التفسير القرآني للقرآن

عبد الكريم يونس الخطيب

تقديم

[الجزء الاول] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ تقديم الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ بسم الله نستفتح خزائن علمه، ونطرق أبواب حكمته، وبحمد الله نستقبل مواطر فضله، ونرجو المزيد من غيوث رحمته.. وبالصلاة والسلام على رسول الله نتزود بخير زاد، فى صحبتنا لكتاب الله، الذي نزل به الروح الأمين على قلبه، هدى ورحمة للعالمين! فسبحانك اللهمّ وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدّك، والصلاة والسلام على النبي الأمى، الذي بعثته فى الأميين رسولا يتلو عليهم آياتك ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، فحمل الأمانة، وأدى الرسالة، وجاهد فى الله حقّ جهاده، حتى أجلى غواشى الشرك من القلوب، وقشع ضلالات الجهل عن العقول، وغزا بالقرآن أمة ركبها الضلال، واستبد بها العمى، فصابها بصوب حكمته، وأدبها بأدب نبوته، وصاغها صياغة جديدة، فإذا هى أمة غير الأمة، وناس غير الناس، حتى لقد استأهلت أن تلبس هذا الوصف الكريم الذي وصفها الله به فى كتابه الكريم إذ قال سبحانه: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» ! فالأمة الإسلامية هى أمة القرآن، إليه يردّ أصلها، وبه يعرف نسبها، ومنه نسجت وتنسج ما لبست وتلبس من حلل العزة والكرامة والسيادة،

ولن يمسك عليها وجودها فى هذا المقام الكريم إلا رعايتها للقرآن، وتمسكها به، واجتماعها عليه،. ويوم تفتر عزيمتها عن المضي معه، أو تسترخى يدها عن الشدّ عليه والتعلق به، يوم يكون- ولا كان- ردّتها إلى الجاهلية، وركسها فى الضلال، ورعيها فى الهمل مع السائمة والهائمة، من حواشى الأمم، ونفايات الشعوب! وتاريخ المسلمين مع القرآن الكريم يشهد لذلك شهادة قائمة على هذا الحساب، مقدرة بهذا التقدير، جارية معه.. طردا وعكسا!! فإنه على قدر ما كان يقترب المسلمون من كتابهم الكريم، وبقدر ما كانوا يرعون حقّه، ويؤدون أمانته- كان نصيبهم من الخير، وكان حظهم من السلامة فى أنفسهم، وأموالهم، وأوطانهم! والعكس صحيح.. فإنه على قدر ما كان يبعد المسلمون عن كتابهم، وبقدر ما يفرّطون فى حقه، ويستخفوّن بشأنه- بقدر ما كان بعدهم عن الخير، وكان دنوّهم من الخطر، وتعرّضهم لآفات التفكك والانحلال! وليس هذا شأن المسلمين وحدهم.. بل هو شأن كل من يدعى إلى الخير فيلقاه معرضا، أو يصحبه على دخل وجفاء! وفى واقع الحياة، وعلى مسرح أحداثها كثير من المثلات والعبر! بنو إسرائيل مثلا.. أطعمهم الله خير طعام، تشتهيه النفس، وتطيب معه الحياة، فأنزل عليهم المنّ والسّلوى.. مائدة من السماء.. يجدونها حيث يشاءون، حاضرة عتيدة بين أيديهم، لا يتكلفون لها جهدا، ولا يبذلون من أجلها دانقا أو درهما!! ومع هذا، فقد عافت نفوسهم هذا الطعام السماوي.. الطيب الكريم،

المحفوف بالرحمات والبركات، وأبت عليهم نفوسهم اللئيمة الخبيئة إلا أن تضع فمها فى التراب، وأن ترعى مع الأنعام، وتأكل مما يأكل الحيوان..! وقد كشف القرآن عن هذا الموقف اللئيم، الذي وقفوه إزاء هذه النعمة الكريمة، فقال تعالى: «وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ. وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ... » (61: البقرة) . فهذه مائدة كانت ممدودة لهم من السماء، وكان جديرا بالقوم أن يعيشوا فيها، وأن يهنئوا بها.. ولو أنهم فعلوا ما زايلهم هذا الخير أبدا، ولعاشت فيه أجيالهم جيلا بعد جيل، يطعمون من هذا الطعام الطيب الكريم، الذي تصفو عليه النفوس، وتنتعش الأرواح، كما تصح عليه الأبدان!! ومن يدرى؟ فلعله لو ذهب بنو إسرائيل بهذه التجربة إلى غايتها، لتغير وجه الحياة الإنسانية بهم، ولظهرت فى الحياة سلالات بشرية لا تحمل معدة الحيوان، ولا بهيمية البهائم.. ولكن الله بالغ أمره! «قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً» (3: الطلاق) . فبدّل الله نعمة القوم نقمة، وضربهم بالذّلة والمسكنة، فما استقام لهم بعدها وجه فى الحياة، ولا كان لهم فيها من زاد إلا السحت الخبيث من الطعام، يختلسونه اختلاسا، مما يأكل الناس والأنعام! «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ

فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ. وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ» (175- 176: الأعراف) . ونحن- المسلمين- ماذا كان منا اليوم فى شأن هذا الكتاب الكريم الذي بين أيدينا؟ لقد أنزله الله علينا مائدة من السماء، حافلة بالطيبات من الرزق، محملة بالكريم الغدق من النعم! فذالكم هو «القرآن الكريم» الذي وصفه الله سبحانه وتعالى بقوله: «وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ» (82: الإسراء) .. والذي يقول فيه النبىّ صلوات الله وسلامه عليه: «القرآن مأدبة الله، فتعلموا من مأدبته» . ففى مأدبة الله هذه.. الشفاء والرحمة.. وإن المائدة التي أعدّها الله للمسلمين، ووضعها بين أيديهم ليست على شاكلة تلك المائدة التي أنزلها على بنى إسرائيل طعاما يغذّى الأجسام، ويشبع البطون. إن المائدة الممدودة للمسلمين، مائدة يتغذى منها العقل والروح، فتتخلق منها ملكات علوية، ووجدانات ربانية. بها يسمو الإنسان ويعلو، وبها ينتصر على هذا الضعف الإنسانى، وينتصر على تلك النزعات الحيوانية، المندسّة فى كيانه. ولهذا يقول الرسول الكريم عن تلك المأدبة: «فتعلموا من مأدبته» ولم يقل: «فكلوا من مأدبته» .. ذلك أن القرآن مأدبة علم وحكمة وخلق، وليس مأدبة معدة، ولا طعام بطون!!

وانظر كيف رفع الله قدر هذه الأمة، وأعلى شأنها، وكيف جعل غذاءها السماوىّ الذي أنزله عليها غذاء يتصل بالروح، ولم يجعله فيما يقدم إلى البطن والمعدة، وفى ذلك ما فيه من كرامة وتكريم لهذه الأمة، التي تتلو القرآن وتدين بالإسلام، وتتعبد بقول الحق جل وعلا فى شأنها: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ» (111: آل عمران) . فمن شأن القرآن أن يقيم المتصلين به على طريق الحق، فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله! إن الذي يستقيم على دعوة القرآن، لهو إنسان سليم فى كيانه، معافى فى نفسه، ثم هو مع ذلك قادر على أن يحمل الهدى إلى غيره، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويكون خليفة الله فى الأرض، وخليفة الرسول فى الدعوة إلى الله، وهداية الناس إليه. ولكن صحبة المسلمين للقرآن لم تكن قائمة على العدل والإحسان فى جميع الأحوال.. فكثيرا ما أساء المسلمون تلك الصحبة، وأوسعوها جفاء وعقوقا، حيث يعيش القرآن فيهم غريبا.. لا يقفون عنده، ولا يلتفتون إليه، ولا يتدبرون آياته، ولا يتلقون بعض ما فيه من خير وهدى! والجفوة التي بين المسلمين وبين القرآن الكريم جفوة غليظة مستحكمة، قد تداعت عليها دواع كثيرة، أحكمت بنيانها، وثبتت دعائمها، فلم يعد بين المسلمين وبين القرآن طريق يصلهم به إلا تلك الطرق الدارسة الطامسة، التي تتصاعد منها أتربة وأدخنة، تعمّى على الناظر منهم فى كتاب الله، وجوه الحق والخير التي فيه.

وإن كل حظ المسلمين اليوم من القرآن هو حظهم من مخلّفات الآباء والأجداد، مما تضمه المتاحف ودور الآثار، يزورونها لماما، ويطرقونها حينا بعد حين.. قد تثير فيهم تلك الزّورة نشوة عارضة، أو تبعث فيهم عزّة كاذبة، ينفضونها عن نفوسهم قبل أن يجاوزوا المزارة، كما ينفضون ما قد يكون علق على ثيابهم من التراب، وهم يجوسون خلال الديار! فنحن نلمّ بالقرآن إلماما، ونلقاه حينا بعد حين، وقد نذكر به فى تلك اللقاءات، وهذه الإلمامات، ما نذكر من مواعظ وعظات، ثم لا نلبث حتى ننخلع عن هذه المشاعر قبل أن نضع المصحف من أيدينا، لنلقى الحياة ونختلط بها، كما نحن، على الوجه الذي كنا نصحبها به، ونعيش معها عليه! فما يحدّث به القرآن شىء، وحياتنا التي نحياها ونتقلب فيها شىء آخر، بعيد كل البعد عن القرآن، وما يحدثنا به القرآن! إن المسلم- منا- يعيش فى هذه الحياة بشخصية «مزدوجة» ويلقاها بنفس منقسمة على نفسها، ولهذا كان مسيره فيها مضطربا مختلجا، تتماوج أبعاضه بين مشرق ومغرب، وشمال وجنوب، فهو يتحرك فى مكانه، حركة متماوجة مضطربة، فلا يتقدم خطوة إلى الأمام، على كثرة هذا الضرب المضطرب فى الأرض! والسبب فى هذا يرجع- فى تقديرنا- إلى «تميّع» العقيدة الدينية فى نفس المسلم، وإلى اختلاط كثير من مسائلها فى تفكيره، وعدم وضوح المعالم والحدود لكثير من أمور الدين عنده! وذلك- فى تقديرنا أيضا- يرجع إلى أمور كثيرة.. منها: أولا: هذه الخلافات السياسية والمذهبية التي وقعت بين المسلمين منذ أعقاب الخلافة الراشدة، فانعكست آثار هذه الخلافات السياسية والمذهبية

على المسائل الدينية، فجاءت تلك المسائل على وجوه كثيرة متناقضة متضاربة، يلطم بعضها وجه بعض، بحجج تسندها آية من كتاب الله، متأولة على غير وجهها، أو حديث ضعيف، أو أثر مكذوب.. فتجد كل هذه الأقوال منطقا يقيمها، أو ذكاء يدارى عوارها، بما دخل المسلمين من مذاهب الجدل والسفسطة، منذ قيام الدولة العباسية، واتصال العرب والمسلمين بالثقافات والديانات الأخرى، التي كانت تصبّ روافدها المتدفقة فى كيان الأمة العربية، وفى محيط العقل الإسلامى. وكان من هذا أن تشعبت مسائل الدين بين الطوائف المختلفة، اختلافا دينيا سياسيا، والتي انقسمت كل طائفة منها على نفسها، فكانت فرقا تبلغ المئات عدا.. وقد ذهبت كل فرقة فى الدين مذهبا، وأقامت لمذهبها حجته من كتاب الله، وسنة رسول الله.. وهذا هو أفدح ما فى الأمر، وأشنع ما فى هذا الخلاف! فالمسألة الواحدة من مسائل الدين، تأخذ دورة طويلة لا تكاد تنتهى أبدا، فلا يكاد المسلم يمسك منها بطرف حتى تجره جرا إلى مسائل كثيرة، تتولد منها وتتفرع، وتبيض وتفرخ، وإذا هو أمام عشرات من الصور «المهزوزة» للأمر الواحد، والمسألة الواحدة.. تتراقص فى محيط تفكيره، كما يتراقص الشبح فى ضوء مصباح، عبثت بذبالته الريح.. فى يوم عاصف! وهذا ما نجده فى كل أمر من أمر ديننا نرجع فيه إلى الفقه الإسلامى، الذي صادف تدوينه، تلك الفترة التي تمزقت فيها الوحدة الإسلامية، وتمزق معها العقل الإسلامى! وثانيا: التعويل على هذا الفقه تعويلا كاملا، وربط المسلمين به ربطا محكما، حتى لقد أصبح عند كثير من علماء المسلمين، وفقهائهم- على امتداد العصور

التي تلت هذا العصر- أصبح دستور الشريعة الإسلامية، وترجمان كتابها الكريم.. وكان من هذا أن أصبح تعلّق أكثر العلماء والفقهاء بهذا الفقه أكثر من تعلقهم بكتاب الله نفسه.. فهم يرجعون فى كل أمر يعرض لهم إلى مقولات المذهب أو المذاهب الفقهية، فى هذا الأمر أو ذاك، وفى كل داعية من دواعى الحياة، يراد للدين أن يزنها بميزانه، ويقيسها بأحكامه! وطبيعى أنه إذا جاء رأى دينى من محصّل هذا النظر القائم على مقولات المذاهب الفقهية المتضاربة المتخالفة- جاء مذعورا قلقا، يموج فى أخلاط من الآراء المتناقضة، والأقوال المتخالفة، لا يكاد المرء يعرف منها وجها من ظهر. من أجل هذا «تميّعت» مسائل الدين، وغامت فى أنظار المسلمين، فهم إنما يطوفون بها فى إجلال وتقديس، أشبه بإجلال المجهول وتقديسه، لا يقوم فى النفس مقاما ثابتا مطمئنا أبدا، بل سرعان ما يذهب ذلك الشبح الباهت إذا طلع عليه بصيص من نور، أو لمعة من سراب! والقرآن- من غير شك أو جدال- هو مصدر الشريعة الإسلامية، وهو دستورها القائم أبد الدهر.. وقد استغنى به المسلمون فى الصدر الأول للإسلام، فأغناهم عن كل شىء.. لا يمدون أبصارهم إلى غيره، ولا يأخذون لدينهم ودنياهم إلا بما توحى به إليهم كلماته، وتومىء به إليهم آياته! وطبيعى أن هذا الذي نقوله عن كتاب الله، نقوله كذلك فيما ثبت من سنة رسول الله، القولية والفعلية، إذ كانت السنة المطهرة تطبيقا شارحا لكتاب الله، وفى هذا يقول الله تعالى: «وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (7: الحشر) .

ولا يستقيم هذا القول، الذي نقوله فى القرآن- بأنه مصدر التشريع الإسلامى- إلّا بفهم سليم صحيح لكتاب الله، ولا يكون هذا الفهم السليم الصحيح إلا عن طول تأمل وتدبر لكتاب الله، وتذوق لأساليب بيانه، ووقوف على بعض أسراره. وبهذا الفهم لكتاب الله، يتحقق لنا أمران: أولهما: اتصالنا بكتاب الله اتصالا وثيقا، قائما على معرفة به، وتذوق لجنى طعومه الطيبة، وهذا مما يجعل لتلاوتنا للقرآن، أو استماعنا لتلاوته أثرا فى نفوسنا، ووقعا على قلوبنا، وتجاوبا مع آدابه، واستجابة لنداءته.. فيما يدعو إليه، من أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر! وثانيهما: تصور مسائل الدين تصورا واضحا محددا، بلا ذيول، ولا معلقات.. وبهذا يعرف المسلم الحكم قاطعا، فيما أحل الله، وفيما حرم، فيكون على بينة من أمره، فيما يأخذ أو يدع من أمر دينه! ومن أجل هذا كانت صحبتنا هذه لكتاب الله، على هذا الوجه، الذي لا ننظر فيه إلى غير كتاب الله، وإلى تدبر آياته، بعيدا عن طنين المقولات الكثيرة التي جاءت إلى القرآن من كل صوب، وكادت تخفت صوته، وتغيم على الأضواء السماوية المنبعثة منه! إننا فى صحبتنا هذه للقرآن، لا نقيم نظرنا على غير كلماته وآياته، ولا نخط على هذه الصفحات غير ما يسمح لنا به النظر فى كلماته وآياته. إننا لا نفسر القرآن بالمعنى المعروف للتفسير، فى هذه الصحبة التي نصحب فيها كتاب الله.. وإنما نحن نرتل آيات الله ترتيلا.. آية آية، أو آيات آيات.. ثم نقف لحظات نلتقط فيها أنفاسنا المبهورة، لما تطالعنا به الآية أو الآيات، من عجب ودهش وروعة، ثم نمسك القلم، لنمسك به على الورق بعض

ما وقع فى مشاعرنا من صور العجب والدهش والروعة.. وإنها لصور باهتة بالنسبة للواقع الذي حملته تلك المشاعر.. فما أبعد الفرق بين الشعور المشتمل علينا ونحن بين يدى كلمات الله، وبين الكلمة التي تنقل هذا الشعور!! ولكنها- على أي حال- معلم من معالم الطريق إلى كتاب الله، يمكن أن يجد فيه السالك نورا، ويزداد به المهتدى هدى.. «وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ» «وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» .. وسلام على المرسلين، والحمد لله ربّ العالمين. المؤلف القاهرة فى الثاني والعشرين من ذى القعدة 1386 هـ فى الثالث من مارس 1967 م

دراسات حول القرآن

دراسات حول القرآن أولا: المكىّ والمدنيّ المكىّ من القرآن ما نزل بمكة، والمدنىّ ما نزل بالمدينة. وعدد سور القرآن مائة وأربع عشرة سورة باتفاق. السّور المكية. 1) اقرأ باسم ربك 2) ن 3) المزمل 4) المدثر 5) المسد 6) التكوير 7) الأعلى 8) الليل 9) الفجر 10) الضحى 11) الشرح 12) العصر 13) العاديات 14) الكوثر 15) التكاثر 16) الماعون 17) الكافرون 18) الفيل 19) الفلق 20) الناس 21) الإخلاص 22) النجم 23) عبس 24) القدر 25) الشمس 26) البروج 27) التين 28) قريش 29) القارعة 30) القيامة 31) الهمزة 32) المرسلات 33) ق 34) البلد 35) الطارق 36) القمر 37) ص 38) الأعراف 39) الجن 40) يس 41) الفرقان 42) المعارج 43) مريم 44) طه 45) الواقعة

السور المدنية:

46) الشعراء 47) النمل 48) القصص 49) الإسراء 50) يونس 51) هود 52) يوسف 53) الحجر 54) الأنعام 55) الصافات 56) لقمان 57) سبأ 58) الزمر 59) المؤمن 60) حم (السجدة) 61) حم عسق 62) الزخرف 63) الدخان 64) الجاثية 65) الأحقاف 66) الذاريات 67) الغاشية 68) الكهف 69) النحل 70) نوح 71) إبراهيم 72) الأنبياء 73) المؤمنون 74) آلم: السجدة 75) الطور 76) الملك 77) الحاقة 78) المعارج 79) النبأ 80) النازعات 81) الانفطار 82) الانشقاق 83) الروم 84) العنكبوت 85) المطففون السور المدنية: 86) البقرة (أول ما نزل بالمدينة) 87) الأنفال 88) آل عمران 89) الأحزاب 90) الممتحنة 91) النساء 92) الزلزلة 93) الحديد 94) محمد صلى الله عليه وسلم 95) الرعد 96) الرحمن 97) الإنسان 98) الطلاق 99) البينة 100) الحشر 101) النصر 102) النور 103) الحج 104) المنافقون 105) المجادلة 106) الحجرات

ثانيا: عدد آياته، وكلماته، وحروفه

107) التحريم 108) الجمعة 109) التغابن 110) الصف 111) الفتح 112) التوبة 113) المائدة 114) فاتحة الكتاب.. اختلف فى نزولها بمكة أو بالمدينة. وقيل إنها نزلت مرتين- مرة بمكة ومرة بالمدينة. ثانيا: عدد آياته، وكلماته، وحروفه وكان من اهتمام المسلمين بالقرآن، وحرصهم عليه أن أحصوه آية آية، وكلمة كلمة، وحرفا حرفا.. ونسجل هنا هذا الجهد المشكور لعلماء القرآن رضى الله عنهم. عدد آيات القرآن: اختلف الدارسون للقرآن فى إحصاء آياته.. فقال بعضهم: هى ستة آلاف آية. وقال آخرون: ستة آلاف آية ومئتان وأربع آيات. وقيل: سنة آلاف ومئتان وأربع عشرة آية. وقيل: ستة آلاف ومئتان وتسع عشرة آية. وقيل ستة آلاف ومئتان وخمس وعشرون أو ست وعشرون أو ست وثلاثون.. عدد كلماته: أجمع العلماء على أن عدد كلمات القرآن سبع وسبعون ألفا وأربع مئة وسبع وثلاثون كلمة. عدد حروفه: وأما عدد حروفه فهى ثلاثمئة وواحد وعشرون ألف حرف.

وقيل إن الحجاج بن يوسف جمع القراء والحفاظ والكتّاب، فقال لهم: أخبرونى عن القرآن كله، كم من حرف هو؟ فأجمعوا على أنه ثلاثمئة وأربعون ألفا وسبع مئة وأربعون حرفا. قال: فأخبرونى عن نصفه.. قالوا: عند الفاء من قوله تعالى فى سورة الكهف: «وَلْيَتَلَطَّفْ» (19: الكهف) .

1 - فاتحة الكتاب

1- فاتحة الكتاب نزولها: مكية، وقيل إنها نزلت بمكة، ثم نزلت مرة أخرى بالمدينة. ولا وجه لهذا القول. عدد آياتها: سبع. عدد كلماتها: خمس وعشرون كلمة. عدد حروفها: مائة وثلاث وعشرون حرفا. من أسمائها: سميت بأسماء كثيرة، جاوزت المائة، وذلك حسب ما يقع فى الخاطر منها. ومن أسمائها: الفاتحة، وفاتحة الكتاب، والحمد، وسورة الحمد، والشافية، والشفاء، وأم القرآن، وأم الكتاب: والسبع المثاني (لأنها تثنى- أي تكرر- فى كل صلاة) . آية: (1) [سورة الفاتحة (1) : آية 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1) التفسير: باسم الألوهية يقوم الوجود، وإليه يركن كل موجود.. فكل عوالم الكون مألوهة لله، خاضعة لمشيئته، محفوفة برحمته. ووصف الألوهية بهاتين الصفتين: «الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» يدل على أن هذا الوجود إنما هو فيض من رحمانية الله ورحمته. إذ الوجود- على أية صورة من صوره- نعمة وخير، إذا هو قيس بالعدم، الذي هو فناء مطلق، وتيه وضياع.

آية: (2) [سورة الفاتحة (1) : آية 2]

آية: (2) [سورة الفاتحة (1) : آية 2] الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (2) التفسير: بهذا الحمد لله تنطق المخلوقات كلها، فهو سبحانه الذي أوجدها من العدم وأعطاها خلقها بين المخلوقات، وقام عليها مدبرا، وحافظا، «الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى» (50: طه) ، فحق عليها أن تحمده، وتشكر له، وقد لزمها هذا الحق الذي لا انفكاك لها منه، إن لم تؤده اختيارا أدته اضطرارا، وإن لم يفصح عنه ظاهرها نمّ عليه باطنها: «تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» (44: الإسراء) آية: (3) [سورة الفاتحة (1) : آية 3] الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (3) التفسير: استفاضة رحمانية الله، وشمول رحمته، يجدها كل موجود فى نفسه، وفيما حوله، ولهذا كان حمد الله واقعا بين هاتين الصفتين، كأنه تعقيب عليهما أولا، وكأنهما تعليل له ثانيا. آية: (4) [سورة الفاتحة (1) : آية 4] مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) التفسير: يوم الدين: هو يوم الدينونة، أي الحساب والجزاء، وهو يوم القيامة: «وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ. ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ

آية: (5) [سورة الفاتحة (1) : آية 5]

يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ» (17- 18- 19: الانفطار) . ومجىء «مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» معطوفا عطف بيان على «الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» للإشعار بأن هذه الملكية ملكية رحمانية ورحمة، تضع موازين القسط للفصل بين الناس، حيث يثاب المحسنون، ويعاقب المسيئون، وهو عقاب فيه رحمة لهم، حيث يطهرهم من أدران الآثام التي علقت بهم، ليكونوا أهلا لمساكنة الملأ الأعلى. آية: (5) [سورة الفاتحة (1) : آية 5] إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) التفسير: من مقتضى حمد لله الذي استوجبه على عباده بربوبيته، ورحمته، أن يفرد بالعبودية، وأن يختص بالعبادة، فلا متوجّه إلا إليه، ولا لجوء إلا له، ولا معول إلا عليه. «إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ، فَادْعُوهُمْ، فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (194: الأعراف) . آية: (6) [سورة الفاتحة (1) : آية 6] اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) . التفسير: الصّراط المستقيم: هو الطريق القائم على الحق والعدل، الموصّل إلى الخير والفلاح، لا يضل سالكه، ولا تتعثر له قدم فيه. آية: (7) [سورة الفاتحة (1) : آية 7] صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (7)

التفسير: هذا بيان للصراط المستقيم ولأهله، الذين أنعم الله عليهم، فهداهم إليه، وأقامهم عليه، ثم بيان آخر للصراط المستقيم، وهو صراط لا يسلكه للمغضوب عليهم، الذين مكروا بآيات الله، وكفروا بنعمه، فضربهم بغضبه، وصبّ عليهم لعنته، وهو صراط لا يستقيم عليه من اتبع هواه، وعمى عن الحق الذي بين يديه! والمغضوب عليهم هم اليهود، وقد صرّح القرآن فى غير موضع وفى أكثر من آية، بأنهم مغضوب عليهم من الله، فقال تعالى: «قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ» (60: المائدة) وليس وصف اليهود بالمغضوب عليهم مانعا من إطلاق الوصف على كل من غضب الله عليه، فحاد عن الطريق المستقيم، وكذلك الشأن فى «الضالين» باعتباره وصفا لكل من ضل طريق الحق والهدى. وفى دعاء المؤمنين بأن يهديهم الله الصراط المستقيم، ويجنبهم صراط المغضوب عليهم، والضالين عن الطريق القويم- فى هذا الدعاء غاية فى تحرّى الطريق إلى الله، والتماسه مستقيما خالص الاستقامة، بعيدا عن مزالق المفتونين فى دينهم، والمنحرفين عن سواء السبيل. و «آمين» دعاء تختم به السورة، وهو اسم فعل أمر، بمعنى استجب يا الله ما دعوناك به. وهذا اللفظ ليس من القرآن.. وهذا، وتلك السورة الكريمة، فوق أنها قرآن كريم، هى مفتتح هذا القرآن، وهى أم الكتاب الكريم، لاشتمالها على أصول الشريعة الإسلامية، من توحيد، وعبادات، وآداب، ومعاملات.. ولهذا كانت ملاك الصلاة، التي هى بدورها ملاك الإسلام كله،

إذ لا صلاة لمن لا يصلى بها، ومن أجل هذا سميت آياتها السبع، السبع المثاني، إذ يثنّى بها فى كل صلاة، أي تقرأ مثنى فى الصلاة ذات الركعتين، ومثنى مثنى فى الصلاة ذات الأربع ركعات! واستمع إلى هذا الدعاء أو الصّلاة. «أبانا الذي فى السماوات.. ليتقدّس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما فى السّماء كذلك على الأرض.. خبزنا كفافنا أعطنا اليوم، واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا.. ولا تدخلنا فى تجربة.. لكن نجّنا من الشّرّير.. لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد.. آمين» أتدرى ما هذا الكلام؟ إنّه الصّلاة التي كان يصلّى بها السيّد المسيح، والتي علّم أتباعه أن يصلوا بها.. إذ يقول لهم: «وحينما تصلّون لا تكرروا الكلام باطلا كالأمم، فإنهم يظنون أنهم بكثرة كلامهم يستجاب لهم.. فلا تتشبهوا بهم.. لأن أباكم يعلم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه.. فصلّوا أنتم هكذا» «1» . ثم يذكر لهم هذه الصلاة على النحو السابق.. وأنت ترى ما بين هذه الصلاة التي كان يصلى بها السيد المسيح، ويعلمها أتباعه، وبين فاتحة الكتاب التي هى قرآن المسلمين فى صلاتهم- أنت ترى ما بين هذه وتلك من تشابه كبير فى الروح التي تستولى على الإنسان وهو

_ (1) إنجيل متى: الإصحاح السادس.

يتلوها، خاشعا متعبدا.. أليس ذلك دليلا على أنهما من معدن واحد، وأن متنزلهما السماء، وحيا من رب العالمين؟ ثم أليس ذلك دليلا على ما بين الديانات السماوية من صلات وثيقة قائمة على الحق العدل؟ بلى! وإنه لو سلمت الكتب السماوية السابقة من التحريف، لالتقت مع القرآن فى كل ما جاء به، ولكن التحريف والتعديل باعد بين تلك الكتب وبين القرآن فى أصول الدعوة وفروعها على السواء.!

2 - سورة البقرة

2- سورة البقرة نزولها: نزلت بالمدينة، وهى أول سورة نزلت بعد هجرة النبىّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. عدد آياتها: مائتان وست وثمانون آية. عدد كلماتها: ستة آلاف ومائة وإحدى وعشرون كلمة. عدد حروفها: خمسة وعشرون ألفا وخمسمائة حرف. آية: (1) [سورة البقرة (2) : آية 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم (1) التفسير: فى القرآن الكريم تسع وعشرون سورة، بدأت بحرف أو أكثر من حروف الهجاء، وكل حرف ينطق به نطقا مستقلا مرتلا، هكذا: ألف.. لام.. ميم.. أو: طا، ها، أو: ياسين. وعلى هذا النحو تنطق جميع الحروف التي جاءت مفتتحا لسور القرآن. وقد شغلت هذه الحروف علماء التفسير، فأطالوا النظر فيها، وأكثروا القول فى تأويلها وتفسيرها، حتى لقد تجاوزت وجوه الرأى فيها أربعين وجها! والمفهوم الذي نستريح إليه لهذه الأحرف، أنها مجرد حروف هجاء، مما بنيت منه كلمات القرآن الكريم، وآياته، وسوره، وأنها حين يبدأ بها فى التلاوة هكذا.. حرفا حرفا، آخذا كل حرف نغما مستقلا على لسان القارئ- ترسم لمرتل القرآن أسلوبا خاصّا فى التلاوة، فيقرأ الكلمات قراءة مستأنية، يأخذ فيها كل حرف مكانه على لسان القارئ، كما أخذت حروف هذه المفتتحات وضعها المستقل على لسانه! فى أناة وتقطيع.. حرفا حرفا!

وبهذا يتحقق الأداء السليم لتلاوة القرآن، كما يقول الله تعالى: «وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا» (4: المزمل) . إن العرب الذين نزل القرآن بلسانهم، هم قوم أميون، تلقّوا لغتهم سماعا، وحفظوا كلماتها وأساليبها، أصواتا تحمل من المعاني ما تحمل أنغام الموسيقى إلى أربابها! فالعربى كان يعرف الكلمة جملة، كما كان يعرف مدلولها الذي تدل عليه جملة أيضا، بل إنه يعرف مدلول الكلمة أكثر مما يعرف الكلمة ذاتها، فإذا نطق بكلمة «سيف» أو «درع» أو «جمل» أو «ليلى» أو نحو هذا، ارتسم فى الحال لعينيه مدلول الاسم الذي نطق به، دون أن يلتفت كثيرا إلى الصوت الذي انطلق من فمه! وإذ كان حساب الكلمات عند العرب الجاهليين على هذا النحو، الذي تبدو فيه الكلمات وكأنها مجرد أصوات! وإذ كان ذلك كذلك، وإذ كان القرآن الكريم كلاما معجزا، فإن وجه الإعجاز لا ينكشف فى كلماته وآياته إلا إذا تحقق للكلمة وجود ذاتى، وعرف لها ناطقها وسامعها أنها كائن له مشخصاته، التي تحقّق له وجودا مستقلا عن غيره، مباينا له، كما يستقل الإنسان عن الإنسان بذاته ومشخصاته. وعلى هذا التقدير، تحدث القرآن الكريم إلى هؤلاء الأميّين بما يكشف لهم عن شخصية الكلمة، وأنها بناء يقوم على أسس، ويبنى على أصول، وأن لبنات هذا البناء هى حروف: ألف، لام، ميم، نون، قاف.. وهكذا. وبهذا النظر إلى الكلمات، ينطق العربىّ بكلمات القرآن الكريم متأنيا، متأملا، حتى لكأن الحرف كلمة! وبهذا يتصل قارئ القرآن بكلمات القرآن اتصالا وثيقا، يخلص إليه منه كثير من أضوائه ونفحاته، وذلك هو

آية (2) [سورة البقرة (2) : آية 2]

بعض الحكمة من ترتيل القرآن، وقراءته على هذا الوجه الذي ينفرد به عن قراءة أي كلام، حيث يقول الله تعالى: «وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا» (4: المزمل) ويقول سبحانه: «وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا» ! (106: الإسراء) وقد امتثل النبي الكريم- صلوات الله وسلامه عليه- أمر ربّه، فكانت قراءته ترتيلا منغما، يأخذ فيه كل حرف مكانه فى الكلمة، وتأخذ كل كلمة مكانها فى الآية، دون أن يختفى حرف، أو تضيع كلمة. روى البخاري عن أنس، أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «كانت مدّا» ثم قرأ- أي أنس- «بسم الله الرحمن الرحيم» يمدّ الله، ويمدّ الرحمن، ويمد الرحيم» أي أنه يمثّل بهذا الأسلوب القراءة التي كان يقرأ بها النبي الكريم. وعلى هذا، فإن مجىء هذه الأحرف المقطعة فى بعض سور القرآن، وفى مفتتح السور التي جاءت فيها- إن هذا أشبه «بالوحدة» التي يقوم عليها اللحن الموسيقى، والتي يسرى صداها فى اللحن كله، من أوله إلى آخره، وإن تعددت أنغامه، وخفتت أو علت أصداؤه.! فليس من الضروري إذن أن يجتهد فى البحث عن معنى لهذه الأحرف المقطعة، ولنا أن نحسبها مطلعا موسقيا، تقوم عليه وحدة النغم فى ترتيل آيات السور التي بدئت بحرف أو حرفين أو أكثر. آية (2) [سورة البقرة (2) : آية 2] ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2) التفسير: «الكتاب» هو القرآن، وتسمية القرآن كتابا إشارة إلى أن

(الآيات: (3 - 4 - 5) [سورة البقرة (2) : الآيات 3 إلى 5]

من شأن هذا الكلام أن يكتب ويوثّق، حتى يحفظ من التبديل والتحريف، وهذا ما فعله الرسول الكريم، فى كل ما تلقاه وحيا من القرآن، إذ كان صلوات الله وسلامه عليه لا يكاد يفرغ من تلقّى ما أوحى إليه من ربّه، حتى يمليه على جماعة عرفوا بأنهم كتاب الوحى. وأول ما أوحى إلى الرسول من كلمات الله قوله تعالى: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» «1» . وانظر إلى تلك المفارقات العجيبة البعيدة بين إنسان أمّى، لا يقرأ ولا يكتب، يصطفيه الله للنبوة، ويختاره لرسالة دستورها القرآن الكريم، الذي يتلقاه وحيا من السماء على مدى نيف وعشرين سنة.. ثم تكون «اقْرَأْ» أول كلمة تفتتح بها هذه الرسالة.. ثم تتبع بكلمتي «عَلَّمَ بِالْقَلَمِ» . وفى هذا ما يؤذن النبىّ بمحتوى جديد من محتويات رسالته، وهو الدعوة إلى القلم والقراءة والكتابة، فذلك من النعم التي أنعم الله بها على عباده، إذ سرعان ما أقبل العرب الأميون على القراءة والكتابة، على أنها دعوة من دعوة الدين، ولفتة من لفتات الشريعة، فتعلّموا وعلموا ما لم يكونوا يعلمون. (الآيات: (3- 4- 5) [سورة البقرة (2) : الآيات 3 الى 5] الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)

_ (1) الآيات الأولى من سورة العلق.

التفسير: تلك هى صفات المتقين. يؤمنون بالغيب.. والغيب ما خرج عن متناول الحواس، وإدراك العقل. والإيمان بما يجىء من عالم الغيب، لا معتبر له إلا إذا كان مستنده إلى جهة لا يتطرق الكذب إليها، وإلا كان التصديق بما يخبر به العرافون والكهنة وغيرهم ممن يدّعون علم الغيب. إيمانا، وهو ليس من الإيمان فى شىء، وإنما المراد بالإيمان هنا ما يخبر به رسل الله وأنبياؤه أقوامهم، من أمر البعث، والحساب، والجنة، والنار، ونحو هذا، مما هو من أنباء الغيب، التي لا تقع لعلم الناس، ولا تستجيب لمدركاتهم. فأول صفة من صفات المتقين، هى الإيمان بتلك الغيبيات، على الصورة التي يخبر بها الرسل، حيث تلقّوا الأخبار عن تلك الغيبيات، وحيا من الله، وهم الأمناء على ما أوحى إليهم من ربّهم. فلا إيمان لمن لا يؤمن بالله، ولا إيمان بالله لمن لا يؤمن برسل الله، ولا إيمان برسل الله لمن لا يؤمن بما يحمل رسل الله من رسالات، وما يبلغون من أوامر ونواه، وما يلقون من أخبار. وملاك التقوى هو الإيمان، فلا تقوى لمن لا إيمان له، فإذا جاء الإيمان على تلك الصورة، كان داعية لأن يقيم الإنسان على طريق التقوى، وأن يؤهّله لتلك الصفات التي وصف الله سبحانه بها المتقين: الذين يقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله، ويؤمنون بما نزل على محمد، إيمانا مفصلا، وبما أنزل على الرسل من قبله، إيمانا مجملا، ثم ينتهى بهم ذلك الإيمان إلى الإيمان باليوم الآخر، وما فيه من حساب، وثواب، وعقاب وجنة ونار.. وعندئذ يصبح المؤمن المستكمل لتلك الصفات مؤهلا لأن يحسب من المتقين، ويدخل فى عدادهم.

الآيتان (6 - 7) [سورة البقرة (2) : الآيات 6 إلى 7]

الآيتان (6- 7) [سورة البقرة (2) : الآيات 6 الى 7] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (7) التفسير: الناس ثلاثة: مؤمنون، وقد بدأت السورة بذكرهم. وكافرون، وهم المذكورون فى هاتين الآيتين. ومنافقون مذبذبون لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، سيجيئ ذكرهم بعد هذا. ويلاحظ أن القرآن ذكر هنا كلمة «المتقين» فى مقابل الكافرين، ولم يقل «المؤمنين» ، وذلك أن من شأن الإيمان الصحيح أن يبلغ بصاحبه منازل المتقين. والذين كفروا المذكورون فى هذه الآية، ليسوا مطلق الكافرين، بل هم كفار مكة، الذين حادّوا الله ورسوله، وأشربوا فى قلوبهم الكفر، وعلم الله أنهم لن يستجيبوا للرسول، كأبى جهل، وعتبة بن ربيعة وغيرهما ممن مات على الكفر فى غزوة بدر وأحد، من قتلى قريش.. فهؤلاء قد حكم الله عليهم هذا الحكم: «سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ.. لا يُؤْمِنُونَ..» وهذا ما يشير إليه قوله تعالى فى سورة يس: «يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ. لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ. لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» فهؤلاء الذين حق عليهم القول بألا يؤمنوا هم الذين تعنيهم هذه الآية: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» . وإلا فلو كان المراد بالذين كفروا فى هذه الآية مطلق الكافرين، لما كان

لدعوة الرسل حكمة، ولما كان لعرض رسالاتهم على الناس معنى، لأنهم إنما يبعثون إلى قوم كافرين، فيستجيب لهم من يستجيب، ويقيم على كفره من حقّ عليه القول منهم.. أما تيئيس الكافرين مطلقا، والحكم عليهم بألا يؤمنوا أبدا، فذلك بعيد عن حكمة الله فى ابتلاء الناس واختبارهم، وإقامة الحجة عليهم، بإرسال الرسل إليهم.. «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» (42: الأنفال) . وقوله تعالى: «خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، وَعَلى سَمْعِهِمْ، وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ، وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» هو كشف لما اشتمل عليه كيان هؤلاء الكافرين الذين لا يتحولون عن كفرهم أبدا، بما قام فى كيانهم من حواجز تعزلهم عن التجاوب مع دعوة الإيمان، ولا تسمح لشعاعة من شعاعات الحق أن تخترق تلك الحواجز، فقد «خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ» .. والختم على الشيء وضع خاتم عليه، أشبه بالقفل المحكم، بحيث لا ينفذ إليه شىء.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى فى آية أخرى: «أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها» . (24: محمد) «وَعَلى سَمْعِهِمْ» أي وختم على سمعهم، فالواو هنا للعطف على قوله تعالى: «خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ» والختم على السمع: الضرب عليه بحجاب، فلا تنفذ منه دعوة الحق إلى موطن الإدراك من العقل، فهم أشبه بالنائم المستغرق فى نومه، حواسه كلها سليمة، ولكنها معطلة لا تعمل فى تلك الحال.. كما يقول سبحانه وتعالى فى أصحاب الكهف: «فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً» . (11: الكهف) . «وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ» .. أي أن أبصارهم لا ترى الأشياء رؤية واضحة، بل تبدو المرئيات لها مهزوزة غائمة، تضطرب فى مجال الرؤية، فلا يعرف الرائي حقيقة ما رأى.

وهذه الصورة الحسية التي صورت بها حال أولئك الكافرين، إنما هى تجسيم لطبائعهم النكدة، وعقولهم المظلمة! وإلا فإن آذانهم مرهفة، وأبصارهم حديدة، ولكنهم لا يحصّلون بها خيرا، ولا يهتدون بها إلى سبيل الرشاد والهدى. ويثار هنا قول، هو: ما لهؤلاء الكافرين إذ لم يهتدوا إلى الإيمان وقد عطل الله مداخل الإيمان إلى كيانهم؟. وهذه مسألة كثر فيها الرأى، واختلف عليها العلماء، حتى صار المسلمون فيها فرقا، من سنية، ومعتزلة، وشيعة، وخوارج. والرأى فى هذا أن يفوض الأمر كله لله.. فالخلق خلقه، والناس عبيده، يقضى فيهم بحكمه كيف اقتضت إرادته.. كما فى قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ، فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ» (2: التغابن) وكما يروى فى الحديث الشريف: «عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- سئل عن معنى قوله تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ» (172: الأعراف) فقال عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، سئل عنها فقال: «إن الله عز وجل لمّا خلق آدم مسح على ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح على ظهره بشماله، فاستخرج منه ذريته، فقال: هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، فقام رجل فقال: يا رسول الله: ففيم العمل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل أهل الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت وهو على عمل أهل النار فيدخله به النار» .. هكذا قضى الله فى عباده، فريق فى الجنة، وفريق فى السعير.. ومن حكمة الله ولطفه بعباده أنه لم ينكشف

الآيات: (8 - 9 - 10) [سورة البقرة (2) : الآيات 8 إلى 10]

الأمر لأىّ من الفريقين، فلا أحد من أصحاب الجنة يعلم أنه من أصحاب الجنة، ولا أحد من أهل النار يعرف أنه من أهل النار، بل الجميع مدعوّون من عند الله إلى أن يعملوا على مرضاته، ليفوزوا بالجنة.. وهنا يبدو مجال العمل للجنة فسيحا يسع الناس جميعا، فيسعى كلّ سعيه، فمن كان من أهل الجنة عمل عمل أهل الجنة حتى يبلغها، ومن كان من أهل النار عمل عمل أهل النار حتى يدخلها «وكلّ ميسّر لما خلق له» .!! الآيات: (8- 9- 10) [سورة البقرة (2) : الآيات 8 الى 10] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (10) التفسير: هؤلاء هم الصنف الثالث من الناس، وهم المنافقون، الذين ليسوا بالمؤمنين ولا بالكافرين. والنفاق شر من الكفر الصّراح، لأن الكافر على بينة من أمره مع نفسه، وعلى حال يعرف الناس منها وجهه.. وليس الكافر بالميئوس منه أن يتحول فى أية لحظة من الكفر إلى الإيمان.. أما المنافق فأمره مختلط، وشأنه مضطرب، يدور حول نفسه التي تحمل الكفر والإيمان معا، فلا هو فى الكافرين، ولا فى المؤمنين.. ولهذا توعد الله سبحانه المنافقين بما لم يتوعد به الكافرين، من عذاب ونكال، حيث يقول سبحانه: «إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً» (145: النساء) .

وقد توعد الله سبحانه المنافقين هنا بالعذاب الأليم، فقال: «وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ» على حين توعد الكافرين فى الآية قبلها بالعذاب العظيم، فقال سبحانه: «وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» والأليم أشد هولا ونكالا من العظيم، فقد يكون العظيم عظيما فى شخصه وهيئته، وليس عظيما فى أفاعيله وسطوته.. أما الأليم فهو البالغ الغابة فى الإيلام، ولو ضؤل شخصه! «فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» . آفة الكافرين فى كفرهم موزعة بين أجهزة ثلاثة فى كيانهم، هى القلب، والسمع، والبصر.. فقلوبهم مغلقة عن الخير، وأسماعهم نابية عن الحق، وأبصارهم كليلة عن الهدى.. أما المنافقون فإن آفة نفاقهم فى القلوب وحدها، حيث قد سمعوا الحق ووعوه، وأبصروا الهدى واستيقنوه، ولكن حين ينفذ هذا كله إلى موطن الإيمان من قلوبهم، يصادف قلوبا مريضة، لا تقبل الحق والخير، وإن قبلتهما فإنها سرعان ما تلفظهما، كما يلفظ المحموم طيب الطعام. «فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً» يمكن أن تكون الفاء هنا للسببية، ويكون المعنى أن ما أرسل الله من هدى على يد النبىّ قد استقبلوه بتلك القلوب المريضة فهيج علّتها، وأيقظ نائم دائها. كما يمكن أن تكون «الفاء» للتفريغ، وتكون الجملة بعدها دعائية، والمعنى أن هؤلاء المنافقين- بما استبطنوا من نفاق لا يرجى شفاؤه- استحقوا أن يدعى عليهم بما يزيد مرض قلوبهم مرضا.

