروفها المتقطعة المفردة الأولى ذكر القرآن. ثم جرى النظم القرآني على ذلك في معظم السور التي تبتدئ بحرف أو حروف منفردة متقطعة مع ورود كلمة الكتاب بدلا من القرآن في بعضها ومع ورود كلمة القرآن والكتاب معا في بعضها ومع القسم بالقرآن أو الكتاب في بعضها ومع الإشارة إلى القرآن أو الكتاب بدون قسم في بعضها. والقرآن أو الكتاب الذي هو تعبير آخر له ولو كان لكل من الكلمتين معنى أو دلالة خاصة «1» ظلّ يطلق على ما كان ينزل على النبي صلّى الله عليه وسلّم من كلام الله عزّ وجلّ إلى

_ (1) كلمة القرآن تعني كلام الله المقروء. وكلمة الكتاب تعني كلام الله المكتوب حيث كان ما ينزل من القرآن يكتب فيصير كتابا ويقرأ فيكون قرآنا. والله تعالى أعلم.

تعليق على حكاية تعجب الكفار من مجيء رسول إليهم منهم وإنذاره بالآخرة

أن تمّ تمامه. فيصح أن يعتبر القسم بالنسبة لما نزل حين نزوله كما يصح أن يعتبر لمجموعه بطبيعة الحال. والله تعالى أعلم. تعليق على حكاية تعجب الكفار من مجيء رسول إليهم منهم وإنذاره بالآخرة وحكاية عجب الكفار بمجيء رسول إليهم منهم وإنذاره بالآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب قد تكررت كثيرا في القرآن مما يدل على أن الأمرين كانا مثار الدهشة والخلاف والجحود والعناد دائما. وخاصة أمر البعث والحساب. وهذا يفسر الحيز الواسع الذي شغله هذا الأمر في القرآن حتى لا تكاد سورة من سورة تخلو منه بأسلوب وصيغة ما، وصفا وإنذارا وتبشيرا وتوكيدا. ويستدل منه ومما تكرر كثيرا من حكاية موقفهم من شخص الرسول صلّى الله عليه وسلّم على أن موقفهم من النبي آت من شكهم في صلته بالله تعالى وهو منهم ومثلهم وأن موقفهم من الآخرة آت من اعتقادهم باستحالة البعث بعد أن يصبحوا رميما وترابا. ولقد مرّت أمثلة عديدة من موقفهم من الآخرة. وأما موقفهم من شخص الرسول وشكّهم في صلته بالله تعالى فمن الأمثلة عليه بالإضافة إلى ما احتوته هذه الآيات آيات سورة الإسراء هذه: وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا (94) وسورة ص هذه: وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (6) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ (7) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (8) «1» . ومن هنا جاء ما حكته آيات كثيرة من تحديدهم للنبي صلّى الله عليه وسلّم بإثبات صلته بالله بالمعجزات واستنزال الملائكة وبإحياء آبائهم مثل آيات سورة الأنبياء هذه:

_ (1) اكتفينا بهذين المثالين من أمثلة كثيرة سوف تأتي في السور الآتية.

[سورة ق (50) : الآيات 6 إلى 11]

لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) ومثل آيات سورة الحجر هذه: وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) ومثل آيات سورة الدخان هذه: إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (36) . [سورة ق (50) : الآيات 6 الى 11] أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (11) . (1) فروج: شقوق أو فتوق. (2) رواسي: كناية عن الجبال. (3) من كل زوج: من كل صنف. (4) بهيج: حسن المنظر. (5) حبّ الحصيد: إشارة إلى الزراعة الحبوبية التي تجنى بطريق الحصد كالقمح والشعير. (6) باسقات: مرتفعات أو عاليات. (7) طلع: هو في اللغة أول ثمر النخلة. (8) نضيد: منضد بعضه فوق بعضه أو بعضه إلى جانب بعضه.

والآيات متصلة بسابقاتها بقرينة جملة أَفَلَمْ يَنْظُرُوا التي تنصرف إلى الكفار الذين حكت الآيات السابقة عجبهم من رسالة النبي واستبعادهم البعث الأخروي. وهي بسبيل البرهنة على قدرة الله. والسؤال الذي بدأت به الآيات استنكاري يتضمن التنديد بالجاحدين لإنكارهم قدرة الله بينما يرون آثارها العظيمة ماثلة أمامهم في السماء وبديع خلقها وزينتها، والأرض ورواسيها وصنوف نباتها وأشجارها والمطر المبارك الذي ينزل من السماء فينبت به الشجر والحب وتحيا به الأرض بعد موتها ويعرفون أن ذلك من آثار تلك القدرة. وليس البعث بأعظم من ذلك. ولقد حكى القرآن اعترافهم بأن الله هو الذي خلقهم وأنه هو الذي خلق السموات والأرض على ما أوردنا شواهده القرآنية في السورة السابقة وبذلك تستحكم حجة الله فيهم. ولقد أشير في آيات أخرى إلى تزيين الله سبحانه السماء بالكواكب منها آية سورة الصافات هذه: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (6) حيث يمكن القول إن العبارة القرآنية هنا قد قصدت ذلك. وجملة أَفَلَمْ يَنْظُرُوا التي بدأت بها الآيات قد تفيد أن ما لفت نظر السامعين أو الجاحدين إليه فيها من بديع خلق الله ونواميس كونه ولا سيما عدم وجود شقوق في السماء وزينتها مطابق لما كان في أذهانهم عنها. وبذلك تستحكم كذلك حجة القرآن فيهم من هذه الناحية أيضا. ولقد انطوت الآية الأخيرة على تشبيه إحياء الأرض بالماء بعد موتها بالبعث الأخروي. وعلى دليل على قدرة الله عزّ وجلّ على هذا البعث. فالماء الذي ينزله الله تعالى من السماء يثير في الأرض الميتة الجافة مظاهر الحياة المتنوعة. والذي يقدر على ذلك يقدر بطبيعة الحال على بعث الناس بعد موتهم. وقد تكرر هذا البرهان التشبيهي المقتطع من مشاهدات الناس في المناسبات المماثلة، ومن ذلك

صورة من الأسلوب القرآني في مخاطبة العقل والقلب والحس في البرهنة على قدرة الله عبر مشاهد الطبيعة ونواميس الكون

ما جاء في آية سورة الروم هذه: فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50) وما جاء في آية سورة الأعراف هذه: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) . صورة من الأسلوب القرآني في مخاطبة العقل والقلب والحسّ في البرهنة على قدرة الله عبر مشاهد الطبيعة ونواميس الكون ويلفت النظر الأسلوب البسيط القوي المسترعي للأذهان والحسّ الذي أشير به إلى المشاهد والنواميس الكونية، والذي هو سائغ لجميع الناس على اختلاف طبقاتهم فلا يقصر أحد به عن إدراك ما في تلك المشاهد والنواميس من عظمة ونفع وقوام حياة وبرهان، ولا يتردّد به أحد في ردّ ذلك إلى قدرة الله ورحمته، والإقناع بأنها ليست في نطاق قدرة ما غير قدرة الله عزّ وجلّ الخالق البارئ المصوّر الرازق، وبأن الذي يقدر على هذا يقدر على كل شيء بما في ذلك بعث الناس يوم القيامة ومحاسبتهم ومجازاتهم حسب أعمالهم لأن ذلك من مقتضيات عدل الله وحكمته. وهذا الأسلوب تكرر في كل المناسبات والآيات المماثلة. وهو أسلوب مخاطبة العقل والقلب والبصر والحس والبرهان الحي الماثل لكل الناس من جميع الطبقات وفي كل زمن ومكان. وما دام أن هذا الأسلوب في عرض مشاهد الكون والطبيعة في القرآن قد قصد به استرعاء الأذهان والأبصار إلى عظمة الله وقدرته والبرهنة على أنه هو وحده المستحق للعبادة والاتجاه عبر ما يلمسه السامعون ويشاهدونه ويعرفون مداه فالأولى إبقاؤه في هذا النطاق وعدم محاولة الخروج منه إلى بحوث فنية والتوفيق الجزء الثاني من التفسير الحديث 15

[سورة ق (50) : الآيات 12 إلى 14]

بين ما ورد في القرآن من هذه المشاهد وبين ما عرف فنيا من ذلك، لأن ذلك مما يخرج القرآن عن هدفه الوعظي والتذكيري ويعرضه للنقاش فيما لم يقصد إليه. وبعض المسلمين يفعلون ذلك بسبيل البرهنة على أن القرآن احتوى كثيرا مما ظهرت صحته ومداه فنيا ومن الحق أن نذكر أن فيما يفعلونه أحيانا كثيرة تجوّزا وتمحّلا. ونحن لا نرى ذلك ضروريا لإثبات صحة الوحي القرآني وصدق ما احتواه. ففي أساليب القرآن ومحتوياته ما فيه أقوى إثبات لمن يكون حسن النية وراغبا في الإيمان بالله وكتابه. أما غيرهم فإنه يجد دائما ما يورده على من يحاول استخراج نواميس الكون والطبيعة من القرآن. في حين أن هذه المحاولة ليست من ضروريات الدين والإيمان وليست متسقة مع أهداف ما في القرآن من ذلك. هذا، والمتبادر أن الآية السابقة قد جاءت استطرادية أو تنبيهية لتهتف بأن في كل هذه المشاهد الكونية والنعم الربانية تبصرة وذكرا لمن حسنت نيته ورغب في الحق وأراد الإنابة إلى الله تعالى حيث يرى في كل ذلك دلائل قدرة الله وعظمته فلا يبقى له مندوحة عن الاستجابة لدعوته. وهي بهذا الشرح متساوقة مع الأسلوب الذي نبهنا عليه آنفا. [سورة ق (50) : الآيات 12 الى 14] كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) . الصلة بين الآيات وسابقاتها قائمة بضمير قَبْلَهُمْ المنصرف إلى المكذبين الذين حكت الآيات السابقة دهشتهم وعجبهم وتكذيبهم. وقد هدفت إلى تذكير هؤلاء بمصير أمثالهم من المكذبين السابقين وإنذارهم به. ولعل فيها قصد تسلية النبي صلّى الله عليه وسلّم أيضا. فالتكذيب الذي يلقاه ليس بدعا. فقد لقيه الأنبياء الأولون قبله من أقوامهم أيضا. وقد استحقّ أولئك نكال الله وحقّ عليهم وعيده. وسيحق على هؤلاء وعيده ونكاله أيضا. وقد تكرر بيان هذا القصد أكثر من مرة، مثل ما جاء في آية سورة فاطر هذه وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (4)

تعليق توضيحي لأهل الرس والأيكة وتبع

ومثل ما جاء في آية سورة الأنعام هذه وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) . تعليق توضيحي لأهل الرسّ والأيكة وتبّع وقد جاءت إشارة إلى أقوام فرعون وعاد وثمود ونوح في السور السابقة، وعلقنا عليها بما اقتضى المقام، أما أقوام الرسّ والأيكة وتبّع فإنهم يذكرون هنا لأول مرة، وكذلك هي المرة الأولى التي يذكر فيها قوم لوط بصراحة لأن ذكرهم سابقا كان باسم المؤتفكة في سورة النجم. ولم ترد إشارة في موضع آخر من القرآن إلى أنبياء أرسلوا إلى أصحاب الرسّ وقوم تبّع مثل ما ورد من ذلك بشأن فرعون وعاد وثمود وقوم نوح وقوم لوط وأصحاب الأيكة، وكل ما هناك أن أصحاب الرسّ ذكروا بنفس التعبير في سورة الفرقان مرة أخرى دون تبّع. والرسّ هي البئر المطوية بالخسف أو الردم، وقد تعددت أقوال المفسرين في أصحابها منها أنهم قوم في شمال جزيرة العرب أو اليمامة منه، وقيل إنهم أصحاب الأخدود، وروح التسمية يلهم بأنهم كانوا من أقوام وقبائل جزيرة العرب، ويطلق اسم بلاد الرسّ اليوم على ناحية في شمال الجزيرة، ولعلها تسمية ممتدة من القديم. ولقد روى المفسرون عن علماء الأخبار من التابعين فيما رووه في سياق هذه الآيات وآية سورة الفرقان [38] عن أهل الرسّ أنهم أهل قرية اسمها فلج في اليمامة وأن اسم النبي الذي أرسله الله إليهم حنظلة وأنهم وثبوا عليه وقتلوه فأهلكهم الله حيث يفيد هذا أن أهل عصر النبي صلّى الله عليه وسلّم وبيئته كانوا يتداولون قصصا حول أهل الرسّ. ويدعم كونهم من جزيرة العرب. والأيكة هي الحرج «1» وقد ذكر أصحاب الأيكة ثلاث مرات أخرى مرتين

_ (1) الشجر الملتفّ الكثير. [.....]

بصيغة خاطفة مثل ما ذكروا هنا في سورتي ص والحجر ومرة في سورة الشعراء مع اسم شعيب بصفته رسول الله الذي أرسل إلى أصحاب الأيكة، وقد ذكرت مدين مع اسم شعيب بنفس الصفة أيضا في سورتي الأعراف وهود. والوصف الذي وصفت به حالة أصحاب الأيكة في سورة الشعراء والخطاب الذي حكى توجيهه إليهم من قبل شعيب وخاصة أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ [الشعراء: 181] وصفت به حال أهل مدين في سورتي الأعراف وهود والخطاب الذي حكى فيهما توجيهه إليهم من قبل شعيب فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ [الأعراف: 85] ووَ لا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ [هود: 84] بحيث يسوغ هذا القول إن أصحاب الأيكة هم قوم شعيب وأصحاب مدين. واسم مدين مذكور في سفر الخروج وغيره من أسفار العهد القديم، ولا يزال هذا الاسم يطلق على خرائب أو بقايا مدينة في جهات العقبة في شرق الأردن، ويرجح المفسرون أن شعيبا هو الذي تزوج موسى ابنته على ما سوف نشرحه في سورة القصص. وفي الإصحاح الثاني من سفر الخروج من أسفار العهد القديم اسم (رعوئيل) كاهن مدين الذي تزوج موسى عليه السلام بإحدى بناته. وهذا ما حكاه الإصحاح نفسه وحكته آيات في سورة القصص قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (28) . وفي الإصحاح الثامن عشر من نفس السفر ورد اسم آخر لهذا الكاهن وهو بترو حمو موسى. وفي الإصحاح العاشر من سفر العدد ورد هذا الاسم (حوباب بن رعوئيل المديني حمي موسى) والتقارب اللفظي بين حوباب وشعيب واضح فضلا عن ما هو ملموح من اللمحة العربية على الاسم. وقد يرد أن هذا هو اسم ابن الكاهن. ولعل هذا هو

الذي كان النبي المرسل إلى قومه. وليس في آيات القصص ولا في آيات أخرى ما يفيد أن الذي تزوج موسى ابنته هو شعيب النبي. وليس في الأسفار ذكر لرسالة شعيب أو كاهن مدين لقومه. غير أن هذا لا يمنع أن يكون ذلك ورد في قراطيس ضاعت. لأن المتداول اليوم من الأسفار ليس كل ما كان متداولا على ما سوف نشرحه في مناسبة قريبة آتية. وفي كتب التفسير بيانات كثيرة حول رسالة شعيب لقومه معزوة إلى علماء التابعين. وردت في سياق قصته في السور الأخرى على ما سوف نشرحه بعد حيث يدل هذا على أن قصة رسالته مما كان متداولا في عصر النبي صلّى الله عليه وسلّم وبيئته. ومدين كانت في طريق قوافل أهل الحجاز إلى بلاد الشام ومصر. والراجح أنهم كانوا يتداولون معارف قديمة عنها ومن جملة ذلك رسالة شعيب. وما حلّ في مدين من العذاب الرباني مما ذكر في قصته في السور الأخرى. وتبّع لقب لملوك اليمن قبل البعثة النبوية مثل ألقاب كسرى وقيصر والنجاشي. وواضح أن المقصد من الجملة أهل اليمن الذين كانوا تحت حكم الملوك التبابعة. وهم غير قوم عاد الذين هم أقدم منهم. وهذا مؤيد بذكر القومين معا في آية واحدة. وفي كتب التفسير والتاريخ بيانات كثيرة عن الملوك التبابعة الذين استمر حكمهم إلى ما قبل عصر النبي صلّى الله عليه وسلّم بقليل معزوة إلى علماء التابعين والذين كان منهم الذين اعتنقوا اليهودية واضطهدوا النصارى على ما شرحناه في سياق سورة الفيل والذين كان في عهدهم سيل العرم الذي ذكر في آيات سورة سبأ هذه: فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) . وقد قرئت على المنقوشات أخبار كثيرة عن المملكة السبئية والحميرية للمدة العائدة إلى ما قبيل الميلاد للمسيح والممتدة إلى أواسط القرن السادس بعد الميلاد وهي مملكة التبابعة التي عناها القرآن وعنتها الروايات العربية على الأرجح والمتبادر أن أهل بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم كانوا يتداولون أخبارهم في جملة ما يتداولون من أخبار جزيرة العرب

[سورة ق (50) : الآيات 15 إلى 18]

الأخرى والأقطار المجاورة القديمة «1» وكان في أذهانهم بالنسبة إليهم صورة قوية فاقتضت حكمة التنزيل ذكرهم في جملة ما اقتضت ذكره في مقام العظة والإنذار. والأسلوب الذي ذكر به الأقوام واضح الدلالة على أن الهدف هو الإنذار والتذكير، ولقد جاءت بعد الحملة على الكفار والتنديد بهم ولفت أنظارهم إلى مشاهد عظمة الله وقدرته، وهو الأسلوب الذي جرى عليه النظم القرآني. ومما يحسن التنبيه إليه أن بلاد قسم من الأقوام الثمانية المذكورين في الآيات هي في جزيرة العرب وهم تبّع عاد وثمود وأصحاب الرسّ وأن بلاد القسم الآخر متصلة بالجزيرة وهم قوم نوح ولوط وأصحاب الأيكة وفرعون ومتصلة من قريب أو بعيد ببلاد الحجاز مهبط وحي الله ومبعث نبيه المصطفى، ومنها ما هو على طريق قوافلها كبلاد ثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة ومنها ما تصل إليه قوافلها كاليمن ومصر، فالتذكير بهم تذكير بأمور معروفة سمعا ومشاهدة من قبل سامعي القرآن، وهو المتسق مع هدف القصص كما أن فيه القرينة على عدم جهل السامعين لأخبارهم على ما نبهنا عليه آنفا. [سورة ق (50) : الآيات 15 الى 18] أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (17) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) . (1) عيينا: عجزنا أو تعبنا. (2) الخلق الأول: الخلق لأول مرة للناس والكائنات. (3) لبس: شك أو حيرة.

_ (1) انظر تفسير الآيات وتفسير سور الفيل وسبأ والدخان في كتب تفسير الطبري والبغوي وابن كثير والخازن وانظر الجزء الخامس من كتابنا تاريخ الجنس العربي، ص 60- 114.

تعليق على موضوع الملائكة الكاتبين على أيمان الناس وشمائلهم

(4) حبل الوريد: جهاز من الدورة الدموية. والقصد من التعبير هنا بيان شدّة القرب. (5) قعيد: قاعد ومترصد. (6) رقيب: مراقب. (7) عتيد: حاضر. والآيات متصلة بالسياق السابق. وفيها عود على بدء في مناقشة المكذبين للبعث والردّ عليهم والبرهنة على قدرة الله عليه بأسلوب آخر فيه تنديد وتسفيه، وفيه في نفس الوقت إنذار بعلم الله بكل ما يدور في نفوس الناس وبأن له عليهم رقباء يحصون كل ما يقولونه ويشهدون على كل ما يفعلونه. تعليق على موضوع الملائكة الكاتبين على أيمان الناس وشمائلهم ولقد روى المفسرون في صدد الآيتين الأخيرتين من هذه الآيات بعض الأحاديث. منها حديث رواه البغوي بطرقه عن أبي أمامة قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يسار الرجل. وكاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه سبع ساعات لعله يسبّح أو يستغفر» . ومنها حديث رواه الطبرسي عن أنس بن مالك قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إن الله تعالى وكلّ بعبده ملكين يكتبان عليه فإذا مات قالا يا ربّ قد قبضت عبدك فلانا فإلى أين قال سمائي مملوءة بملائكتي وأرضي مملوءة من خلقي يطيعونني. اذهبا إلى قبر عبدي فسبّحاني وكبّراني وهلّلاني فاكتبا ذلك في حسنات عبدي إلى يوم القيامة» . ومنها حديث أورده الطبري في سياق تفسير الآية [11] من سورة الرعد مرويا عن كنانة العدوي قال: «دخل عثمان بن عفان على رسول الله فقال يا رسول

الله أخبرني عن العبد كم معه من ملك؟ قال: ملك على يمينك على حسناتك وهو أمير على الذي على الشمال فإذا عملت حسنة كتبت عشرا وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين أأكتب؟ قال: لا، لعله يستغفر الله ويتوب فإذا قال ثلاثا قال اكتب أراحنا الله منه فبئس القرين ما أقلّ مراقبته لله وأقلّ استحياءه منا. يقول الله ما يلفظ من قول إلّا لديه رقيب عتيد، وملكان من بين يديك ومن خلفك يقول الله له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله. وملك قابض على ناصيتك فإذا تواضعت لله رفعك وإذا تجبرت على الله قصمك. وملكان على شفتيك يحفظان عليك إلّا الصلاة على محمد وملك قائم على فيك لا يدع الحية تدخل في فيك وملكان على يمينك. فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي ينزلون ملائكة الليل على ملائكة النهار فهؤلاء عشرون ملكا على كل آدمي. وإبليس بالنهار وولده بالليل» . وهذه الأحاديث لم ترد في كتب الصحاح. ومع ذلك فإن مضمونها إجمالا قد يتسق مع ظاهر الآيتين. وفي سورة الانفطار آيات قد يتسق ظاهرها مع ذلك أيضا وهي: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (10) كِراماً كاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (12) وفي سورة الجاثية آية متصلة بهذا المعنى وهي: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29) . وفي سورة الزخرف هذه الآية: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80) . وهناك آيات تذكر أن كتب أعمال الناس توضع أمامهم أو توزع عليهم منها آيات سورة الإسراء هذه: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (13) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (14) وآية سورة الكهف هذه: وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49) . فهذه الآيات وتلك الأحاديث التي تتساوق معها والتي ليس ما يمنع أن تكون صدرت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ولو لم ترد في كتب الأحاديث المعتبرة وكذلك الآيات الكثيرة التي تذكر قيام الملائكة بخدمات الله المتنوعة ومن جملة ذلك إحصاء

تعليق على جملة ونحن أقرب إليه من حبل الوريد

وتسجيل أعمال الناس توجب الإيمان بما ذكرته من ذلك ولو لم تدرك العقول كيفيته مع الإيمان بأن وروده في القرآن بالأسلوب الذي ورد به لا بدّ من أن يكون له حكمة. وفي الآية [16] من آيات (ق) التي نحن في صددها تقرير كما هو ظاهر بأن الإنسان تحت مراقبة الله عزّ وجلّ وإحاطته مباشرة وأنه قريب جدا إليه وأنه يعلم كل ما يجول في ذهنه وتوسوس به نفسه فضلا عن ما يباشره من أعمال ويلفظه من أقوال. وفي سورة يس هذه الآية: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (12) حيث ينسب الله عزّ وجلّ الكتابة والإحصاء إلى نفسه. وهذه التقريرات متكررة أيضا كثيرة في القرآن. وقد مرّ أمثلة منها وستأتي أمثلة كثيرة أخرى. ولما كان علم الله الشامل محيطا بكل شيء ولا يخفى عليه شيء من أعمال خلقه وهو غني عن الاستعانة على ذلك بالراصدين والرقباء والكتّاب والشهود وإبراز ذلك يوم القيامة في صورة كتب توزّع على الناس. ولما كان الناس قد اعتادوا في حياتهم تسجيل الأعمال ورصدها والشهادة عليها في مقام الاحتجاج على ما صدر منهم حتى لا يكون أي مجال للإنكار والمماراة. ولما كانت حكمة الله قد اقتضت أن تكون صور المشاهد الأخروية من مألوفات الناس في الدنيا فيتبادر أن هذا من هذا الباب وأنه قصد من ذكره بالأسلوب الذي ورد به تحذير الناس وتنبيههم إلى أن كل ما يفعلونه محصيّ مسجّل عليهم لا يمكن أن يماروا فيه حتى يظلوا مجتنبين ما فيه إثم وفاحشة مجتهدين في الأعمال الصالحة التي يرضى الله عنها. وفي بعض الأحاديث التي أوردناها ما يدعم هذا التوجيه ويتسق مع هذا القصد والله تعالى أعلم. تعليق على جملة وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ولقد رأينا بعض المفسرين يتوقفون عند جملة وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ فيؤولونها بأن ذلك بواسطة الملائكة تفاديا من معنى حلول الله أو اتحاده بخلقه

[سورة ق (50) : الآيات 19 إلى 30]

سبحانه وتعالى «1» . ولقد تكرر مثل هذا التعبير بالنسبة إلى الله عزّ وجلّ كما جاء في آية سورة البقرة هذه: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) وآية سورة سبأ التي فيها أمر الله للنبي بأن يقول: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50) ولقد روى البخاري ومسلم حديثا عن أبي موسى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم سمع أصحابه يرفعون أصواتهم بالتكبير فقال: «أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائب، وإنما تدعون سميعا قريبا وإن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» . حيث يتبادر من ذلك والله أعلم أن المقصود من هذه التعبيرات وأمثالها هو تقرير إحاطة علم الله بخلقه وكون الناس تحت مراقبته التامة استهدافا لجعلهم يرقبونه في كل ما يقدمون عليه من أعمال ويتقونه. وهذا ملموح بقوة في آية سورة المجادلة هذه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7) وهو ملموح كذلك بقوة في الآية التي ورد فيها التعبير الذي نحن في صدده والله تعالى أعلم. ومن الجدير بالذكر أن شيخ المفسرين القدماء الطبري لم يتوقف عند ما توقف عنده بعض المفسرين المتأخرين من هذه الجملة وكل ما قاله إن بعضهم قال إن معناها نحن أقرب إليه من حبل وريده بالعلم بما توسوس به نفسه. [سورة ق (50) : الآيات 19 الى 30] وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (26) قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (27) قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (29) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30)

_ (1) انظر تفسير ابن كثير والقاسمي مثلا.

(1) ذلك ما كنت منه تحيد: تبتعد عن تذكّره أو تنفر منه وتهرب ولا تفكر فيه. (2) حديد حاد قوي الإبصار. (3) قرينه: مقارنة وملازمة. والمقصود من الكلمة في الآية [23] الملك الموكل على الإنسان حيث يجيء ليشهد عليه والمقصود من الكلمة في الآية [27] الذي أغوى الغاوي الجاحد من الإنس والجنّ بملازمته ووسوسته له على ما ذكره جمهور المفسرين «1» . (4) لا تختصموا: لا تتجادلوا. الآيات متصلة بالسياق واستمرار له كما هو ظاهر. وفيها استطراد إلى حكاية ما سوف يواجهه المكذبون حين احتضارهم ثم حين بعثهم يوم القيامة من الحقائق التي كانوا يتهربون منها أو يرتابون فيها بأسلوب قوي يتضمن التبكيت والتقريع وبعض المشاهد المذكورة في الآيات مما هو مألوف للناس في الحياة حيث يتساوق هذا مع الحكمة الملموحة في وصف مشاهد الآخرة من مألوفات الحياة الدنيا على ما نبهنا عليه في تعليقات سابقة. ولقد أورد المفسرون أقوالا معزوة إلى علماء التابعين بأن السائق المذكور في الآية [21] هو الملك الموكل بالإنسان. وأن الشهيد هو النبي أو عمل الإنسان أو جوارحه. وبأن القرين المذكور في الآية [23] هو الملك وفي الآية [25] هو

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير ابن كثير والبغوي والخازن والطبرسي.

الشيطان. وهذه الأقوال اجتهادية. ولا تخلو من وجاهة متسقة مع نصوص وروح الآيات هنا وفي مواضع أخرى. ولقد أوردوا أحاديث في صدد الحوار الذي يجري بين الله تعالى وجهنّم. منها حديث رواه البخاري والترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال «1» : «يقال لجهنّم هل امتلأت وتقول هل من مزيد فيضع الربّ تبارك وتعالى قدمه عليها فتقول قط قط» . وحديث رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة أيضا قال «2» : «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: تحاجّت الجنة والنار فقالت النار وأوثرت بالمستكبرين والمتجبّرين. وقالت الجنة ما لي لا يدخلني إلّا ضعفاء الناس وسقطهم. قال الله عزّ وجلّ للجنة أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار أنت عذابي أعذّب بك من أشاء من عبادي ولكلّ واحدة منهما ملؤها. فأمّا النار فلا تمتلئ حتى يضع الله رجله فتقول قط قط. فهناك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض. ولا يظلم الله عزّ وجلّ من خلقه أحدا. وأمّا الجنّة فإنّ الله عزّ وجلّ ينشئ لها خلقا» . ومع واجب الإيمان بما جاء في القرآن وصحّ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم من أخبار المشاهد الأخروية يجب الإيمان أيضا بأنه لا بدّ لذلك من حكمة. ويتبادر من نصوص الآيات التي نحن في صددها والأحاديث التي أوردناها أن من هذه الحكمة قصد التبشير والترهيب لإثارة الغبطة في نفوس المؤمنين المخلصين وحملهم على الاستزادة من الأعمال الصالحة المرضية لله تعالى والخوف في قلوب الكفار والمشركين والمجرمين وحملهم على الارعواء عن كفرهم وشركهم وإجرامهم والإنابة إلى الله وكسب رضائه.

_ (1) انظر تفسير الآيات في الطبري والبغوي وابن كثير. وقد نقلنا النصوص من التاج ج 4 ص 216- 217. وفي كتب التفسير المذكورة صيغ مقاربة أخرى بطرق أخرى فاكتفينا بما أوردناه. (2) المصدر نفسه.

ما في التنديد بمنع الخير من تلقين في الآية [27]

ما في التنديد بمنع الخير من تلقين في الآية [27] والآية [27] في إطلاقها وعمومها تتضمن تقبيح منع الخير والاعتداء عامة. وإنذار المتّصف بهذه الأخلاق بسخط الله وغضبه بالإضافة إلى وصف الكفار بها في المشهد الأخروي وإعلان استحقاقهم النار بسببها. وفي ذلك تلقين مستمر المدى للسامعين عامة وللمسلمين خاصة. ولقد سبق في سورة القلم تنديد بمنّاع الخير، وهنا يأتي هذا للمرة الثانية. وقد تكرر بأساليب متنوعة في أماكن أخرى أيضا حيث يبدو من ذلك تلقين مستمر المدى أيضا بما في منع الخير من جرم وإثم وبما يستحقه المنّاعون للخير من نكال وخزي ربانيين وبوجوب تجنّب هذا الخلق والإقبال على فعل الخير الذي أمرت به ونوّهت بفاعلية آيات عديدة مثل آية سورة البقرة هذه: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) وآية سورة آل عمران هذه: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وآية سورة الحج هذه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وآيات سورة المؤمنون هذه: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (60) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (61) وآية سورة فاطر هذه: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) . والنفخ في الصور هنا كالنقر بالناقور في سورة المدثر. وقد شرحنا مدى ذلك وعلقنا عليه في سياق هذه السورة بما يغني عن التكرار. والآية [30] مع أنها تحكي ما يقال للمكذبين فإنها تتضمن تقرير كون ما يلقاه الكفار المناعون للخير المعتدون الخبثاء إنما هو جزاء على ما اقترفوه من إثم

تعليق على تعبير وما أنا بظلام للعبيد

حقا وعدلا. وبمعنى آخر تقرير قابلية الإنسان لاختيار طريقه وعمله، واستحقاق الضالّ الآثم العقاب بسبب اختياره طريق الضلال والإثم بعد أن بيّن الله عزّ وجلّ للناس الطريق وأوعد من حاد عنها كما ذكرته الآية التي قبلها. وفي هذا كذلك تلقين قرآني مستمر المدى كذلك. تعليق على تعبير وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ والآيتان [29 و 30] وبخاصة تعبير وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ كانت موضوع تشاد بين أصحاب المذاهب الكلامية حيث استشهد بها وبأمثالها المعتزلة على أن الجزاء الأخروي هو جزاء عدل على أعمال الناس ومكتسباتهم في الدنيا وحيث أوّلها وأمثالها الأشاعرة ليجعلوا ذلك الجزاء من حقّ الله المطلق «1» . والمعنى الذي شرحناه آنفا هو المتسق مع روح الآيات ومضمونها ومقام ورودها ومع روح الآيات القرآنية عامة. مع التنبيه إلى أننا لا نرى التشاد حولها وحول أمثالها متسقا مع ما استهدفته الآيات من العظمة والترهيب لإثارة هيبة الله وخوف المصير في قلوب الناس وحملهم على الارعواء ولا متسقا مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها من السعي والنشاط ونتائجهما في الدنيا والآخرة ممّا نبهنا إليه أكثر من مرة في السور السابقة. ومما قاله الطبري في معنى الجملة: (ولا أنا بمعاقب أحدا من خلقي بجرم غيره ولا حامل على أحد منهم ذنب غيره فمعذبه به) . حيث يفيد هذا أن هذا الإمام أخذ الجملة على معناها القريب الصحيح. وقد جاراه في ذلك البغوي والخازن والطبرسي. ولقد أورد القاسمي في سياق آية الأنفال هذه: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (51) حديثا رواه مسلم عن أبي ذرّ يمكن أن يورد في

_ (1) انظر تفسيرها في الكشاف للزمخشري وكتاب الانتصاف وحاشية الشيخ محمد عليان المطبوعين مع تفسير الكشاف أيضا الطبعة الأولى مطبعة مصطفى محمد سنة 1354.

تنبيه إلى مدى عقيدة الشرك عند العرب

مناسبة ورود التعبير المذكور لأول مرة في هذه السورة. وقد جاء فيه: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إنّ الله تعالى يقول إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّما فلا تظالموا يا عبادي. إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلّا نفسه» . حيث يتساوق الحديث مع روح الآيات وتأويل المفسرين. تنبيه إلى مدى عقيدة الشرك عند العرب والآية [28] تتضمن إشارة إلى ما كان عليه العرب من عقيدة الشرك وتبيّن ماهيتها وهي الجمع بين الاعتراف بالله وإشراك غيره معه في العبادة والدعاء والاعتماد أو بقصد الشفاعة لهم عنده كما جاء ذلك بصراحة في آيات أخرى أوردنا نصوصها في مناسبات سابقة. وقد قامت الرسالة النبوية على الدعوة إلى توحيد الله عزّ وجلّ واستحقاقه وحده للعبادة والاتجاه والاعتماد والدعاء وتسفيه إشراك غيره معه وتفنيده ومحاربته في كل ذلك وبأي أسلوب ومقصد كان. ولقد تكررت هذه المعاني في القرآن كثيرا بحيث يمكن أن يقال إن هذه العقيدة كانت عقيدة العرب العامة على اختلاف منازلهم ومداركهم وتنوّع الشركاء الذين كانوا يشركونهم في الاتجاه والعبادة والدعاء. تعليق على ما حكته بعض الآيات من حوار بين الله وبين قرناء الإنسان يوم الحساب وفي الآيات حكاية حوار سوف يكون بين الله عزّ وجلّ وبين قرين الكافر المحصي عمله وقرينه الموسوس له. ولقد تكررت حكاية مثل هذا الحوار كثيرا بأساليب متنوعة في سور عديدة كثيرة تغني عن التكرار. ومع واجب الإيمان بالمشاهد الأخروية التي يخبر بها القرآن على اختلاف صورها فإن من الحكمة الملموحة في ذلك إثارة الخوف في الكفار والضالين والمجرمين وحملهم على الارعواء بإيذانهم بأن الذين وسوسوا لهم من قرنائهم وشياطينهم سيتنصلون منهم وبأن الذين يرافقونهم من ملائكة الله قد أحصوا عليهم

تعليق على تأويل روي عن مفسري الشيعة لجملة ألقيا في جهنم كل كفار عنيد

كل شيء وسوف يقدمونه لله تعالى لمحاسبتهم. وهذا المعنى بهذا القصد ورد في آيات كثيرة منها آية سورة إبراهيم هذه: وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (22) . تعليق على تأويل روي عن مفسري الشيعة لجملة أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ وبرغم ما هو واضح من مدى هذه الجملة وسياقها فإن مفسري الشيعة يؤولونها تأويلا متسقا مع هواهم حيث رووا عن عطاء بن أبي رباح أن رسول الله سئل عن هذه الجملة فقال: «أنا وعلي نلقي في جهنم كلّ من عادانا» وهذا الحديث لم يرد في الكتب الخمسة ولا في أي كتاب من كتب الأحاديث المعتبرة وهو موضوع على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لتأييد الهوى الحزبي. وهم يصرفون بوجه عام كلمة الكفر والكفار والكافرين في كثير من الآيات إلى جاحدي إمامة علي وأولاده «1» . ومن هنا جاء تأويلهم لكلمة (الكفار) في الجملة بأنهم أعداء علي أو الجاحدين بإمامته . [سورة ق (50) : الآيات 31 الى 35] وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (35) . (1) أزلفت: هيئت وقربت. (2) أوّاب: صيغة مبالغة من الأوبة وهي الرجوع وهنا هي الرجوع إلى الله وشدّة التعلّق به أو الدائم التوبة والاستغفار.

_ (1) انظر التفسير والمفسرون للذهبي ج 2 ص 30- 31.

وجوب تلازم الإيمان مع التقوى والعمل الصالح

(3) حفيظ: حافظ لما يجب عليه قائم به. (4) الغيب: كثر استعمال هذه الكلمة في القرآن. وقد تعددت مفهوماتها مع تقاربها حسب مواضعها. فعنت الشيء البعيد المطويّ في التاريخ. وعنت الشيء المغيّب المجهول ماضيا وحاضرا ومستقبلا وعنت الشيء الذي لا تدرك ماهيته ولكن وجوده مقرّر بالتبليغ القرآني كالحياة الأخروية والوحي الرباني. وعنت حالات السرّ والغياب والخلوة. والكلمة هنا عنت المعنى الأخير أي الذي يخاف الله في السرّ ولو لم ير أحد ما يفعله على ما ذهب إليه جمهور المفسرين «1» . (5) منيب: من الإنابة وهي الاستسلام والخضوع. وهنا بمعنى الاستسلام والخضوع إلى الله. الآيات متصلة أيضا بسابقاتها واستمرار لها. وفيها استطراد لذكر مصير الصالحين في الآخرة مقابل ذكر مصير الكفار الآثمين جريا على الأسلوب القرآني. والوصف في الآيات قوي ومشوق ومن شأنه جذب أصحاب القلوب الواعية والنفوس الطيبة وحملها على السير في السبيل القويم وبثّ الطمأنينة والغبطة والرضاء فيها بالإضافة إلى ما فيها من حقيقة النعيم والتكريم الأخروية الإيمانية. وجوب تلازم الإيمان مع التقوى والعمل الصالح والأوصاف الواردة في الآيات تتضمن تلقينات جليلة مستمرة المدى. فلا يكفي أن يعلن المرء إسلامه بل عليه أن يكون مجتهدا في تقوى الله بالعمل الصالح واجتناب الآثام. وأن يكون حافظا لعهوده وواجباته مراقبا الله في سرّه وعلنه منيبا إليه بقلبه وجوارحه. وفي هذا ما فيه من قصد تهذيب نفس المسلم وإعداده ليكون صالحا بارا خيرا راشدا يقظ القلب طاهر السريرة والنفس قائما بواجباته نحو الله والناس لذاتها متّقيا ربه في السرّ والعلن. وفي الآيات دلالة على أن الصالحين إنما ينالون رضاء الله وتكريمه وجناته

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والزمخشري والطبرسي. الجز الثاني من التفسير الحديث 16

تعليق على مدى جملة ولدينا مزيد

جزاء اختيارهم سلوك السبيل إليه وعملهم الصالح كما هو شأن الكفار بالنسبة للعذاب والهوان اللذين ينالونهما على ما ذكرناه في سياق الآيات السابقة. تعليق على مدى جملة وَلَدَيْنا مَزِيدٌ ولقد تعددت الأقوال التي يرويها المفسرون في مدى جملة وَلَدَيْنا مَزِيدٌ منها أنه النعيم الذي لا يخطر ببال المؤمنين أو ما أعدّ لهم من الألطاف الزائدة وقرة العين. ومنها أنها رؤية الله تعالى والنظر إلى وجهه الكريم. وأوردوا في هذا الصدد أحاديث نبوية وصحابية متنوعة الرتب منها ما رواه أصحاب مساند الأحاديث الصحيحة ومنها ما لم يرووه «1» . وقد تشاد الذين يسوغون رؤية الله تعالى ولا يسوغونه حول ذلك. ولقد شرحنا هذا الموضوع في تعليق كتبناه في سياق تفسير سورة القيامة شرحا يغني عن التكرار. ويتبادر لنا بالنسبة للعبارة التي نحن في صددها أنها لا تتحمل هذا التشاد وأن الأقوال الأولى في مداها هي الأوجه استهدافا للتشويق والترغيب والتطمين والله أعلم. [سورة ق (50) : الآيات 36 الى 37] وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36) إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) . (1) نقبوا في البلاد: ضربوا في البلاد وطوفوا. (2) محيص: مخلص أو مهرب. الصلة بين هاتين الآيتين وسابقاتهما مستمرة. وفيهما عود على بدء في إنذار الكفار والتذكير بما كان من نكال الله في أمثالهم المكذبين السابقين الذين كانوا

_ (1) انظر تفسيرها في تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والخازن والطبرسي والزمخشري.

[سورة ق (50) : الآيات 38 إلى 45]

أقوى منهم وأشد بطشا فما أعجزوا الله ولم يجدوا لهم منه مخلصا ومهربا في الأرض. وفي هذا الذي يعرفه السامعون عظة وعبرة لمن حسنت سريرته وطابت نيته ورغب في النجاة. وفي الآية الثانية تقرير بأسلوب جديد لقابلية الاختيار في الإنسان كما هو المتبادر. [سورة ق (50) : الآيات 38 الى 45] وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (38) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (40) وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (41) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (43) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (44) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (45) . (1) لغوب: تعب. (2) أدبار السجود: عقب السجود. (3) جبار: هنا بمعنى مسيطر وقاهر أو مجبر. يروي الطبري والبغوي في صدد نزول الآيتين [38 و 39] أنهما نزلتا في موقف جدلي بين النبي صلّى الله عليه وسلّم واليهود حيث روى الطبري عن أبي بكر قال: «جاءت اليهود إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: يا محمد أخبرنا ما خلق الله من الخلق في هذه الأيام الستة؟ فقال: خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء وخلق المدائن والأقوات والأنهار وعمرانها وخرابها يوم الأربعاء وخلق السموات والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات يعني من يوم الجمعة وخلق في أول الثلاث الساعات الآجال وفي الثانية الآفة وفي الثالثة آدم قالوا صدقت إن أتممت فعرف النبي صلّى الله عليه وسلّم ما يريدون فغضب فأنزل الله وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (38) فَاصْبِرْ عَلى ما

يَقُولُونَ » . وروى البغوي هذا الحديث بزيادة وهي: «أن اليهود حينما قالوا للنبي صلّى الله عليه وسلّم صدقت إن أتممت قال وما ذاك قالوا ثم استراح يوم السبت واستلقى على العرش فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا عليهم وقال له فاصبر على ما يقولون من كذبهم فإن الله لهم بالمرصاد وهذا قبل الأمر بقتالهم» . والمصحف الذي اعتمدناه يروي أن الآية [38] التي فيها خلق السموات والأرض في ستة أيام مدنية دون الآية [39] مع أن الآية [39] هي الأولى لأن تكون مدنية. لأن فيها أمرا بالصبر على ما يقولون، ومقتضى الرواية أن تكون الآيات نزلت مجزأة مع أنها وحدة منسجمة متوازنة وهي وما قبلها في صدد مواقف الكفار منكري البعث وفي صدد إنذارهم وحكاية ما سوف يلقونه من مصير أخروي رهيب وما سوف يلقاه المؤمنون من مصير أخروي سعيد بالمقابلة. وكل هذا يجعلنا نتوقف أولا في رواية مدنية الآية [38] ثم في الرواية التي يرويها الطبري كسبب لنزول الآيات ونرجح أنها في صدد البرهنة على قدرة الله تعالى على بعث الناس بالتذكير بأنه الذي خلق السموات والأرض وما بينهما دون أن يناله بذلك إعياء وعجز. وبأن من كان كذلك قادر من باب أولى على الخلق ثانية. وقد استمر الإنذار الرباني لهم مع تسلية النبي وتثبيته مما هو متصل بموضوع الآيات عامة. وفيه دليل على انسجامها ووحدتها. على أن هذا لا يمنع أن يكون من مقاصد جملة وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ الردّ على ما كان يقول اليهود والنصارى معا لأنه مما ورد في الإصحاحين الأول والثاني من سفر التكوين ولم يكن ذلك مجهولا في العهد المكي. ولم نطّلع على روايات في صدد وسبب نزول الآيات الأخرى التي نرجح كما قلنا أنها سياق واحد ونزلت معا. وفي الآيات [42 و 43 و 44] توكيد جديد من الله عزّ وجلّ بأنه هو الذي يحيي ويميت وبأن صوت مناديه سوف يعلو فيخرج الناس من الأرض ملبين مسرعين إليه ليفصل بينهم حسب أعمالهم وبأن ذلك هين سهل عليه. وفي الآيات

كثرة الآيات المتضمنة تطمينا للنبي عليه السلام وحكمتها

[38 و 39 و 40 و 45] تطمين للنبي صلّى الله عليه وسلّم وتسلية له عن تكذيب المكذبين ومواقفهم حيث تهيب به بأن يتحمل أقوالهم التي يسمعها الله عزّ وجلّ وأن يواصل تسبيح الله وعبادته، وحيث تعلنه أنه لم يرسله ربّه لإجبار الناس على الاستجابة، وأنه ليس عليه إلّا أن يذكّر بالقرآن من يخاف وعيد الله. وقد انطوى في الآيات تقرير مهمة النبي صلّى الله عليه وسلّم. والإشادة بذوي النيات الحسنة والضمائر اليقظة الراغبين في الحق والهدى. فهم الذين من شأنهم أن ينتفعوا بما في القرآن من عظة وهدى. وقد انطوى في الآية الأخيرة خاصة توكيد مبدأ حرية التدين وترك الناس لاختيارهم وعدم الإكراه في الدين. فعلى النبي أن يدعو ويذكر وليس عليه أن يجبر. وقد تكرر هذا بأساليب متنوعة، منها آيات سورة الغاشية هذه فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) وآية سورة يونس هذه: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وآية سورة البقرة هذه: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) . كثرة الآيات المتضمنة تطمينا للنبي عليه السلام وحكمتها وبمناسبة ما انطوى في الآيات من تسلية النبي صلّى الله عليه وسلّم نقول إن القرآن المكي احتوى آيات كثيرة جدا في هذا الباب وبأساليب متنوعة. فقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم شديد الحرص على هداية قومه وكان حزنه وهمّه يشتدان كل ما رأى الزعماء يستمرون في مواقف الجحود والمناوأة والصدّ، ورأى الأكثرية الساحقة من العرب ينكمشون عن الدعوة نتيجة لذلك طيلة العهد المكي الذي امتدّ ثلاث عشرة سنة مضافا إلى ذلك اضطهاد المستضعفين من المؤمنين وفتنتهم حتى ليكاد يهلك نفسه من الهمّ والحزن مما أشارت إليه آيات عديدة، منها آية سورة فاطر هذه: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما

تعليق على موضوع خلق السموات والأرض في ستة أيام

يَصْنَعُونَ (8) وآية سورة الشعراء هذه: لَعَلَّكَ باخِعٌ «1» نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) وآية سورة طه هذه: ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (3) وآية سورة الكهف هذه: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (6) فاقتضت حكمة التنزيل موالاة التطمين له وتسليته والتهوين عليه وإخباره بأنه ليس مسؤولا عن هدايتهم ولا هو وكيلا عليهم ولا جبّارا ولا مسيطرا، وإنما هو نذير وبشير. والآيات في هذا الباب كثيرة جدا منثورة في أكثر السور المكيّة فلم نر ضرورة إلى إيراد نماذج منها. والمفسرون يقولون في سياق هذه الآيات وأمثالها إنها نسخت بآيات السيف والقتال في العهد المدني. وقد علقنا على هذا القول بما فيه الكفاية في سياق تفسير سورتي المزمل والكافرون فلا نرى ضرورة للإعادة. تعليق على موضوع خلق السموات والأرض في ستة أيام في كتب التفسير أقوال وتعليقات وأحاديث في هذا الموضوع الذي تكرر كثيرا وبأساليب متنوعة في القرآن. وفيما يلي إحاطة به في مناسبة وروده هنا لأول مرة نرجو أن يكون فيها الفائدة والصواب إن شاء الله. ولقد روى المفسرون «2» حديثا عن أبي هريرة جاء فيه: «أنّ رسول الله أخذ بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت وخلق الجبال فيها يوم الأحد وخلق الشجر فيها يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبثّ فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل» . وهذا الحديث رواه مسلم أيضا ويعد من الصحاح في اصطلاح علماء الحديث «3» . ومع ذلك فإنه يلحظ منه أن الخلق استغرق سبعة أيام حيث بدأ به يوم السبت وانتهى منه مساء الجمعة وليس

_ (1) باخع: بمعنى مهلك أو قاتل. (2) انظر الآية [54] من سورة الأعراف في تفسير ابن كثير. (3) انظر التاج ج 4 ص 33- 34.

فيه ذكر للسموات. وهذا مناقض لنصّ الآية. وقد لحظ هذا ونبّه عليه ابن كثير أيضا وقال إن البخاري تكلّم في هذا الحديث. وهناك حديث رواه الطبري عن مجاهد جاء فيه: «إن الخلق بدأ يوم الأحد وانتهى مساء الجمعة» . ولقد ورد في الإصحاحين الأول والثاني من سفر التكوين أول أسفار العهد القديم أن الدنيا كانت خالية وظلاما ويغمرها الماء وكانت روح الله ترفّ على وجهه وأن الله خلق في يوم النور وفصل بينه وبين الظلام فسمى النور نهارا والظلام ليلا وأنه خلق في اليوم التالي السماء وفي اليوم الثالث الأرض (الجلد) في وسط الماء وصنوف النبات والشجر وفي اليوم الرابع الشمس والقمر والنجوم لتضيء على الأرض وفي اليوم الخامس الزحافات والطيور والحيتان وفي اليوم السادس البهائم والوحوش ودبابات الأرض، ثم صنع الإنسان على صورته ذكرا وأنثى، وفرغ في اليوم السابع من العمل واستراح- سبحانه وتعالى وبارك هذا اليوم وقدسه. ولم يرد في هذا السياق أسماء الأيام الستة. غير أنه ورد في أسفار أخرى أن الله قدس السبت وحرّم فيه العمل «1» . حيث يمكن أن يكون في ذلك قرينة على أن اليهود كانوا يرون أن يوم السبت هو اليوم الذي انتهى الخلق قبله. ولقد روى ابن كثير عن الإمام أحمد ومجاهد وابن عباس رضي الله عنهم أن اليوم السابع الذي اكتمل الخلق قبله كان يوم السبت وأنه سمّي بهذا الاسم لأن معناه القطع على اعتبار أن العمل قد انقطع فيه «2» . ومع ما في هذا من غرابة سواء من ناحية القول بانقطاع الله سبحانه عن العمل أم من ناحية كون تسمية (السبت) لا يمكن أن تكون إلّا متأخرة جدا عن عملية الخلق الأولى فإن شيئا من التماثل قائم بين ما ورد في الحديث وما ورد في سفر التكوين، ثم بين ما روي في صدد السبت وبين ما ورد في سفر التكوين والأسفار الأخرى من تقديس السبت وتحريم العمل فيه. وفي سورة هود هذه الآية: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى

_ (1) انظر الإصحاح 20 من سفر الخروج مثلا. وقد تكرر ذكر ذلك كثيرا في الأسفار الأخرى. (2) انظر تفسير آية الأعراف السابق ذكرها في تفسير ابن كثير. [.....]

الْماءِ [7] حيث يبدو شيء من التماثل بينها وبين عبارة سفر التكوين «كان روح الله يرفّ على وجه الماء» . ولقد تساءل ابن كثير «1» عما إذا كان يوم الخلق هو يوم عادي أو مثل اليوم الذي ذكر في آية سورة الحج [47] : وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ وفي تفسير ابن عباس رواية الكلبي أنه يوم كألف سنة بأسلوب الجزم. وبعض المفسرين قالوا إن اليوم يعني في اللغة زمنا ما أو وقتا ما على الإطلاق، وإن عبارة القرآن قد تعني أن الله خلق الكائنات في أزمان متتالية «2» . ولقد أوّل السيد رشيد رضا «3» الأيام بالأطوار التكوينية التي مرت بعملية خلق السموات والأرض وما بينهما وما فيهما من كائنات حية وغير حية. وبعض المفسرين أخذوا عبارة القرآن على ظاهرها واعتبروا الأيام عادية. وبعضهم علّل ذلك بأن الله مع قدرته على خلق جميع ما خلق في الأيام الستة بمجرد تعلق إرادته به فإنه أراد بذلك تعليم عباده التأني والتدرّج «4» . ومنهم من جال في كيفيات وماهيات خلق السموات والأرض وما فيهما خلال الأيام الستة في سياق آيات سورة فصلت هذه بخاصة التي تفسح المجال لذلك الجولان: قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (11) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) . ومع تقريرنا واجب الإيمان بكل ما جاء في القرآن وأنه من عند ربنا ما فهمنا

_ (1) انظر تفسير آية الأعراف السابق ذكرها في تفسير ابن كثير. (2) انظر تفسير آية الأعراف المذكورة سابقا في تفسير محاسن التأويل للقاسمي. (3) انظر تفسير آية الأعراف المذكورة سابقا في تفسير المنار ج 7. (4) انظر تفسير آية الأعراف المذكورة سابقا في تفسير البغوي ومجمع البيان للطبرسي مثلا.

حكمته ومداه وما لم نفهم فإننا نقول: إن الإشارات القرآنية تلهم كما قلنا قبل أن من مقاصدها التذكير بقدرة الله وعظمته أكثر من قصد تقريره المدة والكيفيات لذاتها، وفي الآية التي نحن في صددها وفي آيات سورة فصلت التي أوردناها دليل قوي على ذلك. وقد يكون في فكرة السيد رشيد رضا بتأويل اليوم بالتطوّر الزمني في تكوّن مشاهد الكون وصنوف الكائنات الحية وغير الحية شيء كثير من الوجاهة بالنسبة لموضوعية الآيات، غير أن هذا لم يكن معروفا على الوجه الذي عرف به في القرون الحديثة في زمن النبي عليه السلام، ولا نريد أن نسلّم بأن القرآن احتوى إشارات إلى أمور فنية وعلمية لم تكن معروفة ولا مدركة على حقيقتها من قبل النبي عليه السلام وسامعي القرآن، ونرى هذا مما لا تتحمله أهداف القرآن ولا عباراته من جهة ومما فيه إخراج له من نطاقه الإرشادي إلى مجال البحث والنقد من جهة أخرى. ومن الممكن أن نضيف إلى ما قلناه: إن مشاهد الكون ونواميسه في القرآن من قسم الوسائل التدعيمية لمبادئ الدعوة وبخاصة لحقيقة عظمة الله ووحدته وقدرته الشاملة وأن الأولى أن يوقف عند ما اقتضت حكمة التنزيل إيحاءه فيها بالأساليب التي اقتضتها هذه الحكمة بدون تزيد ولا تخمين. ولقد قلنا أكثر من مرة في مناسبات سابقة: إن هذه الوسائل تكون أقوى على تحقيق غايتها حين يكون موضوعها مما يعرفه السامعون وخلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وكان روح الله قبل ذلك يرفّ على وجه الماء مما ورد كما قلنا في سفر التكوين الذي كان من جملة الأسفار المتداولة بين أيدي الكتابيين في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم. ومما لا ريب فيه أن سامعي القرآن العرب كانوا أو كان كثير منهم يعرفون ذلك عن طريق الكتابيين. فالمتبادر أن حكمة الله اقتضت أن يذكر ذلك بصورة موجزة لما فيه من تماثل مع ما يعرفه السامعون لتدعيم المبدأ القرآني المحكم، وهو وجود واجب الوجود وشمول قدرته وربوبيته وكونه الذي خلق الكون. والذي يسير بتدبيره ونواميسه التي أودعها فيه، وإننا لنرجو أن يكون في هذا الصواب، والله سبحانه وتعالى أعلم.

تعليق على مدى العبارات القرآنية في تعيين أوقات الصلوات

تعليق على مدى العبارات القرآنية في تعيين أوقات الصلوات وقد علّق بعض المفسرين على ما احتوته الآيات [39 و 40] من ذكر أوقات التسبيح التي أمر النبي بالتسبيح فيها بحمد ربّه فقال: إنها بصدد أوقات الصلوات الخمس. ولقد تكرر الأمر والحثّ على ذكر الله وقراءة القرآن وإقامة الصلوات مقرونا بذكر أوقات معينة من الليل والنهار كما في آية سورة هود هذه: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (114) وفي آيات سورة الإسراء هذه: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (79) وفي آية سورة طه هذه: فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (130) ومع أن المتبادر من روح الآيات هو قصد الأمر بذكر الله وعبادته في جميع الأوقات فإن مما يحتمل أيضا أن يكون قد انطوى فيها قصد الصلوات الخمس المفروضة وأوقاتها. وإذا صحّ هذا ففيه دلالة على أن الصلوات الخمس في الليل والنهار مما كان ممارسا منذ عهد مبكر من البعثة، أو على الأقل فيه دلالة على أن النبي صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين كانوا يقيمون الصلاة في أوقات عديدة في الليل والنهار منذ أوائل البعثة إذا صح أن الصلوات الخمس لم تفرض فرضا محددا إلّا في ظروف الإسراء، على ما شرحناه في سياق سورتي العلق والنجم. وواضح من آيات هذه السورة والآيات الأخرى التي أوردناها آنفا أنها لا تحتوي أسماء الأوقات صراحة ولا تحددها تحديدا معينا وقاطعا. وهذا ما تكفلت به السنّة النبوية التي تكفلت بشرح وتحديد كثير من التعليمات والتشريعات والخطوط القرآنية.

تعليق على ما يمده ذكر الله وتسبيحه وعبادته للمؤمن من قوة معنوية تساعده على مواجهة الملمات

تعليق على ما يمده ذكر الله وتسبيحه وعبادته للمؤمن من قوة معنوية تساعده على مواجهة الملمات ويلحظ أن الأمر بتسبيح الله في الآيات مسبوق بأمر النّبي بالصّبر على ما يقوله الكفار من أقوال مثيرة للشجن، وعلى ما يقفونه من مواقف الجحود واللجاج. وهذا ما يلحظ في آية سورة طه أيضا بل إن هذا ملحوظ في السياق الذي يسبق آيات سورة الإسراء كما ترى في هاتين الآيتين اللتين سبقتا تلك الآيات وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا (77) كما هو ملحوظ أيضا في السياق الذي يسبق آية سورة هود، كما ترى في هاتين الآيتين: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (113) وينطوي في هذا تلقين روحاني رائع وهو أن ذكر الله سبحانه وتعالى وتسبيحه والوقوف بين يديه في الأوقات التي يلمّ فيها بالمؤمن غمّ وهمّ من شأنه أن يشرح صدره ويمدّه بقوّة معنوية كبيرة تتضاءل معها خطوب الدنيا وهمومها. وهذا مما انطوى في الآيتين الأخيرتين لسورتي العلق والشرح على ما ذكرناه تعليقا عليهما. ولقد روى البخاري ومسلم في سياق الآية عن جرير بن عبد الله قال: «كنا جلوسا عند النبي صلّى الله عليه وسلّم ليلة فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال: إنكم سترون ربّكم كما ترون هذا. لا تضامون في رؤيته. فإن استطعتم ألّا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ «1» . وفي الحديث توضيح تدعيمي لكون التسبيح المأمور به في الآيات هو الصلاة أو كون الصلاة من جملة ذلك.

_ (1) التاج ج 4 ص 217.

معنى توالي السور التي احتوت توكيد البعث والحساب

ولقد أوردنا هذا الحديث في سياق تعليقنا على مسألة رؤية الله تعالى في سورة القيامة. ونقول بمناسبة وروده في سياق هذه الآية إن الحكمة النبوية الملموحة في هذا الحديث هي جعل المؤمنين يهتمون اهتماما عظيما لأداء الصلوات في أوقاتها رجاء نيل رضوان الله تعالى وفي ذلك عميم الخير في الدنيا والآخرة معا. معنى توالي السور التي احتوت توكيد البعث والحساب هذا ويلحظ أن السورة منصبة في الدرجة الأولى على توكيد البعث الأخروي والتبشير والإنذار به. وهو مما انصبّت عليه سور المرسلات والقيامة والقارعة السابقة بالتوالي لهذه السورة فضلا عن احتواء أكثر السور السابقة فصولا إنذارية وتبشيرية وتوكيدية به. وفي كل هذا توكيد لما قلناه في سياق تفسير العلق من أن الحياة الأخروية كانت من أهم مواضيع الجدل والحجاج بين النبي صلّى الله عليه وسلّم والكفار من جهة، ومن أهم وسائل التدعيم للدعوة النبوية وإنذارا وتبشيرا وترغيبا وترهيبا وعظة وتذكيرا من جهة أخرى منذ بدء التنزيل القرآني. خبر عن تلاوة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هذه السورة أيام الجمع ولقد أورد ابن كثير حديثا رواه الإمام أحمد ومسلم عن أم هشام بنت حارثة قالت: «لقد كان تنورنا وتنور النبي صلّى الله عليه وسلّم واحدا سنتين أو سنة وبعض سنة وما أخذت ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إلّا على لسان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يقرأها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس» . وعلّل ابن كثير ذلك بسبب اشتمال السورة على بدء الخلق والبعث والنشور والمعاد والقيام والحساب والجنة والنار والثواب والعقاب والترغيب والترهيب.

سورة البلد

سورة البلد في السورة تنديد بالذين يقفون موقف المشاقّة والمشاكسة ويتباهون بأموالهم غير حاسبين حساب العاقبة. وتقرير لقابلية الإنسان للاختيار بين الخير والشر. وحثّ على الإيمان والتواصي بالصبر والمرحمة والمكرمات الأخرى وفي مقدمتها عتق الرقيق. وأسلوبها عام إجمالا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة البلد (90) : الآيات 1 الى 10] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (2) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (4) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً (6) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (10) . (1) البلد: المقصود منها مكة على ما هو جمهور المفسرين. (2) حلّ: تعددت أقوال المفسرين في تأويل الكلمة «1» ، منها أنها بمعنى الحالّ المقيم وأن الآية بسبيل التنويه بشرف مكة بحلول النبي عليه السلام أو بعثته فيها. ومن ذلك التحليل- ضد التحريم وأن الآية بسبيل التنديد بأهل مكة الذين يستحلّون أذى النبي والمؤمنين وإخراجهم ومناوأة دعوة الله في البلد الذي حرّم فيه الظلم. ومن ذلك أن النبي في حلّ مما يفعله في مكة مما هو محرّم على غيره من قتال.

_ (1) انظر كتب تفسير الطبري والبغوي وابن كثير والخازن والنسفي والنيسابوري إلخ.

ونحن نرجّح المعنى الأول لأنه متساوق مع مفهوم القسم الذي بدأت به السورة فالله سبحانه يقسم بمكة التي شرّفها الله بحلول النبي أو بعثته فيها. أما الرأي الثالثة فقد ذكره معظم المفسرين ناقلا بعضهم عن بعض على الأغلب. ورغم ذلك نراه غريبا. فإن تحليل الله القتال لنبيه في مكة كان في السنة الثامنة للهجرة في سياق فتحها. وبين هذه السورة وذلك الحادث سنون طويلة. (3) ووالد وما ولد: تعددت الأقوال التي أوردها المفسرون عن هذه الجملة. منها أنها قصدت آدم وذريته. ومنها أنها قصدت إبراهيم وذريته، ومنها أنها قصدت معناها الطبيعي العام. ولعلّ هذا هو الأوجه. (4) كبد: أصل معناها المشقة والشدة. وقد تعددت الأقوال التي أوردها المفسرون في معنى لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ منها أنها في صدد بيان طبيعة الإنسان في المشاقة والمكابدة. ومنها أنها في صدد ما في الإنسان من القوى التي تساعده على تحمّل المشاق. ومنها أن تكون في صدد وصف ما يظل يتعرض له الإنسان من المحن ويندفع فيه من الكد والجهد في الحياة. ومنها أنها بمعنى انتصاب القامة الذي تميّز به الإنسان. ولعلّ الاحتمال الأول هو الأوجه. (5) لبدا: كثيرا ومتراكما. (6) النجدين: معظم المفسرين على أن النجدين هما طريقا الخير والشرّ. وتكون جملة وَهَدَيْناهُ والحالة هذه بمعنى بينّا له. في الآيات توكيد تقريري وتنديدي بأسلوب القسم لما جبل عليه الإنسان من طبيعة المشاقة والمكابدة، والاعتداد بقوته وماله ظانا أنه لا يراه أحد ولا يقدر عليه أحد في حين أن الله قد جعل له عينين ولسانا وشفتين تشهد عليه ويستطيع بها أن يميّز الخير من الشر، وفي حين أن الله بيّن له معالم طريقي الخير والشر، وأن الأجدر به أن لا يغترّ ولا يعتدّ ولا يشاقق وأن يختار أفضل الطرق وأقومها. وقد روى بعض المفسرين أنها نزلت بمناسبة موقف مكابرة وتبجح وقفه أبو الأسد بن كلدة أحد زعماء مكة وأغنياءها وفاخر فيه بما أنفقه من مال في مناوأة

تعليق على عبارة لقد خلقنا الإنسان في كبد

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «1» وصحة الرواية محتملة، غير أن أسلوب الآيات عام مطلق، ويتبادر أن الموقف المروي كان مناسبة لنزول الآيات متضمنة تنديدا عاما بمثل خلق هذا الزعيم وموقفه، وهذا ما يلحظ في مناسبات كثيرة. تعليق على عبارة لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ وقد تفيد آية لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ أن الله قد جبل الإنسان على هذا الطبع غير المستحب، ولقد احتوى القرآن آيات عديدة أخرى تضمنت التنديد بالطبائع غير المستحبة في الإنسان بأسلوب قد يفيد أن الله قد خلق الإنسان على هذه الطبائع مثل آيات سورة المعارج هذه: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) وآية سورة الإسراء هذه: وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا (11) وآية الكهف هذه: وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54) وآيات سورة العاديات هذه: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) وآيات سورة الفجر هذه كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (20) ويلحظ أن الآيات جاءت في معرض التنديد والتقريع للناس بسبب هذه الطباع مما يثير تساؤلا عمّا إذا كان من المعقول أن يندد الله سبحانه بطبائع خلق الإنسان عليها؟ والمتبادر الذي يلهمه تنديد القرآن بهذه الطبائع ويلهمه سياق الآيات وروحها أن هذه الآيات صيغ أسلوبية مما اعتاد الناس أن يخاطبوا بعضهم

_ (1) انظر تفسيرها في تفسير مجمع البيان للطبرسي. والمفسر يروي رواية أخرى جاء فيها أن الآية عنت شخصا من المسلمين اسمه الحرث بن عامر أذنب ذنبا فاستفتى النبي فأمره أن يكفّر عنه فقال: ذهب مالي في الكفارات والنفقات منذ دخلت في دين محمد. والرواية الأولى أكثر احتمالا للصحة.

تعليق على آية وهديناه النجدين

بعضا بها وأن المقصد الحقيقي منها هو التنديد بما يبدو من كثير من الناس من مثل هذه الأخلاق والطبائع غير المستحبة، وأنه لا ينبغي حملها على محمل قصد بيان أن الله قد خلق الإنسان أو تعمد خلقه على هذه الطبائع التي ندّد بها في مختلف المناسبات القرآنية ولا سيما أن الله سبحانه قد نبّه في سياق الآية التي نحن في صددها وفي المناسبات المماثلة أن الله بيّن للناس طريقي الخير والشرّ والتقوى والفجور، وأوجد فيهم قابلية التمييز بينهما وجعلهم مسؤولين عن اختيارهم وسلوكهم إن خيرا فخير وإن شرا فشرّ مما مرّ منه أمثلة عديدة في المناسبات السابقة. تعليق على آية وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ومع ما قلناه في تأويل آية وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ فإنها تحتمل أن يكون قصد بها أو انطوى فيها إشارة إلى ما أودعه الله عزّ وجلّ في الإنسان من عقل يستطيع أن يميز به بين الخير والشرّ ويختار بينهما، كما تحتمل أن يكون قصد بها أو انطوى فيها إشارة إلى ما في القرآن والدعوة النبوية من تبيان معالم الخير والشر والهدى والضلال والتقوى والفجور، وهذا الاحتمال لا ينقض ما تضمنته الآيات على كل حال من تقرير قابلية الاختيار في الإنسان ومسؤوليته عن اختياره كما هو واضح. ولقد روى الطبري حديثا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في سياق الجملة جاء فيه: «إنما هما نجدان نجد الخير ونجد الشرّ فما جعل نجد الشرّ أحبّ إليكم من نجد الخير» . والمتبادر أن الحديث ينطوي على سؤال تعجبي أو تنديدي للذي يحبّ نجد الشر أكثر من نجد الخير حيث يدعم هذا معنى قابلية الاختيار في الإنسان ومسؤوليته عن اختياره. تعليق على آيتي أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ وقد ذكرنا معنيين لآيات أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ وهما أن هذه الجوارح أوجدها الله في الإنسان لتشهد على أفعاله أو تجعله يميز بين الخير

تلقينات آيات سورة البلد الأولى

والشر. والمعنى الأول قد ورد بصراحة في آيات أخرى مثل آية سورة النور هذه: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (24) وآية سورة فصلت هذه: حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (20) مما سوف نعلّق عليه موضوعيا في مناسبة الآيات المذكورة. تلقينات آيات سورة البلد الأولى والآيات في جملتها قد احتوت تلقينات جليلة مستمرة المدى سواء في تنديدها بخلق المشاقة والمشاكسة أم بخلق التباهي بالمال والاعتداد بالنفس بحيث يظن المرء أنه أمنع من أن ينال بسوء وأقوى من أن يقدر عليه أحد، وكذلك في تذكيرها ما في الإنسان من مواهب وقوى أودعها الله فيه من الواجب أن يستعملها في ما هو الأفضل والأقوم والأهدى. [سورة البلد (90) : الآيات 11 الى 20] فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (18) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (20) . (1) فلا: ذكر المفسرون لمعناها احتمالين الأول أن تكون بمعنى (هلا) التحريضية. والثاني أن تكون نافية. وكلا الاحتمالين سائغ. ونحن نرجّح الأول لأنه متسق مع السياق أكثر. (2) اقتحم: أقدم بقوة أو هجم على الأمر الصعب وقفز إليه أو اجتازه. (3) العقبة: أصل معناها الهضبة، ويمكن أن تكون كناية عن الصعب الشاق، وقد روى بعض المفسرين أنها واد في جهنّم، ونحن نرجّح الكناية المذكورة. الجزء الثاني من التفسير الحديث 17

(4) فكّ رقبة: كناية عن عتق الرقيق. (5) مسغبة: مجاعة. (6) مقربة: من ذوي القربى. (7) متربة: عوز وحاجة وقيل في تفسير الكلمة إنها تعني شدة الفقر حتى لكأن صاحبها لاصق بالتراب. أو ليس له شيء يقيم فيه أو يأوي إليه إلّا التراب. (8) أصحاب الميمنة: قيل إن الميمنة تعني اليمن والحظ السعيد. كما قيل إنها تعني اليمين وإن أصحاب اليمين هم الذين يأخذون كتب أعمالهم في الآخرة بأيمانهم وينجون. وفي سورة الواقعة جاء تعبير أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ في آية وجاء تعبير أَصْحابُ الْيَمِينِ في آية كأن ذلك تفسير للتعبير الأول. ونتيجة كل من المعنيين واحدة. (9) أصحاب المشأمة: قيل إن المشأمة تعني الشؤم والحظ النحس كما قيل إنها تعني الشمال وإن أصحاب الشمال هم الذين يأخذون كتب أعمالهم في الآخرة بشمالهم ويشقون بالعذاب. وفي سورة الواقعة جاء تعبير أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ في آية وجاء تعبير أَصْحابُ الْيَمِينِ في آية كأنّ ذلك تفسير للتعبير الأول. ونتيجة كل من المعنيين واحدة. الضمير في «اقتحم» مصروف كما هو المتبادر إلى الإنسان الذي نددت الآيات السابقة به والآيات بهذا الاعتبار متصلة بسابقاتها اتصال تعقيب واستطراد حيث تضمنت تحريضا إيجابيّا على ما هو الأولى عمله بدلا من التباهي بالمال والاعتداد بالنفس وهو أن يقتحم الصعب ويتغلب على ما في نفسه من طباع فينفق ماله في تحرير الرقاب وإطعام فقراء اليتامى والأقارب والمعوزين في أيام المجاعات فإن من يقدم على هذه المكرمات ويكون في الوقت نفسه مؤمنا بالله عز وجل متضامنا مع المؤمنين في الصبر على المكاره والخطوب وفي المرحمة بالمحتاجين إليها كان ميمون العاقبة فائزا سعيدا في الآخرة. أما الكافرون بآيات الله المبتعدون عن مكارم الأفعال والأخلاق فإنهم سيكونون من أهل الشؤم الخاسرين الذين سوف يلقون في النار وتغلق عليهم أبوابها فتكون مأواهم الخالد.

التلازم بين العمل الصالح والإيمان أيضا

والمتبادر أن فكّ الرقاب وإطعام المساكين والبرّ بالأيتام لم تورد في الآيات على سبيل الحصر بما يجب على الإنسان الإقدام عليه من المكرمات، ولكن تخصيصها بالذكر يدل على أنها من المكرمات المسلّم بأهميتها عند عامة السامعين، ووصفها بالعقبة الشديدة تنويه بخطورتها كما هو واضح. التلازم بين العمل الصالح والإيمان أيضا ويلحظ أن الآيات قد قرنت إلى هذه المكرمات الخطيرة واجب اجتماعها مع الإيمان بالله والتضامن مع المؤمنين في التواصي بالصبر والمرحمة. وفي هذا توكيد لما قرره القرآن المرة بعد المرة من التلازم الذي لا بدّ منه بين الإيمان والعمل الصالح. فلن تنفع أفعال الخير وحدها صاحبها في الآخرة إذا لم يكن مؤمنا بالله عزّ وجلّ قائما بواجباته نحوه مما نبهت عليه بعض آيات قرآنية مثل آيات سورة هود هذه مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (15) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (16) ومما شرحنا حكمته في مناسبة سابقة. وواضح أن الآيات وهي تنعى على الإنسان الذي تتمثل فيه الطبائع المكروهة وتحرضه على الإقدام على المكرمات بدلا منها مع الإيمان بالله بأسلوبها القوي تتضمن تلقينا مستمر المدى. تعليق على موضوع الرقيق وموقف القرآن منه وحثّه على عتقه وبمناسبة الإشارة إلى فكّ الرقاب والحثّ عليه في هذه الآيات لأول مرة نقول إن طبقة الرقيق كانت موجودة في كل مكان في عصر النبي صلّى الله عليه وسلّم وما قبله وليس وجودها خاصا بالمجتمع العربي. ولقد ورد في القرآن آيات عديدة تتضمن عنهم أمورا كثيرة. وقد كان الرقيق كالمال المقوّم يتصرف فيه صاحبه كما يشاء بيعا

وشراء وهبة واستثمارا وشراكة. وكان من المعتاد أن تستفرش الإماء من قبل سادتهن بدون عقد على أن يكون أبناؤهن أحرارا. أما النسل الذي يكون من تزاوج العبيد والإماء فيظلّ رقيقا «1» . ولقد عالج القرآن أمر الرقيق من حيث الموقف الواقعي فحثّ على تحريره وحسن معاملته بمختلف الأساليب والمناسبات كما وضع مبدأ إلغائه عن طريق المنّ والفداء للأسرى حيث كان أسرى الحرب هم منشأ الرقّ على الأغلب عند العرب وغيرهم. فمن ذلك آية في سورة الإنسان تنوّه بالذين يطعمون الأسير وهي: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (8) «2» وآية في سورة النساء تأمر بالإحسان في معاملتهم في جملة من تأمر بالإحسان في معاملته وهي: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [36] وفي سورة النور آية تأمر بالاستجابة إلى المماليك الذين يرغبون شراء أنفسهم وهي: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ [33] وقد جعل الله عتق الرقاب كفارة عن القتل الخطأ وعن المظاهرة وعن اليمين في هذه الآيات: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [92] من سورة النساء ووَ الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا من سورة المجادلة [3] ولا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [89] من سورة المائدة. وفي سورة البقرة آية حثّت على الإنفاق في سبيل تحرير الرقاب وهي لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي

_ (1) انظر كتابنا عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة ص 230- 236. (2) كانت كلمة الأسير تعني المملوك. والأسر هو سبيل التملك على الأعمّ الأغلب.

الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ [177] . وقد جعل الله في الزكاة نصيبا لعتق الرقاب كذلك كما جاء في آية سورة التوبة هذه: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ [60] وآية سورة محمد هذه: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها [4] تكاد تكون منطوية على إلغاء الأسر حيث تأمر بإطلاق سراح الأسرى بالفداء أو بالمنّ بدون فداء. وإذا كان هناك مأثورات نبوية تجيز استرقاق الأسرى وقتلهم فالمستفاد منها أن النبي فعل ذلك في ظروف خاصة وكان أكثر ما فعل الطريقتين القرآنيتين على ما سوف نشرحه في مناسبتها. ومن الوسائل التي جعلتها الشريعة الإسلامية وسيلة إلى تحرير الرقاب ولادة الأمة من سيدها فإنها تسمى أم ولد وتصبح معتقة بعد وفاة سيدها ولا يصح عليها بيع ولا هبة. وقد روى أحمد وابن ماجه حديثا في ذلك جاء فيه: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أيّما امرأة ولدت من سيّدها فهي معتقة عن دبر منه» «1» . وكذلك العبد الذي يعلن سيده عتقه بعد موته فيسمى المدبر ولا يصح عليه بيع ولا هبة ويكون معتقا حال وفاة سيده على ما ذكره الفقهاء استنادا إلى الآثار «2» . وهناك أحاديث نبوية عديدة في الحثّ على عتق الرقاب. من ذلك حديث رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم أيّما رجل أعتق

_ (1) التاج ج 2 ص 250. (2) هناك حديث رواه الخمسة فيه حادث يدل على أن هذه الوسيلة مما كان جاريا ومأذونا به جاء فيه: «إن رجلا من الأنصار أعتق غلاما له عن دبر لم يكن له مال غيره فبلغ ذلك النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال من يشتريه مني فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها له ثم قال النبي في رواية أبي داود إذا كان أحدكم فقيرا فليبدأ بنفسه فإن كان فيها فضل فعلى عياله فإن كان فيها فضل فعلى ذي قرابته» . ص 249 وما فعله النبي ليس منعا وإنما كان مراعاة لحالة مالك الغلام فإن النبي لا يمكن أن يمنع هذه المكرمة التي حضّ عليها القرآن وحضّ عليها هو في أحاديث كثيرة كما هو آت.

امرأ مسلما استنقذ الله بكل عضو منه عضوا منه من النار» «1» . وحديث رواه البخاري ومسلم عن أبي ذرّ جاء فيه: «أنّ أبا ذرّ سأل النبي أي الرقاب أفضل فقال أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها» «2» . وحديث رواه أبو داود والترمذي أن رسول الله قال: «أيما رجل مسلم أعتق رجلا مسلما فإنّ الله جاعل وقاء كلّ عظم من عظامه عظما من عظام محرره من النار وأيّما امرأة أعتقت امرأة مسلمة فإنّ الله جاعل وقاء كل عظم من عظامها عظما من عظام محررها من النار» «3» . وحديث رواه أبو داود عن واثلة بن الأسقع قال: «أتينا رسول الله في صاحب لنا قد أوجب يعني النار بالقتل فقال أعتقوا عنه يعتق الله بكلّ عضو منه عضوا من النار» «4» . وحديث رواه الإمام أحمد عن البرّاء بن عازب قال: «جاء أعرابي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله علّمني عملا يدخلني الجنّة فقال لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة. أعتق النسمة وفكّ الرقبة. فقال يا رسول الله أو ليستا واحدة؟ قال: لا. إن عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفكّ الرقبة أن تعين في عتقها» «5» . وحديث رواه الطبري بطرقه عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «من أعتق رقبة مؤمنة فهي فداؤه من النار» «6» . حيث يتساوق التلقين النبوي مع التلقين القرآني في هذا الأمر الخطير كما هو الأمر في كلّ شأن. وهناك إلى هذا أحاديث نبوية عديدة توجب إحسان معاملة الأرقاء طالما احتفظوا بصفتهم من ذلك حديث رواه مسلم عن عبادة بن الوليد قال: «خرجت أنا وأبي فلقينا أبا اليسر صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومعه غلام وعلى أبي اليسر بردة ومعافريّ وعلى غلامه بردة ومعافريّ فقلت له يا عمّي لو أنك أخذت بردة غلامك

_ (1) التاج ج 3 ص 246. (2) المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه. [.....] (4) انظر تفسير السورة في تفسير ابن كثير. (5) المصدر نفسه. (6) انظر تفسيرها في تفسير الطبري.

وأعطيته معافريّك وأخذت معافريّه وأعطيته بردتك فكان عليك حلّة وعليه حلّة «1» . فمسح رأسي وقال: اللهمّ بارك فيه يا ابن أخي بصر عيناي هاتان وسمع أذناي هاتان ووعاه قلبي هذا وأشار إلى مناط قلبه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو يقول أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون وكان أن أعطيته من متاع الدنيا أهون عليّ من أن يأخذ من حسناتي يوم القيامة» «2» . وحديث رواه الترمذي عن أبي مسعود قال: «كنت أضرب غلاما لي فسمعت صوتا من خلفي اعلم أبا مسعود مرّتين لله أقدر عليك منك عليه. فالتفتّ فإذا هو النبي صلّى الله عليه وسلّم فقلت يا رسول الله هو حرّ لوجه الله. قال: أما لو لم تفعل للفعتك النار أو لمستك النار» «3» . وحديث رواه الترمذي أيضا عن ابن عمر قال: «جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال يا رسول الله كم تعفو عن الخادم؟ فصمت، فأعاد الكلام فصمت، فلما كان في الثالثة قال: في كلّ يوم سبعين مرّة» «4» . وحديث رواه الترمذي كذلك عن أبي ذرّ قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من لاءمكم من مملوكيكم فأطعموه مما تأكلون واكسوه مما تكتسون ومن لم يلائمكم منهم فبيعوه ولا تعذّبوا خلق الله» «5» . وحديث رواه مسلم وأبو داود عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من لطم مملوكه أو ضربه فكفّارته أن يعتقه» «6» . حيث يتساوق التلقين النبوي مع التلقين القرآني في هذا الأمر أيضا. وهناك أحاديث كثيرة أخرى في الموضوعين غير واردة في الكتب الخمسة فاكتفينا بما أوردناه نقلا عن هذه الكتب.

_ (1) المعافري ثوب أو رداء يصنع في مكان في اليمن اسمه معافر أو اسم صانعيه قبيلة معافر وكانت صنعته مشهورة بالجودة. ويظهر من العبارة أن كلا من السيد والغلام كانا يلبسان رداء ومعافريا غير متشاكلين فاقترح على السيد أن يتشاكل اللباس. (2) التاج ج 5 ص 10- 12. (3) المصدر نفسه. (4) المصدر نفسه. (5) المصدر نفسه. (6) ج 2 ص 252.

تعليق على إعطاء الناس يوم القيامة كتب أعمالهم باليمين والشمال

وورود الحثّ على فكّ الرقاب في سورة مبكرة في النزول بالأسلوب القوي الذي جاء في الآيات التي نحن بصددها يدلّ على أن الدعوة الإسلامية قد استهدفت منذ بدئها معالجة أمر الرقيق الذي كان موجودا واقعا على خير الوجوه وهو العتق والتحرير مما هو متسق مع أهداف هذه الدعوة من الخير والحق والعدل والفضائل الأخلاقية والاجتماعية والتسوية بين الناس والقضاء على الاستعلاء الطبقي والعنصري التي تضمنتها الآيات القرآنية منذ بدء التنزيل وفي مختلف أدواره. تعليق على إعطاء الناس يوم القيامة كتب أعمالهم باليمين والشمال وعلى صحة تفسير (أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة) بالذين يعطون كتب أعمالهم في الآخرة بيمينهم أو شمالهم نقول إن هذا الموضوع قد ورد في آيات عديدة بصيغ أصرح فجاء في سورة الإسراء: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (71) وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (72) وفي سورة الحاقة: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (18) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (22) قُطُوفُها دانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (24) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (26) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (27) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (32) وفي سورة الانشقاق: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (8) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (11) وَيَصْلى سَعِيراً (12) . وهناك حديث يرويه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم جاء فيه: «يعرض

الناس يوم القيامة ثلاث عرضات. فأمّا عرضتان فجدال ومعاذير فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله» «1» . وحديث أورده ابن كثير في سياق تفسير آيات الإسراء المارّ ذكرها وأخرجه الحافظ البزار عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وليس ما يمنع نسبته إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وإن لم يرد في الكتب الخمسة جاء فيه: «يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه ويمدّ له في جسمه ويبيّض وجهه ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤة تتلألأ فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد فيقولون اللهمّ آتنا بهذا وبارك لنا فيه فيأتيهم فيقول لهم أبشروا فإن لكل رجل منكم مثل هذا. وأما الكافر فيسودّ وجهه ويمدّ له في جسمه ويراه أصحابه فيقولون نعوذ بالله من هذا اللهمّ لا تأتنا به. فيأتيهم فيقولون اللهمّ أخزه فيقول أبعدكم الله فإن لكلّ رجل منكم مثل هذا» . وما دام ورد هذا في القرآن بصراحة فيجب الإيمان به، وهو متصل بما اقتضته حكمة الله أن تكون عليه المشاهد الأخروية من مألوفات الدنيا على ما شرحناه في مناسبات سابقة. ولعلّ من حكمة وروده بالأسلوب الذي جاء به التبشير والترغيب والترهيب والتحذير. وفي الأحاديث التي أوردناها ما يدعم ذلك والله تعالى أعلم. ولقد كان العرب على ما روته روايات كثيرة يتشاءمون من الطير الذي يمرّ من جانب شمالهم إذا ما اعتزموا رحلة أو أمرا ويسمونه بالبارح ويلغون أو يترددون في تنفيذ ما اعتزموا عليه وإنهم كانوا يتفاءلون بالطير الذي يمر من جانب يمينهم ويسمونه بالسانح ويمضون في تنفيذ ما اعتزموا عليه برغبة وشوق. ولقد روى مسلم وأبو داود عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» «2» . وروى الأربعة عن عمر بن أبي سلمة قال: «كنت غلاما في حجر رسول الله وكانت يدي تطيش في

_ (1) التاج ج 5 ص 341. (2) التاج ج 3 ص 106 و 108.

الصحفة فقال لي النبي صلّى الله عليه وسلّم: يا غلام سمّ الله وكل بيمينك مما يليك فما زالت تلك طعمتي بعد» «1» . فلعل إعطاء الكفار المجرمين كتبهم بشمالهم كعلامة على الشؤم الذي ألمّ بهم وإعطاء المؤمنين كتبهم بيمينهم كعلامة على اليمن الذي ألمّ بهم متصل بهذه الصورة الدنيوية اتساقا مع حكمة الله التي نوّهنا بها. والله تعالى أعلم.

_ (1) التاج ج 3 ص 106- 108.

سورة الطارق

سورة الطارق في السورة توكيد للبعث وتدليل عليه بقدرة الله على خلق الإنسان للمرة الأولى. وإنذار للسامعين بأن أعمالهم محصاة عليهم. ووعيد للكفار وتطمين للنبي عليه السلام. وأسلوبها عامّ مطلق. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الطارق (86) : الآيات 1 الى 10] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (1) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (4) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (7) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (9) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (10) . (1) الطارق: الذي يجيء ليلا. (2) الثاقب: الخارق أو النافذ أو المتوهج الضياء. والنجم الثاقب هو النجم الذي يخرق بضوئه الظلمات. والجملة بدل بياني للطارق. وقال بعض المفسرين إنه زحل وبعضهم إنه الثريا وبعضهم إنه الشهاب المنقض. (3) لما: قرئت بالتخفيف وبالتشديد. وفي حالة التخفيف تكون جملة لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ بمعنى لعليها حافظ وفي حالة التشديد تكون بمعنى إلا وقد تكرر ورودها في القرآن بالمعنى الأخير. (4) الصلب والترائب: قال بعض المفسرين إنها مخرج ماء الرجل والمرأة الجنسي وإن الصلب للرجل والترائب للمرأة، وقالوا إن الصلب والترائب للرجل فقط وإن الترائب هي التي أسفل الصلب وتعددت الأقوال في مكان الصلب

والترائب في جسم الإنسان فقيل إن الصلب هو الظهر والترائب هي الصدر وقيل إن الترائب ما بين المنكبين والصدر، وقيل إنها أسفل من التراقي وقيل إنها فوق الثديين بل وقيل إنها أطراف الرجل يداه ورجلاه وعيناه ومنخزه ... والمتبادر أن سامعي القرآن كانوا يعرفون معنى الكلمات ومواضعها من الجسم وهي على كل حال تعني مخرج الماء الجنسي الذي يتكوّن منه الجنين. (5) تبلى: تختبر وتظهر وتنكشف. (6) السرائر: جمع سريرة وهي طوية الإنسان. في الآيات الأربع الأولى قسم بالسماء والنجم الثاقب الطارق بالليل ذي الخطورة بين النجوم بأن كل نفس عليها رقيب وحافظ يحصيان عملها ويرقبانه. وفي الآيات الأربع التالية تدليل على قدرة الله تعالى على بعث الإنسان لمحاسبته على عمله. فالله الذي خلقه من ماء يندفق من بين الصلب والترائب قادر على إعادة خلقه. وجملة فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ قد تفيد أن ما ذكر مما كان يعرفه السامعون ويتصورونه. وبذلك تستحكم الحجة عليهم. أما الآيتان الأخيرتان فقد احتوتا خبر ما يكون من أمر الإنسان يوم البعث. ففي ذلك اليوم تظهر أعمال الناس وتنكشف سرائرهم ويواجهون الله عزّ وجلّ منفردين لا قوة تدفع عنهم ولا ناصر ينصرهم. وقد انطوى في الآيتين الأخيرتين أن الناس ليس لهم في الآخرة إلّا أعمالهم المحصاة فمن كانت أعماله صالحة نجا ومن كانت أعماله سيئة هلك. وقد تضمنتا نتيجة لذلك إنذارا للسامعين ليتقوا هول ذلك اليوم بالاستجابة إلى دعوة الله والإيمان به وعمل الأعمال الصالحة واجتناب الأعمال السيئة. ولقد تعددت الأقوال في المقصود من كلمة حافِظٌ فقيل إنه الله عزّ وجلّ الذي هو الرقيب على كل نفس المحصي عليها عملها وأوردوا للتدليل على ذلك آية سورة الأحزاب هذه: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً (52) «1» وقيل إنه الملك

_ (1) تفسير القاسمي.

[سورة الطارق (86) : الآيات 11 إلى 17]

الموكل بإحصاء أعمال الناس «1» . وقيل إنه حافظ يحرس الناس من الآفات وأوردوا للتدليل على ذلك آية سورة الرعد هذه: لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ «2» [11] والقول الأخير غريب فيما هو المتبادر. وروح السياق يلهم أن المقصود هو إيذان السامعين بأن أعمالهم محصاة عليهم لمحاسبتهم عليها في الآخرة. [سورة الطارق (86) : الآيات 11 الى 17] وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (11) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (12) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (14) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15) وَأَكِيدُ كَيْداً (16) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (17) . (1) ذات الرجع: ذات السحاب الممطر أو ذات المطر لأنه يرجع مرة بعد مرة أو ترجع بالرزق كل عام. (2) ذات الصدع: التي تتصدع أي تتشقق عن النبات. (3) قول فصل: قول جدّ. (4) يكيدون كيدا: الكيد هو تدبير السوء والعداء. (5) مهل: في الكلمة معنى الإنذار أي اطلب منهم الانتظار ليروا مصداق الوعيد. (6) أمهلهم: اتركهم لأجل ما أو لمهلة ما. (7) رويدا: زمنا قليلا. وفي هذه الآيات قسم آخر بتوكيد صحة ما يسمعه الناس من نذر قرآنية وجدّها وبعدها عن الهزل والعبث وإشارة إلى مواقف الكيد والمناوأة التي يقفها الكفار من النبي صلّى الله عليه وسلّم بالتعطيل والأذى والإعراض، وتوكيد بأن الله عزّ وجلّ

_ (1) الطبري. [.....] (2) ابن كثير.

سيقابلهم على كيدهم بكيد أيضا وأمر للنبي عليه السلام بأن يتوعدهم وينذرهم وينتظر قليلا فلن يلبث أن يرى هو ويروا هم تحقيق الوعد ومصداق الإنذار. والمتبادر أن القصد من كيد الله هو انتقامه وعذابه. وأن استعمال الكلمة هو من قبيل مقابلة الشيء بمثله. وهو استعمال أسلوبي مألوف. وقد تكرر في القرآن. وفي الآيات إشارة إلى مواقف الكفار الكيدية بوجه عام وإنذار لهم وتطمين للنبي صلّى الله عليه وسلّم وتثبيت له. وهي غير منفصلة عن الشطر الأول من السورة حيث يبدو بينهما ترابط وانسجام. ولقد قال المفسرون إن الأمر بالتمهيل قد نسخ بآيات القتال والسيف. وقد علقنا على مثل هذا التعبير في مناسبات سابقة. والقول يصدق هنا بالنسبة لمن ظلّ على كفره ومواقفه العدائية والعدوانية كما قلنا قبل.

سورة القمر

سورة القمر في السورة إشارة إلى آية انشقاق القمر وحملة على الكفار لمكابرتهم وتكذيبهم لآيات الله. وتذكير لهم بأمثالهم المكذبين السابقين. والسورة ذات خصوصية فنية نثرية. وفصولها مترابطة تامة الانسجام والتوازن. وقد ذكر المصحف الذي اعتمدنا عليه أن الآيات [44- 46] مدنيات وانسجامها التام مع الآيات الأخرى يسوغ التوقف في صحة الرواية. ولقد روى بعض المفسرين ومنهم ابن كثير عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت إن الآية [46] نزلت وهي جارية تلعب وقد يكون في هذا قرينة مؤيدة لنزولها في مكة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة القمر (54) : الآيات 1 الى 5] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3) وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (5) . (1) آية: علامة أو بينة أو معجزة. (2) مستمر: إما من الاستمرار، وتكون الجملة في معنى أنه مظهر من مظاهر السحر المتكررة المستمرة. وإما من المرور بمعنى الذهاب والانقضاء، فتكون الجملة في معنى أنه مظهر سحري لا يلبث أن يمر وينقضي وكلا الاحتمالين

وجيه. وبعض المفسرين قالوا بالإضافة إلى هذا: إن المعنى كلام قوي شديد. (3) وكل أمر مستقر: الجملة إنذارية بمعنى أن لكل أمر مصيرا يستقر عنده. وهذا ما يكون من شأن المكذبين. وبعض المفسرين أضاف إلى هذا قولا آخر وهو أن كل شيء سوف يستقر ويثبت سواء كان حقا أو باطلا، وخيرا أو شرا. فهم يقولون إنه سحر ويكذبونه وسوف تظهر الحقيقة وتستقر ... (4) مزدجر: فيه ما يحمل على الازدجار أي الكف عن المناوأة والتكذيب. (5) حكمة بالغة فما تغني النذر: هناك من حمل «فما» على النفي فيكون معنى الآية أن النذر والآيات لا تغني إذا لم يزدجر المكذبون بما جاءهم من الأنباء والهدى والحكمة في القرآن. وهناك من حملها على الاستفهام فيكون معنى الآية تقريعيا وتساؤلا عما تغني عنه الآيات والنذر إذا لم يزدجر الناس بما جاءهم في القرآن من الأنباء والهدى والحكمة البالغة. ومعظم المفسرين يجعلون جملة حِكْمَةٌ بالِغَةٌ بدلا بيانيا من مزدجر «1» . والحكمة هنا هي حكمة الله تعالى. وهي كل ما فيه الهدى والحق والإحكام. في الآيات إيذان إنذاري باقتراب الساعة وقيام القيامة وانشقاق القمر. وتنديد بالكافرين المكذبين الذين إذا رأوا آية من آيات الله أنكروها وقالوا إنها سحر مألوف مستمر. وتقرير للواقع من أمرهم حيث كذبوا الرسول وما جاء به اتباعا للأهواء وإعراضا عن الحق عمدا. وإنذار بأن لكل أمر مستقرا ومصيرا حيث يظهر الحق من الباطل والهدى من الضلال ويستقر. وتقريع لهم على عدم ارعوائهم بينما جاءهم في القرآن من أنباء الأولين ومصائر المكذبين ومن أعلام الهدى والحق ما فيه العبرة التي تحمل على الازدجار والارعواء، وما فيه الحكمة البالغة المقنعة لمن يريد أن يقنع وينجو من المصير الرهيب، فإذا هم لم يزدجروا بذلك فلا تزجرهم الآيات والنذر.

_ (1) انظر معاني الكلمات في تفسير الطبري والطبرسي والخازن والنسفي وابن كثير والبغوي.

تعليق على انشقاق القمر

وتعبير اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ في معنى توكيد اقترابها. واستعملت صيغة الماضي على سبيل التوكيد، وقد تكرر ذلك في القرآن مثل ما جاء في آية سورة النحل هذه: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) وفي آية سورة الأنبياء هذه اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) . تعليق على انشقاق القمر أما انشقاق القمر المذكور بصيغة الماضي فقد قيل فيه قولان: أحدهما وقوع الانشقاق فعلا كمعجزة أظهرها الله عزّ وجلّ على يد النبي صلّى الله عليه وسلّم إجابة لتحدي الكفار، وثانيهما توكيد وقوع الانشقاق عند قيام الساعة كعلامة من علاماتها أو أثر من آثارها. ولقد روى المفسرون أحاديث عديدة متنوعة الرتب والأسانيد «1» ، ومنها ما ورد في كتب الأحاديث الصحيحة تفيد أن الانشقاق وقع فعلا بناء على تحدّي الكفار وأن آيات السورة الأولى نزلت لأن الكفار أصروا على كفرهم وقالوا إن محمدا سحر القمر أو سحر أعين الناس. من ذلك حديث رواه الشيخان والترمذي عن أنس بن مالك قال: «سأل أهل مكة النبي صلّى الله عليه وسلّم آية فانشقّ القمر بمكة فنزلت: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ «2» وحديث رواه كذلك الشيخان والترمذي عن عبد الله قال: «بينما نحن مع رسول الله بمنى انشقّ القمر فلقتين فلقة من وراء الجبل وفلقة دونه فقال لنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم اشهدوا» «3» . وللترمذي «انشقّ القمر على عهد النبي حتى صار فرقتين على هذا الجبل وعلى هذا الجبل فقالوا سحرنا محمد فقال بعضهم إن كان سحرنا لا يستطيع

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري والنسفي والبغوي وابن كثير والخازن والطبرسي والقاسمي. (2) التاج ج 4 ص 222- 223. (3) المصدر نفسه. الجزء الثاني من التفسير الحديث 18

أن يسحر الناس كلّهم» «1» . وحديث رواه الإمام أحمد عن أنس فيه زيادة عن ما رواه الشيخان والترمذي حيث جاء فيه: «سأل أهل مكة النبيّ آية فانشقّ القمر بمكة مرتين فنزلت اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ «2» . وحديث رواه الإمام أحمد عن عبد الله قال: «انشقّ القمر على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى رأيت الجبل من بين فرجتي القمر» «3» . وحديث رواه البيهقي عن عبد الله قال: «انشقّ القمر بمكة حتى صار فرقتين فقال كفار قريش أهل مكة هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة. انظروا السّفّار فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سحر سحركم به قال فسئل السفار قال: وقدموا من كل وجهة، فقالوا رأيناه» «4» . وحديث رواه الطبراني عن ابن عباس قال: «كسف القمر على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالوا سحر القمر فنزلت اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ إلى قوله مُسْتَمِرٌّ «5» . ومع أن هناك كما قلنا قبل من قال إن جملة وَانْشَقَّ الْقَمَرُ إنما عنت أنه سوف ينشق «6» . فإن جمهور المفسرين وأهل السنّة يأخذون بالأحاديث الواردة وبظاهر الآية ويقررون أن الانشقاق وقع فعلا كمعجزة نبوية بناء على طلب المشركين. ومنهم من نسب إنكار ذلك إلى أهل البدع والأهواء. وهناك من قال إن هذا لو وقع لكان متواترا وعرفه أهل الأرض كلهم ولم يختصّ أهل مكة برؤيته. وقد فنّد المثبتون هذه الأقوال بحجج وأقوال متنوعة. ولقد قال بعض أهل السنّة

_ (1) التاج ج 4 ص 222- 223. (2) النصوص من ابن كثير. وهناك صيغ أخرى لهذه الأخبار فيها بعض الزيادة والنقص فاكتفينا بما نقلناه. (3) المصدر نفسه. (4) المصدر نفسه. (5) المصدر نفسه. (6) روى المفسر الطبرسي هذا القول عن الحسن وعثمان بن عطاء عن أبيه وهما من علماء التابعين.

والحديث إن هذا الحادث متواتر غير أن هناك من العلماء من ردّ على ذلك وقال إنه لم يتواتر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم إلّا القرآن «1» . والحق إن الآية الثانية قوية التأييد لما عليه هذا الجمهور. لأنها من الصعب أن تصرف إلى معنى آخر. وهذا فضلا عن الأحاديث الواردة في كتب الصحاح وبخاصة إن بينها حديثا صحيحا مرويا عن شاهد عيان هو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. ومع ذلك فإنه يلحظ أولا أن السور التي سبقت هذه السورة لم تحتو إلّا مرة واحدة احتمالا بوقوع تحدّ من المشركين وهو ما تضمنته آية سورة المدثر هذه: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (52) واكتفت بالإعلان بأن القرآن أو الدعوة تذكرة فمن شاء ذكره كما جاء في سورة المدثر بعد هذه الآية: كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (53) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (55) دون الاستجابة إلى تحديهم. وثانيا أن السور التي نزلت بعد سورة القمر لم تشر صراحة ولا ضمنا إلى حادث انشقاق القمر كمعجزة جوابا على تحدّي المشركين على عظيم خطورته وعلى كثرة تحدّي المشركين للنبي صلّى الله عليه وسلّم. وكانوا كلما تحدّوه بالإتيان بمعجزة أو آية ردّ عليهم القرآن بأن الآيات عند الله وأن النبي بشر يتبع ما يوحى إليه. وأن القرآن هو المعجزة البالغة ويقف عند ذلك، وبأنهم لن يؤمنوا بأية آية لأن طلبهم هو من قبيل التعجيز والسخرية والتعنّت وليس فيه إخلاص وحسن نية ورغبة صادقة في الاقتناع مما أوردنا نصوصه وعلقنا عليه في سياق سورة المدثر تعليقا يغني عن التكرار. وثالثا إن حكمة التنزيل حينما اقتضت أن يعلل عدم الاستجابة إلى تحدي المشركين لم يذكروا بموقفهم من معجزة انشقاق القمر وذكروا بمواقف الأمم السابقة المكذبة لمعجزات أنبيائهم وبخاصة بموقف قوم ثمود من معجزة الناقة التي أتى بها إليهم نبيهم كما جاء في آية سورة الإسراء هذه التي هي ذات خطورة عظيمة في صدد توكيد عدم الاستجابة إلى تحدي الكفار المتكرر في الوقت نفسه: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما

_ (1) انظر تفسير ابن كثير والخازن والقاسمي.

نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً (59) مع أن المتبادر أن التذكير بموقفهم من معجزة انشقاق القمر يكون أقوى وأشد إفحاما. ورابعا إن رواة أحاديث الانشقاق باستثناء عبد الله بن مسعود هم من أبناء العهد المدني. ويكون حديث ابن مسعود حديث آحاد. وكل هذه الملاحظات قد تبرر الميل إلى الأخذ بتأويل من أوّل عبارة اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ بأنها في صدد المستقبل أو عند قيام القيامة حيث تتبدل نواميس الكون على ما ذكرته آيات عديدة مرّت أمثلة منها في المناسبات السابقة ومن ذلك في صدد القمر في سورة القيامة: فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) . وقد يدعم هذا الحديث النبوي الصحيح الذي أوردناه في سياق تعليقنا في سورة المدثر وهو: «ما من نبيّ إلّا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ» والذي ينطوي فيه تقرير اقتضاء حكمة الله تعالى أن لا يظهر على يد النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم معجزة خارقة اكتفاء بالوحي الرباني الذي فيه الهدى والبينات والسعادة والفلاح في الدنيا والآخرة. ومع كل ذلك تظل الآية وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ التي جاءت عقب آية اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ قوية الدلالة ويصعب صرفها إلى معنى آخر كما قلنا. وتظل صحة الأحاديث الواردة في حدوث المعجزة واردة. وللتوفيق بين الأمرين قد يمكن أن يقال إن حكمة الله اقتضت أن يظهر هذه الآية في أول العهد المكي فلما كذّبها الكفار وقالوا إنها سحر اقتضت حكمة الله أن يكون ذلك الموقف السلبي المنطوي في الآيات التي نزلت بعد هذه السورة. والله تعالى أعلم. وننبّه على نقطة هامة وهي أننا لا نعني أن هذا التأويل يمكن أن يكون في معنى تقرير استحالة انشقاق القمر كمعجزة ربانية، إذا ما شاء الله ذلك. فخرق النواميس الكونية المعروفة وهو ما تعنيه المعجزة في نطاق قدرة الله تعالى على

تعليق على موضوع اقتراب الساعة

الوجه الذي تشاءه حكمته. وقد شرحنا هذه النقطة في سياق سورة المدثر شرحا يغني عن التكرار. هذا، وفيما تضمنته الآيات من التقريع على اتباع الأهواء وإنكار الحق والمراء فيه، وعدم الاعتبار بالأحداث الزاجرة والاقتناع بالحق الذي يؤيده الحكمة البالغة والحجة الدامغة، والاستمرار في الغي والغواية تلقينات مستمرة المدى سواء أكانت في تقبيح اتباع الهوى والمراء في الحق والحقيقة، أم في العناد والمكابرة وعدم الازدجار بالأنباء الزاجرة بقطع النظر عما يكون في ذلك من ضرر وخطأ وصدم للحقيقة والحق، وتعطيل للمصلحة وتنافر مع المنطق، أم في إيجاب الابتعاد عن ذلك واتباع الحق أم في التسليم بما تقوم عليه الحجة وتقصده الحكمة القرآنية. تعليق على موضوع اقتراب الساعة وخبر اقتراب الساعة المنطوي في الآية الأولى من السورة ليس الوحيد في القرآن فقد تكرر بأساليب متنوعة مثل آية سورة الأنبياء هذه: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ [1] وآية سورة النحل هذه: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [1] . ولقد رويت في صدد ذلك أحاديث نبوية عديدة أيضا منها حديث رواه الشيخان والترمذي عن سهل عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «بعثت أنا والساعة هكذا ويشير بإصبعيه فيمدّهما. وفي رواية بعثت أنا والساعة كهاتين وضمّ السبّابة والوسطى» «1» . وحديث رواه الحافظ أبو بكر البزار عن أنس قال: «إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خطب أصحابه ذات يوم وقد كادت الشمس أن تغرب فلم يبق منها إلّا شفّ يسير فقال: والذي نفسي بيده ما بقي من الدنيا فيما مضى منها إلّا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه. وما نرى من الشمس إلّا يسيرا» «2» . وحديث رواه الإمام أحمد عن ابن عمر قال: «كنّا جلوسا عند النبي صلّى الله عليه وسلّم والشمس على قعيقعان بعد العصر فقال ما

_ (1) التاج ج 5 ص 301. (2) النصوص من تفسير ابن كثير. [.....]

شرح لكلمة (الحكمة) ومعانيها في القرآن

أعماركم في أعمار من مضى إلّا كما بقي من النهار فيما مضى» «1» . وحديث رواه الإمام أحمد عن بهز قال: «خطبنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال أمّا بعد فإنّ الدنيا قد آذنت بصرم وولّت حذّاء ولم يبق منها إلّا صبابة كصبابة الإناء يتصابّها صاحبها. وإنّكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها فانتقلوا منها بخير ما يحضرنكم فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنّم فيهوي فيها سبعين عاما ما يدرك لها قعرا. والله لتملؤنّه. أفعجبتم والله لقد ذكر لنا أن ما بين مصرعي الجنة مسيرة أربعين عاما وليأتينّ عليه يوم وهو كظيظ الزّحام» «2» . وهذا أمر مغيّب لا مجال للتخمين والتزيد فيه. والإيمان بما جاء في الآيات والأحاديث الثابتة واجب مع الوقوف عند ذلك. وقد يلمح من الحديث الأخير أن الحكمة من الإيذان بذلك هي حثّ الناس على تقوى الله وصالح الأعمال. والله سبحانه وتعالى أعلم. وهناك أحاديث عديدة أخرى في علامات الساعة وأشراطها سنوردها ونعلّق عليها في مناسبات أكثر ملاءمة إن شاء الله. شرح لكلمة (الحكمة) ومعانيها في القرآن وبمناسبة ورود هذه الكلمة لأول مرة في هذه السورة نذكر أن هذه الكلمة تكررت كثيرا في مناسبات متنوعة. وأصل الكلمة من «حكم» بمعنى فصل وقضى وبتّ وضبط. وقد جاءت في القرآن وفي اللغة العربية بالتالي لتعبر عن معان عديدة أخرى وإن لم تبتعد عن هذا الأصل حيث صارت تعبر عن كل قول وفعل وشيء يكون فيه صواب وسداد وحق وهدى وبرّ ومعروف وضبط وإتقان. ويكون بعيدا عن الطيش والرعونة والغلظة والجفاء والبغي والضرر والباطل. وفي سورتي

_ (1) النص من تفسير ابن كثير. (2) المصدر نفسه.

الإسراء ولقمان وسلسلتان من الآيات فيها وصايا وأوامر ونواه إيمانية وأخلاقية واجتماعية وسلوكية رائعة إحداهما من الله تعالى مباشرة وثانيتهما على لسان لقمان. وكلتاهما وصفتا بالحكمة. حيث جاء في آخر سلسلة الإسراء ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ [39] وفي أول سلسلة سورة لقمان وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ [12] وكل ما في هاتين السلسلتين هو في نطاق المعاني المذكورة. وفي سورة النحل جاءت الكلمة في معرض رسم خطة للنبي صلّى الله عليه وسلّم في الدعوة إلى سبيل الله كما ترى في هذه الآية: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [125] حيث يفيد هذا النصّ أن الحكمة هي البعد عن الجفاء والغلظة واللجاج والتزام العقل والمنطق وحسن العرض والنية. وهو ما يتصل بالمعاني المذكورة أيضا. وهناك آيات تذكر ما آتاه الله سبحانه لأنبيائه من الحكمة وإرسالهم للناس بها وتعليمهم إياها للناس إلى جانب كلمة الكتاب حيث يفيد هذا أن الحكمة التي أوتيها أنبياء الله هي ما ألهمهم إياه من قول وفعل متصفين بالصفات المذكورة آنفا بالإضافة إلى ما احتوته كتب الله المنزلة عليهم من مثل ذلك كما ترى في الآيات التالية: 1- كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة: 151] . 2- وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ [آل عمران: 48] . 3- وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ [آل عمران: 81] . 4- وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [النساء: 113] . وفي سورة البقرة تنويه بمن يؤتيه الله الحكمة كما ترى في هذه الآية: يُؤْتِي

[سورة القمر (54) : الآيات 6 إلى 8]

الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ (269) والمتبادر أن الكلمة هنا تعني الأقوال والأفعال المتّصفة بتلك الصفات. ومن هنا يصح أن تسمّى سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم القولية والفعلية حكمة وأن يقال إنها ما عني بها في آية البقرة [151] وأمثالها. ونكتفي الآن بما تقدم على أن نعود إلى بيانات وشروح أخرى في مناسبات آتية. [سورة القمر (54) : الآيات 6 الى 8] فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) . (1) نكر: لا يعرف مثيل له. (2) الأجداث: القبور. (3) مهطعين: مسرعين. الآيات متصلة بسابقاتها اتصال تعقيب وتسلية وإنذار. فهي تأمر النبي عليه السلام بعدم الأبوه بتكذيب المكذبين والانصراف عنهم. ثم تصف ما سوف يلقونه في يوم القيامة حيث يدعوهم منادي الله فيخرجون من قبورهم مسرعين كالجراد المنتشر كثرة واضطرابا وأبصارهم خاشعة من الخوف والفزع وشدّة الهول الذي لا مثيل له، وحيث يتيقنون أن يومهم يوم عسير جدا. والمتبادر أن وصف الذي سوف يلقاه المكذبون في الآخرة قد استهدف- فيما استهدف- إثارة الرعب في قلوب المعاندين والمكذبين وحملهم على الارعواء. وتعبير فَتَوَلَّ عَنْهُمْ لا يعني كما هو المتبادر أن يدع إنذار الناس

[سورة القمر (54) : الآيات 9 إلى 42]

والمكذبين من الجملة، فهذه مهمة النبي المستمرة، وإنما هو تعبير أسلوبي يتضمن التسلية والتهوين، وقد تكرر بعبارات مماثلة حينما كان يشتدّ لجاج الكفار والمكذبين مما مرّت أمثلة منه. [سورة القمر (54) : الآيات 9 الى 42] كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (14) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (16) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (21) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (22) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (24) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (29) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (32) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (40) وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (42) . (1) ازدجر: قوبل بشدّة أو منع بشدة.

(2) قد قدر: قد حسب ودبّر بإحكام. (3) دسر: قيل إن الكلمة تعني المسامير وقيل إنها العوارض وجملة ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ كناية عن السفينة. (4) تجري بأعيننا: تسير تحت رعايتنا وبتوجيهنا. (5) مدّكر: متذكر. (6) صرصرا: قيل إنه البرد، وقيل إنه الشديد الهبوب والدويّ. (7) أعجاز نخل منقعر: عجز النخلة ساقها، ومنقعر بمعنى منخلع، والآية تعني أن الريح كانت تنزع الرؤوس من الأجسام أو تطرحهم بشدتها كأنهم أعجاز النخل المنقعر. (8) سعر: الجنون، ومنه المسعور. (9) أشر: المتبجح بالكذب أو الموغل فيه أو المتبطر أو المتكبر. (10) فتنته: اختبارا وامتحانا. (11) كل شرب محتضر: كل فريق من أصحاب نوبة الشرب يحضرون في يومهم المعين المتفق عليه فقط. (12) صاحبهم: الذي اتفقوا على أن يكون عاقر الناقة منهم. (13) تعاطى: هاجم الناقة أو تهيأ للهجوم عليها ليعقرها. (14) هشيم: النبات الجاف. (15) المحتظر: الحظيرة أي الحديقة أو الحقل. (16) حاصبا: ريحا تحصب بالحجارة من شدّتها. (17) تماروا: جادلوا وكذبوا. (18) راودوه عن ضيفه: فاوضوه وطالبوه بالتخلي عن ضيوفه. (19) مستقر: شامل لإخلاص منه. في الآيات سلسلة لقصص أقوام نوح وعاد وثمود ولوط وفرعون مع أنبيائهم عليهم السلام، وقد جاءت عقب حكاية موقف كفار العرب من النبي صلّى الله عليه وسلّم وحكاية تكذيبهم له ولآيات الله والتنديد بهم وإنذارهم، وهو ما جرى عليه أسلوب النظم

تعليق توضيحي على القصص الواردة في السلسلة

القرآني في إيراد القصص على ما شرحناه في تفسير سورة القلم، فهي والحالة هذه متصلة بالآيات السابقة اتصال تعقيب واستطراد. وباستثناء قصة فرعون فقد جاءت القصص الأخرى مفصلة بعض الشيء، وهذه أول مرة تأتي كذلك مما يمكن أن يدلّ على أن ظروف السيرة وحكمة التنزيل اقتضتا أن تأتي هنا مسهبة بعض الشيء بعد الإشارات الخاطفة التي ذكرت بها من قبل، وفي هذا مشهد من مشاهد تطور التنزيل كما هو المتبادر. والبيان القصصي مفهوم وليس من حاجة إلى شرحه بأداء آخر، وأسلوب الآيات وصيغتها ومضمونها يؤيد ما قلناه من أن القصص القرآنية لم ترد لذاتها وإنما للعظة والتذكير واللازمة التي تكررت عقب كل مقطع وهي: فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ تزيد ذلك توكيدا. ولقد احتوت تسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم من ناحية وتذكيرا وإنذارا للكفار من ناحية أخرى فإذا كان قومه قد كذبوه ونعتوه بالجنون والكذب والسحر وزجروه وتحدّوه فقد فعل الأقوام السابقون مثل ذلك مع أنبيائهم. ولقد نكّل الله بهم فمنهم من أغرقه بالطوفان ومنهم من أهلكه بالريح الصرصر. ومنهم من دمّره بالرجفة وخسف به الأرض ومنهم من أرسل عليه حاصبا. ومن الهيّن عليه أن ينكّل بهؤلاء كما نكّل بالسابقين إذا أصروا على مواقف التكذيب والعناد والمناوأة والصدّ. والوصف الذي احتوته الآيات عن نكال الله للأقوام السابقة بسبب مواقفهم من أنبيائهم قوي مفزع. والمتبادر أنه استهدف فيما استهدفه إثارة الرعب في السامعين الكفار لحملهم على الارعواء. تعليق توضيحي على القصص الواردة في السلسلة والأنبياء وأقوامهم المذكورون في السلسلة ورد ذكرهم بإشارات مقتضبة في سور ق والنجم والمزمل والفجر والشمس. وأوردنا عنهم بعض التعريفات.

ولقد ذكرنا في سياق التعريف بنوح أن قصته واردة في الإصحاحات (5- 9) من سفر التكوين. ونقول هنا إنه ليس في هذه الإصحاحات إشارة ما إلى ما جاء في الآيات التي نحن في صددها من خبر رسالة نوح إلى قومه وتكذيبهم إياه ونعتهم له بالمجنون. وقد جاء في الإصحاح السادس: (أن الله رأى الأرض قد فسدت وكل جسد قد أفسد طريقه عليها فقال لنوح الذي نال حظوة في عيني الربّ وكان رجلا برّا كاملا في أجياله وسلك مع الله قد دنا أجل كل بشر بين يدي فقد امتلأت الأرض من أيديهم جورا فها أنا ذا مهلكهم) ثم أمره بصنع فلك من خشب ليدخل فيه هو وأهله لينجيهم وقال له: إني آت بطوفان مياه على الأرض لأهلك كل جسد فيه روح حياة من تحت السماء وأقيم عهدي معك إلخ) ... وقد لا يكون بين هذا النص وفحوى الآيات تناقض. وليس ما يمنع إلى هذا أن يكون في أيدي الكتابيين قراطيس أخرى فيها بيانات متطابقة مع النص القرآني. ولقد صرف بعض المفسرين الضمير في جملة تَرَكْناها التي جاءت في الآية [15] من قصة نوح إلى سفينة نوح وأوردوا حديثا رواه البخاري في فصل التفسير من صحيحه جاء فيه أن قتادة قال: «إنّ الله تعالى أبقى سفينة نوح حتى أدركها أوائل هذه الأمة» «1» . وزاد الطبري والبغوي فرويا عن قتادة قوله أيضا: «أن الله أبقاها بباقردي من أرض الجزيرة» . وقد صرفها بعضهم إلى عذاب الله ونكاله الطوفاني بالكافرين المكذبين. وخبر آثار سفينة نوح على قمة جبل الجودي أو أرارات من الأخبار التي ظلّت تتناقلها الأجيال إلى جيلنا. وقد حاول بعضهم التثبّت من وجودها فلم يتمكنوا فإذا كانت الكلمة عنتها فيكون ذلك لما كان مشهورا متداولا من أن السفينة استقرّت على أرارات أو الجودي وظلت هناك. وإلّا فيصرف الضمير في الجملة إلى الطوفان الذي كان نكالا وعذابا لقوم نوح على اعتبار أن خبر ذلك سيظل آية وعبرة للأجيال الآتية والله أعلم. والعذاب الرباني لعاد الذي ذكر في الآيات [19- 20] قد تكرر في سور

_ (1) التاج ج 4 ص 223.

[سورة القمر (54) : الآيات 43 إلى 55]

أخرى بعد هذه. مثل سورة الحاقة التي جاء فيها: وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (6) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (8) وسورة الأحقاف التي جاء فيها: فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25) والمتبادر أن هذا مما كان متداولا من قصص عاد ونبيهم في بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم على ما نبهنا عليه في التعريف الأول. ويقال هذا في صدد ثمود الذين تكررت قصتهم بعد هذه السورة ويقال هذا كذلك في صدد قصة لوط وقومه التي وردت في الإصحاحين الثامن عشر والتاسع عشر من سفر التكوين بما يقارب ما جاء في القرآن على ما نبهنا عليه في التعريف الأول أيضا. ونؤجل التوسّع في التعليق على قصة رسالة موسى إلى فرعون إلى سور أخرى جاءت هذه القصة فيها مسهبة. [سورة القمر (54) : الآيات 43 الى 55] أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (46) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (49) وَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (51) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55) . (1) الزبر: جمع زبور وهو الكتاب والزبر الأولى في الآيات تعني كتب الله والثانية تعني علم الله وما يسجل على الناس من أعمالهم على ما تلهمه روح الآيات.

(2) نحن جميع: بمعنى نحن جمع عظيم والقصد من الجملة الاعتداد بالكثرة. (3) خلقناه بقدر: خلقناه بتدبير وحساب. (4) وما أمرنا إلا واحدة: كل ما نريده يحدث في لمح البصر حالما نأمر بذلك كلمح البصر. (5) أشياعكم: أمثالكم. (6) مستطر: مسطور ومسجّل. (7) في مقعد صدق عند مليك مقتدر: كناية عن تكريم الله الذي يناله المتقون. في الآيات التفات تعقيبي على الفصول القصصية وعود على بدء في إنذار الكفار وتقريعهم. فهي والحال هذه متصلة بالسياق واستمرار له. وهي قوية في إنذارها وتقريعها وأسئلتها الاستنكارية الساخرة وإفحامها. والمتبادر أنها استهدفت فيما استهدفته زجر الكفار وحملهم على الارعواء. والأسئلة الاستنكارية في الآية [43] قوية مفحمة حقا. فهل يظن الكفار أنفسهم خيرا أو أقوى من السابقين الذين يعرفون أن الله قد نكّل بهم، أم هل حصلوا من الكتب المنزلة على براءة تقيهم ذلك النكال حتى يكونوا مطمئنين هذا الاطمئنان مستمرين في ضلالهم وغوايتهم. وفي الآية [44] إشارة إلى اعتداد الكفار بقوتهم وكثرتهم. وقد ساجلتهم الآية [45] بالتعبير فأنذرتهم بهزيمة جموعهم وتوليتها الأدبار. ثم آذنتهم الآيات التالية بأن أمر الله واقع كلمح البصر حالما تقترن مشيئته بشيء. وذكّرتهم بما كان من إهلاله لأمثالهم وأعلنتهم بأن كل شيء فعلوه محصى مسطور عليهم وتوعدتهم بيوم القيامة كموعد أدهى وأمرّ من غيره حيث يسحبون على وجوههم في النار ويتيقنون من أنهم كانوا في ضلال وجنون ثم انتهت جريا على النظم القرآني إلى تطمين المتقين بالمقابلة بما أعدّه الله لهم عنده من جنات ورضوان.

تعليق على الآية إنا كل شيء خلقناه بقدر والآثار الواردة في موضوع القدر

ويلحظ أن نعت الكفار بالمجرمين قد تكرر في الآيات ومن المحتمل أنه قصد بذلك الزعماء خاصة الذين لم يكتفوا بالكفر والتكذيب بل ارتكبوا إلى جانبهما جريمة اضطهاد المسلمين وفتنتهم مع جريمة الصدّ والتآمر والتعطيل. وفي الآية [45] بشارة ربانية حققها الله لنبيه والمؤمنين في بدر وما بعد بدر فكانت معجزة قرآنية. ولقد روى البخاري عن ابن عباس: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال وهو في قبّة يوم بدر اللهمّ أنشدك عهدك ووعدك. اللهمّ إن تشأ ألا تعبد بعد اليوم. فأخذ أبو بكر بيده فقال حسبك يا رسول الله ألححت على ربّك وهو يثب في الدرع فخرج وهو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ «1» . تعليق على الآية إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ والآثار الواردة في موضوع القدر ويظهر مما أورده المفسرون في سياق جملة إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ أن الجملة قد أخذت على معنى قدر الله السابق لخلقه وتقديره الأحداث من الأزل. وقد أوردوا في سياقها حديثا عن أبي هريرة قال: «جاء مشركو قريش إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم يخاصمونه في القدر فنزلت يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ «2» ومقتضى الحديث أن تكون الآيات نزلت لحدة في هذه المناسبة مع أنها منسجمة نظما ووزنا وموضوعا في السياق العام. وأبو هريرة لم

_ (1) التاج ج 4 ص 223. وقد أورد ابن هشام عن ابن إسحق صيغة أخرى لمناجاة رسول الله وهي: «اللهمّ إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد» . ج 2 ص 267. وفي الصيغة التي أوردها المفسران ابن كثير والبغوي تعبير: «إن شئت» بدلا من «إن تشأ» . (2) معظم المفسرين تطرقوا إلى هذا الموضوع في سياق تفسير الآية. وهذا الحديث أورده الطبري والبغوي وابن كثير. وقد ورد في التاج من مرويات مسلم والترمذي أيضا، التاج ج 1 ص 32.

يذكر أنه سمع هذا من النبي أو أحد أصحابه من السابقين الأولين من المهاجرين من مكة. وهو ليس منهم وإنما أسلم بعد النصف الأول من العهد المدني. وفي القرآن مقاطع كثيرة ورد فيها كلمة (القدر والتقدير وقدرنا) ولكن لم نطلع على حديث نبوي أو صحابي يذكر أنها تعني القدر الذي هو موضوع البحث. على أن هناك أحاديث عديدة أخرى في موضوع القدر. منها ما أورده المفسرون في سياق هذه الآية ومنها ما أورده في سياق آيات أخرى من بابها. ومنها ما ورد في كتب الأحاديث الصحيحة ومنها ما ورد في كتب وروايات محدثين آخرين. فمن ذلك الحديث الطويل الذي أوردناه في بحث الملائكة في سورة المدثر والذي رواه الخمسة عن عمر بن الخطاب والذي فيه المحاورة التي جرت بين النبي صلّى الله عليه وسلّم وجبريل عن الإسلام والإيمان ومن جملتها كون الإيمان بالقدر خيره وشرّه من أسس الإيمان «1» . وحديث رواه الشيخان عن أنس قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إنّ الله عزّ وجلّ قد وكلّ بالرحم ملكا فيقول أي ربّ نطفة. أي ربّ علقة. أي ربّ مضغة. فإذا أراد الله أن يقضي خلقا قال الملك أي ربّ ذكر أو أنثى. شقيّ أو سعيد. فما الرزق. فما الأجل فيكتب كذلك في بطن أمه» «2» . وحديث رواه الأربعة عن علي قال: «كان رسول الله جالسا ذات يوم وفي يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال ما منكم من نفس إلّا وقد علم منزلها من الجنة والنار. قالوا يا رسول الله فلم نعمل أفلا نتكل. قال: اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له ثم قرأ فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى [الليل: 5- 7] الآيتين» «3» . وحديث رواه الترمذي ومسلم جاء فيه: «قيل يا رسول الله بيّن لنا ديننا كأننا خلقنا الآن. ففيم العمل اليوم أفيما جفّت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما نستقبل. قال: لا بل فيما جفّت به الأقلام وجرت به المقادير. قال: ففيم العمل

_ (1) التاج ج 5 ص 173- 174. (2) انظر المصدر نفسه. (3) انظر المصدر نفسه.

قال كلّ عامل ميسّر لعمله» «1» . وحديث رواه الترمذي جاء فيه: «قال عمر يا رسول الله أرأيت ما نعمل فيه أمر مبتدع أو فيما قد فرغ منه فقال فيما قد فرغ منه. يا ابن الخطاب كلّ ميسّر أمّا من كان من أهل السعادة فإنّه يعمل للسعادة. وأمّا من كان من أهل الشّقاء فإنه يعمل للشقاء» «2» . وحديث رواه مسلم والترمذي عن عمران بن حصين قال: «إنّ رجلين من مزينة أتيا رسول الله فقالا: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه. أشيء قضي عليهم ومضى أو فيما يستقبلون به؟ فقال: لا بل شيء قضي عليهم وتصديق ذلك في كتاب الله عزّ وجلّ: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (7) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها «3» [الشمس: 7- 8] . وحديث رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو قال: «سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: إنّ الله عزّ وجلّ خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضلّ فلذلك أقول جفّ القلم عن علم الله تعالى» «4» . وحديث رواه الترمذي عن جابر قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشرّه وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه» «5» . وحديث رواه الترمذي والحاكم عن عائشة قالت: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ستة لعنتهم لعنهم الله وكلّ نبيّ كان. الزائد في كتاب الله والمكذّب بقدر الله والمتسلّط بالجبروت ليعزّ بذلك من أذلّ الله ويذلّ من أعزّ الله والمستحلّ لحرم الله. والمستحلّ من عترتي ما حرّم الله والتارك لسنّتي» «6» . وحديث رواه مسلم عن عبد الله أنه قال: «الشقيّ من شقي في بطن أمه

_ (1) التاج ج 5 ص 173- 174. (2) المصدر نفسه. (3) انظر المصدر نفسه. (4) انظر المصدر نفسه. (5) انظر المصدر نفسه ج 5 ص 172- 173. (6) انظر المصدر نفسه. [.....] الجز الثاني من التفسير الحديث 19

والسعيد من وعظ بغيره فسمعه رجل فأتى حذيفة فأخبره بذلك وقال: كيف يشقى رجل بغير عمل؟ فقال له حذيفة: أتعجب من ذلك فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول إذا مرّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصوّرها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال يا ربّ أذكر أم أنثى فيقضي ربّك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول يا ربّ أجله. فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول يا ربّ رزقه فيقضي ربّك ما شاء ويكتب الملك ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص» «1» . وحديث عن ابن زراره عن أبيه قال: «إن النبي صلّى الله عليه وسلّم تلا هذه الآية وقال نزلت في أناس من أمتي يكونون في آخر الزمان يكذّبون بقدر الله» «2» . وحديث رواه الإمام أحمد مؤيد لهذا الحديث جاء فيه: إن عبد الله بن عمر كتب لصديق له من أهل الشام: إنه بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر فإياك أن تكتب إليّ فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «سيكون في أمّتي أقوام يكذّبون بالقدر» «3» . وحديث عن ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال له: «اعلم أنّ الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك ولو اجتمعوا على أن يضرّوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضرّوك. جفّت الأقلام وطويت الصحف» «4» . وحديث رواه الإمام أحمد جاء فيه: «إن عبادة دخل على أبيه وهو مريض فقال له: يا أبتاه أوصني واجتهد لي فقال أجلسوني فلما أجلسوه قال: يا بني إنك لم تطعم الإيمان ولم تبلغ حقّ حقيقة العلم بالله حتى تؤمن بالقدر خيره وشرّه. قلت يا أبتاه وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشرّه؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك. يا بني إني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول إن أول ما خلق الله القلم ثم قال له اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة. يا بني إن متّ ولست

_ (1) التاج ج 5 ص 172- 173. (2) النصوص من ابن كثير والآية المقصودة هي آيات السورة التي نحن في صددها. (3) انظر المصدر نفسه. (4) انظر المصدر نفسه.

على ذلك دخلت النار» «1» . وحديث رواه الترمذي عن علي بن أبي طالب أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع يشهد أن لا إله إلّا الله وأني رسول الله بعثني بالحق. ويؤمن بالموت. ويؤمن بالبعث بعد الموت. ويؤمن بالقدر» «2» . وحديث رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر أن رسول الله قال: «لكلّ أمة مجوس ومجوس أمتي الذين يقولون لا قدر. إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم» «3» . وحديث رواه الإمام أحمد عن طاووس اليماني قال سمعت ابن عمر قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كلّ شيء بقدر حتى العجز والكيس» «4» . وحديث رواه مسلم والترمذي عن ابن عمرو بن العاص عن النبي صلّى الله عليه وسلّم «قال: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» «5» . وحديث رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن عمران بن حصين قال: «قيل يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار؟ قال: نعم، قيل: ففيم يعمل العاملون؟ قال: كلّ ميسّر لما خلق له» «6» . وحديث وصفه ابن كثير بالصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «استعن بالله ولا تعجز فإن أصابك أمر فقل قدّر الله وما شاء فعل ولا تقل لو إني فعلت لكان كذا فإن (لو) تفتح عمل الشيطان» «7» . وحديث رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن عبد الله قال: «حدّثنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو الصادق المصدوق فقال إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم ينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع

_ (1) هذا النص من ابن كثير وقد روى أبو داود والترمذي هذا الحديث بصيغة أخرى ليس بينها وبين نص ابن كثير فرق جوهري. (2) التاج ج 1 ص 33، وقد روى ابن كثير هذا الحديث عن سفيان الثوري عن علي بزيادة في آخره وهي: «يؤمن بالقدر خيره وشره» . (3) النصّ من ابن كثير وقد روى مثله أبو داود بصيغة قريبة، التاج ج 1 ص 33. (4) النص من ابن كثير. (5) التاج ج 1 ص 32. (6) انظر المصدر نفسه. (7) النص من تفسير ابن كثير لسورة القمر.

كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقيّ أو سعيد. فو الله الذي لا إله غيره إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلّا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلّا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» «1» . وحديث رواه الترمذي عن ابن عباس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «صنفان من أمّتي ليس لهما في الإسلام نصيب المرجئة والقدرية» «2» . وحديث رواه مسلم وأبو داود جاء فيه: «قيل لابن عمر إنه ظهر قبلنا ناس يقرأون القرآن ويتقفّرون العلم. وأنهم يزعمون أن لا قدر وأنّ الأمر أنف فقال فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني. والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر» «3» . وحديث رواه الطبراني عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إنّ أول ما خلق الله القلم والحوت، قال للقلم اكتب. قال ما أكتب؟ قال كلّ شيء كائن إلى يوم القيامة» «4» . وحديث رواه ابن عساكر عن أبي هريرة قال: «سمعت رسول الله يقول إن أول ما خلقه الله القلم ثم خلق النون وهي الدواة ثم قال له اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما يكون أو ما هو كائن من عمل أو رزق أو أجل فكتب ذلك إلى يوم القيامة» «5» . وحديث رواه الترمذي عن أبي هريرة قال: «خرج علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ونحن نتنازع في القدر فغضب حتى احمرّ وجهه كأنما فقئ في وجنتيه الرّمان، فقال: أبهذا أمرتم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟ إنّما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا

_ (1) التاج ج 1 ص 31- 34. (2) انظر المصدر نفسه. (3) انظر المصدر نفسه وكلمة (أنف) تعني أن أعمال الناس حادثة وليست مقدرة أزليا.. [.....] (4) من ابن كثير في تفسير سورة القلم. (5) انظر المصدر نفسه.

الأمر. عزمت عليكم، عزمت عليكم ألا تتنازعوا فيه» «1» . والذي يتبادر لنا من ناحية الآية بذاتها ومن روحها وروح السياق أنها في صدد الإيذان بأن الله قد خلق كل شيء بحساب مقدّر بما اقتضت حكمته أن يكون عليه أو خلق كل شيء على قدر معلوم ووضع محدد أو على الشكل الموافق له. وفي سورة السجدة آية فيها تعبير قوي عن ذلك وهي: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ... [7] وقد قال هذا غير واحد من المفسرين عزوا إلى ابن عباس وغيره من علماء الصحابة والتابعين «2» . ومن ناحية موضوع القدر بمعنى أن كل شيء وعمل من أحداث الدنيا وأعمال الناس مقدرة في الأزل محتومة الوقوع فهو من المسائل الخلافية الكلامية التي نشبت بين علماء المسلمين في صدر الإسلام وتشعبت في زمن الدولتين الأموية والعباسية وقام فرق عديدة يناقض بعضها بعضا في الأمر. وأكثر ما كان من ذلك هو في صدد أفعال الناس ومكتسباتهم حيث أنكر بعضهم أن تكون محتومة مقدرة من الأزل وأثبت بعضهم ذلك وتوسط بعضهم فجعل للإرادة الجزئية التي أودعها الله في الناس أثرا في أفعال الناس ومكتسباتهم. واجتهد كل فريق في تأييد قوله بآيات وأحاديث ومبادئ من المنطق مما لا يحتمل منهج الكتاب التبسّط فيه. ونحن نرجّح أنه كان لما وقع في صدر الإسلام من الفتن والحروب التي بدأت في أواخر خلافة عثمان رضي الله عنه وامتدّت إلى خلافة علي رضي الله عنه ثم استمرت طيلة الدولة الأموية وشطرا من الدولة العباسية أثر كبير في ذلك. ولقد كان هناك تياران متعارضان تيار يحمل مسؤولية ما كان على القائمين بالأمر ويسعى إلى التغيير على اعتبار أن ذلك من كسبهم. وتيار يعطف ما كان على قدر الله المحتوم ويسعى إلى التهدئة. وكان من التيار الأول الهاشميون وشيعتهم والخوارج والمعتزلة ومن التيار الثاني الأمويون وأنصارهم وكثير من علماء التابعين وأهل السنّة.

_ (1) التاج ج 4 ص 223. (2) انظر الخازن والطبرسي والزمخشري والطبري.

والموضوع في ذاته من ناحية أخرى من المعضلات والمواضيع التي كانت وما تزال قدرا مشتركا بين مختلف النحل والملل والأدوار والأفكار حيث ينقسم الناس فيه بين الاعتقاد بالجبر أو الاختيار بالنسبة لأعمال الناس ومكتسباتهم وبين المسبّبات الحادثة والتقدير المحتوم بالنسبة لأحداث الكون المتنوعة. والإيمان بالله وشمول علمه وقدرته وإحاطته وحكمته ومشيئته وأبديته وأزليته يقتضي بدون ريب الإيمان بأنه لا يصحّ أن يقع شيء في الدنيا من أحداث الكون وأعمال الخلق إلّا بإرادة الله وتقديره. وفي القرآن آيات كثيرة تؤيد ذلك كما أن هذا من مقتضى الأحاديث العديدة التي أوردناها والتي كثير منها بأسناد قوية صحيحة. ومع ذلك ففي القرآن أيضا شواهد لا تحصى على أن الله عزّ وجلّ أودع في الكون نواميس تجري أحداثه وفقها وأودع في الناس قابليات العمل والكسب والتمييز والاختيار فيعملون أعمالهم السلبية والإيجابية بها. وأمرهم باستعمال هذه القابليات ونسب أعمالهم إليهم. ورتّب ثوابهم وعقابهم على اختيارهم وكسبهم. وربط بين ذلك كله وبين حكمة إرسال الرسل. وبيان معالم الهدى والحق من الضلال والباطل في شؤون الدين والدنيا وحثّهم على اتباع الحق والهدى وفعل الخير وحذّرهم من اتباع الباطل والآثام وآذنهم أن ذلك في إمكانهم ومن قابلياتهم التي أودعها الله فيهم بل وربط بين ذلك والحياة الأخروية ربطا وثيقا كما أن فيه آيات كثيرة جدا تنسب أعمال الناس على اختلافها إليهم وإلى مشيئتهم أيضا. وفي القرآن والأحاديث ضوابط يزول بها ما يمكن أن يبدو من تناقض بين ذلك ويكشف عن الحكمة المتوخاة مما مرّ وسيأتي أمثلة كثيرة منها بل ويكاد يكون في كل الآيات وسياقها التي تذكر هداية الله وإضلاله للناس وتقدير ذلك عليهم ما يمكن أن يزيل كون ذلك تقديرا جزافا حتميا وبدون سبب وعمل منهم مما مرّ وسيأتي أمثلة كثيرة منه. ويبدو أن مذهب الاختيار والمسببات أكثر إلزاما لأن المتسق بخاصة مع الحقيقة الكبرى في حكمة إرسال الرسل ودعوة الناس إلى الله وإلى الأعمال

الصالحة وتحذيرهم من الانحراف عنه ومن الأعمال السيئة وترتيب مصائرهم وفقا لمواقفهم من ذلك. ويستتبع هذا أن يقال إن الله حينما أرسل إليهم الرسل وكلفهم وبشّرهم وأنذرهم يعلم ما أودعه فيهم من قابليات التمييز والاختيار والاستجابة وأنه جعلهم مسؤولين عن مواقفهم بناء على ذلك، ويكون فرض غير هذا والقول إن الله قد كلفهم ودعاهم وبشرهم وأنذرهم في حين قدّر عليهم مواقفهم وأعمالهم من الأزل تقديرا حتميا لا قدرة لهم على مخالفته بدون سبب منهم يكون عبثا ومتناقضا مع حكمته السامية المذكورة يتنزه الله عن ذلك. وكل هذا يجعلنا نميل إلى القول إن القصد من الأحاديث التي وردت في القدر والآيات التي تتساوق معها هو بسبيل تقرير علم الله السابق لأفعال عباده ومصائرهم بالدرجة الأولى. وفي بعض الأحاديث التي أوردناها ما يفيد أن هذا هو المقصود. ومن الممكن أن يقال مع ذلك إن الناس يباشرون أعمالهم ويكتسبونها خيرا كانت أم شرا وصالحة أم سيئة بمشيئتهم التي شاء الله أن يودعها فيهم فيزول بذلك وهم كون ذلك بمشيئتهم دون مشيئة الله والله تعالى أعلم. على أن المحقق في الأمر يجد أن المسألة في جملتها تظلّ في نطاق الفكرة الجدلية من حيث إن الناس منذ وجودهم في الدنيا ومنذ أن يعوا كانوا وظلوا منغمرين في أسباب الحياة على مختلف أشكالها وأبعادها دائبين على العمل بدون انقطاع متحملين لمختلف النتائج وقلّما يتوقفون ليتساءلوا عما إذا كانوا مسيرين أو مخيرين ولا يمنعهم هذا لو وقع عن الاستمرار والانغمار في العمل والحياة. ولا يصح أن يشكّ أحد في أن هذا هو مظهر من مظاهر إرادة الله وتقديره وتيسيره وحكمته السامية. ولقد أمر القرآن في آيات عديدة الإنسان بالعمل الذي سوف يراه الله ويجازيه عليه وقرر أن الله خلق الموت والحياة وجعل ما على الأرض زينة لها وخلق الناس ليبلوهم أيهم أحسن عملا وجعل الأرض ذلو لا ليمشوا في مناكبها ويأكلوا من رزقه فيها وأنه جعلهم فيها خلائف ورفع بعضهم فوق بعض درجات ليبلوهم فيما آتاهم وأنه لو شاء لجعلهم أمة واحدة ولكن ليبلوهم فيما آتاهم وعليهم أن يتسابقوا إلى الخيرات مما هو منبثّ في كثير من السور ولا يحتاج إلى

تمثيل حيث يبدو أن حكمة التنزيل قد شاءت أن تنبّه الإنسان إلى أنه وقد وجد في الحياة مكلف بالاندماج فيها دون تساؤل لا طائل وراءه ومكلف بعمل أحسن العمل في حياته أي كل ما فيه الخير والبرّ والعدل والإحسان والحق وإلى أنه بذلك فقط يكون قد حقق حكمة الله في خلقه ووجوده وأدرك هذه الحكمة. ولقد احتوت بعض الأحاديث النبوية التي أوردناها حلو لا ومعالجات حكيمة لهذه المسألة يحسن الوقوف عندها كذلك. فمع تقريرها لتلك الحكمة المتصلة بذات الله وأزليته وأبديته وشمول علمه وقدرته ومشيئته نهت عن النقاش والجدل فيها وأمرت الناس بالعمل دون القول. إن الأمور مقدّرة سابقة ونهت عن (اللو) التي تفتح الطريق لوساوس الشيطان. ولقد مرّ في السور السابقة تلقينات مماثلة وسيأتي كثير من مثل ذلك في السور الآتية إن شاء الله. والله تعالى أعلم. وبعض الأغيار يأخذون على الإسلام عقيدة القدر. ويزعمون أن المسلمين مستسلمون لها وأنها لذلك من المثبطات للنشاط والمسببات للخمول والتواكل. ومع أن المسألة ليست إسلامية وحسب وإنما هي عالمية وجدت وما تزال في مختلف النحل والملل والأفكار والأدوار كما قلنا ومع أن الذين يستسلمون لها من المسلمين جزافا وإطلاقا لا يفعلون ذلك عن فهم لمدى التلقين القرآني والنبوي فيها وإنما يفعلون ذلك عن جهل. ومع أنها ليست مطلقة في الإسلام وأن قابلية الإنسان وقدرته على الكسب والتمييز والاختيار وحثّه على كل ما فيه الخير والصلاح وإيذانه بقابليته وتحميله مسؤوليته من المبادئ المحكمة المكررة في القرآن والحديث فإن مأخذهم ذلك على المسلمين في أي مدى كان هو في غير محلّه بل عكسه هو الأصح من حيث إنها تدفع المسلم إلى الإقدام والتضحية على اعتبار أنه لن يصيبه إلّا ما كتب له وإن ما لم يكن مكتوبا عليه لن يصيبه في حال وإن هو مكتوب عليه سيصيبه على أي حال. وإن ما هو مقدّر عليه مغيّب. ليس من شأنه أن يمنعه من الاستجابة للأوامر والتلقينات القرآنية والنبوية في العمل والكسب والضرب في الأرض وبذل كل جهد في الانتفاع بقوى الكون ونواميسه وطلب العلم على مختلف مستوياته واتخاذ الأسباب للتمكن في الأرض ونشر دين الله

والتسابق في الخيرات والجهاد في سبيل الله وتقواه والاستمتاع بطيبات الرزق والزينة التي أخرج الله لعباده إلخ ... فإن أصاب خيرا ونجاحا فيكون قد حصل المقصود وإن لم يكن فلا يكون قد خسر شيئا لأن ذلك هو المقدّر أي أنه حتى لو اعتقد كون كل ما يقع منه أو عليه مقدرا فإن هذا يجعله لا يتوانى عن العمل لأن هذا العمل هو قدر أيضا ولعل آيات سورة الحديد هذه: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (23) قد هدفت إلى مثل هذه المعالجة في حالة إخفاق المسلم في ما يباشره من عمل أو التعرّض للمؤذي من الأحداث. وهكذا يصحّ أن يقال إن التلقينات القرآنية والنبوية قد عالجت هذه المعضلة على مختلف صورها معالجة لا يماثلها بل لا يدانيها أية معالجة أخرى من بابها. ولسوف ننّبه في ما يأتي على الشواهد الكثيرة المؤيدة لذلك. والله تعالى أعلم.

سورة ص

سورة ص في السورة حكاية لمواقف الكفار ومعارضتهم للنبي صلّى الله عليه وسلّم، وحمله عليهم. وتذكير لهم بأمثالهم. وفيها سلسلة متعددة الحلقات في قصص الأنبياء دون أقوامهم في معرض التسلية والتذكير والتنويه. وفيها قصة آدم والملائكة وإبليس. وقد تخللها مواعظ وتلقينات بليغة وتقريرات عن مهمة النبي عليه السلام وعموم رسالته. وفصول السورة وآياتها مترابطة منسجمة ومتوازنة مما يدلّ على وحدة نزولها أو تلاحق فصولها في النزول. وفيها قرائن على صحة ترتيب نزولها وبخاصة بعد سورتي القمر وق. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة ص (38) : الآيات 1 الى 11] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (2) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (3) وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (6) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (7) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (8) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (10) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (11) . (1) ذي الذكر: الذي فيه التذكير والذكرى أو ذي الشأن والرفعة.

(2) في عزّة: في اعتزاز واستكبار. (3) شقاق: خلاف أو مشاقة وعناد ومعارضة. (4) قرن: بمعنى قوم أو جيل من الناس. (5) لات حين مناص: لا مهرب حينئذ ولا مخلص. (6) عجاب: بليغ في العجب أو في إثارة العجب. (7) الملأ: الزعماء ووجهاء القوم. (8) أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد: قيل إن معناها أنه يراد بالدعوة النبوية مصلحة غير مصلحتنا وتحويلنا عن آلهتنا فانصرفوا عنها وتمسكوا بآلهتكم. وقيل إن معناها أن الصبر على آلهتكم والتمسك بها هو الشيء المطلوب منكم، والمعنى الثاني هو الأوجه المتسق مع العبارة. (9) الملّة الآخرة: أوجه الأقوال فيها أنهم أرادوا الملّة التي أدركوا عليها آباءهم. (10) الأسباب: هنا بمعنى وسائل العروج والصعود إلى السماء. والآية [9] في مقام التحدي للكفار. فإن كان لهم ملك السموات والأرض فليصعدوا إلى السماء. (11) جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب: جند هنا بمعنى فريق، وفي الآية توكيد بهزيمة فريق من الأحزاب، والمقصود حزب المكذبين. قال بعض المفسرين في حرف «ص» إنه بسبيل وصف صدق النبي، وقال بعضهم من المصادّة أو الصدّ وقال بعضهم إنه من أسماء الله الحسنى. وقال بعضهم إنه حرف من نوع الحروف المنفردة التي بدأت بها السور الأخرى للاسترعاء «1» . وهو ما نراه الأوجه، قد أعقبه قسم بالقرآن وهو الأسلوب الذي جرى عليه النظم القرآني في معظم مطالع السور المماثلة. أما جواب القسم فقد تعددت فيه الأقوال. فقيل إنه الآية الثانية. وقيل إنه الآية الثالثة. وقيل إنه محذوف تقديره «إن

_ (1) انظر تفسير الآيات في الطبري والزمخشري والبغوي والطبرسي.

ما يتلى هو صدق وحق» وعلى كل حال فالعبارة واضحة بأن القسم في معرض توكيد صدق النبي صلّى الله عليه وسلّم وكذب الكفار وقبح موقف الاستكبار الذي يقفونه. والآيات تحكي موقف زعماء الكفار من النبي صلّى الله عليه وسلّم ودعوته وما بدا منهم من استكبار عنها واستغراب للدعوة إلى وحدة الإله بخاصة واختصاص النبي عليه السلام من دونهم بالوحي، ونعتهم إياه بالسحر والكذب والاختلاق وتوصيتهم الناس بالثبات على عقائدهم التي ورثوها عن الآباء وتندّد بهم وتذكرهم بالأقوام السابقين الكثيرين الذين أهلكهم الله فنادوا واستغاثوا فلم يكن لهم مهرب ولا مغيث. وتتحداهم بأسلوب استنكاري ساخر إذا كان عندهم خزائن رحمة الله حتى يكونوا مطمئنين، أو إذا كان لهم ملك السموات والأرض وما بينهما حتى يستطيعوا أن ينجوا من عذاب الله وتنذرهم بالهزيمة في النهاية. وهي قوية نافذة في ردّها وإنذارها وتنديدها وتحديها، وقد روى المفسرون أن الآيات نزلت بمناسبة مراجعة رهط من زعماء قريش لأبي طالب عمّ النبي صلّى الله عليه وسلّم وقولهم له إن ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل ويقول ويقول: فلو بعثت إليه؟ فجاء النبي صلّى الله عليه وسلّم فدخل فجلس فقال له أبو طالب أي ابن أخي ما بال قومك يشكونك يزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول. وأكثروا عليه القول وتكلّم رسول الله فقال: يا عم إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية، ففزعوا لكلمته ولقوله فقالوا كلمة واحدة؟ نعم وأبيك عشرا. فقالوا: وما هي؟ قال: «لا إله إلّا الله» فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: أجعل الآلهة إلها واحدا! إن هذا لشيء عجاب. فنزلت الآيات. وهذه الرواية ونصها ورد في سياق تفسير الآيات في تفسير ابن كثير عزوا إلى الترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير، والمفسرون الآخرون يشيرون إلى نزولها في هذه المناسبة مع بعض التغاير «1» ، وعلى كل حال فإن مضمون الآيات يلهم أنها

_ (1) انظر تفسير الطبري والزمخشري والخازن والبغوي والطبرسي. وقد أورد مؤلف التاج حديث الترمذي معزوّا إلى ابن عباس وهو مقارب لما رواه المفسرون. (التاج ج 4 ص 196) .

تعليق على مدى ما انطوى في جملة أأنزل عليه الذكر من بيننا

نزلت في مناسبة مشهد من مشاهد الجدل والحجاج بين النبي صلّى الله عليه وسلّم وبعض زعماء الكفار. ولقد انطوى فيها تلقينات جليلة مستمرة المدى، منها تقبيح المماراة في الحق اندفاعا وراء الهوى واعتدادا بالنفس وتعمدا للشقاق والمعارضة، ومنها تقبيح التمسك بالتقاليد الموروثة على علاتها، ومنها إيجاب مقابلة كل فكرة أو دعوة جديدة بالتدبّر والتروي واتباع ما يكون فيه حقّ وخير وصلاح مهما كان مغايرا للقديم. تعليق على مدى ما انطوى في جملة أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا والمعنى المنطوي في جملة أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا تكرر في آيات أخرى بأسلوب آخر حيث حكت إحدى آيات سورة فاطر أن من المشركين من كان يحلف أنهم إذا ما جاءهم نذير منهم يتبعونه حتى يكونوا أهدى من الأمم الأخرى ثم استكبروا لما بعث محمد صلّى الله عليه وسلّم نذيرا كما ترى في هذه الآيات: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً (42) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: 42- 43] وحيث حكت آيات في سورة الزخرف قولهم إن القرآن كان يجب أن ينزل على أحد زعماء مكة أو الطائف واستكبارهم لما نزل على محمد صلّى الله عليه وسلّم كما ترى في هذه الآيات: وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (30) وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف: 30- 32] وحيث يبدو أن اختصاص النبي بالوحي ولم يكن من الزعماء والأغنياء كان من العوامل الهامة في حمل الزعماء أو بعضهم على الأقل على مناوأته والصدّ عن دعوته.

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (1) (12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (13) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (14) وَما يَنْظُرُ (2) هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (3) (15) وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا (4) قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (16) [12- 16] . (1) ذو الأوتاد: الراجح أن المقصود منها الأهرام التي كانت كالجبل. والقرآن استعمل الكلمة في معنى الجبال، ومن ذلك آية في سورة النبأ: وَالْجِبالَ أَوْتاداً (7) . (2) ينظر: ينتظر. (3) فواق: رجوع. (4) قطنا: قسطنا ونصيبنا. الآيات متصلة بالسياق اتصال تعقيب وتذكير وإنذار كما هو واضح حيث ذكرت بعض الأقوام الذين أشارت الآيات السابقة إشارة خاطفة إليهم وكيف أن الله أهلكهم دون أن يجدوا مغيثا ولا مهربا وقررت أن كل من كذّب في السابق استحقّ عذاب الله وأن مكذبي النبي صلّى الله عليه وسلّم لن يلبثوا حتى تأخذهم الصيحة التي لا فواق لهم بعدها ولا رجوع. أما الآية الأخيرة فقد حكت قولا ساخرا من أقوالهم، فيه استخفاف وتحدّ، جوابا على ما ينذرهم النبي صلّى الله عليه وسلّم من العذاب، فطلبوا من الله أن يعجّل بعذابهم في الدنيا قبل الآخرة، وهذه صورة جديدة من مواقفهم تكررت منهم وتكررت حكايتها عنهم في القرآن كما جاء في آية سورة الرعد هذه: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (6) وفي آية سورة الحج هذه: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) .

ومع هذا التأويل للآية الذي قال به غير واحد من المفسرين فهناك من أوّلها بأنها حكاية لطلبهم جميع حظوظهم وما يبشرون به من الجنة الأخروية في الدنيا وحسب بأسلوب السخرية والتحدي من حيث إنهم يجحدون الحياة الأخروية «1» . ولا يخلو هذا التأويل من وجاهة أيضا. ولقد روى الطبري في سياق الآية [15] حديثا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم رواه أبو هريرة أن الصيحة تعني النفخ بالصور. وقد أوردنا هذا الحديث في سياق تفسير سورة المدّثر وعلّقنا عليه بما فيه الكفاية فنكتفي بهذه الإشارة. والأقوام المذكورون في الآيات قد ذكروا في السور السابقة ذكرا عابرا حينا وبشيء من البيان حينا، والأسلوب هنا كما هو في السابق أسلوب إنذار وتذكير، وهو الهدف الجوهري في القصص القرآنية على ما قررناه في المناسبات السابقة، التي ذكرنا فيها ما اقتضاه المقام من تعريف وبيان. وليس في ما جاء عنهم هنا ما يتحمل تعليقا جديدا. اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ (1) إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (2) (19) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (3) (20) وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ (4) إِذْ تَسَوَّرُوا (5) الْمِحْرابَ (6) (21) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ (7) وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (22) إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها (8) وَعَزَّنِي (9) فِي الْخِطابِ (23) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ (10) نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ (11) لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ (12) داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ (13) فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ (24) فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى (14) وَحُسْنَ مَآبٍ (15) (25) يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً

_ (1) انظر الطبري.

فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (26) وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (29) [17- 29] . (1) ذا الأيد: ذا القوّة. (2) كل له أوّاب: كل مسبّح معه منقاد ومطيع له. (3) فصل الخطاب: بمعنى القول الفصل المصيب أو القضاء العادل المصيب. (4) الخصم: المتخاصمون أو المتنازعون في قضية. (5) تسوروا: صعدوا من على السور. (6) المحراب: مكان الاعتكاف والعبادة. ومما قيل إن معنى الكلمة المكان الذي يحارب دونه لعزّته أو قداسته. (7) لا تشطط: لا تبتعد ولا تنحرف عن الحق. (8) أكفلنيها: ضعها تحت يدي أو تحت كفالتي والمقصود تخلّ لي عنها. (9) عزني: شدّد عليّ وغلبني. (10) سؤال: هنا بمعنى طلب. (11) الخلطاء: الشركاء. (12) ظنّ: هنا بمعنى أدرك وتيقن. (13) فتنّاه: امتحنّاه. (14) زلفى: مكانة أو قربى. (15) حسن مآب: حسن مقام ومرجع. وجّه الخطاب في أول هذه الآيات إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم تأمره بتحمل ما يقول الكفار

تعليق على سلسلة قصص الأنبياء وهدفها

والصبر عليه وبذكر عبد الله داود الذي آتاه الله القوة والملك والحكمة وفصّل الخطاب وسخّر له الجبال والطير يسبّحن معه وكلّ طائع منقاد له وهو مع ذلك أوّاب مطيع لله عزّ وجلّ. ثم قصّت قصة الخصم الذي دخل على داود من فوق السور ليتقاضوا عنده في قضية فيها امتحان رباني لداود وعقّبت عليها بتعقيبات واضحة العبارة لا تحتاج إلى بيان آخر. تعليق على سلسلة قصص الأنبياء وهدفها وهذه الآيات حلقة من سلسلة طويلة ذكر فيها عدا داود عليه السلام أنبياء الله سليمان وأيوب وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل واليسع وذو الكفل عليهم السلام دون أقوامهم. وقد ذكر بعضهم باقتضاب وبعضهم بشيء من التفصيل حسب ما اقتضته حكمة التنزيل. والآية الأولى تصل بين هذه الآيات والآيات السابقة لها سياقا وموضوعا. فصور التكذيب واللجاج التي احتوتها الآيات السابقة من شأنها أن تحدث في نفس النبي صلّى الله عليه وسلّم مرارة وحزنا فأعقبتها أولا إشارة خاطفة في معرض الإنذار والتذكير إلى الأقوام الذين كذّبوا أنبياءهم، ثم جاءت هذه السلسلة لتسلي النبي صلّى الله عليه وسلّم وتخفف عنه ما يجده، فتحثّه على الصبر على ما يقول الكفار من جهة، وتخبره مذكرة أنه إذا وقف هؤلاء من دعوته هذا الموقف المرّ المحزن فإن هناك أناسا أخلصوا لله كل الإخلاص وأنابوا إليه كل الإنابة في حالات سرّائهم وضرّائهم وقوّتهم وضعفهم. ومنهم من وصل إلى ذرى القوة والملك كداود وسليمان فلم تبطرهم القوة. ومنهم من وصل إلى أشدّ حالات البلاء، كأيوب فلم يزغه البلاء. وقد صبروا على امتحان الله الصبر الجميل وكانوا في كل امتحان يبادرون إليه نادمين منيبين مستغفرين فاستحقوا برّه ورحمته وتكريمه والمزيد من نعمه ومنحه. وهي تدعوه إلى الصبر على ما يلقاه من عناد ومناوأة وتكذيب والتأسي بمن سبقه من أنبياء الله وتبشيره بما سوف يكون له من برّ الله ورحمته وتكريمه والمزيد من نعمه ومنحه مثل ما كان الجز الثاني من التفسير الحديث 20

لهم. وقد انتهت الحلقة الأولى بالتنويه بالقرآن الكريم المبارك وكون الله قد أنزله على نبيه ليتدبّر السامعون آياته ويتذكّر أولو الألباب منهم فيهتدوا وينيبوا. وهكذا يتسق هدف القصص القرآنية الذي نبهنا عليه سواء أكان قصص أنبياء مع أقوامهم أم قصص أنبياء لحدّتهم، وهو التدعيم والعظة والعبرة والدعوة إلى التأسي. وقد جاءت هذه السلسلة بعد حكاية ما كان من مواقف الكفار والمكذبين وعنادهم. وهو ما جرى عليه النظم القرآني على ما ذكرناه في مناسبات سابقة. وداود يذكر لأول مرة هنا. وقد تكرر ذكره بعد ذلك، كما أن سيرته واردة بشيء من الإسهاب في بعض أسفار العهد القديم «1» . وهناك سفر خاص منها يعرف بالمزامير، فيه استغفار وتمجيد وتقديس وابتهالات لله يعزى أكثر فصوله إلى داود. والراجح أنها هي الزبور الذي اقترن في القرآن باسم داود وذكر أن الله آتاه إياه كما جاء في آيات قرآنية عديدة منها آية النساء [163] التي فيها هذه الجملة: وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (163) . أما ملخص ما ورد في أسفار العهد القديم المتداولة اليوم من سيرته فهو أن جدته لأبيه مؤابية وأنه كان بارعا في الضرب على الكنارة وأنه بارز جالوت قائد الفلسطينيين وقتله وصار من رجال الملك طالوت وأن هذا خاف منه على ملكه وصار يطارده ويتربص به ليقتله فالتجأ إلى الفلسطينيين وكان يحارب معهم. ولما مات طالوت بايعه فريق من بني إسرائيل ملكا في حبرون ثم صار ملكا على جميع بني إسرائيل واتخذ بيت المقدس التي كانت تسمّى أورشليم وكانت من قبل تسمى (يبوس) عاصمة له ونشبت بينه وبين الفلسطينيين الذين كان لهم ممالك عديدة في جنوب فلسطين وبينه وبين العمونيين والمؤابيين في شرق الأردن وبينه وبين الآراميين في سورية حروب انتصر فيها وصار سلطانه واسعا قويا في الشطر الأول

_ (1) هي سفر صموئيل الأول وصموئيل الثاني والملوك الأول وأخبار الأيام الأولى في الطبعة البروتستانتية وأسفار الملوك الأول والثاني والثالث وأخبار الأيام الأولى في الطبعة الكاثوليكية.

تعليق على قصة الخصم الذي تقاضى أمام داود وتلقيناتها

من عهده. وتمرد عليه ابن له كما تمرد عليه متمردون آخرون فأدى ذلك إلى اضطراب حالة ملكه وانكماشه في الشطر الثاني من عهده «1» . تعليق على قصة الخصم الذي تقاضى أمام داود وتلقيناتها وقصة صاحب الغنم الكثيرة الذي طمع في النعجة الوحيدة التي يملكها فقير والتي وردت الإشارة إليها في الآيات، قد وردت في سفر صموئيل الثاني (الطبعة البروتستانتية) وخلاصة ما جاء في هذا السفر أن داود عليه السلام رأى زوجة أحد رجال جيشه واسمه أوريا عارية على سطح بيتها المجاور لبيته فأعجبته فأحضرها واضطجع معها وكان زوجها في جبهة حربية فلما عاد وشعر بذلك امتنع عنها فأرسله داود إلى الجبهة ثانية وأوعز للقائد بأن يجعله في وجه الموت حتى يقتل فلما قتل، وأرسل القائد يخبر داود بذلك تزوج بامرأته وقد ذكر السفر أن الله أرسل نبيا اسمه ناتان إلى داود فحكى له قصة طمع الرجل الغني الكثير البقر والغنم في نعجة الفقير، فقال داود إن هذا الرجل يستحق الموت فقال له ناتان أنت هو هذا الرجل، لأنك قتلت أوريا وتزوجت بامرأته وعاتبه عتابا شديدا بلسان الله على خطيئته البشعة برغم ما يسّره له وأغدقه عليه من نعمه الكثيرة وأنذره بإثارة الشرّ من بيته ودفع أزواجه إلى غيره فيدخل عليهن جهارا في عين الشمس وعيون بني إسرائيل فقال داود قد خطئت للرب، فقال له ناتان إن الربّ أيضا قد نقل عنك خطيئتك فلا تموت أنت ولكن الابن الذي يولد لك يموت. والآيات وإن كانت خلت من هذه التفاصيل فإن فيها إشارات خاطفة متسقة معها حيث ذكرت أن داود قد أدرك أن الله امتحنه بسبب خطيئة له فاستغفر ربّه وخرّ راكعا وأناب فغفر الله له. والمرجح أن من سامعي القرآن العرب، من كان يعرف قصص داود كليا أو

_ (1) انظر تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم ص 100- 113.

جزئيا، لأن أسفار العهد القديم التي وردت فيها كانت متداولة بين أيدي الكتابيين وبخاصة اليهود الذين كان منهم جالية كبيرة في الحجاز في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم على ما ذكرناه في مناسبات سابقة ولقد أورد المفسرون في سياق هذه الآيات بيانات كثيرة عن داود وملكه وخطيئته وتوبته في بعضها تطابق مع ما جاء في الأسفار وفي بعضها مباينة له وفي بعضها إغراب عجيب «1» ومما يؤيد على كل حال ما قلناه من معرفة أهل بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم قصص داود وما كان يضيفه اليهود إليها من حواش. وربما كان عندهم أسفار وقراطيس أخرى فيها تفصيلات وزوائد لم ترد في الأسفار المتداولة اليوم. وننبه على أمر هام بالنسبة للأسلوب القرآني في قصص الأنبياء. فإنه جرى بصورة عامة على ذكر الأنبياء السابقين بأسلوب تكريمي وتنويهي وعتابي ولم يحتو ما احتوته بعض أسفار العهد القديم عن بعض الأنبياء المذكورين فيها مثلا من تهم وقصص فاحشة. وعلى المسلم أن يحتذي هذا الحذو ولا يتجاوز نطاقه لأن الإيمان بأنبياء الله واحترامهم وتنزيههم ركن من أركان العقيدة الإسلامية على ما جاء في آيات كثيرة منها آية سورة البقرة هذه: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ ... [177] وقد وصف الأنبياء المذكورون في القرآن ومنهم طائفة أخرى ذكروا في سورة (ص) التي نحن في صدد تفسيرها بوصف عباد الله والصالحين والصابرين والأخيار وذوي الزلفى عند الله. ويجب على المسلم أن يذكر إلى هذا أن الأسفار المتداولة اليوم قد كتبت بأقلام بشرية وبعد الأحداث المذكورة فيها بمدة ما وأن من المحتمل كثيرا بل من المؤكد أنها اختلطت بالخيال والمبالغة وتعرضت للتحريف والتشويه المقصود وغير المقصود. وعليه أن يلاحظ حقيقة أخرى تبدو من الإمعان في قصص الأنبياء وهي أن أسلوب هذه القصص في القرآن ليس أسلوب سرد للأحداث وتدوين لها كما هو شأنها في الأسفار المتداولة

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري والبغوي والقرطبي والخازن وابن كثير مثلا.

تعليق على ما احتوته الآية يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق إلخ من تلقين وما ورد في صدد ذلك من أحاديث

بل توخى فيه الوعظ والتذكير والتدعيم وفاقا لهدف القصص القرآني بصورة عامة. وبالنسبة لأسلوب قصة الخصم التي نحن في صددها يلحظ بالإضافة إلى قصد بيان ما كان من إنابة داود عليه السلام ذي الملك والسلطان لله تعالى واستغفاره عن خطيئة ارتكبها ليكون في ذلك العبرة والتسلية فقد انطوى فيه عظات بالغات حيث قام موضوع الخصومة فيه على الشكوى من طمع الأغنياء وأصحاب الحول والطول بما عند الفقراء والضعفاء وحيث احتوى تصويرا قويا لبشاعة الطمع وتسفيها لأصحابه وتنفيرا منه ووصفه بالظلم والبغي وتنويها بالذين يجانبونه ويلتزمون حدودهم، ويحترمون حدود الآخرين وحقوقهم أيضا مما فيه تلقين عام مستمر المدى. وفيه بالإضافة إلى ذلك عظة وتلقين للحكام وأصحاب السلطان بخاصة على ما هو المتبادر حيث توجب أن يكونوا القدوة الصالحة للناس، وأن ينتبهوا لكل هفوة قد تبدر منهم ليبادروا إلى إصلاحها والرجوع عنها والوقوف عند حدود الله ومراعاة الحق والعدل والإنصاف بكل دقة. وفي استثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من البغي لفتة تنويهية للمؤمنين الصالحين. فإيمانهم وسلوكهم المستقيم المستمد منه يزعهم عن البغي والظلم وتجاوز حدود الله. تعليق على ما احتوته الآية يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ إلخ من تلقين وما ورد في صدد ذلك من أحاديث والخطاب في الآية [26] وإن كان موجها إلى داود عليه السلام فإن فيه بطبيعة الحال خطابا عاما لأولي الحكم والأمر في الناس بوجوب الحكم بالحق وعدم الزيغ مع الهوى لما في الزيغ من مجانبة الحق والعدل، ثم من ضلال عن سبيل الله. ولما في صدور ذلك من هذه الطبقة خاصة من ضرر مضاعف وإثم مشدّد وخطر أوكد على مصالح الناس. فهم بمثابة خلفاء الله في أرضه وعباده وعليهم أن يرعوا حقوق الله وحدوده فيهم.

ولقد ورد في إحدى آيات سورة الممتحنة ما يفيد أن شرط الطاعة لرسول الله أن يكون أمره فيما هو معروف أنه خير وصلاح كما ترى في هذا النص: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ [الممتحنة: 12] وفي إحدى آيات سورة الأنفال أمر للمؤمنين بالاستجابة إلى الرسول إذا ما دعاهم لما يحييهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ ... [24] . ورسول الله لا يمكن أن يأمر إلّا بما هو خير ولا يدعو إلّا إلى ما فيه حياة حيث يبدو في الأوامر القرآنية قصد تعليم وتقرير مبدأ الأمر والطاعة بين أولي الأمر والرعية وهو واجب الطاعة والاستجابة لأولي الأمر في كل ما فيه معروف وحياة بصورة عامة وحسب وهو ما عبر عنه بالقاعدة المشهورة (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) وما ورد فيه حديث رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحبّ أو كره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» «1» . مع التنبيه على أن المتبادر والمستلهم من الحديث أن يكون ذلك واضحا مشهورا لا غموض فيه بالنسبة للجمهور أو لأكثر أهل العلم والحلّ والعقد وأن لا يكون رهنا باجتهادات فردية. ولقد روى الترمذي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ أحبّ الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم منه مجلسا إمام عادل. وأبغض الناس إلى الله وأبعدهم منه مجلسا إمام جائر» «2» . وروى الخمسة عن ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ألا كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته. فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية على أهل بيت

_ (1) التاج ج 3 ص 40. (2) المصدر نفسه ص 42- 45، وابن كثير روى الحديث الأول بزيادة في آخره وهي «وأشدّهم عذابا» .

زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه ألا فكلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيته» «1» . وروى الشيخان عن معقل بن يسار أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلّا حرّم الله عليه الجنة» «2» . وروى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنما الإمام جنّة يقاتل من ورائه ويتّقى به فإن أمر بتقوى الله عزّ وجلّ وعدل كان له بذلك أجر وإن يأمر بغيره كان عليه منه» «3» . وروى مسلم عن عائشة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «اللهمّ من ولي من أمر أمتي شيئا فشقّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به» «4» . وروى الترمذي عن معاوية أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ما من إمام يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلّة والمسكنة إلّا أغلق الله أبواب السماء دون خلّته وحاجته ومسكنته» «5» . وروى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظله الإمام العادل وشابّ نشأ بعبادة الله ورجل قلبه معلّق في المساجد، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه. ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» «6» . وروى مسلم والنسائي عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عزّ وجلّ وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» «7» . حيث يتساوق التلقين النبوي في هذا الأمر الخطير مع التلقين القرآني كما هو الشأن في كل أمر.

_ (1) التاج ج 3 ص 42- 45. (2) المصدر نفسه. [.....] (3) المصدر نفسه. (4) المصدر نفسه. (5) المصدر نفسه. (6) المصدر نفسه. (7) المصدر نفسه.

تعليق على تسخير الجبال والطير يسبحن مع داود

تعليق على تسخير الجبال والطير يسبّحن مع داود وفي صدد ما جاء في الآيتين [18 و 19] اللتين ذكر فيهما تسخير الجبال وحشر الطير لداود عليه السلام وتسبيحهن معه نقول: إن ذكر ذلك قد تكرر مرة ثانية في سورة سبأ بصيغة تختلف قليلا وهي: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) وإن أكثر المفسرين اكتفوا بالقول إن الله قد سخّر الجبال وحشر الطير لداود يسبّحن معه أو يرجعن تسبيحه وأوّلوا جملة أَوِّبِي مَعَهُ بمعنى سبحي معه أو رجّعي تسبيحه، وبعضهم زاد فقال: إن الله خلق فيها حياة ونطقا «1» ومما قاله الطبري كان إذا سبّح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير. ومما قاله ابن كثير إن الله منح داود عليه السلام صوتا عظيما فكان يسبّح به عند شروق الشمس وغروبها فتسبّح معه الجبال الراسيات وتقف له الطيور السارحات الغاديات الرائحات وتجاوبه مسبّحة معه بأنواع اللغات «2» ، ومما قاله القاسمي «3» إنه كان لصوت داود الحسن دويّ في الجبال وحنين من الطيور إليه وترجيع، ومع ما في كلام المفسرين من وجاهة فإن ظاهر الآيات يدلّ على أن ذلك امتياز خصّ الله سبحانه به داود عليه السلام. ومن الجدير بالذكر أن تسبيح الجبال والطير مع داود وتسخيرهما لم يرد في أسفار العهد القديم المتداولة اليوم التي روت سيرة داود بشيء من الإسهاب على ما ذكرناه قبل. وهذا لا ينفي أن يكون ذلك واردا في أسفار وقراطيس كان اليهود يتداولونها في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم ثم فقدت. ولقد كان القرآن يتلى علنا ويسمعه أهل الكتاب ولا يمكن أن يكون ذلك جزافا. وفي كتب التفسير بيانات مروية عن علماء الصدر الإسلامي الأول تدور في نطاق ما جاء في الآيات حيث يمكن أن يدلّ هذا

_ (1) انظر تفسير آيات ص وسبأ في تفسير الطبرسي والخازن والزمخشري والبغوي والطبري. (2) انظر تفسير الآيات في تفسير ابن كثير والقاسمي. (3) انظر المصدر نفسه.

تلقينات آية وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ... إلخ

على أن ما جاء في القرآن كان متداولا في بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم وليس لذلك مصدر إلّا الكتابيون وأسفارهم. ولقد جاء في سيرة داود في سفر الملوك الأول المسمّى في النسخة البروتستانتية بصموئيل الأول من الأسفار المتداولة اليوم أن داود كان يحسن الضرب على الكنارة كما وصف داود في بعض المزامير المنسوبة إليه وهو المزمور (35) بإمام الغناء عبد الربّ داود، مما يمكن أن يستأنس به على ذلك. والمتبادر أن الهدف الذي استهدفه القرآن من ذكر ذلك هو تسلية النبي صلّى الله عليه وسلّم وتثبيته على ما ذكرناه في مطلع الكلام. تلقينات آية وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ... إلخ وصيغة الاستنكار والتوكيد التي صيغت بها الآية [27] تتضمن كما هو واضح معنى الاستنكار والتسفيه لظنّ الكفار بأن الله قد خلق السماء والأرض وما بينهما باطلا واطمئنانهم به واندفاعهم بتأثيره وراء الفساد والفجور ثم معنى التوكيد على مصيرهم الرهيب يوم القيامة، ولقد تكرر هذا في سور عديدة أخرى مثل هذه الآيات في سورة الدخان وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (38) ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (39) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) وهذه الآية في سورة المؤمنون: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (115) وهذه الآيات في سورة الأنبياء: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) مما يدل على أن حكمة التنزيل اقتضت توكيد ذلك بخاصة للكفار الفجار المطمئنين بالدنيا واللاهين عن الآخرة والمنحرفين عن الله وآياته نتيجة لذلك، وفي هذا ما فيه من تلقين تهذيبي وإيقاظي مستمر.

تعليق على كلمة كتاب

والآية تضمنت تقريرا قرآنيا محكما بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات: إنما يفعلون ذلك باختيارهم وكسبهم، كما أن المفسدين الفجّار إنما يرتكبون جرائمهم ويسيرون في طريق الغواية باختيارهم وكسبهم أيضا حيث تقرر أنه لا يمكن أن يكون الفريقان في مركز واحد وأن يعاملا معاملة واحدة أو أن يترك الصالحون المتقون والمفسدون الفجّار وشأنهم بدون حساب ولا جزاء إذ أن هذا يكون عبثا وباطلا في حين أن الله سبحانه لم يخلق الكون عبثا وباطلا. تعليق على كلمة كِتابٌ وكلمة كِتابٌ ترد هنا لأول مرة، والأصل في معناها الشيء المكتوب، وقد أطلقت في القرآن على القرآن وعلى الكتب المنزلة كما أطلقت على أعمال الناس وعلى علم الله أيضا، ومن أمثلة إطلاقها على القرآن الآية التي نحن في صددها، ومن أمثلة إطلاقها على الكتب المنزلة آية سورة المائدة هذه: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ... [48] ومن أمثلة إطلاقها على أعمال الناس آية سورة الانشقاق هذه: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (8) وآية سورة الكهف هذه: وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49) ومن أمثلة إطلاقها على علم الله آية سورة الروم هذه: وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (56) . وبما أن القرآن لم يكن تاما حينما نزلت هذه الآية التي عنت كلمة الكتاب فيها القرآن فيمكن أن يقال إن الكلمة تطلق على جميع القرآن كما تطلق على جزء منه، وإن شأنها في هذا شأن كلمة القرآن تماما على ما شرحناه في سياق تفسير سورة المزمل، بما في ذلك دلالتها في الأصل، مثل القرآن على القسم الذي

تعليق على آية كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب

يحتوي مبادئ الدعوة وأسسها الإيمانية والأخلاقية والاجتماعية والإنسانية. ومن الأدلة على ذلك الآية التي نحن في صددها وآيات سورة العنكبوت هذه: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) وآيات سورة البقرة هذه: الم (1) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2) ثم صار يطلق على جميع الآيات القرآنية على ما تفيده آية سورة آل عمران هذه: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [7] . ومع أن كلمتي القرآن والكتاب قد وردتا في القرآن مترادفتي المعنى في تسمية كتاب الله المجيد أو التنويه به، فإنهما اجتمعتا في آية واحدة أكثر من مرة أيضا، كما جاء ذلك في آية سورة الحجر هذه: الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (1) وفي آية سورة النمل هذه: طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (1) . مما يمكن أن يسوغ القول إنهما لم يردا في الآيتين على معنى الترادف التام. ولعله قصد بإيرادهما معا في آية واحدة الإشارة إلى معناهما الأصليين «المقروء المكتوب» ولما كانت الآيات والفصول القرآنية توحى إلى النبي صلى الله عليه وسلّم وحيا فيتلوها على الناس شفويا ويأمر بتدوينها في الوقت نفسه فإن الإشارة إليها بتعبير الكتاب يمكن أن تكون على اعتبار ما سوف يكون من أمرها بعد تبليغها قراءة وشفويا. واستعمال هذا التعبير ينطوي في ما هو المتبادر لنا على قرينة قوية بأن آيات القرآن وفصوله كانت تكتب على أثر وحيها. تعليق على آية كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ وفحوى الآية [29] التي احتوت كلمة كِتابٌ جدير بالتنويه. فالله سبحانه وتعالى أنزل كتابه المبارك على نبيه صلّى الله عليه وسلّم ليتدبّر السامعون آياته وليتذكر به أولو

العقول الواعية ويهتدوا. وينطوي في هذا دعوة إلى كل إنسان من كل جنس ولون ودين وطبقة من مسلمين وغير مسلمين، وتقرير بإمكان كل إنسان أن يتدبر آياته، وإيجاب على كل إنسان أيضا أن يفعل ذلك. وهكذا يؤذن الله عزّ وجلّ الناس جميعا أنه إنما أنزل كتابه على نبيه ليتدبروا آياته مؤكدا أن أولي الألباب الذين يتدبرون آيات هذا الكتاب المبارك المحكمات «1» اللاتي هن أمّ الكتاب، تدبر الواعي الراغب في الحق العازف عن المكابرة والعناد، البريء عن الزيغ، المتجنب اتّباع المتشابهات ابتغاء الفتنة سوف يتذكرون ويهتدون منه إلى الله عزّ وجلّ، فتتحرر نفوسهم، ويجدون فيه أفضل وأكمل نظام إنساني واجتماعي ضامن لسعادة الدارين. وفي هذا ما فيه من روعة وجلال. وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (1) (31) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ (2) عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (3) (32) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (4) (33) وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ (5) جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (34) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً (6) حَيْثُ أَصابَ (7) (36) وَالشَّياطِينَ (8) كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (9) (38) هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ (10) أَوْ أَمْسِكْ (11) بِغَيْرِ حِسابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (40) [30- 40] . (1) الصافات الجياد: الجياد هي الخيل الجيدة. والصافنات من الصفون الذي تعددت الأقوال في معناه والذي هو على ما يتبادر منها صفة مرغوبة في الخيل

_ (1) هذا مستلهم من إطلاق الكتاب في أول الأمر على قسم المبادئ والأسس الإيمانية والأخلاقية والاجتماعية والإنسانية التي جاءت الدعوة الإسلامية للتبشير بها على ما شرحناه في المتن قبل قليل.

تدل على قدرتها على الجري السريع وتحفزها له برفع إحدى يديها لتكون على طرف الحافر أو بقيامها على ثلاث قوائم وتكون رابعتها على طرف الحافر. (2) الخير: الكلمة بمعنى متع الحياة وهي هنا كناية عن حبّ سليمان للخيل الجياد. على ما هو مستلهم من روح الآيات. وقد ذكر الطبري ذلك عزوا إلى أهل التأويل وقال إن العرب كانوا يسمون الخيل بالخير أيضا. (3) توارت بالحجاب: كناية عن غروب الشمس على ما ذكره المفسرون. (4) فطفق مسحا بالسوق والأعناق: طفق بمعنى أخذ، ومسحا بمعنى ضربا بالسيف، والسوق جمع ساق، والأعناق جمع عنق. ومعنى الآية أنه أخذ يضرب بالسيف أعناق الخيل وسوقها لأنها شغلته عن ذكر ربه حتى غربت الشمس. (5) كرسيه: الجمهور على أن الكلمة هنا بمعناها المعتاد وهو السرير الذي يجلس عليه. (6) رخاء: ليّنة طيعة. (7) حيث أصاب: هنا بمعنى حيث قصد وأراد. (8) الشياطين: هنا بمعنى شياطين الجن من غير طبقة إبليس. (9) مقرّنين في الأصفاد: مقيّدين بالسلاسل والأغلال. (10) امنن: أعط وامنح. (11) أمسك: امنع ولا تعط ولا تمنح. هذه الآيات حلقة ثانية من السلسلة. وهي متصلة بالسياق كما هو واضح. ويتجلى فيها قصد التنويه بإخلاص سليمان وإنابته إلى الله وتوبته وامتحان الله له على عظم ملكه وسلطانه. وما كان من مدّ الله له بالقوة وشموله إياه بالعناية والتكريم بسبب ذلك. وكل هذا متصل بالهدف الذي استهدفته السلسلة على ما نبهنا عليه في مطلعها. وليس في عبارة الآيات غموض يحتاج إلى أداء آخر. وسليمان يذكر هنا لأول مرة. ثم يتكرر ذكره مرارا. وسيرته مسهبة في سفري الملوك الأول والثاني (الطبعة البروتستانتية) أو الثالث والرابع (الطبعة

الكاثوليكية) وفي سفر أخبار الأيام الثاني من أسفار العهد القديم. وهناك سفران من هذه الأسفار منسوبان إلى سليمان، اسم أولهما الأمثال، وثانيهما نشيد الأناشيد، فيهما أمثال وحكم ومواعظ بليغة. أما ما جاء في الآيات عنه فقد جاء مقتضبا وبأسلوب غير أسلوب أسفار العهد القديم من حيث إنه لم يكن لسيرته ذاتها وإنما كان للتدعيم والتنويه والعظة والعبرة والتسلية. وفي سور النمل وسبأ والأنبياء آيات أخرى تضمنت شيئا غير قليل من أخبار سليمان عليه السلام أيضا، فيها بعض ما جاء في هذه الآيات مع زيادة وتفصيل، وجاءت بنفس الأسلوب المستهدف للعظة والعبرة والتنويه والتدعيم كذلك، على ما سوف نشرحه في مناسباته. وفي أسفار العهد القديم المذكورة آنفا تروي سيرة سليمان أشياء كثيرة عنه تلخص بأنه كان يحكم معظم أرض فلسطين وبعض أنحاء شرق الأردن وأن السلم كان مخيّما على بلاده وأنه كان ملكا عظيما ذا أموال طائلة ومعادن وسفن وخيل، وأنه منح حكمة فاقت حكمة جميع بني المشرق ومصر وتكلّم بثلاثة آلاف مثل، وعن الأشجار والبهائم والطير والدبيب والسمك، وأن ملكة سبأ جاءت لزيارته واستماع حكمه وقدمت له هدايا ثمينة من عطور وذهب وحجارة كريمة، وأن ملوكا آخرين منهم ملوك من العرب هادوه بهدايا ثمينة. وأنه أنشأ في أورشليم معبدا فخما زيّنه بصفائح الذهب وثمين الخشب وضخم الأعمدة وجعل أوانية من الذهب، كما أنشأ قصرا لسكناه ومباشرة الحكم والقضاء فيه. وكان موضع وحي الله وتكريمه وتجلياته. وإلى هذا فقد ذكرت الأسفار أنه استكثر من النساء حتى بلغ عدد زوجاته ومحظياته ألفا، وتزوج من بنت فرعون ومن نساء صيدونيات وعمونيات وأدوميات وحثيات فأملن قلبه إلى آلهتهن مخالفا لأوامر الله وبنى لهذه الآلهة مذابح وقرّب لها قرابين وعمل الشرّ في عين الربّ فكان ذلك سببا لنقمة الله عليه ووعيده بتمزيق ملكه وإعطائه لعبيده. وقد خرج عليه ثائران وفرّ أحدهما إلى

مصر ثم عاد بعد موته وقاد حركة ضدّ ابنه أدت إلى انقسام مملكته، وليس في الأسفار ما ورد في آيات هذه السور والسور الثلاث الأخرى من تسخير الجنّ والريح لسليمان ولا أعمال الجن البنائية والغوصية، ولا تقييده بعضهم بالأصفاد ولا معرفته لغة الطير واحتشاده معه، ولا قصة الهدهد الذي طار إلى سبأ وأتى بخبر ملكتها، ولا قصة الصافنات الجياد ولا قصة الجسد الذي ألقاه الله على كرسي سليمان. واتساقا على ما نبهنا عليه في سياق فصل داود عليه السلام السابق نقول إن من واجب المسلم الوقوف موقف التحفّظ إزاء ما ورد في الأسفار عن انحرافات سليمان عليه السلام. وكل ما يمكن أن يقال إن الآيات تفيد أنه صدر من سليمان خطأ ما استحق أن يبتليه الله ببلاء ما عليه وأنه أدرك ذلك فأناب إلى ربّه فغفر الله له لأنه كان عنده ذا حظوة وقبول. والأسلوب الذي جاءت عليه قصة سليمان وأخباره ليس أسلوب سرد وتسجيل كما هو الشأن في أسفار العهد القديم وإنما هو أسلوب وعظ وعبرة. فهو عبد الله وهو يعترف بهذه العبودية وينيب إلى الله ويستغفره ويلتمس منه المطالب ويكون موضع ابتلائه وفتنته مع ما وصل إليه من الملك والسلطان والسيطرة على بعض القوى الكونية القوية. وقد يقول المغرضون الأغيار بسبب عدم ورود أخبار تسخير الجنّ والريح وغير ذلك مما ورد في السور الأخرى في الأسفار المتداولة إن كل هذا اختراع بقطع النظر عن كون ذلك داخلا في نطاق قدرة الله تعالى فإننا نقول من قبيل المساجلة إنه ليس هناك ضرورة فنية للاختراع وإن السياق القرآني يبقى مستقيما بدون الزوائد لو لم تكن مستندة إلى أصل. ونحن نعتقد أنها واردة في أسفار وقراطيس كانت متداولة بأيدي اليهود في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم وضاعت ولم تصل إلينا. وهدف القصة إنما يتحقق بقوة إذا كان السامعون يعرفونها. وما كان يتداوله اليهود كان يتسرب إلى العرب. ولقد جاء في الإصحاح التاسع من سفر أخبار الأيام الثاني المتداول اليوم هذه الجملة: (وبقية أخبار سليمان الأولى والأخيرة مكتوبة في أسفار ناتان النبي ونبوّة أحيا الشيلوتي وعدو الرائي) وورد في الإصحاح الحادي

عشر من سفر الملوك الأول- وهو سفر الملوك الثالث في الطبعة الكاثوليكية- هذه الجملة: (وبقية أخبار سليمان وجميع ما عمل ووصف حكمته مكتوبة في سفر أخبار سليمان) . وجميع هذه الأسفار مفقودة لم تصل إلينا. ولقد كان القرآن يتلى علنا ويسمعه أهل الكتاب ومنهم إسرائيليون. وقد سجل القرآن المكي شهادات عديدة للكتابيين بصدق الوحي الرباني بالقرآن وصدق ما احتواه وإيمانهم به على ما أوردناه في تعليقنا على أهداف القصص في سياق سورة القلم. ولا يمكن أن يكون ذلك إلّا أنهم كانوا عرفوا أن ما جاء في القرآن من قصص وغير قصص هو حقّ ومطابق لما كان عندهم. ولقد روى المفسرون «1» في سياق قصص سليمان وأخباره في هذه السورة والسور الأخرى المذكورة آنفا بيانات كثيرة عن جنّ سليمان وجنوده وعلمه وحكمته وسلطانه وبساط ريحه والصافنات والجسد والهدهد وملكة سبأ وعرشها إلخ ... إلخ مروية عن علماء التابعين الذين كان بينهم بعض مسلمي اليهود وأبناؤهم وبعض مسلمي الجاليات الكتابية والأجنبية الأخرى وأبناؤهم مثل كعب الأحبار والقرظي والسدّي وأبناء منبه حيث يفيد هذا أن تلك القصص مما كان متداولا مع زيادات كثيرة في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم وبيئته. وليس من مصدر لذلك قبل القرآن إلّا الجاليات الكتابية واليهودية بخاصة. ومهما يكن من أمر فمن واجب المسلم أن يؤمن بما جاء في القرآن من أخبار الأنبياء ومعجزاتهم وأن يؤمن بأن الله قادر على خرق العادة على أيديهم أو اختصاصهم بأمور خارقة. وإلى هذا فإن مما تجب ملاحظته كون الآيات القرآنية وهي تذكر ما كان يعرفه السامعون عن سليمان عليه السلام من ذلك إنما وردت لبيان عناية الله بمن يخلص له ثم بيان ما كان من إدراك سليمان لما بدر منه من خطأ وما تعرّض له من فتنة وبلاء بسببه وإنابته إلى ربه مع ما وصل إليه من الملك والسلطان والسيطرة على بعض القوى الكونية بسبيل

_ (1) انظر تفسير هذه الآيات ثم تفسير الآيات التي ورد فيها ذكر سليمان وأخباره في سور الأنبياء والنمل وسبأ في كتب تفسير الطبري والبغوي وابن كثير والخازن. وانظر أيضا تفسير الآيات [102] من سورة البقرة في هذه الكتب حيث تورد أخبارا كثيرة عن سليمان وأحداثه.

العظة والتذكير والمثل والتدعيم كما قلنا آنفا. وهذا ما يجعلنا في الوقت نفسه نتوقف عن إيراد ما جاء في روايات المفسرين من بيانات زائدة عن ما جاء في القرآن قد لا يخلو كثير منها من غلوّ وخيال. ولا سيما ليس فيها ما هو ثابت عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذي هو وحده المصدر الوحيد الوثيق باستثناء حديث رواه أبو هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم فيه قصة من قصص سليمان التي لم تذكر أيضا في الآيات ولا في الأسفار حيث روي عن أبي هريرة أنه قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم قال سليمان بن داود عليه السلام لأطوفنّ الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين كلّهن يأتي بفارس يجاهد في سبيل الله فقال له صاحبه إن شاء الله فلم يقل إن شاء الله فلم يحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشقّ رجل. والذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون» . ولقد روى هذا الحديث المفسر البغوي بطرقه عن أبي هريرة ورواه عنه البخاري أيضا على ما ذكره الذهبي «1» وأورده البغوي والذهبي على اعتبار أن له صلة بالآيات: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ (34) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) . ولسنا نرى صلة بين فحوى الحديث والآيات. ولقد روى البغوي وابن كثير وغيرهما رواية طويلة في سياق هذه الآيات أيضا عن وهب بن منبه أحد رواة الأخبار التابعين مختلفة في الصيغ متفقة في المدى خلاصتها أن سليمان صنع لإحدى زوجاته صنما على شكل أبيها فجازاه الله على ذلك بأن جعل شيطانا اسمه صخر على صورته وكان سليمان حينما يذهب لحاجته يسلم خاتمه لخادمة له فجاء الشيطان وأخذ الخاتم وجلس على كرسي سليمان وأخذ يتصرف بالملك كما يشاء ويطيعه الجميع. وعاد سليمان إلى الخادمة فأنكرته وأنكره الناس ولبث منكورا مقهورا حائرا أربعين يوما حتى أدرك خطيئته وكون ما جرى له عقوبة من الله فندم واستغفر الله وذلّت نفسه فتاب الله عليه وجعل الشيطان يلقي بالخاتم في البحر ويطير والتقم الخاتم سمكة صادها صياد

_ (1) انظر كتاب التفسير والمفسرون ج 1 ص 181.

تعليق على ما روي في سياق قصة سليمان من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم عفريتا من الجن ومن رؤيته إبليس أيضا

واشتراها منه سليمان ولما فتحها وجد الخاتم فسجد لله شاكرا وعاد إلى ملكه. وهذا تأويل الفتنة التي فتن الله بها سليمان والجسد الذي ألقاه على كرسيه. ونعتقد أن هذه القصة مما كان متداولا في بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم وأن مصدرها اليهود. والله تعالى أعلم. تعليق على ما روي في سياق قصة سليمان من رؤية النبي صلّى الله عليه وسلّم عفريتا من الجنّ ومن رؤيته إبليس أيضا لقد روى البخاري في فصل التفسير في صحيحه في سياق فصل قصة سليمان عليه السلام عن أبي هريرة قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم إن عفريتا من الجنّ تفلّت البارحة يقطع عليّ صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلّكم فذكرت دعوة أخي سليمان رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص: 35] فرددته خاسئا» «1» . وقد أورد ابن كثير في سياق ذلك وبعد الحديث الذي أوردناه آنفا حديثا آخر عزوا إلى صحيح مسلم ومرويا عن أبي الدرداء قال: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلّم يصلّي فسمعناه يقول أعوذ بالله منك ثم قال ألعنك بلعنة الله ثلاثا ثم بسط يده كأنه يتناول شيئا فلمّا فرغ من الصلاة قلنا يا رسول الله سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك قال إنّ عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت أعوذ بالله منك ثلاث مرات ثم قلت ألعنك بلعنة الله التّامة فلم يستأخر ثلاث مرات ثم أردت أن آخذه والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به صبيان أهل المدينة» . وقد أورد نصا مقاربا لهذا النص أخرجه الإمام أحمد أيضا. ونقف حائرين أمام هذه الأحاديث. ففي سورة الأعراف هذه الآية عن الشيطان الذي جاء في سياق طويل مرادفا لإبليس: إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا

_ (1) التاج ج 4 ص 197.

تَرَوْنَهُمْ [27] وإبليس في الوقت نفسه من الجنّ على ما جاء في آية سورة الكهف هذه: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ... [50] وإلى هذا فالقرآن ذكر في موضعين خبر استماع بعض طوائف الجنّ للقرآن من لسان النبي صلّى الله عليه وسلّم بأسلوب يفيد أن النبي لم ير المستمعين ولم يشعر بهم وإنما علم الخبر من القرآن كما ترى في آية سورة الأحقاف هذه: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) وآيات سورة الجن هذه: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (2) فإذا صحّت الأحاديث فيكون النبي صلى الله عليه وسلّم قد استثني من آية الأعراف وأنه رأى عفريت الجنّ وإبليس بالقوة التي اختصّه الله بها والتي كان يرى بها الملائكة أيضا. والله أعلم. وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ (1) بِنُصْبٍ (2) وَعَذابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ (3) هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (4) (42) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً (5) فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ (6) إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) [41- 44] . (1) الشيطان: هنا مرادف لإبليس ومفهومه. (2) نصب: شقاء أو بلاء أو مرض. (3) اركض برجلك: اضرب برجلك الأرض. (4) مغتسل بارد وشراب: ماء بارد للشرب والاغتسال. (5) ضغثا: حزمة من القشّ. (6) لا تحنث: لئلا تحنث بيمينك أو قسمك. وهذه حلقة ثالثة من السلسلة. وهي استمرار للسياق والموضوع والهدف على ما ذكرناه سابقا. والخطاب في الآية الأولى موجه للنبي صلّى الله عليه وسلّم كما وجّه إليه في

أول السلسلة. وهناك أمر له بالصبر على ما يقول الكفار وهنا أمر له بالتذكر بما وقع لأيوب وما كان منه. والخطاب يحتمل أن يتضمن أمر ذكر ذلك للمسلمين أو للسامعين وتذكيرهم به بطبيعة الحال. وعبارة الآيات واضحة لا تحتاج إلى بيان آخر. وهذه أول مرة يرد فيها اسم أيوب عليه السلام. وقد تكرر وروده بعد ذلك. ومن أسفار العهد القديم سفر خاص به احتوى قصته مفصلة. وهي متفقة مع الإشارات المقتضبة الواردة عنه في الآيات القرآنية مع الفارق في الأسلوب من حيث إنها في السفر قصة وسيرة وفي الآيات لم تقصد لذاتها وإنما قصد منها العظة والعبرة والذكرى. وملخص القصة في السفر أن أيوب كان نبيا وكان صاحب مال وافر وأنعام وأولاد وأهل، متمتعا برفاه العيش ورغد الحياة. وكان يقوم بواجب الشكر لله على نعمه. وأن حوارا جرى بين الله والشيطان في صدده فقال هذا لله إن أيوب إنما يشكره على نعمه وإنه لن يلبث أن يجحده لو سلبها منه. فأخذ الله يمتحنه ببلاء بعد بلاء باقتراح من الشيطان إلى أن هلك أولاده ومواشيه وأمواله بكوارث ساحقة متلاحقة، ثم ابتلي بأمراض في جسمه وقروح في جسده. وحاول الشيطان إغواءه وتغيير قلبه وروحه فأخفق وثبت أيوب في الامتحان وظلّ متمسكا بالصبر والإنابة والخضوع لله لا يدعو إلا الله للتفريج عنه. وحينئذ شمله الله برحمته ونعمته ثانية فأنبط الله له ماء كان له في شربه والاغتسال به البرء والشفاء، وردّ عليه ما فقده من مال ومواش وولد، ومنحه المزيد من نعمته. ولقد كانت امرأته تقوم على خدمته بإخلاص غير أنها كانت أحيانا تظهر التذمر والتألم مما حلّ بهم من بلاء ومصائب، فاعتبر أيوب عليه السلام ذلك منها تمردا على الله، فأقسم أن يجلدها مائة جلدة إن شفاه الله. فأوحى الله إليه بأن يضربها مرة واحدة بحزمة من القش فيها مئة عود فلا يحنث بيمينه بسبب ما كان منها من إخلاص وحسن وفاء هي الأخرى.

التلقينات المنطوية في قصة أيوب عليه السلام

والمرجح أن قصة أيوب عليه السلام مما كان متداولا وغير مجهول من السامعين فاكتفت الآيات بالإشارة إليها باقتضاب متّسق معها، لأن الهدف منها فيها هو الموعظة والتذكير والدعوة إلى التأسّي والاعتبار. ولقد أسهب المفسرون في قصته كثيرا «1» . وفيما ذكروه ما هو متطابق مع قصته في السفر ومنها الزائد الذي يمكن أن يكون مما هو متداول على هامش القصة حسب العادة ولا يبعد أن يكون مما ورد في أسفار وقراطيس لم تصل إلينا. وقد اكتفينا بتلخيص القصة لأنها لم ترد في القرآن لذاتها. التلقينات المنطوية في قصة أيوب عليه السلام ولقد احتوت الآيات عظة وعبرة وتلقينات بليغة فيها تسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم والمسلمين في ظروف الدعوة كما فيها تلقين مستمر المدى في كل ظرف. فإذا كان أناس من خلق الله كفروا وتكبّروا وشاقوا واعتزوا بالمال والولد فهناك عباد الله مخلصون كل الإخلاص له في حالتي قوّتهم وضعفهم وفقرهم وغناهم وصحتهم ومرضهم مثل أيوب الذي كان واسع الثروة متمتعا برغد الحياة فشكر ولم تبطره النعمة، ولما ابتلي بالمحن الشديدة صبر ولم تسخطه النقمة فاستحقّ المزيد من منح الله وعنايته وتداركه بالفرج واليسر بعد الضيق والعسر، وإن من واجب المسلمين التمسّك بالله والإخلاص له والشكر له في حال اليسر والصبر في حال العسر. وفي تحلّة اليمين التي أذن الله بها لأيوب حتى لا يحنث أو يضرب زوجته المخلصة دليل على أن الله يسمح لعباده أن يتوسلوا بوسيلة مشروعة تنقذهم مما قد يواجهونه من محرجات ومشاكل ويوقعهم في الإثم والضرر والخطر. وهذه النقطة

_ (1) انظر تفسير الآيات وتفسير آيات سورة الأنبياء [82- 84] في تفسير الطبري وابن كثير والخازن والبغوي والطبرسي مثلا.

تعليق على توسع بعض الفقهاء في تأويل تحلة اليمين التي يسرها الله لأيوب

الأخيرة صارت مبدأ من مبادئ القران المقررة المتكررة بأساليب مختلفة كما يفهم من آية البقرة: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) وآيات سورة المائدة هذه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89) وآيات سورة التحريم هذه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2) . وقد روي أنه رفع إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أمر شاب وجد على أمة يواقعها فقال لهم اضربوه حدّه فقالوا يا رسول الله إنه أضعف من ذلك إن ضربناه مئة قتلته فقال فخذوا عثكالا فيه مئة شمراخ فاضربوه ضربة واحدة وخلوا سبيله «1» . تعليق على توسّع بعض الفقهاء في تأويل تحلّة اليمين التي يسّرها الله لأيوب ولقد توسع بعضهم في الحكمة أو الرخصة الواردة في موضوع تحلة يمين أيوب عليه السلام وحاولوا أن يتخذوها دليلا على ما يسمونه بالحيل الشرعية على الإطلاق، وأخذوا يضعون الحيل الشنيعة البشعة للتحلّل من كثير من الواجبات والالتزامات الشرعية من زكاة وربا وطلاق وعتاق وزنا وأيمان موجبة للعقود وأعمال متنوعة أخرى. وهناك فصول في كتب فقهية في ذلك. وسمعنا كثيرا من

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبرسي والقاسمي. والعثكال بمعنى العنقود والشمراخ بمعنى العود. ويطلق عادة على عنقود النخل. [.....]

ذلك ورأيناه بأنفسنا يقع بفتوى بعض المشايخ، حيث كانوا يفتون بوضع مبلغ الزكاة الواجبة في زنبيل قمح أو أرز ويعطونه لفقير ويقولون له هذا وما فيه زكاة ما لنا فيأخذه ثم ينبري ابن الغني أو أخوه أو عامله فيشتري الزنبيل بما فيه بما يوازي ثمن القمح أو الأرز. وكثير من الذين يمارسون الربا يعمدون إلى حيلة مماثلة. وأدنى إمعان وتدبّر يكفي لإبراز ما في هذا التوسع من وهن سند وضعف منطق وجرأة على الله وقرآنه وحكمته وحدوده فأيوب عليه السلام قد أقسم على ضرب امرأته. وكان قسمه قد وقع منه في حال اضطراب وألم وفي حق شخص مخلص بريء. والأيمان على ارتكاب الإثم والضرر غير جائزة أصلا كما تلهمه روح آيات القرآن مثل آيات سورة البقرة هذه: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ «1» (224) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (255) ، وآية سورة النور هذه: وَلا يَأْتَلِ «2» أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) وعدم تنفيذها واجب محتم. وقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم على اجتناب زوجاته فعاتبه الله وأمره بالتحلّل من يمينه على ما جاء في آيات سورة التحريم التي أوردناها قبل وقد أقسم بعض أصحاب رسول الله على مجانبة اللذائذ المباحة فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم بالتحلّل من يمينهم على ما جاء في آيات سورة المائدة التي أوردناها قبل أيضا. فالقياس لا يمكن أن يطرد إلّا في المواقف المماثلة والإطلاق فيه يعني تعطيل شرائع الله وحدوده وحكمته في هذه الشرائع والحدود. وتصوير الله في صورة المتناقض العابث جلّ عن ذلك وتعالى. هذا عدا ما في ذلك من أضرار لا تقف عند حد في مصالح الناس وصلاتهم فيما بينهم وفي سلب ثقتهم في بعضهم ومن عدوان على حقوقهم وأموالهم وأعراضهم.

_ (1) أي لا تحلفوا بالله لتجعلوا يمينكم ذريعة إلى عدم البرّ والتقوى والإصلاح بين الناس. (2) أي لا يحلف الأغنياء بعدم إعطاء أموالهم إلى أناس معينين من ذوي القربى والمساكين والمهاجرين.

ولقد أورد ابن كثير في سياق الآيات التي تذكر حيلة بني إسرائيل على شريعة السبت في سورة الأعراف وهي الآيات [163- 166] حديثا عن أبي هريرة وصف بأن رجاله ثقاة مشهورون وإسناده جيد قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلّوا محارم الله بأدنى الحيل» . وفي الفصل الذي عقده ابن القيم في الجزء الثالث من كتابه «أعلام الموقعين» على التنديد بالتحايل على أحكام الله أحاديث أخرى منها حديث رواه الإمام أحمد عن ابن عمر قال: «سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول إذا ضنّ الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله عليهم بلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم» . والشاهد من الحديث هو التبايع بالعينة. وقد روى ابن القيم عن ابن عباس توضيحا لذلك في رواية جاء فيها: «باع رجل من رجل حريرة بمائة ثم اشتراها بخمسين فسأل ابن عباس عن ذلك فقال دراهم بدراهم متفاضلة دخلت بينهما حريرة وهذا مما حرّم الله ورسوله وإن الله لا يخدع» «1» . ومنها حديث رواه ابن بطة بإسناده إلى الأوزاعي قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يأتي على الناس زمان يستحلّون الربا بالبيع» . وحديث رواه الإمام أحمد عن أبي إسحق السبيعي عن امرأته جاء فيه: «إنها دخلت على عائشة هي وأم ولد زيد بن أرقم وامرأة أخرى فقالت لها أم ولد زيد إني بعت من زيد غلاما بثمانمائة نسيئة واشتريته بستمائة نقدا فقالت أبلغي زيدا أن قد أبطل جهاده مع رسول الله إلّا أن يتوب بئسما شريت وبئسما اشتريت» «2» . وهذه الأحاديث لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة. ولا مانع من صحتها. على أن هناك حديثا رواه البخاري عن جابر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «قاتل الله اليهود لمّا حرّم الله عليهم شحومها جملوها ثم باعوها فأكلوها» «3» . وفي هذا

_ (1) نحن نعرف بالمشاهدة أن المرابين كانوا يكتبون سند الدين بأصل المبلغ ثم يكتبون فائدته بقيمة سلعة ما ويشتري تابعهم هذه السلعة بمبلغ تافه فيحتالون بذلك على أخذ الربا والمتبادر أن الرواية المروية عن ابن عباس لتوضيح التبايع بالعينة من هذا الباب. (2) انظر المصدر نفسه. (3) التاج ج 4 ص 101.

تعريف بالأسماء المذكورة في الآيات

تحريم نبوي للحيل في إبطال شرائع الله تعالى. وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (1) (45) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (2) (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (47) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (48) [45- 48] . (1) أولي الأيدي والأبصار: الأقوال متعددة في تأويل الجملة وأوجهها أنها بمعنى أولي القوة في العبادة والطاعة وأولي البصيرة في الدين والشريعة. (2) إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار: أوجه الأقوال في تأويل الجملة أنها بمعنى إنا جعلناهم خالصين لنا بخصلة خالصة فيهم وهي تذكرهم الدار الآخرة والعمل لها والزهد عن غيرها. هاتان حلقتان أخريان من السلسلة. والخطاب فيهما موجه إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم بالتبعية بذكر إبراهيم وإسحاق ويعقوب ثم إسماعيل واليسع وذي الكفل أنبياء الله الذين اصطفاهم ورفع أقدارهم وخصّهم ببرّه وتكريمه لما كانوا عليه من حسن الطاعة والبصيرة والعمل الصالح، والآيات استمرار في السياق السابق وهدفها الدعوة إلى التأسّي بهم والاعتبار بما نالوه من حسن المآب والكرامة الربانية، وهو هدف السلسلة عامة على ما نبهنا عليه. تعريف بالأسماء المذكورة في الآيات وذكر إبراهيم عليه السلام ورد في سور سابقة، أما الأسماء الأخرى فهذه هي المرة الأولى التي ترد. ثم تكررت في سور تالية. ولقد ذكر إسحاق ويعقوب وإسماعيل عليهم السلام مرارا في سفر التكوين المتداول اليوم بشيء من الإسهاب. وقد ذكرنا لمحة عن إبراهيم عليه السلام في سورة الأعلى فنكتفي الآن بذلك لأن ذكره هنا جاء خاطفا. ومما جاء في هذا السفر عن إسحق ويعقوب وإسماعيل:

1- إن إسماعيل وإسحق هما من أبناء إبراهيم. وإن يعقوب هو ابن إسحق. 2- إن إسماعيل هو البكر وأمه مصرية اسمها هاجر. وإنه لما ولد غارت زوجة إبراهيم سارة وطلبت إبعاده مع أمه. وأمره وحي الله بتلبية طلبها ووعده بأنه سيجعل نسل ابنه أمة عظيمة. وأبعده إلى برية فاران حيث استقرّ وتزوج وصار له اثني عشر ولدا ونمت ذرياتهم نموا عظيما. 3- إن إسحق ولد لإبراهيم وسارة بعد شيخوختهما وببشارة ومعجزة ربانية. وكان موضع عناية الله ووعده بأن يجعل من نسله أمة كبيرة. وشاخ ومات ودفن في أرض كنعان. 4- إن يعقوب هو ابن إسحق وتؤام لأخ له اسمه عيسو الذي كان هو الأول في الولادة. وإن يعقوب اشترى بكورية أخيه بأكلة عدس واحتال على أبيه «1» حينما شاخ وعمي فقدم له نفسه باسم عيسو وحصل على بركته ودعائه بأن يجعل ذريته هي السيدة على ذرية أخيه وعلى سائر الأمم فصار موضع عناية الله وتجلّى له مرارا وسمّاه إسرائيل وصار له اثني عشر ولدا من أمهات عديدة. ونمت ذريتهم وصارت اثني عشر سبطا وانتسبوا إلى جدّهم الأكبر إسرائيل الذي صار اسما ليعقوب. ونكتفي الآن عنهم بهذه اللمحة لأنهم ذكروا هنا ذكرا خاطفا. وقد ذكروا في القرآن مرارا بتوسع أكثر وسنعود إلى ذكرهم بتوسع أكثر في المناسبات الآتية. وفي كتب التفسير «2» روايات وبيانات مسهبة عنهم معزوة إلى العلماء من أصحاب رسول الله وتابعيهم حيث يفيد هذا أن ذكرهم كان متداولا في بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل البعثة. وليس من مصدر لذلك إلّا الجاليات الكتابية والجاليات اليهودية بنوع خاص. أما اليسع فهو على الأرجح اليشاع أحد أنبياء بني إسرائيل الذي ورد ذكره مرارا في سفر

_ (1) نحن ننقل ما ورد في السفر وموقفنا من أنبياء الله تعالى هو موقف المنزّه المكرّم في نطاق الأسلوب والمضمون القرآنيين. (2) انظر تفسير الآيات ثم تفسير آيات سورتي الأنعام والأنبياء في كتب تفسير الطبري وابن كثير والخازن والطبرسي.

الملوك الثاني في الطبعة البروتستانتية والرابع في الطبعة الكاثوليكية وذكر خبر نشاطه ومعجزاته المتعددة وتبليغاته لبني إسرائيل. وقد ذكر مرة أخرى في القرآن في سورة الأنعام في سلسلة الأنبياء بوصفه من ذرية إبراهيم مع إسماعيل ذكرا خاطفا كما ذكر هنا. ولم يرو عنه المفسرون فيما اطلعنا عليه شيئا كثيرا، وعلى كل حال فإنه هو الآخر كان معروف الاسم والهوية في بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل البعثة مثل الذين ذكروا في أسفار العهد القديم على ما هو المتبادر ومن طريق الجاليات اليهودية «1» . وأما ذو الكفل فإن المفسرين رووا في صدده وشخصيته روايات متعددة منها أنه من أنبياء بني إسرائيل أو من رجالهم الصالحين أو أنه ملك عادل تكفل لنبيّ قومه بالعدل فسمّي ذا الكفل أو أنه شاب صالح تكفّل لنبيّ قومه بالصيام والصلاة وعدم الغضب فوفى بما تكفّل به فسمّي ذا الكفل أي ذا الحظ من ثواب الله أو ذا الثواب المضاعف لأن معنى الكفل هو الحظ أو الضعف. ومنها أن اسمه الحقيقي زكريا أو يوشع بن نون أو عدويا. ومنها أنه كان جبارا عاصيا تاب وأناب إلى الله فسمي باسمه «2» . وروى ابن كثير في صدده حديثا وصفه بالغريب رواه الإمام أحمد عن ابن عمر أنه قال: «سمعت من رسول الله أكثر من مرة يقول كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورّع عن ذنب فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل أرعدت وبكت فقال لها ما يبكيك هل أكرهتك؟ قالت: لا ولكن هذا عمل لم أعمله قط وإنما حملني عليه الحاجة، قال: فتفعلين هذا ولم تفعليه قط ثم نزل عليها وقال اذهبي بالدنانير لك والله لا يعصي الكفل الله أبدا. فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه قد غفر الله للكفل» . وعلى كل حال فالذي نرجحه أن اسمه وشخصيته لم يكونا مجهولين عند سامعي القرآن وأهل بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل البعثة. ومن المحتمل كثيرا الذي يسوغه صيغة الاسم العربية أنه نبي عربي مثل هود وصالح وشعيب. والله أعلم.

_ (1) انظر كتب التفسير السابقة الذكر. (2) انظر المصدر نفسه.

تعليق على عدم وصف إسماعيل واليسع وذي الكفل بوصف عبادنا وعدم قرن إسماعيل مع إبراهيم وإسحق ويعقوب

تعليق على عدم وصف إسماعيل واليسع وذي الكفل بوصف عبادنا وعدم قرن إسماعيل مع إبراهيم وإسحق ويعقوب ويلحظ أولا أن إسماعيل واليسع وذا الكفل قد ذكروا مجردين من تعبير «عبادنا» الذي استعمل في ذكر الأنبياء الآخرين. وثانيا أن إسماعيل لم يقرن بإبراهيم وإسحق ويعقوب مع أنه ابن إبراهيم مثل إسحق بل ابنه البكر كما قلنا قبل على ما ورد في سفر التكوين وقد تكرر هذا في آيات أخرى «1» مما جعل بعض الأغيار والباحثين يقولون إن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يعرف بنوة إسماعيل لإبراهيم إلّا في العهد المدني حينما احتكّ باليهود، فلم يذكر بنوته له إلا في الآيات المدنية. وهذا خطأ فاحش فأبوّة إبراهيم لإسماعيل وأبوّة إسماعيل للعدنانيين مما كان متداولا بل راسخا عند العرب قبل البعثة النبوية على ما هو المتواتر وعلى ما تلهمه آيات قرآنية عديدة منها آيات سورة البقرة هذه: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) وهذا فضلا عن أن بنوة إسماعيل لإبراهيم قد ذكرت في آية مجمع على مكيتها وهي آية سورة إبراهيم هذه: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ

_ (1) منها آية سورة الأنعام [84] وهود [71] والأنبياء [72] والعنكبوت [27] .

الدُّعاءِ (39) وقد ذكرت آية أخرى أن إسماعيل من ذرية إبراهيم وهي آية سورة الأنعام هذه: وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (86) . ونقول من قبيل المساجلة إن بنوّة إسماعيل لإبراهيم وبكريته مذكورتان في إصحاحات عديدة من سفر التكوين. وكان في مكة جاليات كتابية تتداول هذا السفر. وهذا يعني أن هذا الأمر لم يكن ليخفى في مكة قبل البعثة. فضلا عن أن اليهود لم يكونوا منقطعين عن مكة حيث كان منهم المقيم فيها والمتردد عليها ومنهم من آمن فيها برسالة النبي صلّى الله عليه وسلّم على ماذكرته آية سورة الأحقاف المكية هذه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) فليس من الضروري أن يكون علم النبي بذلك قد تأخر حتى هاجر إلى المدينة. ولعلّ قرن إبراهيم وإسحاق ويعقوب في مقام واحد هنا وفي المواضع الأخرى قد قصد به الإشارة إلى كونهم هم أصل سلسلة أنبياء بني إسرائيل في حين لم يكن إسماعيل أصلا لها. ويؤيد هذا أن عيسو لم يذكر مع أنه الابن الأول لإسحق لأنه ليس أصلا لهذه السلسلة وأنه حينما اقتضت حكمة التنزيل وسياقه في مكة ذكر بنوّة إسماعيل مع بنوّة إسحق لإبراهيم ذكر ذلك كما جاء في آية سورة إبراهيم المكية الآنفة الذكر وقدم فيها إسماعيل لأنه البكر. أما مسألة ورود إسماعيل واليسع وذي الكفل بدون عبارة «عبادنا» دون الأنبياء السابقين فإن حكمة ذلك خافية علينا. مع التنبيه إلى أننا لا نرى في هذا المقام قرينة مؤيدة لقصد دلالة التفضيل. ولعلّ عطف الآية [48] على ما سبقها ينطوي فيه معنى العطف على وصف عبادنا أيضا. والله أعلم.