آية: (11) [سورة البقرة (2) : آية 11]

آية: (11) [سورة البقرة (2) : آية 11] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) التفسير: هكذا ينافق المنافق حتى مع نفسه، فيرى أنه على طريق الحق، على حين أنه غارق فى الضلال.. والله سبحانه وتعالى يقول: «أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً» . (8: فاطر) فلقد غلبت عليهم شقوتهم، ونظروا إلى أنفسهم فى مرايا النفاق، فرأوا أنهم أحسن الناس حالا، وأكملهم كمالا!! (آية 12) [سورة البقرة (2) : آية 12] أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12) . التفسير: إنهم هم المنافقون! لقد فضح الله باطنهم الخبيث، وما انطوى عليه من سوء، فدمغهم بهذا الحكم القاطع المؤكد أوثق التوكيد «بجملة أدوات» : ألا (الاستفتاحية) وإنّ (المؤكدة) وهم (ضمير الفصل) وال (المعرّفة للخبر بما يدل على قصر الفساد عليهم وحدهم) . آية (13) [سورة البقرة (2) : آية 13] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (13) .

التفسير: فى إسناد مقول القول «آمنوا» إلى المبنى للمجهول، ما يشعر بأن ضلالهم- قد أصبح من الانكشاف والوضوح بحيث أنطق كل موجود فى محيطهم، بدعوتهم إلى الاستقامة، والانتظام فى موكب «الناس» ، الذين صانوا إنسانيتهم عن هذا الانحراف السفيه، الذي يعيش فيه المنافقون. ولهذا جاء قول الله تعالى: «كَما آمَنَ النَّاسُ» ولم يجىء: «كما آمن المؤمنون» وفيه ما يدل على أن الإيمان أقرب شىء إلى الفطرة التي فطر الناس عليها، وأن من شأن الناس أن يستجيبوا لدعوة الإيمان، وأن من استجاب للرسول- صلوات الله وسلامه عليه- هم الناس، ولا اعتبار لغيرهم. وجاءت فاصلة الآية هنا: «لا يعلمون» على حين أنها جاءت فى الآية السابقة عليها: «لا يشعرون» وذلك لاختلاف المقام هنا وهناك. «هُمُ الْمُفْسِدُونَ.. وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ» «هُمُ السُّفَهاءُ.. وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ» الإفساد فى الأرض- مع أنه مما يجابه الحواس، ويقع فى محيط إحساسها- لا يشعر به أولئك المنافقون، لكثرة ما ألحقوا على هذه الحواس من خداع وتضليل، ولكثرة ما تعالوا معها بالتعمية والتمويه: «أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ» . والسّفه- مع أنه انحراف حاد عن طريق الحق والخير- لا يقع فى علم هؤلاء السفهاء، ولا يرون فيه ما يرى الراشدون من الناس من حماقة ومنقصة!: «أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ» .

الآيات (14 - 15 - 16) [سورة البقرة (2) : الآيات 14 إلى 16]

الآيات (14- 15- 16) [سورة البقرة (2) : الآيات 14 الى 16] وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (16) . التفسير: هذه حال المنافقين دائما.. يلقون الناس بوجهين، وجه يظهر الحب والمودة، ووجه يضمر السوء والشر.. إنهم مع أهوائهم الضالة، ونفوسهم المريضة، فحيث كان لهذه الأهواء منتجع، وكان لتلك النفوس مستراح- فهم هناك.. يتقلبون مع كل ريح، ويطعمون من كل مائدة! و «شياطينهم» هم رءوس النفاق فيهم، وأصحاب الأمر والتدبير عندهم. وفى قوله تعالى: «وَما كانُوا مُهْتَدِينَ» بعد قوله سبحانه «فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ» توكيد لخسرانهم وضلالهم، إذ قد لا يربح التاجر فى تجارته، ولكن ذلك لا ينقص من ميزانه الخلقي مثقال ذرة، إذ قد يكون عدم ربحه، أو خسارته، لأسباب لا يدله فيها. ولكن هؤلاء الذين اشتروا الضلالة بالهدى إنما هم مغبونون فى تلك الصفقة التي عقدوها، ولو جرّت عليهم كثيرا من حطام الدنيا، لأنهم خسروا أنفسهم، وذلك هو الخسران المبين، فهو خسران محقق، وغبن فاحش، يملأ النفس حسرة وندما. عند من وعى وعقل!

الآيتان: (17 - 18) [سورة البقرة (2) : الآيات 17 إلى 18]

الآيتان: (17- 18) [سورة البقرة (2) : الآيات 17 الى 18] مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18) . التفسير: أكثر المفسرين على أن الكاف فى «كمثلهم» زائدة، باعتبار أن كلمة «مثل» أداة للتشبيه، والكاف أداة للتشبيه، ولا تجتمع الأداتان على مشبّه به واحد، وعلى هذا تكون الصورة هكذا: «مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً» أو «مثلهم كالذى استوقد نارا» . وبلاغة القرآن أعظم وأسمى من أن تخضع لمقاييس النحو وتخريج النحاة! فليس فى كلمات الله ما يحتاج إلى علل النحاة، وو مما حكاتهم، ليستقيم على علمهم، ولينضبط مع قواعدهم- وحسب القرآن أن يقول قولا، أو ينهج أسلوبا، فيكون قوله الحق، وأسلوبه الفصل، ولا عليه أن تضطرب قواعد النحو، وتتبلبل عقول النحاة! والأمر هنا- فيما يتعلق بالكاف فى «كمثل» - يجرى على أسلوب القرآن كله، فى إعجازه، واستيلائه على أعنّة البلاغة وأزمّتها. فقوله تعالى: «مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً» هو تشبيه حال بحال، وشأن بشأن.. بمعنى أن شأن هؤلاء المنافقين وحالهم، كشأن أو حال من استوقد نارا. فهؤلاء المنافقون مثل، وذاك الذي استوقد نارا مثل.. وبين المثلين تشابه وتطابق، فصح أن يكون كل منهما طرفا فى تشبيه واحد، وكاف التشبيه أداته.. فكأنه قيل: هذا المثل كهذا المثل! وننظر فيما بين المثلين من وجه شبه، فنرى:

فى المشبه، وهم المنافقون.. كانوا فى زمرة الكافرين، ثم إنهم أعلنوا إيمانهم، واتخذوا هذا الإيمان جنّة يتقون بها يد المؤمنين، إذا هى علت على الكافرين، وأنزلتهم على حكمهم، وذريعة يتوصلون بها إلى ما قد يفىء الله على المؤمنين من خير! .. فكان أن فضح الله نفاقهم، وجاءت آياته تنزع عنهم هذا الثوب الذي ستروا به هذا النفاق، فأصبحوا عراة لا يستطيعون أن يظهروا فى الناس، إلا كما تظهر الحيات برءوسها من وراء أجحارها! وفى المشبه به، وهو هذا الذي استوقد نارا.. هذا الإنسان، كان فى ظلمة الليل، وفى لفح زمهريره القارس، فاستوقد نارا، كى يجد فيها الدفء والنور! ثم جاء هؤلاء المنافقون فيمن جاء إلى هذا الضوء، ليجدوا عنده الأمن، والدفء.. ولكنّ هؤلاء المنافقين، وإن اختلطوا بالمجتمعين على هذا الضوء، وحسبوا- فى ظاهر الأمر- على ما عليه القوم، فإن الله سبحانه حجز عنهم النور، وأخذ على أبصارهم، فلم يروا ما حولهم، ولم يعرفوا وجه الطريق الذي يسلكون، فركبتهم الحيرة، وقيدهم العمى والضلال..! ونقرأ الآية الكريمة: «مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً، فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ، وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ» ، فنجد لمحة من لمحات الإعجاز القرآنى، فى هذا التخالف بين أجزاء الصورة فى المشبه به، حيث كان الظاهر أن يقال: «ذهب الله بنوره وترك فى ظلمات لا يبصر» . ولكن هذا يفسد المعنى، حيث يقضى بهذا الحكم على موقد النار، فيذهب بنوره الذي رفعه لهداية الناس، وحيث يقع هذا الحكم على غير المنافقين، من طالبى الهدى عنده.

الآيتان (19 - 20) [سورة البقرة (2) : الآيات 19 إلى 20]

والصورة التي رسمتها الآية الكريمة- على ما جاءت عليه- تأخذ المنافقين وحدهم بجرمهم، فتحرمهم الإفادة من هذا النور الذي يملأ الوجود من حولهم.. ثم لا تحرم المهتدين ما أفادوا من هدى. ولقد جاء القرآن بمثل آخر لهؤلاء المنافقين فى الآيتين التاليتين: الآيتان (19- 20) [سورة البقرة (2) : الآيات 19 الى 20] أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) التفسير: الصيّب هو المطر. وقد شبّه به هدى السماء، الذي تلقاه الرسول من ربّه، ليحيى به موات القلوب، كما يحيى المطر جديب الأرض. وفى القرآن وعد ووعيد، وتكاليف وأعباء، كالعبادات، والجهاد فى سبيل الله، ومجاهدة النفس فى اجتناب المحرمات.. ثم هو مع هذا رحمة وشفاء! وفى الغيث الذي ينزل من السماء ظلمات من السحب المتراكمة، ورعد وبرق.. ثم هو مع هذا نعمة وحياة! كذلك كانت آيات القرآن حين تتنزل، تنخلع لها قلوب المنافقين، وتنفطر منها أفئدتهم، لما يتوقعون فيها من صواعق تدمدم عليهم، وتفضح

مكنون صدورهم، بما يبيتون ما لا يرضى من القول، وما لا يحمد من العمل.. فإذا تلقى الرسول وحيا من ربّه، وأعلنه فى أصحابه، اصطكت به أسماع المنافقين، ووجفت قلوبهم هلعا وفزعا! هذا هو حظهم من كتاب الله، وذلك مبلغ ما ينالهم من هذا الخير العظيم.. اضطراب، وذعر، وهمّ مقيم.. حذر الخزي والفضيحة! وذلك شأنهم تماما مع الغيث.. الناس، والحيوان، والنبات، وحتى الجماد.. يحيون بهذا الغيث، ويترقبون فى شوق ولهف مواقيت نزوله، دون أن يتأدّى إليهم خوف أو قلق، مما يصحبه من ظلام ورعود! لأنهم يعلمون ما وراء هذه الرعود والبروق من رى وحياة!! أما المنافقون، فشأنهم مع هذا الغيث كشأنهم مع كل خير.. يلتوون به، ويستقبلونه بنفوسهم المريضة، فلا يصيبهم منه إلا الشرّ، الذي يكمن فى كل خير تستقبله النفوس المريضة، وفى كل نعمة تقع فى يد السفهاء من الناس!. الرعود والصواعق، هى التي يستقبلها أولئك المنافقون من كل ما تحمل هذه الظاهرة الطبيعية، من خير ورحمة!. وفى قوله تعالى: «وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ» إشارة إلى دورة من دورات المنافقين، حيث انتهى بهم ترددهم بين الإيمان والكفر، إلى الكفر الغليظ.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا، ثُمَّ كَفَرُوا، ثُمَّ آمَنُوا، ثُمَّ كَفَرُوا، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً، لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا» (137: النساء) . فالمنافقون هم كفار، وأكثر من كفار.. كفار ومنافقون معا!. وفريق آخر من المنافقين ما يزال أمرهم مرددا بين النفاق والكفر-

الآيتان: (21 - 22) [سورة البقرة (2) : الآيات 21 إلى 22]

هؤلاء وإن ذهب الله بالنور الذي دخل عليهم من القرآن، حين خادعوا الله ورسوله- فإنهم لا يزالون على صلة بالإسلام والمسلمين، لم يتحولوا إلى الكفر تحولا صريحا، ولهذا فإن لمعات من ضوء الإسلام تطلع عليهم بين الحين والحين فتمسك بهم على طريق الإسلام وفى جماعة المسلمين، ثم تهجم عليهم ضلالاتهم، فتعمّى عليهم السبل، وتتقطع بينهم وبين الإسلام المسالك، فإذاهم فى حيرة واضطراب.. وهكذا تترد أحوالهم بين الإيمان والكفر، إلى أن يموتوا على هذا النفاق.. «يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ، وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا» . الآيتان: (21- 22) [سورة البقرة (2) : الآيات 21 الى 22] يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) التفسير: دعوة عامة شاملة إلى الناس، من ربّ الناس، بعد أن عرضهم هذا العرض الكاشف، من مؤمنين، وكافرين، منافقين.. فالطريق إلى الله مفتوح للناس جميعا، يسع برّهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، وبين يدي كل إنسان شواهد قائمة، وأعلام منصوبة على الطريق، تدعوه إلى الله، وإلى الإقرار بوحدانيته، إذا هو نظر فى هذا الوجود، نظرة بعيدة عن الهوى، خالصة من الضلال والزيغ.

آية (23) [سورة البقرة (2) : آية 23]

آية (23) [سورة البقرة (2) : آية 23] وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (23) التفسير: وهذا الكتاب الذي نزل على محمد، هو آية من آيات الله، وعلم من أعلامه الدالة عليه، وعلى قدرته ووحدانيته.. فمن قصرت بصيرته عن تناول الآيات الكونية، وعن فهم ما تحدّث به عن الله، وعن قدرته ووحدانيته، فهذا هو كتاب الله، ترجمان هذه الآيات، بلسان عربى مبين، يفهم عنه كل عربى ما يقول.. فليستمع إليه، وليأخذ بما يقول، وليؤمن به.. لأنه لا يقول إلا صدقا، ولا ينطق إلا حقّا وعدلا، إذ هو كلام ربّ العالمين.. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وليس الكشف عن صدق هذا الكتاب، وعن علوّ متنزله، بالأمر الذي يعجز عنه العربي، إذ هو ناطق بلسانه متحدث باللغة التي يعرف دقائق أسرارها، وروائع أساليبها.. وما عليه إلا أن يستمع إلى آيات من هذا الكتاب، ثم إلى ما يتخير من فنون الكلام عند قومه: من شعر، وخطابة، وأمثال، وسجع كهان.. ثم يزن كلا القولين، بأى ميزان من موازين القول عنده.. وفى غير عناء سيبدو له أنه يقابل الدر بالحصى، ويفاضل بين الجواهر والأصداف، وأن كلام الله هو كلام الله، وأن كلام الناس هو كلام الناس! فإن شكّ شاك فى هذا فليضع الأمر موضع الامتحان العملي.. فهذه كلمات الله، فى جلالها، وسموها، تقف فى الميدان، متحدية أرباب الفصاحة والبيان، بكل صور التحدي: أن يأتوا بسورة من مثل هذا القرآن، وأن يجمعوا إليهم كل

آية: (24) [سورة البقرة (2) : آية 24]

ما استطاعوا جمعه من قوى مادية ومعنوية، بشرية أو غير بشرية.. وهيهات أن يبلغوا من ذلك إلا العجز، والاستخزاء. آية: (24) [سورة البقرة (2) : آية 24] فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (24) التفسير: فإذا كشفت هذه التجربة عن العجز الفاضح، وظهر منها أن هذا الكلام هو كلام الله، وأن هذا الرسول هو رسول الله، لم يكن بد من تصديقه، وتصديق ما جاء به، من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والامتثال لما يأمر به، وينهى عنه، وإلا فهو العناد الآثم، والكبر الوقاح، المفضى بصاحبه إلى هذا المصير المشئوم: «النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ» . آية: (25) [سورة البقرة (2) : آية 25] وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (25) التفسير: وهذه الصورة الكريمة التي تعرضها الآية للمؤمنين، وما يلقون من كرامة ونعيم، فى مواجهه الصورة الكئيبة التي تعرض فيها الآيات السابقة

جهنم وما يلقى الكافرون من أهوالها- هى دعوة أخرى إلى الإيمان بالله، وإغراء بهذا النعيم، وتحذير من جهنم، وما يلقى أهلها من عذاب ونكال. وفى قوله تعالى: «كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً» تبيان لطيب ثمر الجنة، وأنه على درجة واحدة من طيب الطعم وحسن المنظر، وأنه فى اختلاف أصنافه وألوانه، هو واحد فيما يجد الطاعم له من لذة ومتعة ونعيم! وهذا شأن آيات الله فى كمالها، وجلالها، وتشابهها فى الكمال والجلال وبهذا وصف الله- سبحانه- القرآن الكريم بقوله: «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً» . ولعل سائلا يسأل: ألا تملّ النفس هذا المستوي الواحد من الطعوم التي تكاد تكون لونا واحدا من ألوان الطعام؟ أفلا كان من تمام النعيم أن تتجدد طعومه، وتختلف مذاقاته، فيكون نعيما فوق نعيم، تتضاعف به اللذة، وتتجدد فيه الرغبة؟ ونقول: إن نعيم الجنة لا يقاس بنعيم الدنيا، وأحوال أهل الجنة لا تقابل بأحوال أهل الدنيا، فهم إنما ينعمون نعيما كاملا لا نقص فيه، ولا يقبل مزيدا عليه.. نعيما متصلا لا ينقطع أبدا.. فكل ما ينالون من ثمار الجنة يحقق لهم هذا النعيم الذي ليس فوقه نعيم، دون سأم أو ملل، لأن النفس إنما تسأم الشيء الذي يلحّ عليها، بعد أن تتشبع به، وتستوفى حظها منه، فتزهد فيه، لأنه إن أرضاها فى حال، فلن يرضيها فى جميع الأحوال.. وليس كذلك نعيم الجنة، الذي يرضى أهله إرضاء كاملا متصلا. هذا، مع أن نجعل فى تقديرنا، تلك الفروق الشاسعة بين أحوال الآخرة وأحوال الدنيا، وبين إنسان الجنة الخالد، وإنسان الدنيا الزائل. هذا، وللآية الكريمة وجه آخر يمكن أن تفهم عليه، وهو أن ما يتلقاه

الآيات: (26 - 27 - 28) [سورة البقرة (2) : الآيات 26 إلى 27]

أهل الجنة من ثمارها ليس هو كل طعام أهل الجنة، فهنالك ألوان من النعيم لا عدد لها ولا حصر، والثمار لون واحد من ألوان النعيم، وهى وإن جاءت إليهم متشابهة فى صورها، حتى ليحسب اللاحق منها أنه من صنف السابق- فإنها عند الطعم والمذاق تكشف عن أنها من جنس غير جنس ما سبقها، وفى هذا ما فيه من لذة المفاجأة، وإثارة الواقع غير المتوقع! الآيات: (26- 27- 28) [سورة البقرة (2) : الآيات 26 الى 27] إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (27) التفسير: الكائنات كلها- صغيرها وكبيرها- صنعة الله، خلقها بحكمته، وأبدعها بقدرته.. فهى فى معرض ملكه سواء فى الإعلان عن تلك الحكمة وهذه القدرة، ففى كل ذرة من ذرات هذا الكون العظيم آية تحدّث عن جلال الله وعظمته! فلله- سبحانه- أن يضرب المثل بأيّ من مخلوقاته، وأن يقيم منه شاهدا لما يريد.. فأما الذين آمنوا، فيجدون فى هذا المثل هدى إلى هدى، ونورا إلى نور، وأما الذين كفروا فلا تزيدهم الأمثال الكاشفة إلا ضلالا إلى ضلال، وإلا عمى إلى عمى.

وفى قوله تعالى: «وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ» نظرتان: النظرة الأولى: إلى العدول عن الكافرين، والتعبير عنهم بالفاسقين، إذ سياق الكلام يقضى بأن يكون الإضلال للكافرين الذين وقفوا من المثل هذا الموقف اللئيم، فقالوا فى استهزاء واستنكار: «ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا؟» فكان المتوقع أن يكون الجواب هكذا: «يضلّ به كثيرا، ويهدى به كثيرا وما يضلّ به إلّا الكافرين» .. ولكن لكلام الله حساب غير هذا الحساب، وتقدير فوق هذا التقدير، فجاءت فاصلة الآية هكذا: «وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ» . والفسق معناه فى اللغة: الخروج، يقال: فسق، وفسق أي خرج عن طريق الهدى والصلاح، وانفسق الرّطب عن قشره: أي خرج. والكافر فاسق، لأنه خرج عن طريق الهدى والإيمان، وركب طريق الضّلال والكفر، خرج عن فطرته التي فطره الله عليها، ونقض الميثاق الذي واثقه الله عليه، فى قوله سبحانه: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا» (172 الأعراف) والنظر الثانية: إلى قوله تعالى: «يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً.. الآية» فهى جواب عن سؤال أولئك الذين فى قلوبهم مرض، الذين استخفّوا بالأمثال التي يضربها الله، ويتخذ مادتها من مخلوقات ضئيلة من خلقه.. فيقولون فى عجب واستنكار: ماذا أراد الله بهذا مثلا؟ فكان جواب الحق جلّ وعلا: «يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً، وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً، وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ» ! والنظرة هنا إلى نسبة الإضلال إلى الله سبحانه وتعالى، بضرب

مثل هذا المثل.. فكيف يفتح الله لعباده بابا إلى الضلال، ويسوقهم إليه. ثم يحاسبهم عن هذا الضلال، ويأخذهم بالعذاب الأليم؟. والجواب على هذا، قد كثر حوله الخلاف، وتعددت فيه المذاهب.. هل الإنسان حرّ مختار فيما يأتى من خير وشر، فيكون حسابه جزاءا وفاقا لما عمل بحريته واختياره، أم هو مجبر مضطر، مسوق إلى قدره المقدور، فيكون عمله غير محسوب عليه، ويكون حسابه على ما عمل، ظلم له، وعدوان عليه؟ أم أن الإنسان مزيج من الجبر والاختيار، له إرادة، وله قدرة على فعل ما يريد، ولكنّ إرادته وقدرته مرتبطتان بإرادة فوق إرادته وبقدرة فوق قدرته؟ فهو يريد، ولكن وفق ما تريد تلك الإرادة العليا، ويفعل، ولكن داخل فعل تلك القدرة المهيمنة على قدرته.. فالإنسان فى هذا التصور أشبه بترس فى آلة (مكانيكية) .. يتحرك بحركة تلك الآلة، ويسكن بسكونها. فهو متحرك، وغير متحرك معا!. والرأى- عندنا- أن الإنسان صنعة الله، ولله سبحانه أن يضعه حيث يشاء، ليأخذ مكانه واتجاهه فى هذا الوجود. ومع هذا فإن الإنسان- بما أودع الله فيه من عقل- مطالب بأن يستعمل هذا العقل وما فيه من قوى، فى وزن الأمور وتقديرها.. فيتقدم أو يتأخر، ويقدم أو يحجم ويؤمن أو يكفر، ويهتدى أو يضل.. وهو فى كل هذا سائر فى الطريق المرسوم له، والذي هو مستور فى الغيب عنه، إلى أن يستوى عليه، وذلك هو قدره المقدور، يرى وكأنه من صنعة يده، وهو فى الحقيقة صنعة يد فوق يده.. يد القدرة القادرة الباهرة: «بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً» (31: الرعد)

آية (29) [سورة البقرة (2) : آية 28]

«كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ» (31: المدثر) .. «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ» (2: التغابن) «1» . آية (29) [سورة البقرة (2) : آية 28] كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) . التفسير: وهذه مواجهة فاضحة مخزية، لأولئك الذين لجّ بهم العناد والضلال، فاستحبّوا العمى على الهدى، وجعلوا لله أندادا، يعبدونهم من دونه.. وهذا أمر لا يقيم عليه إلا سفيه، ولا يرضى به إلا سقيم القلب، أعمى البصر والبصيرة. فالله وحده هو الذي خلق الإنسان من الموات، ثم سوّاه بشرا سويا، ثم يردّه إلى الموات، ثم يعيده مرة أخرى إلى الحياة.. للحساب والجزاء.. فكيف يكون لإنسان أن يتنكر لخالقه، ويعدل وجهه عنه إلى عبادة المخلوقين.. من جماد وغير جماد؟ ذلك ضلال بعيد، وخسران مبين! آية (30) [سورة البقرة (2) : آية 29] هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) .

_ (1) انظر فى هذا كتابنا «القضاء والقدر» ففيه دراسة مستفيضة لهذه القضية.

التفسير: ومن ألطاف الخالق العظيم ورحمته بالناس، أن أقام الإنسان على هذه الأرض، ومكّن له من أسباب الحياة فيها، والسيادة، عليها فجعل يده مبسوطة على كل شىء شىء فيها، بما وهبه الله من قوة عاقلة، انفرد بها من بين ما على الأرض من مخلوقات.. وذلك من شأنه ألّا يجعل سبيلا لعاقل أن يعطى ولاءه لغير الله رب العالمين. وقد يفهم من قوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ» بعد قوله سبحانه: «هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» - قد يفهم من هذا أن خلق السموات، جاء تاليا لخلق الأرض. ولكن، مع قليل من النظر، يتضح أن ذلك كان بعد خلق السموات والأرض.. فالأرض كانت مخلوقة، ثم خلق الله بعد ذلك، ما فيها من مخلوقات.. وكذلك السماء، كانت قائمة، فجعلها الله سبحانه سبع سموات. وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة، فى قوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ» (11: فصلت) . وهذا لا يصادم ما يقول به العلم الحديث، من أن الأرض وليدة انفجار فى الشمس، تسبب عنه انفصال أجرام منها، وكانت الأرض واحدة من تلك الأجرام! فعوالم السماء مخلوقة قبل الأرض، والأرض مولود من مواليدها! وأمر آخر نحب أن نشير إليه هنا، وهو أن ما جاء فى القرآن الكريم عن خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام، لا مدخل له فى تكييف قدرة الله سبحانه وتعالى، وأن ذلك الخلق قد احتاج إلى عمل هذه القدرة ستة أيام، فذلك تحديد لقدرة الله، التي لا يحدّها شىء، ولا يعلق بها قيد من قيود الزمان والمكان «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (82: يس) .

آية (30) [سورة البقرة (2) : آية 30]

وأما الأيام الستة التي ذكرها القرآن الكريم فى أكثر من موضع زمنا لخلق السموات والأرض، فهى الوعاء الزمنى الذي استكملت فيه السموات والأرض تمام خلقهما، شأنهما فى ذلك شأن كل مخلوق.. من حيوان أو نبات أو جماد.. الإنسان «حَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً» وبعض الحيوانات يتخلق فى ساعة أو ما دون الساعة، وبعضها يتخلق فى عام أو أكثر من عام، والحبة تكون نبتة فى كذا، وشجرة فى كذا من الزمن، وهكذا.. فقوله تعالى: «خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ» يشير إلى أن الوعاء الزمنى الذي تم فيه خلق السموات والأرض هو ستة أيام، فقد تخلّفا فى هذه الأيام الستة كما تتخلق الكائنات، وتستكمل وجودها، فى زمن مقدور لها، تعيش فيه، متنقلة من طور إلى طور، ومن حال إلى حال، حتى تأخذ الوضع الذي تبلغ به تمامها. آية (30) [سورة البقرة (2) : آية 30] وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (30) التفسير: حين أصبحت الأرض صالحة لاستقبال الكائن البشرى، أعلن الله تعالى فى الملأ الأعلى هذا الخبر، وآذن الملائكة بأن كائنا بشريا سوف يظهر فى الكوكب الأرضى، وسيتولى قيادة هذا الكوكب، ويكون خليفة الله فيه! والآية صريحة فى أن هذا الكائن البشرى أرضىّ المولد، والنشأة، والموطن، وأنه من طينة الأرض نشأ، وفى الأرض يتقلب، وفى شئونها

الآيات (31 - 33) [سورة البقرة (2) : الآيات 31 إلى 33]

يتصرف.. «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» .. هكذا من أول الأمر.. فلم يكن آدم ابن السماء فلما عصى ربه طرد منها ليكون خليفة الله على الأرض ولو كان ذلك كذلك لما كان للملائكة أن ينفسوا على آدم هذه الخلافة، التي تبدو فى هذا التصور عقوبة وتجريما، أكثر منها حباء وتكريما. ولكن آدم- وهو ابن الماء والطين- لا يتوقع منه إلا أن ينضح بما فى الماء والطين، وبما يتخلّق من الماء والطين، من طبائع بهيمية، تغرى بالعدوان والفساد.. وهذا ما جعل الملائكة يقولون هذا القول بين يدى الله، فى آدم وما يتوقع منه، فما هو إلا إنسان فى مسلاخ حيوان ذى مخالب وأنياب! وذلك قبل أن يكشف الله لهم عن ملكات أخرى لهذا الكائن الترابي، لا يملكها الملائكة، فى عالمهم العلوي، عالم النور والصفاء! وتلك آيات بينات، تشهد لقدرة الخالق العظيم. الآيات (31- 33) [سورة البقرة (2) : الآيات 31 الى 33] وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (31) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) التفسير: وهذا الامتحان الذي يعقد فى الملأ الأعلى، يكشف عن الاستعداد الفطري لتفوق آدم على الملائكة فى العلم الذاتي، الذي يكتسبه بالنظر والملاحظة والتجربة، وبالمعاناة والمجاهدة، الأمر الذي ليس من طبيعة الملائكة أن تعالجه وتعانيه.

ففى آدم- بما أودع الله فيه من قوى- قدرة على الترقي والاستزادة من المعارف، بتوجيه ملكاته إلى النظر فى هذا الوجود، وملاحظة الأسباب والمسببات، وربط العلل بالمعلولات، وبهذا يتنقل الإنسان من طور الطفولة إلى الصّبا والشباب والاكتهال والشيخوخة، وفى كل طور يحمل معارف جديدة إلى الطور الذي يليه، تعينه على اكتساب معارف أخرى، ينتقل بها إلى طور آخر، وهكذا.. ثم هذا التطور الخلّاق الذي يقع فى حياة الإنسان الواحد، يقع فى الجنس البشرى كله، حيث يتلقى كل جيل من الجيل الذي قبله جميع معارفه، وتجاربه، ويضيف إليها معارف جديدة وتجارب جديدة، يتركها ميراثا للجيل الذي بعده.. وهكذا. أما الملائكة.. فهم على حال واحدة، لا يطرأ عليها تحول ولا تبدل.. فليس لهم طفولة وصبا وشباب وشيخوخة، كما أنه ليس لهم مع الزمن زيادة فى علم أو معرفة عن طريق الكسب الذاتي، وإنما يجىء علمهم ومعرفتهم بما يتلقونه من الله تلقيا مباشرا: «لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا» .. وبهذا اختلف الناس، فكان كلّ إنسان عالما وحده، له وجوده الذاتي، وله تفكيره، وإرادته، ومنزعه.. فكان فيهم المؤمن والكافر، والمهتدى والضال، والعالم والجاهل.. أما الملائكة فهم نمط واحد، من الصفاء، والبهاء، والطاعة المطلقة، المستسلمة، التي لا تنزع عن إرادة، ولا ترجع إلى نظر وتقدير. «لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ، وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ» !. وعلى هذا، فالملائكة- وإن شرفوا قدرا، وعلوا منزلة- ليسوا أهلا للخلافة على هذا الكوكب الأرضى.. لأن منصب الخليفة يقتضى استقلالا فى تصريف الشئون فيما هو خليفة فيه، ومتسلط عليه، كما يقتضى

تفكيرا وتقديرا للأمور، ثم إرادة تمضى ما انعقد عليه الرأى. شأنه فى هذا شأن الوكيل، الذي يتولّى عن الأصيل التصرف فيما وكّل فيه، دون الرجوع إلى موكّله. والإنسان، بما له من عقل، وإرادة، هو المستأهل لهذه الخلافة على الأرض، يتولاها عن الله، ويتولّى ضبط أمورها وسياسة شئونها. «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها» . اختلف فى هذه الأسماء التي علمها الله سبحانه آدم- أعنى الإنسان- والرأى فى هذا، أن الله سبحانه أودع فى الإنسان القدرة على البحث والنظر فى الكشف عن خصائص الأشياء، وعللها، وأسبابها، والوقوف على أسرارها المودعة فيها، وحلّها وتركيبها.. وبهذه القدرة عرف حقائق كثير من الأشياء، وهو جادّ أبدا فى الكشف عن المزيد منها، يوما بعد يوم، وجيلا بعد جيل، وعصرا إثر عصر! وكلما عرف حقيقة وضع لها اسما تعرف به. فالمراد بالأسماء هنا هو مسميات تلك الأسماء، والمراد بالمسميات، خصائص هذه المسميات، وحقائقها. والأسماء كلها، لا يراد بها أسماء جميع الموجودات فى هذا الوجود، إذ أن آدم لا يمكن أن يحيط علمه بكل موجود، ظاهر أو خفى، قريب أو بعيد.. وإنما المراد- والله أعلم- المسميات التي تكشفت حقائقها لآدم وذريته، واهتدوا إلى التعرف عليها، وتحديد موقفهم منها، إيجابا أو سلبا.. ففى دائرة هذه المعرفة كان امتحان الملائكة، وكان عجزهم، وكان إعلام آدم إياهم بما عجزوا عن معرفته! فكان ذلك أبلغ ردّ على اعتراض الملائكة، وجلاء الموقف الذي وقفوه من آدم.

فالمراد بآدم هنا هو الإنسانية كلها، وكان امتحان الملائكة فيما عرف أبناء آدم من أسرار هذا الوجود. «ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» . أي عرض الله مسميات هذه الأسماء، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ» . فالمعروض لنظر الملائكة ذوات مشخصة، يراد من الملائكة أن يضعوا لها أسماء، تدلّ عليها، وتكشف عن حقيقة كل واحد منها. والأشياء المعروضة هنا عاقلة، أو فى حكم العاقلة، لأنها من صنعة العقلاء حيث خوطبت خطاب العقلاء، وحيث أشار إليها سبحانه وتعالى بقوله: «عرضهم» .. «هؤلاء» . ذلك هو الوجه الأقرب لملفوظ الآية، وليكن فى تقديرنا أن الزمن الذي احتوى هذا الحدث ليس ابن لحظة أو ساعة، فقد يمتد إلى مئات السنين وآلافها.. فإذا آذن الله الملائكة بأنه جاعل فى الأرض خليفة، فقد تمضى مئات السنين وآلافها قبل أن يظهر هذا الخليفة.. ثم إذا ظهر فقد تمضى مئات السنين وآلافها قبل أن يتحدث الملائكة إلى الله بهذا الحديث عن آدم: «أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ» وذلك بعد أن عاش الإنسان على هذه الأرض، وأحدث ما أحدث فيها من خير وشر! وآدم الذي واجه الملائكة، قد لا يكون أول السلالة الإنسانية، بل لعله فى حلقة متأخرة شيئا ما عن الحلقة الأولى لهذه السلالة. إن لآدم- فى نظرنا- مفهوما غير هذا المفهوم الذي تحدث عنه روايات

آية (34) [سورة البقرة (2) : آية 34]

المفسرين التي تعتمد فى هذا على الإسرائيليات، وعلى ما بقي من أساطير الأقدمين من قصة «الخلق» ومكان آدم فيها. وسنعرض لهذا بعد قليل. آية (34) [سورة البقرة (2) : آية 34] وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (34) التفسير: أما وقد نجح آدم فى هذا الامتحان، وأظهر من العلم ما قصر علم الملائكة عنه، فقد استحق أن يكرم، وأن يكون هذا التكريم من الملائكة أنفسهم، لأنهم هم الذين أنكروا عليه تلك «الخلافة» التي جعلها الله له، ليكون ذلك بمثابة ردّ اعتبار لآدم عند من نقصوه، وثمنا يقتضيه منهم لقاء انتقاصهم له!! وقد تلقى الملائكة أمر الله بالقبول والرضا، فسجدوا لآدم سجود تعظيم وتكريم، لا سجود عبادة وتأليه، فلا عبادة إلا لله، ولا مألوه غير الله! [الجن.. إبليس.. الشيطان] سجد الملائكة كلهم أجمعون.. إلا إبليس! ومن إبليس هذا؟ ورد فى القرآن الكريم وفى أكثر من موضع ذكر إبليس، والشيطان، والجن، على أنها قوى خفية، تتحرك فى المجال الإنسانى، وتراه دون أن يراها. وإبليس والشيطان، يذكران دائما فى معرض التحذير منهما، والتخويف

من إغرائهما وإغوائهما، إذ كان من شأنهما العداوة للإنسان، والنقمة عليه. ويذكر «إبليس» وحده فى مقام دعوة الملائكة للسجود لآدم وامتناعه هو عن السجود، استكبارا لذاته، وعلوا على آدم الذي خلق من طين، على حين أنه خلق من نار. وفى هذا يقول الله تعالى فى الآية السابقة: «وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ، أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ» . ويقول سبحانه فى سورة الأعراف: «ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ» (11: الأعراف) . ويقول سبحانه فى سورة الإسراء: «وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قالَ: أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً» . (61: الإسراء) ويقول جل شأنه فى سورة الكهف: «وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ» (50: الكهف) . ويقول فى سورة طه: «وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى» (116: طه) وفى سورة ص: «فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ» (73- 74 ص) ويلاحظ أنه لم يذكر فى هذا الموقف «الشيطان» أو «الجن» .. وهذا ما يشعر بأن «إبليس» على صفة خاصة، غير صفة الشيطان، والجن، وإلا لما

التزم القرآن ذكر إبليس فى هذه الصور المتعددة لموقف واحد، الأمر الذي لا يلتزمه القرآن إلا حيث لم يكن من التزامه بد. وننظر من جهة أخرى فنجد القرآن الكريم يتحدث عن «إبليس» بأنه كان من الجنّ ففسق عن أمر ربه.. كما جاء ذلك فى الآية الواردة فى سورة الكهف.. فإبليس- على هذا- من عالم الجن، وأنه وحده الذي خرج عن أمر ربه، وأعلن هذا العصيان الوقاح!. ويتحدث القرآن فى ثمانية وستين موضعا عن الشيطان، بلفظ المفرد «الشيطان» وفى أحد عشر موضعا بلفظ الجمع: «الشياطين» . وفى جميع هذه المواضع يجىء الحديث عن الشيطان أو الشياطين فى مقام التحذير من الضلال والغواية للإنسان من كيد الشيطان.. «إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً» (53: الإسراء) . «إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا» (6: فاطر) وهذه العداوة التي بين الشيطان وآدم، وذرية آدم، هى امتداد لتلك العداوة التي حملها إبليس لآدم، حين امتنع عن السجود له مع الملائكة، كما أمره الله، وكان ذلك سببا فى أن لعنه الله وطرده من الجنة. وفى هذا يقول الله تعالى: «يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ» (27: الأعراف) ، ويقول سبحانه عن الشيطان وهو يوسوس لآدم ويغريه بالخروج عن أمر ربه: «فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى» . (120: طه) ويقول سبحانه:

«فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ» . (20، 21: الأعراف) وهنا يبدو الشيطان وإبليس وكأنهما اسمان لذات واحدة، فما عرف إبليس إلا بهذا الوجه المنكر الملعون، وما عرض الشيطان إلا فى هذه الصورة الكريهة المخيفة.. ومن جهة أخرى فقد كان إبليس من عالم الجن، ففسق عن أمر ربه.. «فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ» (5: الكهف) ومن جهة ثالثة تحدّث آيات القرآن عن إبليس وكأنه من عالم الملائكة، حيث توجّه الأمر للملائكة بالسجود، فامتثلوا جميعا أمر ربّهم إلا إبليس.. فهو استثناء متصل.. «فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ، أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ» (31: الحجر) «وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ» (5: الكهف) وعلى هذا نستطيع أن نقول: أولا: إن إبليس كان من الملائكة.. ثانيا: أنه كان فى درجة دنيا، فى هذا العالم الروحي، هى درجة الجنّ الذين وإن أشبهوا عالم الملائكة فى أنهم خلقوا من شعلة مقدسة، إلا أن الملائكة كانوا من نور هذه الشعلة، على حين كان الجن من نارها، كما يقول تعالى: «وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ» . ولهذا كان الملائكة صفاء خالصا، بينما كان الجن صفاء مشوبا بكدر..

الآيات: (35 - 39) [سورة البقرة (2) : الآيات 35 إلى 39]

نارا مختلطة بدخان!، ولهذا أيضا كان الجن فيهم الخير والشر، وكان منهم الأخيار والأشرار، كما يقول الله تعالى على لسانهم: «وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ «1» فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً» (14، 15 الجن) . ثالثا: لم يظل «إبليس» فى جماعة الجنّ، بل أخرجه الله من بينهم، حين أبى أن يسجد لآدم مع الساجدين، فلعنه الله، وطرده، وجعل له اسم «إبليس» سمة يعرف بها، فى هذا الموقف الذي حلّت عليه فيه اللعنة والإبلاس. رابعا: بدأ إبليس منذ اللعنة التي حلّت به يتحول خلقا آخر، فإذا هو «شيطان» مريد، وشيطان رجيم، وإذا هو قوة شر منطلقة، يتطاير منها شرر، يصيب من يتعامل معه، ويتبع خطاه، وتلك الشرارات المنطلقة منه هى ذريته التي يتحدث عنها القرآن فى قوله تعالى: «أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي، وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ؟» .. وهى شياطين أخرى، تنطلق منها شرارات شيطانية.. وهكذا. فإبليس كان من عالم الجنّ، ثم نزل إلى «إبليس» ثم تحول من إبليس إلى شيطان..! الآيات: (35- 39) [سورة البقرة (2) : الآيات 35 الى 39] وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (39)

_ (1) القاسطون: أي الظالمون.

[آدم وجنته]

[آدم وجنته] أشرنا فيما سبق، إلى أن آدم أرضى المولد، والنشأة، والموطن، وأنه من طينة الأرض نشأ، وفى الأرض يتقلب، وفى شئونها يتصرف، وفى هذا يقول الله تعالى: «مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى» (55: طه) ونريد هنا أن نقف قليلا مع قصة الخلق- خلق آدم- كما تحدث عنها القرآن، لا على ما جاءت به التفاسير من إسرائيليات وأساطير عن خلق آدم، فألقت بذلك ظلالا على آيات الله، وأخرجت منها مفهوما لخلق آدم، يبعد كثيرا عمّا صرح به منطوق الآيات ومفهومها، ويصادم أيضا بعض حقائق العلم الحديث فيما كشف عنه علم الحياة وأصل الأنواع، بل ويصادر العقل الإسلامى الذي يفهم القرآن على ضوء هذه التفاسير، فلا يجد له سبيلا إلى النظر والبحث عن أصل الإنسان، ومكانه فى سلسلة التطور. والحق أن القرآن الكريم يعرض قصة خلق آدم عرضا محكما، يقف أمامه العلم- فى جميع مستوياته- خاشعا مستسلما، ويستقبله العقل- فى مختلف أطواره- راضيا مسلّما، لا يستطيع أن يجد فيه ثغرة للطعن، أو النقض.

ومع أن القرآن ليس كتاب علم، وليس من همّه أن يقرر حقائق علمية، فإنه فى قضية خلق آدم، قد أمسك بها من أطرافها، وجاء بها على الوضع الذي يلتقى مع الحقائق العلمية فى أصدق وجوهها وأضوئها. فمن شاء أن يلقى القرآن هنا بكل ما تكشف من العلم، وما ثبت من حقائقه فى قضية الخلق، فليأت بما معه، وليدل بحجته بين يدى كتاب الله، كمن يحمل الماء إلى البحر، أو يرسل الضوء إلى الشمس. استمع إلى ما يحدث به القرآن عن خلق الإنسان: 1- يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ» (105: الحج) . 2- «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ» . (26: الحجر) 3- «خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ» (14: الرحمن) 4- «إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ» (71: ص) 5- «إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ» (11: الصافات) 6- «الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ» (7: السجدة) 7- «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ» (12: المؤمنون) 8- «ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً» (13- 14 نوح)

9- «وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً» (17: نوح) فالطين كما تصرح به الآيات هنا، هو الأصل الذي خلق منه الإنسان، وأن هذا الطين قد تقلب فى أطوار عديدة، حتى ظهر منه هذا الإنسان.. فهناك: التراب، وهناك الطين، والطين اللازب، ثم الصلصال، ثم الحمأ المسنون.. فالتراب هو المادة الأولى فى خلق الإنسان، ثم يلبس التراب طورا آخر، هو الطين، ويتتقل الطين إلى طور جديد هو الصلصال، ثم الصلصال إلى حمأ مسنون.. وهكذا يتنقل التراب فى أطوار حتى يكون إنسانا. والحمأ المسنون، هو الطين بعد أن يتخمر ويتعفّن، وبين طور الطين والحمأ المسنون طور آخر هو الصلصال، الذي يتحول فيه الطين إلى مادة من الزبد تشبه الفخّار. وبلغة العلم: يكون التراب فالطين، فالصلصال، فالحمأ المسنون، أربعة أطوار تتنقل فيها بذرة الحياة، وإن هذا التخمر والتعفّن الذي أصاب الطين فجعله (الحمأ المسنون) لهو بشائر الحياة، إذ هو «البكتريا» التي تولدت منها خمائر الحياة، وظهرت منها جرثومتها الأولى. «ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً» . (13- 14 نوح) ومقررات العلم الحديث تقول: إن الحياة ظهرت على هذه الأرض أول ما ظهرت، على شواطىء البحار، حين يتكون الطين، فالزبد، فالحمأ المسنون، فالطحالب، فالنبات، فالحيوان، فالإنسان.. هكذا يقرر العلم الحديث فى نشوء الحياة وتطورها، وهو- أي العلم- يرى أن هذه الأطوار قد سارت عبر ملايين السنين حتى أثمرت شجرتها الأولى أكمل وأكرم ثمرة.. هى الإنسان.

والقرآن الكريم، وإن لم يتعرض لهذه الشجرة التي كانت منها أصول الحياة وفروعها، والتي كان الإنسان- فيما نرى- فروعا من فروعها وثمرة من ثمارها- لم يجىء بما ينفى هذه الصلة، وتلك القرابة، التي بين الإنسان وبين عوالم الأحياء.. بل إنه- على عكس هذا- قد أشار فى أكثر من موضع إلى ما يمكن أن يستقيم منه فهم واضح لتلك الصلة الوثيقة، بين الإنسان وعالم الحياة كله. ففى قوله تعالى «وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ» (45: النور) وقوله سبحانه: «وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ» (30: الأنبياء) دلالة قوية على أن الأحياء كلها- ومنها الإنسان- مخلّقة من مادة واحدة.. هى الماء.. والماء هو المادة التي يتكون منها الطين، إذ لا وجود للطين إلا مع الماء، وبالماء. وقد نجد عند بعض المفسرين لمحات ذكية، تشير إلى شىء من هذا الذي أصبح من مقررات العلم الحديث. «فالبيضاوى» يقول فى تفسيره لقوله تعالى: «مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ» : أي من طين تغير واسودّ من طول مجاورة الماء. «1» فالقول بانتماء الإنسان فى أصل نشأته إلى شجرة الحياة العامة النابتة فى الأرض، من الأرض، لا يعارض نصا من نصوص القرآن، بل إنه ليلتقى معها فى يسر ووضوح.. فإذا كان الإنسان- آدم- خلق من طين، فالأحياء كلها- نباتا وحيوانا- مخلوقة من طين! فالإنسان إذن هو ابن هذه الأرض: «مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى» (55: طه)

_ (1) تفسير البيضاوي «سورة الحجر» .

وأكثر من هذا، يحدّث القرآن فى صراحة، أن الإنسان- أي أصله- نبتة من نبات الأرض: «وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً» (17: نوح) ولو كان الإنسان من طينة غير طينة هذه الأرض، لما كان له سبيل إلى الحياة على هذه الأرض والقرار فيها، والانتفاع بموجوداتها، من جماد، ونبات، وحيوان! وليس ذلك بالذي يزرى بالإنسان، أو يحط من قدره، فمن هذا الطين تتخلق أكرم الجواهر، وأنفس المعادن.. من لؤلؤ ومرجان، وذهب، وفضة، وغيرها.. والإنسان هو الذي يضع نفسه حيث يشاء.. إن شاء كان جوهرا كريما، وإن أراد كان طينا لازبا أو حمأ مسنونا أو حجرا صلدا، والله سبحانه وتعالى يقول: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ..» وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «الناس معادن، خيارهم فى الجاهلية، حيارهم فى الإسلام» .. ففى هذه الكلمة النبوية الجامعة، ما يشير إلى مدلول الآيات القرآنية، التي تتحدث عن خلق آدم، والمادة التي خلق منها، على الوجه الذي قهمناها عليه! يقول الفيلسوف المسلم محمد إقبال فى معرض حديثه عن قصة آدم، كما جاءت فى القرآن الكريم، وفى التوراة.. يقول: «وهكذا نرى أن قصة هبوط آدم كما جاءت فى القرآن لاصلة بها بظهور الإنسان الأول على هذا الكوكب، وإنما أريد بها- بالأخرى- بيان ارتقاء الإنسان، من بدائية الشهوة الغريزية، إلى الشعور بأن له نفسا حرة قادرة على الشك والعصيان» .

«وليس يعنى الهبوط «1» ، أىّ فساد أخلاقى، بل هو انتقال الإنسان من الشعور البسيط إلى ظهور أول بارقة من بوارق الشعور بالنفس، هو نوع من اليقظة فى حلم الطبيعة، أحدثتها خفقة من الشعور بأن للإنسان صلة علّيّة شخصية بوجوده» «2» . وهذا الفهم الذي فهمه «إقبال» لآيات القرآن الكريم فى خلق آدم، هو- كما ترى- أقرب فهم إلى منطوق كلمات القرآن، ودلالتها اللغوية، كما أن هذا الفهم الذي يقف بآيات القرآن عند هذه الحدود، يحمى ينابيع القرآن الصافية، من هذا الغثاء الذي يلقى به فى ساحتها، من تلقيات الأوهام والخرافات التي تتناقلها أجيال الناس، وتلونها بألوان وأصباغ، تكاد تغطى سماء آيات الكتاب الكريم، وتحجب أضواءها. ثم إنه بمثل هذا الفهم الملتزم لحدود المعنى اللغوي لآيات الكتاب الكريم يظل الطريق مفتوحا بين آيات الكتاب وأنظار الناظرين فيها، كلما جدّ للناس فهم فى الحياة، وكلما انكشف لهم سر من أسرارها.. حيث يمكن عرض كل جديد، على القرآن، فى حدود منطوق كلماته ومفهومها، فيقبل من هذا الجديد ما يقبل، ويرفض ما يرفض، دون أن يكون عليه من ذلك شىء.. بل يظل فى عليائه، مشرفا مشرقا، تأخذ العيون من ضوئه، على قدر استعدادها وقوتها. فمثلا نظرية «دارون» فى أصل الأنواع، وفى النشوء والارتقاء. هذه النظرية، كانت ولا تزال عند كثير ممن أخذوا فهم الآيات القرآنية فى خلق آدم، عن هذه النقول الخرافية، وهذه المقولات الأسطورية التي جمعها

_ (1) يعنى الهبوط المشار إليه فى قوله تعالى «اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً» . (2) تجديد التفكير الديني فى الإسلام لإقبال، ص 99.

المفسرون والقصّاص، من كل ساقطة ولاقطة- كانت ولا تزال هذه النظرية عند كثير من هؤلاء، من الكفريات، والإلحاديات، التي إن جرت على لسان، كان مجرد جريانها عليه كفرا وإلحادا!! ولهم عذرهم فى هذا!! فالذين قرءوا فى كتب التفاسير والقصص، أن آدم خلق فى الملأ الأعلى، وأن طينته غرست فى جنة عدن، أو جنة الخلد، أو غيرهما من الجنان- على اختلاف روايات المفسرين فى هذا- هؤلاء الذين قرءوا هذه المقولات فى نشأة آدم، يرون أن كل قول يخالف هذا، هو خروج على الدّين، بل خروج من الدين! فى حين أن هذا الأمر كلّه ليس فيه شىء من الدين، ولهذا أباح المفسرون أن يترخصوا فى الحديث عنه، وألا يلتزموا فيه حدّا، فكان لكل منهم مقولاته، التي قرأها أو سمعها، أو توهمها، لأن هذا الأمر ليس من باب التشريع والأحكام، فتتحرّى له الصحة والضبط. على أن مقولات «دارون» التي أنكرها علماء الدين، وهاجوا وماجوا من أجلها، إنما تقوم على علم وتجربة، وقد يكون فيها قليل أو كثير من الخطأ فى الاستنتاج، ولكن الذي ينبغى أن يكون عليه موقف العقل إزاءها، هو الاحترام لها، والتقدير للجهد الذي بذل فيها، وما دامت ترجع إلى التجربة، وتحتكم إلى العقل، فإن كل عقل مدعوّ إلى الوقوف عندها، والنظر فيها، وأخذ ما يطمئن إليه منها.. أما صدّ العقل عنها، وفراره من بين يديها، فذلك إزراء بالعقل، وامتهان له، وتعطيل للوظيفة التي خلق لها، وخروج على دعوة القرآن التي دعاه إليها. ثم إن «داروين» الذي أثار هذا الإعصار العاصف، فى عقول رجال الدين- من كل دين- لم يكن منكرا لله، ولا كافرا به، بل إنه- فيما يروى عنه- كان من أشد الناس إيمانا بالله، وشهودا له فى آياته، التي رآها رأى

العين، فيما أبدع الخالق وصوّر، من مخلوقات متطورة، تتحرك فى مسار الحياة، من الطين، إلى أن تكون إنسانا عاقلا، حكيما عالما، نبيّا.. يطاول السماء فيتناول بيديه كتاب الله، ويسمع بأذنيه كلمات الله! يقول «داروين» فى حديثه عن أصل مذهبه: «إن المشابهة، وأسبابا أخرى، تدعونا ضرورة إلى الاعتقاد بأن الأحياء أصلها واحد، وألّا فاصل جوهريا بين العالمين: عالم النبات، وعالم الحيوان.. ثم يقول: «إنى أرى، فيما يظهر لى، أن الأحياء عاشت على هذه الأرض من صورة واحدة أولية، نفخ الخالق فيها نسمة الحياة» «1» ! وإذا كان لأحد أن يقف من «دارون» موقف الهلع والخوف، على معتقده الديني، فليس هو المسلم، الذي يعترف دينه بالعقل، وبحقه فى البحث والنظر، وفى احترام مؤدّى هذا البحث والنظر، الذي لا يقوم على هوى، ولا يستند إلى سلطان غير سلطان الحجة والبرهان! ثم إنه إذا كان لأى دين أن يجافى مقولات «داروين» أو أن يضيق بها فليس هو الدين الإسلامى، الذي تكاد تنطق آياته بما أعيا «داروين» والعلم الحديث، الوقوف عليه، من أسرار الخلق وعظمته! ومع ما نعرف من أن القرآن الكريم ليس كتاب علم، وأن الرسالة الإسلامية لم تجىء لتقرير حقائق علمية «2» - فإن فى عرضه لمشاهد الكون وفى كشفه عن مظاهر الوجود، لمحات مضيئة، وإشارات مشرقة، يجد فيها العلم الحديث مستندا لمقولاته، ومجازا لمقرراته.

_ (1) مذهب النشوء والارتقاء- الكتاب الأول، الجزء الأول، للمرحوم إسماعيل مظهر ص 47. (2) انظر فى هذا كتابنا- إعجاز القرآن- الجزء الثاني.

وسنرى فى قصة آدم، التي نحن بصددها، أنها تسبق ما يقرره «داروين» فى نظرياته، عن التطور وأصل الأنواع! ونعود إلى تلك القصة، فنقول: ربما رأى بعض علمائنا أن فى قوله تعالى: «إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ، فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ» ، وفيما جاء من الآيات التي تحدّث عن دعوة الله سبحانه وتعالى الملائكة أن يسجدوا لآدم، عند ما ينفخ فيه الحق جل وعلا من روحه- قد يرى بعض علمائنا أن فى هذا ما يدل على أن آدم قد انفرد بخلق خاص، دون سائر المخلوقات الأرضية، وأنه لهذا استحق التكريم والاحتفاء! ونقول: إن ما ورد فى الآية السابقة وأمثالها، إن دلّ على خصّيصة لآدم، فإنه لا ينفى أن يكون ذلك قد كان حين وصل تطور الحياة بالأحياء إلى هذه المرحلة، التي بلغ فيها التطور غايته، بظهور هذه السلالة الناضجة من ثمرات الحياة، وبزوغ أول مواليد النوع الإنسانى.. ويكون معنى قوله تعالى: «إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ، فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ» أنه إذا بلغ الكتاب أجله بهذا الطين، الذي سرت فيه الحياة، وتوالدت منه الأحياء، إلى أن آذنت فى تطورها بظهور النوع البشرى الذي تهيأ لقبول النفخة الإلهية فيه- «فقعوا له ساجدين» إذا هو تلقى النفخة من روح الحق جلّ وعلا، وتكون تلك النفخة هى منحة السماء للأرض، فى يوم ميلادها لمولودها الذي يدبّر أمرها، ويكون خليفة الله عليها. ولعل فى قوله تعالى: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ» لعل فى هذا ما يشعر بالمعنى الذي ذهبنا إليه، وهو أن آدم لم يجىء من الطين مباشرة، وإنما كان ذلك بعد سلسلة طويلة من التطورات، وبعد عمليات

معقدة من التصفية والانتخاب، استمرت ملايين السنين، حتى انتهت بظهور الإنسان على تلك الصورة التي علا بها جميع أبناء سلالاته، وكان أهلا لتلقى النفخة الإلهية يوم مولده، وكأنها التاج الذي توّج به ملكا على العالم الأرضى كله. وهذا ما تشير إليه أيضا الآية الكريمة: «ما لكم لا ترجون لله وقارا، وقد خلقكم أطوارا» . ثم إن النظر العابر فى عالم الأحياء يعطى دلالة قاطعة على أن الإنسان هو من طينة الأسرة الحيوانية.. فهذا التشابه الكبير فى تركيب الأعضاء، والحواس، وعملية الهضم، والتنفس، ومجرى الدم فى العروق، ثم فى عملية التناسل فى مراحلها المختلفة.. كل هذا التشابه يقطع بأن الإنسان حيوان قبل أن يكون إنسانا! وإنك لتجد الإنسان كله فى أدنى المخلوقات، وفى أرقاها.. من الدودة والحشرة، إلى القرد والغوريلا. وعلى هذا، فإننا لا نستطيع أن نقبل أقوال المفسرين فى خلق آدم، على تلك الصورة التي يرسمونها للأسلوب الذي ولد به.. فمثلا، «القرطبي» يقول فى تفسيره عن خلق آدم: «فخلقه الله بيده، فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة «1» ، فمرت به الملائكة، ففزعوا منه لمّا رأوه، وكان أشدهم فزعا إبليس، فكان يمر به، فيضربه، فيصوّت الجسد، كما يصوّت الفخار تكون له صلصلة، ويقول إبليس: «لأمر ما خلقت!!» «2» .

_ (1) تبعا للمقولات الإسرائيلية التي تقول إن الله خلق الأحياء فى يوم الجمعة.. وقد اقتطع القرطبي من هذا اليوم أربعين سنة لخلق آدم، على اعتبار أن اليوم عند الله كألف سنة من أيامنا. (2) تفسير القرطبي.

الشجرة التي أكل منها آدم

وهذا القول وأمثاله إن هو إلا من موارد قصص الأولين وأساطيرهم، وليس فى آيات القرآن الكريم دلالة عليه، من قريب أو بعيد. وننتهى من هذا إلى قول واحد فى هذه القضية، وهو الاحتفاظ بها فى الإطار القرآنى، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فآدم مخلوق من «تراب» أو من «طين» أو «حمأ مسنون» أو من «طين لازب» أو من «سلالة من طين» أو من «صلصال كالفخار» أو نبت من الأرض نباتا.. فهذا هو الذي يقوله القرآن فى خلق آدم! ثم ليقل العلم ما يشاء من مقولات، فإن مصير العلم وما يقع له من حقائق ثابتة فى هذا الشأن لا بد أن ينتهى إلى تلك الصورة التي رسمتها الآيات القرآنية الكريمة، لهذه القضية! الشجرة التي أكل منها آدم نهى الله سبحانه وتعالى آدم عن أن يقرب شجرة من أشجار تلك الجنة التي أسكنه فيها، وأباح له الأكل رغدا من ثمارها. وهذه الشجرة لم يعرض القرآن لبيان نوعها، ولهذا فهى- في محيط القرآن- غير معروفة النوع ولا الصفة، وإن كانت معروفة لآدم، حيث أشار إليها الحق سبحانه وتعالى، إشارة كاشفة، حين نهاه وزوجه عنها، بقوله سبحانه: «وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ» . وقد وصف إبليس هذه الشجرة لآدم وحواء، وصفا كاشفا لها، وللمعطيات التي ضمّت عليها، وفى هذا يقول الله تعالى:

«فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ، قالَ يا آدَمُ: هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى» (120: طه ويقول سبحانه: «فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ، لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ» (20: الأعراف) وهذه الأوصاف التي خلعها إبليس على تلك الشجرة لا تلتقى مع الواقع، ولا تحدّث عن الحق، وإنما هى من تلفيقات إبليس وأكاذيبه، ليخدع بها ويغرى. ومع ذلك فإن المفسّرين والقصاص، قد ذهبوا فى الحديث عن الشجرة ونوعها كل مذهب، مستندين فى هذا إلى بعض الروايات المعزوّة إلى بعض الصحابة والتابعين، لتكتسب شيئا من الاحترام والقبول، وهى فى حقيقتها إسرائيليات، وأساطير، وخرافات. فالشجرة، هى «السنبلة» فيما يروى عن ابن عباس. وهى «الكرمة» فيما يروى عن ابن مسعود، والسّدّىّ. وهى «التينة» عن ابن جريج. وهى شجرة «الكافور» .. عن علىّ بن أبى طالب. وهى شجرة «العلم» -[علم الخير والشر.] . عن الكلبي. وهى شجرة «الخلد» التي كانت تأكل منها الملائكة.. عن ابن جدعان» «1» . وبعيد أن يكون لهذه المقولات مستند صحيح من كتاب أو سنة، وإلا لما كان بينها هذا الاختلاف البعيد، فى حقيقة واحدة!

_ (1) انظر مجمع البيان فى علوم القرآن للطبرسى- الجزء الأول.

والقرآن الكريم، إذ وقف بالشجرة دون أن يحدّد نوعها، فإنما ذلك لأنها معروفة معهودة لآدم ولزوجه- كما قلنا- ثم إن عدم تحديد نوعها فى الحديث عنها إلينا، لا يمنع أن يكون للشجرة مفهوم خاص عندنا، وإن لم يدخل فيه نوعها.. أيّا كان! فلنحاول فهم الشجرة على أنها مجرد شجرة، ليس لها صفة خاصة تمتاز بها، عن الأشجار التي معها، إلا فى تحديد ذاتها بالإشارة إليها! فلتكن هذه الشجرة ما تكون.. شجرة كرم، أو تين، أو كافور، بين العديد من مثيلاتها، إلّا أن النهى والتحريم وقع عليها، دون غيرها. وهذا التحريم لشجرة بعينها، إنما هو امتحان لآدم وابتلاء لعزيمته، أمام الإغراء، وحبّ الاستطلاع، الذي هو غريزة قوية عاملة فيه.. وهذا ما أحبّ أن أفهم عليه قوله تعالى: «وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً» (115: طه) وننظر، فنجد غريزة حب الاستطلاع أقوى غريزة متمكنة فى طفولة الإنسانية بنوع خاص، كما هى متحكمة فى طفولة الأطفال! وطفولة الإنسانية كلها مندسة فى كيان «آدم» .. أول تباشير النوع البشرى فى هذا الوجود! ولهذا، فإن هذا النهى الذي تلقاه آدم من ربّه، عن الاقتراب من تلك الشجرة خاصة دون مثيلاتها، قد وقع من نفس آدم موقعين: 1- موقع الخوف من الجهة التي ألقت إليه بهذا النهى، والحذر من أن يخالف ما نهى عنه. 2- الرغبة الصارخة فى مداناة هذه الشجرة، والتعرف عليها، وعلى

ما يكمن فيها، استجابة لغريزة حبّ الاستطلاع التي ألهبها هذا النهى، وأيقظها فى كيانه. ثم إلى جانب هذه الرغبة الصارخة إلى مقاربة الشجرة، كانت وسوسة إبليس لآدم، وإغراؤه له، الأمر الذي عجّل بخطوات آدم إلى الشجرة، وسيره حثيثا إليها.. ولو لم يقم إبليس من وراء آدم، يغريه بالشجرة، ويدفعه إليها، لسار إليها وحده، ولبلغها، ولأكل منها! ولكن لا يكون هذا إلا بعد زمن متراخ عن هذا الوقت الذي اقترب فيه بالفعل من الشجرة، وأكل منها!! هكذا الإنسان، وهكذا الناس، يتحدّون كل سلطان يقيد نوازعهم، ويتسلط على إرادتهم، ولو كان ذلك لخيرهم وإسعادهم. ولهذا فإنى أحب أن أذكر هنا قوله تعالى: «خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ» (37: الأنبياء) وقوله جل شأنه: «وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً» (28: النساء) كما أحب أن أفهم هاتين الآيتين الكريمتين على أنهما تكملان الصورة التي خلق عليها آدم، وأن إغراء إبليس له قد عجل بظهور الإنسان فى آدم، وفى إنضاج ثمرته قبل أوانها!! فمنذ انتهى آدم إلى الشجرة، وذاق من ثمرها، بعد هذا الصراع العنيف بينه وبين نفسه- أدرك أنه جنى جناية غليظة، كما أدرك أنه سيلقى جزاء ما اقترف.. وهنا يتنبه إلى وجوده، فيرى أنه مخلوق ذو إرادة، يستطيع بها أن يزن أموره، وأن يتقدم أو يتأخر، بوحي من ذاته، وأنه لم يعد شيئا من أشياء الوجود التي لا تشارك فى نسج حياتها، وفى صنع قدرها، وهنا يتنبه إلى أنه عار مكشوف العورة كالحيوانات السائمة، الأمر الذي لم يكن يراه من

قبل، أو ينكره، ثم لم يكن فى مقدور عقله وحيلته- بعد أن عرف أنه عريان- أن يسعفاه بأكثر من ورق الشجر، ليستر به سوأته.. تماما كما يفعل الآدميون من سكان الأدغال، حين ينتقلون من طور العرى الخالص إلى طور التستر بأوراق الشجر.. إنهم هم «آدم» وإن تأخر بهم الزمن آلاف السنين أو ملايينها!! يقول الفيلسوف المسلم «محمد إقبال» : «فالمعصية الأولى للإنسان، كانت أول فعل له، تتمثل فيه حرية الاختيار، ولهذا تاب الله على آدم، كما جاء فى القرآن، وغفر له. «وعمل الخير لا يمكن أن يكون قسرا، بل هو خضوع عن طواعية للمثل الأخلاقى الأعلى، خضوعا ينشأ عن تعاون النظرات الحرة المختارة، عن رغبة ورضى! «والكائن الذي قدّرت عليه حركاته كلها، كما قدّرت حركات الآلة، لا يقدر على فعل الخير! ثم يمضى قائلا: «وعلى هذا، فإن الحرية شرط فى عمل الخير. «ولكن السّماح بظهور ذات متناهية لها القدرة على أن تختار ما تفعل، بعد تقدير القيم النسبية للأفعال الممكنة لها- هو فى الحق مغامرة كبرى، لأن حرية اختيار الخير، تتضمن كذلك اختيار عكسه! ثم ينهى إقبال هذا الموقف بقوله: «ربما كانت مغامرة كهذه هى وحدها التي تيسر الابتلاء والتنمية للقوى الممكنة لوجود خلق: «على أحسن تقويم» ثم رددناه: «أَسْفَلَ

الجنة التي أهبط منها آدم

سافِلِينَ» «1» وكما يقول القرآن: «وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً» . وهذا كلام واضح مشرق، لا يحتاج إلى تعليق، أو توضيح. الجنة التي أهبط منها آدم يكاد يجمع المفسرون على أن الجنة التي كان فيها آدم، قبل المعصية، هى جنة واقعة وراء الحس، أي أنها من تلك الجنات السماوية، التي وعد المتقون بها فى الآخرة. وقد أعان على هذا الفهم للجنة، أمور.. منها: 1- ما وقع فى التفكير الإسلامى من اختصاص آدم بهذا الخلق الذي انفرد به عن سائر المخلوقات.. مادة، وصفة!! 2- ما ورد فى القرآن الكريم من وصف تلك الجنة، وما كان يلقاه فيها من راحة ونعيم: «إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى، وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى» (117- 118 طه) . 3- كثرة ذكر الجنة فى القرآن الكريم، مرادا بها الجنة السماوية. ومع هذا، فإن هذه الأمور لا تعطى حكما قاطعا بأن جنة آدم كانت جنة سماوية، ولا تدفع القول بأنها كانت جنة أرضية، من تلك الحدائق والغابات المبثوثة فى بقاع شتى من الأرض، التي تخرج بطبيعتها من غير صنعة إنسان. أما تلك العناصر التي مهدت للقول بأنها جنة سماوية، فيمكن فهمها فهما آخر. «2»

_ (1) إشارة إلى قوله تعالى فى سورة التين: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ..» (2) تجديد التفكير الديني فى الإسلام، لإقبال.. ص 96. [.....]

فأولا: ما يقال من اختصاص آدم بخلق تفرّد به من بين المخلوقات- هذا القول لم تشهد له آيات القرآن الكريم، وقد تحدثنا عن ذلك فيما مضى، وانتهينا إلى القول بأن آدم مخلوق أرضى، نبت فى الأرض، كما نبتت سائر المخلوقات التي دبّت عليها. ثانيا: الوصف الذي وصفت به جنة آدم بأن ساكنها لا يجوع فيها ولا يعرى، ولا يظمأ ولا يضحى- هذا الوصف يمكن أن يتحقق فى كثير من جنات الأرض، حيث يجد من يعيش فيها ما يكفى مطالب الحياة وضروراتها، خاصة وأن آدم- فى هذا الطور من حياته- لم يكن قد عرف نفسه، ولم يكن قد تعرف على ما فيه من إرادة، وأنه لم يكتمل فيه الإنسان الذي ظهر بعد أن أكل من الشجرة- فمطالبه، والحال كذلك، لا تعدو مطالب الرجل البدائى من سكان الأدغال.. وكل هذا حاضر عتيد بين يديه، لا يتكلف له جهدا. وثالثا: إذا كانت الجنة السماوية قد ذكرت كثيرا فى القرآن الكريم، فى معرض الجزاء الأخروى للمتقين، فإن الجنة الأرضية قد ذكرت أيضا بهذا الاسم.. «جنّة» فقال تعالى: «أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ» . (166: البقرة) .. وقال سبحانه وتعالى: «وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً» (32، 33: الكهف) .. إلى آيات كثيرة، ورد فيها ذكر الجنة على هذا المعنى. والقرائن التي قدمناها فى هذا البحث تميل بجنة آدم إلى الجانب الأرضى وتقيمها على أي مكان من الأرض.

وقد سبق بعض قدماء المفسرين إلى القول بهذا الرأى، الذي ربما أنكره، وفزع منه كثير من علماء القرن العشرين! فهذا أبو مسلم الأصفهانى، صاحب التفسير، الذي كان عمدة كثير من علماء المسلمين وفقهائهم- يقول عن جنة آدم: «هى جنة من جنات الدنيا فى الأرض..» ثم هو يجيب على الإشكال الذي يعترض به المعترضون فى قوله تعالى لآدم وإبليس: «اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً» من أن هذا الهبوط يعنى نزولا من السماء إلى الأرض- يجيب على هذا الإشكال بقوله: «إن قوله تعالى: «اهْبِطُوا مِنْها» لا يقتضى كونها السماء، لأنه مثل قوله تعالى: «اهْبِطُوا مِصْراً» «1» . ويقول محمد إقبال عن تلك الجنة أيضا: «ليس هناك من سبب لافتراض أن كلمة جنة أي (حديقة) استعملت فى هذا السياق- سياق قصة آدم- للدلالة على جنة وراء الحسّ، يفترض أن الإنسان هبط منها إلى هذه الأرض. ثم يقول: «وطبقا للقرآن- وليس الإنسان غريبا عن هذه الأرض، إذ يقول الله تعالى: «وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً» - فالجنة التي ورد ذكرها فى القصة لا يمكن أن يقصد بها الجنة التي جعلها الله مقاما خالدا للمتقين. ثم يقول: «وعلى هذا، فأنا أميل إلى اعتبار الجنة التي جاء ذكرها فى القرآن تصويرا لحالة بدائية، يكاد يكون الإنسان فيها مقطوع الصلة بالبيئة التي يعيش

_ (1) من تفسير أبى مسلم، نقلا عن مجمع البيان فى علوم القرآن للطبرسى: جزء- 1 ص 167.

الآيات (40 - 43) [سورة البقرة (2) : الآيات 40 إلى 43]

فيها، ومن ثمّ فإنه لا يحسّ بلذعة المطالب البشرية، التي تحدد نشأتها- دون سواها من العوامل- بداية الثقافة الإنسانية» «1» . الآيات (40- 43) [سورة البقرة (2) : الآيات 40 الى 43] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) التفسير: بعد أن دعا الله عباده جميعا إلى الإيمان به، وأنكر على الكافرين كفرهم مع قيام الآيات الشاهدة على قدرة الله، وعلى سوابغ نعمه على الناس، وعلى خلقهم من تراب، وإخراجهم على تلك الصورة الكريمة من بين المخلوقات- بعد هذا خصّ بنى إسرائيل بالذكر مرة أخرى، لأنهم أهل كتاب، ولأنهم شهود بأن ما نزل على محمد هو من عند الله، وأن محمدا هو النبىّ العربي المنتظر، كما يعرفون ذلك من التوراة، عن يقين. ولكن اليهود مكروا بآيات الله، وكتموا الحق الذي يعلمونه، كما أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم بقوله: «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» (146: البقرة)

_ (1) تجديد التفكير الديني فى الإسلام.. لمحمد إقبال ص 98.

والنعمة التي أنعم الله بها على بنى إسرائيل، هى بعث الرسل إليهم، يحملون الهدى والنور، ولكن القوم فى عمى وضلال، وفى شغل بالدنيا لإشباع أطماع قاتلة مسلطة عليهم، فكتموا ما أنزل الله، لقاء عرض زائل منّتهم به أنفسهم، من وراء تلك الشهادات المزوّرة التي يدفعون بها إلى كفار قريش، فيما يسألونهم عنه من أمر «محمد» باعتبار أنهم أهل كتاب، وأهل علم، كما قال الله تعالى عنهم «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا، أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً» (51- 52 النساء) . والعهد الذي دعا الله بنى إسرائيل إلى الوفاء به، هو ما أخذه الله على أهل الكتاب، وأهل العلم منهم خاصة- وهو أن يؤدوا هذه الأمانة- أمانة العلم- التي حملوها إلى الناس، وألا يكتموا منها شيئا، أو يحرفوها على غير الوجه الذي جاءت عليه.. كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا، فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ» (187: آل عمران) وكما يشير إليه أيضا قوله سبحانه: «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ» (81: آل عمران) والمراد بالنبيين هنا النبيون وأتباعهم، فقد أخذ الله هذا الميثاق على النبيين ثم أخذه النبيّون على أتباعهم، وبذلك يتناصر المؤمنون، ويجتمعون على كلمة

الآية: (44) [سورة البقرة (2) : آية 44]

الحق، وتحت راية الحق، وإن تباعدت أوطانهم، واختلفت أجناسهم. الآية: (44) [سورة البقرة (2) : آية 44] أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (44) التفسير: والخطاب هنا خاص لبنى إسرائيل، ولا تمنع خصوصيته من عموميته، وبهذا يكون الخطاب لكل من يحسن القول، ولا يحسن العمل، ويندب الناس إلى الخير، ويأمرهم به، ولا ينظر إلى نفسه، ولا يحملها على أخذ حظها من هذا الخير الذي يدعو إليه.. وفى ذلك ظلم للنفس، وخسران مبين. وقد ذمّ الله سبحانه من يسلك هذا المسلك المتناقض، من الناس، فقال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ» والقول المراد هنا هو ما كان على طريق الحق والخير، أما ما كان على غير هذا الطريق فالنكول عنه هو الخير والبر. الآيتان: (45- 46) [سورة البقرة (2) : الآيات 45 الى 46] وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (46) التفسير: وهذه دعوة إلى المؤمنين، الذين استجابوا الله والرسول، من أهل الكتاب وغيرهم- أن يستعينوا على التزام الصراط المستقيم بالصبر والصلاة، إذ أن هذين الأمرين- الصبر والصلاة- يمدّان المؤمن بالقوة التي تعينه على احتمال تكاليف العبادة، ومشقة الجهاد ومدافعة شهوات النفس وأهوائها. وقدّم الصبر على الصلاة، لأنه مطلوبها الذي يعين عليها، وعلى أدائها فى أوقاتها.. وفى هذا يقول الله تعالى مخاطبا النبي الكريم: «وَأْمُرْ أَهْلَكَ

بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها» (32: طه) وخصّت الصلاة وحدها هنا بالذكر، من بين العبادات، لأنها رأس العبادات جميعها، وملاك الطاعات كلها، فمن أداها كاملة، فى جلالها وخشوعها، سلكت به مسالك الخير والهدى، وحادت به عن طرق الضلال والآثام، إذ يقول الحق سبحانه: «وَأَقِمِ الصَّلاةَ، إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ» (44: العنكبوت) وقوله تعالى: «وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ» الضمير هنا يعود على الصلاة، وإنها لكبيرة- أي ثقيلة- إلا على ذوى القلوب المتفتحة للخير، المتقبلة له، أما ذوو القلوب القاسية المتحجرة، التي لا تنضح بخير، فأمرها ثقيل عليهم، لا يأتونها- إن أتوها- إلا فى تكاسل، وفتور، أو فى تكرّه وتبرّم! والذي يفيض على القلب الخشية والخشوع، هو الإيمان بالله، وبلقاء الله يوم الجزاء فى الآخرة، فذلك هو الذي يثبّت خطو المؤمن على طريق الإيمان، ويعينه على أداء الطاعات والعبادات! وفى قوله تعالى: «يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ» - فى هذا التعبير بالظن هنا، إشارة دقيقة إلى أن الإيمان بالبعث وبلقاء الله إنما هو إيمان بالغيب، لا يستند إلى مدرك حسّىّ، ومن ثمّ كان الإيمان به واقعا فى دائرة الظن المستيقن، أو اليقين المحفوف بالظن- ذلك هو أول درجات الإيمان- فإذا ما درج المؤمن فى طريق الإيمان، مستعينا بالصبر والصلاة اطمأن قلبه، وجلت عنه وساوس الظنون، كما يقول سبحانه: «الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ، أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» (28: الرعد)

الآيتان: (47 - 48) [سورة البقرة (2) : الآيات 47 إلى 48]

والعطف بالواو بين الإيمان بالله واطمئنان القلوب، يبدو هنا وكأنه عطف بثمّ، كما يبدو ذلك من نظم الآية، ومن النّبرة الموسيقية لواو العطف بعد الواو فى الفعل «آمنوا» .. حيث يقوم فاصل زمنى بين النطق بواو العطف، والتاء فى الفعل «تطمئن» .. هكذا: «آمَنُوا وَ.. تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ» . الآيتان: (47- 48) [سورة البقرة (2) : الآيات 47 الى 48] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) التفسير: هذه النداءات المكررة من ربّ العزة إلى هذا القطيع الشارد، من بنى إسرائيل- إنما تشير إلى ما فى نفوس هؤلاء القوم من كنود، وما فى طباعهم من جفاء وجماح، وما ضمّ عليه كيانهم من جحود للإحسان، وكفران بالنعم وليست هذه النداءات المتكررة إلا لإقامة الحجة عليهم، ومظاهرة النذر لهم، حتى إذا أخذوا بعنادهم وجماحهم كان أخذهم شديدا أليما.. ومن أجل هذا أخذهم الله بالبأساء والضراء، وأوقع عليهم اللعنة، وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، فقال تعالى فى بنى إسرائيل: «فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ» (13: المائدة) ويقول سبحانه: «ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ، وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ، ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ» (112: آل عمران)

الآيات: (49 - 61) [سورة البقرة (2) : الآيات 49 إلى 61]

وأما قوله تعالى: «وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ» فالمراد بالعالمين هم أهل زمانهم المعروفون لهم من الأمم المجاورة، إذ كانوا هم أهل كتاب، وفيهم الرسل والأنبياء، على حين كان جيرانهم وثنيين، على كفر وشرك وضلال. وممّا يشهد لهذا أن موسى عليه السلام وهو رأس بنى إسرائيل فى الكرامة والفضل عند الله- كان بمنزلة تلميذ، يتلقى العلم والمعرفة على يد عبد من عباد الله، كما فى قوله تعالى: «فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً» . (65- 66: الكهف) ويشهد لهذا أيضا شهادة قاطعة، قوله تعالى عن أمة الإسلام: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ» (110: آل عمران) .. فهذا حكم قاطع بالخيرية المطلقة لهذه الأمة- فى مقام الهداية، وصدق الإيمان بالله- على سائر الأديان، وجميع الملل! الآيات: (49- 61) [سورة البقرة (2) : الآيات 49 الى 61] وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (59) وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (61)

فى هذه الآيات الكريمات تفصيل لتلك النعم، التي أنعم الله بها على بنى إسرائيل، والتي جاء إجمالها فى قوله تعالى: «يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ، وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ» . ومع تتابع هذه النعم السابغة، وتوالى هذه الآلاء الكريمة، فإن القوم لم يلقوا هذا الإحسان إلا بالكفران، واللجاج فى العناد، والمحادّة لله ورسوله. ينجيهم الله من فرعون، وما رهقهم به من محن، وما رماهم به من بلاء، حيث كان يذبّح أبناءهم، ويستحيى نساءهم بما يدخل عليهم من جنده من استخفاف بحرماتهن، وهتك لأستارهن، مما يجرح حياء المرأة، ويغرق وجه الحرة بماء الخجل! ويكرم الله نبيهم موسى، فينزله فى رحاب ضيافته أربعين ليلة، يناجيه فيها، ويوحى إليه بآياته وكلماته ... «وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» والكتاب هو التوراة، والفرقان من عطف الصفات، فهو كتاب وهو فرقان، يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، وما لله وما لخلق الله! ولكن تأبى طباعهم النكدة أن تعلو إلى مشارف هذا النور، بل هى رابضة على التراب، ترعى مع البهائم، وتهيم فى أودية الضلال.. فيتخذون من العجل إلها معبودا من دون الله! ويتلقّى هؤلاء المناكيد العقاب الطبيعي من الله، فيأمرهم أن يقتلوا أنفسهم، فتلك نفوس لا حرمة لها، بعد أن نزلت إلى هذا المستوي الحيواني، بل ونزلت عن هذا المستوي، فوضعت جباهها تحت أقدام الحيوان، تعفّر جبينها بالتراب عابدة ساجدة له. ويتسلط القوم بعضهم على بعض، ويضرب بعضهم رءوس بعض، كما تتناطح الوعول، أو كما تتناهش العقارب والحيات!

ولا تنفع فى القوم هذه المثلات، ولا تقوم لهم منها شواهد العبر والعظات، وإذا الذين رحمهم الله منهم من هذه المحنة ونجاه من القتل لا يزالون فى ريبة من ربّهم، وفى شك من معبودهم، فيجيئون إلى موسى بهذا الطلب العجيب: «لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً» وهم بهذا يكشفون عن بلادة حسّهم، وطفولة مداركهم، بحيث لا يتعاملون مع الحياة إلا بما يلامس حواسّهم، ويجبه أبصارهم، أمّا ما يستشفه الوجدان، ويتمثله الحدس والخيال فليس لهم حظ منه، ولا تجاوب معه.. إنهم لم يستطيعوا أن يروا الله فى آياته التي تبدو فى ظاهر الموجودات وباطنها، أو أن يشهدوه فيما يجريه الله تعالى على يد موسى عليه السلام، من معجزات ناطقة بقدرة الله، وبسلطانه المتمكن فى كل ذرة من ذرات الوجود، حتى لقد آمن سحرة فرعون بين يدى موسى من غير دعوة إلى الإيمان، وهم منه فى وجه خصومة بادية وعداوة متحدية، بل لقد اضطر فرعون إزاء سطوة المعجزة أن يقول: «آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل» .. ولكن القوم رجال فى مساليخ أطفال، لا يكادون يخطون على طريق الهدى خطوة أو بضع خطوات حتى يتعثروا ويسقطوا فى التراب والوحل! وكان من إعناتهم لنبيهم موسى، وإلحاحهم عليه، فى ثرثرة كثرثرة الصبيان، ولهفة كلهفة الأطفال- أن طلب موسى من ربّه أن يراه حتى يراه معه هؤلاء الأغبياء، كما جاء فى قوله تعالى على لسان موسى: «وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ، قالَ لَنْ تَرانِي، وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي، فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا، وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً» (143: الأعراف)

وكذلك صعق القوم الّذين كانوا معه، وكانت عدتهم سبعين، وقع عليهم الاختيار، ليكونوا شهودا عند القوم بأنهم رأوا الله جهرة! وفى هذا يقول الله تعالى: «وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا، فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ» (155: الأعراف) وقد كاد يكون إجماع المفسرين على أن البعث فى قوله تعالى: «ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» - هو إحياؤهم بعد أن أخذتهم الصاعقة، وأن كلمتى البعث والموت هنا مجازيتان فى مقابل اليقظة والنوم، كما فى قوله تعالى «اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها، فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» (42: الزمر) والأولى- عندى- أن يحمل المعنى على ظاهر اللفظ، فيكون الموت موتا حقيقيا، والبعث بعثا حقيقيا أيضا، أي بعث الآخرة! ويشهد لهذا الوجه، العطف بثم، فى هذه الآية «ثم بعثناكم من بعد موتكم» كما يقوّيه أيضا ما جاء لسان موسى فى قوله تعالى مخاطبا ربّه: «لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ» ! فلو أنهم عادوا إلى الحياة مرة أخرى، لما كان لموسى أن يسأل ربه ما سأل. وأحسب أن الذي حمل المفسّرين على القول بإحياء القوم بعد أن أخذتهم الرجفة، حتى أعيدوا إلى الحياة الدنيا مرة أخرى- هو قوله تعالى فى خاتمة الآية: «لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» كأنّ استحقاق الشكر لا يكون إلا عن البعث الدنيوي، وكأن البعث الأخروى ليس بالنعمة المستأهلة للحمد

والشكر، وهذا غير صحيح، فالحياة على أية حال من الأحوال خير من العدم والله سبحانه وتعالى يقول: «يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ» (52: الإسراء) والمراد بالدعوة هنا الدعوة إلى الحشر، التي يستجيب لها الأموات جميعا بالحمد لله رب العالمين. ثم إن مجىء الآيات بعد هذا خطابا عاما لبنى إسرائيل، معدّدة النعم التي أنعم الله بها عليهم، مذكرة بالبعث بين عرض هذا النعم- فيه إيقاظ للشعور بيوم الجزاء، والعمل له، وتغليظ للمنكرات التي يقترفها القوم، فى مواجهة هذه النعم الجليلة المتتابعة عليهم. وفى قوله تعالى: «وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ، وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى، كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ، وَما ظَلَمُونا، وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» .. عرض لبعض هذه النعم.. ففى التّيه الذي رماهم الله به فى الصحراء، وكتبه عليهم أربعين سنة، لم تتخلّ عنهم رحمة الله، فساق إليهم الغمام ليظلّهم من وقدة الشمس، ولفح الهجير، وأرسل عليهم المنّ والسلوى، طعاما لا يتكلفون له عملا، فالمنّ مادة عسلية تفرزها بعض الأشجار، والسلوى طيور طيبة الطعام هى السّمانى. ولكن هذه الألطاف الرحمانية، وهذا الطعام الطيب المسوق بقدرة الله، المحفوف برحمته لم تستسغه هذه النفوس الحيوانية، فعافته وتنكرت له، وطلبت ما يملأ معدة الحيوان.. من بقل وقثاء، وحنطة وعدس وبصل!، فكان أن أجابهم الله إلى ما طلبوا، وساقهم سوق الحيوان إلى المرعى الذي يجدون فيه الطعام الذي اشتهوا!!

«وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ، فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً، وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً، وَقُولُوا حِطَّةٌ، نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ» . والقرية التي دعوا إلى دخولها، ليأكلوا منها حيث شاءت لهم أنفسهم، هى قرية لم يذكر القرآن اسمها، وإنما أشار إليها بقوله: «هذِهِ الْقَرْيَةَ» فهى معروفة للقوم، ولعلها بيت المقدس، كما يرى ذلك أكثر المفسرين، ولعل مما يقوّى هذا الرأى أنهم أمروا بدخولها على صفة خاصة، وبمراسيم محددة تؤدّى لها.. «ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً، وَقُولُوا حِطَّةٌ» .. هكذا ينبغى أن يكون دخولهم هذه القرية.. أن يدخلوا الباب ساجدين، وأن يقولوا عند دخولهم: حطة لذنوبنا، أي مغفرة لها.. ومما يقوى الرأى بأن القرية المشار إليها هنا هى بيت المقدس، أن بابها المأمور بدخوله فى هذه الآية قد ورد فى قوله تعالى: «قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ، فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ» (23: المائدة) . وفى قوله تعالى: «فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ، فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ» . ما يكشف عما فى طبيعة القوم من عناد، وإنه عناد الأطفال.. يأبون إلا ركوب رءوسهم، والاتجاه إلى غير ما يوجّهون إليه، ولو كان فى ذلك تلفهم وهلاكهم.

فهذه كلمات علوية سماوية من ربّ العزة، جاءتهم على لسان نبى كريم: «وَقُولُوا حِطَّةٌ» . ومع هذا فقد سوّلت لهم أنفسهم الخبيثة أن يغيّروا ويبدلوا من صور هذه الكلمات، لا لشىء إلا لإرضاء نزعة العناد الصبيانى فيهم، وإشباع غريزة التخريب الطّفلى عندهم.. «فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ» إنهم لم يستطيعوا أن يحملوا أمانة الكلمة، فكيف بأمانة العمل؟ ولهذا كانت الصفة الغالبة عليهم: نقض المواثيق، والتحلل من العهود والعقود.. وكان ذلك هو الوصف الملازم لهم فى القرآن الكريم: «يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ» (12 المائدة) «يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ، وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ، وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ» : (27: البقرة) . وقوله تعالى: «وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ، كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» . تلك آية من آيات الله البينة، ونعمة من نعمه الجليلة، على هؤلاء القوم الشاردين عن موارد الحق والهدى.. تتحرق أكبادهم عطشا فى هجير الصحراء، فتطلع عليهم رحمة الله، فيما يتلقى موسى من أمر ربه: «اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ» فيتدفق الماء عذبا زلالا، من اثنتي عشرة عينا، بعدد قبائلهم. وانظر كيف أبت عليهم نفوسهم المتبلدة الضيقة أن تتآلف جماعاتهم فى وجه تلك المحن التي يلاقونها فى هذا التّيه، فتعيش كل جماعة منهم فى محيطها.. اثنتي عشرة جماعة!!