تعليق على جنات عدن

هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ (1) أَتْرابٌ (2) (52) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (53) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (3) (54) [49- 54] . (1) قاصرات الطرف: الطرف بمعنى العين والبصر. وقد يكون معنى الجملة غاضّات الأبصار حياء وخفرا. ومما قيل في تأويلها إنهن قصرن أبصارهن وقلوبهن على أزواجهن. (2) أتراب: جمع ترب. بمعنى متساو أو رفيق. وقيل إنها بمعنى متساوين في السنّ مع سنّ أزواجهن. (3) نفاد: انتهاء وجملة ما لَهُ مِنْ نَفادٍ بمعنى أنه لا ينقطع ولا ينتهي. الآيات متصلة بالسياق ومعقبة عليه. حيث احتوت تنبيها إلى أن ما تقدم ذكره هو للتذكير والاعتبار. ثم احتوت بشرى بما للمتقين في الآخرة من حسن المنزل والنعيم والفواكه والأتربة التي لا تنفد والنساء الخفرات اللائقات بهم الملازمات لهم المساويات في السنّ لهم في جنات عدن التي يأتي شرح مداها بعد قليل. ومع ما احتوته الآيات من حقيقة نعيم الآخرة الإيمانية فإنها استهدفت فيما استهدفته على ما تلهمه روحها ومضمونها تطمين الصالحين المتقين وإثارة الرغبات فيما عند الله بالإيمان والتقوى والعمل الصالح والدعوة إلى التأسي بعباد الله المخلصين الشاكرين الصابرين في كل حالاتهم. تعليق على جَنَّاتِ عَدْنٍ وبمناسبة ورود هذه الجملة لأول مرة نقول إنها وردت مرارا في آيات مكية ومدنية. وقد قيل إن عدن مصدر عدن بمعنى أقام إقامة دائمة. وتكون الجملة

حينئذ بمعنى جنات الخلود. وقيل إنها علم على نوع خاص من الجنات الأخروية. وقيل إن عدن بمعنى الكرم والبستان في السريانية. وقيل إنها بمعنى وسط الجنة. وليس شيء من هذه الأقوال واردا في كتب الأحاديث الصحيحة وليس هناك مأثور عن النبي صلّى الله عليه وسلّم فيها. وقد ذكرت (عدن) مرتين في سفر التكوين أول أسفار العهد القديم المتداول اليوم. حيث جاء ذكرها في هذه العبارة: (وغرس الربّ الإله جنة عدن شرقا وجعل هناك الإنسان الذي جبله) الإصحاح (2) . وفي هذه العبارة من نفس الإصحاح أيضا: (وأخذ الرب الإله الإنسان وجعله في جنة عدن ليفلحها ويحرسها وأمر الربّ الإله الإنسان قائلا من جميع شجر الجنة تأكل وأما شجرة معرفة الخير والشر فإنك لا تأكل منها. إنك يوم تأكل منها تموت موتا) والعبارة تقتضي أن تكون الكلمة علما على بقعة ما في الكون أو الأرض. ولقد عرف من آثار السبئيين النقشية في اليمن الذين وجدوا وحكموا قبل المسيح بأكثر من ألف سنة وامتدّ زمنهم إلى الميلاد المسيحي أنه كان في جنوب اليمن منطقة اسمها (أدنت) كان فيها نتيجة لنظام الريّ الذي اهتمّ له السبئيون وكان من مظاهره خزانات أو سدود كثيرة للماء من جملتها سدّ مأرب العظيم بساتين وارفة وحقول فيحاء «1» . ومعلوم أنه يوجد اليوم منطقة ومدينة باسم عدن في أقصى الساحل اليمني الجنوبي الغربي يمتد إلى آماد بعيدة في التاريخ ولا يبعد أن تكون منطقة (أدنت) هي هذه المنطقة. وأن كلمة عدن الفصحى التي تطلق عليها اليوم متطورة من كلمة أدنت والتقارب اللفظي شديد بينهما. هذا مع التنبيه على أن فحوى الآيات القرآنية التي وردت فيها يفيد أن المقصود من الكلمة جنة أو جنات أخروية. ومن المحتمل كثيرا أن تكون أوصاف جنات منطقة أدنت اليمنية مشهورة متداولة عند العرب قبل البعثة فاقتضت حكمة الله تعالى تسمية جنات الآخرة أو بعضها باسمها جريا على النظم القرآني في وصف مشاهد الآخرة بالمألوفات الدنيوية على ما ذكرناه قبل وتبشير المؤمنين الصالحين بذلك للترغيب والتطمين. والإيمان واجب على كل حال بما ورد في القرآن وبكونه في نطاق قدرة الله تعالى وحكمته. والله تعالى أعلم.

_ (1) انظر تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي ج 2 ص 130.

هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (1) (56) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ (2) وَغَسَّاقٌ (3) (57) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (4) (58) [55- 58] . (1) المهاد: ما يفرش تحت الإنسان. (2) حميم: الماء الشديد الحرارة. (3) غساق: الصديد النتن، وقيل إنه الشديد الظلمة، وقيل الشديد البرودة. وقد روى الطبري بطرقه عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لو أنّ دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا» حيث يؤيد هذا المعنى الأول للكلمة. (4) أزواج: أصناف، والآية وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ بمعنى أنواع أخرى من مثل أشكال هذا العذاب. والآيات استطرادية إلى ذكر مآل الطاغين بالمقابلة لمآل المتقين على ما جرى عليه النظم القرآني. وهي بذلك متصلة بالسياق على ما هو المتبادر. والوصف فيها قوي رهيب. وقد استهدفت فيما استهدفته إثارة الرعب في قلوب الطغاة الجاحدين ليرعووا والرغبة في قلوب الصالحين المتقين. وهي على هذا مستمرة التلقين كما هو الظاهر. والوصف مستمد من مشاهد الحياة للتقريب والتمثيل والتأثير على ما ذكرناه من المناسبات المماثلة السابقة. هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ (1) مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (59) قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (60) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (61) وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (2) (62) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا (3) أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (4) (63) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64) [59- 64] . (1) الاقتحام: الاجتياز بقوة، أو الدخول بشدة وقوة.

(2) ما لنا لا نرى رجالا كنّا نعدّهم من الأشرار: الآية تلهم أن معنى الأشرار فيها سقط المتاع أو المستضعفون، أو الضالون، وهو ما كان الكفار ينعتون به المؤمنين بالرسالة النبوية الذين كان كثير منهم في مبادئ الدعوة من الفقراء والمستضعفين. (3) أتخذناهم سخريا: قرئت أتخذناهم على أنها استفهام من الكفار وقرئت على أنها إخبار. وقرئت سخريا بكسر السين على معنى السخرية وبضمّ السين على معنى التسخير وكلا المعنيين لكلمة سخريا محتمل ووجيه. أما اتخذناهم فإن قراءتها على الإخبار أكثر اتساقا مع السياق، وكلمة سخريا قرينة على ذلك حيث تكون الجملة تتمة لكلام الكفار، ما لنا لا نرى الجماعات الذين كنا نعدهم من الأشرار وكنا نتخذهم سخريا أو خدما مسخّرين لخدمتنا. (4) أم زاغت عنهم الأبصار: هل لم نرهم معنا لأن أبصارنا زاغت عنهم؟. الآيات استمرار في السياق السابق أيضا. وفيها استطراد آخر إلى ذكر ما يكون بين الكفار في النار من حوار وعتاب وتلاوم وتحميل كل فريق مسؤولية المصير السيء الذي صار إليه على الفريق الآخر. وقد تكررت حكاية مثل هذا الحوار في سور أخرى «1» . وعبارة الآيات واضحة. وقد انتهت بتقرير رباني بأن هذا الجدل والخصام بين أهل النار واقع حقا. والآيتان [62- 63] احتوتا حكاية ما يكون من تساؤل أهل النار عمن كانوا يظنونهم أشرارا أو سقط متاع. ويعنون بهم على ما تلهمه الآيات الذين اتبعوا النبي صلّى الله عليه وسلّم ويقولون إنهم كانوا يستخدمونهم ويسخّرونهم في حاجاتهم أو يتخذونهم هزؤا. وينطوي في هذا تقريع لاذع يسمعه الكفار وخاصة رؤساءهم سلفا. فالذين يسألون عنهم كانوا من المتقين وصاروا إلى أحسن منازل النعيم والتكريم. وكلام الكفار الذي تحكيه الآيتان ينطوي على حكاية ما كان من استكبار الكفار- وخاصة زعماءهم- وتعاظمهم على المؤمنين لأن كثيرا منهم في بدء الأمر كان من الفقراء

_ (1) آيات سورة الأعراف [38- 39] وسورة إبراهيم [21] وسورة سبأ [31- 33] مثلا. لاجز الثاني من التفسير الحديث 22

والمستضعفين وقد تكررت حكاية ذلك عنهم وحكاية طلبهم من النبي صلّى الله عليه وسلّم إبعادهم عنه حتى يجلسوا إليه ويتحادثوا معه كما جاء في آيات سورة الأنعام هذه: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا «1» أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) وآيات سورة الكهف هذه: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) ومثل آية سورة البقرة هذه: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (13) ومثل آيات سورة المطففين هذه: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (32) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (36) . ولعل كلمة الطاغين التي وصف بها الكفار في مطلع الفصل الاستطرادي جاءت لتشير إلى هؤلاء الرؤساء، وخاصة الذين كانوا بالإضافة إلى كفرهم ومكابرتهم ومناوأتهم يستكبرون على المؤمنين ويهزأون بهم وينالونهم بالأذى والعدوان. ونقول في صدد الحوار بين أهل النار الذي حكته الآيات إن الإيمان بما أخبر به القرآن من المشاهد الأخروية واجب مع ملاحظة أنه لا بد لذكره بالأسلوب الذي جاء من حكمته. ومن الحكمة الملموحة من أسلوب الآيات هنا قصد تقريع الكفار وإنذارهم وإثارة الخوف فيهم وحملهم على الارعواء والارتداع. والله تعالى أعلم.

_ (1) يقولون ذلك القول بأسلوب الهازئ المتنقص.

تعليق على ما في آيات قل إنما أنا منذر ... وما بعدها من دلالة ومدى

ْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (65) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (66) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى (1) إِذْ يَخْتَصِمُونَ (2) (69) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (70) [65- 70] . (1) الملأ الأعلى: كناية عن الله وملائكته على ما يلهمه سياق الآيات التالية لها. (2) يختصمون: يتجادلون ويتحاورون. في هذه الآيات أمر رباني للنبي صلّى الله عليه وسلّم بإيذان الناس بأنه ليس إلا نذيرا يحذر الناس من شرّ المصير إذا تمسكوا بالضلال، وينبههم إلى ما فيه خيرهم وهداهم، ويدعوهم إلى الإقرار بأن لا إله إلّا الله ربّ السموات والأرض وما بينهما القوي القادر القهار الغفار. وبالهتاف بالناس وتنبيههم إلى خطورة مهمته ودعوته وشدّة خطلهم بالإعراض عنها، مقررا بأمر الله بأنه لم يكن له علم بما في الملأ الأعلى وما يكون بين يدي الله من جدل ومحاورات وخصومات، وكل أمره هو أن الله يوحي إليه بذلك لينذر الناس به. فيقوم بتبليغ ما يوحي الله به إليه. ولقد قال بعض المفسرين «1» إن الآية [69] هي في صدد ما كان من أمر تكليف الله الملائكة بالسجود لآدم وتمرد إبليس مما هو مذكور في الآيات التالية لها. ومع أن هذا ليس بعيد الاحتمال وتكون الآية المذكورة وما بعدها حينئذ تمهيدا لذكر تلك القصة فإننا لا نراه يقلّل من وجاهة التأويل الذي ذهبنا إليه، ولا سيما قد استعملت كلمة من مصدرها قبل وهي (تخاصم) أهل النار. تعليق على ما في آيات قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ ... وما بعدها من دلالة ومدى والآيات جاءت معقبة على الآيات السابقة وهي والحال هذه متصلة بالسياق، حيث جاءت على أثر بيان مصائر المتقين والطاغين داعية منذرة، مبينة

_ (1) انظر تفسير الآية في الطبري والزمخشري وابن كثير مثلا. [.....]

استطراد إلى حديث نبوي مروي في سياق الآية ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون

لمهمة النبي صلّى الله عليه وسلّم وخطورتها العظيمة. وفيها صورة قوية للمقصد الرباني في إرسال الرسل. وفيها تنديد قوي لأولئك الذين يعرضون عما يدعون إليه من توحيد الله سبحانه والخضوع له ونبذ كل شريك معه. وفيها توكيد لما تكرر في القرآن من أن مهمة النبي هي الإنذار والدعوة وتبليغ ما يوحى إليه. ولعلّه مما يندمج في هذا أن للناس عقولا وقابليات وقوى اختيارية، لا يحتاجون معها في واقع الأمر إلّا إلى الدعوة والتنبيه والتوضيح والتحديد. فإن لم يستجيبوا بعد ذلك فلا يبقى على الله للناس حجة بعد الرسل الذين أنيط بهم ذلك، على اعتبار أن العقل مهما بلغ يظلّ عاجزا عن الوصول إلى معرفة كل واجب وتبين كل حد من واجبات الله وحدوده، ويظلّ هناك بعض الغوامض فيما يجب وما لا يجب، وما يجوز وما لا يجوز. والآيات بعد تنطوي على صورة رائعة نافذة لخلوص النبي صلّى الله عليه وسلّم واستغراقه في الله ووحيه وعمق إيمانه وشعوره بصدق رسالته، ونزول وحي الله عليه وإعلان ما أمره الله بإعلانه من ذلك. استطراد إلى حديث نبوي مروي في سياق الآية ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ لقد روى الترمذي في سياق هذه الآية حديثا عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: «احتبس عنّا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نترايا عين الشمس فخرج سريعا فثوّب بالصلاة فصلّى وتجوّز في صلاته فلمّا سلّم دعا بصوته قال لنا على مصافّكم كما أنتم ثم انفتل إلينا فقال أما إنّي سأحدّثكم ما حبسني عنكم الغداة. إني قمت من الليل فتوضّأت وصلّيت ما قدّر لي فنعست في صلاتي حتى استثقلت فإذا أنا بربّي تبارك وتعالى في أحسن صورة فقال يا محمد قلت لبّيك ربّ قال فيم يختصم الملأ الأعلى قلت لا أدري قالها ثلاثا فرأيته وضع كفّه بين

كتفيّ حتى وجدت برد أنامله بين ثدييّ فتجلّى لي كلّ شيء وعرفت فقال يا محمد قلت لبّيك ربّ قال فيم يختصم الملأ الأعلى قلت في الكفّارات قال ما هنّ قلت مشي الأقدام إلى الحسنات والجلوس في المساجد بعد الصلوات وإسباغ الوضوء حين الكريهات. قال فبم؟ قلت: إطعام الطعام ولين الكلام والصلاة بالليل والناس نيام. قال سل قل اللهمّ إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحبّ المساكين وأن تغفر لي وترحمني وإذا أردت فتنة قوم فتوفّني غير مفتون. أسألك حبّك وحبّ من يحبّك وحبّ عمل يقرّب إلى حبّك. قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إنّها حقّ فادرسوها ثمّ تعلّموها» «1» . وقد أوردنا بعض هذا الحديث الذي وصف ابن كثير بأنه حديث المنام المشهور في سياق تفسير آيات سورة النجم الأولى. وقد رأينا إيراده بجميع نصّه هنا لأن المفسرين أوردوه في سياق الآيات التي نحن في صددها. ولأن فيه صورة رائعة لاستغراق النبي في عبادة ربّه حتى يراه ويتحاور معه. وصورة رائعة كذلك لحياته مع أصحابه ومسارعته إلى إبلاغهم كل ما يقع له ولو كان رؤيا منام على اعتبارها حقا يجب إبلاغها إليهم. وما في المحاورة والوعاء من التلقينات والفوائد. إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ (71) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (74) قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (75) قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (1) (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (78) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي (2) إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (3) (83) قالَ

_ (1) هذا النص من التاج فصل التفسير ج 4 ص 204 وقد روى هذا الحديث بطرقه المحدّث المفسّر البغوي مع فرق يسير في الصيغة. وأورده ابن كثير بعينه عزوا إلى الإمام أحمد الذي رواه كذلك بطرقه عن معاذ.

تعليق على قصة آدم وسجود الملائكة له وتمرد إبليس وتلقيناتها

فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) [71- 85] . (1) رجيم: مرجوم بالحجارة، والمقصد مطرود بقوة. (2) أنظرني: أخّرني وأمهلني. (3) المخلصين: الذين أخلصوا من الغواية واهتدوا إلى الله والتزموا حدوده. احتوت الآيات حكاية قصة خلق آدم وسجود الملائكة له بأمر الله تعالى وتمرّد إبليس على هذا الأمر، وما كان من حوار بينه وبين الله. وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى بيان آخر. والمتبادر أنها هي الأخرى متصلة بالسياق السابق اتصال تعقيب وعظة وتذكير. وحرف «إذ» الذي بدئت به قرينة على ذلك. ولعلّ الاتصال قائم بنوع خاص فيما ذكرته الآيات السابقة من ذكر الطغاة واستكبارهم على دعوة الله وتعاظمهم على المؤمنين، فجاءت هذه الآيات تحكي موقف إبليس المماثل لموقفهم. ونستدرك هنا أن الآيات لم تذكر اسم آدم بصراحة، وقد ذكرناه بصراحة لأن القصة في سور أخرى قد احتوت اسمه، حيث جاء في سورة البقرة هذه الآية من سلسلة القصة ذاتها: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (34) . تعليق على قصة آدم وسجود الملائكة له وتمرّد إبليس وتلقيناتها وقصة آدم وإبليس قد وردت في القرآن سبع مرات. ست منها في السور المكية وهي هذه السورة وسور الأعراف والحجر والإسراء والكهف وطه وواحدة في سورة البقرة المدنية. ومحتوياتها متقاربة مع بعض الفروق من حيث البيان

والحوار والتلقين والتوجيه، وبينها وبين قصص الأنبياء وأممهم مماثلة من ناحية التكرار ومن ناحية الأسلوب والسياق ففي كل مرة تأتي في سياق التنديد بالكفار ومواقفهم وتمردهم وتربط ذلك بما كان من موقف إبليس واستحقاقه من أجل ذلك غضب الله، وبما كان من خضوع الملائكة لأمر الله ومسارعتهم إلى تنفيذه. وأسلوبها وعظي وليس سردا قصصيا وهذا هو شأن قصص الأنبياء وأقوامهم. وهذا كله يسوغ القول إن هذه القصة لم تورد في القرآن لذاتها وفي معرض تقرير بدء خلق البشر، وإنما أوردت بقصد العظة والاعتبار وضرب المثل. والإشارة إلى ما في عصيان الله والتمرّد على أوامره من جريمة منكرة، وإلى أن الذين يتمردون على الله ودعوته إنما هم تبع لإبليس، ثم إلى ما في مسارعة الملائكة إلى تنفيذ أمر الله والخضوع له من المثل الحسن الذي يتضمن تقرير كون الذين يستجيبون إلى الله ودعوته هم سائرون في الطريق القويم الذي سار فيه الملائكة. ويتبادر لنا بالإضافة إلى هذا أن القصة استهدفت فيما استهدفته تسلية النبي صلّى الله عليه وسلّم والمسلمين. فالذين لا يستجيبون إلى الدعوة هم ذوو النيات الخبيثة والقلوب المريضة المتكبرون المتعالون الذين يجد فيهم إبليس مجالا للوسوسة والإغواء. ومصيرهم جميعا إلى النار. وأن طريق إبليس مسدود بالنسبة لذوي النيات الحسنة والقلوب السليمة والرغبة الصادقة في الحق والهدى، الذين يستجيبون إلى دعوة الله ويلتفون حول نبيه. وفي جملة إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ من حكاية كلام إبليس تأييد لذلك. وفي كل هذا تلقينات جليلة مستمرة المدى من حيث التبكيت بالمنحرفين وقرنهم بإبليس والتنويه بالصالحين وقرنهم بالملائكة. ولعلّ مما يندمج في أهداف القصة وأسلوبها أمرين مهمين بالنسبة إلى عقائد العرب في الملائكة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة المدثر. أولهما توجيه العرب الذين للملائكة في أذهانهم صورة فخمة إلى الاحتذاء بهم في إطاعة أمر الله واستجابة دعوته. وثانيهما تفهيم العرب أن الملائكة الذين يشركونهم مع الله ليسوا

إلّا عبيدا له يسجدون لمن خلقه من طين استغراقا في الخضوع له. وأن من كان هذا شأنه لا يجوز اتخاذه ربا أو شريكا لله واعتقاد القدرة فيه على النفع والضرّ والمنح والمنع. وفي القرآن آيات عديدة فيها حكاية تنصل الملائكة وتقرير بخضوعهم لله وعبوديتهم له مثل آيات سورة سبأ هذه: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (40) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41) وآية سورة النساء هذه: نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (172) وآيات سورة الأنبياء هذه: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (26) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29) . وهذا التوجيه يؤدي إلى التساؤل عما إذا كان العرب يعرفون ما يرمز إليه تعبير إبليس وعما إذا كانوا يعرفون كذلك قصة آدم والملائكة وإبليس. لأن استحكام الحجة عليهم والتأثر بالعظة والعبرة منوطان بذلك على ما قررناه في المناسبات السابقة. وللإجابة على النقطة الأولى ينبغي أن نبحث في كلمة إبليس. فهناك من يقول إنها معربة من كلمة ديابوليس اليونانية التي كانت ترمز إلى الشيطان الموسوس «1» . وهناك من يقول إنها عربية الجذر والاشتقاق والصيغة وإنها من جذر (أبلس) بمعنى يئس وعلى صيغة إفعيل مثل إزميل. وفي القرآن ورد اشتقاق من هذا الجذر بهذا المعنى في آيات سورة الروم هذه: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (12) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ

_ (1) انظر تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي ج 5 ص 309 وبعدها.

كافِرِينَ (13) وفي آيات سورة الزخرف هذه: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (74) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75) وقد أنكر الزمخشري عروبة الكلمة وقال إنها أعجمية معرّبة واستدلّ على ذلك بامتناعها عن الصرف. غير أن ابن منظور صاحب لسان العرب ومفسرين آخرين رجحوا عروبتها. ونحن نرجّح ذلك ما دام هناك جذر عربي فصيح وقرآني يمكن أن ترجع إليه الكلمة. ومما لا ريب فيه أن الكلمة كانت متداولة على لسان العرب قبل الإسلام. وتبعا لترجيح عروبتها الفصحى يمكن أن يقال إنها نعت لا اسم وأنها نعت ذمّ وأن العرب كانوا يفهمون هذه الدلالة. ولقد ذكرنا في التعليق على كلمة الشيطان في سياق سورة التكوير أن كلمة الشيطان التي هي أيضا نعت ذمّ وتشنيع وردت في القرآن مرادفة لكلمة إبليس وأنها كانت مفهومة الدلالة عند العرب من حيث إنها كانت تطلق فيما تطلق عليه على العنصر الخفي الشرير الذي يوسوس للناس ويغويهم. وهذا يعني أن العرب كانوا يرادفون بين الشيطان وإبليس ويعرفون أن إبليس هو اسم آخر للشيطان الذي يوسوس للناس ويغويهم. ولقد قلنا في التعليق السابق الذكر إنهم يمكن أن يكونوا عرفوا دور الشيطان من أهل الكتاب. وهذا ينسحب على كلمة إبليس التي كان الكتابيون يرادفون بدورهم بينها وبين الشيطان «1» . وأما بالنسبة للنقطة الثانية فنقول: إن سفر التكوين من أسفار العهد القديم المتداول في أيدي الكتابيين قد ذكر القصة، وملخص ما جاء فيه «2» (أن الله خلق آدم من تراب وسوّاه ونفخ فيه نسمة الحياة، ثم خلق حواء من ضلعه وأسكنهما في جنة أنشأها لهما في عدن شرقا، وأباح لهما الأكل من كل شجرة إلّا شجرة معرفة الخير والشرّ فنهاهما عن أكل ثمرها، ولكن الحية التي كانت أحيل جميع الحيوانات أغوت حواء وأغرتها بالأكل من هذه الشجرة قائلة لها: لن تموتا إذا أكلتما منها كما قال لكما الله، وإن الله عالم أنكما في يوم تأكلان منها تتفتح

_ (1) انظر مثلا الفصل العشرين من رؤيا يوحنا وهو من الأسفار الملحقة بالأناجيل. (2) الإصحاحان الثاني والثالث.

أعينكما وتصيران كالآلهة وتعرفان الخير والشر. فأكلت حواء وأعطت بعلها فأكل. فانفتحت أعينهما فعرفا أنهما عريانان فخاطا من ورق التين مآزر. وسمعا صوت الربّ وهو يتمشى في الجنة فاختبآ من وجهه فنادى الرب آدم أين أنت؟ قال: إني سمعت صوتك فخشيت لأني عريان فاختبأت. قال فمن أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها؟ قال: إن المرأة التي جعلتها معي أعطتني من الشجرة فأكلت. فسأل الربّ المرأة فقالت أغوتني الحية، فغضب عليهما ربهما وأخرجهما من الجنة ليكدا ويتعبا في الأرض ويعرقا في سبيل أكل خبزهما بعد أن صنع لهما أقمصة من جلد، ولعن الحية وآذنها بعداوة دائمة ضارية بينها وبين ذرية آدم وحواء، وأنذر حواء بمشقة الحمل والولادة وآلامهما إلخ ... ) . وهذا الملخص يتسق مع ما جاء عن القصة في سورة الأعراف بشيء من التباين حيث ذكر في الآيات إبليس بدلا من الحية «1» وذكر فيها أمر الله للملائكة بالسجود لآدم وتمرد إبليس والحوار بينه وبين الله وبينه وبين آدم وحواء وهو ما لم يرد في سفر التكوين كما ترى في هذه الآيات: وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ

_ (1) في تفسير الخازن لآيات القصة في سورة الأعراف أن إبليس اتخذ الحيّة مطيّة للدخول إلى الجنة بعد طرده وتمكّن بذلك من إغواء آدم وحواء. وفي تفسير البغوي لآيات القصة في سورة الأعراف أيضا أن حواء قالت إن الحيّة أغوتها وإن الحية قالت إن إبليس أمرها. وفي الإصحاح العشرين من سفر رؤيا القديس يوحنا أحد حواريي المسيح عليه السلام هذه العبارة: (فقبض الملاك على التنين الحية القديمة الذي هو إبليس والشيطان وقيده) . وهذا السفر من أسفار العهد الجديد المتداولة اليوم. والنص يفيد أن الكتابيين كانوا يتداولون قبل البعثة النبوية أن الذي أغرى آدم وحواء هو إبليس. وهذا متطابق مع ما جاء في القرآن. ولعلهم كانوا يتداولون أن إبليس تمثّل لهما على صورة التنين أو الحية.

خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (17) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18) وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (20) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (23) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (24) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (25) يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (27) . ومع المباينة التي بين الآيات وسفر التكوين فإن التوافق الكبير بينهما يجعلنا نميل إلى القول إن القصة كما وردت في هذه السورة وغيرها من السور لم تكن غريبة عن السامعين لأن أسلوبها تذكيري يلهم أنه بسبيل التذكير بشيء غير غريب. لأن العبرة القرآنية إنما تتحقق بذلك. ونعتقد أن الكتابيين كانوا في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم يتداولون أسفارا وقراطيس لم تصل إلينا فيها شروح وحواش متّسقة مع ما ورد في القرآن من القصة. وأن العرب في بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم وعصره عرفوها عن طريقهم بحيث يمكن أن يقال إن المخاطبين بالقرآن لأول مرة كانوا يعرفون قصة آدم وإبليس وتمرّد إبليس على الله وطرده من رحمته ودوره في إغواء الناس فاقتضت حكمة التنزيل أن تتلى عليهم لأول مرة في هذه السورة ثم تتكرر بأساليب متنوعة لما انطوى فيها من تلقينات ومواعظ وعبر وأهداف على النحو الذي شرحناه. وهكذا يصدق ما قلناه

في تعليقنا على القصص القرآنية في سورة القلم من أن سامعي هذه القصص من العرب كانوا يعرفونها على هذه القصة أيضا. وفي كتب التفسير «1» روايات كثيرة عن أهل التأويل في الصدر الإسلامي الأول من ابن عباس وقتادة والضحاك والحسن وسعيد بن جبير وابن زيد وغيرهم في سياق هذه الآيات وآيات السور الأخرى التي وردت فيها القصة. كما أن في هذه الكتب أقوالا كثيرة للمفسرين أنفسهم في كيفية خلقة آدم والطينة التي جبل منها ونفخ الله من روحه فيه وخلق زوجته منه والجنة التي أسكنهما فيها والشجرة الممنوعة إلخ معظمها تخمينية واجتهادية فيها السمين والغثّ والمتسق مع ما ورد في القصة في القرآن وسفر التكوين وغير المتسق. وفي بعضها كثير من الإغراب أيضا. ومثل هذا يقال في ما رووه وقالوه في صدد إبليس وماهيته وذريته وأسمائهم وأشكالهم وتفريخهم وأدوارهم. ولم نر طائلا في إيرادها لأنها ليست من أهداف القصة ولكنها تدلّ كما قلنا على أن القصة كانت مما يتداوله أهل عصر النبي صلّى الله عليه وسلّم وبيئته وليس لذلك مصدر إلّا الكتابيون فيهما. ولقد انجرّ بعضهم إلى بحوث علمية بسبيل التوفيق. ومنهم من رأى في القصة رموزا ومعاني تمثيلية. ومنهم من حاول أن يرى صلة بين خلود روح الإنسان بخاصة وبين تعبير نفخ الله من روحه في الإنسان الأول الذي خلقه من طين وصار أبا البشر. ومنهم من حاول أن يوفق بين هذه الآيات وبين الآيات الأخرى الواردة في صدد نشأة الكون والخلق ثم بينها وبين النظريات العلمية القائمة على ناموس التطور والاصطفاء والنشوء والبقاء أو نشوء جميع الأحياء من نبات وحيوان على مختلف المستويات من التراب والماء مما لا نرى طائلا ولا محلا له كذلك في مجال القصة وأهدافها. ومن غريب ما عزي إلى ابن عباس وبعض التابعين مثل قتادة والضحاك أن إبليس كان من الملائكة بل كان من أشرافهم وكان خازنا للسماء وللجنة. وأنه لو

_ (1) انظر تفسير آيات القصة في هذه السورة والسور الأخرى في كتب الطبري والبغوي وابن كثير والزمخشري والقرطبي والنسفي والخازن ورشيد رضا والقاسمي والطنطاوي جوهري.

لم يكن من الملائكة لما أمر بالسجود لأن الله أمر الملائكة بالسجود فسجدوا وتمرد إبليس. أي أمر معهم بالسجود لأنه منهم وعزي إليهم إزاء آية الكهف التي تصف إبليس بأنه من الجنّ وهي: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ... [50] أن الجنّ الذين منهم إبليس هم قبيلة من الملائكة مع أن في سورة سبأ آية جمعت بين الجنّ والملائكة كخلقين مختلفين بل متعاكسين وهي: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (40) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41) ومع أن القرآن جمع إبليس مع الجنّ في أصل الخلقة حيث قرر في الآيات التي نحن في صددها وأمثالها أن إبليس خلق من نار وقرر في آيات عديدة أن الجنّ خلقوا من النار أيضا مثل آية سورة الرحمن هذه: وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (15) وآية سورة الحجر هذه وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (27) في حين أن هناك حديثا رواه مسلم والإمام أحمد عن عائشة ذكر فيه أنّ الله خلق الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار «1» . ونلاحظ أولا: أن القرآن في صدد ماهية إبليس قد قرر بعض التقريرات التي منها أنه كان من الجنّ كما جاء في آية سورة الكهف التي أوردناها آنفا. مع تقرير أن الجنّ خلقوا من النار كما جاء في آيات سورتي الحجر والرحمن التي أوردناها وغيرها. وحكى قول إبليس أنه هو نفسه خلق من نار كما جاء في آيات قصته التي نحن في صددها وفي السور الأخرى. وقد ذكره بمفرده كما في آيات القصة وأحيانا هو وذريته كما في آية سورة الكهف المذكورة آنفا وأحيانا هو وجنوده كما في آية سورة الشعراء هذه: وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) وذكر الشيطان مرادفا له بصيغة المفرد كما في آية سورة الأعراف [11] التي أوردناها آنفا، وبصيغة الجمع كما في نفس الآية، وذكره هو وقبيله كما في نفس الآية. وعزا إلى إبليس والشيطان وفروعهما إغواء الناس وإضلالهم وتزيينهم لهم الفساد والكفر والإثم كما ورد في

_ (1) التاج ج 5 ص 269.

الآيات التي أوردناها وكثير غيرها وحكى ما جرى من حوار في صدد ذلك بين الله تعالى وإبليس وبين إبليس وآدم، ووقف عند هذا الحدّ. وثانيا: أن القرآن في صدد ماهية آدم وخلقه كرر ما قرره في الآيات التي نحن في صددها بشيء من الخلاف الأسلوبي، وذكر مع ذلك في بعض الآيات خلق الإنسان من طين بدون ذكر آدم وسجود الملائكة كما جاء في آيات سورة المؤمنون هذه: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (13) ووقف عند هذا الحد. وثالثا: أن القرآن أورد كل ما أورده في صدد آدم وإبليس بأسلوب التذكير والعظة لا بأسلوب تقرير واقعة لذاتها. وتكرار القصة مع تنوّع صيغتها وسياقها في كل مرة وردت فيها مما يدل على ذلك فضلا عن الأسلوب. فالأولى- فيما نرى من وجهة التفسير القرآني- الوقوف عند الحد الذي وقف عنده القرآن أو اقتضت حكمة التنزيل إيحاءه في صددها بدون تزيد ولا تخمين مع الإيمان بما احتوته الآيات القرآنية من صور وعدم التورط في تخمين الكيفيات التي لم تقتض حكمة التنزيل بيانها ومع ملاحظة أن هذه القصة هي مثل سائر القصص من قسم القرآن الثاني الذي سميناه بالوسائل، والذي يمكن أن يدخل في نطاق المتشابهات اللاتي ذكرت في آية سورة آل عمران مقابل الآيات المحكمات اللاتي هن أمّ الكتاب والتي ليست الإحاطة بماهيتها من الضرورات الدينية وأن هدفها هو التدعيم والعبرة والعظة، وأنه ليس في التخمين والتزيد طائل كما أنهما لا ينسجمان مع الهدف القرآني، ونرى في الوقت نفسه أن ما نقله المفسرون من الروايات دليل على أن أشياء كثيرة حول آدم وإبليس كانت متداولة في بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم وعهده، منها ما مصدره أسفار العهد القديم ومنها ما كان يتناقله الكتابيون على هامشها من شروح وحواش من الجائز أن تكون وردت في قراطيس كانت عندهم ولم تصل إلينا وبكلمة أخرى إن هذه القصة كانت معلومة عند السامعين، فأوحى الله بها في القرآن استهدافا للعظة والإنذار والتدعيم.

أما ما جاء في هذه الآيات وغيرها من دور إبليس والشيطان وأعوانهما في إغراء الناس وإغوائهم، ومن صراحة القرآن بموافقة الله عزّ وجلّ على قيامه بهذا الدور كما جاء في آيات أخرى منها آيات سورة الإسراء هذه التي جاء فيها ذلك بصراحة: قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً (63) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً (64) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (65) فيمكن أن يقال في صدده إن من واجب المسلم الإيمان به ما دام القرآن قد أخبر به دون تورط كذلك في التخمين ومع الإيمان بأن لذلك حكمة يمكن أن تكون قصد تقرير كون الناس معروضين للاختبار وأنهم بعد أن يكون الطريق قد وضح لهم بواسطة رسل الله يصبحون مدعووين لاختيار ما فيه الصلاح والخير والحق. فالذين حسنت نياتهم وصفت قلوبهم وبرئوا من الهوى والعناد يستجيبون ولا يتأثرون بوسوسة الشيطان. وهم الذين قالت الآيات إنهم المخلصون الذين ليس لإبليس سلطان عليهم. أما الذين خبثت نياتهم وغلظت قلوبهم وتغلّب عليهم الهوى والعناد فهم الذين لا يستجيبون لداعى الله ويتأثرون بوسوسة الشيطان وهم أتباع إبليس الذين قالت الآيات إن الله سيملأ بهم جهنم. ويندمج في هذا تقرير القرآن لمعنى كون الناس غير واقعين في أمر محتم عليهم منذ الأزل ليس لهم منه مناص. لأنهم لو كانوا كذلك لما كان مجال لامتحان الله وتسلّط إبليس عليهم بالوسوسة والإغراء. ولما كان محل للقول إنّ عباد الله الصالحين المخلصين لن يتأثروا بالوسوسة والإغراء لأن تأثير أولئك وعدم تأثّر هؤلاء إنما يكون معقولا بسبب الاختيار وحرية الإرادة والاستجابة سلبا وإيجابا. وبعبارة أخرى قصد الإنذار والتنبيه والتحذير والتطمين والبشرى. ولقد ذكر المفسرون أقوالا في صدد أسباب شمول الخطاب الرباني بالسجود لإبليس مع أن الخطاب موجه للملائكة وفي صدد الأمر بطرد إبليس من الجنة مع آدم وزوجته وإهباطهم إلى الأرض ليكون بعضهم عدوا لبعض، ثم في صدد ما ورد

في القرآن من كون الله قد قصد في الأصل بخلق آدم وزوجته أن يجعل في الأرض خليفة مما هو متناقض في الظاهر مع ما تفيده الآيات من أن هبوطهما من الجنة إلى الأرض كان عقوبة لهما، ومن محاورة الله مع الملائكة حول ذلك ومن تعليم آدم الأسماء كلها إلخ كما جاء في آيات سورة البقرة هذه: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (31) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) وجلّ الأقوال في نطاق التخمين. هذا، ولقد أورد مؤلف كتاب التاج في فصل التفسير وفي سياق آيات القصة نفسها في سورة البقرة بعض الأحاديث النبوية. منها حديث رواه مسلم وأحمد عن أبي هريرة قال: «أخذ النبي صلّى الله عليه وسلّم بيدي فقال خلق الله عزّ وجلّ التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبثّ فيها الدوابّ يوم الخميس وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة» «1» . وحديث رواه الشيخان والترمذي عن أبي هريرة أيضا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا ثم قال اذهب فسلّم على أولئك من الملائكة واستمع ما يحيونك وهي تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله. فكلّ من يدخل الجنة على صورة آدم فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن» «2» . وفي رواية الترمذي: «لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح عطس فقال الحمد لله فقال له ربّه رحمك الله يا آدم اذهب إلى أولئك الملائكة فقل السلام عليكم قالوا وعليك السلام ورحمة الله ثم رجع إلى ربّه فقال إن هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم. فقال الله له ويداه مقبوضتان اختر أيّهما شئت

_ (1) التاج ج 4 ص 33- 34. (2) المصدر نفسه.

قال اخترت يمين ربّي وكلتا يديه يمين مباركة ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته قال يا ربّ ما هؤلاء؟ قال هؤلاء ذريتك. فإذا كلّ إنسان مكتوب عمره بين عينيه» «1» . وحديث رواه الترمذي عن أبي موسى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيّب» «2» . وقد يكون هناك أحاديث أخرى من باب هذه الأحاديث وردت في كتب التفسير أو كتب الحديث الأخرى. ولسنا نرى فيها نقضا لشرحنا وتعليقاتنا المتقدمة وبخاصة لما تبادر لنا من أهداف القصة. ونقول فيما جاء فيها من أمور مغيّبة وماهيات إن من واجب المسلم أن يؤمن بما يثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في هذا الأمر ويقف عنده ولو لم يدرك حكمته ومداه ويفوض الأمر إلى الله ورسوله كما هو الشأن بالنسبة للآيات القرآنية والأحاديث النبوية الثابتة في شؤون أخرى مماثلة مرّت أمثلة لها وسيأتي أمثلة عديدة لها. ولا سيما إن هذه المسألة وأمثالها ليست من أركان الدين المحكمة التي يجب على المسلم معرفتها والعمل بها. ويكفي أن يؤمن بما جاء في القرآن والحديث الثابت فيها والله تعالى أعلم. وما قلناه آنفا ينسحب على هذا. فالقصة وحواشيها إنما جاءت في معرض العظة وليس من طائل في التوسع ولا ضرورة. ولا يتصل بجوهر الهدف القرآني. والأولى أن يوقف منها عند ما وقف القرآن والإيمان به مع ملاحظة الهدف الذي استهدفه منها. كذلك كانت هذه القصة وسيلة إلى الجدل والتشادّ والبحوث الكلامية والمذهبية سواء أكان فيما يتعلق بالإغواء والاختيار وتحتيم الجنة والنار على الناس منذ الأزل، أم فيما يتعلق بتعبير يد الله وروحه الذي ورد في الآيات التي نحن بصددها وأمثالها، أم في موضوع التفاضل بين الأنبياء والملائكة الذي لو حظ في

_ (1) التاج ج 4 ص 34. (2) المصدر نفسه. الجزء الثاني ممن التفسير الحديث 23

تعليق على تعبير ونفخت فيه من روحي

عبارة آيات البقرة [30- 32] لأن آدم كان من الأنبياء حسب التقاليد الإسلامية. وكل هذا لا يدخل في نطاق الهدف القرآني للقصة فلا طائل من ورائه كما أن فيه تحميلا للعبارات القرآنية ما لا تتحمله. تعليق على تعبير وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي وتعبير وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي في الآيات في صدد خلق آدم قد تكرر في القرآن فاستعمل في سياق خلق الإنسان الأول مطلقا في غير قصة آدم وإبليس كما جاء في آيات سورة السجدة: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (9) واستعمل في سياق ذكر خلق عيسى كما جاء في آية سورة الأنبياء هذه: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (91) . وروح التعبير في مختلف المواضع تلهم قصد التدليل على قدرة الله وتقرير دبيب نسمة الحياة في الإنسان الأول وفي رحم أمّ المسيح بأمر الله وقدرته وإرادته. فالواجب الوقوف عند هذا الحد مع ملاحظة أن استنتاج وتقرير أي صلة حقيقية بين الله والإنسان عن طريق الروح بمفهومها الحرفي لا معنى له، وليس مما تقتضيه أو تتحمله العبارات والتقريرات القرآنية المتنوعة، وخاصة ضوابط الكنه الرباني في القرآن التي من أهمها جملة لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ حيث يشمل هذا كل ما يتصل به وصفاته وكينونته مما لا سبيل لإدراكه بعقلنا الإنساني ومما لا تصح فيه أي مماثلة. أما خلود الروح الإنسانية وبعث البشر بعد الموت وخلودهم في النعيم أو العذاب بعد البعث والحساب مما هو مبثوث تقريره في آيات القرآن التي مرّت أمثلة منها فلا يصح أن يجعل بينه وبين وهم كون الإنسان من روح الله تبعا للوهم الذي تثيره الجملة التي نحن في صددها أي صلة. ولا سيما إنه يرد على ذلك كون نسمة

تعليق على ما سجله الله تعالى في القرآن من كرامة بني آدم في هذه القصة

الحياة قدر مشترك ومتشابه بين أنواع الحيوان من إنسان وغير إنسان. وكل ما في الأمر أن حكمة الله تعالى قد جعلت الإنسان يمتاز على سائر الأحياء بالعقل المتكامل الذي يكون به مسؤولا عن كسبه ورتب على ذلك حكمة بعثه وحسابه وتخليده في النعيم والعذاب دون سائر الأحياء. والله تعالى أعلم. تعليق على ما سجله الله تعالى في القرآن من كرامة بني آدم في هذه القصة هذا، وفيما احتوته قصة آدم وإبليس في القرآن من التنويه بخلق الله تعالى آدم بيده ومن نفخه فيه من روحه ومن أمره الملائكة بالسجود له تكريما تسجيل لما اختصه الله من كرامة عظمى كما هو المتبادر. وهذه الكرامة تشمل بني آدم بطبيعة الحال. وفي قصة خلق آدم في سورة البقرة تدعيم لذلك حيث جاء في بعض آياتها: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (31) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) وهذا التدعيم منطو كذلك في آية الإسراء هذه: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (70) ولعلّ من هذا التكريم أو من مظاهره تفوق بني آدم على سائر الحيوانات بمواهبهم العقلية والنطقية وقابليتهم للتكليف واختيار الكسب والتصرف، وجعلهم بذلك أهلا للتكليف والجزاء الأخروي مع مماثلتهم لهم في معظم مظاهر الحياة حتى مع ملاحظة ما يقوله علماء الحياة من أن تميز الإنسان عن سائر الحيوان هو نتيجة تطور طبيعي حيث يمكن أن يقال إن هذا التطور الذي تمثّل في الإنسان هو مظهر من مظاهر حكمة الله وإرادته وتكريمه.

وأعظم بتسجيل كتاب الله المجيد لكرامة بني آدم وخلافته في الأرض فخرا وشرفا يوجبان عليهم التسامي عن العجماوات في تصرفهم وسلوكهم وأخلاقهم في الحياة وقيامهم بواجباتهم قياما تاما نحو الله وخلقه. هذا، ولقد ألقى صادق العظم أحد أساتذة الجامعة الأميركية البيروتية في أحد أندية بيروت في أواسط سنة 1385 هجرية وأواخر سنة 1965 ميلادية محاضرة بعنوان (مأساة إبليس) فيها كثير من التمحل والسفسطة والأخطاء والتناقض رغم كونه ينطلق من العبارات القرآنية للقصة وغيرها مما يفيد أنه مؤمن بالقرآن. ومن جملة ما جاء في المحاضرة أن إبليس الذي كان كبير الملائكة وجد نفسه أمام أمر وواجب. فالله يأمره بالسجود لآدم، وهو يعرف أنه لا يجوز السجود لغير الله. فتمرّد على أمر الله مفضلا التمسك بواجب حصر السجود له وحده فكانت مأساته وكان ضحية لتناقض الله عزّ وجلّ. وقد ناقش المحاضر بعض المفسرين والباحثين قبله الذين قالوا إن السجود الذي أمر به سجود تكريم وليس سجود عبادة ولكنه أصرّ على القول إنه ليس له في القرآن إلّا معنى واحد وهو سجود عبادة. رغم ما في القرآن من آيات طويلة لأولئك القائلين والتي تلزم المحاضر إلزاما لا فكاك له منه لأنه كما قلنا ينطلق من العبارات القرآنية للقصة وغيرها. فقد جاء في صيغة من صيغ القصة في سورة الإسراء عن لسان إبليس: قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً (61) قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62) وقد حكى القرآن سجود أبوي يوسف وإخوته له في سورة يوسف: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا ... [100] ولا يمكن لأي كان أن يزعم أن سجودهم ليوسف كان سجود عبادة من دون الله ويتصف بإشراكه مع الله فيه ... وتغافل المحاضر عن صراحة حكم الله في موقف إبليس الذي حكاه القرآن وهو أنه كان به كافرا متكبرا وإنه استحقّ على هذا الموقف اللعنة المؤبدة والعار. كما جاء في الآيات [76- 85] من هذه السورة وغيرها. وهو ملزم بهذا الحكم إلزاما لا فكاك له منه

لأنه ينطلق من العبارة القرآنية. ولقد تغافل المحاضر تغافلا عجيبا عن أن القرآن يدور جملة وتفصيلا على الدعوة إلى عبادة الله وحده ومحاربة كل نوع من أنواع الشرك به وعبادة غيره والسجود لغيره بأي صورة وتأويل وعمل وإن الله يتنزه والحالة هذه عن أن يأمر الملائكة وإبليس أن يسجدوا سجود عبادة وشرك لغيره. وعن كون إطاعة الملائكة لأمره بالسجود لآدم سجود عبادة تجعلهم مشركين وهم الذين ينزّههم القرآن عن الشرك ويقرر كونهم دائمي العبادة والتسبيح والتقديس له. وعن أنه بدعواه يقف موقفا فيه كل السخف إذ يجعل إبليس أشدّ حرصا على التمسك بواجب توحيد الله من الله نفسه! ويجعله مؤمنا موحدا ضحّى بنفسه في سبيل عقيدته! رغما عن نصوص القرآن! وتغافل كذلك عن ما انطوى في القصة من هدف تذكير سامعي القرآن الذين كانوا يعرفونها بما فيها من عبرة وعظة بسبيل حملهم على عدم الاندفاع بالسير في طريق إبليس المتمرّد على أمر الله: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50) [الكهف] وعلى السير في طريق الملائكة عباد الله المخلصين الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ولقد رددنا عليه ردا قلنا فيه فيما قلنا: «إنه ليس هناك ما يصح أن يكون محلّ نقاش في هذه القصة. فالقصة بالصيغة التي ورد بها في القرآن فريدة لم ترد في غيره. وهي عند المسلمين من المغيبات التي يجب عليهم الإيمان بها لأنها وردت في القرآن مع أخذها على أنها ليست من المحكمات التي هي أمّ الكتاب وإنما هي من المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلّا الله. وأن ورودها في القرآن بالأسلوب الذي وردت فيه وتكررها سبع مرات قد استهدف الموعظة والتذكير لأناس يعرفون مركز كل من الملائكة وإبليس من الله تعالى، ويعترفون بالله كالخالق المدبر للأكوان المحيط بكل شيء علما وقدرة. وإن المحاضر أمام سؤال يجب أن يجيب عليه وهو هل هو مؤمن بالقرآن وبالقصة الغيبية التي وردت فيه؟

[سورة ص (38) : الآيات 86 إلى 88]

فإن كان جوابه إيجابا فإنه يستتبع أن يؤمن بما أخبر الله به من حكمه في هذه القصة وهو أن إبليس امتنع عن تنفيذ أمر الله واستحقّ بذلك لعنته في الدنيا وعذابه في الآخرة كما يستتبع تنزيه الله بأن يأمر بالسجود لغيره سجود عبادة وتنزيه الملائكة عن ذلك. وفي هذه الحالة يكون النقاش في مدى امتناع إبليس عن السجود وتبريره وتخريجه والقول إن ما سجّل عليه من لعنة وكفر وطرد في غير محلّه إلّا أن يكون من باب الجدل مع الله وتوجيه اللوم عليه سبحانه على حكمه واعتبار هذا الحكم جائرا وهذا لا يكون من مؤمن فضلا عن ما في رأيه في ذلك من مفارقة وعدم انطباق مع مدى العبارات والأهداف القرآنية، وإن كان الجواب سلبا فيصبح النقاش من المحاضر في قصة غيبية لم ترد في غير القرآن وليس هو مؤمنا بها أصلا غير ذي موضوع لأنه لا يكون لهذه القصة في ذهنه حقيقة أو أصل إلّا أن يكون من باب ما يعمد إليه بعض سخفاء المبشرين من المماحكات الكلامية التي لا تثبت على نقد ورد وتفنيد ويكون في ذلك في هذه الحالة تنطع وسوء أدب وذوق بالنسبة للعقائد الإسلامية برغم أنه ليس فيها ما يضير هذه العقائد. وقد رأينا أن نسجل هذا الحديث في هذا المقام لما له من جملة بقصة آدم وإبليس ولما فيه من مواضع العبر لمن يتصدّى للجدال في العبارات القرآنية تعسفا وبدون علم ودراية فيه. [سورة ص (38) : الآيات 86 الى 88] قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88) . (1) المتكلف: الفضولي الذي يحمّل نفسه مهمة لم يحمّلها. وقال الزمخشري معنى الجملة ولست من المتصنعين الذين يتحلون بما ليسوا من أهله ويدعون ما ليس عندهم. وقال ابن كثير لا أبلّغ إلّا ما أمرت به بدون زيادة ولا نقص. وقال الطبري لست ممن يتكلّف تخرصه وافتراءه.

التلقين المنطوي في جملة وما أنا من المتكلفين وما روي في سياقها

الآيات متصلة بالسياق والموقف. وقد أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم فيها بتوجيه الكلام للسامعين وبخاصة للكفار الذين أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم في الآيات السابقة بتوجيه الكلام إليهم. وقد جاءت ختاما قويا للسورة واستهدفت توكيد الإنذار للكفار وتوكيد صدق الرسالة النبوية وإيذانا بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم إنما هو منتدب لأداء مهمة وليس مندفعا فيها بالفضول ولا متصنعا ولا زائدا ولا منقصا وليس متوخيا منها أجرا ولا منفعة، وإن هذا الذي يبلغه عن الله هو ذكر للعالمين أجمع ولسوف يتحققون مصداقه ومداه. والمتبادر أن الآيات قد استهدفت فيما استهدفته تسلية النبي صلّى الله عليه وسلّم وتثبيته في الوقت نفسه. التلقين المنطوي في جملة وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ وما روي في سياقها وفي الأمر الرباني للنبي صلّى الله عليه وسلّم بالإعلان بأنه ليس من المتكلفين تلقين تأديبي رفيع للمسلمين بأن لا يتصفوا بما ليس لهم علم وبأن لا يكونوا فضوليين فيما ليس فيه مصلحة وفائدة. ولقد روى الزمخشري في سياق الجملة حديثا مرفوعا رواه البيهقي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في وصف المتكلّف ونصّه: «للمتكلّف ثلاث علامات: ينازع من فوقه. ويتعاطى ما لا ينال. ويقول ما لا يعلم» . وروى البخاري والترمذي في سياقها كذلك حديثا عن عبد الله بن مسعود جاء فيه: «يا أيها الناس من علم شيئا فليقل به. ومن لم يعلم فليقل الله أعلم. فإنّ من العلم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم. قال الله لنبيه صلّى الله عليه وسلّم قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ «1» . وهذا يتساوق مع ذلك التلقين التأديبي الرفيع الذي انطوى في الجملة القرآنية. تعليق على جملة وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88) ولقد تعددت الأقوال التي يرويها الطبري والبغوي وغيرهما من أهل التأويل

_ (1) التاج ج 4 ص 198.

في تأويل هذه الجملة حيث قيل إنها تعني يوم القيامة. أو عند الموت أو عند ما يغلبون في بدر وغيرها أو حين يظهر أمر الإسلام ويعلو. ومهما يكن من أمر فالذي يتبادر لنا أنه انطوى فيها تحد للجاحدين وإنذار لهم وبشرى ربانية بحسن مصير الدعوة الإسلامية إلى العاقبة المحمودة والنجاح التام الذي سوف يعلمون نبأه ويشهدون حقيقة. وهذه البشرى على هذا الوجه معجزة من معجزات القرآن التي تحققت بكل قوة وسطوع في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم وكثير من السامعين، ثم ظلت تتحقق إلى الآن وإلى ما شاء الله بمن انضوى إليها وما يزال ينضوي من المجموعات البشرية العظيمة المنتشرة في كل أطراف الدنيا على اختلاف الألوان والأجناس واللغات والمستويات والنحل والأديان. وجملة إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ تأتي هنا للمرة الثانية حيث جاءت لأول مرة في سورة القلم بصيغة وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (52) وقد علقنا على ما ينطوي في الجملة من مغزى خطير في صدد عموم الدعوة النبوية في سياق سورة القلم فنكتفي بهذه الإشارة.

سورة الأعراف

سورة الأعراف في السورة صور عما كان عليه العرب من أفكار وعادات وعبادات وتقاليد. وعن مواقف العناد والمكابرة التي كان يقفها الجاحدون المكذبون من النبي صلّى الله عليه وسلّم. وفيها حملات على المشركين وتفنيد لتقاليدهم وعقائدهم. وتصوير لمصائر المؤمنين والكفار الأخروية تصويرا فيه الحثّ والتشويق والإرهاب والوعيد. وفيها تقريرات عن مشاهد قدرة الله في كونه، للبرهنة على البعث وربوبية الله ووحدانيته. وفيها قصة آدم وإبليس بتوسع أكثر مما جاء في السورة السابقة، كما فيها قصص عن الأنبياء والأمم السابقة، وعن رسالة موسى لفرعون وبني إسرائيل بإسهاب أكثر مما مرّ في السور السابقة. وقد تخللها مواعظ ومبادئ وتلقينات جليلة. وهي أولى السور التي تبتدئ بأكثر من حرف منفرد واحد. وهي أطول السور المكية بل هي ثالثة السور القرآنية طولا. والسلسلة القصصية فيها أطول السلاسل القصصية في السور الأخرى، مما ينطوي فيه صورة من صور التطور الذي اقتضته حكمة التنزيل. وقد ينطوي فيه كذلك قرينة على صحة نزولها بعد السورة السابقة. وفصول السورة متساوقة منسجمة تلهم أنها نزلت فصولا متلاحقة، والمصحف الذي اعتمدناه يذكر أن الآيات [163- 170] مدنية وجمهور المفسرين يؤيدون ذلك. وأسلوب الآيات ومضمونها يلهمان صحة الرواية. وسياقها السابق واللاحق متساوق معها حيث يبدو في ذلك حكمة إضافتها إلى هذه السورة وفيه كذلك صورة من صور تأليف السور القرآنية.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 1 إلى 9]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الأعراف (7) : الآيات 1 الى 9] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ المص (1) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (3) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (4) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (5) فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (7) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (9) . (1) حرج: ضيق وغمّ وقيل شكّ. وبعض المفسرين أولوا جملة فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ بمعنى لا يضق صدرك بتلاوته وتبليغه للناس وإنذارهم به. وهو الأوجه. (2) تذكرون: تتذكرون بمعنى تتعظون. (3) بأسنا: عذابنا وبلاؤنا. (4) بياتا: التبييت في اللغة الهجوم على قوم ليلا مفاجأة وهم غارون وغافلون. ومعنى الكلمة هنا في الليل وهم نائمون. (5) قائلون: من القيلولة. ومعنى الكلمة هنا وهم في قيلولة النهار. (6) دعواهم: بمعنى قولهم واعتذارهم. (7) ظالمين: هنا بمعنى مجرمين أو جائرين عن طريق الحق. (8) بآياتنا يظلمون: يقفون من آياتنا موقف الإجرام والتمرّد. هذه السورة أولى السور التي تعددت حروف مطلعها المنفردة حيث كانت السور التي قبلها من ذوات الحروف المنفردة تبدأ بحرف واحد وهي (ن) و (ق) و (ص) وقد روى المفسرون أقوالا عديدة فيها منها أنها بمعنى أنا الله أفصل. ومنها أنها رموز إلى بعض أسماء الله أو أقسام ربانية ومنها أنها حروف متقطعة

للاسترعاء والتنبيه. والقول الأخير هو ما رجحناه بالنسبة لمطالع السور المماثلة وما نرجحه بالنسبة لهذا المطلع. ولعلّ حكمة تعدد الحروف متصلة بطول السورة حيث هي أولى السور الطويلة المكية بل أطولها والله أعلم. وهذه هي أول مرة يعقب الحروف المنفردة كلمة الكتاب بدلا من القرآن وبدون قسم. وقد علقنا على هذا الأمر ومداه في سياق سورة (ق) فنكتفي بهذا التنبيه. ومطلع السورة الذي يتألف من مجموعة الآيات [1- 9] قوي استهدف فيما هو المتبادر تثبيت النبي صلّى الله عليه وسلّم وإنذار الكفار والتنويه بالمؤمنين: فلا موجب لضيق صدره مما يوحى إليه من آيات الكتاب لينذر به الناس. وليكون بنوع خاص ذكرى وهدى للمؤمنين به. وليهتف بالناس أن يتبعوا ما أنزل إليهم من ربهم وأن ينبذوا ما يتخذونه من دونه من أولياء لأنه لا يفعل هذا إلّا من غفل عن الحقيقة والحق ولم يترو في أمره. وليس هؤلاء بمعجزي الله سبحانه. فلقد أهلك كثيرا من أمثالهم بما كان يصبّه عليهم من بلاء عذاب يأتيهم وهم غافلون في نوم الليل والنهار فما يكون منهم إلّا الاعتراف بانحرافهم وإجرامهم دون أن ينفعهم ذلك. ولسوف يحشر الله الناس جميعا يوم القيامة فيحاسبهم على أعمالهم التي يخبرهم عنها لأنه لم يكن غائبا عنهم وكان عليما محيطا بكل ما كانوا يعملون ولسوف توزن أعمالهم بالحق والعدل. وسيشهد الرسل الذين أرسلهم الله إليهم هذا الحساب ويسألون بدورهم عن مواقف أممهم منهم فمن كان مؤمنا صالح العمل ثقلت موازينه فأفلح ونجا ومن كان كافرا آثما خفّت موازينه فخسر نفسه. ومن شأن هذا التثبيت بهذا الأسلوب القوي النافذ أن يبثّ الطمأنينة في نفس النبي صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين وأن يهدئ روعهم ويضاعف قوتهم على الصبر. ولقد تكرر في القرآن نهي النبي صلّى الله عليه وسلّم عن الاستشعار بضيق الصدر من تبليغ آيات الله. ومن ذلك ما جاء في آية سورة هود هذه: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ

وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) وقد احتوت الآية تثبيتا مثل التثبيت الذي احتوته الآيات التي نحن في صددها. ولقد حكت آيات عديدة مرّت أمثلة منها ما كان من مواقف النبي صلّى الله عليه وسلّم القوية الجريئة في مواجهة طواغيت الكفار كما حكت آيات عديدة ما كان من عمق إيمانه برسالته واستغراقه فيها مثل آية سورة الأنعام هذه: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19) وآية سورة الأحقاف هذه: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8) . حيث يتبادر من ذلك أن ذلك ليس بسبيل بيان كون صدر النبي صلّى الله عليه وسلّم يضيق فعلا بتبليغ القرآن للناس لأنه قد بلغ المرتبة التي خلصت نفسه بها من كل تردد أو نفاد صبر أو ضيق صدر بإعلان ما يوحى إليه أو شبهة في علوّ كلمة الله في النهاية. وإنما كان يعتلج في نفسه همّ وحزن دائمان بسبب وقوف الزعماء موقف العناد والمناوأة والصدّ، وانكماش أكثرية الناس عن دعوته نتيجة لذلك، على شدّة حرصه على هدايتهم فكانت حكمة التنزيل تقتضي موالاته بالتثبيت والتهوين على ما شرحناه في سياق تفسير سورة (ق) والعبارة هنا من هذا الباب. ولقد سبق الكلام عن مدى تعبير الموازين وثقلها وخفتها في سياق تفسير سورة القارعة فلا حاجة إلى الإعادة. وإنما نذكر في مناسبة ورود جملة وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ما ينطوي في الجملة من الإشارة إلى العدل الرباني في محاسبة الناس ونيل كل واحد نصيبه الحق بالعدل، وقد تكررت هذه الجملة في سورة أخرى. وتعبير وَما كُنَّا غائِبِينَ قد يقوّي توجيهنا في سورة (ق) في صدد تعابير القرناء والشهداء وكتّاب الأعمال عن أيمان الناس وشمائلهم وكونها تعابير أسلوبية للتقريب والتمثيل وكون علم المحيط وقدرته الشاملة في غنى عن ذلك.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 10 إلى 25]

وتعبير أَوْلِياءَ مصروف كما هو المتبادر إلى الشركاء الذين كان العرب يشركونهم مع الله في الدعاء والاستنصار والعبادة. وقد تكرر وروده كثيرا مفردا وجمعا بهذا المعنى وبمعنى الحامي والنصير. والمقطع الأخير من الآية الثالثة يحتوي تسفيها لاتخاذ أولياء غير الله وإشارة إلى ما في ذلك من سخف وقلة بصيرة. وفي هذا توكيد للمبدأ القرآني المحكم الذي لا يسمح بالاتجاه إلى أي قوة أو شخص أو رمز أو نصير أو ولي غير الله في أي شيء من خصائص الربوبية الشاملة الواحدة المنحصرة في الله عزّ وجلّ من نفع وضرر ومنع ومنح وحماية وشفاعة. [سورة الأعراف (7) : الآيات 10 الى 25] وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (10) وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (17) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18) وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (20) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (23) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (24) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (25)

(1) معايش: أسباب العيش. (2) ما منعك ألّا تسجد: أوّل بعض المفسرين مَنَعَكَ بمعنى اضطرك وحينئذ يستقيم المعنى وقال آخرون إن لا زائدة وإن تقدير الجملة هو ما منعك أن تسجد. (3) اهبط: بمعنى انزل أو اخرج. (4) من الصاغرين: من الذليلين الحقيرين. (5) فبما أغويتني: قيل إنها بمعنى فبما أنك خيبتني من رحمتك وقيل إنها بمعنى فبما أنك امتحنتني بالسجود وقيل إنها بمعنى فبما أنك أهلكتني. والجملة هي حكاية لقول إبليس وقيل إنها تعبّر عن عقيدة إبليس بأن الله أغواه وأضلّه. (6) مذؤوما: من الذأم وقيل معناه اللعنة كما قيل معناه العيب والعار. (7) مدحورا: مبعدا ومطرودا. (8) قاسمهما: أقسم لهما. (9) دلّاهما: أمالهما. (10) بغرور: بالتغرير والخداع. (11) يخصفان: يرقعان أو يلصقان. الآيات متصلة بسابقاتها اتصال تعقيب وتذكير وتنديد كما هو المتبادر. فالآيات السابقة احتوت دعوة إلى اتباع ما أنزل الله وتنويها بالمؤمنين وإنذارا للكافرين في الدنيا والآخرة فجاءت هذه الآيات تذكر المدعوين بنعمة الله عليهم وتمكينهم في الأرض وتيسير وسائل العيش لهم ثم بما جبلهم الله عليه من حسن الخلق والتكوين، وتندّد بهم على ما يبدو منهم تجاه ذلك من جحود وقلة شكر لله وعدم الاستجابة لدعوته. ثم تستطرد إلى قصة آدم وإبليس بسبيل التذكير والعظة والتمثيل. فالفئة

تعليق على قصة آدم وإبليس في هذه السورة

الصالحة الخيرة وهم الملائكة قد أطاعوا أمر الله، والفئة الخبيثة الشريرة وهي إبليس قد تمرّد عليه فلعنه الله وطرده من رحمته. وأدّى ذلك إلى أن يتسلّط على ذرية آدم وزوجته ليغويهما كما غوي. ولقد روى الطبري في صدد جملة وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ أنها موجهة لبني آدم وأن خلقهم وتصويرهم يعنيان ما كان من ذلك في صلب آدم ورحم حواء. ولقد نقل ابن كثير هذا التأويل. ولكنه رجّح أن يكون الضميران عائدان إلى آدم بالذات لأن الكلام في صدده وأن استعمال الجمع المخاطب هو بسبب كونه أبا البشر الذين يوجه إليهم الخطاب. ومع ضآلة الفرق في التأويلين بوجه عام فإننا نرى ترجيح ابن كثير في محله. ونرى في الوقت نفسه أن الآية التي جاءت فيها هذه الجملة والتي قبلها قد جاءتا بمثابة تمهيد للخطاب والقصة. وأن فيهما قرينة جديدة على كون قصد العظة والتنبيه للذين يوجه إليهم القرآن هو الجوهري في القصة. تعليق على قصة آدم وإبليس في هذه السورة والقصة هنا أكثر إسهابا منها في السورة السابقة. ولعل من السامعين من طلب الاستزادة فاقتضت حكمة التنزيل هذا الإسهاب. أو لعلّ ذلك كان بسبب استمرار الكفار في جحودهم وعنادهم. وربما كان ذلك قرينة على صحة ترتيب نزول هذه السورة بعد سورة (ص) . وقصد الموعظة والتمثيل والترغيب والترهيب ظاهر في الآيات وفي الآيات التي جاءت بعدها أكثر منه في السورة السابقة. ولعل ذلك متصل بالحكمة التي خمناها في الإسهاب الذي جاء في هذه السورة. ولقد توسّع المفسرون فيما جاء جديدا في القصة توسعا بلغ بعضهم فيه حدّ الإغراب وبخاصة في الماهيات والماديات والأشكال مما لا طائل من ورائه ولا تقتضيه العبارة ولا هدف القصة وغير مستند إلى أحاديث نبوية صحيحة ومن جملة ما قالوه مثلا أن الجنة التي كان آدم وإبليس فيها كانت في السماء واستدلوا على

ذلك بكلمات فَاهْبِطْ مِنْها [الأعراف: 13] واهْبِطُوا مِنْها [البقرة: 38] وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (24) «1» . ومع ما قلناه في سياق السورة السابقة من أنه لا طائل في بحث ذاتية القصة لأنها ليست الهدف فإن هذه الكلمات لا تقتضي أن تكون قد قصدت الإشارة إلى أن الجنة في السماء كما هو المتبادر. وفي آيات القصة الواردة في سورة البقرة آية تفيد أن الله قد خلق آدم ليكون خليفة في الأرض وهي: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (30) . ولقد علقنا في السورة السابقة تعليقا مسهبا على القصة وأشخاصها ونبهنا إلى وجوب الوقوف فيها عند ما وقف عنده القرآن لأنه ليس هناك أحاديث نبوية صحيحة فيها زيادة عن ذلك كما نبهنا إلى الأهداف الجوهرية في القصة المتبادرة من عباراتها وإلى مواضع العبرة والعظة فيها فلا نرى ضرورة للإعادة. غير أن فيما جاء جديدا في الآيات التي نحن في صددها عبرا أخرى تستحق التنويه. كالإشارة إلى ما توطد من عداء بين آدم وإبليس للتنبيه إلى ما في متابعة إبليس من جرم مضاعف لأنه عدو. وهذا ما نبهت إليه الآيات التي تأتي بعد هذه الآيات. وقد ذكرت ذلك أيضا آيات في سور أخرى منها آية الكهف هذه: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50) . وكالإشارة إلى أسلوب الخديعة والتغرير الذي اصطنعه إبليس مع آدم وحواء وما كان له من نتائج أليمة للتنبيه إلى وجوب التروّي في الإصغاء إلى الوسوسة والإغواء وأساليب الغواية وعدم الاندفاع بما فيها من تزويق وبهرجة.

_ (1) انظر تفسير آيات القصة في سورتي البقرة والأعراف في تفسير ابن كثير والخازن.

تعليق على التلقين القرآني بالشكر لله ومداه

تعليق على التلقين القرآني بالشكر لله ومداه وبمناسبة التنديد بقلّة شكر بني آدم لله عزّ وجلّ في الآية [10] وبقول إبليس من أنه سوف يوسوس لبني آدم حتى يمنع أكثرهم عن شكر الله في الآية [17] من الآيات التي نحن في صددها نقول إن القرآن قد احتوى آيات كثيرة في سورة مكية ومدنية فيها أمر بالشكر لله والحث عليه والوعد بزيادة نعمة الله للشاكرين والدعاء لله بأن يوفق الداعي إلى شكره واعتبار عدم الشكر جحودا لله وفضله وعنوانا للكفر به وتقرير كون الله شاكرا من شكره مسبغا عليه نعمته ورعايته مجزيه عليه بأحسن الجزاء. والإيذان مع ذلك بأن الله غني عن الناس وعن شكرهم وأن الشاكر إنما يشكر لنفسه من حيث إنّ في الشكر اعترافا بالله وفضله ونعمته وتقربا إليه للازدياد من هذا الفضل والنعمة. من ذلك على سبيل التمثيل هذه الآيات: 1- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة: 172] . 2- فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [آل عمران: 123] . 3- وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [آل عمران: 144] . 4- وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم: 7] . 5- وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [لقمان: 12] . 6- إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ... [الزمر: 7] . 7- إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ [التغابن: 17] . حيث تدلّ هذه الآيات التي لها أمثال كثيرة في السور المكية والمدنية على ما الجزء الثاني من التفسير الحديث 24

[سورة الأعراف (7) : الآيات 26 إلى 27]

أعاره القرآن لموضوع الشكر لله من عناية واهتمام. ولقد رويت أحاديث نبوية في هذا الصدد متساوقة في المدى والتلقين مع الآيات القرآنية. منها حديث رواه الترمذي عن ثوبان أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لما سئل أي المال خير فنتخذه: «أفضله لسان ذاكر وقلب شاكر وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه» «1» . وحديث رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من لا يشكر الله لا يشكر الناس» «2» . وحديث رواه الإمامان المذكوران أيضا عن جابر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من أعطي عطاء فوجد فليجز به ومن لم يجد فليثن فإنّ من أثنى فقد شكر ومن كتم فقد كفر» «3» . وللشيخ مصطفى المراغي كلمة جديرة بالإيراد في هذا السياق حيث قال إن كلمة الشكر من جوامع الكلم تنتظم كل خير وتشمل كل ما يصلح به قلب الإنسان ولسانه وجوارحه. وإن الشكر لله على ما أنعم به على الإنسان من مال أو علم يطهّر النفوس ويقرّبها من الله ويوجّه إرادتها إلى الوجهة الصالحة في إنفاق النعم في وجوهها المشروعة. ويبث فيها الأمل والرجاء والطمأنينة إلى وعد الله بالزيادة والرعاية وحسن الجزاء. [سورة الأعراف (7) : الآيات 26 الى 27] يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (27) . (1) لباسا يواري سوآتكم وريشا: إشارة إلى ما يسّره الله للناس من وسائل

_ (1) التاج ج 4 ص 116. [.....] (2) التاج ج 5 ص 62- 63. (3) انظر المصدر نفسه.

تعليق على دلالة جملة إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم

اللباس. وقيل إن الريش هو المال أو ما يستر به أو ما يتزين به، ويتبادر لنا أنه إشارة إلى أصواف الأنعام وأشعارها وأوبارها التي تصنع منها الثياب. (2) لباس التقوى: الأرجح أنه تعبير مجازي يقصد به أن التزام سبيل التقوى أو العمل الذي فيه تقوى أو الدعوة التي أنزلها الله في القرآن هو خير من كل شيء. روى الطبري عن مجاهد أن هاتين الآيتين والآيتين اللتين بعدهما نزلتا في قريش حيث كانوا في الجاهلية يطوفون عراة بقصد تحذيرهم وتنبيههم إلى وجوب الاحتشام والتزين وقبح التعري وأن الله قد أنزل لهم اللباس والرياش لتفادي ذلك. والرواية لم ترد في كتب الصحاح. ونرجح أنها من قبيل التطبيق بسبب ما روي في سياق آية أخرى تأتي بعد قليل. وأن الآيات جاءت معقبة على قصة آدم وإبليس لتستطرد إلى تذكير بني آدم بما أنعم الله عليهم من اللباس والرياش الذي يواري سوآتهم وإلى تحذيرهم من أن يفتنهم الشيطان الذي فتن أبويهم من قبل والذي يراهم هو وقبيله من حيث لا يرونهم، وإيذانهم بأن التزام تقوى الله وخشيته كما أمروا هو كل الخير لهم. وبأن الشياطين قد جعلوا أولياء للذين لا يؤمنون بالله ولا يلتزمون أوامره. ويبدو فحوى الآيتين بهذا الشرح المستلهم منه قويّا نافذا كما تبدو صلتهما بالسياق السابق واضحة. والله تعالى أعلم. تعليق على دلالة جملة إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ وتعبير إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ قد استهدف فيما هو المتبادر شدّة التحذير والتنبيه. فلا يقولن أحد إني لا أرى الشيطان أو إني في نجوة منه، فهو دائم الترصد للناس. وإذا كانوا لا يرونه فإنه يراهم هو وقبيله والعدو المتربص المختفي هو أشد نكاية من الظاهر. ولعله يندمج في هذه العبارة تقرير ما يتنازع الإنسان من عوامل الشر والميول الأثيمة في باطنه مما يحسّ به كل امرئ.

ولقد استدلّ بعضهم بهذه الجملة على أن بني آدم لا يمكن أن يروا الجن الذين منهم إبليس ومرادفه الشيطان كما ذكرت ذلك آية سورة الكهف [50] التي أوردناها قبل قليل. بل قال بعضهم إن من قال إنهم يرون هو كافر لأنه بذلك يكذب القرآن وإن زعم رؤيتهم زور ومخرقة. وإلى هذا قال بعضهم إنه ليس في الآية تقرير صريح بأن رؤيتهم ممتنعة البتة وكل ما فيها أن الشيطان يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم وإن انتفاء رؤيته لنا في وقت ما لا يستلزم انتفاءها مطلقا. وبعضهم يستثني من ذلك الأنبياء ويساق في هذا المساق حديث رواه البخاري ومسلم في رؤية النبي صلّى الله عليه وسلّم عفريتا. ويساق حديث رواه الإمام أحمد في رؤية النبي صلّى الله عليه وسلّم إبليس. والحديثان أوردناهما في سياق تعليقنا على قصة سليمان في سورة ص. ويساق كذلك ما ورد في القرآن من خبر تسخير الجن لسليمان في مختلف الأعمال وحبسه بعضهم مما ورد شيء منه في السورة المذكورة كذلك. وتعليقا على ذلك نقول مرة أخرى: أولا: إن القرآن ذكر استماع الجن للقرآن من النبي صلّى الله عليه وسلّم مرتين بأسلوب يدلّ دلالة قاطعة على أن النبي لم يرهم وإنما أعلم بذلك أو أمر بأن يقول إن الله أخبره بذلك على ما جاء في آيتي سورتي الأحقاف والجن اللتين أوردناهما في ذلك التعليق. وثانيا: إنه لم يثبت ثبوتا يقينيا عيانيا أن بني آدم رأوا أو يرون الجنّ. وثالثا: إزاء النص القرآني بالنسبة لسليمان وإزاء الحديث الصحيح بالنسبة للنبي صلّى الله عليه وسلّم يمكن أن يقال إن الأنبياء يرونهم بالقوة التي امتازوا بها والتي كانوا يرون بها الملائكة أيضا. وعلى كل حال فهذه المسألة تابعة لأصل وجود الجن الواجب الإيمان به لأنه ثابت بالنصّ القرآني مع ملاحظة ما نبهنا عليه من ذلك في سياق سورة الناس. والله تعالى أعلم.

تعليق على جملة إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون

تعليق على جملة إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ويتبادر لنا أن تعبير إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ هو أسلوبي من باب ما جرى عليه النظم القرآني أحيانا من نسبة كل أمر إلى الله عزّ وجلّ من حيث الأصل مع قيام القرينة على أن ذلك نتيجة لمسلك وأخلاق الذين لا يؤمنون. وقد قصد به التنديد بالكافرين ونسبة ما هم فيه من كفر وإثم إلى وسوسة الشياطين وإغراءاتهم كما قصد به تطمين المؤمنين بأنه لا سبيل للشياطين عليهم فأولياء الكفار هم الشياطين في حين أن الله عزّ وجلّ هو وليّ المؤمنين. وفي آيات قصة آدم وإبليس في سورتي الحجر والإسراء تقرير صريح لذلك حيث جاء في الأولى هذه الآية: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (42) وفي الثانية هذه الآية: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (65) ، وفي سورة النحل آيتان تؤيدان هذا القصد مع تأييدهما لأسلوبية التعبير وهما: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) وفي إحدى الآيات التالية توكيد آخر حيث نسب فعل اتخاذ الشياطين أولياء إلى الكفار. فنحن ننزّه الله عزّ وجلّ عن أن يجعل الشياطين أولياء لأناس دون كسب وسبب منهم. وهو إنما يضلّ الظالمين والفاسقين ويهدي إليه من أناب ويثبت الذين آمنوا بالقول الثابت كما جاء في آية سورة إبراهيم هذه: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (27) وآيات سورة البقرة هذه: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي

[سورة الأعراف (7) : الآيات 28 إلى 30]

الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (27) وآيات سورة الرعد هذه: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (27) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29) والجملة التي نحن في صددها من هذا الباب. وفي سورة الزخرف آية فيها تفسير آخر مع تساوقها في المآل مع هذه الآيات وهي: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) أي إن الشيطان إنما يسلط على الذي يتعامى عن ذكر الله ويصرّ على طريق الكفر والإثم. [سورة الأعراف (7) : الآيات 28 الى 30] وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) (1) فاحشة: معنى الكلمة كل ما عظم قبحه. وقد روي عن ابن عباس «1» أن الكلمة هنا كناية عن عادة الطواف في حالة العري. (2) القسط: هنا بمعنى العدل والحق. والكلمة من الأضداد حيث وردت كلمة القاسطين بمعنى المنحرفين عن الحق. (3) أقيموا وجوهكم: وجهوا وجوهكم. (4) مسجد: وردت هذه الكلمة في آيات عديدة في معنى السجود والصلاة مطلقا وفي معنى مكان السجود والصلاة. ويجوز أنها هنا في المعنى الأول كما يجوز أن تكون في المعنى الثاني بل يجوز أن تكون في المعنيين والله أعلم.

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري وغيره.

الآيات معطوفة على سابقاتها، وضمائر الجمع الغائب وبخاصة في الآية الأولى عائدة إلى لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ المذكورين في آخر الآية السابقة بحيث يصح القول إن الآيات استمرار في السياق السابق. وقد احتوت تنديدا بالكفار الذين كانوا يقولون عن الفاحشة حينما يفعلونها إنهم وجدوا آباءهم عليها وإن الله قد أمرهم بها افتراء على الله بدون علم وبينة. وأمر للنبي صلّى الله عليه وسلّم بالإعلان بأن الله لا يمكن أن يأمر بالفحشاء وإنما الذي أمر به هو العدل والاستقامة وتوجيه الوجوه في العبادة والسجود وأماكنهما إليه وحده بكل إخلاص، وبأن الله سيعيدهم كما بدأهم وبأن الناس فريقان فريق هداهم الله وفريق حقّت عليهم الضلالة. لأنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويتوهمون مع ذلك أنهم مهتدون. ولقد تعددت التأويلات التي يرويها المفسرون «1» لجملة كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ منها أن الله يعيد الناس يوم القيامة على حالتهم في الدنيا كافرهم كافر ومؤمنهم مؤمن ومنافقهم منافق. ومنها أن ذلك متصل بالمقدر الأزلي عليهم فمن قدر عليه أن يكون مؤمنا وسعيدا أو كافرا أو منافقا أو شقيا صار كذلك حينما يخرج إلى الدنيا مهما بدا في بعض الظروف غير ذلك. وقد أورد المفسرون في صدد هذين القولين بعض الأحاديث النبوية منها حديث رواه مسلم وابن ماجه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم جاء فيه: «يبعث كلّ عبد على ما مات عليه» «2» . وفي رواية أخرى: «تبعث كلّ نفس على ما كانت عليه» «3» . وحديث رواه البخاري عن ابن مسعود عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «فوالذي لا إله غيره إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلّا باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فليعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلّا باع أو ذراع فيسبق

_ (1) انظر الطبري والبغوي وابن كثير والخازن. (2) النصوص منقولة عن ابن كثير. (3) انظر المصدر نفسه.

تعليق على جملة وإذا فعلوا فاحشة

عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة» «1» . ومنها أنها بمعنى كما خلقكم ولم تكونوا شيئا فأحياكم كذلك يميتكم ثم يحييكم. ومنها أنها بمعنى كما خلقكم عند خروجكم من الدنيا يعيدكم كذلك بعد الموت. أو كما خلقكم أولا يعيدكم ثانية. وأوردوا في صدد القول الثاني حديثا رواه ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أيها الناس إنّكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا» وقرأ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ» [الأنبياء: 104] «2» . وقد رجّح الطبري أحد الأقوال الثلاثة الأخيرة واستبعد القولين الأولين واستأنس بآية سورة الأنبياء التي جاءت في الحديث النبوي الأخير. وفي هذا الصواب والسداد فيما هو المتبادر. تعليق على جملة وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً وأسلوب الآيات يلهم أنها بسبيل الإشارة إلى مشهد من مشاهد الجدل قام بين النبي صلّى الله عليه وسلّم والكفار حول بعض التقاليد والطقوس التي كان يمارسها العرب اقتداء بآبائهم ويعتقدون أنها متصلة بأوامر الله وشريعته. وقد قال المفسرون «3» في سياق تفسير الآيات إن العرب كانوا يستحلون الطواف حول الكعبة في حالة العري وإن الآيات نزلت في تقبيح هذه العادة واعتبارها فاحشة منكرة. وروح الآيات تلهم صحة ذلك. ومما روي في معرض ذلك «4» أن العرب كانوا حينما يريدون الطواف يخلعون ثيابهم العادية ويلبسون ثيابا أو مآزر خاصة حتى لا يطوفوا بالثياب التي قد يكونون اقترفوا بها ذنبا فإن لم

_ (1) النص منقول عن ابن كثير. (2) انظر المصدر نفسه. (3) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والطبرسي والخازن. (4) انظر كتابنا عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة ص 197 وما بعدها مع كتب التفسير السابقة الذكر.

تعليق على جملة فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة

يجدوا هذه الثياب أو المآزر التي كان يؤجرها سدنة الكعبة الذين كانوا يسمون الأحماس للطائفين أو إذا لم يقدروا على دفع أجرتها خلعوا ثيابهم وطافوا عراة الرجال والنساء على السواء وكلّ ما كان من أمر النساء أنهن كن يضعن شيئا ما يسترن به مكان القبل. وكانوا يظنون أن ذلك من تقاليد الحج المتصلة بأمر الله والتي وضعها إبراهيم عليه السلام. فردّت عليهم الآيات ردا قويا متسقا مع المبادئ السامية التي يدعو القرآن إليها. وقد احتوى الردّ تلقينات جليلة سواء في تنديدها بالتمسك بتقاليد الآباء مهما كان فيها من الفحش والباطل وسوء المظهر والذوق أم في تنديدها بعزو كل تقليد وعادة قديمة إلى الله بدون علم وبينة وبسبيل تقديس هذه العادات والتقاليد والتمسك بها. مع هتاف قوي بأن الله لا يمكن أن يأمر بالفحشاء. وكلمات فاحشة وفحشاء من ذوات المعاني العامة الشاملة حيث تشمل كل ما عظم قبحه من الرذائل الفردية والاجتماعية قولا وعملا مما نصّ عليه القرآن أو السنّة أو اعتبره جمهور المسلمين كذلك في كل ظرف ومكان بالاستئناس بالمبادئ العامة التي قررها القرآن والسنّة وقد جاءت هنا مطلقة للدلالة على هذا الشمول وبذلك يبرز مدى ما في الردّ القرآني من تلقين جليل. تعليق على جملة فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ وجملة فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ قد توهم أن الله تعالى يفعل ذلك بدون سبب من المهتدي والضالّ. غير أن بقية الآية تزيل هذا التوهم حيث احتوت تعليلا متسقا مع تقريرات القرآن المتكررة التي مرّت أمثلة منها وهو كونهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله. وفي آية سورة يونس هذه: كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (33) توضيح يزيل بدوره ذلك التوهم. وهذا أيضا ملموح في آيات سورة البقرة [26- 27] وسورة الرعد [27] وسورة

تعليق على مسجد

إبراهيم [26] التي أوردناها سابقا أيضا. ولقد فرّع المؤولون والمفسرون عن هذه الجملة معاني أو أحكاما أخرى. فذهب الطبري إلى أن فيها دليلا على أن العذاب لا يقع فقط على الضالّ المعاند لربّه بل يقع على الضالّ الذي يظن أنه على هدى. وهناك من فرّق بين من تحرّى واجتهد وظنّ أنه على هدى وبين من انحرف دون تحرّ واجتهاد تقليدا لغيره. فذهب إلى أن الأول يكون معذورا وأن العذاب لا يكون إلّا على الثاني. وهناك من قال إنه لا يكون بعد الإسلام عذر لمن يضلّ عن مبادئ الإسلام ومما فيها من عقائد وأحكام صريحة وقطيعة بنصّ قرآني أو سنّة نبوية ثابتة لأنّ فهم هذا من متناول الجميع. وإن العذر إنما يكون للمجتهد فيما ليس فيه نصّ صريح وقاطع بل ويكون له أجران إذا أصاب وأجر إذا أخطأ. ويتبادر لنا أن القول الأخير هو الأوجه الأسدّ. وهناك من قال إن الآية تدلّ على أن مجرد الظنّ والحسبان لا يكفي في صحة الدين بل لا بد فيه من الجزم والقطع واليقين وفي هذا وجاهة وسداد أيضا «1» . والله تعالى أعلم. تعليق على مَسْجِدٍ وبمناسبة ورود هذه الكلمة لأول مرة في هذه الآيات إنها تأتي في القرآن في معنى السجود والصلاة إطلاقا كما تأتي في معنى أماكنهما إطلاقا. غير أنها صارت علما على أماكن عبادة المسلمين ولا تطلق على أماكن غيرهم. ولقد أثرت أحاديث نبوية كثيرة فيها حثّ على بناء المساجد والتنويه بمنشئيها وحثّ على غشيانها وما يجب على المسلمين إزاءها من آداب، من ذلك حديث رواه الخمسة إلّا أبا داود عن عثمان قال: «سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول من بنى مسجدا يبتغي وجه الله بنى الله له مثله في الجنّة وفي رواية بيتا في الجنة» «2» .

_ (1) انظر تفسير الآية في تفسير رشيد رضا والقاسمي. (2) هذا الحديث والأحاديث التالية له منقولة من الجزء الأول من كتاب التاج ص 205 وما بعدها.

وحديث رواه الشيخان عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من غدا إلى المسجد أو راح أعدّ الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح» وحديث عنه رواه الخمسة إلّا أبا داود عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه. الإمام العادل وشابّ نشأ في عبادة ربّه ورجل قلبه معلّق بالمساجد ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدّق فأخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» . وروى أبو داود ومسلم عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرا» . وحديث رواه مسلم والنسائي والترمذي عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من تطهّر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطوتاه إحداهما تحطّ خطيئة والأخرى ترفع درجة» وحديث رواه أبو داود والترمذي عن بريدة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «بشّر المشّائين في الظلم إلى المساجد بالنّور التامّ يوم القيامة» وحديث رواه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قلت يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: المساجد» . وحديث رواه الخمسة عن أبي قتادة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» وحديث رواه الأربعة عن أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «البزاق في المسجد خطيئة وكفّارتها دفنها» . ولمسلم عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «عرضت عليّ أعمال أمتي حسنها وسيّئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق ووجدت في مساوئ أعمالها النّخاعة تكون في المسجد لا تدفن» . روى الثلاثة عن أنس: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم رأى نخامة في القبلة فحكّها بيده ورئي منه كراهية لذلك وشدّته عليه وقال إنّ أحدكم إذا قام في صلاته فإنما يناجي ربّه فلا يبزقنّ في قبلته ولكن عن يساره أو تحت قدميه. ثم أخذ طرف ردائه فبزق فيه وردّ بعضه على بعض وقال أو يفعل هكذا» . ويجب أن يلحظ القارئ أن أرضية مسجد رسول الله الذي كانت الآداب المذكورة في شأنه كانت ترابية يصحّ دفن البزاق فيها وأن هذا لا يقاس عليه بالنسبة لأرضية المساجد اليوم. وأن يلحظ أن ما فعله النبي صلّى الله عليه وسلّم بردائه هو تنزيه لأرض المسجد وحينما لا يكون مع المرء

منديل يبزق فيه. وروى البخاري عن السائب بن يزيد: «أن عمر قال لرجلين من أهل الطائف رفعا صوتيهما في المسجد لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ترفعان أصواتكما في مسجد النبي صلّى الله عليه وسلّم» . وروى مسلم وأبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من سمع رجلا ينشد ضالّة في المسجد فليقل لا ردّها الله عليك فإنّ المساجد لم تبن لهذا» . وروى الثلاثة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من مرّ في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل فليأخذ على نصاله بكفّه لا يعقر مسلما» . وروى الخمسة عن جابر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من أكل البصل والثوم والكرّاث فلا يقربنّ مسجدنا فإنّ الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم. وفي رواية من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته. وفي رواية من أكل من هذه البقلة فلا يقربنّ مساجدنا حتى يذهب ريحها» . وروى الترمذي والنسائي: «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن تناشد الأشعار في المسجد وعن البيع والاشتراء فيه وأن يتحلّق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة» . وننبه على أن هناك روايات متواترة على أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يستقبل الوفود في مسجده من مختلف الأنحاء والملل. وكان منهم من يخطب أو يلقي شعرا بين يديه فيه. ويتفاوض معهم ويكتب لهم رسائل وعهودا. وقد أسر أمير بني حنيفة فجعله في خيمة فيه. وجرح زعيم بني الأوس فضرب له فيه خيمة وأمر ممرضة من المسلمين بمداواته. وجاء وفد من نصارى نجران فتناظر معه في المسجد وأقام في خيمة نصبها له فيه وكان يعقد فيه مجالس قضائه ومشاوراته ووعظه. وكان أصحابه يأتون إلى المسجد في غير أوقات الصلاة فيتحلقون عليه فيه أو على بعضهم، بل كان منهم من يضطجع أو ينام فيه. وكان فيه صفّة يقيم عليها فقراء وغرباء المسلمين إقامة دائمة «1» . وكان في ناحية من فنائه صف بيوت

_ (1) في سيرة ابن هشام وفي طبقات ابن سعد وهما من أقدم أو أقدم مما وصل إلينا من كتب سيرة رسول الله روايات كثيرة في كل ذلك يبدو عليها طابع الصحة. وروى الثلاثة عن أبي هريرة قال: «بعث رسول الله خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد» . التاج ج 1 ص 214. وروى الخمسة عن عباد بن تميم عن عمه «أنه رأى رسول الله مستلقيا في المسجد واضعا رجله على الأخرى» ص 214. وروى البخاري والترمذي: «أن ابن عمر وهو شاب أعزب لا أهل له كان ينام في مسجد النبي صلّى الله عليه وسلّم ص 214. وهناك أحاديث أخرى من هذا الباب رواها غير الخمسة ووردت في مجمع الزوائد.

نساء النبي صلّى الله عليه وسلّم وغرفاته التي ذكرت في القرآن: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [الحجرات: 4] ويا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ [الأحزاب: 53] مما فيه صور متنوعة لما كان يجري في مسجد النبي صلّى الله عليه وسلّم بحيث يجب أن يحمل هذا الحديث على قصد تنزيه المساجد عن اللهو واللغو والابتذال وما لا يتناسب مع حرمتها من مشاغل الناس الخاصة والشخصية التي لا نفع لها لجماعة المسلمين وبخاصة في أوقات الصلاة والله تعالى أعلم. وروى أبو داود والترمذي عن عائشة قالت: «أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ببناء المساجد في الدور وأن تنظّف وتطيّب» . وروى الشيخان عن عائشة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يصلي الصبح بغلس فينصرف نساء المؤمنين لا يعرفن من الغلس» . ويفيد الحديث أن نساء المؤمنين كن يغشين المسجد كالرجال في الليل والنهار. وروى الشيخان وأبو داود عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» وروى مسلم وأبو داود والترمذي عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد. فقال ابن له يقال له واقد إذن يتّخذنه دغلا. قال فضرب في صدره وقال أقول قال رسول الله وتقول لا» . وروى الشيخان عنه أيضا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهنّ» . وروى أبو داود عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما أمرت بتشييد المساجد» والمتبادر أن المقصود من ذلك عدم رفع بنائها أو تطويلها أو تجصيصها. وروى البخاري وأبو داود عن ابن عباس قوله: «لتزخرفنّها كما زخرفت اليهود والنصارى» . وروى أبو داود والنسائي عن أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» . والأحاديث تحمل على الكراهية وليس على المنع والتحريم. وروى الشيخان عن عائشة: «أن أم سلمة ذكرت لرسول الله كنيسة رأتها بأرض الحبشة

يقال لها مارية فذكرت ما رأت فيها من الصّور فقال رسول الله أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوّروا فيه تلك الصور. أولئك شرار الخلق عند الله» . وروى الشيخان عن عائشة قالت: «لما نزل برسول الله- تعني لما مرض المرض الذي مات فيه- طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتمّ بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. يحذّر ما صنعوا» . وننبه على أن هذا لا ينطبق على مكان قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم لأنه دفن في بيته وكان في ناحية من أنحاء مسجده الذي كان موجودا. وروى مسلم والنسائي عن جندب قال: «سمعت رسول الله قبل أن يموت بخمس ألا وإنّ من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. ألا فلا تتخذوا القبور مساجد. إنّي أنهاكم عن ذلك» . وروى البخاري وأبو داود في صفة مسجد رسول الله حديثا عن ابن عمر جاء فيه: «أن المسجد كان على عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم مبنيا باللّبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل فلم يزد فيه أبو بكر شيئا وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه في عهد رسول الله باللّبن والجريد وأعاد عمده من خشب النخل. ثم غيّره عثمان فزاد فيه زيادة كبيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصّة «1» وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالسّاج» . وروى البخاري والترمذي عن جابر قال: «كان النبي يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر حنّ الجذع حتى أتاه النبيّ فالتزمه فسكن» . وروى الثلاثة «أن امرأة قالت يا رسول الله ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه فإن لي غلاما نجارا قال إن شئت فعملت المنبر» . وروى الخمسة عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تشدّ الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا ومسجد الحرام ومسجد الأقصى» . وروى الشيخان والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلّا المسجد الحرام. وزاد ابن ماجه وصلاة في المسجد

_ (1) الراجح أن الحجارة المنقوشة تعني المحسنة بالحجم والوجه على نحو ما يفعل البناءون في نقش الحجارة حينما يبنون بها، أما القصة فقد ذكر الشراح أن المقصود منها التجصيص. [.....]

[سورة الأعراف (7) : الآيات 31 إلى 33]

الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» . وروى أبو داود وابن ماجه عن ميمونة مولاة النبي صلّى الله عليه وسلّم أنها قالت: «يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس فقال ائتوه فصلّوا فيه. فإن لم تأتوه وتصلّوا فيه فابعثوا بزيت يسرج في قناديله» . وروى النسائي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن سليمان بن داود عليهما السلام لما بنى بيت المقدس سأل الله عزّ وجلّ ثلاثا حكما يصادف حكمه- أي يوافق حكم الله- فأوتيه وملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه. وسأل الله تعالى حين فرغ من بنائه ألّا يأتيه أحد لا ينهزه إلّا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمّه» . والمقصود من كلمة بيت المقدس الواردة في الحديثين الأخيرين هو مسجد بيت المقدس كما هو المتبادر وهو المقصود من كلمة (المسجد الأقصى) الواردة في حديث أبي هريرة الذي رواه الخمسة. وقد وردت هذه الكلمة في آية سورة الإسراء الأولى أيضا وهي: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ والمقصود من كلمة الْأَقْصَى هو البعيد بعدا شاسعا. ولقد كان هذا المسجد حين صدور الأحاديث وحين نزول الآية خرابا ليس في محله إلّا الأنقاض بحيث تكون التسمية القرآنية والنبوية على اعتبار ما كان وبحيث يحمل حديث أبي هريرة ثم حديث ميمونة على أن الله عزّ وجلّ كشف لنبيه أن المسلمين سيقيمون محل هذه الأنقاض مسجدا يسمونه المسجد الأقصى كما سمّاه القرآن ويكون مما تشدّ الرحال إليه مع المسجد الحرام ومسجد النبي صلّى الله عليه وسلّم. والله تعالى أعلم. [سورة الأعراف (7) : الآيات 31 الى 33] يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (33)

تعليق على تلقين الآيات الثلاث يا بني آدم خذوا زينتكم وما بعدها

(1) زينتكم: ما تبدون فيه متجملين محتشمين. (2) زينة الله: بمعنى ما يسّره الله في الدنيا من أسباب التجمّل والزينة. (3) الفواحش: كل ما عظم من الآثام. (4) ما ظهر منها وما بطن: ما كان علنا أو سرا. (5) الإثم: الذنب أو المعصية إطلاقا. (6) البغي: الظلم والعدوان. (7) ما لم ينزل به سلطانا: ما لا يستند إلى برهان وتأييد من الله. في الآيات هتاف ببني آدم بوجوب الاحتشام عند كل صلاة وعبادة وأماكنهما، وبأن يكون أكلهم وشربهم في حدود الاعتدال وفي غير إسراف لأن الله لا يحب المسرفين. وأمر للنبي صلّى الله عليه وسلّم بأن يسأل في معرض الاستنكار عمن حرم ما يسّر الله في الدنيا من أسباب التجمل والزينة وطيبات الرزق. وبأن يجيب بأن ذلك مباح للذين آمنوا في الحياة الدنيا وبأن مثيله خالص لهم في الآخرة ثم بأن يقرر بأن الله إنما حرم الأفعال الفاحشة بالسرّ والعلن والقلب والجوارح والأعمال الآثمة المحرمة والعدوان على الناس بدون حق والشرك بالله دون ما سند من الله والافتراء على الله بدون علم وبينة. تعليق على تلقين الآيات الثلاث يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ وما بعدها روى المفسرون عن ابن عباس وغيره أن الجملة الأولى من الآية الأولى هي في صدد منع الطواف في حالة العري. وإيجاب التستر والاحتشام عند مباشرته. وأن جملة قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ هي بسبيل استنكار هذه العادة ونسبتها إلى الله تعالى. وأوردوا في ذلك حديثا رواه مسلم عن ابن عباس جاء فيه:

«كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة فتقول من يعيرني تطوافا تجعله على فرجها وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كلّه ... وما بدا منه فلا أحلّه فنزلت خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» «1» ونحن نتوقف في كون ذلك سببا لنزول الآية. وكل ما يمكن أن يكون هو أن ابن عباس أراد تفسيرها وبيان مداها. لأن مقتضى الحديث أن تكون نزلت لحدتها في حين أنها منسجمة مع ما قبلها وما بعدها انسجاما وثيقا. ويتبادر لنا أن الآيات تضمنت تعقيبا على الآيات السابقة وهتافا للناس على النحو الذي شرحناه آنفا. والله أعلم. ومقتضى حديث ابن عباس أن المرأة فقط هي التي كانت تطوف عريانة غير أن هناك روايات أوردها المفسرون في سياق تفسير الآية [3] من سورة التوبة تفيد أن ذلك كان عادة عامة يمارسها الرجال والنساء معا. وهناك حديث رواه البخاري والترمذي عن أبي هريرة قال: «بعثني أبو بكر في الحجّة التي أمّره رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عليها قبل حجّة الوداع في رهط يؤذّنون في الناس بمنى أن لا يحجّ بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ثم أردف النبي صلّى الله عليه وسلّم بعلي يؤذن ببراءة فأذن معنا عليّ في أهل منى يوم النّحر ببراءة» «2» . وهناك أحاديث أخرى في هذا الصدد سوف نوردها ونعلّق عليها في سياق تفسير سورة التوبة. ومما رواه المفسرون «3» في سياق تفسير آيات الأعراف التي نحن في صددها في صدد عادة الطواف بالعري أن العرب كانوا قبل الإسلام يرون من واجبهم طرح ثيابهم إذا طافوا بها لئلا يقترفوا ذنوبا وهي عليهم بعد أن تطهّرت. فكانوا يستأجرون مآزر من سدنة الكعبة تسمى المآزر الأحمسية نسبة إلى كلمة الحمس التي كانت السدنة يتسمون بها ومن لا يجد أو لم يستطع طاف في حالة العري رجالا كانوا أم نساء ضنا بثيابهم أن يرموها ويحرموا

_ (1) التاج ج 4 ص 103. (2) المصدر نفسه ص 114. (3) انظر تفسير الآيات في الطبري والبغوي وابن كثير والخازن. الجزء الثاني من التفسير الحديث 25

أحاديث في ستر العورة

منها. وقد يصحّ أن يزاد على هذا أنهم ربما كانوا يتحرّجون من الطواف وعليهم ثيابهم التي قد يكونون اقترفوا ذنوبا وهي عليهم فكانوا يخلعونها قبل الطواف ويضعون المآزر أو يطوفون في حالة العري. أحاديث في ستر العورة ومدى جملة خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ أوسع من كونها خاصة بالطواف في حالة العري كما هو ملموح من نصّها. بحيث يصحّ القول إنها تتضمن أمرا ربانيا بالاحتشام عند كل صلاة الله عزّ وجلّ وعند دخول كل مسجد من مساجد الله للعبادة. وهو ما يعبّر عنه في الفقه الإسلامي بتعبير (ستر العورة) ويعتبر شرطا من شروط الصلاة. ولقد أثرت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أحاديث عديدة في مدى هذا الأمر. منها حديث رواه الخمسة إلّا الترمذي عن أبي هريرة قال: «قام رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد فقال أوكلّكم يجد ثوبين» «1» . وحديث رواه الخمسة إلّا الترمذي أيضا عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يصلّ أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء» «2» . والحديث الأول يجيز للمسلم الصلاة بثوب واحد والثاني يجعل الإجازة رهنا بأن يكون الثوب ساترا. وروى الشيخان عن جابر قال: «رأيت رسول الله يصلّي في ثوب واحد متوشّحا به» «3» . وروى البخاري وأبو داود والترمذي عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «الفخذ عورة» «4» وحديث رواه أبو داود والحاكم والبزار عن علي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا تكشف فخذك ولا تنظر إلى فخذ حيّ ولا ميّت» «5» . وحديث رواه أبو داود والدارقطني والبيهقي عن عمرو بن

_ (1) التاج ج 1 ص 138. (2) انظر المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه. (4) المصدر نفسه. (5) المصدر نفسه.

شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا زوّج أحدكم خادمه عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرّة وفوق الركبة» » . وروى أبو داود حديثا جاء فيه: «سئلت أمّ سلمة ماذا تصلّي فيه المرأة من الثياب، فقالت: تصلّي في الخمار والدرع السابغ الذي يغيّب ظهور قدميها. وقالت سألت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أتصلّي المرأة في درع وخمار ليس عليها إزار، قال إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها» «2» . وروى أبو داود والترمذي عن عائشة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يقبل الله صلاة حائض إلّا بخمار» «3» . وروى الخمسة إلّا أبا داود حديثا جاء فيه: «سئل أن أكان النبي صلّى الله عليه وسلّم يصلّي في نعليه؟ قال: نعم» «4» . وأحاديث ابن عباس وعلي وعمرو بن شعيب هي في صدد حدود ما يحسب عورة من الرجل يجب عليه ستره ولا يجوز النظر إليه وبخاصة في الصلاة كما هو المتبادر. أما المرأة فالمتبادر من حديثي أم سلمة وعائشة أنها يجب ستر جميع جسدها بما في ذلك رأسها بخاصة للصلاة. مع التنبيه على أنه من المتفق عليه عند الفقهاء أن وجه المرأة ويديها ليست عورة فيجوز كشفها في الصلاة وفي غير الصلاة. وهناك حديث يرويه أصحاب السنن وأحمد عن ابن عمر في صورة لباس المرأة في الإحرام نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم فيه المرأة عن القفازين والنقاب مما فيه تأييد لذلك أو سند له، ونصّه: «سمعت النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى النساء في إحرامهن عن القفّازين والنقاب وما مسّ الورس والزعفران من الثياب ولتلبس بعد ذلك ما أحبّت من ألوان الثياب معصفرا أو خزّا أو حليّا أو سراويل أو قميصا أو خفّا» «5» والمؤولون يرون سندا لذلك في جملة في آية سورة النور وهي: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها [31] أي ما كان إظهاره سائغا لا حرج فيه وهو الوجه واليدان. ولقد روى الطبري عن عائشة قالت: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إذا

_ (1) التاج ج 1 ص 138. (2) المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه. (4) المصدر نفسه. (5) التاج ج 2 ص 106.

حركت المرأة لم يحلّ لها أن تظهر إلّا وجهها وإلّا ما دون هذا وقبض على ذراع نفسه فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى» . وروى حديثا آخر جاء فيه: «إن النبي صلّى الله عليه وسلّم أباح للمرأة أن تبدي من ذراعها إلى قدر النصف» . والحديثان لم يردا في كتب الأحاديث الخمسة ولكنهما متسقان مع ما ورد فيها ومع ما ذكره المؤولون في تأويل جملة آية سورة النور. وسنزيد هذا الأمر بخاصة شرحا في سياق تفسير هذه الآية. وهكذا تكون الآيات الثلاث بإيجابها الاحتشام بين يديّ الله وإباحتها التجمّل والزينة وطيبات الرزق وتحريمها ما هو جماع كل شرّ في الدين والدنيا من أقوى الآيات المحكمة وأروعها التي تظلّ محتفظة بروعتها وقوتها ونفوذها وفعاليتها في كل ظرف ومكان مهما طرأ على البشرية من تطور لاتساقها التام المستمر مع المنطق والعقل والمصلحة الإنسانية. وفي هذا من الإعجاز القرآني ما فيه. هذا، وفي الآية [32] التفات لطيف نحو المسلمين بخاصة بسبيل تطمينهم وحثّهم على الاستمتاع بزينة الحياة الدنيا وطيبات رزقها. فلهم أن يستمتعوا بذلك مع غيرهم في الدنيا دون أن ينقص هذا من نصيبهم من مثله في الآخرة الذي يكون لهم فيها خالصا. وفي هذا ما فيه من التلقين الجليل لا سيما إذا لوحظ أن الاستمتاع بزينة الحياة وطيبات الرزق يستلزم أن يسعى المسلمون في مناكب الأرض كما أمرهم الله في آية سورة الملك هذه: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) وأن يستعدوا بكل وسائل العلم والفن والعمل للنجاح في سعيهم. وننبه أولا: إلى قيد الطَّيِّباتِ حيث ينطوي في هذا منع تناول شيء من مأكل ومشرب وملبس لا يتّصف بصفة الطيب الحلال أو يكون فيه شائبة من شوائب الخبث والحرام. ولقد ورد في القرآن آيات عديدة أخرى فيها توضيح أو توكيد لذلك أو نهي عن تحريم الطيبات كما ترى في الآيات التالية:

1- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة: 172] . 2- يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ [المائدة: 4] . 3- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ [المائدة: 87- 88] . 4- قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام: 145] . 5- يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون: 51] . وفي سورة الأعراف آية مهمة في هذا الباب حيث تجعل حلّ الطيبات من أصول الرسالة المحمدية وهي: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ ... [157] . ويلفت النظر إلى آية الأنعام [145] حيث تضمنت تعليلا للتحريم وهو كون الثلاثة الأولى نجسة أو خبيثة وهو ما عبرّت عنه الآية بكلمة رِجْسٌ وكون الرابعة شركا بالله وهو ما عبرت عنه بكلمة فسق أهلّ لغير الله به وفي هذا تفسير لمعنى الطيب الحلال وكلمة الخبائث العامة التي جاءت في آية الأعراف [157] .

وثانيا: إلى النهي عن الإسراف. وبيان كون الله عزّ وجلّ لا يحبّ المسرفين في سياق الأمر بالاستمتاع بزينة الله التي أخرجها لعباده والطيبات من الرزق والأكل والشرب حيث انطوى في ذلك حدّ فيه كل الحق والحكمة لمنع المسلم من تجاوزه والاستغراق في شهوات النفس والإسراف في الأكل والشرب والزينة ولو كان من الطيب الحلال. وينطوي في هذا فيما ينطوي فيه من الحكم الجليلة منع التفاوت العظيم في المعيشة بين مختلف الفئات مهما اختلفوا في حيازة الثروة والأسباب الميسّرة للاستمتاع بطيبات الحياة وزينتها. والحيلولة بذلك دون فوران أحقاد الطبقات المعسرة على الطبقات الموسرة. وتوجيه ما يمكن أن يتوفر من جرّاء الاعتدال وعدم الإسراف إلى الفئات المحرومة والمعسرة والمشاريع التي فيها برّ وخير ومنفعة للمسلمين. وحياطة المسلمين من صفة التبذير والسّفه. ولقد نعتت إحدى آيات سورة الإسراء المبذرين بأنهم إخوان الشياطين في سياق النهي عن الإسراف والأمر بالاعتدال. وثالثا: إلى صيغة الحصر للمحرّمات في الآية الثالثة حيث يفيد أن الله تعالى إنما حرّم ما فيه انحراف عن وحدة الله وما فيه بغي وظلم وعدوان على الغير. وما فيه معصية لله تعالى بأي شكل ومدى وحالة. وسواء أكان ذلك من الفواحش الكبيرة أم من الذنوب العادية وسواء أكان ذلك في السرّ أم في العلن وظاهرا لا يمكن المماراة فيه أم باطنا يمكن التأوّل فيه ولكن مقترفه يعرف أنه معصية. وإن ما عدا ذلك هو مباح للمسلمين في نطاق التوجيه الذي تضمنته الآيتان الأولى والثانية من التزام الطيب الحلال وعدم الإسراف. وفي كل ذلك ما فيه من شمول وتأديب وروعة وجلال ثم من مظهر حكمة ترشح الشريعة الإسلامية للشمول والخلود الذي انطوى في آية الفتح هذه: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [28] لأن فيه إجماع ما فيه الخير والشر والصلاح والفساد في الدين والدنيا الذي يتسّق في كل ظرف ومكان مع المنطق والعقل والمصلحة الإنسانية.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 34 إلى 41]

وللمفسرين تأويلات في مدى ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ منها أن الظاهر هو الزنا العلني والباطن التخادن مع زوجات الآخرين والزنا بهنّ سرا. ومنها أن الظاهر شرب الخمر والباطن الزنا. وإطلاق العبارة يجعلها واسعة المدى بحيث تشمل كل فاحشة كبيرة اقترفها المرء سرا لا يراه أحد أو في حالة يأمن فيها العقاب أو علنا بدون مبالاة. ولقد استدلّ الفقهاء بالآية الأولى على وجوب التستر والاحتشام والتجمّل عند الصلاة والمساجد بنوع خاص وفي هذا وجاهة وسداد. [سورة الأعراف (7) : الآيات 34 الى 41] وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (34) يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (36) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (37) قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (38) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41) . (1) افترى: كذّب واختلق.

(2) ينالهم نصيبهم من الكتاب: يستوفون ما كتب عليهم أو يستوفون حظهم في الدنيا من عمل أو رزق أو عذاب أو خير أو شر أو سعادة أو شقاء على اختلاف التأويلات المروية. وكلها وارد. (3) رسلنا: هنا كناية عن الملائكة. (4) ضلّوا عنا: بمعنى غابوا عنا أو أهملونا. (5) خلت: بمعنى مضت. (6) أمة: هنا بمعنى جيل من الناس. (7) لعنت أختها: دعت على من كان سبب ضلالها ودخولها في النار ممن قبلها أو من جيلها باللعنة. ومعنى اللعنة الطرد والإبعاد وجاءت في القرآن بمعنى العذاب الرباني والسخط الرباني والغضب الرباني. وفي مقام الدعاء بذلك على المستحقين. وفي مقام الدعوة إلى الدعاء بذلك على المستحقين أيضا. (8) اداركوا: تداركوا أي أدرك بعضهم بعضا أو لحق بعضهم بعضا حتى تجمعوا جميعا. (9) الجمل: الجمهور على أنه الحيوان المعروف. وقرئت بتسكين الميم بمعنى حبل السفينة الغليظ. والتناسب بين هذا وبين سمّ الخياط أيضا قائم. (10) سمّ الخياط: هو ثقب الإبرة. (11) مهاد: فراش. (12) غواش: جمع غاشية بمعنى الغطاء. الآيات استمرار في السياق وتعقيب على ما سبق كما هو المتبادر. وقد جاءت على أثر التنديد بشرك المشركين وعاداتهم الفاحشة ونسبتها إلى الله كذبا وافتراء لتنبّه الناس إلى أن الله قد جعل لكل أمة وجيل أجلا وجعل لكل أمة فرصة في هذا الأجل، حيث يرسل إليهم رسلا منهم يتلون عليهم آياته ويبينون لهم الهدى من الضلال. فالذين يغتنمون الفرصة فيستجيبون إلى دعوة الله ويتقون ويكون رائدهم الصلاح والإصلاح هم الناجون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. أما الذين يضيعون الفرصة فيكذبون بآيات الله ويستكبرون عنها فيستحقون عذاب الله

وناره ويخلدون فيهما. وقد أخذت الآيات بعد ذلك تندّد بهم وتنذرهم بالمصير الرهيب الذي سوف يلقونه وبالندم الشديد الذي سوف يستشعرونه. فليس من أحد أشدّ ظلما ممن يفتري على الله ويكذّب بآياته. ولسوف يأتيهم ملائكة الله ليتوفوهم بعد أن يستوفوا ما كتب لهم في الحياة فيسألونهم سؤال المندد المتحدي أين الذين كانوا يدعونهم من دون الله ويشركونهم مع الله ليأتوا وينصروهم فلا يسعهم إلّا القول إنهم ضلّوا عنا ثم إلّا الاعتراف بما كانوا عليه من سخف وكفر، وحينئذ يقال لهم ادخلوا النار أمة بعد أمة. فتأخذ كل أمة تلعن أختها التي سبقتها وحينما يتمّ تلاحقهم يلقي الآخرون اللوم على الأولين ويطلبون من الله أن يضاعف لهم العذاب لأنهم هم الذين أضلّوهم ويردّ هؤلاء عليهم مكذبين شامتين ويقول الله تعالى لهم جميعا ذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون وإنه لمضاعف لكم جميعا. وقد انتهت الآيات بتيئيس المكذبين المستكبرين من دخول الجنة ونيل رضاء الله عزّ وجلّ وولوج ساحاته العلوية بأسلوب تشبيهي قوي ولاذع وهو إناطة ذلك بدخول الجمل في ثقب الإبرة ثم بوصف ما يكون لهم من فراش وغطاء ناريين في جهنم جزاء وفاقا على ما كان منهم من كفر وإجرام وظلم. وقد جاءت الآيات عامة الخطاب لتكون عامة الشمول والتقرير والتنديد والإنذار والتبشير للمخاطبين بها مباشرة وللناس عامة. وأسلوبها قوي نافذ يخاطب العقل والقلب معا. وقد استهدفت فيما استهدفته تثبيت الذين آمنوا واتقوا وإثارة الرعب في المكذّبين المستكبرين وحثهم على عدم تضييع الفرصة قبل فوات الوقت والندم حيث لا ينفع. وفحوى الآيات مؤكد لما نبهنا إليه مرارا من تقرير القرآن لقابلية الاختيار والكسب التي أودعها الله في الناس واستحقاق كل امرئ لمصيره وفق اختياره وكسبه وموقفه من دعوة الله وأوامره وحدوده. ويلفت النظر الآية [37] وقوتها الإنذارية والتقريرية وبخاصة ما نبهت إليه من افتراء الكذب على الله. ولعلها تحمل فيما تحمله إنذارا وتسفيها لكل من يجرؤ

على نسبة قول أو عمل أو عقيدة أو تحليل أو تحريم إلى الله بغير علم ولا برهان تنطعا أو اندفاعا وراء الهوى وتكون بذلك مستمرة التلقين والمدى. والمقصود بالرسل في جملة حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ الملائكة الذين يتوفون الناس حينما ينتهي أجلهم وقد ذكر الملائكة بصراحة في مثل هذا القصد في آية سورة النحل هذه: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) وآية سورة النساء هذه: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (97) . والملائكة وما يقومون به من خدمات لله مما يجب الإيمان به لأنه مما قرّره القرآن. ومن الواجب الوقوف عند ما جاء في القرآن في ذلك بدون توسّع ولا تزيّد ولا سيما ما لا يستند إلى نصّ نبوي ثابت لأن ذلك مما لا طائل منه من حيث إنه من الأمور المغيبة التي لا يصح الكلام فيها إلّا بنصّ قرآني أو نبوي ثابت. مع ملاحظة ما كان من عقائد العرب فيهم وصلة ذلك بكثير مما ورد في القرآن عنهم على ما شرحناه في سياق سورة المدثر. ولقد روى الطبري روايات عديدة عن أهل التأويل في مدى جملة لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ منها عن ابن عباس أنها لا تفتح لأرواحهم ومنها عنه أيضا أنها لا تفتح لخير يعملونه. وعن مجاهد أنها بمعنى لا يصعد لهم كلام ولا عمل إلى السماء. وعن السدي أن الكافر إذا أخذت روحه ضربتها ملائكة الأرض حتى ترتفع إلى السماء فإذا بلغت السماء الدنيا ضربتها ملائكة السماء فهبطت إلى أسفل سافلين. وصوّب الطبري تأويل أن السماء لا تفتح لأرواحهم ولا لأعمالهم، وروى حديثا عن البراء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه ذكر قبض روح الفاجر وأنه يصعد بها إلى السماء فلا يمر الصاعدون بها على ملأ من الملائكة إلّا قالوا ما هذا الروح الخبيث فيقولون فلان بأقبح أسمائه التي كان يدعى بها في الدنيا حتى ينتهي إلى السماء فيستفتحون له فلا يفتح له ثم قرأ لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ

التلقين الذي انطوى في حكاية تلاوم الأجيال المتعاقبة في جهنم

الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ. وهذه الروايات لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة. ومهما يكن من أمر فالمتبادر من روح الجملة والتي بعدها أنهما أسلوبيتان بسبيل بيان شدّة سخط الله تعالى على الكافرين المستكبرين عن آياته واستحالة حصولهم على رضائه والدخول في جنته. والله تعالى أعلم. التلقين الذي انطوى في حكاية تلاوم الأجيال المتعاقبة في جهنم والمتبادر أن المقصود من أولاهم وأخراهم الذين حكت الآيات تلاومهم هم الآباء والأبناء أو الأجيال السابقة والأجيال اللاحقة أو الفئات التابعة والفئات المتبوعة. وأن كلام الآخرين هو من قبيل الاعتذار بأنهم إنما ساروا على خطوات الأولين وضلوا بضلالهم، وردّت الآيات عليهم بأن العذاب المضاعف لهم جميعا لأن كل امرئ رهن بما كسب ولا تفيده مثل هذه الحجة. ومع واجب الإيمان بما أخبرت به الآيات من الحوار الذي سوف يكون بين فئات الكفار في النار فإن في الصيغة التي ورد فيها ذلك تلقينا مستمر المدى في تقبيح اتباع الأولين أو الآباء أو الزعماء في كل ما ساروا عليه ولو كان شرّا أو ضلالا وإثما وفي وجوب تروي كل امرئ وكل جيل في أمر نفسه وتحري طريق الحق والهدى والسير فيه وسقوط حجة المحتجين في تقليد غيرهم والسير على خطواتهم، وقد تكرّر مثل هذا التلقين في آيات كثيرة مما مرّ أمثال له في السور السابقة. [سورة الأعراف (7) : الآيات 42 الى 45] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (42) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (45)

(1) غلّ: حقد. (2) أذّن مؤذن: نادى مناد. (3) يصدّون: يمنعون. (4) يبغونها عوجا: يريدون أن تكون معوجة وغير مستقيمة والجملة كناية عن إرادتهم تعطيل دعوة الله. الآيات استمرار للسياق كذلك كما هو المتبادر وهي بسبيل بيان المصير السعيد الذي يصير إليه المؤمنون الصالحون مقابلة لما سبق بيانه من مصير الكافرين والمستكبرين، وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى بيان آخر. وأسلوب الآيات قوي مشوّق من شأنه بثّ الطمأنينة في نفوس المؤمنين الصالحين كما هو واضح ومع واجب الإيمان بما أخبر به القرآن من الحواريين أصحاب الجنة وأصحاب النار فإنه كما هو المتبادر متصل بهذا الهدف من جهة وفيه إنذار بالمناسبة للكفار وبخاصة لزعمائهم الظالمين الباغين الذين يصدّون عن سبيل الله ويبغونها عوجا من جهة أخرى. وما حكي في الآيات عن لسان المؤمنين في جملة الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ مفسّر كما هو ظاهر في جملة لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ حيث تبين أن ذلك هو ما جاء به رسل الله من بيانات وشرائع وتلقينات. وهذا متسق مع تقريرات القرآن العامة في حكمة إرسال الرسل لبيان ما لا يمكن معرفته بالعقل وحده من رسوم وحدود وحكم ربانية متنوعة. وقد جاءت الآيات مطلقة لتكون عامة الشمول والتقرير والبشرى والإنذار والتلقين كما هو المتبادر.

ولقد أورد مؤلف التاج في كتاب التفسير في سياق الآية [43] حديثا رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ينادي مناد إن لكم أن تصحّوا فلا تسقموا أبدا وإنّ لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإنّ لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبدا وإنّ لكم أن تنعموا فلا تبتئسوا أبدا» فذلك قول الله عزّ وجلّ: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ «1» وفي الحديث من البشرى والتطمين للمؤمنين ما يتساوق من ذلك في الآيات كما هو واضح. ولقد أورد ابن كثير في سياق جملة وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ حديثا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «واعلموا أنّ أحدكم لن يدخله عمله الجنة. قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلّا أن يتغمّدني الله برحمة منه وفضل» . ولقد روى هذا الحديث الشيخان والنسائي عن أبي هريرة بهذه الصيغة: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: قاربوا وسدّدوا واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله قالوا يا رسول الله ولا أنت؟ قال: ولا أنا إلّا أن يتغمّدني الله برحمة منه وفضل، وفي رواية لا يدخل أحدا منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار ولا أنا إلّا برحمة الله» «2» . وإزاء الصراحة القطعية في الآية ليس من بد من حمل الحديث على قصد تنبيه المؤمنين إلى عدم إنهاك أنفسهم بما لا يطيقونه من الأعمال الصالحة ويكفي منهم ما يطيقونه. وهو ما ينطوي في أول الحديث حين التمعّن فيه. وهناك حديث صحيح آخر قد يؤيد هذا التوجيه رواه البخاري عن أبي هريرة قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم إن الدين يسر ولن يشادّ الدين أحد إلّا غلبه. فسدّدوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدّلجة» «3» والله تعالى أعلم.

_ (1) التاج ج 4 ص 103- 104. [.....] (2) التاج ج 5 ص 195- 196. (3) التاج ج 1 ص 41- 42.

تعليق على مدى جملة لا نكلف نفسا إلا وسعها

تعليق على مدى جملة لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وهذه الجملة وإن كانت في مقامها هي بسبيل تقرير كون الله تعالى لا يكلف الذين آمنوا وعملوا الصالحات إلّا ما في وسعهم من ذلك فإنها في إطلاقها تتضمن مبدأ من أمهات المبادئ القرآنية الذي تكرر تقريره بأساليب متنوعة وهو أن الله سبحانه وتعالى لا يكلّف الناس إلّا وسعهم. وهذا المعنى يتناول حدّين أو معنيين: الأول: أن ما يكلفه الله الناس هو ما يعرف أنه في نطاق قدرتهم ووسعهم أن يفعلوه. والثاني: أن الله لا يطلب من الناس أن يتجشموا ما لا طاقة لهم به في سبيل القيام بما يكلفون به. والوسع يتناول فيما يتناول عدم التعارض مع القابليات والإمكانيات وعدم التعرّض للأخطار والأضرار. فالمسلمون حسب هذا المبدأ ليسوا مكلفين بما ليس في إمكانهم وقابلياتهم الجسدية والنفسية والمالية ولا بما يكون فيه تعريض حياتهم للخطر والتهلكة والحرمان سواء أكان ذلك بسبيل الواجبات والتكاليف التعبدية أم غير التعبدية. وإنما يطلب ذلك منهم في نطاق الطاقة وحدود الإمكان والمعقول. وهذا المبدأ يتسق مع طبيعة الأشياء ووقائع الأمور. ولعله من أعظم المبادئ التي ترشح المبادئ القرآنية للخلود والتطبيق في كل زمن ومكان. وقد تكرر تقريره كما قلنا بأساليب متنوعة مما ينطوي فيه حكمة التنزيل ومن الأمثلة على ذلك إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «1» [البقرة: 173] و

_ (1) مثل هذه الآية أو قريبا منها جاء في سورة الأنعام والمائدة والنحل.

لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [البقرة: 286] . وما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ [المائدة: 6] ووَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ... [الأنعام: 152] وفَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ... [التغابن: 16] ولِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها ... [الطلاق: 7] . ولقد روي في سياق آية البقرة [286] التي أوردناها آنفا حديث رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: «لما نزلت لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 284] اشتدّ ذلك على أصحاب النبي فأتوه وبركوا على الركب وقالوا أي رسول الله كلّفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال رسول الله أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير قالها مرتين. فلما اقترأها القوم وذلّت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة: 285] فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [البقرة: 286] قال نعم رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا [البقرة: 286] قال: نعم رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ [البقرة: 286] قال: نعم، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [البقرة: 286]

قال: نعم» «1» . حيث يفيد الحديث أنّ الله تعالى علّم المؤمنين هذا الدعاء وآذانهم أنه قد استجاب دعاءهم. فقوي المبدأ القرآني قوّة وإحكاما. ولقد رويت أحاديث نبوية صحيحة متساوقة في تلقينها مع التلقين القرآني الذي تضمنته الآيات التي أوردناها وأمثالها. من ذلك حديث رواه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» «2» . وحديث رواه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به» «3» . وحديث رواه الشيخان والترمذي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم» «4» . وحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عائشة قالت: «إنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم دخل عليها وعندها امرأة فقال من هذه قالت فلانة تذكر من صلاتها قال مه. عليكم بما تطيقون فو الله لا يملّ الله حتى تملّوا وكان أحبّ الدين إلى الله ما داوم عليه صاحبه» «5» . وحديث رواه الشيخان عن عبد الله بن عمرو قال: «قال لي النبي صلّى الله عليه وسلّم ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار قلت إني أفعل ذلك. قال: فإنك إذا فعلت ذلك هجمت عينك ونفهت نفسك وإنّ لنفسك حقّ ولأهلك حقّ فصم وأفطر وقم ونم» «6» . وحديث رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ الدين يسر ولن يشادّ الدين أحد إلّا غلبه، فسدّدوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» «7» . وحديث رواه الشيخان والترمذي عن عائشة قالت: «إن

_ (1) التاج ج 4 ص 62- 64. (2) التاج ج 1 ص 24. (3) المصدر نفسه ص 28 و 37 و 42. (4) المصدر نفسه. (5) المصدر نفسه. (6) المصدر نفسه، نفهت: أي سئمت وكلت. اسم إنّ ضمير الشأن وجملة لنفسك حق خبرها. (7) المصدر نفسه.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 46 إلى 49]

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سئل أيّ العمل أحبّ إلى الله؟ قال: أدومه وإن قلّ» «1» . وحديث رواه الخمسة عن ابن عمر قال: «كنّا نبايع رسول الله على السمع والطاعة ويلقّننا فيما استطعتم» «2» . وحديث رواه النسائي والترمذي عن أميمة بنت رقيقة قالت: «كنّا نبايع رسول الله على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيك في معروف فقال فيما استطعتنّ وأطقتنّ فقلنا الله ورسوله أرحم بنا» «3» . وحديث رواه ابن ماجه عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إنّ الله قد وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» «4» . [سورة الأعراف (7) : الآيات 46 الى 49] وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49) . (1) حجاب: ستار أو حاجز أو سور. (2) الأعراف: جمع عرف. وهو كل مرتفع ومنه عرف الديك وعرف الفرس لارتفاع ريش رأس الديك وشعر الفرس وهو هنا بمعنى شرفة السور العالية. (3) سيماهم: علاماتهم المميزة. ذكر المفسرون قولين في ضمير وَبَيْنَهُما. أحدهما أنه عائد إلى أهل الجنة وأهل النار. وثانيهما أنه عائد إلى الجنة والنار. وكلا القولين وارد لأن الجنة والنار وأهلهما ذكروا في الآيات السابقة. وذكر المفسرون أن الحجاب هو سور مضروب

_ (1) المصدر السابق نفسه. (2) التاج ج 3 ص 38 و 39. (3) المصدر نفسه. (4) التاج ج 1 ص 29. [.....] الجزء الثاني من التفسير الحديث 26

بين الجنة والنار وأهلهما والأعراف هي شرفاته. وعلى كل حال فالآيات معطوفة على ما سبقها واستمرار في السياق كما هو المتبادر. ولقد تعددت الروايات التي يرويها المفسرون عن أهل التأويل في ماهية أصحاب الأعراف وفي الذين تحكي الآيتان [46 و 47] مواقفهم وأقوالهم. وقد رويت أحاديث نبوية في صدد ذلك أيضا. منها حديث رواه الطبري يذكر «أن رجلا من بني النضير أخبر عن رجل من بني هلال أن أباه أخبره أنه سأل رسول الله عن أصحاب الأعراف فقال هم قوم غزوا في سبيل الله عصاة لآبائهم فقتلوا فأعتقهم الله من النار بقتلهم في سبيله وحبسوا عن الجنة بمعصية آبائهم فهم آخر من يدخل الجنة» . وقد أورد ابن كثير من طرق أخرى حديثين بصيغتين مقاربتين للحديث الذي رواه الطبري. وروى حديثا آخر عن جابر بن عبد الله: «أن رسول الله سئل عمن استوت حسناته وسيئاته فقال أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون» . أما الأقوال التي يرويها المفسرون عن أهل التأويل مثل ابن عباس والسدي ومجاهد والضحاك وأبي مجلز فمنها أن أصحاب الأعراف هم أطفال المشركين أو أطفال المؤمنين، أو أهل الفترة، أو أناس استوت حسناتهم وسيئاتهم، أو أناس تجاوزت بهم حسناتهم عن النار وقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة. وهم آخر من يغفر الله لهم ويؤذن لهم بدخول الجنة. بعد أن يأمرهم بالاغتسال والتطهّر من نهر الحياة حتى تتلألأ أبدانهم. ومنها أنهم جماعة العلماء والفقهاء من الأمم يطلعون على الناس ويخاطبونهم. ومنها أنهم الأنبياء أو خزنة الجنة والنار أو كتّاب أعمال الناس من الملائكة. ورووا في مدى جملة يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ أن سيما المؤمنين تكون نضرة وبياضا وسيما الكافرين سواد بشرة ووجوه وزرقة عيون. وروى الطبرسي المفسّر الشيعي عن أحد الأئمة الاثني عشر أبي جعفر أن أصحاب الأعراف هم آل محمد. لا يدخل الجنة إلّا من عرفهم وعرفوه. ولا يدخل النار إلّا من أنكرهم وأنكروه. وروى إلى هذا أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه نفسه وهم قسيم الجنة والنار وأورد في ذلك حديثا جاء فيه: «أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال لعلي يا عليّ كأني بك يوم القيامة وبيدك عصا عوسج تسوق قوما

إلى الجنة وآخرين إلى النار» . وحديثا ثانيا جاء فيه: «أن ابن الكواء سأل عليا رضي الله عنه عن أصحاب الأعراف فقال له ويحك يا ابن الكواء هم نحن. نقف يوم القيامة بين الجنة والنار فمن نصرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنة ومن أبغضنا عرفناه بسيماه فأدخلناه النار» ورواية أخرى بصيغة و «قيل إن الأعراف موضع عال على الصراط عليه حمزة والعباس وعليّ وجعفر يعرفون محبّيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسواد الوجوه» ثم عزا هذا إلى الضحاك عن ابن عباس وقال رواه الثعلبي بالإسناد إلى تفسيره. وقد روى الطبري هذه الروايات بالإضافة إلى روايات أخرى مماثلة للروايات السابقة. وليس من شيء من هذه الروايات والأحاديث واردا في كتب الأحاديث الصحيحة. وقد أخذ الطبري وتابعه آخرون بالأحاديث النبوية التي تذكر أنهم جماعة غزوا وعصوا آباءهم برغم عدم اتصافها بالصحة وغرابة طرقها. وهذا في حين أن عبارة الآيات تلهم بقوة أن أصحاب الأعراف يعرفون جميع الخلق وأنهم في موقف الشهود العدول عليهم الذين يقولون للمؤمنين ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون. وكون ذلك من مهمتهم. وهذا يقتضي أن يكونوا الأنبياء أو الملائكة كتّاب أعمال الناس. وفي القرآن آيات عديدة يمكن أن يكون فيها تأييد لذلك. نكتفي بما جاء في سورة الزمر منها: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (70) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (73) . وتبعا لترجيحنا يكون الضمير في الآية [47] عائد إلى أهل الجنة الذين تلهم

[سورة الأعراف (7) : الآيات 50 إلى 53]

العبارة أنهم منتظرون أمر الله بدخولها وهم طامعون آملون في ذلك. وقد ذكرنا ما ذكرناه من قبيل التعليق على الروايات واستلهام العبارة القرآنية دون قصد إلى شرح المشاهد الأخروية التي نقول في صددها إن الإيمان بما احتوته الآيات من ذلك واجب تبعا لوجوبه بالنسبة لكل المشاهد والصور التي يذكرها القرآن مع وجوب الوقوف عند ما ذكره القرآن دون تخمين ولا تزيد ما دام ليس هناك أحاديث نبوية صحيحة. وهي وحدها التي يمكن أن يستند إليها في المسائل المغيّبة التي منها المشاهد الأخروية. ويتبادر لنا من فحوى الآيات ومقامها وروحها أنها هدفت أيضا إلى بثّ الطمأنينة والغبطة في نفوس المؤمنين الصالحين والفزع والخوف في نفوس الكافرين الآثمين مع تبكيتهم. وأنها جاءت مطلقة لتكون عامة البشرى والإنذار والتنويه والتبكيت ومستمرة التلقين أيضا. وفي الآية [49] صورة لما كان ينظر الكفار وخاصة زعماءهم من نظرة الاستكبار والاستهانة إلى الذين استجابوا للدعوة النبوية. وهو ما حكته آيات السورة السابقة وآيات عديدة أخرى أوردنا أمثلة منها في سياق السورة المذكورة. ونقول تعليقا على الروايات التي ينفرد بها الطبرسي إن طابع الهوى والوضع الشيعي بارز عليها. وإن هذا ديدن رواة الشيعة ومفسريهم الذين يروون الروايات المماثلة في سياق آيات كثيرة جدا بسبيل تأييد أهوائهم دون أسناد صحيحة ووثيقة ودون مبالاة بعدم التساوق الذي يكون ظاهرا بكل قوة بين الروايات والآيات نصا وروحا وسياقا على ما سوف ننبه عليه في مناسباته. ويلحظ هذا في الروايات المروية هنا. فالآيات في صدد جميع أهل الجنة وجميع أهل النار. ومع ذلك فهي تحصر الموقف على محبّي علي وأبنائه وذريته ومبغضيهم وتجعل الجنة والنار رهنا به وتجعل عليا وبعض ذريته أصحاب القول الفصل فمن أحبّهم أدخلوه الجنة ومن أبغضهم أدخلوه النار! وننبّه على أن الطبرسي من أكثرهم اعتدالا ... [سورة الأعراف (7) : الآيات 50 الى 53] وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (51) وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (53)

(1) ينظرون: ينتظرون. (2) تأويله: أصل اشتقاق الكلمة من آل يؤول بمعنى صار أمره أو عاقبته إلى كذا. وقد جاءت في القرآن بمعان عديدة ولكنها لا تخرج عن نطاق معنى آل. حيث جاءت بمعنى مصداق الشيء الذي ظهر أو تحقيقه أو عاقبته أو تفسيره أو مصيره أو تعبيره أو مداه أو بيان ما استتر من سحره أو كونه أحسن عاقبة. وهي هنا بمعنى مصداقه أو تحقيقه أو عاقبته. وتستعمل الكلمة في صدد تفسير القرآن. والفرق بينها وبين التفسير أن التفسير هو للغة والألفاظ والتأويل هو للمعاني المحتملة التي يقدم قرينة ما على أنها أكثر ورودا من معنى اللفظ اللغوي. الآيات معطوفة على ما سبقها واستمرار للسياق كما هو المتبادر. وفيها مشهد مما سوف يكون دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. وتعقيب تبكيتي للكافرين الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا واغترّوا بالحياة الدنيا. برغم ما جاءهم من كتاب فيه الهدى والرحمة لمن حسنت نيته وآمن. ثم صورة لما سيكون من ندمهم واعترافهم وتمنّيهم الرجوع ويأسهم من شفعائهم. وهي قوية لاذعة. ونقول هنا ما قلناه في صدد الآيات السابقة إن من الواجب الإيمان بما احتوته من مشهد. وإن من المتبادر أن من الحكمة المتوخاة فيها إثارة الفزع والخوف والندم في السامعين الكفار وحملهم على الارعواء قبل أن تصدمهم حقيقة

[سورة الأعراف (7) : الآيات 54 إلى 58]

الآخرة ومصيرهم الرهيب فيها ويندموا ولات ساعة مندم. وقد جاءت مطلقة لتكون مستمرة المدى والتلقين. والآية [51] بخاصة احتوت تلقينا جليلا بتقبيح الذين يتخذون الدين هزؤا ولعبا ويغترون بما يكونون عليه من مال وقوة في الحياة فيسوقهم هذا إلى عدم المبالاة بالعواقب واقتراف الإثم والبغي والاستكبار وعدم الانصياع إلى دعوة الحق وكلمة الحق. والآية [52] وهي تقرر أن كتاب الله هو رحمة وهدى للمؤمنين تقرر ضمنا أن الاستكبار عن دعوة الله وجحودها إنما يأتيان من أناس خبثت نواياهم وساءت طواياهم، وتغلّب الهوى والعناد عليهم فأعميا بصائرهم، وأن هؤلاء هم الذين لا يرون في كتاب الله الهدى وطريق الحق، في حين أن الذين طابت سرائرهم ورغبوا في الحق وبرئوا من الهوى والعناد يؤمنون ويرون في كتاب الله رحمة وهدى. وفي هذا وذاك تنديد بالكافرين من جهة وتنويه بالمؤمنين من جهة وعزو الاهتداء والضلال لحسن النية وصدق الرغبة وخبث الطوية وتغلّب الهوى وكونهما مظهرا لذلك من جهة أخرى. وفي هذا ما فيه من التلقين المستمر المدى. هذا، ولقد قال المفسرون في جملة فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا إن الله لا يشذّ عنه شيء ولا يتّصف بالنسيان وإن المقصد أن الله يعاملهم كالمنسيّ أو يتركهم في العذاب لا يسمع لهم استغاثة ولا يتداركهم برحمة. ومع وجاهة هذا التخريج فيمكن أن يقال أيضا إن العبارة أسلوبية لمقابلة العمل بمثله مما تكرر كثيرا ومنه وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [آل عمران: 54] . [سورة الأعراف (7) : الآيات 54 الى 58] إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (54) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58)

(1) يغشى الليل النهار: يغطي بالليل النهار ويدخله عليه. (2) يطلبه حثيثا: حثيثا بمعنى سريعا أو متواليا ويطلبه أي يجري وراءه ليدركه. (3) تضرعا: تذللا. (4) خفية: سرا وبدون إعلان. (5) المعتدين: هنا بمعنى المتجاوزين الحد. (6) أقلت: حملت. (7) نكدا: النكد العسر الممتنع عن إعطاء الخير. الآيات استمرار للسياق السابق ومتصلة به على ما هو المتبادر وقد جاءت بعد بيان مصائر المؤمنين والكافرين في الآخرة لتخاطب الناس عودا على بدء وتلفت نظرهم إلى مظاهر ربوبية الله في الكون العظيم ومطلق تصرفه، وتذكرهم بنعمة الله، وتبشّر المحسنين الصالحين برحمته الواسعة، وتدلّل على استحقاقه وحده للعبودية والخضوع والدعاء وتبرهن على قدرته على إحياء الناس بعد الموت. وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. وأسلوبها تقريري رصين موجّه إلى العقول والقلوب معا. ومع أن ضمير الجمع المخاطب عائد إلى السامعين فإنه عام التوجيه. وقد احتوت تلقينات جليلة مستمرة المدى. سواء في تعليمها آداب دعاء الله وعبادته تضرعا وخفية وخوفا وطمعا بدون إعلان ولا صخب، أم في نهيها

عن الفساد في الأرض، أم في تأميلها المحسنين الذين يقومون بواجباتهم، أم في التفكير في آلاء الله وعظمة كونه والاستشعار بعظيم قدرته ومطلق تصرفه، وتحرير النفس من كل ما عداه. وسامعو القرآن كانوا يعرفون ويعترفون بأن الله تعالى هو الذي خلق السموات والأرض وما بينهما وما فيهما والمدبّر للأكوان والمتصرّف فيها على ما حكته عنهم آيات عديدة منها آية سورة الزخرف هذه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) وآية سورة يونس هذه: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (31) وآيات سورة المؤمنون هذه: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (87) بحيث تستحكم الحجة على السامعين بما أرادته الآيات من التدليل على استحقاق الله وحده للخضوع والدعاء وقدرته على إحياء الناس بعد الموت. والمتبادر أن تعبير وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها هو تعبير أسلوبي إذ الفساد ليس أصلا وإنما يكون طارئا ومستأنفا. والجملة بسبيل تشديد خطر البغي والفساد فإذا كان الفساد في أصله قبيحا محظورا فهو بعد الصلاح أشدّ قبحا وآكد خطرا لأنه هدم للصلاح القائم وإقامة الفساد مكانه. ولعلّ الجملة تتضمن التنويه بالرسالة النبوية التي جاءت بالإصلاح بعد الفساد والتنديد بالذين يقفون منها موقف الهادم لها وإتاحة الاستمرار للفساد أو استئنافه. وتبدأ بعد هذه الآيات سلسلة طويلة في قصص الأنبياء مع أقوامهم. وهكذا تكون هذه الآيات وبخاصة الأخيرة منها قد جاءت خاتمة قوية للفصل الطويل الذي ابتدأ من أول السورة.

تعليق على الآية ادعوا ربكم تضرعا وخفية إلخ وما فيها من تلقين واستطراد إلى موضوع الدعاء في القرآن والحديث وما في ذلك من دلالة على إعارة الكتاب والسنة لهذا الأمر من عناية ومدى هذه العناية

تعليق على الآية ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إلخ وما فيها من تلقين واستطراد إلى موضوع الدعاء في القرآن والحديث وما في ذلك من دلالة على إعارة الكتاب والسنّة لهذا الأمر من عناية ومدى هذه العناية والأمر بالدعاء خفية قد تكرر في القرآن كما جاء في آية سورة الأعراف هذه أيضا: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (205) وآية سورة الإسراء هذه: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (110) . وواضح أن هذا هو بسبيل التهذيب النفسي وتقرير كونه أدلّ على الإخلاص لله في الدعاء والعبادة وأبعد عن تهمة المظاهرة والرياء. ولقد أورد ابن كثير حديثا ورد في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: «رفع الناس أصواتهم بالدعاء فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أيّها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائب. إن الذي تدعون سميع قريب» . وروى الترمذي حديثا عن أبي أمامة قال: «قيل يا رسول الله أيّ الدعاء أسمع قال جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبة» . وفي الحديثين تساوق مع التلقين القرآني شأن سائر الأمور. استطراد إلى موضوع الدعاء لله ومداه ونستطرد إلى ذكر الدعاء لله بصورة عامة فنقول إن في القرآن آيات كثيرة في الحثّ على الدعاء لله تعالى وفي كل ظرف وفي التنويه به، ووعد رباني بالاستجابة لمن يدعوه. وإيذان بأنه قريب إليه كما ترى في الآيات التالية: 1- وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة: 186] .

2- وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا [الكهف: 28] . 3- إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ [الأنبياء: 90] . 4- أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ [النمل: 62] . 5- تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ [السجدة: 16] . 6- فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ [غافر: 14] . 7- وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [غافر: 60] . حيث يبدو من هذه الأمثلة ما اقتضته حكمة التنزيل من إعارة العناية لهذا الأمر. وإذا لاحظنا أن الدعاء في الإنسان يكاد يكون فطريا لأنه لا يكاد يجد نفسه في مأزق أو ضيق أو كرب أو أمام صعوبة إلّا وسارع إلى دعاء الله، تبينت لنا تلك الحكمة حيث ينطوي فيها علاج روحي لكثير من مشاكل النفس والحياة. فإذا ما أفضى الإنسان المحزون والمكروب والذي يواجه المشاق والمصاعب إلى ربّه ما يعانيه وطلب منه العون فإنه يشعر بطمأنينة ونفحة روحية تنشله مما هو فيه أو تخفّف عنه وتبثّ فيه الأمل والرجاء إذا كان ذلك مترافقا مع الإيمان والاعتقاد بأن الله سامع له قريب إليه مجيب لدعائه. وهذا فضلا عما ينطوي في الدعاء لله من وسيلة إلى ذكر الله ثم في إثارة الشعور بتقوى الله بصالح الأعمال واجتناب السيئات. وفي هذا ما فيه من وسيلة إلى تقويم أخلاق المسلم. وهناك أحاديث نبوية عديدة في هذا الموضوع منها حديث رواه الترمذي

والإمام أحمد والحاكم عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء» «1» . وحديث رواه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من لم يسأل الله يغضب عليه» «2» . وحديث رواه الترمذي عن أنس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «الدعاء مخّ العبادة» «3» . وحديث رواه الترمذي عن عبادة بن الصامت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة إلّا آتاه الله إيّاها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم فقال رجل من القوم إذا نكثر قال الله أكثر» «4» . وعن ابن عمر قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة وما سئل الله شيئا يعطى أحبّ إليه من أن يسأل العافية» «5» . وعن ابن عمر أيضا قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء» «6» . وعن سلمان قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يردّ القضاء إلّا الدعاء ولا يزيد في العمر إلّا البرّ» «7» . وعن عبد الله قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم سلوا الله من فضله فإنّ الله عزّ وجلّ يحبّ أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج» «8» . وحديث رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يقلنّ أحدكم اللهمّ اغفر لي إن شئت اللهمّ ارحمني إن شئت. ليعزم المسألة فإنّه لا مكره له» «9» . وحديث رواه البخاري ومسلم أيضا عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل. يقول دعوت فلم يستجب لي» «10» . وحديث رواه

_ (1) التاج ج 5 ص 100. (2) انظر المصدر نفسه. (3) انظر المصدر نفسه. (4) انظر المصدر نفسه ص 100- 101. (5) انظر المصدر نفسه. (6) انظر المصدر نفسه. (7) انظر المصدر نفسه. (8) انظر المصدر نفسه. (9) انظر المصدر نفسه ص 103- 104. (10) انظر المصدر نفسه.

تعليق على الآية إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش

الترمذي والحاكم عن أبي هريرة كذلك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة. واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه» «1» . وحديث رواه الترمذي ومسلم عن أبي هريرة جاء فيه: «الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمدّ يده إلى السماء يا ربّ يا ربّ ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذّي بالحرام فأنّى يستجاب لذلك» «2» . وينطوي في الأحاديث تلقينات نبوية متساوقة مع التلقين القرآني وتأديب نبوي في صدد الدعاء بوجه عام. وهناك صيغ كثيرة في الدعاء في مختلف الظروف مأثورة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم نكتفي بواحدة منها وصفت بأنها من جوامع الدعاء رواها الثلاثة عن أنس قال: «كان أكثر دعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم اللهمّ ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» » . تعليق على الآية إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ إن جملة خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ تأتي هنا لثاني مرة. وقد جاءت للمرة الأولى في سورة (ق) التي مرّ تفسيرها وعلّقنا عليها بما يغني عن التكرار. وكلمة الْعَرْشِ وردت في السور التي سبق تفسيرها أكثر من مرة. وعلّقنا على مدى الكلمة في سورة التكوير بما يغني عن التكرار كذلك. أما جملة ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ فإنها تأتي هنا للمرة الأولى. وقد تكررت

_ (1) التاج ج 5 ص 103- 104. (2) التاج ج 4 ص 163. (3) التاج ج 5 ص 108. وانظر الصيغ الأخرى في الصفحات 103 وما بعدها.

بعد ذلك. وقد تعددت الأقوال في مداها فممّا قاله البغوي أن المعتزلة أوّلت الاستواء بالاستيلاء وأن أهل السنة قالوا إن الاستواء على العرش سنّة لله تعالى بلا كيف ويجب على المسلم الإيمان به ويكل العلم فيه إلى الله عزّ وجلّ. وروى أن رجلا سأل الإمام مالك بن أنس عن الجملة فأطرق رأسه مليا وعلاه الرجفاء ثم قال له الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. وما أظنك إلّا ضالا ثم أمر به فأخرج. ومما قاله ابن كثير إن للناس في هذا الأمر مقالات كثيرة جدا. وإن خير مسلك هو مذهب السلف الصالح مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وغيرهم من أئمة المسلمين قديما وحديثا وهو إمرار الجملة كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه، ولا تعطيل. وأن الظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله تعالى فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. وإن بعض الأئمة ومنهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قالوا من شبه الله بخلقه كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه كفر وليس فيما وصف الله به نفسه تشبيه، ومن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة على الوجه الذي يليق بجلال الله ونفى عنه النقائص فقد سلك سبيل الهدى. وهذا يفيد أن من المقالات ما كان يذهب أصحابه إلى أخذ العبارة بظاهرها بدون تأويل ولو أدّى ذلك إلى اعتبار الله تعالى وعرشه مادة وكون الله تعالى يجلس على عرشه كجلوس الملوك على الأسرة والعروش المادية. وروى الطبرسي عن الحسن أن استوى بمعنى استقرّ ملكه واستقام بعد خلقه السموات والأرض. وقال إن ذلك هو على المتعارف من كلام العرب حيث يقولون استوى الملك على عرشه إذا انتظمت أمور مملكته وشلّ عرشه إذا اختلّت. ومما قاله السيد رشيد رضا إن حقيقة الاستواء في اللغة التساوي واستقامة الشيء أو اعتداله. ويستعمل على الأكثر في المجاز فيقال استوى على الدابة وعلى السرير وعلى الفراش ويكون بمعنى التملّك. ثم استطرد إلى القول إن أحدا من أصحاب رسول الله لم يشتبه في معنى استواء الله على العرش على علمهم بتنزّهه سبحانه عن صفات البشر وغيرهم من الخلق إذ كانوا يفهمون أن استواءه على عرشه عبارة عن استقامة أمر ملك السموات

والأرض له وانفراده بتدبيره. وإن عقيدة التنزيه القطعية الثابتة بالنقل والعقل مانعة لكل منهم أن يتوهم أن في التعبير بالاستواء على العرش شبهة تشبيه للخالق بالمخلوق. وفي تفسير القاسمي فصل طويل جدا بلغت صفحاته خمسا وخمسين ولعلّه أطول فصل عقده على أي موضوع. وفي هذا الفصل أقوال ومذاهب مختلف الجماعات والفرق الإسلامية من أهل السنّة والجماعة والسلف الصالح والمعتزلة والمشبّهة والظاهرية. ومناقشات وردود على هؤلاء خاصة منه ومن علماء وأئمة أهل السنّة والجماعة والسلف الصالح الذين يلتزم أقوالهم التي لخصها ابن كثير والبغوي ورشيد رضا وأوردناها قبل قليل بسبيل تفنيد ما يمكن أن تؤدي إليه أقوالهم من مناقضة لما ينبغي أن يكون لله من صفات مبرأة من شوائب الجسمانية والمشابهة لخلقه أو الحلول أو التحديد في جهة ما. واهتم فيما اهتم لتفنيد تفسير المعتزلة لكلمة اسْتَوى بمعنى استولى من حيث أن ذلك يؤدي إلى معنى استيلاء الله على عرشه بعد أن لم يكن مستوليا عليه مما هو مناف لأزليته وأزلية صفاته التي منها ملك كل شيء مع أن المتبادر لنا أن مقصودهم هو نفي الاستواء المادي على العرش المادي وصرف الكلمة إلى معنى مجازي. ولا يعقل أن يكونوا أرادوا القول إن الله استولى على العرش بعد أن لم يكن مستوليا عليه بالمعنى الحرفي. وإن من الممكن أن لا تكون ثُمَّ في مقام الترتيب الزمني ويمكن أن تكون في مقام العطف فيكون معنى الجملة إن الله هو الذي خلق السموات والأرض وإنه استوى على العرش. ويبدو من الإمعان في ما نقلناه عن البغوي وابن كثير والطبرسي ورشيد رضا واتجاه جمال القاسمي أنهم متساوقون فيما قالوه واستندوا إليه وأن ذلك هو مذهب السلف الصالح وأهل السنّة والجماعة. وملخّصه أن من الواجب الإيمان بما جاء في القرآن والتفويض لعلم الله في ما أراده من التعبير مع تنزيهه عن الحدود والحلول والجسمانية والمشابهة. ونحن نرى في هذا الوجاهة والسداد. وننوّه بخاصة بوجاهة ما ذكره رشيد رضا من أن أحدا من أصحاب رسول الله لم يشتبه في معنى استواء الربّ تعالى على العرش على علمهم بتنزهه سبحانه عن صفات البشر

تعليق على دلالة الآية والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا

وغيرهم من الخلق وأنهم كانوا يفهمون أن استواءه تعالى على عرشه عبارة عن استقامة أمر ملك السموات والأرض له وانفراده هو بتدبيره. وإذا كان من شيء يصحّ قوله بالإضافة إلى هو فهو وجوب ملاحظة كون العبارة القرآنية هنا وفي أي مكان آخر في القرآن قد جاءت في معرض التدليل على عظمة الله وشمول قدرته وملكه وتقرير كونه الخالق المدبّر المتصرّف الوحيد فيه واستحقاقه بسبب ذلك وحده للعبادة والخضوع. وإن ما شغله هذا الموضوع من حيز ليس بسبب العبارة ولكن بسبب ما لمح من مساسها بالصفات الإلهية التي كانت من أهم أسباب تعدد المذاهب الكلامية في الإسلام تأثرا بالفلسفة اليونانية التي أخذت تنتشر في القرن الثاني وبعده وأساليبها وبما كان من انقسامات وخلافات سياسية على ما ألمعنا إليه في تعليقنا على موضوع القدر في سياق تفسير سورة (ق) وعلى ما يدلّ عليه عدم انشغال أصحاب رسول الله بهذه المسألة وأمثالها. والله تعالى أعلم. تعليق على دلالة الآية وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً وقد روى الطبري وغيره عن ابن عباس وغيره أن الآية [58] تنطوي على مثل ضربه الله للمؤمن والكافر فشبه المؤمن بالأرض الطيبة التي تؤتي ثمرا طيبا والكافر بالأرض السبخة الرديئة التي يكون ثمرها رديئا. والاستنباط سديد وجيه. وفي الآية على ضوئه تنويه بالمؤمنين الذين استجابوا لدعوة الله ورغبوا في الحق والهدى وتنديد بالكافرين الذين ناوأوها وتصامموا عن صوت الحق وتعاموا عن النور والهدى عنادا ومكابرة. وروح الآية تتحمل تعديلا للتشبيه وهو تشبيه ذوي النفوس الطيبة بالأرض الطيبة وذوي النفوس الخبيثة بالأرض الخبيثة. وبهذا التعديل يمكن تعليل كل موقف لكل فئة وفرد من الهدى والحق إذا ظهرت معالمهما واضحة في كل وقت ومكان وعلى كل مدى ويكون المثل القرآني به من الحكم العامة المستمرة المدى. وهذا ما أردناه حينما نعلل آيات الضلال والهدى والكفر والإيمان بأن الناس الذين يصرون على كفرهم وعنادهم وضلالهم رغم ظهور معالم

[سورة الأعراف (7) : الآيات 59 إلى 64]

الحق والهدى إنما يصدرون عن سوء نية وخبث طوية فيؤذن الله بأنه لن يسعدهم ولن يهديهم ولن يوفقهم وأنهم حقّت عليهم الضلالة وباؤوا بخزي الله ونقمته وسخطه. وإن الذين ينضوون إلى الحق والهدى ويصدقونهما إنما يصدرون عن حسن نية وطيب طوية ورغبة في الإيمان والهدى والحق. فيؤذن الله بأنه كتب لهم السعادة والنجاة واستحقوا رحمته ورضوانه مما تكرر بيانه في مناسبات سابقة. والله أعلم. ولقد أورد البغوي وابن كثير في سياق هذه الآية حديثا عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» «1» . والحديث متساوق مع الاستنباط وموضح للمثل القرآني كما هو المتبادر. [سورة الأعراف (7) : الآيات 59 الى 64] لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (60) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (62) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (64) . (1) الملأ: الأشراف والسادة. وقيل الرجال دون النساء وقيل إن معنى

_ (1) روى البغوي هذا الحديث بطرقه وهو من أئمة الحديث وعزا ابن كثير الحديث إلى مسلم والنسائي. [.....]

الكلمة جمهور الناس أو معظمهم. وروح الآية هنا وفي آيات أخرى تلهم أن المقصود من الكلمة زعماء القوم وكبراؤهم. (2) ضلالة: هنا بمعنى الشذوذ والبعد عن المنطق والعقل. (3) عمين: قيل إنها جمع أعمى كما قيل إنها جمع عم والفرق أن الأعمى أعمى البصر والعمي هو أعمى البصيرة. هذه حلقة من سلسلة طويلة استغرقت أكثر من نصف السورة وقد جاءت عقب فصول احتوت إنذارا وتنديدا بالكفار وتنويها وثناء على المؤمنين وصورا لمصائر الفريقين وبراهين على عظمة الله وقدرته وشمول ملكه ودعوة إليه وحده، جريا على الأسلوب القرآني في إيراد القصص بعد مثل هذا السياق على ما نبهنا عليه في مناسبات سابقة. فالسلسلة والحالة هذه متصلة بما سبقها اتصال تعقيب واستطراد وتمثيل وتذكير وعظة. ولقد أشير إلى تكذيب الأقوام الذين ذكرتهم حلقات السلسلة إشارة خاطفة في سورة «ص» السابقة لهذه السورة، حيث يمكن أن يقال إن حكمة التنزيل اقتضت الإسهاب الذي جاءت عليه القصص هنا بعد تلك الإشارة الخاطفة. إما لتوكيد الإنذار والتمثيل والتذكير وإما بناء على تحدّ أو استزادة من السامعين. ومن الممكن والحال هذه أن يكون ذلك من قرائن صحة ترتيب نزول سورة الأعراف بعد سورة «ص» . ولقد ذكرنا في سياق تفسير سورة القلم الحكمة الربانية في تكرار القصص في كل مناسبة مماثلة وبأساليب متنوعة حسب اقتضاء حكمة التنزيل. وتكرار القصص هنا متصل بتلك الحكمة. ولقد احتوت هذه الحلقة قصة رسالة نوح عليه السلام إلى قومه. وعبارتها واضحة. ولقد ذكرت قصة نوح في السور السابقة وعلقنا عليها بما اقتضى وليس في الحلقة جديد يستدعي تعليقا جديدا. وسنعلّق في آخر السلسلة تعليقا عاما على ما تضمنته من مقاصد وتلقينات وعبر. الجزء الثاني من التفسير الحديث 27

[سورة الأعراف (7) : الآيات 65 إلى 72]

[سورة الأعراف (7) : الآيات 65 الى 72] وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (65) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (66) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (68) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69) قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71) فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (72) . (1) سفاهة: هنا بمعنى الجهل أو لوثة العقل. (2) ذكر: تذكير وبلاغ ودعوة. (3) آلاء الله: نعم الله. (4) نذر: نترك أو نتخلى. (5) رجس: جاءت الكلمة في القرآن بمعان عديدة منها النجس المادي أو المعنوي والخزي والضلالة والغواية والانحراف وانغلاق الذهن والصد عن الهدى والغضب أو العذاب الرباني. وهنا بأحد المعنيين الأخيرين. (6) وقطعنا دابر القوم: بمعنى استأصلناهم. وهذه حلقة ثانية من السلسلة احتوت قصة رسالة هود عليه السلام إلى قوم عاد. وعبارتها واضحة. وقد أشير إليها في سور سابقة وذكرنا في مناسباتها ما اقتضى من تعريف بهود عليه السلام وقومه عاد. ولقد تكررت في سور آتية مرارا وفيها بيانات أخرى غير ما ورد في هذه الحلقة. وفي الطبري والبغوي وغيرهما

سياق طويل عنهم على هامش هذه الحلقة معزو إلى السدي وابن زيد وابن وهب وغيرهم من علماء الصدر الأول حيث يفيد هذا أن سامعي القرآن من أهل بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم كانوا يتداولون أخبارهم جيلا عن جيل. ومما ذكروه أنهم كان لهم صنم اسمه صداء أو صمود وصنم آخر اسمه الهباء. وأن السماء أمسكت عنهم بسبب كفرهم حتى جهدوا وذهبوا إلى الاستغاثة عند الكعبة ثم رجعوا فظهرت لهم سحابة ظنوها الغيث وإذا فيها العذاب الذي جاءهم كريح شديدة مدمرة أهلكتهم ونجى الله هودا والذين آمنوا معه. ومما ذكروه أن بلادهم هي أرض الشجر من بلاد اليمن مما يلي حضرموت إلى عمان أو أنها الأحقاف التي هي أيضا في القسم الجنوبي الشرقي من جزيرة العرب والأحقاف ذكرت في القرآن في سورة الأحقاف وفيها آيات تذكر ما وقع عليهم من عذاب وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) وفَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25) . ولم نر ضرورة لإيراد ما أورده المفسرون من بيانات مسهبة أخرى لا تخلو من مبالغة وخيال لأن ذلك غير متصل بأهداف القصة. ومن جملة ذلك مثلا ما يفيد أن عادا كانوا يتكلمون باللغة العربية الفصحى مع أن هذه اللغة إنما استقرّت على شكلها قبل البعثة بمدة غير طويلة وعاد إنما كانوا ألفين أو أكثر من السنين. ولقد تعددت رواياتهم في صدد معنى ومدى جملة وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً منها أنها بمعنى زادكم من نعمه من بين خلقه. ومنها أنه زادهم على غيرهم نسبيّا في طول الأجسام وقوتها. ومنها أن قاماتهم كانت طويلة جدا حتى كان منهم من هو في مائة ذراع أو سبعين أو ستين وأقصرهم في اثنتي عشرة ذراعا. والمتبادر أن التعبير متصل بالهدف القرآني فهو من جهة حكاية لتذكير هود قومه بنعمة الله عليهم دعما لدعوته. ومن جهة تنبيه لسامعي القرآن إلى أن من

[سورة الأعراف (7) : الآيات 73 إلى 79]

الذين كانوا قبلهم من كان أعظم منهم أجساما وأشدّ قوة فأخذهم الله بكفرهم وإنهم لن يعجزوه. وقد تكرر هذا في آيات عديدة مثل آية سورة غافر هذه: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (82) وآية سورة «ق» هذه: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36) . ولقد تكون زيادة بسطة أجسام عاد مما كان متداولا بين سامعي القرآن فذكر ذلك لتدعيم الموعظة والهدف القرآني. غير أن الجملة القرآنية لا تقتضي أن تكون أجسام قوم عاد خارقة للعادة. ولقد استعمل التعبير في القرآن في صدد وصف طالوت الذي اختاره نبي بني إسرائيل ملكا في آية سورة البقرة هذه: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (247) ولقد ذكرت قصة اصطفاء النبي لطالوت في سفر صموئيل الأول «1» ووصف طالوت (شاؤول) بأنه من كتفه فما فوق كان أطول من كل الشعب. وليس هذا خارقا للعادة. وهذا كله يجعل أحد القولين الأولين عن مدى الجملة هو الأكثر ورودا واتساقا مع حقائق الأمور. [سورة الأعراف (7) : الآيات 73 الى 79] وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (73) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (78) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79)

_ (1) الإصحاحان الثامن والتاسع.

(1) فذروها: دعوها واتركوها. (2) بوأكم: منحكم وأنعم عليكم ومكنكم. (3) عتوا: تمردوا. (4) الرجفة: كناية عن الزلزلة. والرجفان هو الحركة والاضطراب. وهذه حلقة ثالثة احتوت قصة رسالة صالح عليه السلام إلى قومه ثمود. وعبارتها واضحة. وقد ورد ذكر قصة ثمود ونبيهم في سور سابقة. وذكر فيما ذكر في هذه السور ما جاء في هذه الحلقة من أمر الناقة وعقرها. وعلقنا على ذلك بما اقتضى. وقد تكرر ورودها مرارا في سور أخرى بعد هذه السورة وفيها بعض بيانات لم ترد في هذه الحلقة. وفي الطبري والبغوي وغيرهما بيانات كثيرة عن صالح عليه السلام وقومه وناقته وتآمرهم عليهما وعقرهم للناقة وما حلّ فيهم من عذاب الله معزوة إلى علماء الصدر الإسلامي الأول فيها كثير من المبالغة والخيال فلم نر ضرورة إلى إيرادها لأنها غير متصلة بالهدف القرآني. ولكن فيها دلالة على ما قلناه قبل من أن سامعي القرآن من أهل بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم كانوا يتداولون أخبارهم جيلا عن جيل. والمشهور الذي تؤيده الآثار الباقية إلى اليوم أن قوم ثمود كانوا ينزلون في الجهات المعروفة اليوم بمدائن صالح أو في جهات العلاء في طريق قوافل تجّار العرب والحجاز إلى بلاد الشام وهي أقرب إليهم منها إلى هذه البلاد. فكان العرب

[سورة الأعراف (7) : الآيات 80 إلى 84]

من أهل عصر النبي وبيئته قبل البعثة بالإضافة إلى ما يسمعونه من أخبارهم جيلا عن جيل كانوا يعرفون بلاد ثمود وآثارها معرفة عيانية وكانوا يرون فيها فيما يرون آثار تدمير رباني. على ما تفيده آية سورة العنكبوت هذه: وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) ولا تزال آثار هذه البلاد المدمّرة باقية إلى اليوم. وفيها آثار بيوت ومقابر منحوتة في الجبال وعليها نقوش بلغة ثمود التي كانت لهجة عربية قديمة بعيدة عن الفصحى. وهذا مما يظهر ما في البيانات التي يرويها المفسرون من خيال حيث رووا فيما رووا أن لغتهم كانت عربية فصحى. ونحت ثمود بيوتا في الصخور والجبال تكرر ذكره في سور سابقة وآتية. أما اتخاذهم من السهول قصورا فهو هنا جديد وللمرة الوحيدة. وبلاد ثمود ليست جبلية صخرية كلها ففيها أيضا سهول ومنبسطات. وفي العبارة القرآنية توضيح لصورة واقعية كان السامعون يعرفونها سماعا ومشاهدة كما هو المتبادر. وعلى كل حال فالمتبادر أن الكلام هو بسبيل تذكير قوم صالح عليه السلام بما أنعم الله عليهم من قوة وتمكين ونشاط وعمران. [سورة الأعراف (7) : الآيات 80 الى 84] وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84) . (1) مسرفون: موغلون في الاعوجاج. (2) الغابرين: الذاهبين الهالكين. وهذه حلقة رابعة من السلسلة احتوت قصة لوط عليه السلام وقومه وقد

ذكرت في سور سابقة وعلقنا عليها بما اقتضى. والجديد فيها صراحة إقبال قوم لوط على إتيان الذكور وخبر إهلاك زوجته مع الهالكين. وقد تكرر ذلك في السور التي ذكرت القصة بعد هذه السورة. ولقد ذكرت القصة بما فيها الخبران في سفر التكوين على ما نبهنا عليه في المناسبات السابقة. والمتبادر أن سامعي القرآن يعرفون ذلك عن طريق اليهود. وعبارة السفر المذكور عن زوجة لوط أنها التفتت إلى ورائها فصارت قضيب ملح. وفي آية سورة هود عبارة إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ [81] وفي آية سورة النمل عبارة: إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (75) وفي آية سورة التحريم [10] نسبت إليها خيانة زوجها. وليس بين ما ورد في القرآن وفي سفر التكوين تعارض أو تغاير في المدى العام. ونعتقد أن ما ذكر في القرآن كان متداولا بين اليهود وواردا في بعض قراطيسهم. وفي ذكر هلاك هذه الزوجة مع الهالكين الذين استحقوا الهلاك بسبب بغيهم وانحرافهم عظة قرآنية بليغة ومستمرة التلقين وهي أن القرابة وصلة الدم مهما اشتدّت لا يمكن أن تغني الإنسان شيئا إذا كان سيء العمل والتصرف وأن أحدا لا يغني عن أحد وكل نفس رهينة بما كسبت. وهذا المعنى قد تكرر في آيات كثيرة مرت أمثلة عديدة منها بحيث يصحّ أن يقال إنه من المبادئ القرآنية المحكمة. وفي آية سورة التحريم المذكورة آنفا صراحة بالنسبة لزوجة لوط. وقد نزلت لتكون مثلا وهذا نصها: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) . وعذاب قوم لوط المعبّر عنه هنا بجملة وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً عبر عنه في سورة القمر التي مرّ تفسيرها بجملة إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً وفي سورة هود بهذه الآية: فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) وقد ورد في الإصحاح (19) من سفر التكوين هذه العبارة: (وأمطر الربّ على سدوم وعمورة كبريتا ونارا من السماء وقلب تلك المدن وكل البقعة

استطراد إلى جريمة اللواط

وجميع سكان المدن ونبت الأرض) مما فيه تساوق وتوافق. استطراد إلى جريمة اللواط ولقد استطرد المفسرون «1» إلى جريمة اللواط في الإسلام في سياق هذه الآيات التي يشار فيها إليها لأول مرة بصراحة فذكروا أن العلماء مجمعون على تحريمها وأوجبوا عقوبة الزنا على الفاعل والمفعول به وأوردوا أحاديث نبوية في ذلك منها حديث رواه أصحاب السنن عن ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» «2» . وحديث رواه الترمذي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط» «3» . ويلحظ أن الحديث الأول رتّب العقوبة متساوية على الفاعل والمفعول به بدون تفريق بين محصن وغير محصن للفاعل الذي يكون هذا واردا بالنسبة إليه. وقد يكون مردّ الحكمة النبوية في ذلك إلى بشاعة الجريمة وغير طبيعتها وإنسانيتها والله أعلم. على أن هناك أقوالا أخرى في صدد هذه الجريمة وعقوبتها وردت في كتب التفسير. من ذلك عن علي أن اللوطي يقتل ثم يحرق لعظم المعصية. وعن عمرو بن عثمان أنه يلقى عليه حائط. وعن ابن عباس أنه يلقى من أعلى بناء في البلد. وهذه الأقوال في معنى القتل الوارد في الحديث النبوي. ومن ذلك قول يروى عن الشافعي وآخرين أن عقوبة اللواط هي نفس عقوبة الزنا فإن كان الفاعل محصنا رجم وإن كان غير محصن جلد مائة جلدة على ما سوف يأتي شرحه مسهبا في سياق تفسير الآية الثانية من سورة النور. ولم يذكر الراوي رأي هؤلاء في عقوبة المفعول به إذا لم يكن مكرها. والمتبادر أنه يجلد لأن مسألة الإحصان وغير

_ (1) انظر تفسير ابن كثير ورشيد رضا مثلا. (2) التاج ج 3 ص 25. (3) المصدر نفسه.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 85 إلى 93]

الإحصان لا ترد بالنسبة إليه. ولقد ذكر رشيد رضا في تفسيره أن الحديث النبوي الذي يحدد عقوبة اللواط بقتل الفاعل والمفعول به ضعيف الإسناد حيث يبدو أن الشافعي وغيره الذين رتبوا عقوبة الزنا على اللواط لم يثبت الحديث عندهم. هذا، وهناك أحاديث أخرى في صدد إتيان النساء من أدبارهن مما هو في مدى جريمة اللواط. وقد أوردها المفسرون وعلّقوا عليها في سياق آية البقرة [223] نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وقد أرجأنا بدورنا الكلام على ذلك إلى هذه الآية. [سورة الأعراف (7) : الآيات 85 الى 93] وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (87) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (89) وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (93)

تلقينات القصص وما فيها من نقاط بارزة متصلة بالهدف القرآني

(1) لا تبخسوا الناس أشياءهم: لا تنقصوا من قيمتها. (2) لا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا: لا تقعدوا في الطرقات لتمنعوا الناس عن الإيمان وتصدّوا عنه الذين آمنوا وتتوعدوهم بالأذى وتحاولون بذلك عرقلة سبيل الله. (3) ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق: ربنا اقض بيننا وبين قومنا بالحق. (4) كأن لم يغنوا فيها: كأنهم لم يقيموا فيها. (5) فكيف آسى: فكيف أحزن. وهذه حلقة خامسة من السلسلة احتوت قصة رسالة شعيب عليه السلام إلى مدين وعبارتها واضحة. وهذه القصة تأتي هنا مسهبة لأول مرة، وقد أشير إليها إشارة خاطفة في جملة وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ في سورة «ق» ثم في سورة «ص» وقد ذكرنا ما فيه الكفاية من التعريف بهم وبشعيب عليه السلام في سياق ورود ذكرهم لأول مرة في سورة «ق» ورجحنا هناك استئناسا بالنصوص القرآنية أن أصحاب الأيكة هم أهل مدين وقوم شعيب ونبهنا كذلك إلى معرفة سامعي القرآن لقصتهم حيث تستحكم بذلك العظة القرآنية القصصية. وفي كتب التفسير بيانات كثيرة عن شعيب عليه السلام وقومه أيضا معزوّة إلى علماء الصدر الإسلامي الأول لا تخلو هي الأخرى من مبالغة وخيال. ولم نر طائلا في إيرادها لأنها غير متصلة بالهدف القرآني. وفيها مع ذلك دلالة على أن سامعي القرآن كانوا يعرفون هذه القصة كما كانوا يعرفون القصص الأخرى. تلقينات القصص وما فيها من نقاط بارزة متصلة بالهدف القرآني ولقد احتوت مضامين السلسلة القصصية نقاطا هامة تتصل بهدف القصص

القرآنية ننبّه إليها فيما يلي: 1- إبراز كون أسس الدعوة التي دعا إليها أنبياء الله صلوات الله عليهم هي نفس الأسس التي دعا إليها سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم، نابعة من مصدر واحد وهادفة إلى هدف واحد وهي الدعوة إلى الله وحده وتقرير استحقاقه وحده للعبادة والخضوع وإيجاب نبذ كل ما سواه والتنديد بالشرك بأي شكل ونوع. والحضّ على مكارم الأخلاق والفضائل والأعمال الصالحة النافعة وتقبيح الفواحش والآثام والبغي والعدوان والصدّ عن سبيل الله. 2- بيان اشتراك كثير من الناس في مختلف العصور في موقف الاستغراب من اختصاص الله بشرا منهم ومثلهم للرسالة الربانية وما كان من ردود الأنبياء السابقين عليهم بأن هذا ليس فيه ما يوجب الاستغراب، وأن اختصاص بعض البشر من آن لآخر واصطفائهم لحمل مهمة إرشاد البشر هو المعقول لأن ذلك أدعى إلى التفاهم معهم ومخاطبتهم بلسانهم والمصاولة والمجاولة معهم بنفس طرائقهم وأساليبهم وإيجاد القدوة منهم والأسوة فيهم. وكأنما أريد بهذه القصة وتلك إبراز كون النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم لم يكن بدعا ولم يدع إلى بدع. وهو ما نبّهت إليه آيات خاصة في بعض المناسبات مثل آية الأحقاف هذه: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9) ومثل آية الشورى هذه: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) . 3- بيان المسلك المشترك بين كفّار العرب وكفار الأمم السابقة من حيث وقوف الأكثرية وبخاصة الزعماء والأغنياء موقف الإنكار والجحود والعناد والمكابرة ومن حيث اقتصار الإجابة على فئة قليلة أكثرها ضعفاء وفقراء، ومن حيث صدّ الكفار عنها وتضييقهم على المجيبين إليها وأذيتهم وتوعّدهم بالطرد

والإخراج كأنما أريد بهذا تطمين النبي صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين وتسليتهم ودعوتهم إلى التأسي بمن قبلهم من أمثالهم الذين صبروا وصمدوا وثبتوا فنالوا رضاء الله ورعايته. 4- تطمين النبي صلّى الله عليه وسلّم وتثبيته. فما يلقاه هو ما لقيه الأنبياء السابقون. وإذا كان أكثر قومه لم يؤمنوا وإذا كان الذين آمنوا قليلين وجلّهم مستضعفون فهذا هو الشأن في دعوة الأنبياء والسابقين وسيرتهم أيضا. 5- تطمين الذين آمنوا وتسليتهم وتثبيتهم أيضا. فالله ناصرهم ومؤيدهم ومنجيهم، ومهلك الكفار ومنكّل بهم وقاطع دابرهم في النهاية مهما كانوا أقوياء وأغنياء وكثيرين ومتمكنين كما كان الشأن في الأقوام السابقين. ولقد وردت آيات عديدة ينبّه فيها إلى النقط الثلاث المذكورة مثل آية سورة الأنعام هذه: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (10) وآيات سورة الأنعام هذه أيضا: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) وآية سورة التوبة هذه: أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70) وآيات سورة يونس هذه: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13) ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14) وآية سورة النور هذه: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (55) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 94 إلى 102]

6- تذكير الكفار الذين لم يكونوا يجهلون قصص الأقوام المذكورة ومصائرهم والذين يعرفون آثار التدمير الرباني في مساكنهم وحملهم على الارعواء والازدجار. فلن يعجزوا الله سبحانه الذي أهلك من هم أشدّ منهم قوة وأكثر أموالا وأولادا. والرسالة النبوية إنما هي لخيرهم وسعادتهم. فلا ينبغي لهم أن يغتروا فيما هم فيه وينسوا المصائر والعواقب التي صار إليها كفار الأمم السابقة. وكل ما احتوته السلسلة من عبر وعظات مستمر التلقين بطبيعة الحال. سواء أفي تنديدها بالصدّ عن الحق والعناد والمكابرة واللجاج فيه وأذية الداعين إليه، أم في الضغط على الضعفاء واحتقارهم، أم في الفساد في الأرض، أم في التمسك بالتقاليد الموروثة السخيفة والضارّة، أم في تثبيت الذين هم على الحق وتطمينهم بالفوز والعلو في النهاية. وقد نبهنا إلى ما فيه معاقبة زوجة لوط من عظة بالغة في سياق شرح آيات قصته. فنكتفي بهذه الإشارة لتتم السلسلة. هذا ونقول في صدد ما ورد في حلقات السلسلة من المعجزات التي أظهرها الله على أيدي رسله أو في صورة عذاب سلّطه الله على الجاحدين بهم إن ذلك جزء من القصة. ومع ذلك فهو في نطاق قدرة الله تعالى. وإن الإيمان به واجب على المسلم مع وجوب الوقوف عند ما وقف عنده القرآن. [سورة الأعراف (7) : الآيات 94 الى 102] وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (95) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (99) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (100) تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (101) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (102)

تلقين الآيات التي جاءت عقب السلسلة القصصية

(1) القرية: جاءت في القرآن بمعنى المدينة. والقرية والقرى هنا بمعنى البلاد وأهل البلاد. (2) يضرعون: يتذللون إلى الله. (3) عفوا: نموا وكثروا وازدادوا ثروة وقوّة. (4) الضرّاء والسرّاء: الضراء مصدر الضرّ والسراء مصدر السرور، ومعنى الكلمتين في مقامهما ضيق العيش والرزق ويسرهما. (5) أو لم يهد: هنا بمعنى أو لم يتبين أو أو لم تجعلهم قدرة الله على بيّنة من أن الله قادر على إهلاكهم. (6) نطبع على قلوبهم: نختم على قلوبهم، والمعنى نغلق أذهانهم ونقسّي قلوبهم بسبب ذنوبهم وكفرهم فلا يسمعون ولا يدركون. (7) فاسقين: الفسق هو العصيان والتمرّد. تلقين الآيات التي جاءت عقب السلسلة القصصية عبارة الآيات واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. وقد جاءت كما يتبادر منها معقبة على السلسلة القصصية وموضحة وداعمة لأهدافها بأسلوب قوي رصين موجّه إلى القلوب والعقول معا. ومن شأنه أن ينفذ إلى أعماق النفوس ويحمل السامعين وبخاصة إذا كانوا راغبين في الحق سليمي النيّة والطويّة على التفكّر

تعليق على عبارة يطبع الله على قلوب الكافرين

والتدبّر والتروّي وحسبان العواقب والاعتبار بالسوابق. وفيها في ذات الوقت تسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم. فشأن الجاحدين شأن أمثالهم السابقين. جاءتهم أنبياؤهم فجحدوا وتمردوا. وامتحنهم الله بالضيق ثم باليسر فغفلوا عن مغزى هذا الامتحان وظنوا أن ما وقع عليهم هو عادات الدهر التي تتراوح بين الشدّة والفرج. فلما بلغ البغي منهم أوجه أخذهم الله أخذا قويّا بما كسبت أيديهم في حين أنهم لو آمنوا بالله واتقوه بصالح العمل لفتح الله عليهم بركات السماء والأرض. ولكنهم لم يرعووا وقست قلوبهم فحلّ نكال الله بهم. وإنه لأجدر بالسامعين الجاحدين أن يتعظوا بأنباء من سبقهم وأحداثهم ويذكروا أن الله قادر على أن يصيبهم بذنوبهم، وأن لا يطمئنوا إلى ما هم فيه ويظنوا أنهم في أمن ويغفلوا عن بأس الله ونقمته. فإن المطمئن الغافل هو الخاسر حتما. ولقد بدا أنهم ساروا في طريق أمثالهم ولم يتعظوا وكذبوا نبيهم ولم يف أكثرهم بعهد الله وتمردوا عليه وقست قلوبهم وانسدّت آذانهم وكانوا فاسقين. والأسلوب التقريري القوي الذي جاءت عليه الآيات مطلق التوجيه بحيث يتناول في عظمته وشموله وما فيه من تقرير عادة الله ونواميسه وطبائع أكثر الناس في جميع الأجيال. وما احتواه من تلقين جليل مستمر المدى بطبيعة الحال تبعا لذلك. تعليق على عبارة يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ وفي الآيتين الأخيرتين ورد مقطعان عن طبع الله على قلوب الكافرين. وهذا التعبير قد تكرر في مواضع عديدة ومناسبات مماثلة. وكان من أسباب التشاد بين علماء الكلام حيث رآه فريق دليلا على أن أعمال الناس ومصائرهم مقدرة محتمة منذ الأزل، وأوّله فريق آخر رأى في رأي هذا الفريق ما يناقض عدل الله وحكمته في إرسال الرسل، وما يتناقض مع تقريرات قرآنية متنوعة. والذي يلهمه سياق الآيات هنا وسياق الآيات الأخرى التي ورد فيها هذا

التعبير أنه ليس في معنى أن الله قد قسّى قلوب أناس بأعيانهم سلفا وأغلق أذهانهم وصرفهم عن الاستجابة إلى دعوة الله كقضاء أزلي. وفحوى الآيات هنا وفي غير مكان لا يمكن أن يساعد على ذلك لأنها تحتوي في الوقت نفسه لوما وتنديدا وإنذارا وتعنيفا للكافرين على جحودهم وانحرافهم. وإنما هو بسبيل وصف شدّة قسوة قلوبهم بسبب سوء طويتهم وخبث نيتهم حيث يؤدي ذلك إلى انغلاق أذهانهم، أو بسبيل تقرير ما يصيرون إليه من ذلك نتيجة لمواقف المكابرة والعناد التي يقفونها حتى يبدو أنه أصيل فيهم. ومما يلحظ أن هذا التعبير يأتي دائما مع وصف الكفر والجحود والفسق والخسران مع التنديد والتقريع بالكافرين الجاحدين الفاسقين حيث يبدو أن الآيات في الحقيقة إنما تقرر أن الكفر والفسق وعدم الاستجابة لدعوة الحق ونقض العهد كل ذلك قد وجد في الكافرين فنعتوا بهذا النعت واستحقوا من أجله التنديد والتقريع والتعنيف. وفي الآيات يبدو هذا قويا بارزا. ولعلّ من أهداف هذا التعبير وأمثاله تسلية النبي صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين، وكأنما يقال لهم إنه لا موجب للحزن والأسى إذا لم تلن قلوب الكافرين والجاحدين فإن الله قد طبع عليها بما بيّتوه من نيّة الكفر وانطبعوا عليه من خبث وفساد وفسق. ولقد ثبت يقينا أن كثيرين من الذين وصفوا بوصف الكافرين والفاسقين والظالمين والذين تقرّر الآيات أن الله يطبع على قلوبهم وأن كلمة الله حقّت عليهم بأنهم لا يؤمنون من السامعين للقرآن من عرب وغير عرب ومن مشركين وكتابيين قد آمنوا بالرسالة المحمدية والقرآن ونالوا رضاء الله بعد نزول هذه الآيات وتابوا وتاب الله عليهم حيث يصحّ القول إن هذه الآيات وأمثالها الكثيرة في القرآن مما مرّ ويأتي قد انطوت على تسجيل للواقع عند نزولها وعلى تأييد لما شرحناه به آنفا. وإن ما احتوته من إنذار وتنديد إنما يظلّ واردا بالنسبة للذين يصرون على الكفر والفسق والظلم ويموتون على ذلك ويبقى الوصف ملازما لهم. وفي القرآن آيات كثيرة تؤيد ذلك منها آيات سورة البقرة هذه: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ

تعليق على كلمة (نبى) ومدى الفرق بينها وبين كلمة (رسول)

وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) «1» . تعليق على كلمة (نبى) ومدى الفرق بينها وبين كلمة (رسول) وكلمة (نبى) تأتي هنا لأول مرة. وهي مشتقّة من نبأ بمعنى صات أو ظهر أو أخبر. وكلمة (النبي) بمعنى المنبّأ أي الذي يأتيه النبأ أو الخبر من الله تعالى. ولقد وردت بعض الأسماء في القرآن بالوصفين معا مثل النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم في آية في هذه السورة ستأتي بعد قليل ومثل موسى وإسماعيل في آيتي سورة مريم [51 و 54] ووردت بعض الأسماء بوصف النبي فقط مثل إبراهيم وإسحق ويعقوب وهرون وإدريس في آيات سورة مريم [41 و 49 و 53 و 57] . مع أن منهم من كان رسولا يقينا مثل إبراهيم وهرون ومع أن المفسرين والعلماء فرّقوا بين كلمتي النبي والرسول وقالوا إن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا «2» . فإن آية سورة الحج هذه: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) قد جمعت بين الكلمتين من جهة واستعملت كلمة الإرسال للنبي والرسول معا من جهة ثانية. وقد خاطب القرآن النبي صلّى الله عليه وسلّم أحيانا بصفة النبي كما جاء في آية سورة التحريم هذه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) وأحيانا بصفة الرسول كما جاء في آية سورة المائدة هذه: يا أَيُّهَا

_ (1) اقرأ أيضا آيات البقرة [217] والنساء [17] وآل عمران [91] ومحمد [34] والتوبة [85 و 156] . (2) انظر تفسير آيات الأعراف [156- 157] في تفسير المنار مثلا. الجز الثاني من التفسير الحديث 28

تعليق على تعبير مكر الله

الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (67) وقد اجتمعت صفتا الرسول والنبي في النبي صلّى الله عليه وسلّم في آيات سورة الأعراف هذه: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) . وآيات المائدة والتحريم تسوغ القول أنهما مترادفتان. وآيات الحج والأعراف التي جمعت الكلمتين معا قد تدلّ على أن هناك فرقا بينهما إن لم نستطع إدراكه فهو على كل حال ليس من نوع الفرق الذي يراه المفسرون والعلماء فيما هو المتبادر لنا. وفحوى آية سورة الحج بخاصة يدعم قولنا. تعليق على تعبير مَكْرَ اللَّهِ وبمناسبة ورود هذا التعبير لأول مرة في الآيات نقول إن نسبة المكر إلى الله تعالى قد تكررت في القرآن، ومن ذلك ما جاء في مقابلة مكر الكفار من الأقوام السابقة والعرب مثل آيات سورة النمل هذه: وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) بالنسبة لقوم صالح وآية آل عمران هذه: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (54) بالنسبة لبني إسرائيل تجاه عيسى عليه السلام وآية سورة الأنفال هذه: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (30) بالنسبة لكفار مكة.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 103 إلى 137]

والمكر هو الخداع والختال والتآمر على السوء وإيقاعه حين سنوح الفرصة. ولما كان كل هذا مما يتنزّه الله عنه وهو في غنى عنه فالأولى أن يؤخذ التعبير على أنه أسلوبي لأجل بيان كون الله عزّ وجلّ أقوى منهم وأقدر عليهم مهما بدا منهم من خداع وتحايل وسوء نيّة وقصد. وأن الله مقابلهم عليه بالإحباط والعذاب والتدمير ونصر رسله وأن عاقبته السيئة ترتدّ عليهم في النتيجة. [سورة الأعراف (7) : الآيات 103 الى 137] ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (105) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (110) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (112) وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (113) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (120) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (122) قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (125) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (126) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (127) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (131) وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (136) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (137)

(1) فظلموا بها: انحرفوا عنها أو تمرّدوا عليها. (2) حقيق على أن لا أقول على الله إلّا الحق: جدير بي أو واجب عليّ ألّا أقول على الله إلّا الحق. (3) نزع يده: أخرجها. (4) أرجه: من الإرجاء أي الإمهال. (5) حاشرين: محضرين وسواقين. (6) استرهبوهم: أثاروا فيهم الرهبة والخوف.

تعليق على الحلقة الأولى من قصة موسى وفرعون وبني إسرائيل وتلقيناتها

(7) تلقف: تبتلع. (8) يأفكون: يكذبون ويزورون. (9) مكر مكرتموه: كيد دبرتموه. (10) لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف: يطلق تعبير من خلاف في مثل هذا المقام على المخالفة في القطع، فإذا قطعت اليد اليمنى تقطع الرجل اليسرى. (11) وما تنقم منا: وما تحقد علينا وتغضب منّا. (12) بالسنين: بالقحط والجدب. (13) يطيروا: يتشاءموا. (14) طائرهم: شؤمهم وأسباب نحسهم. (15) القمل: القراد. (16) الرجز: العذاب أو البلاء. (17) ينكثون: ينقضون عهدهم ووعدهم. (18) اليمّ: البحر. (19) يعرشون: كناية عن رفع البناء أو التبسّط بالعمران. تعليق على الحلقة الأولى من قصة موسى وفرعون وبني إسرائيل وتلقيناتها هذه الآيات حلقة من سلسلة طويلة من قصص موسى عليه السلام وفرعون وبني إسرائيل. والسلسلة كما هو المتبادر استمرار للسلسلة القصصية السابقة وحلقة من حلقاتها. والآيات التي جاءت بعد نهاية السلسلة السابقة جاءت استطرادية للتعقيب على ما سبق. وقد احتوت الحلقة قصة ما كان بين موسى عليه السلام وفرعون من حوار وما ظهر على يد موسى عليه السلام من معجزات وما كان من مشهد السحر وانتهائه بفوزه وما كان من سلسلة البلاء الذي سلّطه الله على فرعون وقومه وما انتهى إليه

أمرهم من الغرق ونجاة بني إسرائيل وإفضال الله عليهم بسبب استجابتهم إلى دعوة الله وصبرهم. وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. والهدف الذي استهدفته هو نفس الهدف الذي استهدفته حلقات السلسلة السابقة وهو العظة والتذكير وضرب المثل والتثبيت كما هو واضح من خلال مقاطعها. ورسالة موسى عليه السلام إلى فرعون وموقف فرعون منها وهلاكه قد أشير إليها إشارات خاطفة في السور السابقة. ومن المحتمل أن يكون بعض المسلمين أو غيرهم تطلعوا إلى المزيد من البيان عن ذلك ثم عن سيرة بني إسرائيل فاقتضت حكمة التنزيل إيراد هذه السلسلة التي هي أطول سلسلة قصصية سواء أكان في موضوعها أم في القصص القرآنية عامة باستثناء قصة يوسف عليه السلام. ومع ذلك فقد تكررت قصص موسى وفرعون وبني إسرائيل في سور أخرى بعد هذه السورة مكية ومدنية أيضا حسب ما اقتضته تلك الحكمة. ويلحظ أن السور الأخرى التي جاءت فيها هذه القصص احتوت بعض بيانات لم تحتوها هذه السلسلة حيث يبدو أن تلك الحكمة هدفت بذلك إلى استكمال الصورة. وقصة رسالة موسى عليه السلام إلى فرعون وبني إسرائيل واردة في أسفار الخروج والعدد والتثنية من أسفار العهد القديم المتداولة اليوم. وما ورد في الحلقة متسق إجمالا مع ما ورد في هذه الأسفار التي كانت متداولة بين أيدي بني إسرائيل في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم على ما نعتقد. وتدل عليه المقارنات بينها وبين الإشارات القرآنية وهذا ما يسوغ القول بشيء من الجزم أن سامعي القرآن من العرب كانوا يعرفون ذلك لأنهم كانوا على صلة باليهود. وبذلك تستحكم العظة القرآنية في الحلقة. وفي سورة القصص آيات فيها دلالة قاطعة على ذلك وهي: وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى [47- 48] .

وفي الأسفار المذكورة إسهاب كثير في قصص موسى وفرعون وبني إسرائيل أضعاف أضعاف ما ورد في القرآن. والمتبادر أن ما ورد في القرآن الكريم في هذه السورة وغيرها من ذلك هو ما اقتضت حكمة التنزيل إيراده بالقدر والأسلوب اللذين يتحقق بهما الهدف القرآني. وقد يكون بين ما ورد في القرآن وما ورد في الأسفار المتداولة اليوم بعض المباينة أو يكون في الأسفار ما ليس في الآيات أو العكس. ومن ذلك مثلا إيمان السحرة وسجودهم والمحاورة بينهم وبين فرعون والمحاورة بين فرعون وقومه. وقول فرعون سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم بعد ظهور موسى ورسالته وانتصاره على السحرة. وما تفيده العبارة القرآنية من كون السحرة من جماعة موسى وأن إيمانهم به كان تآمرا بينهم وبين موسى وكون موسى داعيا في الوقت نفسه فرعون وقومه إلى الإيمان برسالته بالإضافة إلى طلبه منهم إرسال بني إسرائيل معه إلخ. إلخ. وننبّه على أن خبر قتل فرعون لأبناء بني إسرائيل واستحياء نسائهم قد ورد في الإصحاح الأول من سفر الخروج بهذه العبارة: (كلّم ملك مصر قابلتي العبرانيات وقال لهما إذا استولدتما العبرانيات فانظرا عند الكرسي فإن كان ذكرا فاقتلوه وإن كان أنثى فاستبقياها) غير أن هذا كما هو واضح غير العبارة الواردة في الآيات. لأن ذلك عائد إلى ما قبل ظهور موسى ورسالته. وقد ورد مما ورد في الإصحاح المذكور في سورة القصص بهذه الصيغة: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وسياق هذه الآية يفيد أن ذلك كان قبل ولادة وظهور موسى. وقد ورد هذا بهذه الدلالة في سور مدنية ومكية أخرى. ونحن نعتقد أن ما جاء في الآيات كان متداولا وواردا في أسفار وقراطيس أخرى كانت في يد اليهود وضاعت. وليس لذلك تعليل آخر لأن هذا هو المتسق مع ما ذكرناه من فكرة التدعيم والعظة في القصص ولا سيما أن القرآن كان يتلى

علنا ويسمعه اليهود ولا يمكن أن يكون ما جاء في القرآن جزافا. ولقد أورد المفسرون «1» بيانات كثيرة في سياق هذه الحلقة وأحداثها ومعجزاتها. فيها ما هو متسق مع ما ورد في أسفار العهد القديم المتداولة ومنها ما ليس كذلك. وفي بعضها ما يبلغ حدّ المبالغة والإغراب، وهي معزوّة إلى بعض أصحاب رسول الله وتابعيهم وعلماء الأخبار من عرب ويهود ومسلمين ولم نر طائلا في إيرادها لأن ذلك لا يتصل بالهدف القرآني الذي هو التذكير والموعظة بما يعرفه السامعون والاكتفاء بما اقتضت حكمة التنزيل إيراده منها بدون تعليق وتحشية. على أن ما احتوته كتب التفسير من ذلك قد يكون دالا على أن ما احتوته الحلقة مما كان متداولا في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم. هذا، وما قلناه عقب السلسلة القصصية السابقة في صدد المعجزات الربانية وكونها جزءا من القصص وكونها مع ذلك في نطاق قدرة الله وواجب الإيمان بها يصحّ قوله بالنسبة للمعجزات التي أظهرها الله على يد موسى عليه السلام. ومن مواضع العبرة في هذه الحلقة وصف موقف فرعون وملأه من دعوة الله وآياته وما كان من بغيهم على بني إسرائيل واستكبارهم ومقابلتهم آيات الله بالسخرية والاستخفاف وما كان من انتقام الله منهم: أولا: وما كان من مشهد السحر والتنديد به وانتصار موسى عليه السلام فيه وعدم إصرار السحرة على باطلهم وإيمانهم برسول الله حينما رأوا برهانه ساطعا. ثانيا: وما كان من إنقاذ بني إسرائيل وقضاء الله بأن يورثهم الأرض التي باركها جزاء إيمانهم وصبرهم في أول الأمر. ثالثا: ففي كل ذلك تذكرة وموعظة وضرب مثل وتنبيه للسامعين وإنذار للكفار منهم وتسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين وتثبيت لهم وردّ قاطع على كفار العرب الذين كانوا ينسبون السحر إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم.

_ (1) انظر تفسير الآيات في الطبري وابن كثير والخازن والطبرسي والسيد رشيد رضا.

تعليق على آية وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها ... إلخ

تعليق على آية وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها ... إلخ هذا، وننبّه إلى وجوب الحذر من مخادعة اليهود لبسطاء المسلمين ودعواهم أن القرآن سجّل أن الله عزّ وجلّ جعل فلسطين إرثا لهم وكتبها لهم استنادا إلى هذه الآية وما يماثلها مثل آية سورة المائدة هذه: يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (21) فما جاء في هذه الآيات هو خاص بالزمن الذي تمّ فيه ذلك ونتيجة لما كان من استجابتهم لكلام الله وصبرهم على ما ذكرته الآية التي نحن في صددها بصراحة. وعلى ما هو متفق عليه عند المؤولين والمفسرين بدون خلاف. وبعبارة أخرى إن هذه العبارات القرآنية هي إيذان أو حكاية لموقف رباني مقابل موقف بني إسرائيل وهو الصبر. ولقد احتوى القرآن آيات بل فصولا كثيرة كثرة تغني عن التمثيل فيها إيذان رباني بتغير موقف الله إزاء بني إسرائيل بسبب تغير موقفهم. منها ما هو في صدد مواقفهم قبل النبي صلّى الله عليه وسلّم وفي زمن موسى عليه السلام وبعده. ومنها ما هو في صدد مواقفهم إزاء الرسالة النبوية «1» حيث يتبادر من ذلك أن الموقف الذي حكاه الله تعالى وآذنه في هذه العبارات ليس على سبيل التأبيد وأنه كان منوطا بموقف بني إسرائيل وأنه تغير بتغير هذا الموقف. وقد جاء هذا المعنى في آيات سورة إبراهيم هذه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6) وَإِذْ تَأَذَّنَ

_ (1) اقرأ آيات سورة البقرة [41- 146] وآل عمران [71- 120] والنساء [43- 56 و 157- 161] والمائدة [12- 33 و 41- 45 و 51- 72] والأنعام [146] والأعراف [148- 153 و 161- 169] والصف [5] والجمعة [5- 8] واقرأ كتابنا «القرآن واليهود» أيضا.

رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (7) ولقد احتوى الإصحاح السادس والعشرين من سفر الأحبار أو اللاويين المتداول اليوم إنذارا ربانيا رهيبا لبني إسرائيل إذا هم انحرفوا عن وصايا الله وحدوده بالتدمير والتحطيم وسلب كل ما منحهم الله إياه وتشتيتهم في الأرض وتسليط الأمم عليهم هذا نصه: (وإن لم تسمعوا إليّ ولم تعملوا بجميع الوصايا فنبذتم رسومي وعافت أنفسكم أحكامي فلم تعملوا بجميع وصاياي ونقضتم عهدي فأنا أيضا أصنع بكم هذا. أسلّط عليكم رعبا وسلا وحمى تفني العينين وتتلف النفس. وتزرعون زرعكم باطلا فيأكله أعداؤكم. وأجعل وجهي ضدكم فتهزمون من وجوه أعدائكم. ويتسلّط عليكم مبغضوكم. وتفرون ولا طالب لكم. ثم إن لم تطيعوني بعد هذا زدتكم تأديبا على خطاياكم سبعة أضعاف، فأحطم تماشخ عزكم. وأجعل سماءكم كالحديد. وأرضكم كالنحاس وتفرغ قواكم عبثا. ولا تخرج أرضكم إثاءها وشجر الأرض لا يخرج ثمره. وإن جربتم معي بالخلاف ولم تشاؤوا أن تسمعوا إليّ زدتكم سبعة أضعاف من الضربات على خطاياكم. وأطلقت عليكم وحش الصحراء فتثكلكم وتهلك بهائمكم وتقللكم فتوحش طرقكم. وإن لم تتأدبوا بهذا وجريتم بالخلاف جريت أنا أيضا معكم بالخلاف. وضربتكم سبعة أضعاف على خطاياكم. فأجلب عليكم سيفا منتقما نقمة العهد فتتجمعون إلى مدنكم وأبعث الوباء فيما بينكم وتسلمون إلى أيدي العدو. وإن لم تخضعوا لي بذلك وجريتم معي بالخلاف جريت أنا أيضا معكم بالخلاف ساخطا وأدبتكم سبعة أضعاف على خطاياكم فتأكلون لحوم بنيكم وبلحم بناتكم تقتاتون. وأدكّ مشارفكم وأحطم تماثيل شموسكم. وألقي جثثكم على جثث أوثانكم وتكرهكم نفسي. وأجعل مدنكم قفرا، ومقادسكم موحشة، ولا أشتمّ رائحة رضى منكم. وأترك الأرض بلقعا فينذهل لها أعداؤكم الذين يسكنونها وأبددكم فيما بين الأمم. وأجرّد وراءكم سيفا فتصير أرضكم خرابا ومدنكم قفرا وتسقطون ولا طالب. ويعثر الواحد بأخيه كمن يهرب من أمام السيف ولا طالب. ولا يكون لكم ثبات في وجوه أعدائكم وتبادون بين الأمم. وتأكلكم أرض أعدائكم) .

تعليق على جملة رب العالمين في الآيات

ولقد انحرفوا انحرافات خطيرة جدا في العقيدة والسلوك والأخلاق في زمن موسى عليه السلام وبعده فنفذ الله وعيده فيهم وسلّط عليهم من ضربهم الضربات القاصمة واستولى على بلادهم ودمّر مدنهم ومعابدهم وشتتهم في أنحاء الأرض عبيدا أذلة على ما ذكرته أسفارهم وكتب التاريخ القديمة ثم آيات قرآنية عديدة في سور البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأعراف والجمعة. ولقد ظلّ انحرافهم مستمرا إلى زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم. وكانت منهم تجاهه مواقف وتصرفات كثيرة فيها انحراف ديني وأخلاقي واجتماعي خطير على ما حكته آيات قرآنية كثيرة في السور المذكورة فكان نتيجة لذلك أن ضرب الله عليهم الذلّة والمسكنة وأن باءوا بغضبه وأن آلى على نفسه أن يبعث عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب على ما جاء في آيات عديدة في السور المذكورة. ومن واجب المسلمين أن يعتقدوا أن الله محقق وعيده فيهم. وأنهم فقدوا ما منحهم الله إياه وكتبه لهم مما جاء في الآيات بسبب ذلك الانحراف وأن ما جاء في الآيات قد كان والحالة هذه لزمن مضى وانقضى. ونحن نعرف أن اليهود يتمسكون أيضا بما ورد في سفر التكوين وغيره من الأسفار من وعد الله بتمليك إبراهيم وإسحق ويعقوب وأنسالهم هذه الأرض إلى الأبد. وهذه الأسفار ليست هي المنزلة من الله تعالى وقد كتبت بعد موسى عليه السلام بمدة ما بأقلام مختلفة. وطرأ عليها كثير من التحريف والتشويه. وتأثرت بالوقائع التي جرت لبني إسرائيل بعد موسى على ما سوف يأتي شرحه بعد قليل فلا تكون حجة يستطيع أن يحاجّ اليهود بها المسلمين بل وغيرهم. تعليق على جملة رَبِّ الْعالَمِينَ في الآيات وهذه الجملة الواردة في هذه الحلقة مرة بلسان موسى عليه السلام ومرة بلسان بني إسرائيل في الآيتين [104 و 121] تتحمل تعليقا هاما. فالأسفار المتداولة اليوم التي كانت متداولة في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم والمكتوبة بأقلام كتّاب

مختلفين متعددين بعد موسى عليه السلام على ما سوف نشرحه بعد قليل وصفت الله عزّ وجلّ بربّ إسرائيل وإله إسرائيل ووصفت بني إسرائيل بأنهم شعب الله المختار الذي وعدهم بأن يجعل غيرهم من الشعوب عبيدا لهم وأباح لهم دماءهم وأموالهم وبلادهم وأمرهم بإبادتهم تعالى الله وتنزّه عن ذلك حتى أنهم رفضوا أن يشاركهم جماعة دانت بالدين اليهودي من غير جنسهم في بناء معبد أورشليم حينما سمح لهم كورش ملك الفرس بذلك وقالوا هذا معبد ربنا ونحن الذين نبنيه وحدنا. فالمتبادر أن حكمة التنزيل اقتضت أن تأتي الجملة في مقامها عن لسانهم وعن لسان موسى عليه السلام لتكون تصحيحا لتحريف لا شك فيه أدّى إلى رسوخ ذلك في أذهان بني إسرائيل وتقريرا لحقيقة الأمر بكون الله تعالى رب العالمين جميعا وليس ربّ إسرائيل وإلههم وحسب «1» . اتساقا مع الوصف الذي ما فتئ القرآن يصف به الله تعالى منذ أوّله على ما شرحناه في سياق سورة الفاتحة. والذي نعتقده أن وصف الله تعالى بربّ العالمين هو الذي لا بد من أن يكون موسى وهارون قد ذكراه لفرعون وقومهم وأن هذا الوصف لا بد من أن يكون واردا في سفر الشريعة الذي كتبه موسى عليه السلام ووضعه في تابوت العهد والذي احتوى ما أوحاه الله إليه من مبادئ وأحكام وشرائع ووصايا والذي انفقد ولم يصل إلينا. وأن الديدن الإسرائيلي المتمثل بوصف الله تعالى بربّ إسرائيل وإله إسرائيل وبوصف بني إسرائيل بأنهم شعب الله المختار الذي يقف دائما معهم ضدّ شعوب الأرض هو تحريف متصل بسيرتهم وجبلتهم. وفي سورة النساء آيتان مهمتان في هذا الباب وهما: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (50) حيث كانوا يقولون على ما رواه الرواة في سياق الآيتين إنهم أحباب الله وشعبه المختار ويمحو ما يرتكبونه من ذنوب وإنهم أولياء الله.

_ (1) انظر مثلا الإصحاح (34) من سفر الخروج والإصحاحات (14 و 31) من سفر العدد والإصحاحات (7 و 20) من سفر التثنية والإصحاح (4) من سفر عزرا.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 138 إلى 162]

وهذا مما حكته عنهم آيات أخرى مثل آية البقرة هذه: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (94) وآية سورة الجمعة هذه: قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (6) وآية سورة المائدة هذه: وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ [18] وكانوا ينسبون ذلك إلى الله عزّ وجلّ فجاءت آيات النساء تعلن كذبهم وافتراءهم على الله في ذلك. [سورة الأعراف (7) : الآيات 138 الى 162] وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (139) قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (140) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141) وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (145) سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (146) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (147) وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (148) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (149) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154) وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (155) وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159) وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (162)

(1) يعكفون: يقيمون ويواظبون: والكلمة في جملتها بمعنى يتعبدون. (2) تجهلون: بمعنى تخطئون ولا تعملون الحق والصواب. (3) متبر: خاسر وهالك. (4) يسومونكم: يذيقونكم. (5) يستحيون نساءكم: يبقون نساءكم أحياء دون الذكور. (6) ليمقاتنا: لموعدنا الذي وقّتنا له وقته. (7) صعقا: مصعوقا أو مغمى عليه. (8) سبيل الغي: سبيل الغواية والضلال. (9) حبطت: بطلت وضاعت. (10) خوار: صوت البقر. (11) لما سقط في أيديهم: لما شعروا بالندم بسبب ذنبهم. (12) أسفا: حزينا أو مشتدّ الغضب. (13) يرهبون: يخشون ويخافون. (14) اختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا: تأويلها اختار موسى من قومه

سبعين رجلا لميقات مضروب من الله لهم. (15) السفهاء: هنا بمعنى الجاهلين أو قليلي الفهم والعقل. (16) فتنتك: امتحانك وابتلاؤك. (17) هدنا إليك: رجعنا وتبنا إليك. (18) الأمي: نسبة إلى أمة في قول وإلى أمّ في قول على ما جاء في كتب التفسير واللغة. وقد استعمل جمعها (الأميين) في القرآن حكاية بني إسرائيل في معنى غيرهم من الأمم كما جاء في آية سورة آل عمران هذه: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [75] واستعمل جمعها في معنى غير أهل الكتاب كما جاء في آية سورة آل عمران هذه: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ [20] واستعمل جمعها للدلالة على عدم إحسان الكتابة والقراءة كما جاء في آية سورة البقرة هذه: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [78] واستعمل جمعها للدلالة على العرب كما جاء في آية سورة الجمعة هذه: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [2] والمتبادر أن الكلمة هنا هي من هذا المعنى الأخير. وربما أطلق هذا المعنى على العرب لأنهم غير أهل الكتاب. (19) الخبائث: ضد كل ما هو طيب حلال. (20) إصرهم: الشدّة التي تثقلهم. (21) الأغلال: القيود. (22) عزّروه: وقّروه وأيدوه. (23) يعدلون: يسلكون سبيل العدل فيعطون الحق ولا يأخذون إلّا الحق. (24) قطعناهم: قسمناهم أو فرقناهم. (25) أسباطا: جمع سبط. والسبط في اللغة الشجر. ويطلق على الجماعة التي من أب واحد أو شجرة واحدة في النسب. والكلمة في مقامها تعني القبائل

تعليق على محتويات الحلقة الثانية من السلسلة وما فيها من تلقينات

المنحدرة من أبناء يعقوب الاثني عشر وهم على ما جاء في الإصحاح (46) من سفر التكوين: راؤيين البكر ثم شمعون ولاوي ويهوذا ويساكر وزبولون وجاد ودان وأشير ونفتالي ويوسف وبنيامين. وقد صارت ذرية كل واحد منهم سبطا تسمى باسمه فيقال سبط راؤيين وسبط شمعون وهكذا على ما هو مبثوث في أسفار عديدة من أسفار العهد القديم المتداولة. (26) إذ استسقاه: إذ طلبوا منه الماء. (27) انبجست: انفجرت. (28) المنّ: صمغ نباتي حلو المذاق، والسلوى: نوع من الطير، على ما وصف في سفر الخروج. (29) وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون: بمعنى أنهم بأعمالهم الأثيمة وتبديلهم كلام الله لم يضرونا ولكن أضرّوا بأنفسهم وظلموها. (30) قولوا حطّة: أوّلها المؤولون في قولين: منهما أنها بمعنى اطلبوا من الله حطّ ذنوبكم أو اخضعوا لله وطأطئوا له. (31) ادخلوا الباب سجدا: كناية عن الأمر بالاستشعار بالذلة والخضوع إلى الله والسجود له مقابل ما أفاضه عليهم من نعم. تعليق على محتويات الحلقة الثانية من السلسلة وما فيها من تلقينات وهذه حلقة ثانية من السلسلة. احتوت ما كان بين موسى عليه السلام وبني إسرائيل من مواقف وأحداث وما كان من مناجاة موسى عليه السلام مع ربّه وتنزيل الألواح عليه وتجلّيه له في الجبل وما كان من معجزات له ولإسرائيل وما كان من هؤلاء في حياته من انحراف وتعجيز وتبديل لكلام الله وما كان من نقمة الله وغضبه عليهم. وقصد العظة والتذكير وضرب المثل واضح في هذه الحلقة وضوحها في الجز الثاني من التفسير الحديث 29

سابقتها وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. ومعظم ما جاء فيها متسق إجمالا مع ما ترويه أسفار الخروج والعدد والتثنية من أسفار العهد القديم التي تؤرخ حقبة موسى وما بلّغه موسى عن ربّه لبني إسرائيل وسيرة بني إسرائيل في عهده. بما في ذلك ما ورد إجمالا في الآيات من ميقات موسى أربعين يوما وطلب موسى من ربّه أن يراه وقول الله له إنه لا يستطيع رؤيته وتجلّي الله على جبل سيناء وارتجافه ارتجافا شديدا وإنزال الله على موسى الألواح والشرائع والوصايا واتخاذ قوم موسى العجل وغضب موسى وإلقائه الألواح حتى انكسرت ومعاتبة موسى لهرون وضرب الله الشعب لاتخاذهم العجل وتظليل الغمام عليهم في النهار لوقايتهم من الشمس. وإنزال المنّ والسلوى والأول مثل بزر الكزبرة ولونه كلون المقل وطعمه بعد الطبخ كطعم قطائف بزيت، والثاني نوع من الطير لأنهم تذمروا من المنّ وحده وطلبوا لحما. وتفجير عيون الماء بضرب العصا ومحاولتهم رؤية الله ونهيه لهم عن ذلك واختيار موسى سبعين رجلا وأخذهم معه إلى الجبل وإنزال الله على طائفة من بني إسرائيل عذابا من السماء ... والمتبادر أن سامعي القرآن كانوا أو كان منهم من يعرف أشياء كثيرة مما احتوته الأسفار في صدد هذه الحلقة أيضا فكان ذلك مما دعم هذا القصد أيضا. وكما فعل المفسرون في سياق الحلقة السابقة فعلوا في سياق هذه الحلقة حيث أوردوا روايات فيها تفصيلات كثيرة في صدد ما جاء فيها من أحداث ومعجزات وصور ومواقف، معزوة إلى بعض أصحاب رسول الله وتابعيهم وعلماء الأخبار من عرب ويهود مسلمين. منها ما هو متطابق ومتسق مع ما ورد في أسفار العهد القديم ومنها ما ليس كذلك وفي بعضها ما فيه مبالغة وإغراب. وتدلّ على كل حال على أن محتويات هذه الحلقة أيضا مما كان متداولا في بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم مع الحواشي والشروح. ولم نر ضرورة إلى إيراد شيء مما ذكروه أو التعليق على ما في الحلقة من أحداث لذاتها، لأن ذلك لا يتّصل بهدف القصة القرآنية الذي هو التذكير والتمثيل بما يعرفه السامعون. وهو ما فعلناه في سياق الحلقة السابقة حيث رأينا ذلك هو الأولى والأصوب.

وقد يكون مباينة بين ما جاء في آيات هذه الحلقة وما جاء في الأسفار المتداولة وقد يكون بعض ما جاء في الآيات لم يرد فيها مثل المحاورة المحكية بين موسى وقومه حين ما أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ومثل القرية التي أمروا بسكناها ودخول بابها ساجدين وقولهم حطة. وما قلناه في هذا الصدد في سياق الحلقة السابقة يصح قوله هنا. وكذلك ما قلناه في سياق تلك الحلقة في صدد المعجزات التي ذكرت فيها يصح قوله هنا أيضا فلا حاجة إلى التكرار. وبعض المفسرين رووا في سياق الآيتين [58- 59] في سورة البقرة المشابهتين تقريبا للآيتين [161- 162] أن القرية التي أمر بنو إسرائيل بسكناها هي أريحا أو قرية في جانب بيت المقدس. وأن الباب الذي أمروا أن يدخلوه سجّدا وأن يقولوا حطّة عند دخوله هو الباب المسمّى اليوم بباب حطة من أبواب حرم المسجد الأقصى. وليس لهذا سند وثيق. وليس من ضرورة للتكلّف. ولا بد من أن ذلك كان مفهوما واضحا في أذهان بني إسرائيل الذين يسمعون القرآن وواردا في أسفار كانت عندهم. ولقد أورد المفسرون في سياق آيات سورة البقرة التي تأتي في كتبهم مقدمة على سورة الأعراف أحاديث وروايات في مدى ما كان من تبديل بني إسرائيل لأوامر الله ومدى الرجز الذي أنزله الله عليهم. منها المعزوّ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومنها المعزو إلى بعض أصحابه وتابعيهم. منها حديث في مدى التبديل رواه الشيخان والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم جاء فيه: «قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجّدا وقولوا حطّة فدخلوا يزحفون على أستاههم فبدّلوا وقالوا حطّة حبّة في شعرة» «1» . ومنها حديث عن ابن مسعود بدون عزو إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم أنهم قالوا: (هطا سمعاتا أزبة مزبا) «2» وترجمتها بالعربية حبة حنطة حمراء مثقوبة فيها شعرة سوداء.

_ (1) التاج ج 4 ص 35. (2) النصان من تفسير ابن كثير. وقد ورد النص الأول بفرق يسير في كتب التفسير الأخرى.

ومنها قول آخر عن ابن مسعود أنهم قيل لهم قولوا حطة فقالوا حنطة حبة حمراء فيها شعيرة «1» . وقد روى المفسرون ما رواه الشيخان والترمذي عن أبي هريرة وعن النبي عن بعض التابعين بدون عزو إلى النبي مع زيادة في البيان وهو أنهم قالوا ذلك من قبيل التمرّد والاستهزاء. ورووا عن بعض التابعين أن الرجز هو طاعون سلّطه الله عليهم فأهلك منهم خلقا عظيما. ولقد أورد رشيد رضا هذه الروايات وتوقف في الحديث الذي رواه أبو هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم لأن الأحاديث التي تروى في البيان والتفسير عن رسول الله وبخاصة في الأمور المغيّبة هي التي يصحّ أن تكون المعتمدة في هذه الأمور دون غيرها. ومما قاله فيه إن أبا هريرة لم يصرّح أنه سمع الحديث من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ولذلك يعدّ مرفوعا وإن من رواته همام بن منبه وهو مثل أخيه وهب من أصحاب الغرائب في الإسرائيليات. والحق إن في الحديث شيئا غريبا وبخاصة هذا التوافق في الألفاظ العربية وهو قولهم حنطة مقابل أمرهم بأن يقولوا حطة. وبنو إسرائيل إنما كانوا يتكلمون العبرانية في زمن موسى الذي يحكي عنهم هذه المخالفة. وعلى كل حال فالآيات صريحة الدلالة على أن الله أمرهم أمرا ففعلوا خلافه فأنزل عليهم رجزه جزاء على مخالفتهم وتمردهم. ولا نشك في أن ماهية الأمر والمخالفة والرجز مما كان متداولا بين بني إسرائيل في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم وواردا في بعض قراطيسهم وأن هذا مما تسرّب منهم إلى أهل بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم. والله تعالى أعلم. ومن مواضع العبرة في هذه الحلقة ما كان من انحراف بني إسرائيل منذ أوائل خروجهم من مصر مع موسى عليه السلام عن التوحيد إلى عبادة الأصنام والعجل وما كان من تعجيزهم له ونكثهم لعهد الله ومخالفتهم لوصاياه وتبديلهم أوامره بعكسها استهزاء وما كان من غضب الله عليهم وإنزاله عليهم الرجز حيث ينطوي في

_ (1) النصان من تفسير ابن كثير. وقد ورد النص الأول بفرق يسير في كتب التفسير الأخرى.