هكذا قطّعوا أمما وهم فى هذا التيه، وهكذا هم يقطّعون أمما فى الأرض، ويتيهون فى الأمم والشعوب إلى يوم الدين. وفى قوله تعالى: «فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً» إشارة إلى تدفق الماء بقوة وغزارة أكثر مما فى قوله تعالى فى سورة الأعراف «فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً» .. فالانبجاس دون الانفجار، قوة وأثرا. وهذا الاختلاف فى التعبير إنما هو لاختلاف الحال، فحين ضرب موسى الحجر كان الانبجاس أولا، ثم تلاه الانفجار.. فكل من الانبجاس والانفجار وصف لحال من أحوال ضربة العصا، وأثر من آثارها.. وذلك وجه مشرق من وجوه الإعجاز، فى التكرار الوارد على الأحداث، فى القصص القرآنى، كما سنعرض له، بعد، إن شاء الله. وفى قوله تعالى: «وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ» . حكم قاطع على هذه الجماعة الشاردة المعربدة، بأن تشتمل عليها الذلة والمسكنة باطنا وظاهرا، أي فى كيانها الذاتي، وفى واقع الحياة المسلطة عليها، فقد كان العقاب الطبيعي لهذا الغرور المستولى عليهم أن يقتل الله فيهم معانى الإنسانية الكريمة، وأن يميت فى نفوسهم كل معالم القوة والرجولة، ثم يسلّط عليهم- مع هذا- من خارج أنفسهم قوى تسيمهم الخسف والهوان، كما يقول تعالى: «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ» (167: الأعراف) .. وهذا هو معنى ضرب الذلة والمسكنة عليهم، فالضرب بالشيء على الشيء، هو إحاطته به واشتماله عليه، كما تضرب الخيمة على من تحتها! وفى قوله تعالى: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ

بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ» بيان لجرائمهم التي استحقوا عليها هذا العقاب الأليم.. فقد كفروا بآيات الله، وجحدوا النعم التي غمرهم الله بها، وغيّروا وبدّلوا فى كلمات الله، حسب ما أملت عليهم أهواؤهم، وسوّلت لهم أنفسهم، ثم تمادوا فى كفرهم وضلالهم فمدوا أيديهم بالأذى إلى رسل الله، الذين حملوا إليهم ما حملوا من نعم الله، وبلغ بهم الأمر فى هذا إلى أن استباحوا دم بعض هؤلاء الأنبياء!. وفى قوله تعالى: «وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ» ما يكشف عن طبعهم اللئيم، الذي يرى الحق رأى العين، فيكتمه وينكره، ويقيم الباطل مقامه.. فهم إذ يقتلون من قتلوا من الأنبياء، يعلمون عن يقين أنّ هؤلاء الذين مدّوا إليهم أيديهم بالقتل، هم أنبياء الله، ولكن جاءوهم بما لا تشتهى أنفسهم، وعلى غير ما كانت تراودهم به أحلامهم.. فالمسيح- مثلا- الذي وقفوا منه هذا الموقف اللئيم، والذي دبروا له القتل صلبا، إنّما أنكروه وأنكروا آياته المشرقة إشراق الشمس فى يوم صحو، لأنه جاءهم بغير ما كانوا يحلمون به، من مسيح بعيد إليهم ملك سليمان، ودولته، ويمكّن لهم فى الأرض على رقاب النّاس، إذ جاءهم بالدعوة إلى التخلص من هذا الداء المتمكن فيهم، وهو حبّ الحياة، والاستكثار من متاعها.. فرفضوه، ثم أنكروه، ثم مكروا به ليصلبوه، ولم تسترح أنفسهم إلا بعد أن أيقنوا أنهم صلبوه.. وفى هذا يقول الله تعالى: «أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ، فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ» (87: البقرة) . والله سبحانه وتعالى يقول: «وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ» أي إلا بما يوجب قتلها، كأن تقتل نفسا عمدا، أو تحادّ الله ورسوله والمؤمنين.. ورسل الله لا يكون ذلك منهم أبدا،

آية (62) [سورة البقرة (2) : آية 62]

وأنهم إذا أنكر عليهم أحد أنّهم أنبياء، فذلك أمره إليه، ووزره واقع عليه، ولكن إذا ذهب به هذا الإنكار إلى حدّ الاعتداء على النبىّ وقتله، فإنه حينئذ يكون معتديا، إذ قتل نفسا بغير الحق، لأنها لم ترتكب ما يوجب القتل!. آية (62) [سورة البقرة (2) : آية 62] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) التفسير: فى تعداد هذه النعم التي تفضل الله بها على بنى إسرائيل ما يوحى بأن فضل الله مقصور على جماعة بعينها من خلقه، بل ربما أثار ذلك فى بنى إسرائيل شعورا بالتعالي على الناس، كما سوّلت لهم بذلك أنفسهم، وانطبع به سلوكهم فى الحياة!. وتلك ضلالة وافتراء عظيم على الله، فالخلق جميعا خلق الله، والناس كلهم عباده، خلقهم جميعا من نفس واحدة، فكيف يكون بينهم تفاضل عنده، بغير ما يستوجب الفضل، ولا فضل إلا بالعمل الذي تختلف به موازين الناس. وتتباين به منازلهم عند الله؟ فالذين آمنوا، أي الذين سبقوا بالإيمان ليس لهم أن يستأثروا برحمة الله، وأن يحجبوها عن عباده الذين لم يؤمنوا بعد- بل رحمة الله واسعة، وسعت كل شىء، وباب القبول للدخول فى رحابه مفتوح لكل قاصد!. فأى إنسان- على أية ملّة، وعلى أي دين- هو مدعوّ إلى رحاب الله،

(الآيات 63 - 66) [سورة البقرة (2) : الآيات 63 إلى 66]

فإن استجاب، وآمن بالله واليوم الآخر، وعمل صالحا، فله أجره عند الله، يوفّاه كاملا، كما يوفّاه المؤمنون جميعا، من كل أمة، ومن كل جنس! وهؤلاء المؤمنون جميعا- سابقهم ولاحقهم- لا خوف عليهم مما ينتظرهم من جزاء فى الآخرة، ولا حزن لما فاتهم من طاعات حين لم يسبقوا إلى الإيمان، فالإيمان يجبّ ما قبله!. وفى هذا ما فيه من رحمة واسعة من الله على عباده، واستنقاذ لمن قصّروا وفرطوا، ثم أرادوا أن يلحقوا أو يسبقوا. (الآيات 63- 66) [سورة البقرة (2) : الآيات 63 الى 66] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (64) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (65) فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) التفسير: نعم ما أعظمها، وما أولاها بالتلقى بالشكر والولاء للمنعم.. ولكن أنّى للعمى أن يبصروا، وللصمّ أن يسمعوا؟. طلبوا إلى موسى آية يرون الله فيها، فجاءتهم الآية منذرة مفزعة.. رأوا الجبل الذي بين أيديهم يتحول إلى سقف مرفوع فوق رءوسهم، لا يمسكه شىء وظنوا أنه واقع عليهم، ففزعوا إلى موسى يطلبون الخلاص والرجوع إلى الله، وفى هذا يقول الله تعالى: «وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ» (17: الأعراف) .

وفى قوله تعالى بعد ذلك: «خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» دعوة مجدّدة، بعد هذه الآية المجدّدة، إلى أن يقبلوا على الله، وأن يشدّوا قلوبهم إلى الكتاب الذي أنزل إليهم، وأن يذكروا ما فيه، فلعلّ ذلك يحيد بهم عن طريق الضلال الهائمين فيه، ويقيمهم على طريق الهدى الذي طالت غربتهم عنه. و «لعل» هنا الدالة على الترجّى، إنما يتوجه بها إلى المخاطبين، وإلى ما عندهم من استعداد لهذا الخطاب، فهم على رجاء من القبول، أو التوقف، أو النكوص على الأعقاب.. وهكذا كل صيغة رجاء واردة فى القرآن الكريم، إنما هى للمخاطبين ولموقفهم من فحوى ما خوطبوا به وليس لهذا الترجّى متوجّه إلى الله، الذي يرجى ولا يرجو. والقوم هنا لم يستجيبوا لتلك الدعوة، بل تولّوا ونكصوا على أعقابهم، ولكن الله أمهلهم، ولم يعجّل لهم العقاب، كما وقع لأسلاف لهم من قبل.. خالفوا أمر الله واعتدوا فى السّبت، فمسخهم الله قردة، وأنزلهم من مرتبة الإنسان إلى مرتبة الحيوان، فما أبشع تلك صورة وأخسّها، يعيشون فى صور القرود بمشاعر الإنسان، وإدراك الإنسان، وذلك هو العذاب، ولعذاب الآخرة أخزى وأوجع!. ولنا أن نذكر هنا، أن تحوّل هؤلاء الممسوخين من الإنسان إلى القرد يمكن أن يستأنس به فى بحثنا الذي عرضناه من قبل، فى خلق الإنسان وفى تطوره فى الخلق، وأن الإنسان كما انتقل صاعدا من قرد إلى إنسان، كذلك ردّ نازلا من إنسان إلى قرد!. ولعلّ فى قوله تعالى: «خاسِئِينَ» ما يقوّى هذا الرأى الذي ذهبنا إليه.. إذ يقال فى اللغة: خسأ الكلب يخسأه خسأ: طرده، وخسأ البصر

الآيات (67 - 74) [سورة البقرة (2) : الآيات 67 إلى 74]

يخسأ خسوءا: كلّ وأعيا، وخسئ الكلب يخسأ وانخسأ: انزجر وبعد، والخاسئ من الخنازير والكلاب: المبعد المطرود. ومعنى «خاسئين» مبعدين، مطرودين من عالم الإنسان، مردودين إلى عالم الحيوان، وإلى فصيلة القردة منه، التي هى أعلى مراتب الحيوان وأول مراتب الإنسان الحيوان!. الآيات (67- 74) [سورة البقرة (2) : الآيات 67 الى 74] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (67) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (68) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)

التفسير: وهذا موقف آخر من مواقف العنت والعناد، من هؤلاء القوم مع الله، ومع آيات الله، حيث لا تزيدهم الآيات إلا كفرا، ولا يزيدهم النور إلا عمى. لقد قتل فى القوم قتيل فادّارءوا فيه: أي اختلفوا فى التعرف على قاتله، إذ رمى بعضهم بعضا به، ودفع بعضهم بعضا إلى موقف الاتهام فيه. ولجأ القوم إلى موسى يسألونه آية تنطق القتيل باسم قاتله، وهم يريدون بهذا أولا وقبل كل شىء، امتحانا لموسى، واستيقانا من دعواه أنه رسول الله، وكليم الله!. وتجىء آية الله من وراء ما يقدّر القوم، فتدور لها رءوسهم، وتضطرب لها عقولهم. يقول لهم موسى ما أمره الله به: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً» ! ويذهل القوم ويدهشون! ما للقتيل والتعرف على قاتله وهذه البقرة التي يؤمرون بذبحها؟ المسافة كما تبدو فى ظاهر الأمر.. بعيدة جدا، بين السؤال وجوابه، وبين المطلوب والأسباب الموصلة إليه! ثم إنهم طلبوا آية، فهل فى أن تذبح بقرة من البقر آية؟. ويرى القوم كأن موسى يعبث بهم، فيقولون له: «أَتَتَّخِذُنا هُزُواً» ؟ فيجيبهم: «أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ» - إن العبث لا يكون إلا عن جهل، ولا يقع إلا من جهّال، وهو نبى معصوم، توجهه السماء، فلا يضل ولا يهزل!! ولا يجد القوم فى هذا مقنعا، ويذهب بهم جهلهم وحمقهم إلى أن البقرة المطلوبة ليست مجرد بقرة، وإنما هى على أوصاف نادرة لا تتحقق إلا فيها، حتى يمكن أن تتخلّق منها الآية التي طلبوها.. هكذا فكروا وقدّروا.

«قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ؟» لقد جمعوا بين الجهل والسفاهة، فأبوا أن يقولوا «ادع لنا ربنا» وقالوا: «ادْعُ لَنا رَبَّكَ» وكأنه ربّ موسى وليس ربا لهم! ومع هذا فقد أجابهم الله إلى ما طلبوا: «قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ، عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ» أي هى من أواسط البقر فى سنها، ليست كبيرة ولا صغيرة.. والفارض هى التي ولدت مرات كثيرة، والبكر، التي لم تلد بعد.. فهى وسط بين هذين الطرفين. وفى قوله تعالى: «فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ» تنبيه لهم.. إن كانوا يعقلون.. أن ينتهوا عند هذا، وألا يطلبوا وراء هذه الصفات صفات أخرى.. ولكن يأبى القوم إلا أن يلبسوا بقرتهم أثوابا لا ترى على كثير من البقر.. فعادوا إلى موسى يسألونه: «ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها» وفى كل مرة يقولون «ربّك» ولا يقولون «ربّنا» ويجيبهم الرحمن الرحيم إلى ما طلبوا: «إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ» ولم يدعهم فى هذه المرة إلى أن يفعلوا ما يؤمرون، بل تركهم وما تختار لهم أنفسهم من ركوب هذا المركب الخشن، حتى تحفى أقدامهم وتنهدّ قواهم! ويعودون إلى موسى مرة أخرى: «ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ، إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا» !! والبقر هو البقر.. يشبه بعضه بعضا، ولكنهم يريدونها بقرة لا شبيه لها.. بقرة خلقها الخالق لهذا المطلب، ولم يخلق مثلها..! ويجيئهم أمر الله: «إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ، وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ، مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها» أي إنها بقرة لم يذللها العمل، بل هى بقرة بريّة مرسلة، لم تستخدم فى حرث الأرض، ولا فى سقى ما يحرث من الأرض، ثم هى بريئة

من كل عيب يدخل عليها فى أعضائها، أو فى لونها: «مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها» . وهنا يجد القوم أن بقرتهم قد لبست أوصافا لا تكاد تقع إلا فى القليل النادر، فيجدّون فى البحث عنها، وهم سعداء بهذا الجري اللاهث وراءها.. ويلقون إلى موسى بتلك الفرحة التي ملأت صدورهم، قبل أن يعثروا عليها «الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ» !! الآن فقط! كأنه إنما كان فى كل ما جاءهم به من قبل عن هذه البقرة وغيرها، ليس مما هو حق، بل باطل وعبث! «فذبحوها، وما كادوا يفعلون» أي أنهم لم يكادوا يجدون بقرة على تلك الصفة، أو أنهم حين وجدوها صغرت فى أعينهم، فكادوا ينصرفون عنها، ويطلبون أوصافا أخرى لبقرة غيرها! فانظر كيف يستبدّ بهم اللجاج والعناد، وكيف يوردهم لجاجهم وعنادهم موارد التّيه والضلال، ولو أنهم امتثلوا ما أمروا به من أول الأمر، وعمدوا إلى أية بقرة من البقر لكانوا قد أدوا ما أمروا به، وكفوا أنفسهم مئونة هذا العناء. وإذ يذبحون البقرة يفتحون أعينهم وأفواههم إلى موسى قائلين له: ماذا بعد ذلك؟ ويجيئهم الجواب: «فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى، وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» . ويضرب الميت ببعض لحم البقرة، فتعود إليه الحياة، وينطق باسم قاتله، ثم يعود إلى عالم الموتى، إلى يوم يبعثون! بقدرة الله قام هذا الميت، وليس للبقرة ولا لذبحها وضربه ببعض لحمها علاقة بهذه الحياة التي عادت إليه، فقدرة الله فوق الأسباب جميعها، ولكن مطلوب من الناس أن يعملوا، وأن يتحركوا إلى الغايات التي ينشدونها،

الآيات: (75 - 77) [سورة البقرة (2) : الآيات 75 إلى 77]

وأن يعلموا أن الأسباب الظاهرة التي يتخذونها طريقا إلى المسببات، ليست هى العاملة فى النتائج التي يحصلون عليها، فقد يقدّر المرء أسبابا يراها منتجة لثمرة بعينها، فيقع الأمر على خلاف ما قدر.. فالتلازم بين الأسباب والمسببات مرهون بإرادة الله، وبقدرة الله. والملاحظ فى هذه القصة- قصة البقرة- أن النظم القرآنى لها، قد قلب أحداثها، فقدّم ما حقه التأخير، وأخر ما من شأنه أن يقدم.. إذ أمر القوم بذبح البقرة بعد أن وقع حادث القتل، وبعد أن تراموا بالتهم فيه، ولكن- وكما يبدو من سياق النظم- أمروا بذبح البقرة أمرا يبدو كأنه لا لغاية يقصد لها، ثم أخذوا فى اللجاج والتخبط إلى أن عثروا على البقرة التي استكثروا من أوصافها، وذبحوها.. وهنا، ولأول مرة- تتضح الصلة بين ذبح البقرة وهذا القتيل الذي يؤمرون بضربه ببعضها! وهذا لون من ألوان النكال بالقوم، عقابا لعنادهم وكفرهم بآيات الله، إذ يرمون بهذا التيه، حتى وهم فى آية من آيات الله، لأنهم سيمكرون بها كما مكروا بغيرها مما سبقها، أو مما سيلحق بها، وهذا ما أخبر الله سبحانه وتعالى عنه، بعد تلك القصة مباشرة: «ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ، فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً» إنها قلوب لا تلتقى مع الخير أبدا، ولا تنتفع به إذا هو طاف بها وطرق بابها!! الآيات: (75- 77) [سورة البقرة (2) : الآيات 75 الى 77] أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (77)

التفسير: فيما عرض الله سبحانه وتعالى من النعم التي أنعم بها على بنى إسرائيل، ما قد يدخل منه على الشعور بأن القوم أهل لهذه النعم، وأن الله قد اصطفاهم دون عباده، إذ ساق إليهم تلك النعم وغمرهم بها، ولكن الأمر على خلاف هذا، فإنه ما ذكر القرآن نعمة أنعمها الله على بنى إسرائيل إلّا جاء بعدها التنديد بهم والوعيد لهم، واللعنة عليهم، بسبب مكرهم بآيات الله، وكفرهم بنعمه، وما زالت نعم الله تتوالى عليهم، وما زالت نقمه تنصبّ عليهم، حتى خرجوا من عالم الإنسان إلى عالم القردة والخنازير.. وهكذا، على قدر النعم يكون الابتلاء، فمن حفظها حفظه الله، ومن ضيعها ضيعه الله!! وفى أعقاب قصة البقرة ذكر الله ما فى قلوبهم من قسوة دونها قسوة الحجارة وبلادتها، وإنها لقسوة وبلادة أصبحت جبلّة وطبيعة فيهم، بحيث تنقلت فى أجيالهم إلى أن التقت بعض ذراريهم بالدعوة الإسلامية، وبصاحب الدعوة، النبىّ الأمىّ، الذي يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل.. وإذا هؤلاء الأبناء ليسوا خيرا من آبائهم، وإنه لا مطمع فى استجابتهم للدعوة الإسلامية، ولا رجاء فى انتفاعهم بها.. إنهم يمكرون بآيات الله كما مكر آباؤهم بها.. يسمعون كلام الله، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه، أي إنهم يحرفون عن عمد ويضلون على علم، وتلك هى قاصمة الظهر، فلو أنهم حرّفوا عن سهو أو أخطأوا عن جهل، لكان لهم وجه من العذر، ولكنهم عن عمد حرفوا، وعلى علم ضلّوا وأضلوا.. ثم إن لهم مكرا آخر مع الدعوة الإسلامية، عدا التحريف فيها،

الآيتان (79 - 80) [سورة البقرة (2) : الآيات 78 إلى 79]

والتشويش عليها.. إنهم يلقون المؤمنين بوجه المنافقين، يقولون لهم آمنا بما تؤمنون به، وذلك منهم على سبيل الاستهزاء المتستر وراء نفاقهم المفضوح، ثم إن لهم مكرا غير هذا المكر أيضا، حين يخيل إليهم جهلهم أن دعوة الإسلام قائمة على خواء، وأنها تتلمس من خارج محيطها القوى التي تسندها وتشدّها، ولهذا فهم يتناجون ويتناصحون: ألا يتحدثوا إلى المسلمين بما عندهم من علم التوراة وأخبارها، حتى لا يتخذ المسلمون من ذلك حججا يقيمونها فى وجه اليهود! وكذبوا وضلوا، فما قامت الدعوة الإسلامية إلا على الحق، فمن الحق منزلها، وبالحق نزلت، رحمة وهدى للناس! الآيتان (79- 80) [سورة البقرة (2) : الآيات 78 الى 79] وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) التفسير: والقوم فريقان: عامة، وخاصة، أو أميون، وعلماء.. والأميون- شأنهم فى كل أمة- مقودون لمقولات العلماء وأصحاب الفتيا فيهم، فإن ضلّ العلماء أو انحرف المفتون، عظم البلاء، وعمّ الخطب، فشمل الأمة كلها، ولهذا أخذ الله الميثاق على العلماء أن يؤدّوا أمانة ما حملوا من علم، فيفتحوا للناس طرق الهداية، ويكشفوا لهم سبل الرشاد: «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ (87 آل عمران) وعلماء بنى إسرائيل هم دعاة غواية وضلال فيهم، لا يؤدّون أمانة العلماء بينهم، بل يجيئون إليهم بالحق متلبّسا بالباطل، وبالهدى مختلطا

الآيات (80 - 82) [سورة البقرة (2) : الآيات 80 إلى 82]

بالضلال. «يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ» .. «فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ» الآيات (80- 82) [سورة البقرة (2) : الآيات 80 الى 82] وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (80) بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (82) التفسير: ولا يقف سفه اليهود عند حدّ، فهم يفترون على الله الكذب، إذ يتخذون لأنفسهم مكانا عنده، تمليه عليهم أهواؤهم، حتى لكأنهم بحيث لهم سلطان على الله، ومشيئة فوق مشيئته. قالوا: نحن أبناء الله وأحبّاؤه. فكان قول الحق لهم: «فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ؟ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ» (18: المائدة) «وَقالُوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً» فكان إنكار الحق عليهم بقوله: «أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ.. أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ؟» وهذا القول من اليهود ليس بلسان المذنبين منهم، ليهوّنوا على أنفسهم اقتراف المنكر، واستساغة تعاطيه وإدمانه، وإنما هو على لسان الشريعة التي افتروها على الله، وخصّوا بها أنفسهم.. إن أشرارهم وعصاتهم لن يعاقبوا كما يعاقب سائر الناس، وإنما- إذ كانوا يهودا- لهم حكم خاص، فلا تنالهم

آية: (83) [سورة البقرة (2) : آية 83]

النار إلا مسّا، ولأيام معدودة.. هذا هو حكم العصاة والمجرمين والملحدين منهم، الذين غرقوا إلى أذقانهم فى الإثم والضلال!! وبهذا التفكير الآثم، الذي أدخلوه مدخل الشريعة. استطاعوا أن يترضّوا أهواءهم، وأن يشبعوا أطماعهم، وأن يركبوا كل منكر، ويأتوا كل قبيح، فى جانب الله، وفى حق الناس! وكلّا، فإن المحسنين منهم- وقليل ما هم- يلقون جزاء الإحسان بالإحسان، وإن المسيئين منهم- وما أكثرهم- فالنار مثوى لهم: «مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» . هذا هو حكم الله، يقضى به بين عباده: يهودا كانوا أو غير يهود، والخطيئة التي تحيط بالإنسان وتحبط عمله هى الكفر بالله، نعوذ بالله منه، ولكن اليهود لا يرون فى اليهودىّ إذا كفر بالله أن يلقى مصير الكافرين.. لا لشىء إلّا لأنه يهودى! وهذا هو الذي جعل اليهود يعزلون أنفسهم عن الناس، ويحجزون أنفسهم عن الاختلاط بهم، حتى يحتفظوا بهذا الامتياز المفترى، الذي يرجع أولا وآخرا إلى النسب، لا إلى الإيمان والتقوى! «وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً» (41: المائدة) آية: (83) [سورة البقرة (2) : آية 83] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)

الآيات: (84 - 86) [سورة البقرة (2) : الآيات 84 إلى 86]

التفسير: هذا هو ميثاق الله الذي أخذه على عباده، كما حملته شرائعه، وبلغه رسله، وهو الميثاق الذي أخذه الله على بنى إسرائيل. ولكن للقوم دون عباد الله جميعا موقف لئيم ماكر، يكشفه قوله تعالى: «ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ» . فهم جميعا يلقون آيات الله معرضين عنها، يلقونها غير آبهين لها، ولا ملتفين بوجودهم كله إليها.. ثم إذا هم بعد ذلك فريقان: الفريق الأكثر الذي يكاد ينتظم الجماعة كلها، لا يحتمل حتى هذا الموقف المنحرف مع آيات الله، بل يولّى عنها، معطيا ظهره إياها.. وفئة قليلة هى التي تستطيع أن تمسك نفسها على هذا الموقف المنحرف! إن أحسن اليهود حالا، وأقربهم إلى الله، لا يسكن الإيمان قلوبهم، ولا تجد الخشية مكان الطمأنينة فى كيانهم، إنهم على طريق معوج منحرف، لا يستقيم بهم أبدا. ومن إعجاز القرآن هنا أنه وصف اليهود الوصف الكاشف الملازم لهم، فما وصفوا فى القرآن بوصف ينقض هذا الوصف فى أي حال، وفى أي موقف.. علماؤهم يبدّلون ويحرفون ويشترون بآيات الله ثمنا قليلا، وجميعهم- عامة وعلماء- يحملون قلوبا قاسية، هى كالحجارة أو أشد قسوة.. فسبحان من هذا كلامه.. «وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» . الآيات: (84- 86) [سورة البقرة (2) : الآيات 84 الى 86] وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)

التفسير: وهذا ميثاق آخر أخذه الله على بنى إسرائيل: أن يحترموا حرمات الدماء والأموال، فلا يسفك بعضهم دم بعض، ولا يعتدى بعضهم على ما بيد بعض من أموال وديار.. وإذ كان هذا الميثاق عاملا ماديا يحرس أمنهم وسلامتهم، فقد أقروا به، وشهدوا آثاره حين استجابوا له، وعملوا به، فهو قانون يعطى ثماره عاجلة غير موجّلة. وانظر كيف جاءت فاصلة الآية هنا: «ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ» حيث يقتضى الأمر تسليما ورضى به من كل إنسان، إذ فيه أمنه وسلامته.. على حين جاءت الفاصلة فى الآية التي قبلها، وهى التي تحمل الميثاق بالإيمان بالله واليوم الآخر، والإحسان إلى الوالدين وذوى القربى والمساكين وابن السبيل، والإحسان إلى الناس بالقول مع الإحسان إليهم بالعمل، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة- جاءت الفاصلة هناك هكذا: «ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ» حيث لا تلقى هذه الدعوة استجابة ورضى إلا من قلوب متفتحة للحق، ونفوس متقبلة للخير. وحظ القوم- أعنى اليهود- من هذا وذاك قليل، فلا يهشّون لمثل هذه الدعوة، التي لا تضع بين أيديهم كسبا عاجلا، وثمرا ناضجا!! ومع أن القوم أقروا بهذا الميثاق الذي يضمن لهم صيانة دمائهم وأموالهم، وشهدوا آثاره الطيبة العاجلة فيهم- مع هذا، فإنّهم سرعان ما تغلب عليهم

شقوتهم، وتقهرهم نزواتهم الشريرة الكامنة فيهم، فينقضون هذا الميثاق: «ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ، وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ، تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ» . ومن عجب هؤلاء القوم أنهم إذ يخرجون فريقا منهم من ديارهم ظلما وعدوانا، فإنهم إذا وقع إخوانهم هؤلاء ليد أعدائهم وعرض عليهم فداؤهم من الأسر، قبلوا ذلك، وبذلوا لهم من أموالهم.. فكيف يلتقى هذا العمل الطيب، مع العمل الرديء الذي سبقه؟ كيف يضربون إخوانهم بأيديهم ويخرجونهم من ديارهم وأموالهم، ثم يعودون فيحررونهم من الرق، إذا أسروا؟ والأمر وإن بدأ متناقضا، إلا أنه مستقيم مع طبيعة هؤلاء القوم، التي تتحكم فيها الأنانية وحب الذات.. فالأخوّة عندهم ليست أخوة على إطلاقها، فى السرّاء والضراء، وإنما هى أخوّة ما جلبت نفعا ذاتيا، وحققت مصلحة خاصة، أما إذا لم يكن ذلك من معطياتها فهى أخوّة ذئاب، إذا جرح ذئب فيها لم يحملوه، بل أكلوه! هذا شأنهم مع وصايا الرسل والأنبياء، ومع كل ما يحمل إليهم من أمر أو نهى.. يتخيرون ما يرضيهم، ويعرضون عما لا يقع منهم موقع الرضا والقبول، على المستوي المادي، وفى حدود الدائرة الذاتية، التي يعيش كل منهم فيها بنفسه ولنفسه! ولهذا أنكر الله عليهم هذا الموقف اللئيم، وتوعدهم عليه بقوله: «أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ، وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ؟ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.» والخزي الذي ينالهم فى هذه الدنيا. هو من تبدل مواقفهم فى الأمر الواحد،

(الآيات: 87 - 90) [سورة البقرة (2) : الآيات 87 إلى 90]

حسب ما تمليه أحوالهم، وتقتضيه ظروفهم.. يأخذ أحدهم بالأمر اليوم، ثم إذا هو يردّه غدا، ثم يعود إليه، ثم يرده، وهكذا.. وليس من ضابط لهذا إلا المصلحة الخاصّة، والهوى الذاتي.. وهذا من شأنه أن يخزى الإنسان أمام نفسه، إن كان على شىء من الإحساس والشعور، وإلا فهو الخزي الذي ترميه به العيون الراصدة، لتقلّبه مع كل ريح.. وهذا هو أصل النفاق، ذلك الداء المتمكن فى اليهود، إنهم يتحركون دائما مع الريح المواتية لأهوائهم، المشبعة لنهمهم، دون التزام بمبدأ أو خلق، ودون رعاية لشريعة أو دين! (الآيات: 87- 90) [سورة البقرة (2) : الآيات 87 الى 90] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87) وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ (88) وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (90) التفسير: قصة بنى إسرائيل مع رسل الله، تكشف عن العناد الصبيانى الذي تنطوى عليه طبيعة القوم، فهم مع كل رسول مكرة معاندون،

لا يجمعهم إليه رحم، ولا يمسك بهم معه إيمان.. فما لقى منهم أنبياؤهم إلا البهت والتكذيب، أو التطاول بالأذى والقتل.. ومن أساليبهم الخبيثة فى قطع الوسائل بينهم وبين حملة الهدى إليهم من أنبيائهم، أنهم إذا أعيتهم الحيل فيهم، وفضحتهم الحجج معهم، وضاقت عليهم سبل الإفلات من الآيات المشرقة التي تطلع عليهم من كل أفق- لا يتحرجون من أن يلصقوا بأنفسهم التّهم ويقولون فيما يقولون: «قُلُوبُنا غُلْفٌ» !!. هكذا هم حقّا، ولكن القوم يقولونها بألسنتهم لا عن اعتراف بالحق، ولا عن شجاعة فى كشف عيوب النفس بغية إصلاحها، ولكن يقولون ذلك تخابثا واحتيالا، ليتخلصوا من يد الحق المستولية عليهم، ولهذا كان ردّ الله زاجرا قاتلا: «بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ» أي أنهم واقعون تحت لعنة الله، فإذا آمن أحدهم فلا يخالط الإيمان كيانه، وإنما يلمّ به إلماما، وقد أشرنا إلى هذا فى تفسير قوله تعالى: «ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ» !. إن الحق عند القوم ليس حقّا لأنه حق فى ذاته، وإنما يكون حقّا يأخذون به، ويلتزمونه، إذا هو حقق لهم نفعا عاجلا، وكسبا ذاتيا، وإلا فهو باطل الأباطيل، يسلقونه بألسنتهم، ويرمونه بأيديهم.. هكذا هم فى قديمهم، وكذلك هم فى حديثهم!. كان علمهم من التوراة يحدثهم بأن نبيا سيظهر فى العرب، وأن الله قد أخذ على الأنبياء، وعلى أتباع الأنبياء، الميثاق أن يكونوا مع هذا النبىّ إذا ظهر، وجاءهم بكتاب مصدق لما معهم.. وقد تحدّث اليهود إلى العرب بهذا، وبأنهم سينتصرون لهذا النبىّ ويكونون معه وبه قوة على العرب

المشركين.. فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم وبدأ دعوته بعشيرته الأقربين امتثالا لقوله تعالى «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ» (214: الشعراء) وحين سبق إلى الإيمان به نفر من قومه، تردد اليهود وتوقفوا، ثم لما أن سبقهم الأنصار من الأوس والخزرج إلى الإيمان، تنمّروا وتنكروا، وأخذوا يمكرون بالدعوة الإسلامية، ويظاهرون مشركى قريش عليها، إذ أن سبق من سبق من المهاجرين والأنصار قد فوّت عليهم الاستيلاء على الدّعوة وحجزها فى محيطهم وحدهم دون الناس، لأنهم يريدون أن يستولوا على كل شىء، ويستأثروا بكل شىء، فإن كان أمر لأحد معهم فيه نصيب أعلنوا الحرب عليه، وحاولوا إفساده بكل سبيل، حتى لا ينتفع به!. ولهذا تشوه دعوة الإسلام فى أعينهم ويتحول الحق الذي عرفوه إلى باطل، يأتمرون به ويحاربونه، سرا وجهرا. وقد سجّل الله سبحانه وتعالى عليهم هذا الموقف اللئيم فى قوله سبحانه: «وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ، وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ. بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ» .. إن الحسد ليأكل صدورهم، وإن الشّره ليعمى أبصارهم، حتى إنهم ليهلكون أنفسهم، ويحرمونها موارد الخير، لأن غيرهم قد سبقهم إلى هذا الخير ونال منه. وهو خير لا ينفد أبدا، يسع الناس جميعا، ومع هذا فهم يريدونه خالصا لهم من دون الناس، لا ينال أحد شيئا منه.. وقد غضب الله عليهم غضبا بعد غضب، غضب عليهم أولا، لأنهم عرفوا الحق ولم ينصروه، بل خذلوه ومكروا به وحاربوه.. وغضب عليهم ثانيا، لأنهم نقضوا الميثاق

الآيات: (91 - 93) [سورة البقرة (2) : الآيات 91 إلى 93]

الذي أخذه الله عليهم فى الكتاب الذي بين أيديهم، ثم حرّفوا فى كتابهم هذا وبدلوا، واستباحوا حرمته، وهذا كفر بكتابهم بعد كفرهم بمحمد وبما نزل عليه. وهذا ما جعلهم بمعرض من غضب الله، حالا بعد حال، ومرة بعد مرة!. الآيات: (91- 93) [سورة البقرة (2) : الآيات 91 الى 93] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93) التفسير: كل حجّة كانت تقطع على القوم سبيل الإفلات منها، كانوا يلقونها بوجه وقاح، لاحياء فيه.. فمع علمهم بأن دين الله واحد، ورسالات رسله تصدر جميعها عن هذا الدين، فإنهم إذا دعوا إلى الإيمان بما أنزل الله على رسله لوّوا رءوسهم، وقالوا: «نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا» !! كأنما يحسبون أن ما أنزل عليهم هو شرع شرعه الله لهم، وخصهم به من دون الناس، وجعل لهم به سلطانا على العباد.. وكذبوا وضلوا! فالكتاب الذي نزل على محمد يحوى مضامين ما أنزل على موسى وعيسى وما أنزل على النبيين جميعا، ولهذا أمر أتباع محمد أن يؤمنوا بما أنزل على أنبياء الله، كما يقول القرآن الكريم، متوجها بهذا الأمر إليهم: «قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ

الآيات (94 - 96) [سورة البقرة (2) : الآيات 94 إلى 96]

إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» : (123: البقرة) ومع هذا فهل آمن بنو إسرائيل بما أنزل عليهم حقّا؟ إذن فلم قتلوا أنبياءهم؟ ولم حادّوا الله ورسله مع الآيات البينات التي جاءتهم على يد الأنبياء؟ ولم عبدوا العجل بعد أن أراهم موسى من آيات ربّه ما تلين له الصمّ الجلاد! أفهذا هو الإيمان، وما يأمر به الإيمان؟. وفى قوله تعالى: «قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا» وفى الجمع بين السمع والعصيان ما يشير إلى تلك الطبيعة اللئيمة المستقرة فى كيان القوم، وهى أنهم لا يتقبلون الخير ولا يستقيمون عليه، وأنه إذا نفذت إلى آذانهم دعوة الخير استقبلها من قلوبهم عواء مخيف، يردّها عن أفقه، ويصدها عن مورده: «سمعنا وعصينا» ! سمعنا بآذاننا وعصينا بقلوبنا!. وفى قوله تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» وتكرار هذا القول مرتين فى موقف واحد- فى هذا ما يكشف عن حقيقة هذا الإيمان الذي يدّعونه.. فهو إيمان على دخل، تختلط به خمائر الشك، والنفاق.. وهذا إيمان لا يقبله الله، ولا يدخل أهله فى زمرة المؤمنين به!. الآيات (94- 96) [سورة البقرة (2) : الآيات 94 الى 96] قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (96)

الآيات (97 - 99) [سورة البقرة (2) : الآيات 97 إلى 99]

التفسير: إن الدعوى التي يدعيها بنو إسرائيل، ليتخذوا منها مقنعا لهم وللناس، من أنّهم أبناء الله، وأنهم موضع رعايته واختصاصه إياهم بالرحمة والرضوان- هذه الدعوى مفتراة على الله، أوردوا بها أنفسهم موارد الضلال والهلكة.. وليس أدل على بطلان هذه الدعوى وفساد هذا المتعلّق الذي يتعلقون به، من أنهم لو كانوا يؤمنون حقّا بصدق هذه الدعوى لكان تعلقهم بالدار الآخرة أكثر من تعلقهم بالحياة الدنيا، ففى الآخرة نعيم لا ينفد أبدا، وسعادة شاملة لا تدخل عليها شائبة من شقاء أو نصب.. ولكن القوم يتعلقون بالحياة الدنيا أشد التعلق، وينفرون من كل أمر يقطعهم عن هذه الحياة ويصلهم بالآخرة، أشدّ النفور.. «وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا» .. فهم أحرص الناس جميعا بلا استثناء على الحياة، حتى إنّ المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة، ولا يرجون حياة بعد هذه الحياة ليس فيهم هذا الحرص على التمسك بالحياة التي يحرص اليهود عليها هذا الحرص العجيب.. «يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ» ليستوفى حطّه من الجمع والاقتناء.. «وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ» فليس له من هذا المصير مهرب، وإن امتد عمره إلى آلاف السنين!. الآيات (97- 99) [سورة البقرة (2) : الآيات 97 الى 99] قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (98) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (99)

التفسير: الحسد الذي أدّى ببني إسرائيل إلى الكفر، وأوردهم موارد الهلاك- هذا الحسد قد جعلهم يحادّون الله علنا، ويجهرون بالتطاول على ملائكته، الذين يصدعون بأمره، ويحملون رحمته إلى عباده.. فهم يعلمون أن جبريل- عليه السلام- هو حامل كلمات الله إلى الرسول الكريم، وهم- مع علمهم هذا- يضمرون البغضة والعداوة لهذا الملك الكريم، لأنه حمل رحمة الله إلى عبد من عباد الله، وهم يرون أنهم أحق بهذه الرحمة وأهلها، وأن الله هو إلههم وحدهم، ورحمته مقصورة عليهم!! فكيف يحمل جبريل رحمة السماء إلى أرض غير أرضهم، وإلى جنس غير جنسهم؟ وانظر إلى قوله تعالى: «مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ» حيث الشرط الذي يفيد العموم، وهو يراد به بنو إسرائيل خاصة.. وفى هذا ما ينادى بأن هؤلاء القوم لا يحتاجون فى هذا المقام إلى وصف أو تخصيص، فإذا ذكرت فعلة شنعاء دون متعلّق لها، فإنها لا تعلق إلا بهم، ولا تأخذ إلا بمخانقهم، من دون الناس جميعا، وإذا أطلقت صفة ذميمة على عمومها، فإنها تحوّم وتحوّم، ثم لا تسقط إلا على رءوسهم هم أولا. وفى قوله تعالى: «فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ» توكيد لتمكن القرآن الكريم من كيان الرسول، وأنه تلقاه سماعا من الوحى، فإن هذا السماع ينفذ إلى القلب، ويستقر فيه، وحتى لكأن القلب هو الأذن التي تلقّت كلمات الله! أو لكأن الأذن هى قلب، فى الحفظ والوعى لما تسمع!

هذا، وقد تعلق بعض المفسرين بظاهر اللفظ فى قوله تعالى: «نَزَّلَهُ» ففهم أن الوحى لم يكن من لفظ مسموع يلقيه جبريل إلى النبىّ الكريم، وإنما كان إلهاما يجده الرسول فى قلبه، فيتحدث به لسانه، واستند أصحاب هذا الرأى إلى قوله تعالى للنبى الكريم، فى آية أخرى: «لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ» فقالوا: إن النبىّ كان حين يلقى إليه الوحى على هيئة خواطر فى قلبه، يبادر فيشكلّها كلمات يجريها على لسانه فى عجلة، مخافة أن تفلت منه، أو تتغير هيئتها! وهذا الرأى قد فتح للمستشرقين وغيرهم بابا للقول، بأن القرآن فى هيئته اللفظية، ليس كلام الله، وإنما هو من صياغة «محمد» ، حيث كان يصوغ الخواطر التي يتلقاها من الوحى، فى الصورة اللفظية المناسبة. ولهذا- كما يقولون- جاء القرآن أنماطا مختلفة من الأساليب، بعضها ممتد النفس، هادىء، ليّن، وبعضها متقطع الأنفاس، صارخ عنيف.. وذلك حسب حال النبىّ، وما تثيره الخواطر المتنزلة عليه.. وعلى عكس هذا لو كان القرآن لفظا ومعنى من عند الله، فإنه يكون نمطا واحدا، لا يتأثر بالعوامل النفسية الإنسانية، التي يكون عليها النبىّ حين يتصل بالوحى.. وهذا جهل أو تجاهل، بالحق الواضح، إذ أن كلام الله الذي يخاطب به عباده، إنما يبلغ آثاره فيهم، إذا جاء على أنماط كلامهم، وجرى على أساليب بيانهم، فلان فى مواضع اللّين، واشتدّ فى أحوال الشدة، وهذا ما عبر عنه علماء البلاغة فى وصفهم للكلام البليغ، بأنه: المطابق لمقتضى الحال. وهذا القول إنما يقوله من المستشرقين من يسلّمون لمحمد بالنبوة والرسالة. أما من لا يؤمنون بالوحى، ولا يعتقدون فى الرسالات السماوية فيقولون: إن القرآن- لفظا ومعنى- هو من عمل محمد!

الآيات: (100 - 103) [سورة البقرة (2) : الآيات 100 إلى 103]

وفى قوله تعالى: «وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ» توكيد لما نزل على النبىّ من قرآن، وآيات بينات، منزلة من الله.. وفى قوله سبحانه: «وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ» تهديد لليهود، ووعيد لهم، على كفرهم وفسقهم.. فهم الكافرون الفاسقون.. كفروا بمحمد، وفسقوا عن دينهم الذي كانوا عليه، أي خرجوا عن دينهم، حين أنكروا ما فيه من أمر محمد ورسالته. الآيات: (100- 103) [سورة البقرة (2) : الآيات 100 الى 103] أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (103) التفسير: نبذ العهود ونقض المواثيق، هو الطبيعة الغالبة على بنى إسرائيل، لا فرق فى موقفهم هذا مع الناس، أو مع الله! ذلك لأنهم لا يؤمنون بالمبادىء

والقيم، ولا يتقيدون بقيد الفضيلة والشرف، لما يغلب عليهم من أثرة قاتلة، وأنانية متحكمة، يستبيحون بها كل شىء، وينزلون بها عن كل شىء، من خلق أو دين. وفى قوله تعالى: «نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ..» حيث عدل عن التعميم إلى التخصيص، فى قوله «الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ» بدلا من «منهم» - فى هذا ما يشير بأن علماء القوم وأهل الذكر فيهم، هم الذين يتولّون هذا الإثم العظيم، وينبذون كتاب الله وراء ظهورهم، بالخلاف عليه، والتحريف فيه، عن علم، و «كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ» ! ولو أن هؤلاء العلماء من بنى إسرائيل قد انتهت جريمتهم عند هذا المكر بكتاب الله والخلاف عليه، مع ما فى هذا العمل الآثم من شناعة وفظاعة لكانت مصيبتهم مصيبة واحدة، وإن غلظت وعظمت، ولكنهم إذ وقفوا من كتاب الله الذي بين أيديهم هذا الموقف، راحوا يتعاملون مع الأباطيل والتّرهات، مما كانت تلقيه الشياطين على ملك سليمان، وهى خاضعة لسلطانه، من صور الأعمال الخارجة عن قوة البشر.. فلقد تعلق القوم بها، وتمسّحوا بما يرجف به المرجفون عنها، من شعوذات، ابتغاء الوصول إلى شىء من تلك القوى التي تملكها الشياطين، ليتسلطوا بها على العباد، وليجنوا من ورائها الربح المادىّ الذي يحلمون به! ولهذا كثر فى بنى إسرائيل الأنبياء الكذبة، الذين طلعوا فيهم من كل ناحية، والذين حدّثت التوراة عنهم، وحذّرت منهم، ولكن القوم اتبعوا هؤلاء المتنبئين الأدعياء، وكفروا بأنبياء الله وبهتوهم. وفى قوله تعالى: «وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا» احتراز عن فهم خاطئ لاستخدام الشياطين، التي لا يحمد لها قول أو عمل، وذلك أن سليمان كان يضبط أعمالها على الوجه المحمود، الذي لا يخرج بها عن طريق الحق

والخير!! أما هؤلاء القوم فإنما يبتغون من وراء تسخيرها التسلط على الناس، ووضع مقدّراتهم تحت أيديهم، حيث يتعلمون منهم أبوابا من الحيل، وأشتاتا من المكايد. والقوم إنما يلتمسون الباطل من كل وجه، ويصيدون الضلال من كل أفق، فهناك غير ما ألقت به الشياطين على ملك سليمان، وما تركته من آثار أفعالها- هناك كان لملكيين أو ملكيين- بكسر اللام- اسمهما هاروت وماروت، حديث إلى الناس فى بابل، وفى هذا الحديث ضروب من السحر والحيل، كانا يكشفان أمرها للناس، على سبيل الابتلاء والاختبار، حيث يقولان لكل من يستمع إليهما: «إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ» ! ولله سبحانه وتعالى أن يبتلى عباده بما يشاء من الشر والخير، كما يقول سبحانه. «وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً» : (35: الأنبياء) ، ولقد ابتلى الله سليمان عليه السلام بتلك القوى القاهرة التي وضعها بين يديه، لينظر كيف يكون أمره معها، وفى هذا يقول الله سبحانه على لسان سليمان: «هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ» (40: النمل) فهذا الذي كان من فعل الملكين- بفتح اللام أو بكسرها- إنما هو من قبيل الابتلاء. وقد عمد القوم إلى تلك الآثار التي خلّفها الملكين من ضروب السحر والحيل فجعلوها أسلحة فتك ودمار، وأدوات تهديد وتبديد للناس، لم يتعلموا منها إلّا ما هو بلاء ونقمة، كما يقول تعالى: «فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ» أي ما يشيع الفرقة والتفكك فى المجتمع، وما يفصم أواصر المودة والأخوة بين الناس! حتى بين ألصق الناس بعضهم ببعض.. المرء وزوجه! وهذا الذي يتلقاه هؤلاء العلماء من بنى إسرائيل، من قوى السحر،

الآيتان (104 - 105) [سورة البقرة (2) : الآيات 104 إلى 105]

ليس بالذي يؤثّر أثره تلقائيا، وإنما شأنه شأن كل قوة فى الوجود.. هو خاضع لأمر الله، ماض بحكمه وتقديره: «وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ» فماهم إلا أدوات كأدوات السحر التي فى أيديهم، وما تلك الأدوات وأفعالها إلا محنة وبلاء عليهم، حيث تعلق آثامها بهم، وينسب شرها إليهم، وفى هذا يقول سبحانه: «وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ» فذلك هو محصّل القوم من هذا العلم الذي تعلموه: الشرّ المحض الذي لا نفع معه: «وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ» فهم وإن حققوا نفعا عاجلا فى هذه الدنيا بهذا السّحر الذي تعلموه، فإنهم لا يمسكون من هذا السحر فى الآخرة إلا بما يحزن ويسوء! «وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» . الآيتان (104- 105) [سورة البقرة (2) : الآيات 104 الى 105] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (104) ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) التفسير: الكلمة المنافقة على ألسنة المنافقين، هى سلاح من أسلحة العمل فى سبيل الغايات الخسيسة التي يعملون لها، ولهذا كان اليهود أبرع الناس فى هذه التجارة الخاسرة، تجارة النفاق، بالكلمة، وبالعمل.. معا. سمعوا المسلمين يهتفون برسول الله، تقرّبا: «راعنا يا رسول الله» ، أي ضمّنا إليك، واجعلنا تحت رعايتك.. فحرفوا الكلم عن مواضعه، شأنهم فى ذلك مع كلام الله، ومع كل طيب من الكلم، تأبى نفوسهم إلا أن تمجّه،

وتأبى ألسنتهم إلا أن تلتوى به- فجعلوا «راعنا» «راعنا» بالتنوين، يريدون بها صفة ذم، من الرعونة والطيش، ينطقون بها فى خبث تلتوى به ألسنتهم، حتى لا ينفضح أمرهم، ولا يجد من يعلم خبيئة أنفسهم، وسوء مكرهم، السبيل إلى مؤاخذتهم.. هكذا المنافق، حريص حرص الغراب، حذر حذر الضبّ، ناعم نعومة الحية!. ولإبطال هذا المكر السيّء، نبّه الله المؤمنين إلى أن يستبدلوا بكلمة «راعنا» كلمة «انظرنا» ، حيث لا يجد اليهود سبيلا إلى هذه الكلمة، بالتحريف الماكر! وقد ذكر القرآن الكريم هذا الموقف اللئيم الذي يقفه اليهود من الحديث مع رسول الله، وتعاملهم بالكلمة المنافقة معه، فقال تعالى: «مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا» (46: النساء) . وانظر كيف نفاقهم.. تصرح ألسنتهم بالكلمة الطيبة، ثم تخطفها قلوبهم، بالكلمة الخبيثة.. فإذا قالوا جهرا: «سمعنا» قالوا سرا: «وعصينا» ! وإذا قالوا وأسمعوا: «اسمع» قالوا ولم يسمعوا: «غير مسمع» ! يدعون على النبىّ بالصمم.. وإذا قالوا «راعنا» نطقوا بحروفها الأولى نطقا سليما، حتى إذا بلغوا مقطعها الأخير، اضطربت ألسنتهم بالنون فجاءت بين المدّ والتنوين! وقد كان الأولى باليهود، أهل الكتاب، أن يدعوا الناس إلى الله، وأن يسعدوا بهداية الناس إلى طريق الحق والهدى، ولكن الأثرة التي تملك

الآيات (106 - 110) [سورة البقرة (2) : الآيات 106 إلى 107]

عليهم وجودهم، تجعلهم يتمنّون لعباد الله الضلال والكفر بالله، حتى لا يدخل إلى رحاب الله أحد غيرهم، حسبما يقدّرون ويزعمون! ولهذا فقد جمعهم الله مع المشركين من كفار قريش فى هذا الموقف، إذ يقول سبحانه: «ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ» وأول هذا الخير وأعظمه، هو هذا القرآن الكريم، وما يحمل من صنوف الخير وألوان النعم. الآيات (106- 110) [سورة البقرة (2) : الآيات 106 الى 107] ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (107) النسخ: معناه ومتعلقه مسألة النسخ فى القرآن الكريم من الأمور التي كانت ولا تزال مثار جدل وخلاف بين علماء المسلمين، كما أنها كانت ولا تزال داعية تخرّص وتقوّل على القرآن.. من أعداء الإسلام.