تعليق على جملة فضلكم على العالمين

هذا تقرير كون الله تعالى قد تفضّل عليهم لما صبروا وغضب عليهم لما انحرفوا وبدّلوا ودعوة للمسلمين إلى الاعتبار بهم. تعليق على جملة فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ وهذه الجملة الواردة في الآية [140] تتحمل تعليقا وتنبيها كذلك. فالمتبادر الذي عليه جمهور المفسرين أن كلمة الْعالَمِينَ هنا تعني الزمن أو الظرف الذي خاطبهم موسى فيه بذلك في سياق تحذيرهم من الانحراف. وأن التفضيل هو ما كان من عناية الله تعالى بهم وإرساله موسى عليه السلام لهدايتهم وإنقاذهم. وصيرورتهم بذلك أفضل من غيرهم الذين كانوا منحرفين عن طريق الحق والهدى. ولقد انحرفوا بعد ذلك عن هذا الطريق ففقدوا هذه المزيّة التي كانت سبب تفضيلهم واستحقوا غضب الله ولعنته ونكاله على ما شرحناه في التعليق على آية وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا. ونذكر في مناسبة الآية إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ في السلسلة أن مفسري الشيعة يشبهون الذين بايعوا أبا بكر رضي الله عنه في السقيفة بأصحاب العجل ويقولون إنهم سينالهم غضب الله بسبب افترائهم وافتئاتهم على حقّ علي في الإمامة كما وعد الله أصحاب العجل بمثل ذلك «1» والعياذ بالله من هذا الكفر البواح الذي يؤدي إليه الهوى الحزبي. تعليق على جملة لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي ولقد وقف المفسرون عند هذه الجملة وساقوا الكلام حول إمكان وعدم

_ (1) التفسير والمفسرون للذهبي ج 2 ص 74.

إمكان رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة وأوردوا أقوال المذاهب الإسلامية في ذلك. ولقد علّقنا على هذا الموضوع بما فيه الكفاية في سياق سورة القيامة فلا نرى ضرورة للإعادة. وإذا كان من شيء يمكن قوله هنا فهو إن العبارة حكاية لمحاورة بين الله تعالى وموسى وقد وردت في الإصحاح (33) من سفر الخروج. وقد ورد خبر تجلّي الله على جبل سيناء وارتجافه رجفانا شديدا في الإصحاح (19) من هذا السفر. وإن في أخذها مستقلة وبناء حكم عليها إثباتا ونفيا تجوّزا وإخراجا لها من مقامها. والله أعلم. ولقد أورد ابن كثير في سياق الآية [164] من سورة النساء حديثا أخرجه ابن مردويه عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما كلّم الله موسى كان يبصر دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء» . وحديثا أخرجه ابن مردويه عن ابن عباس قال: «إنّ الله ناجى موسى بمائة ألف كلمة وأربعين ألف كلمة في ثلاثة أيام وصايا كلها. فلما سمع موسى كلام الآدميين مقتهم مما وقع في مسامعه من كلام الربّ عزّ وجلّ» . وحديثا أخرجه كذلك ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: «إن الله لما كلّم موسى يوم الطور كلّمه بغير الكلام الذي كلّمه يوم ناداه فقال له موسى يا ربّ هذا كلامك الذي كلمتني به قال لا يا موسى إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان. ولي قوة الألسنة كلها وأنا أقوى من ذلك. فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا يا موسى صف لنا كلام الرحمن قال لا أستطيعه قالوا فشبه لنا قال ألم تسمعوا إلى صوت الصواعق فإنه قريب منه وليس به» . وحديثا أخرجه عبد الرزاق عن كعب قال: «إن الله لما كلّم موسى كلّمه بالألسنة كلّها سوى كلامه فقال موسى يا ربّ هذا كلامك قال لا ولو كلمتك بكلامي لم تستقم له. قال يا ربّ فهل من خلقك يشبه كلامك قال لا وأشدّ خلقي شبها بكلامي أشدّ ما تسمعون من الصواعق» . وقد نبّه ابن كثير على ضعف أسناد هذه الأحاديث وقال بالنسبة للأخير إنها مما يحكى عن الكتب المتقدمة المشتملة على أخبار بني إسرائيل وفيها الغثّ والسمين. ويتبادر لنا أن هذا القول يصحّ أن يقال بالنسبة للأحاديث الأخرى حيث نرجح أنها من روايات مسلمي اليهود. والله تعالى أعلم.

تعليق على الآيتين سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ... إلخ وتلقيناتهما

تعليق على الآيتين سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ... إلخ وتلقيناتهما في السلسلة آيتان تبدوان من جهة غير متصلتين بموضوع السلسلة ومن جهة منسجمتين في نظمهما وهما الآيتان [146 و 147] ولقد روى المفسرون وقالوا إنهما تتمة لكلام الله تعالى لموسى عليه السلام كما رووا وقالوا إنهما خطاب لسامعي القرآن. والاحتمالان واردان وقد رجّح الطبري القول الثاني. وعلى هذا الترجيح تكونان استطراديتين ليكون فيهما بالمناسبة إنذار لسامعي القرآن. على أن إطلاق العبارة فيهما تجعل هذا الإنذار للسامعين واردا سواء أصحّ القول الثاني أم الأول. والإنذار في الآيتين شديد عنيف للذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ويقفون مواقف الفساد والعناد والبغي والصدّ عن آيات الله. والذين يرون الحق واضحا فلا يعترفون به ويرون سبيل الرشد بيّنا فلا يسيرون فيه. ثم يسيرون في سبيل الغيّ والضلال عن علم وقصد. وإطلاق العبارة يجعل محتوى الآيتين شاملا لكل من يتّصف بهذه الصفات ويقف مثل هذا الموقف في كل ظرف ومكان وكونهم لا يمكن أن يكونوا موضع رضاء الله وتوفيقه. وبذلك تكونان مستمد تلقين بليغ مستمر المدى. ولقد تكررت الآيات المكيّة والمدنيّة في ذمّ المستكبرين والتنديد بهم على ما سوف يأتي بعد حيث ينطوي في هذا مظهر من مظاهر عناية حكمة التنزيل بتوكيد التنبيه على هذا الأمر بسبيل حمل المسلمين على تجنّب هذا الخلق المذموم. وهناك أحاديث نبوية يتساوق تلقينها مع التلقين القرآني في صدد ذمّ الكبر والمستكبرين والتحذير من ذلك رأينا إيرادها في هذه المناسبة. منها حديث رواه الشيخان والترمذي عن حارثة بن وهب عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ألا أخبركم بأهل الجنة. كلّ ضعيف متضاعف لو أقسم على الله لأبرّه. ألا أخبركم بأهل النار كلّ

عتلّ جوّاظ مستكبر» «1» . وحديث رواه أبو داود ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «قال الله تعالى الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار» «2» . وحديث رواه مسلم والترمذي عن عبد الله عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء» «3» . وحديث رواه الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «يحشر المتكبّرون يوم القيامة أمثال الذرّ في صور الرجال يغشاهم الذلّ من كلّ مكان» «4» . هذا، والشطر الثاني من الآية الأولى يزيل ما يمكن أن يرد من توهّم في كون عبارة سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الواردة في شطرها الأول تعني أن الله عزّ وجلّ يسدّ الباب دون اهتداء الناس بآياته. فهو قد أنزل آياته ليتدبّرها الناس ويهتدوا بها فلا يصحّ فرض عكس ذلك. والعبارة هي بسبيل التنديد بالمتكبرين المنحرفين وإعلان كونهم سيكونون محرومين من رضاء الله بسبب تكبرهم وانحرافهم. ومن قبيل وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ إلخ في آيات البقرة هذه: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (27) ومن قبيل عبارة وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ في آية سورة إبراهيم هذه: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (27) وعبارة وَالظَّالِمُونَ ما

_ (1) التاج ج 5 ص 29- 30. [.....] (2) انظر المصدر نفسه. (3) انظر المصدر نفسه. (4) انظر المصدر نفسه.

تعليق على جملة إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء

لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ في آية سورة الشورى هذه: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (8) . تعليق على جملة إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ هذه الجملة جاءت في سياق ما كان من أخذ الله بعض رؤساء بني إسرائيل بالرجفة على لسان موسى عليه السلام. ومع أنها كما هو ظاهر حكاية لقول موسى فإن بعضهم وقفوا عندها وتوهموا أن فيها ما يفيد أن الله تعالى يضع الناس في مواقف لا مناص لهم منها ثم يؤاخذهم عليها ويعاقبهم بها كما جاء في بيت الشعر الذي يكرّر في كثير من المناسبات المماثلة: ألقاه في اليمّ مكتوفا وقال له ... إيّاك إيّاك أن تبتلّ بالماء وقد اعتاد بعضهم أن يسوقوا الجملة في الاحتجاج بها على تقدير الله الأزلي على أناس بأعيانهم الهدى والضلال بزعمهم وبدون ما سبب منهم. ولقد علّقنا على هذا المعنى في مناسبات سابقة بما فيه المقنع في رأينا وتنزيه الله عزّ وجلّ عن العبث ونقض حكمته في دعوة الناس إليه بواسطة رسله وترتيب الثواب والعقاب عليهم حسب مواقفهم من هذه الدعوة وسلوكهم نحو الله والناس. ونقول هنا بمناسبة العبارة إن الإمعان فيها يجعل التوهم الذي يرد منها في غير محله. فهي أولا: حكاية لقول موسى كما قلنا وليست تقريرا قرآنيا مباشرا. وثانيا: إن معنى فِتْنَتُكَ وبخاصة في مقامها ليس هو الإغواء والإضلال والافتتان وإنما هو الاختبار والامتحان. وهذا ما قرّره الطبري وغيره. فالله يختبر إيمان الناس وأخلاقهم ببعض الأمور فيأمرهم بأشياء وينهاهم عن أشياء ويكلفهم بأشياء. فمن كان ضعيف الإيمان والصبر ضلّ وغوى. ومن كان قويا في ذلك ظلّ على هداه ونفذ أوامر الله. وهذا المعنى ملموح في آيات سورتي البقرة وإبراهيم التي أوردناها في التعليق السابق. والعبارة قد وردت على لسان موسى عليه السلام

تعليق على جملة قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء إلخ من الآية [156]

في هذا المعنى. فالوفد الإسرائيلي الذي سمع كلام الله تعالى طمع، فقال لموسى عليه السلام: أرنا الله جهرة كما ذكر ذلك في آية سورة البقرة هذه التي ذكرت أن الله أخذهم بالصاعقة: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) وهذا نفس الشيء الذي حكته الآية التي جاءت فيها العبارة- وليس بين الصاعقة والرجفة تناقض- لأنهم أظهروا ضعفهم أمام الاختبار الرباني وتجاوزوا الحدود في طلبهم وطمعهم. على أن في الآية التي وردت فيها هذه العبارة بالذات ما يزيل أي توهم حيث احتوت تقريرا ربانيا بأن الله سيكتب رحمته التي وسعت كل شيء للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآيات ربهم يؤمنون. حيث ينطوي في ذلك أن الضلال والهدى إنما يجري بسنّة الله عزّ وجلّ على الناس حسب مكتسباتهم واختيارهم وسجاياهم. تعليق على جملة قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ إلخ من الآية [156] وهذه الجملة تتحمل تعليقا خاصا. والمتبادر من نظم الكلام أنها جواب من الله عزّ وجلّ إلى موسى الذي حكى أول الآية مناجاته لله وطلبه أن يكتب له ولقومه في الدنيا حسنة وفي الآخرة وإعلانه أنهم هادوا إليه. غير أنها شاملة المدى كما يبدو من التمعّن فيها لقوم موسى ومن بعدهم وهي بسبيل تقرير وعد الله تعالى بأن يتغمّد برحمته التي وسعت كل شيء الذين يتّصفون بالصفات المذكورة فيها التي فيها جميع أسباب الصلاح والنجاة في الدنيا والآخرة. وينطوي في الآية دعوة الناس جميعهم إلى الاتصاف بها لينالوا رحمة الله الواسعة وتوفيقه وعنايته. وفي الشطر الثاني تخصيص لما جاء مطلقا في الشطر الأول. فرحمة الله إنما ينالها المتّصفون بتلك الصفات وحسب. وهذا الشطر يزيل ما يمكن أن يتبادر إلى الوهم من عبارة عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ بكون الله تعالى يصيب بعذابه من يشاء من الناس بدون سبب منهم حيث يقتضي من الجواب الرباني أن يكون العذاب

من نصيب الذين لا يتّصفون بالصفات المذكورة. وهذا هو المتّسق مع التقريرات القرآنية التي مرّت أمثلة عديدة منها. وهذا وذاك يجعل الاتكاء على هذه الآية بسبيل تأييد المذاهب والخلافات الكلامية بين الجبر والاختيار في غير محله. ويجعل أيضا ما يفعله بعض المسلمين من اقتطاع جملة وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ والتبشير بها إطلاقا غير سليم لأنها جزء من آية بل من سياق يفيد أن الله إنما يكتب رحمته للذين يتّصفون بالصفات المذكورة فيها. ويفعل هذا بعض المسلمين في غير هذه الجملة أيضا. والحق يوجب على المسلم أن يستوعب كل الآية بتمامها ومع السياق السابق واللاحق لها حتى لا يحمّل العبارات القرآنية غير ما تحمله أو أكثر مما تحمله. ولقد أورد ابن كثير بضعة أحاديث نبوية رواها الإمام أحمد في سياق هذه الآية. منها حديث عن جندب بن عبد الله البجلي قال: «جاء أعرابي فأناخ راحلته ثم عقلها ثم صلّى خلف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وبعد ذلك أتى راحلته فأطلق عقالها ثم ركبها ثم نادى اللهمّ ارحمني ومحمدا ولا تشرك في رحمتنا أحدا فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أتقولون هذا أضلّ أم بعيره؟ ألم تسمعوا ما قال؟ قالوا: بلى، قال: لقد حظرت رحمة واسعة. إن الله عزّ وجلّ خلق مائة رحمة فأنزل رحمة يتعاطف بها الخلق جنّها وإنسها وبهائمها. وأخّر عنده تسعا وتسعين رحمة. أتقولون هو أضلّ أم بعيره» . وحديث عن سلمان عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ لله عزّ وجلّ مائة رحمة فمنها رحمة يتراحم بها الخلق. وبها تعطف الوحوش على أولادها وأخّر تسعا وتسعين إلى يوم القيامة» . ولقد روى شيئا من هذه الأحاديث الشيخان والترمذي بشيء من الفرق حيث رووا عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «جعل الله الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين وأنزل في الأرض جزءا واحدا فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه» «1» . ورووا عنه أيضا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة

_ (1) التاج ج 5 ص 143.

تعليق على ذكر الزكاة في الآية [156]

واحدة بين الجنّ والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها وأخّر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة» «1» . ومن الحكمة الملموحة في الأحاديث التبشير والتطمين بسعة رحمة الله لخلقه في الدنيا والآخرة. تعليق على ذكر الزَّكاةَ في الآية [156] وهذه هي المرة الأولى التي ترد فيها كلمة الزَّكاةَ بصيغتها الاصطلاحية في آية مكيّة. وقد وردت قبل بهذه الصيغة في آية مدنية وهي الآية الأخيرة من سورة المزمل. ووردت بصيغة مَنْ تَزَكَّى في إحدى آيات سورة الأعلى. ولقد علّقنا على الموضوع بما يغني عن التكرار. وكل ما يمكن أن يقال هنا أن صيغة الآية قد تفيد معنى الحثّ على إيتاء الزكاة والتنويه بمن يؤتونها. وقد تفيد معنى أن أناسا من الذين آمنوا كانوا يؤتون الزكاة فعلا. ونحن نرجّح أن الآية احتوت المعنيين. ونرى فيها تدعيما لما قلناه في التعليق الذي كتبناه في تفسير سورة المزمل من أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد فرض على الميسورين من المسلمين أداء شيء من أموالهم باسم زكاة منذ عهد مبكر. والله أعلم. تعليق على الآية الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ والآية التالية لها وما فيهما من خطورة ودلالة في صدد الرسالة المحمدية وفي هذه الحلقة آيتان في صدد الدعوة إلى تصديق النبي صلّى الله عليه وسلّم واتباعه وشمول دعوته وتنويه بالذين اتبعوه وهما الآيتان [157- 158] .

_ (1) التاج ج 5 ص 143.

ولقد روى الطبري عن قتادة والهذلي من علماء التابعين أنه لما نزلت عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ وهي الآية السابقة للآيتين، قال إبليس: أنا من ذلك الشيء، فأنزل الله: فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ فقال النصارى واليهود نحن نتقي ونؤتي الزكاة ونؤمن بآيات الله وتمنوا أن تكون الآية فيهم فأنزل الله: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ إلخ الآية. وروى كذلك عن نوف البكالي وهو يهودي الأصل أن موسى لما انطلق بوفد بني إسرائيل كلّمه الله فقال إني بسطت لهم الأرض طهورا ومساجد يصلّون فيها حيث أدركتهم الصلاة إلّا عند مرحاض أو قبر أو حمام. وجعلت السكينة في قلوبهم وجعلتهم يقرأون التوراة عن ظهر ألسنتهم، فذكر موسى ذلك لبني إسرائيل فقالوا لا نستطيع أن نحمل السكينة في قلوبنا فاجعلها لنا في التابوت ولا نستطيع أن نقرأ التوراة إلّا نظرا. ولا نصلي إلّا في الكنيسة فقال الله فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة حتى بلغ أولئك هم المفلحون. فقال موسى عليه السلام: يا ربّ اجعلني نبيهم، قال: نبيهم منهم. قال: اجعلني منهم، قال: لن تدركهم. والتفكك والغرابة باديتان على الروايتين. وينقض الأخيرة منها نصّ الآية الثانية التي تأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بالهتاف بالناس بأنه رسول الله إليهم جميعا. وليس شيء منها واردا في كتب الأحاديث المعتبرة. والذي يتبادر لنا أن الآيتين قد جاءتا استطرادا بعد الآية السابقة لتبين الأولى منهما هوية الذين وعدتهم الآية السابقة برحمة الله الواسعة أو لتكون بدلا بيانيا عنها وهم اليهود والنصارى الذين يتبعون الرسول النبي الذي يجدون صفاته في التوراة والإنجيل الذي من صفاته ورسالته أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وإباحة الطيبات لهم وتحريم الخبائث عنهم وتحريرهم من القيود والتكاليف الشديدة التي كانت مفروضة عليهم ولم تعد حكمة الله تقتضي دوامها في عهد هذا النبي. ولتأمر الثانية النبي صلّى الله عليه وسلّم بالهتاف بأنه رسول الله إلى الناس جميعا وأنه مؤمن بالله وبكلماته

أي كتبه المنزلة السابقة، وأنه يدعوهم إلى اتباعه، كأنما أريد بهذا توجيه الخطاب لأهل التوراة والإنجيل بخاصة وإعلانهم بأن رسالته ليست خاصة بالعرب الأميين (غير الكتابيين) الذين هو منهم، وإنما هي شاملة لهم ولغيرهم من جميع الأجناس والألوان والأديان. وتعدّ الآيتان بما احتوتاه من أهمّ جوامع الكلم القرآنية كما تعدّ الأهداف التي تقررانها جماع أهداف الدين الإسلامي ومبادئه، وخير ما يمكن أن تستهدفه الشرائع والأديان لتحقيق السعادة والفوز والنجاح في الدنيا والآخرة. وقد جاءتا في ذات الوقت لتمهد السبيل لإقبال اليهود والنصارى على الإيمان بالرسالة المحمدية ولفتح الباب على مصراعيه لتكوين وحدة أخوية إنسانية عامة في دين واحد يحتوي أسس الأديان السماوية ويعترف بكتبها وأنبيائها ويرفع الإصر والأغلال عن الناس ويزيل من بينهم المبهمات والمشكلات والخلافات، ويقوم على أساس الأمر بكل ما عرف أنه خير وصلاح والنهي عن كل ما عرف أنه منكر وفساد وإباحة كل ما عرف أنه طيب وتحريم كل ما عرف أنه خبيث. ولما كانت هذه الآيات مكية ومبكرة في النزول فإن فيها دلالة على أن الرسالة المحمدية حملت منذ بدئها المهام العظمى التي ذكرتها الآية الأولى، وعلى أن صفات النبي صلّى الله عليه وسلّم كانت موجودة في التوراة والإنجيل يجدها اليهود والنصارى فيهما. وعلى أن فريقا منهم اعترفوا بمطابقة صفاته على ما في أيديهم من الكتب وآمنوا به في وقت مبكر من العهد المكي. وعلى أن هذه الرسالة كانت منذ البدء رسالة عامة لجميع الناس والملل، وردا على الذين يزعمون غير ذلك استدلالا من بعض آيات وجهت للعرب خاصة، وغير مدركين ما يمكن أن يكون في ذلك من حكمة وخصوصية اقتضتها ظروف الخطاب والدعوة والأساليب مما سوف نشرحه في مناسباته. وهذا التعميم قد أكّدته إشارات وآيات عديدة منها ما سبق ونبهنا عليه فضلا عمّا في القرآن المدني من مؤيداته الكثيرة.

ولقد كان ما احتوته الآية [157] من إشارة إلى أن اليهود والنصارى يجدون صفات النبي صلّى الله عليه وسلّم وأهداف دعوته فيما بين أيديهم من التوراة والإنجيل موضوع جدل وتشادّ في مجال الإنكار والإثبات بين المسلمين وأهل الكتاب. ونقول إن الآية تقول هذا بصراحة وتوجه الخطاب بخاصة إلى اليهود والنصارى، ومنهم من كان يسمعه وجاها ومنهم من آمن به نتيجة لذلك. فليس مما يعقل- ونقول هذا من باب المساجلة- أن يكون ما تقوله الآية جزافا لا يستند إلى حقيقة ما أو أساس ما فيما كان في أيدي اليهود والنصارى من أسفار في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم. ولا يستطيع أحد أن ينفي ذلك أو يجزم بأن ما كان في أيديهم في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم هو نفسه الذي يتداولونه اليوم بدون نقص أو زيادة في النصوص وأسماء الأسفار. والتوراة والإنجيل اللذان تذكرهما الآية هما كتابان منزلان من الله عزّ وجلّ على موسى وعيسى عليهما السلام. وهذا هو المقصود بهما على ما تفيده آيات كثيرة سيأتي إيرادها في تعليق آخر يأتي بعد هذا على التوراة والإنجيل. والمتداول في أيدي اليهود والنصارى اليوم أسفار كثيرة العدد كتبت بعد موسى وعيسى بأقلام بشرية شابها كثير من المبالغة والمناقضة والإغراب. وفي القرآن دلائل تفيد أنه كان في أيدي اليهود والنصارى في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم توراة وإنجيل يصحّ عليهما وصف القرآن على ما سوف نورده في التعليق الآتي. وفي أسفار العدد والخروج والتثنية والملوك وعزرا من أسفار العهد القديم ما يفيد أن كتابا باسم التوراة كتبه موسى بيده وفيه ما تلقّاه عن الله من وصايا وتعاليم وشرائع. والمتبادر من العبارة القرآنية أن هذا هو الذي كان فيه صفة النبي صلّى الله عليه وسلّم. وهو مفقود. وهناك إنجيل معروف باسم إنجيل برنابا أحد الرسل الذين حملوا راية التبشير عقب وفاة عيسى عليه السلام «1» فيه نصوص متفقة مع نصوص القرآن عن عيسى عليه السلام وولادته وحياته ورسالة النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم وصفاته. ومهما تكن المآخذ التي يوجهها رجال الدين النصراني إلى هذا الإنجيل فإن نصوص القرآن الذي لا يشك أحد في

_ (1) اقرأ سفر أعمال الرسل حيث يذكر برنابا ونشاطه في الدعوة والتبشير.

أنه يرجع تاريخيا إلى أربعة عشر قرنا دليل قاطع على أن في ما كان متداولا في أيدي اليهود والنصارى من أسفار إشارات إلى صفة النبي صلّى الله عليه وسلّم ورسالته. فقد جاء في سورة الصف مثلا: وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [6] وهناك آيات تذكر أن أهل الكتاب كانوا يعرفون النبي صلّى الله عليه وسلّم كما يعرفون أبناءهم ويعرفون أن الكتاب المنزل عليه هو حقّ من الله وأن ما أنزل إليه هو حق كما يعرفون أبناءهم مثل آية سورة البقرة هذه: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) وآية سورة الأنعام هذه: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) وهذه أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) مما لا يمكن أن يكون إلّا بسبب ما رأوه من مطابقة تامة بين صفاته وبين ما في أيديهم من كتب. على أن في أسفار العهد القديم والعهد الجديد المتداولة اليوم إشارات عديدة يمكن أن تكون من جملة ما يدلّ على بعثة النبي صلّى الله عليه وسلّم وصفاته. ومن ذلك مثلا عبارة مجيء المعزى بعد انطلاق عيسى عليه السلام حيث جاء في الإصحاح الخامس عشر من إنجيل يوحنا هذه العبارة: (ومتى جاء المعزى «1» الذي أرسله إليكم من عند الآب روح الحق الذي من الآب ينبثق فهو يشهد لي) . وفي الإصحاح السادس عشر هذه العبارة: (إن في انطلاقي خيرا لكم لأني إن لم أنطلق لم يأتكم المعزى ولكني إذا مضيت أرسلته إليكم. ومتى جاء يبكت العالم على الخطيئة وعلى البرّ وعلى الدينونة) . وقد أوردنا العبارة على علّاتها ونعتقد أن السيد المسيح الذي ورد في القرآن عن لسانه أنه عبد الله ورسوله لا يمكن أن يقول قولا يشتمّ منه أنه غير ذلك. وفي إنجيل برنابا نصوص كثيرة تماثل ما ذكره القرآن عن

_ (1) هذه العبارة مأخوذة من النسخة الكاثوليكية وقد جاء بدلها في النسخة البروتستانتية (كلمة البارقليط) .

عيسى وأقواله عن بعثة النبي ومن جملتها: (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) . وإنكار النصارى له لا يقدّم ولا يؤخّر لأن هذه الحقائق قد ذكرت في القرآن الذي ذكر أن من أهل الكتاب اليهود والنصارى من آمن بالنبي وصدّق بالقرآن وأعلن أنه مطابق لما عندهم من الحق. مما سوف نورد نصوصه بعد. وبعض المبشرين يقولون إن البارقليط أو المعزى هو روح القدس. وروح القدس هو جزء من الله في عقائدهم والعبارة الإنجيلية تفيد أن الذي سيأتي هو شخص مرسل من الله لينذر ويبكت ويأمر بالبرّ والتقوى. وكل هذا صفات رسول إلهي وليست صفات الله ... ولقد عقد رشيد رضا في الجزء التاسع من تفسيره في سياق تفسير سورة الأعراف وهذه الآيات فصلا طويلا على هذا الأمر نبّه فيه إلى أمور عديدة ليثبت أنه لا يمكن إلّا أن يكون الأنبياء السابقون للنبي صلّى الله عليه وسلّم قد نبهوا إلى رسالته وظهوره وأن يكون ذلك مذكورا في ما نزل عليهم من كتب الله وعلى أن عدم ذكر ذلك بصراحة لا ينفي هذا وإنما يثبت التحريف والإخفاء ثم أورد بعد ذلك ثاني عشرة بشارة مستمدة من نصوص أسفار العهد القديم والأناجيل وناقش الشبهات التي يوردها بخاصة المبشرون. وأورد من الحجج والأقوال ما فيه المقنع لراغبي الحق والحقيقة والهدى بصواب استنتاجاته وقوّة حججه وبعدم قيام شبهات المشتبهين على أسس صحيحة. ومما يدعم هذا ما احتواه القرآن من مشاهد وإشارات تدلّ على أن من أهل الكتاب في مكة والمدينة أو وفودهم- وفيهم الأحبار والرهبان والقسس والراسخون في العلم- من آمنوا بالرسالة النبوية وصدّقوا بما جاء في القرآن وقرروا أنه متطابق مع ما عندهم كما جاء في الآية التي نحن في صددها ثم في آيتي آل عمران هذه: لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ الجزء الثاني من التفسير الحديث 30

وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وآية سورة آل عمران هذه أيضا: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (199) وآية سورة النساء هذه: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (162) وآيات سورة المائدة هذه: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) . وآية سورة الأنعام هذه: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) وهذه: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وآية سورة الرعد هذه: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (36) وآيات سورة الإسراء هذه: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (107) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (109) وآيتي سورة القصص هذه: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) . وآية سورة الأحقاف هذه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) وآية سورة العنكبوت هذه: وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ

وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ (47) . وفي كل هذا شواهد عيانية مكية ومدنية حاسمة لا يسع منصفا أن يكابر فيه حتى من الكتابيين أنفسهم فيما نعتقد. ويروي المفسرون بعض الأحاديث في سياق الآيتين، منها ما ورد في الكتب الخمسة، وفيها كذلك شواهد عيانية منها حديث أورده ابن كثير ورواه الإمام أحمد عن أبي صخر العقيلي عن رجل من الأعراب قال: (جلبت جلوبة إلى المدينة في حياة رسول الله فلما فرغت من بيعي قلت لألقينّ هذا الرجل فلأسمعن منه قال فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون فتبعتهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها، يعزّي بها نفسه عن ابن له في الموت كأجمل الفتيان وأحسنها فقال رسول الله أنشدك الله بالذي أنزل التوراة هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي فقال برأسه هكذا أي لا، فقال ابنه إي والذي أنزل التوراة إنّا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك وإني أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنك رسول الله فقال رسول الله أقيموا اليهودي عن أخيكم. ثم ولي كفنه والصلاة عليه) . وقد قال ابن كثير هذا حديث جيد قوي له شاهد في الصحيح عن أنس. وأورد ابن كثير حديثا طويلا رواه الحاكم في المستدرك عن هشام بن العاص خلاصته أن النبي صلّى الله عليه وسلّم بعثه مع رفيق له إلى هرقل لدعوته إلى الإسلام وإن هرقل سأله عن صفات رسول الله وعاداته ودعوته ثم صدّق أنه هو النبي الموعود وقال أما والله إن نفسي طابت بالخروج من ملكي وإني كنت عبدا له أشركه في ملكي ثم ما لبث أن مات. وهناك حديث طويل آخر يرويه البخاري ومسلم عن أبي سفيان خلاصته أن النبي بعث مع دحية الكلبي إلى هرقل كتابا بالدعوة إلى الإسلام فأحبّ هرقل أن يعرف أحوال النبي وأخباره فأمر بالبحث عن جماعة من مكة فأتي له بأبي سفيان فسأله عن أحوال النبي وأخباره وعاداته فصدقه في كل جواب عن كل سؤال سأله إياه فقال له إن يك ما تقوله حقا فإنه نبي وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن

أظنه منكم ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه وليبلغن ملكه ما تحت قدمي «1» . وأورد الطبري حديثا متسلسلا عن عطاء بن يسار قال: «لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت أخبرني عن صفة رسول الله في التوراة؟ قال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة كصفته في القرآن. يا أيها النبي إنّا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا. وحرزا للأميين. أنت عبدي ورسولي اسمك المتوكّل ليس بفظ ولا غليظ. ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلّا الله ويفتح به قلوبا غلفا. وآذانا صما وأعينا عميا. قال عطاء: ثم لقيت كعبا فسألته فما أخلف حرفا وزاد بعد قوله ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح» . وهناك آيات تندّد باليهود لأنهم كفروا برسالة النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم والقرآن مع أنهم كانوا يعرفون أنهما حق ويستفتحون أي يزهون ويتفاخرون بهما على العرب قبل الإسلام حيث كانوا يقولون لهم إنهم سيكونون معه حزبا واحدا. وكان ذلك حسدا وغيظا مما حسبوه تهديدا لمراكزهم ومصالحهم مثل ما جاء في آيات سورة البقرة هذه: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (90) حيث ينطوي في الآيات شاهد قرآني صريح على أن اليهود كانوا يعرفون صفات النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم. ولقد روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به

_ (1) التاج ج 4 ص 67- 68. وسنورد نصّ الحديث في سياق تفسير الآية [64] من سورة آل عمران لأن الحديث روي في مناسبتها.

إلّا كان من أصحاب النار» «1» . حيث ينطوي في الحديث تساوق مع القرآن الذي يقرّر أن رسالته لجميع الناس بما فيهم اليهود والنصارى وكون النبي صلّى الله عليه وسلّم موقنا أعمق يقين بأن أسفارهم قد وصفته وبشّرت به وأنهم مأمورون فيها بالإيمان برسالته حين يبعثه الله وأنهم يظلون ملزمين بذلك إلى أبد الدهر. وآيات سورة البيّنة وبخاصة الآية السادسة منها وهي: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) صريحة بأن القرآن يصف كل جاحد لرسالة النبي من أهل الكتاب بعد أن بلغتهم كافرين مستحقين للنار وخالدين فيها كذلك. ومن الجدير بالذكر أن الإسلام ظلّ ينشد في اليهود والنصارى بعد النبي صلّى الله عليه وسلّم أيضا. فقد كان في بلاد الشام ومصر طوائف كبيرة من اليهود فتضاءل عددها لإقبال الكثير منهم على الإسلام. ولقد كانت النصرانية سائدة في هذه البلاد وفي العراق العربي أيضا فلم يكد ينتهي القرن الهجري الأول حتى دان أكثرية النصارى الكبرى في هذه البلاد بالإسلام. ولقد كانت هذه الأكثرية على مذهب اليعاقبة والنساطرة الذي يقول بوحدة طبيعة المسيح وكونها مزيجا من اللاهوتية والناسوتية. ولقد كانت الدولة الرومانية صاحبة السلطان في بلاد الشام ومصر على مذهب آخر يعرف بالملكاني ويقول بثنائية طبيعة المسيح وكونه إلها كاملا وإنسانا كاملا. وكان بين أهل هذا المذهب وأهل المذهب الأول نزاع وشقاق وقتال. وتعرّض هؤلاء لاضطهاد الدولة التي كانت تدين بالمذهب الثاني، فمن المحتمل كثيرا أن يكون أصحاب المذهب الأول وجدوا تطابقا ما بين مذهبهم وتقريرات القرآن عن المسيح التي منها أنه إنسان وأنه كلمة الله ألقاها إلى مريم وروح منه كما جاء في آية سورة النساء [171] فأقبلوا على الإسلام ووجدوا فيه منقذا روحيا وسياسيا لهم في آن واحد. وبعض الأغيار يزعمون أن الذين آمنوا من اليهود والنصارى بعد النبي إنما أسلموا بقوة السيف. وهذا افتراء محض يكذبه إيمان من آمن منهم في حياة

_ (1) التاج ج 1 ص 30.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخطورة ما احتوته الآية الأولى من مهام الرسالة المحمدية العظمى وبخاصة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستحق أن يكون موضوع تعليق خاص

النبي صلّى الله عليه وسلّم بعد أن رأوا صدق أعلام نبوته وصدق القرآن ويكذبه احتفاظ فريق من اليهود والنصارى في هذه البلاد عبر الأحقاب الطويلة التي كانت فيه تحت السلطان الإسلامي «1» . الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخطورة ما احتوته الآية الأولى من مهام الرسالة المحمدية العظمى وبخاصة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستحق أن يكون موضوع تعليق خاص ولقد تكرر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في القرآن المكي والمدني بأساليب متنوعة. منها ما هو في صيغة الأمر من الله عزّ وجلّ للمؤمنين كما جاء في آية سورة آل عمران هذه: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) ومنها ما هو في صيغة التنويه بالمؤمنين لأنهم يفعلون ذلك كما جاء في آية أخرى من سورة آل عمران أيضا وهي: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [110] وآيات سورة التوبة هذه: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) والتَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112) ومنها بصيغة تفيد أن ذلك سيكون شأن المؤمنين حينما يمكّنهم الله في الأرض كما جاء في آية سورة الحج هذه: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) ومنها بصيغة

_ (1) هناك إيضاحات وتعليقات أخرى في صدد المسيح عليه السلام ستأتي في تفسير سور آل عمران والنساء والمائدة ومريم والزخرف.

التنديد بالمنافقين لأنهم يفعلون عكس ذلك كما جاء في آية سورة التوبة هذه: الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (67) ومنها بصيغة التحذير من اتباع خطوات الشيطان الذي يأمر بالمنكر كما جاء في آية سورة النور هذه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [21] . ويبدو من هذه الآيات عناية حكمة التنزيل بهذا الأمر وكونه: أولا: من المبادئ القرآنية المحكمة المفروضة على المسلمين في كل ظرف ومكان. ثانيا: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الصفات والخصائص التي يجب أن تتحقق بالمسلمين الصادقين أو تكون مظهرا من مظاهر سلوكهم الناتج عن صدق إسلامهم وإيمانهم وفي هذا ما فيه من روعة وجلال. ولقد روى الترمذي عن أبي هريرة حديثا عن النبي صلّى الله عليه وسلّم جاء فيه: «والذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» «1» . مما فيه توكيد لهذا الواجب المفروض على المسلمين بأسلوب آخر وإنذارهم إذا قصّروا فيه. واستنادا إلى القرآن والسنّة يجمع العلماء على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على المسلمين بمختلف الفئات التي يتألفون منها رجالا ونساء وهيئات وحكومات. وإذا لم يقم به من له القدرة والاستطاعة والمجال أثم جميعهم لتقصيرهم في واجب من أهمّ واجبات الشريعة الإسلامية. والكلمتان عامتا المدى. ويمكن أن يقال إن المعروف هو كل ما ورد في القرآن والسنّة النبوية من صفات وأخلاق وأفعال حسنة يجب التزامها والتحلّي بها

_ (1) التاج ج 5 ص 205.

وعملها. وكل ما تعارف المجتمع الإسلامي على أنه حقّ وخير وعدل وبرّ وصالح ونافع وطيب وكرامة. والمنكر هو كل ما ورد في القرآن والسنّة النبوية من صفات وأخلاق وأفعال سيئة يجب اجتنابها وكل ما تعارف المجتمع الإسلامي على أنه شرّ وظلم وباطل وفاسد وضارّ وخبيث ومهانة بحيث يقال بناء على ذلك إن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أجل المبادئ القرآنية الاجتماعية التي من شأنها إصلاح المجتمع وإسعاد الإنسانية وبثّ روح الحق والعدل والخير والبرّ فيه وتقويم ما يكون فيه شذوذ وانحراف واعوجاج وفساد وظلم. وإن عموم الكلمتين ينطوي على حكمة عظيمة الشأن وهو مسايرة هذا المبدأ لجميع الظروف واحتمالات التبدّل والتطوّر فيما يكون خيرا وعدلا وصالحا وشرا وظلما وفسادا وباطلا في كل ظرف ومكان فيما لا يكون فيه نصّ صريح من قرآن وسنّة أو إجماع وتواتر بين المسلمين منذ الصدر الإسلامي الأول. وهذا من مرشحات تعاليم القرآن للخلود. ويتبادر لنا من روح الآيات والحديث النبوي أن هذا الواجب مترتّب على المسلمين جميعهم على اختلاف مراكزهم في المجتمع، مع ملاحظة هامة في صدد ذلك وهي أنه بالنسبة للأمور العامة التي لها صلة بحياة المجتمع والجماعات والتي لا يكفل النجاح فيها إلّا بتضامن الجماعات والتي تحتاج إلى حسن تقدير لما يجب وما لا يجب وما يجوز وما لا يجوز ثم إلى ما يحتاج إلى حسن الاضطلاع بالواجب والمضي فيه يترتّب واجب الأمور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيها على الجماعات والمنظمات الاجتماعية. وبالنسبة للأمور التي لا بدّ لها من الهيمنة والتنفيذ والقوّة للحيلولة دون الشغب والفوضى والعيث في الأرض فسادا أو حمل الناس على العمل النافع الذي فيه مصلحة عامة وردعهم عن العمل الضارّ يترتب هذا الواجب على من بيده السلطان. أما بالنسبة للأمور الأخلاقية والخاصة الواضحة التي لا يخفى وجه الصواب والحق والعرف الصالح والنفع والخير والخطأ والباطل والضرر والشرّ فيها ولا ينجم عن القيام بالواجب نحوها من قبل الأفراد فوضى ولا مفسدة عامة فهي مجال الأفراد أيضا بالإضافة إلى الجماعات والسلطان. فكثير من الأفراد يهملون الالتزام بالآداب العامة والأخلاق والأفعال

والصفات الكريمة والواجبات الاجتماعية الإسلامية. بل ويتعمدون إهمالها والإتيان بما يناقضها. وقد لا يكون أمرهم مكشوفا للجماعات والسلطان وقد لا يكون أمرهم في حاجة إلى جماعات وسلطان. ثم قد يكون هناك مطالب وشؤون متعارف على معروفيتها ومنكريتها ولا تحتاج إلى جماعات وسلطان للحضّ عليها والنهي عنها. ففي مثل هذه الحالة يترتب من دون ريب على الأفراد القادرين على الاضطلاع بالواجب ويكونون آثمين في التنصير فيه. وليس الحديث النبوي الذي أوردناه هو كل ما روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم من أحاديث في هذا الأمر الخطير. فقد روى أبو داود والترمذي عن عبد الله عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنّ أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحلّ لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده. فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (78) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة: 78- 79] ثم قال: والله لتأمرن بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر ولتأخذن على يديّ الظالم ولتأطرنّه على الحق أطرا ولتقصرنّه على الحق قصرا أو ليضربنّ الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم» «1» . وحديث رواه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» «2» . وحديث رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أسامة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرّحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى

_ (1) التاج ج 5 ص 204. (2) المصدر نفسه ص 202- 203.

كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه» «1» . وحديث أورده ابن كثير في سياق تفسير الآية [110] من سورة الأعراف رواه الإمام أحمد والنسائي والحاكم جاء فيه: «قام رجل إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: خير الناس أقرأهم وأتقاهم لله وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم» . وفي الأحاديث تشديد على وجوب القيام بهذا الواجب وتنويه بالقائمين به وإنذار للمقصّرين والمدلّسين فيه. وهناك أحاديث أخرى متصلة بالموضوع وإن لم يكن فيها (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) حرفيا يحسن أن تساق في هذا المقام، من ذلك حديث رواه مسلم عن عبد الله عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما من نبيّ بعثه الله في أمّة قبلي إلّا كان له من أمّته حواريّون وأصحاب يأخذون بسنّته ويتقيّدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» «2» . وحديث رواه أصحاب السنن عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر أو أمير جائر» «3» . وحديث رواه أصحاب السنن أيضا عن أبي بكر قال: «يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ وتضعونها في غير مواضعها وإنّا سمعنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم الله بعقاب» » . وحديث رواه أبو داود عن جرير قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه فلا يغيروا إلّا أصابهم الله بعقاب من

_ (1) التاج ج 5 ص 202- 203. [.....] (2) انظر المصدر نفسه. (3) انظر المصدر نفسه. (4) انظر المصدر نفسه.

تعليق على حل الطيبات وتحريم الخبائث ورفع الإصر والأغلال الواردة في الآية الأولى

قبل أن يموتوا» «1» . وحديث رواه أبو داود أيضا عن العرس الكندي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها» «2» . وفي هذه المجموعة من الأحاديث حثّ للمسلمين على الجرأة على كلمة الحقّ للظالم وبذل الجهد في تغيير المنكر وإنكار المعاصي ونهي عن السكوت عليها وإنذار المقصّرين فيه ثم إنذار للمجتمع الذي يكون فيه هذا التقصير من باب ما جاء في آية الأنفال هذه: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [25] . وهكذا يبدو تساوق تام في التلقين بهذا الواجب على مختلف صوره بين كتاب الله وسنّة رسوله كما هو في كل أمر. تعليق على حلّ الطيبات وتحريم الخبائث ورفع الإصر والأغلال الواردة في الآية الأولى هذا، ولقد مرّ في هذه السورة تعليقات حول موضوع حلّ الطيبات وتحريم الخبائث وموضوع عدم تكليف الله المسلمين ما ليس في وسعهم كما مرّ في سور سابقة تعليقات على مدى العقيدة الإسلامية في وحدانية الله تعالى وكمال صفاته وتنزّهه عن كل شائبة وتأويل ومساعدة. وهذه المواضيع الثلاثة من المهمات العظمى التي ندب لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على ما ذكرته الآية الأولى التي نحن في صددها فنكتفي بهذا التنبيه دون تكرار وإعادة. ونقول في صدد جملة وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ إن الذي يتمعن في التشريعات والأحكام التعبديّة وغير التعبدية التي وردت حكايتها في أسفار الخروج والعدد واللاويين والتثنية ثم في التشريعات والأحكام التعبدية وغير التعبدية في القرآن والسنّة يدرك

_ (1) التاج ج 5 ص 202- 203. (2) انظر المصدر نفسه.

تعليق على كلمتي التوراة والإنجيل وتمحيص في صدد ما كان متداولا وما هو متداول اليوم في أيدي اليهود والنصارى من أسفار

مدى ما كان في الشريعة الموسوية من شدّة عبّر عنها بالإصر والأغلال وما رفعته الشريعة الإسلامية من ذلك. ولقد عبّر عن هذا في حديث نبوي جاء فيه: «بعثت بالحنيفية السمحة» «1» بالإضافة إلى أحاديث نبوية أخرى في صدد التبشير والتيسير وعدم التنفير والتزمّت أوردناها في تعليقنا على جملة لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها في هذه السورة. وإذا نحن قلنا الشريعة الموسوية فإن هذا ينسحب على النصارى الذين انطوى ذكرهم في الآية أيضا من حيث إن المسيح عليه السلام جاء مصدقا لما بين يديه من التوراة كما حكته آيات قرآنية عديدة وحكي عنه في الأناجيل قوله: (ما جئت لأنقض الناموس) بقطع النظر عن تقيدهم وعدم تقيدهم بها وعن ما يمكن أن يكون السيد المسيح خففه من تلك التشريعات والأحكام. ولم نر ضرورة إلى إيراد أمثلة من التكاليف الشاقة التعبدية وغير التعبدية الواردة في أسفار العهد القديم لأنها كثيرة ويسهل مراجعتها في هذه الأسفار. تعليق على كلمتي التوراة والإنجيل وتمحيص في صدد ما كان متداولا وما هو متداول اليوم في أيدي اليهود والنصارى من أسفار وبمناسبة ورود كلمتي التوراة والإنجيل في السلسلة نقول بالنسبة للتوراة: إن الكلمة عبرانية بمعنى التعليم والشريعة. وهي معرّبة على صيغة عربية فصحى «2» . والمتبادر أن التعريب سابق للقرآن وأن اللفظ القرآني

_ (1) انظر تفسير الآية في تفسير رشيد رضا. وننبّه على أننا لم نطّلع على هذه الصيغة في ما في أيدينا من مصادر. وقد قرأنا في التاج حديثا رواه البخاري جاء فيه: «أحبّ الدين إلى الله الحنيفية السمحة» ج 1 ص 28. (2) بعض المفسرين ومنهم الطبرسي يحاولون جعل التوراة من جذر عربي هو (وري) من ورى الزند بمعنى إظهار ناره لأن التوراة أظهرت الشريعة. وقد قال الزمخشري إن إرجاعها إلى جذر عربي تكلّف وإنها أعجمية وهو الصواب مع القول إنها معرّبة في صيغة عربية.

جاء كما كان مستعملا قبل نزوله. ولقد وردت الكلمة في القرآن ثماني عشرة مرة. واحدة في سورة مكية ونعني ما جاء في الآية [157] من سورة الأعراف وباقيها في سور مدنيّة. ومنها ما فيه الدلالة الصريحة على أن القصد منها هو كتاب الشريعة الموسوية المنزلة من الله تعالى كما جاء في هذه الآيات: 1- كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [آل عمران: 93] . 2- وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (44) وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة: 43- 45] . ومنها ما جاء مطلقا وتقريريا كما جاء في آية سورة آل عمران هذه: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ [4] . وننبّه على أن التوراة لم تأت مقرونة بموسى عليه السلام في القرآن. وإن ما جاء مقرونا به هو ألفاظ الكتاب والألواح كما ترى في هذه الآيات: 1- وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ [البقرة: 87] .

2- وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً [هود: 17] . وواضح من الآيات أن المقصود القرآني من الكلمة هو الكتاب المنزل من الله على موسى المحتوي للمبادئ والتعليمات والتشريعات والحدود الربانية. واستعمال اللفظ مفردا يسوغ القول إنه كتاب واحد وإن كان لا يمنع هذا من أن يكون ذا فصول عديدة. هذا في حين أن المتداول بين الأيدي اليوم والذي يسمى (التوراة) ويسمى أيضا باسم (العهد القديم) هو مجموعة ضخمة من أسفار عديدة منفصل بعضها عن بعض بأسماء متنوعة وعددها عند فريق من الكتابيين (الطبعة البروتستانتية) تسعة وثلاثون وعند فريق آخر (الطبعة الكاثوليكية) ستة وأربعون. وهي عائدة إلى حقب عديدة بدءا من تاريخ خلق الكون وآدم وحواء ونوح وطوفانه وأولاده وأفسالهم إلى إبراهيم وذريته إلى موسى وبعده إلى أوائل عصر عيسى عليهم السلام. وأولها (سفر التكوين) هو الذي يحتوي خبر خلق الكون وآدم ونوح وإبراهيم وأولادهم. وليس فيه دلالة على أنه من وحي الله وإن كان فيه حكاية كلام منسوب إلى الله وحكاية لما كان من اتصالات بين الله والأنبياء المذكورين فيه. وليس فيه دلالة على أنه من تبليغ موسى أو إملائه أو تبليغ وإملاء شخص آخر. وفيه ما قد يفيد أنه كتب بعد موسى وبأسلوب الحكاية وبأقلام عديدة لما فيه من تناقض وأشياء منسوبة إلى الله وأنبيائه يتنزهون عنها ومن أحداث حدثت في زمن موسى وبعده حينما طرأ بنو إسرائيل بقيادة موسى وخلفائه على سيناء وشرق الأردن وغربه في نحو القرن الثالث عشر قبل الميلاد وبعده. وفيه ما قد يكون أساطير قديمة كانت متداولة. وفيه مبالغات ومفارقات كثيرة. وكل ذلك يسوغ القول إن هذا السفر كتب بعد ذلك وتأثر به وإن ما فيه مما يعود إلى قبل موسى هو ذكريات كانت متداولة فيها الغثّ والسمين والخيال والحقيقة. ولا يبعد أن تكون واردة في مخطوطات قديمة كلها أو بعضها.

ومن الأدلة القوية على أن السفر كتب بعد طروء بني إسرائيل على فلسطين وتأثره بأحداثهم فيها أن الوعود المعزوّة فيه إلى الله عزّ وجلّ يجعل الأرض لإبراهيم ونسله ثم لإسحق ونسله ثم ليعقوب ونسله فطورت حسب مجرى الأحداث. ولقد دوّن كتاب السفر وعودا متناقضة لإبراهيم ونسله ثم استدركوا فجعلوا هذه الوعود لإسحق فقط دون أولاد إبراهيم الآخرين من زوجتيه هاجر أم إسماعيل وقطورية أم أولاد عديدين آخرين. لأنهم أرادوا أن يثبتوا حق الجدّ الإسرائيلي فقط وهو إسحق. ثم استدركوا فجعلوا هذه الوعود ليعقوب فقط دون عيسو ابن إسحق الآخر لأنهم أرادوا أن يثبتوا حق الجد الإسرائيلي فقط وهو يعقوب ... كذلك من الأدلة القويّة حكاية لعن نوح لكنعان في الإصحاح التاسع من السفر. حيث يحكي الإصحاح أن نوحا تكشّف في خبائه فظهرت عورته فرآها ابنه الصغير حام فأخبر أخويه يافث وسام بذلك فدخل هذان للخباء وغطوا عورة أبيهما. ولما أفاق وعلم بما فعل ابنه الصغير هتف قائلا: (ملعون كنعان عبدا يكون لعبيد إخوته. تبارك إله سام. وليكن كنعان عبدا له. ليرحب الله بيافث وليكن كنعان عبدا له) وكنعان هو ابن حام كما جاء في الإصحاح العاشر ولكنه ليس ابنه الوحيد بل هو رابع أولاده. ولم يكن قد ولد حينما رأى حام عورة أبيه وأخبر أخويه بذلك. فإذا كان ذنب يستحقّ لعنته فهو ذنب حام ولم يكن كنعان مذنبا. ولكن العداء الذي نشب بين بني إسرائيل والكنعانيين أهل أرض غرب الأردن واستمرّ شديدا دمويا مدة طويلة أوحى لكتّاب السفر بتسجيل ما سجلوا دون أن ينتبهوا إلى الخطأ الذي يقعون فيه وهو لعن ولد لم يولد بسبب ذنب اقترفه أبوه بزعمهم. وتسجيل كون نسل هذا الولد مكرسا ليكون عبدا لأبناء سام الذي من ذريته إبراهيم ثم إسحق ثم يعقوب ثم بنو إسرائيل كما جاء في الإصحاح الحادي عشر وما بعده ويأتي في الترتيب بعده أسفار (الخروج) و (الأحبار) الذي يسمى أيضا بسفر (اللاويين) و (العدد) و (تثنية الاشتراع) وهي عائدة إلى حقبة حياة موسى وتتضمن حكاية أحداث هذه الحقبة مع كثير من التشريعات والتعليمات

والوصايا الربانية الطقسية والأخلاقية والاجتماعية والقضائية والمعاشية والصحية والإنذارات والتبشيرات بأسلوب الحكاية أيضا. وسفر الأحبار وحده قاصر على التشريعات والتعليمات والوصايا والإنذارات والتبشيرات المذكورة. والأخرى مزيجة من ذلك ومن التاريخ. وليس فيها ما يفيد أنها من إملاء موسى أو أنها كتبت في عهده بل فيها ما يفيد أنها كتبت بعده وبأقلام عديدة وفي أزمنة مختلفة وتأثرت بالوقائع والأحداث التي حدثت بعد موسى واختلطت الحقائق فيها بالخيال والمبالغات والمفارقات. ونسب فيها إلى الله ورسله ما يتنزّهون عنه. ولقد جاء بعض ما فيها مكررا للبعض الآخر مع كثير من التباين أحيانا زيادة ونقصا وعبارة وموضوعا مما فيه الدلالة الحاسمة على أنها كتبت بأقلام عديدة وفي أزمنة مختلفة واستقاها كتّابها من مصادر مختلفة. ولقد جاء في سفر (تثنية الاشتراع) مثلا ذكر موت موسى ودفنه في الوادي في أرض مؤاب ثم أعقب الكاتب ذلك بقوله: (ولم يعرف قبره إلى يومنا هذا) حيث يفيد أن كتابة الجملة وبالتالي كتابة السفر إنما كانت بعد وفاة موسى بمدة طويلة. ولقد ورد في سفري الأحبار والتثنية مثلا إنذار بما وقع فعلا على بني إسرائيل بعد موسى بمدة طويلة من غزوات وضربات خارجية ومن انحرافات دينية وأخلاقية ارتكس فيها بنو إسرائيل ومن إجلاء وتشتيت شمل لهم بين الأمم ثم وعد بتحنين قلب الربّ وإرجاعهم مرة أخرى وجمع شملهم بعد التبديد والتشتيت وهو ما كان فعلا مما لا يعقل أن يذكر إلّا بعد وقوعه. ويأتي بعد الأسفار الخمسة مما سمته التاريخية غالبة أسفار يشوع والقضاة وراعوث وصموئيل الأول وصموئيل الثاني (والأخيران يسميان في الطبعة الكاثوليكية بسفري الملوك الأول والملوك الثاني) والملوك الأول والملوك الثاني (وهذان يسميان في الطبعة المذكورة بسفري الملوك الثالث والملوك الرابع) وأخبار الأيام الأول وأخبار الأيام الثاني وعزرا ونحميا واستير وطوبيا ويهوديت (والأخيران من زوائد الكاثوليكية وترتيبها قبل سفر استير) وسفر المكابيين الأول وسفر المكابيين الثاني (وهذان من زوائد الكاثوليكية وهما في الترتيب آخر أسفار العهد القديم) . وتؤرخ هذه الأسفار سيرة بني إسرائيل من بعد موسى إلى ما بعد سبي

بابل إلى زمن الحكم اليوناني قبل الميلاد المسيحي. وقلنا إن السمة التاريخية غالبة عليها لأنها لا تخلو بدورها من سمة دينية وعظيّة وإنذارية. ومن نشاط أنبياء وتبليغاتهم عن الله إلخ إلخ. وتمتزج الحقائق فيها بالخيال والمبالغات والمفارقات. وفيها دلالات كثيرة على أنها كتبت بعد مدة من الأحداث والوقائع المذكورة فيها وأنها تأثرت بها. وأنها كتبت بأقلام متعددة في أزمنة مختلفة. ولقد جاءت حكاية الأحداث في بعضها مباينة لما جاء في بعض آخر أو مناقضة له أو زائدة عليه أو ناقصة فيه مما يدلّ على ذلك. بل وفي بعضها ما ذكر في أسفار التكوين والخروج والعدد مع نقص وزيادة ومباينة. ولقد جاء في الإصحاح الثالث من أخبار الأيام الأول مثلا سلسلة ملوك يهوذا إلى آخر صدقيا الذي قتله نبوخذنصر. وفي الإصحاح التاسع منه هذه الجملة بما فعله نبوخذنصر: (وسبى يهوذا إلى بابل لأجل خيانتهم) وفي الإصحاح السادس والثلاثين من سفر أخبار الأيام الثاني هذه الجملة: (وفي السنة الأولى لكورش ملك فارس نبّه الربّ روح كورش فأطلق نداء في كل مملكته قائلا إن الربّ أعطاني جميع ممالك الأرض وأوصاني أن أبني له بيتا في أورشليم التي في يهوذا) مما فيه دلالة على أن سفر أخبار الأيام الأول كتب في نهاية دولة يهوذا والثاني بعد السبي. ولقد ذكر سفر الملوك الثاني- الرابع في الكاثوليكية- سيرة ملوك دولتي إسرائيل ويهوذا إلى نهايتها بما في ذلك نسف نبوخذنصر لدولة يهوذا وسبي اليهود إلى بابل كما ذكر بعض أحداث جرت بعد السبي أو عقبه مما فيه دلالة قاطعة على أنه كتب بعد نهاية دولة يهوذا بل وبعد السبي. ولما كان هذا السفر هو استمرار لسيرة ملوك دولتي يهوذا وإسرائيل التي بدأ بها في السفر الأول فالكلام المذكور ينسحب على هذا السفر أيضا كما هو المتبادر. ولا تخلو الأسفار الأخرى من التي تؤرخ بعض أحداث ما قبل السبي من دلائل وقرائن مماثلة تسوغ القول إنها كتبت بعد السبي مثلها. وإلى جانب هذه الأسفار أسفار عديدة أخرى تعود كذلك إلى حقبة ما بعد موسى إلى ما بعد السبي إلى عصر المسيح عليه السلام تغلب عليها السمة الدينية الجز الثاني من التفسير الحديث 31

بأسلوب الابتهالات والتسبيحات والحكم والمواعظ والإنذار والترهيب والتبشير والترغيب والتنبؤ والرؤى على ألسنة أصحابها الذين يغلب أن يكونوا أنبياء وهي: المزامير والأمثال والجامعة ونشيد الأنشاد ونبوءة أشعيا وأرميا ومراثي أرميا ونبوءة بارول (وهذا من زوائد الكاثوليكية) ونبوءة حزقيال ونبوءة دانيال ونبوءة هوشع ونبوءة يوئيل ونبوءة عاموس ونبوءة عوبيديا ونبوءة ميخا ونبوءة تحوم ونبوءة حبقوق ونبوءة صقنا ونبوءة حجاي ونبوءة زكريا ونبوءة ملاخي. ومع سمتها الغالبة المذكورة فإنها تمثّل ناحية هامة من تاريخ وحياة بني إسرائيل السياسية والاجتماعية والأخلاقية. وعبارة بعضها كالنار شدّة وقسوة. وفي بعضها ندب وعويل على ما حلّ في بني إسرائيل وتنديد بأخلاقهم وانحرافاتهم بأسلوب قارع. وتبشير مع ذلك برحمة الله بهم وإنذار قاصم للأمم والبلدان الأخرى. وفيها ما يدلّ على أنها كتبت بعد موت أصحابها بمدة طويلة من ذكريات ومسموعات ومحفوظات متداولة. ولقد ورد مثلا في الإصحاح (45) من سفر نبوءة أشعيا الذي يستفاد من عباراته أنه عاش في عهد ملوك يهوذا (عزيا ويوثام وأحاز وحزقيا) اسم كورش ملك الفرس الذي تغلّب على مملكة بابل وفيه هذه الجملة خطابا لسبي اليهود في بابل الذين سباهم نبوخذنصر: (اخرجوا من بابل واهربوا من أرض الكلدانيين) مما فيه الدلالة على أن هذا السفر كتب بعد السبي وبالتالي بعد وفاة أشعيا المنسوب إليه بمدة طويلة. ومن بين الأسفار العائدة إلى ما بعد موسى سفران لا يبدو لهما صلة بتاريخ وحياة بني إسرائيل. وهما سفرا (أيوب) و (نبؤة يونان) . الأول يتضمن سيرة النبي أيوب المذكورة في القرآن «1» بإشارات خاطفة ولكن متطابقة. وقد قال عنه السفر إنه كان في أرض عوص. والثاني هو سيرة يونان بن أمتاي في نينوى وهو على الأرجح النبي يونس المذكورة سيرته في القرآن بإشارات خاطفة ومتطابقة إجمالا مع ما جاء في هذا السفر.

_ (1) انظر سور الأنبياء وص بالنسبة للنبي أيوب وسور الصافات والقلم والأنبياء بالنسبة للنبي يونس.

وهناك سفران آخران فيهما مواعظ وحكم وهما (الحكمة) و (يشوع بن شيراخ) وهما من زوائد الكاثوليكية. ولا يبدو فيهما ما يدلّ على أن لهما صلة بحياة وتاريخ بني إسرائيل. وواضح من كل ما تقدم أن اسم (التوراة) المذكورة في القرآن والتي يلتزم المسلمون بالإيمان بأنها من كتب الله أو الكتاب الذي أنزله الله على موسى لا يمكن أن يصدق على مجموعة أسفار العهد القديم وعلى أي سفر منها. ولقد جاء في الإصحاح (24) من سفر الخروج أول الأسفار الأربعة العائدة إلى حقبة حياة موسى الذي فيه خبر رسالة موسى عليه السلام إلى فرعون وخروج بني إسرائيل من مصر وحياتهم في سيناء هذه العبارة (فجاء موسى- بعد استماعه كلام الله في الطور- وقصّ على الشعب جميع كلام الربّ وجميع الأحكام فأجابه الشعب بصوت واحد وقالوا جميع ما تكلم به الربّ نعمل به. فكتب موسى جميع كلام الربّ وبكّر في الغداة وبنى مذبحا في أسفل الجبل ونصب اثني عشر نصبا لاثني عشر سبط إسرائيل وبعث فتيان بني إسرائيل فأصعدوا محرمات وذبحوا ذبائح سلامة من العجول للربّ. فأخذ موسى نصف الدم وجعله في طسوت ورشّ النصف الآخر على المذبح وأخذ العهد فتلا على مسامع الشعب فقالوا كل ما تكلم الربّ به نفعله ونأتمر به فأخذ موسى الدم ورشّه على الشعب وقال هو ذا دم العهد الذي عاهدكم الربّ به على جميع هذه الأقوال. ولقد جاء في الإصحاح (31) من سفر تثنية الاشتراع وهو رابع أسفار حقبة موسى وفيه تكرار لكثير مما جاء في الأسفار السابقة ولا سيما مسيرة بني إسرائيل للتذكير مع الإنذار والتبشير هذه العبارة: (وكتب موسى هذه التوراة ودفعها إلى الكهنة بني لاوى حاملي تابوت العهد) وهذه العبارة: (ولما فرغ موسى من رقم كلام هذه التوراة في سفر بتمامها أمر اللاويين حاملي تابوت عهد الربّ قائلا خذوا هذا السفر واجعلوه إلى جانب عهد الربّ إلهكم في التابوت فيكون ثم عليكم شاهدا لأني أعلم تمردكم وقسوة قلوبكم. فإنكم وأنا في الحياة معكم اليوم قد تمردتم على الربّ فكيف بعد

موتي) . وهذه النصوص تفيد قطعا أن موسى كتب تبليغات الله ووصاياه وتعاليمه في كتاب اسمه التوراة وسلّمه للكهنة ليضعوه في تابوت العهد. وهو صندوق كان يحفظ فيه الآثار المقدسة ويوضع في قدس أقداس المعبد. وعهد الربّ المذكور آنفا في عبارة السفر يمكن أن يكون ألواح الحجارة التي كتب الله عليها بعض وصاياه. وقد وصفت في سفر الخروج بوصف (كلام العهد الكلمات العشر) فقد جاء في الإصحاح (24) من هذا السفر بعد العبارة التي أوردناها قبل هذه العبارة: (قال الربّ لموسى اصعد إلى الجبل وأقم هنا حتى أعطيك لوحي الحجارة والشريعة والوصية التي كتبتها لتعليمهم) . وفي الإصحاح (32) من السفر نفسه هذه العبارة: (ثم انثنى موسى ونزل من الجبل ولوحا الشهادة في يده. لوحان مكتوبان على جانبيهما. من هنا ومن هناك كانا مكتوبين. واللوحان هما صنعة الله والكتابة هي كتابة الله منقوشة على اللوحين) . ثم يذكر الإصحاح خبر غضب موسى حينما رأى العجل الذي صنعه بنو إسرائيل في غيابه ورميه اللوحين وكسرهما في أسفل الجبل. وفي الإصحاح (34) خبر أمر الله لموسى بأن ينحت لوحين كالأولين الذين كسرهما ففعل وصعد إلى الجبل وأقام عند الربّ أربعين يوما وأربعين ليلة لم يأكل خبزا ولم يشرب ماء فكتب على اللوحين كلام العهد الكلمات العشر ونزل وهما في يده. والمتبادر من العبارة أن موسى سلّم اللوحين إلى الكهنة من بني لاوى ليضعوهما في تابوت العهد وسلّمهم سفر التوراة ليضعوه إلى جانبهما في التابوت. ولقد ذكر في الإصحاح الثامن من سفر الملوك الأول- الثالث في الكاثوليكية- ما يفيد أن سفر التوراة قد فقد حيث ذكر أنه لم يكن في تابوت العهد الذي نقله سليمان من مدينة داود إلى المعبد الجديد الذي أنشأه إلّا اللوحان الحجريان. ومع ذلك فإن الإصحاح (22) من سفر الملوك الثاني- الرابع في الكاثوليكية- ذكر خبر العثور على سفر التوراة عليه في بيت الربّ أثناء ترميمه في زمن يوشيا ملك يهوذا فأثار ذلك بني إسرائيل وجعلهم يقيمون الاحتفالات والأفراح العظيمة. ولقد ذكر في الإصحاح الثامن من سفر نحميا الذي يؤرخ بعض أحداث حقبة بعد السبي وبعد عودة جماعة من المسبيين من بابل إلى أورشليم في

زمن الحكم الفارسي أي حوالي القرن الخامس قبل الميلاد أن الشعب العائد اجتمع في ساحة المعبد الذي أعادوا بناءه بعد تدميره من قبل نبوخذنصر وطلب من عزرا إحضار سفر توراة موسى فأحضره وأخذ يتلوه أمام الجماعة حيث يفيد هذا أن هذا السفر ظلّ متداولا في أيديهم إلى ما بعد السبي. وآيات سورة آل عمران [98] وسورة المائدة [43- 45 و 65 و 66 و 68] التي أوردناها قبل تسوغ القول إن هذا السفر ظلّ متداولا إلى زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم وأنه هو الذي كان يعنيه القرآن في الآيات. ولم يصل إلى عهدنا حيث يكون قد فقد أثناء ما كان يقع على اليهود من ضربات وتشريدات. ولقد قلنا قبل إن في أسفار الخروج والعدد والتثنية تبليغات ووصايا كثيرة متنوعة مبلغة من الله تعالى لموسى وإن سفر الأحبار قاصر على ذلك وإن كلها أو جلّها جاء بأسلوب الحكاية وبينها تباين وتناقض وزيادة ونقص وتكرار واختلاف في العبارات والأساليب. وفيها أقوال وأفعال منسوبة إلى الله ورسوله يتنزّهان عنها بحيث يمكن القول إن كتّابها قد استقوا ما كتبوه من مصادر متنوعة وإن كل واحد كتب ما كتبه مستقلا عن الآخر وفي ظرف وزمن غير الآخر وأنهم لم ينقلوا ما فيه من تبليغات الله من سفر التوراة مباشرة. وبحيث يمكن القول إن ما جاء فيها مما يجوز أن يكون من هذا السفر قد سجله كتّابها من روايات ومحفوظات أو مدونات شيبت بما ذكرناه من تباين وتناقض واختلاف وتحريف ولا يمكن والحالة هذه اعتبارها بديلة عن سفر توراة موسى المفقود فضلا عن إطلاق اسم التوراة عليها ويكون في هذا الإطلاق المتداول تجوّز كبير فضلا عن التجوّز الأكبر في إطلاق ذلك على مجموعة أسفار العهد القديم. ونستطرد إلى القول إن في القرآن قرائن عديدة تساعد على القول إن الأسفار الخمسة الأولى من أسفار العهد القديم وبعض الأسفار العائدة إلى تاريخ بني إسرائيل وأنبيائهم بعد موسى المتداولة اليوم كانت في أيدي اليهود في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى جانب سفر التوراة. ومن هذه القرائن التوافق أو التشابه بين ما ورد

في القرآن من قصص خلق آدم وحواء وخروجهما من الجنة وابني آدم ونوح وإبراهيم ولوط ويعقوب ويوسف وإخوته وبين ما ورد من ذلك في سفر التكوين وبين ما ورد في القرآن من قصص موسى وفرعون وسيرة بني إسرائيل في حياة موسى وبعض الشرائع الموسوية وبين ما ورد في أسفار الخروج والأحبار والعدد والتثنية. وبين ما ورد في القرآن من قصص أيوب ويونس وما ورد من ذلك في سفري أيوب ويونان وبين ما ورد في القرآن من قصص طالوت وجالوت وداود وسليمان وحروب بني إسرائيل مع جالوت وقومه وقصة الخصمين مع داود وملك سليمان وزيارة ملكة سبأ ورسالة النبي إلياس في صدد عبادة البعل والإشارة إلى تدمير دولتي اليهود وبين ما ورد من ذلك في أسفار صموئيل والملوك وأخبار الأيام. وليس ما يمنع أن تكون الأسفار الأخرى المتداولة اليوم مما كان في أيديهم بطبيعة الحال ويمكن القول بجزم إن مزامير داود كانت من جملة ذلك لأن القرآن قد ذكرها بوصفها الزبور. على أن هناك أشياء كثيرة وردت في القرآن من هذه القصص ولم ترد في الأسفار المتداولة ومنها ما ورد في القرآن والأسفار متغايرا في الجزئيات بل وفي الصور المهمة. فليس في سفر التكوين مثلا ما ورد في القرآن من أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم وعصيان إبليس والموسوس لآدم وحواء في السفر هو الحية في حين أنه في القرآن إبليس. وليس في السفر ما في القرآن من قصص إبراهيم مع قومه وتخريبه لأصنامهم وتظن في النجوم وحجاجه مع قومه ومحاولتهم إحراقه في النار وإسكان بعض ذريته عند بيت الله المحرّم أي مكة واشتراك إبراهيم وإسماعيل في بناء الكعبة وليس في السفر ما في القرآن من محاورة بين نوح وابنه الكافر وعدم ركوبه في السفينة وغرقه ومحاورة نوح مع الله تعالى في ذلك. وليس في السفر مما في القرآن من تمزيق امرأة العزيز قميص يوسف ولا كلام النسوة ودعوة امرأة العزيز إياهن وتقطيعهن أيديهن. وليس في أسفار الخروج والعدد والتثنية التي فيها قصص موسى وفرعون وبني إسرائيل بعد خروجهم من مصر وحياتهم في سيناء ما في القرآن من خبر سحرة فرعون والتقاف الثعبان لحبالهم وعصيهم وسجودهم وإيمانهم ومحاورتهم مع فرعون، ولا غرق فرعون

وجنوده حينما خرجوا لمطاردة بني إسرائيل. والقرآن يذكر أن الذي صنع العجل لبني إسرائيل هو السامري في حين أن سفر الخروج يذكر أنه هرون. وليس في هذه الأسفار ما ورد في القرآن من خبر أمر موسى قومه بذبح البقرة ومحاورته معهم ولا أمر الله لهم بدخول الباب سجدا وقولهم حطة ومخالفتهم لهذا الأمر ولا خبر عدوانهم في السبت ومسخهم قردة. وليس في الأسفار التي تذكر قصص داود وسليمان ما ورد في القرآن من تسخير الله الشجر والطير والحديد لداود وتسخير الريح والجن والطير لسليمان. ولا قصة الهدهد. ورسالة سليمان لملكة سبأ وإسلامها وإحضار عرشها بلمحة البصر من قبل الذي عنده علم من الكتاب. ويلمح بعض الفروق في جزئيات ما ورد في القرآن وما ورد في سفري يونان وأيوب أيضا. وفي القرآن إشارات عديدة إلى ما كان من تكذيب اليهود لأنبيائهم وقتلهم إياهم. وليس في الأسفار المتداولة شيء صريح بذلك. ونذكر هذه الأمثال من قبيل التمثيل لا الاستقصاء فهناك أمور كثيرة أخرى في صدد آدم وابنيه ونوح وإبراهيم ولوط ويوسف وإخوته وموسى وفرعون وبني إسرائيل وداود وسليمان وردت في القرآن ولم ترد في الأسفار أو وردت في القرآن مباينة قليلا أو كثيرا لما ورد في الأسفار. ونحن نعتقد أن ما ورد في القرآن ولم يرد في الأسفار المتداولة أو ورد فيها مباينا لما ورد فيه قد ورد في أسفار أخرى كانت متداولة بين أيدي اليهود لم تصل إلينا. وهذه ظاهرة تثبتها الأسفار المتداولة التي ورد فيها أسماء أسفار عديدة ليست بين الأسفار المتداولة. ففي الإصحاح (12) من أخبار الأيام الأول مثلا هذه الجملة: (وأمور رحبعام الأولى والأخيرة أما هي مكتوبة في أخبار شمعيا النبي وعدو الرائي) وفي الإصحاح العاشر من سفر يشوع هذه الجملة: (فدامت الشمس ووقف القمر حتى انتقم الشعب من أعدائه. أليس هذا مكتوبا في سفر ياشر) . وفي سفر الملوك الأول «1» هذه الجملة: (وأمور سليمان وكل ما صنع وحكمته أما هي في سفر أمور

_ (1) أو الثالث في النسخة الكاثوليكية.

سليمان) وفي الإصحاح التاسع من أخبار الأيام الثاني هذه الجملة: (وبقية أخبار سليمان الأولى والأخيرة مكتوبة في كلام ناثان النبي ونبوة أخيا الشيلوتي وزؤي عدو الرائي) وفي الإصحاح (27) من أخبار الأيام الأولى هذه الجملة: (ولم يدوّن العدد في سفر أخبار الأيام للملك داود) . فأسفار شمعيا وعدو وياشر وأمور سليمان وناثان وأخيا وأخبار الأيام للملك داود ليست بين الأسفار المتداولة اليوم. يضاف إلى هذا أنه كثيرا ما جاء في أسفار الملوك هذه الجملة: (وبقية أمور الملك فلان إما هي مكتوبة في سفر أخبار الأيام لملوك يهوذا أو لملوك إسرائيل) وليس بين الأسفار ما يحمل هذه العناوين وليس في أسفار أخبار الأيام المتداولة شيء مما أريد إرجاع الكلام إليه. والعبارة قد تفيد أنه كان لكل من ملوك إسرائيل ويهوذا- دولتي اليهود بعد سليمان- أسفار باسم أسفار ملوك إسرائيل وأسفار باسم أخبار الأيام لملوك إسرائيل وأسفار باسم أسفار ملوك يهوذا وأسفار باسم أخبار الأيام لملوك يهوذا. وفي كتاب ضخم كتبه الأستاذ الحداد بعنوان «دروس قرآنية» استعرض فيه جميع سور القرآن وفيه تنبيهات كثيرة إلى أن ما ورد في القرآن مما لم يرد في الأسفار المتداولة أو ورد فيه مباينا لما ورد فيها قد ورد في كتاب التلمود أو في أجزاء تفسير اليهود للتلمود والأسفار المعروفة باسم مدراش كما ورد في القرآن. ونعرف يقينا أن التلمود كتب بعد الميلاد المسيحي قبل زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم والكتب الأخرى منها ما كتب في هذه الحقبة ومنها ما كتب بعدها. وعلى كل حال فالمتبادر أن يكون كتابها قد استقوا ما أوردوه مما هو متطابق مع القرآن من أسفار وقراطيس قديمة لم تصل إلينا. ولقد كان القرآن يتلى علنا ويسمعه اليهود. ولم يرو أحد أنهم اعترضوا أو كذبوا ما ورد في القرآن مما لم يرد في الأسفار المتداولة اليوم التي كانت متداولة أو ورد فيها مباينا لما ورد في القرآن مما فيه قرينة أو دلالة على أنهم يسمعون أمورا متداولة بينهم، بل وفي القرآن شهادة لهم صراحة ولأهل الكتاب والعلم الذين هم من عدادهم بصحة القرآن وكونه منزلا من الله وفرحهم به وإيمان من استطاع أن يتفلّت من عقده ومآربه منهم كما جاء في هذه الآيات:

1- وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ [آل عمران: 199] . 2- لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ «1» وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً [النساء: 162] . 3- الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ [الأنعام: 20] . 4- أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [الأنعام: 114] . 5- الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [الأعراف: 157] . 6- وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ [الرعد: 36] . 7- قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (107) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً [الإسراء: 107- 109] . 8- الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) [القصص: 52- 53] . 9- وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [العنكبوت: 47] . وفي الآيات فضلا عن الدلالة التي أردناها دلالة على أن الكتّاب الذين منهم

_ (1) السلسلة في حقّ اليهود.

اليهود سمعوا من القرآن ما يتطابق مع عقائدهم وكونه يدعوهم إلى الإيمان به وبالرسول الذي أنزل عليه فاستجابوا وآمنوا ... ولقد تعرّض الأستاذ الحداد في كتبه بأساليب ومناسبات عديدة ومتنوعة بدءا من الكتاب الأول رقم (1) المعنون بعنوان «الإنجيل في القرآن» لمسألة التحريف والتبديل في التوراة «1» ليردّ بذلك على الذين يقولون إن اليهود حرّفوا وبدّلوا وأسقطوا وأخفوا وكتموا فيها استنادا إلى آيات قرآنية عديدة منها ما يلي: 1- أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: 75] . 2- فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة: 79] . 3- إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ [البقرة: 174] . 4- وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران: 78] . 5- مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ [النساء: 46] . 6- فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة: 13] .

_ (1) كلام الحداد شمل التوراة والإنجيل. وقد اقتصرنا في الكلام هنا على التوراة لأنها هي موضوع البحث في هذه النبذة.

7- يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [المائدة: 15] . 8- يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ [المائدة: 41] . 9- وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً [الأنعام: 91] . وقال كلاما طويلا خلاصته أن التوراة كلام الله والقرآن صريح بأن كلام الله لا يبدّل حيث جاء في سورة الأنعام هذه الجملة: وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ في الآية [34] وهذه الجملة وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ في الآية [115] وفي سورة الكهف هذه الآية: وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ في الآية [27] فيكون التبديل فيها مستحيلا بنصّ القرآن. وإن القرآن قد نوّه بالتوراة وبالذين يتلونها حقّ تلاوتها تنويها يدلّ على أنها كانت في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم كما أنزلها بدون تحريف وتبديل. وقد جاء هذا في آية سورة البقرة هذه الآية الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [121] وفي آيات سورة المائدة [42 و 43 و 66 و 68] التي أوردناها في مطلع البحث. ثم صرف كلمة التحريف المنسوب إلى اليهود إلى معنى تحويل وتأويل الآيات القرآنية بغير قصدها الصحيح. وتعليقا على ذلك نقول: 1- إن لِكَلِماتِ اللَّهِ التي في آيات الأنعام [34 و 115] والكهف [27] لا تعني كلام الله في الكتب الإلهية وإنما تعني تقدير الله وحكمه وقضاءه. وقد كنّا

نظن أن هذا لا يصحّ أن يغيب عن الأستاذ الحداد. 2- إن البشر هم الذين يكتبون ألفاظ كتب الله على الورق ويحفظونها في صدورهم. ولا يمكن أن يكابر عاقل في جواز وقوعهم في الخطأ حين يكتبونها على الورق ويقرؤونها من حفظهم فيبدلوا ويغيروا فيها سواء أكان ذلك بقصد أم بغير قصد. وهذا ما يقع لكل الناس في كل وقت من مسلمين ونصارى ويهود. وقد وقع لنا على كثرة ما قرأنا القرآن وكتبناه. ولا بد من أنه وقع للأستاذ حداد. وكنا نظن أن هذا لا يفوته. ولا يخلّ هذا في حقيقة بقاء كلام الله المنزل على رسله في كتبه محتفظا بصحته حكما ولو أخطأ الناس في كتابة ألفاظه على الورق وتلاوته من ذاكرتهم وبدّلوا أو غيروا فيها. 3- إن كلمة التحريف في أصلها تعني تغيير وتبديل الحروف والألفاظ. ومع ذلك فمن الممكن التسليم بصواب القول إنها قد تكون في معنى صرف الكلام وتأويله بغير المقصد الحق الصحيح. غير أن هذا ليس ذا جدوى في الصدد الذي يساق فيه بعد الواقع المشروح في الفقرة السابقة التي لا يمكن أن يكابر فيه عاقل والذي يسوغ التقرير حتما بأن كلمات التوراة يمكن أن يخطئ كاتبوها حينما يكتبونها على الورق وقراؤها حينما يتلونها من ذاكرتهم فيغيّروا ويبدّلوا. 4- ولقد استدللنا في ما سبق بالآيات القرآنية على أن التوراة التي احتوت ما بلّغه الله لموسى من وصايا وتشريعات كانت موجودة في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم. وقد نوّه بها القرآن ووصفها بأن فيها نورا وهدى. وطالب بالاحتكام إليها وطالب اليهود بإقامتها والتزام ما فيها. ونوّه بالذين يتلونها حقّ تلاوتها حيث يمكن أن يفيد ذلك أنها كانت كما أنزلها الله بدون تحريف وتبديل. ونحن في هذا متفقون مع الأستاذ الحداد الذي يذكره في معرض التدليل. غير أن هذا ليس من شأنه أن يمنع أن يكون اليهود في زمن النبي وقبله وبعده كانوا حينما ينسخونها من الأصل وحين يتلونها من ذاكرتهم يخطئون في كلمات كثيرة أو ينسونها أو يخفونها أو يكتمونها. على أن هذه التوراة هي مفقودة. فيكون الكلام في أمرها في صدد شيء لم

يعد موجودا مهما كان من أمر. ولم يعد إثبات صحتها بالتالي وعدم تحريفها وتبديلها موضوع نظر وجدل. 5- ومن الحق أن ننبّه على أن هذا لا ينقض ما قلناه قبل من احتمال تغيير وتبديل وتناقض وتباين وسقوط وإهمال في ما هو وارد في أسفار الخروج والأحبار والعدد وتثنية الاشتراع من حكاية تبليغات الله ووصاياه لموسى عليه السلام على ما شرحناه قبل. ولقد تساءل الأستاذ عمّا إذا كان هناك تحريف وتبديل في الكتاب المقدّس. وهذا الاصطلاح يطلق على مجموعة أسفار العهد القديم. ومجموعة أسفار العهد الجديد معا المتداولتين بين الأيدي اليوم وهو إطلاق مستحدث وحاول أن يسحب ما قاله من استحالة التحريف والتبديل في التوراة التي كانت موجودة في زمن النبي على الكتاب المقدس الذي منه مجموعة أسفار العهد القديم أيضا وكرر ما قاله بسبيل إثبات عدم تحريف التوراة في صدد ذلك. وكلامه يفيد أنه يقصد الأسفار المتداولة. وقد زاد على ذلك قوله- وهذا يؤيد هذا القصد- إن هذه الأسفار كانت مكتوبة على رقوق قديمة قبل النبي صلّى الله عليه وسلّم بمدة طويلة. وأنها قد طبعت نقلا عن هذه الرقوق طبقا لأصلها فلا يمكن أن يكون قد طرأ عليها تبديل أو تحريف أو تحوير أو زيادة أو نقص في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم وقبله وبعده. وجميع نسخها التي وصلت إلينا متماثلة وهذا مما يدعم ذلك. وهذا الكلام ليس من شأنه أن ينفي أن في الرقوق الأصلية ما نبهنا على ما في المتداول من نسخها الآن من مباينات ومناقضات ومبالغات ومفارقات وخيالات. وليس من شأنه أن يمنع أن يكون كتّابها الأوّلون كتبوها على ما فيها من كل ذلك. وليس من شأنه أن يمنع أن يكون هناك قراطيس وكتب لم تصل إلينا- وهو ما يقوم الدليل عليه من نصوص الأسفار على ما مرّ شرحه- بينها وبين هذه الرقوق تباين وتغاير. وليس من شأنه أن يمنع أنه كانت نسخ عديدة للرقوق بينها تباين وتغاير فتدوولت جميعها على ما فيها من ذلك ثم ضاع بعضها أو انطمر أو أبيد قصدا فظلّ

ما وصل إلينا منها إلى زمن الطباعة فطبع طبقا للأصل الذي وصل إلينا مكتوبا على رقوقه القديمة على علّاته وثغراته. وتداول نسخ عديدة لكتاب واحد في زمن الخط قبل الطباعة ووقوع أخطاء من النسّاخ طفيفة وكبيرة وسقوط أقسام منها وضياعه أمر عادي طبيعي. والأمثلة لا تحصى من ذلك في المخطوطات العربية وغير العربية. ولقد عثر أخيرا على مخطوطات قديمة في أحد كهوف منطقة البحر الميت فيها بعض فصول من سفر أشعيا قال الخبراء الذين قارنوها مع فصول السفر المتداول المطبوع إن بينها فروقا كثيرة. وكل ما يثبته قول الأستاذ هو أن الأسفار المتداولة أقدم من زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم بمدة طويلة وأنها كانت مكتوبة على رقوق وأنها طبعت نقلا عنها دون تحريف لذلك الأصل. وهذا ليس موضوع الجدل. ويتبادر لنا أن آيات البقرة [75 و 78] وآل عمران [78] والنساء [45] والمائدة [14 و 15] والأنعام [91] التي أوردناها قبل قليل ثم هذه الآيات: 1- إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ «1» [البقرة: 159] . 2- إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (174) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ «2» [البقرة: 174- 176] . 3- كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ

_ (1) الآيات بعد سياق طويل عن اليهود. (2) انظر الهامش السابق.

يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة: 213] . 4- تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ [البقرة: 253] . 5- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً [النساء: 49- 50] . 6- وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [يونس: 93] . 7- وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ [هود: 110] . 8- يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [المؤمنون: 51- 53] . 9- إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [النمل: 76- 77] . 10- شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ [الشورى: 13- 14] . نقول إن هذه الآيات جميعها تعكس ما كان في نصوص الأسفار التي كان

اليهود يتداولونها من تباين وتناقض وما دخل عليها من تحريف وما كان بينهم نتيجة لذلك من اختلاف في التأويل وتشادّ وشكوك وتعدّد مذاهب وتنازع يصل إلى حدّ القتال. وما كان من تلاعبهم فيها بحيث يخفون ما يشاؤون ويظهرون ما يشاؤون وينكرون ما يشاؤون وفقا لأهوائهم. ويحاولون تقديمها بصفتها كتب الله ولم تكن كذلك. ولا يمكن إلّا أن تكون هذه الآيات صورة صادقة عيانية لما كان عليه أمر الأسفار التي كان يتداولها اليهود. ويؤول الأستاذ الحداد عبارات التحريف في الآيات القرآنية بمعنى صرف نصوص الكتاب عن مقصدها الحق الصحيح وليس بمعنى تغيير وتبديل ألفاظها. والكلمة في أصلها بمعنى تغيير وتبديل الحروف والألفاظ. ومع ذلك فإن وصف اليهود بها بالمعنى الذي يؤوله يعني فيما يعنيه أنهم كانوا يكابرون في فهم النصوص ويحاولون تأويلها تأويلا ليس فيه حق وصواب. وقد يصحّ أن يقال إنهم كانوا يدونون هذه التأويلات المنحرفة في قراطيس وأسفار ويتداولونها. ومع ذلك ففي الآيات الأخرى صراحة كافية فقد كانوا على ما تفيده مختلفين في النصوص وفيما بين أيديهم من أسفار وكانوا في شك كبير منها وكانوا يخفون منها ما يشاؤون ويبدون ما يشاؤون ويكتمون ما يشاؤون وفق أهوائهم. وآيات سورتي البقرة [79] وآل عمران [78] جديرة بلفت النظر حيث ينطوي فيها صورة واقعية عيانية في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما كانوا يقدمونه من كتب مكتوبة بأقلامهم على أنها كتب الله كذبا وخداعا. وهو ما ينطبق على معظم الأسفار المتداولة اليوم بما فيها من علّات وثغرات. ومن طرائف الأستاذ الحداد وصفه كتّاب الأسفار المتداولة بكتّاب الوحي! والمتبادر أنه اقتبس هذا من تاريخ الوحي النبوي المحمدي الذي يذكر أنه كان للنبي صلّى الله عليه وسلّم كتّاب وحي يكتبون ما يوحى إليه من قرآن فور نزوله. وفي الاقتباس مفارقة عجيبة ومقارنة متهافتة، فكتّاب الأسفار الخمسة الأولى كتبوها بعد موسى عليه السلام بمدة طويلة. وليست من إملائه وكتاب الأسفار الأخرى كتبوا معظمها بل كلها بعد الأحداث التي تضمنتها والأشخاص المنسوبة إليهم بمدة ما كذلك.

تعليق على الألواح التي ذكرت في الآية [145] من السلسلة

وقد سجلوها من محفوظات الناس ومسموعاتهم وربما من قراطيس أخرى وصلت إليهم ولم تصل إلينا وشيبت بالمفارقات والخيالات والمتناقضات والاختلافات فكيف يصحّ لعاقل أن يصفهم بأنهم كتّاب الوحي قياسا على كتّاب وحي النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم. تعليق على الألواح التي ذكرت في الآية [145] من السلسلة إن الآية ذكرت الألواح بصيغة الجمع وذكرت أن الله تعالى كتب لموسى فيها من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء. ولقد ذكرنا قبل أن سفر الخروج ذكر الألواح بأنها لوحان من حجر كتب عليهما عهد الربّ الكلمات العشر وأن الكتابة بإصبع الله وعلى وجهي اللوحين. وليس في الأسفار تحديد لعهد الربّ الكلمات العشر المكتوبة على الألواح وإنما فيها حكاية أوامر ونواه ربانية اشتهرت بأنها الوصايا العشر أو الكلمات العشر. جاءت مقتضبة نوعا ما في سفري الخروج وتثنية الاشتراع ومسهبة في سفر الأحبار. وهي بالإيجاز: 1- عدم اتخاذ آلهة غير الله. 2- عدم صنع تمثال للربّ والسجود له. 3- عدم الحلف بالله كذبا. 4- حفظ يوم السبت. 5- إكرام الوالدين. 6- لا تقتل. 7- لا تزن. 8- لا تسرق. 9- لا تشهد الزور على قريبك. 10- لا تشته شيئا مما لقريبك. وقد يكون هذا أضيق مما احتوته الآية مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا

لِكُلِّ شَيْءٍ فضلا عن ما هناك من فرق بين (الألواح) في الآية و (اللوحين) في الأسفار. وفضلا عن تنزّه الله تعالى عن حصره النهي عن شهادة الزور واشتهاء ما للغير بالقريب. ومهما يكن من أمر فإن الآيات التي فيها إشارة إلى التوراة والكتاب الذي آتاه الله موسى والتي فيها ما يفيد أن التوراة كانت قراطيس عديدة والتي أوردناها قبل يمكن أن تلهم بقوّة أن الألواح هي غير التوراة والله تعالى أعلم. وفي كتب التفسير روايات وأقوال متنوعة في صدد الألواح. فبالنسبة للعدد تراوحت الأقوال والروايات بين اثنين إلى عشرة. ومما روي أنها كانت ستة فلما ألقاها موسى حين غضبه على قومه رفع منها اثنان وبقي أربعة. وبالنسبة للنوع روي أنها خشب من سدر الجنة كما روي أنها من زبرجدة خضراء أو من ياقوتة حمراء أو من زمرد أو من حجر. وبالنسبة لحجمها روي أن طولها عشرة أذرع أو اثني عشر ذراعا، وبعضهم قال إنها التوراة نفسها ثم قال إنها كانت وقر سبعين بعيرا وأن الجزء منها كان يقرأ في سنة. وإنه لم يقرأها جميعها إلّا أربعة نفر وهم موسى ويوشع والعزير وعيسى عليهم السلام وليس شيء من ذلك واردا في كتب الأحاديث الصحيحة. والتوقف إزاءه أولى. وفي كتابي تفسير ابن كثير والبغوي حديث يرويه ابن كثير عن قتادة ويرويه البغوي عن كعب الأحبار. فيه حكاية عن مناجاة بين موسى وربّه يقول الأول ربّ إني أجد في الألواح أمّة خير أمة، أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله وبالكتاب الأول وبالكتاب الآخر ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال. ربّ اجعلهم أمتي قال هي أمة محمد يا موسى. فقال ربّ إني أجد أمة هم الحمادون لله على كل حال رعاة الشمس المحكمون إذا أرادوا أمرا قالوا نفعل إن شاء الله فاجعلهم أمتي قال هي أمة محمد. فقال رب إني أجد أمة يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم وكان الأولون يحرقون صدقاتهم بالنار وهم المستجيبون والمستجاب لهم الشافعون المشفوع لهم فاجعلهم أمتي. ويستمر

الحوار في بضع صفات محببة أخرى حتى يقول يا ليتني من أصحاب محمد وفي صيغة ابن كثير حتى ينبذ الألواح ويقول اللهم اجعلني من أمة محمد. والتوقف إزاء هذا الحديث هو الأولى كذلك. وبالنسبة للإنجيل نقول: 1- إن الكلمة يونانية معرّبة ومعناها البشارة «1» . والمتبادر أن التعريب والاستعمال للدلالة على كتاب النصارى المقدّس كانا سابقين لنزول القرآن. 2- إن الإنجيل ذكر في القرآن عشر مرات جميعها في سور مدنية. وقد جاء ذكره مقرونا بعيسى عليه السلام في بعضها. وفي الآيات التي ذكر فيها مقرونا باسمه صراحة بأن الله تعالى آتاه إياه وعلّمه إياه كما ترى في الآيات التالية: أ- وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ [آل عمران: 48- 49] . ب- وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [المائدة: 46] . ت- إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ [المائدة: 110] .

_ (1) بعض المفسرين ومنهم الطبري يحاول إرجاع الكلمة إلى جذر عربي هو نجل بمعنى الابن أو الفرع بحجة أن الإنجيل فرع عن التوراة وأنه وسع على بني إسرائيل ما كان مضيّقا عليهم. وقد قال الزمخشري إن إرجاعها إلى جذر عربي تكلّف وإنها كلمة أعجمية وهو الصواب. [.....]

وفي سورة آل عمران آيات ذكر فيها أن الإنجيل أنزل ولم يذكر اسم عيسى معه وهي: أ- نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ [3- 4] . ب- يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [65] . وفي سورة المائدة نسب الإنجيل إلى أهله كما ترى في الآيات التالية: أ- وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [47] . ب- وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [65- 66] . ج- قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [68] . وفي سورة مريم ذكر الْكِتابَ [30] الذي آتاه الله عيسى كما ترى في ما يلي: قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا [30] . ومقتضى هذه النصوص أن الإنجيل كتاب واحد أو قراطيس لكتاب واحد أنزله الله أو أوحى به أو علّمه وآتاه لنبيه عيسى عليه السلام فيه تبليغات وأحكام ووصايا ربانية. هذا في حين أن النصارى اليوم يعترفون ويتداولون أربعة أناجيل هي أناجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا. ويسمون المجلد الذي يضمها أربع عشرة رسالة من القديس بولس ورسائل من القديسين يعقوب وبطرس ويوحنا ويهوذا مع

اختلاف في عددها عند الكاثوليك والبروتستانت ورسالة فيها رؤيا القديس يوحنا باسم العهد الجديد. مع اعترافهم بأسفار العهد القديم على اختلاف في بعضها عند الكاثوليك والبروتستانت وضمهم إياها مع العهد الجديد باسم جامع هو (الكتاب المقدّس) . والأناجيل الأربعة صريحة بأنها كتبت بعد عيسى واحتوت قصة حياته ورسالته وتعاليمه ومعجزاته ونهايته في الدنيا، وقد كتبت بعد وفاة عيسى ورفعه بمدة ما وفي خلال القرن الأول بعد ميلاده. وهناك من يؤرخ عام 37 بعد الميلاد لكتابة أوّلها وعام 98 لكتابة رابعها. ويلمح فرق بينها وبين ما يسمى (التوراة) فليس هناك سفر بين أسفار العهد القديم المتداولة اسمه التوراة في حين أن اسم الإنجيل هو المطلق المتداول. وفي بعض الأناجيل ذكر نصا. وبحثنا يتناول هذا الاسم مباشرة دون سائر أسفار العهد الجديد الأخرى لأنه هو المذكور في القرآن والموجود في الواقع. ولذلك سوف نقتصر عليه. وبين الأناجيل الأربعة تطابق في كثير من أقوال عيسى وتعاليمه وسيرة حياته ومعجزاته مع اختلاف في الصيغة والأساليب والعبارات. وفي بعضها من هذه الأقوال والتعاليم والسيرة والمعجزات ما ليس في البعض الآخر. وفي بعضها مباينات وتناقضات أيضا مع ما في بعضها الآخر. حيث يبدو من هذا أن كتّابها سجلوا ما كتبوه عن مصادر مختلفة ومن الروايات والمسموعات والمحفوظات التي يقع عادة فيها مباينات ومناقضات وزيادة ونقص. وليس فيها أية دلالة على أن شيئا مما فيها من إملاء عيسى عليه السلام أو أنه كتب في حياته وعلمه. وهناك روايات تذكر أن عدد الأناجيل كثير ويتراوح بين العشرين والسبعين. ويؤيد هذه الكثرة جملة وردت في بدء إنجيل لوقا تفيد أن كثيرين كتبوا قصة عيسى. ومن الأناجيل التي رأيناها غير الأربعة إنجيل برنابا. ومن الأناجيل التي قرأنا خبرها أناجيل الطفولة والولادة والأم.

والنصارى يقولون عن غير الأناجيل الأربعة منحولة ودخيلة ومزوّرة. والذي قرأناه من أقوالهم عن إنجيل برنابا أنه مزوّر في زمن الإسلام. ولم نطلع على أقوالهم عن زمن الأناجيل الأخرى التي يصفونها بتلك الأوصاف. وفي القرآن عن عيسى أمور ليست واردة في الأناجيل الأربعة على ما سوف نشرحه بعد نعتقد أنها كانت واردة في أناجيل أخرى حيث يمكن القول إن من تلك الأناجيل ما كتب قبل الإسلام. ولقد قرأنا في بعض كتب الأستاذ الحداد أن من جملة الأناجيل المنحولة إنجيل آخر لمتّى فيه مباينات كثيرة لإنجيله المعترف به حيث يبدو أنه كان للأناجيل المعترف بها أيضا نسخ عديدة فيها مباينات لنسخ أخرى منها وبخاصة للمعترف بها التي استقرّت العقائد والمسلّمات النصرانية العامة عليها. ومن المحتمل أن يكون للأناجيل الأخرى مثل ذلك. وواضح من كل ما تقدم أن الأناجيل الأربعة المعترف بها لا يمكن أن يصدق عليها تسمية الإنجيل القرآنية والوصف الذي وصف القرآن الإنجيل به. على أن آيات سورة المائدة [46 و 47 و 65 و 67] قد تفيد أن الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى وآتاه وعلمه إيّاه وفيه أحكامه وتعاليمه ووصاياه كان موجودا في أيدي النصارى حين نزول القرآن. وما دام أنه لا يوجد الآن إنجيل يصدق عليه وصف القرآن فلا مناص من الاعتقاد بأنه فقد في ظرف ما. ولقد يكون في الأناجيل المتداولة المعترف بها أشياء مما تلقاه عيسى من ربّه أو احتواه الإنجيل الذي أنزل عليه وآتاه إياه وعلّمه إياه. غير أنها لا يمكن أن تكون من وجهة نظر القرآن والمنطق والواقع بديلة عنه لأن فيها ما لا يمكن أن يكون من ذلك الإنجيل المنزل. ومن ذلك على سبيل المثال سيرة عيسى عليه السلام منذ ولادته إلى نهايته. وليس فيها إلى ذلك أشياء كثيرة وردت في القرآن ويقتضي أن تكون في ذلك الإنجيل. ومن ذلك على سبيل المثال عدم ورود أوصاف محمد صلّى الله عليه وسلّم بصراحة قاطعة في أي منها وهو ما ذكره القرآن في آية سورة الأعراف هذه: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ

وَالْإِنْجِيلِ [157] . ومن ذلك ما ذكر في القرآن بصراحة قاطعة من أن عيسى عبد الله ونبي من أنبيائه وأنه جاء مبشّرا برسول من بعده اسمه أحمد كما جاء في هذه الآيات: 1- لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ [المائدة: 72] . 2- قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (32) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [مريم: 30- 33] . 3- وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ [الزخرف: 63- 64] . 4- وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ [الصف: 6] . وقد يكون في الأناجيل المتداولة عبارات يمكن تأويلها بما يتفق مع هذه التقريرات القرآنية. غير أنها ليست صريحة صراحة قاطعة. والنصارى يؤولونها تأويلا يجعلها لا تتفق مع هذه التقريرات. وفي القرآن قرائن تدلّ على أن الأناجيل المتداولة اليوم والمعترف بها كانت موجودة في أيدي النصارى بالإضافة إلى الإنجيل المنزل من الله على عيسى والذي آتاه وعلّمه إياه. ومن ذلك قصة بشارة زكريا ومريم بيحيى وعيسى التي وردت في إنجيل لوقا دون غيره والمطابقة لما ورد من ذلك في سورتي آل عمران ومريم مطابقة تكاد تكون تامة. ومن ذلك معجزات إحياء الموتى وشفاء العمي والبرص الواردة في الأناجيل جميعها والمذكورة في سورتي آل عمران والمائدة واستجابة

الحواريين لدعوته المذكورة في سور آل عمران والمائدة والصف. ومن ذلك عشرات الآيات الواردة في أناجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا التي تحكي أقوالا عن لسان عيسى متطابقة إجمالا وصراحة حينا وضمنا حينا مع ما حكته عن لسان آيات عديدة مكية ومدنية برغم ما يحاول النصارى صرفها عن معانيها المتطابقة مع روح الآيات القرآنية وتأويلها بما يتطابق مع عقائدهم ومسلّماتهم المستقرّة نتيجة لقرارات المجامع المقدّسة التي أخذت تنعقد من حين لآخر منذ أواسط القرن الرابع بعد الميلاد والتي كانت تنعقد بالدرجة الأولى لبحث الاختلاف في تأويل الأناجيل في شخصية عيسى الذي كان ينجح بين علمائهم. وفي القرآن تقريرات وأقوال عديدة عن عيسى وحياته ومعجزاته ليست واردة في الأناجيل المتداولة المعترف بها كما قلنا قبل. وبعضها وارد في إنجيل برنابا الذي يقول النصارى إنه مزوّر. فإذا سلمنا جدلا بزعمهم هذا تبقى تلك التقريرات والأقوال واردة لأنها وردت في القرآن الذي لا يمكن لأحد أن يزعم أنه لم يبلغ من النبي ولم يكن معروفا في عهده. ومن ذلك طلب الحواريين من عيسى أن يلتمس من الله إنزال مائدة من السماء والمحاورة التي جرت بينه وبينهم وحكتها آيات سورة المائدة [114 و 115] ومن ذلك كيفية إلجاء المخاض مريم إلى جذع النخلة وما كان من شكواها ومخاطبة وليدها من تحتها لها وتطمينه وقوله إذا رأت أحدا أن تقول لهم إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا. ومخاطبة قومها لها متعجبين من ولادتها بدون زوج ومخاطبة عيسى لهم بأنه عبد الله آتاه الكتاب وجعله نبيا في آيات سورة مريم [23- 33] ومن ذلك ما حكي عن لسانه بأنه مبشّر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد في آية سورة الصف [6] وما حكي عن لسانه من التنديد بكل من يشرك مع الله غيره في عبادة، ودعوته لبني إسرائيل إلى عبادة الله وحده ربه وربهم في سياق إعلان كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم في آية سورة المائدة [71] ثم في آية سورة الزخرف [64] ومن ذلك نفي القرآن لقتل اليهود لعيسى وصلبه وما قرره من شكّ واختلاف في الأمرين الناس

والنصارى في آيات سورة النساء [156 و 157] «1» . ومن ذلك ما ذكر في آية سورة الأعراف [157] من أن النصارى كانوا يجدون في الإنجيل صفات النبي محمد الرسول الأمي. وفي سورة آل عمران آيات تذكر نذر أم مريم لما في بطنها لله وتكفّل زكريا لمريم بعد ولادتها نتيجة لعملية قرعة بين المختصمين عليها عبّر عنها بإلقاء الأقلام وما كان زكريا يجده عندها من رزق وسؤاله وجوابها وهي الآيات [35- 44] . فهذه الآيات كانت تتلى جهرة على الناس ويسمعها النصارى وقد آمن فريق منهم بالنبي والقرآن وفرحوا به واعترفوا أنه الحق واتّبعوه كما جاء في آيات عديدة من القرآن. منها ما ذكر فيه النصارى صراحة ومنها ما ذكر فيه أهل الكتاب والعلم الذين يدخل فيهم النصارى كما ترى في الآيات التالية: 1- وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ [آل عمران: 199] . 2- وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذا سَمِعُوا ما

_ (1) رأينا الأستاذ الحداد يحاول تأويل الآيات بما يتفق مع العقائد النصرانية وما جاء في الأناجيل المتداولة من تثبيت الصلب حيث يقول ما خلاصته إن الآيات إنما تنفي كون اليهود قتلوه بمعنى أعدموا وجوده بالمرّة وإن هذا ما تخيلوه وشبّه لهم في حين أنهم لم يقتلوه بذلك المعنى يقينا. ونحن نرى هذا غير سليم والآية هي في صدد توكيد نفي القتل والصلب الفعليين. ونرى أن الجملة وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ في الآية [النساء: 157] تفيد أن هذا الأمر كان مشكوكا فيه بين طوائف من الناس وأن ما يقولون من قتله وصلبه هو من قبيل الظن. ونعتقد أن هذا الاختلاف كان واردا في بعض الأناجيل التي أبيدت لأنها لم تعد منسجمة مع المسلمات والعقائد النصرانية المستقرّة نتيجة لاجتماعات وقرارات المجامع المقدّسة.

أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: 82- 85] . 3- الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [الأنعام: 20] . 4- أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [الأنعام: 114] . 5- الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: 157] . 6- وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ [الرعد: 36] . 7- قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (107) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا «1» (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً [الإسراء: 107- 109] . ونعتقد أن تلك التقريرات التي احتوتها آيات المائدة [71 و 112- 115] والنساء [156 و 157] والأعراف [157] ومريم [23- 33] والزخرف [64]

_ (1) يتبادر لنا أن هذه الجملة بسبيل تقرير أهل العلم بأن الله قد وفى بوعده فأرسل محمدا الذي يجدونه مكتوبا عندهم والذي بشرّهم به عيسى وأنزل عليه القرآن فكان منهم هذا الموقف الرائع الإيماني الخشوعي حينما كانوا يسمعونه.

والصف [6] قد وردت في أناجيل أخرى كانت متداولة في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم فأهملت وفقدت أو أبيدت لأن فيها ما هو متطابق مع التقريرات القرآنية بصراحة قطعية لا تتحمل التأويل فلم تصل إلينا برغم وصف النصارى لغير الأناجيل الأربعة التي يعترفون بها بأنها دخيلة أو متحوّلة أو مزوّرة. ولقد ورد في آخر إنجيل يوحنا رابع الأناجيل المعترف بها هذه العبارة: (وأشياء أخر كثيرة صنعها يسوع لو أنها كتبت واحدة فواحدة لما ظننت أن العالم نفسه يسع الصحف المكتوبة) التي تفيد أنه فات كاتب هذا الإنجيل أشياء كثيرة جدا من أقوال وأحداث ومعجزات وتبليغات عيسى عليه السلام. وليس ما يمنع أن يكون من هذه الأشياء ما هو مدوّن في أناجيل وقراطيس أخرى فقدت أو أبيدت. والمتبادر أن النصارى رأوا أن يستقروا على الأناجيل الأربعة لأنهم رأوها الأكثر انسجاما مع المسلّمات والعقائد التي استقرّوا عليها نتيجة للمجامع المقدسة ويهملوا ويبيدوا ما استطاعوا مما يصفونه بالدخيل والمتحول والمزوّر وما كان فيه مطابقة لما جاء صراحة في القرآن عن عبودية عيسى لله وكونه نبيا من أنبيائه وكونه إنّما دعا إلى الله ربّه وربّ الناس، وعن تبشيره من بعده برسول اسمه أحمد وعن صفات هذا الرسول الصريحة. ولقد طبّق الأستاذ الحداد ما قاله وأوردناه في سياق بحث التوراة من كون التوراة كلام الله ويستحيل تبديلها بنصّ القرآن على الإنجيل المنزل على عيسى الذي كان موجودا في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم. ولقد قلنا قبل إن آيات المائدة [46 و 47 و 65 و 67] قد تفيد حقا إن هذا الإنجيل كان موجودا. ولقد علقنا على قوله تعليقا فيه الكفاية في سياق ذلك البحث فلا نرى ضرورة لإعادته وما قلناه هناك يرد هنا بتمامه. ولقد طبّق قوله الذي أوردناه في سياق البحث السابق وهو أن كتّاب الأسفار هم كتّاب وحي الله على كتاب الأناجيل الأربعة. كما طبق قوله إن الأسفار كانت مكتوبة على رقوق قديمة قبل النبي وأن المطبوع المتداول اليوم هو طبقا لهذه

الرقوق بدون تغيير وتبديل وعدم احتمال ذلك على الأناجيل الأربعة أيضا. وما علقنا به على هذه الأقوال في البحث السابق يرد هنا بتمامه كذلك فلا حاجة للإعادة. وفي سورة المائدة بالنسبة للنصارى بالإضافة إلى ما بين الأناجيل المتداولة ونصوص القرآن من مباينات متنوعة آية تفيد أنهم لم يحافظوا على كل ما ذكرهم الله به أو نزل إليهم وهي هذه: وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ [14] . وفي سورتي مريم والزخرف هذه الآيات التي جاءت في سياق الكلام عن رسالة عيسى عليه السلام والتي تذكر ما كان من اختلاف الناس وأحزابهم فيها مما يمكن أن يكون مرجعه اختلاف المصادر والنصوص التي سجّلها الكتّاب عن سيرة عيسى ورسالته من بعده: 1- قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (32) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (36) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37) «1» [30- 37] .

_ (1) قال الحداد عن هذه الآيات إنها مقحمة على السياق لأنها مخالفة للقافية. وهذا ليس سببا صحيحا لأن مثل هذا وارد في سور أخرى. ومع ذلك فلو فرضنا أنها نزلت منفصلة ثم وضعت في مكانها للمناسبة فإنما يكون ذلك بأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم وليس فيه تغيير وإخلال للموضوع والمقصد. وإذا كان قصده من كلمة مقحمة هو أنها مزيدة لأنه يزعم مثل هذا في شأن آيات أخرى فإن نصّ آيات الزخرف التالية مطابقة لها وتقرر ما تقرّره. وهذا فضلا عن أن هناك آيات عديدة تقرر ما تقرره مثل آيات سورة آل عمران هذه: ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) ومثل آية المائدة هذه: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ [72] وبهذا تسقط الحجة والزعم الزائفان.

2- وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ (59) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (62) وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (64) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ [الزخرف: 57- 65] . وفي سور البقرة والمائدة والمؤمنون والشورى آيات تشير إلى اختلاف أهل الكتاب ومنازعاتهم إلى حد القتال وتفرقهم وتعدّد مذاهبهم وإخفائهم كثيرا مما في أيديهم من الكتاب. وتشمل النصارى بطبيعة الحال وهي هذه: 1- كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) البقرة [213] . 2- تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (253) البقرة [253] . 3- يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا

كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة: 15- 16] . 4- يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [المؤمنون: 51- 53] «1» . 5- شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ [الشورى: 13- 14] . فهذه الآيات تعكس من دون شكّ كما هو المتبادر ما كان في نصوص الأناجيل التي كتبها البشر سواء منها التي يعترف بها النصارى وحدها اليوم أم جميعها مما كان موجودا في زمن النبي وضاع أو أبيد من تباين وتناقض واختلاف وما كان بينهم من اختلاف وتشاد وشكوك وتعدّد مذاهب وعقائد وأحزاب وقتال نتيجة لذلك وما كان من إخفائهم كثيرا من قراطيس الكتاب المنزل من الله. ولا يمكن أن تكون هذه الآيات إلّا صورة صادقة لما كان عليه أمر النصارى والأناجيل

_ (1) يزعم الحداد أن الآيات في صدد أحزاب المشركين والكلام فيها عائد لما بعدها. ومطلعها ينقض هذا الزعم فضلا عن أنها جاءت بعد ذكر نوح وهود وموسى وابن مريم وأمه ورسل آخرين أرسلوا تترى إلى أقوامهم (اقرأ الآيات 23- 50) حيث تفيد الآيات أن فيها إشارة إلى ما كان من تفرّق الناس بعد أولئك الرسل إلى أحزاب وهذا يصدق على أهل الكتاب كما يصدق على غيرهم بطبيعة الحال.

التي كانوا يتداولونها سواء منها التي وصلت إليها أم التي فقدت أو أبيدت. واختلاف النصارى منذ القرون الأولى للنصرانية واستمرار ذلك وتعدّد مذاهبهم وتنوّع عقائدهم وما كان من تناحر وقتال بينهم نتيجة لذلك من الحقائق التاريخية التي لا تزال مستمرة والتي لا يمكن لأحد أن يكابر فيها. ولقد قرأنا في ملحق جريدة «النهار» البيروتية المؤرخ في 1/ 1/ 1965، بحثا بتوقيع الأب يوسف دره ينطوي على زعم طريف. وقرأنا تفصيلا أوسع لهذا الزعم في الكتاب رقم (2) (الكتاب والقرآن) من كتب الحداد «1» وهو خاص بالأناجيل، وفاقع الطرافة جدا. وفيه من المفارقة أشدّ مما في اقتباس اصطلاح (كتاب الوحي) وإطلاقه على كتّاب الأسفار والأناجيل. فقد أورد الحداد بعض الأحاديث المرويّة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم التي فيها أن القرآن أنزل على سبعة أحرف. وأورد أقوال المفسرين وعلماء القرآن الكثيرة التي لا يستند كثير منها بل أكثرها إلى أسناد وثيقة متصلة بالنبي صلّى الله عليه وسلّم أو علماء أصحابه وتابعيهم ولا تعدو أن تكون من باب الاجتهاد والتي من جملتها أن المسلمين اختلفوا في كتابة المصحف في زمن عثمان ثم اتفقوا على كتابته على حرف واحد وإهمال ما عداه فيمسك بهذا القول على غموضه وترك الأقوال الموضحة له ثم حمله ما لم يحمله وقال لا فضّ فوه إنهم بذلك أضاعوا علينا معرفة ما كان في الحروف الأخرى من مباينات وتناقضات واختلافات بالنسبة للحرف الذي أثبتوه واقتصروا عليه في حين أن الإنجيل نزل على أربعة أحرف تمثّلت في أناجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا ولم يكن فيها ما يخشاه النصارى من تناقض وتباين فاحتفظوا بها كما نزلت كشهادات متعدّدة على صحة الإنجيل ووحدة جوهره واتفاق معانيه على اختلاف ألفاظه. والشرع العالمي والديني والمدني لا يقوم على صحة شهادة واحدة. وهكذا

_ (1) اسم الأستاذ الحداد هو الأب يوسف. ولا ندري هل هو نفسه صاحب مقال ملحق النهار وإن كنا نرجح ذلك لأن ما جاء في كتاب الحداد تفصيل لما جاء في الملحق.

تكون لصحة الإنجيل أربع شهادات بينما ليس للقرآن إلّا شهادة واحدة «1» . وهكذا تجري المفارقة في القياس إلى الزعم صراحة أو ضمنا أنه كان للقرآن سبع نسخ مختلفة في العبارات والترتيب والتبويب والسياق والسور والألفاظ مثل الأناجيل الأربعة. وينسيه الهوى أن هذه الأناجيل ليست إلّا ترجمة لحياة عيسى كتبها أناس بعده سماعا ورواية وليس فيها ما يدلّ على أن فيها شيئا من إملائه مثل القرآن الذي هو من إملاء النبي صلّى الله عليه وسلّم مباشرة، وأنها ليست أربعة بل أضعاف أضعاف هذا العدد وأن هناك من الدلائل ما يدل على كونها أكثر من أربعة بصورة قاطعة لأن في القرآن أشياء كثيرة ذكرت عن لسان عيسى وحياته ليست في الأناجيل الأربعة فضلا عن ما في هذه الأناجيل من ثغرات عديدة على ما نبهنا عليه قبل بحيث يكون في ذلك الزعم سخرية بالعقل والحقيقة وجرأة على الحق والمنطق. وهذا فضلا عن أنه لم يقل أحد من المسلمين أن معنى نزول القرآن على سبعة أحرف اختلاف وتعدد في النصوص، والذي أجمع عليه أئمتهم أن ذلك كان لتيسير قراءته بأهمية متعددة وإملاء مختلف لسبب اختلاف اللهجات والأداء وأن كبار أصحاب رسول الله رأوا أن يكتبوه بهجاء ولهجة وإملاء لغة قريش لأنها لغة النبي الذي نزل القرآن عليه بتأييد آية سورة إبراهيم هذه: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ [4] . ونصّ الأحاديث المروية يؤيد كون القصد من الأحرف السبعة هو تيسير قراءة القرآن حسب استطاعة القارئ ما دام لا يغير كلمة بضدها حيث جاء في أحدها الذي رواه مسلم وأبو داود عن أبي بن كعب قال: «أتى جبريل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال له إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف، فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإنّ أمتي لا تطيق ذلك. ثم أتاه الثانية فقال له إنّ الله يأمرك أن تقرأ أمتك على حرفين

_ (1) العبارة الأخيرة جاءت في ملحق النهار.

فقال أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك. ثم جاءه الثالثة فقال إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف فقال أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك. ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف فأيما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا» . وفي رواية للترمذي: «إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال يا جبريل بعثت إلى أمة أمّيين منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا قطّ. قال يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ... » وهناك أحاديث فيها أحداث تطبيقية تدعم ذلك المعنى. منها حديث رواه مسلم عن أبيّ بن كعب قال: «كنت في المسجد فدخل رجل يصلّي فقرأ قراءة أنكرتها. ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه. فلما قضيا الصلاة دخلنا جميعا على النبيّ فقلت إنّ هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه. ودخل هذا فقرأ سوى قراءة صاحبه فأمرهما رسول الله فقرأا فحسّن النبي شأنهما فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية. فلما رآه رسول الله قد غشيني ضرب في صدري ففضت عرقا وكأنما أنظر إلى الله عزّ وجلّ فرقا فقال لي يا أبيّ أرسل إليّ أن اقرأ القرآن على حرف فرددت إليه أن هوّن على أمتي فردّ إليّ الثانية اقرأه على حرفين فرددت إليه أن هوّن على أمتي فردّ إليّ الثالثة اقرأه على سبعة أحرف» . وهناك أحاديث أقلّ رتبة فيها بعض زيادات ولكن ليس فيها كذلك ذلك المعنى الذي تخيّله الأب يوسف الحداد أو يوسف دره. منها حديث رواه الإمام أحمد عن عمرو بن العاص أن رسول الله قال: «أنزل القرآن على سبعة أحرف على أي حرف قرأتم أصبتم. فلا تماروا فإنّ المراء فيه كفر» . وحديث رواه الإمام نفسه عن أبي طلحة قال: «قرأ رجل عند عمر فغيّر عليه فقال قرأت على رسول الله فلم يغيّر عليّ قال فاجتمعا عند رسول الله فقرأ أحدهما على النبي فقال له أحسنت، قال فكأن عمر قد وجد في نفسه من ذلك فقال له النبي إن القرآن كلّه صواب ما لم تجعل مغفرة عذابا أو عذابا مغفرة» . وحديث رواه أبو يعلى عن المنهال قال: «بلغنا أن عثمان قال يوما وهو على المنبر أذكر الله رجلا سمع النبي قال أنزل القرآن على سبعة أحرف كلّها شاف كاف إلّا قام فقاموا حتى لم يحصوا فشهدوا أنّ رسول الله قال ذلك فقال عثمان وأنا الجزء الثاني من التفسير الحديث 33

أشهد معهم» . وحديث رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: «قال النبي أنزل القرآن على سبعة أحرف المراء في القرآن كفر. ثلاث مرات فما علمتم فادخلوا به وما جهلتم فردّوه إلى عالمه» وفي رواية: «أنزل القرآن على سبعة أحرف. عليما حليما. غفورا رحيما» وكل ما يرجعه الحديث الأخير أن يخطئ القارئ فيقول عليما بدل حليما وغفورا بدل رحيما. وهو مع ذلك حديث لا يمكن الاستيثاق منه فلم يرد في كتب الأحاديث الصحيحة ورواته ليسوا موثقين مثل رواة هذه الأحاديث. ومن يقرأ كتاب الإتقان للسيوطي الذي جمع الأقوال في صدد ومدى هذه الأحاديث ونقلها عنه الحداد يجد أن في بعضها ما ينفي أن يرجح على بعض آخر لأنه المتّسق مع روح الأحاديث. ومن ذلك «إنه ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد بل التيسير والتسهيل. ولفظ السبعة يطلق على إرادة الكثرة في الآحاد كما يطلق لفظ السبعين على إرادة الكثرة في العشرات والسبعمائة على إرادة الكثرة في المئات» وهو ما قصده القرآن في هذه الألفاظ على ما يستلهم من روح الآيات التي وردت فيها «1» ومن ذلك: (أن المراد وجوه قراءات الكلمة التي تتحمل كتابتها قراءات عديدة مثل كلمة (عبد الطاغوت) التي يمكن أن تقرأ (عابد الطاغوت) و (عبدة الطاغوت) و (عبيد الطاغوت) ومثل كلمة (كتب) التي يمكن أن تقرأ (كتاب) ومثل كلمة (علم) التي يمكن أن تقرأ (عالم) وكلمة (بعد) التي يمكن أن تقرأ (باعد) وكلمة (يستيئس) التي يمكن أن تقرأ (يتبين) وأمثالها لأن الحروف لم تكن تنقط حين ذاك) . ومن ذلك: (إجازة تقديم وتأخير في الجملة مثل وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ [ق: 19] فيجوز قراءتها (وجاءت سكرة الحق بالموت) ومثل إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ [الزمر: 3] فيجوز قراءتها (من هو

_ (1) مثلا مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [البقرة: 261] واسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة: 80] فالمراد من هذا هو إرادة الكثرة والله أعلم.

كافر كذاب) ومثل يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ [غافر: 35] فيجوز قراءتها (على قلب كل متكبر جبار) ومن ذلك: (إن الرخصة قد وقعت في ذلك الزمن لأن أكثر الناس لم يكونوا يكتبون ويقرأون ولم يكونوا يعرفون رسم الحروف ومخارجها) . ومن ذلك: (ما يقع من اختلاف في قراءة الإفراد والتثنية والتذكير والتأنيث وتصريف الأفعال من حاضر ومضارع ومخاطب وغائب واختلاف الإعراب باختلاف المواقع) . ومن ذلك: (إن المقصود من الرخصة أداء الكلمة الصوتي من إمالة وترقيق وتفخيم وإدغام وإظهار وإشباع ومدّ وقصر وتشديد وتخصيص وتليين دون تغيير في المعنى واللفظ والصورة) . ومنها (إن المقصود هو ترخيص قراءة الكلمة على وجهين أو ثلاثة أو سبعة تيسيرا وتهوينا) . ومنها: (إن المسلمين أجمعوا على تحريم إبدال آية بآية) ومنها (أن جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين قالوا إن المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة وأنها جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي صلّى الله عليه وسلّم على جبريل متضمنة لها لم تترك حرفا منها) . ومنها (أن أصحاب رسول الله لما رأوا أن الناس يختلفون في قراءة الكلمات أجمعوا على كتابتها على ما جاء في المصحف العثماني وعلى ما تحققوا أنه القرآن المستقر في العرضة الأخيرة وتركوا ما سوى ذلك. وإن ما يقرأه المسلمون فيه هو الذي كان يقرأ في العام الذي قبض النبي فيه وإن زيد بن ثابت الذي كتب مصحف أبي بكر كان كاتب وحي رسول الله وإنه شهد العرضة الأخيرة وكتبها لرسول الله وقرأها عليه وكان يقرئ الناس بها حتى مات. ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في تدوينه وجمعه وولّاه عثمان كتابة المصاحف التي كانت طبقا لمصحف أبي بكر وترتيبه) . ومن الجدير بالتنبيه أن الأحاديث المروية وأقوال جمهرة علماء المسلمين هي في صدد تلاوة القرآن وليست في صدد كتابته من حيث الأصل والمدى بحيث يمكن القول إنه لم يكن هناك مصاحف مكتوبة بكتابات مختلفة وهذا ما يؤيد كون القرآن لم يكن متعدد الصيغ والألفاظ كما يريد الحداد دره أن يوهمه وكل ما هنالك اختلاف في القراءة وبسبب احتمال كتابة الكلمات لهذا الاختلاف.

ونحن نعرف أن هناك روايات كثيرة تذكر أن آيات وسورا كانت تتلى ولم تكتب في مصحف عثمان وأنه كان لبعض أصحاب رسول الله مصاحف مغايرة في ترتيب سورها لترتيب هذا المصحف وأنه كان لبعض أصحاب رسول الله مصاحف خلت من المعوذتين والفاتحة أو فيها زيادة سورتين اسمهما الحفد والخلع أو فيهما كلمات مباينة في مبناها دون معناها لما في هذا المصحف وإن النبي توفي ولم تكن الآيات مرتبة في السور، والسور مرتبة في المصحف وإن كل هذا قد تمّ بعده في زمن أبي بكر ثم عثمان. وأن آيات لم تكن موجودة زيدت وآيات كانت موجودة رفعت لأغراض سياسية. ولقد اهتم الحداد لإبراز ذلك والاتكاء عليه وعلى الأقوال المرجوحة الأخرى ليدعم نظريته في حين أن كل تلك الروايات والأقوال لم ترد في كتب الأحاديث المعتبرة بل ولا الأقل رتبة من هذه الكتب. وهي روايات مرسلة لا يمكن التعويل عليها. وهناك روايات أوثق منها تنفيها وتثبت أن القرآن كان يكتب فور نزوله. وأن آياته رتبت في سورها وسوره رتبت في المصحف حسب المتداول بأمر النبي ووحي ربّه. وإن أبا بكر وكبار أصحاب رسول الله إنما حرروا نسخة تامة بعد انقطاع الوحي القرآني بموت النبي لكل ما تركه النبي قرآنا مستقرا غير منسوخ لتكون مصحفا يرجع إليه. وإن مصحف عثمان قد كان مطابقا لهذا المصحف ونقل عنه وكل ما كان من أمر هو كتابة الكلمات التي يمكن الاختلاف في قراءتها برسم وإملاء وتهجئة لغة قريش فصار ذلك هو المصحف العثماني وأبيد ما سواه لئلا يظلّ المسلمون يختلفون في قراءة القرآن من المصاحف التي كانت مكتوبة برسم وإملاء وتهجئة مختلفة قليلا أو كثيرا عن رسم وإملاء وتهجئة لغة قريش. وهناك دلالات قرآنية وأحاديث معتبرة تؤيد كل ذلك تأييدا قويا. ولقد أوردنا كل ذلك وعلّقنا عليه في كتابنا «القرآن المجيد» وانتهينا منه إلى حقيقة كون القرآن كان مكتوبا ومرتبا حسب ترتيبه المتداول في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم. ومن العجيب أن الحداد ينقل عن كتابنا ما أوردناه من الروايات المرجوحة دون المرجّحة والوثيقة ولا يورد تعليقاتنا التي فنّدنا بها الروايات المرجوحة وأثبتنا بها إلى تلك الحقيقة. لأن ذلك لا يوافق هواه الذي يحاول إبرازه والتركيز عليه.

تعليق على ما يرويه الشيعة في صدد جملة وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون في الآية 160 من السلسلة

ولم يكتف بما ورد في الروايات المرجوحة. حيث سمح لهواه أن يملي عليه مزاعم أخرى في كون بعض آيات أقحمت أو دسّت أو زيدت على القرآن تحكما وتعسفا ودون أي سند وسبب معقول. وهو يفعل هذا كل ما رأى في مثل هذه الآيات ما يفحمه ويدحض مزاعمه التي يسوقها لتأييد هواه. وقد أشرنا إلى شيء من ذلك فيما سبق. تعليق على ما يرويه الشيعة في صدد جملة وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ في الآية 160 من السلسلة وجمهور المفسرين على أن معنى هذه الجملة هي أنهم بما خالفوا أوامر الله واقترفوه من أعمال منحرفة عن وصاياه لم يضروا به الله وإنما أضروا به أنفسهم وظلموها بما استحقوه من غضب الله. غير أن مفسري الشيعة أوّلوا الجملة على هواهم حيث ذكر حسين الذهبي في كتابه «التفسير والمفسرون» أن المفسّر الشيعي الكارزاني روى عن أبي جعفر أحد الأئمة الاثني عشر جوابا على سؤال عن هذه الجملة جاء فيه (إن الله أعظم وأعزّ من أن يظلم ولكن خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه وولايتنا ولايته حيث يقول إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا يعني الأئمة منا) . وفي هذا من الشطط والتجور والهوى ما نحب أن ننزّه أبا جعفر عنه ونرجّح أنه منحول له من كتّاب الشيعة ورواتهم الذين لا يكادون يتركون آية في القرآن إلّا ويؤولونها تأويلا متسقا مع هواهم. [سورة الأعراف (7) : الآيات 163 الى 171] وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (166) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167) وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (169) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171)

(1) حاضرة البحر: ثغر البحر أو الميناء. (2) يعدون في السبت: يعتدون على حرمة السبت. (3) حيتانهم: أنواع السمك. (4) شرعا: ظاهرة أو كثيرة. (5) يوم لا يسبتون: يوم لا يكون سبت ينقطعون فيه عن العمل. (6) نبلوهم: نمتحنهم. (7) بئيس: شديد. (8) فلما عتوا: فلما تمردوا. (9) خاسئين: صاغرين أذلّة. (10) وإذ تأذن: آلى على نفسه، أو أعلم وآذن. (11) عرض هذا الأدنى: عرض الحياة الدنيا الحقير الفاني. (12) درسوا ما فيه: قرأوا وفهموا ما فيه. (13) يمسكون: يتمسكون.

(14) نتقنا: قلبنا أو رفعنا أو اقتلعنا. (15) كأنه ظلّة: كأنه صار يظلّهم من فوقهم. (16) وظنّوا: هنا بمعنى تيقّنوا. وهذه حلقة ثالثة وهي الأخيرة من سلسلة قصص بني إسرائيل احتوت إشارة موجزة إلى بعض ما كان من بعضهم من بعد موسى عليه السلام من انحراف وما كان من احتيالهم على شريعة السبت وما كان من إنذارهم بلسان بعض الصالحين وعدم ارعوائهم ونكال الله بهم وجعله إياهم قردة وتنجيته الذين ينهون عن السوء، وإصرارهم مع ذلك على التمرّد وتعلّقهم بمتاع الدنيا وأعراضها وبيعهم دينهم وكتاب الله بسبيل ذلك رغم العهد الذي أخذه عليهم يوم نتق الله فوقهم الجبل حتى اعتقدوا أنه واقع عليهم بأن يتمسكوا بما أنزله لهم من أحكام ومبادئ بقوة ويتذكروها دائما حتى يتقوا بذلك غضب الله وعواقب سخطه. وما كان من تشتيت الله لهم في الأرض وإيلائه على نفسه بأن يبعث عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة عقوبة لهم مع تنويه بمن يظلّ متمسكا بكتاب الله تعالى ووعده بعدم تضييع وبخس أجر المصلحين. ونتق الجبل فوقهم كأنه ظلة ورد في سورتي البقرة والنساء بصيغة أخرى حيث جاء في سورة البقرة: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ [93] وفي سورة النساء: وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ [154] والمتبادر أن هذا من قبيل الخوارق والمعجزات التي أجراها الله لبني إسرائيل وقد أشير إلى ذلك بصيغة غامضة في سفري الخروج والعدد من أسفار العهد القديم. ونعتقد أنه كان صريحا متطابقا مع ما جاء في القرآن في أسفار أخرى. وأسلوب الآية التذكيري يدعم ذلك لأنه يذكّر بأمر كان واضحا معلوما للسامعين من بني إسرائيل والله تعالى أعلم.

تعليق على رواية مدنية الآيات [163 - 170] وسئلهم عن القرية ... إلخ

تعليق على رواية مدنية الآيات [163- 170] وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ ... إلخ والمصحف الذي اعتمدناه يروي أن معظم آيات الحلقة أي من الآية [163 إلى الآية 170] مدنية. وفحواها وأسلوبها مماثلان للآيات المدنية الكثيرة في حقّ اليهود مما يؤيد صحة الرواية. ومما يؤيد ذلك الخطاب في وَسْئَلْهُمْ الموجّه إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم حيث كان ما جرى بين النبي وبينهم من حجاج وما كان منهم من مواقف في عهد النبي المدني. وقد ربطت بين أخلاق الآباء والأبناء وفسادهم، وهذا مما جرى عليه القرآن المدني في أمرهم ونحن نرجّح أن الآية [171] أيضا من السياق نفسه وغير منفصلة عنه وتكون والحالة هذه مدنية مثل الآيات السابقة لها. والمتبادر أن الآيات قد وضعت في السلسلة المكية لحكمة موضوعية غير خافية. ومن شواهد هذه الحكمة أنها جاءت في أعقاب الآية التي حكت ما كان من تبديل فريق من بني إسرائيل لكلام الله وما كان من إرسال الله عليهم رجزا من السماء جزاء ظلمهم وإجرامهم وانحرافهم. تعليق على حادث السبت وتلقيناته وحادث السبت لم يرد في أسفار العهد القديم المتداولة اليوم. ونعتقد أنه كان واردا فيما كان بين أيدي اليهود في زمن النبي صلّى الله عليه وسلّم من كتب وأسفار ذهبت بها أيدي الزمن. وعبارة الآية تفيد بقوة أن السؤال الذي أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بتوجيهه إلى اليهود قد ورد بأسلوب تقريري يدلّ على أنه موجّه إلى من يعرف الحادث المسئول عنه ويذكره. وفي كتب التفسير روايات عن ابن عباس وغيره من علماء الصدر الإسلامي عن هذا الحادث فيها دلالة على أنه كان معروفا في بيئة النبي صلّى الله عليه وسلّم وليس لذلك

مصدر إلّا بنو إسرائيل فيها. وخلاصة هذه الروايات «1» المختلفة في الصيغ والمتفقة في المعنى أنه كان لليهود مدنية على ساحل البحر بين مدين والطور اختلف في اسمها ولكن أكثر الروايات تذكر أنها الأيلة وهي ميناء على خليج العقبة جددها اليهود المغتصبون في الوقت الحاضر وأطلق عليها اسم إيلات. وقد شاء الله أن يمتحن قوّة إيمانهم وتمسّكهم بشرائعهم فصار يرسل السمك إلى ساحلهم بكثرة يوم السبت الذي يحرّم العمل فيه عليهم ويمنعه سائر الأيام فاحتال فريق منهم على ذلك فحفر أحواضا على الساحل أو وضع شباكا فصار السمك الذي يأتي يوم السبت يقع فيها وصار هذا الفريق يأتي بعد هذا اليوم فيستولي على السمك. ورأى فريق آخر أن هذا حيلة على الشريعة فأنكره وسكت عليه فريق آخر مع عدم اشتراكه فيه. ولم يرعو المحتالون رغما عن ما سلّط عليهم من آلام فنجّى الله المنكرين ومسخ المحتالين قردة أو قردة وخنازير أو مسخ شبابهم قردة وشيوخهم خنازير ليكونوا عبرة لغيرهم حتى لقد كانوا يتمسحون بالناجين لأنهم كانوا يعرفونهم. ولم تذكر الروايات مصير الساكتين. وإنما تروي أن ابن عباس كان يحسب أنهم أيضا كانوا موضع عقوبة الله ولكنها أخفّ من عقوبة المحتالين. والخلاصة على كل حال متوافقة مع نصّ الآيات وروحها التي جاءت على سبيل التذكير. ولقد أشير إلى هذا الحادث في ثلاثة أماكن أخرى من القرآن واحد في هذه الآية من سورة البقرة: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (65) وواحد في هذه الآية من سورة النساء: يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (47) وواحد في آية سورة المائدة هذه: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (60) والآيات الثلاث

_ (1) انظر تفسير الآيات في الطبري والبغوي وابن كثير والخازن وغيرهم.

جاءت في السور الثلاث في سياق في حقّ اليهود. وأسلوبها صريح الدلالة على أن اليهود الذين كانوا يسمعون القرآن في المدينة كانوا يذكرون بحادث يتداولون خبره بل ونعتقد أنه كان واردا في بعض قراطيسهم في سياق التنديد بهم وإنذارهم بسبب مواقفهم من الرسالة المحمدية المناوئة الماكرة المنكرة. ومع ذلك فهناك من ذهب إلى أن المسخ لم يقع فعلا وإنما عبّر بذلك عن مسخ أخلاقهم ونفوسهم فكانوا كالقردة في طيشها وشرّها وبعبارة ثانية إنما مسخت قلوبهم مع التنبيه على أن الجمهور قد أخذ بظاهر الآية والروايات المروية وقال إن المسخ البدني هو الذي وقع «1» . وقد يكون في الأساليب الخطابية المألوفة ما يساعد على التأويل الثاني حيث اعتاد الناس أن يشبّهوا بعضهم بالقردة والخنازير حينما يريدون وصفهم بصفات سيئة وينسبون إليهم بعض الأخلاق والعادات الوضيعة. وقد يكون في ورود كلمة القردة هنا والخنازير في آية المائدة والاكتفاء بذكر لعنة أصحاب السبت في آية النساء قرينة على وجاهة هذا التأويل. على أننا لا نرى طائلا في إطالة البحث والتخريج في هذه النقطة ولا سيما إن العبارة هي جزء من حكاية حادث تاريخي يعرفه ويتداوله بنو إسرائيل على سبيل التذكير والإنذار. هذا مع التنبيه على أن الحادث في ذاته ليس خارجا عن نطاق قدرة الله تعالى وليس هو إلّا من قبيل المعجزات الكثيرة التي حكاها القرآن عن الأنبياء الأولين وأقوامهم والواجب الإيمان بها وبكونها في نطاق قدرة الله. ونذكّر بالحديث الذي رواه أبو هريرة عن رسول الله وأوردناه في سياق التعليق على ما اعتاده بعضهم من الحيل لإبطال أوامر الله وتكاليفه ونصّه: «لا ترتكبوا ما ارتكبه بنو إسرائيل فتستحلّوا محارم الله بأدنى الحيل» ونقول إن في الحديث تأييدا لما قلناه من أن الآيات تنطوي على تلقينات مستمرة المدى على المسلمين أن يستوحوها إزاء أوامر الله ونواهيه وحرماته.

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير رشيد رضا.

تعليق خاص على الآية وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب ... والتي بعدها وما فيهما من تلقين وإعجاز قرآني

ومع خصوصية الآيات بالنسبة لليهود وحملتها على أخلاقهم فإن فيها تلقينات بليغة مستمرة المدى مما هو جوهري في جميع القصص القرآنية. ففيها تقبيح للحيل التي يراد بها التخلّص من حدود الله ومحظوراته، وتقرير أن الله حينما يأمر بواجب أو ينهى عن محظور لا يمكن أن يرضى بالحيلة للتخلص مما أمر ونهى، وردّ قاطع ومباشر على الذين يسوّغون الحيل ويبيحونها وخاصة في صدد أحكام الدين وأركانه والتفلّت من العهود والعقود وفيها تصوير لما في ذلك من بشاعة وفسق وافتراء على الله وإنذار قاصم لمن يجرؤ على ذلك. ثم فيها بشرى وتثبيت للذين ينهون عن السوء والفحشاء والعدوان على حدود الله وحثّ على النهي عن ذلك. فهذا واجب المتّقين. والله ضامن لمن يقوم به النجاة والفوز. تعليق خاص على الآية وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ ... والتي بعدها وما فيهما من تلقين وإعجاز قرآني ولقد احتوت هاتان الآيتان تلقينا بليغا آخر في إيلاء الله تعالى على نفسه بأن يبعث على اليهود من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة بسبب ما ارتكسوا فيه من انحرافات دينية وأخلاقية واجتماعية، واقترفوه من آثام ونقضوه من مبادئ ووصايا، واستغرقوا فيه من أعراض الحياة الدنيا وبيعهم دينهم وكتابهم بالدنيا. ففي ذلك عظة وذكرى وإنذار للمسلمين ودعوة للاعتبار والازدجار. وهذا عدا ما في الآيات من تقرير لواقع ما صار اليهود إليه من شتات في الأرض وذلّة ومسكنة وازدراء واضطهاد في مختلف الأنحاء التي تشتتوا فيها. حيث كان في ذلك مصداق إعجازي لعهد الله فيهم. ومهما بدا في سياق حوادث فلسطين في زمننا وما نالوه من نجاح بمساعدة طواغيت الاستعمار فإن تجهم البشر لهم وازورارهم عنهم ونقمتهم عليهم بسبب

تعليق على آية والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين

الأخلاق السيئة التي غدت جبلّة مميّزة لهم يتوارثها الأبناء عن الآباء عامّان في كل مكان. وجميع الظواهر تدلّ على أن ذلك سيبقى مع دوام شتاتهم في الأرض على مدى الدهر مصداقا لعهد الله تعالى وميثاقه. ونحن مؤمنون أعمق الإيمان بأن الله عزّ وجلّ سيطبق عهده عليهم بالنسبة لما أحرزوه من نجاح في فلسطين قد يكون امتحانا للمسلمين وأنهم سوف يرتدّون عنها خائبين خاسرين. هذا، وآية وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ ... إلخ حماسة قاطعة بنسف كل ما سجّله القرآن من مزايا لليهود ومن إيذان بأن الله كتب لهم الأرض المقدّسة وأورثهم إياها مما يتخذونه وسيلة إلى استغفال المسلمين حيث كان ذلك بالنسبة لزمن قديم مضى وانقضى ثم كان من أخلاقهم وانحرافاتهم ومناوأتهم لدعوة الله ورسله ما استحقوا عليه هذا العهد الرباني واستمراره إلى يوم القيامة. تعليق على آية وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ هذه الآية التي جاءت في خاتمة سلسلة قصص بني إسرائيل إما أن تكون في مقام الاستثناء أو الالتفات للفريق الذي ظلّ مستقيما متمسكا بكتاب الله ووصاياه من اليهود الذين حكت الآيات السابقة لها انحرافهم وبيعهم كتابهم ودينهم بأعراض الدنيا. وإما أن تكون استطرادا أو استدراكا تنويهيا بكل من يتمسك بكتاب الله ووصاياه ويؤدي له حقّ العبادة ولا ينحرف عن ذلك بسبيل مآرب الدنيا وأعراضها التافهة. وليس ما يمنع أن تكون قد تضمنت الأمرين معا. ولقد احتوى القرآن حملات قارعة على اليهود بسبب انحرافهم الديني والأخلاقي ومكائدهم ضدّ الدعوة الإسلامية وصاحبها، وإنكارهم أو كتمهم ما عندهم من بشائر وما يعرفون من حقائق بسبيل ذلك، غيظا وبغيا وخشية على مصالحهم الدنيوية مما سوف يأتي في مناسباته وكان يأتي أحيانا عقب هذه الحملات استثناءات تنويهية لفريق منهم ظلّ مستقيما في أخلاقه ودينه، مثل هذه

الآيات من سورة آل عمران: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (110) ولَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) ووَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (199) ومثل هذه الآيات في سورة المائدة: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) ووَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ (66) . ويتجلّى في هذه التقريرات روح الإنصاف القرآنية الرائعة في تسجيل حسنات المحسنين والتنويه بهم. على أن من الواجب أن نسجل أن التقريرات التنويهية القرآنية لم تتناول إلّا قلّة منهم في حين كانت أكثريتهم العظمى وعلى رأسهم أكثر أحبارهم وربانييهم منحرفين عن الحق موغلين في الكيد والتآمر، على ما تفيده بعض هذه الآيات ثم الفصول القرآنية المدنية، حتى لقد وصل الأمر ببعضهم إلى إظهار إيمانهم بالجبت والطاغوت نفاقا لزعماء مشركي مكة وقولهم لهم إنهم أهدى من النبي صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه على ما حكته آيات سورة النساء هذه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ

آمَنُوا سَبِيلًا (51) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (52) . وعلى كل حال فالآية التي نحن في صددها تتضمن تنويها بالذين يتمسكون بكتاب الله ووصاياه ويؤدون له حقه من العبادة، وبشارة وتطمينا بأن الله لا يضيع أجرهم، حيث ينطوي في ذلك تلقين بليغ مستمر المدى يستوحيه المسلمون أيضا في التزامهم كتاب الله وما فيه من أوامر ونواه وحدود ومبادئ وأحكام وحلال وحرام. ولقد جاء في سورة الأنعام هذه الآية: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) حيث يوجه الخطاب فيها إلى سامعي القرآن مباشرة بسبيل الحثّ على اتّباع كتاب الله وابتغاء رحمة الله ورضوانه بذلك. وفي سورة العنكبوت هذه الآية: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) . حيث يوجّه الخطاب فيها كذلك إلى سامعي القرآن بسبيل التنويه بما في كتاب الله من تذكير ورحمة لمن يؤمن به. وهذا المعنى قد تكرر كثيرا وبخاصة في مطالع معظم السور التي تبتدئ بالحروف المتقطعة. مثل آية البقرة هذه: الم (1) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2) وآيات سورة النمل هذه طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (1) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) وآيات سورة لقمان هذه: الم (1) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (2) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (3) . وفي حديث طويل رواه مسلم والترمذي عن جابر بن عبد الله عن حجة رسول الله الوداعية ذكر أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال فيما قال في خطبته: «وقد تركت فيكم ما لم تضلّوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله» «1» . حيث انطوى في هذا حثّ المسلمين على التمسّك بكتاب الله. وهناك حديث رواه الترمذي عن الحارث الأعور قال: «مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث، فدخلت على عليّ فقلت: يا أمير المؤمنين ألا ترى أنّ الناس قد خاضوا في الأحاديث؟ قال: وقد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: أما إني قد سمعت

_ (1) التاج ج 3 ص 144.

تعليق على الإسهاب في قصص بني إسرائيل

رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول «ألا إنها ستكون فتنة. فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله فإنّ فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما بعدكم. وحكم ما بينكم. هو الفصل ليس بالهزل. من تركه من جبّار قصمه الله. ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله. وهو حبل الله المتين. وهو الذكر الحكيم. وهو الصراط المستقيم. هو الذي لا تزيغ به الأهواء. ولا تلتبس به الألسنة. ولا يشبع منه العلماء. ولا يخلق على كثرة الردّ. ولا تنقضي عجائبه. هو الذي لم تنته الجنّ إذ سمعته حتى قالوا إنّا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد. من قال به صدق. ومن عمل به أجر. ومن حكم به عدل. ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم» «1» . حيث ينطوي في هذا الحديث أيضا حثّ قويّ على التمسّك بكتاب الله مع التنويه بما فيه من هدى ورحمة. وحيث يتساوق كل هذا مع التلقين القرآني. تعليق على الإسهاب في قصص بني إسرائيل هذا، ويلحظ بصورة عامة أن قصص موسى وفرعون وبني إسرائيل قد جاءت مسهبة أكثر من القصص الأخرى. وليس هذا في هذه السورة بل في السور الأخرى أيضا. ويتبادر لنا أن الحكمة في ذلك هي أن بني إسرائيل لم يبيدوا كما باد الأقوام الأولون، وأنه كان لهم دوي عظيم في مجالات الدين والدنيا وظلّ مستمرا لم ينقطع في البلاد التي تتصل بجزيرة العرب، وأنه كان منهم فريق كبير في بلاد الحجاز. ويضاف إلى هذا أن أحداث موسى وفرعون وبني إسرائيل كانت مدوّنة في أسفار العهد القديم بإسهاب كبير وكانت متداولة بمقياس أوسع من قصص الأنبياء وأقوامهم الآخرين نتيجة لذلك. فحكمة التنزيل القرآني ماشت هذه الوقائع والحقائق في صدد قصص موسى وفرعون وبني إسرائيل.

_ (1) التاج ج 4 ص 7.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 172 إلى 174]

[سورة الأعراف (7) : الآيات 172 الى 174] وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174) . (1) أن تقولوا: لئلا تقولوا. (2) ذريّة: تكررت كثيرا في القرآن بمعنى أبناء الآباء وهي من ذرأ بمعنى خلق ونمّى. ومكانها هنا وفي غير مكان يفيد أنها تعني الجيل الذي يخلف الجيل السابق والذي هو من أبنائه وأنها تعني الآباء والأولاد من الجيل الحاضر صغارا كانوا أم كبارا. المتبادر أن هذا الفصل وما بعده قد جاء معقبا على السلسلة القصصية السابقة له كما جاءت الآيات [94- 102] معقبة على السلسلة القصصية السابقة لها، وأنها والحال هذه متصلة بالسياق. وهذا ما جرى عليه أسلوب النظم القرآني من التعقيب على القصص بسبيل تركيز الإنذار والتنديد والحجة. وقد احتوت الآيات إعذارا ربانيا للناس حتى لا يكون لهم حجة عليه إذا ما أخذ المشركين والمجرمين بذنوبهم، فقررت بأسلوب التذكير أن الله قد أخذ العهد عليهم بالاعتراف بربوبيته وأشهدهم على أنفسهم بذلك حتى لا يقولوا إننا لم نعرف الحدود والواجبات، وأن آباءنا كانوا مشركين مبطلين قبلنا فورثنا دينهم وتقاليدهم وباطلهم وسرنا على طريقتهم كما هو معتاد الناس جيلا بعد جيل، فلا ينبغي أن نعاقب ونهلك على عمل لم نقترفه وإنما ورثناه ولم يكن لنا مندوحة عنه. وقد انتهت الآيات بالدعوة إلى الاعتبار، فالله يفصّل الآيات لعلّ الناس يرعوون ويرجعون ويسيرون في طريق الحق والهدى.

تعليق على الآية وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم والآيتين التاليتين لها وتلقيناتها

تعليق على الآية وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ والآيتين التاليتين لها وتلقيناتها لقد شغلت هذه الآيات وما ورد فيها من أحاديث وروايات حيزا واسعا في كتب التفسير «1» حتى لقد استغرقت ثماني صفحات كبيرة من تفسير الطبري الذي روى أحاديث وروايات كثيرة مختلفة في الصيغ والطرق والرواة متّفقة في النتيجة معظمها عن ابن عباس. ومن ذلك رواية عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: (أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنعمان- يعني عرفه- فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم فقال أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ. منها عن ابن عباس فقط قال: «مسح ربّك ظهر آدم فخرجت كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة فأخذ مواثيقهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى» . ومنها عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم قال أخذوا من ظهره لما يؤخذ بالمشط من الرأس فقال لهم ألست بربكم قالوا بلى. قالت الملائكة شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنا عن هذا غافلين» . ومنها عن ابن عباس: «إن الله بعد أن استخرج من ظهر آدم ذريته وأشهدهم على أنفسهم أعادهم إلى صلبه» . وفي تفسير الطبري أمثال عديدة أخرى لهذه الأحاديث فاكتفينا بما تقدم. وفيه أحاديث أخرى تمزج بين استخراج الذرية من ظهر آدم وإشهادها وبين تقدير أرزاقها وآجالها وتقدير الجنة أو النار لها. ومنها ما لا يذكر فيه الإشهاد الرباني وجواب الذرية. من ذلك عن ابن عباس قال: «لما خلق الله آدم أخذ ذرّيته من ظهره مثل الذرّ فقبض قبضتين فقال لأصحاب اليمين ادخلوا الجنة بسلام وقال للآخرين ادخلوا النار لا

_ (1) انظر الطبري والبغوي وابن كثير والخازن والطبرسي ورشيد رضا والقاسمي والزمخشري. الجزء الثاني من التفسير الحديث 34

أبالي» . وفي رواية عنه: «أخذ كل طيب بيمينه وكل خبيث بالأخرى» وفي رواية عنه «كتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى» ومنها حديث عن يسار الجهني جاء فيه: «سئل عمر بن الخطاب عن هذه الآية فقال سمعت رسول الله يقول: إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريّة فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره واستخرج منه ذرية فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون. فقال رجل يا رسول الله ففيم العمل قال إنّ الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من عمل أهل الجنة فيدخله الجنة وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من عمل النار فيدخله النار» . وفي تفسير ابن كثير بعض هذه الأحاديث وأحاديث غيرها أخرى منها حديث رواه الإمام أحمد عن أنس بن مالك عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به قال فيقول نعم فيقول قد أردت منك أهون من ذلك قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلّا أن تشرك بي» . وعقب ابن كثير على هذا الحديث قائلا أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة. ومنها حديث عن أبي أمامة قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لما خلق الله الخلق وقضى القضية أخذ أهل اليمين بيمينه وأهل الشمال بشماله فقال يا أصحاب اليمين فقالوا لبيك وسعديك قال ألست بربّكم قالوا بلى قال يا أصحاب الشمال قالوا لبيك وسعديك قال ألست بربّكم قالوا بلى ثم خلط بينهم فقال قائل له يا ربّ لم خلطت بينهم قال لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون أن يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. ثم ردّهم في صلب آدم» . وفي تفسير ابن كثير نصوص عديدة أخرى مقاربة. وكذلك في كتب تفسير البغوي والخازن والطبرسي ورشيد رضا والقاسمي فاكتفينا بما تقدم لأنها إجمالا من باب واحد. وحديث عمر بن الخطاب الذي يرويه يسار الجهني هو فقط ما أورده مؤلف

التاج رواية عن الترمذي وأبي داود «1» . وهناك حديث آخر أورده هذا المؤلف في فصل التفسير الذي أورد فيه الحديث الأول رواه الترمذي عن أبي هريرة قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لما خلق آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كلّ نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة. وجعل بين عيني كلّ إنسان منهم وبيصا من نور ثم عرضهم على آدم فقال أي ربّ من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذرّيتك إلخ ... » «2» . ولقد انقسم المفسرون والمؤولون في تأويل العبارة القرآنية. فمنهم من أخذ بظاهرها مستأنسا بالأحاديث النبويّة التي تتوافق مع هذا الظاهر دون توسّع في التخريج على طريقة السلف الإسلامي الأول. ومنهم الطبري الذي قال إن أولى الأقوال بالصواب ما روي عن رسول الله إن كان صحيحا ولا أعلمه صحيحا وإن لم يكن صحيحا فهو خبر من الله. ومنهم من علّل الأحاديث وقال إن بعضها موقوف وبعضها مرفوع وبعضها ضعيف. وإن فيها ما يخالف القرآن. فقد ذكر القرآن بني آدم وذكرت الأحاديث آدم وذكر الذرية والظهور بالجمع ومقتضى الأحاديث أن تكون مفردة. والقرآن أخبر أن الله فعل ذلك لئلا يقولوا إنهم كانوا غافلين ويعتذروا بشرك آبائهم مع أن مقتضى العبارة أن آباءهم قد شهدوا أيضا إلخ ... وجنحوا بعد ذلك إلى التخريج فقالوا إن العبارة القرآنية هي في مقام التمثيل ولسان الحال وأوردوا بعض الآيات القرآنية للتدليل على ذلك. ومن هؤلاء الزمخشري الذي قال إن العبارة من باب التمثيل والتخييل وإن معناها أن الله نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى. فكأنه أشهدهم بذلك على أنفسهم وقررهم وقال لهم ألست بربكم وكأنهم قالوا بلى أنت ربنا شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيتك وإن باب التمثيل واسع في كلام الله تعالى ورسوله وفي كلام العرب. ونظيره قوله تعالى: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل: 40] ومعلوم أنه لا قول

_ (1) التاج ج 4 ص 105- 106. (2) المصدر نفسه. [.....]

ثمّ وإنما هو تمثيل وتصوير للمعنى. ومنهم الطبرسي الذي قال إن بعض الأحاديث المروية موقوفة وبعضها مرفوعة وإن المحققين لم يأخذوا بها لأن ظاهر القرآن يشهد بخلاف التأويل الذي انطوى فيها لأن الله تعالى قال وإذ أخذ ربك من بني آدم ولم يقل آدم وقال من ظهورهم ولم يقل من ظهره وقال ذريتهم ولم يقل ذريته ثم أخبر أنه فعل ذلك لئلا يقولوا إنهم كانوا عن ذلك غافلين ويعتذروا بشرك آبائهم وهذا يقتضي أن يكون لهم آباء مشركون فلا يتناول الظاهر ولد آدم لصلبه. ثم إن الذرية المستخرجة لا تخلو إما أن تكون عقلاء أو غير عقلاء. فإن كانوا غير عقلاء فلا يصح أن يعرفوا التوحيد ويفهموا خطاب الله وإن كانوا عقلاء وأخذ عليهم الميثاق فلا يصحّ أن ينسوه لأن الحجة لا تكون إلّا لذاكر ولا يصح أن ينسى الجمع الكثير والجمّ الغفير من العقلاء شيئا كانوا عرفوه وميّزوه. وإن العبارة في معنى أن الله أقام الدليل في عقولهم وخلقهم على ربوبيته حتى صار ذلك عندهم مسلّما به بالفطرة وتعذّر امتناعهم عنه فصاروا في منزلة المعترف المقر. ولم يكن هناك إشهاد صورة وحقيقة ونظير ذلك قوله تعالى: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [فصلت: 11] . ولم يكن منه سبحانه قول ولا منهما جواب. وشيء من هذا قاله ابن كثير الذي نبّه على ما في الأحاديث من علل. ومما قاله إن الشهادة تارة تكون بالقول وتارة تكون بلسان الحال كما جاء في الآية: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ [التوبة: 17] . وإن مما يدلّ على أن المراد بهذا أن جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك. فلو كان وقع كما قال من قال لكان كل يذكره ليكون حجة عليه. ومنهم البيضاوي الذي نحا منحى الاثنين باقتضاب. ومنهم ابن كثير الذي تردّد بين القولين مع جنوح إلى الثاني. ومما قاله إن المراد بالإشهاد هو ما فطرهم الله عليه من التوحيد وأن الشهادة تكون تارة بالقول وتارة بلسان الحال. وإن مما يمكن أن يكون دليلا على ذلك جعل الإشهاد حجة عليهم في الشرك فلو كان قد وقع هذا كما قال مكان كل أحد يذكره ليكون حجة عليه. وقد نحا رشيد رضا والقاسمي اللذان أوردا كلاما كثيرا منحى ابن كثير وأوردا فيما

أورداه الحديث النبوي المشهور: «ما من مولود إلّا يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجسانه» «1» . كتدعيم لهذا التأويل وقالا إن الله تعالى في كلمته هذه أراد أن ينبّه السامعين إلى أنه خلقهم على فطرة التوحيد فلا يقبل اعتذار أحد عن الانحراف عنه بأي عذر وحجة. وقد تكون طريقة السلف التي أخذ بها الطبري في الأسلوب الذي أخذ الله به العهد من بني آدم أسلم. ففي القرآن عبارات كثيرة مثل هذه لا يمكن معرفة مراد الله تعالى بها معرفة ذاتية مثل الاستواء على العرش ولا يكون هناك حديث نبوي ثابت في تفسيرها. ففي مثل هذه الحالة تكون تلك الطريقة أسلم ويكتفى بشرح مدلول الآيات التي فيها العبارة شرحا عاما كما فعلنا في صدد العبارة والآيات التي وردت معها. على أن هذا لا يمنعنا من القول إننا نرى وجاهة وسدادا في الأقوال والتأويلات الأخرى. وبخاصة في القول إن الله أراد أن ينبّه السامعين إلى أنه خلقهم على فطرة التوحيد فلا يقبل اعتذارهم بشرك آبائهم من قبلهم أو بأية حجة أخرى. والله تعالى أعلم. والآيات فيما احتوته من تحذير عن السير على ما سار عليه الآباء بقطع النظر عن ضلالهم وسخفهم والاحتجاج بذلك والغفلة عما يقوم على صوابه وفضله البرهان وتعطيل العقل من التدبّر والاختيار قوية العظة وبليغة التلقين المستمر كما هو المتبادر. وقد تكرر هذا التلقين في مناسبات عديدة مرت أمثلة منها، مما يصح أن يكون طابعا عظيم الخطورة للدعوة الإسلامية القرآنية التي تندّد باتباع التقاليد القديمة لقدمها وتعطيل العقل إزاءها، والتي تحثّ على الأخذ بما هو الأفضل والأصوب والأصحّ والأصلح بقطع النظر عن القدم والجدة. هذا، وما جاء في بعض الأحاديث عن تقدير أعمال الناس وأرزاقهم وآجالهم وتخصيص فريق منهم للجنة وآخر للنار من الأزل هو متصل بموضوع القدر الذي شرحناه في سياق سورة القمر فنكتفي بهذه الإشارة.

_ (1) هذا الحديث رواه الأربعة انظر التاج ج 5 ص 176.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 175 إلى 177]

[سورة الأعراف (7) : الآيات 175 الى 177] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (177) . (1) انسلخ منها: هنا بمعنى انحرف عنها أو نبذها أو تخلّى عنها أو كفر بها. (2) الغاوين: الضالين أو الهالكين. (3) أخلد إلى الأرض: لصق بها أو انحط إليها، والجملة بمعنى اختار الانحطاط على الارتفاع، أو الشر على الخير، أو الضلال على الهدى، أو أعراض الدنيا وشهواتها. لم يرو المفسرون مناسبة خاصة لنزول الآيات. والمتبادر أنها متصلة بالسياق، واستمرار في التعقيب كالفصل السابق على السلسلة القصصية وتركيز لما انطوى فيها من إنذار وتنديد وعظة وتلقين. وقد احتوت أمرا للنبي صلّى الله عليه وسلّم بقصّ القصص على الناس لعلّهم يتدبرون ويرعوون. والمماثلة قائمة بينها وبين الفصل السابق الذي انتهى بتقرير كون الله يفصل الآيات للناس لعلهم يرجعون كما هو واضح. تعليق على آية وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها وتلقينها وفي الآيات خبر شخص آتاه الله آياته فلم يقم بحقها قياما يرتفع شأنه بها عند الله، بل انحط واتبع هواه واستغرق في الحياة الدنيا وشهواتها حتى صار كالكلب الذي لا يكلّ عن اللهث سواء أحملت عليه وزجرته أم لم تفعل. وقد احتوت الآيات بعد ذلك تنبيها إلى أن هذا المثل هو مثل القوم الذين جاءتهم آيات الله فكذّبوا بها، وساء هذا مثلا لمثل هؤلاء الذين بتكذيبهم آيات الله إنما يظلمون

أنفسهم، وأمرا للنبي صلّى الله عليه وسلّم بقصّ هذه القصة على الناس لعلهم يتفكرون ويعتبرون. وقد أوّل المفسرون «1» مثل الكلب بأن حالة الكافر أو المنسلخ كحالته لا يترك ضلاله وكفره سواء أوعظ وأنذر أو لم يوعظ وينذر. وهو وجيه سديد. وقد روى المفسرون روايات في اسم الشخص الذي عنته الآيات «2» فروي أنه أمية بن الصلت الشاعر الذي كان موحدا ويظن نفسه على ملّة إبراهيم عليه السلام، فلما بعث النبي صلّى الله عليه وسلّم حسده على اختصاصه بالنبوّة من دونه فجحد. وروي أنه أبو عامر الراهب المتنسّك الذي كان على ملّة إبراهيم عليه السلام فحسد النبي صلّى الله عليه وسلّم أيضا وتنصّر وآلى على نفسه محاربته وكان يتآمر مع المنافقين عليه. وروى الطبري أنه رجل من بني إسرائيل تآمر مع الجبابرة على قومه وحرّضهم عليهم وهوّن لهم من شأنهم. كما روى أنه نبي أو كاهن أو نبي من الكنعانيين أو المؤابيين اسمه بلعام بن باعوراء. وأن ملكه أمره بلعن بني إسرائيل حينما وفدوا على بلاده بعد خروجهم من مصر بقيادة موسى عليه السلام فأوحى الله إليه بمباركتهم بدلا من لعنهم. فلما ضايقه الملك أشار عليه بتسليط بنات البلاد على شباب بني إسرائيل ليورطنهم في الزنا بهم وعبادة معبودهم البعل. وأن رأيه هذا هو الانسلاخ من آيات الله الذي عنته الآية. كو في الإصحاح الثاني والعشرين وما بعده في سفر العدد من أسفار العهد القديم ذكرت قصة بلعام بن باعوراء وأمر الملك إيّاه بلعنة بني إسرائيل ومباركته إياهم بدلا من ذلك. كما ذكر فيها خبر ارتكاس شباب بني إسرائيل في الزنا ببنات مؤاب وعبادة معبودهم البعل ولكن لم يذكر فيها أن هذا كان برأي بلعام. وعلى كل حال فإن اكتفاء الآية بالإشارة إلى الشخص دون تفصيل قد يلهم أنه شخص معروف عند سامعي القرآن بعلمه واطلاعه على كتب الله، وأنه انحرف عن طريق الحق والهدى بتأثير السجيّة الفاسدة ووسوسة الشيطان ومتاع الحياة الدنيا وشهواتها، فاستحكم بذلك ما قصدته الآيات من العظة والتذكير والعبرة.

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري وابن كثير والطبرسي والبغوي. (2) انظر المصدر نفسه.

ويتبادر لنا أنها استهدفت بنوع خاص التنديد بأذكياء الكفّار ونبهائهم الذين كان لهم من رجاحة العقل وسعة المعارف ما يجعلهم يدركون بيسر ما في دعوة النبي صلّى الله عليه وسلّم من صدق وسموّ وروحانية وحقّ، فأصروا مع ذلك عن قصد وهوى على مواقف العناد والمكابرة. ولعلّ فيها تعليلا لموقفهم من الدعوة وتسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم والمسلمين. وهذه الطبقة كانت موجودة. وقد اهتدى منها من اهتدى من الرعيل الأول المؤمنين واستكبر الآخرون وكابروا. وقد احتوى القرآن إشارات عديدة إليهم ووصفهم بأنهم اتخذوا هواهم آلهة لهم عن علم ونيّة كما جاء في آية سورة الجاثية هذه: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (23) وآية سورة الفرقان هذه: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) وقد كان فريق من هذه الطبقة يتمنون أن يبعث الله فيهم نذيرا منهم ويقسمون على اتباعه والاهتداء بهديه ثم استكبروا ونكثوا استكبارا ومكر السيئ كما جاء في آيات سورة فاطر هذه: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً (42) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43) وكان من هذه الطبقة من يتحدّى النبي صلّى الله عليه وسلّم ويقولون له لو شئنا لقلنا مثل ما تقول كما جاء في آية سورة الأنفال هذه: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31) . ومن مقاصد المثل على ما هو المتبادر تقرير كون سلامة النيّة والقلب وصدق الرغبة في الاهتداء هو الجوهري ولا عبرة بالعلم والاطلاع إذا كانت النيّة خبيثة والسجيّة فاسدة والنفس دنيئة الرغبات والمطالب، خاضعة للهوى والمآرب. وصاحب هذه الصفات لا يرتفع إذا ما أوتي العلم إلى المقام الرفيع الذي يجدر أن يرتفع إليه بعلمه ويظلّ ينحطّ ويرتكس دون أن ينفعه علم ولا عظة ولا عبرة.

تعليق على جملة ولو شئنا لرفعناه بها

وفي ما احتواه المثل من تنديد وتقريع لاذعين تلقين بليغ مستمر المدى من دون ريب. لأنه صورة قوية كثيرا ما تتكرر في المجتمعات سواء أفي التنديد بالطبقة التي تكون نيرة في عقولها وسعة معارفها ومنحطة في مطالبها وأهوائها وشهواتها، أم في التحذير من الانخداع بأفرادها، أم في تقبيح هذه الصفات المكروهة الضارّة بالمجتمع. ولقد أورد ابن كثير في سياق الآيات حديثا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده عن حذيفة بن اليمان قال، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رؤيت بهجته عليه وكان ردء الإسلام أعزّه إلى ما شاء الله انسلخ منه ونبذه وراء ظهره وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك. قال حذيفة قلت يا نبي الله أيّهما أولى بالشرك المرميّ أو الرامي قال بل الرامي» . وهذا الحديث لم يرد في كتب الأحاديث الصحيحة وصحته محتملة وقد قال ابن كثير إن إسناده جيد وإن الإمام أحمد ويحيى بن معين وغيرهما قد وثقوه. وفي هذه الكتب أحاديث من بابه منها حديث رواه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود عن أبي سعيد قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وعملكم مع عملهم. يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم. يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» «1» . والحكمة الملموحة في الحديث تحذير المسلمين من الضالّين المنحرفين عن علم. ويتساوق تلقينه مع تلقين الآيات. تعليق على جملة وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وقد توهم جملة وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها أن الله سبحانه وتعالى هو الذي شاء للرجل عدم الارتفاع فأخلد إلى الأرض وغوي، غير أن في الآية التي وردت فيها الجملة ما يزيل هذا الوهم حيث وصف الرجل بأنه رضخ لوسوسة الشيطان واتّبع

_ (1) التاج ج 1 ص 10.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 178 إلى 180]

هواه وغوي وأنه من أجل ذلك ظالم لنفسه ولم يظلمه الله. والوجه في تأويل العبارة على ما يتبادر لنا هو أن الله قادر على رفعه بالآيات التي آتاه إياها ولكنه تركه لاختياره وقابليته التي أودعها فيه فساقه ذلك إلى ما هو متّسق مع سجيته الفاسدة ونيته الخبيثة مما انطوى تقريره في آية سورة الإسراء هذه: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا (84) وقد أوّلها الزمخشري بأن الله أراد أن يقول إن الرجل لو لزم العمل بالآيات ولم ينسلخ منها لرفعناه بها. وقد أوّلها السيد رشيد رضا بأن الله لو أراد رفعه بها لخلق له الهداية وحمله عليها ولكنه لم يفعل لأنه مخالف لسنّته. وقد أوّلها الطبرسي بأن الله يقول لو شئنا لحلنا بينه وبين الانسلاخ فارتفع شأنه ولكنّا تركناه لاختياره وقابليته. ولم نر في كتب المفسرين الأخرى التي بين أيدينا ما يتعارض مع هذه التأويلات التي فيها وجاهة وسداد أيضا. [سورة الأعراف (7) : الآيات 178 الى 180] مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (178) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (179) وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (180) . (1) ذرأنا: خلقنا أو جعلنا. (2) لحد: ولحد بمعنى مال وانحرف عن الحق. والكلمة في مقامها تعني ما كان المشركون يخلطونه من أسماء شركائهم بأسماء الله عزّ وجلّ. لم يرو المفسرون مناسبة خاصة في نزول هذا الفصل والمتبادر أنه متصل بالسياق كذلك. وقد جاء معقبا على ما قبله. وفيه ما في سابقيه من تسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم والمسلمين وتثبيت لهم. فمن يهده الله اهتدى ونجا ومن يضلله خسر. وفي الجنّ

تعليق على جملة من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون

والإنس كثير لا ينتفعون بما لهم من قلوب ولا أعين ولا آذان ليتدبروا ويروا الحق والهدى، فهم غافلون عنهما وهم كالأنعام بل أضلّ، وأن لله أحسن الأسماء وأشرفها. فعلى النبي صلّى الله عليه وسلّم والذين آمنوا أن يدعوه بها وألّا يعبأوا بالذين يلحدون ويخلطون في أسمائه ويذروهم له فهو الكفيل بجزائهم على ما يفعلون. تعليق على جملة مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وقد توهم الآية الأولى أنها قصدت تقرير كون الله تعالى هو الذي يحتم الهدى والضلال على الناس بأعيانهم. غير أن في جملة فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ في الآية ثم في الآية التالية لها ما يزيل هذا الوهم، حيث ينطوي فيها تقرير كون الله قد أودع في البشر من العقل وقوّة التمييز والاختيار ما هو جدير بأن يهديهم إلى الحق ويبيّن لهم طريق الهدى وطريق الضلال. فالذين يختارون سبيل الله فهم المهتدون والذين يختارون الضلال فهم الخاسرون. وبناء على هذا اقتضت حكمة الله أن يكون بعث أخروي وحساب وثواب وعقاب وخلق للجنة وخلق لجهنّم. فأصحاب جهنم هم أولئك الذين فسدت أخلاقهم وخبثت سرائرهم فرضخوا للهوى والمآرب الدنيئة فتعطلت قلوبهم عن فهم الحق وعيونهم عن رؤية معالمه، وآذانهم عن سماع نذره وحججه وغدوا كالأنعام بل أضلّ لأن الأنعام تسير بغرائزها فلا تضلّ عما ينفعها ولا تقبل على ما يضرّها. وهذا الشرح المستلهم من فحوى الآيات وروحها مؤيد بالتقريرات القرآنية المحكمة التي مرّت أمثلة عديدة منها. ومؤيد كذلك بالآيات التي تقيد الإطلاق الذي جاءت عليه الجملة ذاتها مثل آيات سورة البقرة هذه: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (27) .

تعليق على جملة الذين يلحدون في أسمائه واستطراد إلى ذكر أسماء الله الحسنى

وللسيد رشيد رضا في سياق تفسير هذه الآية كلام صائب ووجيه متّسق بنتيجته مع شرحنا. ولقد أورد ابن كثير في سياق هذه الآيات حديثا قال إنه ورد في صحيح مسلم عن عائشة قالت: «دعي النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى جنازة صبيّ من الأنصار فقلت يا رسول الله طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل سوءا ولم يدركه. فقال رسول الله أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم» . وأورد حديثا قال إنه ورد في الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي صلّى الله عليه وسلّم مفاده أن الله يبعث ملكا حين ولادة المولود فيؤمر بأربع كلمات فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد» . وأشار إلى ما أورده وأوردناه من أحاديث في سياق جملة وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ فيها أن الله قدّر على الناس وهم في أصلاب آدم أرزاقهم وآجالهم وأنهم سعداء أو أشقياء. وهذا الموضوع متصل بموضوع القدر الذي شرحناه في سياق سورة القمر شرحا يغني عن التكرار. ونقول هنا بمناسبة الآيات وإيراد الأحاديث في سياقها إن الآيات تلهم بقوة أن الذين ذرأهم الله لجهنّم هم الذين استحقّوها بانحرافهم وشذوذهم وغفلتهم عن آيات الله ونوره. وإن الأولى أن تحمل الأحاديث الصحيحة على قصد تقرير علم الله تعالى بذلك منذ الأزل. والله أعلم. تعليق على جملة الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ واستطراد إلى ذكر أسماء الله الحسنى ولقد روى الطبري وغيره أن المراد بجملة الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ ما كان المشركون يطلقونه على شركائهم من أسماء «الرحمن» و «الربّ» و «الإله» و «العزّى» - مؤنث العزيز- وغيرها من الأسماء والصفات التي لا تليق إلّا بالله ربّ العالمين وهو تأويل وجيه. وقد وضعت الآية الأمر في نصابه حيث قررت أن

الأسماء الحسنى والصفات الكاملة إنما تليق بالله وحده ربّ كل شيء وخالق كل شيء. ومع أن تعبير الْأَسْماءُ الْحُسْنى يفيد معنى أحسن الأسماء إطلاقا فقد اعتاد المسلمون أن يحصروا أسماء الله في تسعة وتسعين اسما وصفة وهي ما ورد في القرآن من أسماء الله وصفاته سبحانه وتعالى وأن يصطلحوا على تسميتها بهذا التعبير. ولقد روى الشيخان والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن لله تسعة وتسعين اسما من حفظها دخل الجنة وإن الله وتر يحب الوتر» «1» ، وروى الترمذي وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة أيضا قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة: هو الله الّذي لا إله إلّا هو الرّحمن الرّحيم. الملك القدوس السّلام المؤمن المهيمن العزيز الجبّار المتكبّر الخالق البارئ المصوّر الغفّار القهّار الوهّاب الرّزاق الفتّاح العليم القابض الباسط الخافض الرّافع المذلّ المعزّ السّميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشّكور العليّ الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القويّ المتين الوليّ الحميد المحصي المبدئ المعيد المحيي المميت الحيّ القيّوم الواجد الماجد الواحد الصّمد القادر المقتدر المقدّم المؤخّر الأوّل الآخر الظّاهر الباطن الوالي المتعالي البرّ التوّاب المنتقم العفوّ الرّؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغنيّ المغني المانع الضّار النّافع النّور الهادي البديع الباقي الوارث الرّشيد الصّبور» «2» . وجميع هذه الأسماء مما ورد في القرآن. ولقد أورد ابن كثير هذه الأحاديث أيضا. وذكر في سياق الحديث الطويل أن

_ (1) التاج ج 5 ص 84- 88. (2) المصدر نفسه.

الترمذي رواية قال هذا حديث غريب. ثم عقّب على ذلك قائلا: وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة ورواه ابن حبان في صحيحه وابن ماجه في سننه. ثم قال وليعلم أن الأسماء الحسنى غير منحصرة في تسعة وتسعين بدليل ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن ابن مسعود عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما أصاب أحدا قطّ همّ ولا حزن فقال اللهمّ إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك. ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك. عدل فيّ قضاؤك. أسألك بكلّ اسم هو لك سمّيت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علّمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همّي. إلّا أذهب الله حزنه وهمّه وأبدل مكانه فرحا. فقيل يا رسول الله أفلا نتعلّمها؟ فقال بلى ينبغي لكلّ من سمعها أن يتعلّمها» . وعقّب ابن كثير على هذا الحديث قائلا: «أخرجه الإمام أبو حاتم بن حبّان البستي في صحيحه وإن الفقيه الإمام أبو بكر بن العربي أحد أئمة المالكية ذكر في كتابه «الأحوذي في شرح الترمذي» أن بعضهم جمع من الكتاب والسنّة من أسماء الله ألف اسم فالله أعلم» . ولقد قال بعض العلماء: إن صيغة حديث الترمذي لا تعني انحصار الأسماء بما ورد فيها ولا تمنع أن يكون الله تعالى أسماء أخرى في القرآن والحديث. والقول وجيه يزول به الإشكال الذي يمكن أن يتبادر من صيغة الحديث مع وجود أسماء أخرى في القرآن غير ما ورد فيه. هذا، ولقد روى الطبري عن ابن زيد في سياق جملة وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ أنها منسوخة بآيات القتال وهذا ما يتكرر من بعض أهل التأويل في سياق كل آية مماثلة فيها تعبير أو إمهال أو أمر بذلك. وقد قال الطبري إنه لا معنى لذلك لأن الجملة ليست أمرا من الله لنبيه بترك المشركين أن يقولوا ذلك حتى يأذن له بقتالهم وإنما هو تهديد من الله للملحدين بأسمائهم ووعيد منه ومثله قوله تعالى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر: 3] ولِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [النحل: 55] . وقول الطبري سديد

[سورة الأعراف (7) : الآيات 181 إلى 186]

وجيه. ولقد تطرّقنا إلى هذا الموضوع في سياق سورة (الكافرون) وانتهى بنا البحث استنادا إلى الدلائل التي أوردناها أن القتال إنما يكون للكفار الأعداء المعتدين على الإسلام والمسلمين بأي أسلوب من أساليب الاعتداء بما في ذلك الصدّ عنه والطعن فيه وأذيّة معتنقيه. فنكتفي بهذا التنبيه في هذا المقام. [سورة الأعراف (7) : الآيات 181 الى 186] وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186) . (1) يعدلون: هنا بمعنى يعملون أو يقضون. (2) سنستدرجهم: انظر شرحها في تفسير سورة القلم. (3) وأملى لهم إن كيدي متين: انظر شرحها أيضا في السورة المذكورة. (4) صاحبهم: كناية عن النبي صلّى الله عليه وسلّم. (5) جنّة: هنا بمعنى الجنون. (6) ملكوت السموات والأرض: كناية عن الكون جميعه. (7) يعمهون: يعمون عن الحق أو يستغرقون في التعامي. ومما قيل إن العمه هو عمى القلب والعمى هو عمى البصر. لا يذكر المفسرون رواية في مناسبة نزول الفصل. والمتبادر أنه استمرار للسياق السابق أيضا. وقد جاء معقبا بنوع خاص على الآيات السابقة له مباشرة لتوكيد ما تضمنته من تطمين وتثبيت وتنديد. وهي قوية في إنذارها وتنديدها وتطمينها:

فليس كل الناس ضالين ومنحرفين ومكذّبين وغافلين ومن نصيب جهنم. فإن منهم من يدعون إلى الحق ويهدون إليه ويعملون به. ولا يغترّن الذين يكذبون بآيات الله بما هم فيه من عافية ونعمة. فإن ذلك استدراج وإمهال واختبار. وليعلموا أن بأس الله ونقمته شديدان قاصمان. والأجدر بهم أن يترووا في موقفهم ويتفكّروا ويتدبّروا فيما يسمعونه وحينئذ يرون أن النبي صلّى الله عليه وسلّم الذي يبلغهم ما يبلغهم من آيات الله هو منذر ومحذّر ولا يمكن أن يكون مجنونا. والأولى بهم أن يتفكّروا في عظمة كون الله وما خلقه من كائنات فيروا أن الله سبحانه لا يمكن أن يكون في ذلك عابثا. والأفضل لهم أن يتذكروا أنهم ميتون حتما وأن الموت قد يكون قريبا جدا منهم. وأنهم إذا لم يؤمنوا بهذا الذي يبلّغهم إيّاه النبي صلّى الله عليه وسلّم فليس هناك حديث ومحدّث آخر يمكنهم أن يؤمنوا به. وقد يفوتهم الوقت والفرصة فيندمون ولات ساعة مندم. ومن أصرّ بعد هذا الإنذار واختار الضلال على الهدى فهو وشأنه حيث يذره الله مرتكسا في ضلاله وطغيانه حتى يستحق ما أعدّه الله له يوم القيامة من المصير الرهيب. وما قلناه في سياق الفصول السابقة نقوله هنا. فإن مضمون الآيات وبخاصة ما فيها من نسبة التكفير والنظر والإيمان وقابلية الاهتداء يزيل ما يمكن أن يتبادر إلى الوهم من مضمون الآية الأخيرة ويجعل الوجه فيها هو ما وجهناه في سياق شرح الفصول الثلاثة جملة. والفصل يحتوي تلقينا مستمر المدى أيضا كسابقيه. ففيه تنويه بالدعاة إلى الحق والعاملين به وبالدعوة إليه والحثّ على العمل به. وفيه تنديد بالاستغراق في الغواية وعدم التدبّر والتروي في الأمور والمكابرة في الحق وعدم المبالاة بالعواقب وبمن يرتكس في ذلك. هذا، ومضمون الآية [184] وأسلوبها يلهمان أن نفي الجنون عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ليس بسبيل الردّ على تهمة الكفار إيّاه بالجنون وإنما هو بسبيل الإنذار وتوكيد صدق الدعوة وجدّها.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 187 إلى 188]

ولقد أورد ابن كثير في سياق الآية الأولى حديثا عزاه إلى الصحيحين عن معاوية بن أبي سفيان قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ لا يضرّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة. وفي رواية حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك وفي رواية وهم بالشام» » . والمفسّر أورد الحديث للمناسبة الموضوعية. وقد جاريناه لأن فيه بشرى ربانية للأمة الإسلامية وتثبيت لمن يكون منهم على الحق حتى لا يبالوا بخلاف وخذلان من غيرهم. [سورة الأعراف (7) : الآيات 187 الى 188] يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (187) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) . (1) الساعة: في مقامها كناية عن وقت انتهاء الحياة الدنيا وقيام القيامة. وقد وردت في القرآن في معنى الساعة الزمنيّة كما جاء في آية سورة الأحقاف: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ ... [35] . (2) مرساها: قيل بمعنى منتهاها أي منتهى الحياة الدنيا التي تقوم الساعة عنده وقيل بمعنى قيامها وهذا مثل ذاك في النتيجة. (3) لا يجليها: لا يظهرها أو يكشفها. (4) ثقلت في السموات والأرض: قيل بمعنى ثقل وقعها وهولها في السموات والأرض أو بمعنى اشتدّ اختفاء وقت وقوعها أو بمعنى ثقل خبرها بحيث لا يعلمه أحد في السموات والأرض. وقد رجّح الطبري المعنى الأخير. (5) يسألونك كأنك حفي عنها: بمعنى يسألونك عنها وكأنك صديق حفيّ

_ (1) أورد مؤلف التاج هذا الحديث مرويا عن ثوبان عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بهذا النصّ: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من يخذلهم حتى يأتي أمر الله» . التاج ج 5 ص 313. الجزء الثاني من التفسير الحديث 35.

تعليق على السؤال عن موعد القيامة وما في الجواب من دلالة بليغة

بهم أو كأنهم يظنونك مولعا خبيرا بعلمها، والحفيّ بمعنى الملحف في السؤال أو بمعنى المبالغ في إكرام الغير أو المهتمّ به. احتوت الآية الأولى حكاية سؤال وجّهه بعضهم إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن وقت قيام القيامة وإلحاحهم عليه بذلك وأمرا له بإعلان انحصار علمها في الله سبحانه وتعالى الذي جعل لها موعدا معينا في علمه لا يعلمه غيره وكونها لا تأتي الناس إلّا بغتة، وكونها عظيمة الخطر في السموات والأرض لما سوف يترتّب على حلولها من أمور عظيمة وأهوال جسيمة. واحتوت الآية الثانية أمرا للنبي صلّى الله عليه وسلّم بإعلان كونه لا يعلم الغيب ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا إلّا ما شاء الله وأنه لو كان أمره غير هذا لمنع عن نفسه الضرّ ولاستكثر لنفسه الخير، وأنه ليس إلّا نذيرا وبشيرا لمن يرغب في الهداية والإيمان. والمتبادر أن الآية الثانية استمرار للجواب الذي أمر الله سبحانه النبي صلّى الله عليه وسلّم بإعلانه للناس على سؤالهم عن موعد قيام الساعة. والآيتان ليستا منفصلتين عن السياق على ما يتبادر منهما وإن كان من المحتمل أنهما نزلتا لحدّتهما، وبدتا كفصل مستقلّ مستأنف. فالآيات السابقة أنذرت الناس بالآخرة وحسابها وثوابها وعقابها فأخذ الناس يسألون النبي صلّى الله عليه وسلّم عن موعدها فنزلت الآيات جوابا على ذلك. وليس هناك رواية صريحة عن هويّة السائلين. وقد تراوح تخمين المفسرين بين أن يكونوا يهودا أو عربا. وقد قال ابن كثير إن الأشبه أن يكونوا عربا لأن الآيات مكية. وهذا هو الأوجه والأرجح لأن احتكاك اليهود بالنبي صلّى الله عليه وسلّم وتوجيههم الأسئلة إليه إنما كان في العهد المدني. تعليق على السؤال عن موعد القيامة وما في الجواب من دلالة بليغة وهذه المرة الأولى التي يرد فيها هذا السؤال ثم تكرر كثيرا فيما بعد.

فالإنذار بيوم القيامة وأهوالها وحسابها قد تكرر كثيرا بل هو أكثر موضوع تكرر بأساليب متنوعة في القرآن وكان من أشدّ مواضيع الحجاج بين الكفار والنبي وأكثرها. وكان من أشدّ دعائم الدعوة والإنذار والتبشير. فمن الطبيعي أن يتكرر السؤال عنه. وكان السؤال على الأعمّ الأغلب يأتي من كفّار العرب. وأكثر ما كان أسلوب سؤالهم أسلوب إنكار وتحدّ وسخرية مثل ما جاء في آية سورة يونس هذه: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (48) وقد تكرر السؤال بنفس الصيغة في آية سورة الأنبياء [38] وفي آية سورة النمل [71] حيث لم يكونوا يؤمنون بالقيامة ويسخرون من الإنذار والتبشير بها على ما ورد في آيات عديدة مرّ بعضها ومن ذلك آيات سورة المؤمنون هذه: قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (83) ومثل آية سورة هود هذه: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) . على أن أسلوب الآية الأولى يلهم أن السؤال فيها ليس من هذا الباب وإنما هو سؤال المستعلم المستقصي، حتى ليخطر بالبال أنه من غير الكفار وقد روى الطبري فيما روى أن قريشا قالوا للنبي صلّى الله عليه وسلّم إن بيننا وبينك قرابة فأسرّ إلينا متى الساعة. وقد جاء الجواب بنفي ما يمكن أن يكون قد قام في أذهان السائلين من أن النبي صلّى الله عليه وسلّم يعلم الغيب ويعلم علم الساعة أو أنه يدّعي ذلك بأسلوب قويّ حاسم تتجلّي فيه صورة رائعة من الصميمية النبويّة بتبليغ كل ما يوحى إليه به، ومن جملة ذلك أنه بشر مثل سائر البشر يمسّه من السوء مثل ما يمسّهم ويحرم من وسائل الخير المادية مثل ما يحرمون ولا يعلم الغيب ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا إلا ما شاء الله، وليس هو إلّا نذير وبشير وهاد لمن يريد أن يتّعظ ويؤمن ويهتدي. وقد تكررت هذه الصورة بأساليب ومناسبات عديدة مرّ منها بعض الأمثلة. ولقد أورد البغوي حديثا رواه بطرقه عن أبي هريرة في سياق جملة لا

[سورة الأعراف (7) : الآيات 189 إلى 198]

تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لتقومنّ الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه. ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه. ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقى فيه. ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها» والحديث لم يرد في كتب الأحاديث الصحيحة ولكن صحته محتملة وهو بسبيل بيان قيام الساعة بغتة. ولعل من الحكمة المنطوية فيه حث الناس على الاستعداد دائما للرحيل عن الدنيا بآجالهم أم بانتهاء أجل الدنيا وقد اتقوا الله وعملوا بما أمر ونهى وحدد وحكم ولم يشذوا ولم ينحرفوا حتى يلقوا الله وهو راض عنهم. وهذا منطو في حكمة تعمية وقتها والإيذان بأنها لا تأتي إلّا بغتة في هذه الآيات وأمثالها. وهناك أحاديث نبوية في أشراط الساعة أرجأنا إيرادها لمناسبة أكثر ملاءمة. غير أننا ننبه هنا إلى أمر هام وهو أن هذه الآيات وأمثالها صريحة بأن الله تعالى غيب علم وقوعها على جميع خلقه وأذن أنها لا تأتي إلّا بغتة مع توكيد مجيئها. فيجب الإيمان بكل ما جاء عنها في القرآن أو في الأحاديث الصحيحة والوقوف عندها بدون تزيد. [سورة الأعراف (7) : الآيات 189 الى 198] هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (193) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (195) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (198)

(1) فلما تغشّاها: كناية عن المضاجعة. (2) حملت حملا خفيفا: كناية عن دور الحمل الأول. (3) فلما أثقلت: كناية عن دور الحمل الثاني. (4) عباد أمثالكم: مخلوقات من مخلوقات الله مثلكم. (5) كيدوني: أنزلوا بي الأذى أو نيلوني بكيدكم إذا قدرتم. (6) فلا تنظروني: فلا تمهلوني. لم يرو المفسرون مناسبة خاصة لنزول الآيات. والمتبادر أنها استمرار في السياق مع التفات في الخطاب للسامعين. وفيها تنديد بالجاحدين لنعمة الله والناقضين لعهودهم معه والمشركين به، وتهوين لشأن الشركاء الذين يتخذونهم من دون الله والذين لا يملكون لهم ولا لأنفسهم نصرا ولا يخلقون شيئا ولا يسمعون ولا يبصرون، وتحد لهم في صدّهم وسخرية بهم، وإعلان بلسان النبي صلّى الله عليه وسلّم أن وليّه الله الذي نزّل الكتاب وأنه وليّ كل مؤمن صالح. وعبارتها واضحة. وأسلوبها قوي نافذ شديد الإفحام من شأنه أن يسدّ منفذ أي منطق للمشركين ويحبط أي حجّة لهم في إشراك أي شيء من موجودات الكون وقواه مع الله في الدعاء والعبادة والاتجاه والشكر، وفي أمل جلب الخير لهم ودفع الشرّ عنهم ونصرهم في الملمات، وقوة الإفحام مستحكمة بنوع خاص بسبب ما احتوته الآية الأولى من حكاية اعترافهم بالله على أنه ربّهم الأكبر خالقهم ورازقهم ومدبّر الأكوان. وقد احتوت تحدّيا لاذعا وتبكيتا قارعا يزيدان في قوّة الإفحام أيضا. فالذين يشركونهم مع الله مخلوقون كسائر مخلوقات الله وعاجزون عن خلق أي شيء كما أنهم عاجزون عن حماية أنفسهم من أي طارئ فضلا عن عجزهم عن نصر الذين يتخذونهم شركاء. كذلك في أسلوب الآيات القويّ المتحدّي اللاذع ما يبعث الثقة والطمأنينة في نفس النبي صلّى الله عليه وسلّم والمسلمين لأنه أسلوب الواثق بقوّة موقفه المستعلي على مجادله. وهذا

تعليق على الآية هو الذي خلقكم من نفس واحدة والآيات التسع التالية لها وما فيها من صور وتلقين

مما استهدفته الآيات فيما هو المتبادر أيضا. تعليق على الآية هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ والآيات التسع التالية لها وما فيها من صور وتلقين لقد روى الطبري وغيره عن أهل التأويل روايات مختلفة الصيغ متفقة المدى تفيد أن جملة نَفْسٍ واحِدَةٍ تعني آدم الذي كان أول من خلقه الله من البشر وجملة وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها تعني حواء التي خلقها الله منه وأنهما كان يسميان أولادهما بأسماء منسوبة إلى الله مثل عبد الرحمن وعبد الله فيموتون فوسوس لهما إبليس بتسميتهم بأسماء غير منسوبة إلى الله مثل عبد الحرث ففعلا فعاشوا. وهناك حديث رواه الترمذي والحاكم وصححه عن سمرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «لما حملت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سمّيه عبد الحرث فسمّته عبد الحرث فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره» «1» . غير أن هناك من توقف في هذه الروايات وفي الحديث ونعته بالمرفوع أو الموقوف بل وهناك من قال إنه مروي عن إسرائيليين ولا يجوز الأخذ به «2» . وروي عن الحسن أن الآيات هي في صدد رجل وامرأة من كفّار بني آدم ومشركيهم «3» وهناك من روى أنها في صدد عربي وعربية من قريش من ولد قصي «4» . ولقد قال الذين تمسكوا بصحة الحديث إن الكلام في الآية الأولى فقط في صدد آدم وحواء. واستشكلوا في نسبة الشرك إليهما فقالوا إنه ليس شرك عبادة وإنما هو شرك طاعة. لأن هناك قاعدة عند أهل السنّة من المفسرين وهي التقيّد بالحديث النبوي إذا صحّ عندهم في تفسير الآيات.

_ (1) التاج ج 4 ص 107. (2) انظر تفسير رشيد رضا والقاسمي وابن كثير. (3) انظر هذه الكتب وانظر الطبري والبغوي. (4) انظر الزمخشري.

وهذا حق. غير أن الحالة هنا هي غير ذلك لأن الحديث ليس مجمعا عليه بل ومتوقفا فيه. وإذا أمعنّا في الآيات نراها أولا وحدة تامة منسجمة برغم انتقال الضمائر فيها من الجمع الغائب إلى الجمع المخاطب الذي هو مألوف في النظم القرآني «1» ونراها ثانيا مصبوبة على المشركين وأوثانهم وفيها تنديد بهم وتحدّ لهم. ونرى في صرفها أو صرف بعضها إلى آدم وحواء مشكلا وفي ما حاولوه من صرف نسبة الشرك إليهما تكلفا. وضمير الجمع المخاطب الذي انتقل إليه الكلام يجعلنا نرى القول إنها في صدد مشركين عرب هو الأوجه. بل وإنها موجهة إلى المشركين السامعين. ولقد قال المؤولون والمفسرون الذين صرفوها إلى المشركين العرب إن ما عنته الآية الأولى هو ما كانوا يطلقونه على أولادهم من أسماء معبوداتهم مثل عبد اللاة وعبد مناة وعبد العزى وعبد يغوث وعبد ودّ. ومع احتمال الصواب في هذا ووجاهته فإنه يتبادر لنا أن الإشارة أعمّ شمولا وأنها تعني أيضا تسفيه عقيدتهم في كون شركائهم ذوي أثر فيما يتّم لهم من نعمة الولد وسلامته. وفيما يأخذون به من إشراك شركائهم مع الله بالشكر والدعاء والاتجاه. وفي الآيات كما هو المتبادر صورة أوضح مما سبق لعقيدة الشرك عند العرب قبل الإسلام وشمولها وهدفها الدنيوي. ولقد علّقنا على هذه العقيدة وهدفها في سياق تفسير سورة المدثّر فلا نرى ضرورة للإعادة. والوصف الذي احتوته الآيات للشركاء قد يدلّ على أن موضوع الكلام هو الأوثان الجامدة التي كان العرب يتخذونها رموزا لآلهتهم السماوية وبخاصة للملائكة ويقيمون عندها طقوسهم ويقربون قرابينهم على ما شرحناه في سياق سورة (النجم) ، وفي الآية [198] بخاصة دليل أو قرينة على أن هذه الأوثان كانت

_ (1) من أمثلة ذلك آية سورة يونس هذه: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) .

[سورة الأعراف (7) : الآيات 199 إلى 202]

مخلّقة. أي على صورة إنسان أو حيوان له عينان ولكن لا تبصران وأذنان ولكن لا تسمعان. ويبدو من الوصف مع ذلك أن المشركين كانوا يعتقدون أن للأوثان تأثيرا مباشرا في جلب النافع ودفع الضارّ عنهم أيضا. ومن هنا تبدو قوة التبكيت اللاذع الذي احتوته الآيات. هذا، ونقف عند الآية الأولى لنقول إنها في ما قررته من كون الذكر والأنثى من نفس واحدة يلمح كون الجنسين زوجا واحدا جعل كل منهما مكملا للآخر وكونهما بناء على ذلك في مرتبة واحدة من حيث الحياة الإنسانية ووظائفها. وكل ما في الأمر أن لكل منهما وظيفة تناسلية مختلفة عن وظيفة الآخر وحسب. وفي هذا تدعيم لما نبهنا عليه من مبدأ التساوي بين الذكر والأنثى في سياق تفسير سورة الليل. [سورة الأعراف (7) : الآيات 199 الى 202] خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (199) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (202) . (1) العفو: جاءت الكلمة في القرآن بمعنى التجاوز عن السيئات وبمعنى الزائد من المال والميسور للصدقات منه. وقال المفسرون إنها هنا بهذا المعنى كما قالوا إنها بمعنى قبول ظواهر الناس وأعذارهم والتسامح والمياسرة معهم. (2) العرف: المعروف. وكل ما تعورف على أنه خير وبرّ وصلاح ومباح وإحسان وكل ما فيه ذلك داخل في معنى الكلمة. (3) الجاهلين: جاءت في القرآن بمعنى ضدّ العالمين وجاءت بمعنى الغافلين والجاحدين والسفهاء. وهنا هي بالمعنى الأخير. ومن المفسرين من قال

شرح الآية خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين والآيات الثلاث التي بعدها وتلقيناتها

إنها بمعنى ذوي المزاج الحديد الذي يهتاج لأقلّ سبب. (4) نزغ: وسوسة. وقيل إن معنى الكلمة في مقامها ثورة من غضب. (5) طائف: وسوسة أو خطرة من خطرات النفس السيئة أو ثورة غضب أو من شيطان أو اقتراف ذنب على اختلاف الأقوال. وأصل معنى الطائف الإلمام أو المسّ أو الطارئ. (6) وإخوانهم: الضمير في الكلمة عائد إلى الجاهلين على أوجه الأقوال. شرح الآية خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ والآيات الثلاث التي بعدها وتلقيناتها الخطاب في الفصل موجّه إلى مخاطب قريب. وفحوى الآية الأولى منه يدلّ على أنه موجّه إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم. وقد احتوى بعض التعليمات والتنبيهات والتنديدات. ولا تبدو صلة ظاهرة تربطه بالسياق السابق حتى ليكاد يبدو مستقلا. ومع ذلك فليس فيه موضوع مناقض أو مغاير أو بعيد عمّا احتواه السياق. ولم يرو المفسرون رواية خاصة في مناسبة نزوله إلّا رواية رواها الطبري ليس فيها مناسبة أصلية وإنما فيها مناسبة فرعية وسنوردها بعد قليل. ولعل حكمة التنزيل اقتضت بإيحائه عقب الفصول السابقة ليتصرف النبي صلّى الله عليه وسلّم وفق ما احتواه. أو لعلّه أنزل لمناسبة أزعجت نفس النبي صلّى الله عليه وسلّم وأثارته عقب نزول الفصول السابقة فدوّن في سياق واحد معها. وقد أوجبت الآية الأولى على النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يتسامح مع الناس ويقبل ميسورهم وظواهرهم وإعذارهم دون تشدّد ولا تزمّت. وأن يأمر بكل ما فيه الخير والصلاح وألّا يساجل الجاهلين في جهلهم وطيشهم وأن يعرض عنهم. ويغضي عمّا قد يسوؤه منهم. ونبهته الآية الثانية إلى الرجوع إلى الله عزّ وجلّ والعياذ به كلما حاول شيطان

أن يمسّه بنزغة من نزغاته ويلقي إليه بوسوسة من وساوسه. أما الآيتان الثالثة والرابعة فقد احتوتا استطرادا فيه تنويه بالمؤمنين المتقين وتنديد بالجاهلين الكافرين. فالأولون كلما ألمّ بهم شيء من ذلك تذكروا الله وعظمته وأوامره ونواهيه فتنبهوا واستقاموا وتخلصوا، في حين أن الآخرين يخضعون لنزغات إخوانهم الشياطين الذين يظلون يوسوسون لهم ويورطونهم دون كلل أو تقصير. وقد يكون نزغ الشيطان المذكور في الآية الثانية مطلقا وقد يكون في صدد ما أمر النبي به من خطة في الآية الأولى. ولقد روى الطبري عن ابن زيد أنه لما نزلت الآية الأولى قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: فكيف بالغضب يا ربّ فنزلت الآية التي بعدها. فإذا صحت الرواية ولا مانع من صحتها فتكون الآية الأولى هي عمود الفصل وتكون الآيات تفريعا تنبيهيا لها ويستأنس بها على رجحان الاحتمال الثاني. على أن هذا وارد سواء أصحّت أم لم تصحّ. ولئن وجّه الخطاب في الآيتين الأوليين للنبي صلّى الله عليه وسلّم لتحتويا على خطة له لمعالجة ما اقتضته ظروف الدعوة من شؤون ومواقف وحالات. فإن الاستطراد الذي نوّه فيه بالمتقين وندّد فيه بالجاهلين تسوغ القول إن الآيات الأربع قد انطوت على تلقينات جليلة مستمرة المدى سلوكية ونفسية وتثبيتية وتنديدية في آن واحد لتكون مستمد إلهام وتلقين لكل مسلم وبخاصة للذين يتولون القيادة في حركات النضال والدعوة والإصلاح. لأنهم بطبيعة مهمتهم مضطرون إلى الاحتكاك بمختلف طبقات الناس ومعرضون لكثير من المواقف والمشاهد والانفعالات والحالات التي يجب مواجهتها بمثل الخطة الحكيمة البليغة التي احتوتها الآية الأولى. وتلقين الآيتين الثالثة والرابعة قوي بليغ، فالذين يتّقون الله ويبتغون رضاءه يسارعون حالا إلى كظم غيظهم والانتباه إلى ما أوشكوا أن يتورطوا فيه من الانفعالات ووساوس النفس ونزغات الشيطان ويعوذون بالله لتصفو نفوسهم وتهدأ انفعالاتهم وتنخسئ عنهم وساوس الشياطين ويعودون إلى ما هو الأولى بهم من السكون ورباطة الجأش والتجلّد والتزام الخطة المرسومة في الآية الأولى بعكس أضدادهم الذين فقدوا الإيمان والوازع الديني فيقعون تحت تأثير

تعليق على الأمر بالاستعاذة من نزغات الشيطان ومدى هذه النزغات في النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الناس

الوساوس والنزغات دائما ويرتكسون نتيجة لذلك في مختلف الانحرافات والآثام. ولقد أورد الطبري في سياق الآية الأولى حديثا عن سفيان بن عيينة عن رجل سمّاه قال: «لما نزلت هذه الآية خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يا جبريل ما هذا؟ قال ما أدري حتى أسأل العالم قال ثم قال جبريل يا محمد إن الله يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك» وروى الطبري هذا بطريق آخر عن أبيّ أيضا. والحديث لم يرد في كتب الأحاديث المعتبرة. ولكن صحته محتملة وفيه توضيح وتساوق مع تلقين الآية القرآنية كما هو واضح. ولقد أورد ابن كثير في سياق الآية الثانية حديثا جاء فيه: «إنّ رجلين تسابّا بحضرة النبي صلّى الله عليه وسلّم فغضب أحدهما حتى جعل أنفه يتمرّغ غضبا، فقال رسول الله إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» . وقد روى هذا الحديث البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود بصيغة مقاربة عن سليمان بن صرد قال: «استبّ رجلان عند النبي صلّى الله عليه وسلّم فجعل أحدهما تحمرّ عيناه وتنتفخ أوداجه فقال رسول الله إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فقال وهل ترى بي من جنون» «1» . حيث ينطوي في الحديث تعليم نبوي متساوق مع التعليم القرآني. تعليق على الأمر بالاستعاذة من نزغات الشيطان ومدى هذه النزغات في النبي صلّى الله عليه وسلّم وسائر الناس والتعليم بالاستعاذة من نزغات الشيطان ووساوسه يأتي هنا للمرة الثانية. والمرة الأولى جاءت في سورة الناس وقد ذكر فيها الجنة بدلا من الشيطان هنا.

_ (1) التاج ج 5 ص 47.

ولقد شرحنا هدف التعليم بالاستعاذة وما تبثّه في النفس من سكينة وطمأنينة. وأوردنا طائفة من الآيات والأحاديث في سياق تفسير سورة الفلق فنكتفي بهذا التنبيه بالنسبة للاستعاذة. غير أن صيغة الآية [200] التي نحن في صددها مختلفة نوعا ما. حيث تأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بالاستعاذة من الشيطان إذ أن نزغه منه الذي فسّره الجمهور على أنه الغضب. وهذه الصيغة تكررت في آية سورة فصلت هذه: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36) وجاءت بصيغة أخرى في آيات سورة المؤمنون هذه: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98) وقد كانت هذه الآيات موضوع بحث كلامي عما إذا كان يمكن أن يكون النبي صلّى الله عليه وسلّم عرضة لنزغات وهمزات ووساوس الشياطين وتأثيرهم كسائر الناس وبما إذا كان هذا مما يخلّ في عصمته. وبما إذا كان هذا مما يصحّ أن يشمل ما يصدر عنه من أوامر وتعليمات وما يبلغه من وحي الله وقرآنه. وقد تطرق المفسّر الخازن إلى هذا الأمر في سياق تفسير آية الأعراف التي نحن في صددها فقال إن الآية بسبيل التعليم وليست بسبيل تقرير أمر وقع. أو أنها من باب لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: 65] والنبي صلّى الله عليه وسلّم بريء من الشرك البتة. وإن الشيطان لو حاول الوسوسة له فإن الله عاصمه عن قبولها والتأثّر بها. وأورد بسبيل ذلك حديثا رواه ابن مسعود قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما منكم من أحد إلّا وقد وكّل به قرينه من الجنّ وقرينه من الملائكة قالوا وإياك يا رسول الله قال وإيّاي إلّا أنّ الله أعانني عليه فأسلم من شرّه وفتنته» «1» . تطرق رشيد رضا في تفسيره لآية سورة الأعراف التي نحن في صددها إلى هذا الموضوع أيضا. وفنّد أي احتمال لتأثّر النبي صلّى الله عليه وسلّم بوسوسة الشيطان وأورد الحديث وقال إنه وارد في صحيح مسلم.

_ (1) انظر تفسير الآيات في الخازن. [.....]

تعليق على رواية نسخ آية خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين

والمتبادر أن أسلوب الآيات ومداها لا يتحمل هذا البحث. وأن الآية الثانية من الآيات التي نحن في صددها ليست إلّا بسبيل التنبيه على ما يمكن أن يطرأ على نفس النبي صلّى الله عليه وسلّم من انفعالات وأزمات تجاه المواقف والحالات المثيرة وبسبيل تهدئته مما هو متصل بطبيعة البشر التي قرر القرآن أن النبي صلّى الله عليه وسلّم فيها مثل سائر البشر. على أن من المحتمل أن يكون الخطاب للسامع المسلم إطلاقا وهذا من أساليب القرآن المألوفة والمتكررة، ويمكن أن يضاف إلى هذا وذاك أن القرآن قرر أنه ليس للشيطان سلطان على الذين آمنوا وعلى ربّهم يتوكلون كما جاء في آية سورة النحل [99] وأنه لا سبيل له على عباد الله المخلصين كما جاء في آيات سورة الحجر [40- 42] وهذا ضابط من ضوابط القرآن المحكمة. والنبي صلّى الله عليه وسلّم أول عباد الله المؤمنين الذين لا يمكن أن يكون للشيطان سبيل إليهم ولا سلطان عليهم. بل إن هذا المعنى مندمج في الآيات التي نحن في صددها كما يظهر للمتمعن فيها، فإذا ما حاول الشيطان أن يمسّ المؤمنين المخلصين بنزغة من نزغاته تذكروا في الحال فنجوا منها. تعليق على رواية نسخ آية خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ هذا، وقد قال بعض المفسرين إن الآية الأولى نسخت بالآيات التي تأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بقتال الكفار والمنافقين والإغلاظ لهم وهذا القول يتكرر في كل مناسبة مماثلة على ما نبهنا عليه قبل. ولسنا نرى هذا في محله. فالآية احتوت خطة ربانية للنبي صلّى الله عليه وسلّم والمسلمين إزاء الناس جميعهم الذين يدخل فيهم المسلمون. وهذه الخطة مؤيدة بآيات عديدة مدنية ومكية مثل آية سورة آل عمران هذه: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وآية سورة النساء هذه: أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً (63) وآية سورة

فصلت هذه: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وآية سورة الإسراء هذه: وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً (53) وآية سورة آل عمران هذه: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) بحيث يمكن أن يقال إن ما احتوته الآية من حثّ على أخذ الناس بالعفو من أخلاقهم وقبول الميسور منهم والتسامح في معاشرتهم والإغضاء عن طيش جاهليهم من مبادئ القرآن المحكمة. وليس من تعارض بين هذا وبين معاملة من يستحق الشدّة والغلظة والقتال بما يستحق بطبيعة الحال حتى يصحّ القول بنسخ الآية. وقد قال الطبري الذي روى رواية النسخ عن بعض أهل التأويل من الصدر الإسلامي إنه ليس لديه دليل على نسخها، وإن المراد منها تأديب النبي صلّى الله عليه وسلّم والمسلمين جميعا وأمرهم بأخذ عفو أخلاق الناس. وتعليمهم صفة عشرة بعضهم بعضا وعشرة من لم يجب أخذه بالغلظة والشدّة. ولقد أورد البغوي حديثا رواه بطرقه في سياق هذه الآية عن عائشة قالت: «لم يكن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاحشا ولا متفحّشا ولا صخّابا في الأسواق. ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح» . وحديثا آخر عن جابر قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إن الله بعثني لإتمام مكارم الأخلاق وإتمام محاسن الأفعال» . ولم نطلع على هذين الحديثين في كتاب التاج الذي جمع أحاديث أئمة الحديث الصحيح الخمسة. وهذا لا ينفي صحتهما ولقد روى مؤلف التاج حديثا مقاربا للحديث الأول مرويا عن أنس قال: «لم يكن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فاحشا ولا لعانا ولا سبّابا» «1» . وروى عن الترمذي وأبي داود حديثا عن أبي الدرداء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن. وإن الله ليبغض الفاحش البذيء» .

_ (1) التاج ج 5 ص 33.

[سورة الأعراف (7) : آية 203]

وروى عن الترمذي حديثا عن أبي ذرّ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» «1» . وروى عن الترمذي ومسلم والبخاري حديثا عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «خياركم أحاسنكم أخلاقا» وفي رواية: «إنّ من أخيركم أحسنكم خلقا» «2» . حيث ينطوي في الأحاديث صورة من أخلاق رسول الله واهتمامه بالحثّ على مكارم الأخلاق مما له صلة بالتأديب القرآني الذي تحتوي عليه الآية. وكفى ثناء على أخلاق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم آية سورة القلم وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) . وكان ذلك من أسباب اصطفاء الله إياه لرسالته العظمى اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ كما جاء في آية سورة الأنعام [124] . [سورة الأعراف (7) : آية 203] وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203) . (1) آية: قال ابن كثير إن المقصود من الآية في هذه الآية معجزة، غير أن معظم المفسرين أوّلوها بآية قرآنية. وهذا أوجه وفي الآية قرينة على وجاهة هذا التأويل والآية القرآنية بمعنى جملة قرآنية. (2) لولا: جاءت في القرآن كثيرا بمعنى هلا للتحدي وهي هنا بهذا المعنى. (3) اجتبيتها: قال المفسرون إنها هنا بمعنى اختلقتها أو تقوّلتها. والاجتباء في الأصل الاصطفاء وهي من جبى بمعنى أخذ. في الآية حكاية لبعض مواقف الكفار حيث كانوا يقترحون على النبي صلّى الله عليه وسلّم الإتيان بآية. وحينما لا يلبيهم يلمزونه قائلين هلا اختلقت ما نطلب منك. وقد أمرت النبي صلّى الله عليه وسلّم بالردّ عليهم بأنه إنما يتبع ما يوحى إليه به من ربّه وليس له إلّا التزام

_ (1) التاج ج 5 ص 57. (2) المصدر نفسه.

تعليق على جملة إنما أتبع ما يوحى إلي

حدود ذلك وإن ما يبلغه ليس تقوّلا على الله وإنما هو وحي رباني يوحيه الله ليكون هدى ورحمة للذين صدقت رغبتهم في الحق والإيمان والتبصّر. ولم يذكر المفسرون رواية في نزول هذه الآية لمناسبة خاصة. ويتبادر لنا أن لها صلة بالفصل السابق. وضمير الجمع الغائب يمكن أن يكون قرينة على هذه الصلة لأنه يربط بينها وبين الآية الأخيرة السابقة التي تذكر إخوان الشياطين. ولا يبعد أن يكون الموقف الساخر الذي حكته الآية بقولهم للنبي صلّى الله عليه وسلّم: (هلا اختلقتها) هو الذي أثار انفعال النبي صلّى الله عليه وسلّم فتقدمت الآيات السابقة بالخطة الحكيمة والتنويه والتنبيه والتنديد بين يديّ الباعث عليها. وفحوى الآية يلهم أن الكفار قد طلبوا آية قرآنية وليس آية خارقة أي معجزة. فلما لم يجبهم إلى طلبهم وقال لهم إن القرآن وحي من الله يبلغه حينما يوحي الله به إليه غمزوه بما غمزوه وأثاروا انفعاله. وهكذا تكون الآية قد احتوت صورة جديدة من صور مواقف تحدّي الكفار. وقد تكرر هذا منهم وتكرر نفس الجواب لهم على ما حكته آية سورة يونس هذه: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) . تعليق على جملة إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَ وفي هتاف النبي صلّى الله عليه وسلّم بأمر الله بأنه إنما يتبع ما يوحى إليه من الله وليس له إلّا تبليغه وبأن القرآن ليس ارتجالا وليس هو رهن الطلب والاقتراح وبسبيل الجدال والمماحكة وإنما هو بصائر وهدى ورحمة لمن صدقت نيته ورغبته في الإيمان والهدى تتجلّى صميميته الرائعة بإعلان الحق والحقيقة والتزام حدود الله ويتجلّى عمق إيمانه برسالته وصلته بالله واستغراقه فيهما. وفي الآية بعد تنويه جميل

[سورة الأعراف (7) : آية 204]

بأصحاب النيات الحسنة والرغبات الصادقة لأنهم لا يكابرون إزاء الحق والصدق ولا يمارون فيهما ويتلقونهما بالقبول والإذعان. [سورة الأعراف (7) : آية 204] وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204) . تعليق على الآية وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ روى الطبري أن الآية نزلت في فتى من الأنصار كان كلّما قرأ النبي شيئا من القرآن قرأه. وروى عن أبي هريرة أنها نزلت في صدد رفع المسلمين أصواتهم وهم خلف رسول الله في الصلاة. وهذا روي بطرق عديدة عن أشخاص عديدين. وروي كذلك إلى أن الآية في صدد الإنصات للإمام وخطبة الجمعة وحسب. وهناك حديث يرويه الطبري عن النبي صلّى الله عليه وسلّم جاء فيه: «إذا قرأ الإمام فأنصتوا» وهذا الحديث لم يرد في الكتب المعتبرة. ولكن هناك أحاديث من بابها في هذه الكتب حيث روى الترمذي وأبو داود حديثا عن عبادة قال: «صلّى بنا رسول الله الصبح فثقلت عليه القراءة فلما انصرف قال إني أراكم تقرءون وراء إمامكم قلنا يا رسول الله إي والله قال لا تفعلوا إلّا بأمّ القرآن فإنّه لا صلاة لمن لا يقرأها وفي رواية فلا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جهرت به إلّا بأمّ القرآن» «1» . وإلى هذا فقد روى الطبري وغيره عن بعض أهل التأويل أنها عامة في الصلاة وغيرها وليس من تعارض في هذا كما هو المتبادر. والرواية التي تذكر أنها نزلت في فتى الأنصار غير واردة في الكتب المعتبرة. ونلمح الاتصال بينها وبين سابقاتها التي ذكر فيها القرآن وما فيه من بصائر وهدى ربانيين لقوم يؤمنون حيث يسوغ القول إن الآية لم تنزل لحادث معين وإنما نزلت للمناسبة السابقة أو معها بسبيل تعليم المؤمنين عامة آداب الاستماع للقرآن حينما

_ (1) انظر تفسير الآية في تفسير القاسمي. الجزء الثاني من التفسير الحديث 36

يتلى في الصلاة وفي غير الصلاة لما فيه من أسباب الهدى والتذكير والرحمة الربانية. ولقد قال الزمخشري والطبرسي إن الأمر بالاستماع يعني الطاعة للقرآن والتزام ما فيه من أوامر ونواه وحدود. وهذا الواجب هو من قبيل تحصيل الحاصل. غير أن كلمة (وأنصتوا) قد تكون مرجحة لكون الأمر بالاستماع في هذا المقام هو في إيجاب الاهتمام لسماعه والإنصات له. وواضح أن التعليم والتأديب اللذين احتوتهما الآية عام شامل. وفيهما إيجاب للسير عليه في كل ظرف ومكان. وفي مخالفتهما انحراف عن أمر الله وإساءة أدب إزاء كتابه الكريم المستحقّ لكل توقير وتكريم من جهة والواجب تدبر آياته للانتفاع بها واستحقاق رحمة الله من جهة أخرى وهذا لا يتمّ إلا بحسن الإنصات والاستماع. واستلهاما من روح الآية يمكن أن يقال إن هذا الأدب يجب أن يترافق بأدب آخر وهو تكريم القرآن وتنزيهه عن المجالس والمواقف المبتذلة حيث يجب أن يصان كلام الله فلا يتلى إلّا في المواقف والمجالس التي تساعد على الإنصات والاستماع والخشوع والتدبّر. وعدم تلاوته في المجالس المبتذلة غير اللائقة أو على قارعة الطريق حيث يكون الناس متبذلين وغادين ورائحين ومنصرفين عنه إلى شؤونهم العادية مما يتناقض مع هذا الأدب القرآني السامي. ولقد روى رشيد رضا في سياق تفسير الآية قولا لابن المنذر بأن هناك إجماعا على عدم وجوب الاستماع والإنصات في غير الصلاة والخطبة. لأن في ذلك حرجا عظيما حيث يقتضي أن يترك كل ذي شغل شغله فيترك العالم علمه والحاكم حكمه والتاجر تجارته إلخ. ولم نطلع في تفسير الطبري والبغوي وابن كثير والطبرسي من المفسرين القدماء على مثل هذا القول. وقد يكون القول في ذاته وجيها بقطع النظر عن زعم الإجماع فيه إذا كانت القراءة في المجالس والمناسبات غير الملائمة أو غير اللائقة أو على قارعة الطريق كما قلنا والله أعلم.

[سورة الأعراف (7) : الآيات 205 إلى 206]

ولقد أورد ابن كثير في سياق هذه الآية حديثا رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة» . وهذا الحديث لم يرد في كتب الأحاديث الصحيحة. ولكن صحته محتملة. وفيه حثّ للمؤمنين على حسن استماع القرآن تساوقا مع التلقين القرآني. هذا، وهناك آثار مروية في كيفية تلاوة القرآن وترتيله أرجأناها إلى مناسبة أكثر ملاءمة. [سورة الأعراف (7) : الآيات 205 الى 206] وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (205) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206) . (1) الغدوّ: هو وقت أول النهار. (2) الآصال: جمع أصيل هو وقت آخر النهار إلى قبيل الغروب. في الآية الأولى أمر للنبي صلّى الله عليه وسلّم بالاستمرار في ذكر الله في الصباح والمساء وفي حالة الخضوع والخشوع والاستشعار بالخوف والهيبة وبغير تظاهر ولا استعلان وألّا يغفل عن ذلك مع الغافلين. وفي الثانية تقرير تذكيري بأن الذين عند الله لا يستكبرون عن عبادته وهم في تسبيح وسجود دائمين له. والمقصودون في الآية الثانية هم الملائكة حيث ورد وصف حالتهم المماثلة مع ذكرهم الصريح في آيات قرآنية أخرى مثل آية سورة الزمر هذه: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (75) وآية سورة الشورى هذه: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5) .

تعليق على الآية واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال إلخ وتنبيه على ما أعاره القرآن لذكر الله من عناية وما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث في ذلك وما في كل هذا من تلقين

ولم يرو المفسرون رواية خاصة في نزول الآيتين. وإنما ذهب الطبري إلى أن الآية الأولى منهما موجهة إلى الذين وجهت إليهم الآية السابقة لها لتأمرهم بذكر الله حينما يستمعون للقرآن على صورة التضرّع والتخشّع ودون الجهر بالقول. وقد أنكر ابن كثير ذلك وقال إنه مناقض على كل حال لأمر الإنصات الوارد في الآية السابقة. وأن الأمر في الآية الأولى من الآيتين عام على سبيل التعليم والتأديب وهذا القول في محله. ونضيف إليه إن اختلاف صيغة الضمائر في الآية الأولى من الآيتين والآية السابقة لها تجعل القول إن في الآية الأولى أمرا جديدا غير الأمر الوارد في الآية السابقة لها هو الأوجه في نطاق ما شرحنا به الآية. ويدعم هذا الآية الثانية التي احتوت صورة عن إخلاص الملائكة لله وتسبيحهم وسجودهم لهم وعدم استكبارهم. وعلى كل حال فالآيتان متصلتان مدى وفحوى بالآيات السابقة لها. وعليهما طابع الختام الذي يلمح في سور عديدة. تعليق على الآية وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ إلخ وتنبيه على ما أعاره القرآن لذكر الله من عناية وما أثر عن النبي صلّى الله عليه وسلّم من أحاديث في ذلك وما في كل هذا من تلقين وضمير المفرد المخاطب في الآية الأولى وإن كان من المحتمل أنه يعني النبي صلّى الله عليه وسلّم على سبيل التسكين والتطمين فإن التعليم والتأديب اللذين انطويا فيها مما يصح أن يكون شاملا للمسلمين. وفيه تلقين مستمر المدى. فالاستمرار في ذكر الله تعالى مما يمدّ المسلم دائما بالخشية والتقوى والطمأنينة ويجنبه المزالق ويبعد عنه الوساوس. وفي مجانبة الإعلان والتظاهر في عبادة الله وذكره دلالة على الإخلاص وبعد عن شائبة الرياء ونزغاته. ولقد كثرت الآيات القرآنية التي تحثّ على ذكر الله وتنبّه إلى ما في ذلك من

واجب وما يبعثه من هدوء وطمأنينة وما يحفّز عليه من ملاحظة الله وخشيته وعبادته والتقرّب إليه وتنفيذ أوامره واجتناب ما نهى عنه من أخلاق وأفعال والتي تندد بالذين لا يذكرون الله وما يؤدي إليه ذلك من قسوة القلب وظلمة النفس وعدم التورع عن الجحود واقتراف المنكرات والآثام حتى لتبلغ الأربعين. وهذا خلاف ما استعمل فيه فعل الذكر لمقاصد أخرى. نورد من ذلك الأمثلة التالية على سبيل التمثيل لا الحصر: 1- فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [البقرة: 152] . 2- الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ [آل عمران: 191] . 3- فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ [النساء: 103] . 4- إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: 91] . 5- الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: 2] . 6- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال: 45] . 7- الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) [الرعد: 28] . 8- وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى [طه: 124] . 9- رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ [النور: 37] .

10- اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ [العنكبوت: 45] . 11- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب: 41- 42] . 12- أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (22) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ [الزمر: 22- 23] . 13- أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ [الحديد: 16] . 14- اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ [المجادلة: 19] . 15- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ [المنافقون: 9] . حيث يبدو من هذه الآيات وأمثالها الكثيرة ما اقتضته حكمة التنزيل من إعارة هذا الأمر عناية بالغة لما ينطوي فيه من أهداف سامية دنيوية وأخروية معا. ولقد أثرت أحاديث نبوية عديدة في ذكر الله وفوائده والحثّ عليه. منها حديث رواه الشيخان والترمذي عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول الله عزّ وجلّ أنا عند ظنّ عبدي بي وأنا معه حين يذكرني. فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه وإن اقترب إليّ شبرا تقرّبت إليه.

ذراعا وإن اقترب إليّ ذراعا اقتربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» «1» . وحديث ثان رواه الشيخان عن أبي موسى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحيّ والميّت» «2» . وحديث ثالث رواه مسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: «قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يقعد قوم يذكرون الله عزّ وجلّ إلّا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده» «3» . وحديث رابع رواه الترمذي عن جابر: «قال رجل يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ فأخبرني بشيء أتشبّث به قال لا يزال لسانك رطبا بذكر الله» «4» . حيث يتساوق التلقين النبوي مع التلقين القرآني في هذا الأمر شأنه في كل أمر. [تم بتوفيق الله الجزء الثاني ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثالث وأوله تفسير سورة الجنّ]

_ (1) التاج ج 5 ص 78- 80، وفي كتاب الأذكار والأدعية الذي نقلناه عنه هذه الأحاديث من هذا الجزء أحاديث عديدة أخرى فاكتفينا بما أوردناه. (2) انظر المصدر نفسه ص 78- 80. (3) انظر المصدر نفسه. (4) انظر المصدر نفسه.

فهرس محتويات الجزء الثاني

فهرس محتويات الجزء الثاني تفسير سورة العاديات 7 مغزى القسم القرآني بالخيل 9 تعليق على مدنية السورة 9 تفسير سورة الكوثر 11 تفسير سورة التكاثر 15 تفسير سورة الماعون 18 مدى وتلقينات آيات السورة 21 تفسير سورة الكافرون 25 مبدأ حرية التدين في النظام الإسلامي 27 تفسير سورة الفيل 41 تفسير سورة الفلق 45 طائفة من الآيات والأحاديث في الاستعاذة 48 تعليق على ما روي في صدد نزول السورة 51 تفسير سورة الناس 59 تعليق على موضوع الجن 62 تفسير سورة الإخلاص 68 تعليق على مدى تقرير وحدة الله في هذه السورة 71 تفسير سورة النجم 74

تعليق على مدى متناول آيات وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى والعصمة النبوية 78 تعليق على روايات الإسراء والمعراج 81 تعليق على ما ورد في كتب التفسير من مسألة رؤية النبي ربّه عز وجل 97 شرح عقائد العرب في اللاة والعزى ومناة والملائكة وتعليقات في صدد ذلك 100 تعليق على تعبير الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ. 106 تعليق على مبدأ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ومبدأ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى 113 تفسير سورة عبس 121 مدى العتاب الرباني للنبي صلّى الله عليه وسلّم 122 تفسير سورة القدر 129 تعليق على ما روي في صدد نزول السورة 130 تعليق على روايات نزول القرآن جملة واحدة 132 تعليق على ليلة القدر 133 تعليق على كلمة الروح 136 تفسير سورة الشمس 138 تعليق على جملة وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها 140 تعليق على جملة فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها 140 تعليق على ناقة ثمود 141 تفسير سورة البروج 143 تعليق على ذكر البروج 145 تعليق على محنة فتنة المسلمين الأولين 147 المرأة المسلمة في هذه المحنة وفي دور الفتنة 150 تعليق على موضوع التوبة 151 تعليق على اللوح 160

تفسير سورة التين 163 تفسير سورة قريش 167 تعليق على قريش والبيت والرحلات التجارية 168 تفسير سورة القارعة 182 تعليق على الموازين وثقلها وخفتها في الآخرة 183 تلقينات السورة جملة 187 تفسير سورة القيامة 188 تعليق على محاولة ربط البنان بعلم بصمات الأصابع الحديث 190 تعليق على ما تفيده ظواهر الآيات من بعث الناس بأجسادهم 192 تعليق على دلالة آيات لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ وأخواتها 196 تعليق على موضوع رؤية الله عز وجل 198 تفسير سورة الهمزة 205 تفسير سورة المرسلات 207 تعليق على عبارة انفراج السماء وانطماس النجوم 210 تنبيه إلى أن الدعوة الإسلامية قائمة على الإقناع 213 تعليق على ما يمكن أن يتوهم من تناقض في حكاية حال الكفار يوم القيامة 214 تعليق على مدى التنويه بالمحسنين والإحسان 216 تفسير سورة ق 220 تعليق على ذكر القرآن والقسم به 221 تعليق على حكاية تعجب الكفار من مجيء رسول إليهم منهم وإنذاره بالآخرة 222 صورة من الأسلوب القرآني في مخاطبة العقل والقلب والحس في البرهنة على قدرة الله 225 تعليق توضيحي لأهل الرس والأيكة وتبّع 227

تعليق على موضوع الملائكة الكاتبين على أيمان الناس 231 تعليق على جملة وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ 233 ما في التنديد بمنع الخير من تلقين 237 تعليق على تعبير وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ 238 تنبيه إلى مدى عقيدة الشرك عند العرب 239 تعليق على ما حكته بعض الآيات من حوار بين الله وبين قرناء الإنسان 239 تعليق على ما روي عن مفسري الشيعة 240 وجوب تلازم الإيمان مع التقوى والعمل الصالح 241 تعليق على مدى جملة وَلَدَيْنا مَزِيدٌ 242 كثرة الآيات المتضمنة تطمينا للنبي عليه السلام وحكمتها 245 تعليق على موضوع خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام 246 تعليق على مدى العبارات القرآنية في تعيين أوقات الصلوات 250 تعليق على ما يمده ذكر الله وتسبيحه وعبادته للمؤمن من قوة معنوية تساعده على مواجهة الملمات 251 معنى توالي السور التي احتوت توكيد البعث والحساب 252 خبر عن تلاوة رسول الله هذه السورة 252 تفسير سورة البلد 253 تعليق على عبارة لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ 255 تعليق على جملة وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ 256 تعليق على جملة أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ 256 تلقينات آيات سورة البلد الأولى 257 التلازم بين العمل الصالح والإيمان أيضا 259 تعليق على موضوع الرقيق وموقف القرآن منه 259 تعليق على إعطاء الناس يوم القيامة كتب أعمالهم 264 تفسير سورة الطارق 267 تفسير سورة القمر 271 تعليق على انشقاق القمر 273 تعليق على موضوع اقتراب الساعة 277 تعليق على كلمة الحكمة ومعانيها في القرآن 278

تعليق توضيحي للأقوام الذين ذكروا في السلسلة القصصية 283 تعليق على الآية إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ 287 تفسير سورة ص 298 تعليق على مدى ما انطوى في جملة أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ 301 تعليق على سلسلة قصص الأنبياء وهدفها 305 تعليق على قصة الخصم الذي تقاضى أمام داود وتلقيناتها 307 تعليق على ما احتوته الآية يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ ... 309 تعليق على تسخير الجبال والطير ليسبحن مع داود 312 تلقينات آية وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا إلخ 313 تعليق على كلمة الكتاب 314 تعليق على آية كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ إلخ 315 تعليق على ما روي في سياق قصة سليمان 322 التلقينات المنطوية في قصة أيوب 325 تعليق على توسع بعض الفقهاء في تأويل تحلة اليمين التي يسرها الله لأيوب 326 تعريف بالأسماء المذكورة في الآيات 329 تعليق على عدم وصف إسماعيل واليسع وذي الكفل بوصف عبادنا وعدم قرن إسماعيل مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب 332 تعليق على جنات عدن 334 تعليق على ما في آيات قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وما بعدها من دلالة ومدى 339 استطراد إلى حديث نبوي مروي في سياق الآية ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ ... 340 تعليق على قصة آدم وسجود الملائكة له وتمرد إبليس وتلقيناتها 342 تعليق على تعبير وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي 354 تعليق على ما سجله الله تعالى في القرآن من كرامة بني آدم في هذه القصة 355 التلقين المنطوي في جملة وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ 359 تعليق على جملة وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ 359 تفسير سورة الأعراف 361 تعليق على قصة آدم وإبليس في هذه السورة 367 تعليق على التلقين القرآني بالشكر لله ومداه 369 تعليق على جملة إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ 371

تعليق على جملة إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ 373 تعليق على جملة وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً 376 تعليق على جملة فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ 377 تعليق على مسجد 378 تعليق على الآيات الثلاث يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ وما بعدها 384 أحاديث في ستر العورة 386 التلقين الذي انطوى في حكاية تلاوم الأجيال في جهنم 395 تعليق على مدى جملة لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها 398 تعليق على الآية ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً ... 409 استطراد إلى موضوع الدعاء لله ومداه 409 تعليق على الآية إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ ... 412 تعليق على دلالة جملة وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ إلخ 415 استطراد إلى جريمة اللواط 424 تلقينات القصص وما فيها من نقاط بارزة متصلة بالهدف القرآني 426 تلقين الآيات التي جاءت معقبة على فصل القصص 430 تعليق على عبارة يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ 431 تعليق على كلمة (نبي) 433 تعليق على تعبير مَكْرَ اللَّهِ 434 تعليق على الحلقة الأولى من قصة موسى وفرعون وبني إسرائيل وتلقيناتها 437 تعليق على آية وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها إلخ 441 تعليق على جملة رَبِّ الْعالَمِينَ 443 تلقينات الحلقة الثانية من قصص «بني إسرائيل» 449 تعليق على جملة فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ 453 تعليق على جملة لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ ... 453 تعليق على الآيتين سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ ... 455 تعليق على عبارة إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ 457 تعليق على جملة قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ ... 458 تعليق على ذكر الزكاة في الآية [156] 460

تعليق على الآية الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ ... 460 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 470 تعليق على حلّ الطيبات وتحريم الخبائث 475 تعليق على كلمتي التوراة والإنجيل 476 تعليق على الألواح التي ذكرت في الآية [145] 497 تعليق على ما يرويه الشيعة في صدد جملة وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ 517 تعليق على رواية مدنية الآيات [163- 170] 520 تعليق على حادث السبت وتلقيناته 520 تعليق على ما في آية وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ من تلقين وإعجاز قرآني 523 تعليق على آية وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ إلخ 524 تعليق على الإسهاب في قصص بني إسرائيل 527 تعليق على جملة وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ 529 تعليق على آية وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها وتلقينها 534 تعليق على جملة وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها 537 تعليق على جملة مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ 539 تعليق على جملة الذين يلحدون في أسمائه 540 تعليق على القصص عن موعد القيامة وما في الجواب من دلالة بليغة 546 تعليق على آيات هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها إلخ وتلقيناتها 550 تلقين آيات خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وما بعدها 553 تعليق على مدى نزغات الشيطان في النبي والناس 555 تعليق على رواية نسخ آية خُذِ الْعَفْوَ 557 تعليق على جملة إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ 560 تلقين آية وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا 561 تلقين آية وَاذْكُرْ رَبَّكَ إلخ 564

الجزء الثالث السور المفسرة في هذا الجزء «1» 1- الجنّ. 2- يس. 3- الفرقان. 4- فاطر. 5- مريم. 6- طه. 7- الواقعة. 8- الشعراء. 9- النمل. 10- القصص. 11- الإسراء. 12- يونس. 13- هود.

_ (1) انظر الفهرست المفصل في آخر الجزء.

سورة الجن

سورة الجنّ في السورة حكاية لقصة استماع نفر من الجن للقرآن وأثرها ومواعظ ومبادئ قرآنية بمناسبتها. وأسلوب الآيات يدلّ على تساوق فصليها ووحدة نزولها أو نزولهما الواحد بعد الآخر تتابعا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الجن (72) : الآيات 1 الى 15] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (2) وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً (3) وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً (4) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (5) وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (6) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (7) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (9) وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (10) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً (11) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (12) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً (13) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (14) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (15) . (1) جد ربنا: عظمة ربنا. (2) صاحبة: كناية عن الزوجة.

شرح الفصل الأول من السورة والتعليق على مدى محتوياته

(3) سفيهنا: جاهلنا. (4) شططا: بعيدا عن الحق. (5) يعوذون: يستجيرون ويلتجئون. (6) رهقا: قال الزمخشري أصل معنى الرهق غشيان المحارم والمتبادر من فحوى الآيات أن الكلمة الواردة في الآية [6] بمعنى زادوهم كفرا وضلالا والواردة في الآية [13] بمعنى ظلما وحيفا. (7) شهبا: جمع شهاب وهو في الأصل النور أو الشيء المضيء. وقد جاء في القرآن على الأكثر للكناية عن الشهب المنقضة من السماء نحو الأرض. (8) رصدا: مترصدا ومترقبا. (9) طرائق قددا: مذاهب متفرقة. (10) ظننا: هنا بمعنى تيقنا. (11) بخسا: ظلما أو انتقاصا. (12) القاسطون: هنا بمعنى المنحرفين أو الجائرين. شرح الفصل الأول من السورة والتعليق على مدى محتوياته هذه الآيات هي الفصل الأول من الفصلين اللذين تتألف منهما السورة. وفيها أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يخبر الناس بأن الله تعالى أوحى إليه بأنه استمع نفر من الجن للقرآن فعظّموا شأنه وشأن ربّهم العظيم وآمنوا به ونزّهوه عن اتخاذ زوجة وولد وأنهم تذاكروا مع بعضهم أمورا متنوعة مما كانت عليه أحوالهم وعقائدهم وظنونهم وموقف جماعات من الإنس إزاءهم وما بوغتوا به بخاصة من تكاثر الشهب المنقضة من السماء في هذا الظرف وما أثار ذلك فيهم من خوف وتساؤل على النحو الوارد في الآيات والواضح العبارة. ولقد روى البخاري والترمذي عن ابن عباس حديثا جاء فيه: «انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ. وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء. وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين فقالوا ما لكم قالوا

حيل بيننا وبين خبر السماء. وأرسلت علينا الشهب. قالوا ما حال بينكم وبين خبر السماء إلّا ما حدث. فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حدث فانطلقوا ينظرون. فالذين توجّهوا نحو تهامة سمعوا قراءة رسول الله وهو يصلّي الفجر بأصحابه بنخلة! فتسمّعوا له فقالوا هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فرجعوا إلى قومهم فقالوا يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربّنا أحدا. وأنزل الله تعالى قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ. وإنما أوحي إليه قول الجن» «1» . ولقد أورد الطبري هذا الحديث وأعقبه بكلام يفيد أن حادث استماع الجنّ للقرآن المذكور في هذه السورة وحادث استماعهم المذكور في آيات سورة الأحقاف هذه: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) واحد. مع أن الذي نرجّحه بل المستفاد من روح مجموعتي السورتين والفترة الطويلة بين نزول السورتين وحديث آخر مروي في سياق نزول مجموعة الأحقاف أنهما حادثان على ما سوف نزيده شرحا في سياق تفسير سورة الأحقاف. والعبارة القرآنية قطعية الدلالة على حدوث هذا الحادث الغيبي. ومن واجب المسلم الإيمان به كما هو الشأن في الإيمان بوجود الجنّ على ما شرحناه في سياق سورة الناس. والآيات مع الحديث تساعد على تسجيل الملاحظات التالية: 1- إن الآية الأولى تفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير نفر الجن ولم يسمع أقوالهم وأن ذلك كان أمرا مغيبا عنه أخبر وبه بوحي رباني قرآني. وقد روى المفسرون حديثا عن ابن عباس جاء فيه فيما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم ما قرأ على الجنّ ولا رآهم وإنما أوحي إليه قولهم «2» .

_ (1) التاج ج 4 ص 246. ونخلة موضع قريب إلى سوق عكاظ بين مكة وسوق عكاظ. (2) انظر تفسير ابن كثير لآيات الأحقاف وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ إلخ مثلا. وهذا المعنى وارد في الحديث المروي آنفا أيضا.

2- إن الآيات تقرّر بصراحة وجود الجنّ وأنهم طوائف ومذاهب وأن منهم الصالحين وغير الصالحين والمسلمين والقاسطين والمنحرفين والعقلاء الراشدين، والسفهاء الضالين. 3- إن الآية السادسة تحتوي صورة لما كانت عليه عقائد العرب في الجنّ حيث كانوا يعتقدون بوجودهم وبما هم عليه من قوة وتأثير. وكانوا يخشون شرّهم ويستعيذون بهم. 4- إن ما جاء في صدد قعود الجنّ مقاعد للسمع في السماء وما كان من تبدّل الموقف وابتلاء السماء بالشهب والحرس وأن من يحاول منهم الاستماع كما كان يفعل سابقا يجد شهابا مترصّدا له هو حكاية عن الجنّ وليس تقريرا قرآنيا مباشرا. غير أن أسلوب الآيات يلهم أنهم يقولون أمورا واقعة لا ينفيها القرآن. وقد أيّدها في آيات عديدة في سور أخرى مثل آيات سورة الحجر هذه: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (17) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (18) وآيات سورة الصافات هذه: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (6) وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (7) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (8) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (9) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (10) وآية سورة الملك هذه: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (5) . 5- إن الآية الرابعة قد تلهم أن النفر المستمعين كانوا يدينون بأن الله سبحانه اتخذ زوجة وكان له منها ولد. ونرجّح أن هذا يمتّ إلى عقيدة النصارى أكثر من عقيدة العرب الذين كانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله لأنه ليس في عقائد العرب أن لله زوجة. ولقد علقنا فى كلمة الجن بما فيه الكفاية في سياق تفسير سورة الناس ونقول هنا إن وجود الجنّ وأخوالهم وماهية استراقهم السمع من السماء من الأمور

المغيبة التي يقررها القرآن، فيجب الإيمان بها ولو لم تدركها الحواس البشرية أو يتسق مع ما عرفه الناس من نواميس ونظم كونية كسائر الحقائق المغيبة التي قررها القرآن والوقوف منها عند ما وقف عنده القرآن دون تزيد وتمحل. فالعقل البشري كان وما يزال عاجزا عن إدراك كنه كثير من أسرار الكون وقواه. ولقد أورد المفسرون أحاديث عديدة في سياق تفسير آيات سورة الحجر فيها تفصيلات عن استراق الشياطين للسمع وإيصال الأخبار إلى السحرة والكهان لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة. ولكنها متساوقة مع ما جاء في حديث البخاري وآيات سورة الجن وسور الحجر والصافات والملك. منها حديث عن ابن عباس قال: «تصعد الشياطين أفواجا تسترق السمع فينفرد المارد فيها فيعلو فيرمى بالشهاب فيصيب جبهته أو جنبه أو حيث شاء الله منه فيلتهب فيأتي أصحابه وهو يلتهب فيقول إنه كان من الأمر كذا وكذا فيذهب أولئك إلى إخوانهم من الكهنة فيزيدون عليه أضعافه من الكذب فيخبرونهم به فإذا رأوا شيئا مما قالوا قد كان صدقوهم بما جاؤوهم به من الكذب» . وحديث أورده البغوي في سياق الآيات المذكورة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا قرّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترقوا السمع ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض فيسمع أحدهم الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربّما ألقاها قبل. أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء» . ومنها حديث رواه البغوي عن عائشة في سياق الآيات نفسها جاء فيه: «إنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الملائكة تنزل في العنان وهو السّحاب فتذكر الأمر الذي قضي في السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهّان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم» . ونرجّح بل نجزم بأن ما ورد في هذه الأحاديث كان مما يتداوله العرب قبل

الإسلام. ولقد روى الطبري في سياق آيات سورة الصافات عن الزهري أن انقضاض الشهب قد تزايد كثيرا إبّان ظهور النبي صلى الله عليه وسلم. فمن المحتمل أن يكون ذلك قد لفت نظر العرب وجعلهم يكثرون من التحدث عنه. ويحسبون أن لبعثة النبي صلى الله عليه وسلم صلة ما بذلك حيث كانوا ينعتونه بالساحر والشاعر والكاهن الذين كانوا يعتقدون أن الشياطين تنزل إليهم بأخبار السماء على ما حكته آيات عديدة عنهم مثل آيات سورة الطور هذه: فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31) وآيات سورة الحاقة هذه: فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (38) وَما لا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (41) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (43) وآيات سورة الذاريات هذه: كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (53) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) وآية سورة ص هذه: وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (4) فاقتضت حكمة التنزيل ذكر مسألة استراق الشياطين للسمع في الآيات القرآنية لإعلامهم أن الشياطين قد منعوا من أخبار السماء وأن الله تعالى قد حفظها منهم وأعدّ لهم فيها شهبا راجمة وأن الجن قد يئسوا من ذلك ثم بيان كون الشياطين إنما كانت تنزل على الكاذبين الأفاكين الآثمين. وكون القرآن الصادق الداعي إلى الله وحده والمبشّر بأسمى المبادئ لا يمكن أن تنزل به شياطين وكون الرسول الذي يبلغ هذا القرآن لا يمكن أن يكون له صلة بالشياطين وإنما صلته بالله تعالى كما جاء في آيات سورة الشعراء هذه: 1- وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) . 2- وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (210) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (213) .

3- هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (223) . وإن الذي ينزل عليه بالقرآن ملك رسول من الله تعالى وليس شيطانا كما جاء في آيات سورة التكوير هذه: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (27) . ولقد كانوا يكررون أقوالهم على ما حكته الآيات فاقتضت حكمة التنزيل تكرار الكلام عن الموضوع بسبيل الردّ والتكذيب. ولقد توهم بعضهم أن محاولات البشر في هذه الحقبة في الطيران إلى الأجواء العالية بواسطة الصواريخ الهائلة السرعة واحتمال وصولهم إلى القمر والنجوم ونزولهم فيها مما يتعارض مع ما جاء في الآيات التي نحن في صددها وأمثالها في السور الأخرى على ما فهمناه من سؤال ورد علينا من جماعة الإرشاد الإسلامي في مدينة شيبرون من مدن جاوا الأندينوسية. وليس لهذا التوهم محلّ في مجال الآيات ومقامها ومداها على ضوء الشرح المتقدم. وهذا الوهم آت من فكرة محاولة تطبيق النظريات الفنية على الآيات القرآنية أو استنباط النظريات الفنية من هذه الآيات وهي فكرة لا طائل من ورائها ولا سواغ لها على ما نبهنا عليه في تفسير سورة القيامة. مع التنبيه على أنه ليس في القرآن نصوص تتعارض مع محاولات البشر المذكورة بل إن فيه حضّا على ذلك وإن كان غير مباشر من حيث أن الله آذن البشر في القرآن بأنه سخّر لهم ما في السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم وإن ذلك يوجب عليهم بذل الجهد في الانتفاع بما سخره لهم بمختلف الوسائل وعلى مختلف المستويات «1» والله تعالى أعلم.

_ (1) اقرأ مثلا آيات سورة النحل [9- 16] ولقمان [19] .

هذا، ومما يتبادر من روح الآيات التي نحن في صددها أن حكاية موقف النفر الذي استمع القرآن وأقواله ليست مقصودة لذات قصتها وإنما قصدت في الدرجة الأولى إلى الموعظة والحكمة والتأثير على سامعي القرآن. فسامعو القرآن وهم العرب في الدرجة الأولى والمباشرة كانوا يعتقدون بوجود الجن وقوتهم وتأثيرهم وصعودهم إلى السماء واستراقهم السمع منها واتصالهم بالكهّان والسحرة والشعراء اتصال تلقين وإلهام وتعليم وإخبار. وكانوا يخشون شرهم ويدافعون عن هذا الشر بالاستعاذة بهم وإشراكهم مع الله في التذلّل والتقرّب- وهذا مما أخبر به القرآن كما جاء في آية سورة سبأ هذه: قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41) - فاقتضت حكمة التنزيل حكاية هذا الحادث الغيبي ليرى الكفار من السامعين أن من هؤلاء الذين يتصورونهم أقوياء بطاشين جريئين على السماء والذين يتخذونهم معبودات ويتقرّبون إليهم بالعبادة والاستعاذة من رأى أعلام النبوّة المحمدية وآمن بها حينما استمع إلى القرآن الذي يتلوه النبي صلى الله عليه وسلم واعترف بما فيه من هدى ورشد وإدراك ما كانوا عليه من سخف وضلال في إنكار البعث ونسبة الولد والزوجة إلى الله، وأمل الإفلات من حسابه وعقابه وسنّة المشتطين المنحرفين. ومما يجعل هذا التوجيه قويّا ما جاء في آخر آية من السورة السابقة من تقرير كون الذين عند الله- وهم الملائكة على ما شرحناه في مناسبتها- لا يستكبرون عن عبادته ويسبّحونه ويسجدون له. فللملائكة في أذهان العرب صورة قوية كما كان للجنّ على ما شرحناه في سياق تفسير سورة المدثّر، وكلاهما شغلا حيزا كبيرا في أفكارهم وعقائدهم وتقاليدهم فذكر الملائكة بما ذكروا به في آخر السورة السابقة وذكر نفر الجنّ بما ذكروا به في السورة التي تلتها لهما معناهما من الترابط والتساوق في الإشارات والمقاصد القرآنية في صدد موقف هذين الخلقين الغيبيين العظيمين من الله والإخلاص له، وفي دعوة العرب الذين لهما في أذهانهم ما لهما إلى الاقتداء والتأسي بهما. وهذا التساوق بين آخر

[سورة الجن (72) : الآيات 16 إلى 27]

السورة السابقة وهذه السورة قد يحتوي قرينة على صحة ترتيب نزول هذه السورة عقب تلك. ولقد تكررت هذه الإشارات في مواضع أخرى من القرآن بأسلوب يسوغ الترجيح أنها إنما جاءت في صدد توكيد هذا المعنى الذي نقرره على ما سوف نشرحه في مناسباتها. كذلك يمكن القول إن هذه الإشارات والتقريرات تحتوي هدفا إيجابيا بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين من جهة والكفار من جهة أخرى. فمن الجهة الأولى فيها تسلية بأن الملائكة وبعض طوائف الجنّ يقفون وإياهم في موقف واحد من الإيمان بالله ورسالته والإخلاص له وإدراك حقيقة ربوبيته وشمولها ووحدتها والسير في طريق الحق والسداد. ومن الجهة الثانية فيها ترغيب وترهيب للكفار حيث تقصّ عليهم هذه القصص ليكون لهم عبرة ومزدجر، وليقتدوا بهذين الخلقين العظيمين اللذين يشغلان في نفوسهم ذلك الحيز الكبير. وهذا قد يقوي وجوب الوقوف في ذاتية الموضوع عند الحدّ الذي وقف عنده القرآن والثابت من الأحاديث النبوية بدون تزيّد وتوسّع لا طائل من ورائهما مع اليقين بأن ما ورد فيهما إنما ورد لحكمة متصلة بأهداف الدعوة الإسلامية والرسالة النبوية من مثل ما ذكرناه. والله أعلم. [سورة الجن (72) : الآيات 16 الى 27] وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً (17) وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18) وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (19) قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (20) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (22) إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (23) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (24) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (25) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (27)

(1) الطريقة: هنا كناية عن طريق الحق والخير. (2) غدقا: كثيرا مستمرا. (3) لنفتنهم: لنختبرهم. (4) المساجد: هنا بمعنى السجود والصلاة. (5) عبد الله: كناية عن النبي صلى الله عليه وسلم. (6) لبدا: متزاحمين أو متكتلين أو متألبين. (7) ملتحدا: ملجأ. (8) ولن أجد من دونه ملتحدا إلّا بلاغا من الله ورسالاته: أوجه ما قيل في تأويلها أني لن أجد ملجأ من الله إلّا بإبلاغ وحيه ورسالاته أو أن كل مهمته إبلاغ رسالة الله. هذا هو الفصل الثاني من السورة، وقد احتوى: 1- تقريرا ربانيا بأن الناس لو اتّبعوا الطريق القويم واستقاموا عليه لأسقاهم الله ماء غدقا يكثر به رزقهم اختبارا لشكرهم واعترافهم بفضل الله، أما الذين يستكبرون ويبطرون ويعرضون عن ذكر ربهم وشكره يسلّط الله عليهم البلاء الشديد. 2- ودعوة ربانية بأن لا يدعو أحد مع الله أحدا ولا يشركوا معه في سجودهم وخضوعهم أحدا معه. 3- وإشارة إلى ما كان من مقابلة الناس للدعوة النبوية من تكتل وتآمر وتألب ومعارضة وأمرا للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم: إن دعوتي لله وإني لا أشرك معه أحدا. كأنما يراد بهذا أن يقال لهم أيضا إن هذه المقابلة منكم عدوان وبغي لأنني لا أدعو إلى منكر وإنما أدعو إلى الخير والحق.

تعليق على مفهوم آيات الفصل ودلالته وتلقيناته

4- وأوامر ربانية أخرى للنبي صلى الله عليه وسلم بإبلاغ الناس بأنه لا يستطيع أن يضر أحدا ولا ينفعه، وأنه لا يجيره من الله تعالى إلّا إبلاغ رسالته ووحيه، وأن من يعص الله ورسوله فمصيره الخلود في جهنّم حيث يدرك العصاة حينما يرون مصداق ما يوعدون من هو الأضعف والأقل، كأنما يراد بهذا تحدّي الكفار وإنذارهم بأن عصيانهم على الله ورسوله هو منتهى السخف والضلال والجرأة، لأنهم أعجز من أن يستطيعوا الانتصار على الله، وأنهم مخدوعون إذا قاسوا وقائع الحياة الدنيا على الآخرة واغترّوا بقوّتهم وكثرتهم لأن ذلك لن يغني عنهم من الله شيئا. 5- وأمرا ربانيا للنبي صلى الله عليه وسلم بإبلاغ الناس كذلك بأنه لا يدري وقت تحقيق ما يوعدون به أيطول أم يقصر. فالله لا يظهر على غيبه أحدا إلّا ما شاء ممن ارتضى من الرسل الذين يجعلهم تحت حفظه ومراقبته للتحقق من قيامهم بمهمتهم وتبليغ رسالاته التي انتدبهم إليها، ويحيط بكل أمر من أمورهم وهو المحيط بكل أمر والمحصي لكل شيء. تعليق على مفهوم آيات الفصل ودلالته وتلقيناته ولقد تعددت الأقوال والروايات التي يرويها المفسرون عزوا إلى ابن عباس وعلماء التابعين في مدى الآيات الثلاث الأولى «1» . من ذلك أنها من جملة كلام الجن المحكي في الفصل الأول «2» . ومن ذلك أنها مع بقية الفصل كلام مستقل عن الجن. وتقرير قرآني مباشر. ومن ذلك أنها عنت الإنس والجن معا. ومن ذلك أنها عنت الكفار فقط.

_ (1) انظر تفسير الآيات في الطبري والبغوي وابن كثير والخازن والزمخشري والطبرسي. (2) في الحديث الذي رواه البخاري والترمذي عن ابن عباس وأوردناه قبل زيادة مروية للترمذي وهي: (لما رأى الجنّ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يصلّون بصلاته ويسجدون بسجوده فعجبوا من طواعية أصحابه له وقالوا لقومهم لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا) ويبدو أن الذين قالوا إن الآيات تقرير مباشر أو من أقوال الكفار أو في صددهم لم تثبت عندهم هذه الزيادة. [.....]

والمتبادر المستلهم من روح الآيات أنها مع سائر آيات الفصل الثاني كلام مستقلّ وأن المقصود بالآيات الثلاث كفار العرب. وأن هذا الفصل قد جاء تعقيبا التفاتيا للفصل السابق له. ويوثق ذلك تماثل الضمير في جمل وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا وكادُوا يَكُونُونَ وحَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ وواوات العطف المستمرة في جميع آيات الفصلين. ولعل في الآية [24] صورة لما كان في نفس زعماء الكفار من استصغار لشأن النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه لما كانوا عليه من قلّة وضعف. وقد احتوت الآية ردا عليهم منددة بسخفهم متوعدة إياهم باليوم الآخر الذي يظهر فيه القوي من الضعيف والقليل من الكثير حيث لا ينفع مال ولا بنون إلّا من أتى الله بقلب سليم. وفي هذا كما هو المتبادر تسلية وتطمين للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين. ويستلهم من الآية [25] أنها جواب على تساؤل الناس عن موعد قيام القيامة حيث أمرت النبي صلى الله عليه وسلم بإعلان عدم علمه به ثم عقبت الآية [26] على هذا بأن ذلك من خصائص الله الذي لا يطلع على غيبه أحدا إلّا من ارتضى من رسول. وفي هذا تماثل لموقف حكته آيات السورة السابقة [186- 187] مع فرق الاستثناء هنا. على أن روح الآيات هنا تلهم أنها ليست بسبيل استثناء علم ذلك الموعد. وتكرر السؤال والجواب يدلّ على أن أفكار الناس ظلّت تشتغل بالآخرة وموعدها بين مستعلم وساخر مما هو تجاوب طبيعي لكثرة ورود الوعد والوعيد بها. وقد يدل تماثل السؤال والجواب في هذه السورة وسابقتها على صحة ترتيبها في النزول. وآيات هذا الفصل مصدر إلهام وتلقين جليل مستمر المدى. سواء أفيما احتواه من عادة الله في اختبار الناس بنعمه وتذكيرهم بواجب شكره، أم في تنزيه النفس عن الدعاء والصلاة لغير الله في كل حال، أم في نفي أي نفع وضرر من أحد على أحد إلّا الله، أم في التنديد بالمغترين بقوتهم وعددهم. أم في تذكير الناس بإحاطة الله بكل شيء ووجوب مراقبته وابتغاء رضائه والبعد عن موجبات سخطه وغضبه.

تعليق على جملة ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم

وتتجلى صميمية النبي صلى الله عليه وسلم الرائعة واستغراقه في مهمته في إعلانه ما جاء في الآيات [20- 22] من أنه إنما يدعو إلى الله وحده وأنه لا يملك لأحد ضرّا ولا رشدا وأنه لن يجيره من الله أحد إذا تهاون في أداء المهمة التي انتدبه إليها كما تجلّت في سياق إعلان الآية [187] من السورة السابقة. تعليق على جملة لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وبمناسبة ورود هذه الجملة في الآية الأخيرة نقول إن مثل هذه الجملة وما في معناها قد تكرر في مواضع كثيرة مثل لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً [الكهف: 12] ووَ ما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ [سبأ: 21] وأَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ [التوبة: 16] ووَ ما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا [آل عمران: 166- 167] . ولما كان علم الله تعالى محيطا وشاملا لكل ما كان ويكون ولكلّ ماض وحاضر ومستقبل ولكلّ سرّ وعلن ولكلّ ما في صدور الناس وليس من شيء من كونه وخلقه غير معلوم عنده مما قررته آيات مكية ومدنية كثيرة جدا تغني كثرتها عن التمثيل فمن واجب المؤمن أن يؤمن بذلك وأن يعتبر مثل هذا التعبير أسلوبيا بمعنى (ليظهر) و (ليتبين) و (لينكشف) ما هو خاف على الناس من أحداث وأفعال وصور. وهذا هو ما عليه جمهور المؤولين. وهو من المألوفات الخطابية والله تعالى أعلم.

سورة يس

سورة يس في السورة توكيد لرسالة النبي صلى الله عليه وسلم وصدقها وتنويه بالقرآن. وتقريع للكفار وتنديد بعقائدهم وشدّة غفلتهم وعنادهم. وفيها قصة من القصص المسيحية كما فيها تنويه بنعم الله وبعض مشاهد الكون، وإنذار وتبشير بيوم القيامة وبعض مشاهده ومصائر المؤمنين والكافرين فيه. وفصول السورة منسجمة ومترابطة تسوغ القول إنها نزلت جملة واحدة أو متلاحقة وقد روي أن الآية [45] مدنية وانسجامها في سياقها يحمل على التوقف في الرواية. ولقد روى الترمذي والبيهقي عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنّ لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات» «1» . وروى الإمام أحمد عن معقل بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قلب القرآن يس. لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلّا غفر الله له. اقرؤوها على موتاكم» «2» . وروى الإمام مالك والبيهقي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ يس في ليلة ابتغاء وجه الله غفر له» «3» . حيث ينطوي في الأحاديث تنويه نبوي بهذه السورة لعلّ من حكمته ما فيها من مواعظ وأمثال. وفي الأحاديث دلالة على أن السور القرآنية كانت مرتّبة معروفة بأسمائها المتواترة تواترا لا ينقطع في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

_ (1) التاج ج 4 ص 18. (2) المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه.

[سورة يس (36) : الآيات 1 إلى 12]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة يس (36) : الآيات 1 الى 12] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (9) وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (10) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (12) . (1) الحكيم: المحكم الذي لا يأتيه باطل، أو الذي ليس فيه باطل. (2) مقمحون: من الإقماح، وهو رفع الرأس. ومعنى الآية التي جاءت فيها أنهم رافعوا رؤوسهم لا يستطيعون تحريك أعناقهم من الأغلال التي فيها. (3) أغشيناهم: حجبنا عنهم أو غطينا على أبصارهم. (4) اتّبع الذكر: صدق بالقرآن وآمن به واتبعه. (5) خشي الرحمن بالغيب: خاف الله مما أنذر به من المصير الأخروي المغيّب أو خاف الله الذي آمن به وبالحقائق المغيبة التي لا تدركها حواسه أو خاف الله حينما يخلو لنفسه. (6) ونكتب ما قدموا وآثارهم: نكتب ما فعلوه في حياتهم وما تركوه بعدهم من سنن وتقاليد وتبعات أو تحصى أعمالهم حتى آثار خطاهم. (7) إمام مبين: قيل إن الجملة تعني (أمّ الكتاب) الذي سجل فيه أعمال الناس. ويتبادر لنا من روح الجملة والسياق أنها كناية عن علم الله الشامل الذي يحصي على الناس أعمالهم إحصاء دقيقا.

تعددت الأقوال المروية عن التابعين في تأويل معنى يس (1) «1» فقيل إنها اسم من أسماء الله أو اسم من أسماء القرآن أو اسم من أسماء النبي وقيل إنها من اللغة الحبشية بمعنى يا إنسان أو إنها كذلك في لهجة طي. وإنها في أصلها انيسين ثم صارت ياسين. وقيل إنها من نوع الحروف المنفردة التي جاءت في مطالع السور العديدة الأخرى. وهذا ما نرجحه بدليل أنه أعقب الحرفين قسم بالقرآن. وهو الأسلوب الذي جرى عليه النظم القرآني في معظم السور التي بدأت بالحروف المنفردة. وتكون والحالة هذه مثلها للتنبيه والاسترعاء. والله أعلم. أما الآيات فقد احتوت: 1- توكيدا للنبي صلى الله عليه وسلم بصدق رسالته وصحة نسبة التنزيل القرآني إلى الله وقوة إحكامه، وكونه على الطريق القويم لينذر قوما غافلين لم ينذر آباؤهم. 2- وحملة شديدة على معظم القوم الذين لم ينتفعوا بالإنذار ووقفوا من الدعوة موقف الجحود والعناد حتى كأنما ضرب عليهم سدّ حجب عنهم رؤية الحق. وكأنما قيّدت رؤوسهم بالأغلال فعجزوا عن تحريكها يمنة أو يسرة لاستبانة طريق الهدى. 3- وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. فهو إنما أرسل لينذر الناس وينتفع بإنذاره الذين حسنت نياتهم وصدقت رغباتهم في الحق، واستشعروا بخوف ربهم فآمنوا به واتبعوا قرآنه ورسوله فاستحقوا مغفرته وأجره الكريم. 4- وتقريرا ربانيا بأن الله سوف يحيي الناس بعد موتهم وأنه يسجل عليهم جميع ما فعلوه في حياتهم وخلفوه من تبعات بعد موتهم تسجيلا دقيقا وواضحا. ولقد روى الطبري والبغوي عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري أن الآية الأخيرة نزلت في بني سلمة من الأنصار الذين كانت محلتهم بعيدة عن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فأرادوا الانتقال إلى قرية فنزلت لتبشرهم وتطمئنهم بأن خطاهم تحسب

_ (1) انظر كتب تفسير الطبري والبغوي وابن كثير والخازن والطبرسي.

تعليق على آيات إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا ...

لهم فثبتوا في محلّتهم. ومقتضى الرواية أن تكون الآية مدنية دون غيرها مع أنها منسجمة مع السياق ولم يرو أحد أنها مدنيّة. ولقد روى الحديث الشيخان والترمذي دون ذكر كون الآية نزلت بسبب رغبة بني سلمة في الانتقال إلى قرب المسجد وجاء في صيغة الشيخين والترمذي: «إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: إن آثاركم تكتب فلم ينتقلوا» «1» حيث ينطوي في هذا إيعاز تطبيقي وتطميني وحسب. وروى ابن كثير والطبرسي أن الآيات نزلت في مناسبة محاولة أبي جهل وبعض قومه البطش بالنبي صلى الله عليه وسلم ونثره التراب عليهم أو رؤيتهم مشهدا مفزعا جعلهم ينكصون أو يغشى على أبصارهم. ولقد أوردنا رواية فيها شيء من مثل ذلك عن أبي جهل في سياق سورة العلق. وعلى كل حال فالآيات بسبيل تطمين النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيته إزاء ما كان يلقاه من قومه من عناد وجحود ومناوأة. وأسلوبها قوي نافذ. والراجح أنها نزلت في ظرف كان لهم أو لبعضهم موقف شديد من ذلك أثار النبي صلى الله عليه وسلم وآلمه فاقتضت حكمة التنزيل الإيحاء بها للتطمين والتثبيت من جهة والتنديد والتقريع والإنذار من جهة أخرى. تعليق على آيات إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا ... إلخ والآيات [7- 9] قد توهم أن الكفار قد وقفوا موقف الجحود والعناد بتحتيم رباني لم يكن لهم منه مناص. غير أن التروّي فيها وفيما قبلها وما بعدها يؤيد التأويل الذي أوّلناها به. فالآية [10] تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عليه إنذار من اتّبع الذكر وخشي الرحمن وبعبارة أخرى من صدقت رغبته في اتّباع الحق. وهذا يعني أيضا أن الكفار إنما وقفوا موقفهم لخبث نيّتهم وعزوفهم عن الحق فحقّ عليهم القول. فهي من باب وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ في الآية [27] من سورة إبراهيم

_ (1) التاج ج 4 ص 194.

ووَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ في الآية [26] من سورة البقرة ووَ قَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ في الآية [155] من سورة النساء وكَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ في الآية [35] من سورة غافر. وهذا التأويل هو الأكثر انسجاما مع حكمة الله تعالى في إرسال الرسل ودعوة الناس وإنذارهم وتبشيرهم وبيان طرق الهدى والضلال لهم وتعيين مصائرهم الأخروية وفق سلوكهم. وهو الأكثر اتساقا مع الحملة الشديدة التي احتوتها الآيات على الكفار والمناوئين على ما شرحناه في مناسبات سابقة. وهذا التأويل المستلهم من العبارة القرآنية وسياقها وروحها هنا وفي المواضع المماثلة يجعل التشاد الكلامي بين أصحاب المذاهب الكلامية الجبريين والقدريين حول هذه العبارة وأمثالها ويجعل الاتكاء عليها بسبيل تأييد مذهب على مذهب في غير محله كما هو المتبادر. وإلى هذا فإنه يتبادر لنا أن أسلوب الآيات قد جاء أيضا بسبيل تسجيل واقع أمر الكفار حين نزولها وحسب وليس على سبيل تأييد عدم إيمانهم سواء أنذروا أم لم ينذروا بدليل يقيني هو أن كثيرا منهم قد آمنوا فيما بعد وحسن إيمانهم ونالوا رضاء الله على ما نبهنا عليه في التعليق الذي كتبناه على موضوع التوبة في سورة البروج والتعليق الذي كتبناه على الآية [101] من سورة الأعراف المشابهة للآيات التي نحن في صددها. وفي الآية [6] إشارة صريحة إلى مهمة النبي صلى الله عليه وسلم وهي الإنذار كما فيها تعليل لموقفهم وغفلتهم. وهذا مما يوثق التأويل، كما أن الآية [12] التي تنسب الأعمال إلى أصحابها وتنذر بإحصاء الله لها لمحاسبتهم عليها من الدلائل القريبة الموثقة. ولقد قلنا إن المتبادر أن الآيات نزلت بسبيل تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وتطمينه وخمّنّا أن ذلك قد كان لحادث آلم نفسه وأثارها. فالآيات قد وردت بهذا الأسلوب لتكون أبلغ في التطمين والتثبيت. وفي توجيه الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في الآيات التي قبلها وما فيها من عطف وتأييد وثناء وما في الآية التي بعدها من إيعاز له بأنه إنما ينذر ذوي النفوس الطيبة

تلقين الآيات الأولى من السورة

والرغبات والصادقة، وأن له فيهم الغناء والعزاء- قرائن قوية على ذلك أيضا. تلقين الآيات الأولى من السورة والآيات مصدر إلهام وتلقين مستمر المدى. سواء أفيما احتوته من ثناء وبشرى لذوي النفوس الطيبة والرغبات الصادقة أم في ما احتوته من حملة تنديدية شديدة على ذوي السرائر الخبيثة الذين يكون ديدنهم المكابرة في الحق والإيغال في الباطل أم في ما احتوته من تثبيت وتطمين يلهمان الدعاة والقادة والزعماء والمصلحين قوة يتغلبون بها على ما يلقونه في طريقهم من عقبات ومصاعب. [سورة يس (36) : الآيات 13 الى 29] وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (15) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (17) قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (18) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (29) . (1) عززنا: أيدنا. (2) أئن ذكرتم: سؤال استنكاري فيه ردّ على قولهم إنّا تطيرنا أي تشاءمنا بكم وبسبيل نفي كون التذكير بالله هو الذي جاء إليهم بالشؤم والنحس. (3) مسرفون: متجاوزو الحد في البغي والعناد.

(4) فطرني: تكررت اشتقاقات فطر كثيرا في القرآن. وأكثر ما جاءت في معنى الإيجاد والخلق بدءا ولأول مرة. وهي هنا بهذا المعنى. وأصل معناها اللغوي شقّ وجاء بعض اشتقاقاتها بمعنى التشقق والتصدّع والشقوق. ومعنى شقّ لا يبعد كثيرا عن معنى الخلق والإيجاد لأول مرة. الآيات معطوفة على سابقاتها والضمير في وَاضْرِبْ لَهُمْ عائد إلى الكفار الذين حكت الآيات السابقة موقفهم من الدعوة كما هو المتبادر. وهكذا يكون هذا الفصل قد جاء معقبا على سابقه تعقيب تمثيل وتذكير، وفيه توثيق للتأويل الذي أوّلناه للآيات التي حكت موقف الجاحدين والتخمين الذي خمّنّاه بنزول الفصل السابق في ظرف أزمة من أزمات النبي صلى الله عليه وسلم النفسية لموقف مثير وقفه الكفار. وعبارة الآيات واضحة لا تقتضي أداء آخر. وقد احتوت قصة رسل أرسلهم الله إلى إحدى المدن وموقف أهلها الجحودي منهم، سيقت لسامعي القرآن أو الكافرين منهم على ما هو المتبادر للتمثيل والتذكير. ومما رواه المفسرون عزوا إلى علماء التابعين في صدد قصة الرسل التي حكتها الآيات أن المدينة التي أشير إليها باسم القرية هي أنطاكية الثغر الشامي في شمال سورية وأن الرسل هم يوحنا وبولس وشمعون من حواريي عيسى عليه السلام أرسلهم للدعوة والتبشير، وأن الرجل المؤمن هو حبيب النجار. وقد أوردوا بيانات كثيرة عن رسالة الرسل ومحاولاتهم مع الوثنيين في المدينة ومعجزاتهم في إحياء الموتى وخلق الطير من الطين وإبراء الأكمه والأبرص، وقتل الوثنيين حبيبا وعنادهم مع الرسل إلخ «1» . وأسلوب الآية الأولى وفحواها يلهمان أن المثل الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بضربه ليس غريبا عن السامعين وأنهم أو أن منهم من كان يعرف القصة المذكورة فيه. ولقد ورد في سفر أعمال الرسل من الأسفار الملحقة بالأناجيل أشياء كثيرة

_ (1) انظر تفسير الآيات في كتب تفسير الطبري وابن كثير والطبرسي والزمخشري والخازن مثلا.

تلقينات ودلالة مثل أصحاب القرية وآياته

عن نشاط تلامذة المسيح عليه السلام وحوارييه من بعده في أنطاكية وغيرها. فمن المحتمل جدّا أن تكون القصة مما كان يتداوله النصارى الذين كان منهم أفراد كثيرون في مكة، ولعلها كانت مكتوبة في أسفار عندهم فعرفها العرب منهم. وأسلوب الآيات صريح في أن المقصود منها المثل والتذكير والعبرة وهذا هو الهدف العام لكل القصص القرآنية الذي يكون محكما مؤثرا حينما تكون القصة المساقة مما يعرفه السامعون. وفيما أورده المفسرون دلالة على ذلك كما هو المتبادر. تلقينات ودلالة مثل أصحاب القرية وآياته ومما يلحظ أن في حكاية الحوار بين رسل الله وأهل القرية ثم بين أهل القرية والمؤمن تشابها مع حالة الكفار العرب سواء أفي ما كان من سخفهم وضلالهم في اتخاذ آلهة غير الله أم في موقفهم من النبي صلى الله عليه وسلم وأقوالهم له في معرض التكذيب والجحود أم في تهديدهم لرسلهم بالعذاب والأذى إذا لم يكفوا عن دعوتهم بحيث تبدو في هذه الملحوظات حكمة المثل وهدفه وهو تذكير الكفار العرب بأنهم ليسوا المتفردين في مواقفهم وأقوالهم وباطل عقائدهم، وتبكيتهم على ما هم فيه من سخف وضلال وعناد، وإنذارهم بعذاب الله الذي أصاب أمثالهم فجعلهم خامدين دون ما حاجة إلى جنود تنزل وحرب تنشب، وتطمين النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ليس المتفرّد فيما لقي من كفار قومه وأن له الأسوة بمن تقدمه من الرسل في الأزمنة القديمة أو الحديثة بالنسبة لزمنه فلا يحزن ولا يغتمّ وأنه ليس عليه إلّا التبليغ والتذكير مثلهم. وأسلوب حكاية موقف المؤمن وأقواله لقومه قوي أخاذ. سواء أفي تبكيته وتسفيهه للمعاندين أم في إغرائه وتشويقه على الإيمان بالله وتصديق رسله ومن شأن ذلك أن يحدث أثرا نافذا في السامعين. وهذا ما استهدفته الحكاية على ما هو المتبادر. ولعلّ من أثرها ما روته روايات السيرة من تفاني الرعيل الأول من المسلمين في مكة في نصرة وتأييد النبي صلى الله عليه وسلم والذبّ عنه والتعرّض بسبب ذلك

[سورة يس (36) : الآيات 30 إلى 32]

لصنوف الأذى. وفيها أسوة وحافز على نصرة الحق والداعين إليه في كل موقف وزمان. [سورة يس (36) : الآيات 30 الى 32] يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (30) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (31) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (32) . الآيات متصلة بالسياق السابق اتصالا تعقيبيا كما هو المتبادر. وهو ما جرى عليه النظم القرآني عقب القصص. وقد احتوت تنديدا بالناس الذين لا تؤثر فيهم المواعظ والأمثال وما كان من إهلاك الله للأقوام السابقة فيقفون من رسل الله كلما جاء رسول موقف الاستهزاء والتكذيب. وتوكيدا بأن الناس جميعهم محضرون أمام الله ومجزيون عن أعمالهم. والتعقيب مؤثر نافذ كما هو واضح. [سورة يس (36) : الآيات 33 الى 44] وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (35) سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (36) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (42) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ (44) . (1) وما عملته أيديهم: ولم تعمله أيديهم.

(2) الأزواج: الأنواع المتشاكلة من النبات والحيوانات ومنها الإنسان. (3) نسلخ: ننزع أو نخرج. (4) لمستقر لها: إلى أن يحين وقت استقرارها ووقوفها وقرئت الكلمة بلفظ «لا مستقر لها» بمعنى أنها دائمة الجري. ومعنى التأويلين للكلمة متساوق. (5) العرجون: هو عرق النخلة فإذا قدم رقّ وتقوّس واصفر. والكلمة في معرض تشبيه القمر في أواخر الشهر. (6) تدرك: تلحق. (7) الفلك: الأولى بفتح الفاء واللام بمعنى مدار السماء حيث تجري الشمس والقمر والنجوم وأصل معناه الشكل الدائري. والثانية بضم الفاء واللام وهو مركب البحر. (8) حملنا ذريتهم في الفلك المشحون: قال المفسرون إن المقصود بذلك الإشارة إلى سفينة نوح وآباء البشر الذين ركبوها «1» . (9) من مثله: من مثل ذلك الفلك المشحون. (10) فلا صريح لهم: لا ناصر ولا مغيث لهم. والآيات استمرار للسياق أيضا. وجملة وَآيَةٌ لَهُمُ موصلة بين الفصل الأول السابق للقصة وبين هذا الفصل كما هو المتبادر. وقد احتوت تنبيها إلى مشاهد كون الله ونواميسه ونعمه على خلقه، وتنديدا بالذين لا يشكرون ولا يرتدعون عن مواقف المكابرة. وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. وقد جاءت كما يلهمه أسلوبها وفحواها في معرض البرهنة على قدرة الله على ما يعد الناس ويتوعدهم والتنبيه على أفضال الله عليهم ورحمته بهم، في الأرض والسماء والبحار، والتنديد بالذين لا يشكرونه ولا يرتدعون عن مواقف المكابرة والجحود، وإنذارهم بأنه لو شاء لأهلكهم ومنع عنهم خيره وبرّه فلا يجدون لهم مغيثا ولا ناصرا، وبأنه إذا لم يفعل

_ (1) انظر تفسير ابن كثير مثلا.

ذلك فلا يكون إلّا من قبيل الإمهال إلى حين كأنما يهيب بهم إلى اغتنام الفرصة السانحة قبل نفاد صبره وإنزال عذابه فيهم. والآيات قوية نافذة. موجهة إلى القلب والعقل بسبيل ما جاءت من أجله من التذكير والعظة والبرهنة والإنذار. ومع وجوب الإيمان بحقيقة ما احتوته الآيات من تقريرات متنوعة فإن أسلوبها وفحواها وجملة وَآيَةٌ لَهُمُ التي بدأت بها وتكررت في مقاطعها قد يفيد أن السامعين كانوا يعرفون ويحسون ويتصورون ما احتوته من مشاهد كونية وأرضية وسماوية وفق ما ذكر فيها. وبهذا تبدو الحكمة في ذلك وتكون الحجة القرآنية مستحكمة في السامعين. ولقد روى الطبري والبغوي في سياق جملة وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها حديثا عن أبي ذرّ الغفاري قال: «كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد فلما غربت الشمس قال يا أبا ذرّ هل تدري أين تذهب الشمس قلت الله ورسوله أعلم قال فإنها تذهب فتسجد بين يدي ربّها ثم تستأذن بالرجوع فيؤذن لها وكأنّها قد قيل لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مكانها وذلك مستقرّها» . وما جاء في الحديث أمر مغيّب فيجب الوقوف عنده إذا صحّ «1» مع وجوب

_ (1) في التاج نصّ آخر فيه زيادة رواه البخاري والترمذي عن أبي ذرّ وهو: «قال أبو ذرّ كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس فقال يا أبا ذرّ أتدري أين تغرب الشمس؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها. ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها فيقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ» (التاج ج 4 ص 194) والزيادة متصلة بآية من آيات قيام الساعة وهي طلوع الشمس من مغربها حيث جاء في حديث رواه مسلم والترمذي وأبو داود عن حذيفة الغفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم في علامات الساعة ومنها طلوع الشمس من مغربها (التاج ج 5 ص 304) ونرجّح أن حديث أبي ذرّ واحد روى بعضه راو وروى جميعه راو آخر. وطلوع الشمس من مغربها كعلامة من علامات الساعة مماثل لما ذكرته آيات عديدة في سور المزمل والتكوير والقيامة والمرسلات من تبدّل مشاهد الكون عند ما تأزفّ الساعة وتخرب الدنيا. وكل هذا مغيّب يجب الإيمان به والوقوف عنده وإيكال حكمته إلى الله تعالى. وليس معرفة كنهه والمماراة فيه من ضروريات الدين. والله تعالى أعلم.

تعليق آخر على ما اعتاده بعضهم من محاولة استنباط النظريات العلمية من آيات القرآن

الإيمان بأنه لا بدّ من أن يكون لصدوره من النبي صلى الله عليه وسلم حكمة كشأن حكمة الله في الآيات. ولعلّ من هذه الحكمة قصد التنبيه على إحاطة الله تعالى وتصرفه المطلق في الكون وفي الشمس التي هي من أعظم مظاهر ومشاهد هذا الكون. والله تعالى أعلم. تعليق آخر على ما اعتاده بعضهم من محاولة استنباط النظريات العلمية من آيات القرآن لقد علّقنا في سياق تفسير سورة القيامة على ربط بعضهم بين الآية بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (4) وبين فنّ بصمات الأصابع الحديث. ونعود إلى التعليق مرة ثانية بمناسبة الآيات التي نحن في صددها والتي يقف بعضهم عندها وعند أمثالها لاستنباط قواعد فنية كونية منها أو تطبيق نظريات علمية عليها وبخاصة في صدد حركات الشمس والقمر وتعاقب الليل والنهار، والإدلاء بآراء متنوعة هي أدخل في نطاق التكلّف والتزيد بل والغلوّ أكثر منها في نطاق الحقيقة في حين أن الآيات في مجموعها وأسلوبها وروحها تحمل الدليل على أن القصد منها هو لفت نظر الناس جميعا بأسلوب يفهمونه إلى ما يشاهدونه من مظاهر قدرة الله وكونه بقطع النظر عما أقام الله سبحانه الكون عليه من نواميس ونسب وقواعد دقيقة محكمة النظام مطردة السير والجريان. ونحن نرى في مثل هذه المحاولات إخراجا للقرآن الكريم عن هدفه الوعظي والتذكيري وتعريضا له للتعديل والجرح اللذين يرافقان عادة الأبحاث العلمية على غير طائل ولا ضرورة. ولقد جاء في سورة يونس في صدد منازل القمر آية تفيد أن الله قدّر القمر منازل ليعلم الناس عدد السنين والحساب وهي: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً

تعليق على تعبير ذلك تقدير العزيز العليم ...

وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) فإذا لحظنا أن منازل القمر أو دوراته اليومية التي تتبدّل بها صوره كانت هي الوسيلة الممكنة المشاهدة لمعرفة حساب الأيام والأشهر والسنين بالنسبة للسامعين رغم كونها ليست دقيقة تبين لنا أن حكمة التنزيل إنما اقتضت أن يكون الخطاب كما جاء بسبيل تنبيه السامعين إلى نواميس كون الله وإثبات وجوده وقدرته على ما هو ملموح بقوة من فحوى السلسلة التي نحن في صددها وسياق آية سورة يونس المذكورة وأمثالها لأنه كان هو المفهوم من قبل السامعين بمداه ومعناه. وتبين لنا مدى ما في تجاوز هذا النطاق إلى استخراج النظريات الفنية من القرآن أو تطبيقها على الآيات القرآنية من تجوّز وتمحّل وخروج بالقرآن عن نطاق حكمة تنزيله. ونعود إلى التنبيه مرة أخرى في هذه المناسبة إلى أن ما قلناه لا يعني حظر دراسة أسرار الكون على المسلمين بمختلف الوسائل وعلى مختلف المستويات. فهذا شيء وذاك شيء آخر. بل إن إيذان الله تعالى للبشر ومن جملتهم المسلمين أن الله سخّر لهم ما في السموات وما في الأرض ليوجب عليهم ذلك لأن الانتفاع بما سخّره لهم الله لا يتمّ إلّا به. والله تعالى أعلم. تعليق على تعبير ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ... وبمناسبة ورود تعبير ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ نقول إن كثيرا من المسلمين يسوقون هذا التعبير في معرض عقيدة القضاء والقدر وكمستند لها به في حين أنه قد جاء في معرض بيان أن حركة الشمس والقمر وتعاقب الليل والنهار كل ذلك يجري ضمن حساب رباني مقدّر على أحسن أسلوب وأدقّ ترتيب. وبكلمة أخرى إن كلمة «تقدير» هنا تعني الحساب الدقيق وليس لها صلة بعقيدة القدر ولا يصحّ سوقها في معرض ذلك.

نموذج آخر للتفسيرات الصوفية

نموذج آخر للتفسيرات الصوفية لقد قلنا في تعليقنا على هذه التفسيرات في سياق سورة الفجر إن منها ما ليس فيه شذوذ فاحش. وهذا نموذج من ذلك حيث يفسر التستري الآية الأولى من هذه السلسلة بقوله: «القلوب الميتة بالغفلة أحييناها بالتيقّظ والاعتبار والموعظة وأخرجنا منها حبا معرفة صافية يضيء أنوارها على الظاهر والباطن» «1» . [سورة يس (36) : الآيات 45 الى 50] وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (46) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (47) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (48) ما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) . (1) اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون: اتقوا غضب الله في حياتكم وبعد مماتكم لعلّ الله يرحمكم، ويلحظ أن الجواب على هذا غير موجود في الآيات. وقد قال المفسرون إنه محذوف مقدّر وهو الإعراض وعدم الاستماع. والآية التالية تحتوي جوابا غير مباشر أيضا مما يوثق وجاهة القول. (2) ينظرون: ينتظرون. (3) يخصمون: يختصمون أي تأخذهم الصيحة بغتة أثناء استغراقهم في أشغالهم ولهوهم وخصوماتهم. الآيات متصلة بالسياق واستمرار له كما هو المتبادر. وفي ضمير لَهُمُ هنا دلالة على هذا الاتصال والترابط كما هو كذلك في الآيات السابقة. وعبارتها واضحة. وقد احتوت الآيات الأربع الأولى تقريرات عن واقع أمر الكفار ومبلغ مكابرتهم وجحودهم وغلظ قلوبهم. فهم يؤمرون باتقاء غضب الله في الدنيا

_ (1) التفسير والمفسرون للذهبي ج 3 ص 31.

تعليق على حث القرآن على البر بالفقراء وموقف الأغنياء من ذلك وآثاره

والآخرة فلا يبالون. وتأتيهم آيات الله فيعرضون عنها. ويقال لهم أنفقوا مما رزقكم الله فيجيبون ساخرين: إن الله لو شاء أن يرزق الفقراء ويطعمهم لما قتّر عليهم وحرمهم، وإنكم في طلبكم هذا منّا في ضلال مبين ثم يتساءلون تساؤل الساخر المتحدي عن موعد العذاب الذي يوعدون به إن كان ذلك صدقا وحقا. وقد احتوت الآيتان الأخيرتان ردّا إنذاريا. فالموعد آت لا ريب فيه. وستأتيهم الصيحة بغتة وهم لاهون في أشغالهم وخصوماتهم فيهلكون حيث هم فلا يرجعون إلى أهلهم ولا يجدون الفرصة لوصية يوصون بها. تعليق على حثّ القرآن على البرّ بالفقراء وموقف الأغنياء من ذلك وآثاره والآيات قوية التقرير والتنديد والإنذار. وقد احتوت صورا متنوعة لمواقف الكفار من دعوة الله وآياته ونبيه. والآية [47] بخاصة تدلّ على أنه كان يقع جدل بين المؤمنين والكفّار في صدد المبادئ التي بشّرت بها الدعوة وآمن بها المؤمنون وأن هؤلاء كانوا يدعون أولئك في جملة ما يدعونهم إليه ويحاجونهم فيه إلى البرّ بالفقراء ويذكرونهم بأن ما في أيديهم من مال إنما هو من رزق الله فلا يجوز أن يضنّوا به على المحتاجين من عباده وأن الكفار كانوا يجيبونهم على هذا بخاصة بجواب حجاجي ساخر وطريف يتهربون به مما يطلب منهم. وفي هذا صورة لما كان من تأثر المؤمنين بالدعوة ومبادئها وخاصة البرّ بالفقراء والمعوزين والجهد في نشرها والدعوة إليها ثم صورة لما كان من تأثير ذلك في أغنياء الكفار، وقد كان هذا الموضوع من أبكر ما بشّر به القرآن ومن أبكر ما أثار حقد الأغنياء والزعماء وحفّزهم إلى التكتل والمعارضة وظلّ كذلك قويا إلى أن أدخله القرآن في نظام الدولة وميزانيتها على ما تلهم آيات أخرى بالإضافة إلى تكراره وتوكيده في مختلف المناسبات والأساليب. وقد مرّ بعض الأمثلة من ذلك وعلقنا عليها. وستأتي تعليقات متنوعة أخرى في صدده في مناسبات آتية. غير أننا نرى هنا أن ننوّه بالمعنى الجليل الذي انطوى في تعبير أَنْفِقُوا مِمَّا

[سورة يس (36) : الآيات 51 إلى 65]

رَزَقَكُمُ اللَّهُ وننبه على أن هذا قد تكرر كثيرا في سور مكية ومدنية بأساليب متنوعة. وجاء في بعضها بقوة وصراحة أكثر حيث يبدو من هذا حكمة التنزيل في التوكيد عليه لإقراره في الأذهان. من ذلك آية سورة الرعد هذه: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) وآية سورة إبراهيم هذه: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (31) وآية سورة البقرة هذه: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وآية سورة آل عمران هذه: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ... [180] وآية سورة النساء هذه: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (37) وآية سورة النور هذه: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ ... [33] وآية سورة الحديد هذه: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) . ولقد ذكر المصحف الذي اعتمدنا عليه أن الآية [45] مدنية في حين أنها منسجمة في السياق ونظمه انسجاما تاما وليس لها خصوصية مدنية. والخطاب فيها في صدد الذين سبق الكلام عنهم حيث عبّر عنهم بكلمة (لهم) مما تكرر في السياق. ولذلك فإننا نشك في صحة الرواية. [سورة يس (36) : الآيات 51 الى 65] وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (53) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54) إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (56) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (57) سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (65)

(1) الأجداث: القبور. (2) ينسلون: يسرعون في الخروج. (3) مرقدنا: منامنا ومضجعنا. (4) فاكهون: فرحون أو متلذذون. (5) الأرائك: السرر والمقاعد العالية. (6) يدّعون: يطلبون. (7) امتازوا: تميزوا وانفصلوا. (8) ألم أعهد: ألم آخذ عليكم عهدا أو ألم أنبهكم. (9) جبلا: خلقا أو أجيالا. (10) اصلوها: اكتووا بنارها. الآيات استمرار للسياق السابق كما هو المتبادر حيث جاءت لتصوير الحالة في اليوم الموعود الذي حكت الآيات السابقة سؤال الكفار عنه وردّت عليهم مؤكدة منذرة، وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. وقد احتوت صورة للبعث الأخروي وما يكون فيه من مصير المؤمنين والكفار جزاء لما كسبه كل منهم في الحياة الدنيا، وما سوف يشعر الكفّار به من حقيقة ما وعدوا وصدق الرسل الذين أنذروا به وما سوف يخاطب الله به المجرمين من خطاب فيه تنديد وتبكيت. وأسلوب الآيات قوي أخّاذ كسابقاتها، من شأنه إثارة الخوف والرعب في

[سورة يس (36) : الآيات 66 إلى 68]

الكفار وبعث الطمأنينة والرضى في المؤمنين وهو مما استهدفته من دون ريب. ولقد أورد ابن كثير في سياق جملة الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ حديثا أخرجه ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك قال: «كنّا عند النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه ثم قال: أتدرون مم أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مجادلة العبد ربّه يوم القيامة، يقول ربّ ألم تجرني من الظلم فيقول بلى فيقول لا أجيز عليّ إلّا شاهدا من نفسي فيقول كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا وبالكرام الكاتبين شهودا. فيختم على فيه ويقال لأركانه انطقي فتنطق بعمله ثم يخلّي بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكنّ وسحقا فعنكنّ كنت أناضل» ثم قال ابن كثير إن مسلما والنسائي رويا هذا الحديث أيضا. وفي الحديث تفسير توضيحي للصورة التي احتوتها الآية قد يزول به ما يمكن أن يقوم من وهم التناقض بينها وبين آيات أخرى حكيت فيها أقوال يقولها الكفار يوم القيامة من قبيل الاعتذار مثل آية سورة المؤمنون هذه: قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ (106) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (107) . وآية سورة السجدة هذه: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (12) . وليس في الحديث بعد ما يخلّ بما قلناه من استهداف الآيات لإثارة الخوف والرعب في الكفّار كما هو واضح. [سورة يس (36) : الآيات 66 الى 68] وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66) وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (67) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (68) . (1) طمسنا: مسحنا وغطينا. (2) مسخناهم على مكانتهم: غيرنا خلقتهم أو شوهناها حتى يتعذّر عليهم

[سورة يس (36) : الآيات 69 إلى 70]

استخدام أعضائهم وحواسّهم كما يستخدمونها في حالتهم العادية. (3) ننكسه: ننتقص من قوته ونرجعه إلى الوراء. الآيات على ما هو ظاهر متصلة بالسياق السابق اتصال تعقيب وتنديد وتنبيه، ولعلها انطوت على تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أيضا. حيث احتوت تقريرات ربانية بأن الله لو شاء لطمس على أعين الكفار فلا يستطيعون أن يبصروا الصراط المستقيم ويسيروا فيه، أو لو شاء لمسخهم فبدّل من صورهم وأفقدهم قابلية الحركة والنشاط المعتادة وأن في ما يرونه من آثار قدرة الله وناموسه في تبديل خلق الإنسان وقواه وإرجاعه حين شيخوخته إلى الضعف وسوء الحال لدليلا على ذلك لو عقلوا. وقد قال بعض المفسرين «1» إن ما احتوته الآيات هو من صور الحياة الأخروية والبرهنة على قدرة الله على البعث. ولكن روحها بل ومضمونها يلهمان وجاهة التأويل الذي أوّلناها به والذي قال به غير واحد من المفسرين أيضا «2» . والمتبادر لنا أنه أريد بما قررته الآيات تقرير كون الله لم يفعل بهم ذلك إلا ليكون لهم من مواهبهم وحواسهم المعتادة التي زودهم بها وسيلة للإدراك والتمييز والحركة والنشاط حتى لا تضيع الفرصة عليهم ويستحقوا ما يستحقونه من المصير عدلا وحقا إذ عطلوا ما زودهم الله به وأضاعوا الفرصة ولم يسيروا في طريق الهدى والحق. وينطوي في هذا إعذار وإنذار ربانيان للكفار، وحكمة ربانية سامية مستمرة الإلهام والتلقين وهي الدعوة إلى الانتفاع بالمواهب التي أودعها الله في الناس بالاستدلال على سبيل الحق والهدى والخير والسير فيها وعدم تعطيلها. [سورة يس (36) : الآيات 69 الى 70] وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (70) . (1) حيّا: هنا بمعنى العاقل المتأمل الحي البصيرة والقلب.

_ (1) انظر تفسير الخازن ثم ابن كثير والطبرسي والزمخشري والطبري. (2) انظر المصدر نفسه.

تعليق على نسبة العرب الشعر والشاعرية للنبي والقرآن

والآية الأولى تنفي عن النبي صلى الله عليه وسلم الشاعرية علما وترفعا وتقرر أن القرآن ليس إلّا تذكيرا للناس وقرآنا مبينا واضحا. والآية الثانية تعلن أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أرسل وأنزل عليه القرآن لينذر الناس فينتفع بذلك من كان ذا عقل متأمل وقلب حيّ سليم ويحق القول وتقوم الحجة على الجاحدين. وبرغم ما يبدو من استقلال الآيتين بموضوع منفصل عما قبلهما فإن ما جاء بعدهما هو استمرار للسياق الأول في التنديد بالكفار وحكاية أقوالهم ومواقفهم بحيث يمكن أن يقال إنهما متصلتان بالسياق السابق واللاحق أيضا وإنهما جاءتا بمثابة تقرير لمهمة النبي صلى الله عليه وسلم وهدف ما يوحيه الله إليه من قرآن. وهذا الأسلوب النظمي قد تكرر في القرآن. ويبدو أن حكمة هذا الأسلوب هنا هي تقرير أن ما يتلوه النبي صلى الله عليه وسلم من آيات الإنذار والوعيد والتقريرات عن عظمة الله ووصف مشاهد الآخرة ومصائر الناس فيها ليس من قبيل الشعر وإنما هو قرآن رباني فيه كل الحق والحقيقة. تعليق على نسبة العرب الشعر والشاعرية للنبي والقرآن على أن الآيتين احتوتا موضوعا جديدا ذاتيا أيضا. وهو نفي شاعرية النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن. فلقد رأى الكفار النبي صلى الله عليه وسلم يتلو الآيات البليغة القوية النافذة إلى أعماق النفوس والمؤثرة في العواطف والمشاعر فظنوا ذلك من قبيل الشعر البليغ الذي اعتادوا سماعه والتأثّر به والتحمّس له. ولم يرد في السور السابقة حكاية عن نسبة الشعر إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قبل الكفار. غير أن الآيتين تلهمان بقوة أن هذا مما كانوا يقولونه قبل نزولهما. ولقد حكته عنهم آيات عديدة في سور أخرى بعد هذه السورة حيث اقتضت حكمة التنزيل ذلك. منها آية سورة الأنبياء هذه: بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) وآية سورة الطور هذه: أَمْ يَقُولُونَ

شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) . وفي نفي شاعرية النبي صلى الله عليه وسلم وتقرير خطورة مهمته في عبارة وَما يَنْبَغِي لَهُ وكذلك في تقرير كون القرآن ذكرا وإنذارا قصد آخر على ما يتبادر لنا وهو توكيد سموّ المصدر القرآني وعلوّ أهدافه وتجرّده عن المبالغات والأكاذيب والاندفاع في العاطفة والخيال، شأن الشعراء وما يصدر عنهم، ولفت نظر السامعين إلى أن ما يتلوه هو ذكر وقرآن رباني فيه الصدق والحقيقة وفيه الهدى والموعظة وفيه الدعوة الخالصة إلى الله وصراط المستقيم وفيه أسمى مبادئ الخير والصلاح وفضائل الأخلاق والنظم وفيه الإنذار والتبشير والحرص على هداية الناس وتحرير نفوسهم وقواهم وعقولهم والتسامي بها إلى مراتب الكمال الخلقي والاجتماعي والإنساني. وكل هذا هو من مهمات النبوّة وأعلامها ومظاهرها وليس فيه شيء يمتّ إلى الشعر والشعراء. ولقد زعم الكفار بالإضافة إلى أنه شاعر أنه يتلقى شعره من شياطين الجنّ على ما كانوا يعتقدونه بالنسبة لنوابغ الشعراء وعباقرتهم فأنزل الله آيات عديدة في سورة الشعراء في هذا الصدد منها: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) ومنها: وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (210) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212) ومنها: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (223) وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227) حيث انطوى في هذه الآيات تقرير قوي في تزييف الشعر والشعراء ونفي لشاعرية النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن ومقارنة رائعة بين الشعر والقرآن وبين الشعراء والنبي صلى الله عليه وسلم. فالشياطين إنما تنزل بالشعر على الشعراء لا على الأنبياء، ومعظم الشعراء كاذبون أفّاكون أثيمون وفي كل واد يهيمون ويقولون ما لا يفعلون ولا يتبعهم إلّا الغاوون الضالون في حين أن النبي صلى الله عليه وسلم معروف بكل خلق كريم

ويدعو إلى الله وحده وإلى مكارم الأخلاق وفضائل الآداب والحقّ والهدى وينهى عن الشرك والإثم والفواحش. ويتبعه طائفة عرفت بكرم الأخلاق والصفات فلا يمكن أن يكون النبي شاعرا ولا يمكن أن يكون القرآن شعرا من نوع الشعر الذي يقوله الشعراء وتتنزل به الشياطين. وإنما أنزله الله عزّ وجلّ، ودليل ذلك أنه متسق مع كتب الله الأولى التي أنزلها على أنبيائه الأولين والتي يعرف العرب السامعون خبرها من أهل الكتاب الذين هم بين ظهرانيهم. هذا، ومن الممكن أن يستدلّ من الآيات على أن العرب كانوا يرون في القرآن نمطا من أنماط الشعر، وأن الشعر عندهم لم يكن محصور المفهوم في ما يكون منظوما موزونا مقفّى، فقد قالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم شاعر في حين أن القرآن ليس شعرا حسب تعريف الشعر العربي المعتاد. ولو لم يسمعوا ما يصح أن يطلق عليه في نظرهم اسم الشعر لما قالوا إنه شاعر، ولعلّهم رأوا في السور والفصول القرآنية المتوازنة المقفّاة مثل النجم والأعلى والليل والشمس والقارعة إلخ ما برّر لهم إطلاق الشعر على القرآن والشاعر على النبي صلى الله عليه وسلم. ولقد أوّل البغوي جملة وَما يَنْبَغِي لَهُ بمعنى لا يتسهّل له. واستدلّ على صحة التأويل بما روي من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تمثّل ببيت شعر جرى على لسانه مكسورا. ومن ذلك أنه كان يقول: (كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا) في مقام شطر من بيت صحيحه (كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا) ويقول: (ويأتيك من لم تزود بالأخبار) في مقام شطر من بيت صحيحه: (ويأتيك بالأخبار من لم تزود) وإن أبا بكر راجعه فقال له: (إني لست بشاعر ولا ينبغي لي) . وهذه الأحاديث لم ترد في مساند الأحاديث الصحيحة في حين أن هناك حديثا صحيحا رواه الترمذي في سياق تفسير سورة النجم عن ابن عباس فيه بيت من الشعر صحيح قاله النبي صلى الله عليه وسلم في سياق آية سورة النجم: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [32] وهو: إن تغفر اللهم تغفر جمّا ... وأيّ عبد لك لا ألمّا «1»

_ (1) التاج ج 4 ص 222.

وحديثين صحيحين آخرين رواهما الشيخان في سياق وقعة الخندق أو الأحزاب جاء في أحدهما عن أنس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم فلمّا رأى ما بهم من النّصب والجوع قال: اللهمّ إنّ العيش عيش الآخره ... فاغفر للأنصار والمهاجرة» «1» وجاء في ثانيهما للبراء: «إنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان ينقل معنا التراب ولقد وارى التراب بياض بطنه وهو يقول: والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا إن الألى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا ورفع بها صوته: أبينا ... أبينا» «2» . وإن كتب السيرة القديمة روت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرتجز يوم حنين وهو على بغلته قائلا: أنا النبيّ لا كذب ... أنا ابن عبد المطّلب «3» وإن ابن كثير روى في سياق الآيات التي نحن في صددها حديثا جاء فيه: «أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم جرحت يده فقال: هل أنت إلّا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت وكل هذا شعر موزون على نمط الشعر العربي المتواتر. والذي يتبادر لنا أنه لا منافاة بين أن يتمثّل النبي صلى الله عليه وسلم ببعض الشعر بوزنه

_ (1) التاج ج 4 ص 374- 375. (2) انظر المصدر نفسه. [.....] (3) طبقات ابن سعد ج 3 ص 201.

[سورة يس (36) : الآيات 71 إلى 73]

الصحيح بل وأن يحفظ أكثر من بيت من شعر شعراء العرب الذي يجري على لسانه بعض أبيات على نمط الشعر المتواتر وبين مدى الجملة القرآنية. وأن نفي ذلك عنه غير متّسق مع طبيعة الأشياء من حيث إن النبي كان يعيش حياة العرب التي كان للشعر فيها حيّز كبير. وإن المدى الأوجه والأصح للجملة على ضوء ما تلهمه آيات سورة الشعراء التي أوردناها وشرحناها قبل قليل هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قد صرف عن معاطاة الشعر وأن ذلك لا يتناسب مع مهمة وجلال النبوّة. ولقد أورد البغوي في سياق تفسير آيات سورة الشعراء [221- 227] حديثا رواه بطرقه عن أبي هريرة جاء فيه: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا يريه خير من أن يمتلئ شعرا» . وإذا صحّ هذا الحديث فهو متّصل بما يتصف به شعر معظم الشعراء من كذب وبعد عن محجة العقل والحق فيما هو المتبادر. [سورة يس (36) : الآيات 71 الى 73] أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (71) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (73) . (1) الأنعام: تطلق على الإبل والبقر والغنم. (2) ذلّلناها: سخرناها أو أخضعناها. في الآيات تذكير استنكاري للسامعين بالأنعام التي سخّرها الله لهم لينتفعوا بها في مختلف وجوه النفع من ركوب وأكل وشرب ولبس، وتنديد بهم لعدم شكرهم على نعمه والاعتراف بفضله وربوبيته. وفي الآيات عود على بدء في التنديد بالكافرين والمكذّبين وربط للسياق، كأنما فصول مشهد الآخرة وما بعدها جاءت استطرادية. وهكذا تتصل فصول السورة ببعضها وتبدو صورة رائعة من صور التساوق في النظم القرآني. ولقد كانت الأنعام من أهمّ ما ينتفع به العرب. فجاء التذكير بنعمة الله عليهم

[سورة يس (36) : الآيات 74 إلى 75]

بها قوي الاستحكام. وفي هذا مظهر من مظاهر التساوق بين الأساليب القرآنية وأذهان السامعين مما تكرر كثيرا في مناسبات وصيغ متنوعة. وقد يقال إن الله خلق الأنعام كما خلق غيرها من الدواب النافعة والمؤذية بمقتضى الناموس العام. وإن في القول بأن الله قد خلقها للناس إشكالا، والذي يتبادر لنا أن المقصد من ما جاء في الآيات وأمثالها المتكررة في القرآن هو تذكير السامعين بما أقدرهم الله عليه من تسخير الأنعام والانتفاع بها شتى المنافع التي فيها قوام حياتهم وبما يوجبه ذلك عليهم من الإخلاص له وشكره وبما في الاتجاه نحو غيره أو إشراك غيره معه انحراف وشذوذ. وفي الآيات نفسها وما يليها من الآيات ما يؤيد هذا التوجيه. [سورة يس (36) : الآيات 74 الى 75] وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (75) . والآيتان استمرار في السياق والتنديد بالكافرين على اتخاذهم آلهة غير الله رجاء أن ينصروهم في حين أنهم عاجزون عن ذلك. وقد أوّل المفسرون «1» الفقرة الأخيرة من الآية الثانية تأويلات متعددة. منها أن الكفّار يتخذون الأصنام آلهة لهم مع أنهم هم جند لهم يحمونهم ويدفعون عنهم الأذى والعدوان. ومنها أن الآلهة سوف يكونون مع الكفار يوم القيامة جندا واحدا ولكنهم لن يستطيعوا لهم نصرا حيث يطرحون جميعا في النار. وكلا التأويلين وجيه وإن كنا نرجح الأول. وكلاهما منطو على السخرية بالكافرين والتسفيه لعقولهم وبقصد الإفحام والتدعيم كما هو المتبادر. [سورة يس (36) : آية 76] فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (76) . (1) يسرون: يكتمون ويخفون.

_ (1) انظر الطبري وابن كثير والطبرسي مثلا.

[سورة يس (36) : الآيات 77 إلى 83]

في الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وقد جاءت معترضة في السياق. وقد أوردناها لحدتها لأن من المحتمل أن تكون التسلية في صدد ما يثير نفس النبي صلى الله عليه وسلم من اتخاذ الكفار آلهة لهم غير الله والاستنصار بهم، أو في صدد نعتهم إياه بالشاعرية وتكذيبهم القرآن أو في صدد ما حكته الآيات التالية من تحدي بعض زعماء الكفار ومكابرتهم وتكذيبهم البعث الأخروي بعد أن يصبحوا رميما. وقد تكرر مثل ذلك حيث اقتضته حكمة التنزيل بسبيل تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وتقويته إزاء ما كان يلقاه من قومه من مواقف ويسمعه من نعوت كانت تثيره وتحزنه. [سورة يس (36) : الآيات 77 الى 83] أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83) . (1) خصيم مبين: مجادل عنيد. (2) رميم: بال. (3) يقول له كن فيكون: هذا التعبير أسلوبي أو مجازي بمعنى أن الله فيما يريد أن يتمّ ظهور شيء يتمّ فورا بمجرد تعلق إرادته به. (4) ملكوت: بمعنى الملك المطلق التام. تساءلت الآية الأولى تساءل المستنكر المندد عما إذا كان الإنسان لم يعرف أن الله إنما خلقه من نطفة حتى ينقلب خصما عنيدا له. وحكت الثانية موقف هذا الإنسان الذي نسي كيفية نشوئه وخلقه المذكورة فتساءل عمن يمكن أن يحيي

العظام بعد أن تصبح رميما فتاتا متحدّيا بذلك ربّه العظيم الذي خلقه من تلك النطفة ومتجاهلا قدرته. واحتوت الآيات التالية أمرا ربانيا للنبي بالردّ على هذا الإنسان السائل المتحدي المتجاهل ردّا قويا فيه تنديد لاذع بعبارة واضحة موجهة إلى العقل والقلب وفيه تدليل هنا على قدرة الله على إعادة الخلق وعظمته بما لا يمكن المكابرة فيه مما يقع تحت المشاهدة. وقد روى المفسرون «1» أن أبيّ بن خلف أو العاص بن وائل من زعماء الكفار أخذ في موقف جدل بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عظمة بالية وفتتها ثم قال له كيف تزعم أن ربّك يبعث الناس وقد صارت عظامهم رميما!. والرواية محتملة الصحة. غير أننا نلاحظ أن السياق كلّه أي هذه الآيات وما قبلها منسجم يدلّ على الوحدة التقريرية والإلزامية والتنديدية. والذي يتبادر لنا من ذلك أن حكاية هذا الموقف قد جاءت كإشارة عرضية إلى بعض أسئلة الكفار ومواقفهم الساخرة بسبيل الردّ والتنديد مما تكرر كثيرا في النظم القرآني. وأسلوب الآيات قويّ من شأنه أن يفحم المجادل المكابر وأن يقطع عليه نفس الكلام والمكابرة. وفيه من الإفحام ما يظلّ مستمد إلهام وقوة في صدد التدليل على قدرة الله عزّ وجلّ وعظمته كما هو المتبادر. ولقد كان السائلون يعترفون بالله عزّ وجلّ وكونه خالق الأكوان ومدبّرها ومالك كل شيء ومرجع كل شيء على ما نبهنا عليه وأوردنا شواهده القرآنية في مناسبات سابقة ومن هنا يأتي الإفحام لهم قويا ملزما. غير أن هذا يظلّ كذلك دائما لأن دلائل وجود الله وقدرته مائلة في كل شيء لا يكابر فيها إلّا مكابر أو جاهل.

_ (1) انظر تفسير الآيات في الطبري وابن كثير والطبرسي والخازن.

سورة الفرقان

سورة الفرقان في السورة صور عديدة لمواقف الكفار من النبي صلى الله عليه وسلم وأقوالهم وتعجيزاتهم. وحملة تقريعية وإنذارية عليهم. وردود مفحمة ببراهين على قدرة الله وعظمته وربوبيته. وتذكير ببعض الأمم السابقة ومصائرهم. وتنويه بالمؤمنين الصالحين وأخلاقهم وحسن عاقبتهم. وبين موضوعاتها وموضوعات السورة السابقة شيء غير يسير من التشابه والتساوق مما يمكن أن يكون قرينة على صحة ترتيب نزولها بعدها. ونظم السورة مسجع وموزون أكثر منه مرسلا. وفصولها مترابطة. وهذا وذاك مما يسوغ القول بوحدة نزولها أو تلاحق فصولها في النزول. وقد روى المصحف الذي اعتمدناه أن الآيات [68- 70] مدنيات. وانسجامها مع السياق والأسلوب وبروز الطابع المكي عليها مما يحمل على الشك في الرواية. وقد روى الطبري تفنيدا للرواية وتوكيدا بمكية الآيات. وهناك حديث رواه مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس سنورده في ما بعد جاء فيه أن الآية [70] مكية وهذه الآية جزء لا يتجزأ من الآيتين السابقتين لها حيث يؤيد كل هذا شكّنا في الرواية. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الفرقان (25) : الآيات 1 الى 3] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (2) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً (3) . (1) تبارك: تزايد خيره وعظمت بركته. (2) الفرقان: معناها اللغوي الفارق. وهي مصدر فرق بمعنى فصل. ووردت في القرآن بمعان عديدة حيث وردت بمعنى التفريق بين الحقّ والباطل وبمعنى المبين للحق وبمعنى نصر الله وتأييده وللكناية عن القرآن والإشارة إليه وللكناية عن كتب الله مطلقا وعن كتب موسى عليه السلام وهي هنا للكناية عن القرآن. وقيل فيما قيل عن كنايتها للقرآن إنها تأتي أحيانا بمعنى المفرّق ضد المجموع للدلالة على نزوله مفرقا وليس جملة واحدة. (3) عبده: كناية عن النبي صلى الله عليه وسلم. (4) قدّره تقديرا: خلقه بحساب وإحكام دقيقين. (5) نشورا: هنا بمعنى البعث بعد الموت. بدأت السورة بالثناء على الله تعالى. وهذا المطلع من مطالع السورة المتكررة على اختلاف في الصيغ. وقد أعقب الثناء في الآية الأولى والثانية تقرير كون الله تعالى هو الذي أرسل عبده صلى الله عليه وسلم لينذر العالم أجمع ويبيّن لهم طريق الحق والهدى ويدعوهم إليه، وتقرير كون الله تعالى هو ملك السموات والأرض وليس له شريك فيه ولم يتخذ ولدا، وأنه خلق كل شيء على أدقّ ترتيب وحساب. أما الآية الثالثة فقد احتوت تنديدا بالكافرين الجاحدين الذين يتخذون آلهة من دونه لا يخلقون شيئا وهم أنفسهم مخلوقون ولا يملكون لأنفسهم- فضلا عن غيرهم- ضرّا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا حيث انطوى فيها تسفيه للمشركين والجاحدين بعبادتهم مثل هذه الآلهة دون الله تعالى مالك كل شيء وخالق كل شيء دون ما شريك. ويبدو من الآيات التي جاءت بعد هذه الآيات أن هذه الآيات جاءت مقدمة لحكاية مواقف جحودية واستهزائية وتعجيزية وقفها الكفار والمشركون. وهي قوية

[سورة الفرقان (25) : الآيات 4 إلى 6]

نافذة فيما احتوته من تقرير وتنديد وتسفيه. وفي الآية الأولى تقرير جديد بكون الله عزّ وجلّ إنما أنزل القرآن ليكون نذيرا للعالمين في كل زمان ومكان. وقد سبق تقرير كون القرآن ذكرا للعالمين في سورتي القلم وص كما سبق أمر الله في سورة الأعراف للنبي صلى الله عليه وسلم بإعلان كونه رسول الله إلى الناس جميعا حيث يتلاحق تقرير هذا الأمر منذ أوّل العهد النبوي فينطوي في ذلك ردّ قاطع متكرر على من يزعم خلاف ذلك. [سورة الفرقان (25) : الآيات 4 الى 6] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (4) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (5) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (6) . (1) إفك: كذب. (2) افتراه: اخترعه. (3) أساطير: انظر شرحها في سورة القلم. (4) اكتتبها: بمعنى استكتبها على ما جاء في كشاف الزمخشري. (5) تملى: تتلى وتقرأ. في الآيات حكاية لما كان يقوله كفار العرب حيث كانوا يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يخترع القرآن وينسبه إلى الله افتراء، وإن هناك أناسا يساعدونه على ذلك، وإن القرآن مستمدّ من كتب الأولين وأساطيرهم وقصصهم، وإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستكتبها ويكلّف من يتلوها عليه صباحا ومساء حتى يستظهرها. وقد ردّت عليهم الآية الرابعة ردّا قويا فوصفت أقوالهم بالظلم والزور وأمرت النبي صلى الله عليه وسلم بالتوكيد بأن القرآن وحي أنزله عليه الله الغفور الرحيم الذي يعلم سرّ كل شيء في السموات والأرض.

تعليق على زعم الكفار بأن أناسا يعاونون النبي صلى الله عليه وسلم على القرآن

والآيات معطوفة على سابقاتها والسياق متّصل ببعضه. وقد انطوى فيها وفي الآيات السابقة تقرير كون الكفار في حين يسخفون ويتخذون من دون الله آلهة لا يخلقون شيئا ولا ينفعون ولا يضرون يتواقحون فيقولون عن القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم هذه الأقوال الجريئة. وهكذا تستحكم الحجة ويأتي الكلام قويا لاذعا. والمتبادر من جملة إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً في هذا المقام أنها أريد بها تقرير كون الله تعالى باتّصافه بالغفران لعباده والرحمة بهم أرسل عبده لينذرهم ويهديهم وأن ذلك جعله يمهل الكفار على ما يقولونه من أقوال ويقفونه من مواقف ولا يعجل بعذابهم. وقد قال بعض المفسرين إن في الجملة دعوة للكفار إلى التوبة إلى الله عن قولهم والرجوع إلى الحق. ولا يخلو هذا من الوجاهة وقد تكررت مثل هذه الدعوة في مختلف المواقف والمناسبات المكيّة والمدنيّة. تعليق على زعم الكفار بأن أناسا يعاونون النبي صلى الله عليه وسلم على القرآن ويعزو المفسرون الأقوال الواردة في الآيات إلى النضر بن الحرث بن عبد الدار وأصحابه من مشركي قريش ويروون أنهم كانوا يقولون إن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يتعلّم من اليهود أو من بعض أفراد النصارى في مكة كانوا أرقاء وصناعا مثل جبرا ويسار الروميين وعبيد بن الحصر الحبشي الكاهن، ويستكتب ما عندهم من أسفار «1» . وفي الردّ الذي احتوته الآيات على أقوال الكفار إفحام قوي، فالوحي الرباني يسجّل أقوالهم في آيات تتلى على الناس جهرة ويردّ عليها ردّا فيه تكذيب لهم وتنديد بهم ونسبة الظلم والزور إليهم ويتلى كذلك على الناس جهرة فيسمع الكفار هذا وذاك ويسمعهما معهم الذين ينسب الكفار إليهم معاونة النبي صلى الله عليه وسلم.

_ (1) انظر تفسير الآيات في كتب تفسير الطبري وابن كثير والطبرسي والزمخشري والخازن مثلا.

وفي سورة النحل آية تفيد أن الكفار عادوا مرة أخرى فزعموا أن شخصا معينا يعلّم النبي صلى الله عليه وسلم. وهي هذه: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) وقد ذكر المفسرون «1» أسماء جبرا ويسار أيضا في سياق هذه الآية، ولقد احتوت الآية ردّا قويا مفحما مثل الردّ الأول حيث حكت قول الكفار وكذّبته علنا على سمعهم وسمع الشخص الذي كانوا يذكرونه في معرض تعليم النبي صلى الله عليه وسلم، مع زيادة مهمة هي ذكر هوية الشخص وكونه أعجمي اللسان وأنه ليس هناك أي احتمال لتعلّم النبي صلى الله عليه وسلم منه ما يتلوه من قرآن عربي مبين. وقد يقال إن الكفار لم يكونوا ليقولوا ما قالوه لو لم يشاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم يجتمع إلى أفراد من غير أهل مكة متنورين مثقفين مطلعين على الكتب الأولى، وقد يكون هذا واردا. وفي القرآن المكي آيات عديدة نوّهت بالذين أوتوا العلم والكتاب واستشهدت بهم وذكرت فرحهم بما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وشهادتهم بأنه حق وتصديقهم به وبرسالة النبي صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه مثل آيات سورة القصص هذه: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) وآيات سورة الإسراء هذه: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (107) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (109) وآية العنكبوت هذه: وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ (47) وآية سورة الأنعام هذه: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وآية

_ (1) انظر تفسير الآيات في كتب تفسير الطبري وابن كثير والطبرسي والزمخشري والخازن مثلا.

سورة الرعد هذه: وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ [36] ومن الممكن أن يكون من هؤلاء من اتصل به النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته أيضا. بل لقد روي أنه كان فعلا يمرّ على بعض الذين يقرأون الكتب الأولى ويسمع منهم «1» . غير أن ذلك لا يجعل للقول الذي يمكن أن يقال أهمية إيجابية في معرض دعوى الكفار بل ومن شأنه أن يحبطه. فإن جلّ الذين استشهد بهم وشهدوا بصدق القرآن والرسالة والذين من المحتمل أن يكون الكفار قد عنوهم أو عنوا بعضهم كمعلمين للنبي صلى الله عليه وسلم بل كلهم قد انضووا إليه وآمنوا وصدقوا وخشعوا وفرحوا واستبشروا على ما ذكرته الآيات نفسها. وهذا يعني أن هؤلاء قد رأوا من صدق أعلام النبوّة ما جعلهم يؤمنون ويصدقون. ولقد يقال أيضا إن الكفار دعموا ما قالوه بما رأوه من تشابه في المبادئ والأخبار بين القرآن والكتب الأولى فقالوا عنه إنه أساطير الأولين اكتتبها كما جاء في الآيات التي نحن في صددها وكرروا ذلك أكثر من مرة كما حكته عنهم آيات عديدة مرّ بعضها. وليس في هذا ما يمكن أن يكون نقضا لتكذيب القرآن لهم وردّه عليهم. حتى مع التسليم بأن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع أو استمع لمحتويات ما كان يتداوله اليهود والنصارى من الأسفار. ففصول القرآن ليست سردا لتاريخ وقصدا إلى تدوين وقائع وتكرارا آليا لشرائع ومبادئ. وإنما هي دعوة حية جياشة إلى الله والعمل الصالح، متحدة في جوهرها مع دعوة الأنبياء الأولين وصادرة مثلها عن واجب الوجوب ووحيه كما نبهت إليه آيات سورة النساء هذه إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (164) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً

_ (1) انظر تفسير آية النحل [103] في تفسير الخازن مثلا.

تعليق على نسبة المتعصبين من الكتابيين

حَكِيماً (165) لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (166) وآية سورة الشورى هذه شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) ومدعومة بما اقتضته حكمة التنزيل من دعائم ووسائل تمثيلية وتذكيرية ووعظية وإنذارية وتبشيرية في قصص الأولين وأخبارهم ومشاهدهم مما كان معروفا ومتداولا لدى سامعي القرآن أو في المشاهد والصور والأحداث القائمة والجارية في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبيئته. تعليق على نسبة المتعصبين من الكتابيين في العصور المتأخرة الافتراء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وموقفهم من رسالته العلوية ومن العجيب أن المتعصبين من الكتابيين في العصور المتأخرة لم يتأثروا ولم يكتفوا بما كان من نسبة الكفار إلى النبي صلى الله عليه وسلم افتراء القرآن أو تلقيه من أناس آخرين وكتبهم مواجهة وبردّ القرآن عليهم بردوده القوية المفحمة النافذة إلى أعماق الضمير والتي منها الآيات التي نحن في صددها ثم آية سورة الأحقاف هذه: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8) وآية سورة الشورى هذه: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (24) وآية سورة النساء هذه: لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (166) وآية سورة الأنعام هذه: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ... [19] وآية سورة الأنعام هذه: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ... [93] فكرروا ما قاله كفّار العرب مثيرين إشكالات ثانوية لا تمسّ بالجوهر ولا تثبت على التمحيص.

ولقد رأوا في القرآن تطابقا مع بعض ما جاء في الأسفار المتداولة في أيديهم فزعموا أنه مقتبس منها بل تواقحوا بدون وازع من منطق وضمير وحياء وواقع فقالوا إن الإسلام صورة ممسوخة أو نسخة مشوهة من اليهودية والنصرانية متجاهلين ما جاء عليه من نقاء وصفاء وانطوى فيه من علوية وروحانية وأتى به من تصحيح لكل انحراف وتحريف عقائدي وأخلاقي ارتكس فيه اليهود والنصارى وأهل الملل الأخرى. ومن مبادئ وتشريعات وأحكام وتلقينات فيها حلّ لكل مشكلة إيمانية واستجابة لكل مطلب حياتي في كل ظرف فجاء فريدا في صفائه ونقائه وروحانيته وعلويته وكماله لينفذ إلى كل ضمير وقلب وعقل وليترشح بذلك ليكون دين الإنسانية العام. وقد فات عنهم بل تعاموا عن قصد أن الكفار هم الذين زعموا هذا حين كانوا يقولون أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الفرقان: 5] فردّه القرآن عليهم ردّا قويا شرحناه آنفا بل وتعاموا عن قصد كذلك أن القرآن إلى هذا قد أعلن ذلك التطابق لا على اعتبار أنه مقتبس ولكن على اعتبار أنه وحي منزل من الله كما كان ينزل على النبيين من قبل حيث يقول بأسلوب قوي نافذ: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (163) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (164) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (165) لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً [النساء: 163- 166] ووَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [المائدة: 48]

ووَ هذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [الأنعام: 92] وشَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ [الشورى: 13] مع إشارات تنديدية بما كانت عليه اليهودية والنصرانية وأتباعهما من نقض وانحراف وتحريف واختلاف وشقاق وإيذان رباني بأن الله تعالى قد أرسل له وأنزل عليه القرآن ليبين لهم ذلك وليخرجهم من الظلمات إلى النور في آيات سورة المائدة هذه: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (12) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (14) يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) ويا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة: 19] ووَ ما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ

بَعْدِهِمْ «1» لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14) فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [الشورى: 14- 15] ووَ لَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (64) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ [الزخرف: 63- 65] . وهذه الآيات وأمثالها التي تضع الأمر في نصابه الحقّ من وحي القرآن الرباني ورسالة الإسلام السامية النقية المصححة المتممة والتي من شأنها أن تستولي على قلب وضمير كل عاقل منصف بريء من الهوى وقصد المكابرة والعناد، تظهر عظيم التجنّي والوقاحة والكذب في الأقوال التي يتقوّلها المغرضون من المستشرقين والمبشرين. ولقد اتكئوا على المباينة بين ما جاء في القرآن في الظاهر لما هو معروف اليوم من وقائع التاريخ القديم فقالوا إنه ملفق من الحكايات المتداولة المشوبة بالخيال والتحريف متجاهلين أن ذلك من الشؤون الوسائلية التي لا تمسّ جوهر الرسالة العلوي الروحاني ولا تخلّ بمدى الوحي القرآني في حال وأن القرآن في قصصه لا يهدف إلى تأريخ الأحداث والوقائع لذاتها وإنما إلى الموعظة والعبرة والتذكير والتمثيل وأن هذا الهدف إنما يتحقق إذا كانت القصص والوقائع معروفة عند السامعين، وليس هناك أي دليل على عكس ذلك. وفي القرآن آيات عديدة تؤيد ذلك مثل آية العنكبوت هذه: وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) وآية سورة الفرقان هذه: وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ

_ (1) أي بعد الأنبياء نوح وإبراهيم وموسى وعيسى الذين ذكروا في الآية [13] من سورة الشورى التي أوردناها قبل قليل.

السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (40) وآية سورة الروم هذه: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) وآيات سورة الفجر هذه: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (6) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (10) . واتكئوا على ما بين القرآن والأسفار من مباينة في الوقائع فقالوا إنه محرّف مع أنه لا يستطيع أحد أن ينفي احتمال ورود ما ورد في القرآن في أسفار وقراطيس أخرى كانت موجودة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وضاعت كما لا ينفي احتمال طروء تحريف على ما في الأيدي اليوم من الأسفار. ونحن نعتقد ذلك. وقد نبهنا في سياق سورة الأعراف إلى ما كان مفقودا من أسفار ذكرت أسماؤها في الأسفار المتداولة وإلى ما هو ملموح في الأسفار المتداولة من تحريف وتغاير وتناقض. وكما وقع هذا وذاك يمكن أن يكون وقع مثله بطبيعة الحال. ونقول من قبيل المساجلة إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعقل أن يكون اخترع هذا وذاك لأنه ليس من ضرورة فنية إلى ذلك، والسياق القرآني يظلّ مستقيما بدونه. ومما قالوه إن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قام برحلات عديدة فانطبع بذاكرته كثير من الشؤون مع ما انطبع فيها مما سمعه من محتويات الأسفار فألّف القرآن من ذلك. وهذا كلام متهافت لأن القرآن كما قلنا قبل قليل لم يقصد إلى سرد الوقائع والصور والمشاهد وإنما هو دعوة إلى الله تعالى والعمل الصالح متّحدة في جوهرها مع دعوة الأنبياء الأولين ومتممة لها وصادرة مثلها عن الوحي الرباني ومصححة لما وقع فيها من تحريف وانحراف واختلاف ولا يمكن أن يتناقض هذا أو يخلّ به ما هو مسلّم به من إلمام النبي صلى الله عليه وسلم بأحوال وأحداث وقصص العرب والأمم الأخرى ومدوناتها بطبيعة الحال، وما اقتضت حكمة الله بوحيه منها بالأسلوب الذي جاء به هذا للتدعيم والتذكير والعبرة والإنذار والموعظة.

وكل ما قالوه تمحّك ومصوّب على الفصول الثانوية والوسائلية دون الجوهري في الرسالة المحمدية القرآنية فضلا عن تهافته. ولقد نبّه القرآن إلى أن الذين يتمحكون بالمتشابهات التي منها القصص والصور والمشاهد ويعمون عن النور الذي يشعّ من خلال المبادئ القرآنية المحكمة إنما يبغون الفتنة ويتلبسون بالنية السيئة والمكابرة كما جاء في آية سورة آل عمران هذه: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ... [7] . ومن العجيب أن الذين يقولون هذه الأقوال التي قال معظمها كفّار العرب للنبي صلى الله عليه وسلم يزعمون أنهم يعتقدون بنبوّة الأنبياء ومهمتهم، ووحي الله إليهم ثم يناقضون أنفسهم بإنكار ذلك على النبي العربي مع أن دعوته مثل دعوة الأنبياء من قبله إلى وحدة الله وتنزيهه عن كل شائبة ثم إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعدل والحق والإحسان والبرّ والتعاون والصدق والرحمة ومساعدة المعوزين والمحبة والسلام والنهي عن الفواحش والخبائث والمنكرات، ومع أن ما أخبر به عن وحي الله إليه مماثل لما كان من وحي الله إلى الأنبياء السابقين الذين يعترف القرآن بهم وبكتبهم ويأمر بالاعتراف والإيمان بهم. والمحكم من القرآن الذي كان يقصد به في بدء الأمر من تعبير (القرآن) على ما شرحناه في مناسبات سابقة وبخاصة في سياق تفسير سورة (ص) يدور على ذلك. ولا يسع أي شخص واع من غير المسلمين إذا تجرّد عن الهوى والغرض والتعصّب والمكابرة أن ينكر أنّ ما احتواه من مبادئ وأسس هي علوية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها تنزيل من حكيم حميد. وقد تجاهلوا كذلك أن القرآن استشهد بالكتابيين الذين رأوا النبي صلى الله عليه وسلم واستمعوا إلى القرآن في العهدين النبويين المكي والمدني. وقد شهد الذين حسنت نواياهم وطابت سرائرهم وتجرّدوا من الغرض والتعصّب والمكابرة والعناد بصدقهما وآمنوا بهما ولم يتمحّكوا بالمتشابهات. وليس هناك أي احتمال لتهمة

الضغط والإكراه لعدم إمكان ذلك في تلك الظروف وإنما كان استنادا إلى ما رأوه من صدق أعلام نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وسمعوه من الحق ثم إلى صفات محمد صلى الله عليه وسلم المطابقة لما في كتبهم على ما ذكرته آية الأعراف هذه: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [157] التي أوردنا من الشواهد ما يوضح ما احتوته في سياق تفسيرها وقد سجلت آيات الإسراء [107- 109] والقصص [51- 52] والأحقاف [10] والعنكبوت [47] والأنعام [114] والرعد [36] التي أوردنا نصوصها قبل قليل حركة إيمان وتصديق الكتابيين في مكة وسجلت آيات عديدة مدنية مثل هذه الحركة في المدينة أيضا مثل آية آل عمران هذه: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (199) وآية سورة النساء هذه: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (162) وآيات سورة المائدة هذه: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) . وإذا كان حقّا قد ظل فريق من أهل الكتاب في الحجاز وبخاصة اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يجحدون نبوته والقرآن الذي أنزل عليه فقد كان ذلك بتأثير من أحبارهم ورهبانهم الذين لم يستطيعوا كبت جماح هواهم والتجرد من أنانياتهم ومآربهم وحسدهم، وعموا عن رؤية الحق والهدى واتباعهما على ما ذكرته آيات عديدة هي تسجيل في نفس الوقت لواقع أمرهم، مثل آيات سورة البقرة هذه وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى

الَّذِينَ كَفَرُوا «1» فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (90) وهذه وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) وهذه وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ... [109] ومثل آيات سورة آل عمران هذه وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (69) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وآيات سورة التوبة هذه اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.... [31- 34] . ومثل آيات سورة النساء هذه التي تنطوي على أبشع وأفسق وأكفر وأخبث موقف لليهود من رسالة الله وقرآنه وهداه نتيجة لما كان من حسدهم وغيظهم:

_ (1) كان اليهود يقولون للعرب قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إنهم يجدون في كتبهم أنه سيبعث قريبا نبي عربي وأنهم سيكونون معه حزبا واحدا، وكانوا يقولون ذلك على سبيل الزهو والاعتزاز على العرب. انظر تفسير الآية في تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والمنار والطبرسي.

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (45) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46) وأَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (51) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (52) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (53) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ «1» [51- 54] . ونريد أن ننبه إلى أمر مهم في المسألة وهو أن القرآن إنما يقصد بجملة مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ [آل عمران: 3] الواردة بنصّها أو قريبا منها في الآيات هو التطابق في الأسس والمبادئ ووحدة المصدر مما تضمّنت تقريره آيات سورة النساء [163] وسورة الشورى [13] التي أوردنا نصّها آنفا. فإذا كان هناك تباين بين ما جاء في القرآن وما جاء في الأسفار فمردّ ذلك إلى ما طرأ على هذه الأسفار من تحريف وتبديل وما كان من علماء الكتابيين الدينيين من سوء تأويل وشذوذ وخلاف وشقاق ونزاع، وما كانوا يخفونه مما في أيديهم من كتب مما نبهت إليه آيات قرآنية عديدة مثل آيات سورة البقرة هذه: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما

_ (1) ذهب وفد يهودي إلى مكة لتحريض أهلها على النبي والمسلمين والتحالف معهم على استئصال شأفتهم وأخذهم المشركون إلى أوثانهم فتباركوا بها وحلفوا عندها وسألوهم أهم أهدى من محمد فحلفوا لهم أنهم هم أهدى ... (انظر ابن هشام ج 3 ص 235 وما بعدها وابن سعد ج 3 ص 108 وما بعدها) .

يُعْلِنُونَ (77) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) وهذه: وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) وهذه: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (253) وهذه: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) ومثل آيات سورة آل عمران هذه: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (20) وهذه: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) ومثل آيات سورة المائدة [13- 16] وآيات سورة الشورى [14- 15] وآيات سورة الزخرف [63- 65] التي أوردناها آنفا. ومن هنا تبدو حكمة الله ورحمته أن بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا للناس جميعا كتابيين وأمّيين وأنزل عليه القرآن ليكمّل به للإنسانية دينها ويصبح الإسلام بذلك دين الإنسانية العام كما جاء في آيات كثيرة منها آيات سورة التوبة هذه:

دلالة تعبيري اكتتبها وتملى عليه

يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) وليصحح ما طرأ على المبادئ التي تضمنتها الكتب الأولى من تحريف وتبديل وسوء تأويل وليكون عليها مهيمنا ولتلك المبادئ مرجعا كما ذكر ذلك في آيات عديدة أوردنا كثيرا منها آنفا، ومنها آية سورة المائدة هذه: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) وآية سورة المائدة أيضا هذه: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ [48] وآيات سورة النمل هذه: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) ويتمثل في ذلك كله فحوى ومدى آية سورة الأنبياء هذه: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (107) . دلالة تعبيري اكْتَتَبَها وتُمْلى عَلَيْهِ هذا، وتعبيرا اكْتَتَبَها وتُمْلى عَلَيْهِ الواردان في الآية الخامسة ينطويان على دلالة قرآنية على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقرأ ويكتب كما هو المتبادر. وهذه الدلالة صريحة أكثر في آية سورة العنكبوت هذه: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (48) . [سورة الفرقان (25) : الآيات 7 الى 10] وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (7) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (8) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (9) تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً (10)

(1) لولا: هنا بمعنى هلّا للتحدي. (2) فلا يستطيعون سبيلا: فلا يجدون طريقا أو حجة إلى إبطال أمر النبي صلى الله عليه وسلم بما يضربونه من أمثال، أو يوردونه من تعجيزات أو يقولونه من أقوال، أو إنهم ضلّوا عن الحق فلا يستطيعون تبيّنه بمثل تلك الأمثال. في الآيات حكاية لأقوال أخرى كان الكفار يقولونها حيث كانوا يبدون دهشتهم لدعوى النبي صلى الله عليه وسلم برسالة الله تعالى ويقولون كيف يكون رسولا من الله تعالى ثم هو يأكل الطعام ويمشي في الأسواق كما يفعل سائر الناس، وحيث كانوا يطلبون ما يدعم دعواه هذه ويتحدّونه بإنزال ملك يؤيده أو إلقاء كنز عليه ينفق منه أو خلق جنة يأكل منها، وحيث كانوا يقولون للمصدقين المؤمنين إنكم إنما تتّبعون رجلا يقول ما يقول ويدعو إلى ما يدعو تحت تأثير السحر. وقد احتوت الآيتان الأخيرتان ردّا تسفيهيا فيه خطاب تطميني للنبي صلى الله عليه وسلم في الوقت ذاته، فإنهم بمثل هذه الأقوال والتحدّيات قد ضلّوا عن طريق الحق والهدى فلن يستطيعوا تبيّنها، وإن الله قادر لو شاء أن يجعل له من القصور والجنات أفضلها وأعظمها فهو خالق الأكوان ولا يعجزه شيء من ذلك بطبيعة الحال. ولقد روى الطبري أن الآيتين الأولى والثانية نزلتا في مناسبة اجتماع تمّ بين زعماء المشركين والنبي صلى الله عليه وسلم جادلوه وتحدّوه بمطالب متعددة. والذي يتبادر لنا من انسجام المجموعة وعطفها على ما سبقها أن تحدّي الكفّار قد كان قبل نزول هذه الآيات والتي قبلها وأن المجموعتين نزلتا معا أو واحدة بعد أخرى لتحكي أقوالهم وتردّ عليهم وتندّد بهم وتقرّر حقيقة الرسالة النبويّة وهدفها وتثبّت النبي وتؤيده في موقفه معهم.

تعليق على تحدي الكفار باستنزال ملك لتأييد النبي صلى الله عليه وسلم

تعليق على تحدّي الكفار باستنزال ملك لتأييد النبي صلى الله عليه وسلم وحكاية طلب الكفار باستنزال ملك يؤيد النبي صلى الله عليه وسلم ويكون معه نذيرا تحكى عنهم هنا لأول مرة. وقد تكررت حكاية ذلك عنهم في هذه السورة وفي سور أخرى حيث يبدو أن هذا كان من مظاهر تحدّيهم التي رأوها هامة ورأوا تكرارها من آن لآخر. وحيث يؤيد هذا ما نبهنا عليه في سورتي المدثّر والنجم من اعتقادهم بوجودهم وصلتهم بالله تعالى وحظوتهم لديه. وقيامهم بخدمات متنوعة له حتى اعتقدوا أنهم بناته وعبدوهم على سبيل الاستشفاع بهم. تعليق على ما يفرضه العرب من طبيعة للنبي تغاير طبيعة البشر والآية السابعة تشير إلى ما كان يفرضه العرب في «النبي» من طبيعة غير طبيعة البشر ومن قوّة ومواهب فوق قوى البشر ومواهبهم، ثم إلى سبب من أسباب وقوفهم من النبي صلى الله عليه وسلم موقف المكذّب المرتاب وهو طبيعته البشرية التي لم يكن فيها أي فارق عن سائر الناس فكان هذا مما جعلهم يطلبون المؤيدات لدعواه الصلة بالله تعالى، وقد تكرر هذا منهم في آيات ومواقف عديدة أوردناها في سياق تفسير سورة المدثر. وكانت الآيات تردّ عليهم ردّا مماثلا لما احتوته الآيات التي نحن في صددها دون إجابة إلى تحدّيهم لأن الدعوة إلى الله ومكارم الأخلاق لا تحتاج إلى مؤيدات خارقة لمن يدعو إليها مع ترديدها تقرير بشرية النبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء وكونه لا يملك لأحد ضرّا ولا رشدا وكونه لا يجيره من الله أحد وكونه لا يعلم الغيب ولا يستطيع دفع ضرر عن نفسه وجلب خير له إلّا ما شاء الله كما جاء في آيات سورة الأعراف [188] وسورة الجن [21- 22] اللتين سبقتا هذه السورة وآية سورة الكهف هذه: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110) وأمثالها.

تعليق على تعبير انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا

تعليق على تعبير انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا والآية التاسعة في تقريرها ضلال الكفار فيما يبدو منهم من أقوال ويضربونه من أمثال ويتحدونه من تحدّيات قد تضمنت تقرير كون مواقفهم هذه هي مواقف عناد ومكابرة وليست صادرة عن نيّة حسنة ورغبة في الحق، وتقرير كون من كانت مواقفه ناشئة عن ذلك لا يستطيع أن يتبيّن الحق والهدى فيما يسمع ويشاهد. واستعمال كلمة فَضَلُّوا قد تفيد بالإضافة إلى ما قلناه أن إنكار الكفار ومكابرتهم وتساؤلهم وتحدّياتهم ناتجة عن ضعف إدراكهم الذي أدّى بهم إلى الظنّ بأن الرسل يجب أن يكونوا من غير البشر أو أن تكون لهم مواهب تفوق مواهب البشر. وهذا المعنى جاء بصراحة في آيات أخرى منها آيات سورة الإسراء هذه: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا (93) وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا (94) . وقد يفيد كذلك أن من الضلال أن يظنّ أن دعوة الناس إلى دين الله وطريق الحق تقتضي أن يقوم بها شخص فوق البشر في حين أن الخصائص التي يقتضي أن يمتاز بها الرسول ليست مما يخرجه من الطبيعة البشرية وإنما هي في الخلق والنفس والروح والعقل. وفي كل ما تفيده الآية تلقينات جليلة مستمرة المدى في تقبيح المكابرة والشذوذ وعدم تدبّر الأمور، والانحراف عن مقتضى الحق والمنطق وعدم التسليم بهما عند ظهور حجتهما والتحمّل في ما لا طائل من ورائه بسبيل هذا الانحراف.

[سورة الفرقان (25) : الآيات 11 إلى 14]

[سورة الفرقان (25) : الآيات 11 الى 14] بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً (11) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً (12) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً (13) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (14) . (1) أعتدنا: أعددنا وهيأنا. (2) تغيظا: هياجا وغليانا شديدين. (3) زفيرا: كناية عن الصفير الذي يخرج من النار إذا اشتدّ ضرامها واستعارها. (4) مقرنين: مقرون بعضهم إلى بعض أو مقيدون بالقيود. (5) ثبورا: هلاكا ومعنى دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً تمنوا الهلاك وطلبوه. في الآية الأولى تقرير لواقع أمر الكفار وبواعث مكابرتهم وعنادهم وهو تكذيبهم اليوم الآخر حيث أدّى ذلك إلى عدم مبالاتهم بما ينذرون ويوعدون وإنذار لهم ولأمثالهم المكذبين المنكرين بالنار التي أعدّها الله لهم. أما الآيات التالية لها فقد جاءت استطرادية لتصف هذه النار وما يلقى المكذّبون المنكرون فيها. فلسوف تكون شديدة الاستعار والالتهاب والهياج، ولسوف يكون لها من الزفير المدوي ما تهلع له القلوب. ولسوف يساقون إليها مقيدين بالأغلال ويحشرون فيها حشرا من شدّة الضيق والزحام ولسوف يتمنون الموت والهلاك ويطلبونه لشدّة ما يلقون من عذاب فلا ينالونه بل يقال لهم على سبيل السخرية إنكم لسوف تطلبونه كثيرا. ووصف عذاب المكذبين رهيب وأسلوب الآية الأخيرة لاذع ومن شأن ذلك إثارة الرعب في السامعين وبخاصة للمكذبين وهو مما استهدفته الآيات كما هو المتبادر. وواضح أن الآيات متصلة بالسياق السابق واستمرار له.

[سورة الفرقان (25) : الآيات 15 إلى 16]

[سورة الفرقان (25) : الآيات 15 الى 16] قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً (15) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً (16) . (1) الخلد: قيل إنها علم على جنة خاصة من جنات الآخرة كما قيل إنها صفة للجنة الأخروية بمعنى الخالدة. في هذه الآيات استطراد بأسلوب الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بسؤال الناس عمّا إذا كان المصير الرهيب الذي سيكون للمكذبين خيرا أم جنة الخلد التي وعد بها المؤمنون المتقون بعملهم الصالح والتي يكون لهم فيها ما يشاءون من النعيم الخالد. وفي السؤال ينطوي جواب إيجابي بأن جنة الخلد هي الأفضل وأن الإيمان والتقوى هما اللذان يستحق بهما أصحابهما هذا النعيم الخالد. وينطوي فيه كذلك معنى تبكيتي لمن يسخف فيختار بتكذيبه وكفره وفجوره السعير على جنة الخلد. والصلة بين هذه الآيات وسابقاتها قائمة واضحة. وقد استهدفت فيما استهدفته ترهيب المكذبين ليرعووا عن ضلالهم وترغيب المؤمنين المتّقين ليطمئنوا ويثبتوا على طريق الحق والهدى الذي اختاروه وسلكوا فيه. تعليق على تعبير كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا وتعبير كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا من التعابير القرآنية الحاسمة التي تقرّر أن جزاء الآخرة ونعيمها وعذابها هو رهن بأعمال الناس وسلوكهم واختيارهم. فقد وعد الله من آمن واتّقى بالنعيم الخالد ومن كذّب وفجر بالسعير وهو موف وعده. وهذا التعبير من التعابير التي يتشادّ عليها أصحاب المذاهب الكلامية حيث يقول المعتزلة إن تعذيب الكفار ونعيم المؤمنين المتّقين قرّره الله تعالى وقطعه على نفسه وعدا وحيث يستبشع الأشاعرة هذا القول ويقررون أن الله تعالى ليس عليه

[سورة الفرقان (25) : الآيات 17 إلى 19]

واجب. ولا شك أن في القول بشاعة إذا قصد به أن الله ملزم بالمعنى الذي يكون فيه انتقاص من واجب الاعتقاد بمطلق تصرفه في كونه وخلقه سبحانه وتعالى. ونحن نستبعد أن يكون مقصد المعتزلة ذلك. فهم مؤمنون مخلصون يعظمون الله وينزّهونه في كل قول لهم. [سورة الفرقان (25) : الآيات 17 الى 19] وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً (18) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً (19) . (1) بورا: هالكين بضلالهم. (2) صرفا: بمعنى دفعا للعذاب. (3) نصرا: بمعنى انتصارا على الله في مواجهته لهم. (4) ومن يظلم: بمعنى ومن يجرم ويتمرّد. في الآيات أسلوب آخر في صدد إفحام المكذبين المشركين وتسفيههم وإنذارهم. فالله تعالى سيحشرهم يوم القيامة مع معبوداتهم التي اتخذوها من دون الله فيسأل المعبودات عما إذا كانوا هم الذين أضلوا عباده وزينوا لهم عبادتهم أم هم الذين ضلوا عن طريق الحق وزاغوا باختيارهم فيجيبونه متنصلين مقررين أنهم لا يمكنهم أن يجرأوا على ذلك ويتخذوا أولياء من دونه أو يفرضوا عبادتهم على الغير ولكن الضالين استغرقوا في متع الحياة وشهواتها هم وآباؤهم من قبلهم حتى نسوا ذكر الله تعالى واختاروا الضلال على الهدى. وحينئذ يوجه الخطاب الرباني إلى الكفار بأسلوب تبكيتي بأن الذين اتخذوهم معبودات من دون الله قد تنصلوا منهم وكذبوهم، وبأنهم في حالة العجز واليأس من دفع العذاب عن أنفسهم أو

الانتصار في الموقف العصيب الذي يواجهونه. وانتهت الآية الأخيرة بإنذار عام للناس بأن من يظلم نفسه وينحرف عن طريق الحق يصير إلى شر مصير ويذوق العذاب الأليم. والآيات استمرار للسياق ومتصلة به كما هو المتبادر وليس في الآيات تصريح بهوية المعبودات المقصودة. وقد قال المفسرون إنهم الملائكة أو المسيح عليه السلام أو العزيز ومنهم من قال إنهم الأصنام يأتي بهم الله فينطقهم «1» . والذي نرجّحه أنهم الملائكة. وفي سورة سبأ آيات مشابهات للآية [17] احتوت تصريحا بالملائكة مما يؤيد هذا الترجيح وهي: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (40) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41) . ومشركو العرب إنما كانوا يعبدون الملائكة ويتّخذونهم شفعاء عند الله على ما حكته آيات عديدة أوردنا نصوصها في سياق سورة المدثر وسورة النجم. وهذا مما يقوي ترجيحنا. والحوار الذي احتوته الآيات إنما أريد به تصوير ما سوف يكون في الآخرة أو حكاية مسبقة له. وفيه معنى تبكيتي وتسفيهي وإنذاري. واستهدف فيما استهدفه تقرير عجز المعبودات عن تحقيق ما يؤمّله المشركون فيهم وكونهم هم أنفسهم عباد الله الذين يخضعون له كل الخضوع ويخافونه كل الخوف مما يتضمن تدعيم ذلك المعنى. وقد استهدف كذلك فيما استهدف حمل المشركين على الارعواء عن الضلال والسخف وإثارة الخوف في نفوسهم. وفي الآيات بيان سبب من أسباب ضلال الناس وانصرافهم عن واجباتهم وعن التدبّر في آيات الله وحكمته يضاف إلى السبب الذي ذكرته الآيات السابقة أي إنكار الآخرة وهو استغراقهم في متع الحياة الدنيا وشهواتها استغراقا يميت

_ (1) انظر تفسير الآيات في الطبري وابن كثير والكشاف والطبرسي والخازن.

تعليق على تعبير متعتهم وآباءهم

ضمائرهم ويعمي أبصارهم وينسيهم ذكر الله وواجباتهم نحوه ونحو الناس. وينطوي في هذا تحذير من ذلك بطبيعة الحال. تعليق على تعبير مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ وقد توهم عبارة مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ في جواب المعبودات أنها توجه المسئولية في ضلال الناس إلى الله سبحانه وتعالى بما يسهّله لهم من متع الحياة حتى يستغرقوا فيها. وفي الآيات ما يزيل هذا الوهم. فهي في صدد تصويري لتنصّل المعبودات من عابديهم وإظهار خضوعهم لله. والإشارة إلى استغراق الناس، ذلك الاستغراق الذي ينسيهم ربّهم وواجباتهم هي بسبيل التنديد بعقيدة المشركين وإسرافهم في الاستغراق. ويمكن أن يقال في هذا المقام إن في تمكّن الناس من المتع الدنيوية مظهرا من مظاهر الانطباق على النواميس التي أودعها الله في كونه وخلقه. ومن هذه النواميس أن يكون الناس متمتعين بجميع مشاعرهم وقابلياتهم وقواهم ليكونوا أحرارا في اختيار ما يختارون وترك ما يتركون فيستحقوا جزاءهم وفق اختيارهم. وفي الآية الأخيرة قرينة على هذا المعنى حيث احتوت وعيدا لمن (يظلم) ولا يتحقق معنى هذه الكلمة إلّا في من كان في قدرته أن يظلم. والإسراف وسوء القصد في الاختيار والانحراف عن طريق الحق والهدى ظلم، ولذلك أوعد الله سبحانه وتعالى صاحبه بالعذاب الأليم. وهذه الآية بهذا المعنى مزيلة للوهم الذي يمكن أن يتبادر إلى الذهن من العبارة والله أعلم. تعليق على ما في قرآن من تكرار التنديد بالظالمين ووعيدهم وإنذارهم والظلم في الآية الأخيرة يعني على ما يتبادر من مقامها الإجرام والبغي والانحراف عن الحق. ونفس المعنى مندمج في الكلمة التي جاءت في الآية الثامنة من هذه السورة. وبهذه المناسبة نقول إن هذه الكلمة ومشتقاتها قد وردت في

القرآن نيفا وثلاثمائة مرة حيث يدلّ هذا على ما أوّلته حكمة التنزيل من اهتمام عظيم لمعالجة ما انطوى في هذه الكلمة التي تتجسّد فيها معان عديدة على ما تفيده وتلهمه الآيات التي وردت فيها كالجور الذي هو ضدّ العدل والانحراف عن طريق الحقّ والجناية على النفس والإضرار بالنفس والغير والعدوان على حريّات الناس وحقوقهم وأموالهم ودمائهم وبخاصة الضعفاء واستغلالهم والتحكّم فيهم والاستكبار عن دين الله وسبيله والصدّ عنهما ومناوأة رسل الله ودعاة الإصلاح والهدى والكيد لهم واقتراف الآثام وبخس الحق. وبكلمة واحدة كل المنكرات والفواحش. ومعظم الآيات التي جاءت فيها والتي تغني كثرتها وإثباتها في معظم السور عن التمثيل لها هي بسبيل التنديد بالظلم والظالمين على اختلاف مدلول الكلمة والحملة عليهم ولعنتهم وبيان ما سوف يلقونه من الخزي وانفصال وسوء العاقبة والمنقلب في الدنيا والآخرة. والتعريض بهم والتحريض عليهم وإيجاب مكافحتهم ومقاومتهم بكل وسيلة. وعدم الإذعان لهم والسكوت عنهم وتلقين ما في ذلك من عزّة وكرامة وحق ونصر لدين الله ومصلحة المسلمين العامة وطمأنينة المجتمع وتلقين ما في مخالفة ذلك من إثم ومنكر وذلّ ومهانة وتشجيع على الظلم واستشرائه. وفي كل ذلك ينطوي هتاف قرآني داو ضدّ الظلم والظالمين ودعوة داوية إلى اجتنابه ومقاومته. وهذا وذاك بقوته وشموله من الخصوصيات التي انفرد بها القرآن. وهناك آيات عديدة تذكر أن الله يأخذ القرى أيضا إذا كانت ظالمة وأن الله لا يهلك التي تظلم إذا كان أهلها مصلحين وأن الله قد يهمل الظالمين أمدا ولكنه لا بدّ من أن يأخذهم بعذابه وبأسه مثل الآيات التالية: 1- وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: 102] . 2- وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ [هود: 117] .

3- وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ [الحج: 48] «1» . وإذا لوحظ أنه لا يكون عادة جميع أهل القرى ظالمين أو صالحين وإنما يكون ذلك حالة بعضهم فيكون قد انطوى في الآيات سنّة ربانية وهي شمول البلاء أو الرحمة إذا ما كانت حالة الظلم أو حالة الصلاح هي الغالبة. وقد أمر الله المسلمين بالاتقاء من الفتن التي إذا حدثت لا ينحصر شرّها في الذين اقترفوها بل يعمّ كما جاء في آية سورة الأنفال هذه: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (25) . وفي سورة الإسراء آية من هذا الباب تفيد أن سيطرة المترفين الفاسقين على قرية تكون سببا لتدميرها وهي: وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (16) . ولما كان هناك آيات كثيرة تقرر أن الله لا يظلم أحد فينبغي أن يفرض أن غير الظالمين رضوا أو سكتوا عن ظلم الظالمين فعمهم الله ببلائه. وآية سورة الأنفال قويّة التأييد لذلك لأنها تأمر باتقاء الفتنة حتى لا يصيب بلاؤها الجميع واتقاؤها هو بالتضامن على منعها وضرب مثيريها. ولقد أثرت أحاديث نبوية عديدة في مثل ذلك منها حديث رواه الشيخان والترمذي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الظلم ظلمات يوم القيامة» «2» . وحديث رواه الشيخان وأحمد عن ابن عمر كذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أخذ من الأرض شبرا بغير حقّ خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين» «3» ، وفي رواية «من أخذ شبرا

_ (1) هناك آيات كثيرة من باب هذه الآيات مدنية ومكية فاكتفينا بما أوردناه للتمثيل. (2) التاج الجامع، ج 5 ص 18. (3) انظر المصدر نفسه.

من الأرض ظلما فإنه يطوّقه يوم القيامة من سبع أرضين» . وحديث رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلّله منه اليوم قبل ألّا يكون دينار ولا درهم. إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيّئات صاحبه فحمل عليه» «1» . وحديث رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه» «2» . وحديث رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشرّ أن يحقر أخاه المسلم. كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» «3» . وحديث رواه أبو داود عن جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منّا من دعا إلى عصبيّة وليس منّا من قاتل على عصبيّة وليس منّا من مات على عصبيّة. عن واثلة بن الأسقع قال قلت يا رسول الله ما العصبية؟ قال: أن تعين قومك على الظلم» «4» . وحديث رواه الشيخان والترمذي عن جابر: «أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما إن كان ظالما فلينهه فإنه له نصر وإن كان مظلوما فلينصره» «5» . وحديث رواه الشيخان والترمذي عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله ليملي للظالم حتّى إذا أخذه لم يفلته» «6» . وحديث رواه الترمذي وأبو داود عن أبي بكر قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنّ الناس إذا رأوا ظالما فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم الله بعقاب» «7» . وحديث رواه مسلم عن أبي ذرّ عن رسول

_ (1) التاج الجامع، ج 5 ص 19. [.....] (2) انظر المصدر نفسه. (3) انظر المصدر نفسه. (4) المصدر نفسه ص 42- 48 و 64. (5) انظر المصدر نفسه. (6) انظر المصدر نفسه. (7) التاج ج 4 ص 95.

[سورة الفرقان (25) : آية 20]

الله صلى الله عليه وسلم: «أنّ الله تعالى يقول إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّما فلا تظالموا يا عبادي إنّما هي أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلّا نفسه» «1» . وهناك أحاديث صحيحة أخرى بوجوب الضرب على يد الظالم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتنويه بمن يقول كلمة حقّ أمام سلطان جائر واعتبار ذلك من أفضل الجهاد أوردناها في سياق تعليقنا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في سورة الأعراف وتصحّ أن تورد في هذا السياق أيضا بحيث يبدو التساوق في التلقين النبوي مع التلقين القرآني في هذا الأمر كما هو في كلّ أمر. [سورة الفرقان (25) : آية 20] وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً (20) . (1) فتنة: ابتلاء واختبارا. (2) أتصبرون: أي لنرى من منكم الصابر على ابتلاء الله واختباره. أو هل تصبرون على ابتلاء الله واختباره. الآية متّصلة بالسياق. وقد احتوت ردّا آخر على تساؤل الكفار الذي حكته إحدى الآيات السابقة حيث قررت أن مماثلة النبي صلى الله عليه وسلم في طبيعته البشرية للناس ليست بدعا وأن الله تعالى لم يرسل من قبله إلّا بشرا مثله يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق كسائر الناس. ثم قررت أن الله سبحانه وتعالى جرت عادته على ابتلاء الناس واختبارهم ببعضهم ليرى مقدار صبرهم على ذلك وهو البصير بكل شيء.

_ (1) تفسير القاسمي ج 8 ص 3017.

تعليق على جملة وجعلنا بعضكم لبعض فتنة

تعليق على جملة وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ولقد تعددت الأقوال والتأويلات في جملة وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ منها أن الله ابتلى المرسلين بالمرسل إليهم وبمناصبتهم العداء ونيلهم بأنواع الأذى وطلب منهم الصبر الجميل، وسيق لتأييد هذا القول حديث ورد في صحيح مسلم جاء فيه: «يقول الله تعالى إنّي مبتليك ومبتل بك» ومنها أن الله جعل الأغنياء فتنة للفقراء، أو الزعماء فتنة للضعفاء لينظر هل يصبر الناس على حكمته في إغناء أناس وإفقار أناس أو جعل أناس أقوياء وآخرين ضعفاء. ومنها أن الجملة نزلت في أبي جهل وأصحاب له من زعماء قريش إذ قالوا حينما رأوا أن الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم من الفقراء والأرقّاء ساخرين: كيف نؤمن بمحمد ونجلس معه مع هؤلاء، أو انظروا إلى هؤلاء الذين اتّبعوا محمدا وهم موالينا وأراذلنا «1» . وعلى كل حال فالجملة احتوت تقريرا لحكمة من حكم الله وهي جعله بعض الناس وسيلة لامتحان واختبار البعض الآخر ليرى من منهم الصابر على الابتلاء، الناجح عند الاختبار وينطوي في ذلك تقرير كون الله سبحانه وتعالى يفعل ذلك لاختبار الناس في صبرهم على الابتلاء واستعمال قابلياتهم للتمييز بين الخير والشرّ والهدى والضلال والطيب والخبيث لتقوم الحجة عليهم من أعمالهم واختيارهم. [سورة الفرقان (25) : الآيات 21 الى 29] وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً (22) وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (23) أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً (24) وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً (25) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (26) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً (29)

_ (1) انظر تفسير الآيات في ابن كثير والخازن والطبرسي والطبري والزمخشري.

(1) لا يرجون لقاءنا: هنا بمعنى لا يعتقدون بالبعث ولا يخافونه. (2) عتوا: تمردوا. (3) حجرا محجورا: أصل كلمة الحجر السدّ أو المنع أو التحريم. والجملة من تعابير العرب ومعناها حراما محرما. وكانوا يقولونها إذا لقي أحد منهم غريمه في الأشهر الحرم يعنون أن دمهم محرّم فيها. ومعنى الآية التي فيها التعبير أن الكافرين يوم يرون الملائكة لا يسمعون بشرى منهم ويقولون لهم إن البشرى والجنة عليكم حرام محرم أو أنهم حينما لا يسمعون بشرى وترحيبا من الملائكة يقولون الجملة بقصد الاستعاذة بهم وطلب الامتناع عن سوقهم إلى العذاب. (4) مقيلا: منزلا أو مقاما. (5) تشقّق السماء بالغمام ونزّل الملائكة تنزيلا: تتشقق وتنفرج عن الغمام فينزل الملائكة. في الآيات حكاية لأقوال ومواقف أخرى للكفار وردود ووعيد رباني، وتصوير لما سوف يلقونه يوم القيامة. وهي متصلة بالسياق السابق واستمرار له كما هو واضح. وأسلوب الآية الأولى يلهم أن اقتراح الكفار- الذين ينكرون البعث- استنزال الملائكة أو تمكينهم من رؤية الله كان من باب التحدي والتعجيز مع الإنكار والاستهزاء. والآيات التالية ردّ مقابل لذلك، فإنهم سوف يرون الملائكة حيث يتشقّق عنهم الغمام فينزلون من السماء ولكن يوم نزولهم ورؤياهم لهم يكون هو اليوم الموعود الذي يكون فيه المجرمون في شرّ حال بينما يكون المؤمنون أصحاب الجنة في خير حال. ولن يكون للمجرمين فيه بشرى ولا أمل، ويهتف

بهم الملائكة أن كل ذلك حرام عليكم، وسيرون الله قد أحبط جميع أعمالهم في الدنيا فذهبت هباء منثورا لا فائدة لهم منها. وسيتحققون حينئذ أن الملك الحق لله وحده سبحانه وسيلقى الظالم من شدة ذلك اليوم وعسره ما يجعله يعضّ بنان الندم ويتمنى أن لو استجاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووصل نفسه به وقدّم معه اليد التي تنفعه أو لو لم يكن اتخذ فلانا خليلا حيث أضلّه عن الحق وجعله يغفل عن ذكر الله ويتصامم عن الدعوة إليه. وقد انتهت الآيات بتذكير رباني بأن الشيطان إنما شأنه أن يخذل الإنسان ويتنصل منه بعد أن يكون قد أضلّه وأغواه. والآيات قوية التصوير والوعيد. من شأنها أن تثير الهلع في المكذبين والرهبة في السامعين وتحملهم على الارعواء والتدبّر وهم في متسع من الوقت وفيها في الوقت ذاته بشرى وتطمين للمسلمين. وكلّ هذا مما استهدفته على ما هو المتبادر. وقد روى المفسرون «1» أن آية وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ إلخ نزلت في عقبة بن أبي معيط الذي أسلم فلما أنّبه أميّة بن خلف وهدّده ارتدّ واشتدّ في أذى النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه ألقى روثا عليه وهو يصلّي، وأن (فلانا) المذكور في الآية التي بعدها عنت أمية. وقد يكون وقوع الحادث صحيحا، غير أن انسجام الآيات وتسلسلها يلهمان أنها بسبيل وعيد الكفار المكذبين بالبعث والتنديد بهم بصورة عامة، ومن المحتمل أنها نزلت في الظرف الذي وقع فيه الحادث المذكور آنفا فروى الرواة أنها نزلت بسببه. وتعبير الشَّيْطانُ يطلق على إبليس كما يطلق على البغاة العتاة المضلّين من الناس على ما تفيده آية الأنعام هذه: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (112) والكلمة في الآية الأخيرة تحتمل أن يكون المقصود فيها إبليس كما تحتمل أن يكون المقصود هو الشخص المضلّ الذي اتّخذه الضالّ خليلا فأضلّه

_ (1) انظر تفسيرها في تفسير الطبري.

[سورة الفرقان (25) : الآيات 30 إلى 31]

عن ذكر ربّه. ونرجّح مع ذلك أن القصد من الجملة هو التنبيه إلى وجوب التروي وعدم الاستماع إلى وساوس الموسوسين الذين لن ينفعوا ولن ينصروا من يضلّونهم بل لن يلبثوا أن يخذلوهم ويتنصلوا منهم، وفي هذا تلقين بليغ مستمر المدى. ولقد أورد ابن كثير حديثين عن ابن عباس في سياق الآية [25] فيهما أشياء عجيبة عن تجمّع الخلائق يوم القيامة من إنس وجنّ وبهائم وسباع وطير وتشقّق السموات واحدة بعد أخرى ونزول أفواج الملائكة منها أفواجا بعد أفواج وإحاطتها بالخلائق إلخ. ولما كانت الأخبار الغيبية والأخروية لا تصحّ إلّا إذا كانت واردة في القرآن أو صادرة بسند وثيق عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم نر طائلا في إيراد نصّ الحديثين. ولا سيما أن المتبادر من نصّ الآية وروحها ثم نصّ وروح الآيات جملة أنها بسبيل الرّد على الكفّار وإنذارهم على ما شرحناه آنفا. [سورة الفرقان (25) : الآيات 30 الى 31] وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (30) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً (31) . (1) مهجورا: متروكا أو مهملا. والقصد هنا إعراضهم عن القرآن وعدم تصديقه. في الآية الأولى حكاية نفثة من نفثات النبي صلى الله عليه وسلم حينما كان يرى قومه معرضين عن القرآن ولا يستجيبون للدعوة فيتألم ويحزن، وفي الآية الثانية تقرير رباني من باب التطمين والتسلية له بأنه ليس المنفرد في هذا وأنه كان لكلّ نبي من قبله أعداء من المجرمين يقفون منهم مثل هذا الموقف، وأنه يحسن أن يجعل اعتماده على الله الذي هو نعم الهادي والنصير. والآيتان ليستا غريبتين عن السياق. فالمواقف التي حكتها الآيات السابقة من شأنها أن تثير ألم النبي صلى الله عليه وسلم وتجعله يرسل ما أرسله من نفثة وزفرة فنزلت الآيات مع السياق تحكي ذلك للتطمين والتسلية، وفي هذا صورة من صور التنزيل القرآني

تعليق على جملة جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين

كما هو المتبادر، ولقد جاء ذكر القرآن في الآية التالية وحكاية لتحدّي الكافرين في صدده وقد يكون ذلك هو المناسبة القريبة للآيتين. تعليق على جملة جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وتعبير وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ قد يوهم أن الله هو الذي جعل المجرمين يقفون من أنبيائه موقف العداء. وقد تكرر مثل هذا التعبير وما يدخل في بابه كثيرا في سياقات ومناسبات مماثلة. وقد مرّ مثل منه في آية سورة الأعراف [27] وعلّقنا عليها بما يزيل الوهم من فحواها وفحوى ما قبلها وبعدها. وما قيل هناك يقال هنا، إجمالا والتعبير أسلوبي. والمتبادر أنه قصد به تقرير واقع أمر النظام الذي أقام الله المجتمع البشري عليه من أنه لا بد من أن يقف في وجه الأنبياء فريق من المنحرفين المجرمين على سبيل تطمين النبي صلى الله عليه وسلم وتسليته بكون ما يراه من قومه ليس بدعا. ولا يمكن أن يكون قصد به معناه الحرفي لأن في ذلك تناقضا يتنزّه الله سبحانه وتعالى عنه وما جاء في الآية التي ورد فيها التعبير من نعت الكفار بالمجرمين وبأعداء الأنبياء قرينة على هذا التوجيه كما أن في ما احتوته الآيات السابقة واللاحقة من تحميل تبعة الإجرام والكفر على أصحابهما ونعت الكفار بأنهم قد ضلّوا السبيل قرائن قوية على صوابه. ولقد رأى بعضهم «1» في شكوى النبي صلى الله عليه وسلم من قومه لإعراضهم عن القرآن تحذيرا للمسلمين عن الإعراض عنه وعدم التمسّك بأحكامه وتدبّره والاستهانة به عند تلاوته. وهذا وجيه بل بدهي لأن كل هذا واجب لازب على كل مسلم. [سورة الفرقان (25) : الآيات 32 الى 34] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً (32) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (33) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً (34)

_ (1) انظر تفسيرها في تفسير القاسمي.

(1) لولا: هنا بمعنى هلّا للتحدي. (2) رتلناه ترتيلا: جعلناه رتلا بعد رتل أي قسما بعد قسم وقيل فصّلناه تفصيلا أو بينّاه تبيينا. والتأويل الأول هو الأوجه والمتّسق مع مضمون الآية. (3) أحسن تفسيرا: هنا بمعنى أحسن بيانا وجوابا على ما يورده الكفار من أسئلة وتعجيزات وتحدّيات. وكلمة تفسير من جذر فسّر بمعنى وضح وبان وتعبير (تفسير القرآن) هي في أصله كشف وتوضيح النواحي اللغوية. أما التوسع في مدى التعبير فقد صار بالممارسة إن صحّ التعبير حيث صار يطلق على كشف وتوضيح معاني الكلمات والجمل القرآنية. احتوت الآيات حكاية قول آخر من أقوال الكفار حيث قالوا على سبيل التحدّي: هلا أنزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم دفعة واحدة وقد ردّت عليهم ردّا قويّا فيه تثبيت وتوضيح وإنذار. فالله تعالى إنما أنزل القرآن مرتّلا قسما بعد قسم لتثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته وجعل الناس يحسنون استيعابه، وإن الكفار لا يأتون بمثل أو حجة يظنون فيها تعجيزا أو إشكالا أو إحراجا إلّا أنزل الله في صدده ما فيه الحق والتفسير الأفضل والحجة الدامغة المفحمة، وأن الذين يظلون في كفرهم ومكابرتهم بعد ذلك سيحشرون إلى جهنّم على وجوههم وسيعلمون حينئذ أنهم الأضل سبيلا والأسوأ مصيرا. والزيادة التي ذكرناها في صدد تنزيل القرآن مقسما مستمدة من آية الإسراء هذه: وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (106) . والآيات استمرار في السياق الذي احتوى منذ أول السورة فصولا مماثلة من حيث حكاية مواقف الكفار وأقوالهم والردّ عليهم وإنذارهم. ولقد روى الشيخان عن أنس في سياق تفسير الآية [34] حديثا جاء فيه: «إنّ رجلا قال يا نبيّ الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال: أليس الذي

تعليق على تحدي الكفار بإنزال القرآن جملة واحدة

أمشاه على الرجلين في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ قال قتادة: بلى وعزّة ربنا» «1» . تعليق على تحدّي الكفار بإنزال القرآن جملة واحدة وقد قال المفسرون في سياق الآيات إن الكفار كانوا يتحدّون النبي صلى الله عليه وسلم بإنزال القرآن جملة واحدة كما أنزلت الكتب السماوية التوراة والإنجيل والزبور جملة واحدة. وعلّلوا نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم مفرقا بأنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب فكان لا بد له من التلقين والحفظ اللذين يقتضيان إنزال القرآن مفرّقا في حين كان الأنبياء الأولون يقرأون ويكتبون فنزلت عليهم جملة واحدة ومكتوبة «2» . وقد يكون ما قاله المفسرون عن سبب تحدّي الكفار صحيحا، وأن يكون هؤلاء سمعوا من الكتابيين أن التوراة والإنجيل والزبور نزلت على موسى وعيسى وداود عليهم السلام جملة واحدة. غير أننا لا نستطيع موافقتهم على أخذهم ذلك كقضية مسلّم بها وتعليلهم إياه بأمّية النبي صلى الله عليه وسلم. فباستثناء الألواح التي ذكرت آية الأعراف [145] أن الله أنزلها مكتوبة على موسى لم يرد في القرآن صراحة أن الله أنزل الكتب الأخرى مكتوبة ودفعة واحدة. والأسفار المنسوبة إلى موسى والعائدة إلى عهده وحياته والمتداولة اليوم تذكر أن الله إنما أمر موسى بإحضار لوحين وتكرر كذلك أن موسى كتب كلام الربّ في سفر وسلّمه للاويين لحفظه في تابوت العهد في بيت الربّ وتفيد أن معظم ما احتوته من تعليمات وتشريعات نزل مفرّقا وفي فترات ومناسبات عديدة وفق سير الظروف بالنسبة لموسى عليه السلام وبالنسبة لبني إسرائيل «3» . والزبور الذي هو على الأرجح سفر المزامير مقاطع متتالية فيها

_ (1) التاج ج 4 ص 172. (2) انظر تفسير البغوي والطبرسي والخازن وابن كثير. (3) انظر أسفار الخروج والأحبار والعدد وارجع إلى تمحيصنا في شأن التوراة والإنجيل في سورة الأعراف.

[سورة الفرقان (25) : الآيات 35 إلى 40]

تسبيح وتقديس وابتهال بلسان داود عليه السلام. ويتبادر منها أنها لم توح إلى داود مرة واحدة. وليس في اليد إنجيل منسوب إلى عيسى عليه السلام ولم يرو أحد أنه اطّلع على مثل ذلك. والأناجيل المتداولة هي ترجمة لحياته تضمّنت كثيرا من أقواله وتعاليمه التي عليها سمة الوحي. غير أنها كانت تمثل وقائع ومجالس مختلفة فلا يمكن أن تكون نزلت دفعة واحدة. وكل هذا هو شأن القرآن بطبيعة الحال. ولقد عاد بعض المفسّرين «1» إلى القول في سياق هذه الآية إن الله تعالى قد أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا وأنه صار ينزل منجما على النبي من هذه السماء حسب الوقائع والحوادث. ولقد أوردنا هذا في سياق سورة القدر وعلّقنا عليه بما يغني عن التكرار. هذا، ومع أن تعبير (القرآن) أصبح علما على جميع ما أوحى الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم من الفصول والمجموعات القرآنية المحكمة والمتشابهة فإن هذه الآية وأمثالها مما تكرر في القرآن ومن ذلك الآية السابقة [30] تؤيد ما قلناه في سياق تفسير سورة المزمل من أن أصل مفهوم القرآن هو السور والفصول المحكمة التي احتوت مبادئ الدعوة وتدعيماتها الرئيسية كما تؤيد أن هذا هو الذي فهمه العرب وأن ما جاء في سياق التدعيم والتأييد من قصص وأمثال وحجج وجدل وردود وحملات وحكاية أقوال الكفّار وتحدّياتهم ومشاهد الآخرة مما يصحّ أن يسمّى من المتشابهات لم يكن في الأصل مما عناه التعبير وفهمه العرب وأن شمول التعبير لكل ما احتواه المصحف من ذلك أيضا إنما كان بسبب أنه من وحي الله وتنزيله مثل ذلك الأصل وهو ما عنته آية آل عمران هذه: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [7] . [سورة الفرقان (25) : الآيات 35 الى 40] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (35) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (36) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً (37) وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (38) وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً (39) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (40)

_ (1) انظر تفسير ابن كثير مثلا. [.....]

(1) وزيرا: مؤازرا وعضدا. (2) دمرنا: حطمنا أو هدمنا. (3) تبّرنا: أهلكنا. (4) القرية التي أمطرت مطر السوء: كناية عن مساكن قوم لوط التي أرسل الله عليها رجوما وحاصبا وجعل عاليها سافلها كما وصف ذلك في آيات أخرى مرّت أمثلة منها. (5) نشورا: هنا أيضا بمعنى البعث بعد الموت. احتوت الآيات إشارات مقتضبة إلى ما كان من إرسال الله الرسل إلى أقوامهم وإلى مواقف هذه الأقوام التكذيبية. وما كان من تدمير الله ونكاله فيهم بسبب هذه المواقف. وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. والأسماء التي ذكرت فيها قد ذكرت في مناسبات سابقة وعرّفناها بما لا حاجة إلى تكراره هنا. وقد جاء هذا الفصل جريا على أسلوب النظم والتنزيل القرآني حيث يعقب حكاية مواقف كفّار العرب تذكير بما كان من أخبار الأمم السابقة استهدافا للارعواء والاعتبار والاتعاظ والإنذار. والآيات على هذا متصلة بالسياق وغير منفصلة عنه. والضمير في وَلَقَدْ أَتَوْا عائد إلى الكفار السامعين، وفيه توكيد لهذا الاتصال بالآيات السابقة فهي تعني مساكن قوم لوط. وقد ذكرت آيات في سورة الصافات أن العرب كانوا يمرون ببلاد قوم لوط المدمّرة وهي هذه: وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (138) .

[سورة الفرقان (25) : الآيات 41 إلى 44]

وقد انتهت الآيات بتقرير كون الكفار إنما يقفون مواقفهم الإنكارية والعنادية لأنهم لا يصدقون بالبعث الأخروي وأنهم مطمئنون بأنهم لن يصيبهم الشرّ والعذاب. وهذا التقرير قد تكرر في هذه السورة وغيرها كثيرا. وتكراره يظهرنا على الحكمة في التوكيد المستمرّ بالبعث وبالبرهنة على قدرة الله عليه كما هو المتبادر. [سورة الفرقان (25) : الآيات 41 الى 44] وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً (41) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً (42) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (44) . (1) اتخذ إلهه هواه: جعل هواه إلها له. في هذه الآيات حكاية لموقف وقول آخر من مواقف الكفار وأقوالهم، حيث كانوا يتخذون النبي صلى الله عليه وسلم حينما يرونه موضوع هزء واستخفاف ويتساءلون تساؤل الهازئ المستخفّ قائلين: هل هذا الذي بعثه الله رسولا ثم يأخذون يتفاخرون بما أبدوه من صبر وثبات على عقائدهم ومعبوداتهم وتمسك بتقاليدهم ويقولون إنه كاد أن يضلّنا عنها لكثرة ما يبذله من جهد ويبديه من نشاط لو لم نبد ما أبديناه من صبر وتمسّك. وقد ردّت عليهم الآيات منذرة منددة مسفّهة. فلسوف يلقون عذاب الله على أقوالهم ومواقفهم ولسوف يعلمون حينئذ من هو الضالّ عن سبيل الحقّ. ثم وجهت الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم متسائلة تساؤل المقرّر عما إذا كان يريد أن يجعل نفسه وكيلا ومسؤولا عمّن اتخذ هواه إلها له وعما إذا كان يظن أن أكثر الكفار يسمعون أو يعقلون، ومقررة أنهم في حالتهم التي هم عليها كالأنعام بل هم أضلّ سبيلا لأن الأنعام تعرف بالغريزة ما يضرّها فتحذره وما ينفعها فتقبل عليه. وقد روى بعض المفسرين أن قائل الأقوال وفاعل الأفعال التي ذكرت في

تلقين الآيتين [43 و 44] أرأيت من اتخذ إلهه هواه وما بعدهما

الآيات هو أبو جهل «1» . ومع احتمال أن أبا جهل كان يفعل ذلك ويقوله فالآيات تلهم أن آخرين غيره كانوا يفعلون ويقولون ذلك وأن الحكاية قد جاءت في معرض التنديد والتقريع ببغاة الكفار وإنذارهم مطلقا. ولا سيما أنها فصل من فصول متسلسلة متماثلة وليست مستقلّة تحكي موقفا خاصا مستقلا. ويكاد الزمخشري ينفرد في الرواية فإننا لم نرها في الطبري وغيره من قدماء المفسرين. ويتبادر من أسلوب الآية الأولى ومضمونها أنها لا تفيد أن الكفار كانوا يحتقرون النبي صلى الله عليه وسلم وينتقصون من قدره وأخلاقه، وإنما تقصد تصوير موقفهم الاستخفافي بدعوته. وفيها بالإضافة إلى ذلك قرينة على ما كان يداخلهم من خوف من نجاح دعوته. ودليل على عظم ما بذله النبي صلى الله عليه وسلم من جهد بدون كلل أو فتور وما كان من استغراقه الشديد في الدعوة. وفي الآيتين [43- 44] ينطوي معنى التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم على ما يلقاه من مواقف الكفار وعنادهم وعلى ما يبذله من جهد عظيم ضائع معهم فكأنما أريد أن يقال له إن من يتخذ إلهه هواه لا يكون هو مسؤولا عنه ولا وكيلا ولا مطلوبا منه أن يبذل المستحيل لتغييره عمّا هو عليه. فهم لا يسمعون ولا يعقلون وأضلّ من الأنعام فلا ينبغي أن يغتمّ من مواقفهم وعنادهم. وهذا ما تكرر كثيرا. وقد علّلناه في سياق سورة (ق) بما يغني عن الإعادة. وفي عبارة اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ تقريع لاذع للكفار وتقرير بأن ما هم عليه ليس ناتجا عن تدبّر وتعقل وإنما هو تعصب أعمى لعقائد باطلة وتمسك بالهوى دون الحق. ونفس التقريع اللاذع منطو في الآية الأخيرة التي تصفهم بأنهم كالأنعام بل أضلّ. تلقين الآيتين [43 و 44] أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وما بعدهما والوصف الذي احتوته الآيتان هو وصف لحالة مألوفة في كثير من الناس في

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير كشاف الزمخشري مثلا.

[سورة الفرقان (25) : الآيات 45 إلى 49]

كلّ زمن ومكان حيث يتعصبون لأفكارهم وعاداتهم وتقاليدهم تعصّبا أعمى قائما على الهوى والأنانية فلا يطيقون أن يسمعوا كلاما ضدّها ولا يتدبّرون فيما هو موجه إليها من نقد وتجريح وحجّة دامغة، وفي الآيات والحال هذه تلقين قرآني جليل مستمر المدى ضدّ هذه الحالة وتقبيحها وإهابة بالمسلمين بألّا يتّصفوا بها. [سورة الفرقان (25) : الآيات 45 الى 49] أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (45) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (46) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (47) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً (49) . (1) الظلّ: معظم المفسرين يؤولون الظلّ هنا من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس أي يعتبرونه وقتا من أوقات النهار ويروون ذلك عن ابن عباس وابن عمر ومسروق ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم من علماء الصحابة والتابعين فحيث كان هذا الوقت من النهار الذي لا شمس فيه اعتبر ظلا على ما هو المتبادر. وقد رأينا الزمخشري يؤوله بالظلّ المعتاد أي المكان الذي يكون فيه ظل في أثناء النهار والشمس ساطعة. (2) ساكنا: أوّلها معظم المفسرين بمعنى دائم لا يزول. وهذا تبعا للتأويل الأول للظلّ، والذين أوّلوا الظلّ بالتأويل الأول هم الذين أوّلوا كلمة ساكن بذلك، أما الزمخشري فأوّل الكلمة بمعناها المعتاد تبعا لتأويله الظلّ. (3) ثم جعلنا الشمس عليه دليلا: قال الذين أوّلوا كلمتي الظلّ وساكن بالتأويل الأول في تأويل هذه الجملة إن الشمس حينما تشرق يزول الظلّ وهو شيء لا يدرك إلّا بضدّه. ومن هنا كانت الشمس عليه دليلا. أما الزمخشري فقد قال إن الناس يستدلّون على أحوال الظلّ وكونه زائلا من مكان ومتقلصا أو واسعا أو

موجودا في مكان من مسير الشمس. ولذلك تكون الشمس عليه دليلا. (4) ثم قبضناه إلينا قبضنا يسيرا: في تأويل الأولين الضمير في قبضنا عائد إلى الشمس ومعنى الجملة إننا نقبض الشمس فيعود الظلّ والفيء ثانية. وكلمة يَسِيراً في تأويلهم بمعنى شيء بعد شيء أي إن القبض لا يكون دفعة واحدة ولكن متدرجا. أما الزمخشري فقد جعل الضمير عائدا إلى الظلّ وأوّل الجملة بأن الله لو أزال الظّل دفعة واحدة لتعطلت مصالح الناس ولكنه أزاله على مهل. (5) جعل الليل لباسا: من باب تشبيه الظلام الذي لا ترى فيه الأشياء باللباس الذي يستر الأجسام حتى لا ترى، أي جعل الليل ستارا حاجبا للناس. (6) سباتا: راحة وانقطاعا عن العمل. (7) نشورا: بمعنى الانتشار حيث يكون النهار مجال انتشار الناس ونشاطهم. (8) طهورا: الماء الطهور في اصطلاح الفقهاء هو الطاهر بنفسه المطهّر لغيره. جاءت هذه الآيات تعقيبا على أقوال الكفار ومكابرتهم في ربوبية الله تعالى والدعوة إليه ومناوأة رسوله وتعجيزه وإنكار البعث والحساب جريا على أسلوب النظم القرآني للبرهنة على وجود الله تعالى وعظمته وقدرته بما في نواميس الكون من إتقان وإبداع ومنافع. فهي متصلة بالسياق أيضا. وقد احتوت تنبيها إلى النواميس التي جعلها الله في حركة الشمس والظلّ والليل والنهار مما فيه مصالح ومنافع متنوعة للناس ثم إلى إرساله الرياح مبشّرة برحمته وإنزاله الماء الطهور الذي يحيي الأرض الميتة والذي يشرب منه الناس والأنعام الذين خلقهم. وبرغم اختلاف المفسرين في تأويل الظلّ والسكون في الآيتين الأوليين فإن الذي نرجحه أن سامعي القرآن العرب قد فهموا المقصد منهما بقرينة الصيغة الاستفهامية التي فيها معنى التقرير ولفت النظر لأمر أو مشهد مسلّم به على سبيل الاستشهاد والاستدلال على قدرة الله.

[سورة الفرقان (25) : آية 50]

والليل والنهار والشمس والظلّ والرياح والمطر وانتشار الناس في النهار وانقطاعهم عن العمل في الليل وما في ذلك من إحكام واطراد ومنافع متنوعة هي أمور تحت مشاهدة الناس ومتناولهم ونفعهم جميعهم فاختصّت بالذكر هنا للفت نظرهم إلى عظمة الله تعالى والبرهنة على رحمته وقدرته. وقد ذكر غيرها من مظاهر الكون في آيات وفصول أخرى للقصد نفسه. وليس من محل للظن بأنها تنطوي على قصد تقريري لأمور فنية كونية، كما أنه ليس من طائل من وراء التمحّل لاستنباط أمور فنية كونية منها أو تطبيقها عليها على ما نبهنا عليه في مناسبة مماثلة في سورة (يس) . [سورة الفرقان (25) : آية 50] وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (50) . قال معظم المفسرين «1» إن الضمير في صَرَّفْناهُ عائد إلى المطر وحينئذ تكون الآية متصلة بسابقتها مباشرة ويكون معناها لفت نظر السامعين إلى حكمة الله في تصريفه الأمطار وإنزالها في مكان دون مكان وكثيرة في مكان قليلة في مكان. ليدبروها ويشكروا الله على نعمه. ومع ذلك فإن أكثر الناس لا يفعلون ذلك بل ويكفرون ويجحدون. وقال بعض المفسرين «2» إن الضمير عائد إلى القرآن، وحينئذ تكون الآية متصلة بالسياق كله اتصال تعقيب وتقريع. ويكون معناها إن الله ينزل الآيات القرآنية وفيها تفسير حكم الله وبيانها وتنويع الكلام فيها حتى يتذكر السامعون ويتدبروا. ومع ذلك فأكثر الناس يأبون إلّا الكفر بآيات الله ونعمائه رغم ما فيها من براهين شاهدة على ربوبيته واستحقاقه للعبادة والخضوع والشكر، ويكون من مقاصد الآية التنديد بهم وتقريعهم. وهذا الاختلاف في صرف الضمير جعلنا نورد الآية لحدّتها. ونحن نرجّح القول الثاني على الأول. وفي الآيات التالية قرينة مؤيدة لهذا الترجيح.

_ (1) انظر تفسيرها في الطبري وابن كثير والبغوي والنيشابوري والطبرسي والخازن. (2) الزمخشري في الكشاف.

[سورة الفرقان (25) : الآيات 51 إلى 52]

[سورة الفرقان (25) : الآيات 51 الى 52] وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (51) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً (52) . (1) جاهدهم به: أي ابذل الجهد في حجاجهم وإنذارهم. وضمير بِهِ عائد إلى القرآن على ما روي عن ابن عباس. والمفسرون الذين صرفوا الضمير في جملة صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ قالوا إن ضمير بِهِ عائد إلى القرآن أيضا وهذا ما جعلنا نرجّح انصراف الضمير في صَرَّفْناهُ إلى القرآن أيضا. وتفيد أقوال معظم المفسرين «1» في تأويل الآية الأولى أنها من قبيل تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيته في مهمته والتنويه بقدره، فالله لو شاء لأرسل إلى كل قرية ومدينة رسولا فخفّف عنه العبء وكفاه مؤونة الجهد العظيم الذي حمّله إيّاه لإبلاغ الرسالة إلى جميع العالم، ولكنه اختصّه بذلك لعظم منزلته ورفعة شأنه عنده، وقالوا «2» في تأويل الآية الثانية ما يفيد أنها استمرار لما في الآية الأولى من مقصد حيث تهيب بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد حمّله الله الرسالة العظمى العامة أن يجاهد بالقرآن جهادا كبيرا متواصلا وألّا يطيع الكافرين أو يتهاون معهم. وهذا التأويل يجعل الصلة قائمة بين هذه الآيات والآيات السابقة لها كما هو المتبادر. على أنه تبادر لنا من الآية الأولى أنها جواب على سؤال أو تحدّ صدر عن الكفار حيث تساءلوا عن سبب عدم إرسال الله تعالى رسلا إلى المدن الأخرى، وقد تضمّن الجواب أنّ ذلك في نطاق قدرة الله وإنه إذا لم يفعله فلأن النبي الذي اصطفاه وأرسله هو أهل للاضطلاع بالمهمة على أوسع شمولها، وقد تبادر لنا كذلك من الآية الثانية أنها في صدد عروض عرضها الكفار على النبي صلى الله عليه وسلم من مسايرة أو مداهنة مما تكرر صدوره منهم وتكررت الإشارات القرآنية إليه على ما

_ (1) انظر تفسير الآيتين في تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والطبرسي والخازن والكشاف. (2) انظر المصدر نفسه.

[سورة الفرقان (25) : الآيات 53 إلى 55]

شرحناه في سياق تفسير سورة القلم، وقد تضمنت الآية هنا كما تضمنت في المناسبات المماثلة تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وشحذ همته في الدعوة وإبلاغ القرآن وإقامة الحجة به على الكفّار وعدم الاستماع إليهم في ما يعرضونه. وهذا التأويل لا يقطع صلة السياق حيث احتوت الآيتان في حال صوابه صورا من مواقف الكفار وأقوالهم وتحدياتهم كسابقاتها، ولا يقتضي أن يكون ما يتبادر من سؤال الكفار وعروضهم في الآيتين أن ذلك حدث طارئ نزلت الآيات بمناسبته بل يمكن أن يكون ذلك سابقا لنزولها ومن جملة ما كان الكفار يقولونه فجاءت الإشارة إلى ذلك في السلسلة. وننبّه إلى أن ما يتبادر لنا في تأويل الآيتين لا يقلل من وجاهة تأويل المفسرين السابق لهما. [سورة الفرقان (25) : الآيات 53 الى 55] وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (53) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً (54) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً (55) . (1) مرج: خلط. (2) عذب: ضد الملوحة والمرارة. (3) فرات: شديد العذوبة. (4) ملح أجاج: مالح شديد الملوحة إلى درجة المرارة. (5) برزخا: حاجزا. (6) حجرا محجورا: منع أحدهما من الطغيان على الثاني. (7) ظهيرا: مظاهرا أو عونا ومعنى الجملة التي وردت فيها الكلمة أن الكافر بكفره قد وقف ضدّ ربه كأنما يظاهر عليه غيره.

[سورة الفرقان (25) : الآيات 56 إلى 59]

في الآيتين الأوليين عود إلى التذكير بآيات الله وقدرته ونواميسه في كونه، ومنافع الناس منها مما يمكن أن يقال إن الآيات الثلاث التي قبلها جاءت كجملة استطرادية، إما لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتقويته والتنويه به كما قال المفسرون وإما لذكر أقوال ومواقف أخرى للكفار كما تبادر لنا. وعلى كل حال فالصلة قائمة بين هذه الآيات والسياق السابق. وقد احتوت الآيتان الأولى والثانية إشارة إلى مخالطة الماء الحلو بالماء المالح عند ملتقى البحرين أي البحر والنهر وعدم طغيان المالح على الحلو مع ذلك كأن بينهما برزخا وسدّا، وإلى خلق الله تعالى البشر من نطف مائية فكان منهم النسل الذي منه النسيب ومنه الصهر مما فيه البرهان على قدرة الله تعالى واستحقاقه وحده للعبودية والخضوع. أما الآية الثالثة فقد نحت باللائمة على الكفار وسخفهم. فهم لا يتدبرون في عظمة الله وحكمه ونعمه فيعبدون غيره ما لا ينفعهم ولا يضرهم فيكونون في ذلك مظاهرين على ربهم الحقيقي وواقفين ضده. [سورة الفرقان (25) : الآيات 56 الى 59] وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (56) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (57) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً (58) الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (59) . في الآيات تسلية وتطمين للنبي صلى الله عليه وسلم إزاء ما يلقاه من قومه من مناوأة وتحدّ وتعجيز احتوت الفصول السابقة صورا عديدة منه حيث تقول إن الله تعالى لم يرسله إلّا مبشرا ونذيرا وليس هو مسؤولا عن عنادهم وإيمانهم وكفرهم وليس عليه إلّا الدعوة إلى الله ومجاهدة الناس بالقرآن دون تهاون ولا تراخ، وعليه أن يقول للناس إني لا أطلب منكم ولا أنتظر أجرا ولا مكافأة وكل ما أريده أن يهتدي من كان صادق الرغبة في الحق والهدى ويسير في سبيل الله ورضائه، وعليه بعد ذلك أن يجعل اعتماده وتوكله على الله الحي الذي لا يموت وأن يسبّح بحمده فهو الذي

تعليق على الأمر بالتوكل على الله

خلق السموات والأرض وما بينهما الملك المسيطر على كونه العظيم الخبير المحيط بذنوب عباده وتصرّفهم والقادر عليهم والكافي لهم. والآيات متصلة بالسياق واستمرار له كما هو المتبادر. ومحتواها وما فيها من قصد التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم قد تكرر كثيرا، لأن ظروف الدعوة وسيرها كانت تقتضي ذلك على ما شرحناه في سياق سورة (ق) . وتعبير فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً الذي انتهت به الآيات من تعابير العرب الأسلوبية في صدد توكيد صحة ما يصدر من القائل والمتكلم. وقد جاء هنا لمثل هذا التوكيد. ولقد سبق القول في موضوع استواء الله على العرش وخلقه السموات والأرض في ستة أيام في سياق تفسير سورتي (ق والأعراف) بما فيه الكفاية. والآية هنا كما هي في السور الأخرى في صدد التنويه بقدره الله وعظمته وسعة كونه وعلمه وشمول ملكه. على ما يلهمه مضمونها وسياقها. وهو المقصد الجوهري فيما احتوته هنا وفي الأماكن الأخرى. ولعلّ ورود هذه الآيات التي تنفي طلب النبي صلى الله عليه وسلم أجرا بعد الآيات السابقة التي تأمره بعدم طاعة الكفار ومجاهدتهم بالقرآن مما يؤيد صحة ما تبادر لنا من الآيتين والله أعلم. وقد قال المفسرون «1» في صدد جملة إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا إنها بسبيل تقرير أن ما يدعو النبي صلى الله عليه وسلم إليه من الإنفاق والزكاة إنما هو في سبيل القربى إلى الله وليس له خاصة. والتأويل الذي أوّلنا به الجملة هو الأكثر اتساقا مع روح الآيات وظرف نزولها وصلتها مع الفصول السابقة كما هو المتبادر. تعليق على الأمر بالتوكل على الله وبمناسبة الأمر الوارد في الآية للنبي صلى الله عليه وسلم بالتوكل على الله تعالى نقول إن في القرآن آيات كثيرة مكية ومدنية يبلغ عددها نحو سبعين فيها تكرار لمثل هذا الأمر

_ (1) انظر تفسيرها في الطبري وابن كثير والخازن والطبرسي والبغوي والزمخشري.

للنبي وللمؤمنين وحكاية لقول الأنبياء بأنهم يتوكلون على الله وإيذان بأن التوكّل على الله هو من شأن عباد الله المؤمنين وبأن من شأن ذلك أن يحقّق الله أمل المتوكّل عليه وبأن الله هو وحده الأهل للتوكل عليه وهو حسب من يتوكل عليه وبأن الله يحب المتوكلين عليه حيث يدلّ هذا على ما أسبغته حكمة التنزيل على هذا الأمر من حفاوة. وفيما يلي طائفة من الآيات على سبيل المثال: 1- إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران: 122] . 2- فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران: 159] . 3- الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران: [173- 174] . 4- وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا [النساء: 81] . 5- قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [التوبة: 51] . 6- فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة: 129] . 7- وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [النحل: 41- 42] . 8- إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [النحل: 99- 100] .

9- فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ [النمل: 79] . 10- وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً [الطلاق: 3] . وما احتوته الآيات وأمثالها من تقرير وحثّ هو حقّ. ويجب على المؤمن بالله أن لا يجعل اعتماده في كل أمر وموقف على غير الله وأن يكون توجهه في كل شيء إليه وحده وأن يؤمن بأن الله تعالى يساعد المتوكّل عليه ويحقّق له أمله في دفع الضرّ وجلب النفع المشروع كما جاء في الآيات. وبالإضافة إلى هذا فإن روح الآيات وسياقها يلهمان أنها أيضا بسبيل بثّ الروح والقوّة في عباد الله الصالحين وبخاصة في المواقف العصيبة التي تحزّ بهم والمصاعب التي يواجهونها وبمعنى آخر فيها معالجة روحية للمؤمن. وهو ما انطوى في كثير من الآيات مما مرّ منه أمثلة عديدة ويأتي منه أمثلة عديدة أخرى. وهناك أحاديث نبوية تتساوق في تلقينها مع الآيات شأن كل أمر. من ذلك حديث رواه الشيخان والترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطيّرون وعلى ربّهم يتوكلون» «1» . وحديث رواه الترمذي وأحمد والحاكم عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أنكم توكّلتم على الله حقّ توكّله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا» «2» . وحديث رواه الترمذي عن أبي معبد الجهني قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تعلّق شيئا وكل إليه» «3» . وهناك من يتوهم أن فكرة التوكل في الإسلام تشلّ حيوية المسلم ونشاطه أو تجعله قليل الحذر والاستعداد لمواجهة مصاعب الحياة. وروح الآيات والأحاديث التي أوردناها بل وفحواها تجعل هذه الفكرة غير واردة وتبرز أن هدفها هو بثّ

_ (1) التاج ج 5 ص 187 أي لا يطلبون من الناس أن يرقوهم ولا يتطيرون ولا يتشاءمون. (2) المصدر نفسه والصفحة نفسها. (3) التاج ج 3 ص 203.

الأمل والاعتماد على الله وحده ومواجهة الأحداث بذلك. ويلفت النظر إلى آية آل عمران [159] ففيها ما ينفي ذلك بصراحة وقوة حيث تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمشاورة المسلمين واتخاذ الرأي الأفضل ثم العزيمة على السير به والاتكال على الله في تحقيقه. وفي حديث عمر أيضا نفي صريح حيث يذكر أن الطير لا يقعد عن الحركة في سبيل الرزق بل يسعى إليه فييسره الله له. وهذا يكون شأن المسلم الذي يتوكّل على الله حقّ توكله. وهناك حديثان مؤيدان لذلك أيضا. واحد رواه الترمذي عن أنس جاء فيه: «إن رجلا قال يا رسول الله أعقلها وأ توكل أو أطلقها وأ توكل؟ قال: اعقلها وتوكّل» «1» . وحديث رواه الأربعة عن علي قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ذات يوم وفي يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال ما منكم من نفس إلّا وقد علم بمنزلها من الجنّة والنار. قالوا يا رسول الله فلم العمل. أفلا نتّوكل قال اعملوا فكلّ ميسّر لما خلق له. ثم قرأ فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى [الليل: 5- 10] » «2» . وهذا أمر طبيعي لا يتحمل إسهابا. والآيات والأحاديث التي لا تحصى كثرة شاهدة عليه فقد أودع الله في الناس العقل والتمييز وجعل فيهم قابلية النشاط والعمل والكسب وأمرهم به والسعي إليه وقرر أنه خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأمرهم بالتسابق في الخيرات. وحثهم على العمل الصالح مطلقا وهو يعلم أنهم يطيقونه وحذّرهم من العمل السيء مطلقا وهو يعلم أنهم يطيقون اجتنابه بما أودعه فيهم من قابلية العمل والتمييز والاختيار وجعل كل نفس رهينة بما كسبت وكل هذا أيضا ينفي ذلك الوهم كما هو المتبادر ويجعل مدى التوكل في نطاق ما شرحناه. والله أعلم.

_ (1) التاج ج 5 ص 187 و 173. (2) المصدر نفسه.

[سورة الفرقان (25) : آية 60]

[سورة الفرقان (25) : آية 60] وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً (60) . المتبادر أن هذه الآية جاءت استطرادية. فقد وصف الله تعالى نفسه بالرحمن في الآية السابقة لها مباشرة. فاستطردت هذه إلى التنديد بالكفّار الذين إذا قيل لهم اسجدوا للرحمن تساءلوا تساؤل المنكر المستكبر عن هذا الرحمن وقالوا بأسلوب المتهكم: كيف نسجد لما تأمرنا وازدادوا نفورا وانصرافا عن الدعوة. تعليق على اسم الرحمن ولقد ذكر المفسرون «1» في سياق هذه الآية أن مسيلمة النبي الكذّاب الذي ظهر في أواخر عهد النبي صلى الله عليه وسلم في اليمامة كان يتسمّى باسم الرحمن، وأنه أنشأ حديقة سمّاها حديقة الرحمن، أو أنه كان له صنم يسميه بهذا الاسم أقامه في الحديقة، وأن تساؤل الكفار متّصل بذلك حيث التبس عليهم الأمر فظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم بالسجود له. وفي سورة الرعد آية متصلة بهذا المعنى وهي: كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (30) حيث ينطوي فيها حكاية موقف آخر للمشركين إزاء اسم الرحمن. وقد روى المفسرون في صدد هذه الآية أن أبا جهل سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول يا رحمن فقال إن محمدا يدعو إلها آخر اسمه الرحمن ولا نعرف الرحمن إلّا رحمن اليمامة «2» . ومهما يكن من أمر هذه الروايات فإن أسلوب الآيتين قد يدلّ على أن المشركين كانوا يقفون موقفا خاصا عند ذكر القرآن والنبي لهذا الاسم لسبب ما. وهذا الاسم هو أكثر أسماء الله الحسنى ورودا في القرآن بعد اسم الجلالة

_ (1) انظر تفسير الآية في تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والطبرسي والخازن. (2) انظر تفسير الخازن والبغوي وابن كثير لسورة الرعد.

[سورة الفرقان (25) : الآيات 61 إلى 62]

(الله) ويتضمّن معنى صفة جليلة تتصل بخلق الله وشمول رحمته لهم عامة بقطع النظر عن مواقفهم وسلوكهم. ولعل حكمة كثرة ورود هذا الاسم متصلة بذلك الموقف بقصد تقرير كون الله عزّ وجلّ هو وحده اللائق به هذه الصفة الجليلة والله أعلم. [سورة الفرقان (25) : الآيات 61 الى 62] تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً (61) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً (62) . (1) خلفة: بمعنى متعاقبة أي الشيء وراء الشيء. (2) يذكر: يتذكر. في الآيتين عود آخر إلى التذكير بعظمة الله في ما يشاهد من مشاهد الكون ونواميسه وهذا متسق مع نظم فصول السورة. وبذلك تتصل الآيتان بالسياق. وقد احتوتا ثناء على الله تعالى وتنويها بنواميس السماء وبعض مشاهدها حيث جعل الله تعالى فيها بروجا تدور في نطاقها النجوم وجعل فيها الشمس سراجا والقمر منيرا وجعل الليل والنهار متعاقبين يخلف أحدهما الآخر نتيجة لذلك. وفي هذا ما فيه من البرهان القوي على إبداع الله تعالى وقدرته ونعم الله على عباده يدركه ويقنع به من أراد أن يتدبّر ويتذكر ويشكر. والفقرة الأخيرة تتضمن تنديدا بالذين لا يقنعون بهذا البرهان القوي ولا يعترفون لله بالربوبية والقدرة ولا يشكرونه على نعمه، كما أنها من الجمل القرآنية الحاسمة في تقرير الإرادة والاختبار وقوة التمييز للإنسان كما هو المتبادر. والآيتان مما تكرر ورود مضمونهما بشيء من اختلاف في الصيغ كما جاء في آية سورة الملك هذه: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (5) وآية سورة الحجر هذه: وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ (16) .

[سورة الفرقان (25) : الآيات 63 إلى 76]

وفي القرآن غير هذه الآيات آيات كثيرة تنبّه الناس إلى السماء ونجومها وشمسها وقمرها وتسخير الله لها وما في ذلك من دلائل عظمة الله وقدرته. فهذا من أكثر ما يفكر الناس فيه ويرون فيه أعظم مشاهد كون الله ويجعلهم يشعرون تجاهه بالرهبة والذهول. والآيات القرآنية استهدفت ذلك فيما استهدفته لأن الشعور به عام عند جميع الناس في كل زمان ومكان. ومن الواجب الوقوف في ذلك عند هذا الهدف دون توسع ولا تزيد. [سورة الفرقان (25) : الآيات 63 الى 76] وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً (65) إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (66) وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (67) وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (68) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (69) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70) وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً (71) وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً (72) وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (74) أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً (75) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (76) . (1) هونا: بالتواضع والسكينة والوقار ومما روي في معناها عدم التكبّر والتجبّر والظلم والفساد.

(2) الجاهلون: السفهاء والأشرار ويمكن أن يكون عني بها الكفار. (3) غراما: متداركا وملما وغير مفارق. والكلمة تعني شدّة العذاب واستمراره. (4) وكان ذلك قواما: وسطا لا إسراف ولا تقتير. (5) أثاما: عقوبة وجزاء. (6) تاب: أصل معنى الكلمة رجع، وصارت تطلق على من كفّ عن الخطأ والإثم. (7) لا يشهدون الزور: معنى الزور الكذب والافتراء، وقد أوّل المفسرون الجملة بمعنى شهادة الزور المعتادة وبمعنى شهود مجالس الباطل والشرك والمعصية. (8) وإذا مروا باللغو مروا كراما: اللغو هو الكلام التافه أو الباطل أو الذي لا نفع ولا فائدة منه. وقد أوّل المفسرون الجملة بأنهم إذا سمعوا باطلا وقيلا وقالا أو إذا رأوا معصية أو أمرا مستقبحا نزّهوا أنفسهم وانصرفوا عنه ولم يشاركوا فيه. (9) خرّ: وقع وطأطأ وأكبّ. (10) قرّة أعين: يقال للعين التي تدمع دمعا باردا قريرة من القرّ، وهذا الدمع لا يأتي إلّا في حالة السرور والرضاء، وتستعمل الجملة للدلالة على هذه الحالة، ومن مشتقاتها أقرّ الله عينك. (11) إماما: مقتدى به. (12) الغرفة: العليّة أو المسكن العالي. روى الشيخان والترمذي عن عبد الله قال: «سألت أو سأل رسول الله أيّ الذنب عند الله أكبر قال أن تجعل لله ندّا وهو خلقك. قلت ثم أيّ؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك، قال ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ» «1» .

_ (1) التاج ج 4 ص 172- 174. [.....]

وروى البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال: «لما نزلت وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إلى آخر الآية قال أهل مكة قد عدّلنا بالله وقتلنا النفس التي حرّم الله وأتينا الفواحش. فأنزل الله: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً إلى آخر الآية» «1» . ومقتضى هذين الحديثين أن الآيتين نزلتا لحدّتهما ولمناسبات طارئة. مع أن المتبادر المستلهم من روح الآيات جميعها أنها فصل واحد منسجم مع بعضه أشدّ الانسجام. وأنها جاءت بمثابة استطراد لوصف من أراد أن يتذكر أو أراد شكورا الذي ورد في الفقرة الأخيرة من الآيات السابقة. وفيها في ذات الوقت تعقيب على ما حكته الآيات السابقة من تمرّد الكفّار عن السجود للرحمن بحيث يصحّ القول إنها استمرار للسياق السابق. وإزاء الصحة التي يتّسم بها الحديثان يمكن القول إن ما جاء فيهما قد كان قبل نزول السياق فاقتضت حكمة التنزيل أن يكون في هذه الآيات جواب في سياق ما اقتضته من وصف عباد الرحمن الاستطرادي. ولقد احتوت الآيات تقرير ما يلي: إذا كان الكفّار يتمرّدون على الرحمن ويتصاممون عن الدعوة إليه ولا يشكرونه على نعمه ولا يتدبرون في آياته فإن للرحمن عبادا إذا مشوا على الأرض مشوا متواضعين في سكينة ووقار من غير تكبّر ولا تجبّر ولا ظلم. وإذا اعترضهم السفهاء والجاهلون ردّوا عليهم بالتي هي أحسن وقالوا نحن نريد السلام، وهم دائمو السجود والقيام لربهم متضرعين إليه بأن يقيهم عذاب جهنم الشديد الرهيب، وهم إذا أنفقوا اعتدلوا فلا يسرفون ولا يقترون، وهم لا يشركون مع الله في الدعاء والعبادة أحدا ولا يقتلون النفس التي حرّم الله باستثناء ما يكون قد حقّ القتل عليه قصاصا، ولا يزنون لأنّ من يفعل ذلك يستحقّ العقاب والإهانة ويضاعف له

_ (1) التاج ج 4 ص 172- 174.

تعليق على روعة سلسلة عباد الرحمن وتلقيناتها

العذاب يوم القيامة ويخلّد فيه، ويبتعدون عن الزور والإفك والبغي قولا وعملا وشهودا، وإذا سمعوا كلاما باطلا لا خير فيه أو فيه أذيّة ومعصية كرموا أنفسهم وانصرفوا عنه، وهم إذا ذكّروا بآيات الله ونعمه لا يتلقون ذلك تلقي الأعمى والأصم، بل تلقي الواعي المعتبر والشاكر المتذكّر، ويتمنون على الله أن يسرهم ويقرّ أعينهم في أزواجهم وذرياتهم بأن يكونوا على غرارهم في طاعة الله ومرضاته، كما يدعون الله بأن يجعلهم خير قدوة وأحسن أسوة للمتقين. فهؤلاء يجزيهم الله الغرف العالية في الجنة على ما ساروا عليه من سبيل الحق والهدى والخير وصبروا وثبتوا فيه، ويجدون فيها من الله التكريم والترحيب والتحية والسلام وتكون لهم نعم المستقرّ والمقام. وقد تخلّل الآيات آيتان جاءتا معترضتين فيهما ذكر للتوبة بعد ذكر استحقاق الذين يدعون مع الله إلها آخر ويقتلون النفس التي حرّم الله ويزنون لعذاب الله وسخطه حيث استثنى فيهما الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون به ويعملون الصالحات، وحيث قرر فيهما أن الله يبدّل سيئات هؤلاء التائبين حسنات لأنه غفور رحيم، ولأن الذي يتوب ويعمل صالحا فإنه يكون قد اعتراف بما كان منه من إثم وندم عليه ورجع إلى الله رجوعا تاما. تعليق على روعة سلسلة عباد الرحمن وتلقيناتها ويتبادر لنا أن الآيات احتوت- بالإضافة إلى ما احتوته من وصف عباد الله الصالحين وصفا مطلقا- صورة لما كان عليه المسلمون السابقون في مكة من فضائل وأخلاق مستحبة ونقاء قلب وسريرة وإنابة تامة إلى الله، ثم لما كان يقفه الكفار منهم من مواقف البغي والأذى ويوجهونه إليهم من قارص الكلام وعبارات السخرية، ولما كان من محاولات المسلمين من تجنّب الاشتباك مع الكفار والدخول معهم في نزاع ومهاترات حيث كانوا يلتزمون الوقار والسكينة والتواضع، ويدفعون السفهاء بالتي هي أحسن، ويكرمون أنفسهم عن سماع اللغو والباطل والاندماج فيهما. وكل هذا من دون ريب أثر من آثار الهدى القرآني والنبوي رضوان الله عليهم.

وبالإضافة إلى هذا وذاك مما فيه صور من السيرة النبوية وظروف الدعوة في العهد المكي فإن إطلاق العبارة في الآيات يجعلها شاملة مستمرة التلقين، وفي ما احتوته من التنويه بفضائل الأخلاق مثل التواضع وحبّ السلام والابتعاد عن التجبّر والتكبّر والمشاتمات والمهاترات وتكريم النفس عن مستوى الجهلاء والأشرار والتزام الاعتدال وعدم العدوان على دماء الناس وأعراضهم وعدم الاندماج في الزور والباطل قولا وعملا وحضورا وعدم التدخل فيما لا يعني، وتوجيه أفراد الأسرة زوجة وأولادا إلى كل ما فيه الخير والفضيلة، وتحلّي المسلم إجمالا بكل ما يجعله قدوة صالحة وأسوة حسنة للناس- تلقينات أخلاقية واجتماعية جليلة رائعة من شأنها أن توجّه المسلم إلى أقوم سبل الخير والحق، وأفضل الأخلاق والسلوك في بيته ومجتمعه وخصوصياته وعمومياته. ولذلك فإن السلسلة من أروع الكلم القرآنية المحكمة. ويتبادر لنا من فحوى وروح الآيتين [70- 71] ومجيئهما بعد الإنذار الرهيب الموجّه لكل من يشرك بالله ويزني ويقتل أنهما عامتا الخطاب لكل مشرك ومجرم. وأنهما أسلوب من أساليب الدعوة ودعامة لها حيث تؤذنان السامعين على اختلافهم أن الإيمان بالله والتوبة إليه يطهران فاعلهما من الأدران والخبائث ويوجهانه في طريق عباد الله الصالحين ويخلّقانه بأخلاقهم. وأن ما اقترفوه ليس مانعا لهم من الرجوع إلى الله والتوبة إليه حيث يجدونه غفورا رحيما وحيث تتبدل بسلوكه الجديد سيئاته بحسنات. وفي هذا ما فيه من روعة وقوّة تلقين. ولقد شرحنا موضوع التوبة شرحا وافيا في سياق سورة البروج فنكتفي بهذه الإشارة في هذا المقام. ولقد روى مسلم عن سعيد بن جبير قال: «قلت لابن عباس ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة؟ قال: لا. فتلوت عليه آية الفرقان إِلَّا مَنْ تابَ فقال هذه الآية مكيّة نسختها آية مدنية وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً [النساء: 93] الآية» «1» .

_ (1) التاج ج 4 ص 173.

[سورة الفرقان (25) : آية 77]

ولقد ذكرنا هذا وتوقفنا في التسليم به وعلّقنا عليه في سياق شرح موضوع التوبة في سورة البروج بما يغني عن التكرار. ولقد تعددت روايات المفسرين وأقوالهم في تأويل جملة يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ في الآية [70] فهناك من قال إن معناها: «إن الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون ويعملون العمل الصالح يكونون بذلك قد تبدّلت أعمالهم السيئة التي كانوا يمارسونها بالأعمال الحسنة التي صاروا يمارسونها، وأن الله يبدّلهم بقبائح أعمالهم في الشرك ومحاسن الأعمال في الإسلام» . وهناك من قال: «إن معناها أن الله يمحو السيئات التي اقترفوها قبل الإيمان والتوبة ويثبت لهم بدلها حسنات» . وهناك من خرّج ذلك: «بأن التائب من الذنوب التي عملها قد قارن كل ذنب منها ندما عليه وكفّ نفسه عنه وعزم على ترك معاودته، وهذه حسنات بلا ريب وقد محت التوبة أثر الذنب وخلفه هذا الندم والعزم وهو حسنة، وبهذا تبدّلت السيئة بالحسنة» «1» وكل من هذه الأقوال وجيه. [سورة الفرقان (25) : آية 77] قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً (77) . (1) ما يعبأ بكم ربي: يعبأ بمعنى يهيئ أو يكترث. وقد أوّل بعض المفسرين الجملة بمعنى (ما الذي يصنعه ربي لكم ويهيئه لكم بعد تكذيبكم) وأوّلها بعضهم بمعنى (لا يكترث ربي بكم ولا يبالي بعد تكذيبكم) . (2) لزاما: لازما لا بدّ منه. وأكثر المفسرين على أن جملة فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً (77) بمعنى سوف يكون عذابكم واقعا ولا زما لكم لا بدّ منه. جاءت الآية خاتمة للسورة، والمتبادر من روحها ومضمونها أنها عود على بدء بسبيل إنذار الكفار وتقريعهم، وأنها ليست استمرارا للآيات السابقة لها مباشرة

_ (1) انظر تفسير الآيات في الطبري وابن كثير والطبرسي والقاسمي.

تعليق على تعبير لولا دعاؤكم

التي تضمنت وصف عباد الرحمن والثناء عليهم، فبعد أن انتهت تلك الآيات جاءت هذه الآية تلتفت ثانية إلى الكفار الذين كانوا موضوع الكلام السابق وتأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم: إن الله لم يكن ليعتدّ بكم ويهتم لأمركم لولا دعاؤكم، وبالرغم من ذلك فقد كذّبتم بما جاءكم فاستحققتم العذاب وصار لازما عليكم لا معدى لكم عنه. تعليق على تعبير لَوْلا دُعاؤُكُمْ وأكثر المفسرين أوّلوا جملة لَوْلا دُعاؤُكُمْ بما يفيد أن الله تعالى ما كان ليكترث بكم ويهتم لأمركم لولا حرصه على دعوتكم إليه وإيمانكم به وعبادتكم له، وهو تأويل وجيه «1» . ومن المفسرين من أرجع ضمير المخاطب في دُعاؤُكُمْ إلى عباد الرحمن وأرجع الضمائر الأخرى في الآية إلى الكفار وهو غريب «2» . ومما يتبادر لنا أن جملة لَوْلا دُعاؤُكُمْ هي بسبيل الإشارة إلى اعتراف المشركين بالله الخالق البارئ ربّ الأكوان ودعائهم إيّاه وحده حينما يصيبهم الضرّ مما حكته آيات عديدة مثل آية سورة الزخرف هذه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) وآية الزخرف هذه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87) وآيات سورة النحل هذه: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (53) ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54) وآية سورة العنكبوت هذه: فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) أو بسبيل الإشارة إلى ما كانوا يتمنونه على الله ويدعونه بإرسال نذير بكتاب عربي ليؤمنوا به ويسيروا على هواه مما

_ (1) انظر تفسير الآية في الطبري وابن كثير والخازن والطبرسي. (2) انظر تفسيرها في تفسير ابن كثير والزمخشري.

حكته آية سورة فاطر هذه: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً (42) وآيات سورة الأنعام هذه: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ «1» فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (157) ، وكون هذا وذاك هو الذي جعل الله سبحانه يعبأ بهم ويرسل إليهم رسولا وينزل عليه كتابا بلغتهم ليسيروا على هداه، وكأن الآية تقول لهم إنكم بعد أن كذّبتم بما جاءكم وتمرّدتم على الله وتصاممتم عن دعوته وناوأتم رسوله بعد أن تمنيتم ذلك وطلبتموه فقد صار العذاب لزاما عليكم، وكأنها تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ذلك مشهدا عليهم أنفسهم مخلصا لهم الإعذار والإنذار. ولما كانت الفصول السابقة التي حكت أقوال الكفار ومواقفهم وردّت عليهم مقرعة مكذّبة منذرة من جهة، ومبرهنة على ربوبية الله عزّ وجلّ واستحقاقه وحده للعبادة من جهة، ومثنية على الذين استجابوا للدعوة واصفة ما كان من أثر ذلك في أخلاقهم من جهة هي بمثابة فصول حجاجية بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الكفار فتكون الآية قد جاءت إنهاء قويّا لهذه الفصول.

_ (1) لئلا تقولوا إننا لا نعرف لغة الكتب التي أنزلت على الطائفتين ولم ندرسها وإنه لو أنزل علينا كتاب بلغتنا لكنّا أهدى منهم حيث كانوا يرونهم في شقاق وخلاف وقتال شيعا وأحزابا.

سورة فاطر

سورة فاطر في السورة إنذار للناس ودعوة إلى الحق. ولفت نظر إلى الكون ونواميسه للبرهنة على ربوبية الله تعالى واستحقاقه وحده للعبادة. وتنويه بالمؤمنين المخلصين وتنديد بالكافرين وبيان مصير كل منهم. وإشارة إلى تمني العرب بعثة رسول فيهم والأسباب التي جعلتهم يناوئون النبي صلى الله عليه وسلم حينما بعثه الله، وقد تكررت في السورة تسلية النبي صلى الله عليه وسلم مما يلقاه من تكذيب قومه مما يدل على أنها نزلت في ظروف كان النبي صلى الله عليه وسلم فيها حزينا شديد الحسرة. والسورة شطران أحدهما عام التوجيه، وثانيهما موجه للكفار السامعين. وآيات كل من الشطرين منسجمة، كما أنه ليس بينهما انفصال وتغاير بحيث بسوغ القول أن فصول السورة نزلت متلاحقة حتى تمت. ويسميها بعض المفسرين بسورة الملائكة «1» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة فاطر (35) : الآيات 1 الى 2] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2) (1) فاطر: خالق ومنشئ. (2) مثنى وثلاث ورباع: اثنين معا وثلاثة معا وأربعة معا. أي إن من

_ (1) انظر تفسير الطبري وتفسير ابن عباس مثلا.

الملائكة ما كان له جناحان ومنهم ما كان له ثلاثة ومنهم ما كان له أربعة. (3) ممسك: مانع. (4) مرسل: معط. بدأت السورة بتقرير استحقاق الله تعالى للحمد والثناء وأعقبها في بقية الآيتين تعداد بعض مظاهر عظمته وبراهينها في خلق الملائكة وإرسالهم رسلا لعباده ومن قدرته التامة على منح من يريد من رحمته ومنع من يريد دون أن يستطيع أحد منع ما منح ومنح ما منع، وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. ومطلع السورة يشبه بعض الشيء مطلع السورة السابقة مما قد يكون فيه قرينة على ترتيب نزولها بعد سابقتها. والمتبادر من الفصول التالية أن الآيتين مقدمة لما بعدهما، كما كان شأن مطلع سورة الفرقان. والمقدمة هنا قوية نافذة كتلك. وأسلوب الآية الأولى يلهم أن ذكر الملائكة ورسالاتهم وأجنحتهم لم يكن مقصودا لذاته وإنما أريد به الإشارة إلى مظهر من مظاهر قدرة الله وعظمته في الدرجة الأولى. على أن ذكر ذلك يدل على أن الملائكة وأجنحتهم ورسالاتهم بين الله تعالى وعباده كانوا في أذهان الناس من أهم مظاهر قدرة الله وعظمته، ومن مواضيع تساؤلهم وذهولهم فاحتوت الآية هذا التقرير عنهم بالأسلوب الذي جاء به ليكون في نفس الوقت وسيلة من وسائل التنويه والتذكير بعظمة الله وقدرته. وأجنحة الملائكة ورسالاتهم إلى أنبياء الله مما ورد في أسفار العهد القديم والجديد المتداولة إلى اليوم بحيث يمكن أن يقال إن هذا الأمر لم يكن غريبا على أذهان العرب السامعين بالإضافة إلى ما كان من عقيدتهم بوجودهم وصلتهم بالله تعالى وحظوتهم لديه وقيامهم بخدمات متنوعة له. على ما شرحناه في سورة المدثر وسور أخرى سابقة حيث يكون في الآيات تنويه بأمر يسلّمون به. ونكرر هنا ما قلناه سابقا من أن الملائكة وماهيتهم ومهماتهم وكيفية اتصالهم بالله وبالرسل من الحقائق الإيمانية المغيبة التي يجب الإيمان بها مع الوقوف منها

[سورة فاطر (35) : الآيات 3 إلى 6]

عند نصوص القرآن والثابت من الأحاديث النبوية وتجنب كل تمحل وتزيد لا طائل من ورائهما. [سورة فاطر (35) : الآيات 3 الى 6] يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (4) يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (6) (1) فأنى تؤفكون: فأنى تذهبون أو أين تنصرفون. (2) الغرور: الذي يغر بما يزينه لغيره وبما فيه من زينة تأخذ اللب فيغتر وينخدع. وأكثر المفسرين على أن الكلمة تعني «الشيطان» وورود اسم الشيطان عقبها مما يقوم قرينة أو دليلا. وقد قرأ بعضهم الكلمة بضم الغين وفي هذه الحال يصبح المعنى الاغترار والاعتداد بالنفس. وهذا المعنى مما تتحمله الآية أيضا. بعد تلك المقدمة جاءت هذه الآيات تذكر الناس بنعم الله عليهم وتحذرهم من الاغترار بالدنيا والاستماع إلى وساوس الشيطان عدوهم الذي هو وحزبه في النار. فالصلة بين هذه الآيات والمقدمة قائمة. وعبارة الآيات واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر أيضا. وهي نافذة الأسلوب كالمقدمة. وقد جاءت الآيات الثانية معترضة، وجّه الخطاب فيها للنبي صلى الله عليه وسلم ثم استؤنف الخطاب للناس. والمتبادر أنها بسبيل تطمين النبي صلى الله عليه وسلم وتسليته فإذا كان قومه كذبوه فقد كذبت رسل من قبله أيضا. والأمور راجعة إلى الله الكفيل بمقابلة الناس على أعمالهم فلا ينبغي أن يحزن ويغتم. والآية الأخيرة دامغة الحجة. فالشيطان عدوّ للناس بإغرائهم بالكفر وتزيينه الشهوات والآثام لهم. وهو يقود من يستمع له ويصبح من حزبه إلى العذاب،

تعليق على الأمر بعدم الاغترار بالدنيا

فعلى الناس أن يحذروه وأن يتخذوه عدوا ليتقوا شرّه. والمتبادر أن ينطوي في هذا تقرير كون السامعين يعرفون أن الإغواء والإغراء وتزيين الشهوات من وساوس الشيطان وهو ما قررته عنهم آيات عديدة مرت أمثلة منها وما شرحناه شرحا وافيا بخاصة في سياق تفسير سورتي التكوير وصّ. تعليق على الأمر بعدم الاغترار بالدنيا وليس من محل للتوهم بأن الآية الأولى في صدد دعوة الناس إلى نفض أيديهم من الحياة الدنيا. فالقرآن احتوى آيات كثيرة تبيح للناس الاستمتاع بالحياة وطيباتها وزينتها وابتغاء فضل الله ورزقه والسعي إليه، وقد مرّت أمثلة قوية صريحة من ذلك في سورة الأعراف، وإنما هي في صدد التحذير من الاغترار والانشغال بها اغترارا وانشغالا ينسيان صاحبهما واجباته نحو الله ونحو الناس ويدفعانه إلى الاستغراق في المتع والشهوات بدون تورع من إثم وإسراف. [سورة فاطر (35) : الآيات 7 الى 8] الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (8) (1) فلا تذهب نفسك عليهم حسرات: فلا تهلك نفسك من الحسرة عليهم. تقرر الآية الأولى مصير الكافرين والمؤمنين الصالحين حيث يكون مصير الأولين العذاب الشديد والآخرين مغفرة الله وأجره الكبير كنتيجة لما تقدم من خطاب الناس وتحذيرهم. أما الآية الثانية ففحوى الشطر الأول منها يدل على أنه أريد المقايسة بين الفريقين وتقرير الأفضل منهما، واكتفى بذكر الفريق الثاني منهما بأسلوب استنكاري يدل على تفضيل الفريق الأول واستحالة أن يكون سواء مع الفريق الثاني

تعليق على تعبير فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء

الذي زين له سوء عمله فانخدع ورآه حسنا. وفي هذا معنى جليل وتلقين بليغ مستمر المدى وهو أن عمل الإنسان إنما يحكم عليه بأثره في المجتمع وبما يكون فيه من حقّ وهدى ونفع، لا بإعجاب صاحبه به. أما فحوى الشطر الثاني من الآية الثانية فيلهم أنه أريد به تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتهوين موقف الكفار وتكذيبهم. فسوء عملهم وخبث طويتهم يجعلانهم غير مأسوف عليهم إذ انصرفوا عن الدعوة، والله أعلم بحقيقة ما هم عليه وما يصدر منهم، وأنهم لا يستحقون أن يكونوا سببا لإهلاك نفسه حسرة وغمّا عليهم، فالله يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء فليس من محل لحزنه واكتئابه. ولقد روى البغوي عن سعيد بن جبير أن الآية [8] نزلت في أصحاب الأهواء والبدع. وعن قتادة أنها في الخوارج الذين كانوا يستحلون دماء المسلمين الذين لا يذهبون مذاهبهم وأموالهم. والتجوز في هذا واضح، لأن مضمون الآية وسياقها صريحان بأنها في صدد الذين كفروا برسالة النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا يعتدّون بما هم عليه. وكل ما يمكن أن تكون هذه الأقوال قيلت على سبيل التطبيق وبوحي الأحداث التي وقعت في صدر الإسلام. على أنه يصح القول من ناحية أخرى أن التنديد المنطوي فيها عام مطلق يتناول كل من يرتكس في الأعمال المنكرة السيئة ويصر عليها رغم ما يظهر من ضررها وبعدها عن الحق. تعليق على تعبير فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ والشرح الذي شرحنا به الآيات والمستمد من روحها وأسلوبها ومقامها ومن فحوى آيات عديدة أخرى أوردناها في سياق آية مماثلة في سورة المدثر يزيل ما قد يرد من وهم بأن العبارة بسبيل تقرير تحتيم الله الهدى والضلال على أناس بأعيانهم تحتيما لا تبديل فيه، والآيات التي قبل الآية التي تقرر استحقاق الكافر للعذاب والمؤمن للأجر والمغفرة والتي تتضمن تقرير قابلية الاختيار للإنسان قرينة واضحة

[سورة فاطر (35) : الآيات 9 إلى 14]

على ذلك. كما أن معنى التسلية في الآية واضح نصّا وروحا. وقد أشبعنا الكلام على ذلك في سياق سورة المدثر. [سورة فاطر (35) : الآيات 9 الى 14] وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (9) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (10) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11) وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14) (1) تثير: تحرك. (2) يبور: يفسد ويهلك ويحبط. (3) أزواجا: أصنافا أو ذكرانا وإناثا أو أزواجا وزوجات. (4) سائغ: مريء سهل التقبل. (5) حلية: الأحجار والمعادن الكريمة التي يتزين بها والمقصود هنا ما يستخرج من البحار من مرجان ولؤلؤ. (6) قطمير: قشرة النواة. الآيات: استمرار استطرادي للسياق السابق بسبيل التدليل على قدرة الله في

مظاهر الكون وآياته ونواميسه، وتوكيد ربوبيته واستحقاقه للخضوع والذكر والشكر وحده، وتقريع الكفار وتسفيههم. فقدرة الله تعالى وعظمته ماثلتان في الريح وما تحركه من سحاب وما ينزل من هذا السحاب من ماء على الأرض التي تكون ميتة فإذا هي بعد ذلك تعجّ بالحياة، مما فيه دليل على قدرة الله على بعث الناس ونشرهم بعد الموت، وفي خلق الناس من تراب ثم من نطفة ثم صيرورتهم أزواجا مما فيه دليل على يسر إحاطة علمه بكل شأن من شؤونهم من حمل ووضع وطول عمر وقصره. وفي البحار وما بينها من فروق في الطعم وما فيها للناس من منافع عظيمة من لحم طري يأكلونه وأحجار كريمة يتحلون بها وفلك تجري فيها فتيسر لهم أسباب الرزق. وفي حركة الشمس والقمر وتعاقب الليل والنهار في نطاق دقيق محكم فيه منافع عظيمة للناس. ففي كل هذا دلائل باهرة على أن الله هو الرب الحقيقي للناس الذي له الملك والحكم وحده في الأكوان، والذي يستحق وحده الخضوع والعبادة والذكر والشكر، أما الذين يشركهم المشركون في الدعاء معه ويدعونهم من دونه من الآلهة والأرباب فإنهم لا يملكون من هذا الكون العظيم شيئا حتى ولا قشرة نواة، وهم لا يسمعون دعاء الداعين، وليس في استطاعتهم أن يستجيبوا لشيء من مطالبهم حتى لو سمعوا دعاءهم، ولسوف يتبرأون يوم القيامة من مشركيهم، وهذا هو الحق الذي لا يتحمل مراء لأنه صادر من خبير عليم. والكلمة الحق هي ما كان صادرا من خبير عليم. وقد تخلل الآيات التي قررت ما شرحناه تقريرات متصلة بالدعوة وأهدافها، ومحتوية تقريعات وإنذارات للكفار كنتيجة لما هدفت إليه الآيات. فالعزة الحقيقية لله جميعا لا يشاركه فيها مشارك. وعلى من أراد الوصول إلى الكرامة والرضاء الرباني أن يسلك سبيله فيقول الحق ويعمل الخير، أما الذين يمكرون ويتآمرون على السوء ويدبرون المكائد والأذى للناس فلهم العذاب الشديد، والله تعالى كفيل بإحباط مكرهم وإفساد مكائدهم.

تعليق على جملة وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب

والآيات من روائع المجموعات القرآنية التي يخاطب بها العقل والقلب معا والتي تستمد براهينها من مشاهدات الناس وواقع أمورهم في كل زمن ومكان. وهي قوية نافذة في أسلوبها وما استهدفته من تدعيم للدعوة وأهدافها ومبادئها، وهي مستمرة المدى والتلقين بنفس القوة والنفوذ. وقد تكرر مثلها تبعا لتكرر المواقف والمناسبات. ولقد أورد البغوي عن ابن مسعود قال «إذا حدثتكم حديثا أنبأتكم بمصداقه من كتاب الله عز وجل. ما من عبد مسلم يقول خمس كلمات: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وتبارك الله» إلا أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه ثم صعد بهن فلا يمرّ بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يجيء بها وجه ربّ العالمين. ومصداق ذلك من كتاب الله عز وجل قوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ... [10] » . وهذا الحديث لم يرد في الصحاح. ومع ذلك فالمتبادر أن الصحابي الجليل لم يقصد بقوله إذا صح عنه أن هذه الكلمات كل الكلم الطيب الذي يصعد إلى الله. وأن هذا التعبير شامل لكل كلم طيب فيه تسبيح وفيه إصلاح وفيه دعوة إلى الخير وفيه أمر بالمعروف وفيه نهي عن المنكر. ولقد عقب البغوي على الحديث فقال إن من ذكر الله بلسانه ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله. وإن الإيمان ليس بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأفعال وهذا غاية السداد. تعليق على جملة وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ ولقد توقف المفسرون عند هذه الجملة فرووا عن أهل التأويل تأويلات متعددة حسب تلقي حرف (الهاء) في (عمره) ، حيث تلقاه بعضهم للإنسان مطلقا سواء أكان طويل العمر أو قصيره، فقال إن أعمار الناس من قصر وطول مقدرة

[سورة فاطر (35) : الآيات 15 إلى 26]

معلومة عند الله، فمن قدر له طول العمر لا ينقص عما قدر له، ومن قدر له قصره لا يزيد عما قدر له. وحيث تلقاه بعضهم للمعمر فقط فقال إن الأعمار تتبع الأسباب فتنقص وتزيد بحسبها وهي معلومة مقدرة عند الله. وحيث تلقاه بعضهم للمدة التي تمرّ من عمر الإنسان سنة بعد سنة أو شهرا بعد شهر أو يوما بعد يوم فقال إن الجملة تعني أن ما يمر من عمر الإنسان محصي عند الله تعالى. والعبارة تتحمل هذه التأويلات جميعها. ومحصلها على كل حال تقرير علم الله وإحاطته بأعمار الناس أسوة بعلمه وإحاطته بكل شؤون كونه وخلقه. ولقد رجح الطبري وابن كثير التأويل الأول. وقد يكون هذا هو الأوجه. ولقد أورد ابن كثير حديثين نبويين لهما صلة بالجملة وفيهما تلقين وتوضيح. أحدهما رواه البخاري عن أنس بن مالك جاء فيه «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من سرّه أن يبسط الله له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه» . وثانيهما أخرجه ابن أبي حاتم مرويّا عن أبي الدرداء قال «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّ الله تعالى لا يؤخّر نفسا إذا جاء أجلها. وإنّما زيادة العمر بالذّرية الصّالحة يرزقها العبد فيدعون له بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره» . [سورة فاطر (35) : الآيات 15 الى 26] يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17) وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18) وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (19) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (20) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (21) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ (23) إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (24) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (25) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (26)

(1) الغني: غير المحتاج إلى الغير. (2) الحميد: المحمود أو الحامد، وروح الآية يلهم أن المعنى الثاني هو المقصود. (3) تزر: تحمل. (4) وازرة: حاملة. (5) وزر: حمل. وجملة وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى بمعنى لا يحمل إنسان مسؤولية وتبعة أعمال إنسان آخر. وكل يحمل مسؤولية عمله فقط. (6) وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذاقربى: وإذا طلب صاحب حمل أو ذنب من غيره ولو كان قريبا له أن يحمل شيئا من ذلك لا يحمل، ومثقلة بمعنى ثقيلة الحمل تنوء بحملها وحدها. (7) تزكى: الراجح المتبادر من روح الآية أنها هنا ليست من زكاة المال وإنما هي من تطهير النفس بالإيمان والتقوى والعمل الصالح. ومعظم المفسرين على ذلك. (8) الحرور: الجوّ المتوهج بالحرارة. (9) الزبر: الكتب أو الصحف. (10) نكيري: هنا بمعنى إنكاري عليهم وشدة عقوبتي لهم. الآيات استمرار في السياق، وفيها عود على بدء في توجيه الخطاب للناس كما فيها توكيد إنذاري وتبشيري للمؤمنين والكافرين وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. فقد هتفت بالناس بأن الله ليس في حاجة إليهم، وإنما هم الفقراء إليه وإنه لغني عن المنصرفين عنه حميد للمستجيبين إليه. وأنذرتهم بقدرة الله على إبادة الموجودين منهم والإتيان بغيرهم، وهو أمر يسير عليه لأنه الخالق المبدع القادر على كل شيء. وسلّت النبي صلى الله عليه وسلم وثبت فيه المصير والسكينة. فليس عليه إلّا

الاهتمام للذين آمنوا بربهم وخافوه ولو لم يروه وأقاموا الصلاة ورغبوا في الخير والهدى، وإن الذي يفعل ذلك إنما يطهر نفسه ويفعل ما فيه خيره وسعادته، وقررت أن كل امرئ مؤاخذ عن عمله وليس لأحد أن يحمل ذنب أحد ولو وصلت بينهما روابط القربى. وأهابت بالناس أنه جدير بهم أن يفرقوا بين الأعمى والبصير والظلمات والنور، والظل والحرور، والأحياء والأموات وأن لا تكون هذه المتضادات في نظرهم سواء لأن ذلك غير ممكن، ولأن الذين يدركون استحالة ذلك ويفرقون بين الأضداد ويلتزمون ما هو الأفضل منها هم الذين يكونون قد اهتدوا بهدي الله واستجابوا إلى دعوته ولأن الذين لا يدركون ذلك هم في الحقيقة كالأموات في القبور. وعادت إلى تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيته حيث وجهت الخطاب إليه بأنه ليس عليه أن يسمع من في القبور، وما عليه إلّا أن ينذر الناس ويبين لهم الحق، وأن الله لم يرسله إلّا بشيرا ونذيرا كما كان الأمر في من سبقه من الرسل وأن الكفار إذا كانوا يقفون منه موقف المكذب فقد وقف من قبلهم مثل هذا الموقف حينما جاءتهم رسل الله بالبينات والكتب والآيات النافذة الواضحة. ولقد أخذهم الله أخذا قويّا، وترك من آثار ذلك ما فيه العبرة لمن بعدهم ليروا كيف كان أخذ الله وعذابه للكافرين به المكذبين لرسله. والسلسلة كسابقتها قوية رائعة نافذة في أسلوبها وروحها ومضمونها وخطابها للعقل والقلب، واستمدادها من مشاهدات الناس وواقع أمورهم وما استهدفته من أهداف وقررته من تقريرات، وفيها كتلك تلقينات قوية مستمرة المدى أيضا. ولقد شبه الكفار بالأموات بسبب عدم استماعهم لكلمة الحق، وعدم رؤيتهم الحقيقة الساطعة وعدم الاستجابة إلى داعيهما وهو تشبيه قوي لاذع. ولقد قصد بذكر التضاد بين الأعمى والبصير، والظلمات والنور، والظل والحرور، والأموات والأحياء بيان الفرق الواضح بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والاستقامة والانحراف، وذوي النوايا الحسنة والقلوب السليمة والعقول الواعية الراغبة في الحق وبين ذوي النوايا الخبيثة والقلوب المريضة والعقول

مغزى تكرر تسلية النبي صلى الله عليه وسلم في آيات السورة

السقيمة العنيدة المكابرة، وعدم إمكان وجواز التسوية بين كل ضدّ وضدّ. وفي هذا ما هو واضح من التلقين الجليل. ولعلّ في الآية [18] إشارة إلى ما كان عليه التضامن القبلي والأسروي في المجتمع العربي من قوة، فالعربي كان يتحمل مسؤولية ما اقترف قريبه من جرائم ويشترك في غراماتها، والمتبادر أنه استهدف بذكرها تصوير هول القيامة واضطرار كل امرئ للانشغال بنفسه دون غيره، وعدم حمل أحد مسؤولية أحد مهما كانت الصلة التي تجمع بينهما، وهذا المعنى تكرر مرة بعد مرة لأنه مستمد من واقع حال السامعين. وقد سبق بأسلوب قوي في آيات سورتي عبس والفجر. مغزى تكرر تسلية النبي صلى الله عليه وسلم في آيات السورة ويلحظ تكرر الآيات التي احتوت تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيته والتخفيف عنه وتنوع أساليبها في فصول هذه السورة، مما يمكن أن يدل على أنها نزلت في ظرف كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحزن والحسرة مما يواجهه من مواقف العناد والتكذيب والصد والمكر، ومضامين فصول السورة- فضلا عن الآيات الخاصة في هذا الصدد- تؤيد ذلك أيضا. ولقد تكرر هذا كثيرا في أكثر السور المكية وشرحنا ما تبادر من أسبابه وحكمته في سياق سورة (ق) . تعليق على جملة وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ مع أن الجملة قد قصد بها في مقامها تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيته على ما قلناه في الشرح. فإن هناك من أبعد في التأويل فقال إن كلمة (أمة) تشمل كل حيّ من بني آدم وسائر الحيوانات من دوابّ وطيور وزواحف وحشرات إلخ. وقد يكون القائل استأنس باية سورة الأنعام هذه وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ [38] وتعليقا على ذلك نقول إنه لا يصح فيما نعتقد الاستئناس بآية سورة الأنعام هذه لأنها في صدد تقرير كون الدواب والطيور التي خلقها الله أنواعا مثل

بني آدم. وجملة إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ مما يدعم عدم صحة الاستئناس لأن في القرآن آيات لا تحصى متنوعة الصيغ تفيد أن التكليف محصور ببني آدم، فيكون نذر الله محصورين بهم تبعا لذلك. من ذلك ما احتوى تقرير الله قد شاءت كلمة أن يكون بنو آدم خلفاء الله في الأرض كما يستفاد من آيات سورة البقرة [30 و 38 و 39] وقد انطوى في الآيات بتقرير كون بني آدم هم موضوع التكليف حصرا. ومن ذلك ما انطوى فيه كون الله أراد منذ البدء خلق بني آدم ليبلوهم أيهم أحسن عملا، كما جاء في آيات سورة هود [7] والملك [2] وغيرها. ومن ذلك ما انطوى فيه تقرير كون الله ينزل آياته للناس ليفكر بها ويتدبرها ويعقلها أولو الألباب. وكل هذا شأن بني آدم خاصة. والآيات في هذا كثيرة كثرة تغني عن التمثيل. وفي سورة الأحزاب آية قطعية الدلالة على أن الإنسان هو المكلف وحده وهي إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ.. [72] . وفي سورة النحل هذه الآية وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [36] التي تنطوي على شيء من المماثلة للجملة التي نحن في صددها قوية الصراحة في كون المقصودين من الجملة وكلمة (الأمة) هم بنو آدم. ومثل هذه الصراحة منطو في آيات سورة الإسراء [13- 15] ولكل من هذه الآيات أمثال عديدة أخرى. وفي الجملة نقطة أخرى تتحمل تعليقا. وهي تقريرها أن الله تعالى قد بعث في كل أمة سابقة من أمم الأرض من بني آدم نذيرا. وهذا التقرير منطو في آية سورة النحل [36] التي أوردناها آنفا مع زيادة كون دعوة رسل الله ونذره جميعا هي توحيد الله واجتناب الأوثان كمبدأ جوهري ورئيسي. والرسل الذين قصّ القرآن سيرتهم وأممهم بالأسماء قليلون جدا. وقد استدركت هذا المعنى آية سورة غافر هذه وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [78] .