وبكلمة واحدة نخرس أولئك الذين يتربّصون بالقرآن وأهله، ثم نتركهم فى غيظهم وكيدهم، لننظر فى هذا الخلاف الذي بين المسلمين فى أمر النسخ. والكلمة التي نقولها لأعداء هذا الدين هى قوله تعالى فى كتابه الكريم: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» (9: الحجر) . فهذا التحدّى القائم عليهم بحفظ الله تعالى للقرآن، هو مقطع القول فيما بينهم وبين القرآن.. فإذا استطاعوا أن يبدلوا حرفا أو يغيروا كلمة، أو يزيلوا آية من كتاب الله- كان لهم أن يقولوا فى هذا الكتاب ما يحلو لهم، من تشنيع عليه، واستهزاء به.. وهيهات هيهات.. فقد ذهبت سدى جميع المحاولات التي بذلها أعداء الإسلام، منذ قام الإسلام إلى اليوم، ليشوهوا وجه هذا الدين، بالتشويش على كتابه، والتشكيك فى صحته!. أما الخلاف الذي بين المسلمين فى أمر النسخ فقد وقع نتيجة للاختلاف فى فهم الآية الكريمة: «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها» . فالذين قالوا بوجود «النسخ» فى القرآن، وأخذوا بمنطوق هذه الآية، دارت أعينهم فى كتاب الله، يلتمسون مصداق هذه الآية، ويستخرجون لها الشواهد لآيات منسوخة بآيات ناسخة.. وقد وقعت أنظارهم على آيات يمكن أن تفسّر عليها تلك الآية الكريمة.. فكان النسخ عندهم أمرا لا بد من وقوعه فى القرآن، إذ نطقت به آية كريمة من آياته. والذين لم يفهموا الآية على هذا الوجه، فلم يروا فى القرآن ناسخا ولا منسوخا- هؤلاء جعلوا للآيات التي قيل إنها منسوخة، وجها من التأويل، بحيث يبقى حكمها كما بقيت تلاوتها.. وهذا إجمال يحتاج إلى شىء من التفصيل.

فأولا: ما هو النسخ؟ يجىء النسخ بمعنى المحو والإزالة، وذلك كما فى قوله تعالى: «وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» (52: الحج) . ويأتى النسخ بمعنى النقل من موضع إلى موضع، ومنه نسخت الكتاب أي نقلت ما فيه إلى كتاب آخر.. قالوا: ولا يقع هذا المعنى من النسخ فى القرآن.. إذ نقل الآية أو الآيات من كتاب إلى كتاب لا يسمّى نسخا بالمعنى الذي يفهم منه إزالة حكم الآية أو تلاوتها.. ويأتى بمعنى التبديل، كما فى قوله سبحانه: «وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ» (101: النحل) . هذا هو النسخ فى لسان الشرع، وهو فى اللغة قريب من هذا، فيقال: تناسخ الشيئان: إذا حلّ أحدهما محل الآخر، كما يتناسخ الليل والنهار، ويقال تناسخت الأزمنة: أي تبع بعضها بعضا، ومنه تناسخ الأرواح، بمعنى انتقال الروح من بدن إلى بدن، عند من يعتقد هذا المذهب. وثانيا: ما هو المنسوخ؟ اختلف العلماء فى المنسوخ، فقيل هو ما رفع تلاوة تنزيله، كما رفع العمل به. وردّ هذا القول بأن الله نسخ التوراة والإنجيل، وهما متلوّان. وقيل لا يقع النسخ بمعنى الرفع فى قرآن نزّل، وتلى، ذلك أن القول بأن من القرآن ما نزّل وتلى ثم رفع بالنسخ- فيه تعسّف شديد، ومدخل إلى الفتنة والتخرص.

فإذا ساغ أن ينزل قرآن، ويتلى على المسلمين، ثم يرفع، ساغ لكل مبطل أن يقول أي قول، ثم يدّعى له أنه كان قرآنا ثم نسخ.. وهكذا تتداعى على القرآن المفتريات، والتلبيسات، ويكون لذلك ما يكون من فتنة وابتلاء. ثم من جهة أخرى. ما حكمة هذا القرآن الذي ينزل لأيام أو لشهور، ثم يرفع، فلا يتلى، ولا يعرف له وجه بعد هذا؟ أيكون ذلك الرفع بقرآن يقول للناس: إن آية كذا رفعت تلاوتها، فلا تجعلوها قرآنا يتلى؟ أم أن هذا النوع من النسخ يقع بمعجزة ترفع من صدور الناس ما قد حفظوا من هذا القرآن المنسوخ؟ وإذا رفع بتلك المعجزة، فهل تكون معجزة أخرى يرفع بها ما كتب بأيدى كتاب الوحى بين يدى النبىّ؟ وإذا رفع من الصدور أو من الصحف المكتوبة بمعجزة من المعجزات، فما الذي يدلّ على أن قرآنا كان ثم رفع؟ إن هذا القول مسرف فى البعد عن مجال المنطق والعقل! وثالثا: هل فى القرآن نسخ؟ كثر علماء المسلمين على أن فى القرآن نسخا، وأن هناك آيات ناسخة وأخرى منسوخة بها. ومعرفة الناسخ والمنسوخ ودراستهما، مما اهتم له العلماء والفقهاء، وجعلوه أصلا من أصول الدراسات القرآنية، ومجازا من المجازات التي يدخل بها العالم أو الفقيه فى جماعة العلماء والفقهاء. فمن لم يعرف ناسخ القرآن ومنسوخه، فلا مدخل له فى باب العلماء والفقهاء. وقد استند القائلون بالنسخ فى القرآن إلى قوله تعالى: «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها» . وقد أسعفهم النظر فى آيات القرآن الكريم بشواهد تؤيد ما ذهبوا إليه من القول بالنسخ.

ومن أمثلة هذا آية الوصية، وهى قوله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ» (180: البقرة) . فهذه الآية، قيل إنها منسوخة بآية المواريث، وقيل بحديث: «ألا لا وصيّة لوارث» عند من يقول بنسخ القرآن بالسنّة، وقيل منسوخة بالإجماع. ومن أمثلة ذلك أيضا قوله تعالى: «وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ» (240: البقرة) . قيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: «وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً» (234: البقرة) . فقد كانت المرأة إذا مات عنها زوجها لزمت التربص بعد انقضاء العدة حولا كاملا، ونفقتها فى مال زوجها، وهذا هو معنى قوله تعالى: «مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ» فنسخ ذلك بالآية المشار إليها، وصار تربصها أربعة أشهر وعشرة أيام، ولها نصيبها المعروف فى الميراث. وهكذا يعدّون الآيات المنسوخة والناسخة فى إحدى وسبعين سورة من القرآن الكريم «1» . أما الذين يقولون بألا نسخ فى القرآن، فيتأولون هذه الآيات، ويعطونها الحكم الذي تضمنته.. كما سنرى ذلك بعد قليل.

_ (1) الإتقان فى علوم القرآن للسيوطى جزء 2 ص 21.

رابعا: القول بألا نسخ فى القرآن: يرى عدد غير قليل من العلماء أن النسخ فى القرآن ليس نسخا بمعنى إزالة الحكم، كما ذهب إلى ذلك القائلون بالنسخ.. وإنما هو نسأ وتأخير، أو مجمل أخّر بيانه، أو خطاب قد حال بينه وبين أوله خطاب غيره، أو مخصوص من عموم، أو حكم عام لخاص، أو لمداخلة معنى فى معنى. وأنواع الخطاب كثيرة، فظنوا- أي القائلون بالنسخ- أن هذا نسخا، وليس به، وإنه- أي القرآن- الكتاب المهيمن على غيره، وهو نفسه متعاضد» «1» . وبهذا التحقيق يتبين ضعف ما لهج به كثير من المفسّرين فى الآيات الآمرة بالتخفيف من أنها منسوخة بآية السيف. والواقع أنها ليست كذلك، بل هى من النّسأ، بمعنى أن كل أمر يجب امتثاله فى وقت ما، لعلّة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر، وليس بنسخ، إذ النسخ معناه الإزالة. وتطبيقا لهذا الرأى، نجد ألا تعارض، ولا تناسخ بين الآيات التي تختلف أحكامها فى الأمر الواحد، إذ أن كل حكم محكوم بحال خاصة به، مقدرة له، وعلة تدور معه وجودا وعدما. فمثلا.. قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ» (65: الأنفال) .

_ (1) انظر البرهان فى علوم القرآن للزركشى: جزء 2 ص 44.

وقوله تعالى بعد هذا: «الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ» (66: الأنفال) . وليس بين الآيتين تعارض، أو تناسخ، وإن عرضا لأمر واحد، واختلف منطوق الحكم فيهما. فالآية الأولى تفرض على المؤمنين حكما فى فيها حال هم أهل للوفاء بهذا الحكم، لما فيهم من قوة إيمان وثبات يقين.. فإذا كانوا فى تلك الحالة كان واجبا عليهم إذا التقوا فى ميدان الحرب بأعدائهم من الكافرين- أن يثبت العشرون منهم لمئتين من أعدائهم، وأن تثبت المائة للألف. فلما أن وقع الضعف فى المسلمين، حين كثر عددهم، ودخل فيهم من دخل، وليس فيهم ما فى هؤلاء النفر القليل الكرام، الذين سبقوا إلى الإسلام، من كرم المعدن، وصفاء الجوهر، والتعرّف على الحق، والبدار إليه- لمّا أن كان هذا من أمر المسلمين، خفف الله عنهم، وجعل أمرهم يسرا، ففرض عليهم ألّا تفرّ المائة من المائتين، ولا الألف من الألفين. وانظر كيف كانت أعداد المسلمين فى الآية الأولى. «عشرون» و «مئة» ثم أصبحت فى الآية الثانية هكذا: «مئة» و «ألفا» .. وإن ذلك ليكشف عن المعنى الذي أشرت إليه من قبل، وهو أن الضعف الذي عرض للمسلمين فى هذا الوقت المبكر من الدعوة الإسلامية، وفى عهد النبوة، لم يكن من جهة المسلمين السابقين إلى الإسلام، فهؤلاء كانوا كلما مرّت بهم الأيام فى الإسلام، وفى صحبة الرسول، ازدادوا إيمانا مع إيمانهم، ولكن الضعف الذي وقع، كان على مجموع المسلمين، حين كثر عدد الداخلين فى الإسلام،

ولا شك أن هذه الأعداد الكثيرة التي دخلت فى دين الله أفواجا، لم يكن لها جميعها من وثاقة الإيمان، وقوة اليقين ما كان فى هذه الصفوة التي سبقت إلى الإسلام. وطبيعى أنة إذا عادت حال المسلمين إلى الحال الأولى التي كانوا عليها قبل هذا الضعف، عاد الحكم الأول، فإذا ضعفوا لزمهم حكم الآية الثانية، الذي لا ينبغى أن ينزلوا عنه أبدا، حتى فى أضعف أحوالهم.. المائة تغلب المائتين، والألف تغلب الألفين. وفى هذا ما فيه من تكريم الإسلام والمسلمين، ورفع درجة الجماعة الإسلامية بهذا الدّين، حتى فى أنزل منازلها، وأسوأ أحوالها. «ما ننسخ من آية» : ونعود إلى الآية الكريمة، التي فتحت على المسلمين بابا فسيحا للتأويل، ثم الخلاف فى هذا التأويل، ثم الانتقال به إلى دائرة فسيحة فى القرآن ذاته. حيث يقال عن آيات كثيرة إنها منسوخة حكما، وإن بقيت تلاوتها. وإذ ننظر فى الآية الكريمة نسأل أولا: هل إذا جاء شرط فى القرآن الكريم.. أيجب أن يقع هذا الشرط، وأن يتحقق تبعا لذلك جوابه؟ والجواب على هذا: أن ليس من الحتم اللازم أنه إذا ورد فى القرآن أسلوب شرطى أن يقع هذا الشرط، وإنما الحتم اللازم هو، أنه إذا وقع الشرط فلا بد أن يقع ويتحقق الجواب المعلق على وقوع هذا الشرط. فما أكثر ما وردت أساليب شرطية فى القرآن غير مراد وقوعها، وتحقيق جوابها.. ومن ذلك قوله تعالى، لنبيه الكريم:

«وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» (116: الأنعام) وقوله تعالى عن نبيه الكريم أيضا: «وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ» (44- 46 الحاقة) وقوله تعالى خطابا له: «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ» (65: الزمر) . فلم يقع شرط أي آية من هذه الآيات، ولم يقع جوابها كذلك. وعلى هذا، يجوز فى الآية الكريمة «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها» - يجوز ألا يقع شرطها وجوابها، وتكون من قبيل القضايا الفرضية، التي يراد بها العبرة والعظة. والذي نأخذه من هذا، أن النسخ الذي أشارت إليه الآية الكريمة، ليس لازما أن يقع، وإنما وقوعه أمر احتمالي، يشهد له الواقع أو لا يشهد، فإن شهد له اعتبر، وإلا فلا. وإذن فلا نستصحب معنا هذا الحكم، الذي تقضى به الآية لو وقع شرطها وجوابها- لا نستصحب هذا الحكم، ونحن ننظر فى الآيات التي يقال إنها ناسخة أو منسوخة.. بل ننظر فى تلك الآيات نظرا منقطعا عن كل تأثير لهذا المفهوم الذي فهمت الآية الكريمة عليه. والآن ننظر فى آية النسخ نفسها.. «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها.. أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» .. هذه الآية قد جاءت مع آيات كثيرة غيرها، دفاعا عن أمر أراده الله للمسلمين، وهو تحويل قبلتهم التي كانوا عليها، من بيت المقدس إلى البيت الحرام.

الآيات: (108) [سورة البقرة (2) : آية 108]

وهذا التحول كان حدثا كبيرا من أحداث الإسلام فى حينه، كما كان فتنة وابتلاء لكثير من المسلمين، ومدخلا كبيرا للطعن فى الدين، والتشويش على المسلمين. وكان من تدبير القرآن الكريم لهذا الأمر، أن قدّم له هذه الآيات الكريمة، قبل أن يقع، لتكون إرهاصا به من جهة، وقوة يستند إليها المسلمون فى دفع كيد اليهود، ووسوسة الشيطان.. من جهة أخرى! واستمع لتلك الآيات الكريمات، ثم استمع للأمر الذي جاء بعدها: الآيات: (108) [سورة البقرة (2) : آية 108] أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (108) فهذا الاستفهام الإنكارى: «أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ» ؟ والذي يتوجه به القرآن إلى المسلمين- فيه تحذير لهم من أن يكونوا مع النبىّ، كما كان اليهود مع موسى، كلما جاء بأمر لم يتلقوه بالامتثال والطاعة، بل قابلوه بالحذر والريب، وواجهوه بالأسئلة الكثيرة، التي تنبىء عن خبث طوية، وفساد سريرة. وتحويل القبلة إذا كان أمرا وشيك الوقوع، وقد كان المسلمون يصلّون إلى بيت المقدس منذ سبعة عشر شهرا، فإذا وقع هذا التحويل، نزعت بهم نوازع كثيرة تدعوهم إلى التساؤل: فيم كنا؟ ولم هذا؟ وهل سنتحول عن القبلة الجديدة فيما بعد أم سنظل عليها؟ .. وهكذا.

الآيات (109 - 110) [سورة البقرة (2) : الآيات 109 إلى 110]

ثم إن من وراء ذلك، اليهود، يلقون إلى المسلمين بما يفتح للشيطان طرقا كثيرة إلى قلوب لم يتوثّق فيها الإيمان بعد.. فكان هذا التحذير من قبل أن يقع هذا الأمر الذي من شأنه أن يثير شكا وتساؤلا- كان تدبيرا حكيما من حكيم، ووقاية للمسلمين من داء أصيب به اليهود من قبل، فعزّ شفاؤهم منه، وطال شقاؤهم به. ثم يقول سبحانه بعد هذا: الآيات (109- 110) [سورة البقرة (2) : الآيات 109 الى 110] وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) وهذا تحذير آخر من الله سبحانه، من أن يستمع المسلمون إلى ما يلقاهم به اليهود عند وقوع هذا الأمر، وهو تحويل القبلة إلى المسجد الحرام- من تلبيسات وتلفيقات وأكاذيب. ثم هو تنبيه للمسلمين أن يمضوا إلى ما أمرهم الله به، وأن يستقيموا على قبلتهم التي وجههم الله إليها، غير ملتفتين إلى تخرصات المتخرصين، وضلالات الضالين. ثم يقول تعالى:

الآيات: (111 - 113) [سورة البقرة (2) : الآيات 111 إلى 113]

الآيات: (111- 113) [سورة البقرة (2) : الآيات 111 الى 113] وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (111) بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) «1» التفسير: هذا موقف من مواقف أهل الكتاب- اليهود والنصارى- إزاء المسلمين.. فاليهود يقولون: لا يدخل الجنة إلا من كان على اليهودية، والنصارى يقولون: لا يدخل الجنة إلا من كان على النصرانية.. أي أن كل فريق منهما يرى أن دينه الذي يدين به هو الحق، ولا دين حق غيره. وأن قبلته التي يصلّى عليها هى القبلة الحق، ولا قبلة حق غيرها! .. وتلك أمانىّ وأحلام، لا برهان عليها.. إن دين الله واحد.. يلتقى عنده المؤمنون جميعا، وتترجم عنه رسالات الرسل ودعوات الأنبياء جميعا، فمن آمن بالله وأسلم وجهه له، دون التفات إلى سواه، ثم استقام على طريق الحق، فامتثل أوامر الله، واجتنب نواهيه- من فعل ذلك فهو المؤمن حقّا، الموعود من الله بالجزاء الحسن والجنة التي عرضها السموات والأرض، أعدت للمتقين.

_ (1) بلى: جواب بالإيجاب عن النفي قبلها، ولا تقع إلا بعد نفى، ويكون ما بعدها مخالفا لما قبلها فى الحكم، «وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى» فكان الجواب: بلى يدخلها «من أسلم وجهه لله وهو محسن» .

الآيتان: (114 - 115) [سورة البقرة (2) : الآيات 114 إلى 115]

واليهود يقولون إن ما يدين به النصارى هو الباطل، والنصارى يقولون فى اليهود مثل هذا القول.. وكل منهما يرجع إلى كتاب الله.. كما يقول الله تعالى: «وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ» . وهذا يعنى أن الفريقين قد حرّفوا وبدلوا فيما بين أيديهم من التوراة والإنجيل، وإلّا لما كان بين الفريقين هذا الترامي بتهمة الكفر، إذ التوراة والإنجيل فى حقيقتهما على سواء، فى الحق الذي نزلا به من عند الله، ولهذا عبّر القرآن عنهما معا بالكتاب «وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ» فكأن التوراة والإنجيل كتاب واحد، وإن اختلفا لغة، وتباعدا زمنا. ومن قبيل ما يقوله كل من اليهود والنصارى فى رمى كل فريق منهما الآخر بالكفر، ما يقوله المشركون عن كل ذى دين غير دينهم، وقد وصفهم الله بأنهم «لا يَعْلَمُونَ» أي لا علم لهم من كتاب سماوى: «كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ» وإذا كان للمشركين عذر فى اتهام أهل الكتاب ورميهم بالكفر، فإنه لا عذر لأهل الكتاب، لأن المشركين يقولون ما يقولون عن غير علم، على حين يقول أهل الكتاب ما يقولون عن علم، أو ما ينبغى أن يكون عن علم!. ثم يقول تعالى: الآيتان: (114- 115) [سورة البقرة (2) : الآيات 114 الى 115] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (114) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (115)

التفسير: فى هاتين الآيتين تهديد ووعيد، لأولئك الذين يحولون أن يحتجزوا رحمة الله فى دائرة مغلقة عليهم دون الناس جميعا، والذين يتصورون أن ما بأيديهم وحدهم هو الحق الذي يسعهم وليس لغيرهم مكان فيه- هؤلاء يظلمون الحق، ويظلمون أنفسهم، ويظلمون الناس.. ذلك أن هذا القصور الخاطئ للحق يقيم فى كيانهم عصبية عمياء، لا يرون معها إلا ذواتهم، ولا يحسبون لأحد حسابا معهم، ولا يرعون حرمة دين غير ما يدينون به، ولو كان هو الحق من عند الله.. ولهذا فهم- مع هذا الشعور- لا يجدون حرجا فى أن يصدّوا الناس عن عبادة الله، وأن يحولوا بينهم وبين مساجده، بل وأن يعطلوا هذه المساجد ويخربوها!! واليهود يقومون بدور خطير فى هذا المجال، بما يسوقون إلى المؤمنين من فتن، وما يدخلون به عليهم من تلبيسات وضلالات، تثير الحيرة، والبلبلة، وقد فعل اليهود هذا عند ما أمر الله النبي والمسلمين أن يتحولوا بقبلتهم إلى المسجد الحرام، بعد أن كان المسجد الأقصى هو قبلتهم فى الصلاة، فاتخذ اليهود من هذا الحدث مدخلا إلى الفتنة، يلقون بها بين جماعة المسلمين، وقد وصف الله اليهود بهذا الوصف الكاشف، فسماهم السفهاء فى قوله تعالى: «سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها» ؟ وفى قوله: «أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ» إشارة إلى أن هذا الجرم الذي يرتكبه المنافقون فى الكيد لبيوت الله لا يخليهم أبدا من شعور الخوف من افتضاح أمرهم، وخاصة إذا دخلوا هذه المساجد ليستروا موقفهم منها، وليرى الناس منهم أنهم من أهلها، شأن المجرم يحوم حول جريمته، وقلبه يرجف حوفا وفزعا. وفى قوله تعالى: «وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» ردّ مفحم على هؤلاء المنافقين الذين يحاولون أن يردوا المسلمين عن قبلتهم الجديدة،

الآيتان: (116 - 117) [سورة البقرة (2) : الآيات 116 إلى 117]

وأن يعملوا على خراب هذا المسجد والمساجد التي ستقام على سمته وتدور فى فلكه. وفى قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ» ردّ أيضا على أولئك الذي أعمتهم الأنانية، فحاربوا الناس فى كل موقع من مواقع رحمة الله التي لا حدود لها، يصيب بها من يشاء من عباده، حسب علمه وحكمته. ثم يقول سبحانه: الآيتان: (116- 117) [سورة البقرة (2) : الآيات 116 الى 117] وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) التفسير: وهذه مقولة من مقولات أهل الكتاب، تكشف عن زيغهم، وترى أنهم ليسوا على الحقّ الذي يدّعون أنهم أهله دون الناس جميعا، فاليهود يقولون: عزير ابن الله، النصارى يقولون المسيح: ابن الله.. وتعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، له ما فى السموات والأرض، كل ما فيهما مستعبد له: «إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً» (93: مريم) ثم يقول جل شأنه:

الآيتان: (118 - 119) [سورة البقرة (2) : الآيات 118 إلى 119]

الآيتان: (118- 119) [سورة البقرة (2) : الآيات 118 الى 119] وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (119) التفسير: وهذه مقولة أخرى لغير أهل الكتاب، من مشركى قريش، قالوا: «لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ» إنهم يأبون أن يعترفوا بوجود الله حتى يروه رأى العين، كما قال بنو إسرائيل لموسى: «لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً» (55: البقرة) .. فهكذا وساوس الشيطان تعبث بقلوب الناس وعقولهم، فتفسد عليهم الرؤية الصحيحة للحق، إلّا من عصم الله. وفى قوله تعالى: «إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ» مواساة للنبىّ الكريم، وتخفيف عليه، مما يلقى من عنت قومه، فما هو إلا رسول، يبلغ ما أنزل إليه من ربّه، فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها. ثم يقول سبحانه: الآيتان: (120- 121) [سورة البقرة (2) : الآيات 120 الى 121] وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (120) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (121)

الآيتان: (122 - 123) [سورة البقرة (2) : الآيات 122 إلى 123]

التفسير: هذا هو مقطع الفصل فيما تحدثت به الآيات السابقة، عن الكيد الذي يكيد به أهل الكتاب- وخاصة اليهود- للنبىّ ولرسالته، فى صدّ الناس عنه، وإلقاء الشبه والضلالات بين يدى المسلمين.. إنهم لن يرضوا عن النبىّ ولن يهادنوه، حتى يترك دعوته، ويطوى رسالته، ويدخل فيما هم فيه! «قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى» أي إن الهدى الذي بين يديك هو هدى الله، وهو الهدى الذي لا هدى إلا به. «وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ» وهذا توكيد بأن ما مع النبي هو الهدى، وأن العدول عنه إلى ما يدعو إليه أهل الكتاب من مخلقات أهوائهم، هو البوار والهلاك. وليس هذا مما ينتقص من الكتب السّماوية التي بين يدى أهل الكتاب، فهى والكتاب الذي نزل على محمد، سواء فيما تحمل إلى الناس من الحق والخير، ولكنّ الأهواء هى التي أفسدت على أهل الكتاب أمرهم، حين زاغت أبصارهم عن الحق، فمكروا بآيات الله.. ولهذا فإن الذين يتلون منهم كتاب الله الذي بين أيديهم حقّ تلاوته، لا يحرفون كلمه، ولا يبغونها عوجا- هؤلاء يجدون أنهم والكتاب الذي نزل على محمد على طريق واحد، وأنهم ملزمون بالإيمان به، وأن من يكفر به فإنما يكفر عن عناد، وعن علم، وذلك هو الفسوق الذي يورد صاحبه موارد الضلال والهلاك. ثم يقول سبحانه وتعالى: الآيتان: (122- 123) [سورة البقرة (2) : الآيات 122 الى 123] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (123)

التفسير: وهذا تذكير لبنى إسرائيل بالنعم التي ساقها الله إليهم، وأنه على قدر هذه النعم سيكون البلاء، ويكون الحساب، وقد مكر القوم بآيات الله، وكفروا بنعمته، فهم فى معرض النقمة، إن لم يرعوا حقّ الله فيما آتاهم من فضله. وفى قوله تعالى: «وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ» (123) وفى قوله سبحانه فى آية سابقة: «وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ» . (48: البقرة) فى هاتين الآيتين نظر، حيث اختلف نظمهما على حين كان ينتظر- فى ظاهر الأمر- أن يجيئا على نسق واحد! ولكن للنظم القرآنى، ولإعجاز هذا النظم- جاء هذا الاختلاف، تقريرا للواقع، ومراعاة لمقتضى الحال، وتحقيقا للإعجاز الذي هو أمر لا انفكاك له، فى كل آية من آيات الكتاب الكريم، بل وفى كل كلمة من كلماته، وحرف من حروفه. ففى الآية (48) يتوجه الخطاب إلى أصحاب الرّيب والشناعات من بنى إسرائيل، الذين يلبسون الحق بالباطل، ويكتمون الحق وهم يعلمون، والذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، فكان من مقتضى الحال أن يحذروا من هذا اليوم الذي يعرضون فيه على الحساب، حيث لا تجزى نفس عن نفس شيئا، وحيث يتلفت المفلسون فى هذا اليوم إلى من يجيرهم، ويمدّون أبصارهم إلى

آية: (124) [سورة البقرة (2) : آية 124]

من أخذ بيدهم، فلا يجدون من يجير أو يغيث: «لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» (37: عبس) حيث لا تدفع نفس عن نفس مكروها، وحيث لا يقبل منها شفاعة فى أحد، وحيث لا يؤخذ منها فدية لأحد. وقد جاء البذل فى هذه الآية معبرا عنه بقوله تعالى: «يُقْبَلُ» و «يُؤْخَذُ» لأنه مجلوب على سبيل الإحسان للمفلس المحتاج فى هذا اليوم، فهى مجابهة للأشقياء، فى مواجهة من يرجون عندهم العون والنصرة. أما ما فى الآية: (123) فهو مواجهة صريحة للأشقياء بمعزل عمن يرجون نصرهم، وبمنقطع عمن يطمعون فى الوقوف إلى جانبهم، فإذا تعلق هؤلاء الأشقياء بالآمال الكاذبة وطمعوا فى أن يقع لأيديهم ما يفتدون به أنفسهم فلا فدية تقبل منهم، وإذا تمنّوا أن يطلع عليهم من يشفع لهم فشفاعته غير مقبولة فيهم «فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ» : (48: المدثر) . وبهذه الصورة من صور التيئيس، والصورة التي قبلها يتم إغلاق دائرة اليأس عليهم، فلا ينفذ إليهم بصيص من أمل، ولو كان كاذبا! ثم يقول سبحانه: آية: (124) [سورة البقرة (2) : آية 124] وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) التفسير: اختلف فى معنى الكلمات التي ابتلى الله إبراهيم بها، وتشعبت مذاهب المفسرين لها. ولعل أعدل طريق وأقومه فى مثل هذا المقام أن نقف عند حدود اللفظ

القرآنى، ولا نتجاوزه إلى مقولات يناقض بعضها بعضا، إن أخذ بأحدها كان ترك غيرها مجازفة لا يؤمن معها الخطأ، وإن أخذ بها جميعا لم يكن للجمع بينها سبيل. وهنا فى هذه الآية تجد أن بعضها يفسر بعضا، وأن قوله تعالى: «قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً» هو التفسير المناسب للكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم.. فالكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم هى قوله تعالى: «إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً» والإمامة وإن تكن نعمة وفضلا من الله، فهى ابتلاء، لما لها من أعباء، لا يقدر على حملها والوفاء بها على وجهها إلا أولو العزم من النّاس، وقد كان إبراهيم قدوة للناس فى قيامه على هذه الإمامة، فنوّه الله به فى أكثر من موضع فى القرآن الكريم، فقال: «وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى» (37: النجم) أي وفّى الأمانة التي أداها على وجهها كاملة، ويعضد هذا المعنى الذي نراه، ارتباطه بما سبقه من الحديث عن أهل الكتاب، وأنهم حمّلوا أمانات فضيعوها، وخانوا الله وخانوا أنفسهم فيها. وقوله تعالى: «قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي» يمكن أن يكون هذا استفهاما أو دعاء من إبراهيم، بمعنى: أهذه الإمامة له وحده أم هى ممتدة فى ذريته من بعده؟. أو بمعنى: اجعل هذه الإمامة فى بعض من ذريتى. فكان جواب الحق جلّ وعلا: «لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» .. أي هذا عهد لا يمتد إلى الظالمين، فمن سلم من ذريته من الظلم، كان أهلا لأن ينضوى تحت هذا العهد، ويأخذ ميراثه منه. ثم يقول جل وعلا:

آية (125) [سورة البقرة (2) : آية 125]

آية (125) [سورة البقرة (2) : آية 125] وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وهذا فضل من الله اختصّ به مكانا مباركا، فجعله حرما آمنا، يأوى إليه الناس، فيجدون فى ظله السّكن والاطمئنان!. والمثابة: المرجع، يثوب إليه الناس ويرجعون. والبيت. هو البيت الحرام بمكة، وقد ذكر معرّفا هكذا: «البيت» إشارة إلى أنه واحد البيوت كلّها، وأنه إذا ذكر «البيت» كان هو هذا البيت! .. البيت الحرام. وفى قوله تعالى: «وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى» التفات من غيبة إلى حضور، ومن خبر إلى أمر، للتنويه بشأن هذا البيت، وبالأمر المتعلق به. وفى قوله تعالى: «وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ» التفات من أمر إلى خبر، ليقوّى من شأن الأمر، وليزيد فى ظهوره، والعهد هنا، معناه: التكليف والأمر.. وتطهير البيت: إعداده وتخصيصه للمؤمنين بالله، فلا يقربه مشرك، ولا يطوف به، ولا يعكف فيه إلا مؤمن خالص الإيمان. ثم يقول سبحانه:

آية: (126) [سورة البقرة (2) : آية 126]

آية: (126) [سورة البقرة (2) : آية 126] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) التفسير: وإذ جعل الله البيت الحرام مثابة للناس وأمنا، وإذ جعله الله مقاما لإبراهيم ومصلّى للمؤمنين، وإذ عهد إلى إبراهيم وإسماعيل بالقيام على هذا البيت وتطهيره من أن يلمّ به رجس- إذاك توجه إبراهيم إلى ربّه أن يبارك البيت وما حوله، وأن يصيب البلد الذي يقوم حول هذا البيت ببعض نفحاته وبركاته.. هكذا الطيب يعبق ريحه، فيطيّب الأجواء من حوله.. ومن شأن هذا البيت الطهور القدس أن يجد ريحه الطيب كلّ شىء يدنو منه، من إنسان وحيوان ونبات.. فأما كنه آمنة، والناس فيها آمنون، وحيوانها ونباتها آمن، فلا يصاد حيوانها ولا يعضد شجرها، «رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً» أمنا مطلقا يصيب كل شىء.. «وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ» فهذا الرزق هو مما يكفل الأمن لأهله.. «مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» .. وفى قول إبراهيم: «بَلَداً آمِناً» ، وقوله فى آية أخرى فى سورة إبراهيم: «رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً» ما يشعر بأن بين «البلد» و «بلدا» فرقا.. وهذا ما يحدّث عنه التاريخ، من أن إبراهيم كانت له عودة إلى البلد الحرام بعد أن ترك إسماعيل وأمه فيها.. فحين تركهما لأول مرة كانت غير معمورة، فهى «بلد» لم يكتمل بعد، فلما عاد إليها بعد مدة كانت قد أخذت تعمر فهى «البلد» ! وقد تأدب إبراهيم مع ربّه، ونظر إلى قوله تعالى «لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» فخصّ بدعائه هذا من آمن بالله واليوم الآخر، حيث لا مكان فى هذا البيت القدس لمن كفر بالله، ولكن رحمة الله تسع البرّ والفاجر، ومن طبيعة الحياة ألا يستقيم فيها الناس جميعا على صراط الله: فكان ردّ الله على إبراهيم أن سمع دعاءه فى المؤمنين، وأما من كفر فلا يحرم هذا الرزق المساق إلى البيت

الآيات: (127 - 129) [سورة البقرة (2) : الآيات 127 إلى 129]

الحرام، متاعا له فى هذه الدنيا، ثم يوفىّ حسابه فى الآخرة، بما أعد للكافرين من عذاب أليم. ثم يقول سبحانه: الآيات: (127- 129) [سورة البقرة (2) : الآيات 127 الى 129] وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) التفسير: فى هذه الآيات خبر بناء البيت الحرام بيد إبراهيم وإسماعيل، وقد ذكر البيت قبل هذه الآيات وهو مستكمل وجوده، ومهيأ للعبادة، وهذا ما يشعر بجلاله وقدسيته، وأنه كان معدا من قبل بيد القدرة، وأن يدى إبراهيم وإسماعيل اللتين جرتا عليه بعد هذا، إنما لإظهار هذا السرّ المضمر، والقدر المقدور. وفى قوله تعالى: «وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ» هو ظرف حاو للحال التي كان عليها إبراهيم وإسماعيل وهما يرفعان القواعد من البيت، ويدعوان الله بما دعواه به، فى قولهما: «رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ» وقد استجاب الله لهما، فجعل منهما أمة محمد، ثم كان من دعائهما قولهما: «رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ» . وقد استجاب الله لهما فبعث

الآيات: (130 - 132) [سورة البقرة (2) : الآيات 130 إلى 132]

النبىّ العربىّ، محمد بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليه، وفى هذا يقول النبىّ الكريم: «أنا دعوة أبى إبراهيم، وبشرى أخى عيسى» ، والكتاب هو القرآن، والحكمة هى السنّة، وبهما يتزكى المؤمن ويتطهر. ثم يقول سبحانه تعالى: الآيات: (130- 132) [سورة البقرة (2) : الآيات 130 الى 132] وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) التفسير: الدّين الذي اصطفاه الله سبحانه لإبراهيم واصطفى إبراهيم له، هو الإسلام، وهو دين الله، كما يقول سبحانه: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ» (19: آل عمران) . وتلك هى ملة إبراهيم، فمن رغب عنها فقد رغب عن الحق، وتنكّب عن الهدى، ولا يفعل ذلك إلا سفيه أحمق، اشترى الضلالة بالهدى. وقوله تعالى: «إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» هو مما ابتلى الله به إبراهيم من كلماته، وقد استجاب إبراهيم لله، وخرج من الابتلاء سليما معافى، مستأهلا لرضى الله ورضوانه. وفى قوله تعالى: «وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ» يعود الضمير فى «بها» إلى الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم، والتي وصّى بها إبراهيم يعقوب، ثم وصّى بها يعقوب بنيه من بعده.

الآيتان: (133 - 134) [سورة البقرة (2) : الآيات 133 إلى 134]

ثم يقول جل شأنه: الآيتان: (133- 134) [سورة البقرة (2) : الآيات 133 الى 134] أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (134) التفسير: الخطاب هنا لبنى إسرائيل، ليذكروا تلك الوصية التي وصّى بها يعقوب بنيه حين حضرته الوفاة، وأنه أقامهم على دين الله، دين إبراهيم وإسماعيل وإسحق، وهو دين الإسلام. وإذن فهذا الدين الذي جاء به «محمد» ليس بدعا من الدين، وإنما هو امتداد لدين إبراهيم، الذي وصّى به بنيه: إسماعيل وإسحق، والذي وصّى به اسحق يعقوب، كما وصى به يعقوب بنيه! وإذن فلم يدّعى بنوا إسرائيل- وهو يعقوب- أنهم على الحقّ وحدهم؟ وكيف ودينهم هو فرع من أصل هو دين إبراهيم، وإسماعيل، وإسحق؟. إن دعوى أنهم المصطفون وحدهم لدين الله دعوى باطلة، إذ ليس إبراهيم لهم وحدهم، وليس دينهم ميراثا من إبراهيم، مقصورا على إسرائيل «يعقوب» وحده فإن يكن هذا الدين ميراثا، فقد ذهب إسماعيل بشطره، على حين ذهب اسحق بالشطر الآخر!.

الآيتان: (135 - 136) [سورة البقرة (2) : الآيات 135 إلى 136]

ويقول سبحانه: الآيتان: (135- 136) [سورة البقرة (2) : الآيات 135 الى 136] وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) التفسير: وقال اليهود للمسلمين: كونوا هودا تهتدوا، وقال لهم النصارى: كونوا نصارى تهتدوا، حيث حسب اليهود أن اليهودية وحدها هى الدين الحق، وحيث حسب النصارى أن النصرانية وحدها هى الدين الحق، فردّ الله سبحانه وتعالى على الفريقين هذا الردّ الذي لقّنه المسلمين، وأمرهم أن يكون هو المعتقد الذي يعتقدونه، والدّين الذي يدينون به، والقول الذي يلقون به اليهود والنصارى على السواء: «بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين.. قولوا آمنّا بالله، وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيّون من ربّهم لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون» فهذا هو دين الله، الذي حمله الأنبياء والرسل إلى عباد الله.. فمن آمن برسول من رسل الله ولم يؤمن بجميع الرسل، فليس من المؤمنين، ومن تمسك بكتاب وكفر بما سواه من كتب الله، فهو من الكافرين.. وقد ذمّ الله أهل الكتاب- من اليهود والنصارى- الذين فرّقوا دين الله وتوعدهم بالعذاب الأليم.

الآيات: (137 - 139) [سورة البقرة (2) : الآيات 137 إلى 139]

فقال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (150- 151: النساء) على حين الله مدح المؤمنين الذين يؤمنون برسله جميعا، ولم يفرقوا بين أحد منهم، وأنزلهم منازل رضوان، وأوسع لهم فى جناب رحمته ومغفرته، فقال تعالى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» : (252: النساء) ويقول جل شأنه: الآيات: (137- 139) [سورة البقرة (2) : الآيات 137 الى 139] فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (138) قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139) التفسير: الإيمان بالله وكتبه ورسله من غير تفرقة بين الله ورسله، هو الإيمان الذي قامت عليه دعوة الإسلام، واستقام عليه المسلمون، فإن آمن أهل الكتاب مثل هذا الإيمان فقد اهتدوا، وصح إيمانهم، وإن تولّوا فقد ضلّوا سواء السبيل، وصار أمرهم إلى خلاف وشقاق بينهم وبين المؤمنين، ثم بينهم وبين أنفسهم، وليس على النبىّ والمسلمين من بأس فى مخالفة

آية: (140) [سورة البقرة (2) : آية 140]

أهل الكتاب لهم، واتباعهم سبيلا غير سبيل المؤمنين، فالله سبحانه، سيكفى النبىّ شرّهم، ويبطل كيدهم. وقوله تعالى: صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ» داخل فى مقول القول، فى قوله تعالى: «قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ» أي قولوا آمنا بالله وصبغنا صبغة الله، أو رضينا صبغة الله، والصبغة هنا هى السّمة واللون الذي يظهر به المسلمون فى الناس، وهو الإسلام. وقوله تعالى: «قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ» إنكار من المسلمين على أهل الكتاب أن يجادلوهم فى الله، إذ الأمر لا يتسع لجدال فى حقيقة واحدة، فإمّا إيمان، وإما كفر. ثم يقول سبحانه: آية: (140) [سورة البقرة (2) : آية 140] أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) التفسير: وهذا إنكار أعلى هل الكتاب- اليهود والنصارى- أن يقول اليهود إن إبراهيم وإسماعيل: وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا يهودا، وأن يقول عنهم النصارى إنهم كانوا نصارى، وقد أخبر الله أنهم لم يكونوا يهودا، أو نصارى: «ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا، وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً

آية: (141) [سورة البقرة (2) : آية 141]

مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» : (67: آل عمران) وأهل الكتاب يعلمون من التوراة والإنجيل هذه الحقيقة، ولكنهم يكتمونها، ويشهدون زورا وبهتانا على خلافها، وذلك ظلم مبين للحقيقة، ولأنفسهم، التي حجبوها عن الحق، وأوردها موارد الضلال والخسران. ثم يختم الله هذا الموقف بقوله سبحانه: آية: (141) [سورة البقرة (2) : آية 141] تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (141) التفسير: الأمة هى الجماعة، ويراد بها هنا إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وأتباعهم، وقد صار أمرهم إلى الله، والخلاف فيهم لا ثمرة له، وإنما يؤخذ كل إنسان بعمله، فمن أحسن فلنفسه، ومن أساء فعليها، وما ربك بظلام للعبيد. فانظر كيف كان دفاع القرآن عن هذا الأمر الذي جاء به، ودعا المسلمين إليه؟ إنه إلى الآن لم يجىء الأمر المرتقب، وهو دعوة المسلمين إلى أن يحوّلوا قبلتهم إلى البيت الحرام.. ومع هذا كانت تلك المواقف التي كشف فيها القرآن عن طوايا النفوس، وما يحمل أهل الكتاب فى نفوسهم- وخاصة اليهود- من ضغينة وحقد على الإسلام! كانت إعجازا من إعجاز القرآن. وأنت ترى أن الأمر بتحويل القبلة لم يذكر بعد، ولهذا لم يكن لأهل الكتاب ولا لغيرهم حديث عنه، وإنما سبق القرآن إلى الكشف عن المستقبل، وأطلع المسلمين على ما سيلقى به أهل الكتاب هذا الأمر.! وأول آية تلقانا بعد هذا هى قوله تعالى: «سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ

ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها» (الآية: 142) .. إنهم لم يقولوا بعد شيئا، ولكنهم سيقولون، حين يجىء الأمر الذي قدره الله وأراده! وسنرى فى الآيات الآتية كيف كان دفاع القرآن، وكيف كان ردّه وردعه لهؤلاء السفهاء، المتطاولين على الحق، المتربصين به وبأهله السوء! وإنك لترى من هذا كلّه أن آية النسخ كانت مقدمة الدفاع، فى قضية التحوّل بالقبلة إلى المسجد الحرام.. وكأنها تقول للمسلمين ولأهل الكتاب: إن الله سبحانه وتعالى إذا نسخ آية من آياته، أو بدل حكما من أحكامه بحكم آخر، فذلك بمقتضى حكمته ورحمته بعباده. وقد نسخ الله كثيرا من الشرائع التي تقدمت شريعة الإسلام، وأنساها فلم يعد أحد يذكر عنها شيئا.. فأين رسالة نوح؟ وأين صحف إبراهيم التي ذكرها القرآن فى قوله تعالى: «إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى، صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى» ؟ وأين رسالات الأنبياء: صالح، وهود، وشعيب، ولوط؟ يقول ابن كثير فى تفسيره: «والذي يحمل اليهود على البحث فى مسألة النسخ هو الكفر والعناد، فإنه ليس فى العقل ما يدل على امتناع النسخ فى أحكام الله تعالى.. لأنه يحكم ما يشاء، كما أنه يفعل ما يريد.. كما أنه قد وقع ذلك فى كتبه المتقدمة، وشرائعه الماضية، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه ثم حرّم ذلك، كما أحلّ لنوح عليه السلام بعد خروجه من السفينة، جميع الحيوانات، ثم نسخ حلّ بعضها، وكان نكاح الأختين مباحا لإسرائيل وبنيه، وقد حرّم فى شريعة التوراة وما بعدها. وأمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده، ثم نسخه قبل الفعل ... » «1»

_ (1) تفسير ابن كثير. الجزء الأول.