[سورة فاطر (35) : الآيات 27 إلى 28]

ومهما تكن الوثنية وطابعها طاغيين على عقائد الأمم السابقة والموجودة على اختلاف الأجناس والألوان والأقطار فإنه يلمح فيها دائما فكرة الاعتقاد بإله أعظم وراء الكون والاتجاه إليه بصورة ما. ومع احتمال أن يكون ذلك فطرة الله التي فطر الناس عليها كما جاء في آية سورة الروم هذه فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ.. [30] بعد أن شاءت حكمة الله أن يكون بنو آدم متميزين عن سائر خلقه بالعقل والتفكير وقابلية التمييز بين الخير والشر والهدى والضلال، وقابلية الاختبار، فإن احتمال كون ذلك، من أثر دعوة نذر الله ورسله أيضا واردا. وعلى كل حال فمن الواجب على المسلم الإيمان بما جاء في الآيات القرآنية من ذلك، والله تعالى أعلم. [سورة فاطر (35) : الآيات 27 الى 28] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) (1) جدد: مفرده جدة، وكلمة جدد تعني طرائق أو خطوط أو قطع. (2) غرابيب سود: الغرابيب جمع غربيب وهو الشديد السواد. في الآية لفت نظر إلى بعض مظاهر خلق الله ونواميس كونه. فالله ينزل من السماء ماء فيخرج به نباتا مختلف الألوان والأنواع والأشكال. وقد خلق الجبال فيها الطرائق المختلفة الألوان كذلك من حمر وبيض وسود وهذا التنوع في الخلق مشهود أيضا في الناس والأنعام والدواب، وفي كل ذلك دلائل على قدرته وعظمته وبديع صنعته من شأنها أن تثير الخشية في القلوب منه وخاصة قلوب العلماء الذين هم أكثر من غيرهم إدراكا لهذه الدلائل. وقد انتهت بتقرير صفتي العزة والغفران لله

تعليق على جملة إنما يخشى الله من عباده العلماء وتلقينها

تعالى، فهو العزيز القوي الذي لا يعجزه شيء ولا يناله نائل، وهو مع ذلك الغفور للناس إذا ما تابوا إليه وأنابوا. والآيتان ليستا منقطعتي الصلة بالسياق، وهما فصل مماثل للفصول السابقة التي احتوت تقريرات عن مشاهد قدرة الله وعظمة كونه، وتخللها دعوة وعظة وتدعيم. ويلحظ بالإضافة إلى ما قلناه أن الآيات تنطوي على تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فجميع ما خلق الله متنوع مختلف، ومن ذلك الناس، فلا غرو أن يكون بينهم الجاهل والأحمق والمعاند والمكابر والمستكبر والعالم والواعي والراضخ للحق والمستجيب إلى دعوة الهدى، ولا موجب- والحال هذه- لغمه وحزنه من موقف الأولين، وفي موقف الآخرين الذين استجابوا إليه الغناء، فالعلماء الواعون هم الذين يدركون معاني دعوته ويستجيبون إليها ويخشون الله عز وجل. وفي الآيات التالية ما يؤيد ذلك. تعليق على جملة إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ وتلقينها وجملة إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ تتضمن بذاتها تنويها بالعلماء ودعوة إلى اتخاذهم قدوة وأسوة. وتتضمن بالإضافة إلى ذلك تحميلهم من التبعات والمسئوليات الخاصة والعامة ما لا تتحمله الطبقات الأخرى، وتنبيههم إلى ما عليهم من واجبات وتبعات خاصة وعامة أيضا. ومن جملة ذلك إدراك الحقيقة الإلهية الكبرى وخشيتها وتقواها والتبشير بها أكثر من غيرهم. ومضاعفة مسؤولياتهم عن التقصير في ذلك. وفي كل هذا تلقين جليل وخطير مستمر المدى على مدى الأجيال كما هو واضح. ومن تحصيل الحاصل أن يقال إن التنويه الذي تضمنته الجملة بالعلماء مصروف بنوع خاص إلى الذين يؤديهم علمهم وإدراكهم إلى معرفة الله تعالى وخشيته وتقواه.

ولقد أورد المفسرون أقوالا عديدة في تأويل كلمة (العلماء) منها أنهم الذين يعرفون أن الله على كل شيء قدير، ويعرفون ما أحلّه وما حرّمه. ومنها أن العلم ليس بكثرة الرواية-، وإنما هو نور يجعله الله في القلب. ومنها أن العالم من صدق قوله فعله. ومنها أن العلماء ثلاثة، عالم بالله عالم بأمر الله، وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله. وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله. وإن المقصود في الآية هو الأول. ويتبادر لنا أن هذه التعريفات غير كافية، وغير محكمة. فالكلمة في الجملة مطلقة وهي في معرض التنبيه إلى مظاهر خلق الله ونواميس كونه وما فيها من دقة وإبداع ونظام وتنوع، بحيث يمكن أن تشمل كل من يتصف بعلم يساعده على إدراك ذلك ودلالة على وجود الله وقدرته. ويدخل في ذلك طبقة العلماء في العلوم الدينية والدنيوية على السواء. بل ويمكن أن يدخل فيه طبقة العقلاء والنبهاء والمستنيرين والواعين، ولو لم يكن أفرادها متعمقين في العلم، فإن جميع هؤلاء من الذين في قدرتهم إدراك ذلك سواء أمن ناحية القابلية العقلية أم من ناحية الوقوف والاطلاع، أم من ناحية القدرة على إعمال الفكر والقياس والنفوذ إلى الحقائق المشاهدة وآثارها والقائمة براهينها في مختلف مظاهر الكون فيدركون من خلال ذلك الحقيقة الإلهية الكبرى ويخشعون لها ويؤمنون بها ويتقونها. ولقد تكرر في القرآن أولا الإشارة إلى العلماء وما يؤهلهم علمهم له من إدراك تلك الحقائق ومشاهد قدرة الله في الكون وحكمة الأمثال التي يضربها الله في القرآن كما ترى في الأمثلة التالية: 1- وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ.. العنكبوت [43] . 2- وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ.. الروم [22] . ولقد تكرر ثانيا جملة آيات لقوم يتفكرون ويعقلون ويسمعون ويتذكرون ويتدبرون ويعلمون في معرض ذكر آيات الله ومشاهد قدرته وإبداعه في الكون.

[سورة فاطر (35) : الآيات 29 إلى 35]

وهذا كثير جدا وتغني كثرته عن التمثيل «1» . حيث ينطوي في كل هذا تساوق مع ما انطوى في سياق الجملة التي نحن في صددها، وتدعيم للتقرير الذي قررناه في مداها، والتلقين الخطير المستمر الذي ينطوي فيها. وهناك أحاديث نبوية صحيحة عديدة فيها تنويه بالعلم وحثّ عليه وتنويه بالعلماء وفضلهم ومسؤولياتهم، يصح أن يساق في هذا المقام، من ذلك حديث رواه البخاري ومسلم عن معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدّين» . وحديث رواه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة جاء فيه «ومن سلك طريقا يلتمس فيها علما سهل الله له طريقا إلى الجنة» وحديث رواه أبو داود والترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها رضاء لطالب العلم. وإنّ العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض. وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإنّ العلماء ورثة الأنبياء. إن الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما وإنما ورّثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظّ وافر» «2» . [سورة فاطر (35) : الآيات 29 الى 35] إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (33) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (35)

_ (1) اقرأ مثلا: آيات الرعد [2 و 3] والنحل [11 و 12] والنمل [59- 65] والروم [21- 25] . (2) انظر التاج ج 1 ص 53- 54 وهناك أحاديث أخرى في هذه الصفحات فاكتفينا بما أوردناه.

(1) لن تبور: لن تكسد. (2) ظالم لنفسه: جان ومجرم في حق نفسه ومهلكها بإثمه وكفره وعصيانه. (3) مقتصد: كناية عن الذين يكتفون باليسير من الطاعات ولا يجتهدون فيها اجتهادا كبيرا. (4) الحزن: هنا بمعنى خوف العاقبة وشرّ المصير. (5) دار المقامة: دار الإقامة والخلود. (6) نصب ولغوب: النصب بمعنى التعب بفتح النون وضمها. واللغوب بمعنى الإعياء من التعب. عبارة الآيات واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. وهي متصلة بالسياق كما هو المتبادر وصلتها بالآية السابقة لها خاصة واضحة في التناسب بين العلماء وبين الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا، فكأنّما جاءت لتنوّه بالعلماء الذين هم جديرون بخوف الله، وتذكر أعمالهم الناتجة عن ذلك. والآيات قوية نافذة فيما احتوته من تنويه وبشرى، من شأنهما أن يستوليا على النفس ويغمراها بأقوى الاغتباط ويدفعاها إلى التزام الفضائل. ومما يتبادر أن تكون الآيتان الأولى والثانية في صدد وصف الذين استجابوا للدعوة النبوية واستغرقوا في واجباتهم نحو الله. وبهذا يمكن أن يقوى معنى التسلية الذي نبهنا إليه في سياق الآيات السابقة ويتأيد. كذلك فإن في الآية [31] هدفا ملحوظا في التسلية والتثبيت حيث احتوت توكيدا موجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن ما أنزل إليه من الكتاب هو الحق وهو مصدّق لما قبله من كتب منزلة ومتطابق معها. وفي هذا ما يطمئن نفسه ويجعله لا يعبأ بمواقف

تعليق على جملة أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا وتلقينها

المكذبين والجاحدين، ويكل أمرهم إلى الله الذي هو الخبير البصير بعباده، القادر على مقابلتهم بما يستحقون. تعليق على جملة أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا وتلقينها وأكثر المفسرين على أن جملة أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا تعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن جملة ظالِمٌ لِنَفْسِهِ تحتمل أن يكون المقصود بها المنافق أو الذي لم يستجب إلى الدعوة أو الذي اجترح السيئات من المسلمين. وأن جملة مُقْتَصِدٌ تعني الذي لا يجتهد اجتهادا كبيرا في الطاعات والأعمال الصالحة، ويكتفي باليسير منها. وأن جملة سابِقٌ بِالْخَيْراتِ هم أقوياء الإيمان المجتهدون اجتهادا كبيرا في الطاعات والأعمال الصالحة. وقال بعض المفسرين إن الطبقات الثلاث هي نفس ما عنتها آيات سورة الواقعة وهي وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (7) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. وأن المقتصدين هم أصحاب الميمنة، الذين هم يدخلون الجنة وتكون درجتهم دون درجة السابقين. وأن أصحاب المشأمة هم الكفار «1» . وروح الآيات تلهم رجحان قول من قال: إن تعبير ظالِمٌ لِنَفْسِهِ يعني المسلمين الذين يجترحون السيئات لأن جملة الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا تشملهم جميعا كما هو المتبادر. ولقد ذكر وَالَّذِينَ كَفَرُوا في الآية [36] التي تأتي بعد هذه الآيات حيث ينطوي في ذلك قرينة على صحة ما قلناه وضرورة استبعاد (الكافرين) بالنسبة لجملة فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ. وهناك أحاديث يرويها المفسرون مؤيدة لهذا أيضا. منها حديث يرويه الطبري بطرقه عن أبي الدرداء قال «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر هذه الآية فيقول فأما السابق بالخيرات فيدخلها بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا. وأما الظالم نفسه فيصيبه في ذلك المكان من الغمّ والحزن فذلك قوله حكاية على

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والطبرسي والخازن.

لسان السابقين الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [34] . وقد روى البغوي هذا الحديث بفرق في آخره وهو «وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهمّ، ثم يدخل الجنة فيقول الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور» . ومنها حديث يرويه الطبري بطرقه عن أبي سعيد الخدري قال: «إن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية فقال هؤلاء كلهم في الجنة» . وحديث يرويه البغوي وابن كثير عن أسامة بن زيد قال: «تلا رسول الله الآية فقال كلهم من هذه الأمة» . وحديث يرويه البغوي عن أبي عثمان النهدي قال: «سمعت عمر بن الخطاب قرأ على المنبر هذه الآية فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سابقنا سابق ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له» . ويلحظ أن مصير الظالم لنفسه ومصير المقتصد ظل مسكوتا عنهما في الآيات. ويتبادر إلى الذهن أن حكمة ذلك قصد تركيز الثناء والتنويه بالسابقين في الخيرات، وإفهام الناس وبخاصة المسلمين أنه لا ينبغي لمسلم أن يكون مقتصدا في القيام بواجباته نحو الله والناس، فضلا عن أنه لا يجوز لمسلم أن يجترح السيئات، وأن الخير كل الخير والفضل كل الفضل في السابقين في الخيرات الذين يجتهدون في القيام بواجباتهم على أحسن وجه وأوسعه وأفضله. وفي هذا ما فيه من تلقين جليل مستمر المدى. على أن في شمول جملة الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا للصنفين الآخرين على ما ذكرنا وذكره غيرنا من المفسرين استلهاما من فحوى الآية يظل الباب مفتوحا لهما، لكيفّ الظالم لنفسه عن سيئاته ويتوب إلى الله تعالى، ويبدل المقتصد خطته، ويبذل الصنفان جهدهما للّحوق بالسابقين. والبشرى والتنويه اللذان انطويا في الآية بالنسبة للسابقين مما يثير في الصنفين ذلك. ولعل ذلك مما استهدفته الجملة القرآنية. وجملة ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا تنطوي على تنويه عظيم بالأمة الإسلامية، وأذان بأنها قد استقر عليها الاصطفاء، وإرث كتاب الله

[سورة فاطر (35) : الآيات 36 إلى 37]

نهائيّا، وأن دينها قد أصبح الدين الحق للناس جميعا، وأن القرآن قد أصبح هو المستقر والمرجع والهادي العام لجميع البشر وقد أيدت هذا آيات عديدة منها آية سورة الفتح هذه هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً [28] ومنها آية سورة النور هذه وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [55] وآيات سورة المائدة هذه يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) وآية سورة المائدة هذه وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ... «1» [48] . وفي كل ذلك ما فيه من تلقين وحضّ وتنبيه وتحميل تبعات جسام، كما هو واضح. [سورة فاطر (35) : الآيات 36 الى 37] وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37) (1) يصطرخون: بمعنى يستغيثون. (2) نعمّركم: نطيل من أعماركم.

_ (1) أوّل المفسرون كلمة المهيمن بالرقيب والشهيد والحاكم والقائم بالأمر.

في هذه الآيات ذكر لمصير الكافرين بالمقابلة لذكر المؤمنين في الآيات السابقة، جريا على الأسلوب القرآني. فهي والحال هذه استمرار للسياق. وفيها قرينة على أن الطبقات الثلاث التي ذكرت في الآيات السابقة هي من المؤمنين. وقد احتوت وصفا لما سوف يكون الكفار فيه من عذاب شديد دائم لا يموتون منه فيستريحون ولا يخفف منه شيء ولما سوف يشعرون به من الندم على ما فرطوا، ويتمنون على الله ويستغيثون به ليخرجهم منها، ويعيدهم ثانية إلى الدنيا ليصلحوا حالهم فيقال لهم: لقد منحتم الفرصة الكافية بطول العمر ودعوة الرسل وإنذارهم فأضعتموها فليس للظالمين أمثالكم من مهرب ولا نصير. والآيات في بابها قوية نافذة كسابقاتها، من شأنها أن تثير الخوف والفزع في النفوس وتحمل السامعين على الارعواء، وهو مما استهدفته على ما هو المتبادر. ولقد وقف المفسرون عند جملة أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وأوردوا بعض الأقوال والأحاديث في مدى ذلك. منها أنها خطاب موجه لكل من بلغ العشرين من عمره أو الأربعين أو الستين. ومن ذلك حديث رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العمر الذي أعذر الله تعالى فيه إلى ابن آدم ستون سنة» . وفي رواية «من عمّره الله ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر» . وفي رواية «لقد أعذر الله إلى صاحب الستين والسبعين» . وعلّل الذين قالوا أربعين سنة بأن عقل الإنسان يصل إلى نهاية نضجه فيها. والأحاديث المعزوة إلى النبي صلى الله عليه وسلم لم ترد في الصحاح. ويتبادر لنا بالنسبة لأسلوب الآية أنها تضمنت معنى التبكيت والتنديد لأن الكفار قد أضاعوا الفرصة التي سنحت لهم في الدنيا ليتذكروا ويرعووا. أما بالنسبة لمسألة العمر الذي يكون فيه الإعذار الرباني ملزما فهو بلوغ الإنسان سنّ الرشد الذي يستطيع فيه التمييز بين الحقّ والباطل والهدى والضلال، وتبلغه معالم ذلك بواسطة رسول من الله أو كتاب رباني وسنة نبوية، ثم لا يتبع الحق والهدى. والله تعالى أعلم.

[سورة فاطر (35) : الآيات 38 إلى 39]

[سورة فاطر (35) : الآيات 38 الى 39] إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (38) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَساراً (39) (1) خلائف: قيل إن الكلمة جمع خليفة وإنها إما بمعنى كون الله جعل آدم وذريته خلفاء في الأرض، كما جاء في آية سورة البقرة [30] وما بعدها. وإما بمعنى أن أمة تخلف أمة وجيلا يخلف جيلا بالتوالي. (2) مقتا: غضبا وسخطا وبعدا. المتبادر أن الآيات جاءت تعقيبية على سابقاتها حيث وجه الخطاب فيها للناس جميعا. فالله يعلم كل سرّ وجهر في السموات والأرض ويعلم كل خطرة من خطرات النفوس ومكنونات الصدور. وجعل السامعين للقرآن خلائف لمن سبقهم من الأجيال مما هو سنة من سنن الكون في جعل البشر خلائف يخلف بعضهم بعضا. فمن كفر منهم فإثم كفره وتبعته عليه وحسب، والكفر إنما يؤدي بصاحبه إلى زيادة من مقت الله وزيادة من الخسران. تعليق على جملة فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ والفصل على هذا استمرار للسياق. وهو قوي نافذ الأسلوب كالفصول التي سبقته. وهو من الفصول الصريحة في تقرير كون الإنسان إنما يكفر باختياره، وإن ما يصيبه من شرّ وخسارة ومقت إنما هو بسبب اختياره الكفر ونتيجة له، واختيار الكافر الكفر واختيار المؤمن الإيمان إنما يقعان بما أودعه الله في الإنسان من العقل وقوة التمييز بين الكفر والإيمان، والإقدار على اختيار أحدهما. وبهذا يصبح الجدل الكلامي في أثر إرادة الله تعالى ومشيئته في مفردات أعمال الناس وعدمه في غير محله، فإرادة الله وحكمته اقتضتا أن يكون الإنسان قادرا على التمييز والاختيار

[سورة فاطر (35) : الآيات 40 إلى 41]

بصورة عامة، فاختياره للهدى والضلال والخير والشرّ والحقّ والباطل هو من كسبه ونتيجة للحكمة والإرادة الربانية، وإذا كان هناك آيات يمكن أن تورد على هذا الرأي أو ذاك فالحق هو تأويلها في نطاق ما نقرره لأنه هو المتسق مع روح القرآن عامة ومع حكمة إرسال الرسل وتبشير المؤمنين وإثابتهم، وإنذار الكافرين والمجرمين وتعذيبهم ولا يصح أن يستنبط من القرآن ما يكون متناقضا. والمتدبر في القرآن يرى أنه ما من آية قد تثير إشكالا وجدلا إلّا يمكن أن يوجد لها تأويل في آية أخرى يزيل ذلك الإشكال ويجعل مبادئ القرآن وتقريراته متساوقة. [سورة فاطر (35) : الآيات 40 الى 41] قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً (40) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (41) . (1) إن يعد: بمعنى لا يعد. (2) أن تزولا: لئلا تزولا وتسقطا. (3) ولئن زالتا: بمعنى ولو زالتا. (4) إن أمسكهما: بمعنى لا يمسكهما. في الآية الأولى أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بسؤال المشركين عما خلقه شركاؤهم من الأرض، وعن أي شيء لهم شركة في السموات، وعما إذا كان لديهم كتاب منزل من الله فيه دليل على صحة ما هم عليه من دين وعقائد يجعلهم على ثقة وبينة من أمرهم. ثم تنتهي بتقرير أن كل ما هم عليه وكل ما يقوله بعضهم لبعض ليس إلّا كذبا وخداعا وتغريرا. وهذه النهاية بمثابة جواب على السؤال وبيان حقيقة الأمر في حال المشركين. وأسلوب الآية قوي لاذع في تحدي المشركين وإفحامهم وتسفيههم وتقرير الواقع من أمرهم.

تلقين جملة إنه كان حليما غفورا في مقامها

أما الآية الثانية فقد قررت أن الله وحده هو الذي يمسك السموات والأرض من الزوال والسقوط والفناء، وحينما يريد ذلك لن يستطيع أحد أن يحول دونه. وإنه مع ذلك يحلم على عباده فلا يعجل عليهم بالنقمة رغما عمّا يصدر منهم من موجباتها، وإنه لغفور تتسع مغفرته لذنوبهم إذا ما استغفروه وتابوا إليه. والمتبادر أن الآية الثانية تتمّة للأولى في صدد ما احتوته من تحدّ للمشركين لتوكيد تصرف الله عز وجل المطلق في السموات والأرض خلقا وإبقاء وزوالا دون ما شريك ولا معارض ولا مانع. ولم يرو المفسرون مناسبة خاصة لهاتين الآيتين اللتين وجه الخطاب في أولاهما إلى المشركين بصيغة الضمير المخاطب مما يسوغ القول إن الأمر بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين وتحديهم كان أسلوبيا لحكاية حال المشركين وتوكيد وهن موقفهم، وليس في صدد موقف حجاجي وجاهي كما قد يوهم الضمير المخاطب. وقد تكرر هذا الأسلوب في مواضع كثيرة من القرآن. والجملة التي جاءت بمثابة جواب في الآية الأولى نفسها قد تدل على ذلك. وقد ورد الضمير فيها بصيغة الغائب. وعلى هذا فإن الآيتين متصلتان بما سبقهما، وبخاصة بالسابقات القريبات التي احتوت وصف سوء مصير الكفار وإنذارهم وما ينالهم من مقت وخسارة من جرّاء كفرهم. تلقين جملة إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً في مقامها ولقد احتوت الفقرات الأخيرة من الآية الثانية تلقينا جليلا فيما انطوى في صفتي الحلم والغفران الربانيتين من المعنى العظيم، وبخاصة في مقام ورودهما على ما شرحناه. ولقد تكرر هذا في مناسبات كثيرة وبأساليب متنوعة منها ما سبق ونبهنا إليه مما يؤكد ويؤيد ما شرحناه في سياق سورة البروج من أن منح فرصة الصلاح والإصلاح والإنابة إلى الله تعالى للمذنب والمقصر والجاحد بالتوبة من

[سورة فاطر (35) : الآيات 42 إلى 43]

المبادئ المحكمة التي شغلت حيزا مهمّا في التنزيل القرآني والدعوة الإسلامية. [سورة فاطر (35) : الآيات 42 الى 43] وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (42) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً (43) احتوت الآيات حكاية الأيمان المغلظة التي كان المشركون يحلفونها قبل البعثة النبوية بأنهم لو جاءهم نذير لا تبعوه، ولكانوا به أهدى من الأمم الأخرى، وما كان من أمرهم حينما جاءهم النذير وهو محمد صلى الله عليه وسلم حيث ازدادوا كفرا ونفورا. وذكرت أن سبب الموقف الناكث الذي وقفوه هو استكبارهم عن اتباع النذير الذي جاءهم، ورغبة في معاكسته والكيد له ثم عقبت على ذلك منددة منذرة. فالمكر السيء لن يضر غير أصحابه. وإن الناكثين الماكرين في موقفهم كأنما ينتظرون ويستعجلون سنة الله التي قد خلت في الأولين بإهلاك المكذبين لرسل الله الماكرين بهم مكر السوء وإن سنة الله لن تتبدل معهم ولن تتحول عنهم. ولا يروي المفسرون رواية ما عن مناسبة نزول الآيتين. وهما معطوفتان على ما سبقهما. والمتبادر أن ضمير الغائب فيهما عائد إلى الكافرين والمشركين موضوع الكلام في الآيات السابقة، بحيث يمكن القول إن الآيتين غير منفصلتين عن السياق. وإنهما احتوتا تذكيرا بالأيمان التي كان هؤلاء يحلفونها، وتنديدا بموقفهم الذي وقفوه حينما جاءهم النذير الذي كانوا يتمنون مجيئه. تعليق على جملة وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ وما بعدها في الآيتين [42 و 43] وما يتصل بذلك من صور وملابسات والمتبادر أن جملة إِحْدَى الْأُمَمِ في الآية الأولى هم اليهود والنصارى

على ما تلهمه آيات سورة الأنعام هذه وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا «1» إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (157) . ويفهم من الآية الأولى من آيتي فاطر اللتين نحن في صددهما أن العرب أو الفريق المستنير منهم مكانوا يرون ما عليه اليهود والنصارى من خلاف ونزاع وتشادّ وتكذيب بعض لبعض بل وقتال، فيعجبون من ذلك ويقسمون بأنهم لو جاءهم نذير أو بعث فيهم نبي مثل ما جاء هؤلاء لاتبعوه واهتدوا بهداه وغدوا أهدى من أي منهما. وفي القرآن آيات عديدة تحكي واقع خلاف الطوائف اليهودية والنصرانية وتشادّها وقتالها قبل البعثة الإسلامية وفي أثنائها. من ذلك آية سورة البقرة هذه وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) وآية سورة البقرة هذه تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (253) ومنها آية آل عمران هذه: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (19) ومنها آيات سورة المائدة هذه: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُ

_ (1) لئلا تقولوا.

الْمُحْسِنِينَ «1» (13) وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (14) . وليس من ريب في أن العرب أو فريقا منهم من أهل بيئة النبي صلى الله عليه وسلم وعصره وفي ظرف بعثته كانوا يعرفون ما حكته الآيات عن حالة اليهود والنصارى. لأنهم كانوا على صلة وثيقة بهم من حيث كان منهم جماعات في مكة والمدينة. وكانوا يلتقون بكثير منهم أيضا في بلاد الشام والعراق ومصر واليمن التي كانوا يصلون إليها في رحلاتهم الصيفية والشتوية. وأن ذلك كان يثير في أنفسهم العجب. وهذا ما يفسره ما حكته آيات الأنعام التي أوردناها آنفا والتي تتضمن ما كان من اعتذارهم من أن الكتب السماوية المنزلة على طائفتين من قبلهم أي اليهود والنصارى كانت بلغة غير لغتهم، فلم يتسن لهم دراستها. ومن أنهم لو أنزل عليهم كتاب بلغتهم لكانوا أهدى منهم. وما حكته آية فاطر التي نحن في صددها من حلفهم الأيمان المؤكدة بأنهم لو جاءهم نذير منهم ليكونن أهدى منهم بأسلوب فيه معنى التعجب والانتقاد. وواضح أن هذا يدل على أن فريقا من مستكبري العرب قد وصلوا إلى طور شعروا فيه بأن ما عليه العرب من عقائد وتقاليد دينية باطل وضلال فأنفوا منها ونزّهوا أنفسهم عنها، وأنفوا من النصرانية واليهودية لما كان عليه أهلهما من نزاع وخلاف وتهاتر وقتال وشيع وأحزاب، فأدّاهم ذلك إلى ما حكته الآيات عنهم. وهناك روايات عديدة تذكر أسماء عدد غير يسير من هؤلاء المستنيرين وأنفتهم من عقائد وتقاليد قومهم وانصرافهم عنها، وتنصّر بعضهم وتهوّد بعضهم وأنفة بعضهم عن التهود والتنصر أيضا، وبحثهم عن ملة إبراهيم الحنيفية التوحيدية الخالصة وادعاء بعضهم أنهم عليها «2» . كما أن هناك روايات تفيد أن اليهود كانوا

_ (1) هذه الآية في حق اليهود كما تدل عليه الآية التي قبلها. (2) انظر كتابنا عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة ص 396- 434. [.....]

يذكرون للعرب أن نبيا عربيا سيبعث وكتابا عربيا سينزل وأنهم سيكونون حزبه «1» ، مما انطوى على ذلك قرينة قوية في آية سورة البقرة هذه وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (89) وهذه وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) «2» بل ومما انطوى على ذلك قرينة قوية في آية سورة الأعراف هذه الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) التي يمكن أن تلهم أن اليهود والنصارى معا في الحجاز ومكة كانوا يتحدثون عن نبي عربي أمّيّ يبعث، ويذكرون صفاته التي يجدونها في التوراة والإنجيل، فكان العرب أو الفريق المستنير منهم ينتظرون تحقق ذلك ويقسمون بأنهم سيكونون حينئذ أهدى به من النصارى واليهود. والآيات التي تذكر إيمان من آمن من اليهود والنصارى وفرحهم بما نزل من القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم وشهادتهم بأنه منزل بالحق من الله تعالى وكونهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، والتي أوردناها في سياق تفسير آية سورة الأعراف المذكورة آنفا مما يدعم ذلك. وبذلك كله استحكمت حجة آيات سورتي فاطر والأنعام الدامغة القوية على كفار العرب وبخاصة الفريق المستنير الذي كان يقود حركة الصدّ والمناوأة للنبي صلى الله عليه وسلم ودعوته لأن ما كانوا ينتظرونه ويتمنونه قد تحقق، وحقّ عليهم التنديد القوي الذي احتوته لأنهم نكثوا أيمانهم وخالفوا أقوالهم ووقفوا مواقف الظلم والبغي.

_ (1) المصدر السابق نفسه. (2) انظر تفسير الآيتين أيضا في الطبري وابن كثير ورشيد رضا وغيرهم حيث روى المفسرون في سياقهما روايات تطابق ما ذكرناه.

سبب وقوف زعماء قريش موقف المعاداة والتكذيب، مع أنهم كانوا يتمنون بعثة نبي منهم بكتاب بلغتهم

سبب وقوف زعماء قريش موقف المعاداة والتكذيب، مع أنهم كانوا يتمنون بعثة نبي منهم بكتاب بلغتهم والآية الثانية من آيتي سورة فاطر التي نحن في صددها تتضمن السبب الذي حدا إلى نكث من نكث أيمانه من هذا الفريق، حينما تحقق ما انتظروا وبعث النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب عربي مبين وهو الاستكبار عن شخص النبي صلى الله عليه وسلم المبعوث فيهم الذي أداهم إلى الوقوف منه موقف التصامم والمناوأة والكيد والبغي والمكر السيء. والمتبادر أنهم من طبقة الزعماء والأغنياء، وفي ذلك الظرف قلّ أن ينبه نابه من غير هذه الطبقة، فأنفوا أن يتبعوا النبي الذي لم يكن من طبقتهم. ولعل منهم من حسد النبي صلى الله عليه وسلم لاختصاصه دونهم بالرسالة، فأعمى الهوى بصيرته، وكان مثله كمثل الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، على ما جاء في آية سورة الأعراف [175] التي روى المفسرون في سياقها اسمين من أسماء نابهي العرب الذين كبر عليهم اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم من دونهم، وهما أمية بن الصلت وأبو عامر الراهب على ما شرحناه في سياق الآية المذكورة. وفي آيات سورة ص هذه وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (6) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ (7) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (8) . وفي سورة الزخرف آية من هذا الباب فيها صراحة أكثر بالنسبة للموضوع وهي هذه وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أي أنهم استغربوا واستكبروا أن يكون النبي الذي ينزل عليه القرآن محمدا صلى الله عليه وسلم الذي لم يكن معدودا من طبقة الزعماء، وقالوا كان ينبغي أن ينزل القرآن على عظيم من عظام مكة أو الطائف. ولقد كان بنو أمية أكثر بروزا من بني هاشم في مكة وكانت لهم قيادة الحرب فحسبوا حساب استعلاء بني هاشم عليهم إذا نجحت دعوة النبي الهاشمي فحفزهم ذلك إلى مناوأته. ولقد أثر عن عمرو بن هشام المخزومي الذي يكنى في الإسلام

بأبي جهل أن مثل هذا الحساب هو الذي جعله يقف موقف العداء والمناوأة الشديد الذي وقفه «1» . فكل هذا يفسر ما كثرت حكايته في القرآن من مواقف العناد والجدل والمكابرة والتأليب والتكذيب والتحدي والأذى والتهم الباطلة التي وقفها الزعماء والنبهاء الذين لم يكونوا أو لم يكن أكثرهم أغبياء وضعفاء الإدراك على ما تلهمه نصوص القرآن «2» ، وما كثرت حكايته كذلك من الحملات الشديدة التي نزلت فيهم مما لا تكاد تخلو منه سورة مكية، ومما مرّ منه أمثلة كثيرة في السور السابقة، وأوردنا منه كثيرا من سور أخرى في سياق تفسير هذه السور، فنكتفي بذلك دون إيراد نصوص أخرى لأن الأمثلة مبثوثة في مختلف السور القرآنية وبنوع خاص في المكية منها. وفي القرآن إلى هذا آيات تذكر ما كان من أثر تأليب الزعماء للسواد الأعظم ضد النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته حتى جعلوهم ينقبضون عنه مما كان من أسباب حكاية تلك المواقف والحملات. من ذلك آيات سورة سبأ هذه وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ (33) وآيات سورة الأحزاب هذه يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا

_ (1) روى ابن كثير في سياق تفسير الآيات [33- 36] من سورة الأنعام أن أبا جهل قال: «تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا وحملوا فحملنا. وأعطوا فأعطينا. حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا منّا نبي يأتيه الوحي من السماء. فمتى ندرك هذا. والله لا نؤمن به ولا نصدقه» . (2) اقرأ الباب الثالث في حياة العرب العقلية في كتابنا عصر النبي عليه السلام وبيئته قبل البعثة ص 237- 316 .

تعليق على ما حكاه القرآن من استعجال المشركين العذاب الموعود

الرَّسُولَا (66) وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) . ولقد كانت هذه المواقف الاستكبارية الناكثة الماكرة المؤذية المعجزة المتحدية المكابرة مما يحزّ في نفس النبي صلى الله عليه وسلم ويثير فيه الألم والحسرات فاقتضت حكمة التنزيل أن تتوالى الآيات التي تضمنت تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتطمينه والتهوين عليه مما مرّ منه أمثله كثيرة في هذه السورة وما قبلها. تعليق على ما حكاه القرآن من استعجال المشركين العذاب الموعود وممّا تلهمه الآية الثانية التي نحن في صددها أي الآية [43] من سورة فاطر أن المشركين كانوا يتحدون النبي صلى الله عليه وسلم بإنزال العذاب وتعجيله عليهم بأسلوب المستهر الساخر. فأكدت الآية لهم عدم تبدل سنة الله التي خلت في من قبلهم توكيد يتضمن الإنذار. والآيتان التاليتان تتضمنان تدعيما لهذا التوكيد مما ينطوي فيه صحة الاستلهام. واستعجال الكفار العذاب الموعود بالأسلوب الساخر الجاحد قد حكي عنهم في آيات كثيرة منها آيات الأنبياء هذه وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (36) خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (37) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (38) ومنها آية سورة الحج هذه وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) ومنها آيات سورة العنكبوت هذه وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (53) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (54) يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (55) . تلقين الآيات المستمر ضد المتكبرين عن الحق الماكرين بدعاته هذا، ومع خصوصية الموقف وزمنه فإن ما في الآيات من تنديد بالذين يستكبرون على ما يعلمون أنه الحق ويكابرون فيه ويصدون عنه وينكثون بعهدهم

[سورة فاطر (35) : الآيات 44 إلى 45]

في صدده بباعث الحسد والكبر وقصد المكر والكيد يمكن أن يكون تلقينا مستمر المدى ضد هذه الأخلاق وضد المتصفين بها كما هو المتبادر. [سورة فاطر (35) : الآيات 44 الى 45] أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً (44) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (45) تساءلت الآية الأولى عما إذا كان الكفار لم يطوفوا في الأرض ولم يروا آثار عذاب الله في مساكن الأقوام السابقة، ثم قررت أن أولئك الأقوام كانوا مع ذلك أشد قوة من هؤلاء الكفار فما أعجزوا الله لأنه لا يمكن أن يعجزه شيء في السموات والأرض، وهو العليم المحيط بكل شيء والقادر على كل شيء. أما الآية الثانية فقد قررت سنة من سنن الله تعالى وحكمة من حكمه. فلو أن الله تعالى آخذ الناس بكل شيء كسبوه واجترحوه مؤاخذة عاجلة لما بقي على ظهر الأرض من يدبّ عليها لأن الناس مقصّرون دائما عن القيام بواجباتهم نحوه ولا يفتأون يجترحون ما يستوجب المؤاخذة والعذاب. ولكن الله يمهلهم إلى الآجال المعينة في علمه، فإذا ما جاءت أنزل بهم ما يستحقون، وهو البصير بكل ما يستحقون، لأنه المطلع على كل أمر من أمور عباده. وصلة الآيتين بالسياق وبخاصة بالآيتين السابقتين لهما مباشرة واضحة. وفيهما توكيد وتدعيم لما احتوته الآية السابقة لهما مباشرة على ما نبهنا عليه. والمتبادر أن السؤال الذي بدأت به الآية الأولى استنكاري، وروح الآية تلهم أن المشركين قد طوفوا في مختلف البلاد، ورأوا آثار الأمم السابقة أو بعضها، وعرفوا أن ما حلّ بها كان عذابا ربانيّا بسبب انحرافاتهم وآثامهم وتكذيبهم لرسلهم. وبذلك تستحكم الحجة عليهم. وفي القرآن آيات عديدة تدل على ذلك

حكمة الله المنطوية في جملة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى وتلقينها

منها آية سورة الفرقان هذه وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (40) وآية سورة العنكبوت هذه وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) . حكمة الله المنطوية في جملة وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وتلقينها ولعل مما انطوى في جملة وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى تقرير أن حكمة الله تعالى اقتضت اختبار الناس ومنحهم الفرص التي يختارون فيها ما تدفعهم إليه قابلياتهم ومواهبهم ومداركهم المودعة فيهم من طريق وعمل، وعدم التعجيل في مؤاخذتهم لتكون لهم كذلك الفرصة للصلاح والإصلاح. والآية [37] من السورة احتوت تأييدا لهذا المعنى حيث خاطب الله تعالى الظالمين الذين حكت الآية ما سوف يطلبونه من العودة لإصلاح حالهم بأنهم قد أعطوا الفرصة الكافية، وعمروا العمر الذي يمكن أن يتذكر فيه من أراد أن يتذكر ورغب في الحق والهدى. وفي هذا ما فيه من تدعيم لفكرة كون الصلاح والإصلاح من المبادئ القرآنية المحكمة التي شغلت جزءا مهمّا في القرآن. وقد شرحنا ذلك أيضا في نبذة فكرة التوبة في الإسلام في سياق تفسير سورة البروج.

سورة مريم

سورة مريم في السورة تذكير بمعجزة الله تعالى في ولادة يحيى استطرادا إلى ذكر معجزة ولادة عيسى عليهما السلام، وتسفيه القول ببنوته لله. واستطرادا إلى ذكر بعض الأنبياء والتنويه بهم والدعوة إلى التأسي بهم. وفيها فصول احتوت مواقف وأقوالا للكفار وحملة عليهم وعلى عقائدهم وإنذارا لهم وبيانا لمصيرهم ومصير المؤمنين المتقين بالمقابلة. ويبدو أن السورة قسمان. الأول إلى آخر سلسلة الأنبياء، والثاني من هنا إلى آخر السورة. وكلا القسمين متوازن ومقفى إجمالا مع اختلاف في القافية. وبينهما كذلك شيء من الترابط، وهذا من جهة، ونظم فصول السورة عامة من جهة أخرى يدلان على أنها نزلت متلاحقة حتى تمّت دون فصل. وقد روي أن الآيتين [58 و 71] مدنيتان. واتصالهما بالسياق سبكا وموضوعا يسوّغ الشك في الرواية. وفي السورة آيتان تبدوان معترضتين وتحتويان صورة من صور التنزيل القرآني وهما [64، 65] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة مريم (19) : الآيات 1 الى 15] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (3) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (9) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11) يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (14) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)

(1) ذكر رحمة ربك عبده زكريا: ذكر هنا بمعنى خبر أو بمعنى تذكير. وتأويل الآية هو خبر أو تذكير بما كان من رحمة الله لعبده زكريا. و (عبده) منصوب برحمة التي هي مصدر. (2) نداء خفيّا: دعا ربه سرّا وخفية عن الناس أو في سرّه. (3) وهن العظم: ضعف ورقّ من الكبر. (4) اشتعل الرأس شيبا: كناية عن كثرة الشيب. والاشتعال في الأصل انتشار شعاع النار. (5) لم أكن بدعائك ربّ شقيّا: لم يخب دعائي لك أو لم يكن لي به شقاء وحرمان. (6) الموالي: هنا بمعنى الورثة. وروح الآية تلهم أن المقصود هنا الورثة الذين من غير صلب زكريا وعصبته. (7) عاقر: عقيم. (8) رضيّا: مرضيّا عنه أو رضيّ الخلق. (9) يحيى: تعريب لاسم يوحنا الذي ذكرت أسفار العهد القديم أنه ابن زكريا. والراجح أن تعريب الاسم سابق لنزول القرآن.

تعليق على قصة ولادة يحيى عليه السلام

(10) لم نجعل له من قبل سميّا: لم يسبق أن سمّي أحد بمثل اسمه. (11) عتيّا: حدّا بعيدا. وأصل الكلمة بمعنى اليبس والجفاف والنحول. (12) آية: هنا بمعنى علامة يعلم بها حمل امرأته. (13) ألّا تكلم الناس: أن ينحبس الكلام عنك فلا تستطيعه. (14) المحراب: مكان العبادة. وقد سبق ذكره في سورة ص. (15) أوحى: هنا بمعنى أشار أو أوعز بدون كلام. (16) الحكم: الفهم والحكمة أو النبوة. (17) وحنانا من لدنّا وزكاة: وجعلناه رحمة وتزكية لزكريا أو آتيناه الحنان والرحمة والطهارة. (18) برّا: بارّا. (19) جبارا: طاغيا قاسيا. بدئت السورة بأحرف خمسة متقطعة. وتعددت الأقوال فيها منها أنها رموز لأسماء الله تعالى، وقسم رباني بالأسماء التي ترمز إليها، ومنها أنها للاسترعاء والتنبيه. وهذا ما نرجحه. وقد يكون تعدد الحروف بقصد التنبيه إلى خطورة الموضوع. ومطلع السورة من المطالع القليلة التي بدأت بحروف متقطعة ولم يعقبها ذكر القرآن والكتاب. والسلسلة التي أعقبت الحروف الخمسة احتوت قصة ولادة يحيى بن زكريا عليهما السلام والمعجزة الربانية في هذه الولادة. وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر حينما يستعان بمعاني المفردات والجمل التي قدمناها. وقد تضمنت تنويها بزكريا وبيحيى عليهما السلام وما كان لهما عند الله تعالى من شأن وما نالاه من عنايته وتكريمه، كما تضمنت التنويه بالمعجزة الربانية في ولادة يحيى من أب هرم وأم عاقر. تعليق على قصة ولادة يحيى عليه السلام وبما أن هذه القصة أعقبت بقصة ولادة المسيح عليه السلام الخارقة، كما أن روح الآيات التالية تلهم أن ولادة المسيح هي المقصودة بالذات لتفنيد مزاعم

[سورة مريم (19) : الآيات 16 إلى 36]

النصارى بأبوّة الله عز وجل للمسيح، وتقرير كون ولادته ليست إلّا معجزة ربانية فإنه يصح أن يقال إن ذكر قصة ولادة يحيى قبل قصة ولادة المسيح عليهما السلام هو من قبيل التمهيد والتدليل على أن ولادة المسيح قد سبقت بمعجزة ربانية من نوعها تقريبا، فلا يصح أن ينبني عليها ما قامت عليه العقيدة النصرانية بأبوّة الله للمسيح أو بنوّة المسيح لله بالمعنى الحرفي للأبوة أو البنوّة. والإعجاز الرباني في ولادة يحيى كان معروفا ومسلّما به من قبل النصارى واليهود. وقد ورد بتفصيل مطابق لما ورد في السلسلة في إنجيل لوقا (الإصحاح الأول) كما ورد في الإصحاح نفسه أن ملاك الله ذكّر به مريم حينما بشرها بحلول روح القدس عليها والحبل بعيسى عليه السلام لأنها قالت له: كيف أحبل وأنا لا أعرف رجلا؟ فقال لها: إن إليصابات نسيبتك وزوجة زكريا حبلت أيضا بابن في شيخوختها مع أنها كانت عاقرا وأنه ليس أمر غير ممكن لدى الله. وهكذا جاء التمهيد القرآني محكما ومفحما للنصارى الذين هم موضوع الحديث في ولادة عيسى عليه السلام الوارد في الآيات التالية. ولقد ذكرت ولادة يحيى الإعجازية مرتين أخريين في القرآن. مرة في سورة الأنبياء المكية الآيات [88- 91] . ومرة في سورة آل عمران المدنية الآيات [32- 51] . وكان خبر الحبل بعيسى وولادته الإعجازية يذكر بعد كل من المرتين مثل ما هو في هذه السورة. [سورة مريم (19) : الآيات 16 الى 36] وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (17) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (19) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (21) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (22) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (23) فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (27) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (32) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (36)

(1) انتبذت من أهلها: انفردت أو انعزلت عن مكان أهلها. (2) اتخذت من دونهم حجابا: احتجبت عنهم وتورات بقصد الاعتكاف والتعبد. (3) إن كنت تقيّا: إن كنت ممن يتقون الله. (4) زكيّا: طاهرا، وقال ابن عباس أريد بالكلمة نبيّا. (5) بغيّا: مومسا. (6) وكان أمرا مقضيا: تمّ أمر الله. (7) قصيّا: بعيدا. (8) أجاءها المخاض: ألجأتها أو اضطرتها أوجاع المخاض. (9) سريّا: قيل هو جدول الماء الساري الجاري. وقيل هو الشريف الرفيع،

والمعنى الأول متسق مع ذكر النخلة والرطب والأكل والشرب في الآية التالية حيث تريد الآيات أن تشير إلى معجزة أكرم الله بها مريم وابنها، فأحيا النخلة فحملت رطبا، وأجرى الماء عندها لتأكل وتشرب. (10) تساقط: تتساقط. (11) رطبا جنيّا: تمرا مجنيا صالحا للأكل. (12) نذرت: أوجبت على نفسي. (13) صوما: هنا بمعنى صمتا أو إمساكا عن الكلام والصوم في اللغة هو الامتناع والكفّ عن الشيء. (14) فريّا: شيئا عجيبا وبدعا ومختلقا. (15) يا أخت هرون: كناية عمّا كانت تعرف به مريم من التقوى وتشبيها لها بهارون أخي موسى عليهما السلام الذي كان رئيس كهنة الله. (16) يمترون: يشكون أو يجادلون. في هذه الآيات أمر رباني للنبي صلى الله عليه وسلم بذكر قصة مريم وولادة عيسى عليهما السلام. وعبارتها واضحة حينما يستعان عليها بشرح المفردات المتقدم، ولا تحتاج إلى أداء بياني آخر. وهي معطوفة على سابقاتها حيث يصح أن يقال إنها سلسلة متصلة. وقد احتوت الآيات [34- 36] التي جاءت عقب آيات القصة تقريرا تعقيبيا بأن ما جاء في القصة هو الحق والحقيقة في ولادة عيسى عليه السلام، وشخصيته التي يتمارى الناس فيها ويتجادلون، وبأن الله تعالى منزه عن اتخاذ الأولاد لأن ذلك غير لائق بعظمته وصفة ربوبيته، وبأن قدرته كافية لحصول كل ما يريد بمجرد أن تتعلق إرادته به. وقد وجّه الخطاب في الآية الأخيرة منها إلى مخاطبين سامعين أو قريبين هاتفة بهم بأن الله تعالى هو ربّ الجميع وأن عليهم أن يعبدوه وحده لأن ذلك هو الحق الذي يجب أن يتبعوه والصراط المستقيم الذي يجب أن يسيروا عليه.

تعليق على قصة ولادة عيسى وأهدافها

ولقد قال أكثر المفسرين «1» إن الآية الأخيرة أي الآية [36] استمرار لحكاية كلام عيسى عليه السلام. وهذا محتمل قياسا على مثل ذلك محكي عنه في آيات أخرى مثل آية سورة المائدة هذه لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (72) ومثل آيات سورة الزخرف هذه وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (64) ومع ذلك فمن المحتمل أن تكون الآية خطابا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتوجيهه للسامعين أيضا تعقيبا على قصة مريم وعيسى عليهما والسلام التي أمر بذكرها لهم. وقد ذكر هذا الاحتمال بعض المفسرين أيضا «2» . تعليق على قصة ولادة عيسى وأهدافها ولم نطلع على رواية تذكر سبب نزول هذه الآيات ولا التي قبلها. غير أن بدءها بالأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بذكر مريم وقصة ولادة عيسى عليهما السلام، واحتواء الآية [35] ما يدل على أن قصد إيراد القصة هو تقرير الحق فيما يمتري الناس السامعون فيه، يمكن أن يكون قرينة أو دليلا على نزول الآيات في مناسبة موقف جدلي واقعي بين النبي صلى الله عليه وسلم والعرب، أو بينه وبين النصارى، أو في مجلس كان فيه فريق من هؤلاء وفريق من هؤلاء، أو بناء على سؤال ورد على النبي صلى الله عليه وسلم عن حقيقة أمر عيسى عليه السلام وولادته، وأن حكمة التنزيل اقتضت ذكر قصة ولادة يحيى عليه السلام كتمهيد أو مقدمة تدعيمية. وقد تكرر مثل هذا ولنفس القصد ونفس التدعيم في فصل طويل جاء في سورة آل عمران الآيات [33- 68]

_ (1) انظر تفسيرها في تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والكشاف مثلا. (2) انظر تفسير الآية في مجمع البيان للطبرسي.

روى المفسرون «1» أنه نزل في مناسبة مجلس مناظرة انعقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ووفد من نصارى نجران بعد الهجرة، مما يمكن أن يستأنس به بأن مثل هذا المجلس قد انعقد بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين فريق من النصارى في مكة وأن فصل سورة مريم الذي نحن في صدده قد نزل في صدد ذلك. فآيات سورة مريم وروحها والآيات العديدة الواردة في السور الأخرى في شأن عيسى وولادته وعقيدة النصارى فيه، وموقف العرب من ذلك، تدل على أن عيسى عليه السلام وشخصيته كانا موضع جدل ونقاش وأخذ ورد قبل نزول الآيات. فالعرب كانوا أو كان منهم من ينقدون اختلاف الكتابيين ونزاعهم ويقطعون على أنفسهم العهد أن يكونوا أهدى منهم لو جاءهم نذير، ونزل بلغتهم كتاب على ما حكته آيات سورة فاطر التي سبقت هذه السورة مباشرة. وكانوا أو كان منهم من يرون أن عقيدة النصارى في المسيح قائمة على منطق غير سليم كما حكت ذلك آيات سورة الزخرف هذه: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ (59) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (62) وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (64) واليهود كانوا يرمون مريم بالبهتان ويكفرون بعيسى وينعتونه بالكذب والسحر مما أشارت إليه بعض آيات القرآن مثل آيات سورة النساء هذه: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (156) ومثله آية سورة المائدة هذه: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ

_ (1) انظر تفسير هذه الآيات في تفسير ابن كثير مثلا.

وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110) . وكان النصارى فرقا اشتد بينها الخلاف منهم من كان يعتقد أن عيسى ابن الله، أو أنه أحد أقانيم الله الثلاثة، أو أنه هو الله كما حكت آية سورة النساء هذه يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) ، وآية سورة المائدة هذه لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) ، وآية سورة المائدة أيضا هذه لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (73) . ومنهم من كان يعتقد أن المسيح ذو طبيعتين أو مشيئتين لاهوتية وناسوتية، وأن طبيعته اللاهوتية مساوية لطبيعة الأب الإله وهو والحالة هذه في زعمهم إله كامل وإنسان كامل. وأنه جاء إلى الدنيا بصفته الثانية. وأن ما كان من مقتضيات إنسانيته من ولادة وحياة وأكل وشرب وموت غير متناف مع صفته الأولى. ومنهم من كان يعتقد أن الطبيعتين اللاهوتية والناسوتية امتزجتا فيه فصار ذا طبيعة واحدة، وليس هو متساويا مع الله مساواة كاملة. ومنهم من لم يكن يعتقد أنه ابن الله وإنما هو بشر حلّ فيه روح الله أو روح القدس فغدا بذلك هيكل الله. وإن مريم إنما حبلت ببشر ولا يجوز أن تسمّى أم الله. ومنهم من كان يعتقد أنه إنسان ولد ولادة طبيعية من مريم ويوسف النجار وكان نبيا. ومنهم من كان يعتقد أنه إنسان ولد بمعجزة من مريم العذراء وكان نبيا وأنه كان يبشر بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأنه لم يصلب ولم يقتل ولكن شبّه به،

وهذا ما أشارت إليه بعض آيات القرآن أيضا مثل آية سورة الصف هذه وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ... [6] ، وآية سورة النساء هذه وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ... [157] ومنهم من كان يرفع مريم إلى درجة الألوهية مما أشارت إليه آيات سورة المائدة هذه وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) «1» فأنزل الله الآيات بمناسبة مجلس جدل أو استفسار في شأن المسيح لتضع الأمور في نصابها. فولادة عيسى عليه السلام تمّت بمعجزة وقد سبقت بمعجزة ربانية مقاربة وهي ولادة يحيى عليه السلام من أب هرم وأم عاقر. واليهود والنصارى يعرفون ذلك فلا يقتضي هذا أن يكون عيسى إلها أو جزءا من الإله أو ابنا لله دون يحيى، ولا أن ترمى مريم بالبهتان ولا أن ترفع إلى درجة اللاهوتية. وعيسى والحالة هذه عبد من عباد الله الصالحين ونبي من أنبيائه أرسله الله ليدعو إليه وحده ويحثّ على مكارم الأخلاق ويحذر من سيئاتها. وله من أجل ذلك حقّ التكريم ولأمّه حقّ التنزيه في نطاق عبوديتهما لله. وبهذا تهيىء الآيات الطريق أمام غلاة النصارى للرجوع عن غلوّهم وتفتح الباب لهم وللذين تتقارب عقيدتهم إلى هذه التقريرات ليدخلوا منه إلى الإسلام ويتخلصوا مما هم فيه من شكوك وخلاف ونزاع. وتسدّ على كفار العرب طريق

_ (1) في إنجيل برنابا نصوص كثيرة جدا تتطابق مع ما جاء في القرآن وفي تاريخ سورية للمطران الدبس المجلد 3 والجزء 2 ص 556- 635 والمجلد 4 الجزء 2 ص 80- 90 و 230- 239 و 261- 274 و 376- 416 و 526- 528 نبذ كثيرة عن المقالات التي ظهرت في صدد المسيح وأصحابها منذ القرن الأول إلى القرن السادس الميلادي، احتوت المذاهب التي أشرنا إليها. انظر أيضا رسالة (الشهداء الحميريون) في الوثائق السريانية نشر بطرك السريان في سورية سنة 1966 حيث جاء فيها إشارات إلى معظم هذه الصور عن المسيح وأمه، مما كان يعتقده طوائف النصارى المختلفة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.

الاحتجاج والمماحكة، وتلزم اليهود حدّهم فيما كانوا يرسلونه من مطاعن شنيعة في عيسى وأمه عليهما السلام. ويلفت النظر إلى أن الآيات لم تكتف بوضع الأمور في نصابها الحقّ، وهي تقرر ما تقرره، بل اشتملت على تعقيب تدعيمي في الدعوة إلى الله وحده التي بعث النبي صلى الله عليه وسلم للدعوة إليها سواء أفي الآية الأخيرة من السلسلة أم في ما تلاها من الآيات على ما يأتي شرحه. وهكذا يتسق هدف هذه القصة مع هدف القصص القرآني العام كما هو واضح. ومن الجدير بالذكر أنه بالإضافة إلى التقارب والتطابق بين ما جاء في القرآن وما جاء في إنجيل لوقا من قصة البشارة بيحيى وعيسى ومعجزة ولادتهما على ما أوردناه قبل قليل فإن في هذا الإنجيل والأناجيل الثلاثة الأخرى المتداولة اليوم والمعترف بها من النصارى، والتي كتبت لتكون ترجمة لحياة عيسى عليه السلام، واحتوت أقوالا وأفعالا كثيرة منسوبة إليه، ونصوصا كثيرة جدا متطابقة متقاربة لما حكي عن لسان عيسى عليه السلام، وأفعالا كثيرة منسوبة إليه ونصوصا تتطابق بصراحة لما حكى القرآن عن لسانه. ومن ذلك قوله أن الله هو الذي أرسله وأنه لا يستطيع أن يقول ويفعل شيئا إلا بأمره وأنه ابن البشر وأن الله ربّ السموات والأرض وأنه كان يصلي الله وحده ويأمر الناس أن يصلوا له وحده، ويقدسوه وحده ويطلبوا منه الغفران وحده وأنه كان يقول إن من يؤمن به فإنه في الحقيقة يؤمن بالذي أرسله. وهذا بالإضافة إلى نصوص كثيرة جدا لا تخرج عن مدى ذلك، ومن ذلك ما كان يوجهه إلى الله من نداءات وأدعية واستغاثات إلخ مما يلهم بأن الذين كانوا لا يعتقدون بألوهية المسيح أو ببنوّته لله أو بجزئيته منه أو الذين يعتقدون بناسوتيته أو ببنوّته على ما ذكرناه قبل، إنما كانوا يستندون إلى هذه الأقوال. ومما يجعل فكرة اختصاص المسيح ببنوّة الله أو ما في نطاقها أو في ألوهيته وربوبيته أو جزئيته الإلهية غير قائمة على أساس وثيق. وفي كل هذا ما فيه من إلزام، ومن إبراز كون الغلوّ في أمر عيسى عليه السلام ليس في الكتب المتداولة وإنما في عدم تأويلها تأويلا سليما، وعدم فهمها فهما صحيحا.

نقول هذا ونحن نعرف أن النصارى منذ أن استقرت عقائدهم الحاضرة في المسيح نتيجة لقرارات مجمعية متعاقبة أخذت تنعقد منذ القرن الرابع بعد الميلاد بسبب ما كان من خلاف شديد بين رجال الدين النصراني يؤولون الأقوال المروية عن لسان عيسى عليه السلام مما ذكرناه وما لم نذكره تأويلات متّسقة مع عقائدهم. ولكن التمعن والإنصاف لا يمكن إلا أن يجعل للمدى المستلهم من أقوال عيسى عليه السلام صحته ووجاهته. وإلى هذا فإن في كتب التاريخ المسيحية القديمة ما يفيد أنه كان في أيدي النصارى الأولين الذين كانوا يعتقدون بعقائد متفقة مع هذا المدى أناجيل يستندون إليها أبيدت. وأنهم كانوا يصفون الأناجيل الأخرى بالتحريف والتزوير «1» . وأنه كان في هذه الأناجيل صراحة وتطابق أكثر مع ما جاء القرآن. والدليل القطعي على ذلك ما حكته بعض آيات القرآن المكية والمدنية من إيمان أهل الكتاب وأهل العلم والنصارى ومنهم قسيسون ورهبان بنبوة النبي ورسالته وصدق القرآن وكونه منزلا من الله عز وجل مما أوردناه في سياق تفسير آية سورة الأعراف [157] . وقد جاء في بعضها أنهم آمنوا لأنهم سمعوا من النبي ما عرفوا أنه الحق. ولقد كانت محتويات الأناجيل التي كان النصارى يتداولونها في عصر النبي وما قبله معروفة لدى السامعين العرب أو نبهائهم على الأقل، لأنه كان في مكة جاليات كتابية ونصرانية تتداولها، كما كان الذين يقومون بالرحلات الصيفية والشتوية يتصلون بالكتابيين والنصارى في الأقطار التي كانت النصرانية سائدة فيها مثل بلاد الشام ومصر والعراق واليمن فيعرفونها عن طريقهم أيضا. وهكذا يتسق أسلوب القصة القرآنية مع أسلوب القرآن العام في إيراد ما هو معروف من الأحداث لتكون الحجة أقوى وألزم. وهذا في فصل سورة مريم الذي نحن في صدده أشد قوة حيث تهيب الآيات التعقيبية الأخيرة بالسامعين إلى وجوب

_ (1) انظر المجلد 4 الجزء 2 من كتاب تاريخ سورية للمطران الدبس.

تفهم ما هو معروف ومدون تفهما صحيحا وتأويله تأويلا سليما وتنبههم إلى أن ذلك هو الطريق المستقيم إلى الحق والحقيقة. ومعجزة كلام عيسى عليه السلام في طفولته المبكرة لم ترد في الأناجيل الأربعة المعترف بها. غير أننا نعتقد أنها كانت متداولة مأثورة عند النصارى أو واردة في بعض الأناجيل والقراطيس وغير مجهولة عند العرب أيضا. وليست الأناجيل الأربعة هي كل الأناجيل على ما نبهنا عليه في سياق شرح آية الأعراف [157] . وقد ذكر بعض الباحثين أنها واردة في بعض الأناجيل «1» . والقرآن كان يتلى علنا ويسمعه النصارى ومنهم من آمن فلا يمكن أن يكون ما جاء فيه إلا واقعا حقا عندهم أيضا. وهذا ما يصح أن يقال فيما يمكن أن يكون من خلاف بين ما ذكره القرآن في سياق ولادة عيسى وبين ما هو وارد في الأناجيل المتداولة. ومن ذلك أقوال المسيح لأمه عقب ولادته، وأقواله لبني إسرائيل حينما حملته أمه وقدمت به عليهم، وأقوالهم لها إلخ. ولقد أورد المفسرون بيانات وشروحا في سياق هذه الآيات عن ظروف ولادة عيسى عليه السلام ونشأته وكلامه معزوة إلى علماء السير والأخبار، منها ما هو مطابق لما ورد في الأناجيل المتداولة، ومنها ما ليس متطابقا. وليس في إيرادها طائل في صدد القصة وأهدافها «2» . وفيها قسط غير يسير من التزيّه والتخمين. غير أنها تدل على كثرة ما كان متداولا في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم وعصره وبعده حول هذه القصة.

_ (1) ذكر ذلك فيليب حتّي في كتابه مختصر تاريخ العرب المترجم الى العربية ص 95 وذكره أيضا طاهر التنير في كتابه العقائد الوثنية في الديانة النصرانية ص 141. ومما ذكره هذا اسم إنجيلين هما إنجيل الطفولة وإنجيل ولادة يسوع. وقال إنهما ذكرا خبر كلام عيسى حين ولادته. (2) انظر تفسير الآيات وتفسير مثيلتها في سورة آل عمران في تفسير ابن كثير والطبري والطبرسي والخازن والمنار مثلا.

ولقد احتوى القرآن آيات عديدة مكية ومدنية نوهت بالذين أوتوا العلم والكتاب، وبتصديقهم بالنبي صلى الله عليه وسلم والقرآن واعتناقهم والإسلام وإعلانهم انطباق ما جاء في القرآن على ما عرفوا من الحق أوردناها في سياق تفسير آية سورة الأعراف [157] . وهذا يسوغ القول إن النصارى الذين كانوا في مكة وفي المدينة أو الذين وفدوا على مكة والمدينة من أنحاء أخرى ليستطلعوا خبر النبي صلى الله عليه وسلم ويستمعوا منه ويناظروه قد وجدوا في ما قرره القرآن عن شخصية عيسى عليه السلام تفسيرا معقولا صحيحا متطابقا لما كانوا عليه أو مقاربا، ومنقذا لهم مما هم فيه من بلبلة وخلاف وتشاد، فكان ذلك سببا في استجابتهم للدعوة باندفاع وفرح وخشوع، وتأييدهم لها على ما جاء في الآيات القرآنية. بل إن فيما قيده التاريخ من مسارعة كثير من النصارى في بلاد الشام والعراق ومصر في أدوار الفتح الإسلامي الأولى إلى اعتناق الإسلام عن طيبة خاطر، واستمرار ذلك بدون انقطاع عبر قرون التاريخ الإسلامي، ما يمكن أن يكون قرينة على هذا أيضا. والثابت تاريخا أن غالبية نصارى بلاد الشام ومصر والعراق من اليعقوبيين والنسطوريين الذين كانوا يعتقدون بأن المسيح ذو طبيعة واحدة مزيجة من الناسوتية واللاهوتية، وأنه غير متساو لذلك مع الله الأب. أو أنه إنسان حلّ فيه اللاهوت، فصار هيكلا لله، وأنه لا يجوز بسبب ذلك أن تسمى مريم أمّا لله إلخ. وكانوا موضع اضطهاد ومطاردة من السلطات الرومانية التي كانت صاحبة الحكم وكانت تدين بعقيدة ثنائية الطبيعة في المسيح. فكان التقارب بين ما يقرره القرآن وما يعتقده غالب النصارى في هذه البلاد مما سهل عليهم التحول إلى الإسلام حيث انضوى إليه أكثريتهم الساحقة خلال القرنين الأول والثاني الهجريين «1» . والدليل على أن ذلك تمّ بطيبة خاطر ورغبة وقناعة هو في احتفاظ من أراد

_ (1) انظر كتاب الدعوة إلى الإسلام تأليف أرنولد توماس وترجمة حسن إبراهيم وعبد المجيد عابدين طبعة ثانية ص 63- 153 والصحف التي ذكرناها من المجلدين 3 و 4 من تاريخ سورية للمطران الدبس وكتاب فتح مصر لبتر تعريب فريد أبو حديد ص 384، 385 وتاريخ الجنس العربي للمؤلف الجزء 2 ص 333 وما بعدها والجزء 4 ص 316 وما بعدها.

أن يحتفظ بنصرانيته من أبناء هذه النحلة ثم من أبناء النحلة الأخرى صاحبة عقيدة الطبيعتين، حيث كان لهم ما أرادوا وعاشوا في كتل صغيرة متناثرة هناك وهناك وهنالك عبر القرون العديدة التي كان السلطان الإسلامي فيها قويا وشاملا عملا بالمبدأ القرآني المحكم بأن لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ على ما شرحناه في سياق سورة (الكافرون) . وما يزعم المبشرون والمستشرقون من أنهم أسلموا بالسيف أو هربا من الجزية زيف لم يعد يأخذ به أحد أمام تلك الحقائق. وما ذكره المؤرخون المنصفون من النصارى توكيدا لها. ثم أمام حقيقة كبرى أخرى وهي أن الجزية كانت ضئيلة، وكانت تكاليف الإسلام أكثر منها أضعافا مضاعفة. وفي صدد نعت مريم عليها السلام بصفة (أخت هرون) روى المفسرون عن القرظي وهي من مسلمي اليهود أنها كانت فعلا أخت موسى وهرون «1» . وتصيّد المستشرقون هذه الرواية الإسرائيلية وغمزوا النبي، وكانوا سخفاء في غمزهم. لأن المتبادر أن يكونوا أكثر إدراكا لكون النبي صلى الله عليه وسلم- ونقول هذا من قبيل المساجلة- لا يجهل المسافة بين مريم وهرون عليهما السّلام. وهناك حديث صحيح يضع الأمر في نصاب الحق رواه الترمذي ومسلم جاء فيه «إن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل المغيرة بن شعبة إلى نجران في أمر، فقال له نصاراها كيف يزعم نبيّك أن مريم أخت هارون. فلمّا رجع أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما قالوه فقال له ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمّون بأنبيائهم والصالحين قبلهم» «2» . ونقول أخيرا إن من واجب المسلم الإيمان بما ورد في الآيات من أخبار ووقائع سواء منها المتطابق مع ما في الأناجيل المتداولة وغير المتطابق. والإيمان بأن ما فيها من خوارق للعادة هو في نطاق قدرة الله تعالى. وإيكال ما لم يدركه العقل من ذلك إلى علم الله مع الإيمان بأنه لا بد أن يكون لذكره بالأسلوب الذي ورد به من حكمة. ومن الحكمة الملموحة في ذلك وضع الأمر في شأن عيسى

_ (1) انظر تفسير الطبري والبغوي وابن كثير. (2) التاج ج 4 ص 154. [.....]

عليه السلام في نصابه الحق. وهو أن ولادته هي معجزة ربانية لا تقتضي أن يكون بها إلها أو أن يسمى تسمية إلهية ما. وأنه عبد الله ورسوله أرسله للدعوة إليه وحده وإلى مكارم الأخلاق والأعمال الصالحة والتحذير من الانحراف. وقد انطوى فيما جاء متطابقا بين القرآن وبين ما في أيدي النصارى من أسفار قصد الإفحام والإلزام، وإخراجهم من الانحراف إلى صراط الله المستقيم. أما ما جاء متباينا بين ما في القرآن والأسفار فيكون من جهة النظر الإسلامية تحريفا. والله تعالى أعلم. ونقطة أخرى يحسن الإلمام بها في هذه الخاتمة وهي ما ذكر في القرآن من نفخ الله تعالى في فرج مريم من روحه ومن أن عيسى عليه السلام كلمة الله ألقاها إلى مريم وروح منه، كما جاء في آيات النساء [171] والأنبياء [91] والتحريم [12] . ويتبادر لنا أن هذا تعبير آخر لما جاء في آيات سورة مريم التي نحن في صددها إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (19) وأن العبارات القرآنية من نوع المتشابهات وأنها قد قصدت إلى تقرير كون حبل مريم وهي عذراء بعيسى عليهما السلام هو معجزة ربانية. وعلى المسلم كما قلنا أن يكل تأويل ما لا يدركه عقله إلى ربّه تعالى، ويستشف الحكمة منه وهي ما تبادر لنا ونبهنا عليه، والله تعالى أعلم. ولقد وقف مبشر سمّى نفسه (الأستاذ حداد) عند الآيات [34- 36] والآيات [37- 40] التي بعدها حينما رأى الرويّ السبكي فيها مختلفا عما قبلها وبعدها فقال إنها مقحمة على السياق. ويستفاد من كتبه أنه يقصد بكلمة مقحمة أحيانا أنها مدنية وضعت في السياق المكي فيما بعد. وأحيانا أنها مزيدة بعد النبي لتدعيم الكلام. وموضوع الآيات تكرر في آيات مكية مثل آيات الزخرف [63- 65] التي أوردناها قبل. وهناك آيات عديدة مكية أخرى تنفي الولد عن الله وتدعو إلى عبادة الله وحده. وتنوع الرويّ في السور المكية ليس بدعا. وقد مرّت أمثلة عديدة منه. ومن ذلك مثلا الفصل الأخير في سورة ص. ولو سلّمنا جدلا أنها آيات مدنية

[سورة مريم (19) : الآيات 37 إلى 40]

- وليس هناك أي رواية تذكر ذلك- فمناسبتها مع السياق قائمة. ولا يغير وصفها منه في العهد المدني المدى التعقيبي المراد منها. أما إذا كان قصد المبشر هو أنها مزيدة بعد النبي للتدعيم فهو متهافت وزور معا. ففي القرآن المكي والمدني عشرات من الآيات المتساوقة مع ما في الآيات بما في ذلك الآية [36] سواء أكانت من كلام عيسى عليه السلام أو تقريرا مطلقا التي تنفي عن الله عز وجل الولد وتدعو إلى عبادة الله وحده وتهدي إلى صراطه المستقيم، وتأمر بعد الإقراء في أمر عيسى وكونه كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فكان، وتحكي كلامه بأنه عبد الله ورسوله ودعوته لبني إسرائيل بعبادة الله وحده وتنديده بالمشركين به، وتنصله من دعوى ألوهيته هو وأمه إلخ إلخ فلم يكن من ضرورة والحالة هذه لزيادة هذه الآيات بعد النبي للتدعيم. وهذا فضلا عن أن ذلك قد دعم بما سجلته آيات كثيرة مكية من إيمان النصارى بالنبي والقرآن لما سمعوه وعرفوه من الحق، وكون بعثة النبي هي تحقيق لوعد الله وبشارة عيسى ولما عاينوه من أعلام النبوة. [سورة مريم (19) : الآيات 37 الى 40] فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (38) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (39) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (40) (1) الأحزاب: بمعنى الفرق والشيع والجماعات. (2) أسمع بهم وأبصر: ما أشد سمعهم وبصرهم، حين يأتون إلى الله يوم القيامة. هذه الآيات كما هو المتبادر جاءت معقبة على الآيات السابقة جريا على الأسلوب القرآني في المناسبات المماثلة. وقد احتوت إشارة إلى ما كان من اختلاف الناس شيعا وأحزابا ومذاهب في شأن عيسى عليه السلام، وإنذارا للكافرين المنحرفين عن الحق بمشهد اليوم الأخروي العظيم، وما سوف ينالهم

تعليق على جملة فاختلف الأحزاب من بينهم

فيه وذكرت في معرض التبكيت أن الظالمين الضالين إذا كانوا في ضلال مبين في الدنيا لانصرافهم عن سماع كلمة الحق والانصياع لحجته ورؤية معالمه فسوف يكونون في الآخرة أقوياء السمع والبصر، فيعرفون ذلك الحق معرفة يقينية، ولكنهم يكونون قد فوّتوا على أنفسهم الفرصة في الدنيا. وأمرت النبي صلى الله عليه وسلم بإنذارهم بهول ذلك اليوم الذي سوف يتحسرون فيه على فوات الفرصة وعدم الإيمان وعلى الغفلة التي كانوا مرتكسين فيها، وقررت في النهاية أن الله عز وجل هو الباقي الوارث للأرض ومن عليها، والمتصرف فيها والذي يرجع إليه الناس أولا وآخرا. والتعقيب والإنذار والتبكيت قوي نافذ. وقد استهدف فيما استهدف إثارة الخوف والارعواء في نفوس السامعين كما هو المتبادر. تعليق على جملة فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ وبمناسبة هذه الجملة التي تعني على الأرجح أحزاب أهل الكتاب وشيعهم وبخاصة النصارى نقول إن هذه هي المرة الأولى التي تذكر اختلاف أحزاب أهل الكتاب في صدد عيسى بخاصة وفي الشؤون الدينية بعامة. ثم تكرر ذلك مرارا في السور المكية والمدنية. وقد كان هذا تسجيلا للحقيقة التي كانت قائمة راهنة في زمن نزول القرآن ممتدة إلى ما قبل ذلك والتي كان الأمر يصل فيها إلى الاقتتال على ما سجلته أيضا آية سورة البقرة هذه تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (253) وفي أكثر من مرة سجل القرآن علة الخلاف الذي كان ينشب بينهم وهي كونه نتيجة من نتائج البغي فيما بينهم الذي يعني التعمد في التنافس على المآرب الخاصة ولا يمتّ إلى الحق والحقيقة كما جاء في آيات عديدة منها آيات سورة البقرة [212] وآل عمران [19] ويونس [93] والشورى [14] والجاثية [17] .

[سورة مريم (19) : الآيات 41 إلى 58]

ونعتقد أن ذلك من أسباب ما جعل الكتابيين في مكة ينضوون إلى الإسلام تحت راية القرآن والنبي لأنهم رأوا في ذلك خلاصا مما هم مرتكسون فيه، بالإضافة إلى ما عرفوه من الحق وعاينوه من أعلام النبوة. ولا شك في أن سامعي القرآن من العرب كانوا يعلمون ويرون مصداق ما سجله القرآن. وما حكته عنهم آية سورة فاطر هذه وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ. [42] دليل على ذلك. ولعل الحكمة في ما جاء في صدد ذلك في القرآن تنبيه سامعي القرآن العرب إلى الحقيقة التي يعرفونها حتى لا يتأثروا بمواقف المكابرة والمناوأة التي قد يقفها بعضهم لرسالة النبي والقرآن ويظنوا أن ذلك منهم عن علم وحق أولا، وحتى يتعظ المؤمنون فلا يرتكسوا فيما ارتكس فيه أهل الكتاب من انحراف وشذوذ لمارب لا تمت إلى الحق والحقيقة. ولقد قلنا في سياق شرح الآيات السابقة إن المبشر الذي سمى نفسه (الأستاذ حداد) قال عن هذه الآيات أيضا إنها مقحمة لاختلاف رويها عن ما بعدها وقبلها. وقال إن الاختلاف إنما كان في العهد المدني. وقد فندنا دعوى الإقحام في سياق التعليق على الآيات السابقة ونقول في صدد دعوى الاختلاف في العهد المدني إنه يغالط في الكلام. فالاختلاف المذكور في الآية ليس هو الاختلاف الذي نشب بين النبي وأهل الكتاب وبخاصة اليهود في المدينة وإنما هو الاختلاف الذي كان بين أهل الكتاب ونحلهم فيما بينهم. وكان هذا أمرا مشهورا مشهودا ممتدا إلى ما قبل بعثة النبي. وقد تكررت الإشارة إليه في القرآن المكي كما جاء في آيات سورة يونس [93] والنحل [64 و 124] والمؤمنون [51 و 52] والنمل [76] والسجدة [25] والشورى [14] والزخرف [64 و 65] والجاثية [17] . [سورة مريم (19) : الآيات 41 الى 58] وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (41) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (42) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (43) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (44) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (45) قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (51) وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (52) وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (53) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (54) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (56) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (57) أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (58)

تعليق على سلسلة الأنبياء بعد قصتي يحيى وعيسى عليهما السلام

(1) أراغب أنت عن آلهتي: هل أنت منصرف عن آلهتي ومستغن عنها. (2) مليّا: زمنا طويلا أو بعدا كبيرا. (3) حفيّا: من الحفاوة أي العناية والرعاية والاهتمام والتلطف. (4) وقربناه نجيّا: أدنيناه منّا وناجيناه. (5) إسرائيل: هو اسم ثان ليعقوب عليه السلام. وقد ذكر في الإصحاح (32) من سفر التكوين. (6) اجتبينا: اصطفينا. تعليق على سلسلة الأنبياء بعد قصتي يحيى وعيسى عليهما السلام جاءت هذه السلسلة تعقيبا على الآيات السابقة لها مباشرة التي احتوت حملة على الظالمين والكافرين والمدّعين باتخاذ الله تعالى ولدا، جريا على الأسلوب

القرآني. ويتبادر لنا أنها استهدفت فيما استهدفته سلك عيسى عليه السلام في سلك غيره من الأنبياء الذين كانوا أيضا من قبله مظهر عناية الله ورحمته وحفاوته، بحيث انطوى فيها تقرير بأن عناية الله بعيسى عليه السلام ليست شيئا خاصّا به ولا بدعا. فتكون والحالة هذه متصلة بالسياق السابق. ولقد تكرر الأمر «اذكر» في قصة مريم ثم في قصص السلسلة حيث يكون هذا قرينة على ذلك فضلا عن وحدة النظم. وقد احتوت السلسلة تنويها بإبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون وإسماعيل وإدريس عليهم السلام. وعبارتها واضحة لا تحتاج هي الأخرى إلى أداء آخر. وقد عممت الآية الأخيرة التنويه بحيث شمل المذكورين وغيرهم من أنبياء الله الذين كانوا مظهر هداية الله واصطفائه. وذكرت كيف كانوا إذا تتلى عليهم آيات الله يخرّون ساجدين له، باكين من خشيته، كأنما أرادت أن تقول إن هذا الفناء في الله تعالى والإخلاص له من أسباب ما نالوه من عناية الله وتنويهه وكأنما أرادت أن تقول كذلك إن هذه الدرجة يستطيع أن ينالها عند الله تعالى من يحذون حذو هؤلاء في الفناء والإخلاص، وأن تهيب بالسامعين إلى التأسي بهم. وفي هذا ما فيه من تلقين مستمر المدى. ويلحظ أن كل حلقة في السلسلة قد احتوت إشارة إلى ما كان من إخلاص النبي الذي ذكر فيها الله تعالى. وهذا من دعائم وعلائم الهدف الذي استهدفته السلسلة والذي نبهنا عليه. ولعل في الآية الأخيرة التي جاء فيها جملة وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إشارة إلى الذين هداهم الله واجتباهم فصدّقوا برسالة النبي صلى الله عليه وسلم وساروا على طريقة الأنبياء السابقين وصاروا مثلهم، إذا تليت عليهم آيات الرحمن خرّوا سجدا وبكيّا. وقد سلكتهم في صف أنبياء الله. وفي هذا ما فيه من تطييب قلب وتسكين روع وتشجيع وتثبيت وتنويه كما هو واضح. ويمكن أن يلمح في السلسلة جميعها بالإضافة إلى ما قلناه قصد الإشارة إلى

تعليق على مغزى التفصيل في قصة إبراهيم عليه السلام

أنه إذا كان الكفار يقفون من النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته هذا الموقف ويغفلون عن الحق ويصرون على الضلال فإن لله عبادا صالحين إلى درجة النبوة يعبدونه ويخضعون له ويتفانون في الإخلاص له وينبذون آباءهم وأقوامهم في سبيله، وإذا تتلى عليهم آياته خرّوا ساجدين باكين من خشيته. ولقد ذكر المصحف الذي اعتمدنا عليه أن الآية الأخيرة [58] مدنية. ويلحظ أنها متصلة بالسياق اتصالا تامّا سبكا وموضوعا، وهذا ما يجعلنا نشكّ في الرواية. ويلحظ أن جمع إبراهيم وإسحق ويعقوب في الآيات وانفراد إسماعيل عنهم عليهم السلام جاء أقوى مما جاء في سورة ص. ومع ذلك فإن التعليل الذي خطر لنا لهذا الجمع والانفراد وأوردناه في سياق سورة ص يمكن أن يظل واردا. ولقد روى بعضهم «1» أن إسماعيل المذكور هو غير إسماعيل بن ابراهيم. غير أنه ليس هناك خبر وثيق ما عن نبّى اسمه إسماعيل غير إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. ولذلك نعتقد أنه هو المقصود في الآيات، والله تعالى أعلم. تعليق على مغزى التفصيل في قصة إبراهيم عليه السلام ويلحظ شيء من التفصيل في موقف إبراهيم عليه السلام من أبيه. ومما هو جدير بالذكر في هذه المناسبة أن ما ورد في القرآن- هنا وفي السور الأخرى- من قصص إبراهيم عليه السلام مع أبيه وقومه- وقد تكرر ذلك بأساليب متنوعة في سور عديدة- لم يرد في سفر التكوين المتداول اليوم الذي احتوى إصحاحات عديدة فيها ترجمة حياة إبراهيم وأخباره وأولاده وذريته إلى آخر عهد يعقوب

_ (1) روى هذا المفسر الشيعي الطبرسي عن أبي عبد الله في سياق يبدو عليه التكلف والهوى الحزبي. ومما جاء في الرواية أن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام مات في حياة أبيه. وسفر التكوين المتداول الذي هو أصل المعارف القديمة عن إبراهيم وحياته وذريته يذكر أن إسماعيل عاش بعد أبيه..

تعليق على شخصية إدريس عليه السلام

ويوسف عليهما السلام. ونحن نعتقد أن هذه القصص قد وردت في أسفار وقراطيس كانت متداولة بين أيدي اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وانفقدت. وفي كتب التفسير بيانات كثيرة معزوة إلى علماء الأخبار من أهل القرنين الأول والثاني في صدد ولادة إبراهيم وتوحيده ربه وتمرده على عبادة الأصنام، وما كان بينه وبين أبيه وقومه والملك نمرود من مواقف. ومفارقته لقومه قد يكون فيها بعض الإغراب، ولكنها تدل على أن قصص إبراهيم في نطاق ما جاء في القرآن ومنها ما لم يذكر في سفر التكوين مما كان متداولا في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم وعصره. ولقد ذكرنا في سياق تفسير سورة الأعلى أن العرب أو العدنانيين سكان الحجاز منهم كانوا يتداولون بينهم تقليد نسبتهم بالأبوة إلى إبراهيم عليه السلام وأن ذلك مما أشير إليه إشارة تأييدية في آيات سورة البقرة [124- 129] وآية الحج [78] التي أوردناها في ذلك السياق. فالذي يتبادر لنا أن ما جاء في هذه السلسلة والسور الأخرى من ذلك قد استهدف فيما استهدف لفت نظر السامعين من العرب إلى ما كان من استنكار أبيهم الأكبر من أبيه ما يستنكره النبي صلى الله عليه وسلم من أهله وقومه. والهتاف بهم بأن فخر الانتساب إلى إبراهيم لا يكون في محلّه إلا إذا ساروا على طريقته فنبذوا عبادة الأصنام وتصامموا عن وسوسة الشيطان. تعليق على شخصية إدريس عليه السلام وإدريس عليه السلام يذكر هنا لأول مرة. وقد ذكر مرة ثانية في سورة الأنبياء في آية واحدة مع إسماعيل وذي الكفل عليهما السلام. ولقد تعددت الروايات التي يرويها المفسرون في صدده. من ذلك أنه من أجداد نوح عليه السلام. وأن اسمه أخنوخ. وهذا الاسم ورد في الإصحاح الخامس من سفر التكوين المتداول بصفة جد من أجداد نوح. ولقد جاء عنه في هذا الإصحاح (وعاش أخنوخ خمسمائة وستين سنة. وسلك مع الله. وإن الله أخذه) وقد يكون في هذا ما يفيد أنه كان نبيا وأن الله رفعه. وبعبارة ثانية قد يكون في تطابق مع ما جاء في الآية [57] من سلسلة الآيات. ويكون ذلك مما كان

متداولا في أوساط الكتابيين، ومما كان يعرفه السامعون من العرب أو بعضهم. ومما قاله المفسرون دون عزو إلى مصدر أن أخنوخ سمي إدريسا لكثرة دراسته لكتب الله. وأنه أول من خط بالقلم وأول من خاط الثياب ولبس الثياب المخيطة. وكان الناس قبله يلبسون الجلود. وأنه أول من اتخذ السلاح وقاتل الكفار. وأول من نظر في علم النجوم والحساب، وأنه أنزل عليه ثلاثون صحيفة. ونحن نرجح أن اسم (إدريس) كان الاسم المتداول قبل الإسلام لنبي من الأنبياء. وقد يكون أخنوخ المذكور في سفر التكوين. وقد يكون ما ذكر عنه من كثرة دراسته وعلومه مما كان متداولا عنه. وكلمة (إدريس) كما يبدو عربية الجذر والصيغة وهذا ما قاله اللغوي المشهور ابن منظور في لسان العرب فيكون العرب قبل الإسلام هم الذين أطلقوا الاسم على هذا النبي بسبب ما سمعوا من صفاته. وفي صدد رفعه إلى السماء روى الطبري عن أبي هريرة وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رآه ليلة المعراج في السماء الرابعة. وروى عن ابن عباس أنه رفع إلى السماء السادسة ومات فيها. وعن مجاهد أنه رفع كما رفع عيسى ولم يمت. وقال الطبري تعقيبا على ذلك أن حياته وموته مختلف فيهما. ومع ذلك فالمفسرون يوردون أقوالا أخرى عن معنى جملة وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا منها أن المكان العلي هو في الجنة في اليوم الآخر. ومنها أن الجملة تعني علوّ الرتبة والشأن مطلقا أو في الدنيا. حيث يبدو من القائلين أنهم لم يأخذوا بما روي من أمر رفعه إلى السماء ووجوده فيها. وإلى هذا ففي الطبري في صدد رفعه إلى السماء رواية طويلة مروية عن كعب الأحبار فيها كثير من الخيال والمفارقة. فلم نر طائلا في إيرادها ولا سيما أنها لا تتصل بموضوع السلسلة وهدفها. ومهما يكن من أمر فنبوّة إدريس عليه السلام وكرامته وشفعته عند الله مما هو وارد في القرآن. واسمه مما يدل على أنه كان معروفا قبل الإسلام كنبي من أنبياء الله في أوساط العرب. وأن الهدف من ذكره في سلسلة الأنبياء هو نفس الهدف

[سورة مريم (19) : الآيات 59 إلى 63]

الذي استهدف في إيراد هذه السلسلة والذي شرحناه قبل، وأن الأولى الوقف عند ذلك بدون تزيد ولا تخمين. والله تعالى أعلم. [سورة مريم (19) : الآيات 59 الى 63] فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (60) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (63) (1) يلقون غيا: بعض المؤولين أولوا الجملة بمعنى الخسران والشرّ. وروى بعضهم عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا يذكر أن (غيا) بئر في جهنّم فيه صديد. وهذا الحديث لم يرد في الصحاح «1» . (2) لا يظلمون شيئا: لا يبخسون ولا ينقص من عملهم الصالح شيء حيث يوفون جزاء جميع أعمالهم. (3) بالغيب: هذه الكلمة تكررت في القرآن في مثل هذا المقام وفي مقام التنويه بالمؤمنين الذين يؤمنون بالغيب والذين يخشون ربهم بالغيب. وقال المفسرون إن معناها في مقامها هنا (التي وعدهم الله بها وإخبارا بأمر مغيب عنهم) وإن معناها في المقام الثاني (الذين صدقوا بالأمور المغيبة عنهم التي أخبرهم بها القرآن) وكل هذا وجيه «2» . (4) إنه كان وعده مأتيا: إن وعده آت ونافذ لا ريب فيه. في الآيات إشارة تأنيبية إلى الذين خلفوا النبيين وخالفوا طريقتهم فضلّوا عن طريق الهدى وأضاعوا الصلوات واتبعوا الشهوات. ووعيد رباني لهم بأنهم سوف

_ (1) انظر تفسيرها في الطبري وابن كثير. (2) انظر تفسيرها وتفسير آية البقرة [3] وآية الأنبياء [49] في تفسير الطبري وابن كثير والطبرسي والكشاف.

تعليق على الآية فخلف من بعدهم خلف والآيات الثلاث التالية لها

يلقون سوء عاقبة ضلالهم وانحرافهم وخسرانا وعذابا. وقد استثني الذين يرعوون عن ضلالهم ويتوبون إلى الله فيؤمنون ويعملون العمل الصالح. ووعد هؤلاء بالجنة ووفاء جزاء أعمالهم لهم بدون نقص وبخس ما حيث يجري عليهم رزقهم باستمرار. ولا يسمعون فيها لغوا وكل ما يسمعونه التحية والسلام. وانتهت الآيات بتقرير كون هذه الجنة هي مصير الأتقياء من عباد الله. تعليق على الآية فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ والآيات الثلاث التالية لها روى الطبرسي أن الآية الأخيرة منها نزلت ردا على أحد زعماء المشركين الذي قال لو كانت الجنة التي يذكرها محمد حقا لكانت أولى بي من أولئك الصعاليك الذين آمنوا به. والآية معطوفة على الآيات السابقة لها ومنسجمة معها كل الانسجام. والمتبادر أن الآيات جميعها جاءت معقبة على الآيات السابقة لها وأنها متصلة بها هدفا وموضوعا. وهذا لا ينفي أن يكون صدر من الزعيم المشرك ما روي عنه. ولقد روي عن ابن عباس والسدي أن الآية الأولى عنت اليهود. وروي عن الأوزاعي أنها في حق الذين يؤخرون الصلاة عن مواقيتها أو أن هذا ما تعنيه جملة أَضاعُوا الصَّلاةَ وروي عن مجاهد أنها في حقّ جماعة في آخر الزمان يتركون الصلاة وينزون على بعضهم في الأزقة كالحيوانات «1» . ويتبادر لنا أن هذه الأقوال من قبيل الاجتهاد والتطبيق، وأن روح الآية تلهم أنها عامة الشمول وبسبيل النعي على كل من بدّل وحرّف وانحرف عن طريقة الأنبياء والصالحين من أخلافهم وقصروا في عبادة الله تعالى وأوغلوا في الشهوات وإنذارهم. والاستثناء الوارد في الآية الثانية قرينة على ذلك وهو بسبيل دعوة السامعين إلى الله تعالى، والإهابة بالمنحرفين إلى التوبة والرجوع إلى الله وعمل الصالحات وتشويقهم بأسعد مصير في الآخرة.

_ (1) انظر تفسير ابن عباس رواية الكلبي وتفسير ابن كثير.

ووصف حياة الجنة شيق جدا يبعث الاغتباط في المؤمنين الصالحين ويحفز على الرغبة فيها بالإرعواء والتوبة إلى الله وهو ما استهدفته الآيات فيما استهدفته كما هو المتبادر. وكل ذلك مستمر المدى والتلقين كما هو المتبادر أيضا. ويلفت النظر إلى التلازم بين إضاعة الصلوات واتباع الشهوات. مما يمكن أن يفيد أن اتباع الشهوات هو نتيجة لإهمال عبادة الله وذكره. وقد جاء هذا المعنى بصراحة أكثر في آية سورة العنكبوت هذه اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (45) والتوبة التي ورد بها الاستثناء في الآيات تشمل على ما هو المتبادر من الكافرين والمقصرين في طاعة الله والمتبعين للشهوات معا على ما يفيده فحوى الآية. وفيها تدعيم لمبدأ التوبة المحكم الذي شرحناه ونوهنا به في سياق سورة البروج. ولقد أورد ابن كثير حديثا رواه ابن أبي حاتم والإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله يقول «يكون خلف بعد ستين سنة أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا. ثم يكون خلف يقرأون القرآن لا يعدو تراقيهم. ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن ومنافق وفاجر» وروى عن أبي سعيد معقبا على الحديث «المؤمن يؤمن به والمنافق كافر به. والفاجر يأكل به» وأورد كذلك حديثا آخر عن الإمام أحمد عن عقبة بن عامر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إني أخاف على أمتي اثنتين القرآن واللين. أما اللين فيتبعون الزيف والشهوات ويتركون الصلاة وأما القرآن فيتعلمه المنافقون فيجادلون به المؤمنين» . فإن صح الحديثان فليسا تفسيرا للآية الأولى وإنما فيهما نبوءة نبوية بما يمكن أن يظهر من بين المسلمين من فئات تنطبق عليهم. وأنهما استهدفا على ما هو المتبادر التنبيه والتحذير. والله أعلم.

[سورة مريم (19) : الآيات 64 إلى 65]

[سورة مريم (19) : الآيات 64 الى 65] وَما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) (1) هل تعلم له سميّا: السؤال إنكاري يتضمن النفي حيث يسأل السامع سؤال من يعرف أن جوابه بالنفي عما إذا كان يعلم أو يستطيع أن يذكر مماثلا ونظيرا له بالاسم والقدرة والعظمة والربوبية الشاملة. تبدو هاتان الآيتان معترضتين في السياق. وكأنهما لا ارتباط بينهما وبين ما سبقهما وما لحقهما. ومن جهة أخرى فإن صيغتهما صيغة خطاب موجه للنبي صلى الله عليه وسلم من غير الله كأن أشخاصا غير الله يخاطبونه. وعبارتهما واضحة. وهما في صدد تقرير انحصار الأمر والعلم والتصرف في كل شيء في الله تعالى ربّ السموات والأرض وما بينهما الذي لا مثيل له ولا نظير في عظمته وقدرته وربوبيته الشاملة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم في ثانيتهما بالثبات في عبادته والخضوع له. تعليق على آية وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لقد تعددت الأحاديث والروايات التي يرويها المفسرون في صدد هذه الآيات «1» منها حديث عن ابن عباس رواه البخاري والترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل «ما يمنعك أن تزورنا أكثر ممّا تزورنا فنزلت» ومنها حديث عن مجاهد جاء فيه «إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل لقد رثت عليّ حتّى ظنّ المشركون كلّ ظنّ. فنزلت» وحديث عن قتادة جاء فيه «إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل حينما جاء بعد انحباس ما جئت حتّى اشتقت إليك فنزلت» . ومما رواه المفسرون أن احتباس جبريل كان ثنتي

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والخازن والطبرسي والكشاف.

عشرة ليلة وفي رواية خمسا وأربعين. كما رووا أن الاحتباس كان عند ما سأله الكفار بإيعاز من اليهود عن أصحاب الكهف وذي القرنين وعن الروح فقال النبي لهم غدا أجيبكم ولم يقل إن شاء الله. ومع كل هذه الأحاديث والروايات فكان رواية عن مسلم رواها الطبرسي أن الآيتين حكاية لقول المتقين الذين ذكروا في الآيات السابقة حينما ينزلون منازلهم وباستثناء الحديث الذي يرويه البخاري والترمذي فالأحاديث الأخرى من المراسيل. والعبارة القرآنية لا تتسق فيما يبدو مع القول بأن الآيتين حكاية لأقوال المتقين حينما ينزلون منازلهم في الجنة وهي أكثر اتساقا مع الأحاديث والروايات التي تذكر أنها حكاية لقول جبريل. مع ما يلحظ مع ذلك أن صيغة المتكلم في الآية صيغة جمع في حين أن الأحاديث والروايات تذكر جبريل وحده الذي سأله النبي صلى الله عليه وسلم ونزل عليه بالآية. ولما كان من الحقائق الإيمانية أن جميع ما في القرآن صادر من الله عز وجل وأن الملك الذي يبلغه ليس إلّا واسطة فقد خرّج المفسرون الكلام الصادر ظاهرا عن الملك بصيغة الجمع على أنه تبليغ رباني عن لسان الملك أو الملائكة. ويلحظ أن هناك آيات عديدة يكون فيها الكلام موجها من قبل النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة ولم يسبق بأمر له بقول ذلك كما جاء في آيات سورة هود هذه الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4) وفي آية سورة الأنعام هذه قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) وأن هناك آيات يكون الكلام فيها صادرا في الظاهر عن غير الله كما جاء في آيات سورة الصافات هذه وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (164) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166) وقد خرّجت هذه الآيات بمثل التخريج الذي خرجت به الآيات التي نحن في صددها. ولما كان سرّ الوحي القرآني مما لا تدرك ماهيته فالأولى أن يوقف في هذه

المسألة الإيمانية الغيبية وأمثالها عند ما وقف عنده القرآن من ناحيتها الذاتية وكنهها وأن يقال آمنّا به كل من عند ربّنا. وهذا لا يمنع من القول إن هاتين الآيتين وأمثالهما صورة من صور الوحي القرآني تبدوا أولا في صيغة الجمع وثانيا في حكاية كلام مباشر عن الملائكة حينا وعن النبي صلى الله عليه وسلم حينا. ولعل مما يمكن أن يضاف إلى هذا أن الآيات التي تجمع الروايات على أنها كانت جوابا على تساؤل من النبي صلى الله عليه وسلم قد تكون نزلت بعد نزول الآيات السابقة لها، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتدوينها فور نزولها بعدها ولو لم يكن بينها ارتباط بحيث يصح أن تشبه بآيات سورة القيامة [16- 19] من ناحية فورية النزول والتدوين والمناسبة وعدم الارتباط بما سبقها وبما لحقها على ما شرحناه في سياقها. ومما يرد على البال أن يكون ذكر الأنبياء وما حظوا به من عناية ربانية وذكر مريم وظهور الملك لها كان هو المناسبة القريبة للتساؤل عن كيفية نزول الملائكة بأوامر الله فأوحى بهاتين الآيتين عن لسانهم بعد أن تم سياق الكلام في الآيات السابقة. وإذا صح هذا فإنه يوجد ترابطا بين الآيتين وبين السياق السابق كما هو واضح، وإن كان يتناقض مع الروايات المروية عن سؤاله صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام. على أن الاختلاف في روايات النزول مما يسوغ التوقف في الروايات الواردة من حيث الأصل، والله تعالى أعلم. هذا، ويتراءى لنا فيما احتوته الآيتان من إعلان اعتراف الملائكة بحدودهم إزاء العزة الربانية وتقريرهم بإحاطة الله سبحانه بكل شيء وقدرته على كل شيء وعدم طروء ما يطروأ على البشر من غفلة ونسيان عليه، ونفي أي مشابهة له في الأسماء والصفات والقدرة الشاملة، وتوكيدهم على النبي صلى الله عليه وسلم وجوب التزام عبادته والخضوع له هدف تدعيمي للتقريرات القرآنية والدعوة الربانية في مختلف فصول القرآن في بيئة يتخذ غالب أهلها الملائكة أولياء وأربابا وشركاء قادرين على النفع والضرر. بل لعل الآيتين قد استهدفتا هذا الهدف بصورة رئيسية والله تعالى أعلم.

[سورة مريم (19) : الآيات 66 إلى 72]

[سورة مريم (19) : الآيات 66 الى 72] وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (67) فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (69) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (70) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (72) (1) جثيّا: جاثين على ركبهم كناية عن الخضوع والذل. (2) عتيّا: تمرّدا وتكبرا وعصيانا. (3) صليّا: إصلاء بالنار وإلزاما لها. في الآية الأولى حكاية لتساؤل الإنسان تساؤل المستغرب أو المنكر عما إذا كان حقّا سيبعث حيا بعد موته؟ وفي الثانية ردّ على الجواب بصيغة التساؤل الإنكاري أيضا عما إذا كان هذا المنكر لا يذكر ولا يعترف بأن الله تعالى خلقه من العدم حتى يشك في قدرة الله على إحيائه بعد موته. أما الآيات التالية للآيتين فقد جاءت للاستطراد والتعقيب واحتوت إنذارا ووعيدا للكافرين المكذبين عامة ولأشدهم تمردا وعصيانا بصورة خاصة. فقد أقسم الله بعزته أنه سيحشرهم ومعهم شياطينهم وسيجمعهم حول جهنم أذلّاء صاغرين وأنه سيختص بالعذاب الأشد أشدهم عصيانا لله وتمردهم عليه. ولقد روى الطبرسي بدون ذكر راو أن الإنسان الذي حكت الآية الأولى قوله وردت الآية الثانية عليه هو أبيّ بن خلف أحد زعماء المشركين الأشداء في مناوأة النبي صلى الله عليه وسلم وإنكار البعث. والروايات محتملة، لأنه ليس كل إنسان يقول هذا القول، حتى تؤخذ العبارة على مداها المطلق. والإنذار في الآيات قوي رهيب، ولا سيما للفئات الأشد مناوأة للنبي صلى الله عليه وسلم وتمردا على الله تعالى، ومتناسب مع مواقفهم في معارضة الدعوة إلى الله تعالى وتعطيل رسالة رسوله فضلا عن كفرهم.

والرواية تذكر موقفا للزعيم الكافر ولا تذكر أن الآيات نزلت بسببه. ولا يذكر المفسرون الآخرون مناسبة لنزولها. ويتبادر لنا أنها ليست منفصلة عن السياق السابق. ففي هذا السياق تنديد بالذين أضاعوا الصلوات واتبعوا الشهوات فجاءت هذه الآيات لتذكر موقفا من مواقف هؤلاء الجحودين بالآخرة. على أننا نلحظ من ناحية أخرى أن الآيات الآتية احتوت حكاية بعض أقوال ومواقف الكفار مثلها بحيث يسوغ القول أيضا أن هذه الآيات بداية الشطر الثاني من السورة من حيث إن الشطر الأول تناول ذكر الأنبياء والتعقيب عليه، في حين أن هذه الآيات وما بعدها تناولت أقوال ومواقف كفار العرب والتعقيب عليها. هذا مع التنبه أولا على أننا نرجح أن هذه الآيات وما بعدها لم تنزل منفصلة عن بعضها وفور صدور كل موقف وقول حكتهما عن الكافر وإنما احتوت عرضا لهذه المواقف والأقوال جملة واحدة، لأن وحدة روي الفصول تلهم أنها نزلت متلاحقة. وثانيا: إن قولنا إن الآيات بداية لشطر ثان للسورة لا يعني أن الشطرين منفصلان عن بعضهما أيضا حيث يلمح التساوق بينهما من حيث إن الشطر الأول حكى قصص الأنبياء وأخلافهم والشطر الثاني حكى مواقف الكفار وقصصا متناسبة مع مواقف أولئك الأخلاف. ووحدة الروي إلى هذا جامعة بين الشطرين. ومع أن الإنذار الموجه لهذه الفئة بخاصة ولكفار العرب في زمن النبي بعامة فإن المتبادر أن ما احتوته الآيات من تقرير وتنديد وإنذار هو عام التوجيه مستمر المدى لكل متمرد على الله ورسالة رسوله ومناوئ لها وصادّ عنها وكافر بها. وقد استثني المتقون من المصير الرهيب المنذر به. ومع ما في هذا الاستثناء من تطمين وبشرى للذين استجابوا للدعوة النبوية في زمن النبي فهو كذلك عام مستمر المدى لكل مؤمن متّق. ونقول هنا ما قلناه في مناسبة سابقة إن الآيات تسجل واقع الكفار وزعمائهم حين نزولها. وإن الإنذار الرهيب إنما يظل قائما بالنسبة لمن أصرّ ومات على كفره وتمرده منهم.

تعليق على جملة وإن منكم إلا واردها

واختصاص الذين اتقوا بالنجاة ذو مغزى كبير سواء في تطمين هذه الفئة وبثّ الاغتباط فيها أم في الحث على التقوى التي هي أبرز مظاهر الإيمان. لأنها تجعل المؤمن مراقبا لله في جميع أعماله وتعصمه من الوقوع في الأمم على ما شرحناه في سياق سورة العلق. تعليق على جملة وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها لقد تعددت الأحاديث والروايات والتأويلات في كتب التفسير في صدد هذه الجملة. ففي معنى كلمة (الورود) إنها بمعنى الدخول وإن الضمير في كلمة (واردها) يرجع إلى جهنم. أو إنها بمعنى المرور عليها دون الدخول فيها. وفي مدى جملة وَإِنْ مِنْكُمْ إنها خطاب لجميع الناس أبرارهم وفجارهم. ومؤمنيهم وكافريهم، وقد استدل القائلون بدخول جميع الناس جهنم بالآية [72] آخر الآيات التي نحن في صددها، وبأحاديث نبوية عديدة منها حديث رواه الطبري عن حفصة قالت «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية. قالت فقلت يا رسول الله أليس الله يقول وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها. فقال رسول الله أفلم تسمعيه يقول ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا» وهذا الحديث لم يرد في كتب الصحاح. وهناك أحاديث أخرى يوردها المفسرون من بابه لم ترد كذلك في هذه الكتب. وهناك قولان متناقضان معزوان إلى ابن عباس: واحد مؤيد للقول السابق، وواحد يفيد أن الخطاب في (منكم) للكفار ومنكري البعث. وأن المؤمنين لا يردون النار. وأورد بعض المفسرين اعتراضا على القول الأول بآية سورة الأنبياء هذه إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (101) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (102) وأجابوا على الاعتراض بأن القصد يمكن أن يكون ذلك وهم في الجنة أو يمكن أن يكون القصد من ذلك أن

النار تكون عليهم حينما يردونها بردا وسلاما. وهناك أحاديث عديدة نبوية تفيد أن الناس جميعهم يمرون على صراط فوق جهنّم يهوي فيها من يستحقها وينجو المتقون. من هذه الأحاديث ما لم يرد في كتب الصحاح ومنها الوارد في هذه الكتب. ومما ورد في هذه الكتب حديثان طويلان في الشفاعة، روى واحدا الشيخان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء فيه «ثمّ يضرب الصّراط بين ظهراني جهنّم فأكون أول من يجوز من الرسل بأمّته، ولا يتكلم أحد يومئذ إلا الرسل. وكلام الرسل اللهمّ سلّم اللهمّ سلّم» «1» . وروى ثانيهما مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء فيه «وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبي الصراط يمينا وشمالا فيمرّ أوّلكم كالبرق. ثم كمرّ الريح. ثم كمرّ الطير. وتجري بالرجال أعمالهم، حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا. قال وفي حافتي الصراط كلاليب معلّقة مأمورة تأخذ من أمر الله بأخذه. فمخدوش ناج ومكدوس في النار» «2» . ولقد صوب الطبري تأويل الورود في الآية بالمرور على الصراط فوق النار فيسقط الظالمون وينجو المتقون بناء على هذه الأحاديث. والمستفاد من أحاديث الشفاعة المشار إليها أن الذين في قلوبهم إيمان لا يخلدون في النار إذا ارتكبوا آثاما. فهم يسقطون فيها عن الصراط ليقضوا مدة عذابهم ثم يخرجون إلى الجنة بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ولا يخلد في النار من الساقطين فيها إلا الكفار. ومهما يكن من أمر فالإيمان واجب بما جاء في القرآن وبما صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم من المشاهد الأخروية. مع تكرار القول أنها من المتشابهات التي يجب إيكال تأويلها إلى الله تعالى واستشفاف ما في ذكرها بالأسلوب الوارد من حكمة. والملموح من الآيات والأحاديث أن من هذه الحكمة الترهيب للكفار والآثمين

_ (1) التاج ج 5 ص 342- 350. (2) المصدر نفسه.

[سورة مريم (19) : الآيات 73 إلى 74]

والترغيب للمؤمنين المتقين وحفز الأولين على الارعواء عن كفرهم آثامهم، والآخرين على الاستكثار من الأعمال الصالحة المنجية واجتناب الآثام. ولسنا نرى هذا مانعا من القول بالنسبة للعبارة القرآنية ذاتها إن القول المعزو إلى ابن عباس بأنها خطاب للكفار لا يخلو من وجاهة. قد يؤيدها مجموع الآيات روحا ونصا. ولا سيما أن الآيات الثلاث الأخيرة قد جاءت بمثابة تعقيب استطرادي على الآيتين اللتين تحكيان قول الزعيم المشرك وتردان عليه. والله تعالى أعلم. [سورة مريم (19) : الآيات 73 الى 74] وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً (74) (1) النديّ: مجلس القوم ومجتمعهم. (2) أحسن أثاثا: أحسن متاعا. (3) رئيا: منظرا وهيئة وحالا. في الآية الأولى حكاية لموقف آخر من مواقف الكفار حيث كانوا حينما تتلى عليهم آيات القرآن يبدون استكبارا وزهوا وخيلاء على المسلمين الذين كانت غالبيتهم ضعفاء وفقراء، ويسألونهم سؤال المعتدّ المزهوّ عن الأفضل مركزا، والأحسن حياة ومقاما ومجتمعا من الفريقين. وقد ردت الآية الثانية ردّا إنذاريّا قويّا عليهم فلقد أهلك الله قبلهم كثيرا من الأمم والأجيال الذين كانوا أحسن منظرا وأكثر مالا ومتاعا منهم كأنما تريد أن تقول لهم إن الله الذي قدر على هؤلاء هو قادر عليكم وإن ما تتبجحون وتزهون به ليس برادّ عنكم قدر الله وعذابه.

[سورة مريم (19) : الآيات 75 إلى 76]

والصلة ملموحة بين هذه الآيات وسابقاتها في حكاية موقف الكفار وأقوالهم وفي وحدة السبك والروي. ولم نطّلع على رواية تذكر مناسبة نزول هذه الآيات. ونرجح مع ذلك أن الآية الأولى تحكي موقفا تجادل فيه بعض الكفار مع بعض المسلمين، فقال الكفار ما حكته الآية على سبيل التفاخر والتبجح وردت الثانية عليهم بردها القوي. وواضح من هذا أن الكفار والمؤمنين في مكة كانوا يختلطون وكان يقع بينهم نتيجة لذلك مشادّات ومناظرات ومماحكات ومفاخرات متنوعة مما حكته آيات عديدة أخرى. [سورة مريم (19) : الآيات 75 الى 76] قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً (75) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76) (1) فليمدد له الرحمن مدّا: فليتمتع في الحياة ما شاء الرحمن له أن يتمتع. (2) مردّا: عاقبة. الآيات استمرار للسياق كما هو المتبادر. والمتبادر كذلك أن الآية الأولى احتوت ردّا آخر على تبجح الكفار المحكي عنهم في الآيات السابقة وتحديا حيث أمرت النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم على سبيل التحدي: ليمدد الله تعالى من كان منا ومنكم في الضلالة وليجعله يتمتع بما شاء له أن يتمتع، وحينما يحل وقت تحقيق وعيد الله للضالين بالعذاب الدنيوي أو الأخروي سيرون من هو شرّ مكانا ومنزلة ومن هو أضعف جندا وناصرا. وقد تكرر هذا المعنى في آيات عديدة منها آيات سورة سبأ هذه قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24) قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25)

تعليق على جملة والباقيات الصالحات

قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26) . وواضح من روح الآية أنه انطوى في التحدي يقين بأن الكفار هم الضالون الذين سوف يكونون شرّا مكانا وأضعف جندا، وأن هذا هو ما أشعرهم به التحدي حيث ينطوي في ذلك تنديد وإنذار لاذعان. أما الآية الثانية فهي تعقيب على الأولى وتوكيد لما انطوى فيها. فالكفار هم الذين ارتكسوا في الضلالة، دون المؤمنين الذين يكونون موضع رحمة الله فيزدادون بإيمانهم بآيات الله المتجددة وبأعمالهم الصالحة المتجددة هدى على هدى. وقد انطوت الفقرة الأخيرة منها على تحريض قوي على صالح الأعمال بأسلوب مطلق، كأنما تهتف بالناس جميعهم أن كل شيء إلى زوال إلا العمل الصالح، فهو الباقي كل البقاء النافع كل النفع. وفي هذا ما فيه من نداء وتلقين مستمري المدى. تعليق على جملة وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ ولقد روى المفسرون عن أهل التأويل من أصحاب رسول الله وتابعيهم أقوالا عديدة في مدى هذه الجملة «1» . منها أنها في معنى الأعمال الصالحة وطاعة الله إطلاقا، ويدخل في ذلك الحج والصلاة والزكاة والجهاد إلخ. ومنها أنها في معنى الصلوات المكتوبة وحسب. ومنها أنها ذكر الله وتسبيحه وحمده. ورووا في صدد القول الأخير أحاديث عديدة منها الوارد في كتب الصحاح ومنها غير الوارد. فمن غير الوارد في هذه الكتب حديث عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «استكثروا من الباقيات الصّالحات. قيل وما هي يا رسول الله قال التّكبير والتّهليل والتّسبيح والحمد ولا قوّة إلّا بالله» ومنها حديث عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إنّ قول لا إله إلّا الله والحمد لله وسبحان الله تحطّ الخطايا كما تحطّ ورق هذه الشّجرة الرّيح. خذهنّ يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهنّ. هنّ

_ (1) انظر تفسيرها وتفسير مثيلتها في سورة الكهف في تفسير الطبري والبغوي وابن كثير والخازن.

[سورة مريم (19) : الآيات 77 إلى 80]

الباقيات الصّالحات، وهنّ من كنوز الجنّة» «1» ومما ورد في كتب الصحاح حديث رواه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي قال «أكثر من قول لا حول ولا قوّة إلّا بالله فإنّها كنز من كنوز الجنّة» «2» وننبه على أن الأحاديث الواردة في كتب الصحاح لا تذكر الصيغ التي وردت فيها أنها الباقيات الصالحات أو هي منها. ومهما يكن من أمر فإن الأسلوب المطلق الذي جاءت به الجملة يسوّغ القول إنها تعني كل عمل صالح مع القول إن تسبيح الله وحده وتكبيره من جملة ذلك. ونقول من جهة أخرى إن المتبادر على ضوء الآيات والأحاديث أن الخطايا التي يمكن أن يكفرها التسبيح والتهليل وذكر الله هي التي تكون من نوع الهفوات واللمم دون الآثام والفواحش والكبائر والبغي. وهناك حديث رواه مسلم عن عثمان بن عفان قال «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلّا كانت كفّارة لما قبلها من الذّنوب ما لم يأت كبيرة» . حيث يصح أن يكون ذلك ضابطا والله أعلم. ويتبادر لنا كذلك أن من الحكمة المنطوية في الأحاديث النبوية جعل المؤمنين يكثرون من ذكر الله تعالى لما يؤدي ذلك إليه من مراقبتهم الله ووقوفهم عند حدود أوامره ونواهيه، وابتغائهم الوسيلة إلى رضائه. وفي ذلك ما فيه من أسباب الخير والفوائد الجليلة، والله تعالى أعلم. [سورة مريم (19) : الآيات 77 الى 80] أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (78) كَلاَّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (79) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً (80) (1) أطلع الغيب: هل اطلع على الغيب وعلم علمه.

_ (1) في كتب التفسير أحاديث أخرى من باب هذه الأحاديث. (2) التاج ج 5 ص 90 وهناك أحاديث أخرى في كتب الصحاح من باب هذا الحديث.

[سورة مريم (19) : الآيات 81 إلى 87]

(2) ونرثه ما يقول: نرث ما له من مال وولد لأنه سيهلك والله هو الباقي. في الآيات صورة لموقف لأحد الكفار حيث قال بصيغة التأكيد إنه سيكون له المال والولد. فردت عليه متسائلة تساؤلا استنكاريّا عما إذا كان اطلع على الغيب أم أخذ من الله عهدا حتى يقول ما يقول ثم هتفت مكذّبة قوله بقوة وحسم، وقررت أن الله سيسجل عليه قوله ويجعل عذابه ممدودا غير منقطع. وسيهلك دون ماله وولده ويبقى الله تعالى. وسيأتي إليه يوم القيامة فردا مجردا من كل شيء. ولقد روى الشيخان والترمذي حديثا جاء فيه «قال خبّاب كنت قينا بمكة- أي حدّاد أو صانع سيوف- فعملت للعاص بن وائل سيفا فجئت أتقاضاه فقال لا أعطيك حتى تكفر بمحمد فقلت والله لا أكفر حتى يميتك الله ثم يبعثك. قال فذرني حتى أموت ثم أبعث فسوف أوتى مالا وولدا فأقضيك فنزلت الآيات» «1» . والذي يتبادر لنا أن الآيات فصل مماثل للفصول السابقة. واستمرار للسياق بسبيل حكاية مواقف الكفار وأقوالهم والتنديد بهم والرد عليهم. ويجوز أن يكون الحادث المروي قد وقع قبل نزولها فشاءت حكمة التنزيل أن يشار إليه، وقد جاء التنديد قويّا مترافقا بإنذار شديد متناسب مع القول المنسوب إلى الكافر، وجاء بأسلوب مطلق ليكون التنديد والإنذار مستمري التوجيه إلى كل جاحد متمرد على ما هو المتبادر. [سورة مريم (19) : الآيات 81 الى 87] وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (86) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (87)

_ (1) التاج ج 4 ص 156 وفي تفسير الطبري أحاديث أخرى من باب هذا الحديث بعضها يذكر العاص وبعضها يذكر رجالا من المشركين بدون أسماء.

(1) ضدّا: عدوا وشرّا وبلاء أو خلافا وعونا عليهم. (2) أزّا: الأزّ هو الإزعاج والهزّ أو الإغراء بشدة. والكلمة في الآية بمعنى أن الشياطين يجرّون الكفار إليهم جرّا ويحركونهم أو يسيّرونهم أو يغرونهم بشدة ليسقطوهم في الشرك والضلال. (3) إنما نعدّ لهم عدا: بمعنى إنما نمهلهم ونحصي عليهم أعمالهم. (4) وفدا: أوّلها المؤولون بمعنى ركبانا. والمتبادر أن القصد من التعبير هو أنهم يأتون إلى الله مكرمين كما تكون الوفود التي تفد على الملوك فتحاط بالعناية والترحيب. في الآيات تقريع وتبكيت للكافرين وإنذار لهم وخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم بسبيل التثبيت والتطمين: فلقد اتخذ الكفار آلهة غير الله للانتصار والاعتزاز بهم ولكنهم سوف يتنصلون منهم وينكرون عبادتهم ويقفون منهم موقف الضد والعداء والخلاف والخذلان. ولقد كان من أمرهم أن اختاروا الكفر على الإيمان والشرك على التوحيد، فتركهم الله للشياطين يجرونهم بقوة إلى الارتكاس فيما يزينونه لهم من طرق الغواية والضلال. وليس من موجب للاستعجال في أمرهم فإذا كان الله تعالى لا يعجل بعذابهم فليس ذلك عن إهمال وإنما هو إمهال يحصي خلاله عليهم أنفاسهم وأعمالهم ليحاسبهم عليها في اليوم الذي يفد فيه المتقون على الله تعالى محاطين بالرعاية والتكريم بينما يساق المجرمون فيه إلى جهنم عطاشا متعبين، وتكون لهم المقام الذي ينزلون والمنهل الذي يردون ولن تنفع الشفاعة يومئذ، إلّا الذين عاهدوا الله من قبل على الإيمان والخضوع ووفوا بعهده. والآيات غير منقطعة عن السياق السابق كما هو المتبادر، وإنما فيها انتقال من الخاص إلى العام. فالفصول السابقة حكت مواقف وأقوالا خاصة للكفار فأتبعت بهذه

تعليق على الآية ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا (83)

الآيات وما بعدها استطرادا إلى موقفهم الأصلي الذي تفرعت عنه تلك المواقف والأقوال. وفحوى الآيتين [81 و 82] يدل على أن المقصود من الآلهة هم الملائكة الذين كان العرب يشركونهم مع الله ويتخذونهم شفعاء فيكونون يوم القيامة ضدهم وخاذلين لهم. وقد جاء هذا بصراحة في آيات سورة الفرقان [17- 19] التي سبق تفسيرها. ولقد أورد الزمخشري في صدد (العهد) الذي يتخذه الإنسان عند الله الوارد في الآية [87] حديثا عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه صيغة دعاء وعهد يقطعه العبد لربّه بالطاعة والعبادة وطلب الرحمة، وفيه حثّ للمسلمين على تكرار الصيغة صبحا ومساء. والحديث ليس من الصحاح. والذي يتبادر لنا أن المقصود بالعهد هو كما قلنا في الشرح الإيمان بالله وحده وطاعته ومراقبته والتزام أوامره ونواهيه قولا وفعلا. وليس صيغة يكررها الإنسان ودعاء يدعو به. والله تعالى أعلم. ولقد أورد ابن كثير في صدد وفادة المتقين على الله المذكورة في الآية [85] حديثا عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم يذكر حالات التكريم والعناية التي سوف يلقاها المتقون يوم القيامة عند ما يخرجون من قبورهم متجهين إلى الله ثم إلى الجنة. والحديث ليس من الصحاح. ومعنى التكريم على كل حال ملموح في العبارة القرآنية بالنسبة للمتقين حين وفادتهم على الله تعالى بعد البعث. ومع واجب الإيمان بما جاء في الآيات [85 و 86] من مشهد أخروي في كيفية إحضار كل من المجرمين والمتقين، فالمتبادر أن من مقاصد ذلك بث الاغتباط في نفوس المتقين والخوف في نفوس المجرمين ليثبت الأول على تقواهم ويرعوي الآخرون عن إجرامهم. تعليق على الآية أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) وقد أوّلنا الآية [83] بما أوّلنا لأن ذلك هو المتسق مع روح الآيات ومضمونها. وقد قررت آيات سورة ص [82- 85] التي سبق تفسيرها، وآيات

[سورة مريم (19) : الآيات 88 إلى 96]

عديدة أخرى أن الشياطين إنما يتسلطون على الغاوين الذين يستحبون الضلال على الهدى دون المخلصين. وبهذا التأويل يتسق فحوى النصوص القرآنية ولا يبقى محل للتوهم فيها. وهذا التأويل مؤيد بآيات عديدة أوردناها وشرحناها في مناسبات مماثلة. فالله لا يضل إلّا الظالمين والفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض، على ما جاء في آية سورة إبراهيم [27] وآيات سورة البقرة [26، 27] وكثير مثلهما. وفي سورة الزخرف آيات مؤيدة أيضا، ذكر فيها تسليط الله الشيطان على الذين يعشون عن ذكر الله وحسب، وهي هذه وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (39) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (40) . وهذا فضلا عما في الآية من تقريع لاذع للكفار فيه إزالة للتوهّم. فهم إنما يقفون موقفهم بتأثير الشياطين الذين لا يتسلطون إلّا على أمثالهم من فاسدي النية والخلق. وضمير المخاطب في الآية التي نحن في صددها والتالية لها عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم على الأرجح بقصد تثبيته وتطمينه. فإذا كان الكفار يندفعون في طريق الغواية فإنما هم مساقون بيد الشياطين فلا موجب للاغتمام والاستعجال، وعليه أن يوطن النفس على الصبر قليلا، وإذا كان الله لم يعجل بعذابهم فليس ذلك إهمالا وغفلة وإنما هو إمهال. وفي هذا أيضا ينطوي تصويب للشرح الذي شرحناه. [سورة مريم (19) : الآيات 88 الى 96] وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (89) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (91) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (93) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (95) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (96) (1) إدّا: عظيما أو شديدا أو فظيعا أو منكرا. (2) يتفطرن: يتشققن ويتصدعن. (3) تخر: تسقط. (4) ودّا: محبة وبرّا. في الآيات حكاية لعقيدة القائلين باتخاذ الله ولدا وحملة تكذيبية وتقريعية عليهم. فهذا القول منكر شديد تكاد السموات والأرض تنشقّ والجبال تنهدّ من فظاعته. لأن الله أجل وأعظم من أن ينسب إليه هذا النقص. فكل من في السموات والأرض هم عبيده الخاضعون له. قد أحاط بهم إحاطة شاملة. وسيردون عليه يوم القيامة أفرادا مجردين من كل قوة فيقضي فيهم بحكمه القضاء النافذ ويكون للمؤمنين الصالحين عنده البر والرحمة والرعاية. وتعبير «وقالوا» يلهم أن القصد من القائلين هم العرب الذين هم موضوع الكلام في الفصل السابق وما سبقه من فصول. وقد حكت آيات قرآنية عديدة أن العرب كانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله على ما شرحناه في سياق سورة المدثر والنجم والفرقان. وهكذا تكون الآيات استمرارا في السياق السابق وفصلا مماثلا للفصل السابق له مباشرة. ومما ورد على البال أن يكون أريد بهذا الفصل أن يشمل في الحملة النصارى الذين اعتقدوا بنوّة المسيح لله تعالى عودا على بدء السورة حين ختامها بالإضافة إلى العرب. فإذا صح هذا ففيه صورة من صور النظم القرآني.

[سورة مريم (19) : الآيات 97 إلى 98]

هذا، والمتبادر أن الآية الأخيرة بالإضافة إلى ما تضمنته من وعد رباني برعاية الذين آمنوا وعملوا الصالحات قد تضمنت قصد التنويه بهم وبث الاغتباط في نفوسهم ليستمروا ويزدادوا فيما هم عليه. ولقد أورد ابن كثير حديثا أخرجه ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال «قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا أحبّ الله عبدا نادى جبريل إنّي قد أحببت فلانا فأحبّه. فينادي في السّماء ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض. فذلك قول الله عزّ وجلّ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (96) » . والحديث لم يرد في كتب الصحاح «1» . وإذا صح فيكون فيه تطبيق لمدى الآية. ولا يخلّ بالشرح الذي شرحناه آنفا من كونها بسبيل التنويه بالرعاية التي تكون للمؤمنين الصالحين يوم القيامة وبسبيل بثّ الاغتباط في نفوسهم في الدنيا. [سورة مريم (19) : الآيات 97 الى 98] فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (97) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (98) (1) يسرناه بلسانك: الضمير للقرآن ومعنى الجملة جعلناه ميسور الفهم لأننا أنزلناه بلغتك التي هي لغة المخاطبين به وهي العربية كما جاء في آيات عديدة أخرى. (2) لدّا: أشداء في الخصومة والعداء. (3) ركزا: الصوت الخفي. أو الهمس والنأمة. هاتان الآيتان جاءتا معقبتين على السياق السابق جميعه وخاتمة قوية

_ (1) هناك حديث صحيح رواه الشيخان عن أبي هريرة فيه مماثلة لهذا الحديث مع بعض الزيادات. ولكنه لا يربط بين ما جاء فيه وبين الآية كما ربط ذلك حديث ابن أبي حاتم (انظر التاج ج 5 ص 72) .

للسورة. وقد تجمعت في أولاهما أهداف الرسالة المحمدية في تقريرها أن القرآن إنما أنزل بلسان النبي العربي ليكون ميسور الفهم على الذين خوطبوا به لأول مرة وهم العرب، فيبشر الذين آمنوا واتقوا حتى يهنأوا ويطمئنوا، ولينذر الذين اتخذوا الخصومة والعناد والمكابرة ديدنا حتى يرتدعوا ويندمجوا في الرعيل المؤمن الصالح المتقي. وفي الآية على ما يتبادر معنى من معاني التسلية والتطمين للنبي صلى الله عليه وسلم تكرر في آيات كثيرة، وهو أنه ليس مسؤولا عن الناس وهدايتهم وليس عليه إلّا التبشير والإنذار. أما الآية الثانية فقد أريد بها تذكير الكفار بأمثالهم الكثيرين من قبلهم الذين أهلكهم الله فلم يتحرك أحد منهم بحركة ولم ينبعث من أحد منهم صوت، كأنما أرادت الآية أن تقول إن هلاكهم كان شاملا جارفا. وتلهم روح الآية أن هذا لم يكن مجهولا عند السامعين. والآية الأولى دليل من الأدلة القرآنية القاطعة على أن لغة القرآن هي لغة العرب الموجودين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وأنها كانت مألوفة ومفهومة كل الإلفة والفهم من سوادهم الأعظم وهذا هو الذي يتسق مع مهمة الرسول التي تتناول خطاب جميع الطبقات والاتصال بهم.

سورة طه

سورة طه في السورة تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتخفيف عنه. وسلسلة طويلة تحتوي قصة موسى وفرعون وبني إسرائيل وقصة آدم وإبليس في معرض التسلية وضرب المثل والعظة والإنذار. وفيها حكاية لبعض مواقف الكفار وبيان لمصيرهم ومصير المتقين. وفصول السورة مترابطة منسجمة كما أن آياتها متماثلة في التسجيع وأكثر مقاطعها متوازنة مقفاة مما يسوغ القول إنها نزلت فصولا متلاحقة. وفيها آية معترضة تعلّم النبيّ صلى الله عليه وسلم أدب تلقي القرآن. ومشابهة لآيات سورة القيامة [16- 19] . وقد روي أن الآيتين [130- 131] مدنيتان. وانسجامهما مع السياق سبكا وموضوعا يسوّغ الشك في الرواية. وفي فاتحة السورة ما يمكن أن يكون قرينة على صحة نزولها بعد سورة مريم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة طه (20) : الآيات 1 الى 8] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طه (1) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (2) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (3) تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (4) الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (5) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (6) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (7) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (8) (1) لتشقى: لتتعذب وتتعب. (2) الثرى: معنى الكلمة اللغوي التراب النديّ أو المبتلّ. والمتبادر من مقام

تعليق على الآيات الأولى من سورة طه

ورودها أنها بمعنى ما تحت سطح الأرض وأعماقها وباطنها. (3) وأخفى: الكلمة هنا في مقام ذكر كون علم الله تعالى لا يخفى عليه أي شيء مهما خفي واستتر. وقيل إنها حديث النفس الذي يدور في الخاطر. والسر هو الحديث أو الحادث الواقع فعلا في الخفاء. تعددت الأقوال في الحرفين اللذين بدئت بهما السورة كما هو شأن حرفي سورة يس خاصة، وسائر الحروف التي بدئت بهما السور عامة. فقيل إنهما منحوتان عن «يا هذا» أو عن «طأها» أي الأرض حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل الوقوف وهو يصلي حتى ورمت قدماه. وقيل إن معناهما يا رجل لأن «طا» بمعنى رجل في لهجة قبيلة عك أو في النبطية والسريانية. وقيل إنهما قسم رباني أو من أسماء النبي، كما قيل إنهما حروف هجائية مفردة مثل الحروف الأخرى التي بدئت بها السور الأخرى «1» ونحن نرجح أنهما جاءا للتنبيه والاسترعاء لما يأتي بعدهما. وقد وجه الخطاب في الآيات التي تلي الحرفين للنبي صلى الله عليه وسلم، فالله لم ينزل عليه القرآن ليشقى ويضنى وإنما أنزله ليكون تذكرة لمن فيه الاستعداد لخشية الله والرغبة في الإنابة إليه. وقد أنزله عليه الله عز وجل الذي خلق السموات والأرض وما بينهما وما فيهما، والذي له الحكم المطلق في الكون، والمالك لكل شيء والمحيط بكل شيء ظاهرا كان أو خفيّا، سرّا أو علنا، والمتفرد في الألوهية الذي له أحسن الأسماء وأكمل الصفات. تعليق على الآيات الأولى من سورة طه لقد روى المفسرون أن الآيات نزلت بمناسبة ما كان من إجهاد النبي صلى الله عليه وسلم نفسه في العبادة والصلاة والوقوف وقراءة القرآن حتى ورمت قدماه. وليس لهذه الرواية سند وثيق، ونحن نتوقف فيها لأنها لا تنسجم مع روح الآيات بقطع النظر

_ (1) انظر تفسير الآيات في الطبري والبغوي وابن كثير والطبرسي والخازن.

عن حقيقة جهد النبي صلى الله عليه وسلم في عبادة الله واستغراقه فيها مما حكته آية سورة المزّمل الأخيرة. ورووا كذلك أن المشركين قالوا للنبي إن القرآن أوحي إليك لشقائك فأنزل الله الآيات لتكذيبهم. والرواية كذلك ليس لها سند وثيق. ونحن نتوقف فيها. لأن مقتضاها أن يكون المشركون آمنوا بالوحي أو اعترفوا به. ورووا عن قتادة أحد علماء التابعين أن الآية الأولى بسبيل تقرير كون الله تعالى لم ينزل على رسوله القرآن ليشقي به نفسه وإنما أنزله ليكون رحمة ونورا ودليلا إلى الجنة. والذي يتبادر لنا من نصها وروحها أنها نزلت بسبيل تخفيف ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم من جهد وتعب في دعوة الناس وهدايتهم، وما يجده من غمّ وحزن وما يلقاه من عناد ومكابرة وسخرية وتعطيل، فلا ينبغي له أن يحزن ويغتم ويضني نفسه. وليس عليه إلّا التذكير. ويكفي أن ينتفع بالتذكير والدعوة أصحاب الرغبات الصادقة والنيات الحسنة. ويلحظ أن هذا المعنى قد اختتمت به السورة السابقة بعد سلسلة من صور مواقف الكفار وأقوالهم. وبدء هذه السورة به قد يدل على صحة ترتيب نزولها بعد تلك السورة كما قد يدل على أن تلك الصور كانت تثير في نفس النبي صلى الله عليه وسلم أزمات حزن وغمّ وحسرة اقتضت حكمة التنزيل موالاة تسليته وتطمينه فيها. ومما يلحظ أن هذا المعنى قد تكرر في سورة فاطر التي سبقت سورة مريم في النزول. وهذا يعني أن أزمات حزن النبي صلى الله عليه وسلم وحسرته ظلت تتوالى بسبب توالي مواقف الكفار وأقوالهم المثيرة وتصاممهم عن الدعوة إلى الله وحده. وهذه الأزمات التي كانت تتوالى على النبي صلى الله عليه وسلم هي من دون ريب نتيجة لإشفاقه على قومه والرأفة بهم والرغبة الشديدة في هدايتهم والاستغراق التام في الواجب العظيم الذي انتدب إليه، والتفاني فيه وتوطين النفس على كل مكروه في سبيله من أجل خير الناس ونجاتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة. وفي هذا مظهر

[سورة طه (20) : الآيات 9 إلى 23]

من مظاهر الأخلاق الكريمة العظيمة التي تهيأ بها محمد صلى الله عليه وسلم للاصطفاء الرباني، كما فيه القدوة الحسنة التي يجب أن يتخذها المسلمون وبخاصة زعماؤهم وأصحاب الدعوات الإصلاحية فيهم. ولقد علقنا في سياق تفسير سورة الأعراف على تعبير اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ فلا ضرورة للإعادة. وإنما ننبه إلى أن روح الآيات التي جاء فيها هنا تدل دلالة قوية على صواب ما انتهينا إليه إن شاء الله في تعليقاتنا السابقة وهو أن القصد منه تقرير شمول ملك الله لجميع الأكوان وإحاطته بها. [سورة طه (20) : الآيات 9 الى 23] وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (9) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (10) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (15) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (16) وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (17) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (18) قالَ أَلْقِها يا مُوسى (19) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (20) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (23) . (1) آنست نارا: رأيت نارا فاستأنست بها. (2) قبس: شعلة أو جزء من النار. (3) أجد على النار هدى: أجد عندها ما يساعدنا على الاهتداء في طريقنا ورحلتنا.

تعليق على مدى السلسلة القصصية عن رسالة موسى عليه السلام إلى فرعون وما بعد ذلك والحلقة الأولى من هذه السلسلة.

(4) المقدس: المبارك والمطهر. (5) طوى: تعددت الأقوال في هذه الكلمة. وأوجهها عندنا أنها اسم الوادي الذي رأى موسى على حفافيه النار. والمكان قرب جبل حوريب في طور سيناء وقد ذكر ذلك في الإصحاح الثالث من سفر الخروج ثاني أسفار العهد القديم. (6) فلا يصدّنك: فلا يصرفك ولا يلهيك. (7) تردى: إما أنها تتردى ويكون الضمير لموسى، وإما أنها تردّى ويكون الضمير للغائب الذي لا يؤمن بها واتبع هواه، وكلا المعنيين محتمل. (8) أهشّ: أسوق، وأصل الهش ضرب، ورق الشجر ليتساقط. (9) مآرب: جمع مأرب وهو الحاجة. (10) تسعى: تجري أو تمشي بسرعة. (11) سنعيدها سيرتها الأولى: سنرجعها عصا كما كانت. (12) جناحك: جانبك أو جيبك أو تحت عضدك. (13) بيضاء من غير سوء: بيضاء من غير مرض أو برص. تعليق على مدى السلسلة القصصية عن رسالة موسى عليه السلام إلى فرعون وما بعد ذلك والحلقة الأولى من هذه السلسلة. الآيات حلقة من سلسلة قصصية طويلة في رسالة موسى عليه السلام إلى فرعون. وما جرى له معه، وما كان من أمر بني إسرائيل بعد ذلك. وقد احتوت خبر مناداة الله سبحانه لموسى عليه السلام لأول مرة في وادي طوى المقدس، ومعجزتي انقلاب العصا إلى حية، وابيضاض يد موسى اللتين أظهرهما الله به في هذه المناداة. وأراد بذلك أن يريه بعض آياته الكبرى. وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. وحرف العطف الذي يعطف السلسلة على ما قبلها والسؤال الذي بدأت به موجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسوغان القول إن السلسلة جاءت كتعقيب على الآيات السابقة

التي احتوت تسلية وتطمينا للنبي صلى الله عليه وسلم. وقد يكون من حكمة ذلك في مقامها ما احتوته السلسلة من مراحل رسالة موسى إلى فرعون وموقف فرعون، وملأه منها ليكون للنبي في ذلك الأسوة والتسلية. وبذلك يصح القول إن السلسلة كسائر القصص القرآنية لم ترد لذاتها وإنما وردت للتذكير والعبرة وضرب المثل. على أن ما تخلل السلسلة من مواعظ وتلقينات وما أعقبها من تعقيب يربط بينها وبين الرسالة المحمدية ومواقف الكفار منها يجعل السلسلة غير قاصرة على تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وحمله على التأسي بل شاملة ليكون فيها العبرة والعظة وضرب المثل للمؤمنين والكفار معا. ولقد ورد في سورة الأعراف السابقة النزول على هذه السورة سلسلة طويلة مثل هذه السلسلة في قصة رسالة موسى إلى فرعون وما كان من بني إسرائيل. غير أن في سلسلة سورة طه هذه أشياء لم ترد في تلك السلسلة حيث يمكن القول إن حكمة التنزيل التي اقتضت تكرار قصة رسالة موسى إلى فرعون وما كان من بني إسرائيل بعد ذلك لتجدد المناسبة اقتضت أن يكون في هذه السلسلة أشياء لم تكن في تلك حتى تتكامل نواحي القصة وما فيها من مواعظ وعبر. وما ورد في الآيات التي نحن في صددها والتي هي الحلقة الأولى من السلسلة هو مطابق إجمالا لما ورد في الإصحاحين الثالث والرابع من سفر الخروج ثاني أسفار العهد القديم المتداول اليوم باستثناء اسم (طوى) وموضوع (الساعة) فإن ذلك لم يرد فيهما. ونعتقد أن ذلك مما كان متداولا في أوساط اليهود وواردا في بعض أسفارهم وقراطيسهم. ولقد احتوى الإصحاحان المذكوران بيانات أوسع مما جاء في الآيات. ومن جملة ذلك أن المكان الذي رأى فيه موسى عليه السلام وناداه الله تعالى منه هو قرب جبل حوريب في البرية القريبة من مدين. والمتبادر أن ما ورد في الآيات هو ما اقتضت حكمة التنزيل إيراده من ذلك لتحقيق الهدف القرآني الذي هو الموعظة والتذكير دون السرد القصصي.

وهذا القول يطرد في كل ما جاء من قصص موسى وفرعون وبني إسرائيل وأنبيائهم. كما أنه يفسر تكرر هذه القصص وغيرها بأساليب وصيغ متنوعة في سور عديدة. وفي كتب التفسير بيانات على هامش هذه الآيات معزوة إلى بعض أصحاب رسول الله وتابعيهم من عرب ويهود مسلمين. فيها ما هو المتطابع مع ما جاء في الأسفار وما هو غير متطابق. ولم نر طائلا إلى إيرادها لأنها لا تتصل بهدف الآيات المذكورة. وإن كانت تدل على أن ما احتوته الآيات كان متداولا في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم. ويكون في هذا دعما للهدف المذكور كما هو المتبادر. ولقد احتوت الحلقة توكيدا لبعض المبادئ والحقائق القرآنية التي وردت مرارا في السور القرآنية منها في السور التي مر تفسيرها. مثل تقرير وحدة الله عز وجل ووجوب عبادته وحده. وحقيقة قيام الساعة وإخفاء الله لوقتها اختبارا للناس ليسعوا سعيهم فينالوا جزاءهم وفاقا له. ووجوب الإيمان بذلك وعدم الاستماع لوساوس المكذبين لها والمتبعين لأهوائهم لأن ذلك يؤدي إلى الخسران والهلاك. حيث يبدو من ذلك أن الآيات تهدف فيما تهدف إليه إلى إظهار التطابق بين هذه المبادئ والحقائق وبين ما وصّى الله به موسى عليه السلام من مثل ذلك وتوكيد وحدة المصدر الذي صدرت عنه تلك المبادئ والحقائق والوصايا. وقد تكررت الآيات التي هدفت إلى مثل هذا الهدف. ومن ذلك آية سورة الشورى هذه شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) . ونلحظ أن الآيات هنا ذكرت انقلاب العصا إلى حية. في حين أن آيات سورة الأعراف ذكرت انقلابها إلى ثعبان. غير أن هذا الانقلاب كان أمام فرعون. وانقلاب العصا إلى حية كان حين مناداة الله إياه. فالموقفان مختلفان. وقد قال الزمخشري وغيره مع ذلك إن الحية اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير

تعليق على مدى جملة وأقم الصلاة لذكري

والكبير، وإن الثعبان هو ما عظم من الحيّات. وفي هذا توفيق أيضا. تعليق على مدى جملة وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي لقد روى الطبري في سياق هذه الجملة حديثا رواه بطرقه عن أبي هريرة جاء فيه «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسي صلاة فليصلّها لذكرها، قال الله أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي» (1) . والحديث ليس من الصحاح. ولكن هناك حديثا مقاربا له رواه الترمذي «1» . حيث ينطوي في ذلك توضيح لمدى الجملة. مع أن الطبري رجح تأويلا آخر لها وهو أنها بسبيل الأمر بإقامة الصلاة لأنها وسيلة إلى ذكر الله وهو تأويل وجيه. والجملة من جملة ما أمر الله به موسى كما هو واضح. فيكون في الأحاديث تعليم نبوي مستمدّ من الجملة القرآنية. ومثل هذا كثير في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. [سورة طه (20) : الآيات 24 الى 48] اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (24) قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (29) هارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (35) قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (36) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (37) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (44) قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (45) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (46) فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (47) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (48)

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري وابن كثير مثلا. [.....]

تعليق على الحلقة الثانية من سلسلة قصص موسى عليه السلام

(1) احلل عقدة من لساني: قيل كان ثقيل النطق. (2) يفقهوا: يفهموا. (3) أزري: ظهري أو أمري. (4) مننّا: هنا بمعنى أنعمنا وتفضلنا. (5) التابوت: كناية عن القفص أو الصندوق الذي وضع فيه موسى حينما ألقته أمه في البحر. (6) اليمّ: الماء أو البحر أو النهر. (7) لتصنع على عيني: لتنشأ تحت رعايتي وعنايتي. (8) يكفله: يقوم بأوده أو يرضعه. (9) فتناك فتونا: اختبرناك اختبارا أو خلصناك من محنة بعد محنة. (10) ثم جئت على قدر: ثم جئت في الوقت المقدر لمجيئك. (11) اصطنعتك لنفسي: اخترتك أو هيأتك للقيام بالمهمة التي أردتها لك. (12) ولا تنيا: لا تتهاونا ولا تقصرا. (13) يفرط علينا: يعجل علينا بالأذى. تعليق على الحلقة الثانية من سلسلة قصص موسى عليه السلام الآيات تتمة لمناداة الله سبحانه لموسى عليه السلام في وادي طوى المقدس. وعبارتها واضحة. وقد احتوت خبر انتداب الله سبحانه لموسى للذهاب إلى فرعون

تعليق على أمر الله تعالى لموسى بملاينة الكلام مع فرعون وما في ذلك من تلقين

وإنذاره وإنقاذ بني إسرائيل وما كان من تخوف موسى من المهمة ومراجعته لله في ذلك. وما كان من تثبيت الله له وإجابته إلى ما سأله. والإشارة في سياق ذلك إلى سابق رعايته له. والخطة التي يجب أن يسير عليها هو وأخوه في مخاطبة فرعون. ومحتويات الآيات لم ترد كذلك في سلسلة سورة الأعراف. وهذه المحتويات مع بيان ما كان من رعاية الله لموسى عليه السلام واردة في الإصحاحات (2 و 3 و 4) من سفر الخروج. وبين ما ورد في القرآن وفي هذه الإصحاحات تطابق إجمالا باستثناء طلب موسى من الله أن يجعل أخاه هرون معه حيث جاء هذا بعبارة أخرى. ونعتقد أن ما جاء في القرآن هو الذي كان متداولا عند الله وواردا في بعض قراطيسهم. ولقد أورد المفسرون في سياق هذه الآيات بيانات معزوة إلى رواة الأخبار. منها ما هو متطابق مع ما ورد في سفر الخروج ومنسجم مع دلالة الآيات. ومنها ما ليس كذلك، بل وفي بعضها تزيد وإغراب لا سند لهما. ولم نر طائلا في نقل ذلك أو تلخيصه. لأن القصص القرآنية عامة ومنها هذه السلسلة لم ترد للإخبار وإنما وردت للعظة والتمثيل بالقدر الذي اقتضته حكمة التنزيل لتحقيق هذا الهدف. وهو ما يجب الوقوف عنده فيما نرى. تعليق على أمر الله تعالى لموسى بملاينة الكلام مع فرعون وما في ذلك من تلقين ولقد احتوت الآيات [43- 46] التي تضمنت الخطة الربانية المرسومة لموسى وهرون عليهما السلام في مخاطبة فرعون تلقينات جليلة في صدد الدعوة وأسلوبها وما يجب على الدعاة من اصطناع الرفق واللين والأساليب الحسنى التي يمكن الوصول بها إلى الغاية والنجاح، وفيها درس بالغ للذين يستعملون الخشونة والقسوة بل والبذاءة أحيانا من المتصدرين للزعامة والمتصدين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث يقرر الله تعالى أن فرعون طغى ومع ذلك يأمر رسوليه

[سورة طه (20) : الآيات 49 إلى 79]

إليه بأن يقولا له قولا لينا لعلّه يتذكر أو يخشى. ولقد تكرر مثل هذا التلقين في آية من سورة آل عمران خاطب بها الله سبحانه نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم مثنيا فيها على أخلاقه السمحة ولينه منبها إلى أنه لو لم يكن كذلك ولو كان فظّا غليظ القلب لا نفض الناس من حوله، حاثّا إياه على الاستمرار في معاملتهم بالعفو والصفح والتألّف. وهي هذه فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ومثل هذا التلقين منطو في آية سورة الأعراف خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (199) على ما مرّ شرحه في سياق تفسير السورة المذكورة. ولقد روى النسائي والترمذي حديثا عن طارق بن شهاب قال «إن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقد وضع رجله في الغرز أي الجهاد أفضل قال كلمة حق عند سلطان جائر» غير أننا لا نرى تعارضا بين هذا وبين التلقين الجليل الذي احتوته العبارة القرآنية والله تعالى أعلم. [سورة طه (20) : الآيات 49 الى 79] قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (49) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (50) قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (51) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (52) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (54) مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (55) وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى (56) قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً (58) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (60) قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (61) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (62) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (63) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى (64) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (65) قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (67) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (68) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (69) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (70) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى (71) قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (73) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى (76) وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (78) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (79)

(1) أعطى كل شيء خلقه ثم هدى: منح كل شيء مما خلق ما اقتضاه نوعه من صفات وغرائز ونواميس وقابليات وهداه إلى استعمالها والانتفاع بها. (2) ما بال القرون الأولى: ماذا جرى للأمم المتقدمة. (3) في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى: في علم الله الذي لا يضل ولا يغفل ولا يذهل ولا ينسى شيئا. (4) مهدا: ممهدة قابلة للسير. (5) أزواجا من نبات شتى: أنواعا وأصنافا شتى. (6) مكانا سوى: مكانا مستويا أو مكانا فيه إنصاف وتسوية للطرفين.

(7) يوم الزينة: يوم العيد الذي يتزين فيه الناس. (8) يحشر: يجتمع. (9) فيسحتكم: يهلككم ويسحقكم. (10) فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى: تجادلوا وتناقشوا في الأمر في اجتماع سري. (11) إن هذان لساحران: قرئت (إن) كحرف نفي. فتكون جملة (هذان لساحران) مبتدأ وخبرا. وقرئت بتشديد النون على أنها المشبهة التي تنصب الاسم وترفع الخبر. وقرأ بعضهم (هذان) في صيغة (هذين) لتكون اسمها. ولكن قراءة الجمهور (هذان) . وقد روي عن عائشة قولها إن (هذان) من غلط الكتاب والأصح أن تكون (هذين) اسما لأنّ المشبهة. وفي القرآن آيات كثيرة ورد فيها حرف (إن) بالجزم كحرف نفي وورد بعدها مبتدأ وخبرا. ومن ذلك آية سورة إبراهيم إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [11] فتكون جملة إِنْ هذانِ لَساحِرانِ في مقام (ما هذان إلا ساحران) ونرى هذا هو الأوجه والرواية المروية عن عائشة لم ترد في كتب الصحاح. ونحن نتوقف فيها. والله أعلم. (12) طريقتكم المثلى: طريقتكم الفضلى. (13) أجمعوا كيدكم: دبروا الأمر متضامنين. (14) من استعلى: من غلب وعلا على خصمه. (15) فأوجس: فشعر وأحس. (16) تلقف: بمعنى تبتلع، ومعنى تلقف في الأصل الأخذ بسرعة. (17) لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف: من خلاف بمعنى مخالفة أي قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، أو قطع اليد اليسرى والرجل اليمنى. (18) جذوع النخل: الجذع بمعنى الساق. (19) لن نؤثرك: لن نختارك ولن نفضلك. (20) الذي فطرنا: الذي خلقنا. والجملة إما أن تكون معطوفة على «ما جاءنا» أو قسما بالذي فطرنا، وكلاهما وارد.

تعليق على الحلقة الثالثة من سلسلة قصص موسى وفرعون وبني إسرائيل

(21) فاقض ما أنت قاض: احكم بما تريد أن تحكم أو افعل ما تريد أن تفعل. (22) إنما تقضي هذه الحياة الدنيا: إن حكمك وقضاءك علينا في الحياة الدنيا، وحسب. (23) يبسا: أرضا يابسة لا بلل فيها. (24) دركا: لحاقا. تعليق على الحلقة الثالثة من سلسلة قصص موسى وفرعون وبني إسرائيل الآيات حلقة أخرى من حلقات السلسلة وقد احتوت حكاية موجزة لما كان بين موسى عليه السلام وفرعون والسحرة إلى خروج بني إسرائيل من مصر. وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. وبعض ما ورد فيها ورد في سورة الأعراف التي سبق تفسيرها. وما جاء فيها متطابق إجمالا مع ما جاء بإسهاب في الإصحاحات (5 إلى 15) من سفر الخروج عدا كل ما يتصل بالسحرة. ونعتقد أن ما جاء في الآيات كان متداولا بين اليهود وواردا في بعض أسفارهم وقراطيسهم. وفي كتب التفسير بيانات كثيرة في نطاق ما جاء في القرآن ومن جملة ما جاء في صدد السحرة. وفيها أشياء كثيرة غير واردة في سفر الخروج حيث يكون في ذلك دعم لما نقول. ولم نر ضرورة لإيراد ما جاء في هذه الكتب لأنها لا تتصل بأهداف القرآن في السلسلة. وفي الآيات حكاية زجر موسى عليه السلام للسحرة. وقول رباني بعدم فلاح الساحر في سياق وصدد ما جاء من سحرة فرعون الآيات [61 و 69] وفي الإصحاح (22) من سفر الخروج والإصحاح الثاني من سفر الأحبار والإصحاح (18) من سفر التثنية حكاية أوامر ربانية بإبادة السحرة ورجم أصحاب التوابع والعرافين ونهي شديد عن ذلك حيث ينطوي في هذا أن الشريعة الموسوية تشجب السحر

[سورة طه (20) : الآيات 80 إلى 98]

والسحرة وترتب عليهم عقوبات زاجرة. وحيث يكون في هذا تساوق مع ما ورد في السلسلة وفي القرآن من ذلك. ولقد احتوت الآيات نقاطا كثيرة فيها العبرة والعظة والتطابق من المبادئ والتقريرات والتدعيمات الواردة في سور أخرى، منها ما مر تفسيره ومما هو هدف جوهري في الآيات مثل المحاورة الأولى التي جرت بين موسى عليه السلام وفرعون في صور عظمة الله وقدرته الشاملة وعلمه المحيط ونعمه على خلقه، وإيداعه في كل شيء خلقه ما هو في حاجة إليه، وهدايته إلى استعمالها والانتفاع بها. ومثل الحملة على السحر والسحرة وتقرير كون ذلك كذبا وافتراء على الله، وأن الذين يتعاطون السحر لا يمكن أن يصيبوا فلاحا ونجاحا. ومثل انتصار رسول الله على السحرة باية الله. ومثل رؤيتهم الحق والهدى في جانب رسول الله، وإيمانهم وسجودهم لله، وثباتهم على ذلك رغم تهديد فرعون إياهم بقطع الأيدي والأرجل والصلب. ورجاء غفران الله ونيل رضوانه ونعيمه الأخروي الذي هو الأفضل، لأن الذي يأتي ربّه مجرما له نار جهنم لا يموت فيستريح من العذاب ولا يخرج منها فيكون له حياة أخرى، ومن يأته مؤمنا صالح العمل له الدرجات العلى وجنات النعيم. ومثل ما كان في النهاية من عناية الله تعالى بموسى عليه السلام وقومه لإخلاصهم وإيمانهم، وإنقاذهم من طغيان فرعون وغرق فرعون الذي لحق بهم مع جنوده نتيجة لمعجزة الله التي أظهرها على يد رسوله بضربه البحر بعصاه وسير موسى وقومه على الأرض اليابسة فيه وانطباقه بعد ذلك على فرعون وجنوده لأنه قاد قومه إلى الضلال دون الهدى. [سورة طه (20) : الآيات 80 الى 98] يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (80) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (81) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (82) وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (83) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (84) قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86) قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (88) أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً (89) وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (91) قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (95) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (97) إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً (98)

(1) هوى: سقط وهلك. (2) ما أعجلك عن قومك: ما لذي جعلك تترك قومك وتتعجل بالمجيء. (3) على أثري: آتون من ورائي. (4) فتنّا قومك: امتحناهم. (5) أسفا: حزينا أو ساخطا. (6) لم ترقب قولي: لم تطع قولي أو لم تحفظه أو لم تنتظر إشارة مني. (7) بصرت بما لم يبصروا به: علمت ما لم يعلموه أو رأيت ما لم يروه. (8) سوّلت لي نفسي: زينت لي نفسي. (9) لننسفنه: لننثرنه أو لنذرينه.

تعليق على الآيات المتضمنة حكاية بعض ما كان من أمر بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر

تعليق على الآيات المتضمنة حكاية بعض ما كان من أمر بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر الآيات هي الحلقة الأخيرة من السلسلة. وقد احتوت حكاية موجز من سيرة بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر وأثناء مكوثهم في برية سيناء. وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. ومنها ما ذكر في سلسلة سورة الأعراف التي سبق تفسيرها، ومنها ما لم يذكر قبل. وما جاء فيها متطابق إجمالا مع ما جاء بإسهاب في الإصحاحات (16 و 17 و 30) من سفر الخروج مع بعض فروق في المحاورات، باستثناء السامري وصنعه العجل. حيث ذكر الإصحاح (30) من السفر أن هارون هو الذي صنعه نتيجة تمرد وإلحاح بني إسرائيل. ونعتقد أن اسم السامري كان متداولا بين اليهود وواردا في أسفار لم تصل إلينا كصانع للعجل. والمحاورة التي جرت بين موسى وهارون وحكتها الآيات وما حكته الآيات كذلك من تأنيب هارون لبني إسرائيل على اتخاذهم العجل مؤيد لذلك من وجهة النظر القرآنية والإسلامية. فهارون من أنبياء الله ولا يصح أن يكون صانعا للعجل. ونعتقد أيضا أن ما جاء في القرآن غير ذلك مباينا لما جاء في السفر أسلوبا وعبارة كان هو أيضا متداولا في اليهود وواردا في الأسفار الضائعة. و (سامري) صيغة عربية نسبة إلى سامر الذي هو على الأرجح معرف من كلمة شامر التي كانت تطلق على منطقة في وسط فلسطين قرب نابلس اليوم. وقد ذكرت الكلمة في أسفار عديدة من أسفار العهد القديم المتداولة اليوم التي تؤرخ حقبة تاريخ بني إسرائيل قبل المسيح «1» . ولقد كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم طائفة موسوية تسكن هذه المنطقة

_ (1) انظر مثلا الإصحاح (18) من أخبار الأيام الثاني و (16) من الملوك الأول في الطبعة البروتستانتية والثالث في الطبعة الكاثوليكية و (4) من سفر عزرا و (4) من سفر نحميا.

استمرارا لأمد بعيد قبله بل وقبل المسيح منسوبة إليها. ولا يزال بقية منها موجودة إلى اليوم في نابلس. وكل هذا كان معروفا متداولا بين اليهود بطبيعة الحال. ولقد أورد الطبري وغيره روايات معزوة إلى علماء الأخبار في الصدر الإسلامي الأول في صدد توضيح ما جاء في الآيات. منها ما هو متطابق مع الأسفار المتداولة اليوم، ومنها ما لا يتطابق، وكلها تدور في نطاق ما جاء في القرآن سواء أكان مباينا لما في الأسفار المتداولة أم لم يكن فيها بالمرة. حيث يدعم هذا ما قلناه. إن ما جاء في القرآن كان هو المتداول في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم. وليس من مصدر إلّا اليهود وما كان في أيديهم من أسفار وقراطيس لم تصل إلينا. ومن جملة ذلك أن السامري كان من عظماء بني إسرائيل وأنه من قبيلة اسمها سامرة. وأن الحلي التي صنع السامري منها العجل قد أخذها بنو إسرائيل من المصريين حين خروجهم وهو ما عبرت عنه الآية [87] . وفي الإصحاحات (3 و 11) من سفر الخروج خبر استعارة بني إسرائيل من المصريين جيرانهم متاعا وحليا بنية سلبها. ومما جاء في روايات المفسرين أن السامري رأى جبريل وهو قادم إلى موسى فقبض قبضة من تراب الأرض التي داستها فرسه. وأنه ألقى هذه القبضة مع الحلي في النار وقال لها كوني عجلا جسدا له خوار وهو ما عبرت عنه الآيتان [88- 89] . ولقد كان العجل من المعبودات المهمة في مصر. فالظاهر أن بني إسرائيل اندمجوا في ذلك إبّان إقامتهم في مصر. فلما ذهب موسى إلى مناجاة ربه وتأخر عنهم اضطربوا وثاروا وطالبوا بالعودة ثم ذكروا المعبود المذكور فصنعوا تمثالا له من الحلي التي كانوا سلبوها من المصريين وأخذوا يتعبدون له. ولقد كان هذا ديدن بني إسرائيل في إقامتهم في فلسطين فيما بعد حيث اعتنقوا عقائد أهلها القدماء وانحرفوا عن عبادة الله وحده. وكل هذا ما سجلته عليهم أسفارهم. ولقد كان يعقوب جد بني إسرائيل وأولاده الذين هم أجداد أسباط بني إسرائيل أقاموا ردحا في منطقة نابلس التي كان اسمها سابقا شكيم على ما ذكره

الإصحاح (33) من سفر التكوين والإصحاحات التي بعده. وقد قلنا إن هذه المنطقة هي المنطقة التي كانت تسمى سامر أو شامر. ولا ندري هل يمكن أن يكون بين هذا وبين ما رواه المفسرون من أن السامري كان من عظماء اليهود صلة ما بحيث يفرض أن بعض أبناء يعقوب أو ذريتهم نعتوا في مصر باسم السامريين نسبة إلى المنطقة التي سكنوا فيها في فلسطين قبل نزوحهم إلى مصر فظل هذا النعت متصلا إلى زمن موسى عليه السلام. وتأويل كلمة فَنَسِيَ موضوع اختلاف على ما رواه المفسرون عن أهل التأويل حيث قال بعضهم إنها من كلام السامري لبني إسرائيل بقصد القول إن الإله العجل الذي صنعه لهم هو إله موسى أيضا الذي نسيه. وحيث قال بعضهم إنها تعقيب رباني بقصد القول إن السامري في قوله هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى يكون قد نسي إيمانه بالله وحده. وقد يكون هذا هو الأوجه لأن الآية التي أعقبت الكلمة احتوت تعقيبا قرآنيا مباشرا من الله فيه تنديد بهم لأنهم اتخذوا العجل دون أن يدركوا أنه لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم نفعا ولا ضرّا. ومما رووه عن أهل التأويل في توضيح كلمة لا مِساسَ أن موسى عليه السلام أمر السامري بعدم مخالطته للناس وأمر الناس بعدم مخالطة السامري فصار هائما لا يمسّ ولا يمسّ. ونكتفي بما تقدم مما يرويه المفسرون لتوضيح مدى الآيات لغويا وموضوعا. ولقد شرحناه ما ورد من أوصاف المنّ والسلوى في سورة الأعراف فلم نر ضرورة للتكرار. ولقد احتوت الحلقة بدورها نقاطا عديدة فيها العبرة والعظة والتذكير والتطابق مع تقريرات القرآن المتكررة، وكل هذا من أهدافها الجوهرية. من ذلك تذكير بني إسرائيل بما كان من عناية الله بهم وإنقاذهم من عدوهم وإرسال المنّ والسلوى طعاما لهم وإباحة الطيبات لهم جزاء ما كان من إيمانهم واتباعهم موسى عليه السلام وتحذيرهم من تجاوز حدود الله حتى لا يحلّ عليهم غضبه فيهلكون.

[سورة طه (20) : الآيات 99 إلى 101]

وهتاف الله عز وجل بأنه الغفار لمن تاب إليه وآمن واهتدى وعمل الصالحات، وما كان من افتتان بني إسرائيل بالعجل والتنديد بهم لأنهم اتخذوا إلها غير الله لا يملك لهم نفعا ولا ضرّا، وثوران غضب موسى عليه السلام عليهم ومعاقبته للسامري بالمقاطعة التامة. وهتافه بأن الله هو وحده إلههم الذي وسع كل شيء علما والذي لا ينبغي أن يعبد غيره. وفي قصة السامري خاصة عظة بالغة حيث انطوت على التحذير من وساوس الأشرار وإغواء شياطين الإنس، ثم على خطة المقاطعة والحرمان والاحتقار ضد الذين يحاولون تضليل مجتمعهم وإفساد ضمائرهم وتشويه الصافي من عقائدهم وتقاليدهم. [سورة طه (20) : الآيات 99 الى 101] كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (99) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (100) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً (101) الآيات جاءت معقبة على السلسلة تحمل الدليل الصريح على أن القصد من القصة التي احتوتها هو التذكير والعظة: فالله تعالى أوحى لنبيه صلى الله عليه وسلم بما كان من أنباء السابقين وآتاه الذكر ليكون في هذا وذاك موعظة للناس وهدى. فمن أعرض عنه ولم ينتفع به فإنه يأتي يوم القيامة حاملا وزره وساء ذلك من وزر سوف يؤدي بصاحبه إلى الخلود في النار. [سورة طه (20) : الآيات 102 الى 113] يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (102) يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً (103) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً (104) وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (105) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (106) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً (107) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً (108) يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً (109) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (110) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (111) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً (112) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (113)

(1) زرقا: قيل زرقا بمعنى عميا وقيل بمعنى عطاشا وقيل إنها وصف للعيون حيث تزرق من الهلع والهول. (2) يتخافتون بينهم: يتحاورون فيما بينهم محاورة خافتة. (3) أمثلهم طريقة: أشدهم اعتدالا وأوفرهم عقلا. (4) قاعا صفصفا: سهلا منخفضا ومستويا. (5) عوجا: هنا بمعنى الانحناء أو الانخفاض أو الالتواء. (6) أمتا: بمعنى النتوء أو البروز. (7) يتبعون الداعي لا عوج له: يتبعون الداعي اتباعا تامّا ليس فيه زوغان ولا عوج ولا تلكؤ. (8) عنت: ذلت وخضعت. (9) القيوم: الدائم القيام على تدبير الكون والخلق. (10) ظلما: الكلمة في الآية [111] بمعنى اقتراف الظلم وفي الآية [112] بمعنى النقص والبخس. (11) هضما: بمعنى تضييعا. في الآيات وصف ليوم القيامة وهوله. ومصائر الناس فيه حسب أعمالهم. وعبارتها واضحة. وهي على ما هو المتبادر استمرار للايات التعقيبية السابقة التي احتوت بيان ما يكون من أمر المعرضين عن ذكر الله يوم القيامة. وبعض ما في الآيات قد جاء مثله في سور سابقة وعلقنا عليه ما فيه الكفاية. وفي الآية الأخيرة توكيد صريح لما ذكرناه غير مرة من أن من أهداف آيات الإنذار

والوعيد والبشرى والترغيب في صدد الأخيرة هو تذكير الناس بالله تعالى وحقه عليهم ودعوته إلى اتقاء ما يغضبه من عقائد منحرفة وأفعال سيئة والإقبال على ما يرضيه من إيمان به وإخلاص له من الأعمال الصالحة. وقد تخلل الآيات آيتان عن الجبال ونسفها يوم القيامة بصيغة سؤال موجه للنبي صلى الله عليه وسلم عن مصيرها. وأمر بالإجابة بأنها تنسف ويكون مكانها سهل مستولا اعوجاج فيه ولا بروز. ولقد روى البغوي عن ابن عباس أن رجلا من ثقيف سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مصير الجبال يوم القيامة فأنزل الله الآية. وتقتضي الرواية أن تكون الآيتان نزلتا لحدتهما مع أنهما منسجمتان انسجاما تاما مع الآيات السابقة واللاحقة نظما وموضوعا. على أن هذا لا يمنع أن يكون واحد سأل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في ظرف ما قبيل نزول الآيات فاقتضت حكمة التنزيل والإشارة إلى ذلك والإجابة عليه. وعلى كل حال فالجبال كانت تمثل في أذهان السامعين نموذجا من مشاهد الطبيعة العظيمة التي يحسونها ويشاهدونها والتي يمكن أن يرد لبالهم سؤال عن مصيرها ... ولقد تكررت الآيات القرآنية التي ذكر فيها مصير الجبال يوم القيامة مرّت أمثلة منها في سور المزمل والتكوير والقارعة مما يمتّ إلى ذلك. واقتصار الآية الأولى على ذكر حشر المجرمين ليس معناه قصد اقتصار البعث عليهم طبعا وإنما هو في صدد إنذار الكفار المجرمين ووصف الهول الذي يلاقونه والفزع الذي يقعون فيه وأثره فيهم. على أن الآيات لم تنس المؤمنين الصالحين حين قررت أنهم سوف ينالون جزاء أعمالهم تامة لا بخس ولا هضم فيها. وحكاية الحوار بين الكفار عن مقدار ما لبثوا في القبور انطوى فيها قصد تصوير قوة المباغتة التي سيباغتون بها وقصر موعد تحقيق الوعيد الرباني الذي يرونه مستحيلا وبعيدا للتأثير في السامعين وإثارة خوفهم وقلقهم على ما هو المتبادر. وقوة الوصف والتصوير وقوة الوعيد والإنذار والترغيب والترهيب في الآيات

تعليق على جملة وهو مؤمن في الآية [112]

بمجموعها ملموحة، من شأنها إثارة الخوف والقلق في الكفار، والطمأنينة والرضاء في المؤمنين، وهو مما استهدفته فيما استهدفته. والآية [109] وهي تذكر أن الشفاعة في ذلك اليوم لا تنفع إلا الذين رضي الله تعالى عنهم ولا تكون إلا بإذنه تنطوي على قصد قطع الطريق على المشركين الذين كانوا يشركون شركاء مع الله وخاصة الملائكة في العبادة والدعاء بقصد نيل شفاعتهم عنده. بل وعلى قصد الطريق على الناس عامة الذين اعتادوا أن يقضوا رغباتهم بالاستشفاع بغير الله من أنبياء وأولياء دون السعي والعمل والقيام بالواجب نحو الله والناس مما فيه تلقين مستمر. ومما تكرر بأساليب متنوعة بسبب امتلاء ذهن المشركين الأولين والناس عامة به. وقد مرت منه بعض الأمثلة ومن ذلك في الآيات الأخيرة من سورة مريم السابقة لهذه الآية. تعليق على جملة وَهُوَ مُؤْمِنٌ في الآية [112] وهذه الجملة في مقامها تنطوي على تنبيه مهم وهو أن العمل الصالح الذي يفيد صاحبه وينجيه من سوء المصير في الآخرة هو الذي يجب أن يكون صادرا عن إيمان بالله واليوم الآخر. والحكمة المتبادرة من هذا هي التنبيه على أن العمل الصالح الذي لا يكون صاحبه مؤمنا لا يكون خالصا من كل شائبة ومأرب. ويكون معرضا للانتكاس والانقطاع. وعلى أن الإيمان فقط هو الذي يحفز صاحبه على العمل الصالح الخالص من الشوائب والمآرب. والمبتغى به وجه الله تعالى دون انتظار جزاء ومقابلة وشكر من أحد غير الله. وفي هذا ما فيه من تلقين جليل المدى يتسامى به المؤمن عن أي جزاء دنيوي عن أعماله الصالحة. ويجعله لا يهتم إلّا برضاء الله تعالى عنه. ويقدم على التضحيات والمشاق في سبيل ذلك في كل ظرف. وقد تكرر تقرير هذا كثيرا في القرآن لما له من خطورة متصلة بحياة الإنسان والإنسانية والتربية الإسلامية السامية فضلا عن الحقيقة المنطوية فيه.

تعليق على جملة وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا

تعليق على جملة وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وهذه الجملة في الآية [113] وهي تقرر أن القرآن أنزل عربيا لا تعني طبعا أنه غير موجه إلى غير العرب. وإنما ذلك لأن العرب هم المخاطبون الأولون به. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم منهم. ولأنهم هم الذين حملوا عبء نشر رسالته بين العالمين. وعموم الرسالة المحمدية والقرآنية قد تقررت في آيات عديدة مكية ومدنية مرّت أمثلة منها بحيث يكون ذلك قضية محكمة خارجة عن نطاق الجدل والمراء. ولقد نشر العرب الرسالة الإسلامية بين غيرهم من الأمم الذين لم يعرفوا اللغة العربية. ولا ريب في أن العرب ترجموا لهم القرآن وأحاديث النبي ومبادئ الرسالة ترجمة جعلتهم يقبلون على اعتناق الدين الإسلامي ويتعلقون به ويتعلمون اللغة العربية ليقرأوا القرآن بلغته المنزلة. [سورة طه (20) : آية 114] فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (114) (1) يقضى إليك وحيه: أوجه الأقوال أن الجملة بمعنى حتى يتم وينتهي وحيه إليك. وهذا المعنى في آية البقرة فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ [200] بمعنى إذا انتهيتم منها. تعليق على الآية فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً الخطاب في الآية موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم على ما هو المتبادر والمتفق عليه. وقد تضمن تقرير العلوّ لله عز وجل وتوكيد كونه صاحب الملك الحقيقي المطلق ثم

أمرا بعدم الاستعجال بما يوحى إليه من القرآن قبل أن يقضي إليه وحيه. وبطلب المزيد من العلم من الله تعالى. ولقد تعددت روايات المفسرين عن أهل التأويل في جملة وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ من ذلك أنها بمعنى لا تعجل في تلاوة ما يوحى إليك وإملائه قبل أن تبان لك معانيه. أو قبل أن نبيّن لك معانيه. ومنها أن الآية مشابهة في مداها لايات سورة القيامة لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (19) وأشار أصحاب هذا القول إلى الحديث الذي رواه البخاري عن ابن عباس وأوردناه في سياق تفسير هذه الآيات. وقالوا: إن هذا الحادث لذلك الحادث أو هو نفسه. ومع ما يلحظ من صلة لفظية بين الآية السابقة التي ورد فيها ذكر القرآن أيضا فإننا نرجح أن تكون ما تضمنته مماثلا للحادث الذي تضمنته آيات سورة القيامة. مع القول إنه حادث ثان إذ لا تظهر الحكمة في الإشارة إليه مرة أخرى لو كان نفس الحادث. ويظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد فكرر ما كان يوحى إليه قبل تمامه خشية التفلت منه فنبه مرة أخرى في هذه الآية. والراجح أن يكون ذلك من ظرف نزول الآيات السابقة فجاءت الآية متساوقة في سبكها ونظمها معها ووضعت في سياقها والله أعلم. ولقد علقنا على مدى الحادث الذي تضمنته آيات سورة القيامة وقد مرّت الإشارة إليه. وما قلناه هناك يصح قوله هنا بتمامه فلا ضرورة للتكرار. ولقد أورد ابن كثير في سياق الآية حديثا رواه ابن ماجه وأخرجه الترمذي عن أبي هريرة قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اللهم انفعني بما علّمتني وعلّمني ما ينفعني وزدني علما والحمد لله على كلّ حال» وفي الحديث تعليم نبوي رفيع. وهناك أحاديث أخرى فيها تنويه بالعلم وطلبه وبالعلماء لها صلة بمدى الآية والحديث السابق أيضا. من ذلك حديث رواه أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء قال «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من سلك طريقا يبتغي به علما سلك الله له طريقا إلى الجنّة. وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها رضاء لطالب العلم. وإنّ العالم ليستغفر له من في

[سورة طه (20) : الآيات 115 إلى 127]

السّموات ومن في الأرض حتّى الحيتان في الماء. وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب. وإنّ العلماء ورثة الأنبياء. إنّ الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورّثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظّ وافر» «1» . وحديث رواه الشيخان عن أبي مسعود قال «قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لا حسد إلّا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلّطه على هلكته في الحقّ. ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلّمها» «2» . وقد يكون ويقال إن التنويه في الأحاديث هو بالنسبة للعلم المتصل بدين الله وحدوده وأحكامه. غير أن هذا لا يخرج فيما يتبادر لنا أي علم من مضمون التنويه إذا كان صاحبه مؤمنا بالله ورسوله واليوم الآخر. لأنه يزداد فيما يعلمه من علوم عقلية وكونية يقينا بالحقائق الإيمانية على ما شرحناه في سياق تفسير الآية [27] من سورة فاطر والله تعالى أعلم. [سورة طه (20) : الآيات 115 الى 127] وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (115) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى (116) فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (117) إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (118) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (119) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (120) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (121) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (122) قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (124) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (125) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (126) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (127)

_ (1) التاج ج 1 ص 54. (2) المصدر نفسه.

(1) عهدنا إلى آدم: بمعنى وصيناه وأمرناه وأخذنا عليه عهدا. (2) عزما: بمعنى ثباتا وقوة عزيمة. (3) ولا تضحى: كناية عن عدم التعرض لوهج الشمس في أول النهار أو عدم التأذي به. (4) شجرة الخلد: الشجرة التي تجعلك مخلدا في الحياة. (5) لا يبلى: لا يزول ولا يفنى. (6) غوى: خالف أمر ربه أو مال إلى الغواية باستماع وسوسة الشيطان. (7) اجتباه: عطف عليه واصطفاه. (8) ضنكا: ضيقا. (9) أسرف: هنا بمعنى تجاوز الحد في الجحود والضلال. في الآيات قصة آدم وإبليس. والآية الأولى جاءت تمهيدا لها كما أن الآيات الأربع الأخيرة جاءت للتعقيب والاستطراد. وعبارتها واضحة. والمتبادر أن الآيات متصلة موضوعا وسبكا بالآيات السابقة باستثناء الآية [114] التي قد تلهم أنها جاءت معترضة تنطوي على تعليم خاص للنبي صلى الله عليه وسلم ودونت في السياق لنزولها في أثنائه. فالآية [113] ذكرت أن الله أنزل القرآن وصرف فيه الوعيد لعل الناس يتقون ويتذكرون. ثم جاءت هذه الآيات لتذكر بقصة آدم وإبليس وكيف أن الله أمر ووصى آدم عليه السلام ببعض أوامره ووصاياه فلم يثبت ونسي ما وصى به، ومن هنا تظهر الصلة قائمة بين هذه الآيات والآيات السابقة. وهدف الآية الأولى التمهيدية هو التحذير من نسيان أوامر الله ووصاياه وإيجاب الثبات عليها وعدم الاستماع لوسوسة الشيطان التي ترمي إلى حمل

الإنسان على نسيانها ونقضها، ثم جاءت الآيات التالية مذكرة بقصة آدم الذي لم يثبت على أوامر الله ونسيها بتأثير تلك الوسوسة. وهدف الآيات التعقيبية الاستطرادية هو بيان مصير الناس يوم القيامة نتيجة لاتباعهم لما أنزل الله ووصى به من الهدى وعدم اتباعه، توكيدا للتحذير التمهيدي وبقصد تنبيه السامعين وإثارة الرهبة والرغبة فيهم. ووصف مصير المعرض عن ذكر الله بخاصة مفزع رهيب. وقد يكون من حكمة ذلك التشديد في الإنذار والترهيب. وجملة فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (123) بالنسبة لمن اتبع هدى الله يصحّ أن تكون شاملة المدى للدنيا والآخرة معا وهو ما يتبادر لنا أن الآية قصدت إليه. من حيث إن الذي يتبع هدى الله ويلتزم حدوده يكون له من ذلك ما يضمن له العصمة من الضلال والشفاء فيهما. وفي هذا تطمين رباني قوي وحافز على اتباع هدى الله. ويتبادر لنا أن جملة فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً جاءت لمقابلة جملة فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (123) وأنها هي الأخرى شاملة المدى مثلها للدنيا والآخرة من حيث إن الذي يعرض عن ذكر الله ودينه الحق يفقد أسباب تلك العصمة ويتعرض لسوء الحياة ونكدها في الدنيا والآخرة معا. نقول هذا مع القول إن المفسرين يروون عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الجملة تعني عذاب القبر بل رووا أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك حيث رووا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن المعيشة الضّنك هي عذاب القبر» وهذا التفسير النبوي لم يرد في كتب الصحاح. ومع ذلك فإن الطبري استدل على صحته بالآية [127] التي فيها وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى وقال إن المعيشة الضنك لو كانت عذاب الآخرة لما كان لهذه الآية مفهوم ومعنى. غير أن هذا لا يخل بما تبادر لنا وأوردناه آنفا من الجملة بصورة عامة. والله تعالى أعلم.

تعليق على الجديد في قصة آدم وإبليس في هذه السورة

وننبه على أن هناك أحاديث عديدة في عذاب القبر سوف نوردها ونعلق عليها في مناسبة أخرى أكثر ملاءمة. تعليق على الجديد في قصة آدم وإبليس في هذه السورة ولقد علقنا على موضوع قصة آدم وإبليس بما فيه الكفاية في سياق تفسير سورتي ص والأعراف فلا حاجة إلى الإعادة. والسياق ومناسبته يفسر أن حكمة تكرار إيراد القصة حيث يقتضي ذلك تكرار المواقف وتجدد المناسبات مما هو متسق مع طبيعة محمد النبي صلى الله عليه وسلم على ما ذكرناه قبل، ومما يصح أن يورد في صدد متكررات القرآن المتنوعة الوعظية والقصصية والتدعيمية والترغيبية والترهيبية. وإذا كان من شيء نقوله هنا تعليقا على القصة فهو أن القصد في ضرب المثل والموعظة والتحذير والتنبيه أوضح. ثم إن فيها شيئا جديدا وهو الإشارة إلى توبة آدم عليه السلام وقبولها. ولعل في هذا على ما يتبادر ردّا على ما كان النصارى وما يزالون يعتقدونه من عقيدة تسلسل خطيئة آدم في ذريته من بعده، وعقيدة الفداء التي أرسل الله ابنه- تنزه وتقدس- ليقوم بها. فجميع بني آدم من لدن آدم إلى يوم صلب المسيح على ما يعتقده النصارى بما فيهم الأنبياء طبعا آثمون بخطيئة آدم ولم يخلصوا من هذا الإثم تجاه الله تعالى إلّا بصلب ابن الله الذي هو الله كما أراد الله تعالى وتقدس. وسورة طه قد نزلت بعد سورة مريم. فلعل اعتراضا أو احتجاجا أو كلاما وقع بمناسبة قصة مريم في هذا الصدد فاقتضت حكمة التنزيل تضمين هذا الأمر في السورة التي تلتها على سبيل الردّ والتوضيح. [سورة طه (20) : الآيات 128 الى 130] أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (128) وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (130)

(1) أفلم يهد لهم: بمعنى أولم يتبين لهم، أو أولم يظهر لهم، أو أولم يهدهم ويقنعهم. (2) أولي النهى: أولي العقل. في الآية الأولى سؤال استنكاري عما إذا لم يتبين للكافرين ويعرفوا أن الله أهلك كثيرا قبلهم من القرون نتيجة لطوافهم في الأرض ومشاهدة آثارهم ومشيهم في مساكنهم حتى يظلوا على غيهم. وإن في ذلك لايات ودلائل كافية لإقناع أولي العقول والأحلام. وفي الآية الثانية بيان رباني بأنه لو لم تقتض حكمة الله تعالى عدم الإسراع في إهلاك الكافرين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم لكفرهم كما فعل بأمثالهم السابقين وفي تأجيلهم إلى أجل معين في علم الله لكان إهلاكهم لازما جريا على السنة التي سار عليها مع الأمم السابقة حينما وقفوا من أنبيائهم موقف هؤلاء من نبيهم. وقد جاءت بالصيغة التي جاءت عليها للتساوق النظمي على ما هو المتبادر حيث يلمح فيها تقديم وتأخير، بما معناه (لولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى حدده في علمه لكان عذابهم العاجل لزاما) والله أعلم. وفي الآية الثالثة أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على ما يسمعه من الكفار ويراه من مواقف يضيق بها صدره وتغتم لها نفسه، وبالمثابرة على تسبيح الله تعالى وحمده مؤملة إياه برضا النفس وطمأنينتها بذلك. والآيات متصلة بالسياق السابق اتصالا موضوعيا مع الالتفات فيه إلى الكفار العرب. فقد انتهت الآيات السابقة بإنذار الذين يسرفون في الإثم والجحود، ثم جاءت الآيتان الأوليان من هذه الآيات تلتفتان إلى الكفار العرب لتذكراهم وتحذّراهم وتنذراهم، أما الآية الثالثة فهي كذلك متصلة بالموضوع مع الالتفات

تعليق على مدى وتلقين الآية التي تأمر بذكر الله وتسبيحه في مختلف والأوقات

إلى النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التطمين والتثبيت والتسلية مما جرى عليه التنزيل القرآني في كثير من مناسبات وحكاية مواقف وأقوال الكفار التي كانت تثير في النبي صلى الله عليه وسلم الألم والحسرة. وفي الآية الأولى دلالة على أن سامعي القرآن الأولين وهم أهل مكة كانوا يعرفون بلاد الأمم السابقة وما حل فيها من تدمير رباني. وبذلك يأتي الإنذار مستحكما ولقد تكرر هذا في آيات سابقة وآتية. ومن السابقة الآية [4] من سورة الفرقان هذه وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها ... وقد شرحنا هذا وافيا في سياق تعليقنا على القصص القرآنية في سورة القلم. تعليق على مدى وتلقين الآية التي تأمر بذكر الله وتسبيحه في مختلف والأوقات والآية الأخيرة وإن كان الخطاب فيها قد وجّه إلى النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التطمين والتثبيت بسبب ما يصدر من الكفار فإن فيها تلقينا جليلا لجميع المسلمين الذين من واجبهم أن يجعلوا النبي صلى الله عليه وسلم قدوة وإماما حيث تقرر ما يمكن أن تبثه عبادة الله تعالى وذكره وتسبيحه والاتجاه إليه والتفكير في آلائه وآياته وبخاصة عند اشتداد أزمات النفس وآلامها من طمأنينة نفس وهدوء قلب وراحة ضمير وقوة على تحمل المشاق والمصاعب المادية والمعنوية والاستهانة بها. وهذه حالة روحية يدركها كل من استغرق هذا الاستغراق فشع نور الله في قلبه، ومعالجة نفسية قرآنية مضمونة النتيجة. وأي امرئ حزبته مشاكل الدنيا وآلامها فلجأ إلى الله وذكر عظمة ملكوته وسلطانه واستغرق في آياته وآلائه وقدرته، وجبروته لن يلبث أن تهون عليه هذه المشاكل والآلام مهما جلّت، بل وأن تهون في نظره الدنيا وما فيها والإنسان وجبروته وسخافاته وأن يشعر بطمأنينة النفس وقوة القلب والقدرة على التحمل والتجمّل بالصبر. ولقد تكرر مثل الأمر الوارد في الآية للنبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من سورة لمثل

[سورة طه (20) : الآيات 131 إلى 132]

الأهداف التي انطوت في هذه الآية. وفي سورة ق آيتان مماثلتان في صيغتهما لصيغتها. ولقد ذهب بعض المفسرين «1» إلى أن الأوقات التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتسبيح فيها في الآية [130] هي أوقات الصلوات المفروضة وأن التسبيح يعني إقامة الصلوات، ومع أن الآية على ما يتبادر لنا هي بسبيل توكيد الاستمرار في ذكر الله وحمده وتسبيحه طيلة أوقات اليقظة فإن ما ذهبوا إليه قد لا يخلو من وجاهة. وقد علقنا على ذلك بما فيه الكفاية في سياق تفسير الآيتين [38، 39] من سورة ق الممائلتين في صيغتهما لهذه الآية. ولقد ذكر المصحف الذي اعتمدناه أن الآية [130] مدنية. وأسلوبها وانسجامها مع السياق وبروز الطابع المكي عليها في ضمير «يقولون» العائد على الأرجح إلى الكفار موضوع الكلام في الآيات السابقة يسوّغ الشك في الرواية ولا سيما أن الآية التالية لها هي تتمة للموضوع، والطابع المكي بارز عليها كذلك. [سورة طه (20) : الآيات 131 الى 132] وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (131) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (132) احتوت الآية الأولى أمرا للنبي صلى الله عليه وسلم بعدم مدّ عينيه مدّ المستغرب إلى ما يتمتع به بعض فئات من الكفار من متع الحياة الدنيا وزينتها، وتنبيها إلى أن ذلك إنما هو ابتلاء واختبار رباني، وأن رزق الله وما أعده الله له من حسن العاقبة هو خير وأبقى. واحتوت الآية الثانية أمرا للنبي صلى الله عليه وسلم كذلك بالمثابرة على الصلاة وأمر أهله بالمثابرة عليها معه وعدم الاهتمام للدنيا وأمر الرزق، وتطمينا ربانيّا بأن الله سبحانه قد كفاه مؤونة ذلك وأن العاقبة مضمونة للذين يتقونه.

_ (1) انظر تفسيرها في تفسير الطبري وابن كثير والطبرسي والخازن.

وقد ذكر المصحف الذي اعتمدنا عليه أن الآية الأولى مدنية. وقد روى المفسرون أنها نزلت بمناسبة امتناع يهودي من إسلاف النبي صلى الله عليه وسلم مالا كان يريد أن ينفقه في قرى ضيف وفد عليه إلا برهن. مما حزّ في نفسه وجعله يقول لو أسلفني لأديته وإني لأمين في السماء، أمين في الأرض. ثم أرسل درعه رهنا. والرواية لم ترد في كتب الصحاح. وقد يكون الحادث المروي صحيحا. ولكنا نلحظ أن الآية منسجمة مع السياق سبكا وموضوعا. ومعطوفة على ما قبلها. وصلتها بالآية السابقة لها واضحة بحيث يبرر كل هذا الشك في رواية مدنية الآية ورواية نزولها بمناسبة ذلك الحادث. وترجيح مكيتها وصلتها بظروف سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في العهد المكي. وفي سورة الحجر آية مشابهة لهذه الآية وهي الآية [88] جاءت في سياق مماثل حيث ينطوي في هذا تدعيم لذلك الشك وهذا الترجيح والله أعلم. والمتبادر أن الآيتين معا تتمة للخطاب الموجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الآية السابقة لهما مباشرة. ويبدو أن النبي صلى الله عليه وسلم أو أن المسلمين كانوا أحيانا يتعجبون من إمداد الله زعماء الكفار وأغنياءهم بما يتمتعون به من رفاهة ونعيم وثروات مما هو طبيعي الورود على الخاطر فاقتضت حكمة التنزيل أن يكون في السياق الذي يذكر فيه مصير الكفار ويطلب فيه من النبي صلى الله عليه وسلم الصبر على ما يقولون. هاتان الآيتان لتبيين واقع الأمر من هذا الذي يتمتعون به وبث الطمأنينة والرضاء والغبطة في قلب النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بما عند الله تعالى وبالعاقبة المضمونة لهم، وتقرير كون ما يتمتع به الكفار هو من قبيل الاختبار. ولعل زعماء الكفار وأغنياءهم كانوا يتبجحون بما هم فيه من نعيم ورفاهة ويزهون على المسلمين على اعتبار أن الله لو كان ساخطا عليهم كما يقولون لما كان أدام عليهم نعمه فكان ذلك مما يحز في نفوسهم. ولقد ذكر شيء مما كان يدور في أذهان أغنياء الكفار وزعمائهم من مثل ذلك في آيات عديدة منها آيات سورة المؤمنون هذه أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (55) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (56) ولقد تضمنت آية سورة مريم [73] شيئا من هذا على ما شرحناه في سياق تفسيرها قبل هذه السورة. ولقد تكرر التنبيه إلى أن ما يتمتع به الكفار هو من قبيل الاستدراج والإمهال على ما جاء في آيات سورة

تلقينات آية ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم

الأعراف [182، 183] وآيات سورة القلم [44، 45] وسبق تفسيرها. تلقينات آية وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وتنطوي الآيات على تلقينات جليلة مستمرة المدى لجميع المسلمين ولو أن الخطاب فيها موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه إمامهم وقدوتهم. فإمكانيات التمتع بالحياة الناعمة المترفة وأسبابها ليست مرتبطة بكفر وإيمان وليست نتيجة ملازمة لأية حالة منهما. والمهم في الحياة طمأنينة النفس وهدوء البال والرضى. وهذا ما يتحقق للمؤمن المتقي الذي يمنعه إيمانه وتقواه من جعل الدنيا أكبر همّه ويبث في نفسه القناعة والرضاء فيما يتيسر له من أسباب الحياة المشروعة والاعتماد على الله وحده في ذلك، ولزوم حدود الله والقيام بواجباته نحو الله والناس على أتمّ وجه. لا سيما أن الاستغراق في الحياة الدنيا وشهواتها كثيرا ما يسبب الآلام والنكبات ويثير القلق والاضطراب. وفي كل هذا الذي تلهمه الآيات ما فيه من معالجة روحية نافذة. وقد يكون من تلقيناتها وجوب قصر المسلم طمعه وطموحه عن اكتناز المال الكثير لأجل التباهي والتكاثر والاستمتاع الخاص به وحسب. وقد يؤيد هذا آيات عديدة في سور مكية ومدنية نددت باكتناز المال والاستغراق في حبه، وبخاصة إذا لم يكن لأجل نفع الغير به وإنفاقه في سبيل الله تعالى. وقد مرّ من ذلك أمثلة في سورة الفجر والتكاثر والعاديات، ومن ذلك آيات سورة التوبة هذه وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35) .

تعليق على تحدي الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم بالإتيان باية وما في الرد القرآني من تلقينات

تعليق على تحدي الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم بالإتيان باية وما في الرد القرآني من تلقينات وهذه أول مرة يحكي القرآن فيها تحدي الكفار للنبي بالإتيان باية أي معجزة بنص صريح ثم تكرر هذا كثيرا. والذي يتبادر لنا من أسلوب الآية [133] أنها بسبيل حكاية واقع. وليست بسبيل تسجيل أول تحدّ. وإن أولية الحكاية لا تمنع أن يكون الكفار قد تحدوا النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك. وقد لمحنا ذلك في آية سورة المدثر بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (52) وعلقنا عليه وعلى تحدي الكفار بالإتيان بالمعجزات. ولقد ردت عليهم الآية متسائلة عما إذا لم يكفهم ما يرونه من تطابق وتوافق بين القرآن الذي يتلى عليهم وما في الكتب المنزلة الأولى من الله على رسله السابقين. وهذا الرد ينطوي من جهة على توكيد لما شرحناه عن موضوع تحدي الكفار بالمعجزات في سورة المدثر ومن جهة على كون الكفار لا ينكرون الله تعالى وعادته في إرسال الرسل وإنزال الكتب عليهم من جهة، ولا يجهلون أن ما في أيدي أهل الكتاب هو من ذلك من جهة. وبكلمة أخرى إنهم لا ينكرون إرسال الرسل وإنما كانوا ينكرون نبوة النبي ويطلبون البرهان على أنه مرسل من الله تعالى. وجواب القرآن هنا على أسلوب الحكيم. فهم يطلبون معجزة ودليلا والقرآن يقرر أن الدليل والمعجزة فيما احتواه من مبادئ سامية وتطابق هذه المبادئ واتحاد مصدرها مع مبادئ ومصادر الرسالات والكتب السابقة التي يسلم الكفار بها وبمصدريتها الإلهية. ويهتف بهم إن في ذلك الكفاية لمن أراد الحق والحقيقة لأن الدعوة إلى الله وحده والعمل الصالح والنهي عن الشرك والإثم والفواحش لا يحتاجان إلى معجزة. وهذا الأسلوب تكرر في القرآن كثيرا ردا على الكفار على ما شرحناه في سياق سورة المدثر. ولقد فهم هذا أصحاب رسول الله على حقيقته فكسبوا وادخروا المال وانتفعوا ونفعوا به وتمتعوا بالطيبات الحلال في الحدود المرسومة في الآيات

[سورة طه (20) : الآيات 133 إلى 135]

والأحاديث. مما استفاضت به كتب التاريخ. ولقد أراد بعضهم أن يعفّ عن الطيبات فحرّمها على نفسه فندد بهم رسول الله ثم نزلت آيات سورة المائدة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88) . ولقد أثرت أحاديث صحيحة عن حياة الشظف التي كان يحياها النبي صلى الله عليه وسلم في بيوته «1» . وقد يكون هذا من أثر التوجه القرآني في الآيات التي نحن في صددها حيث اعتبرها رسول الله موجهة إليه بالدرجة الأولى على ما هو المتبادر فالتزم بهذه الحياة مما هو متصل فيما نرى بخطورة مهمته العظمى التي فرغ لها كل جهده وقواه وشغلت كل نشاطه وحياته فلم يبق لها مكان بنعم الحياة ومتعها. وفي سورة الأحزاب آيات فيها أمر رباني للنبي صلى الله عليه وسلم بتخيير زوجاته، بين الرضاء والقناعة بحياته التي يحياها وبين التسريح على ما سوف يأتي شرحه في مناسبتها مما يمتّ إلى هذا الذي نقرره بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والله تعالى أعلم. [سورة طه (20) : الآيات 133 الى 135] وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (133) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (134) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (135) (1) آية: هنا بمعنى دليل أو معجزة. (2) لولا: بمعنى هلا. (3) متربص: منتظر ومترقب. (4) السوي: المستقيم الذي لا عوج فيه ولا التواء.

_ (1) انظر التاج ج 4 ص 240- 241 وج 5 ص 160 وما بعدها.

في الآية الأولى حكاية لتحدي الكفار النبيّ صلى الله عليه وسلم بالإتيان باية من ربّه تدل على صدق صلته به، وردّ عليهم بصيغة الاستنكار عما إذا لم يكن ما احتواه القرآن من التطابق في الأسس والمبادئ مع ما احتوته الكتب المنزلة الأولى دليلا كافيا تقوم به الحجة والقناعة. وفي الرد ينطوي معنى التقرير الإيجابي كما هو المتبادر. وفي الآية الثانية بيان رباني بأسباب تأجيل عذاب الكفار على ما كان من كفرهم وآثامهم، وهو ما يمكن أن يوجهوه إلى الله من احتجاج بأنه كان ينبغي أن يرسل إليهم رسولا يبلغهم آياته وحدوده حتى يتبعوها ويهتدوا بها ولا يتعرضوا للخزي والذل والنكال. وفي الآية ينطوي ردّ تقريعي لاذع فقد أرسل الله تعالى إليهم رسوله لئلا تبقى لهم عليه حجة. فإذا ما أصابهم الله بعذابه ونكاله إذا كفروا برسوله فيكونون قد استحقوهما. وروح الآية تلهم أن القرآن يقر الحجة التي يمكن أن يحتج بها الناس إذا تركوا دون إنذار ودعوة وإرشاد إلى الخير والحق فكفروا وأثموا وتنكبوا طريق الحق وقصروا في واجباتهم، كما أنها تتضمن توكيد المبدأ القرآني الذي تكرر تقريره وهو قابلية الناس للاختيار واستحقاقهم لمصائرهم وفقا لاختيارهم، وتوكيد الحكمة الربانية التي اقتضت إرسال الرسل للدعوة إلى الله وبيان طرق الخير والشر، حتى يسعد وينجو من يسعد وينجو عن بينة ويهلك ويشقى من يهلك ويشقى عن بينة. وفي آية سورة النساء هذه رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (165) تدعيم لما استلهمناه من روح الآية. ومثل ذلك منطو بصراحة أيضا في آية سورة الإسراء هذه مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) . أما الآية الثالثة ففيها أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بإعلان الكفار أن ينتظروا وإنه منتظر معهم. والكل متربص ومترقب، ولن يلبث الناس أن يعلموا علم اليقين من هم الذين هم على طريق الحق ومن هم المهتدون. وقد انطوى في الآية وعيد رباني

للكفار وتطمين للمسلمين. فلسوف يري الكفار أنهم هم الضالون ولسوف يري المؤمنين أنهم هم المهتدون. ولم يرو المفسرون رواية ما بمناسبة نزول الآيات والمتبادر أنها متصلة بالسياق السابق واستمرار له. والضمير في (قالوا) عائد إلى الكفار الذين هم موضوع الكلام في الآيات السابقة. وقد جاءت الآيات وخاصة الآية الأخيرة خاتمة قوية للسورة عامة وللسياق المتصل بمواقف الكفار وتحديهم بنوع خاص. فكأنما قال الكفار ما قالوه على سبيل التحدي للنبي صلى الله عليه وسلم وفي مواجهته فردت الآيات عليهم ثم أنهت ثالثتها الموقف. وقد تكرر هذا الأسلوب في خواتم بعض السور مما مرّت أمثلة منه ونبهنا عليها. وفي كتب الحديث والتفسير وبخاصة تفسير ابن كثير أحاديث كثيرة تساق في مناسبة هذه الآية. منها ما ورد في كتب الصحاح ومنها ما لم يرد وهو في نطاق ما ورد في كتب الصحاح إجمالا. ومن ذلك حديث رواه الشيخان والترمذي جاء فيه «قدم أبو عبيدة بمال من البحرين وانتظر بعض الصحابة فقال رسول الله والله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدّنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم» وحديث رواه البخاري عن أبي ذرّ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إنّ الكثيرين هم المقلّون يوم القيامة إلّا من آتاه الله خيرا فنفح منه يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيرا» وحديث رواه الشيخان عن أبي سعيد جاء فيه «إنّ هذا المال حلوة من أخذه بحقّه ووضعه في حقّه فنعم المعونة هو ومن أخذه بغير حقّه كان كالّذي يأكل ولا يشبع» . وحديث رواه الترمذي عن كعب بن عياض عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن لكلّ أمة فتنة وفتنة أمّتي المال» وحديث رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة قال «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى يا ابن آدم تفرّغ لعبادتي أملأ صدرك غنىّ وأسدّ فقرك وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسدّ فقرك» . وحديث رواه ابن ماجه عن ابن مسعود قال «سمعت نبيّكم يقول من جعل الهموم همّا واحدا همّ المعاد كفاه الله همّ دنياه. ومن تشعّبت به الهموم في أحوال الدّنيا لم يبال الله في أيّ أوديته هلك» وحديث رواه شعبة بن

عمر عن زيد بن ثابت قال «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من كانت الدّنيا همّه فرّق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدّنيا إلّا ما كتب له. ومن كانت الآخرة نيّته جمع له أمره وجعل غناه في قلبه وأتته الدّنيا راغمة» . وحديث رواه الترمذي والإمام أحمد عن كعب بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والتّرف لدينه» . والحكمة الملموحة في الأحاديث هي تحذير المسلمين من الاستغراق في متع الحياة الدنيا ومشاغلها استغراقا يشغلهم عن واجباتهم نحو الله والناس ومن الاستكثار من جمع المال للمال وحسب. وليس فيها ولا في غيرها ولا في القرآن ما يمنع المسلمين من العمل وكسب المال وادخاره إذا كان ذلك في نطاق الاعتدال والحلال مع الإنفاق منه في سبيل الله والمحتاجين. وليس فيها ولا في غيرها ولا في القرآن ما يتعارض مع التقنين العام الذي انطوى في آيات سورة الأعراف [21- 23] التي سبق تفسيرها والتي لها أمثلة عديدة. بل وفي الأحاديث ما يتساوق مع كل ذلك.

سورة الواقعة

سورة الواقعة في السورة توكيد بحقيقة الآخرة ووصف لمنازل الناس فيها. وحكاية لأقوال المكذبين لها، وردّ وتحدّ وتقريع لهم، وبرهنة على عظمة الله وقدرته على بعث الناس ثانية كما خلقهم أولا وتنويه بالقرآن وخطورة شأنه. وآيات السورة منسجمة مترابطة متوازنة مما يدل على وحدة نزولها. وفي فاتحتها ما يمكن أن يكون قرينة على صحة نزولها بعد سورة طه. وقد روى المصحف الذي اعتمدنا عليه أن الآيتين [81، 82] مدنيتان. وهما منسجمتان سبكا وموضوعا مع ما قبلهما وما بعدهما مما يحمل على الشك في الرواية. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الواقعة (56) : الآيات 1 الى 6] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (2) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (3) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (5) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (6) (1) الواقعة: الكلمة وصف للحادث الخطير، وهنا كناية عن يوم القيامة. (2) كاذبة: إما بمعنى لا كذب في وقوعها، وإما بمعنى لا مكذب لها حينما تقع، وإما بمعنى لا صارف يصرفها ولا رادّ يردّها. (3) خافضة رافعة: تخفض أقواما وترفع آخرين.

[سورة الواقعة (56) : الآيات 7 إلى 10]

(4) رجت: حركت أو هزت بشدة. (5) بست: فتتت. (6) هباء منبثّا: الذرات الخفيفة المنتشرة في الهواء. الآيات مقدمة تمهيدية لما يأتي بعدها. وهي بسبيل التنويه بخطورة القيامة وتوكيد وقوعها دون كذب ولا تكذيب. وسيكون من أعلامها وهولها أن تهز الأرض هزّا شديدا وتتفتت الجبال حتى تكون كالهباء المنبثّ في الهواء. وقد تكرر مثل هذه المقدمة والتوكيدات والأعلام في سور عديدة مرّت أمثلة منها. [سورة الواقعة (56) : الآيات 7 الى 10] وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (7) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) (1) أزواجا: أصنافا. (2) حرف (ما) في جملتي أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة. هو إما لأجل التنويه بالأولين والتهويل في أمر الآخرين، وإما للتعجيب في ما يكون أمرهما. الآيات هي استمرار وتعقيب على الآيات السابقة حيث تضمنت تصنيف الناس في يوم القيامة ثلاثة أصناف: أصحاب اليمين وهم المؤمنون الناجون، وأصحاب الشمال وهم الكفار المجرمون، والسابقون أصحاب الدرجات العالية من المؤمنين. وفي الآيات التالية تفصيل لحالة كل من الأصناف. [سورة الواقعة (56) : الآيات 11 الى 26] أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (16) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (19) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (24) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (25) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً (26) (1) ثلة: جماعة. (2) موضونة: من الوضن. وهو حبك الدرع، وأريد بالكلمة التنويه بحسن صنع الأسرّة. وقيل إن الكلمة بمعنى المحبوكة أو المنسوجة بخيوط الذهب. (3) مخلدون: دائمون على حالهم لا يتغيرون. وقيل: مزينون بالأقراط لأن «الخلدة» تأتي بمعنى القرط على ما قاله الزمخشري. (4) أكواب: جمع كوب. وهو القدح الواسع الرأس بدون خرطوم. (5) الإبريق: الإناء الذي له خرطوم وعروة. (6) الكأس: القدح الممتلئ بالشراب. (7) معين: الماء الجاري الرقراق. (8) لا يصدعون: لا يحصل لهم صداع. (9) لا ينزفون: لا تذهب عقولهم أو لا تنزف أنوفهم وأفواههم ومخارجهم مما يحصل للسكران. (10) حور عين: وصف لعيون النساء. فالحور العيون التي تبدو مكحلة أو ناصعة بياض الحدقة. والعين: ذوات العيون النجلاء الواسعة. (11) المكنون: المخبأ وغير المبتذل باللمس. (12) لغوا: باطلا وعبثا. (13) تأثيما: اللوم والتثريب والاتهام بالإثم. الآيات استمرار للسياق. وقد تضمنت وصف مصير السابقين. فهم المقربون الذين يتنعّمون في الآخرة بالنعيم العظيم المترف الذي وصف وصفا دائما أخّاذا

تعليق على والسابقون السابقون (10) أولئك المقربون (11)

واضح العبارة، والذي يبعث الغبطة والرضا في نفوس أصحابه ويثير الرغبة الشديدة في إحرازه. وهذا مما استهدفته الآيات. تعليق على وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) والكلام مطلق على هوية السابقين المقربين وفي كتب التفسير أقوال عديدة في توضيح ذلك معزوة إلى أصحاب رسول الله وتابعيهم. منها أنهم الذين أسرعوا إلى الاستجابة للدعوة النبوية. والذين وصفوا بالسابقين الأولين في آية التوبة هذه وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ.. [100] ومنها أنهم كل المسارعين إلى الإيمان حالما تبلغهم الدعوة أو المسارعة في الخيرات الذين أثنت عليهم آيات سورة المؤمنون هذه ووصفتهم بالسابقين إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (60) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (61) ومنها أنهم السابقون إلى إجابة الأنبياء مطلقا. والذين قالوا هذا أردفوا قولهم بالقول إن الأمم السابقة أكثر من أمة محمد ولذلك قالت الآيتان ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14) والذين قالوا إنهم السابقون للاستجابة من أمة محمد أردفوا قولهم بالقول إن الذين استحقوا هذه الدرجة من بعدهم قليل. وإن هذا ما عنته الآيتان المذكورتان. وأيدوه بالحديث النبوي الذي جاء فيه «خير النّاس قرني» وهو حديث صحيح. وإلى هذا فقد أورد ابن كثير أحاديث معزوة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تفيد أن أصحاب رسول الله فهموا أن ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) تعني الأمم السابقة وأن وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14) تعني أمة محمد فحزنوا وتساءلوا وأن النبي طمأنهم بأنهم سوف يكونون نصف أهل الجنة.. والأحاديث لم ترد في كتب الصحاح. والذي يتبادر لنا أن الجملة القرآنية تتحمل أكثر الأقوال بل جميعها. غير أن

تعليق على ما جاء في الآيات من الإطناب في وصف مجلس الشراب والطعام وهدفه

هناك ما يجعلنا نرجح أن الآيات وما بعدها جاءت كتقرير تصنيفي عام يشمل الماضي والحاضر والمستقبل لمختلف الأصناف. ومن مرجحات ذلك أن السورة مكية مبكرة في النزول وكل من آمن في العهد المكي وبخاصة في أوله يعد من السابقين. في حين أن الآيات التالية ذكرت صنفا غيرهم وهم أصحاب اليمين. ثم إن الرعيل الأول من الأنصار الذين هم من السابقين الأولين لم يكونوا بعد قد آمنوا. وتعبير وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14) يكون قد تضمن والحالة هذه تقرير صعوبة الوصول إلى مرتبة السابقين المقربين. هذا من ناحية مدى العبارة القرآنية. ونقول بعد هذا إن الإيمان بما جاء في القرآن من المشاهد الأخروية ومنازلها واجب مع استشفاف الحكمة من ذكر ذلك بالأسلوب الذي ذكر به. ويتبادر لنا أن من الحكمة المنطوية في وصف منازل السابقين المقربين الشائق أن يكون في ذلك حفز للمؤمنين على أن يبذلوا جهدهم في التفاني والجهاد والتزام حدود الله ليستحقوا هذه المرتبة عند الله. وفي هذا سعادة وصلاح للإنسانية والمسلمين في الدنيا بالإضافة إلى النجاة وقرة العين في الآخرة. والله تعالى أعلم. تعليق على ما جاء في الآيات من الإطناب في وصف مجلس الشراب والطعام وهدفه ويلفت النظر إلى وصف مجلس الشراب والطعام الأنيق في الآيات وخاصة وصف الخمر وكونه لا يحدث صداعا ولا نزيفا. وقد تكرر هذا الوصف في مناسبات أخرى، والمتبادر أن ذلك متصل برسوخ عادة معاطاة الخمر في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم وآثارها المكروهة، وبسبيل تقرير أن ما في الجنة من لذائذ ومتع هي خالصة مما في مثيلاتها الدنيوية من نقائص ومشاهد بغيضة ومؤلمة، تقوية للترغيب وحثّا على ترك المكروه البغيض في سبيل ما هو خالص منه. مع التنبيه على وجوب

[سورة الواقعة (56) : الآيات 27 إلى 40]

الإيمان بما أخبر به القرآن من صور المشاهد الأخروية وإيكال أمر تأويلها إلى الله تعالى مع استشفاف الحكمة من ذكرها والتي يتبادر أن منها ما ذكرناه آنفا، والله أعلم. [سورة الواقعة (56) : الآيات 27 الى 40] وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34) إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (35) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (36) عُرُباً أَتْراباً (37) لِأَصْحابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (40) (1) سدر مخضود: سدر منزوع الشوك. والقصد وصف الجنة المعدة لأصحاب اليمين بأنها لا شوك لسدرها. والسدر هو شجر النبق. (2) طلح منضود. منضود بمعنى منضّد مصفوف، والطلح ثمر قيل إنه الموز حيث تكون أصابعه منضدة في العنقود. (3) ظل ممدود: ظل دائم لا يزول. (4) فرش مرفوعة: قيل إن الجملة كناية عن النساء اللاتي جاء وصفهن في الآيات التالية لهذه الآية، لأن المرأة يكنى عنها بالفراش «1» وقيل إنها بسبيل التنويه بارتفاع الفراش الذي يضطجع عليه أهل الجنة عن الأرض. (5) إنا أنشأناهن إنشاء: خلقناهن خلقا جديدا. والضمير عائد إلى النساء بقرينة الأوصاف التالية لهذه الآية. وجعل بعض المفسرين هذه الآية وما بعدها قرينة على كون المقصود بجملة وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34) النساء. وقيل إن النساء لم يذكرن وإنما اكتفى بذكر أوصافهن لمناسبة ذكر الفرش المرفوعة التي يضطجع عليها الرجال والنساء معا. (6) عربا: جمع عريب بمعنى اللعوب المتحببة لزوجها. (7) أترابا: جمع ترب، ومعنى الكلمة في الأصل الرقيق المماثل في السنّ

_ (1) انظر تفسيرها في كشاف الزمخشري.

تعليق على منازل أصحاب اليمين

وقيل إنها هنا بمعنى الطراوة في العمر. والآيات استمرار للسياق. وقد احتوت تنويها بأصحاب اليمين ووصفا لمنازلهم وحياتهم ونعيمهم في الجنة بعبارة واضحة. تعليق على منازل أصحاب اليمين والوصف أقل روعة من الوصف الأول. والحكمة في ذلك ظاهرة متسقة مع طبائع الأشياء. فالمؤمنون في مجال العمل متفاوتون، فمنهم السابق المجلي والمستغرق المتفاني. ومنهم المقتصد المتقي بل ومنهم المقصر بعض التقصير مع حسن النية. فاقتضت حكمة التنزيل أن يعلم الناس أن لكل منهم منازل فيها رضاء الله وعطفه مع التفاوت حسب سيرهم في مجال العمل. وتعبير ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (40) في صدد أصحاب اليمين ينطوي على ما هو المتبادر على تقرير كون أصحاب هذه المرتبة هم السواد الأعظم من المؤمنين في جميع الأوقات. وهو المتسق مع طبائع الأمور. وفي الآيات تشجيع وتطمين لأصحاب هذه المرتبة. فالله سبحانه يقبل من عباده المؤمنين عملهم الصالح مهما كان مقداره. ويرضى عنه ويثيب أصحابه. وما قلناه في آخر تعليقنا على ما جاء في الآيات السابقة من الإطناب في وصف مجلس الشراب والطعام وهدفه نقوله هنا بتمامه فلا حاجة إلى التكرار. [سورة الواقعة (56) : الآيات 41 الى 48] وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46) وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) (1) سموم: الريح الشديدة الحرارة واللفح.

تعليق على التنديد بالترف والمترفين

(2) حميم: الماء الشديد الحرارة. (3) يحموم: الدخان الشديد السواد. (4) لا بارد ولا كريم: يقصد بذلك وصف الظل بأنه لا يمنح برودة ولا يمنع أذى ومما قيل في معنى كريم أنه العذب. (5) مترفين: مرفهين منعّمين. (6) الحنث العظيم: الحنث هو النكث بالعهد والذنب والإثم. والمقصود من الحنث العظيم الكفر والشرك. والآيات كذلك استمرار للكلام. وقد احتوت تقريعا للكافرين الجاحدين المشركين الذين هم أصحاب الشمال، ووصفا لمنازلهم وعذابهم بأسلوب هائل ورائع: فهم معرضون للريح الشديدة الحرارة واللفح، فإذا عمدوا إلى إطفاء حرهم بالماء فهو حميم شديد الحرارة أيضا، وإذا عمدوا إلى رواق يتراءى لهم كأنه ظل فهو ظل من يحموم دخان شديد السواد لا يمنح برودة ولا يمنع أذى الحر. وليس من شك في أن هذا الوصف مما يثير الفزع والرهبة في النفوس، وهو مما استهدفته الآيات على ما هو المتبادر بالإضافة إلى القول بوجوب الإيمان بما احتوته الآيات من المشاهد الأخروية. ولقد احتوت الآيات بالإضافة إلى ذلك تعليلا لمصير الكفار الرهيب. فقد كانوا مستغرقين في حياة الترف مصرين على الكفر والجحود والإثم. وتكذيب ما كانوا يوعدون به من بعثهم وآبائهم بعد أن يموتوا ويصبحوا ترابا وعظاما. والمتبادر من الآيات وخاصة الآية [45] أن الكلام منصرف في الدرجة الأولى إلى الزعماء والأغنياء. فهم الذين يكونون عادة مستغرقين في حياة الترف. وهم الذين كانوا يقودون حملة التكذيب والمناوأة لدعوة الله سبحانه. تعليق على التنديد بالترف والمترفين وقد يبدو من الكلام أن الترف من جملة الآثام التي يعاقب عليها أصحابها في الآخرة، وإنه لكذلك إذا كان فيه سرف وسفه واستغراق يحول بين صاحبه وبين

تعليق على تنوع أوصاف النعيم والعذاب في الآخرة

الإيمان والعمل الصالح والقيام بواجباته نحو الله تعالى والناس. وقد يكون في الجملة- والحال هذه- معنى من معاني الإنذار والتحذير للمسلمين بأن يلتزموا الاعتدال في حياتهم وفق الحدود التي رسمها الله لهم في آيات سورة الأعراف هذه يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (33) وآية سورة الإسراء هذه وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (29) . تعليق على تنوع أوصاف النعيم والعذاب في الآخرة هذا، ولا بد من أن يكون تالي القرآن قد لا حظ تنوعا في وصف ثواب الآخرة وعذابها وأحداثها وأهوالها. غير أنا لا نرى في هذا ما يدعوا إلى التوهم، فمع الحقيقة الإيمانية المغيبة في البعث والحساب والثواب والعذاب ووجوب الإيمان بما أخبر به القرآن من المشاهد الأخروية فإن تكرر المواقف وتجدد المناسبات مما يقتضي أو يتحمل التنويع في أساليب الترهيب والترغيب والتبشير والإنذار حفزا للهمم ودعوة للإرعواء، ويلفت النظر إلى أن أوصاف النعيم والعذاب هي مستمدة من مألوفات الناس ومفهوماتهم في الدنيا للتقريب والتمثيل لأن الناس لا يتأثرون إلّا بما في أذهانهم من صور وما يقع تحت مشاهدتهم وحسهم وتجاربهم. وبما أن المألوفات والمفهومات في هذا الباب متنوعة فالمتبادر أن الحكمة اقتضت التنويع لتحقيق الهدف الدنيوي من الإنذار والتبشير والترهيب والترغيب. قرينة على صحة نزول هذه السورة بعد سورة طه ويلفت النظر إلى مظهر يمكن أن يكون قرينة على صحة نزول هذه السورة بعد سورة طه. وهو أن سورة طه انتهت بإيعاد الكفار وإنذارهم وإنظارهم إلى اليوم

[سورة الواقعة (56) : الآيات 49 إلى 56]

الذي يعلمون فيه علم اليقين من هو المهتدي ومن هو الضال. فجاءت هذه السورة تصف ذلك اليوم وتصف مصائر الناس فيه حسب مواقفهم وأعمالهم في الدنيا. [سورة الواقعة (56) : الآيات 49 الى 56] قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55) هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (56) (1) شجرة الزقوم: هي شجرة معروفة في الحجاز بكثرة شوكها ومرارة ثمرها. (2) الهيم: الإبل العطاش المريضة بداء الهيام الذي يدفعها إلى الإكثار من الشرب مع عدم الري. في الآيات أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالرد على ما حكته الآيات السابقة من أقوال الكفار التي ينكرون فيها البعث والتي هي من أسباب المصير الرهيب الذي سوف يصيرون إليه. وهي استمرار للسياق والحال هذه. وقد احتوت توكيدا ربانيّا بأن جميع الناس من جميع الأجيال سيبعثون ويجمعون إلى موعد معلوم في علم الله، واستطرادا إنذاريّا للكفار المكذبين بما سوف يلقونه من المصير الوخيم في ذلك اليوم حيث يأكلون من شجر الزقوم حتى تمتلئ بطونهم ويشربون من الحميم كما تشرب الإبل المريضة بالهيام التي تظل تشرب ولا ترتوي. وأوصاف العذاب الجديدة الواردة في هذه الآيات مستمدة هي الأخرى من مألوفات العرب ومفهوماتهم الذين كانوا أول من خوطب بالقرآن وكانوا موضوع الكلام وقد استهدف بها فيما استهدف تشديد الإنذار حيث كانت من أشد ما تعافه النفوس وتتأذى به.

[سورة الواقعة (56) : الآيات 57 إلى 74]

[سورة الواقعة (56) : الآيات 57 الى 74] نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (57) أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (72) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (73) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74) (1) لولا: في هذه الآيات بمعنى هلا للتنديد. (2) تمنون: تنزلون المني الذي هو سبب النسل. (3) وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون: وما نحن بمسبوقين بمعنى وما نحن بعاجزين أو وما نحن بمغلوبين، أو لا يستطيع أحد أن يسبقنا ويمنعنا عن تبديل أمثالكم وأشكالكم. وإنشائكم في حالة أو أوصاف أخرى أو أماكن أخرى لا تعلمونها. (4) حطاما: هشيما مفتتا. (5) ظلتم: ظللتم. (6) تفكهون: هنا بمعنى تتعجبون مما وقع وتتحسرون وتتلهفون وتقولون. (7) إنا لمغرمون: إنا لخاسرون أتعابنا ونفقاتنا. (8) المزن: السحب ومفردها مزنة. (9) تورون: تقدحون لأجل إيقاد النار. (10) المقوين: من الإقواء وهو الخلو في الأصل، والكلمة إما بمعنى السائرين في القفر الخالي، أو الخالية بطونهم من الطعام.

الآيات استمرار للسياق. والخطاب فيها موجه للكفار المكذبين الذين كانوا موضوع الآيات السابقة. وقد احتوت تنبيهات وتقريرات وتنديدات بسبيل البرهنة على قدرة الله تعالى على البعث الذي ينكرونه ويكذبونه: فالله تعالى خلقهم فكيف لا يصدقون بأنه قادر على خلقهم مرة ثانية؟ وهل هم الذين خلقوا المني الذي هو سبب النسل! أم الله الذي قدر على الناس الموت والذي لا يستطيع أحد أن يغلبه ويسبقه ويمنعه عن تبديلهم بخلق آخر وإنشائهم على حال غير حالهم حينما يشاء وأنى شاء. ولقد عرفوا هذه القدرة الربانية واعترفوا بها فكيف نسوا ذلك ولم يتذكروه وأنكروا قدرته على بعث الخلق ثانية. وهل هم الذين ينبتون الزرع الذي يحرثون الأرض له ويبذرون بذاره أم الله تعالى القادر على أن يجعله حطاما لا غلة فيه ولا ثمر. ولو فعل هذا لما كان منهم إلّا الحسرة والندم وندب الحظ بما أصابهم من خسارة وحرمان. وهل هم الذين أنزلوا من الحساب الماء الذي يشربون أم الله تعالى القادر على إنزاله ملحا أجاجا، فكيف لا يشكرونه على نعمه ويعترفون بربوبيته وقدرته. وهل هم الذين خلقوا الشجر الذي يوقدون منه النار أم الله تعالى الذي جعله نافعا للناس جميعهم حضرهم وبدوهم وبخاصة للمقوين منهم. وقد أمرت الآية الأخيرة النبي صلى الله عليه وسلم أو السامع المؤمن إطلاقا بتقديس الله وتنزيهه عما يقوله الكفار المكذبون جريا على الأسلوب التخاطبي المألوف حينما يصدر من أحد قول أو فعل فيه افتراء على الله أو جحود لقدرته أو سوء أدب إزاءه. والآيات قوية في صدد ما نزلت لأجله ومستحكمة في الكفار لأنهم يعترفون بأن الله هو خالق السموات والأرض على ما حكته آيات القرآن التي منها آية الزخرف هذه وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) وآية سورة الزخرف هذه أيضا وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87) .

[سورة الواقعة (56) : الآيات 75 إلى 80]

وأسلوب الآيات ومضامينها تؤيد ما قلناه غير مرة من استهداف ما يرد في القرآن من الإشارات إلى سنن الله في كونه الواعظة دون قصد التقريرات والنظريات العلمية والفنية وفي نطاق مألوفات الناس وما يقع تحت حسهم ومشاهداتهم. [سورة الواقعة (56) : الآيات 75 الى 80] فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (78) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (80) المتبادر أن الآيات جاءت استطرادية أو تعقيبية لتوكيد صلة القرآن الذي يوحى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم والذي يتضمن تقرير ما يبلغ للناس ويوعدون به بالله تعالى حيث احتوت قسما ربانيّا بمواقع النجوم وهو قسم عظيم لو يعلم الناس أسرار كون الله بأن ما يتلى عليهم من الآيات المحتوية تلك الوعود والبراهين القاطعة على قدرة الله وعظمته وحقيقة البعث والجزاء الأخروية هو قرآن كريم منزل من ربّ العالمين في كتاب محفوظ لا يمسه إلا المطهرون. ولقد روى الطبري عن ابن عباس في صدد جملة بِمَواقِعِ النُّجُومِ أنها منازل القرآن في السماء الدنيا التي نزل إليها من أعلى واستقر فيها ثم أخذ ينزل منها منجما حسب الأحداث كما روي عن الحسن وقتادة وهما من علماء التابعين أنها منازل النجوم الحقيقة ومطالعها ومساقطها. ثم رجح القول الثاني. وهو الصواب كما هو المتبادر لنا لأن القول الأول لا يستند إلى خبر قرآني وحديث نبوي وثيق ولا تفهم له حكمة، وقد يكون متناقضا مع وقائع الأمور وطبائع الأشياء من حيث إن الأحداث التي نزل بها القرآن كانت تقع وتتجدد على ما نبهنا عليه في سياق سورة القدر. والله تعالى أعلم. تعليق على آيات إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (78) لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) ويلحظ أن الآيتين [77، 78] مماثلتان لآيتي سورة البروج بَلْ هُوَ قُرْآنٌ

مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22) بفارق ورود كلمتي كتاب مكنون بدل من كلمتي لوح محفوظ. وقد قال بعض المفسرين إن الكلمتين هنا تعنيان اللوح المحفوظ أيضا. والذي يتبادر لنا أن كلمة كتاب هنا تؤيد ما أوّلنا به كلمة اللوح في سياق تفسير سورة البروج وهو علم الله الشامل. وقد صرف بعض المفسرين جملة لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ إلى الملائكة بسبيل تقرير طهارة الملائكة النازلين به. وصرفها آخرون إلى الناس بسبيل حظر مسّ صحف القرآن على غير الطاهرين. وصرفها بعضهم إلى الأنبياء والرسل من بني آدم والملائكة. وقال آخرون إنها تنطوي على تقرير كونه محفوظا عن غير المقربين من الملائكة دون سائرهم «1» . والأقوال الأولى واردة دون الأخير الذي يقتضي أن يكون في الملائكة طاهرين وغير طاهرين. وقد يستأنس على القول الأول بآيات سورة عبس هذه فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرامٍ بَرَرَةٍ (16) وقد يستأنس على التالي بالتواتر الذي ينقطع من عهد النبي صلى الله عليه وسلم في حظر مسّ المصحف على غير الطاهرين من الحدث الأكبر (الجنابة) بالإجماع والحدث الأصغر (مفسد للصوم) بغير إجماع. وفي حالة رجحان هذا القول يكون في الآية دليل على أن فصول القرآن وسورة كانت تدوّن في صحف وتحفظ في مصحف أولا فأولا. وهو ما قامت عليه الأدلة العديدة من القرآن والسنة والروايات الوثيقة. ولقد روى الإمام مالك في الموطأ «أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم أن لا يمس القرآن إلّا طاهر» وعقب الإمام على هذا قائلا «ولا يحمل أحد المصحف بعلاقة ولا على وسادة إلّا وهو طاهر» . والحديث يؤيد ما جرى العمل عليه المتواتر منذ العهد النبوي. أما التعقيب فهو رأي اجتهادي ونراه يتحمل النظر لأن فيه مشقة على المسلمين. وقد رفع الله عنهم الحرج في الدين كما جاء في آية سورة الحج [78] . والنصّ القرآني لا يتسق مع هذا القول لأنه إنما حظر مسّ القرآن مباشرة على غير المتطهرين، والله أعلم.

_ (1) انظر هذه الأقوال في كتب تفسير ابن كثير والخازن والزمخشري والطبرسي.

[سورة الواقعة (56) : الآيات 81 إلى 96]

ولقد روى الإمام مالك أن عمر بن الخطاب كان يقرأ القرآن على غير وضوء. والمتبادر أنه كان يقرأ من حفظه. وفي هذا سنة راشدية تواتر العمل بها، وليس بينها وبين النص القرآني والحديث النبوي تعارض. [سورة الواقعة (56) : الآيات 81 الى 96] أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96) (1) مدهنون: مكذبون له أو مترددون فيه. (2) تجعلون رزقكم أنكم تكذبون: تجعلون واجب شكركم على ما رزقكم الله تكذيب ما يؤكد وقوعه، أو تجعلون كل حظكم من الخير أو كل همّكم تكذيب ما يؤكد الله وقوعه. (3) لولا: هنا للتنديد والتحدي بمعنى هلّا. (4) إذا بلغت الحلقوم: إذا بلغت روح المرء حلقومه، والجملة كناية عن الاحتضار. (5) غير مدينين: غير مبعوثين للجزاء، أو غير مدينين في حياتكم ومماتكم لأحد أو غير مربوبين ومملوكين لأحد، على اختلاف الأقوال. (6) ترجعونها: الضمير عائد لروح المحتضر حينما تصل إلى الحلقوم. (7) روح: هنا بمعنى الراحة أو الرحمة. الآيات استمرار للسياق. والخطاب موجه إلى الكفار المكذبين مثل الآيات السابقة.

وقد احتوى القسم الأول منها- أي الآيات [81- 87]- تقريعا وتحديا للكفار: فهل لا تزالون مترددين في تصديق قدرة الله على البعث ومصرين على تكذيبكم وجحودكم بعد الذي سمعتموه من آيات وبراهين وتوكيد، وتجعلون كل حظكم من الخير التكذيب بدلا من شكر الله على نعمه. وهل تستطيعون أن تردوا عن صاحب لكم موتا حينما تبلغ روحه الحلقوم وترجعوها إليه إذا كنتم صادقين بأنكم غير مدينين لله تعالى بحياتكم وموتكم وغير مربوبين له وغير راجعين إليه. ولقد عجزتم عن ذلك واكتفيتم بالنظر إلى صاحبكم وهو في غمرات الموت والله أقرب إليه منكم. أما القسم الباقي من الآيات فقد احتوى استطرادا إلى ذكر مصير كل ميت. فإذا كان من طبقة المقربين فله الروح والريحان والجنة. وإذا كان من طبقة أصحاب اليمين فله السلام والتكريم من أمثاله الذين يستقبلونه. أما إذا كان من المكذبين الضالين فمصيره ونزله النار والحميم. وقد انتهت الآيات بتوكيد صحة هذا المصير. فهو يقينيّ لا ريب فيه. ثم بالأمر ثانية بتقديس الله تعالى وتنزيهه عمّا يقوله المكذبون الضالون. والتنويه بعظمته. وطابع الختام بارز على هذا الفصل مما تكرر في سور أخرى، وفيه عود على بدء حيث تتشابه خاتمة السورة مع فاتحتها مما فيه صور من صور النظم القرآني كما هو المتبادر. هذا، وفصول السورة بمجموعها صورة من صور النضال الشديد الذي كان يقع بين النبي صلى الله عليه وسلم والكفار، وبخاصة في صدد تكذيب البعث والجزاء الأخرويين.

سورة الشعراء

سورة الشعراء في السورة تقريع للكفار وحملة عليهم وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم إزاء مواقفهم. وفيها سلسلة طويلة في قصص الأنبياء وأممهم، فيها العبرة والموعظة والمثل والإنذار والتثبيت. وفيها بعض صور السيرة النبوية وبيئة النبي عليه السلام وعهده وبعض أقوال الكفار وعقائدهم. وهي ثاني سورة من القرآن من حيث عدد الآيات. وفصولها مترابطة منسجمة وأواخر آياتها متوازنة. ومع أن أسلوبها مسجع بشكل ما فهو أقرب إلى الترسل المطلق مع التوازن. وقد لحق أكثر فصولها لازمة مكررة مما يجعلها ذات خصوصية سبكية كسورة المرسلات وجملة فصول السورة تسوغ القول إنها نزلت متلاحقة حتى تمت. وقد روى المصحف الذي اعتمدنا عليه أن الآيات [97 و 224- 227] مدنيات. وعدا الآية [227] الآيات الأخرى منسجمة مع سياقها سبكا وموضوعا مما يحمل على الشك في صحة الرواية. أما الآية [227] فإن مضومنها يؤيد صحة مدنيتها وقد ألحقت بالآيات [224- 226] للمناسبة والاستدراك على ما سوف يأتي شرحه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الشعراء (26) : الآيات 1 الى 9] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طسم (1) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (2) لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (4) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)

تعليقات على الآيات التسع الأولى من السورة

(1) المبين: الموضّح. (2) باخع نفسك: مهلك نفسك. وأصل البخع الذبح حتى يبلغ البخاع الذي هو عرق في العنق، على ما جاء في الكشاف. (3) محدث: جديد. (4) زوج: صنف أو نوع. تعليقات على الآيات التسع الأولى من السورة تعددت روايات المفسرين عن أهل التأويل الأولين في (طسم) منها أنها اسم للقرآن. أو اسم لله تعالى، أو قسم أقسمه الله بطوله وسنائه وملكه. وكما رجحنا بالنسبة للحروف المماثلة في مطالع السور نرجح هنا أنها جاءت لاسترعاء السمع، وقد احتوت الآية التالية إشارة إلى آيات القرآن جريا على النظم القرآني في معظم السور المماثلة. وينطوي في الإشارة معنى التوكيد بالخطورة والتنويه. ووصف المبين فيها هو بسبيل بيان ما في القرآن من إبانة وتوضيح ووضوح. وقد تكرر هذا الوصف لآيات القرآن والقرآن. والوصف يحتمل أن يكون بقصد بيان وضوح المعاني والدلالات كما يحتمل أن يكون بقصد بيان ما احتوته الآيات القرآنية من تبيين لسبل الحق والرشاد والهدى. وكلا الاحتمالين وارد وصادق. بل إن الاحتمالين واردان وصادقان. ففي الآيات القرآنية وضوح من حيث المعاني والدلالات كما فيها بيان لسبل الحق والرشاد والهدى. والآية الثالثة بسبيل تسلية النبي صلى الله عليه وسلم فيما يثيره جحود قومه في نفسه من غمّ

وحزن. وأسلوبها ينطوي على العطف والتحبب. فلا ينبغي له أن يهلك نفسه غمّا وحزنا لعدم إيمانهم واستجابتهم إلى دعوته وتصديقهم بآيات الله وقرآنه. وقد يكون في الآية قرينة على صحة نزولها بعد سورة الواقعة التي ظللت فصولها تحكي تكذيبهم وجحودهم. والآية الرابعة هي بسبيل التطمين من جهة وإنذار الكفار من جهة أخرى حيث تقرر أن الله تعالى لو أراد لأنزل عليهم آية من السماء فتظل أعناقهم خاضعة لها. ومن المفسرين من أول جملة فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (4) في الآية بأن الله لو أراد لأجبرهم على الإيمان بآية ينزلها عليهم من السماء» . ومنهم من أولها بأن الله لو أراد لأنزل عليهم نازلة تذلّ لها أعناقهم «2» . ومع ما في القول الأول من وجاهة فإن الآيات التالية ترجح القول الثاني حيث احتوت وصف عناد الكفار واستهزائهم وأنذرتهم بعذاب الله وعقابه. وفي الآية الخامسة تنديد بالكفار الذين كلما جاءهم قرآن جديد من الله أعرضوا عنه وكذبوه. وقد قال المفسرون في تأويل الآية السادسة إنها بسبيل إنذار الكفار ووعيدهم بالعقاب على استهزائهم بآيات الله وتكذيبهم لها. وقد خطر لبالنا احتمال انطوائها على بشرى وتطمين من الله تعالى للنبي عليه السلام استلهاما من ألفاظها واستئناسا بآيات أخرى، حيث تقرر أن الدعوة المحمدية التي يستهزئون بها ستنتصر، ويرون أعلام ذلك ويسمعون أنباءه. ومن الآيات التي يمكن أن يستأنس بها على هذا التأويل آية سورة ص هذه قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88) . وفي الآية السابعة سؤال استنكاري وتنديدي عمّا إذا كانوا لم يروا ما أنبته الله تعالى من الأرض من أصناف النباتات الكريمة مما فيه برهان على ربوبيته وعظمته واستحقاقه وحده للعبادة والخضوع.

_ (1) انظر تفسير الآيات في ابن كثير مثلا. (2) انظر تفسيرها في الطبري مثلا.

تعليق على كلمة «محدث» في الآيات

وفي الآية الثامنة تعقيب على هذا السؤال بأن في ذلك الحجة الدامغة برغم أن أكثرهم لا يؤمنون. أما الآية التاسعة فهي موجهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم عودا على بدء بسبيل تسليته. فربّه هو العزيز القاهر الذي لا يعجزه شيء، والرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء. وكأنما انطوت على تقرير كونه قادرا على سحق الكفار وإخضاعهم غير أن حكمته ورحمته اقتضتا عدم التعجيل بذلك وإفساح رحمته لهم لعلهم يرعوون. ولقد ارعوت أكثريتهم الساحقة حقّا بعد أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأيده الله ونصره. وقد غدت الآيتان لازمة لمعظم فصول السورة حيث تكررتا عقب كل فصل لنفس القصد والهدف. وفي ذلك أيضا صورة من صور النظم القرآني التي تكررت في بعض سور أخرى. ولقد أورد الزمخشري في كشافه والمفسر الشيعي الطبرسي في تفسيره في سياق تفسير الآيات رواية عن ابن عباس مفادها أن بعض هذه الآيات وخاصة إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (4) في بني هاشم وبني أمية حيث انطوت على البشرى للأولين ضد الآخرين، والتكلف وأثر الحزبية السياسية المتأخرة كثيرا عن عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهران في الرواية. ولا نرتاب في أنها مكذوبة على ابن عباس رضي الله عنه. ولا سيما إن الآيات نزلت قبل أن يؤمن من عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم الأقربين إلّا أفراد قلائل جدّا، كما أن أسلوبها مماثل للأساليب المتكررة في صدد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وإنذار الكفار. ومن المؤسف أن أصحاب الأهواء وخاصة شيعة العلويين ومفسريهم أكثروا من رواية مثل هذه الروايات وتأويل كثير من الآيات بما يتفق مع أهوائهم برغم ما يكون في التأويل من مفارقة ومباينة للوقائع وفحوى الآيات وسياقها ومناسبتها. تعليق على كلمة «محدث» في الآيات ويقف علماء الكلام عند كلمة (محدث) فيتخذها بعضهم دليلا على حدوث القرآن ويؤولها بعضهم بما يجعل هذا الاستدلال في غير محلّه لأنه يؤدي في رأيهم

[سورة الشعراء (26) : الآيات 10 إلى 68]

إلى القول بأن القرآن حادث ومخلوق وهو كلام الله والكلام من صفات الله القديمة بقدمه التي لا يصح عليها حدوث وخلق. والكلمة في مقامها واضحة الدلالة على أنها قصدت معنى (آيات جديدة النزول من القرآن) ولا تقتضي إثارة المعنى الذي أريد الجدل حوله. وقد أرجأنا شرح الخلاف الكلامي في صدد خلق القرآن وعدم خلقه إلى سورة التوبة التي فيها آية تفيد أن القرآن كلام الله لأن المناسبة فيها قائمة أكثر. [سورة الشعراء (26) : الآيات 10 الى 68] وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (11) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) قالَ كَلاَّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (17) قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (19) قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (22) قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (23) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (25) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ (35) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (40) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (41) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (44) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (46) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (48) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (53) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (58) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60) فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68)

(1) وتلك نعمة تمنها علي أن عبّدت بني إسرائيل: أوّل بعض المفسرين الآية بأنها تعني قول موسى: هل هذه نعمة تمنها عليّ مع أنك استعبدت قومي بني إسرائيل. وأوّلها بعضهم بأنها تعني قول موسى: إن استعبادك لبني إسرائيل كان نعمة عليّ لأنه جعلني أفرّ فرعاني الله وجعلني من المرسلين. ونحن نختار الأول. (2) حاشرين: سوّاقين أو جامعين للسحرة. (3) يأفكون: يفترون. (4) لا ضير: لا نرى في ما تقول ضررا وخطرا علينا لأننا منقلبون إلى ربنا. (5) أسر بعبادي: أخرج بهم ليلا. والسرى هو السير في الليل. (6) شرذمة: جماعة قليلة.

تعليق على قصة موسى وفرعون في السورة

(7) حاذرون: بمعنى متحذرين ومتيقظين لشرهم. وقرئت حادرون بمعنى الأقوياء بجمعنا. (8) مشرقين: وقت شروق الشمس. ولعلّها بمعنى نحو الشرق لأن القصة تلهم أن بني إسرائيل ساروا في طريق الشرق. (9) مدركون: سيلحق بنا ويوصل إلينا. (10) الطود: الجبل. (11) أزلفنا: قرّبنا. وهي كناية عن «أنجينا» . تعليق على قصة موسى وفرعون في السورة الآيات أولى حلقات سلسلة طويلة في قصص الأنبياء وأقوامهم اقتضت حكمة التنزيل تكرارها في هذه السورة. وقد جاءت عقب الآيات التي نددت بالمكذبين المستهزئين وأنذرتهم، جريا على الأسلوب القرآني وبقصد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين وتثبيتهم بما كان من الأقوام السابقة تجاه أنبيائهم من مواقف مماثلة لمواقف الكفار. فهي والحال هذه متصلة بالسياق. وقد احتوت هذه الحلقة قصة إرسال الله تعالى موسى عليه السلام إلى فرعون ومعجزة العصا واليد البيضاء والمناظرة بين موسى عليه السلام والسحرة وتغلبه عليهم وخروج بني إسرائيل بقيادته ونجاتهم وإغراق فرعون. وعبارتها واضحة، ومعظم ما جاء فيها ورد في سورتي طه والأعراف مع بعض زيادة أو نقص في الأسلوب اقتضتهما حكمة التنزيل. والجديد في الآيات تخوف موسى عليه السلام من القتل لذنب صدر منه وتذكير فرعون له به. وفي سورة القصص إيضاح لذلك، حيث حكت بعض آياتها استصراخ رجل عبراني لموسى عليه السلام على عدوّ له فقتله ثم هرب إلى مدين خوفا. وقد ورد هذا في الإصحاح الثاني من سفر الخروج. ولحوق اللازمة بهذه الحلقة دليل على أنها كمثيلاتها قد نزلت للتذكير

وضرب المثل والتسلية. لأن ضمير الآية الأولى في اللازمة راجع إلى الكفار بالدعوة المحمدية. ولقد احتوت الآيات حكاية تهديد فرعون لموسى عليه السلام بالسجن ونعته إياه بالجنون. وفي هذا شيء من المماثلة بين موقف فرعون وأقواله وبين موقف كفار العرب وأقوالهم للنبي صلى الله عليه وسلم حيث انطوى في ذلك التسلية والتطمين أيضا. فقد نصر الله موسى عليه السلام على فرعون مع قوته وجبروته مع تهديده ومنعته، وأغرقه مع قومه وهو القادر على أن يفعل ذلك مع كفار العرب. ولقد أورد المفسرون على هامش هذه الحلقة بيانات كثيرة معزوة إلى علماء التابعين. منها ما هو تكرار لما أورده في سياق سورتي الأعراف وطه. ومنها ما هو متطابق مع ما جاء في أسفار العهد القديم الأربعة التي تؤرخ رسالة موسى وعهده والمتداولة اليوم. ومنها غير المتطابق ولم نر ضرورة لمجاراتهم لأننا أوردنا في السور السابقة ما رأينا فيه الكفاية والفائدة من ذلك. ولقد جاء ما أوردوه في نطاق ما احتوته الآيات حيث ينطوي في هذا تدعيم لما قلناه من أن ما جاء في القرآن من جزئيات الحلقة كان المتداول في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم. وليس لهذا مصدر إلا اليهود وما كان في أيديهم من قراطيس. ومن الجديد في الحلقة تهديد فرعون لموسى عليه السلام بالسجن ونعته إياه بالجنون. والمتبادر أن ذلك مما كان متداولا وقد استهدف ذكره ما نبهنا عليه أيضا من تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتطمينه. ومن الجديد كذلك ما جاء في الآيات [57- 59] حيث قد تفيد أن الله تعالى أورث بني إسرائيل كنوز فرعون وقومه وجناتهم ويجوز أن يكون هذا من مدى تعبير آية الأعراف التي ذكرت أن الله أورث بني إسرائيل مشارق الأرض التي بارك فيها ومغاربها. وقد كانت في نطاق سلطان فراعنة مصر قبل أن يخرج بنو إسرائيل من مصر. ولقد علقنا على هذا الإرث في سياق آية سورة الأعراف فلا حاجة إلى الإعادة. ولقد روى الحسن العسكري المفسر الشيعي في تفسيره للآيات [49- 50]

[سورة الشعراء (26) : الآيات 69 إلى 104]

من سورة البقرة في صدد اجتياز بني إسرائيل البحر رواية عجيبة غريبة تثير التعجب في قارئها لتسويغ مفسري الشيعة لصنع مثل هذه الروايات وحشو كتبهم بها ويكشف شدة استغراقهم في حزبيتهم حتى جعلتهم لا يرون في الهراء عيبا. وقد رأينا أن نوردها هنا بمناسبة هذه السلسلة التي ورد فيها خبر ذلك الاجتياز. وقد جاء في الرواية «أن موسى لما انتهى إلى البحر أوحى الله إليه أن قل لبني إسرائيل جددوا توحيدي وأسروا بقلوبكم ذكر محمد سيد عبيدي وإمائي وأعيدوا على أنفسكم الولاية لعلي أخي محمد وآله الطيبين وقولوا اللهم بجاههم جوزنا على متن هذا الماء فإن الماء يتحول لكم أرضا. وترد بنو إسرائيل في تصديق ذلك حتى جرب الأمر طالب بن يوحنا فتحقق. وحينئذ طلب بنو إسرائيل أن يكون لكل سبط طريقهم الخاص وأن تكون جدران كل طريق شفافة حتى يرى بعضهم بعضا أثناء الاجتياز فكان الله يأمر موسى بأن يقول لهم توسلوا إلي بجاههم حتى أحقق لكم مطالبكم. فكانوا يتوسلون وحقق لهم ما طلبوه «1» . [سورة الشعراء (26) : الآيات 69 الى 104] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (69) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (70) قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (71) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (98) وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ (99) فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (100) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104)

_ (1) التفسير والمفسرون للذهبي ج 3.

تعليق على قصة إبراهيم وأبيه وقومه في السورة

(1) عاكفين: مقيمين على عبادتهم. (2) حكما: فهما وحكمة. (3) ينتصرون: يدفعون عن أنفسهم أو ينقذون أنفسهم. (4) كبكبوا: من الكب بمعنى ألقوا وقذفوا. (5) يختصمون: يتجادلون. (6) إذ نسويكم: إذ نجعلكم سواء أو مساوين. (7) صديق حميم: صديق شديد الصداقة. تعليق على قصة إبراهيم وأبيه وقومه في السورة هذه حلقة ثانية من السلسلة احتوت حكاية ما كان بين إبراهيم عليه السلام وأبيه وقومه ومصيرهم في الآخرة، وعبارتها واضحة. وبعض ما جاء فيها جاء في سورة مريم التي سبق تفسيرها مع بعض زيادة ونقص في الفحوى والأسلوب اقتضتهما حكمة التنزيل التي اقتضت تكرار إيراد القصة لمناسبة جديدة. وقد علقنا على القصة وأوردنا بعض البيانات التي رواها المفسرون عن علماء الأخبار واستدللنا بها على أن قصص إبراهيم المماثلة التي لم ترد في سفر التكوين كانت متداولة في عصر النبي وبيئته. ولم يورد المفسرون في سياق هذه الحلقة بيانات جديدة يحسن إيرادها أو إيجازها. وفي القصة شيء جديد وهو أن المحاورة لم تقتصر هنا على إبراهيم عليه السلام وأبيه بل اشترك فيها قوم إبراهيم مع بيان كونهم كانوا يعبدون الأصنام. وقد

ذكر هذا أيضا في الروايات التي يرويها المفسرون عن علماء الأخبار على ما ذكرناه في سياق تفسير سورة مريم. وبدء هذه الحلقة بجملة وَاتْلُ عَلَيْهِمْ التي يعود الضمير فيها إلى الكفار كما هو المتبادر وانتهاؤها باللازمة التي يعود ضميرها إلى الكفار أيضا دليل على أن القصد من إيرادها هو التذكير وضرب المثل. والآيات [90- 102] جاءت بمثابة تعقيب على قصة إبراهيم وأقواله ودعائه. موجهة لسامعي القرآن على ما هو المتبادر منها. فالجنة تهيأ للمتقين والجحيم للغاوين الذين يسألون على سبيل التحدي والتبكيت عن شركائهم الذين كانوا يعبدونهم من دون الله وعمّا إذا كانوا يمكنهم أن ينصروهم ثم يكبون جميعهم في جهنم فيأخذون بالتلاوم وإظهار الندم على ما فرط منهم والحسرة على فقدهم أي شفيع وصديق. وتمني العودة لتلافي أمرهم. وأسلوبها قوي نافذ من شأنه أن يثير الطمأنينة والغبطة في المتقين والفزع والهلع والندم في الكفار. وهو ما استهدفته كما هو المتبادر. والأسلوب الذي حكيت به قوة إخلاص إبراهيم عليه السلام لله تعالى واعتماده عليه وحده ودعواته التي وجهها إليه قوي نافذ أيضا. ولقد كان كفار العرب يتخذون لهم أصناما يعكفون عليها ويقيمون طقوسهم عندها على ما شرحناه في سياق تفسير سورة النجم. ولقد كان فريق من العرب يعتقدون أنهم يمتون بالنبوّة إلى إبراهيم عليه السلام على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأعلى. فالمتبادر أن الآيات استهدفت كما استهدفت آيات سورة مريم تذكيرهم بعقيدة التوحيد والإخلاص لله تعالى التي كان عليها جدّهم وجعله كل اعتماده على الله في كل شأن ومطلب وأمل في حياته وبعثه. وما كان من تقريعه لأبيه وقومه على عبادتهم الأصنام وتقريره عدم نفعهم وضرهم وكونه عدوا لهم بقصد إحكام الحجة عليهم وحملهم على الارعواء وسلوك طريق جدهم الذي يدعو إليه النبي صلى الله عليه وسلم. ولقد روى البخاري في سياق الآية وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ حديثا عن أبي هريرة قال «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّ إبراهيم عليه السلام يرى أباه يوم القيامة عليه

[سورة الشعراء (26) : الآيات 105 إلى 122]

الغبرة والقترة فيقول يا ربّ إنّك وعدتني ألّا تخزني يوم يبعثون فيقول الله إنّي حرّمت الجنّة على الكافرين» وروى مسلم عن عائشة «قالت يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرّحم ويطعم المسكين فهل ذاك نافعه. قال لا ينفعه. إنّه لم يقل ربّ اغفر لي خطيئتي يوم الدّين» «1» حيث ينطوي في الحديثين توضيح نبوي لمدى بعض الآيات التي نحن في صددها يتسق مع التقريرات القرآنية المحكمة بأن مصير الكفار النار ولا يغني عنهم عمل ولا قرابة. [سورة الشعراء (26) : الآيات 105 الى 122] كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسابُهُمْ إِلاَّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ (120) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122) (1) الأرذلون: كناية عن الطبقة الدنيا من الفقراء والصعاليك. (2) افتح: بمعنى احكم أو اقض. (3) الفلك المشحون: السفينة المملوءة. تعليق على قصة نوح وهذه حلقة ثالثة من سلسلة القصص احتوت قصة رسالة نوح عليه السلام لقومه. والقصة هنا أوسع شيئا مما جاء في سورة الأعراف والقمر مما اقتضته

_ (1) التاج ج 4 ص 174 والمتبادر أن ابن جدعان ظلّ جاحدا لرسالة النبي صلى الله عليه وسلم ومات على جحوده فحبط ما عمل على ما جاء في آية سورة الكهف [105] .

[سورة الشعراء (26) : الآيات 123 إلى 140]

حكمة التنزيل. وقد علقنا على قصة نوح سابقا بما يغني عن التكرار. ومن الجديد فيها قول نوح عليه السلام لقومه إنه لا يسأل قومه على رسالته إليهم أجرا وإن أجره على ربّ العالمين، وإنه رسول أمين إليهم، ووصف قوم نوح الجماعة التي آمنت برسالته بأراذلهم وتهديدهم إياه بالرجم إن لم ينته. ولم يرد هذا في الإصحاحات (6 و 7 و 8) من سفر التكوين التي وردت فيها قصة نوح. ولكن هذا لا يمنع أن ذلك كان متداولا عن طريق اليهود في عصر النبي عليه السلام وبيئته وأن يكون واردا في أسفار وقراطيس أخرى في أيديهم، لأن العبرة إنما تتحقق بذلك. والعبرة هي التماثل بين ما قاله نوح عليه السلام لقومه وما أمر النبي صلى الله عليه وسلم من قول مثل ذلك كما جاء في آيات عديدة منها آيات سورة ص قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (87) والتماثل كذلك بين ما قاله قوم نوح عن المؤمنين وما قاله كفار العرب عن الذين آمنوا برسالة النبي صلى الله عليه وسلم على ما تفيده آيات عديدة منها آيات سورة الأنعام هذه وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) وفي ذلك تطمين وتثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين كما هو واضح. ولقد أورد البغوي عن الحسن البصري في صدد ورود كلمة الْمُرْسَلِينَ في هذه الحلقة والحلقات التالية مع أن الكلام عن رسول واحد أنه قال في تأويل ذلك إن الآخر جاء بما جاء به الأول فإذا كذبوا واحدا فقد كذبوا الرسل أجمعين. وعلى كل حال فالعبارة أسلوبية، لا تتحمل توقفا ولا تحتاج إلى تخريج كما هو المتبادر. [سورة الشعراء (26) : الآيات 123 الى 140] كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (136) إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140)

تعليق على قصة هود

(1) ريع: المكان المرتفع أو الطريق. (2) آية: هذه الكلمة بمعنى بناء ولعلها بمعنى حصن أو قلعة أو برج. (3) تعبثون: تلهون بما لا يجدي. (4) مصانع: قيل إنها بمعنى القصور وقيل إنها بمعنى صهاريج الماء والثاني هو الأرجح لاشتهار اليمن- بلاد عاد وهود- بسدود الماء الصغيرة والكبيرة. والكلمة تستعمل إلى اليوم في بلاد الشام وغيرها بمعنى بئر الماء أو حوض الماء. (5) إن هذا إلّا خلق الأولين: أوّلها بعضهم بمعنى إن ما نحن فيه هو دين الأولين وتقاليدهم. وأوّلها بعضهم بمعنى أن ما تقوله هو ما قاله أناس قبلك أو هو أساطير الأولين. تعليق على قصة هود وهذه حلقة رابعة من السلسلة احتوت قصة رسالة هود عليه السلام إلى قومه عاد. وقد ذكرت هذه القصة في سور سابقة وعلقنا عليها بما يغني عن التكرار. وجاءت هنا مع بعض الاختلاف الأسلوبي الذي اقتضته حكمة التنزيل. والجديد هنا تذكير هود عليه السلام قومه بما يسّره الله لهم من أسباب الثروة والرفاه، وبما كانوا ينشئونه بسبيل ذلك من سدود ومنشات، وقوله لهم إني لا أسألكم عليه أجرا، وقول قومه له إنّ ما تقوله وتنذر به شيء مسبوق به ولن نؤمن به، فاستحقوا بذلك عذاب الله. والعبرة في هذا ما كان بين أقوال هود وقومه وأقوال النبي صلى الله عليه وسلم

[سورة الشعراء (26) : الآيات 141 إلى 159]

وكفار العرب من تماثل، حيث ينطوي في ذلك تسلية وتطمين للنبي صلى الله عليه وسلم وإنذار للكفار. [سورة الشعراء (26) : الآيات 141 الى 159] كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (145) أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (152) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) ما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155) وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (159) (1) طلعها هضيم: ثمرها سهل الهضم، ولعل ذلك كناية عن النضج والجودة أو الليونة. (2) فارهين: حاذقين أو معتدّين أو متبطّرين. (3) المسحّرين: المسحورين. تعليق على قصة صالح وهذه حلقة خامسة من السلسلة احتوت قصة رسالة صالح عليه السلام لقومه ثمود. وقد ذكرت القصة في سور سابقة علقنا عليها بما يغني عن التكرار. وجاءت هنا كذلك مع بعض الاختلاف الأسلوبي الذي اقتضته حكمة التنزيل. والجديد هنا قول صالح عليه السلام لقومه إنه لا يريد منهم أجرا وقولهم له إنه بشر مثلهم وإنه من المسحورين. والعبرة في ذلك ما انطوى فيه من تماثل بين هود وقومه وبين

[سورة الشعراء (26) : الآيات 160 إلى 175]

محمد صلى الله عليه وسلم وقومه مما فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وإنذار للكفار. [سورة الشعراء (26) : الآيات 160 الى 175] كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (166) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175) (1) عادون: معتدون. (2) من القالين: من الهاجرين أو التاركين. مشتقة من قلا بمعنى ترك وهجر. تعليق على قصة لوط وهذه حلقة سادسة من السلسلة. وقد احتوت قصة لوط عليه السلام وقومه. وقد ذكرت هذه القصة في سور سابقة. وجاءت هنا ببعض الاختلاف الأسلوبي الذي اقتضته حكمة التنزيل. والجديد هنا قول لوط عليه السلام لقومه إنه لا يريد منهم أجرا مما فيه تماثل وعبرة كذلك. [سورة الشعراء (26) : الآيات 176 الى 191] كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (180) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191)

تعليق على قصة شعيب

(1) أصحاب الأيكة: أصحاب الحرجة. (2) المخسرين: المنقصين. (3) القسطاس: الميزان. (4) المستقيم: المضبوط السليم. (5) كسفا: قطعا. (6) عذاب يوم الظلة: قال المفسرون إن الحرّ اشتد عليهم فرأوا سحابا فتسارعوا إليه فصار عليهم كالظلة فلما اجتمعوا تحته التهب بالنار فأحرقتهم «1» . تعليق على قصة شعيب وهذه حلقة سابعة من السلسلة. وقد احتوت قصة رسالة شعيب عليه السلام إلى أصحاب الأيكة. وقد ذكرت قصة شعيب مع قومه في سور سابقة. وجاءت هنا بشيء من الاختلاف اقتضته حكمة التنزيل. ولقد ورد في سورة الأعراف اسم مدين كوصف لقوم شعيب عليه السلام بينما ورد هنا اسم أصحاب الأيكة. وقد قال بعض المفسرين «2» إن أصحاب الأيكة هم قوم آخرون غير مدين، واستدلوا على ذلك بعدم وصف شعيب عليه السلام بوصف أخيهم هنا كما وصف نوح وهود وصالح لوط عليهم السلام ثم بوصف شعيب عليه السلام بأخيهم في سورة الأعراف بالنسبة لقوم مدين.

_ (1) ذكر ذلك جملة من المفسرين منهم ابن كثير الذي عزى التأويل أو التفصيل لابن عباس رضي الله عنه، انظر أيضا تفسير الكشاف وتفسير الخازن. (2) انظر تفسير البغوي.

تعليق عام على القصص

ومع أننا لا نرى طائلا في الأمر لأن القصة لم ترد للتاريخ، فإن مما يلحظ أن ما قاله شعيب لأصحاب الأيكة، هو تقريبا ما ذكر من أقواله في سورة الأعراف لقومه أهل مدين، وإن أهل مدين وأصحاب الأيكة لم يرد ذكرهما في سلسلة واحدة أو سياق واحد في القرآن، مما يلهم أنهم شيء واحد. وهذا رأي فريق من المفسرين أيضا. أما عدم وصف شعيب عليه السلام بوصف أخيهم هنا، فإن حكمته غابت عنا. ولقد أشرنا إلى ذلك في كتابنا «القرآن المجيد» واستلهمنا منه فورية تدوين الفصول القرآنية عند نزولها. والجديد في قصة شعيب عليه السلام ذكر قوله لقومه إنه لا يطلب منهم أجرا وقولهم له إنه ليس إلّا بشرا مثلهم وإنهم ليظنونه كاذبا ومسحورا، وتحديهم له بإسقاط كسف عليهم من السماء. وفي هذا تماثل بين أقوال شعيب عليه السلام وقومه وأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وقومه مما فيه تسلية وتطمين للنبي صلى الله عليه وسلم وإنذار للكفار. تعليق عام على القصص هذا، ويلحظ بوجه عام أولا أن في تكرار حكاية أقوال الأنبياء بأنهم رسل أمناء لأقوامهم وبأنهم لا يسألونهم أجرا وإنما أجرهم على الله ومماثلة ذلك لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لقومه مرة بعد أخرى مما مرّت أمثلة منه في سور الفرقان وص والقلم ومنه آية سورة سبأ هذه قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) حجة مفحة للكفار العرب على إخلاص النبي صلى الله عليه وسلم وتجرده عن كل مطلب دنيوي كما كان شأن الأنبياء السابقين من قبله، ومما لا يصدر إلّا من الأنبياء الذين اصطفاهم الله لمهمة الدعوة إليه والإنذار والتبشير والذين امتلأت قلوبهم بالإيمان الذي أغناهم عن كل مطلب دنيوي، وجعلهم يقومون بأعظم الأعباء ويتحملون أفدح المشاق، مطمئنّة قلوبهم قريرة عيونهم، كل سعادتهم وأمانيّهم أن تنجح دعوتهم وأن يكونوا الوسيلة إلى نجاة أممهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة. وثانيا أن في تكرار تذكير العرب بقوة الأمم السابقة وكثرة أموالهم وتمكناهم تقوية لإنذار كفار العرب الذين حكت آيات عديدة تبجحهم بما

[سورة الشعراء (26) : الآيات 192 إلى 197]

لهم من قوة ومال وبنين مثل آية سورة سبأ هذه وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) ومثل آيات سورة الهمزة هذه وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (3) فالله الذي لم يعجزه أولئك وهم أقوى منهم وأكثر أموالا وأولادا فأهلكم لا يعجزه هؤلاء من باب أولى. وثالثا أن القصص القرآنية المتكرر ورودها تحتوي في كل مرة تفاصيل وعبر ومواعظ جديدة حيث ينطوي في هذا صورة من صور التنويع في الأسلوب والنظم القرآني في المناسبات المختلفة بسبيل استكمال نواحي المقارنة والمماثلة وإحكام الحجة وتحقيق الهدف الجوهري من القصص وهو العظة والتذكير والتمثيل والإنذار والتسلية والتطمين والتثبيت. [سورة الشعراء (26) : الآيات 192 الى 197] وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (197) . (1) الروح الأمين: جبريل عليه السلام على ما يجمع عليه المفسرون. (2) زبر الأولين: كتب الرسل الأولين المنزلة من الله. (3) آية: هنا بمعنى برهان أو علامة. تعليق على آيات وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ وما بعدها إلى آخر آية أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ جاءت هذه الآيات بمثابة التعقيب على سلسلة القصص وهي متصلة بالسياق من هذه الناحية. وقد احتوت توكيدا بأن القرآن الذي يتلوه النبي صلى الله عليه وسلم والذي يحتوي هذه القصص وغيرها من مبادئ الدعوة والإنذار والتبشير هو تنزيل من الله تعالى أنزله على قلب نبيه بواسطة الروح الأمين لينذر به الناس، وأنه أنزله بلسان عربي

مبين واضح ومفهوم لئلا يكون حجة للعرب الذين هم أول المخاطبين به بعدم الفهم والعجز عن الإدراك، وإنه فيما احتواه من مبادئ وأهداف وتدعيمات متطابق مع ما في الكتب المنزلة الأولى. وقد انتهت الآيات بسؤال استنكاري يتضمن التقرير الإيجابي عما إذا لم يكن للكافرين برهان على أنه كذلك فيما كان من علم علماء بني إسرائيل بأمره وشهادتهم على صحته. ولقد احتوى القرآن المكي فضلا عن المدني آيات كثيرة حكت ما كان من شهادة أهل الكتاب وأهل العلم بصحة وصدق القرآن ونزوله من عند الله وإيمانهم به وصحة وصدق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وأوصافه التي يجدونها مكتوبة عندهم في التوراة والإنجيل وكونهم يعرفون ذلك كما يعرفون أبناءهم. وقد أوردنا كثيرا منها في مناسبات سابقة وخاصة في مناسبة تفسير آية سورة الأعراف [157] مما يجعل الحجة التي تضمنتها الآية الأخيرة [197] دامغة. كذلك فإن هذه الآية والآيات التي تستشهد أهل العلم وأهل الكتاب على صحة صلة القرآن بالله تعالى وصحة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم مما أوردنا كثيرا منها في المناسبات السابقة تلهم أن العرب كانوا يثقون في علم أهل الكتاب وعلماء بني إسرائيل واطلاعهم فاستحكمتهم الآيات بالحجة والإفحام والتنديد حيث يظلون مكابرين معاندين بالرغم من شهادة هؤلاء الذين يزكونهم ويثقون بهم. ومن المحتمل جدّا أن يكون بعض علماء بني إسرائيل قد شهدوا شهادتهم في مجلس علني حضره فريق من المسلمين وآخر من الكفار. ولقد ذكر المصحف الذي اعتمدناه أن الآية [197] مدنية وذكر ذلك الزمخشري في مطلع تفسير السورة أيضا. وقال المفسرون إنها تعني علماء بني إسرائيل الذين أسلموا في المدينة كعبد الله بن سلام «1» . ونلاحظ أن الآية منسجمة كل الانسجام سبكا وموضوعا وسياقا مع ما قبلها وما بعدها. ومحتوية إفحاما جدليّا إزاء عناد الكفار الذي كان مسرحه الأول مكة لا المدينة، وفي سياق آيات لا

_ (1) انظر تفسير الطبري وابن كثير والزمخشري والطبرسي والخازن. [.....]

خلاف على مكيتها. ولذلك نشك في الرواية. ونرجح أن بعض علماء بني إسرائيل اجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في مكة في مجلس من مجالسه وشهدوا على مسمع كثير من الشاهدين بصحة الرسالة النبوية والقرآن، فذكرت ذلك هذه الآية في معرض الإفحام والإثبات. وفي سورة الأحقاف آية تذكر شيئا مثل ذلك بصراحة وهي قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) «1» . وفي الآيات نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) حجة قاطعة مؤكدة للحجج الأخرى على أن القرآن كان مفهوما مألوف اللغة من العرب الذين يسمعونه، كما أن فيها دليلا على أن الوحي القرآني الذي كان ينزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل بالألفاظ التي دونت وليس بالمعنى كما ذهب إليه بعض العلماء. وفي هذه الآيات دليل مؤيد لما ذهب إليه جمهور العلماء من عدم إجزاء قراءة القرآن في الصلاة مترجما بلغة أخرى لأن ذلك لا يمكن أن يبقى على صفة (القرآن) الواجب قراءته كركن من أركان الصلاة. خلافا لبعض من قال بجواز ذلك. والعبارة هنا قوية الدلالة على صحة الرأي الأول إلى درجة تكاد أن تكون حاسمة فيما نعتقد «2» . والله أعلم. وهناك قولان في ضمير وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ واحد بأن ضمير (وإنه) راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتكون الجملة معنى أن البشارة به وصفاته مكتوبة في كتب الله السابقة. وثان إنه راجع إلى القرآن فتكون الجملة بمعنى إن ما في القرآن متطابق في الأسس مع ما في الكتب السابقة. والقولان وجيهان. ولكنا نرجح الثاني لأنه المذكور في الآيات السابقة. والآية معطوفة عليها. وقد يكون في آية سورة طه هذه

_ (1) نعرف أن هناك رواية تذكر أن هذه الآية مدنية أيضا غير أن هذه الآية تخاطب الكفار في مكة على ما يفيده سياقها السابق واللاحق مما يجعل الشك في الرواية أقوى ولا يكاد أن يتحمل كلاما. (2) للسيد رشيد رضا في هذا الموضوع فصل طويل في سياق تفسيره سورة الأعراف الجزء التاسع من تفسير المنار فيه توثيق قوي لهذا الرأي وتفنيد قوي لخلافه.

[سورة الشعراء (26) : الآيات 198 إلى 209]

وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (133) قرينة على هذا الترجيح. والمقصود بتعبير الروح الأمين هو جبريل عليه السلام على ما أجمع عليه المفسرون. ويؤيد هذا أن اسم جبريل ورد بصراحة في صدد نزوله بالقرآن على قلب النبي صلى الله عليه وسلم في آية سورة البقرة هذه قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) . وتعبير عَلى قَلْبِكَ يؤكد أن الوحي القرآني حادث روحاني خاص لا يدركه إلّا النبي. وقد شرحنا هذا في كتابنا القرآن المجيد «1» وفي سياق تفسير سورة القيامة فلا حاجة إلى شرح جديد هنا، ولا سيما أن المسألة من المسائل المغيبة الواجب الإيمان بها والتي لا يجوز التزيد والتخمين فيها. وإذا كان لا بد من شيء يقال هنا فهو أن هذا التعبير الذي تكرر في آية سورة النحل هذه قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (102) قد يلهم شيئا من الإيضاح لطريقة الوحي القرآني يستطيع أن يفهمه الذين لم يكونوا يشعرون بالوحي الذي كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم وهم في قربه وهي أن القرآن كان ينقذف في قلب النبي صلى الله عليه وسلم انقذافا روحانيا بواسطة روحانية غير مشعور بمادتها، ولكنها مشعورة بآثارها ومن جانب النبي صلى الله عليه وسلم بخاصة وهي ملك الله الذي سمي هنا بالروح الأمين، وسمي في سورتي النحل والبقرة بروح القدس، وذكر اسمه بصراحة في سورة البقرة. [سورة الشعراء (26) : الآيات 198 الى 209] وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (201) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (202) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (203) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (204) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (206) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (207) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ (209)

_ (1) انظر ص 15- 32.

(1) الأعجمين: جمع أعجم وهم غير العرب. ومعنى العجمة في الأصل عدم القدرة على الإفصاح بالكلام، ثم أصبحت تطلق على كل من هو غير عربي اللسان والجنس. (2) سلكناه: بمعنى أدخلناه. (3) منظرون: مؤخرون أو ممهلون. (4) ذكرى: هنا بمعنى التذكير. الآيات متصلة بالسياق واستمرار له كما هو المتبادر والآيتان الأوليان منها في صدد القرآن حيث تقرر أن الله تعالى لو أنزل القرآن على غير عربي فتلاه عليهم بغير اللسان العربي ما كانوا ليؤمنوا به أنفة أو لعدم فهمه، فكان تنزيله بلسان عربي مبين قطعا لحجتهم. وهذا المعنى جاء بصراحة أكثر في آيات سورة الأنعام هذه أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (157) «1» . واحتوت الآيات الثمان التالية للآيتين الأوليين تبكيتا وإنذارا وإعذارا للكفار فقد بلغ بهم الإجرام وسوء النية والعناد إلى درجة جعلتهم لا يتدبرون في القرآن فيكون في آياته لهم مقنع للإيمان به وجعلتهم يعلقون إيمانهم برؤية العذاب الذي يوعدون به. وقد يأتيهم هذا العذاب بغتة دون أن يشعروا به فيندمون ويطلبون الإمهال والإنظار بعد أن كانوا يستعجلونه. ولو أمهلوا وأنظروا بضع سنين ثم

_ (1) أنزلناه قرآنا عربيا لئلا تقولوا إن الكتب الأولى نزلت على طائفتين من قبلنا ولم يكن بلغتنا ولم نعرف لغتهم، وإنا لو أنزل الكتاب بلغتنا لكنا أهدى منهم.

جاءهم فلن يكون الإمهال والإنظار مجديا لأنهم وقد انطبعوا على الإجرام والكفر لن يرتدعوا ويرعووا. وإذا كان الله تعالى قد أرسل إليهم نذيرا فتلك سنته التي جرى عليها من حيث إنه لم يهلك قرية إلا بعد أن يرسل إليها منذرين. لأنه ليس ظالما ليهلك الناس بدون إنذار وإعذار. والآيتان الأخريان جاءتا بمثابة تعقيب على ما قبلهما. وقد تكرر ذلك في مثل هذا المقام، ومن ذلك آية سورة الإسراء وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) . والآيات في الجملة قوية في إفحامها وإنذارها وإعذارها وتبكيتها وروحها وفحواها. تلهم بقوة أنها استهدفت فيما استهدفته أيضا تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عن عدم إيمان الكفار وعن مواقفهم التكذيبية. ولما كان كثير من سامعي القرآن قد آمنوا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فيمكن أن يقال إنّ الآيات تسجيل لواقع الأمر حين نزولها على ما نبهنا عليه في مناسبات سابقة مماثلة. ولقد قال البغوي والخازن وابن كثير إن الضمير في سَلَكْناهُ عائد إلى الكفر وإن الجملة بمعنى أننا أدخلنا الكفر في قلوب المجرمين. وإن الضمير في لا يُؤْمِنُونَ بِهِ عائد إلى القرآن. وقال الزمخشري والطبرسي إن الضمير في المقامين عائد إلى القرآن وإن معنى الكلام: إن الله تعالى ألقى القرآن على قلوبهم فلم يؤمنوا به تحديا للعذاب الذي أوعدوا به. ويتبادر لنا أن هذا هو الأوجه، لأن القرآن فقط هو المذكور، في الآيات السابقة للآيتين اللتين فيهما الكلمتان. والضمير يعود إلى الأقرب المذكور، والله يقول إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ فيتنزه عن أن يدخل الكفر في قلوب عباده والله تعالى أعلم. على أنه ليس في الآيات محل للتوهم حتى نوضح رأي المفسرين الأولين بأن الله قد أدخل الكفر إلى قلوبهم، فكلمة المجرمين في الآية قرينة قوية بل حاسمة على أن ذلك كان لأنهم مجرمون فاسدوا الأخلاق والسرائر ومن قبيل يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ (26) والله أعلم.

تعليق على استعجال الكفار عذاب الله في معرض التحدي

تعليق على استعجال الكفار عذاب الله في معرض التحدي ويبدو من الآيات أن الكفار كانوا يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان صادقا لكان نزل عليهم عذاب الله فورا كما كان شأن الأمم السابقة التي كانت تكذب أنبياءها والتي يقص النبي عليه السلام عليهم قصصها بلسان القرآن. فلما لم ينزل عليهم العذاب أخذوا يتحدونه ويستهزئون بوعيده، وقد تكرر هذا منهم كما حكته آيات عديدة منها آية سورة الأنفال هذه وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (32) وآية سورة الإسراء هذه أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا (92) وآية سورة الحج هذه وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) مما ينطوي فيه صور لمواقف الصد والمكابرة والتحدي التي كان يقفها الكفار فكان يثير ذلك في النبي صلى الله عليه وسلم الألم والحسرة فينزل القرآن بالتسلية والتطمين من جهة وبيان حكمة الله في تأجيل العذاب عنهم من جهة أخرى مما مرّت أمثلة منه مثل آية سورة فاطر هذه وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً (45) ومثل آية سورة النحل هذه وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (61) . تعليق على كلمة الأعجمي والأعجمين وكلمة أعجمي مما كان يطلق على غير العرب قبل الإسلام من دون شك فنزلت في القرآن للدلالة على ذلك، وهذا يعني أن سكان الدنيا في مفهوم العرب وأذهانهم كانوا فريقين عربا وعجما وأن كلمة عرب كانت تشمل كل من كان يتكلم العربية في داخل الجزيرة العربية وخارجها، وأن هذا الشمول كان مدركا من العرب، والآيات الثلاث الأولى من الآيات التي نحن بصددها وآيات الأنعام التي أوردناها قبل قليل وغيرها من الآيات التي تقرر عروبة القرآن تنطوي- والحال

عروبة النبي والقرآن لا تتعارضان مع عموم الرسالة المحمدية

هذه- على التقرير بأنه لم يكن هناك عربي في داخل الجزيرة وخارجها لا يفهم لغة القرآن أو يتكلم بلغة بينها وبين القرآن مغايرة كبيرة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا كان فيما نعتقد ممتدّا إلى ما قبل الإسلام بأمد ما، قد يختلف تقديره ومداه بالنسبة للأمكنة المختلفة التي كان ينتشر فيها العرب داخل الجزيرة وخارجها. عروبة النبي والقرآن لا تتعارضان مع عموم الرسالة المحمدية ومن تحصيل الحاصل أن نقول إن تقرير الآية [195] نزول القرآن بلسان عربي مبين ليس من شأنه أن يفسح مجالا لقول قائل غير مسلم إن الرسالة المحمدية خاصة بالعرب. فعروبة النبي صلى الله عليه وسلم وعروبة القوم الذين خوطبوا بالقرآن تقتضيان ذلك، وفي القرآن آيات كثيرة نزلت في مختلف أدوار التنزيل المكية والمدنية، ومنذ عهد مبكر من عهد النبوة تقرر عموم الرسالة المحمدية والتبليغ القرآني. وقد أوردنا كثيرا منها في مناسبات سابقة. من ذلك آية سورة الأعراف هذه قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) ومنها آية سورة الفرقان هذه تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (1) وهنالك آيات كثيرة أخرى في سور عديدة مكية ومدنية من هذا الباب. تعليق على آيتي وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ والآيتان وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ (209) وأمثالهما في القرآن مما كان موضع تشاد وجدل بين علماء الكلام حيث استدل المعتزلة بهما وبأمثالهما على أن الله سبحانه لا يفعل لعباده إلّا الأصلح أو أنه أوجب على نفسه ذلك أو أن ذلك واجب عليه وأنه لا يعذبهم ولا يثيبهم إلّا على أعمالهم وأن ذلك مقتضى العدل الواجب عليه وحيث أنكر الأشاعرة ذلك وقالوا

[سورة الشعراء (26) : الآيات 210 إلى 212]

إنه ليس على الله سبحانه واجب أو حق نحو خلقه، واستندوا في ذلك إلى آيات قرآنية أيضا مثل: لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ سورة الأنبياء [23] وجملة وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ في آية سورة إبراهيم [27] إلخ. والذي يتبادر لنا أن الله سبحانه استعمل في خطابه القرآني الأساليب التي اعتادها البشر والتي تتفق مع أفهامهم، وأن هذه الآيات وأمثالها لم تورد بسبيل تقرير مبادئ عقائدية وإنما بسبيل تأييد الدعوة وتدعيمها حسب المناسبات ومن هنا جاءت متنوعة الصيغ، وأن الأولى بل الواجب أن تبقى في نطاق ذلك وألّا تحمل ما لا تحمله لأن ذلك أدى ومن شأنه أن يؤدي إلى إبراز التناقض في القرآن، تنزه الله تعالى وقرآنه عن ذلك، وقد قرر الله هذا في آية سورة النساء هذه أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (82) وذلك برغم أن كلتا الجماعتين المتشادتين هدفت إلى تنزيه الله سبحانه عن النقائص والنقائض، وغاية ما يمكن أن يقال في الموضوع أن الله سبحانه وتعالى فيما يفعله ويأمر به وينهى عنه ويرتب على أعمال عباده من نتائج إنما يفعل مقتضيات صفات الحكيم العادل فيه. فما دامت حكمته اقتضت أن يكون في عباده قدرة الاختيار للهدى والضلال والخير والشرّ فإنها اقتضت كذلك إرسال الرسل والمنذرين ليبين للناس بواسطتهم أعلام الهدى والضلال والخير والشرّ ونتائجها، واقتضت ترتيب النتائج وفق ما تقتضيه صفة العادل فيه. [سورة الشعراء (26) : الآيات 210 الى 212] وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (210) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212) (1) معزولون: بمعنى محال بينهم وبين السمع. تعليق على آيات وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ إلى آخر إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ الآيات استمرار في موضوع القرآن وهي والحال هذه استمرار للسياق السابق.

[سورة الشعراء (26) : الآيات 213 إلى 220]

ويبدو أن الكفار كانوا يقولون فيما يقولونه عن القرآن: إن الشياطين تتنزل به على النبي صلى الله عليه وسلم جريا على ما كانوا يعتقدونه من أن شياطين الجن كانوا يتصلون بالسحرة والكهنة والشعراء ويوحون إليهم أو يلقنونهم بما يقولونه، ومن أن الشياطين كانوا يسترقون أخبار السماء وينقلونها إلى الكهنة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الجن ومناسبات سابقة أخرى فأكدت الآيات [192- 195] أنه وحي رباني، وجاءت هذه الآيات لتؤكد نفي صلة الشياطين به مما قد قام في أذهان الكفار أو زعموه من وحي عقائدهم. وينطوي في الآيات وخاصة في تعبير وَما يَنْبَغِي لَهُمْ معنى جليل فيما يتبادر لنا. وهو تقرير كون الشياطين الذين هم عناصر شريرة خبيثة لا يمكن أن يصدر عنهم إلّا الأذى ووسوسة المعاني الدنيئة والإغراء والشر، ولا يمكن أن توحي بالقرآن الذي يدعوا إلى الله تعالى وفضائل الأخلاق وصالح الأعمال، وينهى عن الفواحش والخبائث والإثم والبغي والاتجاه لغير الله وإشراك غيره في العبادة والدعاء ويحذر من الشياطين ووساوسهم، ولعلّ الآيات [192- 195] وهي تقرر نزول الروح الأمين بالقرآن قد انطوت على هذا المعنى بسبيل المقارنة والإفحام والإقناع كأنما جاءت لتقرر أن مثل هذا القرآن الذي يحتوي ما يحتوي من الدعوة إلى الحق والخير والتحذير من الباطل والشر لا يمكن أن ينزل به إلّا الروح الأمين بإذن الله البرّ الرحيم العادل الحكيم وأمره. ولقد كان السامعون يعتقدون بوجود الله وصفاته السامية. وهذا مما يقوي الإفحام والإقناع اللذين استهدفتهما الآيات. وهذا المعنى مؤيد بقوة ووضوح في آيات أخرى من السورة تأتي قريبا. [سورة الشعراء (26) : الآيات 213 الى 220] فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220) . (1) العشيرة: هي الوحدة الاجتماعية التي ينضوي تحتها عدد من الأسر. وهي بمعنى ما يعرف اليوم بالحمولة. الآيات تحتوي أوامر ربانية للنبي صلى الله عليه وسلم في صدد دعوته وسيرته. فعليه أن يظل متمسكا بدعوته وإخلاصه لله وعدم إشراك أحد غيره معه في الدعاء لئلا يكون في عداد المعذبين. وأن ينذر أقاربه الأدنين وأن يعامل المؤمنين الذين يتبعونه فيما يأمرهم به وينهاهم عنه باللين والعطف والتسامح، وأن يجعل اعتماده على الله وحده العزيز الرحيم الذي يراه ويراقبه ويرعاه في كل حالة من حالاته في قيامه وصلواته وخلواته ومع الساجدين معه والذي هو السميع لكل شيء العليم بكل شيء. وحرف الفاء الذي بدئت به أولى الآيات يلهم أن بين هذه الآيات وما سبقها اتصالا، والمتبادر أنها جاءت معقبة عليها كأنما أريد الالتفات إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد الآيات السابقة لتقول له إن عليه ألّا يهتمّ ولا يغتمّ لمواقف الكفار وتكذيبهم، وما عليه إلّا أن يدعوهم وينذرهم وخاصة عشيرته الأدنين وإلّا أن يستمر في إخلاصه لله سبحانه وحده ويجعل اعتماده عليه وموادّة الذين آمنوا به واتبعوه والتسامح معهم. وبعض المفسرين يصرفون الضمير في فعل عَصَوْكَ إلى أقارب النبي صلى الله عليه وسلم «1» وبعضهم إلى المؤمنين «2» . والمتبادر أن الرأي الأول هو الأوجه والأرجح والمتسق مع الظرف لأن احتمال العصيان من أقاربه هو المتوقع الأقوى. وقد أورد بعض المفسرين في صدد جملة وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ أقوالا وروايات عجيبة مفادها أنها تحتوي إشارة إلى تنقل النبي صلى الله عليه وسلم في أصلاب مؤمنين ساجدين وأرحام مؤمنات ساجدات من لدن آدم وحواء إلى أن ولدته أمه، وأن بعض أجداده كان يسمع تسبيح النبي في صلبه وتلبيته بالحج ... إلخ، أو أن

_ (1) انظر تفسيرها في الطبري والطبرسي مثلا. (2) انظر تفسير الكشاف للزمخشري.

تعليق على آية وأنذر عشيرتك الأقربين وأثر موقف أقرباء النبي من الدعوة

النبي صلى الله عليه وسلم ظل يتقلب في أصلاب الأنبياء من نبي إلى نبي إلى أن ولد «1» . ونحن نرى التوقف في ما روي. ويتبادر لنا أن الجملة واضحة. وأنها عنت أن الله تعالى يراه وهو يصلي مع الناس ويراه حين يقوم وحده أي يراه في جميع حالاته ويراقبه. وقد قال هذا غير واحد من المفسرين. ومن العجيب أن هذا مما رواه المفسرون عن ابن عباس الذي رووا عنه بعض الأقوال السابقة. ولقد أورد بعض المفسرين في هذا السياق حديثين متقاربين أحدهما رواه البخاري والترمذي عن أنس قال «أقيمت الصلاة فأقبل علينا النبي صلى الله عليه وسلم بوجهه فقال أقيموا صفوفكم وتراصّوا فإني أراكم من وراء ظهري» «2» والمتبادر أنه ليس بين مدى الآية وهذا الحديث أو الحديث الآخر المقارب له صلة ما ولا سيما أن الأحاديث مدنية في مضمونها ورواتها والله تعالى أعلم. تعليق على آية وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وأثر موقف أقرباء النبي من الدعوة وقد روى المفسرون «3» روايات وأحاديث متعددة منها أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بمناسبة آية وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وبعد نزولها أقاربه إلى وليمة فأكلوا وتفرقوا فورا لأن أبا لهب قال لهم إن محمدا سيسحرهم ثم دعاهم إلى وليمة ثانية فقال لهم: يا بني عبد المطلب إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني؟ فأحجم القوم، فقال علي رضي الله عنه: أنا يا رسول الله. وتكرر الأمر ثلاث مرات فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم برقبة علي وقال هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا. فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لعلي وتطيعه. ومنها نفس الرواية المتقدمة بدون ذكر ما قاله

_ (1) انظر البغوي والخازن والطبرسي. (2) التاج ج 1 ص 237. (3) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري وابن كثير والطبرسي والخازن إلخ.

بناء الأخوة الدينية في الإسلام

النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بل قال له فيها اجلس. ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت الآية صعد على الصفا ونادى: يا بني فهر يا بني عدي- لبطون قريش- حتى اجتمعوا وأرسل الذي لم يستطع الحضور رسولا لينظر ما هو قائل لهم فقال لهم: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيّ؟ قالوا ما جرّبنا عليك كذبا، قال فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبّا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا، ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم خاطب بني عبد المطلب والعباس عمّه وصفية عمته وفاطمة ابنته وقال لهم لا أغني عنكم من الله شيئا.. ومهما يكن من أمر هذه الروايات فمما لا ريب فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نفذ أمر الله تعالى بوسيلة من الوسائل وأنه اختص في أحد مواقفه أقاربه الأدنين بالإنذار والدعوة. وهذا يدل على أنهم أو جلّهم ظلّوا جاحدين لنبوته إلى أواسط العهد المكي، بل لقد تواترت الروايات على أن أكثرهم ظلوا كذلك طيلة العهد المكي وردحا غير قصير من العهد المدني أيضا بالرغم من نصرتهم له بدافع العصبية العائلية، ولقد مات عمّه وحاميه أبو طالب غير مؤمن، ولقد كان عمّه العباس وابن عمّه عقيل وآخرون من بني عمومته في جملة الذين اشتركوا في وقعة بدر مع مشركي قريش. وهذا فضلا عن عمه أبي لهب الذي لم ينصره وكان من ألدّ أعدائه وأشدّ مكذّبيه. ولعل موقف أقارب النبي صلى الله عليه وسلم الأدنين من دعوته كان يؤثّر تأثيرا سلبيّا على سير الدعوة حيث كان يجعل لسائر العرب مجالا للقول إن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان صادقا لآمن به أقرب الناس إليه وأخصهم به رحما فكان هذا يحزّ في نفسه ويثير فيه الألم والحسرة، فأمره الله تعالى بأن يختصهم بالدعوة في موقف خاص لإبراء ذمته منهم، وهوّن عليه أمرهم حيث وصّاه بأن يجعل اعتماده عليه وحده وأن يهتم للذين آمنوا وانضووا إليه. بناء الأخوة الدينية في الإسلام ومن الممكن أن يلمح في أمر الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم بمعالنة أقاربه البراءة من

أعمالهم وكفرهم إذا عصوه ولم يستجيبوا إليه بعد الإنذار الخاص، وبخفض جناحه للذين اتبعوه من المؤمنين خطة قرآنية مستمرة التلقين في تقرير وجوب التضامن بين المؤمنين بقطع النظر عن عدم اتصالهم بوشائج الرحم والقربى بدلا من التضامن العائلي الذي كان قويّا في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم وعصره. وهكذا يصح أن يوصف الموقف الذي ترتب على هذه الآيات من المواقف الحاسمة في بناء الأخوة الدينية في الإسلام ومن الضربات الشديدة التي وجهت إلى بنيان العصبية العائلية والقبلية الضيقة. وقد جاءت آيات مدنية أخرى فأيدت هذه المعاني. من ذلك آية سورة المجادلة هذه لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22) ومنها آيات سورة الممتحنة هذه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (1) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3) ومنها آيات سورة التوبة هذه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (24) ومنها آية سورة الحجرات هذه إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) «1» .

_ (1) يحسن أن ننبه في هذه المناسبة إلى أن الآيات تنهى عن اتخاذ الكفار أولياء وحلفاء من دون المؤمنين، وإلى أن هناك آيات في سورة الممتحنة احتوت خطة محكمة في معاملة المسلمين لغير المسلمين أقارب وغير أقارب وهي عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (7) لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) .

ما في معالنة النبي لأقاربه بالبراءة من دلالة رائعة

ما في معالنة النبي لأقاربه بالبراءة من دلالة رائعة وإذا لوحظ أن هذا الموقف الذي ترتب على الآيات التي نحن في صددها قد كان في ظرف كان النبي صلى الله عليه وسلم فيه ضعيفا والمسلمون فيه قليلين وأكثرهم ضعفاء وفقراء، وكانت الحاجة إلى نصرة العصبية شديدة فإنه يلمح فيه جانب جدير بالإجلال والإعظام من جوانب عظمة السيد الرسول صلوات الله عليه وسيرته وقوة نفسه وشخصيته وبخاصة في إعلان ما أوحى الله تعالى به إليه من إنذار الكافرين من عشيرته الأقربين بالبراءة إذا عصوه وفي إعلان تضامنه مع الذين آمنوا معه على ما كانوا عليه من ضعف وقلّة، ولقد كان لإيمان النبي صلى الله عليه وسلم العميق برسالته وبنصرة الله تعالى أثر قوي في ذلك من دون ريب. وفي كل هذا ما فيه من تلقين وأسوة وقدوة. تلقين جملة وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وفي الآية التي تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بخفض جناحه للمؤمنين تعليم قرآني جليل، فالمؤمنون الأولون قد آمنوا برسالة النبي صلى الله عليه وسلم واتبعوه والتفوا حوله وأيدوه وتحملوا في سبيل ذلك الأذى والضرر والقطيعة ووطنوا النفس على عداء أهلهم وحرمانهم من الحماية العائلية التي كان لها تلك الخطورة. فكل هذا جعلهم جديرين بأن يكونوا وحدة متضامنة تقوم على أسس الحق والخير والعدل ومكارم الأخلاق، وتحل محل تلك الوحدة العائلية الضيقة. وكل هذا من شأنه أن يجعلهم جديرين برعاية الله تعالى ثم ببرّ نبيه ورأفته وسعة صدره وحبه وتفضيله إياهم على أسرته الخاصة وعشيرته الأقربين ومن شأن ذلك أن يزيدهم قوة وتحملا وتضامنا وتفانيا.

[سورة الشعراء (26) : الآيات 221 إلى 223]

ولقد ظل القرآن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستمرار في توجيه كل رعايته وعنايته وعطفه وتفضيله للمؤمنين بقطع النظر عن مراكزهم الاجتماعية مما انطوى في آيات سورة عبس الأولى التي سبق تفسيرها وفي آيات سورة الأنعام [ (52- 54) ] التي أوردناها في سياق قصة نوح في هذه السورة ثم في آيات سورة الحجر هذه لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) وسورة الكهف هذه وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) ومما يمتّ إلى هذا التلقين والتوجيه القرآني الجليل. وهذه الآيات مكية. والحكمة في تواليها في السور المكية بخاصة كون الفروق الاجتماعية بين بعض فئات المؤمنين والكفار في مكة كانت بارزة وكان زعماء الكفار يغمزون بالفقراء والضعفاء من المؤمنين ويزدرون بهم. وليس من شأن ذلك أن يضعف قوة التوجيه والتلقين وشمولهما بطبيعة الحال. وهذا التعليم مستمر التلقين من دون ريب، يمكن بل يجب أن يكون خطة عامة للمسلمين وبخاصة لزعمائهم ودعاة الإصلاح منهم والمشتركين في خطة فيها إصلاح وصلاح سواء أفي إيجاب التضامن التام بينهم وعدم الاهتمام بالنوازع الخاصة والعواطف العائلية أم في إيجاب البرّ والرأفة والتفضيل والتضامن على الزعماء والدعاة لمن يستجيبون إلى دعوتهم ويندمجون فيها مهما كان شأنهم. [سورة الشعراء (26) : الآيات 221 الى 223] هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (223) (1) أفّاك: كثير الكذب والافتراء.

تعليق على آيات هل أنبئكم على من تنزل الشياطين وما بعدها

تعليق على آيات هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ وما بعدها الآيات متصلة بالسياق واستمرار له أيضا حيث احتوت نفيا لتنزل الشياطين بالقرآن بأسلوب آخر فسألت سؤالا استنكاريا يتضمن التقرير بأن الذين تنزل عليهم الشياطين هم المفترون الآثمون الذين يستمعون إلى وساوس الشياطين ويستندون إليهم فيما يقولون ويخبرون وأكثرهم كاذبون. وينطوي هذا كما هو المتبادر على تقرير بأن النبي الذي يدعو إلى الخير والحق والصدق والفضيلة وينهى عن الشر والباطل والكذب والظلم والرذيلة لا يمكن أن يكون ممن تتنزل عليهم الشياطين وينطق بوحيهم ويتأثر بوساوسهم. [سورة الشعراء (26) : الآيات 224 الى 227] وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (226) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227) (1) الغاوون: الضالون أو المنحرفون نحو الغواية. (2) يهيمون: يتيهون ويسيرون. (3) انتصروا: قابلوا العدوان بمثله ودافعوا عن أنفسهم. في الآيات وصف ذمّ للشعراء. فهم يسيرون في كل درب منحرف دون ما رادع أو وازع. ويبالغون فيقولون ما لا يفعلون. ولا يهوي إليهم ويتبعهم إلّا الغاوون المنحرفون أمثالهم. وقد استثنت الآية الأخيرة الذين آمنوا وعملوا الصالحات وكانوا في موقف المدافع الذين هبوا للدفاع والانتصار بعد أن ظلموا. ثم انتهت بهتاف رباني تعقيبي وإنذاري للظالمين بما سوف يصيرون إليه ويرونه من سوء المنقلب والعاقبة.

تعليق على آية والشعراء يتبعهم الغاوون وما بعدها

تعليق على آية وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ وما بعدها والآيات غير منقطعة عن السياق بل ومعطوفة عليه. وقد احتوت ردّا ثانيا على الكفار كما هو المتبادر. فالكفار كانوا يقولون إن الشياطين هم الذين ينزلون على النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن وإن النبي صلى الله عليه وسلم شاعر وإن القرآن شعر، مما حكته آيات عديدة مرّت أمثلة منها وبخاصة في سورة يس فردت الآيات السابقة على الزعم الكاذب الأول، واحتوت هذه الآيات ردّا على الزعم الكاذب الثاني. فالشعراء إنما يتبعهم الغاوون، وهم يقولون ما لا يفعلون، وفي كل واد يهيمون في حين أن النبي صلى الله عليه وسلم يدعوا إلى الله وحده وإلى الحق والخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويفعل ما يقول، وتحلّى أتباعه بكل ما دعا إليه وأمر به ونهى عنه فصاروا الجماعة الفاضلة القوية بإيمانها وأخلاقها وأفعالها. تعليق على استثناء المؤمنين من ذمّ الشعراء ولقد احتوت الآية الأخيرة استثناء الشعراء المؤمنين الصالحين من الوصف الذي احتوته الآيات الأولى، وتنويها بهم. فهم ليسوا من تلك الطبقة حيث خرجوا عن طبيعتها فآمنوا بالله وحده وعملوا الصالحات، ساروا في طريق الخير والحق والصدق، وانتصروا مما وقع عليهم من الظلم. وقد انتهت الآية بوعيد للظالمين وإنذار بالعاقبة السيئة التي سيصيرون إليها. والمتبادر أن المقصود بالانتصار هو ما كان ينظمه شعراء المسلمين من قصائد يردّون فيها على قصائد الهجو التي كان ينظمها شعراء الكفار. وقد ذكر المصحف الذي اعتمدنا عليه أن الآيات الأربع مدنيات. وذكر ذلك الزمخشري في مطلع تفسير السورة. والحقيقة أن الطابع المدني ظاهر على الآية الأخيرة فقط. فالمسلمون إنما وقفوا موقف المنتصر من بعد الظلم والمدافع المنتقم بعد الهجرة ولم يكن في مكة مجال للتهاجي بين شعراء المسلمين والكفار،

لأن المسلمين كانوا قلة مستضعفة من جهة ولأن ما أهاج التهاجي هو الاحتكاك المسلح بين الفريقين الذي كان بعد الهجرة من جهة ثانية. ولذلك فالرواية تصح في اعتقادنا بالنسبة للآية الأخيرة فقط. أما الآيات الثلاث فالمتبادر أنها نزلت في صدد الردّ على نسبة الشاعرية إلى النبي صلى الله عليه وسلّم ونزول الشياطين عليه بالقرآن على ما كانت عليه عقيدة العرب وأنها متصلة بالآيات السابقة التي لا خلاف في مكيتها. ولما اضطلع شعراء المسلمين بعد الهجرة بالردّ على شعراء الكفار اقتضت حكمة التنزيل استثناءهم من الوصف الذي وصف به الشعراء فنزلت الآية وألحقت بالآيات الثلاث للاستدراك والمناسبة الظاهرة، شأنها في هذا شأن الآية الأخيرة في سورة المزمل. ولقد ذكر المفسرون في سياق تفسير الآيات أن الآية المذكورة نزلت في حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك رضى الله عنهم الذين أمرهم النبي بهجو المشركين ردّا على هجو هؤلاء النبي والمؤمنين فذكروا له ما وصفت آيات الشعراء به الشعراء فأنزل الله الآية فتلاها عليهم وهو يقول لهم هؤلاء أنتم هؤلاء أنتم، فأخذوا منذئذ يردون على هجو الكفار. والرواية محتملة الصحة جدا وإن لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة. وفيها تأييد لما قلناه من أن الآيات الثلاث نزلت في مكة والآية الرابعة فقط هي التي نزلت في المدينة. ولقد روى المفسرون أن النبي كان يقول لحسان «اهجهم وجبريل معك. وإنّه لأشدّ عليهم من رشق النّبل» ولكعب بن مالك «إنّ المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه. والذي نفسي بيده لكأنّ ما ترمونهم به نضح النّبل» . وواضح أن في الآية وما روي في سياقها تلقينا مستمر المدى في حقّ المسلم وواجبه في الدفاع عن الإسلام والمسلمين بمختلف أساليب الدفاع. وإن ما يمكن أن يكون في أصله مذموما يغدو في هذا السبيل ممدوحا مرغوبا فيه بل واحيا. ومع ذلك ففي الاستثناء الذي تضمنته الآية تلقين جليل آخر وهو أن هذه الرخصة التي يرخصها الله ورسوله للمسلمين إنما هي للذين يكون موقفهم موقف المنتصر من الظلم الذي لا يتجاوز الحق.

دلالة الآيات الأربع الأخيرة من السورة وتلقينها

دلالة الآيات الأربع الأخيرة من السورة وتلقينها والآيات الأربع تدل من جهة على ما كان معروفا من طبيعة الشعراء في ذلك الوقت وسيرتهم وعلى ما كان للشعر والشعراء من تأثير قوي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبيئته من جهة أخرى وتنطوي بالإضافة إلى ذلك على صورة من صور السيرة النبوية حيث كان شعراء الكفار يهجون النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وحيث كان شعراء المسلمين يقابلونهم بالمثل انتصارا من الظلم. ومع خصوصية الآيات وصلتها بظروف السيرة النبوية فإنها تحتوي تلقينا مستمر المدى، فالدعوة إلى الحق والخير والصلاح لا يقوم بها إلّا من خلصت نيته وطهرت سريرته وصدّقت أفعاله أقواله. ولا يستجيب إليها إلّا من اتصف بهذه الصفات. أما الشر والأذى والإثم والإفك فلا يجري في نطاقه دعوة واستجابة إلّا الشريرون الآثمون والكاذبون الأفاكون والظالمون. وعلى المسلم أن يتبين الحق من الباطل وأن يحذر خطة الذين يهيمون في كل واد ويقولون ما لا يفعلون من ذوي البروز والتأثير، وألّا ينساق وراءهم في أي موقف لما في ذلك من ضرر عام وخاص وانحراف عن جادة الحق والخير وقويم الأخلاق. ويصح أن يضاف إلى هذا أن من تلقينات استثناء المؤمنين من الشعراء المستمرة المدى أنه لا حرج على الشاعر المسلم في أي وقت ومكان من نظم الشعر إذا كانت نيته حسنة وقصده التنويه بالخير والدعوة إلى الصلاح والإصلاح والحث على مكارم الأخلاق والتنديد بسيئاتها ومقارعة الظلم والبغي، فالشعر كان وما يزال قوي التأثير في النفوس وهو في حد ذاته فنّ جميل فيكون ما ابتعد عن الكذب والخلاعة والفسق والفجور وما أيد الدعوة إلى مكارم الأخلاق والحث عليها وما رمى إلى التنديد بالسيئات والفواحش ومقارعة الظلم والبغي خارجا عن نطاق الذمّ القرآني يصحّ نظمه شعرا ويصحّ سماعه معا.

سورة النمل

سورة النمل في السورة حملة تقريع على الكفار وحكاية لبعض مواقفهم وأقوالهم وخاصة في صدد الآخرة وحسابها وجزائها. وفيها قصص بعض الأنبياء وأقوالهم، منها ما أسهب فيه وهو قصة ما كان بين سليمان عليه السلام وملكة سبأ بقصد الموعظة. وفيها تقريرات عن مظاهر قدرة الله تعالى ورحمته بسبيل البرهنة على ربوبيته وتسفيه المشركين وتقريعهم. وفيها صورة من الدعوة النبوية في العهد المكي وتثبيت وتطمين للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين. وهي مشابهة في المطلع والنهاية والفصول القصصية الاستطرادية للسورة السابقة مما يمكن أن يكون فيه قرينة على صحة الترتيب. وفصولها مترابطة مما يسوغ القول إنها نزلت متلاحقة حتى تمت. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة النمل (27) : الآيات 1 الى 6] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (1) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6) (1) يعمهون: متحيرون ومترددون ويتيهون. ويقول الزمخشري إن العمه مثل العمى إلا أن العمى عام في البصر والرأي والعمه في الرأي خاصة. وهذا هو

تعليق على اجتماع كلمتي القرآن والكتاب معا في آية واحدة

التحير والتردد حيث لا يدري المرء أين يتجه. وأرض عمهاء بمعنى لا منار بها. بدأت السورة بحرفي الطاء والسين. وروى المفسرون عن أهل التأويل أنهما من أسماء الله أو أنهما قسم أقسمه الله. كما رووا أنهما مثل سائر الحروف التي بدأت بها السور الأخرى. ونحن نرجح ذلك ونرجح أنهما جاءا لاسترعاء السمع لما بعدهما من ذكر كتاب الله والتنويه به وبالمؤمنين. فهو الكتاب الذي أنزله الله هدى وبشرى للمؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويوقنون بحقيقة البعث الأخروي. وقد تبع ذلك استطراد إلى الذين لا يوقنون بهذه الحقيقة فوصفوا بأن الله قد زين لهم أعمالهم فعموا عن هذه الحقيقة وإدراكها عمى شديدا فاستحقوا سوء العذاب والخسران في الآخرة. وانتهت الآيات بتوجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بسبيل التوكيد بأن القرآن الذي يتلقاه هو من لدن الله تعالى الحكيم الذي لا يفعل إلّا ما فيه الحكمة والعليم الذي يعلم بكل شيء. ولم يرو المفسرون رواية خاصة في مناسبة نزول الآيات. ومن المحتمل أن تكون مقدمة بين يدي القصص التي حكتها الآيات التالية لها، ولعل الآية السادسة والأخيرة منها قرينة على ذلك، والله أعلم. تعليق على اجتماع كلمتي القرآن والكتاب معا في آية واحدة ولقد اجتمعت كلمتا القرآن والكتاب معا في الآية الأولى. والكلمتان جاءتا في القرآن مترادفتين حينما لا تجتمعان. ومع ذلك فكل منهما مختلف الدلالة حيث تعني كلمة (القرآن) الشيء المقروء وكلمة (الكتاب) الشيء المكتوب. وكل من المعنيين متحقق في القرآن، ولعل الحكمة في جمعهما هنا هي الإشارة إلى كون آيات وفصول وسور القرآن كانت تكتب وكانت تقرأ. فهي قرآن مقروء ومكتوب وإذا صحّ هذا ففيه قرينة على أن الفصول القرآنية كانت تدون في العهد المكي لأن

تعليق على جملة زينا لهم أعمالهم

الآيات مكية. وهو المتسق مع الروايات المتواترة والدلالات القرآنية الكثيرة على ما ذكرناه في مناسبات سابقة وشرحناه في كتابنا القرآن المجيد. تعليق على جملة زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ ولقد اختلفت أقوال المفسرين وتعددت في تأويل جملة زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ [4] لأنها توهم أن الله تعالى زين للكافرين بالآخرة عملهم وكفرهم فعموا نتيجة لذلك عن رؤية الحق وإدراكه، فمما قيل إن معناها حرمناهم التوفيق عقوبة لهم على كفرهم فازدانت أعمالهم في عيونهم «1» . ومنه إنا حسّنا لهم ما هم فيه ومددنا لهم في الغيّ جزاء تكذيبهم بالآخرة «2» . ومنه إن إسناد التزيين إلى الله هو مجازي وإن معنى الجملة أن الله متّعهم بطول العمر وسعة الرزق فجعلوا ذلك ذريعة إلى اتباع الشهوات فكأنه زيّن لهم بذلك أعمالهم أو أن الله زيّن لهم أعمال الخير التي وجب عليهم عملها فعموا عنها «3» . وكل من هذه الأقوال وجيه من شأنه إزالة ما قد يثير التوهم في الجملة. ولا سيما أن في القرآن آيات تنسب تزيين الكفر والضلال للشيطان منها آية سورة الأنعام هذه فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (43) وآية سورة النحل هذه تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (63) وفيه كذلك آيات تنسب إلى الإنسان عمله وترتب جزاءه في الدنيا والآخرة على ذلك مما مرّ منه أمثلة عديدة. ومنه آية سورة فصلت هذه مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46) وآية سورة النحل هذه مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (97) .

_ (1) انظر مجمع البيان للطبرسي مثلا. (2) تفسير ابن كثير. (3) الكشاف للزمخشري.

تعليق عام على آيات السورة الأولى

وقد تبادر لنا تأويلان آخران (أولهما) أن تقرير كون الذين زيّن الله تعالى أعمالهم هم الذين لا يؤمنون بالآخرة قد يجعل الجملة من باب وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ [27] في آية سورة إبراهيم ويُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ في سورة البقرة [في الآية: 26] . ووصفهم بالمجرمين قرينة مؤيدة لوجاهة هذا التأويل، أما (ثانيهما) فهو أن الله تعالى قد أودع في عباده ناموس استحسان أعمالهم، فمنهم من يبلغ ذلك فيهم إلى حد يعميهم عن إدراك الحق، وهؤلاء الذين يجحدون بآيات الله ويكذبون بالآخرة، وفي سورة الأنعام آية من باب الآية التي نحن في صددها وقد جاءت مطلقة وهي كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (108) وعبارتها تشمل جميع الناس محسنهم ومسيئهم وتقوّي وجاهة التأويل الثاني. وعلى كل حال فإن هذه التأويلات هي التي تتسق مع روح القرآن وتقريراته المحكمة عامة التي من ضمنها تقرير جعل الله في الإنسان قابلية الاختيار والكسب وإرساله الرسل للبشر ليبينوا لهم بإذنه ووحيه طرق الهدى والضلال والحق والباطل والخير والشر، وجزاؤه كلّا بما اختاره وفي الوقت نفسه تنزه الله سبحانه عن تزيين أعمال الكفر والمعاصي للكفار والعصاة. تعليق عام على آيات السورة الأولى وكلمة الزَّكاةَ تأتي هنا لثاني مرة في آية مكية. وصيغة الآية مثل صيغة آية سورة الأعراف وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (156) التي ذكرت فيها الكلمة أي صيغة حثّ وتنويه. والسورة من السور المبكرة نوعا ما. وفي هذا وذاك دلالة جديدة على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رتّب منذ أوائل الدعوة على الميسورين من المؤمنين مقدارا معينا من المال باسم (زكاة) لمصلحة فقراء المسلمين ومصلحة الدعوة أو كان يحثّهم على إنفاق جزء من مالهم بهذا الاسم على هاتين

[سورة النمل (27) : الآيات 7 إلى 14]

المصلحتين على ما شرحناه في سياق سورة المزمل. ولقد وصف المؤمنون في الآية الثالثة بأنهم الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويؤمنون بالآخرة وفي هذا توكيد للتقريرات القرآنية بكون الإسلام إيمانا وعملا وبكون التلازم بين ذلك أمرا محكما. والآية الثانية بتقريرها أن آيات القرآن هي هدى وبشرى للمؤمنين قد انطوت بدلالة الآية الثالثة على تقرير كون الطبقة التي ترغب في الحق والهدى وتعزف عن المكابرة والمماحكة هي التي تهتدي بالقرآن وتستبشر وتنتفع، ثم على التنويه بالمسلمين الأولين الذين سارعوا إلى الاهتداء والاستبشار بالقرآن وعكفوا على عبادة الله سبحانه ومساعدة الفقراء بزكاة أموالهم. ولقد اقتصرت الآية الرابعة على وصف الكفار بأنهم الذين لا يؤمنون بالآخرة. ولعل القصد من هذه الإشارة إلى أن جحود الكفار حقيقة الآخرة كان أهمّ مظهر لكفرهم وأشدّ العقبات في سبيل الدعوة. ويقوي هذا كون هذه الحقيقة من أكثر المواضيع المتكررة في القرآن ومن أكثر مواضع الجدل والحجاج بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الكفار مما مرّ منه أمثلة كثيرة، والآية التي نحن في صددها تعلل أعمال الكفار السيئة وكفرهم بعدم إيمانهم بالآخرة. وقد احتوت آيات كثيرة مثل هذا التعليل مرّ منها أمثلة كثيرة ومنها آية سورة النحل هذه إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22) وآية سورة المؤمنون هذه وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (74) ولعل مما ينطوي في ذلك التنويه بخطورة الإيمان بها وكون ذلك جوهريّا في حياة الإنسان الدنيوية والأخروية معا حيث يجعل المرء يفكر في عواقب أعماله فينصرف عما يسبب له الشقاء في الآخرة. [سورة النمل (27) : الآيات 7 الى 14] إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (8) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)

تعليق على قصة موسى وفرعون في السورة

(1) شهاب قبس: شعلة مقتبسة من النار. (2) تصطلون: تستدفئون. (3) جان: اسم من أسماء الأفعى أو جنس من أجناسها الضخمة أو السريعة الحركة الشديدة الاضطراب. (4) في تسع آيات: المعجزات التي أظهرها الله تعالى على يد موسى. وهي اليد والعصا والجراد والضفادع والدم والقمل والطوفان والسنين ونقص الثمرات وقد ذكرت في سورة الأعراف «1» . (5) مبصرة: واضحة بينة. (6) استيقنتها أنفسهم: علموا صدق كونها من الله تعالى في قرارة أنفسهم. تعليق على قصة موسى وفرعون في السورة هذه الآيات حلقة من سلسلة قصصية اقتضتها حكمة التنزيل وتجدد المناسبات. وقد جاءت عقب الآيات التي نوّهت بالمؤمنين ونددت بالجاحدين بقصد تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين وإنذار الكفار، جريا على الأسلوب القرآني، وهي والحال هذه متصلة بالسياق. وقد تضمنت الحلقة قصة رسالة موسى عليه السلام إلى فرعون وقومه.

_ (1) الآيات [107 و 108 و 130 و 133] وقد سميت في الآيات بالآيات التي تعني المعجزات. [.....]

وعبارتها واضحة وقد جاءت مقتضبة مع الاتساق بينها وبين ما جاء في سورتي طه والأعراف إجمالا. وقصد الموعظة وضرب المثل والتثبيت واضح فيها سواء أفي حرف «إذ» الذي بدئت به والذي هو حرف تذكير أم في نهايتها التي تلفت النظر إلى العاقبة التي صار إليها المفسدون والتي ذكرت في السورتين المذكورتين وتذكر بها. والجديد في صيغة القصة هنا ذكر جحود فرعون وقومه لآيات الله ظلما وعلوّا مع استيقانهم بصدق كونها من عند الله. وقد انطوى فيه على ما هو المتبادر قصد المقارنة بين ما صدر من فرعون وقومه وبين ما صدر من كفار العرب الذين كانوا يكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجحدون بآياته استكبارا في الأرض ومكر السيء على ما ذكرته آيات سورة فاطر هذه وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً (42) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43) وغيرها من الآيات التي أوردناها في سياق تفسير هذه الآيات في سورة فاطر ثم قصد إنذار الكفار وتذكيرهم بعاقبة فرعون وقومه الذين جحدوا بآيات الله ظلما وعلوّا. ومن الجديد فيها كذلك ما جاء في الآيتين [10- 11] من خطاب الله عزّ وجل لموسى. وهذا غير وارد في سفر الخروج. ونعتقد أنه كان المتداول عند اليهود والوارد في بعض قراطيسهم التي لم تصل إلينا. ولقد تعددت التأويلات التي يرويها المفسرون عن أهل التأويل لما جاء في الآيتين المذكورتين من ذلك أنه شامل للمرسلين وغير المرسلين. ومن ذلك أن المقصود من الصيغة استثناء المرسلين من الخوف. وتقرير كون الخوف إنما هو من شأن الظالم، والمرسلون لا يظلمون. ومن ذلك أن القصد من الآية الثانية مع ذلك هو إيذان الله تعالى بأنه يغفر ويرحم لمن يبدل حسنا بعد سوء إطلاقا وكلا القولين وجيه.

مغزى وصف الله نفسه برب العلمين في آيات هذه القصة

وفي الآيات تساوق مع المبادئ القرآنية التي تكرر التنبيه عليها في مناسبات عديدة مرّت أمثلة منها. والتي يؤذن الله تعالى فيها بالمغفرة والرحمة لمن ظلم ثم تاب وبدل حسنا بعد سوء. وفي هذا التساوق يبدو التماثل بين ما أوحى الله إلى موسى وإلى محمد عليهما السلام، ولعلّ هذا من حكمة ذلك. والله أعلم. مغزى وصف الله نفسه بربّ العلمين في آيات هذه القصة وفي وصف الله تعالى نفسه هنا بوصف رَبِّ الْعالَمِينَ وهو يخاطب موسى مغزى مهم يؤكد ويتمم المغزى الذي انطوى في آيات سورة الأعراف [105- 121] والذي نبهنا عليه في تعليق خاص. ففي الآية [105] وصف الله تعالى بهذا الوصف بلسان موسى عليه السلام. وفي الآية [121] وصف بهذا الوصف بلسان بني إسرائيل. وهنا وصف الله عز وجل نفسه به وبذلك انسد باب دعوى بني إسرائيل باختصاص الله بهم انسدادا محكما وتم تكذيبهم فيها بصورة حاسمة وصحح التحريف الذي حرّفوه في أسفارهم «1» على ما نبهنا عليه في التعريف المذكور. [سورة النمل (27) : الآيات 15 الى 44] وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (19) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (21) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (24) أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26) قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (28) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (30) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ (33) قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (37) قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40) قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (41) فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (43) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (44)

_ (1) انظر مثلا الإصحاح (34) من سفر الخروج والإصحاحات (14 و 31) من سفر العدد والإصحاحات (7 و 20) من سفر التثنية والإصحاح (4) من سفر عزرا.

(1) منطق الطير: أصواتها أو معانيها أو أغراضها. (2) يوزعون: يساقون أو يحبسون موقفا بعد موقف حتى يتلاحقوا.

تعليق على قصة داود وسليمان وملكة سبأ في الحلقة الثانية من السورة

(3) لا يحطمنكم: لا يدوسنكم ويسحقنكم. (4) أوزعني: اجعلني أو احصرني أو ألهمني. (5) بسلطان مبين: ببرهان ومبرر واضح. (6) فمكث غير بعيد: فغاب غير طويل. (7) أحطت: علمت ووقفت على خبر. (8) الخبء: المخفي أو المخبوء أو كناية عن مطر السماء ونبات الأرض. (9) أتمدونني بمال: من الإمداد بمعنى المعونة. (10) عفريت: معناه الخبيث أو الداهية أو المارد الجبار. (11) قبل أن تقوم من مقامك: قبل أن تقوم من مجلسك. (12) قبل أن يرتد إليك طرفك: قبل أن ترمش عينك، أو كما يقال بأسرع من لمح البصر. (13) ليبلوني: ليختبرني. (14) نكّروا لها عرشها: غيروا معالم عرشها. (15) ننظر أتهتدي: لنرى هل تهتدي إليه وتعرفه رغم ما طرأ عليه من التغيير. (16) وصدها ما كانت تعبد من دون الله: ومنعها أو جعلها ترجع عما كانت تعبد من دون الله. (17) الصرح: القصر أو إحدى قاعاته. (18) لجة: بحيرة ماء. (19) ممرد: مملس. (20) قوارير: زجاج. تعليق على قصة داود وسليمان وملكة سبأ في الحلقة الثانية من السورة وهذه حلقة ثانية من السلسلة، وقد احتوت إشارة إلى ما آتاه الله داود وسليمان من علم وحمدهما إياه على ذلك، ثم إلى أحداث جرت لسليمان

وبخاصة ما كان بينه وبين ملكة سبأ بشيء من الإسهاب، وعبارتها واضحة. ومعظم ما جاء فيها جديد باستثناء ما كان من تسخير الجنّ لسليمان حيث ذكر في سورة ص. ومع ما يبدو عليها من قصد الإخبار فإن فيها مواضع عبرة عديدة تجعلها تتسق في أهدافها مع أهداف القصص القرآني بوجه عام، وهي التذكير وضرب المثل والموعظة والعبرة. وخبر زيارة ملكة سبأ لسليمان عليه السلام وارد في الإصحاح العاشر من سفر الملوك الأول الذي هو في الطبعة الكاثوليكية الثالث. وما جاء في هذا الإصحاح أن الملكة نوهت بحكمة سليمان وقدمت له هدايا مائة وعشرين قنطارا من الذهب وطيوبا كثيرة وحجارة كريمة. وأنه أعطاها كل بغيتها التي سألتها فوق ما أعطاها من العطايا وانصرفت إلى أرضها. وليس في هذا السفر ولا غيره من الأسفار ما جاء في الآيات من قصة الهدهد وتعلم سليمان منطق الطير وحشد جنوده من الجن والإنس والطير ووادي النمل وكلام النملة وكتاب سليمان لملكة سبأ ومحاورتها مع ملأها. ومسألة الإتيان بعرشها والصرح الذي حسبته لجة وهو من القوارير. ولكنا نعتقد أنها كانت متداولة بين اليهود وواردة في قراطيس وأسفار أخرى. وفي كتب التفسير بيانات كثيرة مروية عن علماء الأخبار ومسلمة اليهود في الصدر الأول في نطاق كل ذلك مما فيه دلالة على أن ما اقتضت حكمة التنزيل منه مما كان متداولا في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم وليس له مصدر إلا اليهود. ولما كان هدف القصة وما فيها هو الموعظة والعبرة كما قلنا فإننا لم نر طائلا في إيراد البيانات التي أوردها المفسرون والتي فيها كثير من الإغراب ولا في شرح محتويات الآيات موضوعيا والتوسع في التخمين والتأويل كما فعل المفسرون. ونرى الأولى الوقوف عند ما اقتضت حكمة التنزيل إيحاؤه لتحقيق ذلك الهدف.

هدف الحلقة ومواضع العبرة فيها

هدف الحلقة ومواضع العبرة فيها إن ما قلناه في سياق قصتي داود وسليمان عليهما السلام في سورة ص اللتين جاءتا عقب ذكر تمرد الأقوام الأولى ومواقف كفار العرب من الرسالة النبوية من كون الهدف الرئيسي للقصتين هو التنويه بما كان من إخلاص داود وسليمان لله تعالى مع ما وصل إليه ملكهما من عظمة وقوة بسبيل تسلية النبي صلى الله عليه وسلم يقال هنا بتمامه. فإذا كان فرعون استكبر وظلم وجحد بآيات الله فإن داود وسليمان عليهما السلام صاحبي الملك العظيم المسخر لهما قوى الكون الهائلة لم يغتروا بذلك وظلوا منيبين لله معترفين بفضله. يلتمسون منه أن يدخلهم في عباده الصالحين. ويلحظ أن ذكر داود وسليمان وملكهما وعظمته قد جاء هنا عقب ذكر فرعون وتمرده مما فيه تساوق أسلوبي ونظمي مع سياق قصتهما في سورة (ص) مما فيه تدعيم لما نبهنا عليه من الهدف الرئيسي الذي استهدف هنا كما استهدف في تلك السورة. وبالإضافة إلى ذلك فإن من مواضع العبرة في الحلقة الحوار الذي حكته الآيات بين ملكة سبأ ورجال دولتها حيث احتوى حكما جليلة في صدد سياسة الملك. فالملكة تعلن أنها ما كانت مستبدة ولا ظالمة ولا قاطعة أمرا إلا بعد مشاورة أولي الرأي في مملكتها. وواضح أن كلمة (الملوك) التي وردت في كلامها تعني الملوك الأجانب حيث تقرر أنهم إذا غزوا بلادا ما واحتلوها انصرف همّهم إلى إفساد تلك البلاد وجعل أعزة أهلها أذلة. وإن من الواجب وقاية البلاد من أخطارهم بأي وسيلة. مما فيه حكمة اجتماعية رائعة خالدة. وأسلوب الحوار وإن كان قصصيا ففيه ما يلهم قصد التنويه بما حكاه عن لسان الملكة والدعوة إلى التأسي به وجعله خطة يسار عليها وهي خطة حكيمة سليمة حقا. ومن ذلك إسلام ملكة سبأ لله بعد أن سمعت من سليمان عليه السلام ما سمعت من حكمة وعظة، حيث ينطوي في هذا تقرير بأنه إذا كان الكفار لا يستجيبون إلى دعوة الله فهناك من عظماء الملوك من كان كافرا فاستجاب إلى هذه الدعوة وأسلم نفسه لله تعالى مع نبيه.

تعريف بسبأ

تعريف بسبأ وفحوى الآيات يفيد أن المقصود من سبأ اسم بلد أو قوم. وقد ذكر هذا الاسم في آية في سورة سميت به يفيد نفس الشيء وهي الآية [15] من سورة سبأ وهي لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) . ولقد ذكر اسم سبأ في الإصحاح العاشر والإصحاح الحادي والعشرين من سفر التكوين بصفته أحد أبناء يقطان بن عاجز من نسل سام بن نوح. والروايات العربية تذكر سبأ رئيسا لعرب اليمن فهو ابن يشجب بن يعرب بن قحطان. وهو أبو حمير وكهلان، وإلى حمير وكهلان تنتسب جميع القبائل القحطانية. وإلى هذا فقد ذكر اسم سبأ في نقوش يمنية قديمة كاسم قوم ومملكة قامت في القرن العاشر قبل الميلاد وعظم أمرها وعم سلطانها بلاد اليمن وبنت السدود والقصور والمعابد واستخرجت الذهب من المناجم وعظمت تجارتها وزراعتها وازدهرت. واشتهر من سدودها سد مأرب العظيم الذي كان من أعظم الأعمال الهندسية الإروائية في العصور القديمة والذي لا تزال آثاره قائمة تشهد على عظمته والذي كان من أسباب ازدهار الزراعة فيها مما أشير إليه في آية سبأ المذكورة آنفا. وقد استمر حكمها واسمها إلى ما بعد الميلاد المسيحي ثم أخذ يطرأ عليها الوهن وخرب سدها وطغى على ما جاوره ودمره وقد سمي هذا بسيل العرم الذي ذكر في سورة سبأ بعد الآية المذكورة فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) . [سورة النمل (27) : الآيات 45 الى 58] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (45) قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46) قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47) وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (48) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (49) وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (53) وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58)

تعليق على قصتي صالح ولوط عليهما السلام مع قومهما

(1) تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة: تستعجلون عذاب الله تعالى دون رحمته وفضله. (2) لولا: بمعنى هلا. (3) اطّيرنا: تشاء منا. (4) طائركم: شؤمكم. (5) تفتنون: تختبرون بطاعة الله ومعصيته. (6) تسعة رهط: الرهط بمعنى الجماعة. والمتبادر أن الجملة تعني رهطا مؤلفا من تسعة أشخاص. (7) تقاسموا بالله: احلفوا الأيمان. (8) لنبيتنه: لنباغتنه ليلا. (9) لوليّه: لأهل عصبيته. تعليق على قصتي صالح ولوط عليهما السلام مع قومهما احتوت هذه الآيات حلقتين أخريين هما بقية الحلقات في السلسلة القصصية وفيهما قصتا صالح ولوط عليهما السلام مع قومهما. ومحتوياتها مطابقة مع ما جاء

[سورة النمل (27) : الآيات 59 إلى 64]

من ذلك في سور الشعراء والأعراف والقمر وغيرها. وعبارتها واضحة. وقصد وعظ الكفار وإنذارهم وضرب المثل لهم بأفعالهم وتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين وتطمينهم بنصر الله وخذلان الكفار واضح في آيات الحلقتين. وهو ما استهدفته كما هو المتبادر. وفي آيات قصة صالح عليه السلام شيء جديد وهو المؤامرة التي دبرها الرهط المفسدون لقتل صالح عليه السلام ونتيجتها. وقد انطوى في ذلك كما هو المتبادر قصد تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين الذين كانوا يتعرضون لأذى الكفار ومؤامراتهم، وتطمينهم بنصر الله وإنذار الكفار بعاقبة مثل عاقبة ثمود. [سورة النمل (27) : الآيات 59 الى 64] قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (61) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (64) (1) يعدلون: يساوون بين الله وشركائهم أو يجعلون له ندّا وعديلا. جاء هذا الفضل معقبا على سلسلة القصص جريا على الأسلوب القرآني الذي نبهنا إليه غير مرة فهو متصل بالسياق والحال هذه. وعبارة الآيات واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر.

تعليق على الآيات التي جاءت بعد سلسلة القصص وتنويه بما فيها من روعة

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيها بتقرير الحمد لله والسلام على الذين اصطفاهم من عباده، ثم بتوجيه أسئلة للكفار فيها تقريع وتحدّ واستنكار لكفرهم وجحودهم وشركهم مع ما يقوم من الدلائل الباهرة على وجود الله وشمول قدرته ووحدانيته ومطلق تصرفه ووافر نعمه في الأرض والسماء والمطر والنبات والشجر والليل والنهار والجبال والبحار والأنهار والرياح والنجوم، وتيسير الرزق للناس وكشف الضرّ عنهم، واستخلافهم في الأرض إلخ. وأسلوب الأسئلة استنكاري انطوى فيه كما هو المتبادر تقرير نفي أي احتمال بأن يكون مع الله عزّ وجل إله آخر. والفقرة الأخيرة بخاصة انطوت على تحدي الكفار وتبكيتهم من جهة، وعلى تقرير نفي قدرتهم على إقامة البرهان على صواب شركهم من جهة أخرى. تعليق على الآيات التي جاءت بعد سلسلة القصص وتنويه بما فيها من روعة والمتبادر أن المشار إليهم في الآية الأولى- أي عباد الله الذين اصطفاهم- الأنبياء السابقون والذين آمنوا بهم تقفية على ذكر قصص بعضهم في الآيات التي قبلها وإنّ أمر النبي صلى الله عليه وسلم في الآية الأولى بتقرير الحمد لله، إنما هو بسسبب جعله هو والذين آمنوا به في زمرة الذين اصطفاهم الله، وينطوي في هذا تطمين وتبشير للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من جهة، ودعم لما قلناه من أن الفصل قد جاء معقبا على السلسلة وأن هدفها الجوهري هو الموعظة والعبرة وضرب المثل، وهكذا ترتبط آيات السورة منذ بدئها في سياق منسجم. وأسلوب الآيات التقريعي يلهم أن سامعي القرآن من الكفار يعترفون بأن الله هو ربّ الأرباب وخالق الكون ومدبره ورازق الناس وملجأهم الأعظم. قد حكت آيات عديدة ذلك عنهم أوردناها في مناسبات سابقة، وبذلك تستحكم الحجة والتقريع والتنديد بهم كما هو المتبادر، والفصل من روائع الفصول القرآنية الشاملة في التنبيه على مشاهد عظمة الله تعالى وقدرته ووحدانيته بسبيل التدليل على أنه هو وحده المستحق للعبادة والاتجاه والدعاء. ويبدو من خلاله صورة رائعة للنبي صلى الله عليه وسلم

[سورة النمل (27) : الآيات 65 إلى 75]

وهو يهتف بالكفار بهذه الهتافات والأسئلة، أو بالأصح الصرخات القوية النافذة إلى الأعماق في التقريع والاستنكار والإفحام والتسفيه على إشراك غير الله مع الله وعدم التدبر في آيات الله الماثلة في كونه والتي لا يماري فيها إلّا مكابر سفيه، ثم وهو مستغرق في الدعوة إلى الله وحده معلنا الحرب على الشرك في أي مظهر من مظاهره وأي معنى من معانيه ظاهرا وباطنا، قريبا وبعيدا، وسيلة وأصلا. وبمناسبة أمر الله تعالى بحمده الوارد في الآية الأولى نقول إن هذا الأمر تكرر في القرآن والمتبادر أنه بسبيل تعلم النبي والمؤمنين حمدهم الله على نعمه المتنوعة التي لا تحصى عليهم وتذكيرهم بذلك. ولقد أثرت في ذلك أحاديث عديدة عن النبي صلى الله عليه وسلم منها ما ورد في كتب الصحاح وهذا واحد منها رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أفضل الذّكر لا إله إلا الله وأفضل الدّعاء الحمد لله» «1» . [سورة النمل (27) : الآيات 65 الى 75] قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (66) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (71) قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (72) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (73) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (74) وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (75) (1) . بل ادّارك علمهم في الآخرة: تدارك بمعنى تلاحق. وتداولت الجملة

_ (1) التاج ج 5 ص 82 وانظر هذا الجزء 78 وما بعدها ففيه صيغ دعاء وحمد عديدة مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

بتأويلات عديدة منها أنها بمعنى اجتمع علمهم عن الآخرة وتلاحقت الأخبار عندهم بأنها لن تكون. ومنها أنها بمعنى عجز علمهم عن فهم حكمة الآخرة. ومنها أن علمهم ويقينهم بالآخرة جاء متداركا بعد فوات الوقت فلم ينفعهم ذلك. وقد رجحنا المعنى الثاني. والله أعلم. (2) عمون: جمع عم. والكلمة وصف للكفار بعدم الإدراك والإبصار. والكلمة أشد من العمى. (3) ردف: معنى ردفه جاء وراءه ودهمه. والكلمة في مقامها تعني أن ما يستعجلونه يمكن أن يكون وشيك المداهمة لهم. (4) تكنّ: تخفي. (5) كتاب مبين: الجملة كفاية عن علم الله تعالى وإحاطته بكل ما كان ويكون. الآيات استمرار للسياق ومتصلة بما سبقها كما هو المتبادر، وبدؤها بأمر «قل» الذي بدأ به الفصل السابق قرينة على ذلك. وفي الوقت نفسه فإن فيها عودا على ما احتواه مطلع السورة من ذكر جحود الجاحدين بالآخرة وخسرانهم مما يجعل الترابط قائما بين فصولها. وفي الآية الأولى أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يقرر ويقول إنه ليس من أحد في السموات والأرض غير الله يعلم الغيب، وأنه ليس من أحد يعلم وقت البعث والنشور، وفي الثانية توكيد بعدم إدراكهم لأمر الآخرة وحكمتها وشكهم فيها بسبب ذلك، وأنهم في عماية تامة عنها، والآيتان الثالثة والرابعة حكت تساؤل الكفار على سبيل الإنكار عن إمكان البعث بعد أن يصبحوا هم وآباؤهم من قبل ترابا، وقولهم إن الوعد بالآخرة ليس جديدا وإن آباءهم أوعدوا به من قبلهم، وقد احتوت الآية الخامسة أمرا بالرد عليهم على طريقة الأسلوب الحكيم فما عليهم إلّا أن يطوفوا في الأرض ليروا عاقبة المكذبين المجرمين وآثار نكال الله تعالى فيهم، واحتوت الآية السادسة تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم: فليس عليه أن يحزن ويضيق صدره مما يمكرونه ويكيدونه للدعوة ويقفونه منها من مواقف التكذيب. وعادت الآية

[سورة النمل (27) : الآيات 76 إلى 78]

السابعة إلى حكاية تساؤلهم عن موعد تحقيق ما يوعدون بأسلوب الإنكار والتحدي، فردت عليهم الآية الثامنة آمرة النبي صلى الله عليه وسلم بإنذارهم باحتمال قرب ما يستعجلون من عذاب الله، ثم استطردت الآيات التي جاءت بعدها إلى تقريرات مباشرة: فالله سبحانه ذو فضل على خلقه ولكن أكثرهم لا يشكرونه على ذلك به، والله سبحانه عليم بما يسّره الناس ويعلنونه من أفكار وأعمال وليس من شيء مهما دقّ وخفي في السموات والأرض إلّا قد أحاط علم الله به إحاطة تامة. والمتبادر أن في الآيات الثلاث التقريرية الأخيرة إنذارا وتبكيتا، والآية الأولى منها بخاصة تتضمن تقرير كون الله تعالى إذا لم يعجل للكفار بالعذاب الذي يستعجلونه فإنما ذلك فضل منه يستحق الشكر لأن فيه فرصة لهم. والآيات كما هو واضح تحتوي صورة من صور الجدل والحجاج والعناد والاستهتار التي كانت تبدو من الكفار، وبخاصة في صدد البعث الذي كان كما قلنا من أهم مواضع الجدل وأشد عقبات الدعوة، والراجح أنه كان يحدث بين النبي صلى الله عليه وسلم وبعض الكفار مجادلات وجاهية في هذا الصدد، فتنزل الآيات للتدعيم والتثبيت والردّ والتسفيه والتطمين حسب مقتضيات الموقف. والأسئلة المحكية عن الكفار قد تكررت حكايتها كثيرا مما مرّت أمثلة عديدة منها، وهذا يدل على تكرر مواقف الجدل والحجاج بين النبي صلى الله عليه وسلم والكفار في نفس الصدد في المناسبات التي كانت تتكرر أو تتجدد مما هو متصل بطبيعة مهمة النبي صلى الله عليه وسلم واتصالاته المتوالية بمختلف الفئات. [سورة النمل (27) : الآيات 76 الى 78] إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78) تقرر الآيات أن القرآن يحتوي أكثر الحقائق التي يختلف بنو إسرائيل فيها ويحارون في أمرها، وأن القرآن هو هدى ورحمة للمؤمنين، وأن الله تعالى سوف

تعليق على آية إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون (76)

يقضي بينهم بحكمه الذي سوف يكون فصلا حاسما، لأنه هو العليم بحقائق الأمور، ذو العزة الذي لا يعجزه شيء. تعليق على آية إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وتبدو الآيات كأنها منفصلة عن السياق، ولم نر المفسرين يذكرون شيئا في صدد ذلك، وكل ما قالوه أن الآيات تشير إلى ما كان من خلاف حول عيسى عليه السلام وغيره من الشؤون الدينية، والذي تبادر لنا أن يكون بعض كفار العرب سألوا أحد اليهود في مكة عن أمر الآخرة فأجاب جوابا مبهما أو باعثا على الشك، لأنه لا يوجد في الأسفار نصوص صريحة عن الآخرة وحسابها وعقابها وثوابها كما جاء في القرآن، فأخذ الكفار يعلنون ذلك ويستندون إليه في مواقف الجدل والحجاج والإنكار في صدد الآخرة، وظنوا أنهم استحكموا النبي صلى الله عليه وسلم بالحجة، لأنه يقول لهم بلسان القرآن إنه مصدق لما قبله من الكتب فاقتضت حكمة التنزيل بوحي هذه الآيات بالرد عليهم، والإشارة إلى أن بني إسرائيل قد حاروا في فهم كثير من الحقائق والإشارات واختلفوا، وأن أمر الآخرة في جملة ذلك، وأن القرآن يحتوي الحقائق الصحيحة في كل أمر وفي المسائل التي حاروا فيها واختلفوا. وإذا صحّ هذا بدت الصلة والمناسبة قائمتين بين هذه الآيات والآيات السابقة. ونرجو أن يكون ذلك هو الصحيح لأن ورود الآيات هنا بدون هذا التعليل يبدو مشكلا من وجهة النظم القرآني واتساق السياق. وعلى كل حال فالآية خطيرة المغزى في حدّ ذاتها بتقريرها أن القرآن يحتوي الحقائق والحلول الصحيحة لمختلف الشؤون التي كان يختلف عليها بنو إسرائيل. وهناك آيات عديدة أخرى مكية ومدنية فيها إشارة إلى اختلافات النصارى أيضا بالإضافة إلى بني إسرائيل مثل آيات سورة السجدة [23- 25] وفصلت [45] والجاثية [16- 17] المكية وآيات المائدة [13- 19- 48] المدنية. ولقد كتبنا في سياق تفسير آيات [34- 37] من سورة مريم تعليقا على ما

[سورة النمل (27) : الآيات 79 إلى 81]

سجله القرآن مكررا من اختلاف أهل الكتاب. وعلة ذلك وواقعه. ونبهنا في التعليق على ما في التسجيل القرآني من حكمة ومقاصد فنكتفي بالإشارة إلى ذلك في مناسبة الآية التي نحن في صددها. هذا والآية [77] تكرار للآية الثالثة من السورة بفرق كلمة رحمة هنا مقابل بشرى هناك، وتكرارها في المناسبة التي جاءت بها ينطوي على مقارنة تنويهية بين الذين آمنوا برسالة النبي صلى الله عليه وسلم وآمنوا بكل ما جاء به القرآن واهتدوا، ومن جملة ذلك الآخرة، فكان لهم رحمة، وبين بني إسرائيل المختلفين فيما بينهم في كثير من نصوص كتبهم الدينية وبين الكفار الذين جحدوا رسالة النبي والقرآن وكذبوا بالآخرة. [سورة النمل (27) : الآيات 79 الى 81] فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81) (1) مسلمون: هنا بمعنى منقادون مطيعون لله سبحانه. في الآيات تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم وتسلية، حيث تأمره بجعل اعتماده على الله تعالى، وتطمئنه بأنه على الحق الواضح، وتسلية مقررة أنه ليس من شأنه ولا في إمكانه إسماع الموتى والصمّ وهداية العمي ورجعهم عن ضلالتهم، وأن كل مهمته وما في إمكانه أن يسمع الراغبين في الحق والهدى. فهم الذين يؤمنون بآيات الله وأسلموا أنفسهم إليه واستعدوا لتصديق كل ما يأتيهم من الله تعالى. والمتبادر أن الآيات جاءت معقبة على الفصول التي سبقتها بعد انتهاء سلسلة القصص والتي حكى فيها حجاج الكفار وعنادهم، فهي من هذه الناحية استمرار للسياق ومتصلة به، وفيها قرينة على أن الآيات التي قبلها مباشرة متصلة بالسياق ومواقف الكفار الجدلية أيضا.

[سورة النمل (27) : الآيات 82 إلى 86]

وقد تكرر مثل هذه التسلية والتطمين في مناسبات مماثلة كثيرة مرّت أمثلة عديدة منها. وكلمات الموتى والصمّ والعمي في الآيات استعيرت لوصف الكفار على ما هو المتبادر بسبب ما يبدو منهم من مكابرة وتصامم وتعام عن الحق والهدى، والتشبيه قوي لاذع. هذا، والآيات وإن كانت نزلت في صدد مواقف الحجاج مع الكفار وظروف السيرة النبوية فإن فيها تلقينا مستمرّا في ما احتوته من تثبيت من يكون على الحق الواضح، ودعوته إلى عدم المبالاة بالمشاكسة والمعاندة والمكابرة التي تبدو من سيئي النية وخبثاء الطوية وإلى عدم الجهد والاهتمام بهذه الطبقة حينما تبدو على حقيقتها لأنها تكون قد غلّبت الهوى على الحق والحقيقة، ثم فيما احتوته من إشارة وثناء على من يستجيب إلى الحق ويسلم به وينضوي إليه ومن تقريع واستنكار لمن يقف منه موقف المكابرة والعناد. ونقول في صدد الوصف الذي وصف به الكفار هنا ما قلناه وفي سياق الآية العاشرة من سورة يس وغيرها من أنه تسجيل لواقع أمرهم حين نزول الآيات بدليل أن كثيرا منهم سمع وآمن واهتدى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. [سورة النمل (27) : الآيات 82 الى 86] وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (82) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (85) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (86) في الآية الأولى تقرير بأن الله تعالى إذا ما استحق المخاطبون غضبه وعذابه أخرج لهم دابة من الأرض تخاطبهم وتبكتهم بسبب عدم إيمانهم بتحقيق ما وعد الله.

تعليق على الدابة المذكورة في الآية [82]

وفي الثانية والثالثة والرابعة حكاية ما سوف يكون من أمر الكفار والمكذبين حينما تقوم الساعة حيث يأمر الله تعالى بحشر المكذبين بآياته من كل أمة وسوقهم إليه فيسألهم سؤال التأنيب والتقريع عن تكذيبهم بآياته بدون علم وعما كانوا يفعلونه في دنياهم، وحينئذ يبهتون لأن الحجة قد قامت عليهم بظلمهم وبغيهم ولا يجدون ما يدفعون به عن أنفسهم. أما الآية الخامسة ففيها لفت نظر الكفار إلى مشهد من مشاهد قدرة الله ونواميسه في كونه، فهو الذي دبر أمر الليل والنهار ليكون الأول للناس سكنا وراحة والآخر مضيئا يقضون فيه حاجاتهم وشؤون معايشهم، وقد انتهت الآية بتقرير كون ذلك دليلا كافيا لمن حسنت نيته واستجاب إلى الدعوة وآمن بالله وآياته على قدرة الله على كل شيء ومن الجملة على البعث، والآيات غير منفصلة عن السياق حيث استؤنف فيها حكاية مواقف الجاحدين بالآخرة ومصائرهم. ومن تحصيل الحاصل أن نقول إن الآية الخامسة لم ترد أن تقول إن دليل الليل والنهار هو الوحيد على قدرة الله. وإنما ذلك أسلوب من أساليب النظم القرآني وقد مرّ منه أمثلة كثيرة. تعليق على الدابة المذكورة في الآية [82] في كتب التفسير «1» والحديث أحاديث عديدة معزوة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صدد الدابة وأوصافها وظروف خروجها وهول أثرها. ومن هذه الأحاديث ما ورد في كتب الأحاديث الخمسة الأولى «2» ومنها ما لم يرد. ومما ذكر في الأحاديث أن اسم الدابة هو الجسّاسة. وأنها تخرج من منطقة الحرم المكي وأنها ذات شعر ووبر كثيفين وأنها سريعة الجري وأنها تخرج في آخر الزمان كعلامة من علامات الساعة وحينما يترك الناس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتبكت الناس وتدمغ

_ (1) انظر كتب تفسير الطبري والبغوي وابن كثير والخازن. (2) انظر كتاب التاج ج 4 ص 176 وج 5 ص 304- 305.

جباههم فيعرف بذلك المؤمن منهم من الكافر. وأن تميما الداري أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه رآها في جزيرة وأخبرته أن المسيح مقيد بسلاسل من الحديد في دير الجزيرة ينتظر الإذن بالخروج. وعلى كل حال ففي القرآن صراحة بخروج دابة من الأرض بأمر الله إذا ما حق القول على الكافرين بعدم إيقانهم بآياته لتكلمهم أو تبكتهم. ومثل هذه الصراحة موجودة بصورة ما في الأحاديث الصحيحة. والإيمان بذلك واجب على المسلم مثل الإيمان بالأمور المغيبة والخارقة التي أخبر بها القرآن أو ثبت خبرها في أحاديث صحيحة. وإن لم يدرك العقل كنهها مع القول إن ذكر ذلك لا بد له من حكمة ويلمح في الآيات والأحاديث ما يسوغ القول إن إنذار الكفار وتخويفهم من هذه الحكمة لعلهم يرعوون ويرتدعون. على أن في الأحاديث ونظم الآية ما يسوّغ إيراد بعض الملاحظات. فالأحاديث الصحيحة لا تربط بين الآية وبين خروج الدابة. وتدور في نطاق خروج الدابة في آخر الزمن كعلامة من علامات الساعة. والأحاديث التي تربط بينهما ليست من الصحاح. والضمير في جملة وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ عائد كما هو المتبادر إلى الكفار السامعين للقرآن الذين وصفوا قبل الآية [82] بالموتى والصمّ والعمي. وهذا يقتضي أن يكون الضمير في (تكلمهم) راجع إليهم أيضا. وكثير منهم بل أكثرهم أسلموا والذين ظلوا على كفرهم هلكوا وسيمضي على هلاكهم إلى قيام الساعة دهر لا تحصى أعوامه. ولم تذكر الأحاديث أن الله تعالى سوف يحيي الجاحدين من السابق للقرآن موضوع الخطاب لتكلمهم الدابة. حيث يبدو من هذا أن الوعيد الموجه إليهم لا يتحقق بالنسبة لأشخاصهم. وهذا يسوّغ القول إن دابة آخر الزمن التي ذكرت في الأحاديث الصحيحة غير الدابة التي ورد الوعيد بها في الآية القرآنية. وإن الربط بينهما هو من الرواة. وإن الوعيد القرآني قد قصد به بالإضافة إلى ما تضمنه الخبر الإيماني إثارة الرعب في نفوس السامعين وإيذانهم بأنهم إذا استمروا على جحودهم فيكونون من صنف الحيوانات التي لا يصح أن يكلمها إلّا دابة مثلها ما دام لم ينفعهم إنذار الله المبلغ بواسطة رسوله. ولقد وصف الكافرون المصرون على الجحود في آيات أخرى بوصف الْأَنْعامِ

تعليق على مدى الآية ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا والآيات الثلاث التالية لها

وشَرَّ الدَّوَابِّ كما جاء في آيات سورة الأعراف [189] والأنفال [32- 33] والفرقان [44] مما قد يصح الاستئناس به على ذلك، والله أعلم. أما الدابة التي تخرج في آخر الزمن فما دام أن خبرها وارد في أحاديث صحيحة، فيجب كما قلنا الإيمان بخبرها مثل سائر الأمور المغيبة والخارقة التي ثبت خبرها في القرآن وأحاديث نبوية صحيحة مع ترك تأويلها لله تعالى إذا أعيا العقل تأويلها ومع استشفاف الحكمة في ذكرها والتي يتبادر أن منها إثارة الرعب في نفوس الكفار وجاحدي اليوم الآخر. ولا نستبعد إلى هذا أن يكون ظهور مثل هذه الدابة بين يدي الساعة مما كان يتحدث به في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم. ومما كان يرويه أهل الكتاب، والحديث الذي يروى أن تميما الداري أخبر النبي بها من الصحاح، وقد يكون في ذلك دعم لهذا، والله تعالى أعلم. تعليق على مدى الآية وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا والآيات الثلاث التالية لها قال بعض المفسرين إن الحشر هو للجميع وإن الآية الأولى تعني جميعهم فوجا بعد فوج. وقال بعضهم إنها تعني الرؤساء والمتبوعين لأنهم الأشد استحقاقا لغضب الله. ويتبادر لنا أن القول الثاني هو الأوجه والمتسق مع نظم الآية. فهذه الطبقة هي التي كانت تقود المعارضة وتصد الناس فاستهدفت الآية فيما استهدفته إنذارهم بصورة خاصة، والله أعلم. ومع أن كل مفسري السنة مجمعون على أن الحشر هو حشر يوم القيامة فإن مفسري الشيعة يستدلون بالآيات على عقيدة الرجعة التي يدينون بها والتي هي من أهمّ عقائدهم حتى إن بعضهم يكفّرون من لا يؤمن بها والتي يصفون بها رجعة علي أو أئمتهم وأوليائهم مع أعدائهم وهاضمي حقوقهم حيث يحيي الله قوما من أوليائهم وقوما من أعدائهم قبل انقضاء الدنيا لينتقم الأولون من الآخرين وبقطع

[سورة النمل (27) : الآيات 87 إلى 90]

النظر عن عقيدتهم العجيبة فإن في الاستدلال عليها بالآيات التي نحن في صددها تعسفا ظاهرا وتكلفا حزبيا صارخا. سواء من ناحية سياقها أم من ناحية فحواها. وفي تفسير الطبرسي وهو من أكثرهم اعتدالا كلام طويل عجيب في تفصيل وإثبات ذلك ومما قاله أنه مما تظاهرت أخباره عن أئمة الهدى من آل محمد وإجماعهم حجة. ونحن نريد أن ننزه أي واحد منهم فضلا عن جميعهم من أن يكون قد استنبط ذلك من هذه الآيات. [سورة النمل (27) : الآيات 87 الى 90] وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (87) وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (88) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90) (1) الصور: آلة تشبه القرن ينفخ فيها لتكبير الصوت. وهي البوق أيضا. (2) داخرين: ذليلين أو صاغرين. (3) كبّت وجوههم: طرحوا منكسين على وجوههم. في الآيات صور للاخرة وهو لها ومصائر الناس فيها، وهي متصلة بالسياق السابق واستمرار له كما هو واضح. وعبارتها واضحة. ويلحظ أن الجبال هنا تمر مسرعة كقطع السحاب بينما يظنها الراؤون جامدة في حين أن آيات أخرى ذكرت أنها تتفتت وتكون هباء وأنها تدرك دكا وتنسف نسفا وتكون كالعهن المنفوش. ومع ذلك فمن الممكن أن لا تكون هذه الصور متعارضة تطبيقيا. وعلى كل حال فبالإضافة إلى وجوب الإيمان بما يرد في القرآن من صور عن الآخرة فإن العبارة هنا كما هي في الأماكن الأخرى هي بسبيل وصف هول يوم القيامة وأنها استهدفت فيما استهدفته التشديد في الإنذار والترهيب.

[سورة النمل (27) : الآيات 91 إلى 93]

ولقد أورد المفسرون أحاديث في صدد المستثنى من الفزع في جملة إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ يفيد بعضها أنهم كبار الملائكة ويفيد بعضها أنهم الشهداء. ويفيد بعضها أن الفزع هو كفاية عن الموت. والأحاديث لم ترد في كتب الصحاح، وتأويل الفزع بالموت غريب. وفي الآية [89] ما يفيد بصراحة بأن الاستثناء هو ل مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فلا يبقى محل لتأويل آخر. والمتبادر أن الاستثناء استهدف فيما استهدفه بالإضافة إلى الحقيقة الإيمانية بثّ الطمأنينة في قلوب المؤمنين المحسنين وتثبيتهم والحضّ على الإيمان والعمل الصالح. والصورة التي جاءت للكافرين مقابل ذلك قوية رهيبة حيث تكبّ وجوههم في النار، ويسألون سؤالا تقريعيّا عما إذا كانوا ينالون غير جزائهم الحق على أعمالهم الأثيمة. والمتبادر أن مما استهدف بذلك إثارة الرعب والفزع في قلوب هؤلاء وأمثالهم ليرتدعوا. وفي الآيتين الأخيرتين توكيد للتقريرات القرآنية بأن الناس يكتسبون أعمالهم باختيارهم وأنهم يجزون عليها إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ حقّا وعدلا وأن القرآن يستهدف بذلك فيما يستهدف الحثّ على الأعمال الصالحة والتحذير من الأعمال السيئة. [سورة النمل (27) : الآيات 91 الى 93] إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93) (1) البلدة الذي حرّمها: كناية عن مكة وتحريمها هو جعلها حرّما آمنا يأمن الناس فيها على دمائهم ويحرّم فيها القتال وسفك الدم والظلم على ما عليه جمهور المفسرين.

الآيات جاءت خاتمة للسورة. وعليها طابع الختام الذي يطبع كثيرا من السور. وأسلوبها يدل على أنها جاءت لإنهاء المواقف الحجاجية التي كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم والكفار في ظروف نزول السورة. وهي على الأرجح المواقف التي انطوت في الفصول السابقة وبخاصة منذ انتهاء السلسلة القصصية. وهي والحال هذه غير منفصلة عن السياق ومعقبة عليه. وبدء الآية الأولى يوهم أن الكلام هو كلام النبي صلى الله عليه وسلم. ولكن ورود أمر وَقُلِ في الآيتين التاليتين يزيل الوهم ويفيد أنه أيضا مما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله. وهذا ما يقرره جمهور المفسرين أيضا. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم في الآيات بأن يعلن بأنه قد أمر بأن يعبد الله ربّ مكة المحرمة الذي هو ربّ كل شيء وأن يسلم نفسه له، وأن يتلوا القرآن على الناس، وأن يقول لهم إنما هو منذر ينذرهم ويبشرهم ويبين لهم طريق الحق والخير ويحذرهم من الكفر والباطل والفواحش، فمن اهتدى فيكون قد اختار لنفسه الخير ومن ضلّ فيكون قد اختار لنفسه الشرّ عن بيّنة وأن يقرر بعد هذا الحمد لله والثناء عليه وأن ينذر الكفار بأنهم سيرون آيات الله ووعيده الموعود رأي العين واليقين بعد أن سمعوها ولم يؤمنوا بها، وبأن الله ليس بغافل عما يعملون وإن بدا أنه يمهلهم ولا يستعجل عليهم. والآيتان الأولى والثانية احتوتا ما جاء في آيات عديدة أخرى من شرح مهمة النبي وهي التبشير والدعوة والإرشاد والموعظة وبيان طرق الخير والحق والشر والباطل، ثم من تقرير قابلية الناس التي أودعها الله فيهم للاختيار والتمييز وتحميلهم تبعة اختيارهم. ولعل الآية الثانية قد انطوت على تسلية النبي صلى الله عليه وسلم والتخفيف عنه مما يعتلج في نفسه من الحسرة والحزن من مواقف العناد والتكذيب التي يقفها قومه منه. وقد تكرر هذا في مطاوي آيات السورة السابقة وتكرر كثيرا في مطاوي السور السابقة. والإنذار الذي ينطوي في الآية الأخيرة يحتمل أن يكون دنيويّا ويحتمل أن

تعليق على جملة البلدة الذي حرمها

يكون أخرويّا ويحتمل أن يكون دنيويّا وأخرويّا معا، وهي على كل حال قوية حاسمة سواء أفي بثّ الثقة في نفس النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين أم في إنذار الكفار بأن وعد الله سيتحقق. تعليق على جملة الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولقد شرحنا في سياق تفسير سورة قريش مدى ما كان من منح الله لأهل مكة الأمن من الخوف بسبب وجود البيت في مدينتهم. فلسنا نرى ضرورة إلى الإعادة. وإن كان من شيء نزيده هنا بمناسبة جملة الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها في الآية الأولى من الآيات التي نحن في صددها هو أن الجملة تقرر كون مكة نفسها كانت محرمة. وليست منطقة الكعبة أو البيت فقط. وهو ما كان جاريا قبل الإسلام على ما شرحناه في سياق سورة قريش أيضا.

سورة القصص

سورة القصص في السورة تفصيل عن نشأة موسى عليه السلام ورسالته إلى فرعون، تخلّله مواعظ وعبر، وفيها إشارة إلى قارون بسبيل ضرب المثل، وفيها صور عن مواقف الكفار والكتابيين من الدعوة وتنديد بالأولين وتحدّ لهم وتنويه بالآخرين الذين أعلنوا إيمانهم بالنبي صلى الله عليه وسلم والقرآن، وفيها صور عن حجاج الكفار ومخاوفهم من عواقب الدعوة وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتثبيت وتطمين وخطة حازمة له إزاء الكفار والمشركين ومبادئ عامة في واجبات الإنسان والإهابة به إلى عدم الاستغراق في الدنيا ومواعظ وتلقينات اجتماعية وأخلاقية. وفصول السورة مترابطة بحيث يسوّغ القول إنها نزلت متلاحقة حتى تمّت. وقد ذكر المصحف الذي اعتمدناه أن الآيات [52- 55] مدنية، وأن الآية [85] نزلت في طريق هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. ومضامين الآيات وانسجامها مع سياقها يسوّغ الشك في صحة الروايات. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة القصص (28) : الآيات 1 الى 28] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طسم (1) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (6) وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (8) وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (9) وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (12) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (13) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (17) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (22) وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (28) .

(1) شيعا: هنا بمعنى طوائف وفئات متفاوتة غير متساوية في الحقوق. (2) أصبح فؤاد أم موسى فارغا: من تأويلات المفسرين لهذه الجملة: أصبح فؤادها خاليا من كل همّ إلّا همّ موسى. أو أصبح فؤادها خاليا من كل همّ حينما علمت أن آل فرعون التقطوه وأبقوه حيّا وتبنّوه. ونحن نختار الأول. (3) إن كادت لتبدي به: إن كادت لتعلن أنه ابنها من شدة ما اعتراها من الهمّ والخوف عليه، أو الفرح لما علمت ببقائه حيّا، حسب اختلاف تأويل المفسرين، ونحن نختار الأول. (4) قصّيه: تتبعي أثره وأخباره. (5) فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون: فرأته من مكان قريب دون أن يشعر بها. (6) وكزه: طعنه في صدره. (7) ظهيرا: مظاهرا وعونا. (8) يستصرخه: يستنصره. (9) غويّ مبين: ذو غواية أو شرير أو واضح الغواية والشر. (10) يأتمرون بك: يتشاورون في أمرك. (11) يترقب: يترصد الأنباء وعواقب ما كان منه. (12) أمة من الناس: جماعة.

(13) تذودان: تمنعان الغنم والإبل التي معهما من الانفلات وتزويانها. (14) ما خطبكما: ما شأنكما. (15) حتى يصدر الرعاء: حتى ينتهي الرعاة من السقي وينصرفون. (16) حجج: جمع حجة بمعنى سنة. كرر المفسرون ما قالوه في حروف الطاء والسين والميم وذكرناه في تفسير سورة الشعراء. ونحن نرجح كما رجحناه قبل أنها للتنبيه والاسترعاء، وقد أعقبت الحروف إشارة تنويهية إلى آيات الكتاب المبين الواضح الموضح، ثم أعقبتها آية فيها تنبيه إلى أن الله عز وجل سيتلو على النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من نبأ موسى وفرعون فيه الحق الذي تستنير به قلوب المؤمنين، ثم جاء بعد ذلك آيات فيها بيان إجمالي لما كانت عليه حالة بني إسرائيل قبل موسى وما كانوا يلقونه من ظلم فرعون، تكاد تكون أسبابا موجبة لرسالة موسى عليه السلام وأحداثها: ففرعون قد علا في الأرض وبطر واستشرى بغيه وفساده فيها، وجعل الناس طبقات وطوائف غير متساوية، واستضعف إحداهما- بني إسرائيل على ما يلهمه السياق- فاعتزم قطع نسلها بذبح ذكورها واستبقاء نسائها حذرا من مخاوف داخلته منها، واقتضت إرادة الله وحكمته أن يمنّ على هؤلاء المستضعفين وينجيهم من الظلم ويمكّن لهم ويجعلهم أئمة للناس وورثة أقوياء ظاهرين في الأرض وتتحقق مخاوف فرعون وجنوده منهم. وقد تلا هذا الإجمال فصلان في قصة موسى وفرعون، أولهما الذي أوردناه آنفا، وقد احتوى نشأة موسى عليه السلام طفلا وشابّا، وخروجه من مصر إلى مدين وزواجه فيها، وخروجه منها عائدا إلى مصر. وعبارته واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر، ومحتوياته جديدة لم ترد فيما سبق من السور باستثناء إشارة مقتضبة إلى بعضها في الآيات [38- 39] من سورة طه على سبيل تذكير موسى عليه السلام بفضل الله تعالى السابق عليه، وهذه المحتويات متطابقة إجمالا مع ما جاء في الإصحاحات الأول والثاني والثالث من سفر الخروج من أسفار العهد القديم، مع شيء من المباينة مثل كون الرجل الثاني الذي استصرخه عليه ابن شيعته في اليوم

الثاني عبرانيا ولم يكن مصريا من عدوهم. ومثل عدم ورود ذكر للرجل الذي جاء من أقصى المدينة لينذر موسى عليه السلام بتآمر الملأ عليه ليقتلوه ولينصحه بالخروج، ومثل عدد البنات اللاتي سقى لهن موسى، ففي السفر ذكر العدد سبعا، في حين أن الآيات ذكرت اثنتين، ومثل الذي التقط موسى من اليمّ وبحث له عن مرضعة حيث ذكر في السفر أنه بنت فرعون. وليس في السفر كذلك ما حكته الآيات من مفاوضة بين والد البنات وموسى على خدمته ثماني سنين أو عشرا مقابل تزويجه إحدى بناته إلخ، وقد يكون جزئيات أخرى. وكما قلنا في المناسبات السابقة المماثلة نقول هنا إننا نرجح أن ما ورد في القرآن هو الذي كان متداولا معروفا، ومما كان اليهود يروونه على هامش تاريخهم وواردا في قراطيس وأسفار كانت عندهم. ولقد أورد المفسرون على هامش هذا الفصل بيانات كثيرة لما احتواه معزوة إلى علماء الصدر الإسلامي الأول منها المتطابق مع الوارد في الأسفار المتداولة ومنها غير المتطابق. ومن جملة تلك اسم الرجل الذي نصح موسى بالخروج وحذره من القتل وهو حزقيل في قول وشمعون في قول وإنه هو نفسه مؤمن آل فرعون المذكور في سورة غافر حيث يدل هذا على أن ما جاء في الفصل مما كان متداولا في بيئة النبي وعصره. والمتبادر أن مصدر ذلك الكتابيون أو اليهود وما كان في أيديهم من قراطيس. وقد اكتفينا بالوقوف عند ما اقتضت حكمة التنزيل إيحاؤه. وعدم إيراد ما أورده المفسرون من زوائد لأنه غير متصل بأهداف الحلقة. ومما رواه بعضهم أن والد البنتين هو شعيب نبي الله، وروى بعضهم إلى هذا أنه كاهن مدين واسمه يثرو أو يثرون. وإنه ابن أخي شعيب وإن شعيبا كان قد توفي قبل قدوم موسى إلى مدين. وسفر الخروج يذكر أنه كاهن مدين. وإن اسم يثرو حيث يبدو من هذا أن الرواة تلقوا ذلك من اليهود وأسفارهم ونكتفي بهذا مع العطف على الإيضاحات الأخرى التي أوردناها في سياق التعريف بمدين وأصحاب الأيكة في سور سابقة.

تعليق على الفصل الأول من قصة موسى وفرعون وما فيها من عبر وتلقين

تعليق على الفصل الأول من قصة موسى وفرعون وما فيها من عبر وتلقين وبدء السورة مباشرة بقصة موسى وفرعون قد يدل على أن بعض المسلمين أو غير المسلمين وإن كنا نرجح الأول سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن نشأة موسى عليه السلام بعد ما عرفوا ما كان بينه وبين فرعون وما كان من أمر بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر من السور السابقة فاقتضت حكمة التنزيل بإيحاء هذا الفصل وإتباعه بالفصل الثاني الذي فيه قصة رسالة موسى عليه السلام إلى فرعون، وقد يسوّغ هذا القول أن ما جاء في هذه السورة من القصة قد قصد به القصة لذاتها، غير أن أسلوبها قد حافظ على الأسلوب القصصي القرآني العام من حيث احتواؤه التذكير والتنبيه والعظة والحكم الأخلاقية والاجتماعية العديدة ومواضع العبرة مما يمكن أن يسوغ القول أيضا إن القصة قد أريد بها الموعظة والمقارنة بين رسالة موسى عليه السلام ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم وظروفهما، وهذا واضح أكثر من الآيات الأخيرة التي أعقبت الفصل الثاني على ما سوف يأتي شرحه بعد. ومن مواضع العبرة في الآيات التي أوردناها والبيان الإجمالي الذي سبق فصل القصة الأول التنديد بفرعون لجعله الناس طبقات متفاوتة واضطهاده الضعفاء منهم، والبشرى للمستضعفين بعناية الله ونصره وتمكينه، ففي هذا من جهة بشرى للمسلمين الذين استضعفهم الكفار وبخاصة زعماؤهم في مكة وآذوهم وبغوا عليهم وتثبيت لهم، وإنذار للكفار وزعمائهم بعاقبة مثل عاقبة فرعون وجنوده، وفيها بالإضافة إلى ذلك تلقين مستمر المدى بما في التفريق في الحقوق والرعاية بين طوائف الناس واضطهاد الضعفاء منهم من بغي وظلم وخاصة من أصحاب السلطان والجاه وعدم إقرار الله عز وجل لذلك. ومن مواضع العبرة في الآيات كذلك: 1- حكاية استشعار موسى عليه السلام بالندم والذنب بسبب قتله الشخص مع أنه عدوه. وكان يقاتل شخصا من شيعته. حيث ينطوي في هذا تنبيه عام على

[سورة القصص (28) : الآيات 29 إلى 46]

وجوب الاحتراز من عمل الشر والجريمة مهما كانت الأسباب وعدم مظاهرة أهلهما. 2- اندفاع موسى إلى مساعدة الامرأتين على السقي لأنه رآهما عاجزتين إزاء قوة الرجال. حيث ينطوي في هذا تلقين عام بمثل ذلك. 3- جملة إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ التي تنطوي على خير الأوصاف للرجل النافع الصالح وحثّ على التحلي بها. 4- حكاية ما كان من حسن تساهل وتسامح متبادلين بين موسى ووالد البنتين. حيث ينطوي في ذلك حثّ على وجوب التحلي بذلك وملاحظته في التعامل مع الناس. [سورة القصص (28) : الآيات 29 الى 46] فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (32) قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34) قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (35) فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (36) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37) وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46)

(1) جذوة من النار: قطعة من النار. (2) شاطىء: جانب. (3) جيبك: عبّك. (4) اضمم يدك إلى جناحك من الرهب: ضمّ يدك إلى صدرك أو تحت إبطك كما تفعل وقت الخوف والرهبة، وقال المفسرون إن هذا بقصد تعليم كيفية إعادة اليد البيضاء إلى حالتها الأولى، وهذا مذكور في الإصحاح الرابع من سفر الخروج. (5) ردءا: معينا وسندا. (6) يصدقني: يؤيدني ويشهد بصدقي إذا كذبوني. (7) عضدك: ساعدك، وجملة سنشد عضدك بمعنى سنقويك ونؤيدك.

(8) نجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما: نجعل لكما هيبة وقوة بما نظهره على يدكما من الآيات فيمتنع فرعون وقومه من أذيتكما أو لا يقدرون على أذيتكما. (9) أوقد لي: أجج النار واشو الطين لصنع الآجر لبناء الصرح. (10) الصرح: هنا بمعنى البناء المرتفع. (11) فنبذناهم: فألقيناهم بشدة أو بازدراء. (12) أئمة: الغالب أن الكلمة جاءت في مقام التهكم. (13) المقبوحين: المذمومين. (14) القرون الأولى: الأقوام السابقة، والآية التي جاءت فيها الجملة تعني أن الله أرسل موسى بالكتاب بعد هلاك الأقوام الأولين ليكون داعيا ونذيرا من جديد. (15) وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر: الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم أي ما كنت مع موسى في جانب الجبل الغربي إذ أمرنا موسى بما أمرناه. (16) الشاهدين: الحاضرين. (17) ولكنّا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر: الضمير في «عليهم» راجع إلى أهل عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبيئته، ومعنى الجملة إنا أنشأنا بعد موسى قرونا كثيرة فبعد ما بين عهده وما بين أهل عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبيئته. (18) ثاويا: مقيما. (19) ولكنّا كنّا مرسلين: ولكنّا كنّا من قبلك نرسل الرسل. (20) وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك (الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم) : أي أنك لم تكن بجانب الطور إذ نادينا موسى. وكما نادينا موسى وأرسلناه أرسلناك رحمة منا لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك.

تعليق على الفصل الثاني من قصة موسى وفرعون وما فيه من عبر وتلقين

تعليق على الفصل الثاني من قصة موسى وفرعون وما فيه من عبر وتلقين الآيات هي الفصل الثاني من قصة موسى وفرعون، وقد احتوت خبر مناداة الله تعالى لموسى عليه السلام في الطور ورسالته إلى فرعون وتكذيب هذا واستكباره وغرقه عقوبة له. وعبارتها واضحة هي الأخرى. ومعظم ما جاء في هذا الفصل جاء في السور السابقة وبخاصة في الأعراف والشعراء وطه مع اختلاف في السرد والاقتضاب اقتضته حكمة التنزيل. ومن الجديد في هذا الفصل مناداة الله تعالى لموسى من ناحية الشجرة، والصرح الذي أمر فرعون وزيره هامان بإنشائه للصعود عليه ليطلع إلى إله موسى عز وجل. والأمر الأول وارد في الإصحاح الثالث من سفر الخروج. أما الأمر الثاني فلم يرد في الأسفار المتداولة، ونعتقد أنه كان متداولا بين اليهود وواردا في أسفار وقراطيس كانت في أيديهم. وإن ذلك مما كان متداولا في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم ومما كان يرويه اليهود لأهل هذه البيئة. ولقد أورد المفسرون بيانات في صدد ذلك معزوة إلى علماء الأخبار في الصدر الأول مما فيه دلالة على ما نقول. ولقد قال بعضهم إن الصرح المذكور في الآيات هو الهرم. وإن العرب لما رأوه في جاهليتهم حينما كانوا يعملون تجارا إلى مصر تناقلوا خبره مدهوشين. ومن المحتمل أن يكونوا سألوا اليهود عنه فقال لهم هؤلاء إنه صرح أنشأه فرعون ليصعد عليه إلى السماء. ولقد طعن بعضهم في ذكر هامان كوزير لفرعون، وقالوا إن هامان إنما كان وزيرا لا حشويريش ملك الفرس في القرآن الرابع قبل الميلاد. وهنا جاء اسم هامان كوزير لهذا الملك في سفر استير من أسفار العهد القديم. والذي نعتقده أن وزارة هامان لفرعون كانت هي المتداولة فذكر القرآن ما هو المتداول في معرض الوعظ

والتذكير. ولقد كان (آمون) اسما لإله رئيس من آلهة المصريين القدماء، وكان ملوكهم ووزراؤهم ورجال دولتهم وكهانهم يتسمون به أو ينسبون إليه على ما عرف من الآثار القديمة المصرية. وكان ذلك ممتدا إلى الزمن المخمن أن موسى عليه السلام بعث فيه «1» . فليس من التجوز أن يقال إن هامان معدل أو معرب عنه. ولسنا نرى مانعا من احتمال التجانس بين الاسمين في بلاد الفرس ومصر بطريق الاقتباس والتقليد. وهو أمر مألوف، بل إن هذا الاحتمال قوي جدا لأن الفرس قد سيطروا على مصر بين القرن الثالث والقرن الخامس قبل الميلاد المسيحي. وكان الملك أحشويريش الفارسي الذي يذكر سفر استير أن هامان وزيره من جملة من حكم باسمه في مصر من ملوك الفرس. وليس ما يمنع أن يكون اسم هامان مقتبسا من إحدى تسميات آمون المتداولة وفي مصر، فيكون وزير احشويريش مأخوذا عن اسم مصر وليس العكس «2» . ولعله يقوم إشكال أو وهم إشكال في صدد الآيات [44- 46] فيما يمكن أن ينطوي فيها من احتمال كونها بسبيل تقرير عدم معرفة النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من تفاصيل وأخبار نشأة موسى عليه السلام وهجرته إلى مدين ومناداة الله له في جانب الطور. والذي يتبادر لنا أنها ليست بسبيل تقرير ذلك وإنما هي كما تلهمه عبارتها بسبيل تقرير كون دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ليست تقليدا لموسى عليه السلام ومقتبسة من حياته التي لم يشهدها مشاهدة عيان، وإنما هي من الله تعالى لينذر قومه الذين لم يكن لهم عهد بالنذر رحمة بهم، وإن شأنه في ذلك شأن المرسلين الذين أرسلهم الله قبله.

_ (1) انظر كتاب مصر القديمة للدكتور مسلم حسن الأجزاء 4 و 5 و 6 و 7 و 8 و 9 و 10 وهذه أسماء بعض ملوك تسموا باسم آمون رعمسيس الثالث ولقبه رع مرئ أمون ورعمسيس الرابع ولقبه حتاماعت رع ستين أمون. ورعمسيس السادس ولقبه نب ماعت رع مري أمون. انظر الجزئين 7 و 8 من الكتاب المذكور. (2) انظر تاريخ كلدو وأشور لأسقف سعود ج 1 ص 153- 161 والعقد الثمين لأحمد كمال ص 197- 198.

[سورة القصص (28) : الآيات 47 إلى 51]

هذا، ومما احتواه الفصل من الموعظة والعبرة ذكر ما كان من عاقبة فرعون وجنوده وإغراقهم بسبب بغيهم وفسادهم وظلمهم، وتوكيد خسرانهم يوم القيامة ولعنهم في الدنيا والآخرة، والتنويه بالكتاب الذي آتاه الله تعالى موسى عليه السلام ليكون بصائر للناس وهدى ورحمة بعد أن طال عليهم الأمر وخلت من قبلهم القرون وكون الله تعالى جريا على عادته أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم بعد أن تتابعت القرون من بعد موسى رحمة بخلقه الذين طال عليهم العمر وفترة النذر لينذرهم لعلهم يهتدون. [سورة القصص (28) : الآيات 47 الى 51] وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (48) قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) (1) لولا: الأولى إما بمعنى لئلا أو للاستدراك. والثانية والثالثة بمعنى هلا للتحدي. (2) سحران تظاهرا: قرئت أيضا ساحران تظاهرا، والجملة تعني محمدا وموسى عليهما السلام أو ما جاءا به من آيات ومعجزات، فهما ساحران أو سحران يؤيد أحدهما الآخر أو يماثل أحدهما الآخر. (3) الظالمين: هنا بمعنى المجرمين أو الباغين أو المنحرفين عن الحق. (4) ولقد وصلنا لهم القول: بمعنى أبلغنا إليهم القول بالدعوة والإنذار متصلا بعضه ببعض. والضمير عائد إلى سامعي القرآن الأولين كما هو المتبادر.

تعليق على آيات ولولا أن تصيبهم مصيبة وما بعدها

الآيات [47- 49] تتضمن تقرير كون الله تعالى إنما أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم لأن قومه لو أصابتهم مصيبة ربانية بسبب ضلالهم وكفرهم لتظلموا وقالوا إننا لا نعرف طريق الحق ولو جاءنا رسول من الله تعالى لاتبعناه وآمنا به ونجونا من المصيبة، فلما جاءهم الحق من عند الله تعالى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم كابروا وعاندوا وطلبوا أن يأتيهم بما أتى به موسى من قبل في حين أنهم قد كفروا بالمبادئ التي أتى بها موسى من قبل، ولما بهتوا بهذه الحجة الدامغة لم يكن منهم إلّا أن اشتدوا في اللجاج وقالوا إن ما جاء به موسى عليه السلام وما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم سحر يظاهر بعضه بعضا ويماثل بعضه بعضا وإنا كافرون بكل منها. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يتحداهم إزاء موقفهم المتناقض ومكابرتهم مع قيام الحجة والإلزام وعليهم بأن يأتوا بكتاب من عند الله أهدى مما جاء به هو وموسى عليه السلام قبله إن كانوا صادقين، وبأن يعلن استعداده للإيمان به إذا ما جاءوا به. وقد تضمنت الآية [50] خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم بأنهم إذا لم يستجيبوا إلى التحدي فيكون قد علم أنهم قد أقاموا الدليل على أنهم إنما يتبعون أهواءهم ويلقون بالقول جزافا بغير علم ولا سند، وإنه ليس من أحد أشد ضلالا ممن يتبع هواه، ويقول ما يقول بغير علم ولا هدى من الله، وإن هذا هو شأن الظالمين الباغين الذين لا يستحقون عطف الله وعنايته وتوفيقه، أو الذين لا يمكن أن يوفقهم الله ويمنحهم عنايته. ثم جاءت الآية [51] لتقرر أن الله إنما أنزل القرآن على نبيه ويسّر لهم سماعه وأوصله إليهم فصلا بعد فصل لعلهم يتذكرون فتنفعهم الذكرى ويهتدون. تعليق على آيات وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ وما بعدها وقد روى المفسرون في سياق هذه الآيات أن كفار قريش أرسلوا إلى يهود المدينة يسألونهم عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم فأجابوهم بصفته وصدقه وأن ما يتلقاه هو من الله تعالى كما كان شأن نبيهم موسى عليه السلام. وأن الكفار مع ذلك كابروا وقالوا إن موسى ومحمدا عليهما السلام ساحران، وإن ما جاءا به سحر وإنا

كافرون بكليهما. ومن المفسرين من روى أن اليهود أوعزوا إلى كفار قريش بأن يطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بمثل ما أتي به موسى عليه السلام، بل منهم من روى أن جملة إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (48) هي كلام كفار قريش واليهود معا، وهو غريب «1» . ومهما يكن من أمر هذه الروايات واحتمال صحة شيء منها فالذي يتبادر لنا أن الآيات لم تنزل منفصلة عمّا سبقها وبسبب الروايات مباشرة وأن هذا الفصل وما سبقه بما في ذلك فصول القصة وما لحقها كل هذا كان بمثابة تعقيب على مشهد حجاجي وجاهي بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين فريق من الكفار، وأن رسالة موسى عليه السلام ومعجزاته مما كان من مواضيع الحجاج. وإذا صح هذا الذي تقويه نصوص الآيات بدا في هذا الفصل أسلوب من أساليب التنزيل والنظم القرآني. وإلا فإنه يكون حكاية حال فريق من كفار العرب أو حكاية ما يمكن أن يقولوه ويحاجوا به من مثل هذه الأقوال. وقد حكي مثل ذلك في سور أخرى منها سورة طه في آياتها الأخيرة. وهذا لا يمنع أن يكون كفار قريش قد سألوا اليهود عن النبي صلى الله عليه وسلم فشهدوا بصدقه وقالوا إنه يتلقى عن الله عز وجل كما كان يتلقى نبيهم موسى عليه السلام على ما جاء في الرواية الأولى. وفي القرآن المكي آيات عديدة فيها استشهاد بأهل الكتاب وشهادة بأن رسالة النبي عليه السلام حق، وصلته بالله تعالى صادقة مما أوردنا أمثلة منه في سياق تفسير آية سورة الأعراف [157] ومنه آية في سورة الأحقاف حكي فيها شهادة وإيمان أحد بني إسرائيل على سبيل تحدي الكفار وهي قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) ومنه الآيات التالية لهذه الآيات والتي من المحتمل جدّا أن يكون فيها ترديد وتسجيل لهذا الجواب مع إيمان الذين آمنوا به. والإلزام والإفحام والتنديد في الآيات قوي نافذ. والآيتان الأوليان والآية

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري والطبرسي والزمخشري.

تعليق على جملة إن الله لا يهدي القوم الظالمين (50)

الأخيرة بسبيل الإعذار والإنذار، حتى لا يكون للناس على الله حجة. وقد انطوى في ذلك ما تكرر تقريره من حكمة إرسال الرسل وكون مهمتهم هي الإنذار. كذلك انطوى في التحدي الذي أمرت الآية [49] النبي عليه السلام بتوجيهه إلى الكفار والتقرير الذي تبعه في الآية [50] توقع العجز عن إجابة التحدي ولذلك حملت بقية الآية [50] على الكفار حملة قوية مستحكمة. وفي التنديد بالذين يتبعون أهواءهم غير مستندين إلى حق وعلم ويجحدون الحق عنادا ومكابرة تلقين قرآني مستمر المدى في تقبيح هذا الخلق والتحذير منه. مما تكرر كثيرا في القرآن ومرّ منه أمثلة عديدة. وفي تحدي الكفار النبي صلى الله عليه وسلم بأن يأتي بما أتى به موسى دلالة على أنهم لم يكونوا يجهلون قصص موسى عليه السلام ورسالته إلى فرعون ومعجزاته. وهذا يؤيد ما قلناه غير مرة من أن القصص القرآنية لم تكن مجهولة من السامعين، وإنها من أجل ذلك جاءت في القرآن لتكون موضوع عظة وعبرة وتمثيل، ولم تأت للقصة ذاتها. تعليق على جملة إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) وبمناسبة ورود هذه الجملة لأول مرة نقول إن هذه الجملة تكررت في سور أخرى مكية ومدنية كما تكرر أمثالها مثل وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ المائدة [108] وإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ المائدة [67] ووَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ يوسف [52] وإِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ يونس [81] . وقد أوّلنا الجملة الأولى هنا بما أوّلناها به في شرح الآيات لأنها تضمنت تقرير كون حرمان الله الظالمين من توفيقه وهداه وعطفه وعنايته قد ترتب على ما اقترفوه واتصفوا به وارتكسوا فيه من الظلم والانحراف عن جادة الحق والهدى عقوبة لهم. وهذا ينسحب على أمثال الجملة في السور الأخرى.

[سورة القصص (28) : الآيات 52 إلى 55]

ولقد جاء في سورة آل عمران هذه الآية كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) حيث انطوى فيها توضيح وتأييد لما ذكرناه. وهذه الآية ومثالها المذكورة آنفا يصح أن تكون ضوابط لما جاء مطلقا في آيات أخرى من ضلال وهداية مثل وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ إبراهيم [27] ويُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ البقرة [26] وكَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ غافر [74] اختار الظالمون والفاسقون والخائنون والكافرون مواقفهم رغم إنذارات الله ودعوة رسله فلم يعودوا يستحقون عناية الله واستحقوا غضبه وعدم توفيقه ثم عذابه. [سورة القصص (28) : الآيات 52 الى 55] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (55) (1) يدرؤون: يدفعون ويتقون أو يقابلون السيئة بالحسنة. (2) اللغو: الكلام الباطل. (3) الجاهلين: هنا بمعنى السفهاء أو الضالين. احتوت الآيات خبر مشهد واقعي لفريق من أهل الكتاب. أعلنوا إيمانهم وتصديقهم برسالة النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن حينما تلي عليهم وتنويها بهم وخبر ما لقوه من سفهاء الكفار وما كانوا يبذلونه من صدقات فلهم أجرهم مضاعف بما صبروا وقابلوا الحسنة بالسيئة وأنفقوا مما رزقهم الله، وبما كان منهم إزاء الجاهلين الذين كانوا يؤذونهم بأقوالهم السخيفة حيث كانوا يعرضون عنهم ولا يعبأون بهم

تعليق على آية الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون (52) وما بعدها

ويقولون إنما نريد السلام ولا نتأثر بالجاهلين وأساليبهم ولغوهم، أو لا شأن لنا معهم. تعليق على آية الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وما بعدها ولقد تعددت الروايات «1» في هذا الفريق. فقيل إنهم وفد نصارى نجران. وقيل إنهم وفد نصارى الحبشة. وقيل إنهم وفد من نصارى الشام. وقيل إنهم خليط. وقد ذكرت الروايات أيضا أن هذه الآيات مدنية وأن المشهد من مشاهد المدينة. وسمت بعض أسماء الذين آمنوا وقالوا ما حكته الآيات وبعضهم يهود مثل عبد الله بن سلام وبعضهم نصارى مثل تميم الداري والجارود العبدي. وذكر في من ذكر سلمان الفارسي، وبحيرا الراهب وأبرهة، والأشرف وعامر وأيمن وإدريس ونافع وتميم. وقد ذكر المصحف الذي اعتمدناه أيضا أن الآيات مدنية. ونحن نشك في مدنية الآيات ومدنية المشهد. وقد يكون ما احتوته من أذى الجاهلين وسفاهتهم نحو المؤمنين من قرائن مكية الآيات بل من دلائلها. وهناك آيات عديدة لا اختلاف في مكيتها ذكرت مثل هذا الموقف منها آيات سورة الأنعام هذه أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وآيات سورة الإسراء هذه قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (107) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (109) . وبعض الأسماء التي ذكرها المفسرون ذكروها في سياق آيات مدنية احتوت تنويها بالذين أسلموا من علماء اليهود، منها آية النساء هذه لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ

_ (1) انظر كتب تفسير الطبري والطبرسي والزمخشري والخازن وابن كثير.

الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (162) ونرجح بل نعتقد أن الآيات متصلة بالآيات السابقة لها موضوعا وسياقا، وأنها نزلت لتكون ردّا عمليّا على الكفار العرب في مكة الذين كانوا يكابرون ويصدرون في مواقفهم عن عناد وهوى، ويتحدون النبي صلى الله عليه وسلم بالإتيان بمثل ما أتى به موسى فلما قيل لهم إنكم كفرتم بالمبادئ التي جاء بها موسى نكصوا على رؤوسهم وقالوا إنّا كافرون بها وبما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. فاحتوت الآيات ردّا مفاده أن كفار قريش إذا كانوا يقولون ما يقولون عنادا ومكابرة فالذين أوتوا العلم والكتاب يشهدون بصدق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وصدق صدور القرآن عن الله تعالى، ويعلنون إيمانهم بهما تبعا لما كان من إسلامهم لله قبل ذلك، ولعل الآيات كما قلنا قبل قليل تسجيل لشهادة اليهود الذين سألهم كفار قريش وأجابوهم بما أجابوا على ما ذكرته الرواية الأولى من الروايات السابق إيرادها في سياق الفصل السابق، واليهود لم يكونوا محصورين في المدينة. والاحتمال بوجود أفراد وجالية منهم في مكة قوي. ومن الشواهد على ذلك آية الأحقاف [10] «1» التي أوردنا نصّها قبل قليل. فإن لم يكن هذا الفريق يهوديا فيكون من النصارى الذين كان منهم جالية في مكة أيضا مما تواترت فيه الروايات وأشارت إليه بعض الآيات التي سقناها في سياق تفسير بعض آيات سورة الفرقان. وفحوى الآيات يلهم بقوة أن هذا الفريق كان من المقيمين في مكة المعروفين في أوساطها ومن ذوي اليسار أيضا. وقد ينفي هذا ما جاء في بعض الروايات من كونه وفدا حبشيا أو شاميا أو يمنيا «2» . ولا يمنع هذا من أن يكون قد وفد إلى مكة من نصارى هذه الأقطار وفود لاستطلاع النبأ العظيم، أي بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بطبيعة الحال.

_ (1) ذكرت بعض الروايات أن هذه الآية مدنية مع أنها موجهة إلى كفار مكة على سبيل التحدي مما يجعل هذه الرواية موضع شك كبير. (2) حياة محمد تأليف محمد حسين هيكل.

مشهد يسجل فيه أثر الدعوة المحمدية والقرآن في أهل الكتاب ودلالته

مشهد يسجل فيه أثر الدعوة المحمدية والقرآن في أهل الكتاب ودلالته والآيات تنطوي في حدّ ذاتها على مشهد من مشاهد الدعوة النبوية وأثرها في الكتابين الذين سمعوا القرآن من النبي محمد صلى الله عليه وسلم مباشرة والذين لا بدّ من أنهم جادلوه وسبروا أمره ثم لم يسعهم إلّا التسليم والإيمان حينما شاهدوا أعلام نبوته الصادقة وسمعوا من تقريرات القرآن ما هو متطابق في جوهره مع جوهر الكتب التي عندهم دون مبالاة بتعنيف المشركين الأقوياء وتنديدهم. وتنطوي بالتالي على شهادة خالدة بأن الكتابيين حينما يكونون في معزل عن المؤثرات أو في قدرة على عدم المبالاة بها، متجردين من الأنانية والهوى والمآرب وعلى شيء من حسن الإدراك وسعة الأفق وصفاء الطوية لا يسعهم إلّا الإقرار بما في الرسالة المحمدية من حق وبما في القرآن من صدق وبما في الدين الإسلامي من صفاء وجلاء وشفاء للنفوس الطيبة الصالحة، ثم من حلول للمشكلات والإشكالات والتعقيدات الدينية والعقائدية والنفسية والدنيوية والأخروية، ومن استجابة إلى الرغبات المشروعة ومن هدى ورحمة للناس أجمعين في كل مكان وزمان. وإذا لوحظ أن هذا المشهد كان في مكة وهو ما نرجحه على ضوء الآيات المكية المماثلة على ما ذكرناه وأن النبي صلى الله عليه وسلم في قلة وضعف أمام أكثرية ساحقة كافرة مناوئة ازداد مغزاه ومداه قوة وروعة وإفحاما لكل مكابرة. ولقد روى البغوي في سياق هذه الآيات حديثا عن أبي موسى الأشعري قال «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة يؤتون أجرهم مرّتين. رجل كانت له جارية فأدّبها فأحسن تأديبها ثمّ أعتقها وتزوّجها. ورجل من أهل الكتاب آمن بكتابه وآمن بمحمّد. وعبد أحسن عبادة الله ونصح لسيّده» «1» حيث ينطوي في الحديث توضيح لحكمة إيتاء المؤمنين من أهل الكتاب أجرهم مرتين ولقد علل هذا المفسر جملة

_ (1) أورد هذا الحديث ابن كثير أيضا وقال إنه ورد في الصحيح.

[سورة القصص (28) : آية 56]

بِما صَبَرُوا بأنهم صبروا على دينهم الأول إلى أن بعث محمد فآمنوا به. وقد تبادر لنا تعليل أوجه على ضوء ما احتوته الآيات، فقد كانوا يسمعون من جاهلي المشركين أي سفهائهم ما يؤذيهم بسبب إيمانهم فكانوا يصبرون ويقولون سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين. [سورة القصص (28) : آية 56] إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) تعليق على آية إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إلخ عبارة الآية واضحة، وجمهور المفسرين يروون أن الآية نزلت في أبي طالب عمّ النبي صلى الله عليه وسلم ويوردون روايات عديدة في صدد ذلك. وهناك حديث يرويه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة نكتفي به عن الروايات قال «إنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمّه أبي طالب قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة، قال لولا أن تعيّرني قريش يقولون إنّما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينيك فأنزل الله إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ» «1» ومقتضى الحديث أن يكون ذلك عند حضور الموت أبا طالب.

_ (1) التاج ج 4 ص 176- 177 وننبه على أن الشيعة يروون أن أبا طالب قد أسلم قبل موته. وقال الطبرسي في سياق تفسيره الآية (26) من سورة الأنعام إن آل البيت مجمعون على إيمان أبي طالب وإجماعهم حجة. وروي عن ابن عمر أن أبا بكر أتى بأبيه يوم الفتح إلى النبي فأسلم على يديه فقال له ألا تركت الشيخ فآتيه، وكان أعمى، فقال أبو بكر أردت أن يأجره الله، والذي بعثك بالحق لأنا كنت بإسلام أبي طالب أشدّ فرحا مني بإسلام أبي، ألتمس بذلك قرة عينيك قال صدقت. ونحن نتمنى أن يكون ذلك صحيحا لما كان من مواقف أبي طالب من نصرة النبي، ولكن الحديث الصحيح الذي أوردناه ينتقص هذا الخبر غير الموثق، وجملة (إجماع أهل البيت) لا يمكن أخذها مسلمة. والله أعلم.

ومما يتبادر لنا من سياق الآيات وفحواها أن الآية غير منقطعة عن السياق السابق واللاحق أولا. وأن وفاة أبي طالب التي تذكر الروايات أن الآية نزلت في ظرفها، إنما كانت في أواخر العهد المكي في حين أن هذه السورة نزلت في أواخر النصف الأول من هذا العهد على ما يمكن تخمينه من ترتيبها. وهذا يجعلنا نرجح أن الآية جاءت معقبة على الآيات السابقة جميعها، وبقصد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم والتهوين عليه بسبب حزنه وحسرته من مواقف العرب العنيدة وجحودهم وتعجيزاتهم على شدة رغبته في هدايتهم وبخاصة بعد أن أنذرهم وأقام الحجة عليهم. وأبو هريرة الذي يروي الشيخان عنه الحديث قد أسلم في أواخر العهد المكي، وحديث الذي يذكر فيه أن الآية نزلت في مناسبة الموقف الذي حكاه ليس خبرا عن رسول الله أخبره به كما هو ظاهر من صيغته، ونرجح أن اجتهادي منه، والله أعلم. ومع ذلك فليس من المستبعد أن يكون تمسك أبي طالب بدينه منذ البدء بالرغم من رغبة النبي في إسلامه وإلحاحه عليه في ذلك. وهذا أمر لا بد من أنه كان واقعا لا يتحمل شكا مما كان يؤلم نفسه فنزلت الآية على سبيل التسلية، كما أنه ليس من المستبعد أن يكون هناك زعماء أو أشخاص آخرون كانوا محبين للنبي صلى الله عليه وسلم أولم يظهروا له جفاء شديدا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على هدايتهم ويحزنه عدم استجابتهم إليه في العهد المكي ومنهم ذوو قرباه الأدنون مثل عمه العباس وأبنائه وابن عمه عقيل وغيرهم وغيرهم الذين كانوا نصراء له عصبيّة. وقد يكون في الآية التالية لهذه الآية قرينة ما على شيء من ذلك على ما سوف نشرحه بعد. ومهما يكن من أمر فليس من شأن ذلك أن يجعل الصلة بين الآية وسياقها السابق واللاحق منقطعة كما هو المتبادر. هذا، وتعبير وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ يزيل ما يمكن أن يرد من توهم من جملة إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ويفسره. وقد انطوى في هذه الجملة معنى التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فالله تعالى هو أعلم بالذين يرغبون في الهدى

[سورة القصص (28) : آية 57]

فيوفقهم إلى ما رغبوا فيه ويشرح صدرهم له فلا ينبغي له أن يحزن ويغتمّ من عدم إيمان من لا يؤمن أو من يحب هو أن يؤمن، وهكذا يتسق المعنى مع المعاني المماثلة في مواضع القرآن الأخرى ومع المبادئ التي يقررها القرآن كما هو واضح، وليس من محل والحال هذه للجدل الكلامي حول كون إيمان المؤمن وكفر الكافر يقعان بمشيئة الله وإرادته الأزليتين أو بدونهما، فالآية لا تتحمل ذلك ولا تقصده، ومع ذلك فإنه لما كان في القرآن آيات صريحة بأن إيمان المؤمن وكفر الكافر ينسبان إلى صاحبيهما ويقعان باختيارهما ويترتب عليهما العذاب والنعيم بسبب ذلك، مما مرّ منه أمثلة كثيرة ومنه آيات سورة الكهف هذه وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (29) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30) أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (31) فإن الأولى تأويل هذه الآية وأمثالها بأن الإنسان إنما يشاء بمشيئة الله أو أن كسبه لأعماله هو نتيجة ما اقتضته حكمة الله وإرادته من إقداره على التمييز والاختيار على ما ذكرناه في مناسبات سابقة، لأن ذلك هو المنسجم المتسق مع الآيات القرآنية وروحها عامة ومع حكمة إرسال الرسل والتبشير والإنذار. [سورة القصص (28) : آية 57] وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (57) (1) نتخطف من أرضنا: بمعنى نصبح عرضة للعدوان ونهبا للناهبين. (2) حرما آمنا: الحرم هو المكان المحمي من العدوان، أو المحرم فيه العدوان أو المكان الواجب الحرمة وعدم البغي فيه على اختلاف أقوال أهل

تعليق على آية وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا

التأويل، والجملة عبارة عن منطقة مكة التي كانت قبل الإسلام حرما آمنا يحرم فيه سفك الدم والظلم، وذلك بسبب وجود الكعبة التي كان يحج إليها العرب ويقدسونها. في هذه الآية صورة أخرى من صور الحجاج بين النبي صلى الله عليه وسلم والكفار، وأسلوب آخر من أساليب الدعوة. فشقها الأول يحكي قول الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم: إنهم إن اتبعوا الهدى الذي يدعو إليه لن يلبثوا أن يصبحوا عرضة للمعتدين ونهبا للناهبين، وشقها الثاني يرد عليهم متسائلا عما إذا لم يكن الله قد جعلهم آمنين من العدوان بالحرم الذي أحلّهم فيه ومكّنه لهم وآمنين كذلك من العوز بما يأتي إليه من ثمرات كل شيء من كل مكان، ثم تنتهي الآية بتقرير أن أكثرهم لا يعلمون حكمة الله ولا يقدرون تدبيراته. تعليق على آية وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا وقد روى المفسرون أن الآية نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنّا لنعلم أن الذي تقول هو الحق ولكنا إن تبعناك نخشى أن يخرجنا العرب من أرض مكة ولسنا أكثر من أكلة رأس «1» ، وهذا متسق إجمالا مع روح الآية، غير أن عطفها على ما سبقها يلهم أنها لم تنزل بسبب هذا القول مباشرة أو فورا ومنقطعة عن السياق السابق كما أن صيغة الجمع فيها قد تدل على أن هذا القول لم يصدر من شخص واحد أو على الأقل أنه معبر عن رأي فريق من الكفار، فذكر في الآية في سياق ذكر مواقف الكفار وأقوالهم والتنديد بها والردّ عليها وإقامة الحجة على أصحابها. ويظهر أن زعماء مكة كانوا يحسبون أن الدين الجديد الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم سيقضي فيما يقضي عليه على تقاليد الحج والأشهر الحرم وأمن حرم مكة وقدسية الكعبة التي كان جوفها وفناؤها مستقرا لأوثانهم التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يشن عليها حربا

_ (1) انظر تفسيرها في الطبري وابن كثير والطبرسي والخازن.

شديدة، وحينئذ تزول هيبة مكة وأهلها وزعامتها الدينية وأسباب اليسر والرزق والتجارة التي يتمتعون بها نتيجة لذلك ويصبحون نهبا للقبائل، ولعلهم كانوا كذلك يتخوفون من جبل عداء العرب لهم وغدوّهم في عزلة وانفراد يسهل بهما العدوان عليهم. وهكذا يمكن أن يقال إن مسألة تقاليد مكة وحجها وكعبتها وأمنها وأشهرها الحرم وامتيازاتها ومنافعها مما شغل أفكار زعماء مكة ودفعهم إلى الموقف الذي وقفوه من الدعوة النبوية. وقد احتوت الآية تطمينا ببقاء واستمرار أمن الحرم وما ييسره من أمن وأسباب رزق ورغد مما يمكن أن يعد براعة استهلال لما أقر بقاءه القرآن فيما بعد من تلك التقاليد بعد تجريدها من شوائب الشرك والوثنية ولا سيما أنها كانت شديدة الرسوخ، ونواة وحدة عربية عامة لأن العرب كانوا مندمجين فيها على اختلاف بيئاتهم ونحلهم وكانت هذه الوحدة من الأهداف التي استهدفتها الدعوة المحمدية. وأسلوب الآية يمكن أن يدل على أن ما حكته صادر من زعماء معتدلين لا يكابرون فيما جاء النبي صلى الله عليه وسلم من حق وهدى ولكنهم كانوا يعتذرون بأعذار يرونها معقولة متصلة بمصالحهم الخاصة والعامة، وعلى هذا يمكن أن يقال إن كفار مكة أو زعماء كفارها كانوا فريقين، واحدا معاندا مكابرا متكبرا ماكرا مؤذيا للأسباب التي أوردناها في سياق تفسير آية سورة فاطر [43] ، وآخر معتدلا يرى فيما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم حقّا ولكنه لا يجد الجرأة على متابعته خوفا على نفسه أو مصالحه أو لاعتبارات يراها مشروعة وصائبة، ومن هنا يتميز الرعيل الأول من المؤمنين من أبناء الأسر البارزة من قريش مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وسعيد وطلحة والزبير وعبد الرحمن وحمزة وجعفر وأبي عبيدة وأبي سلمة وعمرو بن سعيد بن العاص وأخيه خالد وعامر بن أبي وقاص وفراس بن النضر ومصعب بن عمير وعثمان بن مظعون وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص وأبي حذيفة عتبة بن ربيعة ورملة بنت أبي سفيان وفاطمة بنت الخطاب وفاطمة المخزومية وأم

سلمة وسهلة بنت أبي سهيل بن عمرو وريطة بنت الحارث وغيرهم وغيرهم رضي الله عنهم الذين رأوا الهدى والنور فاتبعوهما غير مبالين بآبائهم وأعمامهم وأخوالهم مضحين بما كانوا فيه من نعيم ومال وجاه، معرّضين أنفسهم للسخط والأذى والقطيعة والحرمان مستعيضين من كل ذلك بلذة الإيمان الذي ملأ قلوبهم والذي رأوا فيه الغناء عن غيره فاستحقوا ثناء الله تعالى ورضوانه حيث قال فيهم وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ سورة التوبة: [100] ، ولعل شبابهم هو الذي جعلهم ينضوون إلى لواء الدعوة الجديدة الذي حمله النبي صلى الله عليه وسلم بوحي الله وهو في أواخر عهد شبابه والتي كانت حربا على عقيدة الشرك السخيفة وكثير من تقاليد الجاهلية البعيدة عن الحق والمنطق وعلى الآثام والفواحش داعية إلى الله وحده ومكارم الأخلاق والتضامن في بناء مجتمع إنساني جديد يقوم على أسس العقل والحق والعدل والبرّ والرحمة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير والتسابق إليه وحل كل ما هو طيب وتحريم كل ما هو خبيث لأنهم لم يغدوا بعد أسرى التقاليد الدينية والاجتماعية التي كانت سائدة في بيئتهم كما كان شأن كبار أسرهم وزعمائها، وفي هذا ما فيه من مدى ومغزى. ولقد شرحنا مسألة أمن الحرم في سياق تفسير سورة قريش فلا محل للإعادة بمناسبة ما احتوته الآية. وإن كان من شيء نزيده هو أن الجملة في مقامها وجملة نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا بخاصة قد تفيد أن الحرم ليس فقط الكعبة ومكة بل هو منطقة مكة. وهناك حديث رواه الخمسة عن ابن عباس يوجب على القادم من خارج مكة أن يحرم أي يلبس ثياب الإحرام من حدود معينة قبل مكة، وهذا نصه «إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشّام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، وقال هنّ لهم ولكلّ آت أتى عليهنّ من غيرهنّ ممّن أراد الحجّ والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتّى أهل مكّة من مكّة» «1»

_ (1) التاج ج 2 ص 104. [.....]

[سورة القصص (28) : الآيات 58 إلى 61]

حيث يمكن أن يفيد هذا أن هذه الحدود هي حدود حرم مكة أو منطقتها المحرمة التي عنتها جملة حَرَماً آمِناً والله تعالى أعلم. [سورة القصص (28) : الآيات 58 الى 61] وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (58) وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ (59) وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (60) أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) (1) قرية: بمعنى مدينة أيضا. وقد أتت بمعنى أمة أو قوم بقصد أهل القرية أو أهل المدينة. (2) بطرت: كفرت النعمة وتكبرت واغترت. (3) أمّها: عاصمتها، وأم القرى عاصمة القرى ومركزها، والاكتفاء بذكر إرسال الرسل إلى أم القرى يعلل بأن القرى مرتبطة بمركزها ارتباطا وثيقا وبأن هذا المركز هو قدوتها وإمامها. (4) متاع الحياة الدنيا: قصارى أمره أنه متعة في الحياة الدنيا وحسب. (5) من المحضرين: من المبعوثين والمحشورين إلى الجزاء والنار. المتبادر أن الآيات متصلة بالسياق وأنها جاءت معقبة على الآيات السابقة وبخاصة على الآية السابقة لها مباشرة وفيها إنذار وتبكيت قويان: فكثير من القرى كانت متمتعة بالنعيم ووسائل العيش الناعم فغرّها ما هي فيه وأعماها فاستكبرت وجحدت فأهلكها الله، ومساكن كثير منهم ما تزال أطلالا خربة ماثلة للعيان، والله لا يهلك القرى إلّا بعد أن يبعث إلى عاصمتها التي هي بمثابة أمها رسولا ينذرهم ويبين لهم طريق الحق والهدى، فإذا أصروا على الجحود والبغي أهلكهم وما

تعليق على الآية وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها وما بعدها وما فيها من تلقين وحكم

تيسّر للسامعين- والمقصود بهم الكفار وزعماؤهم الذين هم موضوع الكلام- من أسباب العيش والأمن التي يتمسكون بها ويفضلونها على اتباع هدى الله ليست إلّا زينة ومتعة دنيويتين محدودتي الأمد والأفق، ومن الواجب عليهم والأحجى بهم أن يدركوا ويعقلوا بأن ما عند الله هو خير لهم وأبقى ولا يتساوى ما وعده الله من وعود حسنة للمؤمنين سوف تتحقق لهم مع أولئك الذين تيسر لهم ما يتمتعون به في الحياة الدنيا القصيرة ثم يحشرون يوم القيامة ويساقون نحو مصيرهم الرهيب. تعليق على الآية وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها وما بعدها وما فيها من تلقين وحكم وأسلوب الآيات حجاجي هادئ قوي الإحكام، ويلهم أنه موجه إلى ذوي عقل وإذعان أدّاهم اجتهاد خاطئ إلى موقف خاطئ، وأريد به البرهنة على ما في هذا الاجتهاد والموقف من خطأ، وهذا الأسلوب يتسق مع الأسلوب الذي حكى عن الكفار في الشق الأول من الآية السابقة والذي رجحنا أنه صادر من الفريق المعتدل من الزعماء، ولذلك نرجح أن الآيات موجهة إليهم أيضا تعقيبا على تلك الآية، ومع ذلك فإطلاق الكلام يفيد أنه موجه إلى جميع الكفار وزعمائهم أيضا. وفي الآيتين الأولى والثانية حكمة قرآنية اجتماعية بالغة ومستمرة التلقين، فالأمم إنما يهلكها بطرها واستكبارها وغفلتها عن الحق واستغراقها في شهواتها الدنيوية دون تدبر وتروّ، وإنما يصلحها تدبرها وبصيرتها واعتدالها وسلوكها طريق الحق وتفكيرها في العواقب وعدم إسرافها في متع الحياة وشهواتها. وليس من محل لتوهم التناقض بين ما جاء في الآيات وبين الخطة القرآنية في إباحة متع الحياة الدنيا وزينتها والطيبات من الرزق واستنكار تحريمها وحظرها التي احتوتها آيات سورة الأعراف [31- 33] فإن هذه الخطة مقيدة بالقصد والاعتدال

وخلوها من الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي والإشراك بالله، وعدم حيلولتها بين الإنسان وواجباته نحو الله والناس على ما شرحناه في مناسبتها السابقة. والمتبادر أن تخصيص الرسل بأم القرى ينطوي على حكمة اجتماعية بليغة، فقاعدة البلاد هي الإمام والقدوة لسائرها، فإذا قنعت بأمر وسارت في طريق تابعها الناس، وينطوي في هذا تقرير ما يكون على قاعدة البلاد من تبعة وما تلعبه من دور عظيم في حياة البلاد أخيرا كان أم شرّا أو صلاحا أم فسادا. ولقد كان هذا هو الواقع في الدعوة الإسلامية فعلا، فقد ظلت الدعوة ضيقة النطاق ومحل مناوأة وأذى في الحجاز لأن أهل مكة أم القرى لم يستجيبوا إليها، فلما توارى معظم الزعماء المكابرين الذين قادوا حركة المناوأة وفتح الله تعالى مكة لنبيه صلى الله عليه وسلم ودان أهلها بالإسلام زال السد ودخل الناس في دين الله أفواجا، وإذا كانت المدينة المنورة استجابت إلى الدعوة وغدت مركزها الذي استمدت منه القوة فإنها كانت خارجة نوعا ما عن نفوذ مكة المادي والمعنوي من جهة، ولأن مكة ظلت في نظر معظم العرب القائد والإمام، وظلت تقود حركة المقاومة والمناوأة للدعوة بقوة وعناد، وتحول ماديّا ومعنويّا دون انضواء العرب إليها. وقد روى بعض المفسرين «1» أن الآية الأخيرة نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي جهل أو في علي وحمزة رضي الله عنهما وفي أبي جهل أو في عمار والوليد بن المغيرة. والآية معطوفة ومعقبة على ما قبلها ومرتبطة بها، والكلام فيها عام بالنسبة للفريقين، وهذا ما يحمل على التوقف في الرواية كسبب لنزولها لحدتها. ولقد قال ابن كثير الذي كان من جملة من روى ذلك من المفسرين (والظاهر أنها عامة) وهو الصواب. والله تعالى أعلم.

_ (1) انظر تفسيرها في الطبري والبغوي وابن كثير والطبرسي.

[سورة القصص (28) : الآيات 62 إلى 67]

[سورة القصص (28) : الآيات 62 الى 67] وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62) قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ (63) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (64) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (66) فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67) (1) قال الذين حق عليهم القول: قال المفسرون إنهم الشياطين وأئمة الكفر والرؤساء أو شياطين الإنس والجن. (2) ادعوا شركاءكم: من الدعاء أي ادعوهم لينصروكم ويخلصوكم. (3) فعميت عليهم الأنباء: بمعنى التبست عليهم الأمور فلم يعرفوا ما يقولون، أو فقدوا الحجة. (4) لا يتساءلون: لا يستطيعون سؤال بعضهم بعضا أو لا يستطيعون التناصر والتضامن والتعاون. الآيات معقبة كذلك على ما سبقها واستمرار للسياق. فقد انتهت الآيات السابقة بذكر يوم القيامة وجاءت هذه الآيات تحكي حالة الكفار فيه: فلسوف يناديهم الله تعالى ويسألهم في ذلك اليوم عن شركائهم الذين كانوا يشركونهم معه ويرجون شفاعتهم فيعترف الذين حق عليهم القول أنهم كانوا غاوين وأنهم أغووا الذين غووا كما غووا، ثم يعلنون براءتهم منهم وكونهم لم يكونوا يعبدونهم، ويؤمر الكفار بدعاء شركائهم ليأتوا وينصروهم فيدعونهم فلا يستجيبون إلى دعائهم ويرون مصيرهم من العذاب فتأخذهم الحسرة ويتمنون أن لو كانوا مهتدين. ولسوف يناديهم الله ثانية فيسألهم عن موقفهم من رسله فيبهتون ويلتبس عليهم الأمر فلا يدرون ما يقولون، ولا يستطيع أحد منهم أن يستنصر بأحد أو يستمد قوة من نسب وحسب أو يسأل أحدا، فلكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ويلهيه. وقد

[سورة القصص (28) : الآيات 68 إلى 70]

جاءت الآية الأخيرة كخاتمة تعقيبية للصورة التي احتوتها الآيات: فالذي يتوب إلى الله ويؤمن ويعمل صالحا فهو الذي يمكن أن ينجو من هذا الموقف العسير. والمتبادر أن الآيات في جملتها استهدفت فيما استهدفته إثارة الخوف والفزع في نفوس الكفار من المصير الرهيب الذي سوف يصيرون إليه، والحرج الشديد الذي سوف يواجهونه يوم القيامة، وحملهم على الارعواء والتوبة إلى الله تعالى، وهم في متسع من الوقت حتى يضمنوا لأنفسهم النجاح والفلاح في ذلك اليوم، وهذا مما ظل يتكرر في مختلف المواقف والمناسبات على اعتبار أنه الهدف الجوهري من الرسالة النبوية. ولقد قال بعض المفسرين «1» إن المقصود من جملة حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ هم الشياطين الذين وسوسوا للناس وأغووهم حتى أشركوهم مع الله تعالى في العبادة والدعاء. كما قال بعضهم «2» إنهم أئمة الكفر ورؤوس الضلالة الذين حرّضوا العامة على الكفر فأطاعوهم. والجملة تتحمل كلا التأويلين. ونحن نرجح الثاني استئناسا بآية في البقرة تحكي براءة المتبوعين من التابعين يوم القيامة كما تحكيها هذه الآيات وهي إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (166) بل إن في سورة الصافات آيات تؤيد ترجيحنا بقوة وهي وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (27) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (28) قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ (30) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ (31) فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (32) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (33) . [سورة القصص (28) : الآيات 68 الى 70] وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (69) وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70)

_ (1) انظر تفسير الآيات في الطبري وابن كثير والخازن والطبرسي والزمخشري. (2) المصدر نفسه.

تعليق على جملة وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة

(1) الخيرة: بمعنى الاختيار. وتكون بمعنى المختار من الأشخاص والأشياء. في الآيات تقريرات ربانية وجّه الخطاب فيها للنبي صلى الله عليه وسلم من قبيل الالتفات الانتقالي، والضمير في «لهم» عائد إلى الكفار الذين هم موضوع الكلام السابق. وهي والحالة هذه معطوفة على ما قبلها واستمرار للسياق. فالله سبحانه وتعالى يخلق ما يشاء ويختار ما يشاء وليس للكفار أن يختاروا ويطلبوا ما يرغبون. وهو يعلم ما تخفي صدورهم وما يعلنون. وهو الذي لا إله إلّا هو المستحق للحمد في كل وقت وله الحكم في كل شيء وإليه يرجع الناس جميعا. تعليق على جملة وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ وقد قال بعض المفسرين «1» إن الآية الأولى بسبيل تقرير حصر الخلق والاختيار لله بصورة مطلقة ونفي قدرة الاختيار عن غيره. وقال بعضهم «2» إنها بسبيل تقرير أن الله تعالى يختار لعباده ما هو الأصلح ويختار لرسالته من هو الأصلح، وإنه ليس للكفار أن يرغبوا ويختاروا شيئا أو شخصا فيفعل الله ما يرغبون فيه ويختارونه، وإن في الآية ردّا على الكفار الذين كانوا يعترضون على اختيار محمد صلى الله عليه وسلم ويقولون إنه كان الأولى أن يختار واحدا من العظماء وينزل عليه القرآن وهو ما حكته عنهم آية سورة الزخرف هذه وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) .

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير ابن كثير. (2) انظر تفسير البغوي والزمخشري.

[سورة القصص (28) : الآيات 71 إلى 73]

والضمائر في الآيتين الأولى والثانية عائدة إلى الكفار الذين هم موضوع الكلام في الآيات السابقة كما هو واضح. وهذا يجعل القول الأول في تأويل الآية الأولى غير مستقيم لأنه يشمل جميع الناس مسلمهم وكافرهم. ويجعل للقول الثاني وجاهة ورجحانا. ومع أنه ليس في الآيات حكاية لاعتراض الكفار على اختيار محمد صلى الله عليه وسلم حتى تكون الآية ردّا على هذه النقطة بالذات مما جاء في القول الثاني فإننا نرجح على كل حال أن الآية بسبيل ردّ على شيء من مثل ذلك صدر من الكفار في ظروف نزول الآية. وفي الآيات تطمين وتثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم: فكل ما يفعله الكفار ويسرّونه محصيّ عليهم، والناس جميعهم راجعون إلى الله وله وحده الحكم والقضاء فليكن مطمئنّا ... وقد يبدو أن هناك تناقضا بين ما احتوته الآية الأولى من تقرير المشيئة المطلقة والاختيار المطلق لله تعالى ونفي الاختيار عن غيره وبين آيات عديدة مرّت أمثلة منها قررت للإنسان مشيئة واختيارا ورتبت على ما يكسبه نتيجة لذلك ثوابا وعقابا. ولقد كان هذا من المسائل التي دار الجدل حولها بين علماء الكلام. والمتبادر لنا استلهاما من فحوى الآية أنها ليست بسبيل تقرير عام وإنما هي بسبيل الردّ على اعتراض الكفار على اختيار الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن الجدل حولها في غير محله، وأنه لا يصح أن يستنبط منها ما يتناقض مع التقريرات القرآنية الأخرى. [سورة القصص (28) : الآيات 71 الى 73] قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) . (1) سرمدا: دائما أبدا.

[سورة القصص (28) : الآيات 74 إلى 75]

في الآيات أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بسؤال الناس عما إذا كان هناك إله غير الله سبحانه وتعالى يستطيع أن يأتيهم بالضياء إذا شاء الله جعل الليل عليهم سرمديا، أو يستطيع أن يأتيهم بليل يسكنون فيه إذا شاء جعل النهار عليهم سرمديا وتقرير رباني بما في تعاقب الليل والنهار على الوجه الذي دبره الله من رحمة ربانية في الراحة والسكون في الليل والضرب في الأرض ابتغاء فضل الله في النهار مما يستحق عليه الحمد والشكر. وأسلوب الآيات يدل على أن السؤال موجه إلى الكفار على سبيل التبكيت والتقريع والتذكير وأنها ليست منقطعة الصلة بالسياق السابق. والمتبادر أنها جاءت لتبرهن بأسلوب آخر على ما قررته الآيات السابقة من قدرة الله ومطلق تصرفه وحكمه وقضائه. [سورة القصص (28) : الآيات 74 الى 75] وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (74) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (75) (1) نزعنا: هنا بمعنى أخرجنا أو انتزعنا. (2) ضلّ: هنا بمعنى غاب عنهم. الآية الأولى تكرار للآية [62] والمقصود بها الكفار الذين حكت الآيات مواقفهم وأقوالهم. وتكرارها يدل على أن السياق متصل بعضه ببعض. وأسلوب الآية هنا كما هو هناك أسلوب تحدّ وتقريع. أما الآية الثانية ففيها تقرير تعقيبي انطوى فيه صورة من صور الآخرة كما انطوى فيه تقريع وإنذار للكفار. فبعد أن يطلب منهم دعوة شركائهم الذين كانوا يزعمون أنهم شفعاء وناصرون لهم أو دعاؤهم لنصرتهم ويعجزن أو لا يستجاب لهم دعوة ودعاء يأتي

[سورة القصص (28) : الآيات 76 إلى 84]

الله تعالى بشهيد من كل أمة ثم يقال للمشركين الكافرين هاتوا برهانكم على صواب ما كنتم عليه فتلزمهم الحجة ويتحققون أن الحق لله تعالى ويغيب عنهم ما كانوا يقولونه ويفترونه. وكلمة الشهيد في الآية الثانية تعني نبيّ كل أمة ورسولها على ما اتفق عليه المفسرون وما هو المتبادر منها. والآية تصور موقفا شبيها بالموقف القضائي زيادة في الإفحام والإلزام وقوة الحجة. وقد تكرر هذا مرارا في آيات مكية ومدنية منها آية سورة الزمر هذه وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (69) وآية سورة النساء هذه فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (41) . والمتبادر أن الآيتين استهدفتا فيما استهدفتاه إثارة الفزع والخوف في قلوب الكفار المشركين وحملهم على الارعواء كما هو شأن الآيات المماثلة. [سورة القصص (28) : الآيات 76 الى 84] إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (82) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (84)

تعليق على قصة قارون وما فيها من عبر وتلقينات

(1) بغى عليهم: ظلمهم، وقد تكون بمعنى استكبر عليهم أو تسلط عليهم. (2) لتنوء بالعصبة أولي القوة: إن الجماعة القوية لا تكاد تطيق حملها أو تكاد ترزح تحتها. والقصد من الجملة تصوير عظمة الثروة والكنوز. تعليق على قصة قارون وما فيها من عبر وتلقينات احتوت الآيات قصة قارون وعاقبته. وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. ولم نطلع على رواية تذكر مناسبة خاصة لنزول هذا الفصل عقب الآيات السابقة. ويبدو لنا أن المناسبة قائمة بينه وبين موضوع الآيات السابقة وخاصة الآيات [57- 61] . ففي هذه الآيات ذكر ما كان يهمّ أهل مكة من أسباب الرزق والأمن، وخوفهم من فقدها إذا اتبعوا الهدى الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وأشير فيها إلى ما كان من اغترار أمم كثيرة بما تيسّر لها من وسائل الرزق وسعة العيش وبطرها وهلاكها، وذكر فيها كذلك أن ما عند الله خير وأبقى من متاع الحياة الدنيا وزينتها، فجاء هذا الفصل استطراديّا ليقصّ قصة فيها من المثل والعبرة ما يتسق مع فحوى تلك الآيات وهدفها. ونرجح أن سامعي القرآن أو بعضهم كانوا يعرفون قصة قارون. وأسلوب الآيات التقريري وحكمة إيراد القصة المتناسبة في موضوعها مع الآيات السابقة يقويان هذا الترجيح. وآيات القصة في حدّ ذاتها تحتوي مواعظ وعبرا عديدة. بحيث يبدو من كل ذلك أن الفصل متصل بالسياق وغير غريب عنه، وأن هدف

القصة التي احتواها هو العبرة والتذكير وضرب المثل كسائر القصص القرآنية. والآيتان الأخيرتان جاءتا معقبتين على القصة على ما هو المتبادر، فالنجاة في الآخرة والعاقبة السعيدة إنما هما للذين لا يريدون فسادا وعلوّا في الأرض، والذين يتقون غضب الله ونقمته ومن يقدم بين يديه الحسنات والأعمال الصالحة يكافأ عليها بما هو خير منها ومن يقدم السيئات فلا يكافأ إلّا بما كان يعمل. وهذا التعقيب متسق مع الأهداف التي تستهدفها القصص القرآنية ومع التعقيبات التي تعقبها على ما مرّت أمثلة عديدة منها. واسم قارون يرد هنا لأول مرة. ويرد بصراحة أنه من قوم موسى. وذكر مرتين أخريين في سياق ذكر فرعون وهامان وليس لقارون ذكر في أسفار العهد القديم المتداولة اليوم. ولقد أورد المفسرون بيانات كثيرة عن قارون وثروته ومعرفته سرّ تحويل المعادن الخسيسة إلى الذهب. ودسائسه على موسى عليه السلام وكفره وبغيه. وجنسيته وهويته، وكيفية الخسف الذي حلّ به، منه ما هو معزوّ إلى صحابة وتابعين بأسمائهم ومنه ما ليس معزوا إلى أحد. وفيها كثير من الإغراب كما هو ملموح «1» . ولم نر طائلا في إيرادها لأنها غير متصلة بهدف القصة. وتدل مع ذلك على أن قصة قارون وشخصيته وثروته لم تكن مجهولة في أوساط العرب في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبيئته. وما دام القرآن يذكر أنه من قوم موسى فالذي نعتقده أن قصصه على النحو الوارد موجزا في القرآن مما كان متداولا عند اليهود وواردا في بعض أسفارهم وقراطيسهم التي لم تصل إلينا. وقد تسرب ذلك إلى العرب من هذا الطريق. ولقد قصد بما ورد من القصة في القرآن التمثيل والموعظة وهذا إنما يتحقق إذا كان السامعون يعرفون ما يسمعون من القصص كليا أو جزئيا على ما شرحناه في المسائل المماثلة. ولقد قيل إن اسم قارون هو اسم معروف لملك أو أمير غني من ملوك آسيا الصغرى (الأناضول) أو (بلاد الروم) كما كانت تدعى سابقا وهو قيروس أو قيرسوس أو ما يشبه ذلك. ولسنا نرى في هذا ما

_ (1) انظر كتب تفسير الطبري والبغوي وابن كثير والخازن.

ينقض ما قررناه فقد يكون اسم قارون معربا لاسم قريب منه كان في زمن موسى ومن قومه. وكان ذا غنى وفساد. والأسماء تتجانس تقليدا واقتباسا. وقد يكون ذلك الملك الآسيوي متأخرا عن عهد موسى ويكون اسمه هو المقتبس. وإطلاق الاسم على هذا للتشابه بين صفاته وثروته وبين قارون موسى والله تعالى أعلم. أما ما احتوته آيات القصة من الموعظة والعبرة والحكم الأخلاقية فهو: 1- إن الله لا يحب الفرحين المغترين بأموالهم. 2- إن من واجب الذين أنعم الله عليهم بالثراء ألّا يجحدوا يد الله عليهم ويبطروا وأن يذكروا دائما أن الله قد أهلك من هم أكثر قوة ومالا منهم حينما جحدوا وبطروا. 3- إن من واجبهم أيضا أن يسلكوا سبيل القصد، وأن يذكروا أنه إذا كان لهم أن يتمتعوا بما تيسّر لهم من أسباب العيش والدعة فإن من واجبهم أن يساعدوا الآخرين ويحسنوا إليهم كما أحسن الله إليهم وأنه ليس لهم أن يستعملوا ما يسّره الله لهم في الفساد والبغي، وأن يذكروا مفاجآت الأحداث وغضب الله وأن يشكروا الله شكرا عمليّا بالاعتراف بفضله وربوبيته والتقرب إليه بصالح الأعمال، وألّا ينسوا يوم الجزاء الأخروي الذي يحاسب فيه كل امرئ على ما فعل. 4- إنه لا ينبغي لمن لم يتيسر لهم الثراء ألّا تشرد أعينهم إليه ليحصلوا عليه بأي طريق كان ولو بالبغي والفساد، وعليهم أن يتحلوا بالقناعة والصبر ولا ينحرفوا عن الطريق القويم المشروع، وأن يتيقنوا أن ثواب الإيمان والعمل الصالح خير وأبقى وأنه لا يصل إلى هذه الغاية المثلى إلا الصابرون. 5- إن الذين أوتوا العلم قاموا بواجبهم فنبهوا الذين تمنوا أن يكون لهم ما كان لقارون إلى ما هو خير من ذلك وهو ابتغاء ثواب الله بالإيمان والعمل الصالح. 6- إن الله قد عاقب قارون على بطره وجحوده وبغيه وفساده، وأدرك الذين

[سورة القصص (28) : الآيات 85 إلى 88]

كانوا يتمنون أن يكون لهم ما كان له أن بسطة الرزق ليست خيرا دائما وأن فيها محكّا لأخلاق الناس وامتحانا لنوازعهم وكثيرا ما تكون عليهم نقمة وشرّا وأن الكافرين لا يفلحون قط. 7- إن الله قد ضمن للمتقين الذين يتحاشون الفساد والتجبر في الأرض أحسن العواقب في الآخرة. وطبيعي أن هذه الحكم مستمرة المدى والشمول. وفيها من التشجيع على الفضيلة والبرّ وتقبيح الرذيلة والبغي والبطر والجحود وبثّ الطمأنينة والسكينة في نفوس المؤمنين والارتفاع بهم إلى الأفق الأعلى من مكارم الأخلاق وصالح الأعمال ما هو جليل رائع. وجملة لِلْمُتَّقِينَ في آخر الآية [83] في مقامها مناسبة جديدة لتكرار ما نبهنا عليه من مغزى التقوى التي هي أهم مظاهر الإيمان. ولقد أورد المفسرون بعض الأحاديث التي تندد بالتعالي والبطر والتجبر في مناسبة آيات قصة قارون. ونكتفي من ذلك بما ورد في كتب الصحاح، منها حديث رواه الشيخان عن أبي هريرة قال «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما رجل يمشي قد أعجبته جبّته وبرداه إذ خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها حتى تقوم الساعة» «1» . وحديث رواه مسلم عن أبي هريرة أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إنّ الله لا ينظر إلى من يجرّ إزاره بطرا» «2» حيث ينطوي في الأحاديث صور من التعليق والتطبيق النبوي للآيات القرآنية على سبيل الموعظة والتعليم والتحذير. [سورة القصص (28) : الآيات 85 الى 88] إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (85) وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (86) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88)

_ (1) التاج ج 3 ص 147. (2) المصدر نفسه.

تعليقات على الآيات الأخيرة الأربع من سورة القصص

(1) فرض عليك القرآن: أنزله عليك وأوجب عليك إبلاغه والسير وفقه. (2) لا يصدّنك: لا تدعهم يصرفونك. الخطاب في الآيات موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فالذي أنزل عليه القرآن وأوجب عليه إبلاغه والسير وفقه رادّه ومعيده، وعليه أن يعلن للناس أن ربّه هو الأعلم والحكم بينه وبين الكفار في من هو على الحق والهدى ومن هو على الضلال الشديد، وأنه ما كان ليأمل أن ينزل عليه الكتاب، وأن الله تعالى لم يختره وينزله عليه إلّا رحمة منه وفضلا، وأن عليه ألّا يكون نصيرا للكافرين على نفسه، وألّا يدعهم يصرفونه عن أوامر ربّه وآياته بعد أن أنزلت عليه متأثرا بمواقف اللجاج التي يقفونها إزاءه، وأن يدعو إلى ربه وحده ولا يسلك سبيل المشركين وألا يدعو مع الله إلها آخر، فليس من إله غيره قط، وكل شيء هالك إلّا وجهه، وله الحكم والقضاء على خلقه، وهو مرجعهم أولا وآخرا. تعليقات على الآيات الأخيرة الأربع من سورة القصص ولقد تعددت التأويلات التي يرويها المفسرون عن ابن عباس وغيره لجملة لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ منها أنها بمعنى رادك إلى الجنة. ومنها أنها بمعنى رادك إلى الموت. ومنها أنها بمعنى رادك إلى يوم القيامة. ومنها أنها بمعنى رادك إلى مكة، وقد رويت رواية تفيد أن الآية التي فيها الجملة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في طريق هجرته من مكة إلى المدينة في منزل يقال له الجحفة حيث حزّ في نفسه أن يخرج من وطنه على الوجه الذي خرج به فأنزل الله عليه الآية لتطمينه وتسليته وتوكيد كون الله عز وجل راده إلى مكة ثانية. وهذه الرواية قد تقوي إن صحت التأويل الأخير.

وتنبه على أن هذه الرواية رويت عن ابن عباس الذي روي عنه أيضا كون الجملة بمعنى «رادك إلى يوم القيامة» «1» . وليس شيء من هذه الروايات واردا في كتب الأحاديث. ويلحظ أن الشطر التالي من الآية التي فيها الجملة يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يعلن بأن ربه هو الأعلم بمن جاء بالهدى ومن هو في ضلال. وهذا يعني أن النبي كان في موقف حجاجي مع الكفار. وبين الآية والآيات التالية لها ترابط، ولهذا نشك في نزول الآية لحدتها أو نزولها في طريق الجحفة والنبي خارج إلى المدينة مهاجرا، ونرجح أن الآيات جميعها في صدد الموقف الحجاجي وأن الجملة تعني أن الله تعالى باعثه هو والكفار يوم القيامة وأنه سيحكم حينئذ بينه وبينهم وهو الأعلم بالمهتدي والضال منهم. وقد انطوى فيها هدف التطمين والتثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم، ومثل هذه الجملة ورد في آيات عديدة في مواقف الحجاج بين النبي صلى الله عليه وسلم والكفار مثل سورة الأنعام [117] والنحل [125] والقلم [7] . ولم يرو المفسرون روايات في سبب نزول الآيات التالية لآية الأولى، وقد رووا عن ابن عباس أن الخطاب فيها وإن كان موجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو لأمته، ومع أن هذا وارد ووجيه من ناحية ما احتوته الآيات من أوامر عليها طابع الشمول والتلقين المستمر، وهذا هو المقصود من قول ابن عباس المروي كما هو المتبادر. فإن الذي يتبادر لنا من روح الآيات وفحواها أنها موجهة إلى النبي في مناسبة الموقف الذي بينه وبين الكفار الذي كان في صدد مبادئ الدعوة. وكان الكفار فيه أحيانا يحاولون مساومته وزحزحته عن شىء ما منها، وأنه بدا منه شىء ما من المسايرة رغبة في هدايتهم التي كان شديد الحرص عليها وبخاصة زعمائهم وإزالة العقبات القائمة في سبيل الدعوة. فنزلت الآيات لتنبهه إلى ما كان من فضل الله عليه ورحمته به في إنزال الكتاب عليه واختصاصه برسالة الله وتثبّته وتلقّنه خطورة

_ (1) انظر تفسير الطبري والبغوي وابن كثير والخازن والزمخشري والطبرسي. ورواية نزول الآية في الجحفة رواها المصحف الذي اعتمدناه أيضا.

المهمة التي انتدب إليها، وما توجبه من الثبات والصبر وعدم المسايرة في أي عمل أو قول يمكن أن يكون فيه أي تساهل في أساس الدعوة إلى الله وحده وفي الأسس المحكمة التي انطوت عليها الآيات القرآنية، وتهيب به ألا يكون منه فتور في الدعوة بسبب مواقف اللجاج أو المساومة التي يقفها الكفار. ومن المحتمل أن يكون هذا الموقف بين النبي صلى الله عليه وسلم وبعض الزعماء المعتدلين الذين كانوا يعتقدون بصدق دعوته ويخافون عواقب اتّباعه، على ما حكته الآية [57] ولعل ما كان من أخذ ورد بينهم وبينهم وبنيه هو في صدد الكعبة وتقاليدها حيث يرجّح هذا ما حكته عنهم الآية نفسها من مخاوف. وهذا الذي نخمّن انطواءه في الآيات قد ذكر صراحة في آيات سورة الإسراء هذه وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا (74) ومن الجدير بالتنبيه أن سورة الإسراء هذه قد نزلت بعد سورة القصص حيث ينطوي في هذا صحة تخميننا وصوابه إن شاء الله. ومحاولات الكفار زحزحة النبي صلى الله عليه وسلم ليست جديدة بل بدأت من أوائل عهد الدعوة، على ما شرحناه في سياق تفسير سورة القلم. على أن من الواجب أن ننبه إلى أنه لا ينبغي التوهم من ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد مرّ عليه دور كان فيه مترددا في إيمانه بالله وحده أو ميّالا إلى مسايرة الكفار في زحزحته عن مبادئ الدعوة وأسسها. فهذا يناقض العصمة النبوية في هذا الصدد الذي يجب الإيمان بها، والتقريرات القرآنية التي مرّت أمثلة عديدة منها تجعله من هذه النواحي فوق كل مظنة ووهم وتصف استغراقه في الله والمهمة التي انتدب إليها بأروع الصفات وأقواها، وكل ما كان من أمر أن رغبته الشديدة في هدايتهم وحرصه القوي على نجاح الدعوة وانتشارها وشدة العقبات التي كانت تقوم في طريقها بسبب موقف كفار قريش، وبخاصة زعمائهم كان يجعله يفكر في مسايرتهم في أمور شكلية وثانوية مما كان غير الأولى في علم الله سبحانه، فكان وحي الله

دلالة قرآنية

ينزل مبينا ما هو الأولى في علمه، على ما شرحناه في سياق سورة عبس وغيرها. وعلى هذا فالآيات ليست منقطعة عن مواضيع السورة كما هو واضح، وبالإضافة إلى ذلك فإنها متصلة بالآيتين السابقتين لها مباشرة حيث يبدو أنها جاءت معقّبة عليهما، ولقد جاءت في الوقت نفسه خاتمة قوية للسورة ومنهية إنهاء حاسما للمواقف التي كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وزعماء الكفار والتي حكتها آيات عديدة منها. دلالة قرآنية على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف من أمر نبوته شيئا قبل هبوط الوحي عليه. هذا وفي ما احتوته الآية الثانية صراحة قطعية بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يدري من أمر نبوته شيئا قبل هبوط الوحي عليه، وفي ذلك نفي قرآني صريح لما يتزيده المتزيدون في هذا الصدد، ويتوسعون فيه من ذكر الأعلام والإشارات ويوردونه من الروايات ويخمنونه من التخمينات. سواء أكان ذلك في ظروف ولادته ونشأته أم قبل ذلك بآماد بعيدة أو قبل نزول الوحي عليه. وفي سورة يونس آية صريحة أخرى في ذلك جاءت جوابا على تحدي الكفار بالإتيان بقرآن غير القرآن الذي يتلوه عليهم وهي قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (16) . هذا، وفي مناسبة ورود كلمة وَجْهَهُ بالنسبة لله تعالى نذكر القارئ بتعليقنا على ما في القرآن من صفات وأعضاء وحركات منسوبة إلى الله عزّ وجل في سياق سورة الفجر حيث نبهنا إلى ما في ذلك من مقاصد. والموقف الذي يجب أن يقفه المسلم وقارئ القرآن من مثل هذه الألفاظ. ونكتفي بهذه الإشارة عن الإعادة. وتعبير وَجْهَهُ لله سبحانه من المواضيع الجدلية بين علماء الكلام من حيث ماهيته وكيفية تأويله، وهذا يقع بالنسبة إلى سائر الألفاظ والصفات والحركات التي تنسب إلى الله سبحانه الأعضاء والجوارح والحواس مثل يد الله

وقبضته ويمينه ونفسه وسمعه وأبصاره وروحه ونزوله واستوائه إلخ. وروح التعبير هنا يفيد أن المقصود به ذات الله تعالى، ولا يحمل جدلا فيما نعتقد، والمتبادر أنه أريد بكل ما ذكر في القرآن من كل ذلك وصف الله سبحانه بكل صفة على أكمل ما يكون مما يقتضي أن يكون الله سميع لكل ما من طبيعته أن يسمع، ويبصر لكل ما من طبيعته أن يبصر، وعليم بكل شيء ومدرك لكل شيء ومحيط بكل شيء وقادر على كل شيء وموجود في كل مكان.. إلخ وقد استعملت الألفاظ في معرض الدلالة على ذلك لأن القرآن يخاطب الناس بلغتهم والمعاني التي يفهمون ماهيتها ومداها. ومع ذلك فإن هناك مذهبا سليما ووجيها يرى أصحابه التسليم بكل ما جاء من ذلك وعدم حمله على غير ظاهره وعدم البحث في الوقت نفسه في الماهيات والكيفيات وتفويض الأمر لله تعالى فيما أراد منه مع تنزيهه سبحانه عن الجسمانية والجهة والحدود والحاجة إلى أي شيء والمماثلة لخلقه في أي شيء عملا بضابط قرآني محكم جاء في آية سورة الشورى هذه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) والله تعالى أعلم.