وعلى هذا، فإن أقرب مفهوم إلى النسخ الذي تشير إليه الآية: «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ» هو نسخ الأمر بالتوجّه بالصلاة إلى البيت المقدس، وجعله إلى المسجد الحرام.. وكلا المسجدين آية من آيات الله، إذ قاما بأمره، وأفاض عليهما من فضله، فإذا نسخ المسجد الحرام المسجد الأقصى، فإنما هو نسخ آية بآية، وتبديل نعمة بنعمة! .. «أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» . أما قوله تعالى: «أَوْ نُنْسِها» ففيه قراءتان: ننسها، أو ننسأها. فعلى القراءة الأولى، يكون من النسيان، بمعنى أنه تعالى يعفّى آثار بعض شرائعه التي شرعها، وأحكامه التي قد فرضها فى أجيال الماضين.. قال أبو بكر الرازي: «إنما يكون بأن ينسيهم الله إياه، ويرفعه من أوهامهم، ويأمرهم بالإعراض عنه وكتبه فى الصحف، فيندرس على الأيام، كسائر كتب الله القديمة، التي ذكرها الله فى كتابه، فى قوله تعالى: «إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى» .. ولا يعرف اليوم منها شىء» . وعلى القراءة الثانية، يكون من النّسأ، وهو التأخير، ومعنى هذا أن الله سبحانه قد يؤخر نسخ آية إلى أجل معلوم، كما أخر نسخ التوجه إلى بيت المقدس، منذوجّه المسلمون وجوههم إليه فى الصلاة، إلى أن أمروا بالتحول إلى المسجد الحرام.. بعد سبعة عشر شهرا!. ونخلص من هذا كله، إلى القول، بأن آية النسخ ليست موجهة إلى نسخ آيات من القرآن الكريم، بآيات أخرى، وإنما إلى نسخ قبلة وإحلال أخرى مكانها.. وأن النّسأ هو تأخير الحكم الذي دعى به المسلمون إلى التحول إلى البيت الحرام- مدّة بلغت سبعة عشر شهرا، كانوا يتجهون خلالها

نحو بيت المقدس، وذلك لحكمة أرادها الله تعالى، فيها امتحان وابتلاء لعباده، من مؤمنين، وكافرين، ومنافقين.. تأويل بعض ما يبدو فيه النسخ: من آيات الأحكام ما يبدو فيها النسخ، إذ كانت القضية واحدة، والأحكام فيها مختلفة، وأوضح مثل لهذا، الآيات التي جاءت فى «الخمر» ومثلها الآيات التي جاءت فى «الربا» . فقد جاء فى «الخمر» آيات فى عدة مواضع من القرآن، وفى كل موضع حديث عن الخمر، يختلف عما تضمنته الآيات الأخرى، وذلك فى صدد تحريمها، ومثل ذلك ما ورد فى الربا. ويرى العلماء القائلون بالتناسخ بين هذه الآيات أن ذلك لحكمة تربوية، قصد بها التلطّف فى الدخول على النفوس دخولا مترفقا، فى تحريم أمور كانت ذات ارتباط وثيق بها، وسلطان قاهر لها.. وفى انخلاع النفس عنها جملة، ما لا يؤمن معه سلامة النفس، أو تقبلها لهذه الأوامر إذا هى حملت عليها دفعة واحدة، على هذا الوجه المفاجئ، فقد تخور كثير من النفوس، وقد تتصدع وتنحلّ، إذا هى واجهت الأمر مرة واحدة دون إعداد وتمهيد. ففى الخمر.. حين أراد الله أن يحرمها، سلك ذلك المسلك التربويّ الحكيم، الذي لا يرى ألطف، ولا أحكم، ولا أعدل مدخلا منه إلى النفس. (1) : كان أول إشارة إلى الخمر تلك الإشارة التي تضعها وضعا غير كريم بين النعم التي أنعم الله بها على عباده، فقال تعالى: «وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً» (67: النحل) .

فالرزق الحسن الذي يتخذ من ثمرات النخيل والأعناب، ليس منه السّكر الذي يتخذ من هذه الثمرات.. وإلا لكان قد وصف بأنه سكر حسن، كما وصف الرزق بأنه رزق حسن. وفى هذا ما يفتح للكثير من ذوى البصائر سبيلا إلى العزوف عن هذا السّكر وتجنبه، إذ كان رزقا غير حسن! (2) : ثم تجىء الآية الثانية بعد هذا، وفيها تشنيع على الخمر، وتقبيح لها، وفى هذا يقول الله تعالى: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما» (219: البقرة) . فقد قرنت الآية الخمر إلى الميسر، وجعلتهما فى مقود واحد، إذ كانا من فصيلة الشر والفساد على السواء.. ومن تدبير القرآن الكريم فى هذا أنه لم يغفل الوجه الآخر لهذه المنكرات. فكل شىء وإن بلغ ما بلغ من السوء، له جانب آخر غير سيىء.. إذ ليس هناك شر خالص، أو خير محض، فيما يدور فى دنيا الناس، وفيما يتقلّبون فيه. فلم ينكر القرآن هذه الحقيقة الواقعة، وهى أن للخمر والميسر منافع من بعض الوجوه، وعند بعض الناس، ولكن هذه المنافع ليست شيئا إذا هى قيست إلى جانب الإثم والشرّ اللّذان ينجمان منهما. فإذا ربح إنسان من الميسر مرة، فإن خسائره المحققة آخر الأمر أضعاف ما ربح، وإذا كان للخمر عند شاربها لذة أو نشوة فى أول عهده بها، فإنها تنتهى به إلى تدمير كامل، لقواه العقلية والجسدية والنفسية، إن لم يكن فى جميع الأحوال ففى غير قليل منها.

(3) : ثم تجىء بعد ذلك إشارة أوضح وأصرح من سابقتها فى التحذير من الخمر.. إذ يقول تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ» (43: النساء) فقد حرمت هذه الآية على المسلم أن يدخل فى الصلاة وهو فى حال سكر، لا يعلم معها ما يقول. والصلاة تتكرر فى اليوم خمس مرات، فى أوقات متفاوتة، تكاد تجعل الليل والنهار قسمة بينها، وهيهات أن يشرب شارب الخمر عقب صلاة من الصلوات، ثم تدركه الصلاة التالية، وقد صحا من خماره، أو أفاق من سكره. ولقد دعت هذه الإشارة كثيرا من المسلمين إلى أن يتجنبوا الخمر، وألا يقربوها بحال، على حين ظل بعضهم يلقاها بين الحين والحين، وفى حذر وإشفاق.. (4) : ثم كانت الحاسمة.. فجاء قوله تعالى: «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» (91- 92 المائدة) . وبهذا يجىء الحكم القاطع فى تحريم الخمر، فتصبح منذ اليوم الذي نزلت فيه هاتان الآيتان الكريمتان، محرمة على المسلم! والسؤال الوارد بعد هذا: هو: ماذا يقال عن تلك الآيات التي تحدثت عن الخمر، قبل هاتين الآيتين اللتين جاءتا صريحتين قاطعتين بتحريم الخمر؟ أهي منسوخة بهاتين الآيتين؟ وهل هناك سلسلة من التناسخ بينها، بحيث ينسخ بعضها بعضا.. اللاحق منها ينسخ السابق؟ والجواب على هذا ليس جوابا واحدا.. فإذا قلنا بوجود النسخ فى القرآن

كان واضحا أن هذه الآيات جميعها منسوخة بالآيتين الأخيرتين، وكانت مراحل النسخ بينها متتابعة.. اللاحق منها ينسخ السابق! أما إذا قلنا بألّا نسخ فى القران، كان الجواب، بأن هذه الآيات جميعها عاملة، تلاوة وحكما، وأن اللاحق منها هو منسأ تأخر نزوله، ووجب امتثاله، كلّ فى وقته، لحكمة توجب ذلك الحكم الذي تضمنته الآية. وهنا يلقانا هذا السؤال: كيف يمكن التوفيق بين هذه الأحكام المختلفة، فى أمر واحد هو الخمر؟ فالخمر: رزق غير حسن.. وهى إثم ونفع، وإثمها أكبر من نفعها.. وهى محرمة.. إذا دخل بها شاربها الصلاة وقد سكر منها. ثم هى محرمة حرمة مطلقة من كل قيد! هذه سلسلة من الأحكام، واقعة على أمر واحد هو الخمر. فأى هذه الآيات، أو بمعنى آخر، أي أحكام هذه الآيات يلزم المسلمين العمل، والوقوف عنده؟ وقبل الإجابة على هذا السؤال، نسأل سؤالا آخر ونجيب عليه، وهو: هل من شأن النهى القاطع الملزم الذي جاءت به آخر آية فى تحريم الخمر- هل من شأن هذا النهى أن يحول بين المسلم وبين أن يشرب الخمر؟ أو بمعنى آخر هل فى هذا النهى من القوى الذاتية ما يعصم المسلمين جميعا من شرب الخمر أو يحميهم جميعا- فردا فردا- من الضعف النفسي إزاءها؟ والجواب على هذا إنما نأخذه من الواقع التطبيقى فى الحياة، للأوامر والنواهي، التي جاءت بها الأديان، وهى أن أي أمر أو نهى لا يستقيم الناس جميعا عليه، ولن يلتزموه التزاما كاملا، فما أكثر الذين يخرجون عن تلك

الأوامر والنواهي، فلا يأتون منها ما أمر الله به، ولا ينتهون عما نهى الله عنه. فالأديان تنهى عن الكذب، وكثير من أتباع هذه الأديان يكذبون، والأديان تنهى عن الظلم، وكثير من أتباع هذه الأديان يظلمون، والأديان تنهى عن السرقة وكثير من أتباع هذه الأديان يسرقون.. وهكذا الشأن فى كل ما تأمر به الأديان أو تنهى عنه، لا يستقيم الناس أبدا على أوامرها ونواهيها.، استقامة مطلقة، تحتوى الناس جميعا! والأديان تعلم هذا مقدما، ولهذا تفرض عقوبات دنيوية وأخروية، للمخالفات التي تقع من أتباعها. والخمر التي نهى الإسلام عنها، قد رصد الشارع العقوبة الرادعة لمن يشربها، ولا ينتهى عما نهى الله عنه منها. والسؤال هنا: إذا شرب مسلم الخمر.. فما موقف الإسلام منه؟ وما موقفه هو من الإسلام؟ أما الإسلام هنا، فإنه يراه آثما، يستحق العقوبة الرادعة فى الدنيا، وهى الجلد، وأمره إلى الله فى الآخرة.. إن شاء غفر، وإن شاء أخذه بما ارتكب. وأما هو- أي شارب الخمر- فهو على ما به من إثم- مسلم.. آثم، عاق. ولا تلتفت هنا إلى قول من يقول بتكفيره.. فقد شرب الخمر من شربها من المسلمين فى عهد النبوة، وفى عهد خلفائه الراشدين، وقامت البينة القاطعة التي أوجبت الحدّ عليهم.. ومع هذا فقد بقي معهم إسلامهم، وكانوا يشهدون مشاهد المسلمين فى الصلاة وغيرها. وإذن، فقد يشرب المسلم الخمر، يشربها ويدمغ بالإثم والعصيان، ولكن على أي حال هو مسلم، لا تسقط عنه الواجبات المفروضة على المسلم، ومن بينها الصلاة.. وليس من حائل يحول بينه وبين الصلاة فى هذه الحال، إلا أن

يكون فى حال سكر، لا يدرى معها ما يقول.. وهنا نجد الآية الكريمة: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ» نجدها عاملة غير معطلة، فهى تفرض حكمها على من خالف ما نهى الله عنه- من أمر الخمر فشربها حتى سكر، وهو ألا يقرب الصلاة حتى يصحو من سكره، ويعلم ما يقول. وتبقى بعد هذا الآيتان: الأولى والثانية، وهى قوله تعالى: «وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً» وقوله تعالى: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما» . وهاتان الآتيان تعرّضان بالخمر، وتشنّعان عليها، وتضعانها موضعا غير كريم، وتزنانها بميزان يقلّ فيه خيرها ويكثر فيه شرها. فهى رزق.. ولكنها رزق غير حسن. وهى نفع.. ولكن إثمها أكبر من نفعها. وهى رجس.. ولكن بعض الناس يلطخ نفسه بهذا الرجس!. فجميع هذه الأوصاف هى للخمر، وهى أوصاف خسيسة كلها، ولكنها درجات فى الخسّة من حيث النظرة التي ينظر بها إليها، وهى على جميع مواقع النظر موسومة بسمة القبح والإثم والرجس، وتلك الأوصاف ملازمة لها، لا تنفصل عنها أبدا. وإذن فالآيات الأربع الواردة فى شأن الخمر، لا تعارض بينها، ولا تناسخ، بل كلها عاملة، تعطى الوصف المناسب لها، كما تعطى الحكم المناسب أيضا. وما قيل فى آيات الخمر، يقال فى آيات الربا كذلك: فالآيات التي نزلت فى شأن الربا، جاءت متدرجة على مراحل، على نحو ما جاءت عليه آيات الخمر فى الخمر.

فأول ما نزل فى شأن الربا قوله تعالى: «وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ» (39: الروم) . وفى هذا تحريم للرّبا، وتشنيع عليه، وكشف لوجه كريه من وجوهه. ثم نزل بعد هذا قوله تعالى فى شأن اليهود المتعاملين بالربا، المستحلّين له: «وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ» (161: النساء) . وهذه الإشارة والإشارة التي قبلها تدعوان كثيرا من المسلمين إلى أن يحذروا هذا النوع من المعاملات، وأن ينفروا منه، وإن لم يكن قد حرّم عليهم بعد. ثم نزل بعد هذا قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (130: آل عمران) . «والنهى هنا ليس نهيا قاطعا فى تحريم الربا تحريما مطلقا، وإنما وقع تحريمه فى صورة خاصة، وهى أن يكون أضعافا مضاعفة.. وهذه الصورة تقابل فى تحريم الخمر قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ» . ثم كانت الكلمة الأخيرة فى الرّبا، فنزل قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ» (278- 279: البقرة) . وبهذا كان الحسم والقطع فى تحريم الرّبا!. هذا، ويرى كثير من العلماء أن ما جاء فى الربا والخمر، ليس من قبيل النسخ، لأن النسخ هو إزالة حكم شرعى بحكم آخر شرعى.. والخمر والربا لم يكن قد جاء فيهما حكم شرعىّ بحلّهما، ثم جاء حكم شرعىّ

آخر بتحريمهما، فيكون الحكم الثاني ناسخا للحكم الأول، وإنما هما مما كانا للعرب فى الجاهلية، ثم جاء الإسلام فوجدهما على ما هما عليه فحرّمهما.. وقد ظلّت الخمر غير محرّمة إلى صلح الحديبية، حيث جاء القرآن إذاك بتحريمها. وكذلك الرّبا، لم يحرم تحريما قاطعا إلا قبيل وفاة النبىّ الكريم. ولكن إذا قيل فى القرآن نسخ- ألا تعتبر هذه المراحل التشريعية للأمر الواحد واختلاف الحكم فى كل مرحلة منها- ألا تعتبر هذه المراحل مما يقيم للقائلين بالنسخ فى القرآن، الشرط الذي يطلبونه له، وهو إزالة حكم شرعى، بحكم شرعى آخر؟. ثم ألا تعتبر كل مرحلة من هذه المراحل مظروفة بحكم يخصّها.. ثم تجىء المرحلة التالية فتنسخ حكمها؟. وعلى أىّ فإن رأينا فى الآيات التي نزلت فى الخمر والرّبا ألّا تناسخ بينها، وأنها جميعا محكمة، عاملة، تلاوة وحكما. وندع هذه الآيات التي يلتقى معنا فى الرأى فيها بعض الذين يقولون بالنسخ، وإن كان هذا اللقاء على وجه مختلف بيننا وبينهم!. وننظر فى آيات أخرى يقطعون بالقول بنسخها، ونقطع نحن بالقول بأنها غير منسوخة. فمن ذلك قوله تعالى: «وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً» (8: النساء) . فالقائلون بالنسخ مجمعون- قولا واحدا- على أن هذه الآية منسوخة بآية المواريث.

والقول ينسخ هذه الآية يسدّ على الفقراء والمساكين واليتامى بابا من أبواب الرحمة، أراد الله سبحانه أن يفتحه عليهم، كما أنه يقطع آصرة المودة بين ذوى القربى، التي أمر الله بها أن توصل!. وما أعدل الإسلام، وما أحكم أحكامه التي تتجلّى فى كل آية من آياته! وهنا فى هذه الآية الكريمة، التي يريد القائلون بالنسخ، عزل المسلمين عنها- تدبير حكيم من الإسلام، وآية من آيات خلود هذا الدين. فالميراث الذي يتركه الميت لورثته هو خير غير مرتقب، قد شمل أعدادا من الناس بحكم قرابتهم لهذا الوارث.. وهناك عيون كثيرة تتطلع إلى هذا الخير، وتتبع مواقعه التي وقع فيها، وخاصة ذوى القربى الذين لا نصيب لهم بين الورثة، وكذلك من يشهد قسمة هذا الميراث من فقراء ومساكين، لهم بالمورّث صلة جوار أو معرفة. إن هؤلاء وأولئك يرون مائدة ممدودة حافلة بأنواع الطعام، وهم جياع يسيل لعابهم إلى القمة مما عليها. هذا هو الموقف، كما يراه القرآن، وكما تشهده الحياة.. فماذا لو ذهب الورثة بكل هذا الميراث؟ ثم لم يكن لذوى قرابتهم المحرومين منه، نصيب؟ ولم يكن للفقراء والمساكين الذين تتلمظ شفاههم إلى نفحة منه شىء؟ ماذا يكون؟. أحقاد وأضغان، وعداوات، تثير السخط والنقمة، وتذهب بالإخاء والمودة بين الناس والناس!. وتأمل قوله تعالى: «إِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ» .. أي إذا كانت القسمة بمحضر منهم، وبمشهد وعلم.

فهذا الحضور هو شرط فى أن يرزق هؤلاء الحاضرون من هذا الخير الذي شهدوه، ورأوا الأيدى تمتد إليه وتنال منه! وأنت ترى ما فى هذا التوجيه السماوي، تلك الحكمة الحكيمة التي تقوم عليها شريعة الإسلام فى تربية الأمم، ودعم بنائها، وإقامة أسسها على دعائم وطيدة من التضامن الاجتماعى، وحراسة المجتمع الإنسانى من أن تدخل عليه آفات التباغض والتحاسد، التي هى أفتك الأدواء فى تقويض الجماعات والأمم!. إن ضريبة «الزكاة» التي تفرضها كثير من الدول على ما ترك المورّث ليس إلا تطبيقا إجباريا، لهذا المبدأ الكريم السمح، وإلا وحيا من وحيه، وإن كان البون شاسعا، والمدى بعيدا، بينها وبين ما جاء به القران وشرعه الإسلام. فالإسلام لم يجعل هذا الأمر على وجه ملزم، بل جعله دعوة مطلقة للخير وللبر، فى مقام يحضره داعيان من دواعى الخير والبر، وهما: الوجد والموت.. إذ المال موجود عتيد بين يدى من سيصير إليهم من الورثة، وهو مال لم يقع فى أيديهم بعد.. ومن أجل هذا فإن النفس- فى تلك الحال- لا يغلبها الحرص عليه، والضنّ به كما لو وقع فى اليد، وصار فى حوزة صاحبه.. خاصة وأنه لم يبذل له جهدا، ولم يتكلف له عملا، بل جاءه هكذا عفوا من غير سعى.. ثم الموت المشهود المذكور فى هذا الوقت، حيث كل شىء من هذا المال يذكّر بالميت والموت معا.. ومن أجل هذا فإن النفس لا يغلبها الشح، ولا يمسك بها عن البذل والإنفاق فى سبيل الله، داعى الحرص على الحياة فى هذا الوقت، الذي يطلّ عليها فيه شبح الموت، ويذكرها بأن كل شىء إلى زوال «والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا» !. هذه الآية من الآيات الكثيرة التي قيل- على سبيل القطع- إنها منسوخة، وهى- كما رأيت- دعوة كريمة من دعوات الإسلام إلى البرّ والإحسان،

وقوة عاملة فى حراسة المجتمع وحمايته من عوادى العداوة والبغضاء!. فإذا كان هذا ما ينسخ من آداب القرآن وأحكامه.. فماذا يبقى من آدابه وأحكامه؟ بل ولم يبقى- بعد هذا- على شىء من آدابه وأحكامه!؟ إننا لا نسيغ القول أبدا بأن شيئا منسوخا من هذا القرآن الذي نقرؤه، ونتعبّد به! إذ لا حكمة- مع هذا- لآيات كريمة نتلوها ونتعبّد بتلاوتها، ثم لا نعمل بها، ولا نأخذها مأخذ الجدّ، فى تحصيل الخير المشتمل عليه كيانها! إن النسخ معناه عزل الآيات المنسوخة عن الحياة، وإحالتها إلى «المعاش» .. وما الاحتفاظ بها فى القرآن إلا كالاحتفاظ بجثث الأموات محنطة فى توابيت!! وذلك مقام تنزّه عنه كلام الله رب العالمين! ولا نستكثر من عرض الآيات التي قيل إنها منسوخة- وهى كما يقول القائلون بالنسخ- كثيرة، تبلغ نحو ثلث القرآن عند بعضهم.. وسنلتقى أثناء نظرنا فى كتاب الله مع بعض تلك الآيات، التي قيل إنها منسوخة، وسنكشف إن شاء الله عن وجه الحق فيها! والله المستعان، ومنه السداد والتوفيق.

الآية: (142) [سورة البقرة (2) : آية 142]

الآية: (142) [سورة البقرة (2) : آية 142] سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) كان تحوّل النبىّ والمسلمين بقبلتهم فى الصلاة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام، حدثا اتخذه اليهود ذريعة للتشويش على المسلمين، وإدخال البلبلة والاضطراب على معتقدهم، فكانوا يرصدون كل حدث يقع فى محيط المسلمين، ليقعوا منه على سلاح مسموم، يعملونه فى المعركة التي يخضونها ضد الإسلام والمسلمين. وحين أمر الله نبيه أن يتحول بالمسلمين إلى المسجد الحرام فى الصلاة وجدها اليهود فرصة سانحة للعمل، فأذاعوا أن محمدا إنما فعل ذلك على حساب عقيدته، للخلاف الذي بينه وبينهم، وأن بيت المقدس هو قبلة الأنبياء جميعا، فكيف استباح محمد لنفسه أن يخرج على شريعة الأنبياء وهو الذي يدعو إلى الإيمان بهم جميعا؟ فإذا كان دينه من عند الله، فهذا الذي فعله هو إبطال لهذا الدين، ومعالنة صريحة بالخروج على أحكامه، وأما إذا كان ما يدعو إليه من دين هو من عمله، فإن له أن يغيّر فيه ويبدّل كيف يشاء، لكن على ألا يتحكك بالأديان السماوية، وألا يعقد صلة بينه وبين الأنبياء.! بمثل هذه التخرصات كان يلقى اليهود المسلمين، على ألسنة المنافقين ومن فى قلوبهم مرض، وقد أثاروا بهذه المقولات بلبلة واضطرابا، حتى لقد وقع عند بعض المسلمين أن صلاتهم التي اتجهوا بها إلى بيت المقدس لم تكن قائمة على وجهها الصحيح، ولهذا أمرهم الله بالتحول إلى البيت الحرام!

آية: (143) [سورة البقرة (2) : آية 143]

هذا، وفى قوله تعالى: «سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ» إخبار بما سيكون من هؤلاء السفهاء من سفاهة، قبل أن يقع منهم هذا السّفه عن تلك الواقعة، وفى هذا ما يكشف عن لؤم القوم وخبث طويتهم، وأنهم- بحكم ما هم عليه من خبث ولؤم- لن يتركوا هذا الحدث من غير أن يثيروا الغبار حوله، وأن يشعلوها فتنة عمياء، إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا! وفى قوله تعالى: «قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» ردّ مفحم على تلك السفاهة المضلة، فإذا كانت العبادة لله وحده، وإذا كانت وجوه العابدين إنما قبلتها لله وحده، فإن أي متجه يتجه إليه المؤمن هو وجه قاصد إلى الله: «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» .. «قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» ... وقد وجّه الله المسلمين وجهتهم الأولى، وهو الذي وجههم وجهتهم الثانية، وهم فى وجهتيهم على صراط مستقيم، إذ كانوا ملتزمين أمر الله، آخذين بهديه، عابدين له وحده! آية: (143) [سورة البقرة (2) : آية 143] وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (143) التفسير: قوله تعالى: «وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً» عطف على قوله سبحانه:

«وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» أي قد هديناكم إلى صراط مستقيم «وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً» أي أمة قائمة على صراط مستقيم، هو الوسط بين التقصير والغلوّ. وهذا هو أعدل المناهج وأقومها، حيث أن التقصير يقعد بصاحبه عن اللحاق بالركب، كما أن الغلوّ يقطع صاحبه عن مواصلة الرحلة، بعد أن يكلّ حدّه، ويفتر عزمه. وقوله تعالى: «لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً» تعليل شارح للأمة الوسط ومكانها المحمود بين الأمم، فأهل هذه الأمة، هم بموقفهم الوسط، شهادة قائمة على الناس جميعا، إذ كان سيرهم على خط الحياة سيرا يحتمله جهد الأقوياء والضعفاء جميعا ... إنه سير يحفز همّة الضعيف ويشحذ عزمه، على حين أنه يمسك زمام الشارد، ويردّ أنفاسه المبهورة. وقوله تعالى: «وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً» هو الميزان الذي يضبط الأمة الوسط، ويحكم قيامها على هذا الطريق السّوىّ، حيث كان الرسول الكريم هو المثل الأمثل لأمته، فهو فى الأمة الوسط شهادة قائمة عليها، يأخذ بقوله وعمله خطّ الوسط فيها، فيمسك بالضعاف أن ينزلوا عن المستوي الجامع للأمة الوسط، ويهتف بالمغالين ألّا يتفلتوا من خط هذه الأمة وينقطعوا عنه. والوسط من كل شىء هو مركز الاعتدال منه، ونقطة التوازن فيه. وطبيعى أن فوق الوسط منزلة أعلى منه، وأنه ليس غاية الكمال، ومع هذا، فإنه- فى مجموعه- خير مما فوقه، لأنه أثبت وأدوم، ولأنه أقرب إلى متناول الناس، إن لم يكن الناس جميعا، فالأغلب الأعم منهم. إن الاعتدال فى أي شىء وفى كل شىء، هو مما يحتمله الناس ويقدرون

على الوفاء به، ويصبرون على ما يكرهون منه، أما ما فوق الوسط فهو أمر لا تحتمله أكثر النفوس، ولا تصبر عليه.. وقد يرتفع الإنسان إلى أكثر مما يحتمل، فيختل توازنه ويسقط.. ولا تكون السلامة والعافية إلا حيث الاعتدال، الذي يجد الإنسان فى مجاله القدرة على التحرك إلى فوق، وإلى تحت، وهو فى تلك الحركة- بحكم الوسط- لا يخرج عن المقام الكريم اللائق به، حيث يظل- بالوضع الذي هو فيه- مشرفا على الأرض، مستشرفا للسماء! وقد يقول بعض القائلين: إن الوسط لا طعم له، ولا ذاتية لوجوده.. إنه أشبه بالخط الوهمي بين شيئين.. إنه ليس شيئا، ولا ضد شىء. إن القسمة فى الأمور، هى الشيء وما يقابله.. الخير والشر.. الأبيض والأسود.. الحلو والمر.. الجميل والقبيح.. اليمين والشمال.. أما الوسط الذي يفصل بين هذه المتقابلات فليس إلا خطا وهميا.. ونقول: إننا لا ننكر أن الوسط ليس هو الكمال كله، وأن فوق الوسط منازل كثيرة للفضل، وأنه غير محجور على الناس أن يرتفعوا إليها، وأن يتنافسوا فيها.. بل إن ذلك مندوب محمود.. ولكن هذا شىء، والتشريع العام شىء آخر. التشريع إلزام لا انفكاك منه.. التشريع عقد بين صاحب الشريعة وأتباع هذه الشريعة.. فهم مطالبون بالوفاء بما شرع لهم، وهم ملومون مأخذون بالعقاب إذا قصروا.. وليس الأمر كذلك فيما كان عن تطوع واختيار.. إذ للإنسان أن يمضيه أو يعفى نفسه منه.. ولا لوم عليه! والتشريع حين يكون عاما.. لأمة، أو للإنسانية كلها- تقتضى الحكمة

فيه أن يكون قائما على معيار يسع الناس جميعا.. الأقوياء والضعفاء.. فى جميع الأزمان والأوطان. لذلك اقتضت رحمة الخالق بعباده، فى دعوتهم إلى الإسلام، الذي أريد له أن يكون دين الإنسانية، ومختتم رسالات السماء- اقتضت هذه الرحمة الراحمة أن تكون شريعة هذا الدين مقدرة على قدر ما يحتمل الضعفاء لا الأقوياء، وأن يكون ما فى الأقوياء من قدرة على احتمال ما فوق هذا التشريع هو فضل من فضل الله عليهم، يزدادون به كمالا فوق الكمال الذي بلغوه بأداء ما كلّفوا.. فإنه ما على المحسنين من سبيل. وقوله تعالى: «وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ» بيان للحكمة التي أرادها الله من وراء هذا الامتحان الذي امتحن المسلمين به، حين وجههم إلى بيت المقدس، ثم عدل وجههم عنه إلى البيت الحرام. ففى هذا الامتحان يختبر إيمان المؤمنين، وتظهر حقيقة ما عندهم من طاعة وامتثال لله ولرسوله، من غير أن تدور فى رءوسهم أسئلة التوقف، فيقول قائلهم: ما هذا؟ ولم؟ وكيف؟ إذ أن من شأن المؤمن أن يتلقى أمر الرسول بالقبول والتسليم، امتثالا لقوله تعالى: «وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» : (7: الحشر) وفى قوله تعالى: «وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ» إشارة إلى أن هذه المحنة التي امتحن بها المؤمنون كبيرة، لا يجوزها بقلب سليم، ونفس مطمئنة إلّا الذين هداهم الله وثبت أقدامهم على طريق الحق واليقين: «وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» : (213: البقرة) . وقوله تعالى: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ» تطمين لقلوب المؤمنين الذين وقع فى نفوسهم شىء من صلاتهم التي كانوا يصلّونها إلى بيت المقدس،

آية: (144) [سورة البقرة (2) : آية 144]

فهى صلاة كاملة، مقبولة عند الله.. ذلك أن المسلمين كانوا يصلون إلى بيت المقدس، فلما هاجر النبىّ وتحولت القبلة إلى البيت الحرام اهتزت مشاعرهم، وساورهم القلق فى شأن تلك الصلاة التي صلّوها إلى بيت المقدس، فكان أن تداركهم الله برحمته، وأنزل عليهم قوله: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ» . آية: (144) [سورة البقرة (2) : آية 144] قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) التفسير: يخبر الله سبحانه فى هذه الآية عن الحال التي كان يعانيها النبىّ الكريم، حين هاجر إلى المدينة وقلبه معلّق بمكة والبيت الحرام، ووجهه يتردد فى السماء بين مطالع المسجدين: المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وهما على سمت واحد، فقطع الله عليه طريق التردد، وأمسك وجهه على القبلة التي تهفو إليها نفسه: «فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ» . ويلاحظ أن هنا تقديما وتأخيرا فى عرض الأحداث، إذ جاء ذكر الآثار التي ترتبت على هذه الواقعة، قبل وقوعها، فكشفت الآيات عن موقف اليهود من تحول القبلة إلى المسجد الحرام أولا، ثم عرضت الأمر بهذا التحول بعد ذلك، وفى هذا ما يشعر بأن هذا التحول فى ذاته ما كان ليكون موضع تساؤل وجدل، فهو أمر من أمر الله، ووجه من الوجوه إليه: «وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ

آية: (145) [سورة البقرة (2) : آية 145]

وَالْمَغْرِبُ» .. ولكن النفوس المريضة لا تجد طعما لحلو، ولا مساغا لطيب، وهذا هو الذي ينظر فيه، ويهتم له، خاصة إذا كان المراء فيه عن علم: «وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ» . آية: (145) [سورة البقرة (2) : آية 145] وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) التفسير: المراد بالقبلة هنا الدين والملّة، وموقف أهل الكتاب من النبىّ وما جاء به موقف عنادىّ، فهم منه على خلاف، لا يردّهم عنه أي برهان، ولا تنفعهم معه أية حجة، ولو جاءهم النبىّ بكل آية قاهرة ما آمنوا له، ولا اجتمعوا إليه.. وإذن فهم أبدا على ما هم عليه من هذا الخلاف.. هم مع باطلهم فى جانب، والنبي مع الحق الذي معه فى جانب، ثم هم فيما بينهم مختلفون، لا يلتقى بعضهم ببعض، ولا يستقيم بعضهم على طريق بعض!. وفى قوله تعالى: «وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ» استبعاد من أن يميل النبىّ إلى جانبهم، لأنهم إنما يتبعون أهواء، ويميلون مع مفتريات!

الآيتان: (146 - 147) [سورة البقرة (2) : الآيات 146 إلى 147]

الآيتان: (146- 147) [سورة البقرة (2) : الآيات 146 الى 147] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) التفسير: هؤلاء الذين يجادلون النبىّ ويكذّبون به وبرسالته، من أهل الكتاب- وخاصة علماءهم- يعرفون صدق هذا النبىّ، إذ يجدون صفته فى التوراة والإنجيل، بحيث لا يلتبس عليهم من أمره شىء، ولكنهم ينكرون هذا الحق الذي يعلمونه علم اليقين، حسدا وبغيا، وذلك ضلال ما بعده من ضلال، والله سبحانه وتعالى يقول: «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ» (23: الجاثية) وقوله تعالى: «الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ» تطمين للنبىّ الكريم، وتثبيت له على ما عنده من آيات الله، فهى الحق من عند الله، فلا جدال فيها ولا امتراء، كما يجادل ويمارى الذين بأيديهم مثل هذا الحق من أهل الكتاب. آية: (148) [سورة البقرة (2) : آية 148] وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) التفسير: أي دع مراء هؤلاء القوم، فلهم وجهتهم، ولك وجهتك، واستبق الخيرات أنت ومن معك من المؤمنين، فذلك هو الذي ينفع يوم الجزاء، يوم يقوم الناس لربّ العالمين.

آية: (149) [سورة البقرة (2) : آية 149]

آية: (149) [سورة البقرة (2) : آية 149] وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) التفسير: لا مراء مع أهل الكتاب، ولا التفات إلى ما يرجف به المنافقون فى شأن القبلة وتحول المسلمين إلى البيت الحرام، وإذن فالمسجد الحرام هو قبلتك أيها النبىّ، تتجه إليه أينما كنت، فى الحضر أو فى السفر، فذلك الأمر هو الحق المنزل إليك من ربّك، الذي لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء. آية: (150) [سورة البقرة (2) : آية 150] وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150) التفسير: أعيد الأمر مرة ثانية بأن يوجّه النبىّ وجهه شطر المسجد الحرام، ولكن فى هذه المرة دخل المسلمون معه فى هذا الأمر، وإن كان دخول المسلمين مع النبي لازما فى الأمر الأول، وذلك ليتقرر فى نفوس المسلمين أنه أمر لازم لا رجوع فيه، ولا تحول بعده. وفى قوله تعالى: «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ» ما يقطع بأنه لا تحول عن البيت الحرام بحال أبدا، فذلك مما يعطى اليهود حجة على المسلمين إذا هم رجعوا

الآيتان: (151 - 152) [سورة البقرة (2) : الآيات 151 إلى 152]

فتحولوا بقبلتهم إلى بيت المقدس، استجابة لما يوسوس لهم به اليهود، إذ أن الحق طريق واحد، والتردد فيه يعمّى السبل إليه. وقد عبّر القرآن عن اليهود هنا بكلمة «الناس» ليدخل معهم غيرهم، ممن تأثر بوسوستهم واستمع لضلالتهم. الآيتان: (151- 152) [سورة البقرة (2) : الآيات 151 الى 152] كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (152) التفسير: من تمام النعمة على المسلمين، أن الله سبحانه أرسل فيهم رسولا من أنفسهم، يتلو عليهم آيات الله، ويطهرهم بالإيمان من أرجاس الوثنية والشرك، ويعلمهم ما فى كتاب الله من شرائع وآداب، وما فى سنة الرسول من أدب وحكمة، ويفتح لهم بذلك آفاق العلم والمعرفة.. وحقّ على المسلمين من أجل هذا أن يذكروا فضل الله عليهم، وأن يحمدوه ويمجدوه، ليزيدهم الله من فضله: «فاذكرونى أذكركم» أي اذكروني بالحمد والشكران، أذكركم بالمزيد من الفضل والإحسان. الآيتان: (153- 154) [سورة البقرة (2) : الآيات 153 الى 154] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (154)

التفسير: الطاعات والاستقامة عليها، لها أعباؤها التي تحتاج إلى قوة احتمال ومجاهدة، ولكى يقوى الإنسان على حمل هذه الأعباء، كان لا بد له من زاد يعينه، ويمسك عليه عزمه ومضاءه.. والصبر والصلاة هما خير ما يتزود الإنسان به، لكى يجد من نفسه القدرة على الوفاء ببعض حق الله عليه. والصبر قوة معنوية لا يحصل عليها الإنسان إلا بعد رياضة ومعاناة، وتلك الرياضة وهذه المعاناة يحتاجان إلى الصبر، والصبر يحتاج إليهما.. وإذن فالدعوة إلى الصبر دعوة إلى التمرس بالطاعات أولا، والتعود على أداء الواجبات، فذلك هو الذي يخلق فى الإنسان خلق الصبر.. وفى هذا يقول الله سبحانه للنبى الكريم: «وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها» .. فأداء الصلاة والمداومة عليها يحتاج إلى الصبر والمصابرة، وبذلك توضع الخمائر الأولى للصبر فى كيان الإنسان، ومع الزمن ينمو الصبر، ويصبح قوة عاملة فى الإنسان. هذا ويذهب بعض المفسّرين إلى أن معنى الصّبر فى قوله تعالى: «وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ» هو «الصوم» إذ كان الصوم فى صميمه تجربة حية مباشرة لغرس بذرة الصبر وإرواء نبتته، ولهذا سمّى رمضان شهر الصبر. ونحن نأخذ بهذا المعنى للصبر، ونرى فى التعبير القرآنى عن الصوم بالصبر إعجازا من إعجاز القرآن، حيث كان الصبر والصوم متلازمين، لا وجود لأحدهما بغير الآخر، فلا صوم إلا مع الصبر، ولا صبر إلا ومعه صوم وحرمان.. صوم عن مكروه، وحرمان من محبوب!. ولأن الصوم لا يكون إلا ومن ورائه الصبر، كان التعبير عنه بالصبر أولى من التعبير عن الصبر بالصوم، إذ قد يكون الصبر ولا صوم، ولكن لا يكون

الصوم بغير الصبر!. والجهاد فى سبيل الله، والانتظام فى صفوف المجاهدين، والإقدام على ملاقاة الأعداء، والتعرض لمواجهة الموت- ذلك كله يحتاج إلى رصيد عظيم من الصبر والإيمان.. ولهذا جاءت دعوة الله إلى الجهاد فى سبيل الله، بعد دعوته إلى الاستعانة بالصبر والصلاة، على المحن والشدائد. والجهاد فى سبيل الله، محفوف دائما بالبذل والتضحية.. بذل المال، وتضحية النفس، والأهل والولد. والابتلاء بفقد الأحباب- ولو كان فى سبيل الله- شاق على النفس، أليم وقعه على الأحياء، ولهذا لم يكن الفيء إلى الصبر والصلاة- مهما كان شأنهما- بالذي يقهر نوازع الحزن، ويذهب بلواعج الأسى فى هذا المقام.. ولهذا جاءت تلك المواساة الكريمة الرحيمة من رب العالمين، لتمسح بيد الرحمة على ما بقلوب المبتلين بفقد أحبابهم، والمصابين باستشهاد أهليهم، من آلام وأحزان، فهؤلاء الشهداء- كما يخبر رب العالمين- ليسوا بالأموات، وإنما هم أحياء. فى أطيب منزل، وعند أرحب جناب: «عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» (179- 170: آل عمران) إن لهؤلاء الشهداء شأنا آخر عند الله غير شأن غيرهم ممن ينقلون من هذه الدنيا إلى الدار الآخرة.. فهم أحياء عند ربّهم وإن كنا لا نشعر بحياتهم، هم فى عالم ونحن فى عالم، وبين العالمين حجاز.. وحسب المؤمن أن يتلقّى هذا الخبر عن الله تعالى فيعلم، عن يقين أن الشهداء أحياء، يلبسون صورة للحياة أكرم وأبقى من الحياة التي كانوا عليها.. وهم فى نعيم لا يقاس به أي نعيم ينعم به المنعمون فى هذه الدنيا.

الآيات: (155 - 156 - 157) [سورة البقرة (2) : الآيات 155 إلى 157]

الآيات: (155- 156- 157) [سورة البقرة (2) : الآيات 155 الى 157] وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (156) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) التفسير: الناس جميعا مبتلون فى هذه الحياة- سواء أكانوا أفرادا أو جماعات أو أمما- بشىء من الخوف والجوع- يختلف قلة وكثرة- وبنقص فى الأموال والأنفس والثمرات.. فليس أحد فى هذه الدنيا بمأمن أبدا من أن تنزل به هذه النوازل، متفرقة أو مجتمعة.. والجزع فى هذه المواطن هو الذي يثقّل المصيبة، ويولّد منها مصائب، فيضاعف معها البلاء، ويعظم الألم، ويطبق اليأس، ويغلق كل باب للأمل والرجاء!. أما الذي يلقى أحداث الحياة ومصائبها بالصبر، ويواجهها بالتسليم والرضا، عن يقين وإيمان بأن ما وقع إنما هو بقضاء الله وقدره- فإن ذلك يهوّن عليه من وقع المصائب وإن عظمت، ويمدّه بمعين عظيم من الصبر والاحتمال، ويفتح له بابا واسعا من الأمل والرجاء فيما هو خير عند الله وأبقى: «وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» فحين يذكر المؤمن أنه- ذاتا ومالا وأهلا وولدا- ملك لله، لا يملك مثقال ذرة مما فى ملك الله، وأن مصائر الأمور كلها إلى الله، ومردّها جميعا إليه- حين يذكر المؤمن هذا لا يأسى على فائت، ولا يحزن على مفقود،

آية: (158) [سورة البقرة (2) : آية 158]

وتلك هى أولى بشريات المؤمنين فى هذه الدنيا، لا ينزل الحزن ساحتهم، ولا يرهق الهمّ والكرب قلوبهم: «أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» . آية: (158) [سورة البقرة (2) : آية 158] إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (158) التفسير: الصفا والمروة جبلان صغيران قرب مكة، وهما منسكان من مناسك الحج، والسعى فيهما واجب فى الحج والعمرة عند بعض المذاهب، ونافلة عند البعض الآخر. وفى قوله تعالى: «فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما» ما يشعر بأن الأصل فى الطواف بهما هو الحظر، وأن رفع الحظر والجناح وارد استثناء على هذا الحظر، وهذا يعنى أن هذا الطواف تركه أبرّ من فعله.. ولكن كيف يكونان- الصفا والمروة- من شعائر الله، ثم يكون الطواف بهما أو السعى بينهما داخلا فى باب الحرج؟. هذا ما دعا أكثر المفسرين إلى البحث عن وجه يوفّقون به بين هذين الأمرين! وقد كثرت فى هذا المقولات واختلفت المرويات، كما هو الشأن دائما فى مثل هذا الموقف!. ومما قيل هنا: إنه كان هناك صنمان فى الجاهلية، أحدهما اسمه أساف، على الصّفا، والآخر اسمه نائلة، على المروة، وأن العرب فى الجاهلية كانوا يترددون

عليهما، ويطوفون بهما، فلما جاء الإسلام، ودخل النبىّ- صلى الله عليه وسلم- مكة معتمرا وأراد أن يسعى بين الصفا والمروة، وقع فى بعض نفوس المسلمين شىء من الكراهية، فنزل قوله تعالى: «إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما» أي حيث أن الصفا والمروة من شعائر الله ومناسك عبادته، ولأن السعى بينهما منسك من مناسك الحج، يجب أو أن يندب أداؤه عند الحج أو العمرة، فليسع الحاجّ أو المعتمر بينهما، ولا عليه من بأس أو جناح من وجود هذين الوثنين! فرفع الحرج هو عن السعى مع وجود الصنمين، لا عن ذات السعى. ولكن هذا التعليل إن ساغ فى تلك الحال العارضة يوم نزول الآية- كما يقال- فإنه بعد ذلك يجعل الآية معلقة بوقت نزولها، منقطعة عن الحياة بعد هذا الوقت، فإن نظر إليها ناظر اليوم على أنها حكم من أحكام الحج، وجد فيها هذا الحرج قائما، يجده فى قلبه من يطوف أو يسعى بين الصفا والمروة!!. إن كلمات الله فوق هذا النظر المتهافت الكليل، وإن آيات الله لا يقطعها الحادث العارض لنزولها، عن أن تظل عاملة فى الحياة، ومصدر هدى ونور للناس إلى يوم الدين. وبنظرة أكثر عمقا وأبعد مدى، نرى فى تلك الآية- بما أرانا الله- ما يطمئن إليه القلب، وتستريح له النفس، وينشرح به الصدر.. والحمد لله رب العالمين. ففى قوله تعالى: «إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ» حكم قاطع بأن هذين المكانين من أماكن الله، التي اختصها بأن يتعبّد له فيها العابدون، ويتقرب إليه عندها المتقربون!