سورة الإسراء

سورة الإسراء في السورة إشارة إلى حادث الإسراء النبوي، ومجموعة من الوصايا والأوامر والنواهي والحكم الدينية والأخلاقية والاجتماعية، وفيها استطرادات إلى أحداث بني إسرائيل التاريخية وإلى قصة آدم وإبليس وقصة موسى وفرعون في معرض التمثيل والموعظة، وفيها حكاية لمواقف الكفار وعقائدهم وأقوالهم وتعجيزاتهم ومناقشتهم فيها وتسفيههم، وإشارة إلى محاولات الكفار لزحزحة النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض ما يدعو إليه ومساومته، وإلى بعض أزماته، وتسليته من جهة، ومعاتبته من جهة ثانية، وحكاية لموقف بعض علماء الكتابيين وإيمانهم بالقرآن، وإشادة بالقرآن في مواضع عديدة، وتنويه بما فيه من حق وهدى وروحانية وشفاء وإعجاز، وفصولها مترابطة وآياتها متوازنة ومتساوقة مما يمكن أن يلهم أن فصولها نزلت متلاحقة إلى أن تمت. وقد روي أن الآيات [26 و 32 و 33 و 57 و 73- 80] مدنيات وليست الروايات وثيقة السند من جهة وسياق الآيات ومضامينها وتوازنها وانسجامها مع ما سبقها ولحق بها يسوغ الشك في الرواية ويرجّح مكية الآيات، وللسورة اسم آخر هو بني إسرائيل لأن فيها فصلا عنهم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الإسراء (17) : آية 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) (1) سبحان: أوجه الأقوال فيها أنها مصدر سبّح، وهي هنا وفي كل موضع

مماثل بمعنى «تسبيحا لله» والتسبيح هو التقديس والتمجيد والثناء. (2) أسرى: من الأسراء وهو السير في الليل. (3) عبده: كناية عن النبي صلى الله عليه وسلم. (4) المسجد: مكان السجود والعبادة مطلقا. (5) المسجد الحرام: مسجد مكة. والجملة تعني حين نزولها المصلى أو الفناء المعدّ لإقامة الصلاة والطقوس حول الكعبة. (6) المسجد الأقصى: الأقصى بمعنى الأبعد. وقد قصد بالجملة مكان عبادة الله في بيت المقدس، ونعت الأقصى للدلالة على البعد الشاسع بين مكة وبيت المقدس، ثم صار تعبير «المسجد الأقصى» علما على مسجد بيت المقدس الإسلامي بعد الإسلام اقتباسا من الوصف القرآني. وكان قبل الإسلام مكان المعبد الذي بناه سليمان عليه السلام، وكان خرابا حين نزول الآية. (7) الذي باركنا حوله: ضمير «حوله» راجع إلى المسجد الأقصى. والكلمة تعني بلاد فلسطين التي فيها المسجد، وقد ذكرت آيات سورة الأعراف [137] وسورة الأنبياء [71] أن الله بارك فيها. في الآية تقديس لله تعالى الذي أسرى بالنبي صلى الله عليه وسلم من مكة مكان المسجد الحرام إلى مكان المسجد الأبعد في بيت المقدس الذي بارك الله حوله ليريه من آياته ودلائل عظمته، وهو السميع لكل شيء البصير بكل شيء. لقد شرحنا بشيء من الإسهاب ما جاء ودار حول حادثي الإسراء والمعراج في سياق تفسير سورة النجم. فلم يبق ضرورة لتكرار شيء من ذلك إلّا القول في مناسبة هذه الآية إن حادث الإسراء النبوي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مذكور بصراحة في القرآن دون المعراج، وإن روح الآية قد تلهم أنه كان بالجسد واليقظة. لأنه لو كان في المنام أو مشهدا روحانيا كما رجحنا أن يكون هذا بالنسبة للمعراج الذي تظاهرت الأحاديث في صدد وقوعه لما ظهرت حكمة ذكره والتنويه به بهذه القوة.

وهناك أحاديث عديدة منها ما ورد في الصحاح فيها ما قد يكون فيه تأييد لذلك. من ذلك حديث رواه الشيخان والترمذي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «لما كذّبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس قمت في الحجر فجلّى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه» «1» . وحديث رواه مسلم عن أبي هريرة قال «قال النّبي صلى الله عليه وسلم لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن أشياء لم أثبتها فكربت كربة ما كربت مثله قطّ فرفعه الله لي أنظر إليه. ما يسألوني عن شيء إلّا أنبأتهم به» «2» . وروى ابن كثير حديثا رواه البيهقي عن عروة عن عائشة قالت «لمّا أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى أصبح يحدّث الناس بذلك فارتدّ ناس ممّن كانوا آمنوا به وصدّقوه وسعوا بذلك إلى أبي بكر فقالوا هل بك في صاحبك يزعم أنّه أسري به الليلة إلى بيت المقدس فقال أو قال ذلك قالوا نعم قال لئن قال ذلك لقد صدق. قالوا فتصدّقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح. قال نعم إنّي لأصدّقه فيما هو أبعد من ذلك أصدّقه في خبر السّماء غدوة أو روحة» . ومما رواه البغوي «أنّه كان لجماعة من قريش عير قادمة فسألوه هل لقيت منها شيئا قال نعم مررت على عير بني فلان وهي بالرّوحاء وقد أضلّوا بعيرا لهم وهم في طلبه. وفي رحالهم قدح ماء فعطشت فأخذته فشربته ثمّ وضعته كما كان فسلوهم هل وجدوا الماء في القدح حين رجعوا إليه، قالوا هذه آية، قال ومررت بعير بني فلان وفلان راكبان قعودا لهما بذي طوى فنفر عيرهما منّي فرمى بفلان فكسرت يده فسلوهما عن ذلك، فقالوا هذه آية. وسأله جماعة عن عيرهم فقال مررت بها بالتّنعيم. قالوا فما عدّتها وأحمالها وهيئتها ومن فيها فقال نعم هيئتها كذا وفيها فلان وفلان يقدمها جمل أورق عليه غرارتان مخيطتان يطلع عليكم عند طلوع الشّمس. وقالوا وهذه آية، ثمّ خرجوا يشتدّون نحو الثّنية وهم يقولون والله لقد

_ (1) التاج ج 3 ص 234. (2) المصدر نفسه والحجر هو مكان في فناء الكعبة.

قصّ محمد شيئا وبيّنه حتّى أتوا كداء فجلسوا عليه فجعلوا ينتظرون حتّى تطلع الشّمس فيكذّبوه إذ قال قائل منهم والله هذه الشّمس قد طلعت فقال آخر هذه الله الإبل قد طلعت يقدمها بعير أورق. وفيها فلان وفلان كما قال» . ويصح أن نذكر في هذا السياق والحديث المروي عن أم هانئ عمّة النبي الذي ذكرناه في سياق سورة النجم وجاء فيه «أنّه كان في بيتها فافتقدته في فراشه فلم تجده، ثمّ وجدته في الصّباح فلمّا استيقظ أخبر بخبر إسرائه إلى المسجد الأقصى» . ومن الجدير بالتنبيه هنا أيضا أن الأحاديث التي وردت في كتب الصحاح عن الإسراء والمعراج لا تقرن الإسراء بالمعراج. وهذا له مغزى مهم في صدد ما نحن بسبيله. ومن هذه الأحاديث التي أوردنا نصوصها آنفا عن أبي هريرة وجابر ما اقتصر على ذكر الإسراء إلى بيت المقدس فقط. ومع ذلك فإن الحديثين اللذين يرويهما البخاري عن مالك بن صعصعة وشريك بن عبد الله واللذين أشرنا إليهما في التعليق المسهب في سورة النجم واللذين يذكران أن الحادث كان في أثناء النوم أو بين اليقظة والنوم مع شقّ بطن النبي وغسله وحشوه والحديث المروي عن عائشة بأن النبي لم يفارق فراشه ليلة الإسراء والحديث المروي عن معاوية بأن الإسراء والمعراج كان في المنام كل هذا يجعل احتمال الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى أيضا مشهدا روحانيا واردا كذلك. ولا سيما إن هناك حديثا يرويه الطبري بطرقه عن أبي هريرة يذكر فيه فيما يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى أثناء مسراه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو راكب على البراق ومع جبريل جماعات من الناس في أشكال وحالات متنوعة في العذاب بسبب آثام وذنوب اقترفوها وأنه رأى فيما رأى أثناء هذا المسرى أيضا الجنة والنار وسمع كلاما لكل منهما. وفي هذه السورة آية أشير فيها إلى حادث الإسراء على قول أكثر أهل التأويل بكلمة (الرؤيا) وهي هذه وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [60] ومع أن أهل التأويل قالوا إن كلمة الرؤيا تطلق على الرؤيا العيانية أيضا. إلا أنها في القرآن لم ترد إلا في معنى الرؤيا

المنامية فقط كما يستفاد من آيات سورة الصافات [102- 109] وسورة يوسف [4- 5 و 43 و 100] وسورة الفتح [27] وإن كان من الواجب أن نقول أيضا إن روح آية الإسراء تلهم أن الرؤيا كانت عيانية لأنها لو لم تكن كذلك لما ظهر سبب لفتنة الناس بها إذا كانت الكلمة تعني الإسراء. ويبقى بعد ذلك كله الحديثان الصحيحان اللذان يرويهما جابر وأبو هريرة وفيهما ما كان من سؤال قريش للنبي صلى الله عليه وسلم عن صفة بيت المقدس ووصفه لهم مما فيه تأييد للرؤيا العيانية وبالتالي لكون الإسراء بالجسد واليقظة حتى ولو أغفلنا الحديث الطويل الذي يرويه البغوي والذي فيه مثل ذلك بتفصيل أوفى على أنه لن يفوتنا أن نذكّر ثانية بأن الأحاديث الواردة في كتب الصحاح وغيرها يرويها أناس من أهل العهد المدني وأنه لم يرو شيئا منها أناس من أهل العهد المكي الذين يفرض أنهم كانوا شهود خبر الحادث والذين يفرض أن يكونوا هم الأولى في رواية خبره. ومهما يكن من أمر فإن روح الآية ومضمونها يلهمان أن الحادث كان تكريما للنبي صلى الله عليه وسلم بقصد اطلاعه على بعض آيات الله ومشاهد ملكوته أولا. وأنه حادث خاص بمدركات النبي صلى الله عليه وسلم لم يشعر به غيره ثانيا. وأنه ليس من قبيل المعجزات التي تظهر على يد الرسل لأجل إثبات صلتهم بالله أو يثبت بها صلتهم بالله. والأولى أن يوقف من ماهيته وكيفيته موقف التحفظ مثل سائر مدركات النبي صلى الله عليه وسلم الروحانية الخاصة على ما نبهنا عليه في سياق سورة العلق والتكوير والنجم والقيامة دون تزيد ولا تخمين مع واجب الإيمان به كحقيقة إيمانية ما دام قد ذكر وقوعه صراحة في القرآن وإن لم يدرك كنهه مثل الإيمان بالوحي وسائر مدركات النبي صلى الله عليه وسلم الخاصة التي وردت فيها نصوص صريحة في القرآن والأحاديث النبوية الصحيحة ومع التسليم بقدرة الله تعالى على كل شيء. والله تعالى أعلم. ويظل هذا الحادث من الأحداث التي يصح الحفاوة بها من قبل المسلمين مثل ليلة القدر ما دام قد حظي بحفاوة القرآن مثلها. ولا سيما أن ذلك أدى إلى

تعليق على تعبيري المسجد الحرام والمسجد الأقصى

الارتباط الوثيق بين المسلمين والمسجد الأقصى الذي بارك الله حوله. وغدت هذه البقاع بالنسبة للمسلمين من البقاع المقدسة المرتبطة بقرآنهم ورسولهم. ولقد رويت أحاديث نبوية في فضل المسجد الأقصى والعناية به ستأتي نصوصها بعد قليل. وفيها نبوءة نبوية بما صار من أمر المسجد الأقصى الذي لم يكن قائما في حياته، مما فيه تدعيم من جهة وإيجاب على المسلمين بتكريمه والاحتفاظ به والدفاع عنه من جهة أخرى. تعليق على تعبيري المسجد الحرام والمسجد الأقصى والتعبيران يأتيان هنا لأول مرة. وقد تكرر الأول مرارا، والثاني يذكره للمرة الأولى والوحيدة. وكلمة مسجد قد جاءت في سورة الأعراف لأول مرة، وشرحنا مداها في القرآن مما يغني عن التكرار، والمسجد الحرام كان يعني حين نزول الآية الكعبة والساحة التي حولها التي كان يقام فيها الطقوس والصلاة. وكان العرب يفعلون ذلك قبل البعثة على ما تفيده آية سورة الأنفال هذه وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً [25] ولقد كان مداها يتسع حتى يشمل منطقة مكة على ما تلهم آية سورة البقرة هذه وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ [191] وهذه يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [217] ولقد ورد هذا التعبير في أحاديث عديدة منها حديث رواه الخمسة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا تشدّ الرّحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا والمسجد الحرام ومسجد الأقصى» «1» ثم صار يطلق إطلاقا تطبيقيا على الساحة والأواوين المحيطة ببناء الكعبة الشريفة. وكلمة الحرام تعني المحرّم فيه العدوان والواجب الإحرام على ما شرحناه في سياق سورة قريش بما يغني عن الإعادة.

_ (1) التاج ج 1 ص 209.

[سورة الإسراء (17) : الآيات 2 إلى 8]

وكلمة (الأقصى) بمعنى الأبعد أو البعيد جدا. وتعبير (المسجد الأقصى) عنى فيه نزول الآية مكان معبد بيت المقدس الذي أنشأه سليمان على الأرجح على ما شرحناه في سياق سورة ص. وكان المعبد حينئذ خرابا فأطلق التعبير عليه على اعتبار ما كان. وقد ذكر هذا التعبير في أحاديث نبوية وهو على ما هو عليه من خراب، من ذلك الحديث الذي أوردناه قبل. ومن ذلك حديث رواه أبو داود وأحمد وابن ماجه عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «من أهلّ بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر ووجبت له الجنة» «1» وحديث رواه أبو داود وابن ماجه عن ميمونة مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت «قلت يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس فقال ائتوه فصلّوا فيه فإن لم تأتوه وتصلّوا فيه فابعثوا بزيت يسرج في قناديله» «2» . وأول من بنى مسجدا في ساحته هو الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان على أرجح الروايات وإطلاق المسلمين التعبير على هذا المسجد هو إطلاق تطبيقي للتعبير القرآني النبوي على ما هو المتبادر. ولما لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بناء لمسجد في هذه الساحة فيكون ذكره في الأحاديث على اعتبار ما كان وعلى اعتبار ما سوف يكون، وفي حديث ميمونة خاصة كشف نبوي بما سوف يكون، والله تعالى أعلم. [سورة الإسراء (17) : الآيات 2 الى 8] وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (3) وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً (4) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً (5) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً (7) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً (8)

_ (1) التاج ج 1 ص 210. (2) المصدر نفسه. [.....]

تعليق على أحداث بني إسرائيل المذكورة في أول هذه السورة

(1) ذرية من حملنا مع نوح: ذرية منصوبة على النداء تقديرها يا ذرية من حملنا مع نوح والمفسرون يروون عن أهل التأويل أن المقصود بالنداء بني إسرائيل على اعتبار أنهم من ذرية نوح. وهذا متبادر من فحوى الجملة وروحها. (2) قضينا: هنا بمعنى حكمنا أو أخبرنا أو قدرنا. (3) في الكتاب: أكثر المفسرين يفسرون الكتاب بالتوراة المنزلة على موسى أي أن الله أخبرهم فيها بما يكون من أمرهم وما يكون منه تجاه ذلك. والقاسمي في محاسن التأويل يقول إن الكتاب هنا بمعنى اللوح المحفوظ ويتبادر لنا أنها بمعنى علم الله وحكمه، والله تعالى أعلم. (4) ولتعلنّ علوا كبيرا: ولتتكبرنّ تكبرا كبيرا. والقصد من ذلك الإشارة إلى ما سوف يكون منهم من بغي واستكبار. (5) وعد أولاهما: وعد عقاب أولاهما. (6) جاسوا: تخللوا أو توغلوا أو اخترقوا. (7) أكثر نفيرا: أكثر عددا أو جندا. (8) ليسوؤوا وجوهكم: ليجعلوا المساءة بادية على وجوهكم من الحزن والقهر. (9) ليتبروا ما علوا: ليدمروا ما أنشئوه ورفعوه عاليا. تعليق على أحداث بني إسرائيل المذكورة في أول هذه السورة في هذه الآيات إشارة إلى بعض الأحداث التاريخية التي وقعت على بني

إسرائيل نتيجة لبغيهم وفسادهم وانحرافهم واغترارهم، وتقرير لسنن الله الكونية والاجتماعية فيهم: 1- فالله تعالى قد أتى موسى عليه السلام الكتاب وجعله هدى لبني إسرائيل ووصاهم بالتمسك به وعدم اتخاذ غيره وكيلا وربّا، ولا سيما أنهم من ذرية نوح ومن نجاه الله معه. وقد كان عبدا شكورا مخلصا لربّه ولهم به الأسوة الحسنة. 2- ولكنهم نقضوا وصية الله وأفسدوا وتكبروا، فكتب الله عليهم العقاب مرتين فيسلط في الأولى عليهم أناسا أقوياء فيدخلون بلادهم وينكّلون بهم ثم يتوب عليهم فيعودون إلى قوتهم ويعمرون بلادهم. وينذرهم الله بأنهم إذا أحسنوا سلوكهم وأخلصوا فنفع ذلك يعود عليهم، وإذا أساءوا وغدروا وانحرفوا فضرر ذلك يرجع إليهم حيث تحلّ بهم كارثة ثانية فيدخل الغزاة بلادهم وينتهكون حرمة مسجدهم ويدمروا ما شادوه وتربدّ وجوههم وتبدو عليها المساءة مما ينزل بهم من النكال والهوان. 3- وقد أبلغوا أيضا بأن الله ليس من شأنه أن يسدّ باب الرحمة في وجوه عباده وأن من الممكن أن ينالوا رحمته إذا أحسنوا وأخلصوا، ولكنهم إذا عادوا إلى البغي والظلم والكفران فيتكرر نكال الله بهم في الدنيا، وبأنه خصص جهنم للكافرين في الآخرة. ولقد قال المفسرون «1» إن الآيات جاءت استطرادية إلى ذكر ما آتاه الله موسى من الكتاب ليكون هدى لبني إسرائيل بعد ما ذكرت الآية السابقة ما كان من إسراء الله بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم ليريه من آياته. ولا يخلو القول من وجاهة وهو ما جرى عليه النظم القرآني. وبهذا تقوم الصلة بين هذه الآيات والآية الأولى من السورة. والآيات وإن كانت تذكر أن الله تعالى كتب على بني إسرائيل أن يقووا ويضعفوا مرتين متناوبتين فإن مما تتحمله العبارة أنها ليست لتقرير الحتمية لمرتين

_ (1) انظر تفسيرها في تفسير الطبري وابن كثير والخازن مثلا.

فقط كما أن من الممكن أن يكون المراد بها الإشارة إلى أشد حادثين تاريخيين وقعا أو يقعان عليهم أيضا. ولقد سجل التاريخ أن بني إسرائيل قووا وضعفوا وانحرفوا وصلحوا وبغوا وتابوا ونالهم النكال مرارا. ولقد سجل حادثين شديدين غزاهم في أحدهما ملوك الأشوريين سنحاريب وسرجون وأسرحدون في القرن الثامن قبل الميلاد ونسفوا دولة إسرائيل التي كان مركزها في السامرة وسط فلسطين والتي كانت تحكم معظم فلسطين ونفوا أهلها إلى بلادهم وأسكنوا محلهم جماعات أتوا بهم منها. وغزاهم في ثانيهما نبوخذ نصر ملك بابل في الثلث الأول من القرن السادس قبل الميلاد ونسف دولتهم الثانية «يهوذا» التي عاصمتها أورشليم (بيت المقدس) كذلك ونفى أكثرهم إلى بابل بعد تدمير العاصمة والمعبد ونهبهما. وهاتان الضربتان ذكرتا في سفري الملوك الأول والثاني في الطبعة البروتستانتية والثالث والرابع في الطبعة الكاثوليكية ثم في سفري أخبار الأيام الأول والثاني في الطبعتين. وكل هذه الأسفار متداولة اليوم. ولقد سجل التاريخ أيضا أنهم ضربوا بعد هذا بضربتين شديدتين من قبل الدولة السلوقية اليونانية التي حكمت بلاد الشام من القرن الثالث قبل الميلاد إلى أواسط القرن الأول، ثم من الدولة الرومانية التي حكمتها منذ أواسط القرن الأول قبل الميلاد. فقد أعاد ملك الفرس كورش الذي قضى على دولة بابل جماعات من المسبيين في بابل من بني إسرائيل إلى فلسطين فجددوا عاصمتهم ومعبدهم، ولكنهم بطروا وبغوا حينما صار الحكم للدولة السلوقية فضربتهم ضربة شديدة. وقد قووا بعد ذلك فبطروا وبغوا حينما صار الحكم للدولة الرومانية فضربتهم ضربة شديدة ودمرت عاصمتهم ومعبدهم وقتلت منهم خلقا كبيرا في القرن الأول بعد الميلاد فتشتتوا وظل أمرهم منتكسا ومعبدهم خرابا وكان الأمر كذلك حينما نزلت الآيات. والضربتان الأخيرتان ذكرتا في مدونات يهودية ويونانية ورومانية قديمة أيضا «1» .

_ (1) انظر كتابنا تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم ص 150- 179 و 235- 296 وص 82- 90 و 179- 196.

وفي الإصحاح السادس والعشرين من سفر الأحبار (اللاويين) تحذير رباني رهيب لبني إسرائيل بأنهم إذا نبذوا وصايا الله تعالى وانحرفوا عن طريق الحق وظلموا وبغوا فيسلط عليهم أعداءهم ويشدد نكاله فيهم كما أن هذا التحذير قد تكرر في أسفار عديدة بعد عهد موسى عليه السلام، مثل أسفار القضاة ونبوة أشعيا ونبوة أرميا مما فيه شيء من التطابق مع بعض ما جاء في الآيات. ومهما يكن من أمر فالمتبادر أن الآيات لا تستهدف بيان الأحداث التاريخية لذاتها، وإنما تقصد إلى تعليل ما وقع على بني إسرائيل وتقرير السنن الاجتماعية فيهم ليكون فيها العبرة والمثل للناس جميعهم على اختلاف الأزمنة والأمكنة. وهذا شأن القصص القرآنية عامة. واكتفاء الآيات بالإشارة المقتضبة مما ينطوي فيه قرينة على ذلك. وفي تفسير الطبري والبغوي بنوع خاص وفي غيرهما أيضا تفصيلات كثيرة ومسهبة في صدد الأحداث التي جرت لبني إسرائيل والمشار إليها في الآيات. منها المعزو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد في كتب الصحاح ومنها المعزو إلى ابن عباس وابن إسحق والسدي ومجاهد وابن وهب وغيرهم من أهل العلم والتأويل والأخبار في الصدر الإسلامي الأول. ومنها ما هو متطابق مع ما جاء في الأسفار والمدونات القديمة ومنها ما ليس متطابقا. ومنها ما فيه إغراب وخلط وتقديم لما هو متأخر وتأخير ما هو متقدم. مثل كون بختنصر هو ملك فارس وكون الله تعالى قد ملكه سبعمائة عام وكونه زحف على بيت المقدس وأقام يحاربها مائة عام. وقتله بدم يحيى بن زكريا سبعين ألفا إلخ إلخ. ولم نر طائلا ولا فائدة في إيراد ما أوردوه ولو ملخصا لأنه غير متصل بأهداف الآيات وإن كان يدل على أن الأحداث المقصودة بالتذكير والتمثيل لم تكن مجهولة من سامعي القرآن مما يجعل الأهداف محكمة شأن سائر القصص القرآنية. والمتبادر أن من أهداف الآيات تقرير كون الفساد والتكبّر والتجبّر في الأرض سيكون سيء العقبى على أصحابه وبلادهم في الدرجة الأولى. وكون الإحسان في

[سورة الإسراء (17) : الآيات 9 إلى 10]

السلوك والتزام حدود الحق والعدل والاستقامة سيكون حسن العقبى على أصحابه وبلادهم في الدرجة الأولى كذلك. [سورة الإسراء (17) : الآيات 9 الى 10] إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (10) (1) التي هي أقوم: الطريق الأفضل والأصلح الذي فيه قوام حياة البشر وسعادتهم. الآيتان جاءتا معقبتين أو نتيجتين لما تقدمهما كما هو المتبادر. فبعد أن ذكر في الآيات السابقة الكتاب الذي آتاه الله تعالى موسى ليكون هدى لبني إسرائيل، وأشير إلى ما كتب الله على بني إسرائيل من عقاب دنيوي بسبب بغيهم وفسادهم جاءتا لتقررا أن الله أنزل القرآن أيضا ليهدي الناس إلى أفضل السبل وأصلحها وليبشر المؤمنين الصالحين بالأجر الكبير وينذر الكافرين بعذاب الآخرة الأليم. وواضح من روح الآيتين وفحواهما أن ما يهدي القرآن إليه من الطريق الأقوم شامل لصلاح البشر وسعادتهم في الدنيا والآخرة معا. ويلحظ أمر مهم حين المقارنة. فقد ذكر في الآيات السابقة أن الله تعالى قد جعل الكتاب الذي آتاه موسى هدى لبني إسرائيل، بينما جاءت الآيتان مطلقتين ليشمل هدى القرآن جميع الناس ولتبشرا المؤمنين الصالحين من جميع الناس بالأجر. والكافرين منهم بالعذاب إطلاقا ما هو متسق مع عموم الرسالة المحمدية على ما قررته آيات عديدة مرّت أمثلة بها. وفي الآيتين تأييد لما قلناه في مناسبات سابقة من أن كلمة (القرآن) أريد بها في الأصل التعبير عما في القرآن من أسس الدعوة ومبادئها.

تعليق على تكرر التنويه بالقرآن في هذه السورة بخاصة وفي القرآن بعامة وما ورد في ذلك من أحاديث

تعليق على تكرر التنويه بالقرآن في هذه السورة بخاصة وفي القرآن بعامة وما ورد في ذلك من أحاديث ومن الجدير بالتنبيه أن هذه الآيات ليست الوحيدة في هذه السورة التي احتوت تنويها بالقرآن. حيث تكرر ذلك مرارا على ما سوف يأتي التنبيه إليه. وجاء في ما جاء إعلان رباني بأن الجن والإنس لو تظاهروا سيكونون عاجزين عن الإتيان بمثله. حيث يبدو من ذلك أن القرآن كان موضوع أخذ وردّ شديدين بين النبي والكفار في ظرف نزول السورة. ولقد احتوت هذه السورة فصولا عديدة فيها جماع أسباب الصلاح والسعادة والنجاة للبشر في الدنيا والآخرة حيث يمكن أن يكون تكرار التنويه متصلا بهذا أيضا. على أن من الواجب أن ننبه مع ذلك إلى أن التنويه بما في القرآن من هدى ورحمة وإحكام وحكمة وبينات وذكرى قد تواصل في مختلف السور المكية والمدنية فضلا عن أنه كان موضوع قسم رباني في مطالع السور مما مرّ منه أمثلة ومما فيه معنى التنويه. ويبدو هذا منسجما مع حكمة الله عز وجل التي شاءت أن يكون القرآن معجزة النبوة المحمدية الكبرى. وهناك أحاديث نبوية عديدة منها ما ورد في كتب الصحاح فيها تنويه بالقرآن وما فيه من هدى ورحمة وفضل نكتفي منها بهذا الحديث الشامل الذي رواه الترمذي عن الحارث الأعور قال «مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث فدخلت على عليّ رضي الله عنه فقلت يا أمير المؤمنين ألا ترى أن الناس قد خاضوا في الأحاديث. قال وقد فعلوها قلت نعم، قال أما إني قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ألا إنها ستكون فتنة فقلت ما المخرج يا رسول الله قال كتاب الله، فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل. من تركه من جبّار قصمه ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا

[سورة الإسراء (17) : الآيات 11 إلى 12]

تلتبس به الألسنة. ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجنّ إذ سمعته حتى قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرّشد، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل. ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم» «1» . [سورة الإسراء (17) : الآيات 11 الى 12] وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً (11) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً (12) (1) مبصرة: منيرة أو مضيئة. في الآية الأولى إشارة تنديدية إلى خلق من أخلاق كثير من الناس حيث تقرر أنهم طبعوا على العجلة في أمورهم سواء أدت إلى شرّ أم إلى خير. وهم يستعجلون بأعمالهم الشرّ مثل استعجالهم الخير. وفي الثانية تقرير رباني بأن الله قد جعل الليل والنهار من أدلة حكمة النواميس الكونية التي أبدعها فجعل النهار مضيئا ليسعى الناس فيه ويحصلوا من فضل الله على وسائل عيشهم وقوام حياتهم. وجعل الليل مظلما ليسكنوا فيه ويستريحوا، وبالإضافة إلى ذلك فإنه جعل الليل والنهار وسيلة لمعرفة السنين وحساب الأيام. وهو يبين للناس في قرآنه كل أمر ليدركوا حكمته البالغة وقدرته الشاملة. ويتبادر لنا أن الآيتين غير منقطعتين عن الآيتين السابقتين لهما. ويبدوا أن الكفار حينما سمعوا ما احتوته الآيتان السابقتان من بشرى للمؤمنين وعذاب للكافرين تحدوا النبي صلى الله عليه وسلم بتعجيل العذاب على عادتهم فنزلت الآيتان للرد عليهم

_ (1) التاج ج 4 ص 6- 7 انظر أحاديث أخرى في التاج ج 4 ص 3- 5 وننبه على أن هناك من يتوقف في رواية الأعور وقد قال بعضهم إن الحديث مرفوع. وقال بعضهم إنه من كلام علي رضي الله عنه. وما احتواه الحديث احتوته آيات القرآن وتقريراته جملة وتفصيلا.

[سورة الإسراء (17) : الآيات 13 إلى 15]

ففي أولاهما نددت بهم لاستعجالهم الشرّ والعذاب كما لو كان خيرا. وفي ثانيتها نبهتهم إلى أن لكل شيء موعدا وأجلا، فالعاجل لا يكون آجلا بالدعاء والطلب، والآجل لا يكون عاجلا به أيضا، كما هو شأن تعاقب الليل والنهار وشأن حساب الأيام والسنين، فلا الليل سابق النهار ولا السنون سابقة للأيام فكل شيء يكون في وقته المعين له. ومدى ما احتوته الآيتان من تنبيه وتنديد وتوضيح وتعليم شامل على كل حال لسامعي القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده على ما هو المتبادر من أسلوبها وفحواها. وقد تكرر ذلك في آيات عديدة مرّ بعضها لأن ما احتوته الآيتان متصل بحياة الناس وشؤونهم وأخلاقهم بعامة. وننبه بصورة خاصة إلى صيغة الآية الثانية حيث ينطوي فيها تنبيه إلى أمر يشاهده ويمارسه الناس وسامعوا القرآن الأولون من الجملة وهو كون النهار ظرفا للسعي والتكسب الذي عبر عنه بجملة لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [12] ولكون الليل والنهار وسيلة إلى معرفة دوران الزمن وحساب الأيام والسنين. وهو أسلوب القرآن عامة في تقرير مشاهد الكون ونواميسه. فلا ينفي أن يتجاوز الأمر الهدف الملموح في الآيات وهو التدليل على آثار نعمة الله ونواميسه في الكون إلى التمحل والتجوز لإثبات نظريات فنية من الآيات القرآنية على ما نبهنا عليه في مناسبات سابقة. [سورة الإسراء (17) : الآيات 13 الى 15] وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (13) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (14) مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (15) (1) طائره: كناية عن عمله أو علامة طالعه من سعد وشؤم. (2) منشورا: مفتوحا أو معلنا. في الآيات بيان رباني بأن كل إنسان في الآخرة ملزم بعمله وعليه تبعته إن

تعليق على مدى الآية من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ... وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا

خيرا فخير وإن شرا فشر، وأن الله تعالى سيخرج له كتاب أعماله مفتوحا ويقول له اقرأه وحاسب نفسك على ما فيه واحكم عليها وفاقا له وأن المهتدي إنما ينفع نفسه باهتدائه وأن الضال إنما يضر نفسه بضلاله، وأنه لا يحمل أحد تبعة عمل أحد ولا مسؤوليته، وأن من تمام حكمة الله وعدله ألا يعذب أحدا حتى ينذره بلسان رسول من قبله يعرف بواسطته طريق الهدى وطريق الضلال حتى يكون ما يلقاه من عذاب أو ثواب في الآخرة قد استحقه وناله عدلا وحقّا. والآيات متصلة بما سبقها اتصال سياق وتعقيب على ما هو المتبادر، وفيها قرينة مرجحة للتأويل الذي أولنا الآيات السابقة به. والمتبادر كذلك أنها بالإضافة إلى حقيقة الحساب والثواب والعقاب الأخروية التي يجب الإيمان بها بسبيل تنبيه السامعين إلى أن كل ما يفعلونه في الدنيا محصي عليهم ومحاسبون عليه وحملهم على اجتناب الكفر والإثم والإقبال على الإيمان بالله والعمل الصالح. وفي الآية الأخيرة صراحة قطعية بتقرير قابلية الاختيار للإنسان، وكون ما يلقاه جزاء عمله من نعيم وعذاب هو جزاء على هذا الاختيار وفيها كذلك تقرير لحكمة إرسال الرسل حيث يبينون للناس الحدود التي لا يستطيعون معرفتها بعقولهم واجتهادهم. ولقد شرحنا موضوع كتب أعمال الناس التي سوف تعلن لهم يوم القيامة في سياق تفسير سورة (ق) فنكتفي بهذه الإشارة. تعليق على مدى الآية مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ... وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا في كتب التفسير تأويلات وتعليقات حول محتوى هذه الآية: فأولا: إن بعضهم يفسر كلمة (رسول) بالعقل الإنساني ويوجب على الإنسان

العاقل بأن يؤمن بالله وحده وباليوم الآخر ويعمل العمل الصالح سواء أبلغته دعوة ربانية بطريق رسول أم لم تبلغه. ويجعل مصيره الأخروي مماثلا لمصير من بلغته دعوة مثل هذه. وبقطع النظر عن وجاهة مسؤولية العاقل الراشد عن هداه وضلاله بالذات فالذي يتبادر لنا أن المقصود بالكلمة هو النبي الذي يرسله الله لدعوة الناس وبيان الحدود التي يجب أن يسيروا في نطاقها مما قد لا يستطيع العقل تبينه وحده وأن في ذلك التفسير تحويلا للكلام لا يتحمله المقصود القرآني. وفي القرآن آيات عديدة مؤيدة لذلك منها آيات سورة الشعراء [208 و 209] وآية سورة القصص [59] وآية سورة طه [134] اللتين مرّ تفسيرهما حيث تذكر أن الله لا يهلك ولا يعذب أمة وقرية إلا بعد أن يرسل إليها رسولا يتلو عليها آياته ويبلغها دعوته. وثانيا: ويدور جدل حول ما إذا كان ما قررته الآية من قابلية الإنسان للاهتداء والضلال ومسؤوليته عن ذلك وعدم مسؤولية أحد عن عمل غيره متناقضا أو غير متناقض مع آيات أخرى فيها تقرير كون الله خالق كل شيء بما في ذلك أفعال الناس وكون ما يقع منهم إنما يقع بمشيئة الله. وهذا الجدل يدور حول كل عبارة مماثلة مما مرّت أمثلة منه. ولقد شرحنا هذا الأمر في المناسبات السابقة بما رأينا أنه الحق إن شاء الله. وإن كان من شيء نزيده هنا هو أن المتبادر من روح الآية ومقامها أنها على سبيل الإنذار والتنبيه ليكون في ذلك رادع وحافز للسامعين وأن الأولى أن تتلقى على هذا الاعتبار وتبقى في نطاقه. ومع ذلك فإن من الممكن أن يقال إن قابلية الإنسان للاهتداء والضلال التي تقررها هذه الآية وأمثالها بصراحة هي من مشيئة الله تعالى المودعة في جبلّته فيزول بذلك وهم التناقض الذي لا يصح أن يفرض بين العبارات القرآنية والله أعلم. وثالثا: وبين علماء الكلام القدماء جدل على هامش هذه الآية وأمثالها حول ما إذا كان يجب على الله تعالى إرسال الرسل لهداية الناس وما إذا كان يجب على الله تعالى جزاؤهم وفق أعمالهم. وما إذا كان يجب على الله تعالى الأصلح لهم.

مذهب السلف الصالح في فهم القرآن وأسباب انفتاح باب الجدل والكلام حوله

ومع أن القرآن قرر في مواضع عديدة مرّت أمثلة منها أن الله عز وجل لم يعذب الناس إلّا بعد أن يرسل إليهم الرسل والمنذرين ويكفروا برسالاتهم وبالله ويبغوا ويفسدوا. وإن عذاب من يعذبهم وثواب من يثيبهم منهم نتيجة لمواقفهم من دعوة رسله ومنذريه هو حق عليه. وأنه ليس بظلام للعبيد. فإننا نرى واجب السملمين اليوم أن يكفوا عن مجاراة علماء الكلام القدماء في ما كانوا يقولونه حينما كانوا يتجادلون مع بعضهم. وأن يكتفوا بما قرره القرآن ويقفوا عنده دون مماحكة ومراء وأن يتذكروا أن الله الحكيم العادل يعامل خلقه بمقتضى هاتين الصفتين وكفى. ورابعا: لقد أثار المفسر ابن كثير في سياق هذه الآية مسألة المصير الأخروي لمن يموتون في طفولتهم والمجانين والصمّ والبكم والذين لم تبلغهم دعوة ربانية بواسطة رسله وكتبه. وقد أورد ابن كثير أحاديث عديدة معزوّة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيها تضارب وغرابة ووصف بعضها بالمرفوع وبعضها بالضعيف. وليس فيها حديث صحيح يمكن الاحتجاج به نفيا وإثباتا في هذه المسألة ولم نطلع نحن أيضا على مثل هذا الحديث. وما دام في القرآن نصوص صريحة بأن الله لا يعذب إلّا بعد أن يرسل رسلا ومنذرين ويكفر الناس بهم وأن الله لا يكلف نفسا إلّا وسعها ويدخل في مدى هذا التكليف الرباني الذي يترتب عليه الثواب والعقاب والذي إنما يكون بالنسبة للراشدين العاقلين الذين تبلغهم رسالات الله بواسطة رسله فإننا نرى الأولى أن يوقف في هذه المسألة عند هذه النصوص من الوجهة الكلامية. ونرى في الوقت نفسه أن في إثارتها في نطاق وسياق الآية تكلفا لا ضرورة له ولا طائل منه، والله تعالى أعلم. مذهب السلف الصالح في فهم القرآن وأسباب انفتاح باب الجدل والكلام حوله ومن الجدير بالذكر في هذه المناسبة- ويصح أن يذكر في كل مناسبة مماثلة سابقة ولا حقة- أن السلف الإسلامي الأول رضي الله عنه كان يأخذ القرآن بمفهومه

[سورة الإسراء (17) : الآيات 16 إلى 17]

المتبادر الذي كان يعيش في جوه، ولا يحمّله غير ما يحمل ولا يحاول التخمين والتزيّد ولا يثير الإشكالات والفروض بسبيلها، وكل ما كان من ذلك قد كان بعد أن اشتدت الفتن والخلافات السياسية ومزجها أهلها بالدين واستغلوا نصوص القرآن وأوّلوها وفق أهوائهم، ثم ترجمت كتب المنطق والفلسفة اليونانية وولع بها بعض المسلمين وصاروا يطبقونها على النصوص القرآنية واندست بينهم عناصر مريبة، فتفاقم الخطب وانفتح باب الجدل والكلام على مصراعيه حتى كادوا يقفون عند كل آية ويتجادلون فيها، فأدى ذلك إلى شيء كثير من البلبلة والتشويش في سياق تفسير القرآن وتأويل آياته مما هو مبثوث في كتب علماء الكلام والشيعة وفرقها المتعددة. وأفضل خطة لنظر القرآن وفهمه هي خطة ذلك السلف الصالح التي نوهنا بها أولا، وتأويل القرآن بالقرآن ثانيا. والمتدبر في القرآن يرى معجزة باهرة فيه، حيث يجد في مكان ما تفسيرا وتأويلا وحلّا لعبارة ما في مكان آخر قد تثير في نفسه إشكالا أو وهما، بل وإنه كثيرا ما يجد ذلك في نفس الآية التي فيها العبارة أو في سياقها القريب السابق أو اللاحق. وهذا مصداق قول الله تعالى أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [82] النساء. وقد مرّت أمثلة كثيرة من ذلك في المناسبات السابقة ونبهنا إليها. [سورة الإسراء (17) : الآيات 16 الى 17] وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (16) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (17) (1) أمرنا: تعددت قراءة الكلمة كما تعدد تأويلها، فقرئت آمرنا بمعنى أكثرنا أي أكثرنا عدد المترفين. وأمّرنا بمعنى جعلناهم أمراء وسادة، وأمرنا بمعنى طلبنا

تعليق على آية وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها إلخ وتلقيناتها

منهم، وأوّل بعضهم جملة أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها [16] بمعنى أمرناهم بالطاعة ففسقوا بسبب ترفهم وانحرافهم. وأوّلها بعضهم بمعنى أغدقنا عليهم نعمنا فبطروا وفسقوا، ونفى المفسرون أن يكون معناها أمرناهم بالفسق لأن الله لا يأمر بالفحشاء على ما جاء في آية سورة الأعراف [28] والنفي سديد وحق. (2) مترفيها: الكلمة هنا كناية عن الزعماء والوجهاء والأثرياء لأنهم هم الذين تيسّر لهم أن يحيوا حياة الترف والنعيم. (3) فسقوا: عصوا وتمردوا. تعليق على آية وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها إلخ وتلقيناتها في الآيات تقرير رباني بأن الله تعالى إنما يهلك الأمة أو البلدة ويدمرها بفسق زعمائها ومترفيها ووجهائها وأثريائها إذا ما اغتروا بما صار لهم من مال وجاه فكفروا بنعمة الله وانحرفوا عن طريق الحق والفضيلة وبأن الله قد أهلك على هذا الوجه كثيرا من الأمم والمدن من بعد نوح، وهو الأخبر الأبصر بذنوب عباده وما يستحقون عليها من عذاب وعقاب. والآيات متصلة بسابقاتها كذلك اتصال سياق وتعقيب كما هو المتبادر، ويتبادر لنا أنها تنطوي على إنذار للكفار الذين هم موضوع الكلام وبخاصة لزعمائهم الذين حكت آيات كثيرة- مرت أمثلة عديدة منها- أنهم كانوا مغترين بقوتهم وأموالهم وأن ذلك جعلهم يقفون موقف المناوأة للدعوة النبوية التي خافوا منها على جاههم وزعامتهم وأموالهم. أما الإنذار لسائر الكفار المنطوي في جملة فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فهو في تنبيههم إلى أن نكال الله وتدميره لا يقتصر على المترفين الفاسقين ذوي الحكم والنفوذ بل سوف يشملهم أيضا إذا ظلوا يطيعونهم ويستجيبون إليهم ولا يستجيبون إلى دعوة الله تعالى. والكفار السامعون كانوا يعرفون أنباء نكال الله في الأمم السابقة على ما شرحناه في مناسبات سابقة فلزمتهم الحجة. وفي ذلك تلقين جليل مستمر المدى.

وليس من محل للتوهم بما جاء عليه أسلوب الآية. والظن بأن الله عز وجل يدمر قرية ما اعتباطا بدون سبب منها بأمر مترفيها أن يفسقوا فيها ليحل عليها القول كما ذهب إلى ذلك بعض الملحدين «1» . ويمنع هذا الظن الآية التي سبقت الآية والآيات التالية منعا حاسما كما يمنعه آيات كثيرة منها وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ هود [117] ووَ ما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ القصص [59] . ومع ما في هذا الشرح من تلقين مستمر المدى. ومع صواب تخريجات المؤولين لمدى الآية التي أوردناها في شرح العبارة سابقا فإنه يتبادر لنا أن الآية تنطوي على تقرير ناموس من النواميس التي أقام الله عليها المجتمعات البشرية. وهو أن المترفين إذا صار لهم الأمر في بلد ما وفسقوا فيها وسكت أهل البلد عليهم استحقوا الدمار والهلاك منهم. وهذا وارد في آية سورة الأنفال هذه وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [25] حيث توجب على المجتمع أن يمنعوا الفتنة فإن لم يفعلوا لا تقتصر عاقبتها على مشعليها فقط بل تصيب الجميع لأنهم قصروا في منعها. وفي هذا المعنى حديث رواه أصحاب السنن عن أبي بكر قال «سمعت رسول الله يقول إنّ الناس إذا رأوا الظّالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم بعقاب» . وقد يكون في الآية إلى هذا قصد التقرير بأن من النواميس التي أقام الله المجتمعات عليها أن يكون القائمون على المجتمع النافذون الحاكمون فيه صالحين أحيانا وفاسقين أحيانا فإذا ما تولاه الأخيرون صار أمره إلى الدمار والفساد. وقصد التقرير بأن للزعماء تأثيرا في حالة أممهم صلاحا وفسادا على اعتبار أنهم يتأثرون بهم ويقلدونهم. وقصد التنبيه إلى عظم مسؤولية هذه الطبقة وخطورة الدور الذي تقوم فيه في أممهم وبلادهم والتنويه بواجب الجمهور تجاههم فيؤيدونهم إذا كانوا صالحين ويقفون في وجههم إذا كانوا فاسقين. والله تعالى أعلم.

_ (1) انظر كتاب نقد الفكر الديني لصادق العظم.

[سورة الإسراء (17) : الآيات 18 إلى 21]

[سورة الإسراء (17) : الآيات 18 الى 21] مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً (18) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (20) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21) (1) العاجلة: كناية عن الدنيا وزينتها. (2) مدحورا: مطرودا ومبعدا. (3) محظورا: ممنوعا. في الآيات تقرير رباني بأن الله يمكن أن يحقق أمل من يشاء من الذين يرغبون في متاع الحياة الدنيا وزينتها فقط دون اهتمام بالعواقب ولكن مصير هؤلاء في الآخرة إلى جهنم يدخلونها مذمومين مطرودين من رحمة الله. أما الذين يفكرون في الآخرة ويحسبون حسابها ويفضلون ما فيها من خير دائم على متاع الحياة القصيرة فيؤمنون بالله ويعملون الأعمال الصالحة فإن سعيهم عند الله مشكور ومثاب عليه. وفيها تقرير رباني كذلك بأن ما يتمتع به هؤلاء وهؤلاء في الدنيا هو من فضل الله الذي يمدهم به على ما فيه من تفاضل وتفاوت، وبأن هذا التفاوت والتفاضل في الآخرة أعظم وأكبر. والآيات متصلة بسابقاتها اتصال تعقيب وسياق أيضا. والمتبادر أنه انطوى فيها تحذير وإنذار للكفار وتطمين للمؤمنين، فإذا كان الكفار وبخاصة زعماؤهم المترفون قد حظوا بالمال والجاه وشغلوا بهما عن الآخرة فسوف يكون مصيرهم إلى جهنم مذمومين مدحورين. أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنهم بذلك قد أرادوا الآخرة وسعوا لها سعيها وسوف تكون منزلتهم عند الله هي الفضلى والكبرى.

[سورة الإسراء (17) : الآيات 22 إلى 39]

وقد انطوى فيها تلقين مستمر المدى أيضا. فقد اقتضت حكمة الله تعالى ألا يمنع متاع الدنيا ووسائلها عن الناس وأن يكون ذلك في متناولهم فإذا شاء أن ييسر لأحد نصيبا وحظّا فليس معناه أنه راض عنه وإنما معناه أنه تحت الاختبار فعليه ألّا يكتفي بذلك ويغتر وينشغل به عن التفكير في العواقب وأن يفكر في الآخرة ويسعى في سبيل النجاة من أهوالها ونيل رضاء الله ونعيمه فيها بالإيمان والعمل الصالح. وواضح أن الآيات بهذا الشرح المستلهم من روح الآية والنصوص القرآنية الأخرى لا تتضمن تقبيح الاستمتاع بالحياة الدنيا وزينتها وإنما تتضمن التحذير من الاستغراق فيها استغراقا ينسى صاحبه التفكير في العواقب والقيام بواجباته نحو الله والناس. وجملة وَهُوَ مُؤْمِنٌ في الآية الأولى هي قيد تنبيهي سبق وروده في الآية [112] من سورة طه. ونبهنا على ما انطوى فيه من مغزى هام. فنكتفي بهذه الإشارة. [سورة الإسراء (17) : الآيات 22 الى 39] لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (22) وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً (23) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً (25) وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً (28) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (30) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (31) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً (32) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (33) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً (34) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (35) وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً (36) وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً (37) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (38) ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً (39)

(1) مخذولا: لا نصير له ولا مؤيد. (2) واخفض لهما جناح الذلّ من الرحمة: واخفض لهما جناحك متذللا من فرط رحمتك بهم. (3) الأوابين: التائبين الراجعين إلى الله. (4) وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا: بمعنى إذا لم تستطع مساعدتهم فورا وتأخرت في ذلك انتظارا ليسر تنتظره من الله فعليك أن تطيّب قلوبهم بالقول. (5) مغلولة إلى عنقك: مقيدة. والجملة كناية عن شدة الإمساك والتقتير. (6) محسورا: أصل الحسر بمعنى الكشف. والحسرة هي انكشاف ما كان مانعا من الغمّ. وقيل إن الحسر هو الكلال والعجز. والكلمة على كل حال بمعنى فناء جميع ما في اليد والعجز والحسرة بعد ذلك. (7) يبسط: يوسع. (8) يقدر: يضيق ويقتر ولعلّ معناها اللغوي هو أن الرزق أحيانا يكون بحساب وقدر محدود. وفي القرآن آيات تذكر مقابل ذلك أن الله يرزق من يشاء بغير حساب.

تعليق على مجموعة الوصايا الربانية الرائعة في السورة

(9) الإملاق: الفقر والعجز عن الإعالة. (10) خطأ: ذنبا وإثما. (11) إنه كان منصورا: إن له حق النصر والقصاص وليس له الإسراف في الانتقام. (12) القسطاس المستقيم: الميزان المضبوط السليم من الغش. (13) أحسن تأويلا: هنا بمعنى أحسن عاقبة، من الأيلولة. (14) ولا تقف ما ليس لك به علم: من القيافة وهي تتبع الأثر. ومعنى الجملة لا تتدخل فيما ليس لك به علم وشأن. الآيات واضحة الألفاظ والمعاني لا تحتاج إلى أداء آخر. والمتبادر أنها جاءت بعد الآيات السابقة لها التي ذكرت الفرق بين الراغب في الآخرة والساعي لها بالإيمان والعمل الصالح وبين المستغرق في الحياة الدنيا المنشغل بها عن التفكير في العواقب لتستطرد إلى بيان الحدود التي يجب على الناس أن يسيروا في نطاقها لنيل رضاء الله وضمان السعادة في الدنيا والآخرة معا. ويلمح صلة أخرى بين الآيات وبين أوائل السورة أيضا. فكما آتى الله موسى عليه السلام الكتاب وجعله هدى لبني إسرائيل وأوحى إليه بوصاياه وحكمه أنزل الله تعالى القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم وجعله هاديا للناس جميعا إلى التي هي أقوم، وأوحى إليه بوصاياه وحكمه كذلك. تعليق على مجموعة الوصايا الربانية الرائعة في السورة والآيات مجموعة رائعة من الحكم والوصايا المتصلة بعقيدة التوحيد وواجب الإنسان تجاه والديه وأقاربه والمساكين وأبناء السبيل والأيتام من برّ وقول معروف وحفظ حق، ثم واجب الاعتدال والقصد في حالة اليسر وعدم التبرّم بأحداث الحياة وضيق المعيشة وكثرة الولد في حالة الفقر والعسر. ثم واجب احترام أعراض الناس ودمائهم وعهودهم وأسرارهم واجتناب الإثم والفحش والبغي والكبر والخيلاء والتصدي للأمور بدون علم وبينة وفائدة بأسلوب قوي محكم الحلقات.

تعليق على الآية إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إلخ

وقد سبق في سورة الفرقان مجموعة رائعة. غير أنها جاءت بأسلوب التنويه بأخلاق عباد الله الصالحين، في حين جاءت هذه بصيغة الأوامر والنواهي والوصايا والإلزام والتنبيه، وهي من هذه الناحية ومن ناحية شمولها أجمع وأقوى جوامع القرآن في صدد الأخلاق الدينية والاجتماعية والشخصية التي من شأنها أن تكفل رضاء الله وعنايته، وأن تحفظ الناس من الشرور والمهالك وأن تضمن لهم السعادة والطمأنينة، وأن تبثّ فيهم روح التعاون والتراحم والإخاء، وأن تجنبهم ما لا يليق بالكرامة الإنسانية والشعور الإنساني من مواقف وحركات. ومما يحسن لفت النظر إليه أن الوصايا لم تذكر مجردة وإنما ردفت بأسباب التحسين والتقبيح العقلية وصيغت بأسلوب مؤثر مقنع مما امتاز به الأسلوب القرآني بوجه عام، كذلك من الجدير بالذكر أن الأوامر والوصايا جاءت بأسلوب الترغيب والتحذير والترهيب دون التشريع. لأن هذا إنما كان في العهد المدني الذي صار للمسلمين فيه دولة برئاسة النبي صلى الله عليه وسلم. ومع ذلك فمعظم ما نزل فيه تشريع مدني من المحذورات والمحظورات والواجبات والتكاليف قد ذكرت بأسلوب الترغيب والتحذير في القرآن المكي حيث ينطوي في هذا أن أسس الرسالة الإسلامية ومحكماتها أصيلة وطيدة منذ البدء. وفي هذا ردّ على المغرضين الذين يقولون كذبا وافتراء إن الإسلام ونبيّه قد تطوّرا وتحوّلا عمّا كانا عليه في العهد المكي حتى الجهاد الذي هو دفاعي في الإسلام قد احتوى القرآن المكي نواته في آية من آيات سورة الشورى على ما سوف نشرحه في مناسبته. تعليق على الآية إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إلخ هذه الآية جاءت في وضعها بمثابة تهدئة وتنبيه للناس. فقد جرت عادة الله عزّ وجل على بسط الرزق وتقتيره لأنه الأخبر الأبصر بمصالح عباده. وقد يلمح فيها مع ذلك إلى هذا والله تعالى أعلم قصد الإشارة إلى النظام

صور من تقاليد العرب وعاداتهم

الذي أقام الله عليه المجتمع البشري والذي من مقتضاه أن ينبسط الرزق لفريق ويضيق على فريق. أو أن ينبسط في ظرف ويضيق في ظرف آخر حسب نواميس الخلق والاجتماع والاقتصاد الربانية وما من آثار ذلك من تفاوت الناس في النشاط والمواهب والفرص. وهذا كله قد تكرر في آيات مماثلة في سور أخرى. منها آيات سورة الفجر فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (16) كَلَّا ... وقد نبهنا فيها إلى تلك النواميس. ومنها آيات سورة الروم [37] وسورة سبأ [36] والمعنى الملموح يبدو أكثر وضوحا في هاتين الآيتين على ما سوف نشرحه بعد. صور من تقاليد العرب وعاداتهم ولقد احتوت الآية [31] صورة من صور ما كان العرب أو بعضهم يفعله في الأزمات الغذائية حيث كانوا يقتلون أطفالهم تخلصا من كثرة العائلة وما تسببه من ضيق وإملاق والمتبادر أن هذه الصورة هي غير ما كان من عادة ذبح الأبناء قرابين للمعبودات والأصنام مما ينطوي في آية سورة الأنعام هذه وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (137) وهي على الأرجح غير ما كان من وأد البنات أحياء مما ذكرته آيات سورة النحل هذه وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (59) على ما سوف نشرحه بعد. واحتوت الآية [33] كذلك صورة لما كان عليه العرب في حالة وقوع حادث قتل حيث كان أولياء القتيل يسارعون إلى الأخذ بثأرهم اعتباطا فلا يتقيدون بقتل القاتل وإنما يقتلون غيره من ذوي قرباه ويسرفون أحيانا في الثأر والانتقام، لا سيما إذا كانوا أقوى من أرومة القاتل. وقد سلمت الآية بحق وليّ القتيل في القصاص ثم نهته عن إساءة استعمال هذا الحق. حيث انطوى في ذلك إيذان بالقضاء على عادة

تنويه بما احتوته الآيات من تلقينات هامة

جاهلية ظالمة وتنبه على أن المفسرين بالإضافة إلى حملهم الآية على ما ذكرناه حملوا جملة فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ على محمل آخر أيضا حيث قالوا إن الخطاب فيها موجه إلى من يريد أن يقترف فعل قتل من باب التحذير ولا يخلو هذا من وجاهة وإن كان حملها على أنها خطاب لولي المقتول أكثر وجاهة لأنه الأقرب للكلام. تنويه بما احتوته الآيات من تلقينات هامة ويلفت النظر خاصة: (1) إلى الوصية بالإخلاص لله وحده ثلاث مرات. مرتين في أول المجموعة ومرة في ختامها. ولعل الحكمة في هذا بالإضافة إلى أنه من أهم الأهداف الرئيسية للرسالة المحمدية هو قصد التوكيد على أن الإيمان بالله تعالى وحده وعبادته ونبذ ما سواه هو رأس كل خير وصلاح وسبب السعادة في الدنيا والآخرة. فهو يملأ القلب بالطمأنينة والشعور بالغنى عن الغير. ويجعل صاحبه يعزف عن الخضوع للغير ويلتزم أوامر الله ونواهيه التي فيها قوام الحياة وسعادة الدارين. (2) إلى التوكيد القوي النافذ على البرّ بالوالدين وجعله. في الذكر بعد حق الله تعالى على الإنسان حيث يدل هذا على عناية القرآن بهذا الواجب الإنساني العظيم. وقد تكرر هذا كثيرا في القرآن. وهو حقّا امتحان لقلب المرء وروحه وعاطفته وطويته وشكره وجحوده. فالذي لا يعترف بحق والديه ولا يقوم به على الوجه الأفضل التام أولى به ألّا يعترف بحق الله وحق الغير، والذي يقسو عليهما أولى به أن يكون أشد قسوة وكفرانا للغير. ولقد روى الطبري عن ابن عباس أن جملة وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً في الآية [24] قد نسخت باية سورة التوبة هذه ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (113) والمتبادر أن النسخ وارد بالنسبة للوالدين الكافرين إذا ماتوا كفارا وحسب. وأن الجملة هي مع ذلك بسبيل أمر الله تعالى للأولاد بأن يظلوا

معترفين بما كان لآبائهم عليهم من فضل العناية والتنشئة في ظرف طفولتهم وعجزهم وشدة الحاجة إلى ذلك. (3) إلى استعمال كلمة حَقَّهُ في سياق معاونة ذي القربى والمسكين وابن السبيل حيث انطوى فيها تقرير قوة الواجب على القادر تجاه أقاربه والطبقات المعوزة واعتبار ذلك حقا وليس منة. وذكر ذي القربى بخاصة ينطوي فيه تلقين بكون مساعدة ذوي القربى المحتاجين وغير المحتاجين قرينة من القرب. بالإضافة إلى ما فيها من صلة للرحم وتلقين الامتناع عما يقع كثيرا من الجنف والبغي بين الأقارب. (4) إلى النهي القوي عن التبذير ووصف المبذرين بإخوان الشياطين زيادة في التشديد والتنديد. وما ينطوي في ذلك من حظر إنفاق المال في غير وجهه الحق والنافع وبكلمة أخرى حظر إنفاقه في الترف السفيه في المسكن والملبس والزينة واللهو والفسق والفجور والاستعلاء والفساد في الأرض. في حين يكون السواد الأعظم من خلق الله مرتكسين في الحرمان والجوع والمرض. وتقرير كون ذلك من وساوس الشياطين المؤدية إلى الهلاك في الدنيا والآخرة. (5) إلى ما في جملة رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً (25) من تقرير كون نيات الناس وأخلاقهم هي المقياس لتصرف الله عز وجل نحوهم بالرحمة والنقمة مما قررته آيات عديدة بأساليب متنوعة مرّت أمثلة منها ومما فيه حثّ على الصلاح وتحميل الناس مسؤولية ما يقع عليهم. (6) إلى التعليم الرباني الجميل في حالة تعذر مساعدة المحتاج فورا وهو التصرف معه بالحسنى وتطييب خاطره وبعث الأمل فيه إلى فرصة أخرى ييسر الله فيها من رحمته ما يساعد على مساعدته. (7) إلى الأسلوب اللاذع القوي في النهي عن الخيلاء والزهو والكبر والغرور. فمهما بلغ المرء من أمر فهو إنسان كسائر الناس! ولن يخرق الأرض

بقدمه ولن يطاول الجبال برأسه. وأحرى به أن يعرف حده ويقف عنده وأن يعترف للآخرين بإنسانيتهم المماثلة لإنسانيته. (8) إلى الأمر بالوفاء بالعهد والتنبيه إلى أن الإنسان مسؤول عن عهده أمام الله. ولقد تكرر هذا الأمر بأساليب مختلفة في القرآن المكي ثم المدني. ووصل الأمر في ذلك إلى أن نزلت آية تأمر المسلمين بالوفاء بعهودهم مع الكفار حتى لو استصرخهم عليهم مسلمون تحت سلطانهم على ما جاء في آية سورة الأنفال هذه إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. (72) (9) إلى أن الوصايا قد انصبت على النهي عن كل ما فيه شذوذ عن توحيد الله عز وجل وعقوق للوالدين، وعدوان على دماء الناس وأموالهم وأعراضهم وظلم للضعفاء (ويمثلهم فيها اليتامى) وغدر ونكث للعهود، أو الذي فيه إسراف وتبذير وخيلاء. وهذا يلحظ في سلسلة سورة الفرقان حيث يؤيد هذا ما قلناه في سياق تفسير الآيات [31- 33] من سورة الأعراف وهو أن القرآن قد جرى على خطة بيان المحظورات وحسب، وأباح ما عداها مما ليس فيه شرك وإثم وإسراف وبغي وغدر وظلم. ويلفت النظر بخاصة إلى ما تضمنته الآيات مما يصح أن يسمى حكمة التشريع من بيان نفع ما أمرت بفعله وضرر ما نهت عنه وفي هذا خطاب للعقل وتنبيه للضمير. وهو ما تكرر كثيرا في الأوامر والنواهي القرآنية. ولقد علقنا في مناسبة سابقة على ما أعارته حكمة التنزيل لحق اليتيم وماله وحالته من عناية وأوردنا طائفة من الأحاديث في ذلك فلم نر ضرورة إلى التكرار بمناسبة ما جاء في الآيات من التنبيه على وجوب رعاية مال اليتيم. ولقد أورد المفسرون في سياق هذه السلسلة أحاديث نبوية مختلفة الرتب في

توكيد وتوضيح ما احتوته من أوامر ووصايا ربانية منها ما ورد في الصحاح ومنها ما لم يرد، وقد رأينا أن نجاريهم فنورد بعض ما ورد في كتب الصحاح منها كأمثلة للتساوق بين التلقين القرآني والتلقين النبوي. ففي صدد برّ الوالدين روى مسلم والترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رغم أنفه ثمّ رغم أنفه ثمّ رغم أنفه. قيل يا رسول الله من قال من أدرك والداه عنده الكبر أحدهما أو كلاهما ثمّ لم يدخل الجنّة» «1» وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «رضا الرّبّ من رضا الوالد وسخط الرّبّ من سخط الوالد» «2» . وفي صدد البرّ بالأرحام وذوي القربى روى البخاري ومسلم حديثا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سرّه أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه» «3» وروى البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم قال «قال النّبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنّة قاطع رحم» «4» . وفي صدد وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ أورد ابن كثير حديثا قال إنه في الصحيحين عن أسماء بنت أبي بكر قالت «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفقي هكذا وهكذا، ولا توعي فيوعي الله عليك، ولا توكي فيوكي الله عليك» . وفي صدد وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى أورد ابن كثير حديثا عن مالك الطائي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من ذنب بعد الشّرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا تحلّ له» . وفي صدد وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ روى البخاري ومسلم عن عبد الله ابن مسعود قال: «قلت يا رسول الله أيّ الذنب أعظم، قال أن تجعل لله ندّا وهو

_ (1) التاج ج 5 ص 4 و 6. (2) المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه ص 9 و 10. (4) المصدر نفسه.

خلقك، قلت ثمّ أيّ قال أن تقتل ولدك حشية أن يطعم معك» «1» . وفي صدد وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ روى البخاري وأبو داود عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما» «2» . وروى النسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لزوال الدّنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم» «3» . وفي صدد الوفاء بالعهد روى الأربعة عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خلّة منهنّ كانت فيه خلّة من نفاق حتّى يدعها إذا حدّث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر» «4» . وروى الشيخان والترمذي عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لكلّ غادر لواء يوم القيامة يعرف به يقال هذه غدرة فلان» «5» . وفي صدد وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ روى البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة قال «قال رسول الله إيّاكم والظّنّ فإنّ الظّنّ أكذب الحديث، ولا تحسّسوا ولا تجسّسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا» «6» وروى الترمذي عن عطية السعدي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتّقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا ممّا به البأس» «7» وروى أبو داود والترمذي عن أبي برزة الأسلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتّبعوا عوراتهم فإنّ من اتبع

_ (1) التاج ج 3 ص 4. (2) المصدر نفسه. (3) المصدر نفسه. (4) ج 4 ص 39. (5) ج 5 ص 41. (6) المصدر نفسه ص 27. [.....] (7) المصدر نفسه ص 166.

تعليق على صرف جملة وآت ذا القربى حقه إلى أقارب النبي صلى الله عليه وسلم

عوراتهم يتّبع الله عورته ومن يتبع الله عورته فضحه في بيته» «1» وحديث رواه الترمذي وأحمد والحاكم عن علي بن الحسين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» «2» . وفي صدد وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً روى الشيخان عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل يمشي قد أعجبته جبّته وبرداه إذ خسف به الأرض فهو يتجلجل في الأرض حتّى تقوم السّاعة» «3» وروى الشيخان والترمذي عن حارثة بن وهب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بأهل الجنّة، كلّ ضعيف متضاعف لو أقسم على الله لأبرّه، ألا أخبركم بأهل النّار كلّ عتلّ جوّاظ مستكبر» «4» . تعليق على صرف جملة وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ إلى أقارب النبي صلى الله عليه وسلم روى المفسر الشيعي الطبرسي في مناسبة آية في نفس صيغة هذه الآية في سورة الروم وهي الآية [38] عزوا إلى مجاهد والسدي من علماء التابعين أن هذه الآية هي خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة ليعطى أقاربه حقوقهم التي جعلها الله لهم في الغنائم والفيء. وروى عن أبي سعيد الخدري من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي لما نزلت الآية أعطى فاطمة فدكا «5» وسلّمها إليها. وعن أبي جعفر وأبي عبد الله من الأئمة الاثني عشر مثل ذلك. ثم روى أن المأمون ردّ فدكا إلى بني فاطمة بناء على هذه الروايات. وروى الطبري عن ابن الديلم في سياق تفسير سورة الإسراء أن علي بن الحسين رضي الله عنهما قال لرجل من أهل الشام «أما تقرأ في سورة

_ (1) التاج ج 5 ص 28. (2) التاج ج 1 ص 69. (3) التاج ج 3 ص 147. (4) التاج ج 5 ص 29 وهناك أحاديث كثيرة من بابها في كتب الصحاح وفي كتب التفسير وبخاصة في تفسير ابن كثير. (5) فدك من مستعمرات اليهود التي أفاءها الله على رسوله.

إسرائيل «1» وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ فقال له وإنّكم للقرابة التي أمر الله أن يؤتى حقّها قال نعم» . والمصحف الذي اعتمدناه ذكر في عنوان سورة الإسراء أن آية الإسراء التي نحن في صددها مدنية. وهذا ما تفيده الرواية المروية عن أبي سعيد الخدري أيضا وليس شيء من كل ذلك واردا في كتب الأحاديث الصحيحة. ولقد توقف الطبري في ما أورده عن ابن الديلم وقال إن الصواب أن الجملة هي خطاب للمؤمنين عامة لحثّهم على إعطاء ذوي قرباهم ما لهم من حقوق بالإضافة إلى المسكين وابن السبيل. ولقد أورد ابن كثير الرواية المروية عن أبي سعيد الخدري وقال إنها أشبه أن تكون من وضع الرافضة وإن الآية مكية، وفدك إنما فتحت في السنة السابعة بعد الهجرة. ثم صرف الجملة إلى المؤمنين عامة. مثل الطبري، ومعظم المفسرين السنيين صرفوها إلى المؤمنين عامة كذلك. وهو الصواب. ويزيد في وجاهة وفي غرابة صرف الجملة إلى أقارب النبي صلى الله عليه وسلم أن الجملة لم ترد منفردة في الآية بل جاءت مع ذكر المسكين وابن السبيل ومع النهي عن التبذير. وأعقبتها آية وصفت المبذرين بإخوان الشياطين. وآية أمرت بتطييب نفوس هذه الفئات إذا ما تعذر مساعدتها ماديا في الحاضر. والآية بعد منسجمة كل الانسجام في السياق نظما وموضوعا ومشابهة في الأسلوب للآيات المكية. وآية سورة الروم المماثلة لها مثلها تماما. ولا يذكر أحد أنها مدنية. وآية سورة الروم التي يسوق الطبرسي الروايات في مناسبتها منسجمة كل الانسجام مع سياقها أيضا. ونرجح بل نعتقد أن رواية مدنية آية الإسراء ملفقة لتعضيد ذلك الصرف لأنه يكون أكثر غرابة بل مستحيلا في حالة مكية الآية، لأن معظم أقارب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا في العهد المكي كفارا فضلا عن أن صرف جملة ذَا الْقُرْبى في آيات الفيء والغنائم محل نظر على ما سوف نشرحه في سياق هذه الآيات. والمشهور أن فاطمة رضي الله عنها راجعت أبا بكر رضي الله عنه ليعطيها فدكا إرثا عن رسول الله لأنها كانت فيئه. فقال لها ليس أحب إليّ من ذلك لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا نورث ما تركنا صدقة، إنّما يأكل آل محمد من هذا المال، ثم قال والله لا أدع أمرا رأيت

_ (1) سورة إسرائيل اسم ثان لسورة الإسراء.

[سورة الإسراء (17) : الآيات 40 إلى 44]

رسول الله يصنعه فيه إلّا صنعته» «1» وقد يكون المأمون العباسي قد ردّ فدكا لآل النبي وأعطى حصة من الغنائم والفيء لذي قربى رسول الله صلى الله عليه وسلم تأولا لآيات الغنائم والفيء مع القول إن ذلك ليس ثابتا يقينا. وليس من شأنه إذا صح أن يثبت شيئا من الروايات أو يجعل التأويل صحيحا. وإنما كان على الأرجح بل على اليقين من وحي الانفعالات الحزبية والاختلافات السياسية. وكلمة ذَا الْقُرْبى جاءت في الآية مع المسكين، ولقد كان الأقوياء في الأسر قبل الإسلام يتطاولون على حقوق المستضعفين من أقاربهم في الإرث وبنوع خاص النساء والأيتام، ولقد شدد القرآن في منع ذلك في سياق تشريع الإرث في آيات عديدة في سورة النساء في العهد المدني حيث صار التشريع الملزم ممكنا، فالمتبادر أن حكمة الله اقتضت التنبيه على هذا في السورة المكية والأمر بإعطاء ذي القربى حقه ولو كان بأسلوب الحث الذي كان هو الأسلوب المكي وأن لا يتطاول عليه بالنسبة للضعفاء من ذوي القربى. والله تعالى أعلم. [سورة الإسراء (17) : الآيات 40 الى 44] أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (40) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (41) قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً (42) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً (43) تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (44) . (1) أفاصفاكم: هل اختصكم واصطفاكم. (2) قولا عظيما: قولا عظيما في النكر والافتراء. (3) نفورا: بعدا وانصرافا.

_ (1) روى هذا الخمسة انظر التاج ج 2 ص 240.

(4) لابتغوا: لتطلعوا إلى ذي العرش وحاولوا أن يتجاوزوا عليه. الآيات واضحة والألفاظ والمعاني كذلك. والصلة ملموحة بينها وبين السياق السابق من حيث إن المجموعة والسابقة انتهت بالنهي عن اتخاذ إله آخر مع الله تعالى وأن هذه الآيات بدأت ملتفتة إلى الذين ينسبون إلى الله سبحانه ما لا يليق من اتخاذ والبنات ويشركون معه آلهة أخرى. وواضح من الضمير المخاطب في الآية الأولى أن التسفيه والتقريع موجهان إلى العرب الذين يسمعون القرآن، وأن تلك العقيدة هي من عقائدهم، وقد تكرر هذا في القرآن بأساليب متنوعة مرت أمثلة منها. وقد احتوت الآية الأولى حجة جدلية للمساجلة حيث أرادت تقرير كون هذه العقيدة قد فقدت أي شيء من المنطق إذ كيف يجوز أن يظن أصحابها أن الله يتخذ لنفسه البنات وهنّ في نظرهم أدنى من البنين في حين أنه هو الذي يمنحهم البنين. واحتوت الآية الثالثة حجة جدلية أخرى فلو كان لله سبحانه شركاء في كونه لما قبلوا أن يكونوا في مركز أدنى ولسعوا ليكونوا شركاء منافسين له في كل شيء. واحتوت الآيتان الأخيرتان تنزيها لله تعالى عن هذا اللغو الباطل وتقريرا بوحدة ربوبيته وخضوع كل شيء له وتسبيح كل شيء باسمه وحمده ثم تنويها بصفتي الغفور الحليم الربانيتين كأنما أريد بهما في هذا المقام أن الله سبحانه وتعالى بمقتضى صفتيه هاتين لا يعجل بالعذاب على الذين يعتقدون ويقولون تلك العقائد والأقوال التي لا تليق بحقه، ويحلم عليهم ويفسح المجال لهم للتوبة ويشملهم بغفرانه. وروح الآيات تلهم أن الذين كانوا يعتقدون أن لله سبحانه شركاء ويقولون إن الملائكة بناته كانوا يسلمون بأنه تعالى هو الإله الأعظم خالق الأكوان ومدبرها. مما ورد في آيات عديدة أوردناها في مناسبات سابقة. ومن هنا كانت الحجة ملزمة قارعة والتنديد محكما بليغا.

تعليق على تحديد عدد السموات بسبع

ولقد ذكر بعض المفسرين في صدد تسبيح ما في كون الله تعالى من موجودات متنوعة أقوالا ورووا روايات عديدة والرواية غير وثيقة الأسناد وفيها وفي الأقوال غرابة وتكلف ولم نر طائلا وفائدة في إيراد ذلك. على أن جمهورهم قرروا أن هذا التسبيح هو بلسان الحال وعلى معنى الخضوع لحكم الله ومطلق تصرفه وكون ما في الكون هو من صنعه وخلقه وقد منحه الله ما هو في حاجة إليه. وهذا هو الأوجه المتسق من العبارة فحوى روحا كما هو ظاهر. وقد تلهم الآية الأولى أن الآيات بسبيل التعقيب على مشهد جدلي وجاهي بين النبي صلى الله عليه وسلم والكفار حيث قال هؤلاء إننا نعتقد بالله وإنما نتخذ الملائكة شفعاء لديه لأنهم بناته فنزلت الآيات مفنّدة مقرّعة منزّهة. وهذا إن صح لا يتعارض مع ما قررناه من الصلة بينها وبين ما سبقها. تعليق على تحديد عدد السموات بسبع وهذه أول مرة يحدد فيها عدد السموات بسبع، وقد تكرر هذا في أكثر من سورة منها المكي ومنها المدني. وفي الإصحاحات الأولى من سفر التكوين التي ذكرت كيف بدأ الله تعالى خلق الأكوان وردت جملة (السموات والأرض) فقط بدون عدد. وهذه الجملة هي أكثر ما ورد في القرآن أيضا. وفي كتب التفسير والحديث أحاديث نبوية ورد فيها عدد السموات سبعا. ومن هذه الأحاديث ما ورد في الصحاح أيضا، وهذا واحد منها رواه الترمذي عن أبي هريرة قال «بينما نبيّ الله جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال هل تدرون ما هذا قالوا الله ورسوله أعلم، قال هذا العنان روايا الأرض يسوقه الله تعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه. ثمّ قال هل تدرون ما فوقكم، قالوا الله ورسوله أعلم، قال فإنها سقف محفوظ وموج مكفوف، قال هل تدرون كم بينكم وبينها، قالوا الله ورسوله أعلم قال بينكم وبينها مسيرة خمسمائة سنة. ثمّ قال هل تدرون ما

فوق ذلك، قالوا الله ورسوله أعلم قال فإنّ فوق ذلك سماءين ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة حتّى عدّد سبع سموات ما بين كلّ سماءين كما بين السّماء والأرض. ثمّ قال هل تدرون ما فوق ذلك قالوا الله ورسوله أعلم قال فإنّ فوق ذلك العرش. وبينه وبين السّماء بعد مثل ما بين السماءين. ثمّ قال هل تدرون ما الذي تحت ذلك قالوا الله ورسوله أعلم قال فإن تحتها الأرض الأخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة حتّى عدّد سبع أرضين بين كلّ أرضين مسيرة خمسمائة سنة. ثمّ قال والذي نفسي بيده لو أنكم دلّيتم رجلا بحبل إلى الأرض السّفلى لهبط على الله. ثم قرأ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (3) «1» وليس في هذا الحديث ولا في غيره من الصحاح إيضاح للماهية. ومع واجب الإيمان بما يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيكال ما لا يدرك تأويله عقل الإنسان إلى الله تعالى فإنه يلمح من الحديث حكمة صدوره وحكمة حديثه وهي التنويه بعظمة الله تعالى وقدرته وعظمة كونه كما هو المتبادر. ولم نطلع في كتب التفسير على شيء معقول وثيق في ماهية السموات السبع إلا ما جاء في الجزء الأول من محاسن التأويل للقاسمي الذي قال فيه إن بعض علماء الفلك قالوا إن السموات السبع هي السيارات السبع في العالم الشمسي وإن بعض علماء اللغة ذكروا أن عدد (سبع) و (سبعين) و (سبعمائة) يورد أحيانا للتعبير عن الكثرة في مراتب الآحاد والعشرات والمئات. ومهما يكن من أمر فإن ورود العدد في الآية بحرف التعريف قد يدل على أن سامعي القرآن من العرب أو كان بعضهم يعرفون أن عدد السموات سبع، وإن المتبادر من صيغة الآية وروحها أن ذكر العدد فيها ليس بقصد تقرير فني عددي لذاته وإنما هو بقصد التنويه بأن جميع ما خلق الله تعالى خاضع له مسبح بحمده

_ (1) التاج ج 4 ص 226 و 227 انظر حديثا طويلا آخر رواه البخاري فيه ذكر السموات سبعا ج 3 ص 230- 233.

[سورة الإسراء (17) : الآيات 45 إلى 48]

اعترافا بربوبيته وعظمته بسبيل الرد على الذين يزعمون أن له أولادا وشركاء من هؤلاء السامعين وتسفيههم. ونرى الأولى الوقوف عند ذلك دون تزيد ولا تخمين مع استشفاف حكمة التنزيل في ذكر ذلك وهو التنبيه على ما في سموات الله من عظمة وروعة. ولا تخمين، مع الإيمان بقدرة الله على كل شيء وحكمته في كل ما جاء في القرآن. ولما كانت السموات من أعظم ما تروع الأذهان والأبصار من مشاهد كون الله وعظمته وكان العدد مما يسمعه السامعون فيكون التنويه بذلك من تلك الحكمة، والله أعلم. [سورة الإسراء (17) : الآيات 45 الى 48] وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (45) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً (46) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (47) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (48) . (1) أكنة: جمع كنان بمعنى الغشاوة. (2) الوقر: بفتح الواو بمعنى الصمم. (3) وإذ هم نجوى: إذ هم وحدهم يتسارّون. (4) انظر كيف ضربوا لك الأمثال: انظر كيف شبهوا حالتك بما في أذهانهم من صور وأمثال. الخطاب في الآيات موجّه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها وصف لحالة الكفار وعنادهم وحكاية لبعض أقوالهم، وهي متصلة والحالة هذه بالآيات السابقة اتصال تعقيب واستطراد.

والآيتان الأوليان قد توهمان أنهما تقرران بأن الله عز وجل يحجب الكفار الذين لا يؤمنون بالآخرة وحسابها عن النبي صلى الله عليه وسلم ويغلق قلوبهم وآذانهم دون فهم القرآن حينما كان يتلوه عليهم، غير أن التمعن فيهما وفي الآيتين التاليتين لهما يزيل ذلك التوهم ويبين أنهما في الحقيقة في صدد وصف شدة عنادهم وغلظ قلوبهم وتصاممهم ونفورهم. فهم في حالة كحالة المضروب بينه وبين الحق حجاب فلا يراه، والمغطّى على قلبه فلا يتأثر به والأصمّ فلا يسمعه، وفي سورة لقمان آية يمكن أن تكون قرينة على صحة هذا التأويل وهي وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (7) ووصف الكفار بوصف الذين لا يؤمنون بالآخرة في الآية الأولى وبوصف الظالمين في الآية الثالثة وحكاية قولهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم مسحور والتنديد بهم في الآية الرابعة مؤيد كذلك لهذا التأويل المتطابق مع تأويل المفسرين على اختلاف في الصيغة والأسلوب «1» ، ومثل هذا ورد بأساليب متنوعة في سور سابقة مثل سورتي يس والأعراف. والمتبادر أن في العبارة في الوقت نفسه تطمينا وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم: فلا ينبغي أن يحزن وييأس من موقف الكفار وأقوالهم، فهم من غلظ القلب وعمى البصيرة وخبث الطويّة ما يجعلهم محجوبين عن التأثر بالقرآن وفهمه، وليس هو المسئول عن ذلك ولا المكلّف بالتغلب عليه وإنما هو نذير وبشير. على أن من الممكن أن يقال هنا ما قلناه في مناسبات سابقة مماثلة وهو أن هذه الآيات بسبيل تسجيل واقع أمر الكفار حين نزولها، لأن كثيرين من الذين عنتهم قد أسلموا بعد الهجرة وبخاصة بعد الفتح المكي. والآية الثانية تؤيد ما قلناه في مناسبة الآيات السابقة وغيرها بأن الكفار لم يكونوا جاحدين الله تعالى وإنما كانوا يشركون معه شركاء فينفرون حينما يذكر وحده بدون شركائهم أو شفعائهم.

_ (1) انظر تفسير الطبري وابن كثير والزمخشري والطبرسي.

[سورة الإسراء (17) : الآيات 49 إلى 52]

والآيتان الثالثة والرابعة تشيران إلى ما كان الكفار يقولونه للمؤمنين حينما كانوا يسمعون القرآن ويرون شدة تأثرهم به، وحينما كانوا يتسارّون فيما بينهم، حيث كانوا يقولون لهم إنكم تتبعون رجلا مسحورا، وقد نددتا بهم ووصفتاهم بالظلم والضلال والعجز عن الحجة والتمحل بالافتراء الباطل. وبتشبيههم حالة النبي صلى الله عليه وسلم بما في أذهانهم من صور وأمثال لا يمكن أن تنطبق عليه، مما عنته آية انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا. (48) والآية الثالثة تحتمل أن تكون بسبيل تقرير أن الكفار كانوا يعيرون المؤمنين ويسفّهون رأيهم مواجهة أيضا، ويساعد على هذا الاحتمال صيغة الخطاب في عبارة تَتَّبِعُونَ وفي هذا صورة لما كان يقع بين المسلمين والكفار من صلات وحجاج ونقاش. والمتبادر أن الكفار حينما كانوا يصفون النبي صلى الله عليه وسلم بالمسحور كانوا يريدون أن يقولوا إنه فيما يقوله وينذر به من أمر الآخرة والحساب والجنة والنار يشبه حالة المسحور الذي يرى ما لا يرى حقيقة، ويتوهم وجود ما لا وجود له حقيقة، وينذر بشيء لا يدخل في نطاق العقل والواقع والممكن، وفي الآيات التالية توكيد لذلك. [سورة الإسراء (17) : الآيات 49 الى 52] وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (49) قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (50) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً (51) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً (52) . (1) رفاتا: ذرات بالية. (2) ينغضون رؤوسهم: يهزونها هزة استنكار أو استهزاء.

[سورة الإسراء (17) : آية 53]

(3) تستجيبون بحمده: قيل معناها تستجيبون لأمره، وقيل تستجيبون إليه مسبحين حامدين رغم أنوفكم. الآيات متصلة كما هو المتبادر بما سبقها واستمرار لها في صدد حكاية موقف الكفار ومشاهد حجاجهم الوجاهية، حيث احتوت حكاية سؤالهم الاستنكاري عن صحة ما ينذرهم به النبي صلى الله عليه وسلم من البعث بعد أن يصبحوا عظاما بالية، وعن موعد هذا البعث وعمن يبعثهم، وحيث أمرت النبي صلى الله عليه وسلم بتوكيد ذلك لهم حتى لو كانوا حجارة أو حديدا أو شيئا أشد استعصاء على الإعادة والإرجاع، وبإخبارهم بأن ذلك قد يكون أقرب كثيرا مما يظنون، وبأنهم حينما يدعون ويبعثون سيدركون ما يكون من وفاء الله بوعده حتى إنهم ليظنون أنهم لم يلبثوا بين الموت والبعث إلّا فترة قصيرة ويستجيبون لأمره مسبحين حامدين له برغم أنوفهم، معترفين بقدرته وعظمته، وحيث حكت إصرارهم على الإنكار والجحود وهزهم لرؤوسهم استنكارا واستهزاء حينما قيل لهم إن الله الذي خلقهم أول مرة هو قادر بطبيعة الحال على بعثهم ثانية. وفي الآيات صورة من صور الجدل الذي كثيرا ما كان يحتدم بين النبي صلى الله عليه وسلم والكفار وبخاصة حول البعث والحساب، وأسلوب من أساليب الحجاج التي كانت تختلف باختلاف المواقف. وقد احتوت حجة ملزمة مستمدة من عقيدتهم بأن الله هو الخالق الفاطر مما تكرر في القرآن ومرت منه أمثلة عديدة. [سورة الإسراء (17) : آية 53] وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً (53) . (1) عبادي: المرجح أن المقصود بالكلمة المسلمون. (2) ينزغ: يدس ويوسوس ويفسد.

تعليق على آية وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن وظروفها وتلقينها

في الآية أمر للنبي صلى الله عليه وسلم ليبلغ عباد الله المسلمين أن يقولوا التي هي أحسن، أو ألّا يتجادلوا إلّا بالتي هي أحسن، وأن يتجنبوا المخاشنة وأن يحذروا من وساوس الشيطان ودسائسه بينهم فهو ألدّ أعداء الإنسان. تعليق على آية وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وظروفها وتلقينها وقد روى الزمخشري في كشافه أن الآية نزلت في مناسبة مشادّة وقعت بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ورجل من الكفار فبدر من هذا كلام بذيء، فهمّ عمر رضي الله عنه بتأديبه. كما روى الطبرسي في مجمع البيان أنها نزلت بمناسبة طلب المسلمين الإذن بقتال المشركين الذين يؤذون المسلمين. وليس ما يمنع صحة إحدى الروايتين. غير أن وحدة أسلوب السياق تلهم أن الآية تضمنت إشارة إلى الحادث في سياق قرآني عام، وأنها استمرار للسياق السابق الذي احتوى صورا لما كان يحتدم بين المسلمين والكفار من جدل. فأمرت النبي صلى الله عليه وسلم تبليغ المسلمين بوجوب الجدل بالتي هي أحسن واجتناب العنف والإثارة مع الكفار الذين يلعب الشيطان في عقولهم. فذلك أحرى أن يسد الباب على الشيطان وأن يؤلف القلوب ويخفف العناد ويحمل على الرجوع إلى الصواب. وقد قال بعض المفسرين إن الوصية في الآية عائدة إلى تعامل المسلمين فيما بينهم «1» . ومع أن هذا مما وصّى به القرآن في مواضع عديدة على ما سوف نشرحه في مناسباته فإن صرف الكلام في الآية إلى ما بين المسلمين والكفار هو الأوجه والمستلهم من روحها وسياقها وقد قال به غير واحد من المفسرين أيضا «2» . وفي سورة الجاثية آية فيها شيء من الصراحة والتأييد وهي هذه قُلْ لِلَّذِينَ

_ (1) انظر تفسيرها في مجمع البيان للطبرسي. والغريب أن هذا المفسر هو الذي روى أن سبب نزولها طلب المسلمين الإذن بقتال الذين يؤذون المسلمين من المشركين. (2) انظر تفسيرها في كشاف الزمخشري وتفسيري ابن كثير والطبري.

[سورة الإسراء (17) : آية 54]

آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (14) وقد نزلت في مناسبة مماثلة على ما رواه المفسرون «1» . وفي الآية تلقين جليل مستمر المدى فيما احتوته من الأمر بالمحاسنة واللين وقول التي هي أحسن والمجادلة بالتي هي أحسن. لأن المخاشنة والعنف مما يوسع الخلاف ويثير العداء والحقد ويدفع إلى العناد والمكابرة. ويغطي على الحق والحقيقة مطلقا. وسواء أكان ذلك في سياق الجدل والمناظرة أو التعامل فيما بين المسلمين وغيرهم أو فيما بين المسلمين أنفسهم. وقد تكرر هذا الأمر في سور أخرى عديدة مكية ومدنية مما يدل على ما أعارته حكمة التنزيل من عناية له. وفي كتب التفسير أحاديث متنوعة في صدد ذلك. منها ما ورد في كتب الصحاح، من ذلك حديثان رواهما الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدة فتخلفه» «2» و «كفى بك إثما ألا تزال مخاصما» «3» وحديث رواه الأربعة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنّ الله رفيق يحبّ الرّفق ويعطي على الرّفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه» «4» وحديث رواه أبو داود ومسلم عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا عائشة ارفقي فإنّ الرّفق لم يكن في شيء إلّا زانه ولا نزع من شيء قطّ إلا شانه» «5» . [سورة الإسراء (17) : آية 54] رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (54) .

_ (1) انظر تفسير الآية في ابن كثير والكشاف مثلا. (2) المصدر نفسه. [.....] (3) المصدر نفسه. (4) المصدر نفسه. (5) المصدر نفسه.

[سورة الإسراء (17) : آية 55]

قال غير واحد من المفسرين «1» إن ضمائر الجمع المخاطب في الآية عائدة إلى الكفار الذين هم موضوع الكلام في السياق السابق، وقال بعضهم إنها عائدة إلى المسلمين أو سامعي القرآن إطلاقا «2» والقول الأول هو الأوجه المستلهم من روح الآيات والسياق أيضا. وقد أوّلها أصحاب هذا القول بأنها تتضمن أمرا للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول للكفار إن أمركم بيد الله وهو أعلم بكم إن شاء رحمكم فتاب عليكم وهداكم، وإن شاء خذلكم فبقيتم على كفركم. أما خاتمة الآية ففيها التفات إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله لم يجعله وكيلا عنهم ولا مسؤولا عن هدايتهم وكفرهم، وكل ما عليه أن ينذرهم ويبشرهم، مما ينطوي فيه تسلية له إزاء مواقف الحجاج والعناد التي يقفها الكفار من دعوته. وواضح من هذا أن الآية غير منقطعة عن السياق السابق. ولقد انطوى فيها تعليل لمشيئة الله تعالى فيهم على ما هو المتبادر. فهو تعالى أعلم بما في ضمائرهم وقلوبهم فيهدي من فيه الخير والرغبة في الهدى فيدخل في نطاق رحمته، ويخذل من لم يتوفر فيه ذلك فيكون مصيره إلى العذاب على حد ما جاء في آية سورة الرعد هذه وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (27) وآية سورة إبراهيم هذه يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (27) وبهذا يزول ما يمكن أن يحيك في صدر القارئ من وهم من ظاهر عبارة الآية. [سورة الإسراء (17) : آية 55] وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (55) . لم يروا المفسرون رواية في مناسبة هذه الآية. وهي معطوفة على ما سبقها. وقد بدئت بما بدئت به الآية السابقة حيث يسوغ هذا القول إنها استمرار للسياق.

_ (1) انظر تفسير الآية في القاسمي والكشاف والطبري والخازن. (2) انظر تفسيرها في ابن كثير.

وقد تضمنت الآية السابقة لها تقرير كون الله تعالى كما هو أعلم بما في ضمائر الكفار فيرحم بمشيئته من يكون أهلا للرحمة ويعذب من يكون أهلا للعذاب، فجاءت هذه الآية بعدها لتقرر أن الله أعلم بكل من في السموات والأرض، وقد فضل- نتيجة لذلك- بعض النبيين على بعض وآتى- نتيجة لذلك- داود الزبور. وهذا الشرح الذي يلهم الآية يوثق الصلة بين الآية وسابقاتها موضوعا أيضا. وقد قال بعض المفسرين «1» إن في الآية ردّا على الذين كانوا ينكرون فضل النبي صلى الله عليه وسلم على سائر النبيين. ومع أن فضل النبي صلى الله عليه وسلم مؤيد في آيات ومظاهر عديدة منها أنه خاتم الأنبياء، وأن القرآن مهيمن على الكتب السابقة، وأن الله قد أرسله بالهدى ودين الحق ووعد بأن يظهر دينه على سائر الأديان فإننا نتحفظ في كون الآية قد تضمنت ما قاله المفسرون. والزبور هو على الأرجح المزامير التي تعزى إلى داود عليه السلام في سفر من أسفار العهد القديم المتداولة اليوم. وعددها في هذا السفر مئة وخمسون وفيها تمجيد وتسبيح وابتهالات لله تعالى بليغة المبنى والمعنى، فيها كثير من المواعظ والأمثال والحكم. واسم داود مذكور في نصفها ويرافقه عبارة لإمام (الغناء) في بعضها والنصف الثاني غفل من الأسماء أو مذكور فيه أسماء أخرى وصفوا في بعضها بنفس العبارة. وظاهرها أنها من إنشاء من ذكرت أسماؤهم فيها. وهذا لا يتعارض مع جملة وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً ولا مع كون ما عزي إلى داود منها هو من وحي الله تعالى وإلهامه. ويقول البغوي في سياق تفسير الآية، إن الزبور كتاب علّمه الله داود ويشتمل على مائة وخمسين سورة (وهذا عدد جميع المزامير في السفر) كلها تمجيد ودعاء وثناء على الله عز وجل. ليس فيها حرام ولا حلال ولا فرائض ولا حدود. وقد يفيد هذا أن سفر المزامير كان مترجما وأن المفسر قد اطلع عليه. ووفاة هذا المفسر كانت في عام 516 هـ.

_ (1) انظر تفسير الآية في الطبرسي والخازن والكشاف والقاسمي مثلا.

تعليق في صدد تفضيل الأنبياء بعضهم على بعض

تعليق في صدد تفضيل الأنبياء بعضهم على بعض لقد ذكر المفسرون في صدد تفضيل بعض النبيين على بعض أن من مظاهر ذلك اتخاذ الله تعالى إبراهيم خليلا. وهو ما ذكرته آية النساء [125] وتكليمه لموسى مباشرة وخلقه عيسى بدون أب. وجعله محمدا خاتم النبيين، وإيتائه موسى ومحمدا كتبا فيها تشريعات وأحكام في حين لم يكن في زبور داود مثل ذلك واختصاصه نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى مع النبي بالذكر والميثاق في بعض الآيات مثل آية الشورى [13] المكية وآية الأحزاب المدنية [7] وتأييده عيسى بروح القدس في بعض الآيات مثل آيات البقرة [87 و 253] وإنطاق عيسى في المهد كما جاء في آيات آل عمران [46] والمائدة [110] ومريم [14- 23] وفي هذا وجاهة ظاهرة. ولقد نبّه ابن كثير في سياق هذا الموضوع والآية إلى أنه ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا تفضّلوا بين الأنبياء» ثم قال إن هذا النهي هو بسبيل النهي عن التفضيل لمجرد التشهّي والعصبية لأنه لا خلاف في فضل بعضهم على بعض وفي فضل الرسل على الأنبياء من غير الرسل وفي فضل النبي محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء. وهذا أيضا وجيه سديد يدعمه النص القرآني في الآية التي نحن في صددها وفي آية سورة البقرة هذه تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ... [253] ويدعمه بالنسبة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم نعت القرآن له بأنه خاتم النبيين آية الأحزاب [40] وكون دينه مرشحا للظهور على سائر الأديان آية الفتح [28] وآية التوبة [33] وآية الصف [9] كما يدعمه أحاديث عديدة صحيحة منها حديث رواه الشيخان والترمذي عن أبي هريرة قال «قال النبي صلى الله عليه وسلم إنّ مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلّا موضع لبنة من زاوية فجعل النّاس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلّا وضعت هذه اللبنة، قال فأنا اللبنة وأنا خاتم النّبيين» «1» وحديث رواه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان

_ (1) التاج ج 3 ص 204 و 206 وهناك أحاديث أخرى فاكتفينا بما أوردناه.

[سورة الإسراء (17) : الآيات 56 إلى 57]

يوم القيامة كنت إمام النّبيين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر» «1» . [سورة الإسراء (17) : الآيات 56 الى 57] قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً (56) أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً (57) . (1) الوسيلة: الطريقة إلى الزلفى والتقرب إلى الله. (2) محذورا: واجب الاتقاء والحذر. في الآيتين عود على بدء في تحدي الكفار وتسفيه شركهم بالله، فهي والحال هذه متصلة بالسياق الذي ما يزال يدير الكلام بعد مجموعة الوصايا على الكفار المشركين ويندد بهم ويحكي مواقفهم وأقوالهم. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيها أن يقول لهم- متحديا مسفها منذرا- ادعوا الذين تدعون من دون الله فإنكم إنما تدعون عبثا لأنهم لا يملكون كشف الضرّ عنكم ولا تحويلا له. وإنهم هم أنفسهم يتحرون الطريقة المثلى التي تقربهم إلى الله أكثر ويرجون رحمته ويخافون عذابه الذي ينبغي على خلق الله جميعهم خشيته والحذر منه. ولقد تعددت الروايات التي يرويها المفسرون عن أهل التأويل في المقصود من جملة مِنْ دُونِ اللَّهِ البقرة [23] منها عن ابن مسعود أنهم نفر من الجن كان يعبدهم العرب فأسلموا ولم يعرف العرب إسلامهم فظلوا على عبادتهم إياهم فأنزل الله الآية. ومنها عن ابن عباس أنهم المسيح وأمه والعزيز والشمس والقمر. ومنها عن قتادة أنهم الملائكة. واستبعد الطبري المسيح وأمه والعزيز لأنهم غير موجودين وقت نزول الآية. ورجح رواية ابن مسعود، ويتبادر لنا أن الكلام أوسع

_ (1) التاج ج 3 ص 204 و 206 وهناك أحاديث أخرى فاكتفينا بما أوردناه.

[سورة الإسراء (17) : الآيات 58 إلى 59]

وأهم من نفر من العرب يعبدون نفرا من الجن أسلموا. فضلا عن أن إسلامهم لو صحّ هو إخبار غيبي ليس فيه حجة على العرب. ونرى القول أنهم الملائكة هو الأصوب المتساوق مع السياق القريب الذي ذكر فيه عقيدة العرب بأن الملائكة بنات الله وأنهم شركاء مع الله. وكانوا يعبدونهم على سبيل الانتفاع بهم كما حكته آيات عديدة مرّ بعضها. [سورة الإسراء (17) : الآيات 58 الى 59] وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (58) وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً (59) (1) كان ذلك في الكتاب مسطورا: بمعنى أن ما قررته الآية التي وردت فيها الجملة هو سنة الله المستمرة الحتمية التي قضاها منذ الأزل في علمه. (2) مبصرة: آية بينة واضحة. (3) فظلموا بها: كفروا بها وعتوا على الله وعقروا الناقة. وفي الآية الأولى تقرير رباني بأنه ما من قرية أو أمّة إلّا سوف تهلك قبل يوم القيامة سواء أكان ذلك بسنة الكون الطبيعية أم بالعذاب الرباني، وأن هذه هي سنة الله التي كانت ولن تزال مقررة في علمه المحيط الأزلي. وفي الآية الثانية تقرير رباني كذلك بأن الله لم يمتنع عن إظهار الآيات والمعجزات على يد النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلّا بسبب تكذيب الأمم السابقة لرسلهم وعدم تأثرهم بالمعجزات التي كان يظهرها على أيديهم، كما كان ذلك من ثمود مثلا الذين أظهر الله تعالى لهم الناقة آية من آياته البينة فكفروا بآيات الله ورسوله وظلموا، وأن الله إنما يرسل الآيات لتخويف الناس وإنذارهم حتى يرتدعوا عن ضلالهم وغوايتهم ويسلكوا سبيله القويم.

تعليق على الآية وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا والآية التالية لها

تعليق على الآية وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً والآية التالية لها لقد روى الطبري في سياق تفسير الآيتين عن سعيد بن جبير من علماء التابعين أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم «إن سرّك أن نؤمن بك ونصدّقك فادع ربّك أن يكون جبل الصّفا ذهبا. فأوحى الله إليه إن شئت أن نفعل الذي قالوا فإن لم يؤمنوا نزل العقاب فإنّه ليس بعد إظهار المعجزة مناظرة إن لم يؤمنوا وإن شئت استأنيت بهم قال يا ربّ استأن» . والرواية لم ترد في كتب الصحاح، ووحدة السبك بين الآيتين والآيات السابقة واللاحقة والصلة الملموحة بين الآيتين وما سبقهما حيث انتهت الآيات السابقة بالتخويف من عذاب الله وجاءت الآيتان على أثرها تؤكدان قدرة الله على إيقاع هذا العذاب، كل هذا يجعلنا نرجح أن الآيات سياق متصل وأن الآيتين لم تنزلا في مناسبة ما طلبه المشركون من النبي صلى الله عليه وسلم ولا تنفي بهذا ما ترويه الرواية من مطلب المشركين التعجيزي. ومن المحتمل أن يكون قد وقع منهم في ظروف نزول السورة، ولقد كان الكفار ينكرون البعث ويستهترون بما ينذره القرآن بإنزال العذاب، ويتحدون النبي صلى الله عليه وسلم بالتعجيل به مما حكته عنهم آيات عديدة مرّت أمثلة منها في السور التي فسرناها قبل. ومن المحتمل أن يكون هذا أيضا قد تكرر منهم في ظرف نزول السورة فاقتضت حكمة التنزيل أن تتضمن الآيتان الرد عليهم في الأمرين في سياق ذكر مواقفهم والتنديد بها. وقد انطوى في الردّ الأول إيذان بأن هلاك السامعين أمر محتم لأنه سنة ربانية عامة. وفي هذا الردّ تسلية وتطمين للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وإنذار للكافرين، فلا محل ليأس الأولين أو فرح الآخرين، إذا ما تأخر ذلك وقتا ما. وانطوى في الردّ الثاني تعليل لعدم إظهار الآيات على يد النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

وهو أن الله إنما يرسل الآيات للتخويف، وقد ظهر من التجارب السابقة أن ذلك لم يجد، ولم يؤد إلى نتيجة إيجابية، وفي هذا إيذان قرآني بأن المعجزات التي كان الله يظهرها على أيدي رسله السابقين لم تكن للإقناع بصحة رسالة الرسل بالذات. وبأن حكمة الله تعالى اقتضت أن لا تظهر معجزة على يد النبي محمد صلى الله عليه وسلم استجابة لطلب الكفار لأنها لن تؤدي إلى نتيجة إيجابية. وهذا المعنى قد جاء صريحا في آيات سورة الأنعام [109- 111] وآية سورة الرعد [31] ويلمح في هذا أن المعجزة ليست ضرورية لإقناع الكفار بصحة الدعوة التي يدعو إليها رسول الله لأنها دعوة إلى توحيد الله عز وجل ومكارم الأخلاق الضامنة لسعادة الدارين واجتناب الشرك والفواحش مما لا ضرورة لإثبات صوابها وصحتها إلى معجزة خارقة، والقرآن الذي احتوى مبادئ هذه الدعوة هو آية الله العظمى ويهدي للتي هو أقوم كما جاء في آية سابقة في هذه السورة. وجاء هذا في آيات سورة العنكبوت هذه صريحا قويا وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) حيث قررت أن في القرآن الغناء والكفاية والرحمة والذكرى لمن يرغب حقا في الإيمان والهدى. وعلى ضوء رواية سعيد بن جبير وآيات أخرى مرّت أمثلة منها في سورتي الشمس والقمر آيات الشمس [10- 15] وآيات القمر [22- 31] ذكرت أن الله قد أهلك ثمود حينما كفروا وعقروا الناقة من جهة أخرى قد يكون انطوى في الرد القرآني المنطوي في الآية الثانية من الآيتين موضوع التعليق إيذان بأن حكمة الله قد اقتضت تأجيل إهلاك كفار العرب بالعذاب الدنيوي كما جرى لأمثالهم ليكون لهم مهلة أخرى قد يرعوون فيها. ولقد تكرر الإيذان بهذه الحكمة في آيات أخرى مرّت أمثلة منها الآية [45] من سورة فاطر. ولقد ظهرت آثار حكمة الله ومصداقها في ما كان من ارعواء كثير من الذين كفروا بالرسالة المحمدية وناوأوها في بدء الأمر.

[سورة الإسراء (17) : آية 60]

[سورة الإسراء (17) : آية 60] وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْياناً كَبِيراً (60) . الآية معطوفة على ما سبقها وهي مماثلة له نظما بحيث يمكن القول إنها استمرار للسياق. والخطاب في شطرها الأول موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه تذكير له بما قاله الله له من أن ربّه أحاط بالناس. وفيه إخبار أيضا بأن الله تعالى قد جعل الرؤيا التي أراه إياها والشجرة الملعونة في القرآن فتنة واختبارا للناس. وكأنما أريد بذلك أن من لم يؤمن بخبر الرؤيا والشجرة الذي يخبر به النبي لا يؤمن بالآيات التي قد يظهرها الله تعالى على يده فلا يبقى لها محل ولا فائدة. وبهذا التقرير المستلهم من روح الآية وفحواها تظهر الصلة الموضوعية أيضا بين الآيات السابقة وهذه الآية. وقد انتهت الآية بالتنديد بالكفار موضوع الكلام الذين يخوفهم الله فما يزدادون إلا طغيانا كبيرا. تعليق على الآية وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ ... إلخ ولقد روى الطبري عن الحسن وقتادة ومجاهد أن جملة أَحاطَ بِالنَّاسِ بمعنى منعهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عصمه منهم. وقد تبدو وجاهة هذا التأويل إزاء الفقرة الأخيرة من الآية التي تقرر أن الكفار لا يخافون بما يخوفهم الله به بل يزدادون طغيانا حيث يرد على البال أن الآية نزلت في ظرف اشتد فيه طغيانهم ومناوأتهم فاقتضت حكمة التنزيل تطمين النبي صلى الله عليه وسلم. ومثل هذا التطمين تكرر في آيات عديدة مكية ومدنية وظروف قد تكون مماثلة من ذلك آيات سورة الحجر هذه فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) وآيات الصافات [171- 175] وغافر [51] والذاريات [49] والمائدة [97] . وتعبير وَإِذْ قُلْنا لَكَ يفيد أن ما احتوته الآية قد سبق الوحي به للنبي صلى الله عليه وسلم، فإمّا أن يكون أريد به بعض الآيات التي وردت في سور سابقة النزول فيها شيء من

معنى التطمين مثل آيات سورة ص [11] والقمر [44- 45] وإمّا أن يكون نزل في هذا الأمر قرآن ثم رفع لحكمة ربانية. وإما أن يكون وحيا غير قرآني فيه هذا التطمين. وفي القرآن صور يمكن أن ينطبق عليها هذا الأمر الأخير، فقد جاء في سورة الأنفال مثلا هذه العبارة وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وهذا الوعد لم يرد في القرآن وقد روي حديث فيه ذلك حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم بدر «سيروا وأبشروا فإنّ الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين» . ولقد تعددت الأقوال المدوية عن أهل التأويل من أصحاب رسول الله وتابعيهم في صدد الرؤيا والشجرة الملعونة. فهناك حديث يرويه البخاري والترمذي عن ابن عباس جاء فيه «الرّؤيا هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به. والشّجرة الملعونة هي شجرة الزّقوم» وروى الطبري عن ابن عباس أن الرؤيا هي الحلم الذي رأى النبي صلى الله عليه وسلم فيه نفسه يدخل مكة بعد الهجرة فسار إلى مكة للزيارة بوحي هذا الحلم فمنعه المشركون فقال ناس إن رسول الله قد ردّ وكان حدثنا أنه سيدخل مكة فكانت رجعته بدون زيارة فتنتهم. وهذه الرواية تقتضي أن تكون الآية مدنية، لأن الرؤيا التي سار النبي صلى الله عليه وسلم بها إلى الزيارة وكانت كما قلنا بعد الهجرة وكان نتيجة لسير النبي بأصحابه صلح الحديبية بينه وبين كفار قريش ونزلت فيها سورة الفتح، وليس هناك ما يؤيد مدنية الآية، وليس لها أي مكان ومناسبة في السياق الذي هو في صدد كفار مكة ومواقفهم، ومع كل هذا فإن جمهور المفسرين يرجحون أن الرؤيا هي الرؤيا التي أراها الله لرسوله في الإسراء. وهو ما نراه الأوجه وبخاصة لأن الإسراء مما أخبر به القرآن في هذه السورة، وكانت رؤيا خاصة بمدركات النبي أخبر بها إخبارا على ما شرحناه في سياق الآية الأولى من السورة. وفي الأحاديث الواردة في صدد الإسراء والمعراج حديث يذكر أن بعض المسلمين ارتدوا حينما أخبر النبي بخبر الإسراء والمعراج فكان ذلك هو ما عنته جملة وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ. وفي صدد الشجرة الملعونة نقول إنه بالإضافة إلى الحديث الذي رواه البخاري والترمذي عن ابن عباس الذي أوردناه قبل والذي يذكر أنها شجرة الزقوم

هناك رواية تذكر اسم شجرة أخرى كان يقال لها الكشوت، ورواية أن الآية عنت اليهود الذين لعنهم الله في القرآن. غير أن جمهور المفسرين على أنها الزقوم، وقد رووا في أن أبا جهل وغيره من زعماء الكفار قالوا إن محمدا يعدكم بنار تحترق فيها الحجارة ويزعم أنه ينبت فيها شجرة تأكلون منها زقوما. فكان ذلك سببا لاشتدادهم في التكذيب، وأن هذا هو معنى الفتنة التي كانت بسبب الشجرة. وفي سورة الصافات آيات فيها أن الشجرة كانت فتنة للظالمين وهي أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) وقد تكون في الآيات قرينة على صحة الرواية والله أعلم. وقد يكون هناك إشكال في عدم ورود لعن للشجرة في القرآن. وقد علل المفسرون ذلك بتعليلين أحدهما أن وصف الملعونة عائد لآكلها فيكون تقدير الجملة (الشجرة المذكورة في القرآن الملعون آكلوها في القرآن) وقد سبق للشجرة ذكر في سورة الواقعة التي نزلت قبل هذه السورة. وثانيهما أن العرب يصفون كل كريه الطعم بالملعون فيكون تقدير الجملة (الشجرة المذكورة في القرآن الملعونة الطعم) وكلا التعليلين وارد. والله تعالى أعلم. وننبه على أن الطبري يروي في صدد جملة وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ مفادها أن النبي رأى في منامه بني فلان- وهذه عبارة الطبري- ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك فما استجمع ضاحكا حتى مات، وأنزل الله الآية. وفي تفسير الخازن والكشاف إيضاح حيث جاء في روايتهما «أن النبي رأى في منامه ولد الحكم بن أمية يتداولون منبره فساءه ذلك» وهذه الرواية تقتضي أن تكون الآية مدنية لأنه لم يكن بني مسجد ومنبر إلا في المدينة. وليس لهذا أي سند ولا مناسبة في سياق في صدد مواقف كفار قريش. ومنبر النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده في مدينته هو درجة أو درجتان وحسب. ونحن نعتقد أن الرواية من مصنوعات الشيعة. وفي تفسير الطبرسي الشيعي رواية عن الإمامين أبي جعفر وأبي عبد الله أن الشجرة الملعونة في القرآن هي بني أمية، والهوى الحزبي والتعسف بارزان على هذه الروايات شأن كثير مما يرويه مفسرو الشيعة.

[سورة الإسراء (17) : الآيات 61 إلى 65]

[سورة الإسراء (17) : الآيات 61 الى 65] وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً (61) قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً (62) قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً (63) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (64) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً (65) (1) كرّمت عليّ: فضلته وكرمته عليّ. (2) لأحتنكن: لأحتجزن ولأمنعن وقيل بمعنى لأستأصلن، من احتنك الجراد الأرض. (3) استفزز: حرك وأثر بفسادك ووسوستك. (4) أجلب عليهم بخيلك ورجلك: الإجلاب بمعنى السوق أو الهجوم بشدة وضجة. وخيلك بمعنى خيّالتك، ورجلك بمعنى رجالك المشاة. والمقصود بالجملة: هاجمهم وأحطهم كما تشاء من الشدة بجنودك الراكبين والمشاة. (5) ليس لك عليهم سلطان: ليس لك عليهم تأثير وسيطرة. في الآيات تذكير بموقف إبليس وعناده واستكباره عن الخضوع لله والسجود لآدم حسب ما أمره وحكاية ما كان بينه وبين الله من حوار، وتحديه بفعل ما يقدر عليه لصرف الناس عن الإيمان بالله. وتقرير كونه عاجزا عن التأثير في الطيبين الصالحين من عباد الله، ووعد بأن جهنم ستكون جزاءه وجزاء من يتبعه، وبيان بأن ما يزينه الشيطان للناس ويعدهم ليس إلّا من قبيل الإغراء والتغرير. والآيات متصلة بسابقاتها واستمرار للسياق في الوقت نفسه على ما هو المتبادر من نظمها وعطفها على ما سبقها. وقد احتوت تعليلا تطمينيّا للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لموقف الكفار وتكذيبهم وعنادهم وتنديدا بهم بحيث يبدو أنها أرادت تقرير كون الكفار يتبعون الشيطان ويغترون بما يزينه ويوسوسه لهم. وأن مصيره ومصيرهم إلى جهنم. وأنه إنما يؤثر في أمثالهم ممن خبثت طويتهم وغلظت

[سورة الإسراء (17) : الآيات 66 إلى 69]

قلوبهم. أما عباد الله المؤمنون فلن يكون له سلطان عليهم وتأثير فيهم. والتنديد بالكفار مستحكم لأنهم يعرفون إبليس وغوايته على ما ذكرناه في سياق تفسير سورة ص. والتعبيرات التي استعملت في الآيات بالنسبة لإبليس مستعارة على ما هو المتبادر من الأساليب العربية وخطابهم ومع هذا فقد رأينا بعض المفسرين «1» يقولون إن لإبليس خيّالة ومشاة ووسائل حرب وتهييج، وأنه يشارك الناس المنحرفين في أكلهم وشربهم ومعاشراتهم الجنسية، دون سند وثيق. وفي هذا تكلف من جهة ودخول في ماهيات غيبية لا طائل من ورائه من جهة أخرى، والحكمة والعبرة في النص القرآني بارزتان وهذا من مقاصده الجوهرية وكفى. [سورة الإسراء (17) : الآيات 66 الى 69] رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (66) وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً (67) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (68) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً (69) . (1) يزجي: يسوق ويسيّر. (2) لتبتغوا من فضله: كناية عن الكسب والارتزاق البحري. (3) الضرّ: هنا بمعنى خطر البحر ودواره. (4) ضلّ من تدعون إلّا إياه: بمعنى ذهب عن بالكم كل من تدعونه غير الله كما تفعلون في غير وقت الخطر. (5) كفورا: جاحدا للجميل والفضل والنعمة. (6) حاصبا: رجوما من الحجارة.

_ (1) انظر تفسير الآيات في الطبري والكشاف وابن كثير والخازن مثلا.

[سورة الإسراء (17) : آية 70]

(7) لا تجدوا لكم وكيلا: لا تجدوا لكم نصيرا ولا محاميا. (8) قاصفا من الريح: ريحا شديدة تقصف ما أمامها وتحطمه. (9) تبيعا: من يتتبع ثأركم ويأخذه منّا. الآيات واضحة المعاني والألفاظ. وهي متصلة بما سبقها اتصالا تعقبيّا واستطراديا كما هو المتبادر. وفيها أسلوب قرآني آخر من أساليب الدعوة والإلزام والإفحام كما هو ظاهر. وهي بسبيل تذكير السامعين بأفضال الله عليهم بما ييسره لهم من أسفار البحر والنجاة من أخطاره، وفيها تنديد بالمشركين الذين لا يستغيثون به إلّا حينما يقعون في الخطر ثم يعودون إلى شركهم وسخفهم بعد النجاة كفرا بنعمة الله وفضله وجحودا كأنما هم قد أمنوا انتقام الله منهم في البر خسفا أو رجما، أو في البحر حينما يعودون إليه مرة أخرى. [سورة الإسراء (17) : آية 70] وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً (70) تعليق على آية وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ... إلخ جاءت الآية معقبة على الآيات السابقة. وقد تضمنت تقريرا ربانيا بما اقتضته حكمة الله من تكريمه لبني آدم ورزقهم من الطيبات وتيسير سيرهم في البرّ والبحر وتفضيلهم على كثير من مخلوقاته. والتنويه المنطوي في الآية رائع عظيم. ومجيء ذلك بعد آيات قصة آدم وإبليس محكمة المناسبة وبالإضافة إلى ما في تكريم الله المذكور في القرآن بأمر الملائكة بالسجود لآدم كما جاء في الآيات السابقة للآية وفي ست سور أخرى فإن مظاهر هذا التكريم ذكر القرآن أن الله خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه كما جاء في سورة ص [77] وجعله وبالتبعية خلفاء في الأرض وقد ردّ على الملائكة المعترضين على ذلك بأن ذلك من مقتضى حكمته التي لا يعلمونها. وتعليمه من دونهم الأسماء كلها كما جاء في آيات سورة البقرة [30- 33] . ومن هذه المظاهر وصف

[سورة الإسراء (17) : الآيات 71 إلى 72]

القرآن بأن الله خلق الإنسان في أحسن تقويم كما جاء في سورة التين وبأن الله صور بني آدم على أحسن صورة كما جاء في آية سورة غافر [20] وغيرها مما مر منه أمثلة عديدة. ومن هذه المظاهر ذكر القرآن أن الله قد سخر لهم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة كما جاء في آية سورة لقمان [20] وآيات عديدة أخرى مرّت أمثلة منها. وإن الله قد اختصهم بالتكليف دون سائر خلقه كنتيجة لما شاءت حكمته من خلق الاستعداد فيهم للكمال الذهني والعقلي وتحمل مسؤولية أعمالهم كما هو المستفاد من آيات كثيرة جدا مرّت أمثلة منها وبخاصة من آيات سورة الأحزاب [72- 73] . ولقد قال ابن كثير في سياق الآية إنه استدل بهذه الآية على أفضلية جنس البشر على جنس الملائكة، وأورد حديثا أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عمرو قال «قال رسول الله ليس من شيء أكرم على الله يوم القيامة من ابن آدم. قيل يا رسول الله ولا الملائكة، قال ولا الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر» ، والحديث لم يرد في الصحاح. ولكن فحواه متساوق مع الآية في مدى تقرير ما لبني آدم عند الله من كرامة ومتساوق مع آيات البقرة [30- 33] ومتساوق مع أمر ربهم للملائكة بالسجود لآدم تكريما له. والمتبادر المستلهم من روح الآية ومقامها أنها بسبيل تقرير وإيجاب حق الإخلاص لله عزّ وجلّ وحده والاعتراف بفضله ونعمه ونبذ ما سواه في كل ظرف على بني آدم تجاه هذا الإيذان الرباني بتكريمهم وإيجاب العزوف عنهم عن كل ما يشين إنسانيتهم ويحط من كرامتهم التي حباهم الله بها في سلوكهم الخاص والعام. [سورة الإسراء (17) : الآيات 71 الى 72] يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (71) وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (72) (1) إمامهم: قيل إنها بمعنى رسولهم، وقيل إنها بمعنى كتاب أعمالهم، وقيل إنها بمعنى علاماتهم.

[سورة الإسراء (17) : الآيات 73 إلى 75]

(2) لا يظلمون: لا ينقص من أعمالهم ولا يغبنون فيها. (3) فتيلا: الخيط الرفيع وهنا كناية عن الشيء التافه. في الآيتين تقرير رباني بأن الله تعالى يدعو الناس يوم القيامة ويعطي كلّا منهم كتب أعمالهم، فمنهم من يعطون كتبهم باليمين وهم المهتدون فيقرأونها فرحين مستبشرين ولا ينقص الله تعالى من أعمالهم شيئا مهما كان تافها، أما الذين كانوا في الدنيا عميا ضالين فيكونون في الآخرة أشدّ عمى وضلالا وخسرانا. والآيتان متصلتان بالسياق اتصال تعقيب واستطراد أيضا كما هو المتبادر. ولقد شرحنا موضوع كتب الأعمال وتوزيعها يوم القيامة وما ينطوي في ذكر ذلك بالأسلوب الوارد في القرآن من حكمة في سياق تفسير سورتي القارعة وق فلا ضرورة للإعادة. والمتبادر أن تعبير أَعْمى الأول هو مجازي للتعبير عن الذين لم يروا نور الهدى في رسالة النبي وكتاب الله وكفروا بهما في الدنيا. والثاني هو للمشاكلة ومن مقاصد التعبير الأول التنديد والثاني الإنذار والله تعالى أعلم. [سورة الإسراء (17) : الآيات 73 الى 75] وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (74) إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً (75) (1) ليفتنونك: هنا بمعنى ليصرفونك أو ليحملونك على العدول والرجوع. (2) خليلا: صاحبا. (3) لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات: لأذقناك عذابا مضاعفا في الحياة وعذابا مضاعفا بعد الممات على ما ذكره المفسرون. في الآيات تنبيه رباني للنبي صلى الله عليه وسلم بأن الكفار كادوا يصرفونه عما أوحى الله إليه

تعليق على الآية وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره

ويحملونه على العدول عنه ومسايرتهم بوعد اتخاذهم إياه خليلا وصاحبا، وبأنه كاد أن يستجيب إليهم لولا أن ثبته الله، ولو فعل لاستحق من الله عذابا مضاعفا في الحياة وبعد الممات. وتبدو الآيات لأول وهلة منفصلة موضوعا عن السياق السابق، وقد احتوت إشارة إلى موقف خطير واقعي بين النبي صلى الله عليه وسلم والكفار وصورة من صور السيرة النبوية. ويتبادر لنا من وحدة السبك التي تجمع بين الآيات وسابقاتها أن هذا الموقف لم يكن فوريّا نزلت الآيات بسببه وإنما كان قبل ذلك فذكرته الآيات استطرادا بمناسبة ذكر مواقف الكفار ومكابرتهم وطغيانهم كلما ذكروا بآيات الله، ومن هنا يكون السياق غير منقطع كما هو المتبادر. تعليق على الآية وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ ولقد تعددت الروايات التي رواها المفسرون في صدد هذا الموقف فمنها أن فريقا من الكفار اقترحوا على النبي صلى الله عليه وسلم السكوت عن شتم آلهتهم وتحقيرها ليحاسنوه، ومنها أنهم اقترحوا الإبقاء على بعض تقاليدهم وطقوسهم مدة من الزمن، ومنها أنهم اقترحوا أن يسمح لهم بتكريم آلهتهم بعض التكريم. ومنها أنهم اقترحوا أن يلمّ بآلهتهم أي يمرّ بها ويمسها كما يفعل بالحجر الأسود على سبيل التبرك، ومما جاء في الروايتين الثانية والثالثة أنهم وعدوه- إذا فعل- أن يؤمنوا به، ومما جاء في الرابعة أنهم أرادوا أن يمنعوه من الحجر الأسود والطواف ما لم يلمّ بآلهتهم أي أوثانهم التي كانت في فناء الكعبة «1» ، وهناك رواية خامسة وردت في الجزء الأول من الطبقات لابن سعد تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى من قومه كفّا

_ (1) انظر تفسير الآيات في كتب تفسير الطبري وابن كثير والخازن والبغوي والزمخشري والطبرسي.

عنه، تمنى فقال ليته لا ينزل عليّ شيء ينفرهم مني وقارب قومه ودنا منهم ودنوا منه. وجلس يوما مجلسا من ناد حول الكعبة فقرأ عليهم وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (1) حتى إذا بلغ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (20) ألقى الشيطان كلمتين على لسانه وهما (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى) ثم مضى فقرأ السورة كلها وسجد وسجد القوم معه جميعا وقالوا قد عرفنا أن الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده فأما إذ جعلت لها نصيبا فنحن معك فكبر ذلك على الله فلما أمسى أتاه جبريل فقال له قلت على الله ما لم يقل فأوحى إليه وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ إلى قوله ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً (75) وبلغ الخبر للمهاجرين في أرض الحبشة بأن أهل مكة أسلموا فبادروا إلى العودة حتى إذا كانوا دون مكة لقوا ركبا من كنانة فسألوهم فقالوا ذكر محمد آلهتهم بخير فتابعوه ثم ارتد عن ذلك وعاد إلى شتم آلهتهم فعادوا له بالشر فائتمر العائدون فعاد أكثرهم ثانية إلى الحبشة وعاد معهم آخرون مجددا. وقليل منهم رحل إلى مكة بجواره، وإن الحادث وقع في السنة الخامسة من البعثة «1» . وليس شيء من هذه الروايات واردا في كتب الصحاح، ومع ذلك فروح الآيات ومضمونها متسقان مع رواية ما من الروايات الأربع دون الخامسة بقرينة ما حكته بعض الآيات من أمل كان يداعب الكفار بمداهنة النبي لهم ليداهنوه كما جاء في سورة القلم وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وكانوا يحلفون له فأمره الله في الآيات التالية لهذه الآية بعدم طاعتهم ثم حمل عليهم حملة قارعة على ما سبق شرحه في تفسير السورة. هذا مع التنبيه على أن عبارة الآيات صريحة بأن ما حكته كان خاطرا وقع في نفس النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعله. بقيت الرواية الخامسة، ولقد رواها المفسرون في سياق تفسير آيات سورة الحج هذه وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي

_ (1) انظر الصفحات 189- 191 من الجزء الأول من طبقات ابن سعد مطبعة نشر الثقافة الإسلامية في القاهرة.

أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (53) ورووا أن هذه الآيات أذهبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الحزن الذي ألمّ به من معاتبه جبريل. وبعضهم روى مع هذه الرواية أن النبي كان يقرأ سورة النجم وهو يصلي في فناء الكعبة فجرت تلك العبارتان على لسانه. وهذه الرواية واهية موضوعا ومدى وسياقا وظرفا فإنه لا يمكن أن يصدر ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي كانت محاربته الشرك والمشركين بأية صفة من أهم أسس رسالته، والذي كان هذا الأساس من أكثر وأقوى ما نزل عليه من القرآن. وهو مناقض للعصمة النبوية التي قررها الله خاصة فيما يبلغه عن ربه حين يقول وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (4) النجم: [3- 4] ومضمون الآية التي نحن في صددها والآيات التالية لها التي هي منسجمة معها كل الانسجام لا يمكن أن يتحمل ذلك عند التدبر وإنعام النظر فضلا عن أن الآية الأولى من آيات سورة الحج تعني أن كل نبي ورسول قد أجرى الشيطان على لسانه مقاطع غير ما أنزل الله وأن هذا هو سنة جارية مما هو غريب كل الغرابة ومتهافت كل التهافت. وما رواه بعضهم من أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم وهو يصلي بالمؤمنين في فناء الكعبة لا يؤيده أي خبر لأن النبي والمؤمنين ما كانوا في ظروف نزول الآيات يستطيعون بل ولم يستطيعوا في أي ظرف في مكة أن يصلوا جماعة وجهرا وعلى ملأ من المشركين في فناء الكعبة. والرواية تذكر أن النبي قال قولا أي وقع منه فعل في حين أن الآية تقول إنهم كادوا يفتنونه عن الذي أوحي إليه. وسياق آيات النجم لا يمكن أن يتحمل استطرادا من هذا القبيل لأنه مصبوب على تسفيه الكفار لاتخاذ الأصنام الثلاثة آلهة وتسميتها بأسماء الإناث ونسبتها إلى الله تعالى كبنات له، ونفي احتمال شفاعتهم لأحد إلّا بإذن الله ورضائه. وسورة الإسراء نزلت في النصف الأول من العهد المكي، ولم يكن المهاجرون إلى الحبشة قد هاجروا بعد. ولقد توقف معظم المفسرين الباحثين في الرواية وبخاصة في صدور

المقطعين عن النبي صلى الله عليه وسلم وفندوها سندا وموضوعا وأوردوا أقوال كثير من العلماء بالتفنيد بالإضافة إلى تفنيداتهم «1» . وحاول بعضهم أن يوفق بين الرواية والمقاطع وعصمة الرسول على غير ضرورة فقال إن المقاطع لم تجر على لسان رسول الله وإنما هتف بها الشيطان للفتنة. ومنهم من قال إن المشركين هم الذين هتفوا بها ردا على النبي صلى الله عليه وسلم حينما تلا سورة النجم. ورواية وصول خير مبالغ فيه بتحسن الحالة في مكة وإسلام أهلها قد تكون صحيحة بذاتها لأن هناك ما يفيد أن بعض المهاجرين عادوا إلى مكة. ولعل ذلك كان من ركيزة من افتراء المفترين وتضخيمهم. وكما أن مضمون آيات الإسراء وظروف نزولها وطبيعة مهمة النبي صلى الله عليه وسلم تتنافى مع رواية الغرانيق فإنها تتنافى أيضا مع القول إن النبي صلى الله عليه وسلم جنح إلى تساهل ما في أسس الدعوة وعقيدة التوحيد. وكل ما في الأمر على ما تلهمه روح الآيات ومضمونها أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان شديد الحرص على تحويل الكفار عن موقفهم منه وشديد الغمّ والحزن من انصرافهم عنه ومناداتهم له تلقى في لحظة من لحظات أزماته النفسية من جراء هذه الموقف بعض مقترحات من فريق معتدل من الكفار توقع في نفسه أن يستجيب إلى شيء منها على رجاء أن يكون ذلك وسيلة إلى جلبهم واستجابتهم للدعوة. وهذه حالة نفسية ليست مستحيلة الوقوع من وجهة الطبيعة البشرية. والنبي بشر مثل سائر البشر إزاء حالات النفس، وقد حكى القرآن ما كان من أزماته النفسية تجاه مواقف العناد والأذى التي كان يقفها زعماء الكفار مرارا عديدة مرت أمثلة منها لما حكى ما كان من تكرار محاولات الزعماء المعتدلين حمله على المسايرة والمداهنة ليسايروه ويداهنوه مرارا مرّت أمثلة منها كذلك. ولقد ثبته الله تعالى في هذا الموقف كما ثبته في غيره، لأنه لا يصح أن يكون

_ (1) انظر تفسير آيات الحج في الطبري والنيسابوري وابن كثير والبغوي والنسفي وانظر فصلا طويلا في ذلك للقاسمي في محاسن التأويل.

مساومة ولا حلّ وسط في دين الله الحق والمبادئ المحكمة التي قررها الله في قرآنه وقد أرسله لمحاربة الشرك بكل أنواعه ومظاهره وليكون الدين لله وحده. وفي هذا من التلقين الجليل المستمر المدى ما فيه من الروعة والجلال. وننبه على أن هناك رواية يرويها المفسرون تذكر أن الآيات التي نحن في صددها نزلت في ثقيف الطائف الذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم أجلنا سنة حتى يهدى لآلهتنا فإذا قبضناه أسلمنا وكسرنا الآلهة وفي رواية أنهم طلبوا أن يعفيهم النبي من الانحناء في الصلاة وكسر أصنامهم بأيديهم وأن يتمتعوا باللات سنة أخرى، وفي رواية أنهم قالوا نحب أن تسمع العرب أنك أعطيتنا ما لم تعط غيرنا وأنه خطر لباله أن يستجيب إلى شيء مما طلبوه فأنزل الله الآيات. وهذه الرواية يرويها الطبري والبغوي عن ابن عباس دون أن يرد فيها أن الآيات مدنية كما هو المقتضى لأن وفد ثقيف جاؤوا إلى النبي في السنة التاسعة من الهجرة، والمصحف الذي اعتمدناه يذكر أن هذه الآيات مدنية. وهذا يتفق مع مقتضى الرواية، وورود الآيات في سورة مكية، وفي سياق حكى فيه مواقف جدل الكفار وعنادهم. وورود روايات عديدة مؤيدة بقرائن قرآنية بتقدم بعض زعماء مكة باقتراحات متنوعة بسبيل حمل النبي صلى الله عليه وسلم على التساهل معهم. ووحدة السبل التي تجمع بين الآيات السابقة لها التي لا خلاف في مكيتها وانسجام السياق السابق واللاحق معا. وكل ذلك يحمل على الشك في رواية مدنية الآيات وبالتالي في رواية نزولها في صدد وفد ثقيف. هذا، وفيما احتوته الآيات دلالة ذات خطورة بالغة من ناحية أخرى وهي تلقي النبي صلى الله عليه وسلم الآيات التي احتوت تنبيها وعتابا وإنذارا خاصا له على اعتبارها وحيا قرآنيا وإثباتها وتسجيلها كذلك حيث ينطوي في هذا مظهر من مظاهر العصمة النبوية في تبليغ كل ما يوحى به إليه مهما كان. وحيث ينطوي فيه كذلك دليل آخر على صدق وعمق شعور النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي القرآني وكونه غير نابع من ذاته. ولقد تكرر هذا أكثر من مرة. ومن هذا القبيل آيات سورة القيامة [16- 19] وسورة طه [114] وسورة عبس [1- 10] التي مرت وآيات في سور أخرى مكية ومدنية.

[سورة الإسراء (17) : الآيات 76 إلى 77]

[سورة الإسراء (17) : الآيات 76 الى 77] وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً (76) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً (77) (1) ليستفزونك: ليثيرونك. (2) خلافك: بعدك أو من خلفك. في هاتين الآيتين إشارة ربانية إلى أن إزعاج الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ حدّا كادوا أن يستفزوه ويثيروه ويجعلوه يخرج من مكة وتوكيد تطميني بأن الأمر لو وصل إلى هذا الحد لكانوا عجّلوا على أنفسهم بالعذاب ولما بقوا معافين منه بعده أمدا طويلا، لأن ذلك سنة الله التي جرت مع الرسل والأمم من قبل والتي لا تبديل فيها ولا تحويل. تعليق على الآية وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها والآية التي بعدها روى المفسرون «1» في صدد نزول هذه الآيات روايات عديدة. منها أن اليهود كرهوا أن يكون النبي في المدينة فقالوا له إن أرض الأنبياء هي بلاد الشام وحرضوه على الرحيل وأن النبي عسكر على ثلاثة أميال من المدينة حتى يجتمع إليه أصحابه ويخرج. ورواية تذكر أن خروج النبي إلى تبوك هو من أثر تحريض اليهود وكان يقصد الشام فأنزل الله الآيتين ومنها أن الآيتين في صدد ما كان من مضايقة زعماء قريش له حتى يستفزوه ويضطروه إلى الخروج من مكة. ومقتضى الروايات الأولى أن تكون الآيتان مدنيتين. وقد ذكر المصحف الذي اعتمدناه أنهما مدنيتان.

_ (1) انظر كتب تفسير الطبري والبغوي وابن كثير والخازن.

غير أن أسلوب الآيتين منسجم ومتوازن مع الآيات السابقة لهما واللاحقة بهما، وهما معطوفتان على ما قبلهما الذي ذكر فيه مواقف كفار مكة. وضمير الجمع الغائب في الآيات عائد إليهم. وهو مماثل لضمير جملة وَإِنْ كادُوا السابقة. فضلا عن المشاكلة بين الآيتين والآيات السابقة لهما مباشرة، وكل هذا يجعل رواية مدنية الآيتين محل شك بل غير صحيحة، ولقد تعددت الفصول في القرآن المدني وطالت فيما جرى بين النبي صلى الله عليه وسلم واليهود في المدينة فليس من محل ولا حكمة لورود هذه الإشارة عنهم في سورة مكية وفي سياق عن كفار مكة. ولذلك نرجح بل نجزم والله أعلم أن الآيتين مكيتان وأنهما نزلتا في محاولات واستفزازات كفار مكة التي ذكرت الرواية الثانية وهو ما رجحه الطبري والبغوي وابن كثير. وقد فند الأخير رواية كون النبي خرج إلى تبوك بتحريض اليهود وقال إنه إنما خرج لمحاربة قبائل نصارى الشام الذين كانوا تحت سيادة الغساسنة والروم ولثأر شهداء مؤتة وأن خروجه كان بناء على آية سورة التوبة قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (29) وكل هذا وجيه سديد. وروح الآية الأولى بل مضمونها قد يلهمان أنها بسبيل موقف واقعي بين النبي صلى الله عليه وسلم والكفار. غير أن وحدة السبك التي تجمع بين السياق جميعه تسوغ أن نقول ما قلناه في الآيات السابقة للآيتين مباشرة، أي أن الموقف الذي يمكن أن يكون انطوت إشارة فيهما إليه لم يكن فوريا نزلت الآيتان بسببه وإنما كان قبل نزولهما بمدة ما فذكر في الآية الأولى استطرادا بمناسبة ذكر مواقف الكفار، ومن هنا يكون السياق متصلا غير منقطع عن بعضه. ولقد كانت هجرة المسلمين إلى الحبشة في ظروف نزول سورة الإسراء ولا بدّ من أنها كانت موضع تفكير وحديث مدة غير قصيرة قبل تنفيذها، فليس من المستبعد أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد فكر أيضا أن يهاجر معهم ثم ثبته الله وجعله يعدل عن ذلك ويكتفي بهجرة الذين كانوا عرضة للاضطهاد والأذى من أصحابه من

أسرهم أو من زعماء قريش. ولعل هؤلاء الزعماء اشتدوا بعد هجرة المهاجرين في المناوأة والإحراج والاستفزاز فجعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم يفكر في الالتحاق بالمهاجرين في الحبشة ثم ثبته الله. ولعل هذا كان بعد الموقف الذي حكته الآيات السابقة للآيتين الذي خطر للنبي فيه مسايرة الكفار في بعض مقترحاتهم. فلما ثبته الله وعدل عن تنفيذ ما خطر له اشتد استفزاز الكفار ومناوأتهم فكان ذلك مما جعله يفكر في اللحاق بأصحابه المهاجرين وهذا ما يبدو لنا أنه الأوجه لأن حكاية الموقفين جاءت متوالية. ولقد روى البخاري عن عائشة حديثا جاء فيه «لم أعقل أبويّ قطّ إلّا وهما يدينان الدّين الإسلاميّ ولم يمرّ علينا يوم إلّا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية. فلمّا ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتّى بلغ برك الغماد فلقيه ابن الدّغنّة وهو سيّد القارة فقال أين تريد يا أبا بكر فقال أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربّي فقال ابن الدّغنة مثلك لا يخرج ولا يخرج. إنّك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكلّ وتقري الضّيف وتعين على نوائب الحقّ فأنا لك جار فارجع فاعبد ربّك ببلدك. فرجع وارتحل معه ابن الدغنة فطاف ابن الدّغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم إنّ أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج. أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرّحم ويحمل الكلّ ويقري الضيف ويعين على نوائب الحقّ. فلم تكذّب قريش بجوار ابن الدّغنة» «1» . وأبو بكر رضي الله عنه أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملازمة له وتأييدا وتصديقا. والحديث يذكر أنه لم يكن يمرّ يوم إلا يأتي النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته بكرة وعشية. وفي الحديث إشارة إلى ما كان من وعد النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة وإياه إلى المدينة وما كان من هجرتهما معا حينما خرج النبي مهاجرا وهو صاحبه في الغار. فمن المحتمل كثيرا أن يكون الاثنان قد اتفقا على الخروج من مكة بعد هجرة جلّ

_ (1) التاج ج 3 ص 235 وبرك الغماد إقليم على ساحل البحر بينه وبين مكة خمس ليال إلى ناحية اليمن والقارة اسم المنطقة التي فيها قبيلة ابن الدغنة. [.....]

[سورة الإسراء (17) : الآيات 78 إلى 81]

أصحابهم إلى الحبشة واشتداد مناوأة زعماء الكفار واستفزازهم على أن يخرج كل منهما على حدة ويلتقيا في ثغر جدة أو غيره فيبحران منه إلى الحبشة ثم ثبت الله تعالى رسوله فاستقر. ولم يلبث صاحبه أن عاد فازداد استقرارا وطمأنينة. ولقد علق ابن كثير على جملة وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) والآية التي جاءت بعدها فقال إن الله قد توعد الكفار فيهما وأنه حقق وعيده فيهم فلم يكن بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم إلى المدينة إلا سنة ونصف حتى جمعهم الله وإياه في بدر فأمكنه منهم وأظفره بهم فقتل أشرافهم. وهذا التعليق في محله حيث يبدو من خلاله صورة من صور الإعجاز القرآني. [سورة الإسراء (17) : الآيات 78 الى 81] أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (79) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (80) وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (81) (1) دلوك الشمس: زوالها وهو انتصاف النهار، وقيل إن التسمية بسبب ما يضطر الناظر إلى الشمس إليه من دلك عينيه من شدة الشعاع. وقيل إنه غروب الشمس وأن التسمية بسبب ذلك الناظر عينيه حتى يتبينها. والأكثر على أنه الزوال. وجملة إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ قرينة على ذلك. (2) غسق الليل: ظلمة الليل. (3) قرآن الفجر: كناية عن صلاة الفجر. والفجر تباشير شروق الشمس الأولى. (4) التهجد: ترك الهجود. والهجود هو السكون والنوم. والكلمة كناية عن القيام للصلاة في الليل.

تعليق على الآية أقم الصلاة لدلوك الشمس ... والآيات الثلاث التالية لها

(5) نافلة: زيادة فوق الواجب أو الفرض. (6) مدخل صدق ومخرج صدق: الصدق هنا بمعنى الاستقامة والكرامة والشرف والرضاء أيضا. (7) زهق: اضمحل وحبط. المتبادر أن الآيات غير منفصلة عن سابقاتها وأنها جاءت بمثابة تعقيب عليها وبسبيل تطمين النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيته والإهابة به إلى عدم الحزن والغم مما يبدو من الكفار من عداء وعناد وإزعاج وخداع وإغراء حيث تأمره بأن يتفرغ لعبادة الله تعالى وذكره والصلاة له في الليل والنهار، فيقيم الصلوات في أوقاتها المفروضة منذ الزوال إلى ظلمة الليل وفي الفجر ثم بالتهجد في الليل أيضا وأن يدعو ربه لييسر له الكرامة والسلامة والثبات والنصر والتأييد في مواقفه وتصرفاته ومداخله ومخارجه، فذلك أحرى أن ينيله ما يرغب فيه وأن يقرّ عينه بالمقام المحمود وعليه كذلك أن يهتف بالناس أن قد جاء الحق واضمحل الباطل لأنه مضمحل بطبيعته أمام الحق. والآيات قوية التلقين والتطمين. ومن شأنها بثّ الرّوح والراحة والقوة في النفوس والقلوب سواء أفي الظرف الذي نزلت فيه والقصد الذي قصدت إليه بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم أم في غيره من الظروف. تعليق على الآية أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ... والآيات الثلاث التالية لها يلفت النظر بخاصة إلى قوة الحثّ على التهجد في الليل وصلاة الفجر وقرآنه. والمتبادر أن هذا متصل بما يكون في ذلك من مظهر الإخلاص التام لله عز وجل، وما تشعر به النفس من سكينة وطمأنينة وقوة روح. والخطاب وإن كان موجها في الآيات إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن كل ما فيها من حثّ ووعد وتطمين يصح أن يعتبر موجها لجميع المؤمنين الذين أمروا أن يكون لهم في

رسول الله الأسوة الحسنة كما هو المتبادر. ولقد كان ذلك واقعا في زمن النبي وفي العهدين المكي والمدني، بقرينة آيات الذاريات كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وآية المزمل الأخيرة التي مرّ تفسيرها. ولقد روى المصحف الذي اعتمدناه أن الآيات الأولى أي [78- 80] مع [73- 77] مدنيات. ولقد روى الترمذي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بالهجرة من مكة أنزل الله عليه وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (80) «1» ولقد توقفنا في رواية مدنية الآيات السابقة لأن وحدة السياق والموضوع والنظم جامعة بينها وبين ما قبلها. وهذا هو الحال أيضا بالنسبة لهذه الآيات. ولذلك نحن نتوقف في رواية مدنيتها كذلك. ومن العجيب أن رواية مدنية الآيات لم تشمل الآية [81] في حين أنها جزء غير منفصل عن السياق. وهذا مما يدعم صواب توقفنا. وحديث الترمذي لا يجعلنا نغيّر رأينا، ولا سيما أن مقتضاه أن تكون الآية [80] نزلت لحدتها للمناسبة المذكورة فيه مع أنها جزء من سياق تام سبكا وموضوعا. ويظهر أن الطبري لم يأخذ بالحديث أو لم يثبت عنده حيث قال إن الآية متصلة بما قبلها وإنها بسبيل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء بأن ييسر له المخرج الصدق والمدخل الصدق والسلطان الذي ينتصر به على الكفار الذين يحاولون استفزازه ليخرجوه من الأرض وهو قول وجيه سديد. وعلى كل حال فالمتبادر من روح الآيات جملة أن الأمر القرآني هو بقصد بثّ الروح والقوة في نفس النبي صلى الله عليه وسلم وجعله يأمل ويلتمس من الله النصر والتأييد والعزة وحسن المصير في مواقفه ومداخله ومخارجه عامة في مناسبة ما كان من اشتداد مناوأة زعماء الكفار وإزعاجهم. ولقد أورد البغوي في سياق الآيات أحاديث عن تهجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في

_ (1) التاج ج 4 ص 144 و 145.

الليل وما كان من اهتمامه الشديد لذلك «1» . ولا شك أن هذا من تلقين آيات سورة المزمل الأولى التي مر تفسيرها، وقد شاءت حكمة التنزيل أن تكرر الأمر له بذلك في الآيات التي نحن في صددها وأن تزيد فتؤمله بالمقام المحمود. ولقد ذكر المقام المحمود في أحاديث نبوية عديدة منها ما فيه توضيح له. رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبيّ يومئذ- آدم فمن سواه- إلا تحت لوائي فيأتيني الناس فأنطلق معهم إلى أن قال فأخرّ ساجدا فيلهمني الله من الثناء والحمد فيقال لي ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفّع، وقل يسمع قولك. وهو المقام المحمود الذي قال الله عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (79) » «2» وهناك حديث رواه البخاري عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه أمر للمؤمنين بدعاء الله بأن يؤتي رسوله المقام المحمود هذا نصه «من قال حين يسمع النّداء (الأذان) اللهمّ ربّ هذه الدّعوة التّامة والصّلاة القائمة آت سيّدنا محمّدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلّت له شفاعتي يوم القيامة» «3» . والخطاب في الآية موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفيه تأميل رباني له بأن يبعثه الله مقاما محمودا. وما دام هناك حدث صحيح في توضيح مدى المقام المحمود يجب الوقوف عنده الإيمان بما فيه مع استئناف الحكمة منه. ويتبادر لنا من روح العبارة القرآنية وفحواها أن التنويه بشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبث الروح والقوة فيه إزاء موقف الكفار وحثه على عبادة الله في كل وقت وبخاصة في الليل وبيان ما في ذلك من أسباب السكينة والطمأنينة والبشرى بما يكون له من نصر وسلطان ومقام محمود عند الله، كل ذلك من تلك الحكمة بالإضافة إلى ما شاءت عناية الله ورحمته من اختصاصه يوم القيامة بالشفاعة العظمى دون الأنبياء وهو المقام المحمود حقا وصدقا.

_ (1) هناك أحاديث وردت في الصحاح في فضل قيام الليل وشدة اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وحثه عليه انظر التاج ج 1 ص 290- 292. (2) التاج ج 4 ص 144. (3) المصدر نفسه.

[سورة الإسراء (17) : الآيات 82 إلى 84]

ولقد روى البخاري والترمذي حديثا عن ابن مسعود «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها بعود في يده ويقول جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (81) . جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد» «1» حيث ينطوي في الحديث خبر تحقق فيه نصر الله وظهور الحق المتمثل بدين الله وهزيمة الباطل المتمثل بالشرك واضمحلاله. وبالتالي تحقق فيه مصداق الهتاف الذي أمر الله تعالى رسوله بالهتاف به، إبان ضعفه والذي لم يكن من شأنه أن يتبدل لأنه هتاف الله المحكم الخالد جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (81) . [سورة الإسراء (17) : الآيات 82 الى 84] وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً (82) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً (83) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً (84) (1) شفاء: هنا بمعناها المعنوي أي شفاء النفوس وراحتها وبرؤها من الريب والوساوس والتعقيد والحيرة. (2) نأى: ابتعد. (3) شاكلته: طريقته وما انطبع عليه من جبلّة وروح وسريرة. الآيات معطوفة على ما سبقها كما هو المتبادر، والأمر بالقول الموجه للنبي صلى الله عليه وسلم في أول الآية [84] يجعل اتصالها بالآيات السابقة وثيقا وكأنها استمرار لها. وقد احتوت تقريرا ربانيا بأن الله تعالى ينزّل من القرآن ما يجد فيه المؤمنون شفاء نفوسهم وتطمينها ورحمتها وإنقاذها من الحيرة والتعقيد، وذلك خلافا

_ (1) التاج ج 4 ص 145.

[سورة الإسراء (17) : آية 85]

للظالمين الذين يزدادون عنادا بسبب ما جبلوا عليه من خبث الطوايا فيزدادون بذلك خسارا وبأن الناس إنما يسيرون وفق ميولهم وطبائعهم المنبثقة من تربيتهم وأخلاقهم، وأن من طبيعتهم في أكثر الأحيان أن يستكبروا ويبتعدوا عن الحق إذا نالوا خيرا ونعمة، وأن ييأسوا ويكفروا إذا نالهم شر ونقمة وعلى النبي صلى الله عليه وسلم ألّا يبالي بالكفار وليشهد الله، فهو الأعلم بمن هو السائر على الحق والطريق القويم. والآيات كسابقاتها قوية التلقين والتطمين. وقد احتوت مبادئ إيمانية واجتماعية جليلة في أثر القرآن في النفوس الصالحة الراغبة في الحق والهدى، وأثره في الظالمين الذين يصدرون عن ميول منحرفة وقلوب غليظة وأخلاق فاسدة ثم في تفاوت الناس من حيث التأثر بالحق والدعوة إلى الخير حسب ما يكونون عليه من طيب سرائر وحسن نوايا وخبث وسوء طوايا، وما عليه كثير من الناس من طبائع مذمومة يجب الحذر منها، كالكبر والإعراض عن الحق إذا ما اغتنوا ونالوا أمانيهم في الحياة. وكاليأس والكفر إذا ما مسهم الشر وقست عليهم الظروف. [سورة الإسراء (17) : آية 85] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (85) في الآية حكاية لسؤال أورد على النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح. وأمر له بالإجابة بأن الروح من أمر الله تعالى واختصاصه وعلمه، وليس من شأن البشر إدراكه، وإن ما أوتيه الناس من العلم هو قليل بالنسبة إلى علم الله وآياته في كونه. تعليق على جملة وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي لقد رويت عدة روايات وتأويلات في صدد السؤال وماهيته. من ذلك حديث رواه الشيخان والترمذي عن عبد الله قال «كنت أمشي مع رسول الله في حرث بالمدينة وهو يتوكّأ على عسيب فمرّ بنفر من اليهود فقال بعضهم لو سألتموه فقالوا

لا تسألوه فإنّه يسمعكم ما تكرهون. فقالوا يا أبا القاسم حدّثنا عن الروح فقام النبيّ ساعة ورفع رأسه فعرفت أنّه يوحى إليه حتّى صعد الوحي ثمّ قال وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) » «1» وروى الطبري أن اليهود قالوا للنبي حينما تلا عليهم الآية جوابا على سؤالهم «أتزعم أنّا لم نؤت من العلم إلّا قليلا وقد أوتينا التوراة وهي الحكمة ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا فنزلت الآية وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ ... لقمان: [27] فقال لهم ما أوتيتم من علم فنجّاكم به الله من النار هو كثير وهو قليل في علم الله» وروى عن قتادة أن اليهود تغشوا الرسول فسألوه عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فأنزل الله في كتابه ذلك كله. وروى البغوي عن ابن عباس أن قريشا اجتمعوا وقالوا إن محمدا نشأ فينا بالأمانة والصدق وقد ادّعى ما ادّعى فابعثوا نفرا إلى اليهود بالمدينة واسألوهم عنه فإنهم أهل كتاب فبعثوا إليهم فقالوا سلوه عن ثلاثة أشياء فإن أجاب عن كلّها أو لم يجب عن شيء منها فليس بنبي وإن أجاب عن اثنتين ولم يجب عن واحدة فهو نبي. سلوه عن فتنة في الزمن الأول كان لهم حديث عجيب. وعن رجل بلغ شرق الأرض وغربها، وعن الروح. فسألوه فقال النبيّ أخبركم غدا بما سألتم ولم يقل إن شاء الله فلبث الوحي اثنتي عشرة ليلة أو أكثر في رواية، وأهل مكة يقولون وعدنا محمد غدا وأصبحنا لا يخبرنا بشيء حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم من مكث الوحي، وشقّ عليه ما يقوله أهل مكة ثم نزل جبريل بقوله وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (23) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ الكهف: [23- 24] وما بعدها وهي الآيات [23- 24] من سورة الكهف ثم نزل في الفينة آيات سورة الكهف [9- 25] وفي من بلغ الشرق والغرب وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ الآيات [83- 99] من سورة الكهف وعن الرُّوحِ الآية التي نحن في صددها. هذا في صدد مصدر السؤال، وفي ماهية الروح قولان يرويهما الطبري عن

_ (1) التاج ج 4 ص 145.

ابن مسعود جاء في أحدهما أنه جبريل وفي ثانيهما أنه ملك من الملائكة. وقول ثالث يرويه نفس المفسر عن علي بن أبي طالب أنه ملك له سبعون ألف وجه لكل وجه سبعون ألف لسان لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله عز وجل بها كلها، ويخلق الله مع كل تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة. وروى البغوي عن مجاهد وسعيد بن جبير أن الروح خلق عظيم لم يخلق الله أكبر منه إلّا العرش لو شاء أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع ومن فيهما بلقمة واحدة لفعل وهو مزدوج الصور الخلقية من ملائكة وبشر ... يقوم يوم القيامة عن يمين العرش.. ثم قال المفسر وقد قيل إن الكلمة تعني القرآن. أو عيسى عليه السلام الذي وصف الله بأنه روح منه أو أنها الروح الذي يحيا وقال إن القول الأخير هو الأصح. وروى الطبري أن المشركين إنما سألوا النبي عن الروح الذي هو القرآن. كيف يلقاك به الملك وكيف ينظم ويرتب. وعقب على هذه الرواية بقوله إن القرآن سمي روحا في آية سورة الشورى هذه وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا ... الشورى: [52] . والحديث الذي رواه الشيخان والترمذي عن عبد الله هو الوثيق بسند صحيح من بين هذه الروايات. ومقتضاه أن تكون الآية مدنية ولسنا نرى حكمة ولا محلا ولا مناسبة لإيراد سؤال أورده اليهود في المدينة على النبيّ مع جوابه في سورة مكية، وفي سياق يحكي مواقف كفار مكة إزاء النبي ودعوته. في حين أن السور المدنية احتوت الفصول الكثيرة فيما كان من اليهود من مواقف وأسئلة وتحديات وتعجيزات للنبي صلى الله عليه وسلم ودعوته. وقد لحظ هذا المفسر ابن كثير فقال إن جميع السورة مكية ثم قال يمكن أن يجاب على هذا بالقول إن الآيات نزلت في المدينة مرة ثانية. وهذا القول لا يحل الإشكال. ومقتضاه أن يكون سؤال مثله أورد في مكة وأجيب عليه في مكة. وقد خطر لنا إزاء الحديث الصحيح أن يكون اليهود في المدينة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم نفس السؤال فتلا عليهم الآية المكية ولما قالوا له أوتينا التوراة والحكمة تلا عليهم آية لقمان المكية وأن الأمر التبس على الرواة فرووا أنه

حادث حدث في المدينة ولا ضرورة لفرض نزول الآية مرة ثانية في المدينة والله أعلم. ورواية السؤال عن الروح فقط هي الأكثر وجاهة واتساقا مع نصّ الآيات ومقامها. دون الرواية التي تذكر أن هذا السؤال هو أحد أسئلة ثلاثة أو عز اليهود للمشركين بسؤالها للنبي صلى الله عليه وسلم، وعدم وجاهة هذه الرواية يبدو قويا في كون المسألتين الثانيتين جاءتا في سورة أخرى، وكل منهما بعيدة في ترتيب النزول عن الأخرى. ومن المحتمل أن يكون السؤال أورد من المشركين بإيعاز من اليهود أو بدون إيعازهم. ومن المحتمل أن يكون أورد من بعض اليهود أو النصارى مباشرة وكان منهم أفراد في مكة. بل ومن المحتمل أن يكون أورد من بعض المسلمين، فموضوع السؤال من المواضيع الدقيقة التي تخطر لبال كل من هؤلاء أن يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عنها. والروايات التي تذكر أن الروح المسئول عنه هو ذلك الخلق العظيم العجيب من الملائكة أو غيرهم أو عيسى عليه السّلام لا تستند إلى سند وثيق. ويتبادر لنا من مقام الآيات وسياقها أن الرواية التي تذكر أن المقصود من السؤال هو القرآن وكيفية نزول الملك به على النبي هي الأكثر وجاهة وورودا. فالقرآن ذكر قبل هذه الآيات فيجوز أن يكون السؤال أورد على النبي في ظرف نزولها فنزل الجواب في ذلك مع السياق. وورود آية بعد قليل من الآية فيها إيذان بعجز الجن والإنس عن الإتيان بالقرآن قد يكون قرينة قوية على هذا الترجيح كما هو المتبادر. وفي سورة الشعراء التي نزلت قبل هذه السورة بقليل آيات عديدة عن القرون ونزول الملك به [192- 195 و 211- 214] فيجوز أن يكون ما جاء فيها هو المناسبة للسؤال أيضا. والآيات السابقة لهذه الآية والتالية لها التي فيها ذكر القرآن والانسجام الذي يبدو قويا تاما يمكن أن تكون قرائن مرجحة لترجيحنا. ولقد كان القرآن من أكثر المواضيع التي دار جدل الكفار حولها ونزل فيه آيات مكية. وهذا

[سورة الإسراء (17) : الآيات 86 إلى 87]

كذلك يمكن أن يكون من القرائن المرجحة بخلاف ما إذا فرض أن السؤال كان عن نسمة الحياة. حيث إنه لا يبدو مناسبة ما بين هذا السؤال وسياق الآية. والله تعالى أعلم. ولقد جاء الجواب محكما قويا فليس من الممكن لعقل الإنسان أن يستكنه سرّ الله والوحي القرآني متصل بسرّ الله سبحانه وتعالى وعلى الناس أن يريحوا أنفسهم وأن يسلموا وأن يؤمنوا ويكتفوا بما هو ماثل لهم من حقيقة فظهر هذا السرّ وهو القرآن الذي يتلى عليهم والذي معجزة رسول الله الكبرى. وقد يكون في الجواب القوي المحكم جواب على كل تساؤل عن أمور لا يعيها العقل البشري وأخبر بها القرآن وثبت خبرها عن النبي صلى الله عليه وسلم فوجب الإيمان بها وإيكال أمر تأويلها إلى الله. [سورة الإسراء (17) : الآيات 86 الى 87] وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً (86) إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً (87) تضمنت الآيتان تنبيها للنبي صلى الله عليه وسلم بأن الله لو شاء لذهب بما أوحاه الله إليه. وحينئذ لن يجد له نصيرا على الله يمنع ذلك. وأن ذلك لم يكن إلّا رحمة من ربه الذي له الفضل الكبير عليه. ولم يرو المفسرون في صدد نزول الآيتين شيئا على ما اطلعنا عليه. وكل ما هنالك رواية يرويها الطبري تقول إن ابن مسعود كان يتأول معنى ذهاب الله عز وجل بما أوحاه الله من قرآن هو رفعه من صدور المسلمين ومصاحفهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم. وقد روى ابن كثير الرواية وزاد عليها عزوا إلى ابن مسعود أنه يطرق في آخر الزمان من قبل الشام ريح حمراء فلا يبقى في مصحف رجل ولا في قلبه آية من القرآن. وروى البغوي الرواية ومعها رواية عن عبد الله بن عمرو فيها أنه لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث نزل، له دوي حول العرش كدوي النحل فيقول الرب ما لك وهو أعلم بما يقول فيقول يا رب أتلى ولا يعمل بي. وروى الزمخشري شيئا من أقوال ابن مسعود ثم قال يمكن أن يكون الاستثناء منقطعا

[سورة الإسراء (17) : الآيات 88 إلى 89]

بمعنى (ولكن رحمة ربك تركته غير مذهوب به) وهذا امتنان من الله تعالى ببقاء القرآن محفوظا بعد المنة العظيمة في تنزيله وتحفيظه. والذي يتبادر لنا من عطف الآيتين على ما سبقهما مع توجيه الخطاب فيهما للنبي صلى الله عليه وسلم مثل الآية السابقة لهما مباشرة أنهما جاءتا للتعقيب على هذه الآية لتنبيه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن تلقى الجواب عن الروح وكونه من أمر الله إلى أنه ليس عليه إلّا أن يتلقى وحي الله ويبلغه وأنه يتأكد في نفسه ويعلن للناس أنه ليس له من الأمر شيء. فإذا كان الله تعالى قد اختصه بوحيه وقرآنه فذلك فضل منه ورحمة. وفضله عليه كبير، وإنه لقادر إذا شاء أن يذهب به فلا يستطيع أحد أن يحول دون ذلك أو يجد له على الله نصيرا. وما قاله الزمخشري من احتمال أن يكون الاستثناء منقطعا وكون الجملة قد تضمنت منا من الله تعالى لا يخلو من وجاهة وليس من شأنه التعارض مع ما تبادر لنا. أما ما روي عن ابن مسعود وابن عمرو فإنه من نوع الأمور المغيبة التي لا يصح الأخذ بها حتى لو صحت عنهما وليس هناك ما يثبت ذلك إلّا بخبر وثيق عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه فيما يتبادر لنا تجاوز للمدى الذي قصدت إليه الآيتان لأنهما موجهتان إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحسب، والله تعالى أعلم. [سورة الإسراء (17) : الآيات 88 الى 89] قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88) وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (89) عبارة الآيتين واضحة. وهي قوية في تحديها قوية في تنديدها. فالقرآن سيظل المعجز الممتنع عن التقليد على جميع المخلوقات إنسهم وجنهم ولو تضامنوا معا لأنه وحي الله تعالى ومظهر سره. وقد صرّف فيه للناس من كل مثل وحجة وحقيقة ما يكفي لإقناعهم، وإن أكثرهم أهل لكل تنديد لأنهم يأبون مع ذلك إلّا المماراة والعناد والجحود.

تعليق على إعجاز القرآن وعجز الناس عنه

وقد روى الطبري عن ابن عباس أن الآيتين نزلتا في نفر من اليهود جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن وقالوا له إنا لا نراه متناسقا كالتوراة وسألوه أن يأتيهم باية غيره شاهدة على نبوته وأنهم قادرون على أن يأتوا بمثله، فقال لهم رسول الله أما وإنكم لتعلمون أنه من عند الله وتجدونه مكتوبا عندكم فأنزل الله الآيتين. وقد توقف ابن كثير في الرواية وقال إن السورة كلها مكية وسياقها مع قريش. واليهود إنما اجتمعوا بالنبي في المدينة. وقال البغوي إن الكفار لما قالوا لو نشاء لقلنا مثل هذا كذبهم الله بالآيتين. ولقد حكت آية في سورة الأنفال المدنية على سبيل التذكير بمواقف وأقوال كفار مكة قبل الهجرة قولا روى المفسرون أن قائله النضر بن الحارث وهي وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ الأنفال [31] حيث يصح أن يقال بشيء من الجزم إن في الآيتين ردا وتكذيبا لكفار مكة وإن رواية نزولهما في صدد جدل اليهود مع النبي وتحديهم إياه غير صحيحة. على أن وحدة السبك والسياق في الآيتين وما قبلهما وما بعدهما تلهم كما هو المتبادر لنا أنهما لم تنزلا فورا بسبب هذا القول الذي حكته آية الأنفال وأن هذا القول قد صدر عن قائله قبل نزولهما بمدة ما وأنهما جاءتا على سبيل التعقيب والاستطراد بعد الآيات السابقة مباشرة التي نوّه فيها بالقرآن الذي فيه شفاء ورحمة للمؤمنين والتي تقرر أن تنزيله سرّ من أسرار الله وبعد الآيات السابقة لهذه الآيات التي حكى فيها بعض مواقف وأقوال الكفار واستفزازاتهم. ومن المحتمل أن تكونا تضمنتا في الوقت نفسه ردا وتحديا قويين للقائل المتبجح، والله أعلم. تعليق على إعجاز القرآن وعجز الناس عنه ولقد تكررت الإشارة إلى عجز الناس عن الإتيان بمثل القرآن كما تكرر تحدي الكفار بالإتيان بحديث أو سورة أو عدة سور من مثله جوابا على ما كانوا ينسبونه إلى النبي صلى الله عليه وسلم من افترائه أو تعلمه أو اقتباسه من أساطير الأولين، مثل آيات

سورة الطور هذه أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (34) ومثل آية سورة يونس هذه أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (38) ومثل آية سورة هود هذه أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (13) ومثل آيات سورة البقرة هذه وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (24) . وآيات البقرة مدنية. وهذا يعني أن التحدي تكرر في العهد المكي مرارا ثم تكرر في العهد المدني بالإتيان بأي شيء من مثله مهما قلّ. وآيات البقرة صريحة بأن أحدا لم يحاول إجابة التحدي سابقا، وحاسمة بأن أحدا لن يفعل ذلك في المستقبل. ولقد تكلم المفسرون وعلماء القرآن كثيرا في موضوع إعجاز القرآن وتحدي الناس بالإتيان بمثله أو بشيء من مثله وعجزهم عن ذلك «1» ومنهم من قال إن العرب وهم فرسان البلاغة والفصاحة قادرون على سبك بعض السور والجمل المماثلة ولكن الله تعالى صرفهم عنه فظهر منهم العجز. ولا نرى هذا وجيها ولا نفهم حكمة الله بتحديه للناس وصرفهم عنه مع قدرتهم عليه. ومنهم من قال إن لغة القرآن أعلى من أفهام العرب وأساليبهم ولذلك عجزوا عن الإتيان بمثله. وهذا يتناقض فيما يبدو لنا مع نصوص قرآنية صريحة بأن لغة القرآن وأساليبه مثل لغة العرب وأساليبهم وفي متناول أفهامهم ليعقلوه ويتدبروه كما جاء في آية سورة ص هذه كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (29) وآيات سورة الزمر هذه وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28) وآية سورة فصلت هذه كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ

_ (1) انظر كتابنا القرآن المجيد ص 148 وما بعدها والإتقان للسيوطي ج 2 (النوع الرابع والستون) وتفسير الآيات وتفسير آيات البقرة ويونس وهود والطور المذكورة في المتن في كتب تفسير المنار والطبري والقاسمي وابن كثير والخازن والبغوي والزمخشري والطبرسي.

[سورة الإسراء (17) : الآيات 90 إلى 93]

قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) وآية سورة الزخرف هذه إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) . ولقد حكى القرآن كثيرا من أقوال العرب فجاءت منسجمة مع نظمه ولغته. وقد مرّ من ذلك أمثلة عديدة ومنها آيات سورة الأنفال هذه وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31) وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (32) ومنها آيات سورة الأحزاب هذه وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (12) وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً (13) وآية سورة سبأ هذه وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (43) ومنهم من جمع بين التنويه ببلاغة أسلوب القرآن وروعة نظمه وسمو طبقته وبين ما احتواه من المبادئ والأسس والتلقينات التي فيها هدى ورحمة للعالمين في كل ظرف ومكان، والتي لا تناقض بينها ولا تخالف وبين تأثيره في السامعين وروحانيته القوية النافذة «1» . وفي هذا الحق والصواب. وبذلك كله كان معجزة الله الكبرى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، بل واكتفى بها عن إظهار معجزات خارقة استجابة لتحدي الكفار على ما جاء في آيات عديدة مرّ بعضها ومنها آيات سورة العنكبوت هذه وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) . [سورة الإسراء (17) : الآيات 90 الى 93] وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً (93)

_ (1) انظر بخاصة تفسير آيات البقرة [23- 24] في تفسير الخازن والقاسمي الذي ينقل مثل هذا عن بعض العلماء القدماء.

(1) كسفا: قطعا. (2) زخرف: هنا بمعنى الذهب، على ما قاله المفسرون. الآيات واضحة الألفاظ والمعاني. وقد روى المفسرون في سياق طويل أنها نزلت بمناسبة دعوة بعض زعماء قريش النبي صلى الله عليه وسلم إلى اجتماع للتفاوض والتفاهم فجاءهم مسرعا آملا بارعوائهم الذي كان شديد الحرص عليه فعرضوا عليه الكفّ عن آلهتهم واستعدادهم لإعطائه ما يبتغيه من مال وملك وشرف أو يعالجونه إذا كان له تابع من الجنّ ومريضا به فجادلهم وبيّن لهم رغبته الشديدة في هدايتهم، وأن الله إنما بعثه لذلك وليس له أي مطلب آخر فإن لم يستجيبوا صبر حتى يحكم الله بينه وبينهم، وحينئذ أخذوا يطلبون منه البراهين والمعجزات التي حكتها الآيات «1» . ومع احتمال صحة الرواية فإن وحدة النظم والتساوق التي تجمع بين الآيات وسابقاتها ولاحقاتها تلهم أنها استمرار للسياق، ولقد ذكرت الآية السابقة مباشرة لها أن أكثر الناس أبوا إلّا الكفر برغم ما صرفت لهم في القرآن من الأمثال، فأعقبتها هذه الآيات تحكي ما يقولونه ويطلبونه من مطالب ومعجزات حيث تقوم القرينة على استمرار السياق وصلة الآيات بسابقاتها، وحيث يتبادر أن الآيات لم تتنزل فور كلام الكفار وأنه قد وقع قبل مدة منها فذكرته الآيات في معرض ما تذكره من مواقف الكفار وتعجيزاتهم.

_ (1) انظر تفسير الآيات في كتب تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والخازن.

[سورة الإسراء (17) : الآيات 94 إلى 96]

وقد أمرت الفقرة الأخيرة النبي صلى الله عليه وسلم بالرد على الكفار واستنكاره لهذه المطالب وتوكيده أنه ليس إلّا بشرا أرسله الله ليبلغهم دعوته ويهديهم إليه، وأسلوبها قوي أخّاذ، وقد انطوى فيها قصد التوكيد بأن النبي صلى الله عليه وسلم ليس له أي تصرف في الكون وأي قدرة على خرق النواميس. [سورة الإسراء (17) : الآيات 94 الى 96] وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاَّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً (94) قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً (95) قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (96) الآيات متصلة بما سبقها اتصال تعقيب واستطراد كما هو المتبادر. وقد احتوت أولاها تعليلا لعدم إيمان أكثر الناس بما جاءهم أنبياؤهم به من الهدى وهو استغرابهم أن يكون رسول الله إليهم من البشر وعدم تصديقهم بذلك، واحتوت ثانيتها بيانا لحكمة الله وسنته حيث اقتضتا أن يكون رسله من جنس المرسل إليهم، فلو كان من سكان الأرض ملائكة لأرسل إليهم رسولا ملكا. وإنما أرسل رسولا بشرا إليهم لأنهم بشر مثله حتى يتمكن من مخاطبتهم ومساجلتهم وليس في هذا ما يستوجب الاستغراب والإنكار، أما الآية الثالثة فقد أمرت النبي صلى الله عليه وسلم بأن يعلن جعله الله تعالى شهيدا وحكما بينه وبينهم، فهو الأعلم بأمر عباده وما هم عليه ومن هو المحق ومن هو المبطل، وقد جاءت بأسلوب انطوى فيه الاطمئنان بشهادة الله وتقرير كون النبي صلى الله عليه وسلم هو الصادق المحق الداعي إلى الحق والهدى، وهذا الأسلوب القوي النافذ قد تكرر كثيرا في معرض الجدل مع الكفار وإفحامهم. والآية الأولى مطلقة حيث تشمل الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والأمم السابقة التي حكت آيات كثيرة استغرابهم من إرسال الله رسله من البشر وجحودهم رسالاتهم، منها آيات سورة المؤمنون هذه وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ، فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (23) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلَّا بَشَرٌ

[سورة الإسراء (17) : الآيات 97 إلى 99]

مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) ولقد كان سامعو القرآن يعرفون قصص الأقوام السابقة مع رسلهم وما كان من تدمير الله لهم لجحودهم، وهكذا تستحكمهم الآيات بحجتها. [سورة الإسراء (17) : الآيات 97 الى 99] وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً (97) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (98) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً (99) (1) خبت: خفت شدتها أو خفّ ضرامها. الآيات متصلة بالسياق السابق اتصال تعقيب وإنذار كما هو المتبادر وعبارتها واضحة. وفقرة الآية الأولى وإن كانت تنسب الإهداء والإضلال إلى الله تعالى وحسب، فإن بقيتها مع الآية التالية لها تزيلان ما يمكن أن يقوم من وهم تحتيم الهدى والضلال في الأزل على أناس بأعيانهم، حيث تنسب الكفر والجحود والضلال إلى أصحابه وتقرر أن عذابهم إنما هو على اختيارهم ذلك. وقد مرّ مثل ذلك كثيرا وشرحناه شرحا وافيا ونبهنا إلى وجوب تأويل الآيات بالآيات وعدم أخذ فقرة ما لحدتها، وبهذا يزول كل إشكال. [سورة الإسراء (17) : آية 100] قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً (100) عبارة الآية واضحة وقد انطوى فيها تقرير طبيعة من طبائع الإنسان وهي

[سورة الإسراء (17) : الآيات 101 إلى 104]

خشيته من نفاد ما في يده والتقتير بسبب ذلك وتقرر أن الله لا يستشعر بشيء من هذا لأن خزائن رحمته لا تنفد. ولا يروي المفسرون رواية ما في صدد الآية. وبدؤها بالأمر بالقول مع ضمير الجمع المخاطب قرينة على أن الآية متصلة بموقف الكفار الذي حكته الآيات السابقة، ولعلها انطوت على جواب لسؤال أورده الكفار على سبيل التحدي وهو ما بالهم ما يزالون أحياء يرزقون متمتعين بمتع الحياة وزينتها ونعيمها مع كفرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم واليوم الآخر، فأجيبوا بما انطوى فيه أن الله قد جعل لهم أجلا هو آت لا ريب فيه، وأن سنته اقتضت تيسير الرزق للناس خلال الأجل المضروب لهم وهو المتصف بالرحمة وليس هو كالبشر يخشى نفاد ما في خزانته. وواضح أن الجواب متسق مع ما اعتاده البشر من عادات وطبائع بسبيل الإلزام والإفحام. ووحدة النظر والتساوق تسوغ القول إن الآية لم تنزل فور ما فرضناه من سؤال، فهو على ما هو المتبادر سابق بمدة ما. وقد احتوت الآية جوابا عليه في مناسبة ذكر أقوال ومواقف الكفار في سياق متصل. [سورة الإسراء (17) : الآيات 101 الى 104] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً (101) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (102) فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (103) وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً (104) . (1) مثبورا: هالكا. وقيل إنها بمعنى مصروفا عن الخير، وأن ثبر بمعنى صرف أيضا وقيل كذلك إنها بمعنى مغلوبا أو مخبولا. (2) لفيفا: جماعات الناس على اختلافهم وقيل بمعنى جميعا.

عبارة الآيات واضحة. ولم يرو المفسرون رواية ما في صدد نزولها. ويتبادر لنا أنها غير منقطعة عن السياق، وأنها جاءت استطرادية على سبيل الإنذار والتذكير للكفار الذين حكت الآيات السابقة مواقفهم وأقوالهم بحيث تؤذنهم بأنهم إذا كانوا وقفوا من النبي صلى الله عليه وسلم موقفهم الباغي فقد وقف فرعون من موسى عليه السّلام نفس الموقف. وقد انطوى الاستطراد على تطمين النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وتبشيرهم، فالله الذي أهلك فرعون ومكّن لبني إسرائيل أعداءه في الأرض من بعده قادر على إهلاك أعدائهم والتمكين لهم من بعدهم أيضا، والعرب السامعون كانوا يعرفون قصة رسالة موسى عليه السلام لفرعون ونتائجها على ما مرّ شرحه في مناسبات سابقة وبذلك تكون الحجة محكمة عليهم. والأمر بسؤال بني إسرائيل الذي احتوته الآية الأولى أريد به توكيد الوقائع والنتائج على ما هو المتبادر، فبنو إسرائيل بين ظهراني العرب ومنهم أفراد في مكة، ومن الممكن أن يستشهدوهم عليها. وقد انطوى الكلام معنى الاطمئنان بالشهادة الإيجابية والتصديقية. وهذا الأسلوب قد تكرر في القرآن كثيرا لأن العرب كانوا يثقون بالكتابيين واليهود بخاصة ومعارفهم. ويلحظ في الآيات عود على بدء السورة بذكر بني إسرائيل في آخرها كما ذكروا في أولها مما فيه صور من صور النظم القرآني. ولقد أورد الطبري في سياق الآيات حديثا رواه أيضا الترمذي بسند صحيح عن صفوان بن عسّال جاء فيه «إنّ يهوديين قال أحدهما لصاحبه اذهب بنا إلى هذا النبيّ نسأله فقال لا تقل نبيّ فإنّه إن سمعها كانت له أربعة أعين فأتيا النبيّ فسألاه عن قول الله عزّ وجلّ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلّا بالحقّ ولا تسرقوا ولا تسحروا ولا تمشوا ببريء إلى سلطان فيقتله ولا تأكلوا الرّبا ولا تقذفوا محصنة ولا تفرّوا من الزحف وعليكم يا معشر اليهود خاصّة لا تعدوا في السّبت» فقبّلا يديه ورجليه وقالا نشهد أنّك نبيّ. قال فما يمنعكما أن تسلما قالا إنّ داود دعا الله ألّا يزال في ذرّيّته نبيّ. وإنّا نخاف

[سورة الإسراء (17) : الآيات 105 إلى 109]

إن أسلمنا أن يقتلنا اليهود» «1» . وفي سورة الأعراف تسع آيات أظهرها الله على يد موسى لفرعون وهي اليد والعصا والسنين أي القحط والنقص في الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم «2» . والتي ذكرها الحديث هي ما يسمى بالوصايا العشر تسع منها عامة وواحدة خاصة ببني إسرائيل. والمتبادر أن النبي صلى الله عليه وسلم فهم من اليهوديين أنهما سألاه عن هذه فأجابهما على سؤالاهما والله أعلم. [سورة الإسراء (17) : الآيات 105 الى 109] وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (105) وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً (106) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (107) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (109) . (1) فرقناه: قد قرئت بالتخفيف بمعنى فصلناه وبيناه ونوّهنا محتوياته وبالتشديد بمعنى جزّأناه فصولا بعد فصول. (2) على مكث: قيل إنها بمعنى على تؤدة وتثبت. وقيل إنها بمعنى على مرّ الأيام. لم يرو المفسرون رواية ما فيما اطلعنا عليه في صدد نزول هذه الآيات، والمتبادر أنها جاءت بعد تلك الآيات الاستطرادية إلى التذكير بموسى عليه السلام ورسالته إلى فرعون وإغراق هذا وتمكين بني إسرائيل في الأرض بعده لتكون رابطة بين حلقات السياق وخاتمة لما حكاه من مواقف الحجاج والجدل بين النبي صلى الله عليه وسلم والكفار حيث يبدو من هذا اتصالها بالسياق، وقد احتوت من جهة توكيدا

_ (1) التاج ج 4 ص 146 و 147. (2) الآيات [107 و 108 و 130 و 133] ووصف كل ذلك بالآيات.

تعليق على الآية وبالحق أنزلناه وبالحق نزل والآيات الأربع التالية لها

بأسلوب قوي حاسم صحة الوحي القرآني الذي ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم لتوطيد الحق وإعلائه، ومن جهة أخرى تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه إنما أرسل للناس بشيرا ونذيرا، وأنزل عليه القرآن فصولا فصولا ليتلوها على الناس على مهل حتى يستوعبوها ويتدبروا ما فيها من مبادئ صدق وحق وحجج بليغة وأمرا له من جهة ثالثة بعدم الاهتمام لمواقف الكفار وجحودهم وبإعلان ذلك لهم وبتحديهم بذكر موقف الذين أوتوا العلم من قبل حيث يسارعون إلى تصديقه والإيمان به حينما يتلى عليهم ويعلنون يقينهم بوعد الله وصدقه ويخرون للأذقان سجدا وبكيا مما استولى عليهم من الخشوع وقوة اليقين. تعليق على الآية وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ والآيات الأربع التالية لها وأسلوب الآيات كما هو ظاهر قوي أخاذ في كل المقاصد التي أريد تقريرها فيها وقد احتوت تنويها جديدا بخطورة القرآن. وبيانا جديدا لمهمة النبي صلى الله عليه وسلم وكونها الدعوة والتبليغ دون إبرام ولا إكراه ولا مسؤولية عن مواقف الناس. وأسلوب تحدي الكفار فيها بخاصة قوي نافذ حيث تأمر النبي بأن لا يهتم لهم وأن يقول لهم إنكم لن يكون لعدم إيمانكم أي نتيجة وحجة ما دام أهل العلم يؤمنون ويخشعون ويتأثرون هذا التأثر القوي الذي تشاهدونه. ولقد كان لأهل الكتاب اعتبار وثقة في نفوس أهل مكة وزعمائهم الذين يوجه إليهم التحدي حيث يكون هذا التحدي محكما مستحكما. وفي الآيات دليل جديد على كون (القرآن) المقصود هو أسس الدعوة ومبادئها لأن أهل العلم إنما يكونون قد تأثروا وسجدوا لذلك. والآيات [107- 109] وإن جاءت بأسلوب الاستشهاد بموقف أهل الكتاب وتحدي الكفار به. ثم وإن كانت متصلة بالموقف الحجاجي بصورة عامة فإنها احتوت في حد ذاتها مشهدا واقعيا رائعا من مشاهد الكتابيين في مكة- وهم

[سورة الإسراء (17) : الآيات 110 إلى 111]

المقصودون بالذين أوتوا العلم- وموقفهم من القرآن والدعوة المحمدية. وهو مشهد تأييدي وموقف إيمان ويقين بصدق الدعوة والقرآن وصلتهما بالله، وإنه كان مشهدا مشهودا كان له أثر بليغ في أوساط مكة مسلميها ومشركيها على ما تلهمه فحوى الآيات وروحها وقوة التحدي فيها. ووصف الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وإن كان يعني فريقا من أهل الكتاب فالمتبادر أنه يلهم أن هذا الفريق كان من علمائهم ورجال الدين فيهم. وهذا هو المتسق مع ما تلهمه الآيات من خطورة الحادث وعظم أثره في تلك الأوساط، ومن المحتمل أن يكون هذا المشهد لكتابيين مقيمين في مكة أو لكتابيين وفدوا عليها لاستطلاع خبر النبي صلى الله عليه وسلم. ونحن نرجح أن هذا المشهد والفريق الذي سجل له هما في المشهد والفريق الذي سجل له في آيات سورة القصص [52- 55] التي مرّ تفسيرها والتعليق عليها، وهكذا تتلاحق المشاهد العيانية العظيمة المدى في العهد المكي من أهل الكتاب وعلمائهم الذين حين كانوا يستطيعون التجرد عن هواهم وماربهم وتعصبهم يسارعون إلى الإيمان بالرسالة المحمدية. وجملة إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا المحكية عن أصحاب المشهد مهمة وذات مغزى خطير. ولقد جاء في آية الأعراف [157] أن أهل الكتاب يجدون صفة النبي محمد صلى الله عليه وسلم مكتوبة عندهم في التوراة والإنجيل، ويكون معنى الجملة أنهم لما رأوا أعلام النبوة المحمدية قالوا إن الله قد صدق وعده في إرساله. وكان ذلك مما زاد يقينهم وخشوعهم وبكاءهم. [سورة الإسراء (17) : الآيات 110 الى 111] قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (110) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (111) (1) لا تخافت بها: خفت صوته بمعنى ضعف حتى لا يسمع وما تسمعه

الأذن ليس مخافتة. ومعنى جملة ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها أي لا ترفع صوتك جهوريا ولا تخفته حتى لا يسمع وليكن بين بين. (2) لم يكن له ولي من الذلّ: ليس محتاجا إلى نصير قد يحتاج إليه الإنسان إذا خشي الذل. الآيات تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول للناس ادعو الله أو ادعوا الرحمن فجميع الأسماء الحسنى له وحده وبأن تكون صلاته إليه صلاة خشوع ووقار وبين الجهر والإسرار. وبأن يعلن حمده وتكبيره له. فهو صاحب الملك الشامل الذي تنزه عن الولد والشريك المستغني عن الأولياء الذين يتخذهم الناس إذا ما خشوا البغي والذل. وقد جاءت الآيات في الوقت ذاته خاتمة قوية للسورة. ولقد روى المفسرون روايات عديدة كسبب لنزول الآيات، أو الآية الأولى بخاصة. فرووا أن الفقرة الأولى منها نزلت بسبب قول اليهود للنبي إنك تقلل من ذكر الرحمن في القرآن مع أن هذا الاسم كثير الورود في التوراة. ورووا مع ذلك أنها نزلت بسبب قول الكفار أو بعض زعمائهم بأن محمدا يزعم أنه يدعو إلى إله واحد وهو يذكر الله والرحمن. ولا نعرف الرحمن إلّا رحمن اليمامة. ورووا أن فقرتها الثانية نزلت لأن الكفار كانوا حينما يسمعون القرآن من النبي يسبون القرآن ومن أنزله فأمر النبي فيها بالتوسط بين الجهر حتى لا يسمعه الكفار ولا يخافت ليسمعه المسلمون. وفي هذا حديث رواه البخاري والترمذي عن ابن عباس «1» . ومع هذا فرووا عن ابن عباس أيضا أن النهي عن الجهر حتى لا يكون فيه مراءات للناس، وعن الإسرار والخفت حتى لا يكون فيه خوف من الناس. ورووا عن عائشة ومجاهد أن الصلاة في الفقرة بمعنى الدعاء وأن بعض الأعراب كانوا إذا دعوا الله رفعوا أصواتهم فنهوا عن ذلك. ورووا أن أبا بكر كان يخفض صوته وعمر يرفعه في القراءة فقيل لهما في ذلك فقال الأول أناجي ربي وقال الثاني أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان فنزلت الآية الأولى.

_ (1) التاج ج 4 ص 147.

والروايات تقتضي أن تكون كل فقرة من فقرتي الآية الأولى نزلت لحدتها وأن تكون نزلت منفصلة عن ما سبقها وما لحقها. والرواية المروية عن اليهود تقتضي أن تكون الآية مدنية. ورواية منع الجهر بالقرآن تفاديا من سب الكفار وهي الوثيقة من سائر الروايات غريبة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتلو القرآن عليهم في كل موقف من مواقف دعوته، وهذا من أسس مهمته. ومأمور به في آيات عديدة منها آيات في سورة النمل التي مرّ تفسيرها وهي [91- 92] ولم يمتنع من ذلك قط، وكان يقابل بقولهم إن هذا إلّا أساطير الأولين. كما حكته آيات عديدة مرّ بعضها في السور التي فسرناها سابقا. وفي سورة الحج آية مهمة فيها حكاية موقف تهديدي للنبي ورد عليه بتهديد رهيب وهي هذه وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72) ثم استمر في تلاوة آيات القرآن بدون مبالاة تنفيذا لأمر ربه ومهمته منذرا حينا منددا حينا مقرعا حينا مفصلا داعيا مبشرا حينا بدون انقطاع كما هو المستفاد من السور المكية جميعها بحيث يكون في كل ذلك دلالة حاسمة. ويتبادر لنا بالنسبة للفقرة الأولى من الآية الأولى أنه كان في نفوس بعض المسلمين بعض التردد في صيغة دعاء الله تعالى وفيما إذا كان يجوز أن يذكر اسم الرحمن في مقام كلمة (الله) فأريد بها بيان ما هو جوهري في الأمر وهو الإخلاص لله والاتجاه له وحده. فله أحسن الأسماء، وبأيّها دعاه المخلص أجزأه. ويتبادر لنا بالنسبة للفقرة الثانية أن النبي صلى الله عليه وسلم صار يخفت في قراءته اتباعا لنهي آية سورة الأعراف هذه وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ فشكى المسلمون من عدم سماعهم القرآن منه فأمر في هذه الفقرة بالتوسط بين الجهر وخفت الصوت. هذا مع التنبيه إلى أننا نرجح أن الآية الأولى نزلت مع الآية الثانية وأن الآيتين استمرار للسياق السابق، وكل ما في الأمر أن أولاهما تضمنت جوابا على ما كان يسأله أو يحتار فيه المسلمون، والله أعلم.

سورة يونس

سورة يونس في السورة حكاية أقوال ومواقف عديدة للكفار، وردود عليها وتسفيه لهم على باطل تقاليدهم وسخيف عقائدهم وشدة عنادهم ومكابرتهم. وإفحام لهم في سياق الجدل والمناظرة. وفيها لفت نظر الناس إلى آيات الله ومظاهر قدرته في الكون وتبشير وإنذار بالآخرة وحسابها وثوابها وعقابها وشرح لأثر الإيمان والكفر في نفوس الناس وسعادتهم في الدنيا والآخرة. وبيان لمهمة النبي عليه السلام وطبيعة الرسالة، وتقرير لمسؤولية الناس في الهدى والضلال وتمثيل بما كان بين نوح وقومه وبين موسى وفرعون، وبما كان من مصير البغاة ونجاة المؤمنين وضرب بقوم يونس الذين آمنوا مثلا على ذلك. والمصحف الذي اعتمدناه يذكر أن الآيات [40 و 94- 96] مدنية، وبعض الروايات تذكر أن من أول السورة إلى رأس الآية الأربعين مكي والباقي مدني «1» . وقد تكرر مضامين الآيات التي يروي مدنيتها في آيات مكية لا خلاف فيها كما أن هذه الآيات منسجمة مع سياقها السابق واللاحق ولذلك فإننا نتوقف في الروايات ونرجح مكية جميع آيات السورة.

_ (1) انظر تفسير السورة في تفسير القاسمي الموسوم بمحاسن التأويل ج 9.

[سورة يونس (10) : الآيات 1 إلى 2]

وفصول السورة مترابطة متساوقة مما يلهم أنها نزلت متتابعة حتى تمت. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة يونس (10) : الآيات 1 الى 2] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (1) أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (2) . (1) تلك: لغويا هي إشارة إلى البعيد في حين أن (هذه) للقريب. وقد انطلق بعضهم من هذا الفرق فقال إنها عنت كتب الله السابقة. غير أن الطبري وآخرين رجحوا أنها في مقام (هذه) ، وأنها إشارة إلى القرآن وهذا هو الصواب المتوافق مع المطالع المماثلة مثل مطالع سور الشعراء والنمل والقصص التي مرّ تفسيرها. (2) الحكيم: هنا من الإحكام، والحكمة أيضا منه. وعلى هذا فتعبير (الحكيم) بالنسبة لكتاب الله يمكن أن يكون بمعنى (المحكم) كما يمكن أن يكون بمعنى (المحتوي حكمة) ويمكن أن يكون بالمعنيين معا أي أنه محكم الأسلوب حكيم المضمون. (3) قدم صدق: أوجه الأقوال أنها بمعنى فضل ومنزلة رفيعة مضمونة وثابتة. روى المفسرون عن ابن عباس وغيره أقوالا في صدد (الر) منها أنها اختصار لجملة (أنا الله أرى) أو اختصار لاسم الرحمن. أو من أسماء القرآن، أو قسم أقسم الله به ونرجح بالنسبة لها ما رجحناه لمثيلاتها أنها استرعاء السمع إلى آيات القرآن والإشارة التي أعقبتها تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ مما قد يدعم ذلك. وقد

تكرر هذا الأسلوب في سور عديدة مرت أمثلة منها. وفي الآية دليل تكرر كثيرا على أن تعبير (الكتاب) للقرآن كان يطلق على ما كان ينزل منه تباعا وقبل أن يتم تمامه. أما الآية الثانية فقد احتوت سؤالا استنكاريا عن استغراب الناس لاختصاص الله تعالى رجلا منهم لينذرهم ويبشر المؤمنين بما لهم عند الله من المنزلة الرفيعة المضمونة، وحكاية لقول الكافرين عن هذا الرجل بأنه لساحر بارع. ولا يروي المفسرون فيما اطلعنا عليه شيئا في صدد نزول الآيتين. والمتبادر من فحواهما وفحوى ما يأتي بعدهما أنهما في صدد حكاية مواقف وعقائد المشركين والتنديد بها بصورة عامة، والأرجح أنها نزلت في صدد موقف من مواقفهم المتكررة المتجددة. وقد تكرر ما حكته الآية عن الكفار. وجاء ذلك في سورة الإسراء التي سبقت هذه السورة مباشرة في النزول حسب ما روته الروايات. ولعل التساوق بين أخريات سورة الإسراء وبداية هذه السورة ثم في ما حكته السورتان من أقوال الكفار ومواقفهم المتشابهة قرائن على صحة رواية نزول هذه السورة بعد تلك السورة. ولقد احتوت الآية ردا على استغراب الكفار وعجبهم ونسبتهم السحر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وانطوى في هذا الرد تسفيه مفحم لهم، فالساحر يبقى في حدود الأفعال والأقوال والمظاهر الوضيعة الدنيوية التي تمتزج بالخداع والكذب والتخييل، وتستهدف منافع وأغراضا خاصة، في حين أن الرجل الذي جاءهم قد جاء داعيا إلى الله ومكارم الأخلاق، ونذيرا للناس حتى يتقوا الله، وبشيرا للمتقين بالمنزلة الكريمة الرفيعة. وتكرار حكاية أقوال الكفار المتشابهة في سور متعاقبة يفيد أنهم كانوا

[سورة الإسراء (17) : الآيات 3 إلى 6]

يكررون هذه الأقوال في كل موقف ومناسبة، فاقتضت حكمة التنزيل تكرار حكايتها للرد عليها وتسفيهها. [سورة الإسراء (17) : الآيات 3 الى 6] ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (3) وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً (4) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً (5) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (6) . (1) اختلاف الليل والنهار: بمعنى تعاقبهما واحد بعد آخر. في الآيات شرح لموجبات استحقاق الله وحده للعبادة والخضوع والدعوة إليه، وبيان مصير كل الذين يؤمنون برسالة الرجل الذي أرسل إليهم ويعملون الصالحات، وكل الذين يكفرون بها بعد الإنذار والتبشير. فالله هو رب الناس الحقيقيّ الذي خلق السموات والأرض والقمر والشمس والليل والنهار بإحكام وإتقان، ويسرها لا نتفاعهم بها، وجعل في كل خلق من خلقه آية على قدرته وعظمته وانفراده في تدبير الكون وتصرفه المطلق فيه وصيرورة الناس إليه جميعا وهو الذي خلقهم أول مرة والقادر على إعادة خلقهم ثانية. فعليهم أن يفكروا ويتدبروا ليظهر لهم ذلك واضحا وليعبدوا الله وحده. ولسوف يصيرون إليه لتحقيق وعده الحق القاضي بمحاسبتهم على أعمالهم وتكريم المؤمنين الصالحين وعقاب الكافرين بالعذاب الأليم والشراب الشديد الحرارة جزاء كفرهم.

ولا يروي المفسرون كذلك رواية ما في صدد نزول الآيات والمتبادر أنها متصلة بما سبقها بقصد الرد على حكته الآيات السابقة من استغراب الكفار مع الشرح والبيان القويين المحكمين. وظاهر أنه أريد بالآيات لفت نظر السامعين إلى ما ترتكز عليه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم- الرجل الذي جاء للناس بشيرا ونذيرا- من قوة وحق لا يتحمل إنكارا ولا استغراقا ولا نسبة سحر لأنها دعوة إلى الله الذي في كل ظاهرة من ظواهر الكون آية على ربوبيته وعظمته وقدرته وإبداعه ومطلق تصرفه واستحقاقه للعبادة والخضوع وحده إذا ما تفكر المرء فيها، كما أنه أريد بها تبشير المؤمنين وتثبيتهم وتكرار إنذار الكفار وإرهابهم. ولقد احتوت بعض السور التي سبق تفسيرها ما احتوته هذه الآيات من خلق الله السموات والأرض في ستة أيام واستوائه بعد ذلك على العرش، ومن تعاقب الليل والنهار ومن تقدير دوران القمر في منازل وعلقنا عليها بما يغني عن التكرار وهي هنا كما هي في المواضع السابقة بقصد لفت أنظار الناس وأسماعهم إلى ما يشاهدونه ويعرفونه من مظاهر قدرة الله تعالى. على أن في الآية الأخيرة شيئا جديدا يحتمل تنبيها جديدا، وهو تقرير كون الله قد جعل القمر منازل ليعلم الناس عدد السنين والحساب. فقد يقول قائل إنه ليس بالقمر وحده يعرف عدد السنين والحساب بل وإن معرفة ذلك بالشمس أدق وأضبط. فنقول إن هذه الآية وأمثالها لم ترد في القرآن لذاتها وبسبيل تقرير حقائق فلكية وكونية، وإنما وردت للفت النظر إلى مشاهد الكون ونواميسه ومظاهر قدرة الله وعظمته فيها لإيجاب الاتجاه إليه وعبادته وحده. كما نبهنا على ذلك في مناسبات سابقة. وقد خوطب بها لأول مرة أناس يعرفون حساب السنين بواسطة القمر فخوطبوا بما يشاهدونه ويعرفونه من أجل ذلك القصد. ولقد ظل هذا معروفا يقوم عليه عدد الحساب والسنين. والعبارة القرآنية لا تنفي إمكان معرفة هذا العدد والحساب من الشمس لأنها كما قلنا لم ترد لتقرير نظرية كونية أو فلكية، ومن

[سورة يونس (10) : الآيات 7 إلى 10]

الواجب إنهاؤها في هذا النطاق والله أعلم. [سورة يونس (10) : الآيات 7 الى 10] إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (7) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (8) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (10) . (1) لا يرجون لقاءنا: لا يعتقدون بالبعث الأخروي ولا يحسبون حسابه. (2) دعوى: هنا بمعنى دعاء. الآيات متصلة بالسياق اتصال استمرار وتعقيب. فآيات الله في كونه باهرة قائمة، والذين يغفلون عنها ولا يتدبرونها وانشغلوا بمطالب النفس الدنيوية واطمأنوا بها ولا يحسبون حساب الآخرة ولقاء الله تعالى مصيرهم النار بما اقترفوا واكتسبوا. أما الذين تدبروا في آيات الله وتحققوا من لقاء الله وحسبوا حساب الآخرة فآمنوا وعملوا الأعمال الصالحة فلهم جنات النعيم، وكل شغلهم فيها تسبيح الله وحمده وتحية بعضهم بعضا بالسلام. وقد انطوى في الآيات تقرير أثر الكفر بالله والإيمان به في النفوس، فالأول يحمل صاحبه على الاكتفاء بمتع الحياة وعدم التفكير في العواقب وإهمال ما عليه من واجبات نحو الله والناس. في حين أن الإيمان بالله إذ يشع في صاحبه ينير بصره وبصيرته ويهديه إلى كل ما فيه خير وصلاح ويحفزه على القيام بواجباته نحو الله والناس والابتعاد عن كل ما يتناقض مع هذه الواجبات حاسبا حساب العاقبة ومعتقدا أنه صائر إلى الله وواقف بين يديه ومسؤول عن كل ما يقدم من عمل ومجزي عليه بما يستحق. وفي هذا ما فيه من روعة وتلقين جليل مستمر المدى. والمتبادر أن الآيات بالإضافة إلى ما فيها من مشهد أخروي يجب الإيمان به

[سورة يونس (10) : آية 11]

استهدفت بشرى المؤمنين الصالحين وإثارة اغتباطهم وإنذار الكافرين وحملهم على الارعواء. [سورة يونس (10) : آية 11] وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) . احتوت الآية تنويها بحكمة من حكم الله تجاه الجاحدين للقائه. فلو أن الله عجل لهم الشر بدرجة استعجالهم الخير لكان في ذلك هلاكهم وانقضاء أمرهم. ولكن حكمته اقتضت إمهالهم إلى الأجل المعين في علمه حتى يحق عليهم العقاب إذا ظلوا سادرين في غوايتهم وطغيانهم. ولا يروي المفسرون رواية ما في صدد هذه الآية، وقد تبدو جملة مستقلة عن سابقاتها، غير أن تعبير لا يَرْجُونَ لِقاءَنا [11] فيها وفي الآيات السابقة يجعل الصلة قائمة بينها وبين هذه الآيات لتحتوي تنديدا بالذين لا يرجون لقاء الله بأسلوب آخر. وقد شرحنا حكمة تأجيل الله عذابهم على النحو الذي شرحناه لأنه هو المتبادر من روحها ومن مقتضى تلك الحكمة. وهذا المعنى انطوى في آيات عديدة منها ما ورد في سور سابقة، وإطلاق الكلام في الآية يجعلها مستمرة المدى والإنذار والتلقين في كل موقف مماثل في كل ظرف كما هو المتبادر. [سورة يونس (10) : آية 12] وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (12) . في الآية تنديد بخلق بعض الناس- والمقصودون هم المسرفون الجاحدون بلقاء الله أيضا على ما تلهم روحها- حيث اعتادوا حينما يمسهم ضرّ أن يلحفوا بالاستغاثة بالله تعالى وهم قاعدون وواقفون ومضطجعون. حتى إذا كشف الله عنهم الضرّ نسوه وكأنهم لم يدعوه ويستغيثوا به، وهذا هو شأن المسرفين في ضلالهم

[سورة يونس (10) : الآيات 13 إلى 14]

وعمايتهم الذين تزين الوساوس لهم أعمالهم فيرضون عنها مهما كان فيها تناقض وجحود. ولا يروي المفسرون رواية خاصة في صدد الآية، والمتبادر أنها هي الأخرى استمرار في السياق على سبيل التنديد بالجاحدين بلقاء الله بصيغة أخرى فيها صورة من صور جحودهم وتناقضهم. وفي الآية بيان صريح حاسم في عقيدة العرب بالله وشمول قدرته وكونه المتصرف المطلق في كل شيء والموئل في كل أمر. وإطلاق الكلام في الآية يجعلها هي الأخرى مستمرة المدى والتلقين والإنذار بكل موقف مماثل في كل وقت ومكان. [سورة يونس (10) : الآيات 13 الى 14] وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13) ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14) . في الآيات انتقال من الغائب إلى المخاطب، ومن التعميم إلى التخصيص، حيث وجه الخطاب فيها إلى السامعين بأسلوب تقريري: فالله سبحانه قد أهلك الأمم التي سبقت السامعين حينما ظلموا وانحرفوا، وجاءتهم الرسل بالبينات من الله فلم يؤمنوا ولم يرتدعوا. وهذه هي سنة الله في عقاب المجرمين أمثالهم. وقد جعل الله السامعين خلفاء في الأرض بعد أولئك الهالكين ويسّر لهم أسباب النمو والحياة ليختبرهم فيما يفعلون وفي أي الطرق يسلكون. والآيات غير منفصلة عن السياق، وفيها استطراد واستمرار في التنديد والإنذار، وانطوى فيها إنذار للجاحدين برسالة النبي صلى الله عليه وسلم بأن عذاب الله يوشك أن يقع عليهم كما وقع على من قبلهم جريا على سنة الله، لأنهم يقفون من رسوله إليهم الذي بعثه بالبينات ويصرون على الظلم والإجرام والجحود كما فعل من قبلهم فكان عقابهم الهلاك. ومع خصوصية الآيات الزمنية فإنه يتبادر لنا من روحها أنها تنطوي على إنذار

[سورة يونس (10) : الآيات 15 إلى 17]

وتنبيه ربانيين مستمرين للأجيال بعد الأجيال بأن على كل جيل يأتي بعد جيل فاسد أن يتعظ بما حل في هذا الجيل الفاسد الذي سبقه نتيجة لفساده وأن يعتبر نفسه في موقف الاختبار وعرضة للهلاك والدمار إن هو لم يتعظ وسار على درب الجيل الفاسد المجرم. [سورة يونس (10) : الآيات 15 الى 17] وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (16) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17) . (1) ولا أدراكم به: ولا أنزله عليّ لأبلغه لكم ويجعلكم تدرون به. في الآيات حكاية لبعض أقوال الكفار ومواقفهم من النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كانوا يطلبون منه إذا ما تلا عليهم ما يوحيه الله إليه من القرآن أن يأتيهم بقرآن غيره، أو أن يدخل فيه بعض التبديل والتغيير، وحيث أمر بالرد عليهم بأنه لا يمكنه أن يبدل ويغير فيه من عند نفسه وأنه إنما يبلغ ما يوحى إليه من الله عز وجل ويتبعه ويقف عنده، وأنه يعرف ما ينتظره من عذاب الله العظيم لو تجرأ وعصى ربه، وأنه إذ يبلغهم ما يوحى إليه إنما يفعل ما أمره الله الذي لو شاء ما تلاه عليهم ولا أنزله عليه ليبلغه لهم. وأنه لبث فيهم قبل الوحي القرآني عمرا طويلا فلم يصدر منه في هذا الصدد شيء، وأن هذا وحده كاف لإقناعهم بأن ما يبلغهم إياه هو وحي الله وقرآنه لو تمعنوا وتعقلوا وتدبروا. وانتهت الآيات بتقرير أن ليس أحد أشد ظلما ممن يفتري على الله الكذب في نسبة ما لم يصدر عنه إليه وفي تغيير ما يصدر عنه وتبديله، ولا ممن يكذب بآياته

تعليق على قول الكفار ائت بقرآن غير هذا أو بدله وجواب القرآن عليه

الصادرة عنه، وإنه لا يقدم على هذا إلا المجرمون الذين لن يفلحوا. وقد يتبادر أن التقرير المنطوي في الآية الأخيرة وارد بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم من ناحية وإلى المجرمين من ناحية أخرى في وقت واحد. وبالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ينطوي على تبرئته من أي احتمال للكذب على الله تعالى فيما يبلغه والله أعلم. تعليق على قول الكفار ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ وجواب القرآن عليه روى بعض المفسرين «1» أن خمسة من رجالات قريش جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فطلبوا منه الإتيان بقرآن ليس فيه تسفيه لعقولهم وحملة على آلهتهم وتبديل لهجته إذا كان يريد أن يستجيبوا له أو يسكتوا عنه، ويدعوه وشأنه فأنزل الله الآيات على سبيل حكاية قولهم والرد عليه. وفحوى الآيات يسوغ القول حقا أنها في صدد مشهد مثل هذا المشهد. وبكلمة ثانية يجعل الرواية محتملة الصحة ولو لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة. غير أن عطف الآيات على ما قبلها وورود تعبير لا يَرْجُونَ لِقاءَنا الذي تكرر وروده في الآيات السابقة يجعلاننا نرى في الآيات استمرارا للسياق. ونرجح أن المشهد كان قبل نزولها. فحكته الآيات في جملة ما حكاه السياق من مواقف الجاحدين بل إن خطورة المشهد الذي حكته يجعلنا نرجح أن السياق منذ بدء السورة هو تمهيد وتوطئة لحكايته. ولقد احتوت سورة الإسراء السابقة لهذه السورة في ترتيب النزول آيات ذكرت أن الكفار كادوا يفتنون النبي صلى الله عليه وسلم عما أنزل عليه ليفتري على الله غيره على ما شرحناه في سياقها. فليس بعيدا أن يكون الموقف والمطلب واحدا ولا سيما إن سورة يونس نزلت بعد سورة الإسراء على ما روته الروايات وقامت عليه القرائن أو أن يكون الكفار عادوا فألحوا فيما طلبوه فكان هذا المشهد الذي نزلت الآيات به.

_ (1) انظر الطبري والبغوي والخازن. [.....]

ولقد تكرر في السور السابقة حكاية مشاهد الجدل والحجاج حول القرآن، كما استمر في السور اللاحقة أيضا مما يدل على أن القرآن كان موضوع حجاج وأخذ ورد دائم بين النبي صلى الله عليه وسلم والكفار، ومما هو طبيعي لأنه أعظم وأقوى مظهر للنبوة والرسالة. وهذا الجدل المستمر بين النبي صلى الله عليه وسلم والكفار حول القرآن وحكايته فيه يؤيد ما قلناه قبل من أن تعبير (القرآن) كان يطلق على ما كان ينزل منه قبل تمامه أولا، ومن أن الفصول المحكمة فيه التي احتوت أسس الدعوة أي وحدة الله والإيمان برسالة النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء الآخرين وباليوم الآخر والتزام مكارم الأخلاق والأعمال الصالحة وعبادة الله وحده واجتناب الآثام والفواحش والشرك هي التي كان يقصد بها هذا التعبير ويدور حولها الجدل وتنزل الفصول التدعيمية الأخرى من قصص وأمثال وترغيب وترهيب وتذكير وتنديد وتسفيه لدعمها ثانيا، ولما كان جميع ذلك وحيا ربانيا فقد شملته دفتا المصحف ودخل في نطاق تعبير كلام الله وقرآنه. والمتمعن في الآيات يلمس صورة رائعة قوية تثير الإجلال والإعظام لصميمية الرسول صلى الله عليه وسلم في إبلاغه أمر الله القرآني ردا على طلب الكفار وإخلاصه وصدقه وعمق إيمانه بأنه إنما كان يبلغ وحي الله النازل عليه وباستشعاره خوفا عظيما تجاه أي احتمال في تبديل أو تعبير أو زيادة أو نقص فيما كان يوحى إليه في سياق إبلاغه وتفهيمه للناس. وفيها ردّ قوي على من يزعم أن القرآن نابع من نفس النبي صلى الله عليه وسلم. وفي الآية الثانية صورة من صور نشأة النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وشيء من سيرته وخلقه حيث تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتذكير السامعين بما كان من أمره وحالته قبل نزول الوحي عليه، وبأنهم يعرفونه ويعرفون أنه لم يكن فضوليا ولا مفتريا ولا كذابا ولا مندفعا في أي أمر وحركة، ولا راغبا في البروز والظهور، ولا مترشحا للنبوة، ولا شاعرا ولا خطيبا ولا كاتبا ولا قارئا، وإن هذا لدليل على أنّ ما كان يبلغه ليس منه وإنما هو وحي الله وقرآنه.

[سورة يونس (10) : آية 18]

ومن غرائب مفارقات مفسري الشيعة أنهم يقولون إن جملة (ائت بقرآن غير هذا) عنت طلب قريش الإتيان بقرآن لا يذكر إمامة علي للمسلمين ويذكر شخصا بديلا عنه «1» ، وتبدو شدة المفارقة إذا لوحظ أن الآية مكية وسياقها في صدد التنديد بالمشركين وسخف شركهم وحالة الضعف والقلة في المسلمين وكون عليا ما يزال صبيا. [سورة يونس (10) : آية 18] وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18) . في الآية تنديد بالمشركين لعبادتهم غير الله الذين لا يقدرون على ضرهم ونفعهم، وحكاية لاعتذارهم بالقول إنما يتخذونهم شفعاء لدى الله، وأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بسؤالهم سؤالا فيه تحدّ وسخرية عما إذا كانوا بذلك يخبرون الله تعالى بشيء في السموات والأرض لا يعلمه الله، ثم انتهت بتنزيه الله عما يشركه المشركون معه. والضمير في الآية عائد إلى الكفار الذين حكت الآيات السابقة جحودهم ومواقفهم ومطالبهم على ما هو المتبادر، وهي والحالة هذه متصلة بها ولعل التنديد الذي انطوى فيها متصل بما كانوا يطلبونه من النبي صلى الله عليه وسلم من الإتيان بقرآن لا يتعرض لشركائهم ولا يسفه عقولهم، فشركاؤهم لا يضرونهم ولا ينفعونهم وإشراكهم مع الله تعالى في العبادة والدعاء هو سخف يستحق كل التنديد. مدى عقيدة الشرك عند العرب ومدى عقيدة التوحيد الإسلامية وفي الآية صورة واضحة صريحة لمدى عقيدة الشرك العربية، وهي أنهم كانوا يعترفون بالله ويؤمنون بأنه الخالق الرازق المدبر المتصرف في كل شيء،

_ (1) انظر التفسير والمفسرون للذهبي ج 2 ص 67.

[سورة يونس (10) : آية 19]

القادر على كل شيء، ويعتبرون الشركاء الذين كانوا يشركونهم معه في الدعاء والعبادة شفعاء ووسائل زلفى لديه. ومعظم الآيات التي نددت بعقائد العرب تضمنت هذه الصورة أيضا بوجه عام، وقد مرّت أمثلة عديدة من ذلك بحيث يمكن أن يقال إن هذه العقيدة كانت هي العامة عندهم. والرد الذي ردت به الآية هنا وفي المناسبات الأخرى انطوى على تسفيه عبادة غير الله والاتجاه إلى غير الله ولو بقصد الاستشفاع والتوسط، وعلى تقرير كون ذلك شركا، وفي هذا تلقين مستمر المدى في صدد عقيدة التوحيد الإسلامية التي لا تتحمل أي ملابسة أو تأويل أو شائبة مهما أريد تهوينها وتخفيفها ومهما كانت صفة الشفعاء وماهياتهم بحيث يصح أن يقال إنها أنقى من أي ديانة أخرى. [سورة يونس (10) : آية 19] وَما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19) . تعليق على جملة وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا تعددت الأقوال في معنى الأمة الواحدة واختلاف الناس. فهناك من أوّل الأمة بالملّة على معنى الدين وقال إن في الآية تقريرا بأن الناس قد فطروا على فطرة واحدة هي الإسلام لله والتوحيد ابتداء من آدم. فمنهم من يستقيم على هذه الفطرة ومنهم من ينحرف عنها وهذا هو معنى اختلافهم «1» . وفي القرآن آيات قد تؤيد ذلك منها آية سورة الروم هذه: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) والحنيف هو الموحد المستقيم على التوحيد وهو الوصف الذي

_ (1) انظر تفسيرها وتفسير آية البقرة 213 في تفسير ابن كثير والطبرسي والبغوي مثلا.

وصف به إبراهيم عليه السلام في آيات كثيرة منها هذه الآية: ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) آل عمران [67] وقد وصفت ملة الأنبياء بالأمة الواحدة كما جاء في آية سورة الأنبياء هذه: إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) بعد سلسلة ذكر فيها طائفة من الأنبياء ونوّه بما كان من إخلاصهم وإسلامهم أنفسهم لله. وجاء بعد هذه الآية آية تشير إلى اختلاف الناس في الطريقة الدينية بعد كل نبي وهي هذه: وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (93) . وفي سورة المؤمنون آيات مماثلة جاءت في أعقاب سلسلة مماثلة وهي: وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) . ومن المفسرين من أوّل ذلك أيضا بالملة الدينية مع تحديد ملة إبراهيم عليه السلام الحنيفية وقال إن العرب كانوا في الأصل على هذه الملة فانحرفوا عنها إلى الشرك والوثنية وهو معنى الاختلاف «1» . ومنهم «2» من أوّل معنى الأمة الواحدة واختلاف الناس بفطرة ارتباط الناس ببعضهم وحياتهم الاجتماعية، فهم من هذه الناحية أمة واحدة. واختلافهم في مختلف الشؤون الدينية وغير الدينية طبيعي تبعا لما بينهم من تفاوت في القوى العقلية والدينية. واستشهد على ذلك بآية سورة البقرة هذه: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) مع أن الاختلاف المذكور في الآية هو الاختلاف في الدين على ما تلهمه روحها.

_ (1) المصادر السابقة. (2) انظر تفسير الآيتين المذكورتين في تفسير المنار للسيد رشيد رضا.

والذي نرجحه على ضوء آيات سورة الروم والأنبياء والمؤمنون أن الآية هي بسبيل تقرير وحدة الفطرة بالنسبة لجميع البشر، وأن المقصود بالآية هو الملة الدينية حيث يكون المراد من ذلك أن فطرة الاستشعار بوجود الله عز وجل الواحد المدبر الخالق الأزلي الأبدي المحيط بكل شيء المتصرف بكل شيء وبوجوب إسلام النفس إليه هي الأصل في جميع البشر على اختلافهم. وأن ما هم عليه من انحراف عن هذا الأصل هو طارئ نتيجة لاختلاف أهوائهم وماربهم وحوافزهم، وآية سورة البقرة تدعم هذا أكثر مما تدعم الرأي الثالث. ومن واجب المسلم أن يؤمن بهذه الحقيقة التي يقررها القرآن في الآية التي نحن في صددها وفي الآيات الأخرى التي أوردناها. على أنه يتبادر لنا في الوقت نفسه أن في الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن موقف الكفار الجحودي الذي حكته الآيات السابقة. فكأنها تريد التنبيه على أن موقفهم هذا ليس بدعا فقد كان ممن قبلهم تجاه رسلهم أيضا. وأن الله قادر على الانتقام منهم لولا أن حكمته اقتضت تأجيل ذلك إلى أجل معين عنده وقد تكرر مثل هذا الأسلوب من التسلية في مواقف مماثلة مرت أمثلة منه. على أن من المحتمل مع ذلك أن تكون الآية نزلت ردا على استغراب بدا من الكفار في سياق الجدل والنقاش، حيث يمكن أن يكونوا قالوا إنه كان في إمكان الله تعالى إذا صحت دعوى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل الناس جميعا على طريقة واحدة لا يختلفون فيها، فأريد بها تقرير أن ذلك في نطاق قدرة الله حقا وأن الناس يفطرون على فطرة واحدة أو كانوا على فطرة واحدة وأن اختلافهم إنما طرأ طروءا نتيجة لتباينهم في الأفكار والأخلاق والقوى، وأن حكمة الله تعالى اقتضت أن يتركوا أحرارا في التفكير والاختيار بعد أن يبين لهم رسله طريق الهدى وطريق الضلال، ويدعوهم إلى سلوك الأولى واجتناب الأخرى ليستحق كل منهم ما يستحقه بعدل وحق، وأن يؤجل قضاءه فيهم إلى أجل معين في علمه، وأن ذلك هو سبب استمرار اختلافهم.

[سورة يونس (10) : آية 20]

وقد تكرر تقرير هذا بأساليب متنوعة مرت أمثلة منها في مناسبات مماثلة. هذا، وواضح من كل ما تقدم أن الآية متصلة بالسياق السابق اتصال تعقيب واستطراد ورد. وواو العطف الذي بدأت به مما يؤيد ذلك فضلا عن مضمونها وصلته بموقف الكفار المحكي في الآيات السابقة لها. [سورة يونس (10) : آية 20] وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (20) . (1) لولا: هنا بمعنى هلا وينطوي فيها معنى التحدي. وفي الآية حكاية لتحدي الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم باستنزال آية من ربه تصديقا وتأييدا لدعواه، وأمر رباني له بالرد عليهم بأن الغيب والمستقبل بيد الله وأمره بأن يطلب منهم الانتظار ويعلنهم أنه معهم من المنتظرين. ولا يروي المفسرون رواية خاصة في نزول الآية وهي معطوفة على ما سبقها حيث يتبادر أنها استمرار في السياق لتحكي قولا آخر من أقوال الجاحدين وتعجيزهم مع الرد عليهم. ومثل هذا الطلب تكررت حكايته عنهم كثيرا بصيغ متنوعة مرّ بعضها في السور التي فسرناها، وشرحنا ما يتبادر لنا من حكمة الله في عدم تلبيته طلبهم وتحديهم. والمتبادر أن الكفار كانوا يرون في مثل هذا التحدي منفذا للتشفي والتعجيز. ومخرجا من المأزق الحرج الذي يضعهم فيه النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن الذي يتلوه عليهم ويفحمهم ويلزمهم به، مقابلة على ذلك بالمثل. ولعل عدم استجابة الله عز وجل لتحديهم وإجابة القرآن عليه بما تكرر وروده في كل موقف من مواقف تحديهم على ما مرّ شرحه في تلك السورة والسور الأخرى وبخاصة سورة الإسراء السابقة في النزول لسورة يونس مما كان يغريهم بتكرار التحدي.

[سورة يونس (10) : الآيات 21 إلى 24]

وفي هذا صورة من صور السيرة النبوية في العهد المكي فيها دلالة على ما كان المشركون عليه من قوة الخصومة والجدل والعناد. وهو ما وصفوا به بصراحة في آيات أخرى منها آيات سورة الزخرف هذه: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) . والرد الذي احتوته الآية ينطوي على وعيد، ويتجلى فيه كذلك عظمة تصميم النبي صلى الله عليه وسلم وثبات قلبه وعدم اعتبار التحدي مخرجا له حيث يؤمر أن يعلن أن الأمر بيد الله حاضره وغائبه، وليس هو إلّا رسول يقوم بما يؤمر به ويبلغ ما يوحى إليه وينتظر تصريف الله انتظار الواثق المطمئن ويطلب منهم الانتظار معه طلبا منطويا على الإنذار والتهديد. [سورة يونس (10) : الآيات 21 الى 24] وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (21) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23) إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) . (1) مكر: الأولى بمعنى مقابلة آيات الله بالجحود والنكران، والثانية بمعنى

مقابلة الله لهم بالانتقام السريع. (2) ظن أهلها أنهم قادرون عليها: اطمأن أصحابها وأهلها بأنهم مالكوها ومستمتعون بها وتيقنوا من ذلك. (3) حصيدا: هنا بمعنى الإبادة والمحو والتبديد. (4) كأن لم تغن بالأمس: كأنها لم تكن قائمة موجودة بالأمس والجملة بسبيل التعبير عن شدة التبديد والإبادة. معاني الآيات واضحة، وقد احتوت تنديدا بالذين يجحدون فضل الله ويقفون من رسله وآياته موقف المكر والمناوأة، وينقضون ما عاهدوا الله عليه حينما يتهددهم خطر البحر وعواصفه من الإخلاص له وحده بعد أن ينقذهم وينجيهم. وإنذارا لهم بأن مرجعهم إليه فيحاسبهم على مكرهم وبغيهم. وتمثيلا لمتاع الحياة الدنيا الخداع في زينته ومظهره، والذي لا يلبث أن يزول بعد أن يكون الإنسان قد ظن أنه ملك منه مشتهاه وتنبيها للسامعين بأن الله تعالى إنما يفصل الآيات ويضرب الأمثال لمن يريد أن يتدبر ويتفكر. وأسلوب الآيات هادئ رزين قوي موجه إلى القلوب والعقول معا من شأنه أن ينفذ إلى أعماق ذوي القلوب السليمة والنيات الحسنة. وفي أمر النبي صلى الله عليه وسلم في الآية الثانية بإعلان الناس بأن الله أسرع مكرا وفي ما جاء في الآية الرابعة من الهتاف بالناس بأن بغيهم إنما هو عليهم التفاتان قويان في سياق الأسلوب الخطابي يهزان النفس هزا. ولا يروي المفسرون فيما اطلعنا عليه رواية ما في صدد نزولها. وهي وإن كانت مطلقة التوجيه فالمتبادر أنها بسبيل التنديد بالكفار الذين حكت الآيات السابقة جحودهم واقترافهم ووقوفهم من آيات الله ورسوله ودعوته موقف الماكر الساخر المتحدي، مع اعترافهم بالله وما يرونه من فضله عليهم ومع ما يكون منهم من الإسراع إلى الاستغاثة به وحده في حالات الخطر والضرر، ومعاهدته على الشكر والإخلاص الدائمين حيث ينقضون بمواقفهم العهد الذي عاهدوه به، وهي

[سورة يونس (10) : آية 25]

على هذا غير منقطعة عن السياق السابق وفيها معنى التعقيب عليه. وفي الآية تقرير مكرر لاعترافهم بالله وكونه المعاذ والملجأ الحقيقي، القادر وحده على كشف الضرّ والأذى والخطر، والمنقذ وحده من الشدائد. وليس في التمثيل بمتاع الحياة الدنيا ما يفيد وجوب انصراف الإنسان عن متع الحياة ومطالبها، وكل ما يفيده هو التحذير من الاغترار بها والاستغراق في شهواتها استغراقا يجر إلى الإثم والفواحش وينسى الإنسان واجباته نحو الله والناس التي فيها وحدها السلامة في الدنيا والآخرة، وقد مرّ في سياق تفسير سورة الأعراف التنبيه إلى ما في بعض آياتها من استنكار تحريم زينة الحياة الدنيا والطيبات من الرزق حيث يتمثل في ذلك الضابط القرآني المحكم في هذا الأمر. ومع ما يفيد شرحنا للآيات من صلة بين فحواها وبين أحوال ومواقف الجاحدين السامعين للقرآن لأول مرة فإن إطلاق العبارة فيها يجعلها شاملة الخطاب والتوجيه والتلقين لكل الناس في كل مناسبة مماثلة وفي كل ظرف ومكان. [سورة يونس (10) : آية 25] وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (25) . في الآية إيذان رباني بأن الله تعالى إنما يدعو إلى دار السلام ويهدي بدعوته من استحق الهداية من عباده الصالحين إلى الطريق المستقيم الذي فيه النجاة لهم. والمتبادر أن الآية بمثابة تعقيب على الآيات السابقة وبخاصة الآية السابقة لها مباشرة التي تقرر أن الله تعالى إنما يفصل آياته لمن يريد أن يتدبر ويتفكر فيها. وقد أولنا جملة وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ بما أولناها به، على ضوء الآيات العديدة الأخرى التي تذكر أن الله يهدي إليه من أنيب وأنه لا يضل إلّا الفاسقين والظالمين على ما شرحناه في مناسبات سابقة. ولقد روى الطبري والبغوي عن قتادة أن (السلام) في الآية اسم الله وأن دار

[سورة يونس (10) : الآيات 26 إلى 27]

السلام هي الجنة. وقال البغوي إلى هذا وقيل إن الجنة وصفت بدار السلام لأن أهلها يحيي بعضهم بعضا والملائكة يحيونهم بالسلام على ما جاء في آيات عديدة منها الآية [10] من هذه السورة. على أنه يتبادر لنا مع ذلك أن التعبير ينطوي على معنى تطمين عام بأن الله تعالى إنما يدعو الناس إلى كل ما فيه سلامهم ونجاتهم وطمأنينتهم وأمنهم والله أعلم. [سورة يونس (10) : الآيات 26 الى 27] لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (26) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (27) . (1) يرهق: يغشى أو يلمّ أو يلحق أذى وشدة، والإرهاق أن يحمل الإنسان على ما لا يطيقه، وفي سورة الكهف آية فيها هذا المعنى: وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (73) . (2) قتر: دخان النار وسخامها. (3) عاصم: مانع أو ملجأ ويمنع العذاب عن مستحقه. في الآيات بيان لمصير المحسنين والمسيئين في الآخرة، فللأولين الحسنى وزيادة، فلا يغشى وجوههم قتر النار ولا تتلوث بسخامها ولا يصيبهم هوان ويكونون خالدين في الجنات، وللآخرين جزاء سيء من جزاء عملهم ولهم الذل والهوان ولن يجدوا لهم من الله عاصما، ويشتد سواد وجوههم من القتر والسخام ويكونون خالدين في النار. والآيات جاءت كما هو المتبادر معقبة على سابقاتها وهي والحالة هذه

متصلة بها واستمرار لها، وقد انطوى فيها تنويه بالمهتدين المحسنين وتطمين لهم وإنذار للكفار المسيئين وتنديد لهم. وإطلاق الكلام فيها يجعلها كسابقاتها عامة التوجيه والتبشير والإنذار لكل الناس في كل ظرف كما هو المتبادر. ولقد روى المفسرون عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعيهم أن الزيادة المذكورة في الآية الأولى هي رؤية الله عز وجل. وأوردوا أحاديث عديدة منها ما ورد في الصحاح ومنها ما لم يرد. ومن الأول حديث رواه الترمذي ومسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه، قالوا ألم تبيّض وجوهنا وتنجنا من النار وتدخلنا الجنة. قال فيكشف الحجاج فو الله ما أعطاهم الله شيئا أحبّ إليهم من النظر إليه» «1» . ومن الثاني حديث عن أبيّ بن كعب جاء فيه: «أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة قال الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله» «2» . ولقد أنكر الزمخشري صحة الأحاديث ووصف القول بإمكان رؤية الله تعالى بأنه قول المشبهة لأن في ذلك تجسيدا لله تنزه عنه سبحانه. وهذه المسألة من المسائل الخلافية في المذاهب الكلامية الإسلامية وقد شرحناها وعلقنا عليها في سياق تفسير سورة القيامة بما يغني عن التكرار. على أن الطبري والبغوي وغيرهما رووا تأويلات أخرى للكلمة منها أن الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب عزوا إلى علي بن أبي طالب، ومنها أنها زيادة في غفران الله ورحمته ومضاعفة أجر الحسنات أضعافا كثيرة عزوا إلى ابن عباس والحسن وقتادة. وإذا صحت هذه الأقوال فإن هذا يفيد أن قائليها لم يثبت عندهم الأحاديث التي تفسر الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى. ويتبادر لنا أن تأويل الكلمة في مقامها بمعنى مضاعفة الأجر وزيادة رحمة الله

_ (1) التاج ج 4 ص 129. (2) النص من الطبري، وفي الطبري حديث آخر من هذا الباب عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم.

[سورة يونس (10) : الآيات 28 إلى 30]

هو الأوجه، وأن هدف الآيتين على كل حال هو ما نبهنا عليه من تبشير وتطمين للمحسنين وإنذار وترهيب للمسيئين بأسلوبهما القوي ليغتبط الأولون ويستمروا على سيرتهم ويرتدع الآخرون ويثوبوا إلى الله والله أعلم. وحديث الترمذي ومسلم الذي بعد من الصحاح ليس في صدد تفسير الآية، وفيه مشهد أخروي والواجب على المسلم أن يؤمن بما جاء في القرآن وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من المشاهد الأخروية والوقوف عند ذلك دون تزيد وجدل مع استشفاف الحكمة. ومن الحكمة المتبادرة في الحديث التطمين والتبشير والله أعلم. [سورة يونس (10) : الآيات 28 الى 30] وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ (28) فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (29) هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (30) . (1) زيلنا: فرقنا وحجزنا. (2) تبلوا: تختبر وتذوق. (3) ضل عنهم: غاب عنهم أو بطلت دعواهم. في الآيات تصوير لما يكون من موقف المحاجة بين الله تعالى من جهة والمشركين وشركائهم من جهة أخرى، حيث يأتي الله سبحانه بالمشركين والشركاء ويوقفهم بين يديه كلا على حدة، وحيث ينكر الشركاء عبادة المشركين إياهم وصلتهم بهم ويستشهدون الله على براءتهم من ذلك وعدم علمهم بعبادتهم لهم، وحيث ترى بعد ذلك كل نفس نتيجة عملها وتتحمل تبعة ما قدمت، وحيث يقضي الله عز وجل الذي هو مولاهم الحق في أمرهم، وحيث يغيب عن المشركين شركاؤهم الذين كانوا يأملون فيهم الشفاعة والنفع وينكرونهم أو يفرون منهم. والآيات استمرار للسياق السابق كما هو المتبادر والتصوير قوي مؤثر أريد به

[سورة يونس (10) : الآيات 31 إلى 36]

فيما أريد بيان ما عليه المشركون من خطأ وسخف وما ينتظرهم من هوان وعذاب بسبيل حملهم على الارعواء والارتداع. وهذه هي المرة الثانية التي يحكي فيها جمع المشركين مع شركائهم يوم القيامة وتنصل هؤلاء منهم حيث حكي ذلك لأول مرة في سورة الفرقان التي مرّ تفسيرها. وقد استلهمنا من آية سورة الفرقان أن الشركاء المعنيين هم الملائكة وقد تلهم الآية التي نحن في صددها هذا أيضا. لأن الشركاء يستشهدون الله على كذب المشركين ويتنصلون منهم. وواجب المسلم أن يؤمن بما أخبر به القرآن من المشهد الأخروي في هذه الآية وأمثالها مع استشفاف الحكمة من ذكره مرارا، والمتبادر أن من هذه الحكمة تسفيه المشركين وجعلهم يتيقنون من عدم جدوى شركهم بهم عند الله ليرتدعوا ويرعووا ويتوبوا والله أعلم. [سورة يونس (10) : الآيات 31 الى 36] قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (31) فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32) كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (33) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (34) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35) وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (36) . (1) فأنّى تصرفون: فأين تذهبون وتنصرفون في تفكيركم الخاطئ. (2) فسقوا: تمردوا وعصوا وانحرفوا. (3) فأنّى تؤفكون: بمعنى «فأنى تصرفون» . (4) يهدّي: يهتدي.

معاني الآيات واضحة، وقد احتوت الأولى والرابعة والخامسة منها أمرا للنبي صلى الله عليه وسلم بتوجيه أسئلة استنكارية إلى المشركين عن المتصرف في الكون المدبر لكل أموره الخالق الرازق القادر على إخراج الحي من الميت والميت من الحي، المبدئ المعيد الهادي إلى الحق، وعما إذا كان من شركائهم من يقدر على ذلك، كما احتوت تقريرا بواقع الأمر من اعترافهم بأن الله عز وجل هو وحده الذي يقدر على ذلك ويفعله، وتقريعا لهم على انصرافهم مع ذلك عن مستلزمات هذا الاعتراف وعدم تقواهم الله تعالى ووقوفهم منه موقف الجاحد وإشراكهم معه في الاتجاه والخضوع شركاء عاجزين عن أي شيء من ذلك. واحتوت الآية الثانية تقريرا ربانيا مباشرا بأن الله الذي يعترفون بشمول قدرته ومطلق تصرفه هو الرب الحق وأن ما دونه هو الضلال المحض. واحتوت الآية الثالثة تقريرا مماثلا بأن كلمة الله بعدم الهداية والإيمان إنما تحق على الفاسقين. واحتوت الآية السادسة تقريرا مماثلا كذلك بأن المشركين لا يستندون في شركهم إلى عقل ومنطق وإنما يسيرون وراء الظن الذي لا يغني عن الحق شيئا. وقوة الإفحام والإلزام في الآيات ملموسة، وقد ازدادت بكون المشركين لا ينكرون أن الله تعالى هو الرب الأعظم الخالق الرازق المدبر، كما تشير إليه الآية الأولى صراحة وتلهمه الآيات التالية لها. ولا يروي المفسرون فيما اطلعنا عليه رواية خاصة في نزول الآيات، والمتبادر أنها متصلة بالسياق السابق الذي ظل يحكي مواقف المشركين وعنادهم ويقرعهم وينذرهم، ويلحظ فقط أنها انتقلت من الحكاية إلى توجيه الخطاب مباشرة إليهم مما جرى عليه النظم القرآني كثيرا، ومن المحتمل مع ذلك أن تكون هذه الآيات وما قبلها في صدد مواقف مناظرة وحجاج وجاهية بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين.

تعليق على جملة يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي

تعليق على جملة يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ ولقد قال المفسرون «1» في تأويل جملة يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ إن الحي هو ما كان فيه نسمة الحياة المتغذية النامية والميت ما لم يكن كذلك. وعلى هذا فالنواة والبذرة والنطفة والبيضة ميتة يخرج الله منها أنواع الحيوان والنبات الحية، ويخرج من هذه الأنواع تلك الأنواع الميتة. وإلى هذا فقد ذكروا ما تكرر تقريره في آيات عديدة مرّ بعضها من أن الله ينزل الماء على الأرض الميتة فيحييها بعد موتها كظاهرة من مظاهر مدى هذه الجملة وتأويلها. والجملة القرآنية على كل حال في صدد تقرير ما يشاهده الناس وتستوعبه أذهانهم للتنويه بقدرة الله تعالى ولسنا نرى والحالة هذه ضرورة لمحاولة التوفيق بين ما جاء في الآيات وتأويلات المفسرين القدماء لها وبين ما عرف فينا عن عالم الأحياء لأن ذلك ليس من أهداف الآيات القرآنية على ما نبهنا عليه في مناسبات سابقة مماثلة. ولقد ذكر المفسرون فيما ذكروه من وجوه تأويل الجملة خروج الكافر من صلب المؤمن وخروج المؤمن من صلب الكافر على مجاز كون الكافر بمثابة الميت والمؤمن بمثابة الحي. ونحن نرى في هذا تكلفا وبعدا عن مدى الجملة التي تكررت في القرآن بصيغ متقاربة والتي هي أكثر اتساقا وتوافقا مع التأويلات السابقة. تعليق على جملة كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ والآية الثالثة وهي تقرير أن كلمة الله حقت على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون

_ (1) انظر تفسير الآيات وتفسير آيات سورة آل عمران [37] وسورة الأنعام [95] التي فيها نفس الجملة في تفسير المنار والخازن والطبرسي وابن كثير.

[سورة يونس (10) : الآيات 37 إلى 39]

قد تضمنت قصد تقرير كون الذين لا يؤمنون بالحق ولا يتبعونه والذين يكابرون في الحقائق الباهرة ويتناقضون إنما هم الفاسقون الذين تعمدوا الانحراف والاعوجاج والعناد والجحود وفسدت أخلاقهم ونياتهم فحقت عليهم كلمة الله ولعنته وغضبه. وتضمنت بالتالي قصد تقرير كون فساد الخلق والنية وسوء الطوية في المرء هما اللذان يحولان دون اتباعه الحق. وكون الذين يهتدون بهدي الله هم ذوو النيات الحسنة والطوايا السليمة. وهذا المعنى مما تكرر تقريره صراحة تارة وضمنا تارة في مناسبات عديدة مرّ تفسير بعضها. والجملة بناء على هذا الشرح من قبيل وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ [البقرة: 26] ووَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ [إبراهيم: 27] من الضوابط التي يحسن أن يؤول بها العبارات التي تقرر كون كلمة الله حقت على بعض الناس بصيغة مطلقة أي بدون أن تقترن بتعليل الفسق أو الظلم أو الكفر، ويزول بها ما قد يرد من وهم وإشكال على العبارات القرآنية المطلقة. والجملة وإن جاءت مطلقة لتنطبق على كل فاسق في كل ظرف فإن الآيات التي وردت في سياقها قد وجه الخطاب فيها إلى المشركين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كما هو ظاهر من نصها، وتكون هي بالنسبة إليهم تسجيلا لواقع أمرهم عند نزولها في حين أن كثيرا منهم قد آمنوا حيث يصح أن يقال في شأنها ما قلناه في شأن أمثالها إنها ليست على التأييد والإطلاق إلّا بالنسبة لمن ظل كافرا فاسقا ومات كذلك. [سورة يونس (10) : الآيات 37 الى 39] وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (37) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (38) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39) . (1) ولما يأتهم تأويله: جمهور المفسرين يؤولون الجملة بمعنى (لما يروا بعد تحقيق ما يوعدون به من مصير وعذاب) والكلمة من آل بمعنى صار إليه من

تعليق على الآية وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله والآيتين التاليتين لها

عاقبة وعقبى. وليست هنا بمعنى تفسيره ومعناه. وتأويل الجمهور سديد. وقد مرّ مثل هذا التعبير بهذا المعنى في سورة الأعراف التي مرّ تفسيرها. تعليق على الآية وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ والآيتين التاليتين لها لا يروي المفسرون رواية خاصة في نزول الآيات والمتبادر أنها جاءت معقبة على ما قبلها لتنفي أي احتمال وشبهة بكون القرآن مفترى على الله تعالى، ولتؤكد بأنه موحى من ربّ العالمين من دون ريب، وأنه جاء مصدقا للكتب التي سبقته ومتطابقا معها، وفيه تفصيل وتطابق للمبادئ والأسس التي قامت عليها مما فيه البرهان القاطع على صدق صدوره عن الله عز وجل، ولتتحدى الكافرين في دعواهم افتراء النبي صلى الله عليه وسلم له بأن يأتوا بمثل سورة من سورة إن كانوا صادقين في دعواهم بأنه من صنعه، وأن يستعينوا على ذلك بكل من يستطيعون ويريدون. ولتقرر بعد هذا حقيقة الواقع من أمرهم: فهم إنما سارعوا إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم ونسبة افتراء القرآن إليه اعتباطا ومكابرة ودون أن يتدبروا محتوياته ويتمعنوا في مضامينه ويحيطوا بما فيه من علم وحقائق مغترين بعدم سرعة وقوعهم بسوء العاقبة الذي وعدوا بأن مآلهم إليه. وإن هذا كان شأن الذين كذبوا الرسل من قبلهم، وقد انتهت بلفت النظر إلى ما كان من عاقبة الظالمين المكذبين الأولين لفتا يتضمن الإنذار والوعيد للسامعين المكذبين. وأسلوب الآيات قوي نافذ في توكيدها وفي تحديها وفي تقريرها للواقع من أمر المكذبين كما هو واضح. وبداية الآية الأولى تتضمن مع النفي تقرير كون مثل هذا القرآن الذي احتوى ما احتواه من مبادئ وتعليمات سامية فيها صلاح البشر وسعادتهم في الدنيا والآخرة لا يعقل أن يكون مفترى. ولقد قررت سورة الإسراء السابقة في النزول لهذه السورة عجز جميع الإنس والجن عن الإتيان بمثل القرآن ولو اجتمعوا وتعاونوا، وهنا تحدت الآيات الكفار

تعليق على جملة صبار شكور

القائلين بأنه مفترى بالإتيان بشيء منه بأسلوب قوي مفحم، وقد تكرر هذا أكثر من مرة في سور عديدة أخرى قبل هاتين السورتين وبعدهما لأن الكفار ما فتئوا يخوضون في القرآن منذ أوائل نزوله وينسبون افتراءه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو اقتباسه من أساطير الأولين أو الاستعانة عليه بأناس آخرين على ما شرحناه في سياق سورة الفرقان، فيتكرر نزول الآيات لتتحداهم وترد عليهم في الوقت نفسه ردودا قوية مع تقرير عجزهم المطلق بأسلوب المستعلي الواثق من ذلك كما جاء في سورة الإسراء السابقة لهذه السورة وكما جاء بعد هذه السورة في آيات سورة هود هذه: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14) وآيات سورة الطور هذه: أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (34) وفي آيات البقرة هذه: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (24) هذا بالإضافة إلى آيات أخرى فيها ردود نافذة إلى أعماق النفس بغير أسلوب التحدي مثل آية سورة الشورى هذه: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (24) ومثل آيات سورة الأحقاف هذه: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8) قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9) . تعليق على جملة صَبَّارٍ شَكُورٍ وصيغة الجملة في الآية الأولى تأتي لأول مرّة بأسلوبها القوي متضمنة تنويها بمن يتحلى بهذين الخلقين وحثّا على التحلي بهما. ثم تكرر في آيات أخرى. ولقد

تعليق على كلمة (سورة)

علقنا على خلقي الصبر والشكر في مناسبات سابقة فلا ضرورة للإعادة. غير أننا رأينا أن نورد حديثين أوردهما ابن كثير في سياق تفسير الآيات التي جاءت فيها هذه الصيغة، والحديثان متقاربان مع زيادة في أحدهما وهو الذي يرويه الإمام أحمد عن سعد بن أبي وقاص قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عجبت من قضاء الله تعالى للمؤمن إن أصابه خير حمد ربه وشكر وإن أصابته مصيبة حمد ربه وصبر. وإن المؤمن ليؤجر في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى في امرأته» . وقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة هذه الصيغة: «عجبا للمؤمن لا يقضي الله تعالى قضاء إلا كان خيرا له. إن أصابه سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له. وليس ذلك إلّا للمؤمن» . وينطوي في الحديثين توضيح نبوي للجملة القرآنية وحث للمسلمين على أن يكونوا من الأشداء في الصبر في الضراء الشكورين للسراء. ومن تحصيل الحاصل أن نقول إن الحث على الصبر لا يشمل حثا ما للمؤمن على الصبر على ظلم أو عدوان وإنما الصبر المطلوب من المؤمن هو الصبر على المصائب والجوائح التي لا يكون فيها عدوان وبغي من أحد. وفي سورة الشورى وصف للمؤمنين بأنهم إذا وقع عليهم بغي انتصروا منه أي قاوموه وانتقموا من البغاة وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) . وجملة «وليس ذلك إلّا للمؤمن» في آخر الحديث الثاني ذات مغزى عظيم، حيث انطوى فيها تقرير كون المؤمن يبتغي بصبره وشكره رضاء الله ويأمل فيه، فيكون له الرضاء والأجر الربانيان خلافا لغير المؤمن بالله فإنه نادرا ما تجعله أخلاقه يقابل المصائب بالصبر والنعم بالشكر. ولا يكون له مدد من إيمان يجعله يفعل ذلك أملا في رحمة الله ورضائه. تعليق على كلمة (سورة) هذا، وبمناسبة ورود كلمة (سورة) هنا لأول مرة نقول إن المفسرين قالوا إما

[سورة يونس (10) : الآيات 40 إلى 41]

أن تكون الكلمة من سور المدينة حيث يحيط السور بكل ما فيها، وتحيط السورة بكل ما فيها من آيات القرآن، وإما أنها من السورة التي بمعنى المنزلة أو المرتبة، وإما أنها من السؤر الذي بمعنى البقية، وفي لسان العرب: السورة هي منزلة من البناء، ومنه سورة القرآن لأنها منزلة بعد منزلة مقطوعة عن الأخرى، ومهما يكن من أصل اشتقاقها اللغوي وأصل معناها فإن السياق الذي وردت فيه هذه الكلمة في القرآن يدل دلالة لا ريب فيها على أنها تعني مجموعة مستقلة وكاملة من الآيات والفصول القرآنية، وأن هذا المعنى كان مفهوما ومألوفا في الوسط العربي الذي خوطب بالقرآن لأول مرة، وأن تقسيم القرآن إلى المجموعات التي سميت سورا كان نتيجة لذلك أيضا. ولما كانت هذه الكلمة قد وردت بعد نزول طائفة كبيرة من القرآن المكي فمن الممكن أن يقال إن كثيرا من السور القرآنية كان في هذا العهد قائم الشخصية، وفي سورة هود التي يجيئ ترتيبها في روايات النزول بعد سورة يونس تحدّ للكفار بعشر سور مما فيه تأييد لما نقول. هذا عدا ما يلهم ذلك كثير من السور ذات المطالع والخواتم البارزة التي سبقت هذه السورة. [سورة يونس (10) : الآيات 40 الى 41] وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (40) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41) تعليق على آية وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ ولا يروي المفسرون فيما اطلعنا عليه كذلك رواية في مناسبة نزول الآيتين، وهما معطوفتان على ما قبلهما فتكونان والحالة هذه استمرارا للسياق. وقد قال بعض المفسرين «1» إن الآية الأولى تضمنت معنى التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم حيث تقرر أنه

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري والمنار وابن كثير والخازن والبغوي.

إذا كان من قومه من لا يؤمن بما جاء به فإن منهم من آمن وسوف يؤمن به، وعلى هذا يكون الخطاب الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتوجيهه موجها للمكذبين فقط ليعلنهم في ما إذا أصروا على تكذيبهم أن كلا منهم يتحمل تبعة عمله وكلا منهم بريء مما يعمله الآخر. وبعض المفسرين قالوا «1» إن الآيتين في صدد الكفار المكذبين، وإن الآية الأولى تضمنت تقرير أن من الكفار من يؤمن في سرّه بصدق القرآن وصحة الرسالة وإنما يكذب عنادا ومكابرة، ومنهم من لا يؤمن ولا يصدق. ويلحظ أن الآيتين معطوفتان على الآيات السابقة لهما التي يدور الكلام فيها على الكفار وتكذيبهم وتقريعهم، وأن الضمائر فيهما عائدة إليهم أيضا، وفحوى الآية الثانية قاصر على ما تلهمه روحها على الفريق الكافر فقط، وليس فيها ما يفيد تقسيمهم إلى مؤمن صادق وكافر، وهذا يجعلنا نرجح قول الفريق الثاني من المفسرين. وهناك روايات تذكر أن منهم من كان يقرّ في قرارة نفسه أن القرآن كلام الله ولكنه يعلن تكذيبه مداراة للناس أو عنادا كمثل الروايات التي رويت عن الوليد بن المغيرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ فقال لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى. وكان من نبهاء قريش فعلم بقوله أبو جهل فذهب إليه يؤنبه ويعاتبه ويثير غضبه على النبي صلى الله عليه وسلم حتى تراجع «2» . وفي رواية أخرى أن الوليد جاء إلى أبي بكر رضي الله عنه فسأله عن القرآن فتلا عليه منه ما تيسر فجاء إلى رجال قريش فقال يا عجبا لما يقول ابن أبي كبشة (يعني النبي صلى الله عليه وسلم) فو الله ما هو بشعر ولا بسحر ولا يهذي من الجنون وإن قوله لمن كلام الله، فخاف رجال قريش أن يؤمن ويعدي غيره، فجاء إليه أبو جهل يعيره ويوبخه ويثير حميته حتى تراجع «3» .

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير القاسمي والطبرسي والزمخشري. (2) انظر تفسير سورة المدثر في تفسير البغوي. (3) انظر تفسير السورة المذكورة في تفسير ابن كثير.

وفي بعض الآيات القرآنية دلالة ما على ذلك أيضا، مثل آية سورة القصص التي جاء فيها: وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا [57] حيث تلهم هذه الجملة أن قائليها كانوا يعتقدون في أنفسهم بصدق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم والوحي القرآني ولكنهم كانوا يخافون على مركز مكة وما يدرّه عليهم من منافع ويضمنه لهم من أمن. ومثل آية الزخرف التي جاء فيها: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) حيث تلهم هذه الجملة أن قائليها كانوا يعتقدون بصحة الوحي القرآني ولكنهم أنفوا من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم واستكبروا لأن الله لم ينزل القرآن على زعيم كبير من مكة أو الطائف. بل إن مفاوضات رجال قريش للنبي صلى الله عليه وسلم التي أشارت إليها سورة الإسراء [73] السابقة لهذه في التفسير وآية سورة القلم [9] وما روي في صددهما على ما شرحناه في تفسير السورتين لتؤيد ذلك أيضا. وفي الآيتين تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن موقف تكذيب المكذبين وإنذار لهم. فعليه أن يتبرأ من عملهم ويعلنهم أنهم وحدهم الذين يتحملون تبعته إذا أصروا على تكذيبه وأن لا يحمل نفسه همّا. وربه أعلم بالمفسدين الذين إنما يقفون موقف التكذيب لفساد أخلاقهم ولإفساد غيرهم وهو القادر عليهم. وقد يلمح في الآية الثانية بالإضافة إلى ما ذكرناه مبدأ حرية التدين الذي قررته سورة (الكافرون) وعلقنا عليه بما فيه الكفاية. والمصحف الذي اعتمدنا عليه يروي أن الآية الأولى من الآيتين مدنية. وهذا غريب جدا فهي شديدة الانسجام مع الآية الثانية ومع السياق السابق معنى وسبكا، ومضمونها متصل بظروف ومشاهد العهد المكي ولم نر في ما اطلعنا عليه من كتب التفسير تأييدا لذلك وكل هذا يسوغ الشك في الرواية. ولقد روى المفسرون عن بعض التابعين أن الآية الثانية منسوخة بآيات

[سورة يونس (10) : الآيات 42 إلى 43]

القتال. وهذا يذكر في سياق كل آية مكية مماثلة. والمتبادر أن هذا إنما يصح بالنسبة إلى من يقف موقف العدوان من الإسلام والمسلمين وحسب وقد شرحنا هذا الأمر في سياق سورة (الكافرون) شرحا وافيا. [سورة يونس (10) : الآيات 42 الى 43] وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ (42) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (43) . لا يروي المفسرون كذلك رواية ما في نزول هاتين الآيتين وهما معطوفتان على ما قبلهما، والمتبادر أنهما استمرار للسياق والتنديد. وقد وجه الخطاب فيهما للنبي صلى الله عليه وسلم أيضا كسابقتيهما فمن الكفار من يستمع إلى ما يتلوه من قرآن ولكنه يقف منه كالأصم الذي لا يسمع وليس عليه أن يسمع الصمّ الذين لا يسمعون ولا يعقلون ما يقال لهم. ومنهم من ينظر إليه ولكنه يقف كالأعمى فلا يرى أعلام نبوته وصدق مظاهرها فيما يقول ويفعل وليس عليه أن يهدي العمي الذين لا يبصرون. وظاهر أن الآيتين بسبيل تصوير شدة إصرار الكفار على العناد والمكابرة بالرغم مما يسمعونه من حجج القرآن وروحانيته ويرونه من دلائل صدق النبي صلى الله عليه وسلم في صميميته ودعوته وأفعاله وتفرغه لها وإشفاقه عليهم من غضب الله ونقمته. ويلمح فيهما أيضا قصد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وإيذانه بأنه قد قام بواجبه وأنه غير مكلف بعمل المستحيل من إسماع من لا يستطيع السمع وإراءة من لا يستطيع الرؤية وإقناع المكابر العنيد الصادر عن سوء النية وخبث الطوية. [سورة يونس (10) : آية 44] إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44) . (1) لا يظلم: بمعنى لا يجور. (2) أنفسهم يظلمون: ينحرفون عن جادة الحق فيضرون أنفسهم ويجورون عليها.

[سورة يونس (10) : آية 45]

المتبادر أن الآية جاءت معقبة على الآيات السابقة، وبسبيل تقرير كون الله تعالى إذا جازى المكذبين الذين وصفت مواقفهم في الآيات السابقة فإنما يكون ذلك بسبب هذه المواقف التي ظلموا بها أنفسهم. وفي الآية توكيد لمبدأ قرآني تكرر وروده وهو مسؤولية الناس عن أعمالهم التي يعملونها نتيجة لاختيارهم وكسبهم. ومن العجيب أن الخازن رغم ما في الآية من صراحة حاسمة قال إن الآية تعني أن الله تعالى إذا كتب الشقاء والعذاب على أحد فلا يعد ظلما لأنه يفعل ذلك بمقتضى كونه صاحب التصرف المطلق في عباده وأن ابن كثير قال شيئا من ذلك خلافا للطبري والطبرسي والبغوي والزمخشري الذين فسروا الآية بما يتفق مع ظاهرها الحاسم الذي شرحنا مداه. ومن العجيب أن ابن كثير مع ما قاله قد أورد حديثا رواه مسلم عن أبي ذر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم يروي عن ربه أنه قال يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها. فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» . حيث ينطوي في الحديث توكيد لذلك المبدأ وتساوق مع ظاهر الآية ومع تفسير الطبري والبغوي والطبرسي والزمخشري. [سورة يونس (10) : آية 45] وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (45) . المتبادر أن الآية استمرار للسياق والحديث عن الكفار المكذبين أيضا، وقد تضمنت تقرير كونهم حين يحشرهم الله إليه بعد موتهم سيندهشون لأنهم يشعرون أنهم لم يكادوا يغيبون إلّا ساعة من النهار، وسيعرف بعضهم بعضا كأنما هم حديثو عهد بالفراق. وسيتحققون من أنهم قد خابوا وخسروا، لأنهم كذبوا بلقاء الله والبعث الأخروي ولم يهتدوا بهدى الله.

[سورة يونس (10) : آية 46]

وفي الآية إنذار قوي للكفار استهدف فيما استهدفه بثّ اليقين فيهم بالبعث وحملهم على الندم والارعواء، بالإضافة إلى ما فيها من حقيقة إيمانية. وقد تكرر فحوى الآية بصيغ متقاربة أكثر من مرة بعد هذه السورة لتوكيد ما استهدفته من إنذار وتقرير ما تضمنته من حقيقة إيمانية. [سورة يونس (10) : آية 46] وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (46) . الآية استمرار للسياق والحديث عن الكفار أيضا كما هو المتبادر. وقد وجه الخطاب فيها للنبي صلى الله عليه وسلم لتقول له سواء أراه الله تحقيق بعض ما وعدهم الله من عذاب الدنيا وغضبه، أم توفاه قبل ذلك فإليه مرجعهم أولا وآخرا. وهو شهيد على ما يفعلون وموفيهم حسابهم كما يستحقون. وقد احتوت الآية تسلية وتطمينا للنبي صلى الله عليه وسلم كما احتوت إنذارا للكفار أيضا. [سورة يونس (10) : آية 47] وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (47) تعليق على جملة وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ولا يروي المفسرون رواية ما في صدد الآية، وهي معطوفة على ما قبلها بحيث يصح القول إنها غير منقطعة عن السياق وبمثابة تعقيب عليه وقد روى المفسرون عن أهل التأويل من التابعين تأويلين أو احتمالين لمدى الآية، الأول أن يكون صدد الحياة الأخرى فتكون بسبيل تقرير أن الله تعالى يحاسب يوم القيامة كل أمة بحضور رسولها فيقضي فيها بالحق ودون ما ظلم. وفي القرآن آيات تقرر هذا المفهوم عامة وخاصة مثل آيات سورة الزمر هذه: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي

[سورة يونس (10) : الآيات 48 إلى 52]

السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (68) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (69) ومثل آيات سورة النساء هذه: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (40) فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (42) . والثاني أن تكون في صدد الحياة الدنيا فتكون بسبيل تقرير سنة الله في إرسال الرسل للأمم. فإذا جاء إلى أمة رسول يكون قد تعين بذلك مصيرها بالحق دونما ظلم حيث يكون نصيب المؤمنين الصالحين النجاة ونصيب المكذبين المسيئين الخسران. ومع وجاهة كل من الاحتمالين فنحن نميل إلى ترجيح التأويل أو الاحتمال الثاني لأنه متصل برسالة النبي صلى الله عليه وسلم وموقف المكذبين، وفيه إعلان لهؤلاء بأنهم لم يبق لهم عذر ولا مناص بعد بعثة رسول منهم إليهم، وأنهم أمام خطتين يتحتم عليهم اختيار إحداهما ويكون مصيرهم منوطا بهذا الاختيار، فإما الإيمان والنجاة وإما التكذيب والخسران، وهذا هو قضاء الله العادل الذي لا ظلم فيه ولا إجحاف. وفيه بالتالي إنذار لهم ودعوة لهم إلى الارعواء وعدم إضافة الفرصة فيندمون ولات ساعة مندم. والآية من ناحية ما تدعم ما ذكرناه في سياق آية سورة فاطر: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ (24) من كون حكمة الله تعالى وسنته جرتا على إرسال الرسل إلى كل أمة في كل ظرف. ولا نرى هذا متعارضا مع حكمة الله تعالى التي شاءت أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين كما نصت على ذلك آية سورة الأحزاب [40] حيث صار عليه صلوات الله وسلامه رسولا لكل البشر إلى يوم القيامة. [سورة يونس (10) : الآيات 48 الى 52] وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (48) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (49) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50) أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (51) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (52) . في الآية الأولى حكاية لتساؤل الكفار عن موعد تحقيق ما يوعدون به. وفي الثانية أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يرد عليهم قائلا إنه لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا وكل شيء منوط بمشيئة الله تعالى، وإن لكل أمة أجلا عنده لا تستأخر عنه ساعة ولا تستقدم، وفي الآية الثالثة وما بعدها أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بسؤال الكفار بالمقابلة عن استعجالهم لعذاب الله وغضبه الذي قد يأتيهم ليلا أو نهارا، وعمّا إذا كانوا يظنون أنه إذا وقع عليهم يبقى لهم مجال للإيمان، وبإعلانهم أن هذا لن يتيسر لهم وأن عذاب الله إذا وقع عليهم يكون قد قضى في أمرهم ولم يبق إلّا أن يخلدوا في النار جزاء ما كسبت أيديهم. ولا يروي المفسرون رواية خاصة في نزول الآيات فإما أن تكون حكاية مشهد وجاهي جديد بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين بعد الآيات السابقة التي فيها وعيد لهم وحكاية لمواقفهم، فنزلت بعده، وإما أن تكون حكاية مشهد سابق للسياق كله سيق في صدد حكاية مواقف المشركين وأقوالهم. وعدم رواية خاصة في نزولها يجعلنا نرجح الاحتمال الثاني فتكون الآيات والحالة هذه استمرارا للسياق. وسؤال الكفار الذي حكته الآية الأولى ينطوي كما هو ملموح على تحدي النبي صلى الله عليه وسلم ثم على استهتارهم بما يوعدون به. وقد جاء الرد القرآني في الآية الثالثة وما بعدها قويا لاذعا ينطوي على التوكيد الحاسم بتحقيق وعد الله. وقد وجه الخطاب فيه إلى القلوب والعقول معا، ونوقش الكفار فيه مناقشة محكمة من شأنها أن تبعث الخوف في نفوسهم من فوات الفرصة ووقوعهم في حسرة الندامة، وهو ما استهدفته الآيات في جملة ما استهدفته.

[سورة يونس (10) : الآيات 53 إلى 56]

وهذا السؤال من الكفار بنفس أسلوب التحدي والاستهتار قد تكرر صدوره من الكفار لتكرر الوعيد والإنذار لهم حيث كانوا كلما وعدوا وأنذروا بعذاب الله قابلوا ذلك بالاستخفاف والسؤال الاستنكاري. وفي هذا صورة لما كان يتكرر وقوعه بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم من أخذ ورد وتشاد. وفي الآية الثانية تتجلى صورة رائعة لصميمية النبي صلى الله عليه وسلم حيث يؤمر فيعلن عن نفسه وفي موقف تحدي الكفار له بأنه ليس له من الأمر شيء حتى فيما يتعلق بنفسه، وأنه ليس عليه إلّا التبليغ والإنذار دون أن يذهله تحدي الكفار وتعجيزهم عن واجبه والاستمرار فيه، وقد تكررت هذه الصورة الرائعة نتيجة لتكرر الموقف نفسه. وقد جاء مثل هذه الصورة في الآية [188] من سورة الأعراف التي مرّ تفسيرها. [سورة يونس (10) : الآيات 53 الى 56] وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (53) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (54) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (55) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (56) . (1) يستنبئونك: يستخبرون منك ويسألونك. الآيات تحكي سؤال الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم عما إذا كان ما يتوعدهم به القرآن من البعث والحساب الأخروي حقا وصدقا بأسلوب الذي يريد التوثق أو يبالغ في الإنكار والشك ويظن أن الوعيد تهويش وتخويف وتأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتوكيد ذلك وكونه حقا وكونهم لن يعجزوا الله ولن يخرجوا عن شمول قدرته وإحاطته، وتحكي ما سوف يكون عليه حال الكفار يوم القيامة من الشدة والفزع والندامة حين يرون العذاب ويسمعون قضاء الله العادل الرهيب فيهم حتى لو كان لكل واحد منهم جميع ما في الأرض لقدمه فدية عن نفسه وتهتف بالناس مؤكدة بأن وعد الله حقّ لا ريب فيه وهو قادر على تحقيقه كل القدرة لأنه الذي له ما في السموات والأرض

[سورة يونس (10) : الآيات 57 إلى 58]

والذي يحيي ويميت وإليه مرجع الناس على كل حال. ولا يروي المفسرون رواية ما في صدد نزول الآيات وهي معطوفة على سابقاتها حيث يصح القول إنها متصلة بالآيات السابقة سياقا وموضوعا حيث تستمر في حكاية أقوال ومواقف الكفار، وترد عليهم مقرعة منددة منذرة متوعدة بأسلوب قوي استهدف فيما استهدفه إثارة الخوف والارعواء في نفوسهم. [سورة يونس (10) : الآيات 57 الى 58] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) . هتفت الآية الأولى بالناس لا فتة نظرهم إلى ما جاءهم من ربهم من موعظة على لسان رسوله ليبين لهم الحق من الباطل ويشفي صدورهم من الحيرة ونفوسهم من القلق ويكون للمؤمنين به الهدى والرحمة والسكينة والطمأنينة، وأمرت الآية الثانية النبي صلى الله عليه وسلم بتقرير ما انطوى في ذلك من فضل الله ورحمته مما هو الأجدر بإثارة فرح الناس واستبشارهم والأفضل من كل ما يشغلهم من متاع الدنيا وما يحوزونه من أعراضها. والمتبادر أن الآيتين ليستا منقطعتين عن السياق السابق، وأنهما جاءتا معقبتين على ما سبق من الإنذار، وبسبيل دعوة السامعين إلى إدراك فضل الله ورحمته في إرسال الرسل إليهم وتنزيل ما فيه الشفاء والموعظة لهم عليهم، وأسلوبهما رائع عظيم. وقد انطوى فيهما تنويه بأثر الإيمان في النفوس وما يوجده من لذة روحية تفوق كل لذة وتستحق أن يضحى في سبيلها بكل متاع زائل. فليست راحة المرء ولذته فيما يمكن أن يجمعه من حطام الدنيا ويستمتع به من متع إذ أن كثيرا ما يوجد مع هذا منغصات وآلام، وإنما هما في طمأنينة القلب وسكينة النفس ونور اليقين وراحة الضمير وكل هذا إنما يتيسر بالإيمان ويتحقق للمؤمنين الصادقين في إيمانهم، وفي هذا تلقين جليل مستمر المدى.

[سورة يونس (10) : الآيات 59 إلى 60]

وقد قال الطبرسي إن الآية الثانية أمرت النبي صلى الله عليه وسلم بدعوة المؤمنين للفرح والسرور بما شملهم الله من رحمته ومنحهم من فضله، وتوكيد كون ما حصلوا عليه من ذلك هو خير مما يتمتع به الكفار ويملكونه ويجمعونه. ولا يخلو هذا من وجاهة ولا يتعارض مع ما شرحناه من مداها المستمر التلقين. [سورة يونس (10) : الآيات 59 الى 60] قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59) وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (60) . في الآية الأولى أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بسؤال الكفار بأسلوب تنديدي عما إذا كانوا يستندون في تحليلهم وتحريمهم رزق الله الذي رزقهم إياه إلى إذن الله وتعاليمه أم أنهم يفترون عليه، والسؤال يتضمن تقرير كون ذلك منهم افتراء على الله. وفي الآية الثانية إنذار للذين يفترون على الله. فهل يظنون أنهم ينجون من عذاب الله ونكاله يوم القيامة، والسؤال يتضمن نفي نجاتهم وقد ذكرت الفقرة الثانية من الآية بأسلوب تنديدي بما يغدقه الله من فضله على الناس وبعدم شكر أكثرهم لفضله إذ يقفون من آياته ورسله موقف الجاحد المناوئ. والآيتان تنطويان على تقرير كون زعم المشركين بأن ما يحرمونه وما يحللونه نسبة إلى الله هو افتراء عليه وبدون أي سند وأنهم بذلك لا يتلقون نعم الله وأفضاله على وجهها الحقّ ويسيئون استعمالها. ولا يروي المفسرون رواية ما في صدد نزول الآيتين، والمتبادر أنهما فصل من الفصول التي ما فتئت تحكي أقوال المشركين ومواقفهم على سبيل التنديد والتسفيه والإفحام. فهما والحالة هذه ليستا منقطعتين عن السياق وتوجيه الخطاب إلى مخاطبين كانوا يخاطبون قبلهما وهم الكفار قرينة على ذلك. والآية الأولى تنطوي على صورة من صور ما كان عليه العرب من تقاليد دينية حيث كانوا يحرمون بعض الأنعام في ظروف خاصة، أو يحظرونها على فريق

[سورة يونس (10) : آية 61]

ويبيحونها لفريق، ويعتبرون ذلك من التقاليد الدينية التي التي أمر الله بها وجرى الأجداد والآباء عليها، وقد احتوت سورتا المائدة والأنعام آيات عديدة في صدد هذه التقاليد التي سوف نشرحها في سياق تفسير السورتين اللتين إحداهما في هذا الجزء. [سورة يونس (10) : آية 61] وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (61) . (1) تفيضون فيه: تخوضون وتكثرون الحديث فيه. (2) يعزب: يغيب أو يضيع أو يذهب. (3) ذرّة: لغة هي واحدة من صغار النمل. وقد تكرر ورودها في القرآن للتعبير عن أخف شيء وزنا. الضمير في فعلي (تكون) و (تتلو) عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم على ما قاله المفسرون. أما الضمائر الواردة في الفقرات الأخرى فهي عائدة إلى المخاطبين بالقرآن كما هو ظاهر. وعلى كل حال فالآية بسبيل تقرير شمول علم الله تعالى وإحاطته بكل شيء: فما من شأن يكون فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وما من مجلس يتلو فيه قرآنا، وما من عمل يعمله السامعون، وما من حديث يخوضون فيه إلا هو مشهود من الله سبحانه وعلمه محيط به ومعلوم له ما فيه من نوايا ومقاصد، فهو لا يعزب عن علمه وإحاطته شيء في الأرض ولا في السماء ولو كان مثقال الذرة في الضؤولة أو أقل أو أكبر. والآية معطوفة على ما قبلها وفيها معنى التعقيب على الآيات السابقة لها مباشرة. وفيها إنذار للناس في كل ظرف ومكان ليكون ما يقولون ويعملون مما يرضي الله ولا يسخطه.

[سورة يونس (10) : الآيات 62 إلى 64]

[سورة يونس (10) : الآيات 62 الى 64] أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64) . في الآيات هتاف تنويهي بأولياء الله تعالى وتطمين لهم بأنهم لا خوف عليهم ولا حزن وتعريفهم بأنهم المؤمنون المتقون، وإعلان البشرى لهم في الحياة الدنيا والآخرة وتقرير كون ذلك حقا لهم عند الله الذي لا تبديل لكلماته، وفي هذا ما فيه من الفوز العظيم. تعليق على الآية أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ والآيتين التاليتين لها وما روي في صدد ذلك من أحاديث روح الآيات ومضمونها متسقان مع الآيات السابقة سياقا وموضوعا كما يتبادر عند التمعن فيها. فقد نددت الآيات السابقة بالمفترين على الله المكذبين لرسالة نبيه وقرآنه وأنذرتهم فجاءت هذه لتنوّه بالذين استجابوا لهذه الرسالة وتولوا الله ورسوله. وبذلك يصح القول إنها جزء من السياق ولا سيما أنه لم ترو رواية خاصة في نزولها. وجمع الإيمان مع التقوى في الآيات جدير بالتنبيه والتنويه، من حيث كون الإيمان أمرا قلبيا وغيبيا وكون التقوى برهانا عليه يعني التزام كل ما أمر الله ورسوله به وكل ما نهيا عنه لينال المؤمن رضاء الله تعالى ويتفادى غضبه ولا يمكن أن تصح دعوى الإيمان إلّا به. ومن حيث إن التقوى بالتالي هي أعظم مظاهره على ما شرحناه شرحا أو في سياق سورة العلق. وفي كتب التفسير «1» بعض الأحاديث في سياق هذه الآيات. ومن ذلك في صدد الآية الأولى حديث في صيغ عديدة روى صيغة منها أبو

_ (1) انظر كتب تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والخازن، وقد استوعبها الطبري.

داود عن عمر جاء فيها: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء ويغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانتهم من الله. قالوا يا رسول الله أخبرنا من هم وما أعمالهم فإنا نحبّهم لذلك. قال هم قوم تحابّوا في الله بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها. فو الله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس وقرأ أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) » «1» . ويتبادر لنا أن الحديث لا يعني أن الفئة المذكورة فيها أعظم من الأنبياء والشهداء، وكل ما يعنيه أنهم ذوو منزلة عظمى عند الله يمكن أن ينالها غير هاتين الطبقتين اللتين تكونان قلة على كل حال بالنسبة للمؤمنين الصالحين في الأجيال المتعاقبة التي لا تحصى إلى يوم القيامة. ومع واجب الإيمان بما يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشاهد الأخروية والأمور المغيبة فحكمة الحديث المتبادرة هي الحثّ على نيل هذه الدرجة بالتحلي بما فيها من صفات لا بد من أن الإيمان والتقوى منطويان فيها والتنويه بمن ينالها. وفي صدد الآية الثالثة حديث في صيغ عديدة روى واحدة منها الترمذي والحاكم وصححها جاء فيه: «قال رجل من أهل مصر سألت أبا الدرداء عن هذه الآية قال ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها قال ما سألني عنها أحد منذ أنزلت فهي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له» «2» . ويلحظ أن هذه الآية معطوفة على سابقتيها ومبشرة بحسن منزلة أولياء الله في الدنيا والآخرة. ولا تبدو حكمة لتفسير البشرى الموعودة بالرؤيا الصالحة إلا أن يكون أريد بذلك زيادة التطمين والبشرى، والله أعلم. ولقد تطرق السيد رشيد رضا والسيد جمال القاسمي في تفسيريهما في سياق تفسير الآيات إلى الفئة التي اعتاد العوام أن يلقبوها بلقب ولي الله ويرووا عنها

_ (1) التاج ج 5 ص 76. (2) التاج ج 4 ص 129. [.....]

[سورة يونس (10) : الآيات 65 إلى 67]

النوادر والكرامات ويلجأوا إليها لإخبارهم بالغيبيات وكشف ما يلم بهم من ملمات ويتخذوا قبورها مزارات وأماكن عبادة وتوسل واستغاثة وينذروا لها النذور. واعتاد أفراد منها أن يصنفوا أنفسهم صنوفا كالأقطاب والأوتاد والمرشدين وأن يتزيوا بأزياء خاصة ويتظاهروا بمظاهر عجيبة كثيرا ما تتناقض مع ما يقتضيه الإيمان والتقوى وأحكام القرآن والسنة. وينبهوا على أن الآيات لا تعني فئة محددة مثل هذه الفئة وحذروا الناس من ذلك، وهذا حق وسديد. فليس في الآيات ولا في الأحاديث سند لمثل هذه المظاهر والمزاعم التي قد ينخدع بها الناص والتي قد يقعون بها في مزالق الشرك والله تعالى أعلم. [سورة يونس (10) : الآيات 65 الى 67] وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65) أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (66) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67) . (1) العزة: هنا بمعنى القوة والعظمة والملك الشامل. (2) يخرصون: يخمنون تخمينا لا يقين فيه ويظنون ظنا. تأمر الآيات النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يحزن من أقوال الكفار وتطمئنه بأن الكرامة والعزة والعظمة لله في كل ظرف وحال وهو سميع لكل ما يقال عليم بكل ما يجري، وتقرر هاتفة بأن كل من في السموات ومن في الأرض ملك لله خاضعون له، وبأن الكفار الذين يدعون غيره لا يدعون في الحقيقة أحدا دعاء الواثق المستيقن من صحة وجوده وشركته مع الله وإنما هم متوهمون توهما ومخمنون تخمينا. وتشير إلى مظهر من مظاهر قدرة الله كدليل على كونه المتصرف وحده في الكون فهو الذي جعل الليل مظلما ليسكنوا فيه وجعل النهار منيرا ليسعوا فيه. وفي

[سورة يونس (10) : الآيات 68 إلى 70]

هذا آيات ربانية لمن يريد أن يسمع ويرى ويتدبر الأمر دونما عناد ومكابرة. والآيات كما هو المتبادر من روحها وعطفها على ما سبقها مفصلة بالسياق وفيها استمرار لحكاية مواقف الكفار وتطمين للنبي صلى الله عليه وسلم وتقرير واقع الأمر من شرك المشركين. ولقد كان المشركون يعترفون بكون الله تعالى هو وحده خالق الكون ومدبره ومبدع نواميسه المتصرف فيه، فجاءت الآية الثالثة تذكر مظهرا من مظاهر ذلك مذكرة منددة، ولقد جرى النظم القرآني على ذكر بعض المظاهر الكونية دون بعض على سبيل الاستشهاد والتذكير ولا تعني حصرا، وما احتوته الآية الثالثة من هذا الباب. [سورة يونس (10) : الآيات 68 الى 70] قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (69) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (70) . (1) إن عندكم من سلطان بهذا: ليس عندكم برهان ولا حجة على هذا. تحكي الآيات عقيدة المشركين باتخاذ الله ولدا وتنزهه عن ذلك وتقرر أنه غني عنه لأن له ما في السموات والأرض وليس في حاجة إلى ولد يساعده أو ولي ينصره أو شريك يسنده، وتؤكد بأن ما يقولونه غير مستند إلى علم وبرهان وإنما هو كذب وافتراء على الله، وتنذرهم بأن مرجعهم إلى الله بعد متاع الحياة الدنيا القصير فيذيقهم جزاء افترائهم وكذبهم عذابه الشديد. والآيات كذلك متصلة بالسياق كما هو المتبادر. وفيها تزييف لعقيدة اتخاذ الله ولدا بأسلوب قوي المنطق والإلزام. والمتبادر أن ما حكته عن هذه العقيدة يعني عقيدة المشركين بأن الملائكة بنات الله وكلمة الولد تطلق على الذكر والأنثى والمفرد والجمع.

[سورة يونس (10) : الآيات 71 إلى 73]

[سورة يونس (10) : الآيات 71 الى 73] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (71) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) . (1) أجمعوا أمركم وشركاءكم: تفاوضوا واتفقوا مع شركائكم على الموقف وأجمعوا كلمتكم فيه. (2) غمة: مستورا أو مبهما أو مغطى. (3) اقضوا إليّ: أبلغوني بما تقررون أو اقضوا عليّ. (4) ولا تنظروني: ولا تمهلوني. (5) خلائف: خلفاء في الأرض بعد الهالكين منهم. تعليق على قصة نوح عليه السلام هذه الآيات حلقة من سلسلة قصصية جاءت على العادة القرآنية التي جرت عقب أكثر مواقف الجدل والحجاج والتعجيز والتحدي التي كانت تقوم بين النبي صلى الله عليه وسلم والكفار لتضرب لهم المثل وتذكرهم بمواقف ومصائر من سبقهم من أمثالهم فهي والحالة هذه متصلة بالسياق السابق اتصال تعقيب وتذكير. والحلقة تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يذكرهم بنبإ نوح وما كان من نجاته مع من آمن معه وهلاك الكافرين، والآيات واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر، وفيها بشرى وتثبيت وتطمين للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وإنذار للكفار. والبداية التي بدئت بها السلسلة تؤكد ما قلناه مرارا من هدف القصص القرآنية وحكمة تكرارها، فالقصص للعبرة والتذكير والتمثيل والتكرار لتجدد المواقف وتكررها.

[سورة يونس (10) : آية 74]

وقصة نوح عليه السّلام مقتضبة هنا، ولقد جاءت هذه القصة مفصلة في سور كما جاءت مقتضبة في سور أخرى حسب مقتضى حكمة التنزيل ولقد سبق شرح لقصة نوح في سور سبق تفسيرها فلم يعد ضرورة لشرح جديد. [سورة يونس (10) : آية 74] ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (74) . (1) نطبع: بمعنى نختم ونغلق، والطبع والختم على القلوب تعبير مجازي يراد به معنى إغلاقها عن فهم ما يخاطب به أصحابها. في الآية إشارة مقتضبة إلى ما كان من إرسال الله الرسل إلى أقوامهم من بعد نوح عليه السّلام وإلى ما كان من تكذيبهم للرسل كما كذب الذين من قبلهم وعدم إيمانهم. وخاتمة الآية تقرر أن المعتدين هم الذين كذبوا أولا وآخرا أي أن انحرافهم وفسادهم هما اللذان ساقاهم إلى الكفر والتكذيب. ولذلك طبع الله على قلوبهم. والعبارة من باب عبارة آية سابقة في هذه السورة وهي: كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (33) وما قلناه في سياقها يقال هنا بطبيعة الحال فلا حاجة إلى التكرار. وقد هدفت الآية إلى تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم بذكرها مواقف ذوي النيات السيئة الناشزين من الأمم السابقة من رسلهم ليعرف من ذلك أن مواقف ذوي النيات السيئة من قومه ليست بدعا. [سورة يونس (10) : الآيات 75 الى 93] ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (75) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76) قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (78) وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (79) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (80) فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82) فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83) وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (86) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87) وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (88) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (89) وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (92) وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93)

(1) أن يفتنهم: أن يعذبهم ويردهم عن الإيمان قهرا. (2) من المسرفين: المتجاوزين الحدّ في العتوّ والبغي. (3) تبوّأا: هيأ واختارا. (4) عدوا: عدوانا واعتداء. (5) بوّأنا: مكّنا وخوّلنا وهيأنا.

تعليق على آيات قصة موسى وفرعون وبني إسرائيل

تعليق على آيات قصة موسى وفرعون وبني إسرائيل والآيات هي الحلقة الثالثة من سلسلة القصص، وفيها قصة رسالة موسى وهرون عليهما السلام إلى فرعون وقومه ونتائجها. ومعانيها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. وقد وردت هذه القصة في سور سابقة مسهبة ومقتضبة، وهي هنا بين بين، حسب ما اقتضته حكمة التنزيل. ومن الجديد فيها ذكر إيمان ذرية من قوم موسى به. وقد تعدد تأويل ذلك حيث أوله بعضهم بأنهم بنو إسرائيل في زمن موسى على اعتبارهم ذرية من قومه وحيث أوله بعضهم بأنهم جماعة من نسل بني إسرائيل من القبطيات أو من نسل الأقباط من الإسرائيليات. ورجح الطبري الأول وهو الأوجه، وقد ذكر إيمان بني إسرائيل برسالة موسى ضمنا في السور التي سبق تفسيرها وذكر ذلك في سفري الخروج والعدد اللذين ذكر فيهما رسالة موسى عليه السلام مفصلة. ومن الجديد أمر الله لموسى وهرون بأن يبنوا لقومهما بيوتا يجعلونها قبلة، وقد تعدد تأويل ذلك كذلك حيث أولها بعضهم بجعلها في اتجاه الكعبة وبعضهم بجعلها مساجد لأنهم كانوا يخافون أن يصلوا لله وحده في معابدهم السابقة. وكلا التأويلين وارد من ناحية الدلالة اللفظية ولم ترد إشارة إلى ذلك في الأسفار المتداولة اليوم، ونعتقد أنه لا بد من أن يكون شيء ما يفيد ما قصدته الجملة القرآنية واردا في أسفار وقراطيس لم تصل إلينا. ومن الجديد حكاية حث موسى قومه على التوكل على الله إن كانوا آمنوا حقا ودعاء بني إسرائيل لله بتنجيتهم من الكافرين وعدم جعلهم فتنة للظالمين. ثم دعاء موسى وهرون على فرعون وملأه بطمس أموالهم والتشديد على قلوبهم لأنهم لن يؤمنوا ما لم يروا عذاب الله الأليم. ولم يرد ذلك في الأسفار المتداولة. ونعتقد كذلك أنه لا بد من أن يكون واردا في أسفار أخرى. ولقد روى الطبري وغير واحد عن قتادة أن حروثهم صارت حجارة وعن مجاهد أن الله قد حول ما يملكون من

أموال وحروث إلى حجارة وأن هذا هو معنى الطمس. ونعتقد أن هذا مما كان يخبر به اليهود استنادا إلى أسفار وقراطيس كانوا يتداولونها. ولقد أوّل المؤولون جملة لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) بمعنى لا تنصرهم علينا حتى لا يظنوا أنهم على حق ونحن على باطل، وهو تأويل وجيه. ومن الجديد ما حكي عن فرعون عند غرقه من إعلان الإيمان بأن لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وخطاب الله التنديدي له وإيذانه بأنه سينجي بدنه ليكون آية لمن بعده. ولم يرد هذا في الأسفار المتداولة ونعتقد أنه كان واردا في أسفار وقراطيس يهودية أخرى وكان مما يتداوله اليهود وبقية ما جاء في الآيات جاء ما يتساوق معه في سور سبق تفسيرها وعلقنا عليها بما يغني عن التكرار. ومن مواضع العبرة في الآيات بالإضافة إلى مقام ورودها في حلقة قصصية بعد ذكر مواقف كفار العرب للتمثيل لهم وتذكيرهم وإنذارهم والتنديد بهم وتثبت النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وتطمينهم بصورة عامة حكاية إعلان موسى للسحرة بأن ما جاؤوا به من السحر سيبطله الله لأن الله لا يصلح عمل المفسدين. حيث ينطوي في هذا شجب السحر والشعوذة والفساد مما فيه تلقين مستمر المدى. ومثل هذا أيضا في جملة وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ. (82) وحكاية حث موسى قومه على التوكل على الله إن كانوا آمنوا حقا ودعائهم لله بتنجيتهم من الكافرين وعدم جعلهم فتنة للظالمين حيث ينطوي في هذا تثبت وتطمين وتعليم للنبي والمؤمنين تجاه مواقف المشركين. وحكاية عدم قبول الله إيمان فرعون عند غرقه حيث ينطوي في هذا تمثيل إنذاري للكفار بالحقيقة التي عرفها فرعون القوي بالنسبة إليهم وبعدم نفعه معرفته لها لأنها جاءت بعد فوات الوقت. وحكاية دعاء موسى وهرون على فرعون وملأه واستجابة الله لدعائهما حيث ينطوي في هذا إنذار للكفار أيضا. وحكاية إيذان الله عز وجل بأنه بوّأ بني إسرائيل بعد إغراق فرعون وقومه مكانة عزيزة ورزقهم من الطيبات قبل أن يختلفوا وينحرفوا حيث ينطوي في هذا تبشير وتحذير للمسلمين.

[سورة يونس (10) : الآيات 94 إلى 97]

ولقد روى الطبري وغيره عن ابن عباس أن الاختلاف المذكور في الآية الأخيرة هو اختلاف بني إسرائيل على النبي صلى الله عليه وسلم وأن المقصود بالعلم هو القرآن، غير أن معظم المفسرين بما فيهم الذين رووا ذلك رجحوا كون الاختلاف هو ما كان فيما بينهم. وهذا هو الأوجه الذي يلهمه مضمون الآية نفسها ويؤيده آيات عديدة أخرى مكية ومدنية منها آية سورة النمل التي مر تفسيرها والتي جاء فيها: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) . وفي الآية على ما يتبادر معنى التنديد ببني إسرائيل وبخاصة بعلمائهم، فالمقتضى أن يكون العلم سببا للوفاق لأنه يحسم الخلاف الذي يقوم على الظن والتخمين والاختلاف بعده شذوذ عن المقتضى الحق. ويكون هذا الشذوذ ناشئا عن الولع بالتأويل والتخريج المتناقضين مع المبادئ والأسس التي جاء بها رسلهم من الله لأنها من حيث الجوهر لا تتحمل خلافا ولا نزاعا. ولقد كان العرب متصلين باليهود في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وواقفين على ما هم عليه من خلاف ونزاع، فكان هذا يثير فيهم العجب والاستغراب ويحدوهم إلى الاحتجاج به في سياق ما كان يقوم بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم من نقاش وحجاج، وحينما كان القرآن يستشهد بأهل الكتاب الذين منهم اليهود على صحة الرسالة المحمدية والوحي القرآني، فأريد بهذه الآية وما جاء من بابها بيان حقيقة الأمر ووضعه في نصابه الحق. ولا تخلو العبارة القرآنية من تحذير وتلقين مستمري المدى موجهين إلى المسلمين في كل ظرف ومكان حتى لا يحذو حذوهم في الاختلاف في التأويل والتخريج أتباع الأهواء إلى الحد الذي يخرجهم عن مقتضى العلم والحق. [سورة يونس (10) : الآيات 94 الى 97] فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (94) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (95) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (97) . (1) من الممترين: من الشاكين المجادلين. تعليق على الآية فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ والآيات الثلاث التالية لها في الآيات خطاب رباني موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأنه إذا كان في شك من صحة ما أنزل عليه فعليه أن يسأل الذين يقرأون الكتب السماوية المنزّلة قبله ليتأكد من ذلك. وتوكيد بأن ما جاءه هو الحق من ربه. ونهى عن الشك والمراء فيه، وعن الوقوف منه موقف المكذبين بايات الله الشاكين في صدقها فيكون من الخاسرين. وتقرير رباني بأن الذين حقّ عليهم قضاء الله لا يصدقون ولا يؤمنون مهما سمعوا من الآيات ورأوا من الدلائل حتى يروا العذاب الأليم وحينئذ لا يكون تصديقهم مجديا. ولا يروي المفسرون رواية خاصة في نزول الآيات، والمصحف الذي اعتمدنا عليه يروي أن الآيات الثلاث الأولى مدنيات ولم نطلع على تأييد لهذه الرواية. والملحوظ أنها تضمنت معنى التعقيب على الآيات السابقة وأنها منسجمة مع السياق الذي قبلها والذي بعدها وأن الآية الرابعة بخاصة متصلة بها بل متممة لها. وكل هذا يسوغ الشك في صحة الرواية وتقرير كون الآيات الثلاث متصلة بالسياق واستمرار له. وصيغة الآية الأولى تتضمن تقريرا إيجابيا بأن المطلعين على الكتب السماوية السابقة سيشهدون حتما بصحة ما أنزل الله على النبي صلى الله عليه وسلم، وتلهم الوثوق واليقين التامين للسامع أيضا. أما الآيتان الأخيرتان فإنهما ليستا في صدد تقرير كون الله قد حتم على الكفار الكفر ففقد الأمل بإيمانهم، وإنما هما في صدد تصوير شدة عناد

الكفار وجحودهم، وقد تكررت هذه المعاني بمثل هذا الأسلوب وعلقنا عليها في مناسبات مماثلة بما فيه الكفاية وعلى كل حال فإن الأولى أن تفسر على ضوء الآية [33] من هذه السورة التي جاء فيها: كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (33) والتي شرحناها شرحا شافيا يغني عن التكرار وأمثالها التي فيها تقييد لما جاء مطلقا في الآيات. ولقد تعددت الأقوال التي يرويها المفسرون عن ابن عباس وغيره من أهل التأويل في مدى الجملة الأولى من الآية الأولى، فمن ذلك أنها في صدد نبوة النبي وصفاته. ومن ذلك أنها في صدد ما أوحي إلى النبي من القرآن. ونحن نرجح القول الثاني لاتصاله بسياق الآيات. وتعددت الأقوال كذلك التي يرويها المفسرون في المخاطب في الآيتين الأولى والثانية حيث روي أنه النبي صلى الله عليه وسلم كما روي أنه السامع مطلقا، أو أنه المسلم بخاصة. وقد خرج أصحاب القول الأول ذلك على اعتبار أنه على سبيل التثبيت والتطمين وبثّ اليقين، ونفوا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم شك أو سأل بل ورووا عن قتادة أنه قال بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا أشك ولا أسأل» . ومع أن القول الثاني وارد ووجيه فإننا نرجح القول الأول بقرينة العبارة مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ التي يبدو منها بكل قوة أنها موجهة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، مع قولنا إن هذا الأسلوب من أساليب القرآن المألوفة ومنه آيات سورة القصص [86- 88] التي مر تفسيرها. ومع تصويبنا بكل قوة تخريج القائلين بالقول الأول ونفيهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أي شك وسؤال. ومع قولنا أن من واجب المسلم الإيماني استبعاد احتمال انبثاق أي شك ومراء وتكذيب في نفس النبي صلى الله عليه وسلم فيما أنزل إليه لأن ذلك مناقض للعصمة النبوية الواجب الإيمان بها. وللإيمان العميق النبوي بصدق نبوته وبما كان يوحى إليه والذي امتلأ به قلبه. وللإسلام التام الذي أسلم به نفسه لربّه وللاستغراق الشديد الذي استغرقه في مهمته العظمى وللكمال النفسي والخلقي الذي تحلى به وجعله أهلا لاصطفاء الله له للرسالة العظمى مما قررته آيات كثيرة بأساليب متنوعة مرت أمثلة منها وعلقنا عليها في سور سبق تفسيرها.

[سورة يونس (10) : آية 98]

[سورة يونس (10) : آية 98] فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (98) . (1) فلولا: هنا بمعنى هلا للحض وقيل للتنديد «1» . (2) إلّا: هنا بمعنى لكنّ «2» . في الآية تنديد بالقرى أو الأمم السابقة التي أهلكها الله لعدم إيمانها فلو آمنت لكان إيمانها نفعها ونجاها من عذاب الله. وتذكير بقوم يونس الذين آمنوا فكشف الله عنهم العذاب الذي كاد يحيق بهم ويخزيهم، ومتعهم متاعا حسنا إلى أجلهم المعين في علم الله. وقد جاءت الآية على ما هو المتبادر معقبة على ما سبقها تعقيب تنديد وحض معا وتضمنت إنذارا للسامعين بما كان من أمر القرى السابقة، وحثا لهم على أن يتلافوا أمرهم قبل فوات الوقت كما فعل قوم يونس فينجوا من عذاب الله وهلاكه. وروح الآية تلهم أن شأن قوم يونس لم يكن مجهولا من السامعين وهو ما نبهنا عليه وشرحناه في تفسير سورة القلم، وبذلك تستحكم العبرة في التمثيل والتذكير. ولقد أورد المفسرون في سياق هذه الآية قصة يونس مسهبة مروية عن أهل الأخبار والتابعين. وما أوردوه متطابق في جملته مع ما ورد في سفر يونان من الأسفار المتداولة اليوم الذي ورد فيه قصة يونس مما فيه دلالة أخرى على أن هذه القصة كانت متداولة ومعروفة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بتفصيلها الوارد في السفر المذكور. ولقد شرحنا شيئا من هذه القصة في سياق سورة القلم التي وردت في إشارة

_ (1) انظر تفسير الآية في تفسير الطبرسي والبغوي والزمخشري. (2) انظر تفسير الآية في تفسير الطبرسي والبغوي والزمخشري.

[سورة يونس (10) : الآيات 99 إلى 103]

إلى يونس عليه السلام بعبارة صاحب الحوت ومما رأينا فيه الكفاية. ولم نر أن نجاري المفسرين فنسرد هذه القصة بإسهاب لأن القرآن إنما أورد منها ما فيه تحقيق الغاية من القصص القرآني وهو العبرة والتذكير. [سورة يونس (10) : الآيات 99 الى 103] وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (100) قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (101) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (102) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103) . (1) الرجس: هنا بمعنى الخزي والخذلان أو العذاب. (2) حقا: منصوبة على أنها مفعول مطلق لفعل مضمر تقديره يحق علينا حقا. (3) ننج: مخففة من ننجي. في الآيات تقرير رباني بأن الله تعالى لو شاء لآمن من في الأرض جميعا، وسؤال للنبي صلى الله عليه وسلم عما إذا كان هو مع ذلك يريد أن يرغم الناس جميعا على الإيمان، وتقرير رباني آخر بأنه ليس لأحد أن يؤمن إلّا بإذن الله وتوفيقه، وأن الذين لا يعقلون ولا يتدبرون في دعوة الله وآياته يتعرضون لخزي الله وخذلانه وغضبه وعذابه، وأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بلفت نظر الناس إلى ما في السموات والأرض من آيات الله، وتقرير بأن الذين لا يؤمنون لا يمكن أن ينتفعوا بآيات الله ونذره ولن يجدي ذلك فيهم، وتساؤل عما إذا كان كل ما ينتظره الجاحدون هو عذاب الله الذي حلّ في أمثالهم من قبل، وأمر للنبي صلى الله عليه وسلم باستمهالهم وإعلانهم بأنه منتظر معهم أمر الله، وإشارة إلى أن الله تعالى سينجي رسله والذين آمنوا معهم

تعليق على الآية ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا والآيات الأربع التالية لها

حينما يحين وقوع العذاب على الكفار ويتحقق وعيده لهم، وأن ذلك حق لهم عليه. تعليق على الآية وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً والآيات الأربع التالية لها ولم يرو المفسرون رواية ما في صدد نزول الآيات، والمتبادر أنها هي الأخرى جاءت معقبة على الفصول السابقة التي حكت أقوال الكفار ومواقفهم وحجاجهم ثم على الفصول القصصية التذكيرية والتمثيلية التي أعقبتها بقصد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وإدخال الطمأنينة على قلبه وتخفيف حزنه من عدم إيمان أكثر الناس الذي كان شديد الحرص عليه من جهة، والتنديد بالكفار وعقولهم وغفلتهم عما في السموات والأرض من آيات الله الباهرة الدالة على وحدانيته واستحقاقه وحده للعبادة والخضوع ووصف شدة عنادهم وتصميمهم على عدم الإيمان من جهة، وتبشير النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالنجاة من جهة. وعلى ضوء هذا الشرح المستلهم بقوة من فحوى الآيات وروحها لا يبقى محل للتوهم بما قد يفيده ظاهر نص الآية الأولى والآية الثالثة من كون عدم إيمان الذين لم يؤمنوا هو بسبب عدم مشيئة الله. فالله لم يشأ أن يقرهم على الإيمان وهو قادر بل تركهم لتمييزهم واختيارهم ليستحقوا الثواب والعقاب عدلا. ومثل هذه التقريرات والتنبيهات والتطمينات والإنذارات تكرر كثيرا لنفس المقاصد مما مرت أمثلة منه في السور التي سبق تفسيرها. والآيتان الأولى والثانية تضمنتا بالإضافة إلى ما ذكرناه طبيعة مهمة النبي صلى الله عليه وسلم وهي دعوة الناس وإرشادهم وتبشيرهم وإنذارهم ثم تركهم إلى عقولهم وضمائرهم من دون إلحاح ولا تشديد. وتقرير كونه ليس عليه من ذلك مسؤولية ولا تثريب. فالناس فريقان إزاء الدعوة فذوو العقول السليمة والنيات الحسنة هم الذين يدركون

[سورة يونس (10) : الآيات 104 إلى 109]

ما فيها من حق وخير فيستجيبون إليها. وذوو العقول السقيمة والنيات السيئة يقفون منها موقف المعاند المكابر. وهذا التفاوت والتباين مظهر من مظاهر حكمة الله وخلقه. والله قادر على جعل الناس جميعهم مؤمنين ولكن حكمته شاءت تركهم إلى عقولهم وضمائرهم. وقد تكرر تقرير هذا بأساليب متنوعة مرت أمثلة منها في سور سبق تفسيرها أيضا. ولقد آمن بعد هذه الآيات كثيرون من الذين وصفوا بما وصفوا فيها حيث يصح أن يقال إن الآيات من ناحية ما قد احتوت تسجيلا لواقع الأمر عند نزولها بالإضافة إلى ما احتوته من تقريرات وانطوى فيها من مقاصد وتنبيهات. [سورة يونس (10) : الآيات 104 الى 109] قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105) وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (106) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (109) . الآيات واضحة المعاني ولا تحتاج إلى أداء آخر، ولم يرو المفسرون رواية خاصة في نزولها. والمتبادر أنها جاءت خاتمة لفصول المناظرة والحجاج التي احتوتها آيات السورة فصلا بعد فصل. ومعقبة على الآيات السابقة لها مباشرة ومؤيدة لما انطوى فيها من أهداف، وهي خاتمة قوية محكمة. وقد احتوت شرحا جديدا لمهمة النبي صلى الله عليه وسلم وتقريرا لطبيعة رسالته، وبأسلوب واضح قوي ومؤثر من جهة وتطمينا لنفس النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيتا له وبثّا للسكينة في روعه من جهة أخرى. وفي الآية [108] دعم قوي للتأويل الذي أولنا به جملة: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي

تعليق على كلمة الحنيف

الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً التي وردت في الآيات السابقة. فالله قد أنزل للناس الحق بواسطة رسوله ثم تركهم لاختيارهم، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنما يضل عليها. وفي الآيات نهي موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرك وإنذار له بأنه إن فعل يكون ظالما، وقد ورد في آيات سابقة قريبة شيء مماثل لذلك كما جاء شيء من مثل ذلك في آخر سورة القصص التي مر تفسيرها وعلقنا عليه بما يزيل أي توهم باحتمال وقوع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم. وما قلناه هناك يقال هنا بطبيعة الحال. تعليق على كلمة الحنيف وبمناسبة ورود كلمة (حنيفا) لأول مرة نقول: إن هذه الكلمة قد تكررت كثيرا في القرآن وبخاصة في صدد وصف ملة إبراهيم عليه السلام، ووردت بدون ذكره أيضا كما هو الأمر هنا. وقد قال المفسرون إنها من (حنف) بمعنى مال أو انحرف وإنها في القرآن بمعنى المنحرف عن الشرك إلى التوحيد، كما قالوا إنها من الأضداد تجيء بمعنى استقام كما تجيء بمعنى مال أو انحرف «1» . وقد ورد في كتب اللغة اشتقاق (تحنف) مرادفا لكلمة تحنث أي تعبد وتورع كما ذكرت الكتب العربية كلمة (الحنيفية) وصفا لملة إبراهيم عليه السلام «2» . ولقد أعاد بعض المستشرقين وأبدوا في أصل الكلمة ومدلولها ومعناها. ومنهم من ذهب إلى أنها كانت تعني مذهبا دينيا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبيئته، وأنه كان هناك طائفة أو فرقة تسمى (الحنفاء) ومنهم من قال إن الكلمة أعجمية دون أن يذكروا اسم اللغة المقتبسة منها. ومنهم من قال إنها منحوتة من (بني حنيفة) التي ظهر فيها مسيلمة النبي الكذاب وإنها تعني الدين الذي دعا إليه. بل ومنهم من زعم أن معناها لم يكن مجلوا تمام الجلاء في ذهن النبي صلى الله عليه وسلم.

_ (1) انظر تفسير آية البقرة [135] في تفسير الطبرسي والزمخشري والمنار. (2) انظر مادة حنف في أساس البلاغة للزمخشري وفي لسان العرب.

وننبه إلى أن روح ومضمون الآيات التي وردت فيها وبخاصة التي لم يرد ذكر إبراهيم عليه السلام فيها مثل الآية التي نحن في صددها، ومثل آية سورة الحج هذه: حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (31) يلهمان أن معناها الاستقامة على توحيد الله والاتجاه إليه وحده وعدم الشرك به بصورة عامة، والقول إن معناها لم يكن مجلوا في ذهن النبي صلى الله عليه وسلم وقاحة أكثر منها أي شيء آخر، ويظهر هذا في وضوح معنى الكلمة في آيات القرآن التي وردت فيها. والقول إنها أعجمية غريب وبخاصة إذا لاحظنا أن العرب كانوا يتسمون باشتقاقها ويعنون ما يريدون من التسمية كالأحنف والحنفاء، والقول إنها منحوتة من بني حنيفة سخيف لأن الكلمة استعملت في القرآن قبل ظهور مسيلمة بني حنيفة. على أن استعمالها في وصف ملة إبراهيم عليه السلام وفي مقام التعبير عن التوحيد والاستقامة عليها أو الانحراف عن الشرك والدين الباطل وفي مقام التعبد والتورع يدل على أنها كانت تستعمل قبل نزول القرآن في معنى ديني خاص أو وصف ديني خاص، ولا نستبعد أن تكون أطلقت أو أطلق جمعها على الذين تخلوا عن دين الجاهلية وشركها ووثنيتها واتجهوا إلى الله وعبدوه على ملة إبراهيم الحنيفية، أو ما ظنوه كذلك موحدين غير مشركين على ما ذكرته الروايات وفصلناه في كتابنا عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبيئته قبل البعثة «1» .

_ (1) انظر عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبيئته قبل البعثة ص 419- 434.

سورة هود

سورة هود بين هذه السورة وسابقتها تشابه في مواضع كثيرة، حيث احتوت حكاية لأقوال ومواقف تعجيزية عديدة للكفار وردود عليها ومناقشة لها وإفحام لهم فيها. وفيها سلسلة طويلة من قصص الأنبياء والأمم للتذكير بما كان من مواقف كفار الأمم السابقة من أنبيائهم وما صاروا إليه من سوء المصير وما صار المؤمنون منهم إليه من حسن العقبى والنجاة، تثبيتا وتطمينا للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وإنذارا للكفار، وفيها تذكير بحكمة الله في خلقه التي اقتضت أن لا يكونوا أمة واحدة. وفصول السورة مترابطة مما يسوغ القول إنها نزلت متتابعة حتى تمت كسابقاتها، والتشابه بينها وبين السورة السابقة قد يكون قرينة على تتابعهما في النزول، والمصحف الذي اعتمدناه يروي أن الآيات [12 و 17 و 114] مدنيات، وانسجام الآيات في السياق والموضوع مع سابقاتها ولا حقاتها يسوغ الشك في صحة الرواية. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة هود (11) : الآيات 1 الى 4] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4) . (1) ثم: هذا الحرف في هذه الآيات ليس للتراخي وإنما هو للعطف وبيان

قوة استهلال السورة

الحال. وفي الآية الأولى بمعنى أن آيات الكتاب هي محكمة ومفصلة، وفي الآية الثالثة بمعنى استغفروا ربكم وتوبوا إليه. (2) تولوا: تتولوا. بدأت السورة بحروف الألف واللام والراء لاسترعاء الأسماع والأذهان لما يأتي بعدها على ما رجحناه في أمثالها، وقد أعقب هذه الحروف: 1- ذكر الكتاب وتنويه بآياته المحكمة المفصلة الواضحة، وتوكيد بأنه أنزل من عند الله الحكيم الخبير أي الذي له في كل أمر حكمة والذي له الخبرة الشاملة بمقتضيات الأمور. 2- وهتاف بالناس بأن الكتاب إنما أنزل على هذا الوجه لينبذوا عبادة غير الله، وتقرير عن لسان النبي صلى الله عليه وسلم بأنه قد أرسل إليهم من الله بشيرا ونذيرا يبشرهم بما يكون لهم من حسن العاقبة إذا عبدوا الله وحده، وينذرهم بسوئها إذا هم أشركوا معه غيره. 3- وهتاف للناس كذلك بأنهم مدعوون إلى طلب الغفران من ربهم عما بدا منهم من انحراف قبل نزول الكتاب وإعلان إنابتهم إليه. ووعد بأنهم إذا استجابوا نالوا رضوان الله ورحمته وبره فيسر لهم المتاع الحسن والحياة السعيدة في الأيام المعينة لهم في الدنيا، وجازى كل ذي فضل وعمل صالح بما يستحقه فضله وعمله. وإنذار موجه من النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يخاف عليهم من عذاب يوم القيامة الهائل إذا تصامموا عن الدعوة، فإن مرجعهم إلى الله تعالى وهو قادر على إثابة المحسن ومعاقبة المسيء لأنه قادر على كل شيء. قوة استهلال السورة ولا يروي المفسرون رواية خاصة في نزول الآيات وهي على ما يلمح من الآيات الآتية مقدمة لذكر مواقف الكفار وحجاجهم. وهي في الوقت نفسه استهلال قوي ببيان مهمة الرسالة المحمدية وأهدافها والدعوة إليها. وفي الآية الثانية توكيد لما مرّ تقريره في السور السابقة وبخاصة في الآية [99] من السورة السابقة بأن

تعليق على ما يبدو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم المباشر للناس

الإيمان بالله وكسب رضائه ونيل غفرانه يضمن لصاحبه المتاع الحسن والحياة السعيدة في الدنيا فضلا عن حسن العاقبة في الآخرة. تعليق على ما يبدو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم المباشر للناس والآيات الثلاث الأخيرة كأنما هي موجهة من النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس، والآية الثانية صريحة بذلك. وقد تكرر هذا الأسلوب أكثر من مرة، والمتبادر أن هذا على اعتبار أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يخاطب الناس. وجملة وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ معطوفة على أَلَّا تَعْبُدُوا والعبارة تفيد أن كتاب الله قد أنزل داعيا إلى نبذ عبادة غير الله واستغفاره، وآمرا النبي صلى الله عليه وسلم بالقول للناس إني لكم منه نذير وبشير. فليس في الآيات والحالة هذه أي إشكال. ومع ذلك فإن المؤولين والمفسرين يفرضون محذوفا وهو (قل) وهذا سديد متسق مع الحقيقة الإيمانية المقررة بأن جميع ما في القرآن وحي رباني وكلام الله. وهناك آيات كثيرة سبقتها كلمة (قل) ولولا ذلك لبدا ما فيها كأنما هو تقرير مباشر من النبي صلى الله عليه وسلم. وقد مرّت أمثلة لذلك في السور التي سبق تفسيرها ومن ذلك آيات عديدة في سورة يونس السابقة لهذه السورة مثل الآيات [15 و 16 و 31 و 33 و 34 و 35 و 38 و 41 و 50 و 52 و 57 و 58 و 103 و 105] . وفي سورة النمل مثال فيه توضيح أكثر. ففيها هذه الآيات: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93) فالمتبادر أن كلمة (قل) في الآيتين الثانية والثالثة مقدرة واردة بالنسبة لما في الآية الأولى والشطر الأول من الآية الثانية من كلام يوهم أنه كلام النبي المباشر. وعلى كل حال ففي هذا الأسلوب صورة من صور الوحي والنظم القرآني كما هو المتبادر أيضا. [سورة هود (11) : الآيات 5 الى 6] أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (5) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (6)

(1) يثنون صدورهم: يلوونها كما يفعل الذي يريد أن يخفي نفسه من غيره. (2) يستغشون ثيابهم: يضعون ثيابهم غشاء عليهم لمنع غيرهم من رؤيتهم. لقد روى المفسرون عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم من أهل التأويل في الصدد الأول أقوالا عديدة في مدى الآية الأولى. منها أنها نزلت في حق الأخنس بن شريق الذي كان يظهر الود للنبي صلى الله عليه وسلم وصدره مشحون بالبغضاء له. أو أنها نزلت في بعض المنافقين أو الكفار الذين كانوا يثنون صدورهم أو يستغشون بثيابهم إذا رأوا النبي صلى الله عليه وسلم مقبلا حتى لا يراهم. ومنها أنها بسبيل الإشارة إلى عادة عند العرب وهي أنهم كانوا يستخفون من الله حينما يأتون منكرا أو أنهم كانوا يستحيون من الإفضاء بنظرهم إلى السماء فى حالة الجماع أو في حالة التخلي لقضاء الحاجة. وفي كتاب التفسير في صحيح البخاري حديث في القول الأخير جاء فيه: «إن ابن عباس سئل عن هذه الآية فقال أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء أو يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء فنزلت الآية» «1» . والروايتان الأوليان تقضيان بأن يكون ضمير (منه) عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حين أن روحها ومضمونها وروح الآية ومضمونها معا يلهمان أن الضمير عائد إلى الله تعالى. وهذا يتسق مع الأقوال الأخرى ومنها الحديث الذي يرويه البخاري عن ابن عباس مع استبعادنا أن يكون ابن عباس قصد أن الآية نزلت خاصة في الأحوال المذكورة في الحديث وإنما قصد بيان عادة العرب فيها وقصد إشارة القرآن إليها. ويتبادر لنا والحالة هذه أن الآيتين جاءتا معقبتين على ما سبقهما. فالآية السابقة لهما مباشرة تقرر أن مرجع الناس إلى الله تعالى وأنه قدير على كل شيء فجاءت الآيتان عقب ذلك تشيران إلى عادة كان العرب يجرون عليها بل تكاد تكون عادة

_ (1) التاج ج 4 ص 130.

[سورة هود (11) : الآيات 7 إلى 8]

إنسانية عامة وهي محاولة التواري عن الأعين بليّ الصدور والاستغشاء بالثياب إذا ما باشروا عملا آثما أو مكروها. وتقرر أن عدم جدوى ذلك بالنسبة إلى الله تعالى لأن علمه الشامل وقدرته الكاملة محيطان بكل شيء من مكنونات الصدور وأعمال الناس في السر والعلن وبكل دابة على الأرض حيث يعلم سيرها ومقامها وحيث يتكفل برزقها أيضا. وذلك بسبيل حمل المخاطبين في الآيات السابقة على مقابلة دعوة الله التي يبلغها رسوله إليهم بالإقبال وعدم التهرب. [سورة هود (11) : الآيات 7 الى 8] وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (8) . (1) أمة: هنا بمعنى أيام أو مدة. (2) ما يحبسه: ما الذي يمنعه. معاني الآيتين واضحة، وهما معطوفتان على ما قبلهما واستمرار لهما على ما هو المتبادر، وضمائر الجمع المخاطب في الآية الأولى مماثلة لما في آيات السورة الأولى مما يسوغ القول إن الآيتين والآيتين اللتين قبلهما وآيات السورة الأولى جمعها سياق واحد متصل ببعضه. ومن المحتمل أن يكون في الآيتين تسجيل لمشهد جدل بين النبي صلى الله عليه وسلم وبعض الكفار، كما أن من المحتمل أن يكون ما احتوتاه حكاية عامة. وقد تضمنت الآية الثانية حكاية قول جديد للكفار في صدد إنكار البعث الأخروي حيث قالوا إن هذا من باب السحر، والمتبادر أنهم كانوا يعنون بذلك

تعليق على جملة وكان عرشه على الماء

استحالة البعث حيث كانوا يعتقدون أن السحر تخييل وقوع ما لا يمكن وقوعه على ما شرحناه في سياق سورة المدثر. وما جاء في الآية الثانية من تحدي الكفار واستهزائهم بسبب تأخر العذاب الموعود قد تكرر منهم كثيرا مما مرّت أمثلة عديدة منه في السور التي سبق تفسيرها حيث كان البعث والجزاء الأخرويان من أهمّ مواضيع الجدل والحجاج والتحدي بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم وقد ردت عليهم الآية ردا قويا مؤكدة ومنذرة ومتوعدة كما هو الشأن في سياق حكاية أقوالهم المماثلة. تعليق على جملة وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ وفي الآية الأولى جديد وهو أن عرش الله كان على الماء قبل خلق السموات والأرض، وقد ذكر هذا في الإصحاح الأول من سفر التكوين هكذا: (في البدء خلق الله السموات والأرض وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلام، وروح الله يرف على وجه الماء) . ولقد علقنا على مسألة خلق الله السموات والأرض في ستة أيام في سياق تفسير سورة القمر وعلقنا على مدى تعبير العرش في سياق تفسير سورة البروج بما يغني عن التكرار، والفقرة هنا بما فيها الجديد هي بسبيل تقرير أزلية الله سبحانه وعظمته وإبداعه للأكوان وما فيها وهيمنته الأزلية والبرهنة على قدرته على بعث الناس بعد الموت، فلا محل ولا طائل وراء البحث في الكيفيات والماهيات المتصلة بذات الله الذي ليس كمثله شيء على ما نبهنا عليه في المناسبات السابقة. ولقد أورد المفسر ابن كثير في سياق هذه الآية حديثا رواه الإمام أحمد عن أبي رزين لقيط بن عامر قال: «قلت يا رسول الله أين كان ربّنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: في عماء ما تحته هواء أو ما فوقه هواء ثم خلق العرش بعد ذلك» «1» . وحديثا

_ (1) هذا الحديث رواه الترمذي في سياق تفسير الآية أيضا بمغايرة يسيرة وهي جملة «وخلق عرشه على الماء» بدلا من جملة: «ثم خلق العرش بعد ذلك» انظر التاج 4 ص 130- 131 وفي تفسير ابن كثير أحاديث أخرى من باب ما أوردناه فاكتفينا بما أوردناه.

تعليق على جملة ليبلوكم أيكم أحسن عملا

آخر جاء فيه: «إنّ جماعات من بني تميم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أول هذا الأمر- أي الكون- كيف كان؟ فقال: كان الله قبل كلّ شيء وكان عرشه على الماء، وكتب في اللوح المحفوظ ذكر كلّ شيء» . وفي الأحاديث ترديد لما احتوته الآية كما هو ظاهر. وما جاء في الثاني في صدد اللوح المحفوظ قد ذكرناه وعلقنا عليه في سياق سورة البروج بما يغني عن التكرار. تعليق على جملة لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا المتبادر أن في الجملة استطرادا هدف إلى تقرير حكمة الله في خلق الناس وهي اختبارهم في أعمالهم وإظهار من هو الأحسن عملا فيهم، وينطوي في هذا تقرير قابلية الناس للسير الحر والإرادة الحرة والاختيار بين الهدى والضلال والخير والشر ليكونوا قد استحقوا جزاء الله العادل على اختيارهم، وفي هذا أولا تذكير تنويهي بما اقتضته حكمة الله من تمييز الإنسان على سائر خلقه وثانيا إيقاظ لضمير الإنسان وجعله رقيبا على صاحبه وحفزه إلى الهدى والخير دون الضلال والشر، وقد تكرر هذا أكثر من مرة لما له من أثر وخطورة في أعمال البشر وواقع حياتهم، وقد انتهت السورة السابقة بتقرير ذلك أيضا على ما شرحناه. ومما يتبادر من هذا التكرار أن حكمة التنزيل بالإضافة إلى حكمة الله تعالى في جعل يوم آخر يبعث فيه الناس ليجزوا على أعمالهم في الدنيا قد قصدت تنبيه الإنسان إلى أنه وقد وجد في الحياة مكلف بالاندماج فيها دون تساؤل لا طائل من ورائه. ومكلف بعمل أحسن العمل في حياته أي كل ما فيه الخير والبر والعدل والحق. وإلى أنه بذلك فقط يكون قد حقق حكمة الله في خلقه ووجوده وتمييزه عن سائر الخلق وأدرك معنى هذه الحكمة. وتسامى عن بقية المخلوقات الحية التي لم تشأ هذه الحكمة أن يتكامل فيها العقل وتكون موضع تكليف وخطاب إلى ما يتساوق مع المرتبة التي شاءت هذه الحكمة أن يكون فيها. وقد يكون مما انطوى

[سورة هود (11) : الآيات 9 إلى 11]

في الجملة جواب على الأسلوب الحكيم على ما قد يتساءل الناس عنه من حكمة خلقهم وخلق الأكوان وبداية ذلك ونهايته. فهذا التساؤل لا طائل من ورائه لأن ذلك من سر الله عز وجل والأولى بالإنسان أن لا يتساءله وأن ينصرف إلى ما يجب عليه من الأعمال الصالحة والتسابق فيها وأن يعتبر ذلك من حكمة الله تعالى في خلقه على الصورة التي خلقه عليها. والله أعلم. ولقد توقف بعض المفسرين عند كلمة لِيَبْلُوَكُمْ لأن فيها معنى لا يتسق مع علم الله المحيط الأزلي الأبدي وخرجوها بأن ذلك على سبيل التمثيل والاستعارة والمجاز أو لتحقيق العلم الأزلي بالواقع العملي. أو ليمتاز صاحب العمل الحسن من صاحب العمل السيء وينال كل ما يستحقه حقا وعدلا. ومع وجاهة هذه التخريجات فالذي يتبادر لنا أن التعبير أسلوبي لمخاطبة الناس وبيان حكمة الخلق ولتنبيه الناس بأنهم تحت اختبار الله ورقابته ليلتزموا حدود ما رسمه الله من أوامر ونواه. وليس فيها إشكال يتحمل التوقف. والله تعالى أعلم. [سورة هود (11) : الآيات 9 الى 11] وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11) . (1) النعماء: نعمة يظهر أثرها على صاحبها. (2) الضراء: ضرّ وأذى يظهر أثرهما على صاحبهما. وفي الآيات إشارة تنديدية إلى خلق فاش في سواد الناس وهو أن المرء إذا ناله ضيق وعسر وضر بعد سعة ويسر ورخاء يئس وكفر، وإذا ناله خير بعد شر ورخاء بعد عسر فرح وبطر وظن أنه قد أمن حوادث الدهر ومفاجات الأيام. وقد استثنى المؤمنون الصابرون الذين يعملون الصالحات من التنديد وقرر لهم على صبرهم مغفرة الله وأجره الكبير.

[سورة هود (11) : الآيات 12 إلى 14]

والآيات قد جاءت كما هو المتبادر معقبة على سابقاتها حيث انطوى فيها شرح حالة الكفار الذين كانوا السواد الأعظم من سامعي القرآن، والذين كانوا موضوع تنديد في الآيات السابقة بعد استثناء المؤمنين الصابرين الصالحين، وقد تكرر هذا في المناسبات المماثلة مما مرّ بعض أمثلته. وواضح أن الآيتين الأوليين وهما تنددان بذلك الخلق تنطويان على تلقين مستمر المدى فيه تحذير ودعوة إلى التفكير دائما في عواقب الأمور والاستعداد لها فلا تبطر المرء نعمة فتخرجه عن طوره، ولا تيئسه نقمة فتسلمه إلى الكفر والجحود. وقد انطوى في الآية الثالثة تقرير أثر الإيمان في صاحبه إزاء تقلبات الدهر حيث يساعده على الصبر والاستمرار في العمل الصالح في حالتي السراء والضراء دون بطر ولا يأس. ولقد أورد ابن كثير في سياق الآية الثالثة حديثين نبويين أحدهما ورد في صحيحي البخاري ومسلم جاء فيه: «والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له وليس ذلك لأحد غير المؤمن» . وجاء في الحديث الثاني: «والذي نفسي بيده لا يصيب المؤمن همّ ولا غمّ ولا نصب ولا وصب ولا حزن حتى الشوكة يشاكها إلّا كفّر الله عنه بها من خطاياه» . حيث ينطوي في الحديثين تطمين وتثبيت وبشرى للمؤمنين وحث على الشكر على حالة السراء والصبر في حالة الضراء وحيث يتساوق التلقين النبوي مع التلقين القرآني في هذا الشأن كما هو في كل شأن. [سورة هود (11) : الآيات 12 الى 14] فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14) . (1) أن يقولوا: مخافة أن يقولوا. لا يروي المفسرون رواية خاصة في نزول هذه الآيات، والمتبادر أنها استمرار لحكاية مواقف الكفار وحكاية حالهم فهي والحالة هذه استمرار للسياق. وقد تضمنت الأولى تثبيتا للنبي صلى الله عليه وسلم وتسليته إزاء مواقف الكفار وتحديهم فقد كان يستشعر أحيانا بشيء من القلق وضيق الصدر حينما كان يتلو عليهم الجديد من القرآن مخافة أن يتحدوه باستنزال ملك يؤيده أو كنز يلقى إليه. فليس هو إلّا نذير وليس عليه إلّا تبليغ ما يوحى إليه والله الوكيل على كل شيء. وتضمنت الآية الثانية ترديدا لما كانوا ينسبونه إلى النبي صلى الله عليه وسلم من افتراء القرآن وأمرا بتحديهم بالمقابلة. فليأتوا بعشر سور مثله إذا كانوا صادقين في زعمهم بأنه مفترى وليستعينوا بمن يستطيعون على ذلك. وتضمنت الآية الثالثة توكيدا في حالة عدم استجابة الكفار للتحدي بأن القرآن هو منزل بعلم الله الذي لا إله إلّا هو ودعوة للسامعين إلى إسلام النفس له وحده. وينطوي في أسلوب الآية تقرير عجز الكفار عن الاستجابة إلى التحدي وإلزام للسامعين بالإسلام لله لأن عجزهم يثبت أن القرآن منزل من الله تعالى ولم يبق لهم مناص إلا الإذعان والتسليم. ولقد تعددت أقوال أهل التأويل من الصدر الأول التي يرويها المفسرون عن المخاطب في الآية الثالثة حيث قيل إنه النبي صلى الله عليه وسلم كما قيل إنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمون وقيل أيضا إنهم السامعون إطلاقا. والعبارة تتحمل كل ذلك، وإن كنا نرجح أن المخاطب هو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه معا، وكلمة (لكم) تقوي هذا الترجيح.

تعليق على الآية فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك إلخ

تعليق على الآية فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ إلخ والفقرة الأولى من الآية الأولى قد تورد على الخاطر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحسب أحيانا حساب مكابرة الكفار وتكذيبهم، ويقوم في ذهنه عدم إعلان جميع ما ينزل عليه وبخاصة ما فيه هجوم على آلهة الكفار وعقولهم فاحتوت الآيات تحذيرا وتنبيها له. وورود شيء من هذا في آيات أخرى وبخاصة آيات سورة الإسراء [73- 75] على ما شرحناه في تفسير هذه السورة قد يقوي هذا الخاطر. غير أننا نرجح أن التعبير هنا تعبير أسلوبي يقصد به وصف شدة ما كان يلم بالنبي صلى الله عليه وسلم من ألم نفسي وضيق صدر من جراء موقف الكفار وتحدياتهم. وأنه ليس من نوع ما أشارت إليه آيات الإسراء المذكورة. وجملة أَنْ يَقُولُوا التي بمعنى مخافة أن يقولوا ويطلبوا مؤيدات خارقة على صحة النبوة مثل استنزال ملك أو كنز قرينة على صحة الترجيح. وعلى كل حال فليس في الآية ما يمس العصمة النبوية في صدد تبليغ ما أوحى الله به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم. والمصحف الذي اعتمدناه يروي أن الآية الأولى مدنية، وهي رواية غريبة لم تطلع على تأييد لها. فالاية منسجمة في السياق موضوعا وسبكا. والصورة التي احتوتها من صور العهد المكي. وهناك آيات لا خلاف في مكيتها، ومنها آيات سورة الفرقان [7- 8] احتوت مثلها. وهذا مما يسوّغ الشك في صحة الرواية. ولقد روى الطبرسي في سياق هذه الآية عن ابن عباس أن رؤساء قريش أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: إن كنت رسولا فحوّل لنا جبال مكة ذهبا أو ائتنا بملائكة يشهدون لك بالنبوة فأنزل الله الآية «1» . وروى الطبرسي في الوقت نفسه حديثا عن العياشي عن أبي عبد الله أحد الأئمة الإثني عشر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: إني سألت ربي أن يؤاخي بيني وبينك ففعل، وسألت ربي أن يجعلك وصيي ففعل، فقال بعض القوم والله لصاع من تمر في شن بال أحب إلينا

_ (1) انظر تفسير الآية في مجمع البيان للطبرسي.

دلالة تكرار تحدي الكفار بالقرآن

مما سأله محمد ربه، فهلا سأله ملكا يعضده على عدوه أو كنزا يستعين به على فاقته، فأنزل الله الآية «1» . وقد يكون ما ورد في الرواية الأولى قد قاله رؤساء قريش للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن مضمون الآية وأسلوبها يبعث على التوقف في أنها نزلت جوابا لقولهم عند التمعن فيها، ولعلهم قالوه في موقف آخر. أمّا الرواية الثانية فهي متهافتة بل مخترعة فيما نعتقد وهي مثال من أمثلة كثيرة من روايات الشيعة في سياق كثير من الآيات لأجل تأييد أهوائهم. دلالة تكرار تحدي الكفار بالقرآن هذا، ويلحظ أن تحدي القرآن للكفار بالإتيان بشيء مثل القرآن وتقريره الصريح والضمني بعجزهم عن ذلك قد توالى في السور الثلاث المتتابعة في النزول أي الإسراء ويونس وهود، وهذا، يعني أن موضوع الوحي القرآني كان من أهم مواضيع الجدل والمكابرة من قبل الكفار. وهذا مؤيد بكثرة ما حكاه القرآن من مواقف جدلهم ومكابرتهم إزاء القرآن. مما مرت منه أمثلة عديدة. والتحدي في الآية التي نحن في صددها قوي مفحم فالكفار يقولون إن القرآن مفترى وهذا يعني أن تقليده غير عسير، فليأتوا بعشر سور مفتريات منه إذا استطاعوا. [سورة هود (11) : الآيات 15 الى 16] مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (15) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (16) . (1) حبط: بمعنى بطل وذهب هدرا.

_ (1) انظر المصدر السابق نفسه.

تعليق على آية من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون

تعليق على آية مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ في الآيتين تقرير بأن الذين يتوخون بما قد يعملون سعادة الحياة الدنيا وزهرتها والتمتع بالجاه والثروة والسلامة فيها فقط فإنهم قد ينالون جزاء عملهم فيها دون بخس ولا نقص، ولكن أعمالهم هذه لن تنفعهم في الآخرة لأنها قد انحصرت في الدنيا وأغراضها واستهدفت النفع العاجل والجزاء السريع. فهي بالنسبة للاخرة باطلة معدومة الأثر ولن يكون لأصحابها إلّا النار لأنها لم تصدر عن إيمان بالله ورغبة في رضائه وتقواه وتنفيذ أوامره. وواضح من فحوى الآيات وروحها أن الأعمال المذكورة فيها هي أعمال البر والخير التي يعملها بعض الناس ابتغاء للجزاء والذكر في الحياة الدنيا وحسب. ولقد روى الطبرسي عن الجبائي أن المقصود بالذكر هم المنافقون الذين كانوا يغزون مع النبي صلى الله عليه وسلم للغنيمة دون نصرة الدين وليس من خلاف في مكية الآيات. ويكون هذا القول بناء ذلك من قبل التطبيق المتأخر. وورود الآيتين عقب الآيات السابقة يلهم أنهما في صدد الكفار وفي سياق ما هو دائر بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم من حجاج وجدل وهما والحالة هذه استمرار للسياق. ويظهر أن الكفار كانوا يتبجحون بعمل بعض المكرمات ويظنون أن ما يسّره الله لهم من مال وجاء ورفاه بسبب ذلك فأريد الرد عليهم بما انطوى تقريره في الآية على النحو الذي شرحناه. وفي سورة (المؤمنون) آيات قد يكون فيها إشارة إلى ذلك وهي: فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (55) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (56) . والآيتان بالإضافة إلى كونهما في معرض الرد على الكفار والتنديد بهم فإن إطلاق الخطاب فيهما يجعلهما عامتي التوجيه لكل الناس. ويدخل في ذلك

المسلمون. وأنهما قد توختا أيضا كما يتبادر: 1- تقرير ما للنية من أثر في عمل المرء ونتائجه. 2- دعوة الناس إلى عمل الخير والسير في طريق الحق والهدى لا بقصد الجزاء الدنيوي العاجل لأن هذا قد يحدث وقد لا يحدث، وإذا حدث فلا يكون دليلا على أن قصد عمل الخير لذاته صادق ومخلص. 3- تثبيت فكرة الآخرة وتقرير وجوب الإيمان بالله ومراقبته وتقواه في ما يعمله المرء في الدنيا أملا في رضاء الله وغفرانه والسعادة الأخروية الخالدة. فإذا صدر المرء في عمله عن هذا القصد والأمل مع مرافقة الإيمان استوى عنده نيل الجزاء الدنيوي وعدمه وأقدم على عمل الخير لذاته ابتغاء رضاء الله ورضوانه. وفي هذه المقاصد من السمو والتلقين والتربية الأخلاقية ما هو رائع جليل. ولقد أورد البغوي في صدد مدى الآية حديثا عن أنس بن مالك فيه توضيح وتبشير جاء فيه: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يظلم الله المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيرا» . ولقد تكرر تقرير ما قررته الآية مرارا بأساليب متنوعة مرّت أمثلة منها في السور التي سبق تفسيرها حيث يفيد هذا أن حكمة التنزيل قد أسبغت على هذا الأمر خطورة لما فيه من تلقين جليل سام. ولقد أورد الطبري في سياقها حديثا عن أبي هريرة يفيد أن ما قررته يشمل أو يتناول الذين يعملون الأعمال الصالحة من المسلمين رياء مهما كانت أعمالهم. وقد روى مسلم والنسائي والترمذي حديثا مقاربا لما ورد في الطبري عن أبي هريرة أيضا، وقد جاء في حديث الترمذي: «قال النبيّ صلى الله عليه وسلم إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها، قال قاتلت فيك حتى استشهدت. قال كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلّم العلم وعلّمه وقرأ

[سورة هود (11) : آية 17]

القرآن فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال تعلّمت العلم وعلّمته وقرأت فيك القرآن. قال كذبت ولكنّك تعلّمت العلم ليقال عالم. وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كلّه، فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها قال ما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحبّ أن ينفق فيها إلّا أنفقت فيها لك. قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد. فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقي في النار» «1» . [سورة هود (11) : آية 17] أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (17) . (1) أولئك: راجعة على الأوجه إلى الذين هم على بينة من ربهم. (2) الأحزاب: تعني الفئات العديدة التي تتجمع لمقصد مشترك وتتحزب له. وهي هنا وفي الأماكن الأخرى من القرآن عنت الفئات التي تحزبت ضد النبي صلى الله عليه وسلم. (3) مرية: شك وريب. (4) إنه الحق من ربك: قيل إن الجملة راجعة إلى الشاهد كما قيل إنها راجعة إلى الموعد. وقيل أيضا إنها راجعة إلى القرآن والقولان الأولان أكثر وجاهة وورودا في مقام الجملة. تعددت الأقوال التي يوردها المفسرون «2» في الضمائر الواردة في الجملة الأولى من الآية وفي مداها. منها أن المقصود من (أفمن) هو جبريل أو النبي صلى الله عليه وسلم أو علي بن أبي طالب. ومنها أن معنى (ويتلوه) يؤيده ويتبعه. ومنها أن المقصود

_ (1) التاج ج 1 ص 50. (2) انظر تفسير الآية في الطبري وابن كثير والبغوي والخازن والطبرسي.

من (شاهد منه) هو القرآن أو جبريل أو النبي صلى الله عليه وسلم أو علي بن أبي طالب أو الإنجيل واسم علي بن أبي طالب رضي الله عنه مقحم إقحاما بدون أي مناسبة. وهذا ديدن رواة الشيعة. والذي يتبادر لنا أنه الصواب استلهاما من فحوى الجملة وروحها وروح وفحوى الآية معا أي جملة أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ تعني الذين آمنوا بعد أن ظهرت لهم البينة والبرهان. وأن جملة (ويتلوه) يعني يؤيد ذلك البرهان وأن جملة شاهِدٌ مِنْهُ تعني القرآن، ومن مرجحات ذلك الجملة التي بعدها والله أعلم. وفي الآية: 1- سؤال إنكاري ينطوي على نفي معقولية وإمكان التسوية بين المؤمنين والكافرين وتعليل ذلك بأن الأولين قد أدركوا الحقيقة الإلهية وصاروا منها على يقين وبينة وخاصة بعد ما جاءهم من ربهم شاهد ودليل وهو القرآن الذي سبقه شاهد ودليل آخر وهو كتاب موسى عليه السلام الذي أنزله الله كذلك إماما هاديا ورحمة فامنوا وصدقوا، بعكس الآخرين الذين هم في غفلة عن هذا وضلال. 2- وإنذار لكل من كفر بالله تعالى ولم يصدق القرآن من مختلف الفئات بأن موعده ومصيره إلى النار. 3- وأمر رباني للنبي صلى الله عليه وسلم أو للسامع إطلاقا بأن لا يكون عنده أي شك وتردد في ذلك فهو الحق من الله ولو لم يؤمن به وصدقه أكثر الناس. والمصحف الذي اعتمدناه يروي أن الآية مدنية، ويلحظ أنها منسجمة مع ما قبلها سياقا وموضوعا. وكذلك مع ما بعدها. وفيها معنى التعقيب على ما سبقها. وكل هذا يبرر الشك في صحة الرواية التي لم نطلع على تأييد لها. ونخشى أن تكون من موضوعات الشيعة لتبرير صرف أَفَمَنْ وشاهِدٌ مِنْهُ إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث كان في أوائل الإسلام التي نزلت السورة فيها ما يزال حدث السن.

[سورة هود (11) : الآيات 18 إلى 24]

[سورة هود (11) : الآيات 18 الى 24] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (19) أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (20) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (21) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (23) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ (24) . (1) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا: قد تكررت هذه الجملة، وهي في مقامها بمعنى (ليس من أحد أشد جرما وجورا ممن يفتري على الله الكذب) . (2) الأشهاد: جمع شاهد أو شهيد وكلاهما بمعنى واحد. وربما أريد بهم الأنبياء أو الملائكة أو كلاهما حيث ورد في آيات أخرى أن النبيين وفي آيات أخرى أن الملائكة يشهدون محاسبة الناس على أعمالهم يوم القيامة وقد مرّت أمثلة من ذلك في السور التي سبق تفسيرها. (3) لم يكونوا معجزين: ليسوا معجزين الله عن قهرهم وإهلاكهم. (4) ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون: قيل إن (ما) هنا ليست للنفي وإن معنى الآية إنهم يعذبون لأنهم كانوا يستطيعون السمع فلم يسمعوا والرؤية فلم يبصروا. وقيل إن معناها ما داموا يسمعون ويبصرون فإنهم معذبون، وقيل إنها للنفي وإنها تعني أنهم يعذبون لأنهم كانوا من شدة العناد والمكابرة إلى درجة أن يوصفوا بعدم استطاعة السمع والرؤية وهذا ما نراه الأوجه «1»

_ (1) انظر تفسير الطبري فقد روى كل هذه الوجوه عن أهل التأويل.

(5) لا جرم: جرم بمعنى قطع وكسب. ولكن التعبير صار كالمثل بمعنى حقا وبمعنى لا محالة. (6) أخبتوا: خشعوا أو أخلصوا أو خضعوا لله. في الآيات حملة شديدة على المشركين وزعمائهم بخاصة، فهي: 1- تتساءل تساؤلا يتضمن التقرير والتوكيد بأنه ليس من أحد أعظم جرما وأشد ظلما من الذين يفترون على الله الكذب وتؤكد بأنهم سيقفون أمام الله فيشهد عليهم الأشهاد بأنهم هم الذين كذبوا على الله فيهتف باللعنة على الظالمين الذين كانوا كافرين بالآخرة والذين كانوا يمنعون الناس عن سبيل الله ويضعون العراقيل في طريق الدعوة إليه. 2- تؤكد أنهم لن يكون لهم أولياء ونصراء يحمونهم من نقمة الله وأن عذابهم سيكون مضاعفا لأنهم اشتدوا في تصاممهم عن سماع كلمة الحق وفي تعاميهم عن رؤية الحق حتى لقد كانوا في مثابة العاجزين عن السمع والإبصار، وأنهم خسروا أنفسهم وغاب عنهم شركاؤهم الذين زعموها كذبا وافتراء. 3- تقرر أن من الطبيعي أن يكونوا الأخسرين في الآخرة. وأنهم إذا كانوا أهملوا في الدنيا فليس ذلك لأنهم كانوا معجزين الله فيها وإنما لأن حكمته اقتضت ذلك. واستطردت الآيات إلى ذكر الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخلصوا وخشعوا لله تعالى ذكرا تنويهيا بالمقابلة لذكر الكفار مما هو مألوف في النظم القرآني، فقررت أنهم هم أصحاب الجنة الخالدون فيها ومثلت كلا من الفريقين بالبصير والأعمى والسميع والأصم وتساءلت تساؤلا فيه معنى التقرير بأنه لا يمكن أن يستوي الأعمى والبصير ولا السميع والأصمّ، ودعت الناس بأسلوب الحث إلى التدبر والتذكر لاستبانة الحق من الباطل. والكذب على الله في الآيات يعني عقيدة الشرك. والقرينة على ذلك هي جملة وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ وجملة الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً تعني الزعماء الذين تولوا قيادة المناوأة للدعوة النبوية ومنع الناس من الاستجابة إليها. وهذا وذاك هو ما قصدناه في مطلع الشرح من جملة الآيات

[سورة هود (11) : الآيات 25 إلى 49]

على المشركين وزعمائهم بخاصة. والمتمعن في الآيات يلمس ولا ريب شدة الحملة في التنديد والإنذار وتصوير ما سيكون من أمر الكفار وزعمائهم، والمتبادر أنها استهدفت فيما استهدفته إثارة الرعب في قلوبهم وإيقاظ ضمائرهم وحملهم على الارعواء والارتداع. والمتبادر كذلك أن الاستطراد التنويهي إلى ذكر المؤمنين قد تضمن تبشير هؤلاء وبث الطمأنينة في نفوسهم. والآيات كما هو المتبادر استمرار لموقف الجدل والحجاج وتعقيب عليه. فبعد أن حكى في الآيات السابقة ما كان من أقوال الكفار وتحدياتهم جاءت الآيات تحمل عليهم هذه الحملة الشديدة. ولعل في ورود هذه الآيات عقب الآية السابقة قرينة على مكية هذه الآية التي ذكرت بعض الروايات أنها مدنية. وروح الآيات وفحواها يتضمنان تقرير كون الذين استحقوا الجنة أو النار في الآخرة إنما استحقوها نتيجة لاختيارهم طريق الهدى أو الضلال في الدنيا. وهذا يوجب التأويل الذي أولناه لجملة ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ. [سورة هود (11) : الآيات 25 الى 49] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (27) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (28) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (29) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (30) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31) قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35) وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (36) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (39) حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40) وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (42) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (45) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (46) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (47) قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (48) تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)

(1) أراذلنا: الفئة الحقيرة الوضيعة.

تعليق على قصة نوح عليه السلام

(2) بادي الرأي: لأول وهلة أو الظاهر الواضح. (3) عميت عليكم: أغلق عليكم فهمها. (4) أنلزمكموها: هل نكرهكم عليها. (5) تزدري: تحتقر. (6) إن كان الله يريد أن يغويكم: تعبير أسلوبي فيه تنديد وإنذار. (7) فلا تبتئس: فلا تحزن. (8) اصنع الفلك بأعيننا: اصنع السفينة برعايتنا وهدايتنا. (9) فار: انفجرت منه المياه. (10) التنور: مكان إيقاد النار لخبز الخبز. (11) في معزل: بعيد منعزل. (12) حال: فرّق. (13) أقلعي: توقفي أو كفي. (14) غيض الماء: انحسر الماء. (15) الجودي: اسم الجبل الذي استقرت فوقه السفينة. (16) إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح: إن عمله غير صالح فليس من نوعك ولا ينبغي أن يعد من أهلك. تعليق على قصة نوح عليه السلام الآيات حلقة من سلسلة طويلة في قصص الأنبياء وأممهم جريا على الأسلوب القرآني في إيراد القصص عقب حكاية مواقف الكفار وأقوالهم وتعجيزياتهم للتذكير والتمثيل والإنذار، فهي والحالة هذه متصلة بالسياق. والآيات واضحة المعاني لا تحتاج إلى أداء آخر، وقد احتوت قصة نوح عليه السلام بتفصيل أو في مما جاء في سورتي الأعراف والشعراء مما اقتضته حكمة التنزيل. وفيها جديد لم يذكر فيما سبق وهو: الأمر بصنع السفينة، وكيفية حدوث

تعليق على آية تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا

الطوفان، وأخذ زوجين اثنين من كل حي، وموج الطوفان العظيم الذي شبه بالجبال، واستواء السفينة على الجودي، ومسألة ابن نوح الذي ظل مع الكفار، والحوار الذي جرى بينه وبين قومه حول رسالته وحول الذين آمنوا بها منهم وبينه وبين الله حول غرق ابنه. والقصة كما ذكرنا قبل واردة في سفر التكوين، وليس في السفر المتداول اليوم ذلك التفصيل ولا الحوار ولا مسألة ابن نوح وإن كان فيه تفصيل عن حجم السفينة لم يرد في الآيات. والذي نرجحه أن ما ذكر في الآيات كان واردا في قراطيس أو أسفار أخرى كانت متداولة في أيدي أهل الكتاب وكان هو المتداول في أوساطهم. ولقد أورد المفسرون في سياق قصة نوح في هذه السورة وفي غيرها بيانات كثيرة معزوة إلى كعب الأحبار وغيره من رواة المسلمين من اليهود وغيرهم وكثير منها لم يرد في القرآن ولا في سفر التكوين المتداول «1» حيث يؤيد هذا ما قلناه، هذا ويدل على أن من أهل بيئة النبي صلى الله عليه وسلم من كان يعرف أشياء كثيرة من قصة نوح وطوفانه. ولم نر ضرورة ولا فائدة في إيراد ذلك أو تلخيصه لأنه غير متصل بشروط القرآن من القصة. واسم الجبل الذي استوت عليه السفينة في سفر التكوين أرارات، وهو في شمال جزيرة الفرات. وهذا الجبل يذكر في كتب التفسير والتاريخ العربية القديمة باسم الجودي وهو الاسم المذكور في الآيات وذكره في القرآن دليل على أنه كان متداولا معروف المكان في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم. تعليق على آية تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا والآية الأخيرة من الآيات تثير إشكالا حيث تذكر أن ما أوحاه الله تعالى

_ (1) انظر تفسير الآيات في الطبري وابن كثير والخازن والمنار والطبرسي والبغوي.

للنبي صلى الله عليه وسلم من القصة هو من أنباء الغيب التي ما كان يعرفها هو ولا قومه من قبل. ومن شأنها أن تنقض ما قلناه. ولما كان سفر التكوين متداولا في أيدي الكتابيين في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم حتما، سواء كان بنصه اليوم أو زائدا أو ناقصا والعرب كانوا على صلة بهم، ومنهم من كان يدين بالنصرانية واليهودية، بل ومنهم من كان يعرف العبرانية ويقرأ الكتب بها «1» . فمن الصعب أن يفرض أن لا يكون من العرب السامعين من لا يعرف قصة نوح والحالة هذه. ومما يحسن إيراده في صدد قصة نوح مسألة أصنام قومه المذكورة في سورة نوح وهي: ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر، حيث كانت هذه الأصنام مما تعبدها العرب ومما كانوا يعزونها إلى قوم نوح، وحيث يفيد هذا بطبيعة الحال أن اسم نوح وقصته مع قومه مما كان متداولا في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول القرآن ولقد قلنا آنفا إن في كتب التفسير بيانات كثيرة حول قصة نوح غير واردة في القرآن عزاها رواة الأخبار إلى أناس عاشوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك أشياء وردت في سفر التكوين المتداول اليوم مثل إطلاق نوح غرابا ثم حمامة من السفينة مرتين لاختبار جفاف الأرض وعودة الحمامة في المرة الثانية وفي فمها ورقة زيتون «2» . وهذا مما قد يدل على أن ذلك مما كان متداولا في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم من طريق الكتابيين الذين كان سفر التكوين في أيديهم، ويؤيد ما قلناه من أن القصة كانت معروفة في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم عن طريق أهل الكتاب الذين كان سفر التكوين في أيديهم. ولقد كان هذا الإشكال مما تنبه له بعض المفسرين حيث أشار إليه الخازن وعلّله باحتمال كون العلم بها كان مجملا لأن قصة نوح كانت مشهورة معروفة كما قال وأشار إليه كذلك البيضاوي وعلله باحتمال كون القصد هو عدم معرفة النبي صلى الله عليه وسلم وجميع قومه بجميع التفصيلات وأن هذا لا يمنع أن يكون عرفها بعضهم أو عرف بعضهم بعضها. ومن الجدير بالذكر أن قصة نوح في السور الأخرى السابقة والآتية خلت من مثل هذا الإشكال. ونحن نرى في تعليق هذين المفسرين

_ (1) جاء في صدد ورقة بن نوفل في حديث رواه البخاري وأوردناه في سياق تفسير سورة العلق. [.....] (2) انظر تفسير الآيات في الطبري مثلا وانظر الإصحاح 8 من سفر التكوين.

مواضع العبرة في قصة نوح عليه السلام

وجاهة ظاهرة ولا نرى معدى عنه أو عما يقاربه كصرف الغيب إلى معنى البعيد غير المشاهد أو الذي صار في طيات الدهر ولا يعرف الناس تفصيل أحداثه ولقد قررنا قبل أن هدف القصص القرآنية إنما يتحقق بمعرفة السامعين لها جزئيا أو كليا لأنها إنما جاءت للوعظ والتذكير والتمثيل. هذا ولقد علق المفسرون على قصة نوح في هذه السورة تعليقات متنوعة كما فعلوا في مناسبة ورودها في السور الأخرى. ومن ذلك مسألة عمومية طوفان نوح لجميع الأرض أو خصوصيته بقوم نوح وبلاده «1» . ونحن نرى في هذا وأمثاله تكلفا لا طائل من ورائه وليس مما يتصل بالهدف القرآني. مواضع العبرة في قصة نوح عليه السلام وفي الحلقة مواضع عبر جديدة، منها ما في الحوار المحكي بين الله تعالى ونوح عليه السلام بشأن ابنه من موعظة وعبرة بليغتين حيث يقرر أن قربى الدم مهما كانت لا حمة بين رجال الله وذوي أرحامهم فلا يمكن أن تغني عن هؤلاء شيئا إذا لم يكونوا مؤمنين صالحين، وأن المعول على الإيمان والعمل الصالح في تثبيت قيمة المرء وصلاحه وفساده واستحقاقه لرضاء الله تعالى ونقمته، وهذه العبرة في القصص الواردة في السور التي سبق تفسيرها ممثلة في زوجة لوط ووالد إبراهيم عليهما السلام، وفي سورة التوبة نهي للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من الاستغفار للمشركين ولو كانوا من ذوي قرباهم كما ترى في هذه الآيات: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (113) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114) وهكذا تتم السلسلة ويتقرر المبدأ القرآني الجليل في هذا الباب.

_ (1) انظر تفسير الآيات في تفسير المنار والطبري وابن كثير والخازن وغيرهم.

تعليق على آية أم يقولون افتراه من آيات الحلقة

ومنها الحوار الذي كان يجري بين نوح وقومه بشأن الذين آمنوا من الضعفاء والفقراء. ففيه صورة لما كان يجري بين النبي صلى الله عليه وسلم وزعماء الكفار مما حكته آيات عديدة، منها آيات الأنعام هذه: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) وآية سورة الكهف هذه: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (28) حيث كان زعماء قريش ينظرون إلى الفقراء الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم واتبعوه بنظر الازدراء ويطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم طردهم. وفي الحوار تثبيت للمؤمنين من هؤلاء وتنبيه لهم بأن موقف الكفار منهم ليس جديدا بل هو ديدن الكفار السابقين أيضا، وتنويه بهم وتقرير بأنهم قد استحقوا رحمة الله وبرّه بإيمانهم وعملهم. ومنها ما حكي من قول نوح عليه السلام لقومه بأنه لا يعلم الغيب وليس عنده خزائن الله وليس هو ملكا. وهذا ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله للكفار كما مرّ شرحه في سياق سورتي يونس والأعراف، ومما جاء في آية سورة الأنعام هذه: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (50) والعبرة في هذا إعلان وحدة طبيعة الأنبياء وكونهم جميعا ليسوا إلّا مبلغين عن الله وليسوا إلّا بشر كسائر البشر. تعليق على آية أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ من آيات الحلقة هذا، ولقد اختلف المفسرون في المقصود بالآية [35] «1» حيث قال بعضهم إنها معترضة وإنها تعني مشركي العرب وتأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرد عليهم إذا قالوا إن ما

_ (1) انظر تفسيرها في تفسير الطبري وابن كثير والطبرسي والزمخشري والبغوي.

[سورة هود (11) : الآيات 50 إلى 60]

يقصه مفترى وحيث قال بعضهم إنه من الجدل والحوار بين نوح عليه السلام وقومه لأنهم اتهموه بالافتراء على الله حينما بلغهم أنه رسوله إليهم. وكلا القولين محتمل، وإن كنا نرى الأول أوجه. وأكثر المفسرين على ذلك أيضا. ولعل بدء الآية التالية لها بخطاب نوح قرينة على ذلك وفي النظم القرآني أمثلة من ذلك. كما أن ذلك القول قد حكي عن مشركي العرب مرات عديدة سبقت أمثلة منها. وإذا صحت وجاهة القول الأول ففي الرد الذي أمرت الآية النبي صلى الله عليه وسلم برده على المشركين تحدّ ضمني لهم وتقرير ضمني بأنه يعرف عظم مسؤولية الافتراء على الله ولا يمكن أن يقترفه. [سورة هود (11) : الآيات 50 الى 60] وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (50) يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (51) وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52) قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (58) وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (60) . (1) مدرارا: كثيرا متتابعا.

تعليق على قصة هود عليه السلام

(2) اعتراك بعض آلهتنا بسوء: يريدون بذلك أن يقولوا إن بعض معبوداتنا أصابوك بسوء فغدوت تهذي كالمجنون بدعوتك ومواعظك. (3) ما من دابة إلّا هو آخذ بناصيتها: ما من دابة إلّا هو أي الله مالك لأمرها ومحيط بحركاتها وسكناتها. (4) تولوا: تتولوا. تعليق على قصة هود عليه السلام وهذه حلقة ثانية من السلسلة فيها قصة هود عليه السلام مع قومه، وآياتها واضحة. وقد وردت القصة في سور عديدة منها ما مرّ تفسيره وعلقنا عليها بما يغني عن التكرار، وفي الحلقة حوار بين هود عليه السلام وقومه غير ما ورد في السور الأخرى مما اقتضته حكمة التنزيل وفيه مماثلة لما حكته آيات عديدة ومرت أمثلة منها من أقوال ومواقف المشركين من النبي صلى الله عليه وسلم حيث يبدو في ذلك أيضا عبرة واضحة بإعلان وحدة طبيعة ذوي النوايا الخبيثة والسرائر الفاسدة ووحدة مواقفهم من الدعوة إلى الهدى والحق التي يدعو إليها رسل الله تعالى. وفي هذا تطمين للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من جهة وتبكيت وتقريع وإنذار للكفار من جهة أخرى. ومن الحوار الذي فيه عبرة أيضا قول هود عليه السلام لقومه إنكم إن تتولوا فلن تضروا الله شيئا وإن الله قادر على إهلاككم واستخلاف غيركم في الأرض محلكم حيث ينطوي في هذا إنذار للمشركين الذين كانوا يناوئون النبي صلى الله عليه وسلم. ومن مواضع العبرة في الآيات إيذان الله بتنجية هود والذين آمنوا معه من العذاب الذي وقع على الكافرين من قومه حيث ينطوي في هذا بشرى وتطمين للنبي والذين آمنوا.

[سورة هود (11) : الآيات 61 إلى 68]

[سورة هود (11) : الآيات 61 الى 68] وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (68) . (1) استعمركم فيها: جعلكم قادرين على إعمارها. (2) قد كنت فينا مرجوا قبل هذا: يريدون بذلك أن يقولوا إننا كنا نظنك أعقل، وكان لنا فيك بسبب ذلك أمل ورجاء. (3) فعقروها: قطعوا أرجلها. (4) جاثمين: قاعدين على ركبهم وهم أموات. (5) كأن لم يغنوا فيها: كأنهم لم يقيموا فيها ويسكنوها. تعليق على قصة صالح عليه السلام وهذه حلقة ثالثة من السلسلة فيها قصة صالح عليه السلام وقومه وآياتها واضحة. وقد وردت القصة في سور عديدة منها ما مرّ تفسيره، وعلقنا عليها بما يغني عن التكرار. وفي الحلقة حوار بين صالح عليه السلام وقومه غير ما ورد في السور الأخرى كذلك مما اقتضته حكمة التنزيل. وفيه مماثلة لما حكته آيات عديدة مرّت أمثلة منها من أقوال ومواقف المشركين من النبي صلى الله عليه وسلم حيث تبدو هنا أيضا

[سورة هود (11) : الآيات 69 إلى 76]

العبرة التي نبهنا إليها في تفسير قصة هود عليه السلام ومثل هذا يقال في ما ذكرته الآيات من تنجية صالح عليه السلام وقومه أيضا. وفي تفسير الطبري وغيره بيانات كثيرة في سياق هذه الحلقة أيضا عن صالح وقومه وناقته، وتامر قومه عليه وعلى الناقة لم نر ضرورة ولا طائلا في إيرادها أو تلخيصها لأنها لا تتصل بالهدف القرآني وهو العبرة والتذكير. [سورة هود (11) : الآيات 69 الى 76] وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (71) قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76) . (1) حنيذ: مشوي. (2) نكرهم: أنكرهم واستغرب أمرهم. (3) أوجس منهم خيفة: استشعر الخوف منهم. (4) ضحكت: قال المفسرون إنها ضحكت حينما رأت الرسل لا يأكلون من الطعام أو حينما بشروها بإسحاق وهي تظن أن ذلك مستحيل لأنها وزوجها كانا عجوزين. (5) بعلي: زوجي. (6) الروع: الخوف أو الدهشة. (7) أواه: كثير التأوه بمعنى كثير البكاء والدعاء والابتهال. (8) منيب: راجع إلى الله ومسلم له.

تعليق على قصة إبراهيم عليه السلام

تعليق على قصة إبراهيم عليه السلام وهذه حلقة رابعة فيها قصة جديدة من قصص إبراهيم عليه السلام. فقد ذكرت قصته مع قومه في سورة الشعراء، وهذه القصة تحكي مجيء رسل الله إليه بالبشرى، ثم إلى قوم لوط بالعذاب. وتكررت هذه القصة بعد هذه السورة بأساليب متقاربة. وهذه القصة مما ذكر في سفر التكوين بما في ذلك الحوار بين إبراهيم ورسل الله الملائكة وضحك سارة وتعجبها من أنها ستحبل وتلد وهي عجوز عقيم، خلافا لقصة سورة الشعراء على ما ذكرناه في سياق تفسيرها. وهي هنا مقاربة إجمالا لما ذكر في سفر التكوين عدا عدم أكل رسل الله من الطعام حيث ذكر في هذا السفر أنهم أكلوا وعدا البشرى يبعثون مع ذكره عهد ربه له أن يكون مع اسحق ابن سارة وأن ينمي ذريته «1» . وسفر التكوين كان متداولا في أيدي أهل الكتاب واليهود في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم بحيث يقال بجزم إن هذه القصة مما كان متداولا في هذه البيئة. ونعتقد إلى هذا أن ما لم يذكر في السفر وذكر في القرآن أو ما ذكر في القرآن مباينا لما ذكر في السفر كان متداولا بين اليهود وكان واردا في أسفار وقراطيس لم تصل إلينا. وفي القصة من العبر تقرير قدرة الله على جعل إبراهيم وزوجته ينجبان رغم طعنهما في السن رحمة بنبيه وخليله. وقد نوهت به وبأهل بيته تنويها كريما. ومما فيها أيضا ردّ على إبراهيم عليه السلام حينما جادل في قوم لوط عليه السلام بأنهم قد حق عليهم العذاب فلا راد له. وفي هذا إنذار لسامعي القرآن من قوم النبي صلى الله عليه وسلم بأن صلتهم به لن ترد عنهم العذاب الرباني إذا حق عليهم بإصرارهم على الكفر والإثم. [سورة هود (11) : الآيات 77 الى 83] وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (79) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)

_ (1) انظر الإصحاحات 16 و 17 و 18 من سفر التكوين.

(1) سيئ بهم: ساءه مجيئهم خوفا عليهم. (2) ضاق بهم ذرعا: التعبير يقصد به بيان ما ألمّ بالمرء من ضيق وشدة. (3) عصيب: شديد الخطر. (4) يهرعون إليه: يسارعون إليه. (5) يعملون السيئات: كناية عن عادتهم السيئة بإتيان الذكور. (6) لو أن لي بكم قوة: لو أن لي قوة بكم تنصرني عليهم وأدفع عنكم بها قومي. (7) ركن شديد: ملجأ حصين أحميكم فيه. (8) لن يصلوا إليك: لن يقدروا على أذيتك. (9) بقطع من الليل: في أثناء ظلمة الليل. (10) سجّيل: طين جاف وهي كلمة معربة من الفارسية. (11) منضود: مصفوف أو متتابع. (12) مسومة: معدة أو عليها علامة ربانية.

تعليق على قصة لوط عليه السلام

تعليق على قصة لوط عليه السلام وهذه حلقة خامسة من سلسلة القصص تحتوي قصة لوط عليه السلام ومجيء رسل الله إليه وما كان من التدمير الذي حل بقومه وبلادهم وتنجية لوط وأهله باستثناء زوجته، وآياتها واضحة المعنى. والقصة واردة في الإصحاح (19) من سفر التكوين المتداول مقاربة لما جاء في هذه السورة وسورتي الشعراء والأعراف اللتين مرّ تفسيرهما. وقد علقنا عليها في السورتين المذكورتين بما يغني عن التكرار. وتكرارها هنا يتضمن تكرار العبرة في ما كان من إهلاك الله لقوم لوط وامرأته معا وتنجيته والذين آمنوا معه. وفي الآيات جديد لم يرد في السور السابقة وهو انزعاجه من مجيء رسل الله لأنه لا يقدر على حمايتهم. وهذا مباين لما في سفر التكوين المتداول الذي ذكر أن لوطا ألح عليهم لينزلوا في ضيافته «1» . ونحن نعتقد أن ما جاء في القرآن كان متداولا وواردا في قراطيس أخرى، وهو المتسق مع ما حكي من أخلاق قوم لوط وعاداتهم السيئة التي كان لوط يعرفها بطبيعة الحال. وفي تفسير الطبري وغيره لهذه الآيات بيانات كثيرة معزوة إلى علماء الصدر الأول فيها ما هو المتطابق مع سفر التكوين وغير المتطابق، لم نر ضرورة ولا طائلا لإيراده أو تلخيصه هنا لأنه غير متصل بالهدف القرآني ويدل على كل حال على تداول تفصيلات لم ترد في السفر عن هذه القصة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبيئته، مما فيه دعم لما نقول. [سورة هود (11) : الآيات 84 الى 95] وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (91) قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (95)

_ (1) انظر الإصحاح 19.

(1) لا يجرمنكم شقاقي: لا يجعلنكم شقاقي أو لا تحملنكم رغبة مخالفتي. (2) ما نفقه: ما نفهم. (3) رهطك: عشيرتك أو أسرتك. (4) وما أنت علينا بعزيز: لست شخصيا غاليا علينا أو مكرما عندنا أو قويا. (5) اتخذتموه وراءكم ظهريا: بمعنى تناسيتموه ولم تبالوا به. (6) اعملوا على مكانتكم: استمروا في عملكم وحالتكم. (7) ارتقبوا إني معكم رقيب: انتظروا وأنا منتظر معكم. وفي الجملة معنى الإنذار بعذاب الله.

تعليق على قصة شعيب عليه السلام

تعليق على قصة شعيب عليه السلام وهذه حلقة سادسة من السلسلة. وقد احتوت قصة شعيب عليه السلام وقومه أهل مدين. وآياتها واضحة. وقد وردت هذه القصة في سورتي الشعراء والأعراف بصيغ متقاربة مع بعض زيادات اقتضتها حكمة التنزيل ولقد علقنا على مدى القصة في السورتين المذكورتين بما يغني عن التكرار. وفي الحوار الذي يحكي بين شعيب وقومه مماثلة لما حكته آيات عديدة لبعض ما كان يقع بين النبي صلى الله عليه وسلم والكفار العرب حيث ينطوي في ذلك إظهار وحدة الطبائع التي تجمع بين الكفار وزعمائهم بخاصة في مختلف الأدوار. وبالإضافة إلى ذلك فإن فيما احتوته آيات القصة من إنذار ووعيد وتنديد وتأنيب وتطمين قد انطوى إنذار ووعيد للكافرين السامعين وتثبيت وتطمين للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. [سورة هود (11) : الآيات 96 الى 99] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (96) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99) . (1) يقدم قومه: بمعنى يتقدم قومه ويقودهم. (2) بئس الورد المورود: الورد بمعنى الورود على الماء، ومعنى الجملة: بئس الورد الذي أورد فرعون قومه لأنه أوردهم النار. (3) وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة: لحق بهم في هذه الدنيا سخط الله وغضبه. (4) بئس الرفد المرفود: الرفد بمعنى العون والعطاء والقرى. ومعنى الجملة: بئس الرفد الذي رفد به فرعون قومه.

تعليق على قصة موسى عليه السلام

تعليق على قصة موسى عليه السلام وهذه حلقة سابعة من السلسلة وهي الأخيرة، وقد اقتضت حكمة التنزيل أن تكون الإشارة فيها إلى قصة رسالة موسى عليه السلام إلى فرعون مقتضبة جدا. وقد وردت القصة مفصلة في سور سبق تفسيرها. وعلقنا عليها بما يغني عن التكرار، ومن مواضع العبرة هنا ما يمكن أن يكون إنذارا للكفار السامعين وبخاصة للذين اتبعوا الزعماء من سوادهم وتنبيههم إلى أن هؤلاء الزعماء سيوردونهم النار وبئس هي من مورد وسيكون نصيبهم جميعا لعنة ونقمة ربانيين في الدنيا والآخرة وبئس ذلك من نصيب. [سورة هود (11) : الآيات 100 الى 104] ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (100) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) . (1) قائم: بمعنى باق وموجود. (2) حصيد: بمعنى مدمر وهالك. (3) تتبيب: خسارة. (4) يوم مشهود: يوم عظيم حافل. الآيات جاءت معقبة على سلسلة القصص جريا على النظم القرآني. وفيها توكيد صريح لما قلناه مرارا لأهداف القصص القرآنية وهي العبرة والتذكير والإنذار والتثبيت، حيث قررت: 1- أن الله يقص أنباء القرى والأمم السابقة على النبي صلى الله عليه وسلم ومن يسمع القرآن

تعليق على جملة وهي ظالمة

للعبرة والتذكير. ومن هذه القرى والأمم ما هو باق يرى الناس آثار تدمير الله فيه ومنها ما زال. 2- وأن الله لم يظلم تلك القرى والأمم وإنما ظلموا أنفسهم بانحرافهم وبغيهم، ولم تكن آلهتهم التي كانوا يدعونها من دون الله لتنفعهم شيئا حينما حق عليهم عذاب الله تعالى، ولم تزدهم إلّا خسارا. 3- وأن الله إذا أخذ القرى والأمم وهي ظالمة باغية فيكون أخذه لها شديدا أليما. 4- وأن في ذلك نذيرا للناس من شأنه أن يحملهم على الارعواء ويدعوهم إلى التفكير وبخاصة من يحسب حساب الآخرة منهم ويومها الرهيب الهائل الحافل بالأحداث الجسام والمجموع له جميع الناس، والذي إنما يؤخره الله تعالى بمقتضى حكمته لأجل محدود قصير. وإذا كان أخذ الله في الدنيا للظالمين يثير خوفا ورعبا فعذابه في الآخرة يجب أن يكون أشد إثارة لهما لأن الأول يأتي ثم ينقضي ولكن الآخر طويل المدى. والإنذار في الآيات قوي موجه للعقول والقلوب معا وقد استهدف كما هو المتبادر إثارة الرعب والارعواء في قلوب الكفار وزعمائهم. ولعل في جملة وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) إنذارا بأن الفرصة أمامهم سانحة ولكنها قصيرة فعليهم أن لا يضيعوها. تعليق على جملة وَهِيَ ظالِمَةٌ وجملة وَهِيَ ظالِمَةٌ [102] تنطوي على معنى أوسع وأشد من جملة (وهي كافرة) كما هو المتبادر فالظلم يشمل الشرك والكفر ويشمل في الوقت نفسه الإجرام والبغي والعدوان على الناس والفساد والتكبر في الأرض. ويتبادر لنا أن هذا هو مقصود الجملة القرآنية وليس الكفر وحده. وفي آية آتية ما يمكن أن يؤيد ذلك. ولقد أورد الطبري في سياق الآية الثانية حديثا بطرقه رواه الشيخان والترمذي

[سورة هود (11) : الآيات 105 إلى 108]

أيضا عن أبي موسى بهذا النص: «قال النبي صلى الله عليه وسلم إنّ الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ الآية» «1» حيث ينطوي في الحديث توكيد للإنذار الرهيب الذي احتوته الآية. [سورة هود (11) : الآيات 105 الى 108] يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) . (1) لا تكلم: لا تتكلم. (2) لهم فيها زفير وشهيق: المراد بهذه الجملة وصف الشدة التي سوف يقاسيها أهل النار. فالمرء حينما يشتد عليه البلاء يسرع نفسه ويضيق. (3) غير مجذوذ: غير مقطوع. والآيات استمرار بياني للآيات السابقة، فحينما يأتي ذلك اليوم يخشع الناس ويسكتون تهيبا من الموقف. ولن يستطيع أحد أن يتكلم إلّا بإذن الله، والناس في ذلك اليوم صنفان أشقياء وسعداء. فالأولون يلقون في النار حيث يقاسون من البلاء أشده ويخلدون فيها ما دامت السموات والأرض إلّا ما شاء الله الفعّال لما يريد. وأما الآخرون فينزلون في الجنة ويخلدون فيها ويتمتعون بنعم الله التي لا تنقطع ما دامت السموات والأرض إلّا ما شاء الله كذلك. وفي الآيات ما يثير الرعب والخوف في قلوب الكفار والطمأنينة والغبطة في قلوب المؤمنين وهو ما استهدفته في جملة ما استهدفته على ما هو المتبادر.

_ (1) التاج ج 4 ص 131.

تعليق على جملة

تعليق على جملة خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ وقد تعددت أقوال المفسرين ورواياتهم «1» في تأويل جملة ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ فقالوا فيما قالوه إن الاستثناء الأول عائد إلى مذنبي المؤمنين الذين سوف يخرجون أخيرا من النار ويدخلون الجنة وقالوا إن الاستثناء هو في صدد زيادة أنواع العذاب والنعيم وقالوا إنه على طريقة قول العرب: «ما لاح كوكب» و «ما أقام ثبير» و «ما دامت السماء سماء والأرض أرضا» ويريدون بذلك التأبيد، والقول الأخير يعني أن التعبير أسلوبي مما اعتاد العرب استعماله وهم يقصدون التأبيد. وهو قول وجيه يزيل وهم التناقض الذي قد يبدو بين العبارة القرآنية هنا وبين آيات كثيرة وردت فيها جملة خالِدِينَ فِيها بالنسبة لأهل الجنة وأهل النار بدون قيد إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ وهناك حديث رواه مسلم والترمذي عن ابن عمر جاء فيه: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أدخل الله أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أتى بالموت فيوقف على السور الذي بين الجنة والنار ثم يقال يا أهل الجنة فيطلعون خائفين ثم يقال يا أهل النار فيطلعون مستبشرين يرجون الشفاعة فيقال لهم هل تعرفون هذا فيقولون قد عرفناه وهو الموت الذي وكّل بنا فيضجع فيذبح على السور ثم يقال يا أهل الجنة خلود بلا موت ويا أهل النار خلود بلا موت» «2» . ومع واجب الإيمان بما يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخبار المشاهد الأخروية فإن في الحديث من جهة توكيدا للخلود الأبدي في النار والجنة لمن استحقه من الناس ومؤيد لما تفيده العبارة التي جاءت كأسلوب تعبيري عن التأبيد حسب تخاطب العرب. ومن الحكمة المستشفة منه قصد الترهيب للكفار والبشرى للمؤمنين. ومع ذلك فقد يتبادر أيضا أن التعبير من الأساليب التي جرى عليها الوحي

_ (1) انظر تفسير الآيات في الطبري وابن كثير والزمخشري والطبرسي والبغوي. (2) التاج ج 5 ص 382.

تعليق على جملة فمنهم شقي وسعيد

القرآني في كثير من الآيات حيث يقرن الأمر بمشيئة الله تعالى إعلانا بأن كل شيء وأمر منوط بأمره وإذنه ومشيئته. وأنه لا ضرورة ولا طائل من التخمين وإطالة الكلام في العبارة ومداها كما فعل بعضهم «1» وتفويض الأمر في حكمة مداها لله عز وجل مع ملاحظة كون الهدف الجوهري للآيات هو إنذار الكفار السامعين ومن بعدهم ليرعووا ويتوبوا وتبشير المؤمنين السامعين ومن بعدهم ليغتبطوا ويثبتوا والله أعلم. تعليق على جملة فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ روى الطبري في سياق هذه الجملة حديثا عن عمر بن الخطاب رواه أيضا البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي جاء فيه: «قال عمر أرأيت ما نعمل فيه أمر مبتدع أو فيما فرغ منه فقال فيما فرغ منه يا ابن الخطاب. كلّ ميسّر أما من كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة وأما من كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء» «2» . وروى البغوي حديثا عن علي بن أبي طالب رواه أيضا مسلم والترمذي جاء فيه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ذات يوم وفي يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار. قالوا يا رسول الله فلم نعمل أفلا نتكل. قال اعملوا فكل ميسّر لما خلق له. ثم قرأ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (7) الآيتين في سورة الليل» . ولسنا نرى في هذين الحديثين ما يوهم أن الله قد كتب الشقاء والسعادة من الأزل على أناس بأعيانهم وبصورة اعتباطية تنزّه عن ذلك، بل فيهما ما يمكن أن يفيد أن ذلك منوط بسلوكهم. وكل ما يمكن أن يكون بالإضافة إلى ذلك أن الله

_ (1) كتب السيد رشيد رضا في تفسيره في صدد هذه النقطة وفي سياق آية مماثلة للآية هنا وهي الآية [128] من سورة الأنعام أكثر من خمس وعشرين صفحة استعرض فيها أقوال من يقول بالتأييد ومن يقول بخلافه وأورد حججهم النقلية والعقلية وانتهى إلى إناطة الأمر إلى حكمة الله ورحمته وعدله. (2) التاج ج 5 ص 173 و 174.

تعليق على جملة لا تكلم نفس إلا بإذنه

سبحانه يعلم الذين يسلكون سبيل الشقاء فيستحقون النار والذين يسلكون سبيل السعادة فيستحقون الجنة. أما من باب وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ البقرة: [26] ووَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ الرعد: [27] وهذا هو المتسق مع المبادئ القرآنية المحكمة على ما شرحناه في مناسبات سابقة. على أن في آيات سورة الليل التي قرأها رسول الله على ما جاء في الحديث الثاني قرينة حاسمة فهي تنسب الإعطاء والتقوى والتصديق بالحسنى والبخل والاستغناء والتكذيب بالحسنى لفاعلي ذلك وترتب تيسير الله للأولين للحسنى وتيسير الآخرين للعسرى على ذلك. وهذا أيضا وارد في بقية آيات سورة الليل التي تأتي بعد الآيتين. تعليق على جملة لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ وقد وقف بعض المفسرين «1» إزاء تعبير لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ لأن هناك آيات جاء فيها ما قدم يوهم نقض ذلك مثل آية سورة النحل هذه: يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (111) ومثل آيات سورة ص هذه: هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (59) قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (60) قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ (61) وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (62) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (63) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64) . ومما ذكره الزمخشري في رفع الإشكال أن ذلك اليوم طويل له مواقف ومواطن، ففي بعضها يجادلون عن أنفسهم وفي بعضها يكفون عن الكلام فلا يؤذن لهم، وفي بعضها يؤذن لهم، وفي بعضها يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وتشهد أرجلهم. وهذه التخريجات وجيهة وكل الصور المذكورة فيها مما ورد في آيات قرآنية أخرى مرّت أمثلة منها في السور التي سبق تفسيرها.

_ (1) انظر تفسير الآيات في كشاف الزمخشري.

[سورة هود (11) : آية 109]

على أننا لا نرى إشكالا من جهة التعبير لورود جملة إِلَّا بِإِذْنِهِ لأن جملة إِلَّا بِإِذْنِهِ تحل كل إشكال. ومع ذلك فإننا لا نرى المقام يستدعي الإشكال في أصله. ونرى أن التعبير أسلوبي قصد به تصوير شدة الهول الأخروي وأثره. ويمكن أن يقال أيضا بالإضافة إلى واجب المسلم بالإيمان بما ذكره القرآن من مشاهد أخروية إن تنوع الأسلوب القرآني في أوصاف مشاهد الآخرة وحسابها وعذابها ونعيمها متأتّ من تنوع المشاهد والمواقف بين النبي صلى الله عليه وسلم والكفار أولا وأنه يمكن أن يكون قرينة على ما ذكرناه في مناسبات سابقة من أن الترهيب والترغيب مقصودان لذاتهما في الآيات القرآنية ثانيا. ولعل من القرائن على ذلك كون الأوصاف والصور والمشاهد الأخروية الواردة في القرآن هي في نطاق مألوف السامعين من مشاهد وصور وأوصاف دنيوية تتصل بالنعيم والعذاب ومجالس القضاء إلخ حتى يكون لها تأثير في السامعين الذين لا يتأثرون إلّا بما هو معروف ومجرب عندهم ولا يفهمون إلا ما هو في نطاق معارفهم. هذا مع تكرار تقرير كون الحياة الأخروية من المسائل الإيمانية الغيبية التي يجب الإيمان بما جاء عنها في القرآن مع الوقوف في ذلك عند ما وقف القرآن بدون تزيد ولا تخمين. مع تكرار القول أيضا إن آيات المشاهد الأخروية من المتشابهات التي تتحمل تأويلات عديدة ومنها ما لا يعلم تأويله إلا الله وأن هذا يوجب كذلك الوقوف عند ما وقف القرآن مع استشفاف الحكمة التي يتبادر أن منها ما مر ذكره والله أعلم. [سورة هود (11) : آية 109] فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (109) . في الآية تقرير بأن الكفار إنما يعبدون- كما كان يعبد آباؤهم- عبادات باطلة، وإنه ليس في ذلك محل للشك والمراء، وتوكيد بأن الله تعالى سوف يوفيهم استحقاقهم على ذلك بدون نقص. واتصال الآية بما سبقها ظاهر من حيث إنها في صدد الكفار الذين كانوا موضع الحديث والإنذار كما يدل عليه الضمير الراجع إليهم.

تعليق على آية فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص

تعليق على آية فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ ولم نر أحدا من المفسرين فيما اطلعنا عليه وقف عند الآية وبين سبب نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الشك فيما يعبد الكفار، مع أن أسلوب الآية يستدعي ذلك. وقد استلهمنا منها أن بعض المسلمين أو بعض الكفار كانوا يدافعون عن أنفسهم بأنهم مؤمنون بالله معتقدون بأنه الخالق الرازق المؤثر في كل شيء، وبأنهم محترمون بيته وتقاليد ملة إبراهيم خليله ويفعلون المكرمات فأريد في الآية ردّ ذلك ما داموا يشركون مع الله غيره في العبادة والدعاء مهما كان القصد وتوكيد كونهم ضالين هم وآباءهم من قبلهم بسبب شركهم. ومع أن الخطاب في أول الآية موجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن هذا لا يمنع أن يكون موجها إلى المسلمين أيضا الذين قد يكون بينهم المدافع أو المعتذر أو المتسائل عن الأمر. [سورة هود (11) : الآيات 110 الى 111] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (110) وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111) . (1) لمّا: تعددت الأقوال في معنى هذا الحرف في الآية، فقيل إنه بمعنى إلا وقيل إن في الآية محذوفا تقديره «وإن كلّا لما عملوا ليوفينهم ربك أعمالهم» ونحن نرى الأول أوجه. في الآيات إشارة إلى ما كان من اختلاف في فهم الكتاب الذي آتاه الله تعالى موسى عليه السلام وتأويله، وتنبيه إلى أنه لولا اقتضاء حكمة الله في التأجيل لقضى

تعليق على الآية ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه والآية التالية لها

قضاءه في المختلفين فيه الذين هم في شك منه مريب، وتوكيد بأن الله لا بدّ موف كل عامل جزاء عمله من خير وشر، وهو الخبير بما يعمل الناس. تعليق على الآية وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ والآية التالية لها لقد أدار فريق من المفسرين القدماء «1» الكلام على الآيتين على اعتبار أن فيهما تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وإنذارا للكفار. فإذا كان الكفار قد كذّبوا بالقرآن فقد فعل أقوام قبلهم ذلك بالنسبة لكتاب الله تعالى الذي آتاه موسى عليه السلام. ولسوف يجزيهم الله بما يستحقون من حيث إنه لا بد من أن يجزي كل طائفة بما تستحق. ونتيجة لذلك صرفوا الضمير في (إنهم) إلى الكفار والضمير في (منه) إلى القرآن. وخالفهم فريق آخر فقال إن الجملة عائدة إلى الكتابيين الذين اختلفوا في كتاب موسى عليه السلام. واستدل على ذلك بآية سورة الشورى وهي: وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14) وقد يكون هذا هو الأوجه. ولا سيما إن هناك آيات كثيرة مدنية ومكية غير آية سورة الشورى ذكرت اختلاف أهل الكتاب واليهود خاصة في ما نزل على أنبيائهم، ومن ذلك ما مرّ في السور التي سبق تفسيرها لولا أن يكون هذا يجعل الآيتين منقطعتين عن السياق السابق واللاحق لهما. وقد يتبادر لنا من فحوى الآيتين وروحهما ومقامهما احتمال آخر يجعلهما جزءا من السياق غير شاذين ومنقطعتين عنها وهو ما لا يستساغ. وهذا الاحتمال هو أن يكون الكفار قد تحدثوا عن كتاب موسى عليه السلام واختلاف بني إسرائيل فيه كأنما أرادوا أن يقولوا إن اتخاذهم الملائكة شفعاء لدى الله- وهو ما تضمنته الآيات السابقة وردته- هو اجتهاد وليس من شأنه أن ينفي

_ (1) انظر تفسير الآيات في الطبري وابن كثير والطبرسي والقاسمي.

[سورة هود (11) : الآيات 112 إلى 115]

عنهم صفة الإيمان بالله وكونه الخالق الرازق كما يريد القرآن، وإن بني إسرائيل قد اختلفوا عن اجتهاد في كثير مما احتواه كتابهم فاحتوت الآية الأولى ردا عليهم يتضمن تقرير كون اختلاف بني إسرائيل لم يكن اجتهادا في المبادئ لأن المبادئ التي من جملتها توحيد الله مطلقا لا تتحمل اختلافا وإنما كان اختلافهم نتيجة لتوسعهم في التأويل والتخريج. ثم أكدت الآية الثانية ما قررته الآية السابقة للآيتين بأن الله تعالى سيوفي كل الناس أعمالهم. وهكذا تظهر صلة الآيتين بالسياق قوية وتكون الآية الأولى إذا صح استلهامنا- ونرجو أن يكون صحيحا- قد احتوت صورة طريفة من صور الجدال بين نبهاء الكفار والنبي صلى الله عليه وسلم حيث كان كثير من هؤلاء النبهاء لم يجحدوا رسالة النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن غباء. وإنما عنادا واستكبارا على ما قررته آيات عديدة أوردناها في المناسبات السابقة. ومع ما ذكرناه فليس ما يمنع أن تكون الآية الأولى قد تضمنت أيضا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم من حيث أرادت تقرير أن الله تعالى قد آتى موسى الكتاب فوقف الناس منه موقف المصدق والمكذب والمؤمن والشاك والمؤول والمختلف كما كان شأن العرب من القرآن، وأن الله قادر على أن يعجل في القضاء على الشاكين المكذبين لولا أن حكمته اقتضت التأجيل إلى الحين المعين في علم الله. [سورة هود (11) : الآيات 112 الى 115] فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (113) وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (114) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115) . (1) ولا تطغوا: ولا تتجاوزوا ما أمرتم به. (2) ولا تركنوا: فسرها بعضهم بالميل وبعضهم بالاعتماد والاستناد وكلا

تعليق على آية فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا

التفسيرين وجيه وإن كان الثاني أوجه. (3) زلفا من الليل: الإزلاف بمعنى التقرب. والجملة بمعنى ساعات من الليل القريبة من النهار، ويمكن أن يكون قصد بها وقت العشاء ووقت الفجر فهما أول الليل وآخره بحيث يكون ذلك مقابلة لجملة طَرَفَيِ النَّهارِ. الآيات تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستقامة على ما رسمه الله من مبادئ وحدود هو والمؤمنون معه وعدم الانحراف عن ذلك وتجاوزه، وتؤكد أن الله بصير بما يعملونه ومراقبهم فيه، وتنهاهم عن الميل والركون للظالمين وتنذرهم بأن هذا يجرهم إلى النار فضلا عن أنهم لا يمكن أن ينتصروا بذلك لأنهم ليس لهم ناصر من دون الله، وتحث النبي صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة في أول النهار وآخره وفي أول الليل وآخره كذلك، وتقرر أن ما يقدمه المرء من صالح الأعمال يمحو ما قد يكون بدر منه من هفوات وسيئات، وأن في هذا تذكرة للذاكرين وترغيبا للراغبين، ثم تثبت النبي صلى الله عليه وسلم وتحثه على التمسك بالصبر وتطمئنه بأن الله تعالى لا يضيع أجر الصابرين المحسنين. والمتبادر أن الآيات متصلة بسابقاتها اتصالا تعقيبيا، وقد احتوت التفاتا للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالنصائح والمواعظ والتنبيهات التي من شأنها أن تثبت قلوبهم وتمنحهم رضاء الله بعد أن سبقتها آيات فيها وعيد وإفحام وردّ وتكذيب للكافرين. فعليهم أن يستقيموا على ما رسمه الله تعالى لهم من مبادئ وحدود دون أن يركنوا إلى الظالمين ففي ذلك خيرهم وسعادتهم وطمأنينتهم وفي الخروج عنه هلاكهم. تعليق على آية فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا ومما ذكره المفسرون في سياق تفسير الآية [112] أن ابن عباس رضي الله عنه قال: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد عليه من هذه الآية حتى قال شيبتني هود وأخواتها فسئل عما شيبه منها فقال فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ «1» .

_ (1) انظر تفسير الآية في البغوي والطبرسي والزمخشري والخازن.

تعليق على جملة ولا تركنوا إلى الذين ظلموا

والمتبادر إذا صحت الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم نبه المؤمنين بذلك إلى ما قد تحتاج إليه الاستقامة على أوامر الله وحدوده من عزيمة قوية وإيمان عميق، وذلك حق لا ريب فيه، ومما قالوه في معنى (استقم) اثبت على أوامر الدين ونواهيه ولا تزغ عنها ولا تحتل فيها، ولا شك في أن الكلمة تتحمل هذه المعاني أيضا. ولقد روى البغوي في سياق الآية حديثا عن عبد الله الثقفي قال: «قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك قال قل آمنت بالله ثم استقم» ، وروي عن عمر بن الخطاب قوله: «إن الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تزوغ زوغان الثعلب» . ومن المفسرين «1» من فسر جملة وَلا تَطْغَوْا بمعنى التجاوز إلى ما فيه معصية وطغيان، ومنهم من قال إنها تتضمن معنى التحذير من الغلو في الدين. وأورد أصحاب القول الثاني في سياقها حديثا نبويا روى صيغة مقاربة من البخاري عن أبي هريرة جاء فيها: «إنّ الدين يسر ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه فسدّدوا وقاربوا وابشروا واستعينوا بالغدوة والرّوحة وشيء من الدّلجة» «2» . وكلا التفسيرين وارد إلا أن روح الجملة تجعل القول الأول أكثر وجاهة وورودا. والحديث لم يرد كتفسير للآية، وفيه في حدّ ذاته تلقين بليغ. تعليق على جملة وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا تعددت الأقوال في معنى (تركنوا) منها أنها بمعنى (تميلوا) ومنها أنها بمعنى (تستندوا) والثاني هو المتسق أكثر في مدى الركون اللغوي على ما حققه السيد رشيد رضا. وتعددت الأقوال كذلك في المقصود (بالذين ظلموا) حيث قيل إنهم الكافرون والمشركون كما قيل إنهم الظلمة البغاة. وقد رجح الطبري الأول وقد

_ (1) انظر تفسيرها في الطبري والبغوي والخازن. [.....] (2) الخازن هو الذي أورد الحديث وقد نقلنا صيغته برواية البخاري من التاج ج 1 ص 41- 42.

يكون هذا هو الأوجه في ظروف نزول الآية من حيث إنه لم يكن من المشركين الكافرين في العهد المكي من لا يوصف بغير الظلم في موقفه من الدعوة بقطع النظر عن شركه وكفره. وقد وصف الشرك في القرآن المكي بالظلم العظيم كما جاء في آية سورة لقمان [13] ووصف الكفار المشركون بالظالمين كما جاء في آيات عديدة منها آيات سورة الفرقان [27] وسورة الأعراف [9] . غير أنه يتبادر لنا أن للقول الأول وجاهة على المدى البعيد عند النبي صلى الله عليه وسلم. وقد يؤيد ذلك إطلاق العبارة القرآنية بحيث يصح القول إن في الجملة تلقينا مستمر المدى يوجب كل مسلم مخلص بعدم الميل والاستناد إلى الباغي المنحرف عن الحق والمرتكب للمعاصي سواء أكان مسلما أم غير مسلم. وعدم الاعتماد عليه والتناصر معه ومداهنته والتعاون معه. وكل هذا يدخل في مدى ومفهوم الركون بها وواجبه بالوقوف منه موقف المناوئ المناضل في نطاق قدرته، وهذا الواجب يصبح أكثر لزاما على الجماعات الإسلامية. ويلفت النظر بخاصة إلى جملة وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ التي أعقبت الجملة التي نحن في صددها فإنها ذات مدى ومغزى قويين في التنبيه والتحذير. فالركون إلى الذين ظلموا فضلا عن أن يجر إلى النار فإنه لن يضمن أي نصر ونجاح لأنه ليس غير الله يضمن ذلك. وليس غير الله ولي ونصير. ولقد استطرد السيد رشيد رضا الذي توسع في هذه المسألة إلى موضوع طاعة أصحاب السلطان والتعاون معهم إذا كانوا بغاة منحرفين. وقد رأينا أن نرجئ الكلام على هذه المسألة إلى مناسبة آتية أكثر ملاءمة. ولقد سبق التعليق على الظلم في معنى البغي والعدوان والاغتصاب في سورة الفرقان بما يغني عن التكرار هذا من حيث نزولها ومقامها في السياق. ولقد أورد المفسرون أحاديث وروايات وأقوالا عديدة في فحواها من ذلك عن مجاهد أن الحسنات التي تذهب السيئات هي «سبحان الله والحمد لله ولا إله

تعليق على آية وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات

إلّا الله والله أكبر» «1» . ومن ذلك قول روي في صيغ عديدة عن أبي بكر وعثمان وغيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها الصلوات الخمس. أو الصلاة مطلقا. وساق الطبري حديثا رواه بطرق عن أبي مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جعلت الصلوات كفارات لما بينهن فإن الله قال إن الحسنات يذهبن السيئات» . والقول إنها الصلاة أوجه من القول الأول. ومجيء الجملة بعد الأمر بإقامة الصلاة قرينة حاسمة على كونه الأوجه. تعليق على آية وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ المصحف الذي اعتمدنا عليه يذكر أن هذه الآية مدنية، ويروي المفسرون في سياقها أحاديث نبوية عديدة منها ما ورد في الصحاح. ومن ذلك حديث رواه الشيخان والترمذي عن ابن مسعود جاء فيه: «أنّ رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فأنزلت الآية. فقال الرجل ألي هذه قال لمن عمل بها من أمّتي» «2» . وحديث رواه الترمذي عن أبي اليسر قال: «أتتني امرأة تبتاع تمرا فقلت لها إنّ في البيت تمرا أطيب منه فدخلت معي فملت عليها فقبّلتها فسألت أبا بكر فقال استر على نفسك ولا تخبر أحدا وتب إلى الله فلم أصبر وسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أخلفت غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا، حتى تمنّى أنه لم يكن أسلم إلّا تلك الساعة حتى ظنّ أنه من أهل النار. وأطرق رسول الله طويلا حتى أوحي إليه

_ (1) هذه الصيغة مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن ليست على كونها تفسيرا للآية. وقد رواها الترمذي عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قلت يا رسول الله ما رياض الجنة؟ قال: المساجد، قلت: وما الرتع؟ قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» . التاج ج 5 ص 90. (2) التاج ج 4 ص 131- 132.

بالآية فقرأها فقال أصحابه: يا رسول الله ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ قال: بل للناس عامة» «1» . ومقتضى الحديثين أن الآية نزلت في العهد المدني. ويلحظ أنها منسجمة في السياق ومعطوفة على ما قبلها. وبينها وبين ما قبلها مماثلة في الصيغة فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ووَ أَقِمِ الصَّلاةَ حيث يبرر هذا الشك في مدنية الآية التي تبدو والجملة هذه مقحمة في سياق مكي. وفي كتب تفسير الطبري والبغوي صيغ متعددة من باب الحديثين، منها ما يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا الآية على الرجل تلاوة. وأمره بالوضوء والصلاة والتوبة حيث يتبادر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ الآية على سبيل التقوى وتطمين المذنب الذي جاء إليه معترفا بذنبه نادما تائبا وأن الذين رووا مدنيتها ونزولها في هذه المناسبة قد التبس الأمر عليهم. ولقد أورد المفسرون في سياق الآية أحاديث أخرى في نفع الصلاة، منها حديث رواه أيضا مسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: «قال النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن ما لم تغش الكبائر» «2» . ومنها حديث رواه الطبري بطرقه عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء فيه: «إن النبي صلى الله عليه وسلم كان تحت شجرة فأخذ غصنا يابسا فهزّه حتى تحاتّ ورقه ثم قال لراوي الحديث ألا تسألني لم أفعل هذا يا سلمان؟ فقلت: ولم تفعله؟ فقال: إن المسلم إذ توضّأ فأحسن الوضوء ثم صلّى الصلوات الخمس تحاتّت خطاياه كما يتحاتّ هذا الورق ثم تلا هذه الآية: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ» «3» . ويجب أن نستدرك أمرا فإن الربط بين الصلاة التي عدت حسنات وبين محو

_ (1) التاج ج 4 ص 131- 132. (2) التاج ج 1 ص 119. (3) هناك أحاديث أخرى أوردناها في تعليقنا على الصلاة في سورة العلق وعلى جملة وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ في سورة مريم فنكتفي بما أوردناه.

السيئات في الآية قائم على ما هو المتبادر على كون المرء الذي يبدر منه خطيئة حينما يقف أمام الله عز وجل يتذكر ما بدر منه فيشعر بالخجل والندم ويسوقه هذا إلى التكفير عن عمله والكف عنه. وفي الفقرة الأخيرة من الآية توضيح هذا المعنى أو قرينة عليه، ففي ذكر الله قوة رادعة عن الشر دافعة إلى الخير. والصلاة أقوى وسيلة إلى ذكر الله. ومن تحصيل الحاصل أن يقال إن الصلاة التي لا تؤدي إلى هذه النتيجة ليس من شأنها أن تمحو سيئة ما. وأن ما يتوهمه عوام الناس من أنهم يتلافون بقيامهم وركوعهم وسجودهم الآلي فقط نتائج ما يقترفونه من ذنوب في غير محله. فهدف الآية هو إصلاح النفس وإيقاظ الضمير بوسيلة الصلاة وذكر الله تعالى فيها. ولا يكون هذا مجديا إلّا إذا صلى المرء خاشعا شاعرا ذاكرا متأثرا نادما على ذنبه مصمما على توبته منه معتقدا ذلك فعلا. ومن الأحاديث النبوية التي وردت في هذا المعنى: «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا» «1» و «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له» «2» . وقد يتبادر مع ذلك أن كلمة (السيئات) في الآيات والأحاديث قد عنت الهفوات الصغيرة التي سميت في القرآن باللمم أيضا التي قد يغفرها الله تعالى للمسلم بحسنات صلاته إذا أداها على وجهها واجتهد في الوقت نفسه في تجنب الكبائر على ما شرحناه في سياق سورة النجم بما يغني عن التكرار. وفي أحد الأحاديث التي مر إيرادها «إن الصلاة كفارة لما قبلها ما لم تغش الكبائر» حيث ينطوي في هذا تأييد لما قلناه. وجملة إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ جاءت بأسلوب مطلق، وهي في الوقت ذاته جملة تامة، وقد تبادر لنا من ذلك أنها تتضمن في ذاتها مبدأ عاما، وإن الصلاة على عظم خطورتها هي من الحسنات وليست كل الحسنات، فالصدقات المفروضة (الزكاة) والتطوعية حسنة، والجهاد حسنة، ومساعدة الضعفاء والذبّ عنهم حسنة، والبرّ بالوالدين حسنة، والتعاون على الحق والخير والصبر والأمر

_ (1) انظر تفسير آية سورة العنكبوت في تفسير ابن كثير. (2) انظر تفسير آية سورة العنكبوت في تفسير ابن كثير.

بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير حسنة إلخ ... وكما تذهب الصلاة الصادقة السيئات فإن مقتضى هذا المبدأ أن تذهب هذه الحسنات السيئات إذا ندم مقترفها وتاب عنها، ومما يؤيد ذلك آية سورة الفرقان هذه: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (70) التي جاءت عقب تعداد الجرائم الكبيرة التي يحرمها الله وينذر مقترفيها بالعذاب المضاعف والهوان المخلد، وآيات سورة التوبة هذه: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102) خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) وفي سورة النساء آية عظيمة في هذا الباب حيث تتضمن أن اجتناب المرء الكبائر مما يجعل الله عز وجل يغفر له الهفوات والسيئات وهي هذه: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً (31) . ولقد ورد في حديث نبوي رواه الإمام أحمد عن معاذ رضي الله عنه: «يا معاذ أتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» «1» . وفي حديث آخر رواه الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه: «اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» «2» . والحديثان يؤيدان ما قلناه من عمومية المبدأ الذي احتوته الآية وإطلاقه. وهكذا يفتح هذا المبدأ وما ورد في سياقه من أحاديث وما أيده من آيات أفقا واسعا أمام المؤمن، ويتضمن وسيلة عظمى من وسائل إصلاح المؤمن وحفزه على عمل الصالحات والحسنات إذا ما قارف ذنبا مهما بدا عظيما وندم عليه، وهو إن كان يشبه التوبة التي شرحنا مداها في سياق سورة الفرقان ففيه زيادة من حيث حفزه على الحسنات في سبيل محو السيئات. هذا، ولقد تعددت الأقوال التي يرويها المفسرون عن أهل التأويل في مدى

_ (1) انظر تفسير الآية في ابن كثير والحديث الثاني رواه الترمذي انظر التاج ج 5 ص 57. (2) المصدر نفسه.

[سورة هود (11) : الآيات 116 إلى 117]

جملة طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ كما تعددت أقوالهم في عبارات مماثلة في سورتي الإسراء وطه على ما ذكرناه في تفسيرهما. ومما قيل إن طَرَفَيِ النَّهارِ هما الفجر إلى المغرب فيكون المقصود من ذلك صلوات الفجر والظهر والعصر ويكون المقصود من وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ صلوات المغرب والعشاء. كما قيل إن العبارة الأولى عنت صلاتي الفجر والمغرب والعبارة الثانية عنت صلاة العشاء. والمتبادر أن القول الأول هو أكثر ورودا والله تعالى أعلم. [سورة هود (11) : الآيات 116 الى 117] فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (117) . (1) فلولا: هنا بمعنى فهلا للتنديد والتعجب. (2) أولو بقية: بمعنى أولو فضل وخير وتقوى وعقل. (3) الذين ظلموا: المتبادر المستلهم من روح الآية أن هذه الجملة بمعنى الذين بغوا وطغوا وعصوا. (4) ما أترفوا فيه: ما كان سببا لترفهم من الشهوات. (5) بظلم: هنا بمعنى بدون حق وسبب موجب. في الآيات تقرير فيه معنى التعقيب على ما كان من أمر الأمم السابقة التي قصّ الله أنباءها، فقد كان ينبغي أن يكون فيها أولو عقل وفضل وتقوى ينهون الناس عن الفساد في الأرض ولكن هؤلاء كانوا قليلين فلم يؤثروا، وهم الذين أنجاهم الله وأنجى الذين ساروا على طريقتهم من بعدهم. أما سائرهم فقد كانوا ظالمين واستمروا في طريق الإجرام والبغي والشهوات والترف فأهلكهم الله. فالله تعالى لا يهلك القرى ويدمرها إذا كان أهلها صالحين لأن ذلك ظلم يتنزه عنه

تعليق على آية وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون

سبحانه وصلة الآيات والحالة هذه بالسياق ملموحة. ويمكن أن يستلهم من مطلع الآية الأولى قصد تعليل بقاء الناس أجيالا بعد أجيال في حين أن منهم من ينتسب إلى الأمم التي أهلكها الله، فلو لم يكن من القرون والأمم السابقة أناس ولو قليلون من ذوي العقول والتقوى والصلاح كانوا ينهون عن الفساد في الأرض لبادت أجيال الناس ولما بقي منهم ديّار. وفي هذا تلقين جليل مستمر المدى وتعليل اجتماعي بليغ كما فيه تنويه بالمؤمنين الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم على قلتهم وتلقينهم أنهم قد تحفظ بهم الأجيال والديار فعليهم الصبر والله لا يضيع أجر المحسنين، وفيه كذلك إنذار للكافرين الذين اتبعوا أهواءهم واستغرقوا في شهواتهم واستمروا في عنادهم ومكابرتهم وبغيهم. والمتبادر أن هذا وذاك هو استهدفته الآيات أو مما استهدفته. تعليق على آية وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ قال المفسرون في معنى الآية قولين أحدهما أن الله تعالى لا يهلك القرى إلّا إذا شذت عن الصلاح فكفرت بالله وكذبت الرسل واقترفت المنكرات. وثانيهما أن الله لا يهلك القرى إذا كان أهلها مصلحين يتعاطون الحق بينهم ولا يتظالمون وإن كانوا غير مؤمنين بالله ورسله وإنما يهلكهم إذا تظالموا. وروى الطبرسي حديثا نبويا مؤيدا للقول الثاني لم يرد في الصحاح جاء فيه: «وأهلها مصلحون أي ينصف بعضهم بعضا» . القول الثاني هو الأوجه كما هو المتبادر ومضمون الآية، والآية التي قبلها يدعمه دعما قويا حيث اقتصر الكلام فيهما على الفساد في الأرض والإجرام والظلم واتباع الشهوات وأسباب الترف وجملة وَهِيَ ظالِمَةٌ في الآية [102] من السورة تدعم ذلك أيضا. وللسيد رشيد رضا قول سديد في ذلك حيث يحمل الجملة على معنى الصلاح الاجتماعي والعلمي والعمراني أو يجعل ذلك من ضمن ما يحمله

[سورة هود (11) : الآيات 118 إلى 119]

معنى الجملة ويعلل بذلك عدم تذكير الله تعالى الأمم الصالحة على هذا الوجه مع كفرها وشركها ويقول إن الأمم تبقى مع الكفر ولا تبقى مع الظلم. وشيء من مثل هذا ملموح في كلام بعض المفسرين القدماء كالطبري وابن كثير والزمخشري، والله أعلم. [سورة هود (11) : الآيات 118 الى 119] وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) . تعليق على الآية وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً والآية التالية لها المتبادر أن الآيتين جاءتا كتعقيب على ما سبقهما وأنهما والحالة هذه متصلتان بالسياق. ولقد تعددت التأويلات التي قالها أو رواها المفسرون للآيتين. من ذلك أن الاختلاف المذكور في الأولى هو اختلاف الأديان والنحل. وأن الاستثناء الذي جاء في أول الآية الثانية عائد إلى الذين آمنوا برسالة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك أن الاختلاف هو بسبيل وصف أهل الباطل والأشقياء بسبيل وصف أهل الحق. وأن هذا الاختلاف على أي قول هو من حكمة الله ومشيئته ليمتاز كل صنف عن الآخر وينال كل منهم ما يستحقه. ومن ذلك أن الاختلاف بسبيل بيان اختلاف الناس في الرزق ومراتب الحياة الاجتماعية. وإن حكمة الله اقتضته ليتسخر بعضهم لبعض. والعبارة القرآنية تتحمل كل ذلك إذا اعتبرت جملة وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ وما بعدها كلاما مستأنفا مستقلا عن ما قبله. أما إذا اعتبرت جزءا من معنى عموم الآيتين فيكون القول الأول هو الأوجه. وهناك من أوّل الآيتين بمعنى أن الله قادر حمل الناس على الإيمان والحق ولكن حكمته اقتضت تركهم لاختيارهم. وأن الاختلاف كان نتيجة ذلك فاستحقوا الثواب والعقاب. وهذا أيضا وجيه بل يتبادر لنا أنه أوجه التأويلات للآيتين روحا ونصا وأنه المتسق مع مبادئ قرآنية مرّ على

[سورة هود (11) : الآيات 120 إلى 123]

تقريرها وشرحها في السور التي سبق تفسيرها. وقد يصح أن يضاف إلى ذلك في الوقت نفسه أن الآيتين انطوتا أولا على تطمين النبي صلى الله عليه وسلم وتسليته عما كان من مواقف الكفار وعنادهم مع إنذار لهؤلاء. فلا محل لحزنه وغمّه. فإن الله لو شاء لجعل الناس أمة واحدة وقسرهم على الإيمان والتصديق. ولكن حكمته اقتضت تركهم لاختيارهم فتكون جهنم مصير كل من اختار الكفر والبغي. وعلى ضوء هذا فتكون جملة إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ بسبيل التنويه بالذين آمنوا برسالة النبي صلى الله عليه وسلم الذين تداركتهم رحمة الله فلم يكونوا من أهل جهنم بالإضافة إلى أنها عامة مستمرة المدى. ومثل هذا التطمين للنبي صلى الله عليه وسلم والتنويه بالمؤمنين قد تكرر كثيرا ومرّت أمثلة منه في السور التي سبق تفسيرها لأن المواقف التي تقتضيهما كانت تكرر. وثانيا على رد على طريقة الأسلوب الحكيم على تساؤل كثير من الناس حيث احتوت تقرير كون اختلاف الناس هو مظهر طبيعي وناموس من نواميس الله فيهم لييسر كلا منهم حسب قابليته واختياره فلو شاء لخلقهم على جبلة واحدة ووتيرة واحدة وملة واحدة. وحينئذ لا يتميزون عن سائر الحيوانات. ولا يكون معنى لما اقتضته حكمة الله من جعلهم أهلا للتكليف وخلفاء في الأرض ليكونوا فيها أولي الأمر والشأن والانتفاع من مختلف مظاهر كونه ومن بعثهم يوم القيامة ليجزي كلا منهم بما كسب في الحياة الدنيا والله تعالى أعلم. وقد يبدو لأول وهلة بين الآية الأولى وآية سورة يونس [19] التي جاء فيها: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا تناقض. ولسنا نرى ذلك فآية يونس في صدد وحدة فطرة الله التي فطر الناس عليها وما كان من اختلافهم وشذوذهم عنها على ما شرحناه في سياقها وفي هذه الآية تعليل لذلك الاختلاف والشذوذ. والله تعالى أعلم. [سورة هود (11) : الآيات 120 الى 123] وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (121) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (122) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)

(1) في هذه: روى المفسرون في تأويل هذه الجملة ثلاثة أقوال منها أنها بمعنى هذه السورة. ومنها أنها بمعنى هذه الدنيا. ومنها أنها بمعنى هذه الأنباء. ولعل القول الأخير هو الأوجه لأن كلمة الأنباء هي الأقرب ذكرا. في الآيات تعقيب على السياق والكلام السابق كما هو المتبادر، فالله تعالى إنما يقص على نبيه صلى الله عليه وسلم ما يقصه من أنباء الرسل السابقين ليثبت به فؤاده، ويتبين حكمة الله في خلقه، ولقد جاء في هذه الآيات الحق الذي فيه موعظة وتذكرة للمؤمنين. وعليه أن لا يبالي بالذين لم يؤمنوا لأن حكمة الله اقتضت أن يكون في الناس الصالح والطالح والمهتدي والضالّ والأخيار والأشرار، وأن يقول لهم سيروا على الطريقة التي ترغبون ونحن نسير على الطريقة التي نرغب، وانتظروا حكم الله وأمره ونحن من المنتظرين لهما أيضا. وعليه أن يتوكل على الله ويستمر في عبادته وذكره. فالأمر كله راجع إليه، وهو المطلع على كل ما خفي وظهر في السموات والأرض، وليس غافلا عما يفعل الناس مؤمنوهم وكفارهم. والمتبادر أن الآيات استهدفت أيضا فيما استهدفته تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتوكيد كونه غير مسؤول عن موقف الكفار. وكون ما نزل عليه هو الحق الذي يهتدي به الطيبون الصالحون في نواياهم وقلوبهم وأخلاقهم، كما استهدفت إنذار الكفار وتوكيد كون الله محيطا بأعمالهم وكونهم راجعين إليه ومسؤولين أمامه. كذلك جاءت خاتمة قوية لمواقف المناظرة والجدل التي حكتها فصول السورة وخاتمة قوية أيضا للسورة. [تم بتوفيق الله الجزء الثالث ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الرابع وأوله تفسير سورة يوسف]

فهرس محتويات الجزء الثالث

فهرس محتويات الجزء الثالث تفسير سورة الجن 7 شرح الفصل الأول من السورة والتعليق على مدى محتوياته 8 تعليق على مفهوم آيات الفصل ودلالته 17 تعليق على جملة لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا ... 19 تفسير سورة يس 20 تعليق على آيات إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ ... 23 تلقينات ودلالة مثل أصحاب القرية وآياته 27 تعليق على محاولة استنباط النظريات العلمية من الآيات 31 تعليق على تعبير ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ... 32 نموذج آخر للتفسيرات الصوفية 33 تعليق على حثّ القرآن على البرّ بالفقراء 34 تعليق على نسبة العرب الشعر والشاعرية للنبي 39 تفسير سورة الفرقان 47 تعليق على زعم الكفار بأن أناسا يعاونون النبي 50 تعليق على نسبة المتعصبين من الكتابيين 53 دلالة تعبيري اكْتَتَبَها وتُمْلى عَلَيْهِ 63 تعليق على تحدي الكفار باستنزال ملك لتأييد النبي 65

تعليق على ما يفرضه العرب من طبيعة للنبي تغاير طبيعة البشر 65 تعليق على تعبير انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ ... 66 تعليق على تعبير كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً ... 68 تعليق على تعبير مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ 71 تعليق على ما في القرآن من تكرار التنديد بالظالمين 71 تعليق على جملة وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً 76 تعليق على جملة جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ 80 تعليق على تحدي الكفار بإنزال القرآن جملة واحدة 82 تلقين الآيتين [43 و 44] وما بعدهما 86 تعليق على الأمر بالتوكل على الله 93 تعليق على اسم الرحمن 97 تعليق على روعة سلسلة عباد الرحمن وتلقيناتها 102 تعليق على تعبير لَوْلا دُعاؤُكُمْ 105 تفسير سورة فاطر 107 تعليق على الأمر بعدم الاغترار بالدنيا 110 تعليق على تعبير فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ... 111 تعليق على جملة وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ ... 114 تعليق على جملة وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ 118 تعليق على جملة إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ 121 تعليق على جملة أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا 125 تعليق على جملة فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ 129 تعليق على جملة إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً 131 تعليق على جملة وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ 132 سبب وقوف زعماء قريش موقف المعاداة 136

تعليق على ما حكاه القرآن من استعجال المشركين العذاب 138 حكمة الله المنطوية في جملة وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ ... 140 تفسير سورة مريم 141 تعليق على قصة ولادة عيسى وأهدافها 147 تعليق على جملة فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ 158 تعليق على سلسلة الأنبياء بعد قصتي يحيى وعيسى عليهما السلام 160 تعليق على مغزى التفصيل في قصة إبراهيم عليه السلام 162 تعليق على شخصية إدريس عليه السلام 163 تعليق على الآية فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ والآيات الثلاث 166 تعليق على آية وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ 168 تعليق على جملة وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها 173 تعليق على جملة وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ 177 تعليق على الآية أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ ... 181 تفسير سورة طه 186 تعليق على الآيات الأولى من سورة طه 187 تعليق على مدى السلسلة القصصية عن رسالة موسى عليه السلام إلى فرعون 190 تعليق على جملة وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي 193 تعليق على الحلقة الثانية من سلسلة قصص موسى عليه السلام 194 تعليق على أمر الله تعالى لموسى بملاينة الكلام مع فرعون 195 تعليق على الحلقة الثالثة من سلسلة قصص موسى وفرعون وبني إسرائيل 199 تعليق على الآيات المتضمنة حكاية بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر 202 تعليق على جملة وَهُوَ مُؤْمِنٌ 208 تعليق على جملة وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا 209

تعليق على الآية فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ... 209 تعليق على الجديد في قصة آدم وإبليس في هذه السورة 214 تعليق على مدى الآية التي تأمر بذكر الله وتسبيحه 216 تلقينات آية وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ... 219 تعليق على تحدي الكفار للنبي بالإتيان بآية 220 تفسير سورة الواقعة 225 تعليق على وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ... 228 تعليق على ما جاء في الآيات في وصف مجلس الشراب 229 تعليق على منازل أصحاب اليمين 231 تعليق على التنديد بالترف والمترفين 232 تعليق على تنوع أوصاف النعيم والعذاب في الآخرة 233 تعليق على صحة نزول هذه السورة بعد سورة طه 233 تعليق على آيات إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ... 237 تفسير سورة الشعراء 241 تعليقات على الآيات التسع الأولى من السورة 242 تعليق على كلمة مُحْدَثٍ في الآيات 244 تعليق على قصة موسى وفرعون في السورة 247 تعليق على قصة إبراهيم وأبيه وقومه في السورة 250 تعليق على قصة نوح 252 تعليق على قصة هود 254 تعليق على قصة صالح 255 تعليق على قصة لوط 256 تعليق على قصة شعيب 257

تعليق عام على القصص 258 تعليق على آيات وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ ... 259 تعليق على استعجال الكفار عذاب الله 265 تعليق على كلمة الأعجمي والأعجمين 265 تعليق على آيتي وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ ... 266 تعليق على آيات وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ... 267 تعليق على آية وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ 270 بناء الأخوة الدينية في الإسلام 271 ما في معالنة النبي لأقاربه بالبراءة 273 تلقين جملة وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ ... 273 تعليق على آيات هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ ... 275 تعليق على آية وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ 276 تعليق على استثناء المؤمنين من ذم الشعراء 276 دلالة الآيات الأربع الأخيرة من السورة 278 تفسير سورة النمل 279 تعليق على اجتماع كلمتي القرآن والكتاب في آية واحدة 280 تعليق على جملة زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ 281 تعليق عام على آيات السورة الأولى 282 تعليق على قصة موسى وفرعون في السورة 284 مغزى وصف الله نفسه بربّ العالمين 286 تعليق على قصة داود وسليمان وملكة سبأ 288 هدف الحلقة ومواضع العبرة فيها 290 تعريف سبأ 291 تعليق على قصتي صالح ولوط مع قومهما 292

تعليق على الآيات التي جاءت بعد سلسلة القصص 294 تعليق على آية إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ ... 298 تعليق على الدابة المذكورة في الآية [82] 301 تعليق على مدى الآية وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ ... 303 تعليق على جملة الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها 307 تفسير سورة القصص 308 تعليق على الفصل الأول من قصة موسى وفرعون 313 تعليق على الفصل الثاني من قصة موسى وفرعون 318 تعليق على آيات وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ 320 تعليق على جملة إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ 322 تعليق على آية الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ ... 324 مشهد يسجل أثر الدعوة المحمدية والقرآن في أهل الكتاب 326 تعليق على آية إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ... 327 تعليق على آية وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى ... 330 تعليق على الآية وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ ... 334 تعليق على جملة وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ... 338 تعليق على قصة قارون 342 تعليقات على الآيات الأخيرة الأربع من سورة القصص 346 دلالة قرآنية 349 تفسير سورة الإسراء 351 تعليق على تعبيري المسجد الحرام والمسجد الأقصى 356 تعليق على أحداث بني إسرائيل في أول السورة 358 تعليق على تكرر التنويه بالقرآن في هذه السورة 363

تعليق على مدى الآية مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ... 366 مذهب السلف الصالح في فهم القرآن 368 تعليق على آية وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً ... 370 تعليق على مجموعة الوصايا الربانية في السورة 375 تعليق على الآية إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ ... 376 صور من تقاليد العرب وعاداتهم 377 تنويه بما احتوته الآيات من تلقينات هامة 378 تعليق على صرف جملة وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ 383 تعليق على تحديد عدد السموات بسبع 387 تعليق على آية وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا ... 393 تعليق في صدد تفضيل الأنبياء 397 تعليق على الآية وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها ... 400 تعليق على الآية وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ ... 402 تعليق على آية وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ... 407 تعليق على الآية وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ... 410 تعليق على الآية وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ ... 415 تعليق على الآية أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ... 419 تعليق على جملة وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ ... 423 تعليق على إعجاز القرآن وعجز الناس عنه 429 تعليق على الآية وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ 438 تفسير سورة يونس 442 تعليق على قول الكفار ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا ... 451 مدى عقيدة الشرك عند العرب ومدى عقيدة التوحيد الإسلامية 453 تعليق على جملة وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً ... 454

تعليق على جملة يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ... 466 تعليق على جملة كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ... 466 تعليق على الآية وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى ... 468 تعليق على جملة صَبَّارٍ شَكُورٍ 469 تعليق على كلمة (سورة) 470 تعليق على آية وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ... 471 تعليق على جملة وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ 476 تعليق على الآية أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ... 483 تعليق على قصة نوح عليه السلام 487 تعليق على آيات قصة موسى وفرعون وبني إسرائيل 490 تعليق على الآية فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا ... 493 تعليق على الآية وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ ... 497 تعليق على كلمة (الحنيف) 499 تفسير سورة هود 501 قوة استهلال السورة 502 تعليق على ما يبدو من كلام النبي المباشر للناس 503 تعليق على جملة وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ 506 تعليق على جملة لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا 507 تعليق على الآية فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى ... 511 دلالة تكرار تحدي الكفار بالقرآن 512 تعليق على آية مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا ... 513 تعليق على قصة نوح عليه السلام 521 تعليق على آية تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ ... 522 مواضع العبرة في قصة نوح عليه السلام 524

تعليق على آية أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ 525 تعليق على قصة هود عليه السلام 527 تعليق على قصة صالح عليه السلام 528 تعليق على قصة إبراهيم عليه السلام 530 تعليق على قصة لوط عليه السلام 532 تعليق على قصة شعيب عليه السلام 534 تعليق على قصة موسى عليه السلام 535 تعليق على جملة وَهِيَ ظالِمَةٌ 536 تعليق على جملة خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ 538 تعليق على جملة فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ 539 تعليق على جملة لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ 540 تعليق على آية فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ... 542 تعليق على الآية وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ ... 543 تعليق على آية فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ ... 545 تعليق على جملة وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا 546 تعليق على آية وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ ... 548 تعليق على آية وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى ... 553 تعليق على الآية وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً 554

سورة يوسف

ا لجزء الرابع سورة يوسف الشطر الأعظم من هذه السورة احتوى قصة يوسف عليه السلام وإخوته، وتبعه آيات فيها تطمين للنبي صلى الله عليه وسلم وبشرى له وللمؤمنين وتوضيح لمهمته ومداها، وإنذار وتقريع للكفار وتقرير لحقيقة موقفهم وواقع عقائدهم. والقصة في هذه السورة جاءت مباشرة على نمط قصة موسى وفرعون في سورة القصص. وفي الآيات ما يلهم أنها نزلت إجابة لسؤال أو استفسار. وقد احتوت آيات القصة حكما ومواعظ وعبرا عديدة بحيث تطابقت في ذلك مع أسلوب القصص القرآنية وهدفها بوجه عام، وفي الآيات التي تبعت فصول القصة ما يربط بينها وبين هذه الفصول بحيث يسوغ القول إن فصول السورة نزلت متتابعة إلى أن تمت. والمصحف الذي اعتمدناه يروي أن الآيات [1 و 2 و 3 و 7] مدنيات، وانسجام هذه الآيات في الموضوع والسياق وصلتها بهما ومماثلة محتواها لمحتوى آيات مكية لا خلاف فيها يجعلنا نشك في صحة الرواية. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة يوسف (12) : الآيات 1 الى 3] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (3) معاني الآيات واضحة، وما قلناه في الحروف المتقطعة التي بدئت بها سور عديدة سابقة وما رجحناه من أنها للاسترعاء والتنبيه نرجحه هنا أيضا. ومعانيها واضحة وفيها تمهيد لما جاء بعدها من فصول قصة يوسف، والخطاب في

تعليق على ما روي من أسباب نزول الآيات واستطراد إلى مسألة أخذ العلم عن الغير

لَعَلَّكُمْ موجّه للسامعين العرب ومهيب بهم إلى تدبر آيات القرآن الذي أنزله الله بلسانهم وفهمه والاهتداء به. والمتبادر من جملة وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ أنها توكيد لما قررته آية سورة يونس: قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (16) وآية سورة القصص: وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ (86) على ما شرحناه في سياق تفسير السورتين شرحا يغني عن التكرار. ولقد قال بعض المفسرين «1» إن الآية تعني قصة يوسف التي كان النبي صلى الله عليه وسلم غافلا عنها. غير أن ضمير «قبله» عائد إلى القرآن كما يتبادر ويكون تأويلنا هو الأوجه، وقد قال به غير واحد من المفسرين أيضا «2» . والمصحف الذي اعتمدناه يروي أن الآيات الثلاث مدنية وهو غريب لأنها جاءت تمهيدا لقصة يوسف وفي الآيات المكية آيات مماثلة لها تماما، ولا تظهر حكمة مدنيتها. ولم نر في كتب التفسير التي اطلعنا عليها تأييدا لهذه الرواية. ولذلك نشك في صحتها ولقد ذكر هذه الرواية السيوطي في الإتقان وقال إنها واهية جدا. تعليق على ما روي من أسباب نزول الآيات واستطراد إلى مسألة أخذ العلم عن الغير وفي كتب التفسير أحاديث عديدة في سبب نزول الآيات مفادها أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يطلبون منه أن يحدثهم فوق الحديث ودون القرآن فأنزل الله الآيات منبها إلى أن ما يرد في القرآن هو أحسن القصص وأن الله قد أنزله بلسانهم ليعقلوه. وجملة وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ لا تتسق مع هذه الأحاديث

_ (1) انظر تفسير الخازن مثلا. (2) انظر تفسير الطبري والبغوي والطبرسي.

التي لم يرد شيء منها في كتب الصحاح. ولقد جاء بعد قليل من الآيات آية لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) حيث يمكن أن يكون بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن قصة يوسف ورووا ما يقوله عنها اليهود فأنزل الله فصول قصة يوسف وجعل الآيات الثلاث تمهيدا لها. ولقد أورد ابن كثير أحاديث أخرى في سياق هذه الآيات مفادها أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم استكتبوا صحفا مما عند اليهود وأرادوا أن يعرضوها على النبي صلى الله عليه وسلم فغضب النبي من ذلك وتلا عليهم هذه الآيات. وآية سورة الزمر اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ... الزمر: [23] ومن هذه الأحاديث حديث رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر جاء فيه: «إن عمر أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم فغضب وقال أمتهوّكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها نقية بيضاء. لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوه أو بباطل فتصدقوه. والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلّا أن يتبعني» . وبقطع النظر عن كون هذه الأحاديث لم ترد في الصحاح وأن بعض نقاد الحديث قد تكلموا فيها فإن الفكرة فيها هي حرص النبي صلى الله عليه وسلم على اكتفاء أصحابه بما يبلغهم إياه من آيات الله وتحذرهم ممّا في أيدي اليهود من كتب تحتمل الكذب والانشغال بها عن القرآن. ولقد روى البخاري عن أبي هريرة قال: «كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية ويفسرونها لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون» «1» . مما قد يكون فيه تأييد ما للفكرة المذكورة. وقد تكون الفكرة صحيحة والأحاديث محتملة الصحة. وصحة الفكرة واردة بخاصة في ظرف حياة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين حيث كان أغلب اليهود يكفرون

_ (1) التاج ج 4 ص 178.

[سورة يوسف (12) : الآيات 4 إلى 6]

برسالة النبي صلى الله عليه وسلم ويناوئون دعوته ويبذلون جهدهم في الدس بين المسلمين وتشكيكهم في النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن مما ذكرته آيات كثيرة على ما سوف نشرحه في مناسبات أخرى. غير أن هذا ليس من شأنه فيما يتبادر لنا أن يمنع المسلم بعد ذلك العهد وفي أي عهد من الاطلاع على ما عند أهل الكتاب وغير أهل الكتاب من كتب وعلوم على اختلاف أنواعها وترجمتها إلى اللغة العربية واللغات الأخرى التي يتكلمها المسلمون غير العرب. وكل ما يجب عليه التنبيه والحذر والتروي حتى لا يكون سم في دسم. وهناك أحاديث عديدة صحيحة يصح أن تساق في هذا المقام منها حديث رواه الترمذي عن أبي هريرة جاء فيه: «الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها» . وحديث رواه الترمذي وأبو داود عن أبي الدرداء قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من سلك طريقا يبتغي به علما سلك الله له طريقا إلى الجنة» . وفي القرآن آيات كثيرة نبهت المسلمين إلى ما في الكون العظيم من آيات باهرات وأمرتهم بالتفكر بها وتدبرها وهذا لا يكون إلّا بالتعليم والاطلاع والاقتباس من أهل العلم أيا كانوا وأين ما كانوا. ولقد فهم أهل القرون الإسلامية الزاهرة الأولى هذا على حقيقته فكان لهم ذلك الإسهام العظيم المبدع المذهل في كل مجالات العلم والمعرفة اطلاعا وترجمة ثم ابتداعا وتوسيعا. تشهد على ذلك ما خلفوه من تراث عظيم في كل مجالات العلم والفنون والمعرفة. والله تعالى أعلم. [سورة يوسف (12) : الآيات 4 الى 6] إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (4) قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6) (1) فيكيدوا لك كيدا: يدبرون لك مكيدة.

تعليق على مقدمة قصة يوسف

(2) يجتبيك: يصطفيك ويختارك ويرعاك. تعليق على مقدمة قصة يوسف الآيات واضحة المعنى وفيها خبر الرؤيا التي رآها يوسف في منامه، وقد ذكرها لأبيه فوصاه بكتمانها عن إخوته حتى لا يدبروا له مكيدة. وأعلنه بأمله في أن الله يرعاه ويعلمه تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليه وعلى أبيه بذلك كما أتمها على أبويه إبراهيم وإسحاق من قبل. والآيات مقدمة لقصة يوسف وإخوته، ولقد ذكرت هذه الرؤيا في الإصحاح (37) من سفر التكوين المتداول اليوم بشيء من الخلاف حيث يذكر أن يوسف قص رؤياه على أبيه وإخوته وأن أباه انتهره وأن إخوته ازدادوا حسدا له وغيظا منه. ونعتقد أن ما جاء في الآيات هو ما كان يتداوله اليهود وأنه جاء في أسفار وقراطيس أخرى كانت عندهم وقد كانت الآيات تتلى علنا ويسمعها اليهود ولم يرو عنهم إنكار ولا اعتراض. وكلام يعقوب الذي أيده السفر بالنسبة لإخوة يوسف يدل على أن هؤلاء الإخوة كانوا يحقدون على يوسف ويحسدونه وهو ما ذكرته الآيات الآتية. ولقد كان يوسف وأخ آخر له لأم غير أم سائرهم وكان محظيا في نظر أبيه فكان هذا سبب ذلك الحسد والحقد. وفي الآيات تنبيه إلى وجوب تكتم الإنسان في بعض شؤونه وبخاصة فيما يثير الحسد والحقد منها، وإلى ما يقوم بين أبناء الضرائر من كراهية وحقد مما فيه عبرة وموعظة. ولقد أورد المفسرون بعض الأحاديث النبوية في سياق هذه الآيات في صدد ما يراه المرء في منامه من رؤى. وقد رأينا أن نجاريهم فنورد منها حديثا رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي قتادة جاء فيه: «كنت أرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الرؤيا الصالحة من الله تعالى والحلم من

[سورة يوسف (12) : الآيات 7 إلى 20]

الشيطان. فإذا رأى أحدكم ما يحبّ فلا يحدّث بها إلّا من يحبّ. وإذا رأى ما يكره فليتعوّذ بالله ولا يحدّث بها أحدا فإنها لن تضرّه» «1» . وفي الحديث معالجة روحية لأمر يكثر وقوعه ويثير في النفوس هموما أو هواجس، ويمكن أن يرد السؤال عنه في هذه المناسبة. [سورة يوسف (12) : الآيات 7 الى 20] لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ (9) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (10) قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (12) قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (13) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ (14) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (15) وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (16) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (17) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (18) وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (19) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20) (1) ونحن عصبة: أي ونحن جماعة كثيرون. (2) في غيابت الجب: في جوف البئر.

_ (1) التاج ج 4 ص 272. [.....]

تعليق على الحلقة الأولى من قصة يوسف

(3) السيارة: كناية عن قافلة التجارة أو أصحابها. (4) وإنا له لناصحون: إنا له مخلصون لا نريد له إلا الخير. (5) أوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا: معظم الأقوال التي يرويها المفسرون عن أهل التأويل أن الضمير في لَتُنَبِّئَنَّهُمْ عائد إلى يوسف وأن الله أوحى إليه بما كان من تآمر إخوته عليه على سبيل التطمين والتسلية مخبرا إليه أنه سوف يخبرهم بمؤامرتهم. (6) نستبق: نتبارى في السباق. (7) وما أنت بمؤمن لنا: أي وما أنت بمصدقنا. (8) سولت لكم أنفسكم أمرا: زينت لكم أنفسكم أمرا مكروها. (9) واردهم: الوارد هو الشخص الذي يرد الماء للاستقاء وقد أرسل أصحاب القافلة واردهم للاستقاء من البئر. (10) أدلى دلوه: أنزل دلوه للبئر. (11) أسرّوه بضاعة: أخفوه واعتبروه بضاعة للبيع. (12) شروه: باعوه، وهي من الأضداد. (13) كانوا فيه من الزاهدين: بمعنى أنهم باعوه بالثمن البخس بدون تمسك به ورغبة في الخلاص منه. تعليق على الحلقة الأولى من قصة يوسف هذه الآيات هي الحلقة الأولى من قصة يوسف، ومعانيها واضحة. والآية الأولى قد تدل على أن الوحي القرآني بالقصة كان بسبب سؤال بعض الناس عنها. والآية الأولى تفيد أن سائلا سأل عن قصة يوسف وإخوته، وبعض المفسرين يروون أن السؤال من يهودي والمصحف الذي اعتمدناه يذكر أن الآية المذكورة مدنية. والرواية غريبة لأن فصول القصة مكية النزول والآية مفتاح لهذه الفصول. ولم نطلع على تأييد لهذه الرواية، ونحن نشك في الرواية ونشك في كون السؤال من يهودي لأنه يكون على سبيل التعجيز. واليهود الذين كانوا في مكة قليلون وقد

آمنوا بالرسالة النبوية والقرآن. ونرجح أن السؤال من بعض المسلمين ويتبع هذا الترجيح أن يكون الناس في مكة ومنهم المسلمون كانوا يسمعون شيئا من القصة فأراد السائل المسلم أن يعرفها عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم. وفي الآية تنبيه إلى ما في قصة يوسف من آية وعبرة لمن يريد أن يسأل ويعتبر. وقد شاءت حكمة التنزيل أن يبرر ذلك في أسلوب الآيات وهي تحكي القصة في هذه الحلقة والحلقات الأخرى كما هو شأن القصص القرآنية عامة. ومما يرويه المفسرون عن أهل التأويل أن الشمس والقمر والكواكب في الآيات هي كناية عن أبوي يوسف وإخوته الأحد عشر. وهذا سديد. وقد أشارت إليه إحدى الآيات في آخر حلقات القصة. وفي كتب التفسير بيانات كثيرة مروية عن التابعين وعلماء الأخبار في الصدر الإسلامي الأول فيها زوائد كثيرة عما جاء في هذه الحلقة وحلقات القصة الأخرى في السورة. منها ما هو المتطابق مع ما جاء عنها في سفر التكوين المتداول اليوم. ومنها ما هو غير متطابق أو زائد عنه. وهذا يؤيد أن القصة كانت غير مجهولة في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم. وطبيعي أن ذلك من طريق اليهود لأن القصة كما قلنا وردت مفصلة في سفر التكوين الذي كان بين أيديهم. وليس من المستبعد أن يكون ما رواه علماء الأخبار من الزوائد كان مما يرويه اليهود أيضا عزوا إلى أسفار وقراطيس أخرى كانت في أيديهم أو روايات كانوا يتداولونها. ولم نر ضرورة ولا طائلا في إيراد ما أوردوه أو ملخصه لا بالنسبة لهذه الحلقة ولا الحلقات التالية اكتفاء بما شاءت حكمة التنزيل أن يحتويه القرآن من خلاصات عنها مرصعة بما فيه الحكمة والموعظة والعبرة. ولقد احتوت هذه الحلقة ما كان من الحيل التي احتال إخوة يوسف على أبيهم والمكيدة التي كادوها لأخيهم والتي أدت إلى تعريضه لخطر جسيم ثم إلى بيعه كعبد رقيق. وقد ذكر ذلك في الإصحاح (37) من سفر التكوين مع خلاف يسير غير جوهري. ونعتقد أن ما ورد في الآيات كان متداولا ومعروفا عن طريق اليهود وواردا في أسفار وقراطيس أخرى.

[سورة يوسف (12) : الآيات 21 إلى 35]

ومن شأن ما حكته آيات الحلقة من بشاعة حيلة الأبناء على أبيهم وخداعهم له وكذبهم عليه وبشاعة مؤامرتهم ومكيدتهم لأخيهم أن يثير الاشمئزاز من هذه الأفعال وهو من مواضع العبرة والموعظة في الحلقة. [سورة يوسف (12) : الآيات 21 الى 35] وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (21) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (25) قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (26) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (29) وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (30) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (33) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35)

(1) أكرمي مثواه: أحسني معاملته وكرمي إقامته. (2) مكنا ليوسف في الأرض: أتحنا له أسباب التمكن والبروز فيها. (3) راودته عن نفسه: طلبت منه إتيان الفاحشة معها. (4) هيت لك: بمعنى هلمّ أقبل. (5) إنه ربي أحسن مثواي: المقصود من ذلك الزوج لأنه كان مالك رقبة يوسف. (6) همّت به: بمعنى اشتد عزمها وإلحاحها عليه. (7) همّ بها لولا أن رأى برهان ربه: تعددت أقوال المفسرين ورواياتهم في تأويل الجملة، ومما أوردوه ورووه عن تابعين وصحابيين في جملة وَهَمَّ بِها أنه همّ بدفعها عنه أو ضربها أو همّ للاستجابة لها وأنه حلّ سراويله وقعد منها مقعد الرجل من المرأة وكان من الممكن أن يواقعها لولا أن رأى برهان ربه، ومما أوردوه ورووه في جملة بُرْهانَ رَبِّهِ أن الله نبهه بالوحي إلى ما في ذلك من جريمة أو أنه أدرك ذلك بقوة النبوة التي أودعها الله فيه، أو أنه رأى أباه يهتف به منبها أو بالكتابة على الحائط أو على معصمه إلى ما في الزنا من جريمة أو أرسل الله إليه جبريل منبها محذرا، وكل هذه التأويلات وارد بالنسبة لمدى العبارة القرآنية مع القول أنه ليس شيء منها واردا في كتب الصحاح. (8) استبقا الباب: سارعا إلى باب الدار متسابقين، وتفيد الجملة أنه فرّ منها فلحقت به. (9) قدّت: مزقت. (10) من دبر: من ناحية ظهره. (11) ألفيا: وجدا.

تعليق على الحلقة الثانية من قصة يوسف

(12) العزيز: كناية عن منصب الذي اشترى يوسف ويدل على أنه منصب كبير في الدولة. (13) قد شغفها حبا: لامس حبه شغاف قلبها أي غلافه، والجملة كناية عن شدة حبها وهيامها. (14) بمكرهن: بأقوالهن وتنديدهن. (15) أرسلت إليهن: دعتهن. (16) أعتدت لهن: هيأت لهن. (17) متّكأ: مقاعد يتكئون عليها وهناك من قال إن المتكأ هو الأترج أي نوع فاكهة يقطع بالسكين والقول الأول هو الأوجه كما هو المتبادر وفيها ما يفيد أنها هيأت لهن ما يقطع بسكين ويؤكل. (18) أكبرنه: كبر وعظم في أعينهن لما عليه من بهاء وجمال. (19) حاش لله ما هذا بشرا: حاش لله هنا في مقام اليمين والتوكيد بأن يوسف ليس بشرا لأن جماله فوق جمال البشر. (20) لمتنني فيه: وجهتن اللوم إليّ بسببه. (21) فاستعصم: فامتنع. (22) من الصاغرين: من المهانين الذليلين. (23) حتى حين: أي إلى أجل ما. تعليق على الحلقة الثانية من قصة يوسف الآيات حلقة ثانية من قصة يوسف، ومعانيها واضحة، وقد فسرنا بعض مفرداتها وجملها لتكون أكثر وضوحا. ولا حاجة إلى شرحها بأداء آخر وقد ورد ما فيها في الإصحاح (39) من سفر التكوين المتداول بشيء من الخلاف. فليس فيه مسألة تمزيق الرداء وليس فيه أنه همّ بها لولا أن رأى برهان ربه. وإنما فيه أنها دعته إلى نفسها مرة بعد أخرى فكان يأبى ويقول كيف أخطئ إلى الله وأفعل هذه السيئة العظيمة. وأخطئ بحق سيدي الذي ترك لي إدارة البيت ما عداك لأنك الجزء الرابع من التفسير الحديث

[سورة يوسف (12) : الآيات 36 إلى 57]

زوجته ثم فرّ منها وترك رداءه في يدها. وليس فيه ما قاله النسوة عن امرأة العزيز ودعوتها إياهن وتقطيعهن أيديهن. وليس فيه كذلك قصة شهادة الشاهد من أهل الزوجة، وفيه أن زوجها غضب على يوسف حينما زعمت زوجته أنه راودها عن نفسها وأودعه الحصن الذي يسجن فيه سجناء الملك لأنه كان رئيس شرطة مصر. ونعتقد أن ما جاء في الآيات هو الذي كان متداولا عن طريق اليهود ومذكورا في الأسفار التي كانت في أيديهم وفي كتب التفسير بيانات حول هذه المباينات تؤيد كون ما جاء في القرآن كان متداولا معروفا. ومن مواضع العبرة في الحلقة رعاية الله ليوسف وعنايته به وتمكينه في الأرض وصرفه عن السوء والفحشاء لأنه كان مخلصا له محسنا في أعماله ونواياه، وتنويهه به لأنه ثبت أمام التجربة فلم ينزلق في المهاوي المهلكة اتقاء لغضب الله واستشعارا بواجب الحق والوفاء، حيث ينطوي في ذلك حثّ على التمسك بأهداب الفضيلة والصدق والأمانة والاستقامة والوفاء، وإشارة إلى ما يناله أصحاب هذه الأخلاق من تكريم الله ورعايته. [سورة يوسف (12) : الآيات 36 الى 57] وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (38) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (39) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (40) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (41) وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42) وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (43) قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (44) وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (52) وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53) وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (57)

(1) فتيان: شابان. (2) بتأويله: بأمره أو بشأنه. (3) يا صاحبي السجن: يا رفيقيّ في السجن.

تعليق على الحلقة الثالثة من قصة يوسف

(4) أأرباب: آلهة. (5) ربه: هنا بمعنى سيده أو ملكه. (6) ذكر ربه: تذكير سيده بأمر يوسف. (7) عجاف: نحاف أو هزيلات. (8) تعبرون: تعبّرون أو تفسرون. (9) أضغاث أحلام: تخليط الأحلام. (10) الذي نجا منهما: من رفقاء يوسف في السجن الذي نجا من الموت. (11) ادّكر: تذكر. (12) بعد أمة: بعد مدة ما. (13) دأبا: باستمرار وجد. (14) مما تحصنون: مما تخزنونه وتصونونه. (15) يغاث الناس: ينزل الغيث على الناس أي تمطر السماء. (16) يعصرون: يعصرون الثمار. كناية عن جودة الموسم. (17) الآن حصحص الحق: بان الحق أو الآن يجب إظهار الحق. (18) وما أبرىء نفسي: قيل إنها حكاية لقول يوسف على سبيل التواضع وذكر رحمة الله التي عصمته وقيل إنها تتمة لكلام امرأة العزيز على سبيل الاعتذار. (19) أستخلصه لنفسي: أختص به لخدمتي. (20) لدينا مكين أمين: أنت عندنا صاحب مكانة وأمانة. تعليق على الحلقة الثالثة من قصة يوسف وهذه حلقة أخرى من حلقات قصة يوسف وآياتها واضحة المعنى وقد احتوت قصة سجنه وتعبيره لرؤيتي رفيقيه في السجن وتعبير رؤيا الملك وتعيين الملك ليوسف في منصب خازن المملكة. وقد ورد ما جاء في الآيات في الإصحاحين (40 و 41) من سفر التكوين المتداول بشيء من التفصيل عدا طلب

[سورة يوسف (12) : الآيات 58 إلى 102]

يوسف سؤال النسوة وتبرئة زوجة العزيز ليوسف واعترافها بمراودتها إياه وبأنه صادق فيما قال. ونعتقد أن هذا مما كان متداولا أو واردا في نصوص السفر أو في أسفار أو قراطيس أخرى كانت في أيدي اليهود. وفي كتب التفسير روايات عن علماء الأخبار والتابعين تدور في نطاق ما جاء في الآيات حيث يؤيد هذا ما قلناه. ومن العبر التي تخللت الحلقة اهتمام يوسف للتبشير بالله والحملة على الشرك في داخل السجن وانشغاله بذلك عما هو فيه حيث ينطوي في هذا حثّ على وجوب الدعوة إلى الله ومكارم الأخلاق في كل ظرف ومكان. ومنها اهتمام يوسف لتبرئة نفسه حيث ينطوي في هذا حثّ على وجوب تبرئة النفس من التهم الكاذبة وحقّ الإنسان البريء في ذلك. ومنها تراجع امرأة العزيز واعترافها بالحق حيث ينطوي في هذا حثّ على وجوب الصدق والاعتراف بالحقّ ولو على القائل، والتوبة من الذنب. ومنها ما كان من ثقة الملك بيوسف لما رآه فيه من أمارات الصدق والأمانة والاستقامة حيث ينطوي في هذا حث على التزام هذه الأخلاق وفائدتها لأصحابها. ومنها تقرير ما كان من رعاية الله تعالى ليوسف وعدم تضييعه أجر العاملين المتقين المؤمنين في الدنيا والآخرة مع التنويه بخاصة بأجر الآخرة الأكبر لأنه الأدوم. حيث ينطوي في هذا حث على الإيمان والتقوى والعمل الصالح، وبشرى لأصحابها برعاية الله الدائمة في الدنيا والآخرة. [سورة يوسف (12) : الآيات 58 الى 102] وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ (60) قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ (61) وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (63) قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65) قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (66) وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (68) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (69) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (70) قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ (71) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ (73) قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (74) قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76) قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (77) قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ (79) فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (80) ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاَّ بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (81) وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ (82) قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (85) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (86) يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (87) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (89) قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ (91) قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (95) فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (96) قالُوا يا أَب