وقد جعل الله السعى بينهما منسكا من مناسك الحج، وفعلا من الأفعال التي تتم بها هذه الفريضة! وليس يعقل بحال أن يلمّ بمن يؤدى هذا المنسك- حاجّا أو متعمرا- غير نفحات الرحمة والرضوان.. وإذن فينبغى أن يكون معنى قوله تعالى: «فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما» كاشفا عن هذه الحقيقة، وعن نفحات الرضا والرحمة التي تحفّ بمن يطّوّف بهما! وننظر فنرى أن كلمة «يطّوف» بالتشديد غير كلمة «يطوف» بالتخفيف، ومعنى هذا أنها تعنى كثرة الطواف، لا مجرد الطواف! ومن جهة أخرى، فإن الطواف معناه الدوران، ومنه الطواف حول الكعبة، ومنه الطائفة وهى الجماعة المتحلّقة، وعلى هذا يكون المراد بالتطوف بالصفا والمروة: الدوران حولهما لا السعى بينهما.. والطواف بهما أمكن وأشق من السعى. وعلى هذا يكون معنى التطوف: إما الإكثار مع السعى بين الصفا والمروة، أو التطوف حولهما مع السعى بينهما. وعلى هذا أيضا، يكون رفع الحرج والجناح لا عن السعى، بل عن الاستزادة من السعى، أو الجمع بين الطواف والسعى، حيث يظن أن أداء الشعيرة موقوف به عند السعى بعدد من المرات، لا يتجاوزه الحاج أو المعتمر، أو أن الجمع بين الطواف والسعى غير مستحب، فكان رفع الحرج بإطلاق قيد العدد فى السعى، إلى ما يمكن أن يحتمله الجهد والطاقة، أو بالجمع بين السعى والطواف- كان الرفع للحرج إغراء بالإكثار من السعى، أو بالسعي الذي يجعل الطواف بالصفا والمروة جزءا منه.. فذلك زيادة فى العمل فى باب الخير،

يزداد به الثواب، ويتضاعف به الجزاء، ولهذا جاء قوله تعالى: «وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ» عقب قوله سبحانه: «فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما» بيانا لهذه الاستزادة من التطوف التي هى زيادة فى خير، ومضاعفة لأجر، فمن استزاد خيرا فهو خير له. والفاصلة التي تختم بها الآية: «فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ» إقرار لهذا التطوع بالخير، الذي يجىء عن تبرع بما هو فوق المطلوب، وتقبّل له بالحمد والرضا من رب العالمين: «فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ» . ومثل هذا ما جاء فى قوله تعالى فى صوم رمضان: «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» . فالذين يجدون جهدا أو مشقّة فى صوم رمضان، مباح لهم أن يفطروا وأن يطعموا مسكينا عن كل يوم، وإطعام المسكين هو القدر المطلوب الذي يجزى كفدية عن إفطار يوم، لمن يفطرون رمضان حين يجدون مشقة فى صومه: «فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ» أي من زاد عن المطلوب، فأطعم مسكينين أو ثلاثة، أو عشرة، أو مائة، أو أكثر، فذلك زيادة فى عمل الخير، وعلى قدر هذه الزيادة يزاد فى الثواب. ومثل آية الطواف بالصفا والمروة ما جاء فى قوله تعالى فيما هو من أعمال الحج: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ» . فبالإفاضة من عرفات تتم أعمال الحج، ولكن الحاج لا يزال فى تلك المواطن

الآيتان: (159 - 160) [سورة البقرة (2) : الآيات 159 إلى 160]

المقدسة، ونفسه معلقة بها، وأشواقه نازعة إليها. وعزيز عليه أن تنقطع الصلة بينه وبينها.. إلا أنه من جهة أخرى يرى أنه أدّى الفريضة وقضى مناسكها، وربما لو أنى عملا آخر ولو كان برا لم يقع عند الله موقع القبول، لأنه جاء على غير شرع الله، فكان قوله تعالى: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ» إذنا بالدخول فى باب جديد من أبواب الخير، فيه طلب المزيد من فضل الله: «فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ» . الآيتان: (159- 160) [سورة البقرة (2) : الآيات 159 الى 160] إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (159) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) التفسير: مناسبة هذه الآية للآية التي قبلها- على ما يبدو فى ظاهر الأمر من بعد الصلة بينهما- هو أن الله سبحانه وتعالى يرسل رسله بالبينات والهدى ليكشفوا للناس طريقهم إلى الله، وما يتقربون به إليه، من عبادات ومعاملات، وقد بينت الآية السابقة منسكا من مناسك الحج، وفتحت للناس بابا من أبواب التقرب والزّلفى إلى الله. وآيات الله هذه هى ميراث المؤمنين عن أنبيائه، والعلماء هم الأمناء على هذا الميراث الكريم.. وقد أخذ الله عليهم الميثاق أن يبينوه للناس ولا يكتموا شيئا منه.. كما قال تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ» .

وإذا كان أهل الكتاب- وخاصة علماءهم- قد نقضوا هذا الميثاق، فكتموا ما أنزل الله عليهم. وشوهوا معالم الحق فيه، فكان من المناسب أن يذكّروا فى تلك الحال بما هم متلبسون به، وأن يحذّروا، حتى ينتزعوا أنفسهم مما هم فيه، من خلال، إن كان لهم إلى أنفسهم عودة وإلى استنقاذها رغبة! والضمير فى قوله تعالى «مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ» يعود إلى الاسم الموصول فى قوله تعالى «ما أَنْزَلْنا» أي من بعد ما بينا هذا المنزل، وجعلناه فى كتاب، وهو التوراة والإنجيل. وقوله تعالى: «أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ» وعيد شديد لهؤلاء الذين يكتمون ما يعرفون من الحق، الذي بيّنه الله لهم فى كتبه، واللعنة معناها المقت والطرد من رحمة الله. وأما قوله سبحانه: «وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ» فهو تشنيع عليهم، وتغليظ لجرمهم، وفضح لهم بعرضهم فى وجه كل مسبّة يتسابّ بها الناس، ورميهم بكل سوء يرمى به الناس فى دنيا الناس.. هكذا بكل لسان، وفى كل مكان وزمان!! وقوله تعالى: «إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا» هو يد رحيمة منعمة، يمدها الله سبحانه لهؤلاء الذين غرقت سفينتهم، وتدافعت بهم أمواج الضلال والفتنة، لتلقى بهم إلى حيث البلاء المبين، والعذاب الأليم، وتلك فرصتهم إن اهتبلوها ومدوا أيديهم إلى الله، وأخلصوا له القول والعمل، كان فى ذلك خلاصهم ونجاتهم، ففى رحمة الله متسع لهم، فعلى هؤلاء الذين مكروا بكتاب الله ان يتوبوا، وأن يعدلوا عن طريقهم المعوج الذين ركبوه، وأن يصلحوا ما أفسدوا وما أدخلوا على كتاب الله من تحريف وتبديل، وأن يبينوا ما فى كتاب الله من حق، فى شأن النبي ورسالته.. هنالك يستقيم طريقهم، وتقبل توبتهم: «فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» .

الآيتان: (161 - 162) [سورة البقرة (2) : الآيات 161 إلى 162]

وانظر فى قوله تعالى: «وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» كم تجد فى قول الحق جل وعلا: «أَنَا» من معطيات الأمل والرجاء لمن يلفتهم الله إليه، ويتجلّى عليهم بذاته؟ وكم تجد فى «واو» العطف فى قوله سبحانه: «وَأَنَا» من قوى الجذب إلى الله لهؤلاء الضالين الظالمين؟ «فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ» فهم الراجعون إلىّ، الطامعون فى رحمتى «وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» . الذي يقبل التوبة عن عباده، ويرحمهم. الآيتان: (161- 162) [سورة البقرة (2) : الآيات 161 الى 162] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) التفسير: أما الذين أصروا على الكفر وماتوا عليه، دون أن يتطهروا منه بالتوبة والإيمان، فقد ضلّ سعيهم، وساء مصيرهم، ووقع عليهم من ربهم رجس وغضب، ومن الوجود كلّه- أرضه وسمائه- المقت واللعنة.. والضمير فى قوله تعالى: «خالِدِينَ فِيها» يعود إلى اللعنة فى قوله تعالى: «أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» أي هم واقعون تحت هذه اللعنة، خالدين فيها أبدا، لا يخفف عنهم عذابها، ولا ينظر إليهم بعين الرحمة أبدا. الآيتان: (163- 164) [سورة البقرة (2) : الآيات 163 الى 164] وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (163) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)

آية: (165) [سورة البقرة (2) : آية 165]

التفسير: هذه دعوة إلى كل مخلوق: أن يشهد أن لا إله إلا الله ربّ العالمين، لا شريك له، رحمن السموات والأرض ورحيمهما. وبين يدى هذه الدعوة، معارض مختلفة الصور والألوان لما أبدعت يد الخالق، وما أودعت قدرته وحكمته فى هذا الوجود من آيات وشواهد، تحدّث بجلال الله وعظمته ووحدانيته. وفى كلّ شىء له آية ... تدلّ على أنه الواحد فنظرة مستبصرة فى هذا الوجود تفتح للناظر أكثر من طريق إلى الله، إن هو احترم عقله، واستفتى قلبه! آية: (165) [سورة البقرة (2) : آية 165] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (165) التفسير: وإنه لضلال ما بعده من ضلال، وسفه ليس وراءه من سفه أن تكون دلائل القدرة، وشواهد الوحدانية مبثوثة فى كل أفق، ناجمة فى كل مكان، ثم يكون مع ذلك فى الناس من لا يعرف طريقه المستقيم إلى الله

الآيتان: (166 - 167) [سورة البقرة (2) : الآيات 166 إلى 167]

فتتفرق به السبل إليه، فيرى الله بعين مريضة، وبقلب سقيم، وإذا الله عنده ربّ مع أرباب، وإله بين آلهة، فولاؤه لله قسمة بينه وبين ما أشرك معه من آلهة وأرباب، وحبه لله موزع مشاع بينه وبين الشركاء الذين جعلهم معه، وليس كذلك حبّ الذين آمنوا وأخلصوا إيمانهم لله، فهو الحبّ كل الحبّ لله وحده، لا شريك له فيه. وقوله تعالى: «وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ» وعيد مزلزل لكيان أولئك الذين أشركوا بالله وجعلوا له أندادا، وانتقال خاطف بهم إلى يوم القيامة وأهوالها، والنار الجاحمة المعدة لهم، وعندئذ يرون أن الملك لله وحده، وأن القوة كلها بيده، لا يملك أحد منها مع الله شيئا، يدفع عنهم هذا العذاب المحيط بهم. الآيتان: (166- 167) [سورة البقرة (2) : الآيات 166 الى 167] إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (166) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) التفسير: هنالك فى هذا الموقف المتأزم الخانق، وبين يدى هذا الجحيم الآخذ بالنواصي والأقدام، يكثر التلفت إلى الوراء، وترتفع صيحات الحسرة والندم من الآثمين الضالين! وفى مشهد من تلك المشاهد تقع الملاحاة بين الأتباع والمتبوعين، ويتبرأ

المتبوعون من الأتباع، وتتقطع بينهم أسباب التقارب والتواصل، ويترامون بالعداوة والبغضاء! والأتباع والمتبوعون هنا هم جميعا من أهل الضلال.. أما الأتباع فهم العامة، وأما المتبوعون فهم العلماء وأصحاب القيادة الدينية فيهم، إذ هم الذين زينوا للعامة هذا الضلال، وهم الذين حرّفوا لهم الكلم عن مواضعه، فأهلكوهم وهلكوا معهم جميعا. فالمشهد هنا بين الأتباع والمتبوعين قائم على شفير جهنم التي يساق إليها الأتباع والمتبوعون معا. ولما كان هؤلاء المتبوعون هم الذين زينوا لأتباعهم هذا الضلال الذي أوردهم موارد الهلاك، فقد وقع فى أنفسهم حين رأوا العذاب الذي ينتظرهم، أن أتباعهم سوف يتعلقون بهم، ويسوقونهم للقصاص منهم، بتهمة التحريض والغواية لهم، إذّاك بادر هؤلاء المتبرعون وتبرءوا من أتباعهم، ونفضوا أيديهم من كل صلة بهم! وحين يجد الأتباع أنهم وقادتهم حصب جهنم، كما يقول الله تعالى: «فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ» : (33: الصافات) يتضاعف حزنهم وتشتد حسرتهم، ويقطّع اليأس نياط قلوبهم، حين لم ينالوا منالا من هؤلاء الذين غرروا بهم، وأوردوهم هذا المورد الوبيل! وإذ ذاك تنطلق ألسنتهم بكلمات تتميز غيظا ويأسا: «لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً! فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا؟» فهم إنما يتمتمون- فى يأس مغلق- أن يردّوا هم ورؤساؤهم إلى هذه الدنيا، ليراجعوا حسابهم معهم على ضوء ما تكشّف لهم فى هذا الموقف، وليصموا آذانهم عن كل دعوة باطلة يدعونهم إليها.. أما تبرؤهم منهم فى الآخرة فإنه لا يجدى نفعا.. فقد دعوا إلى الضلال وأجابوا،

الآيتان: (168 - 169) [سورة البقرة (2) : الآيات 168 إلى 169]

وهاهم أولاء يجنون ثمرة ما زرعوا من شرّ، وما ثمّروا من إثم! «كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ» . الآيتان: (168- 169) [سورة البقرة (2) : الآيات 168 الى 169] يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (169) التفسير: تكشف هاتان الآيتان عن وجه آخر من وجوه الضلال، فكما يفسد بعض الناس على الناس تفكيرهم، ويفتنونهم فى دينهم، كذلك تفسد نفس الإنسان على الإنسان تفكيره وتفتنه عن دينه، حين يسلم المرء زمامه لنفسه فلا يراجعها، ويتبع هواها حيث يميل به، والإنسان بما فيه من عقل وإدراك مسئول عن نفسه مسئولية لا يدفعها عنه إغواء المغوين ولا إضلال المضلين، حتى ولو كان وارد هذا الإغواء، ومهب ذلك الضلال نابعا منه، ومن نفسه التي بين جنبيه. وهو ما يعبر عنه القرآن الكريم بالشيطان.. فسواء أكان الشيطان هنا أو هناك، بعيدا أو قريبا، فإنه لا يبدو للإنسان، ولا يجد له وجودا قائما فى كيانه، وإنما هى وسوساته وخطراته، التي يقذفها فى النفس، فتتحرك أهواؤها، وتتناغى بلابل شهواتها، فإذا لم يتنبه الإنسان لها، ويأخذ السبيل عليها، ملكته، وأسرته، وألقت به ليد الشيطان! فالشيطان، هو دعوة الضلال التي تساق إلى النفس، على لسان إنسان ضال مضلّ، وذلك هو شيطان الإنس، أو التي تتحرك من داخل كيان الإنسان فيجد مسّها فى صدره ووقعها على نفسه، من وارد خفى، لا يدرى من

الآيتان (170 - 171) [سورة البقرة (2) : الآيات 170 إلى 171]

أين جاء، وذلك هو شيطان الجن: «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ» . الآيتان (170- 171) [سورة البقرة (2) : الآيات 170 الى 171] وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (171) التفسير: هؤلاء الذين لم يستمعوا لنداء الحق، ولم يستجيبوا لدعوة العقل، فاتبعوا خطوات الشيطان، وأسلموا زمامهم ليده- هؤلاء قد ألغوا عقولهم، وباعوها بيع المفلسين.. بلا ثمن.. فإذا دعاهم داعى الحق: أن آمنوا بما أنزل الله، قالوا: «بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا» هكذا يريحون أنفسهم من عناء التفكير والنظر، وحسبهم أن يقفوا آثار آبائهم، وأن يرثوا عنهم عقيدتهم، ويتلقوا منهم دينهم، كما يرثون ما خلّفوا من متاع، وكما يتلقون ما استقر فيهم من تقاليد وعادات!! والمجتمع الذي يحيا هذه الحياة، مجتمع مصيره إلى الضياع والبوار، لأنه أشبه بالبركة الراكدة، التي لا يلبث ماؤها طويلا حتى يفسد ويتعفّن! أما المجتمعات التي يكتب لها النماء والازدهار فهى المجتمعات التي يتجدد شبابها بالعمل المادي والعقلي، فتفيد من تجارب أسلافها، وتضيف إلى تلك التجارب جديدا يجلو صدأها، وينمّى ذاتها، ويستولد الجديد الكريم منها.

الآيتان: (172 - 173) [سورة البقرة (2) : الآيات 172 إلى 173]

وماذا على هؤلاء الذين يدعون إلى الإيمان بما أنزل الله، لو نظروا بعقولهم فى هذا الذي يدعون إليه، فإن صحّ فى عقولهم، واستقام مع الحق البعيد عن الهوى، اتبعوه عن علم، ولا عليهم أن يكون موافقا أو مخالفا لما عليه آباؤهم.. فإن كان موافقا له، زاد إيمانهم إيمانا، ويقينهم يقينا، وإن كان مخالفا وقوا أنفسهم شرّ الهاوية التي كانوا سيهوون إليها، لو أنهم اقتفوا آثار آبائهم، وسلكوا مسلكهم! وفى قوله تعالى: «وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً» تصوير كاشف لحال هؤلاء الذي لبسوا الكفر تقليدا ومتابعة وإرثا، فجمدوا على ما هم فيه، وأبوا أن يتحولوا عنه، ولو زلزلت الأرض بهم.. إنهم- وهذا شأنهم- لا يستمعون لداع، ولا يستجيبون لمناد، فلا تختلف حالهم كثيرا عن حال الحيوان الأعجم الهائم على وجهه، يهتف به: أن أقبل، أو اتجه يمينا أو يسارا، أو ما أشبه ذلك، فلا تترجم هذه المعاني فى سمعه إلا على أنها أصوات هائمة، لا معقول لها عنده، فتسقط الكلمات على أدنه كما تسقط الحجارة على الحجر! «صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ» فلقد سدّت عليهم منافذ العلم، وأغلقت دون عقولهم أبواب المعرفة. وفى قوله تعالى: «يَنْعِقُ» إشارة إلى أن الكلمات التي يهتف بها الهاتف إلى هذا الحيوان هى بالنسبة إليه نعيق، ولهذا عبّر عنها بما هى صائرة إليه، لا بما كانت عليه عند منطلقها من فم قائلها! الآيتان: (172- 173) [سورة البقرة (2) : الآيات 172 الى 173] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173)

الآيات: (174 - 175 - 176) [سورة البقرة (2) : الآيات 174 إلى 176]

التفسير: هذا نداء إلى الذين آمنوا، والتفات إليهم بعد الانصراف عن أولئك الذين أصمّوا آذانهم عن دعوة الحق، وأغلقوا قلوبهم على ما أشربوا من التعلق بما كان عليه أسلافهم من ضلال. وطيبات الرزق، هى الصفو الخالص من كل شائبة، وقد أبيح للمؤمنين كل طيب، وحرم عليهم كل خبيث، حتى لا يدخل على أجسامهم من الطعام إلا الطيب، كما لم يدخل على عقولهم من الدين إلا الحق. وما أهلّ به لغير الله، هو ما لم يذكر اسم الله عليه، وذبح قربانا لمعبود غير الله. وفى قوله تعالى «غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ» ضبط للقدر الذي يقف عنده المضطر حين يدعوه الاضطرار إلى تناول شىء من هذه المحرّمات، فلا يفتعل الاضطرار، ولا يركب الأمور التي يعلم أنها ستدخله مداخل الاضطرار وهو قادر على ركوب غيرها فإذا دخل منطقة الاضطرار من غير بغى، فلا ينال من هذه المحرمات إلا القدر الذي يمسك عليه حياته، ولا يلقى به فى التهلكة.. من غير عدوان ومجاوزة الحدّ، الذي يحفظ النفس من التلف. الآيات: (174- 175- 176) [سورة البقرة (2) : الآيات 174 الى 176] إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (174) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (176)

التفسير: من الذين يأكلون السحت ويملئون بطونهم بالحرام، أولئك الذين عندهم علم الكتاب من أهل الكتاب، ثم يكتمون علمهم هذا، ولا يؤدون الشهادة على وجهها إذا دعوا ليدلوا بما عندهم من علم، فى أمر ما، بل يحرّفون ويبدلون، لقاء الاحتفاظ برياسة دينية لهم على الناس، أو انتصارا للمشركين على المؤمنين فى مقابل ثمن معلوم. فهؤلاء إنما يأكلون فى بطونهم النّار فى هذه الحياة الدنيا، لأن هذا الطعام الذي يأكلونه إنما هو مما باعوا به دينهم، وبهذا صاروا أهلا للنّار، وقد أعدت أجسامهم التي نمت من هذا الطعام الحرام لتكون وقودا لتلك النار! وفى قوله تعالى: «فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ» صوت يتردد من خارج النار التي تلتهم أولئك الذين مكروا بما أنزل الله، فاشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة، إنه صوت أولئك الذين نجاهم الله من هذا البلاء، يعبّرون به- فى دهشة واستغراب- عن صبر هؤلاء الأشقياء الذين تأكلهم النار وهم يتقلبون على جمرها.. إن كل من يطلع عليهم لا يملك إلا أن يستهول هذا الهول الذي هم فيه، ويتعجب من احتمالهم له، وصبرهم عليه! واستحضار هذه الصورة فى الدنيا، فيه تنفير من هذا الموقف الأليم، وتحذير من هذا المصير المشئوم! والإشارة فى قوله تعالى: «ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ» واردة على هذا المصير البغيض، الذي صار إليه أولئك الذين كتموا ما أنزل الله من

الآية: (177) [سورة البقرة (2) : آية 177]

الكتاب واشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، وأنهم إنما استحقوا هذا الجزاء السيّء لانحرافهم عن الحق عن علم.. ذلك بأن الله نزل الكتاب ناطقا بالحق، وقد عرفوه، فلا عذر لهم إذا هم تنكبوا طريق الحق، وركبوا شعاب الباطل والضلال!. الآية: (177) [سورة البقرة (2) : آية 177] لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) التفسير: يحسب علماء أهل الكتاب أن مراسيم العبادات وصورها وأشكالها التي يقفون عندها، بحيث لا تنفذ آثارها إلى باطنهم، ولا تؤثر فى سلوكهم- يحسبون أن ذلك هو غاية الدين، ومقصد الشرع، فنعى الله عليهم ذلك، وكشف سوء فهمهم للدين، وقصر نظرهم إلى الشرع.. فالدين معتقد وعمل، وعبادة وسلوك، وغرس وثمر! وفى الآية الكريمة أكثر من نظر: ففى قوله تعالى: «وَفِي الرِّقابِ» وهو معطوف على ما قبله.. وكان سياق النظم يقضى أن يكون: و «الأرقاء» أو نحو هذا، حيث أن المال المدعوّ إلى بذله، إنما يبذل لذوى القربى واليتامى، والمساكين وابن السبيل والسائلين،

أي أنه يقدم لأيد محتاجة إليه، ولأشخاص يسدون به حاجاتهم، وهو مع الأرقاء لفك رقابهم، ولكن لما كان الرقيق يمكن أن تفك رقبته من غير أن يأخذ هو المال فى يده، بأن يشترى من مالكه ثم يعتق بيد شاريه، أو يكون ملكا بشراء أو بغير شراء ثم يعتقه مالكه- فعتقه هنا إنما هو بذل المال، وإن لم يكن مقبوضا. ولهذا كان لفظ القرآن هو اللفظ الذي لا لفظ غيره فى هذا المقام: «وفى الرقاب» أي وإنفاق المال فى فك الرقاب، وتخليص الأرقاء وتحريرهم. وفى قوله تعالى: «وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ» عطف جملة على جملة، حيث عطف الفعل «أقام الصلاة» على قوله تعالى: «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ» أي البرّ: من آمن بالله ... وأقام الصلاة وآتى الزكاة!. وإيتاء الزكاة، بعد بذل المال على ذوى القربى واليتامى والمساكين والسائلين وفى الرقاب- هو فرض واجب، على حين أن البذل المدعوّ إليه قبل ذلك، هو من قبيل التطوع الذي لا تسقط به فريضة الزكاة!. قوله تعالى: «وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ» معطوف على «من آمن» أي البر هو آمن بالله واليوم الآخر، و ... و ... والموفون بعهدهم إذا عاهدوا أي والذين أوفوا بعهدهم إذا عاهدوا. قوله تعالى: «وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ» قطع للصابرين عما قبلها، منصوبة على الاختصاص، إظهارا لفضل الصبر، وأنه ملاك كل أمر، كما بينا ذلك من قبل.. إذ لا وفاء بتكليف إلا مع عزيمة، ولا عزيمة إلا مع الصبر، وبالصبر. والبأساء: الحاجة والفقر، والضراء: ما يصيب الإنسان فى ماله أو نفسه، أو أهله، وحين البأس: أي حين الحرب والقتال.

الآيتان: (178 - 179) [سورة البقرة (2) : الآيات 178 إلى 179]

الآيتان: (178- 179) [سورة البقرة (2) : الآيات 178 الى 179] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) التفسير: ممّا هو من البر الذي ذكر فى الآية السابقة على هذه الآية، أن يأخذ المسلمون أنفسهم بالتطبيق العملي لما فرض عليهم فى جرائم القتل، وهو القصاص، وهو قتل القاتل بمن قتل!. وفى قوله تعالى: «الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى» بيان لتكافىء المسلمين.. فليس حرّ أحسن من حرّ، أو عبد أكرم من عبد، أو أنثى أفضل من أنثى!. وقد رأى بعض الأئمة الفقهاء أن القصاص هنا إنما يقع بين المتماثلين: الحرّ بالحرّ، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى.. فلا يقتل الحرّ بالعبد، ولا الرجل بالمرأة!. وهذا تخريج غير سليم للآية الكريمة.. إذ ليس هذا التقسيم التنويعى للناس، بالذي يوجب التفاضل بين نوع ونوع! ولو كان موجبا لذلك لما كان قتل المرأة بالرجل، ولا العبد بالحرّ قصاصا.. إذ لا بفي دم المرأة- على هذا التقدير- بدم الرجل، وكذلك دم العبد ودم الحرّ!. وأولى من هذا أن تفهم الآية على وجه آخر.. وهو أن التنويع الذي جاءت به الآية، ليس مقصودا به التفاضل بين نوع ونوع، وإنما المقصود به أولا هو:

الآيتان: (180 - 181) [سورة البقرة (2) : الآيات 180 إلى 181]

ألّا تفاضل بين أفراد الأنواع.. فالحر لا يفضل الحرّ، سواء أكان قرشيا، أو غير قرشى.. وهكذا سائر الأنواع.. فإذا استقام ذلك، وزالت الفوارق بين الناس، فى النسب، والدم، والجاه، والسلطان، جمعهم جميعا- أحرارا وعبيدا، ذكورا وإناثا- نسب واحد.. هو الإسلام، الذي اصطبغوا بصبغته وحدها، وتعرّوا من كل نسبة إلا نسبته، وهنا تتكافأ دماؤهم.. الحر، والعبد، والأنثى.. سواء، كما فى الحديث الشريف: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» . وعلى هذا تقتل النفس بالنفس، أيّا كان جنسها، أو مكانها الاجتماعى.. إنسان بإنسان، وروح بروح. الآيتان: (180- 181) [سورة البقرة (2) : الآيات 180 الى 181] كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) التفسير: ومما هو من البر أيضا، التزام هذا التشريع الذي كتب على المؤمنين، وهو الوصية للوالدين والأقربين.. وقد ذكر فى الآية (177) أن مما يقوم عليه البر هو إيتاء ذوى القربى، وإذ جاء ذلك مطلقا من غير أن يبيّن، أهو على سبيل الوجوب، أو التطوع، فقد جاء فى هذه الآية مبينا بأنه على سبيل الوجوب، إذ كان مما كتبه الله وفرضه على المؤمنين. وقد اختلف فى وصف «الخير» الذي يتركه الذين يحضرهم الموت، من حيث الكثرة والقلة.. والرأى أنه يكون شيئا له وزنه واعتباره، بحيث يكون مما تطمح إليه الأنظار، وترصد مساره النفوس..

وقوله تعالى «الْوَصِيَّةُ» هو نائب فاعل للفعل: كتب عليكم، أي فرض عليكم الوصية للوالدين والأقربين إذا حضر أحدكم الموت. وقوله تعالى «بِالْمَعْرُوفِ» هو ضبط للمعيار الذي تقوم عليه الوصية، فلا يتحكم فيها هوى، فتميل بجانب، وتخفّ بجانب، أو أن يراد بها الكيد لا البرّ.. وهذه الآية مما قيل إنها من المنسوخ، وأنها نسخت بآية المواريث! ونحن لا نقول بالنسخ، ولا نراه فى تلك الآية الكريمة.. فهى برّ خاص بالوالدين، اللّذين قد لا يقوم الميراث بحاجتهما، وخاصة إذا كانا قد تقدمت بهما السنّ، وخلا ظهرهما من الابن الذي كانا يأملانه لكفالة شيخوختهما! وإذا كان ما فرضه الله سبحانه وتعالى لهما من ميراث فيما ترك ابنهما هو القدر الذي قضت به الشريعة، كنصيب مفروض لهما، فإن ذلك لا يقضى بحرمانهما من برّ خاص يجىء من قبل الابن، أو الابنة، وهما فى حال الحياة، ومن قبل أن يصير ما فى أيديهما خارجا عن سلطانهما، ملكا لغيرهما.. وليس تأخير الوصية والبر الذي تحمله إلى ما بعد الوفاة- بالذي يخرجها عن كونها برّا خاصّا، جاء من عمل ابنهما أو ابنتهما، وعن إرادتهما.. فإذا عرفنا- مع هذا- أن الوصية محددة القدر، وأنّها، لا تتجاوز بحال ثلث التركة- كان القول بنسخها قطعا لآصرة المودة والبر بالوالدين، هذا البرّ الذي يرى فيه الولد- وقد أحسّ دنوّ أجله- شيئا من العوض عما فاته من برّ والديه، وقد قضى الموت قضاءه فيه قبلهما، ثم إن هذا البرّ قد يكون شيئا رمزيّا، لا يراد به إلا التعبير عمّا للوالدين من حقّ قبل ولدهما، إذ لم يكن ما يوصى به مقدورا بقدر معيّن من المال! هذا فى الوصية للوالدين..

أما الأقربون، فإن كانوا ورثة كالزوجة والابن وغيرهما، فشأنهم شأن الوالدين، فى إطلاق إرادة المورث، المشرف على الموت، أن يوصى لمن شاء منهم- فى حدود الثلث- بما يراه، ليسدّ حاجة يراها المورث فى ورثته، كأن تكون الزوجة مريضة، أو يكون أحد الأبناء ذا عاهة أو نحو هذا.. فإن كان الأقربون غير ورثة، فإطلاق إرادة المورث بالوصية لهما بشىء مما سيترك، أوجب وألزم.. إذ يرى أنهم- وهم ذوو رحمة- محرومون مما ترك للورثة من أقاربه! فالوصية- على هذا التقدير- ليست إلا استثناء من حكم عام هو الميراث، وبهذا الاستثناء تعالج الثغرات التي تظهر فى الحكم العام عند تطبيقه، الأمر الذي لا يخلو منه حكم عام! وفى قوله تعالى: «بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ» حراسة مؤكدة على هذا الاستثناء من أن يجوز على الحكم العام أو يعطّله..! وبهذه الحراسة المؤكدة تكون الوصية دعامة قوية يقوم عليها الميراث، وتكمل بها جوانب النقص الذي قد يكون فيه، فى أحوال وظروف خاصة، يترك تقديرها للمورث، ولما فى قلبه من تقوى، خاصة وهو على مشارف الطريق إلى الله. وقوله تعالى: «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ» الضمير فى «بدّله» يعود إلى قوله تعالى «خَيْراً» أي فمن بدّل فى هذا الخير المسوق إلى الموصى إليهم من الموصى، بأن زاد أو نقص فيما سمع من الموصى، فإن إثم ذلك التحريف والتبديل واقع عليه.. فليحذر شاهد الوصية أن يشهد بغير ما سمع: «إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» قد سمع ما نطق به الموصى، وعلمه وشهد عليه.. ومخالفة شاهد الوصية لما أوصى به الموصى، هو مخالفة لما سمعه الله وعلمه، وشهد به.

آية: (182) [سورة البقرة (2) : آية 182]

والحديث المروىّ: «لا وصية لوارث» حديث غير متواتر، لا ينسخ به حكم من أحكام القرآن. آية: (182) [سورة البقرة (2) : آية 182] فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) التفسير: بعد أن أثّم الله سبحانه وتعالى الذين يحرّفون الوصية على غير ما أراده الموصى ونطق به، كان مما قضت به حكمة الحكيم العليم أن يقيم الوصية على العدل، وأن يحمى هذا البر من أن يدخل عليه ما يجعل منه أداة للظلم، وطريقا إلى الإثم. فقد يركب الموصى رأسه، فيتخذ من الوصية سلاحا يضرب به فى عصبية وعمى، فيعمل على حرمان بعض أصوله أو فروعه، على حين يعطى بغير حساب من تقع عليه مشيئته منهم.. وفى هذا ما فيه من تقطيع أو أصر المودة والرحمة بين ذوى القربى. ولهذا جعل الله لشاهد الوصية جانبا من المسئولية فيها، وفى إقامتها على العدل والخير والمعروف. فهو- أي الشاهد- مطالب بأن يؤدى الشهادة فى الوصية على وجهها، إذا كانت محققة للعدل والخير والمعروف، فإن حرّف أو بدل، اتباعا لهوى، أو ميلا إلى ذى قرابة أو صداقة، فهو آثم، يلقى من الله جزاء الآثمين، فإن كان التحريف أو التبديل لسدّ خلل فى الوصية ولإقامة ميزان العدل فيها فإنه لا بأس حينئذ منه. ولما كان هذا التبديل خروجا على الأصل، فهو فى حكم ما أبيح للاضطرار، ينبغى الأخذ منه بالقدر الضروري، وبحذر وحرج معا، إنه

الآيتان: (183 - 184) [سورة البقرة (2) : الآيات 183 إلى 184]

أشبه بعملية جراحية، لا تتعدى العضو الفاسد، وإلا كان الخطأ والخطر، وكان اللوم والمؤاخذة!. وفى قوله تعالى: «فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ» إشارة صريحة إلى الطريق الذي يلتزمه شاهد الوصية، إذا رأى أن يعدّل من صورتها، وهو الصلح بين ورثة الموصى وقرابته، بحيث يكون حظهم مما ترك مادة خير لهم، لا مصدر شقاق وفرقة. وفى قوله سبحانه: «فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ» إشارة رفيقة إلى أن ما يفعله شاهد الوصية من تبديل، فى الحال التي يعالج ما بها من عوج، ليس من باب اكتساب الثواب، وحسبه إن هو أحسن ووفق أن يخرج معافى، لا له ولا عليه! .. «فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ!» وفى قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» إشارة ثالثة إلى أن ما فعله شاهد الوصية فى هذا الموقف أمر ترجى له المغفرة والرحمة من رب غفور رحيم، إذ كان داعيته البر والخير، وكانت النية القائمة وراءه الإصلاح بين الناس، فهو والأمر كذلك أشبه بمعصية، ترجى لها الرحمة والمغفرة، فإنّ الكذب هو الكذب، حتى ولو كان فى سبيل البرّ والخير.. ولكنه فى هذا المقام متسامح فيه بالقدر الضروري، كما يتسامح فى أكل الميتة ولحم الخنزير وغيرهما من المحرمات عند الاضطرار! الآيتان: (183- 184) [سورة البقرة (2) : الآيات 183 الى 184] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)

التفسير: فى آية البر (177) لم يذكر الصوم فيما ذكر من شعائر البر، ولكن قد أشير إليه ضمنا فى قوله تعالى: «وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ» إذ كان الصوم مما يدخل فى دائرة الصبر.. بل هو «الصبر» نفسه. وفى هذه الآية بيان لفريضة الصوم ووقتها وأحكامها، كما ذكر، فى الآيات التي قبلها من أعمال البر: القصاص فى القتلى، والوصية عند الموت، وهما أمران يستندان إلى الصبر، وكما سيذكر بعد ذلك الجهاد فى سبيل، وهو أمر لا يقوم إلا على الصبر. وفى قوله تعالى: «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ» بيان لمن أبيح لهم الخروج من هذا الحكم العام الذي دخل فيه المسلمون جميعا، وهو وجوب الصوم.. ويقال: طاق الشيء يطوقه طوقا وطاقة، وأطاقه إطاقة إذا قوى عليه، وطوّقه تطويقا ألبسه الطوق، يقول الله تعالى: «سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ» : (180 آل عمران) ومعنى هذا أن الذي يطيق شيئا إنما يعطيه طاقته، أي كل قوته، وهذا لا يكون إلا مع الأمر الشاق، الذي لا يقدر علية إلا بجهد ومشقّة. والذين يطيقونه هم الذين يرهقهم الصوم، ويبلغ بهم المشقة والجهد، كالمريض مرضا ملازما، وكمن دخل مرحلة الشيخوخة، وكبعض الحوامل اللائي يعانين من حملهن ما يلزمهن نظاما خاصّا فى التغذية.. وهكذا كلّ من خرج بناؤه الجسدى عن حد الاعتدال، فلا يستطيع الصوم، وإن استطاعه وجد المشقة والحرج، فلهؤلاء أن يفطروا، فقد رفع الله عنهم الحرج بقوله تعالى: «وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (78: الحج) وبقوله سبحانه: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» : (286: البقرة) .

الآية: (185) [سورة البقرة (2) : آية 185]

والفدية هى ما يفتدى به المفطر الذي أباحت له حاله الجسدية الإفطار، وهو ما يقدمه كفّارة عن إفطاره، كما بينه الله تعالى فى قوله: «طَعامُ مِسْكِينٍ» أي عن كل يوم. وقوله تعالى: «فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ» ترغيب فى عمل البر والاستزادة منه، فإذا جعل الله سبحانه الفدية الواجبة هى طعام مسكين، فإنما ذلك رحمة بعباده ورفقا بالمعسرين منهم، وتمكينا للفقراء أن يلحقوا بالأغنياء، بتقديم هذا القربان إلى الله، وبالمشاركة فى البر والمواساة، ثم إن باب التطوع متسع مع هذا لمن تسخو نفسه بالبذل، وتسمح يده بالعطاء: «فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ» !. وفى قوله تعالى: «وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ» ما يضبط ميزان الاتجاه إلى الإفطار عند ذوى الأعذار. فلا يميل بهم إلى التفلّت من الصوم، مع الجهد المحتمل، ومع المشقة الممكنة، فالصوم تكليف، ولكل تكليف أعباؤه ومشقاته، وإلا لما كان ثواب وجزاء.. فترجيح جانب الصوم على جانب الإفطار مع الفدية ومع قيام العذر- من شانه ألا يجعل للأعذار الواهية مدخلا للترخص فى هذه العبادة، والتحلل منها لأقل مشقة وأقل جهد. الآية: (185) [سورة البقرة (2) : آية 185] شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)

الآية: (186) [سورة البقرة (2) : آية 186]

التفسير: اقتضت حكمة الله تعالى، إذ فرض على المسلمين الصوم أن؟؟؟ له خير وقت بالنسبة لهم، وهو شهر رمضان، ذلك الشهر الذي بدأ فيه نور القرآن، وافتتحت فيه طريق الرسالة الإسلامية بين السماء والأرض، تتنزل أنوار الهداية والرحمة، فكان اتصال المسلمين بالله فى هذا الشهر، والتقرب بالصوم فيه، أنسب وقت وأعدله، لإفاضة المشاعر الكريمة، وإيقاظ الأحاسيس السامية فى الإنسان، ليخلص وجهه لله، وليصفّى روحه من دخان المادة وغباره؟؟؟ وفى قوله تعالى: «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» إشارة إلى معنيين أولهما مشاهدة الشهر ورؤيته، واقعا أو حكما، وثانيهما الحضور، من غير مرة؟؟؟ أو سفر.. وقوله تعالى: «وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ» معطوف على مقدر محذوف بعد قوله تعالى: «يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ أي أن الله يسّر لكم هذه الفريضة، وقرنها بما يدافع المشقة والحرج عنكم لتؤدوها ولتكملوا عدتها، ولتكبروا الله وتشكروه على أن هداكم ووفق لأداء هذه الفريضة، وتعرضكم لما أعدّ الله من ثواب عليها. الآية: (186) [سورة البقرة (2) : آية 186] وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) التفسير: جاءت هذه الآية بين الآيات الشارحة للصوم وأحكامه لتلفت الصائمين إلى ما هم عليه فى تلك الحال من صفاء روحى يدنيهم من الله ويجعلهم أكثر استعدادا للاتصال به..

الآية: (187) [سورة البقرة (2) : آية 187]

فالله سبحانه وتعالى دائما أبدا أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد، ولكن الإنسان هو الذي تختلف أحواله، مع الله، فيدنو أو يبعد، ويتصل أو ينقطع حسب إيمانه به، وطاعته له، ورجاءه فيه.. والإنسان فى شهر الصوم مهيأ للقرب من الله، مستيقظ المشاعر والأحاسيس لمناجاته. الآية: (187) [سورة البقرة (2) : آية 187] أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) التفسير: نجد عند المفسرين أقوالا كثيرة فى هذه الآية، وفى نسخها بآية ونسخها لآية، وغير ذلك من الوجوه التي لم نرض عنها، وقد أدلينا بما أرانا الله فيها، والله هو الموفق والمعين. الرفث: ضرب من اللهو والعبث، والمراد به هنا مخالطة النساء والخلوة بهن. ولما كان الصوم فى صميمه حرمانا من شهوات النفس ولذاذاتها، وانقطاعا بها عن كل ما من شأنه أن يشبع هوى النفس ويرخى لها الزمام فيما تحب- لما كان هذا هو شأن الصوم، فقد أحس المسلمون عند ما فرض عليهم الصوم وبدؤا يؤدون هذه الفريضة، أن اتصالهم بنسائهم، وإطلاق أنفسهم

على طبيعتها معهنّ، هو مما يجرح صيامهم، ويلقى ظلالا من العبث على هذا، الجدّ الجادّ الذي هم فيه، الأمر الذي لا يتفق أوله مع آخره، ولا يلتقى فيه ليله مع نهاره.. وقد امتدّ هذا الشعور إلى الطعام والشراب كذلك، فتحرّج كثير منهم أن يستبيح لنفسه الطعام والشراب على امتداد الليل كله، وإنما الذي له هو أن يفطر فيما بين المغرب والعشاء، ثم يمسك بعد ذلك حتى مغرب اليوم التالي، بل إن كثيرا منهم كان لا يفطر، اليومين، والثلاثة، بل يواصل الصوم. وعلى هذا فإن الموقف لم يكن واضحا أول عهد المسلمين بالصوم، بين الإنسان ونفسه، أو بين عزيمته وواقع أمره، ومعطيات تجربته، وخاصة فيما يتصل بالاتصال بالمرأة، إذ كيف يكون اتصال ولا يكون شىء من المداعبة والملاعبة؟ وكيف يكون فيها الجدّ وهى الغريزة الحيوانية التي لم يستطع الإنسان أن يستعلى عليها من غرائز الحيوان الكامن فيه؟ فإذا غلب الإنسان على أمره فى هذا الموقف ووقع منه ما لا بد أن يقع من عبث فى سكرة من سكرات نفسه، عاد فانتزعها من هذا الذي هى فيه من عبث، وحاول أن يردّها إلى الجدّ، وهذا فى الواقع خيانة للنفس، وسلب لحق من حقوقها الطبيعية، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة فى قول الحق جلّ وعلا: «عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ، فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ» . ولهذا جاء قول الله تعالى: «أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ» حاسما لهذا الموقف، رافعا عن الصائمين الحرج، فيما يقع بينهم وبين نسائهم من رفث. وانظر فى قوله تعالى: «أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ» وفى قوله بعد ذلك: «هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ» تجد كيف ألقى سبحانه وتعالى على هذا الرفث ستارا جميلا رفيقا، يستر به ما يكون بين الزوجين

فى حال اتصالهما، فلا يطلع أحد على ما يكون بينهما، «هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ» أي ستر لكم كما يستر الثوب لابسه، «وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ» تسترون ما يكون منهن من رفث! وفى قوله تعالى: «عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ» بيان لتلك الحال التي كان يعانيها الصائمون من صراع بين الطبيعة النفسية الغالبة، وبين السموّ الروحي، الذي يريد أن يبلغه الصائمون بصيامهم، وأن يتجنّبوا الرفث الذي يقع بين الزوجين. وفى قوله تعالى: «فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ» إظهار لرحمة الله بهم وفضله عليهم: إذ عاد عليهم برحمته، حين أطلق نفوسهم من هذا الحرج الذي كانوا يعيشون معه، فى همّ وقلق. وفى قوله تعالى: «فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ» إشارة إلى إباحة اتصال الصائمين بنسائهم على الوجه الذي يكون بينهم فى غير أيام الصوم. وإنك لتجد فى قوله سبحانه: «فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ» ما يشير إلى إيذان بصورة جديدة للصوم، على غير الوجه الذي كان قائما عليه.. وفى قوله تعالى: «بَاشِرُوهُنَّ» معنى غير الذي يعطيه «ارفثوا معهن» إذ المباشرة هى الاتصال المطلق الذي تحدد صفته حسب تصرف الإنسان، وحسب الحال الذي يكون عليه، وليس كذلك الرفث الذي يحمل معه عند المباشرة شيئا من اللهو والعبث.. فالأمر بالمباشرة إذ يعنى رفع الحرج، يعنى مع ذلك أن يلتزم الإنسان القصد والاعتدال، وأن يتألف هذا الحيوان الذي يكمن فيه، وأن يذكر فى تلك الحال أنه إنسان! وأما قوله سبحانه: «وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ» فيشير إلى ما ينبغى أن يكون مقصدا فى المباشرة بين الرجل والمرأة وهو طلب الولد، والأخذ

بالأسباب المفضية إلى ما قدر الله للزوجين من ذرية.. فليست المباشرة. قضاء الشهوة وإشباع الغريزة، وإنما هى مطلب كريم، ورسالة سامية، ينظر إليها الإنسان من خلال المشاركة فى عمران الحياة، ونماء الإنسان وحمل المسئولية فى تقديم الإنسان الصالح فى بناء المجتمع! وهذا ما؟؟؟ للمباشرة معنى يرتفع بها عن الرفث الحيواني، والعبث الماجن. وأما قوله تعالى: «وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ» صيانة لتلك الفترة التي نوى فيها المسلم الاعتكاف «1» فى بيت من بيوت؟؟؟ والانقطاع للعبادة الخالصة لله، من أن يدخل عليها شىء من لهو النفس؟؟؟ يذهب بثمرة هذه الرياضة، التي أخذ الإنسان بها نفسه لفترة محدودة الزمن، فهى أشبه بيوم من أيام الصوم- فرضا أو تطوعا- لا يحلّ؟؟؟ فيه أن يتحلل من صومه. فللعبادات حرمتها. فإذا أوجب الإنسان على؟؟؟ شيئا منها، وجب أن يؤديه على الوجه الأكمل له، وإلا أثم من حيث؟؟؟ الأجر والمثوبة. وفى قوله تعالى: «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها» تحذير من اختر الحدود التي أقامها الله سبحانه وتعالى لحرماته، وجعلها حمى لتلك الحرما؟؟؟ والهاء فى قوله «فَلا تَقْرَبُوها» ضمير يرجع إلى تلك الحدود، بمعنى أن؟؟؟ الإنسان الإلمام بالحدود المطيفة بالحرمات، أو يدنو منها، مخافة أن تزلّ؟؟؟ فيقع فيما حرم الله، وفى الحديث: «من حام حول الحمى يوشك يواقعه» !.

_ (1) اختلف الأئمة فى مدة الاعتكاف بين يوم وعشرة أيام.. فى أقل مدة! ولا حد لأكثره.

هذا وحدود الله قد تضرب على أشياء فرض تحريمها، أو تقام على أمور أباحها وأجاز الأخذ بها. وسبحان من أحكم آياته، وتفرد بكلماته، فجاء بها معجزة قاهرة، تعنو لجلالها وجوه العالمين، وتخرس لبيانها ألسنة المخلوقين! ففى الحدود التي تحتوى فى داخلها المحرمات كما فى قوله تعالى: «وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ» جاء النهى هكذا: «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها» أي بالتزام الوقوف خارج تلك الدائرة، حيث أن ماوراءها من مقابل هذا المنهىّ عنه هو المطلق المباح، والاقتراب من تلك الدائرة اقتراب من خطر! وفى الحدود التي تضمّ المباحات، حيث يكون الناس معها فى داخل الدائرة، يجىء النهى هكذا: «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ.. فَلا تَعْتَدُوها» أي ألزموا هذه الدائرة ولا تخرجوا عنها إلى ما يقابل هذه المباحات، مما هو خارج تلك الحدود! فإن الخروج عن تلك الدائرة وقوع فى محظور! استمع إلى قوله تعالى: «الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» : (229: البقرة) !. فالآية هنا تشريع لإباحة الطلاق، ولكن هذه الإباحة ليست على إطلاقها، بل هى داخل حدود مرسومة، فمن تجاوز هذه الحدود، وخرج عنها فهو معتد ظالم!.

الآية: (188) [سورة البقرة (2) : آية 188]

وانظر قوله سبحانه: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» (الطلاق: 1) تجد أنها على سمت الآية السابقة.. إنها تقيم حدود الله على أمر مباح، ولكنه قائم على وصف خاص داخل هذه الحدود، فمن تجاوز به هذا الحد، وخرج به عن تلك الصفة فقد ظلم نفسه!. الآية: (188) [سورة البقرة (2) : آية 188] وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) التفسير: فى الآية السابقة على تلك الآية أقام الله سبحانه وتعالى حدّا على حرمة من حرماته، وهى مباشرة المعتكف فى المسجد زوجه مدة اعتكافه، ونهى سبحانه عن الاقتراب من هذا الحدّ. وفى هذه الآية أدخل فى تلك الحدود حرمة أخرى، هى حرمة المال، ونهى عن العدوان على هذه الحرمة. «وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ» وهذه صورة من صور العدوان على المال، بما يجرى بين الناس من تسلط، أو نهب، أو سرقة، أو غش، أو احتيال، إلى غير ذلك مما لا بد للحاكم فيه. وهناك صورة أخرى للعدوان، وهى أن يستعان بالحاكم على هذا العدوان بأن يستمال إلى أحد الخصمين بالرشوة، وفى هذا يقول الله تعالى: «وَتُدْلُوا بِها

الآية: (189) [سورة البقرة (2) : آية 189]

إِلَى الْحُكَّامِ» أي تلقوا بها إلى الحكام «لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» والحكام هنا هم من يكون إليهم أمر الفصل فيما يقع بين الناس من خصومات، وبيدهم ردّ المظالم، ودفع العدوان. الآية: (189) [سورة البقرة (2) : آية 189] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) التفسير: الذين لا يأخذون الأمور مأخذ الجدّ، يصرفون أكثر جهدهم فى اللغو، ويقطعون أكثر حياتهم فى المماحكة والجدل والعبث. والمنافقون هم دائما أبدا على تلك الصفة.. ينظرون إلى الأمور نظرة لاهية، ليقعوا منها على وجه من وجوه الخداع، يلبسونه فى تلك الحال، ثم يلقونه ليلبسوا غيره فى حالة أخرى.. وهكذا وفى موكب الدعوة الإسلامية كان المنافقون يعترضون سير هذا الموكب، ويقطعون عليه الطريق بتلك الأسئلة التي لا يراد بها كسب معرفة، ولا تعرف على حق، وإنما يقصد بها أولا وآخرا، التشويش على الدعوة، وشغلها بالجدل، والالتحام معها فى معركة من اللغو، الذي لا محصّل له إلا صداع وضلال. وقد حمى الله الدعوة الإسلامية من أن تنزلق إلى هذا المنزلق، فكانت إجابة القرآن الكريم على تلك التساؤلات الخبيثة والمماراة المضللة- كانت إجابة مفحمة مفحمة رادعة فاضحة. «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ» ما بالها تظهر ثم تختفى؟ وما شأنها تتجدد

كل عدد معلوم من الأيام؟ ثم لم تلبس كل يوم صورة جديدة؟ وتولد كل يوم ميلادا جديدا؟. ولو شاء القرآن أن يجيب على تلك الأسئلة الجواب المناسب لها، لأعطى الكلمة الحاسمة الفاصلة، ولكن هذا يفتح المجال للمناظرة والأخذ والرد، والقبول والرفض.. ثم أنّى للعقول- فى كل عصر وفى كل مجتمع- أن تستوعب الحقيقة العلمية، وتقنع بها؟ إن غير هذا أولى بالقرآن، وأنفع للناس فى مجال دعوته إلى الحق والخير!. «قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ» ذلك هو الجواب الذي كان ينبغى أن يكون سؤال السائلين متجها إليه، باحثا عنه..: «هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ» فهذا هو بعض معطيات الأهلة للناس، يضبط بها رءوس الشهور، ويوقف منها على أشهر الحج التي يقول الله عنها: «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ» . وفى قوله تعالى: «وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها» تعقيب يستخلص الحكمة والعبرة من ثنايا الحدث والواقعة، وذلك من تمام الهدى الذي جاء القرآن الكريم به، وقامت الرسالة الإسلامية عليه. فليس من التزكية للنفس، والهداية للعقل، والاطمئنان للقلب، أن يلقى الإنسان الأمور من ظهورها، وأن ينظر إليها من ورائها، فذلك لا يطلعه منها إلا على ظلال وأشباح، أما إذا أراد أن يتعرف إليها، ويعرف وجه الحق منها، فليلقها مواجهة، ولينظر إليها نظرا قاصدا، فذلك هو الذي يدنيه من الحق، إن كان طالبا له، عن نية خالصة وقلب سليم.. وليس كذلك شأن المنافقين الذين لا يأتون الأمور إلا مواربة، ولا ينظرون إليها إلا بأبصار زائغة منحرفة!

الآيات: (190 - 191 - 192 - 193) [سورة البقرة (2) : الآيات 190 إلى 193]

الآيات: (190- 191- 192- 193) [سورة البقرة (2) : الآيات 190 الى 193] وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (193) التفسير: نحن على رأينا من أنه ليس فى القرآن نسخ، وأن كتاب الله الذي فى أيدينا لا نسخ فيه، وأن آياته كلها عاملة أبد الدّهر. وآيات القتال من الآيات التي أكثر المفسرون من القول بتوارد النسخ عليها! وهذا رأى- كما قلنا- لا نأخذ به ولا نقيم نظرنا عليه! فقوله تعالى: «وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ» ليس بالمنسوخ بالآية التي بعدها، كما يقول المفسّرون، ولا وجه لنسخه.. فالأمر بالقتال فى سبيل الله قائم ما قامت الحياة. وإذا كان القتال يقوم بين الناس فى وجوه كثيرة فى سبل غير سبيل الله، فالقتال فى سبيل الله أوجب القتال وأبرّه، وأعدله، وأكرمه، إذ كان ولا غاية له إلا الانتصار للحق، والتمكين له.. ثم إذا كان هذا القتال لم يكن مبادأة ولا هجوما، بل كان دفاعا وقصاصا، فهو القتال الذي لا بد منه، ولا بديل له، إن لم يطلبه الدين طلبته الدنيا.. ثم أيضا، إذا كان هذا القتال- مع مشروعيته دنيا وديانة، ومع حجزه عن المبادأة بالعدوان- غير متلبس بمجاوزة الحدّ فى القصاص، فهو القتال الذي لا يحسم الشر غيره، ولا يقيم الأمن والسلام سواه..

«وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» . فهذه ثلاث دعائم من العدل، يقوم عليها هذا القتال: قتال فى سبيل الله، بين الإيمان والشرك، ودفع لعدوان المشركين على المؤمنين، ووقوف بالقتال عن مجاوزة إلى اعتداء المؤمنين على المشركين! تلك هى الدعائم التي يقوم عليها قتال المسلمين أبدا مع مقاتليهم على أية ملة، وفى أي زمان ومكان.. فماذا ينسخ من تلك الدعائم، وما داعية نسخها؟ لا نجد جوابا مقنعا. وقوله تعالى: «وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ» . هو من تمام البيان لهذه القضية، قضية القتال بين المسلمين ومشركى قريش، فحين يلتقى بهم المسلمون فى ميدان القتال، فلا يتحرج المسلمون من قتلهم حيث التقوا بهم، من غير أن تعطفهم عليهم عاطفة قرابة أو نسب، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم، أو إخوانهم، فلقد بدءوا هم المسلمين بالعدوان، وأخرجوهم من ديارهم، وفتنوا بعضهم عن دينهم، ولا يزالون يفتنون من قدروا عليه منهم، بما يسلطون عليه من عذاب ونكال «وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ» إذ المفتتن فى دينه قد أصيب بما هو أشد وأنكى من القتل، قد خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين!. فإذا كان القتال فى المسجد الحرام، أي فى البلد الحرام مكة، فلا يبدؤهم المسلمون بقتال فيه حتى يكون المشركون هم الذين بدءوه، وعندئذ تحل حرمة الحرم، اقتصاصا ممن أحلوا حرمته: «وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ» .

وقوله تعالى: «فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» حسم لما بين هؤلاء المشركين وبين المسلمين من خلاف، وتصفية للشر الذي وقع بينهم، وذلك إذا انتهى هؤلاء المشركون عن شركهم، وأسلموا وجوههم لله.. عندئذ تنقطع أسباب القتال، وتزول آثاره، فلا ثارات، ولا ديات، ولا عداوة، بل يصبح الجميع إخوة، تجمعهم كلمة الإسلام، وتظللهم راية الإسلام!. وفى قوله تعالى: «فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» تطيب لخاطر الفريقين جميعا، فليغفر بعضهم لبعض، وليرحم بعضهم بعضا من حمل البغضة والعداوة، ولهم عند الله المغفرة الواسعة والرحمة الشاملة، فإن الله غفور رحيم. هذا وقد نظرنا فى تفسير قوله تعالى: «فَإِنِ انْتَهَوْا» وحملناه على الانتهاء مما كانوا عليه من شرك- نظرنا فى هذا إلى قوله تعالى «وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ» (275: البقرة) . وهذا المعنى هو الذي يلتقى مع قوله تعالى: «فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» حيث يغتسل المشركون الذين دخلوا فى الإسلام من أدران شركهم بما يفضل الله عليهم به من مغفرته ورحمته. وقوله تعالى: «وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ» أمر بمقاتلة من بقي على شركه من مشركى مكة الذين يفتنون المؤمنين والمؤمنات، لأنه ما دام المشركون قائمين فالفتنة قائمة، والفتنة هى قتل للمسلمين، وعلى هذا فلا مهادنة مع المشركين «حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ» .. «فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ» أي فإن انتهوا عماهم فيه من شرك ودخلوا فى

(الآيتان: (194 - 195) [سورة البقرة (2) : الآيات 194 إلى 195]

دين الله، فقد دخلوا فى السلم، لا ينالهم أحد بسوء إلّا من نكص على عقبه أو دخل الإسلام ليكيد له ولأهله. (الآيتان: (194- 195) [سورة البقرة (2) : الآيات 194 الى 195] الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) التفسير: كان أهل الجاهلية يعظمون أربعة أشهر، هى: ذو القعدة، وذو الحجة ومحرم ورجب، فكانوا لا يطلبون فيها ثارا، ولا يوقعون بينهم فيها قتالا، فهيئوا بذلك لأنفسهم فترة أمن وسلام، يستروحون فيها ريح الطمأنينة والعافية خلال هذا الشر المحتدم بينهم، وتلك الحروب المتقدة فى كل أفق من آفاقهم، معظم حياتهم. وجاء الإسلام فزكّى هذا الشّعور الذي يودّ الإسلام لو استقام عليه الناس أبد الدهر، لو كان ذلك مما تحتمله النفوس البشرية، وتتقبله طبيعة الناس! ولكن ماذا يكون موقف الإسلام لو تخلّى المشركون عن هذا الشعور وأباحوا حرمة هذه الأشهر الحرم، وأعلنوها حربا على المسلمين؟ وماذا يكون موقف المسلمين لو عرف العدوّ من أمر دينهم هذا المعتقد، فانتهزها فرصة فيهم، وساق إليهم جيوشه، وأعمل فيهم أسلحته؟ أيمسك المسلمون عن القتال ويدعون العدو يمضى فيهم حكمه بالهلاك والفناء؟ ذلك أمر لا يقبله عقل، ولا يرتضيه دين، إلا أن يكون عذابا من عذاب الله، ونقمة من نقمه، كما دان الله به اليهود وشرعه لهم، حيث حرّم عليهم

أن يباشروا عملا فى يوم السبت، فلا يقاتلوا من قاتلهم، ولا يدفعوا من اعتدى عليهم، وإلا كانوا عصاة آثمين! وهذا لا شك ضرب من البلاء، ساقه الله إلى هذا القطيع المعربد- كما يقول فيهم السيد المسيح- ليذلّوا، ويستكينوا، ويكونوا صيدا لكل صائد! وإنه لمحال أن يفى اليهود بهذا الأمر السماوي، وأن يمتثلوه، وإلا هلكوا وضاعوا.. ولكن الله سبحانه أمرهم بهذه المحال، وحمّلهم هذا الحمل الثقيل، ليلقوه وراءهم ظهريا، وبهذا لا يكون أمامهم فرصة أبدا لامتثال أمر الله، بل يكون أمرهم دائما على معصية وخلاف، حتى لو أجهدوا أنفسهم فى البرّ والطاعة.. لأن أي بارّ وأي مطيع منهم لا بد له- كى يعيش- أن يدفع العدوان ويردّ المعتدين، وإلا أصبح فى الهالكين! وهكذا.. كل يهودى محمول حملا على أن يعصى الله، ويخرج عن أمره فى حرمة يوم السبت.. وتلك هى اللعنة التي ألقاها الله عليهم.. تتناول برّهم وفاجرهم جميعا.. تقول التوراة: «فتحفظون السبت لأنه مقدس لكم.. من دنّسه يقتل قتلا.. إن كل من صنع فيه عملا تقطع تلك النفس من بين شعبها.. كل من صنع عملا فى يوم السبت يقتل قتلا» (الإصحاح الحادي والثلاثون.. سفر الخروج) وقد جاءهم السيد المسيح بأمر كهذا الأمر، إذ فرض عليهم الاستسلام لكل يد تضربهم، إذا لطمهم أحد لم يكن لهم أن يردوا اللطمة.. وفى هذا

يقول السيد المسيح لهم: «من ضربك على خدّك الأيمن فأدر له خدّك الأيسر» وفى هذا ما فيه من إذلال لهم، وقتل لمعانى الإنسانية فيهم، إن هم استقاموا على هذا الأمر، فإن خرجوا عليه فهم عصاة خارجون على أمر الله، يستحقون اللعنة وسوء المصير.. وليس هذا مما يكلف الله به عباده، ولكنه من نقمه التي ينزلها على أهل البغي والعدوان. ولهذا أمر الله المسلمين بما أمرهم به من هذا الخير، بترك القتال فى الأشهر الحرم، ثم حرس هذا الخير من أن يستبد به الأشرار، ويجنى ثمرته المبطلون.. فهى أشهر حرم لا يبدأ فيها المسلمون بقتال، فإن بدأهم أحد فيها بقتال فلا حرمة عندئذ لهذه الأشهر الحرم، التي ما شرعت إلا لخير الإنسان وصيانة دمه، وأما وقد جعلها العدوّ ظرفا يستبيح به دماءهم، فصيانة دمائهم والدفاع عنها أكثر قداسة وحرمة من كل حرمة وقداسة.. لزمان أو مكان! هذا ما يقرره قوله تعالى: «الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ» فى أي مكان وفى أي زمان «فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ» . وفى قوله تعالى: «وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ» تذكير للمسلمين بما وصاهم به الإسلام من آداب القتال، وهى ألا يعتدوا، فإن اعتدى عليهم ردّوا الاعتداء.. ولكن لما كان عدوان المعتدى باعثا على النقمة منه، جاء قوله تعالى: «وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ» ضابطا لمشاعر الانتقام من العدو المعتدى، مذكرا المسلمين بالتقوى فى هذا الموطن، فلا يأخذون أكثر من حقهم فى تأديب العدوّ، وكسر شوكته، فإذا تخلّى المسلمون عن التقوى فى هذا الموطن تخلّى عنهم عون الله ونصره.

وقوله تعالى: «وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» . دعوة إلى البذل فى وجوه الحق والخير، وأولى هذه الوجوه ما كان فى الجهاد فى سبيل الله، فهذا باب أجزل الله فيه الثواب لأهله، وخصهم بالمزيد من فضله ورضوانه، ولهذا اقتضت حكمة الله سبحانه أن يشارك المجتمع الإسلامى كله فى الجهاد، كل بحسب جهده وقدرته، وذلك حتى لا يحرم أحد منه هذا الخير الكثير، بالقليل من الجهد.. فمن جهز غازيا فقد غزا، ومن أعان فى إعداد أدوات الحرب، ومئونة الجيش فقد غزا، ومن قام على خدمة من خلّف المجاهدون وراءهم من أهل وولد، فهو فى المجاهدين.. وهكذا كل عمل يقوّى من جبهة المجاهدين هو من الجهاد المبرور المقبول عند الله. هذا، وقد يعمل المجاهد فى أكثر من ميدان، فيجهز المجاهدين بما له، وينفق فى كل ما تحتاج إليه الحرب من سلاح ومتاع، ثم يكون هو مع المجاهدين فى ميدان القتال، وإنه على قدر العمل يكون الثواب. وفى قوله تعالى: «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» تنبيه وتحذير من هذا الشعور الحماسى الذي قد يغلب على المجاهد وهو فى ميدان المعركة، فيتحدى الموت الذي يتخطف النفوس من حوله، فيندفع متهورا يلقى الموت فى غير مبالاة. والإسلام حريص على أهله ضنين بهم، فلا يبيع حياتهم إلا بالثمن الكريم الغالي، ولا يقتضيها هذا البيع إلا حيث تجب التضحية والفداء فى سبيل الله، ولا سبيل آخر غير هذا السبيل تقدم فيه النفوس قربانا لله وفى سبيل الله. وعلى هذا فإن واجبا على المسلم إذ يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله،

آية: (196) [سورة البقرة (2) : آية 196]

وإذ يدفع بها فى مزدحم المنايا، أن يتقاضى الثمن المجزى لها، وأن يأخذ لها حقها الكامل فى القتال، بالنكاية فى العدو، فإن قتل بعدها فقد كتب بدمه الطهور حرفا من حروف النصر للجبهة المقاتل فيها، وللجماعة المحارب معها. وفى قوله تعالى: «وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» دعوة إلى الإحسان المطلق، الإحسان فى كل أمر يقوم عليه الإنسان ويؤديه، لله أو لنفسه أو للناس.. وعن هذه الدعوة إلى الإحسان المطلق تتجه دعوة خاصة إلى الإحسان فى مواطن القتال، فيقاتل المسلم على بصيرة، ولا يكن من همّه الأول أن يقتل ويستشهد فى سبيل الله، بل أن يكون مقصده النيل من العدو، والنكاية به، إذ يقتل فرسانه وشجعانه، فذلك هو المطلوب أولا، فإن قتل وهو يسعى لتحقيق هذه الغاية لم يكن مجرد شهيد، بل كان بطلا يحمل شهادة أعداد من الشهداء. آية: (196) [سورة البقرة (2) : آية 196] وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (196)

التفسير: فى هذه الآية بعض أحكام الحج وأعماله، التي تولت السنّة النبوية القولية والعملية تفصيلها وترتيبها.. وهى مبسوطة فى كتب الفقه، وحسبنا هنا الوقوف على معنى الآية الكريمة فى حدود ما تنطق به ألفاظها. هذا، ولأن أعمال الحج كثيرة، مختلفة الصور، متعددة المواقف، ولأنها من جهة أخرى تضم ألوفا مؤلفة من المسلمين، يجتمعون إليها من كل أفق، ويلتقون عندها من كل جنس- لهذا فقد اقتضت حكمة الحكيم الرحيم التوسعة على الناس فى هذه الفريضة، وتقبّل كل ما يؤدونه فيها من أعمال، ما دامت تلك الأعمال صادرة عن نية خالصة، وقلب سليم، فقد أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه وقف فى حجة الوداع، على ناقة بمنى، والناس يسألونه.. فجاء رجل فقال: لم أشعر، فحلقت قبل أنحر، فقال: «انحر ولا حرج» ثم جاء آخر فقال: نحرت قبل أن أرمى، فقال: «ارم ولا حرج» ، ثم أتاه ثالث، فقال: أفضت إلى البيت قبل أن أرمى، فقال: «ارم ولا حرج» .. قالوا.. فما سئل النبي عن شىء مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور على بعض، إلا قال: «افعلوا ولا حرج!» هذا، وقد توجه الأمر فى قوله تعالى: «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ» إلى الحج والعمرة معا، ولهذا رأى بعض الفقهاء أن العمرة واجبة، على حين رآها بعضهم سنة، حيث انفرد الحج وحده بالوجوب فى قوله تعالى «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» . وقوله تعالى: «فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ» إشارة إلى ما قد يعترض الحاج من معوقات وهو فى طريقه إلى الحج، فيحال بينه وبين أن يمضى فى طريقه إلى غايته، وذلك كأن يقطع الطريق على الحجيج عدو، أو ينزل بالحاج مرض مقعد، ونحو هذا.. والحصر معناه: الحبس والمنع.

وقوله سبحانه: «فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» أي فقدموا وانحروا ما وقع لأيديكم من الهدى، مما قدرتم عليه من غير مشقة. وقوله جلّ شأنه: «وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ» إشارة إلى التحلل من الإحرام، فحلق الرأس للحاج لا يكون إلا بعد أن يؤدى أعمال الحج، ثم ينحر، ويحلق! ومحلّ الهدى مكانه الذي ينحر فيه، وهو بالنسبة لمن أحصر وحبس- المكان الذي حصر فيه، أما من لم يحصر فمحل هديه هو البيت الحرام. أما قوله تعالى: «فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ» فهو فى حكم الحاج الذي عرض له فى حجه عارض فى رأسه أو فى جسده، فحلق، أو خلع ملابس الإحرام ولبس المخيط.. فمثل هذا الحاج قد أبيح له ذلك، على أن يفدى الحرمة التي أحله الله منها بما يقدر عليه من ألوان الطاعات، من صيام يوم أو أكثر، أو من صدقة قليلة أو كثيرة، أو من فداء بشاة أو نحوها.. وقيد بعضهم الصوم بثلاثة أيام والصدقة باطعام ستة مساكين، والنسك بشاة.. ونحن لا نرى هذا القيد واردا على الآية، وقد يسّر الله بهذا الإطلاق، والقيد تضييق لما وسع الله فيه. وقوله تعالى: «فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ» فيه بيان حكم الحاج الذي لم يحصر، ولم يصب بأذى فى رأسه أو بدنه، فإن مما يسر الله به على الحاج فى هذه الحال أن يحج معتمرا، أي يدخل الحج فى العمرة، ويؤدى أعمال الحج محلّا بعد طواف العمرة وسعيها، وعليه فى تلك الحال أن يقدم فدية، هى ما تيسر من الهدى، من بدنة إلى شاة. وقوله تعالى: «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ

الآية: (197) [سورة البقرة (2) : آية 197]

الْحَرامِ» هو بيان لمن لم يتيسر له تقديم الهدى، فيجزى عنه فى تلك الحالة أن يصوم عشرة أيام.. ثلاثة منها فى أيام الحج، تنتهى بانتهاء يوم عرفة، وسبعة بعد أن يعود الحاج إلى بلده وأهله. وهذا الحكم خاص بمن كان من غير أهل البلد الحرام. الآية: (197) [سورة البقرة (2) : آية 197] الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (197) التفسير: قررت الآية السابقة الحج والعمرة، وبينت بعض الأحكام والأعمال المتعلقة بهما.. وفى هذه الآية بيان لميقات الحج وظرفه وما ينبغى أن يأخذ به الحاج نفسه من آداب، خلال تلك الأيام المباركة التي تؤدى فيها تلك الفريضة. وأشهر الحج هى شوال وذو القعدة وعشر من ذى الحجة، وهى ليست كلها لأعمال الحج، وإنما الثلاثة الأيام الأخيرة من عشر ذى الحجة، هى التي تضم كل أعمال الحج.. ولكن الحجيج إذ يأتون من آفاق مختلفة، فإن كثيرا منهم يهيئ نفسه، ويخرج من بلده قبل الوقوف بعرفة ببضعة أشهر، وبعضهم قبل ذلك ببضعة أيام، والمدة التي ذكرها القرآن هى المتوسط الزمنى بين من يأتون من أقصى الأرض وبين من هم أهل البلد الحرام.. وهذه الأشهر لا يصح الإحرام بالحج إلّا فيها. وقوله تعالى: «فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ

وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ» بيان للآداب التي يجب على الحاج أن يلتزمها فى هذه الأشهر، فيصون نفسه فيها عن كل لغو، ويجنبها كلّ معصية، وينأى بها عن الجدال المفضى إلى الخصام والخلاف. فالحج مدخل إلى طاعة الله، وسعى إلى التقرب منه، والتعرض لمغفرته ورضوانه.. ومن أجل هذا خرج الحاج من أهله، وأعماله، واتجه إلى ربّه، وبيت ربّه، ومن أجل ذلك أيضا نزع كلّ ما على جسده من ملابس عاش فيها قبل هذه الرحلة إلى الله، وأصابها ما أصابها مما اقترف من سيئات، واستبدل بها ملابس الإحرام، التي ينبغى أن يصونها ويصون نفسه فيها عن كل حرام، فلا يتندس بملابسة رفث أو فسوق أو جدال، وبهذا يكون أهلا لأن يدنو من الله، وينال من رحمته ما يناله المتقون. وقوله تعالى: «وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى» دعوة إلى أن يحمل الحاج معه من المال أو الطعام ما يكفيه، حتى لا يكون عالة على غيره فى هذا البلد غير ذى الزرع، ثم لكى لا يكون التزود بالمال والطعام هو كل همّ الحاج، فقد نبه الله سبحانه إلى أن هذا الزاد وإن كان مطلوبا لسدّ الحاجة، فإن هناك زادا خيرا من هذا الزاد يجب على الحاج أن يحرص عليه، وأن يسعى ما استطاع إلى تحصيله، وهو التقوى، فهى الزاد الطيب الباقي، الذي يعين على الوصول إلى الله، والتعرض لهو اطل رحمته، وغيوث رضوانه. وقوله تعالى: «وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ» تنويه بشأن العقل، وتكريم للعقلاء الذين يحترمون عقولهم، ويستجيبون لما تدعوهم إليه، من إيثار ما يبقى على ما يفنى، وشراء الآجل بالعاجل. فالعقلاء الراشدون هم أولى الناس بأن يرجى عندهم الخير، ويؤمل فيهم الاستقامة والهدى.. وفى هذا يقول الله تعالى: «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» : (28: فاطر) .

الآية: (198) [سورة البقرة (2) : آية 198]

الآية: (198) [سورة البقرة (2) : آية 198] لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) التفسير: أشرنا إلى هذه الآية عند قوله تعالى: «إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما» وقلنا إن معنى قوله تعالى «فَلا جُناحَ عَلَيْهِ» أي لا حرج عليه، وهو رفع لشبهة فى فعل أمر يبدو أنه محظور، وهو فى الواقع مندوب محبوب: وهنا فى هذه الآية رفع الحرج عن ذكر الله، والاستزادة من فضله ورحمته بعد الإفاضة من عرفات، وانتهاء أعمال الحج، إذ بانتهاء هذه الأعمال قد يقع فى حساب بعض الناس، أنه وقد أدى فريضة الحج فقد فرغ من أعمال البرّ، وأنه قد أنهى رحلته التي قطعها إلى الله، وليس عليه من بأس أن يعود كما بدا، إذا ليس أمامه طريق مرسوم للعمل فى هذا المجال، وأنه إذا أدخل شيئا من عنده على أعمال الحج، ولو كان من قبيل البر والخير، فربما يكون قد خرج عن الطريق المرسوم- لهذا جاء قوله تعالى: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ» رافعا لهذا الحرج، مزيلا لذلك اللبس، وأصلا الحاج بالخير. وفى قوله تعالى: «فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ» فتح لطريق جديد من طرق التقرب إلى الله، وذلك أنه بعد أن يفيض الناس من عرفات، تتدفق جموعهم منها إلى المشعر الحرام، وهو المزدلفة،

الآيتان: (199 - 200) [سورة البقرة (2) : الآيات 199 إلى 202]

هنالك يكون لهم ذكر لله، ولهج بالثناء عليه، بما علّمهم من صيغ حمده وتمجيده، وإن كانوا من قبل هذا العلم لا يعرفون كيف يتصلون بالله، وكيف يجدونه فى قلوبهم، ويرطبون ألسنتهم بحمده وذكره. الآيتان: (199- 200) [سورة البقرة (2) : الآيات 199 الى 202] ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (201) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (202) التفسير: ومن المزدلفة تكون الإفاضة والانتشار فى وجوه الأرض، حيث تتم أعمال الحج، وحيث يتوجه الحاج إلى الله أن يتقبل حجّه، ويغفر ذنبه، ويتجاوز عما كان قد وقع منه، مما نهى الله عنه من رفث أو فسوق أو جدال «إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» . فإذا ختم الحاج حجّه باللّجأ إلى الله، والابتهال إليه أن يتجاوز عن سيئاته، ويتقبل حجّه، لم يكن له- وقد ذاق لذة الطاعة، ووجد ريح الرضوان- أن يتحول عن هذا الطريق الذي سلكه، وأن ينشئ له طرقا أخرى، تقطعه عن هذا الطريق، وتباعد بينه وبين الله. لهذا جاء قول الله تعالى: «فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً» ملفتا إلى تلك المشاعر التي تترصد الإنسان على نهاية

الطريق، بعد التحلل من الإحرام، واسترداد الجسد ملابس الحلّ، وعندها يجد الإنسان ذاته التي كان عليها قبل أن يحج، فكان قوله تعالى هنا تنبيها إلى هذا الخطر الذي يقدم عليه الحاج، وأنه لن تنقطع صلته بالله بعد أداء هذه الفريضة، بل إن هذه الفريضة ستزيد تلك الصلة قوة وعمقا: «فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً» أي ليكن ذكركم الله، والتفاتكم إليه، ورجاؤكم فيه كذكر الابن أبويه، والتفاته إليهما ورجائه فيهما، بل وأكثر من هذا ذكرا والتفاتا ورجاء.. فالله سبحانه هو الذي يرعى الولد والوالدين جميعا! ثم إن الناس فى لجئهم إلى الله، وضرعهم إليه، فريقان: فريق يطلب الدنيا، ويقيم علاقته مع الله على طلب المزيد من أشياء الحياة الدنيا، دون أن يقيم وزنا للحياة الآخرة، وما ينبغى أن يعدّه لها من صالح الأعمال! فهذا فريق شغلته دنياه عن آخرته، إذ غلبت عليه شهوة المال وزينة الحياة، فلم تتسع نفسه لشىء غيرهما.. وفريق آخر. هدى إلى الحق، وإلى طريق مستقيم.. فأخذ من الدنيا بنصيب، ومن الآخرة بنصيب، يقول: «رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنا عَذابَ النَّارِ» . وفى قوله تعالى: «أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا» إشارة إلى هؤلاء الذين هدوا إلى الحق، وأن ما كسبت أيديهم ليس لهم منه إلا هذا الذي كان لحساب الآخرة، فهو الباقي الذي يجدونه عند الله، وما سواه مما كان للدنيا فهو إلى زوال وإلى عدم، فإن قوله تعالى: «مِمَّا كَسَبُوا» يدل على أن ما كسبوه للدنيا لا معتبر له، وأن لهم بعض ما كسبوا، وهو ما كان للآخرة، لا كل ما كسبوا مما هو للدنيا وللآخرة، قال الله تعالى: «وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا» (46: الكهف) .

الآية: (203) [سورة البقرة (2) : آية 203]

الآية: (203) [سورة البقرة (2) : آية 203] وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) التفسير: بعد أن نبّه الله سبحانه إلى ذكر الله ذكرا دائما متصلا بعد أداء مناسك الحج، حتى يظل المؤمن على هذا الطريق الذي استقام عليه وهو يؤدى هذه المناسك- بعد هذا نبّه سبحانه إلى ذكره ذكرا خاصّا فى أيام معدودات موصولة بأيام الحج مباشرة، وهى أيام التشريق الثلاثة. وفى قوله تعالى: «فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ» إشارة إلى أنها أيام محصورة بالعدد، على خلاف قوله تعالى: «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ» وقوله سبحانه: «لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ» : (28: الحج) فالأشهر والأيام هنا معلومة، هى أشهر الحجّ، وأيام الحجّ المحصورة فى شوال وذى القعدة وعشر من ذى الحجة. والحكمة فى الأمر بذكر الله هنا فى أيام معدودات لا معلومات علما محددا، هى السماح بشىء من الحرية فى تقديم وقتها أو تأخيره، حسب ظروف الحاجّ، التي تتحكم فيها كثير من الأمور، فى غربته تلك عن وطنه وفى انقطاعه عن أهله وولده، وفى ارتباطاته بالجماعة التي صحبها فى مجيئه، وسيصحبها فى عودته.. فكل هذه وكثير غيرها أمور تفرض على الحاج ألا يتقيد بزمن، قيدا ملزما، لا يستطيع التصرف فيه.. والأيام المعدودات هى أيام التشريق.. ثلاثة أيام العيد..

الآيات (204 - 205 - 206) [سورة البقرة (2) : الآيات 204 إلى 206]

الآيات (204- 205- 206) [سورة البقرة (2) : الآيات 204 الى 206] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (204) وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (205) وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (206) التفسير: الكلمة لها معتبرها ولها حسابها فى سلوك الشخص، وفى توجيهه إلى الخير أو الشر، سواء أكانت تلك الكلمة مسموعة أو مقروءة، تدخل على الإنسان من العالم الخارجي.. أو ملفوظة، تتولد فى عالمه الداخلى، ثم تتصور كائنا مكتملا، يتحرك بها لسانه، وينطق بها فمه. فالكلمة الواردة على الإنسان، لا تذهب هكذا صوتا ضائعا فى الهواء، بل إنها تتردد أصداؤها فى كيانه، وتثير فيه مشاعر بقدر ما تحمل من طاقات الحسن أو القبح، والحق أو الباطل، ثم سرعان ما تتحول تلك المشاعر إلى نزوع يتبعه عمل، ويلتزم به سلوك. والكلمة الصادرة من الإنسان ليست مجرد صوت منطلق منه، بل هى مدركات تحولت إلى مشاعر، ومشاعر تصورت فى كلمات، وكلمات تشير إلى أعمال، وتهتف بمنجزات!. لهذا كان ذلك الاهتمام العظيم من الإسلام، للكلمة، ينطق بها المسلم أو يستمع إليها.. وكان منهجه التربوى فى هذا أعدل منهج وأحكمه.. فهو من جهة، حرس سمع المسلم من أن يستمع إلى اللغو من القول، أو الزور من الكلام، وأعلى مقام أولئك الذين لا يشهدون الزور وإذا مرّوا باللغو

مرّوا كراما، ثم هو من جهة أخرى أقام على منطق المسلم حارسا لا يدع لكلمة السوء منطلقا تنطلق منه، بل وأكثر من هذا، فإنه نبّه إلى وساوس السوء التي تتحرك فى صدر الإنسان ليميتها قبل أن تتخلّق منها المشاعر والكلمات، فقال تعالى: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ» (16- 18 ق) . وفى قوله تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ» فضح للكلمة المنافقة تنطلق من فم المنافق، منمقة، مزوقة، مموهة ببريق لامع يضلل ويخدع. فهناك طوائف من الناس تتخذ من الكلمة الخادعة المنافقة طريقا لترويج الباطل، فيضعون على ألسنتهم كلمات معسولة، تفيض رقة وتتناغم حنانا ومودة، ولو ذهبت تفتش فى ثناياها، وتنظر فى أطوائها لوجدتها تنغر قيحا وصديدا، وتفور زفيرا وفحيحا، بما تحمل فى كيانها من حسد وبغضاء. هكذا كان موقف المنافقين من رسول الله، إذا لقوا الرسول هشّوا له وتخاضعوا بين يديه، وألانوا القول وزينوه، وأشهدوا الله أن علانيتهم مثل سرهم، وأن ما يجرى على ألسنتهم منطلق من صميم قلوبهم.. فالمنافق يستر نفاقه بهذا الدهان، ويغطى كذبه بالحلف بالله وبكل ما يحلف به، وفى هذا يقول الله تعالى لنبيه الكريم: «فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ» (8- 10: ن) وقوله تعالى: «وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ» بيان للوجه الآخر من وجهى المنافق،

الآية: (207) [سورة البقرة (2) : آية 207]

فهو كان يلقى النبىّ بهذا الوجه المدهون بالرياء والنفاق، ثم لا يلبث أن يلقى هذا النقاب عن وجهه حين يزايل مكانه ويولّى ظهره، وهنا يطلق نفسه على سجيتها، فينفث سموم حقده، ويرمى بشرر عداوته، فى كل موقع من مواقع الخير! وقوله تعالى: «وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ» يكشف عن الإمعان فى الضلال، والإغراق فى الخداع والتمويه، من هذا المنافق الذي يعيش فى ضلاله ونفاقه، حتى ليكاد ينسى أنه يلبس ثوب النفاق، ويتزيا بزى الباطل.. فإذا قال له قائل: «اتق الله» فى نفسك وفى الناس، واقتصد من هذا الشرّ الذي تزرعه فى كل مكان، وتخفف من هذا الفساد الذي توزعه فى كل أفق- إذا قيل له هذا أو نحوه أنكر على قائله هذا القول، ونظر إليه من عل نظرة ساخطة هازئة تقول فى غير حياء: وماذا من تقوى الله غير هذا؟ وماذا على طريق الصالحين والمتقين غير الذي أنا فاعله؟» . والله سبحانه وتعالى يقول: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً» (103- 105: الكهف) . ذلك هو تقدير المنافق، وتلك هى عاقبة أمره «فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ» . الآية: (207) [سورة البقرة (2) : آية 207] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (207)

الآيتان: (208 - 209) [سورة البقرة (2) : الآيات 208 إلى 209]

التفسير: والناس- مع هذا- فى خير.. فإذا كان فيهم من يبيع نفسه للشيطان، ويتزود من دنياه بما يثمّر له الباطل والضلال، فإن فى الناس من يبيع بيع السّماح نفسه فى سبيل الله، حيث ينال الشهادة مع الشهداء، أو يقيمها على جادة الطريق، فيكظمها عن كل محرّم، ويذودها عن كل مأثم! ولو أحد من هؤلاء الذين سكنوا إلى الله خير للإنسانية من ملء طلاع الأرض من أمثال هذا الإنسان المشئوم، الذي استغواه الشيطان، فملك زمامه، واستبدّ بأمره. وفى قوله تعالى: «وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ» توجيه كريم من أرحم الراحمين لعباده، الذين يشتدون على أنفسهم، ولا يرفقون بها فيما ينبغى الرفق فيه، ولا يعطونها حقّها فيما أحل الله من طيبات، فلمثل هؤلاء يتوجه هذا التوجيه الحكيم الكريم «وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً» (29: النساء) الآيتان: (208- 209) [سورة البقرة (2) : الآيات 208 الى 209] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) التفسير: هذه عدة كريمة للذين استجابوا لله وللرسول، فدخلوا فى دين الله، وأصبحوا فى أمة المؤمنين.. وتحمل هذه الدعوة إليهم أن يدخلوا فى السّلم كافة، والسّلم هو الإسلام والسلام والأمن، وقد دخل المسلمون فى الإسلام، وبقي عليهم أن يحصّلوا السّلام والأمن، وذلك بالتطبيق العملي لدعوة الإسلام، والرعاية الكاملة لأوامره ونواهيه، فهذا هو الذي يحقق للمسلم ثمرة الإسلام، فيجد فى ظلّها السلام مع نفسه ومع الناس، ويستشعر فى كيانه طمأنينة الرضا، وثلج الرضوان، بما رعى من حقوق الناس، وببد أدّى من حقوق الله!.

الآية: (210) [سورة البقرة (2) : آية 210]

وفى قوله تعالى: «فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» تحذير من وساوس الشيطان، الذي يعمل بكل حوله وحيلته، على أن يغوى المستقيم، ويضل المهتدى، فليس لهجماته على الإنسان موعد، بل إنه هو الذي يتخيّر الفرصة المواتية، ويتفقد أضعف المواقع فى الإنسان لينفذ إليه منها، ويعمل أسلحته فيها. وليس مثل زلّة من عرف الحق، وارتفعت لعينيه أمارات الهداية، وأعلام الهدى.. إنّها زلّة مزلزلة، وسقطة قانلة، قلّ أن يسلم منها الإنسان إلا إذا استجمع كل قوته وإرادته، وإلا إذا استدعى غائب رشده، وعازب حكمته، وإلا إذا ذكر أنّه إنسان مهيأ للسموّ، بما فيه من نفحات علوية من عزيز حكيم، منه تستمد العزة والحكمة.. فليطلبهما الإنسان فى هذا الموطن، الذي إن استسلم فيه للهزيمة هوى إلى مرتبة الحيوان، وإن جاهد وانتصر ارتفع إلى ما فوق الإنسان!. الآية: (210) [سورة البقرة (2) : آية 210] هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210) التفسير: الاستفهام هنا إنكارى، يجرى مجرى النفي، أي ما ينظرون إلّا أن يروا بأعينهم اليوم الموعود، أي يوم القيامة، حيث يتحقق لهم ما هم فى شك منه، ويومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون، فقد جاءتهم البينات على يد رسل الله الكرام، تبدد كل ضلال، وتفضح كل باطل، ولكنهم أصمّوا عنها آذانهم، وأغلقوا دونها قلوبهم!.

الآية: (211) [سورة البقرة (2) : آية 211]

والملاحظ هنا أن الإنكار موجه إلى غير معلوم، فلم يجر لهم قبل هذا ذكر يعود إليه الضمير فى قوله «ينظرون» .. وهذا التجهيل إنما هو نداء يصك آذان أولئك الضالين فى متاهات الكفر والنفاق، والبغي، والسفه، ويهتف بهم أن يجيئوا من كل أفق، ليكونوا هذا الفاعل المطلوب للحساب فى هذا اليوم الذي أنكروه ولم يعملوا له حسابا! وهؤلاء هم اليهود الذين تجاهلوا يوم الحساب وجروا على أهوائهم، لا يرجون لله وقارا، فقام الاتهام عليهم من غير أن يذكروا، وذلك للتشنيع عليهم بأن كل تهمة لا يعرف فاعلها عالقة بهم، حيث كانوا هم أحقّ الناس بها وأهلها. قوله تعالى: «وَقُضِيَ الْأَمْرُ» الواو هنا للحال، والجملة بعدها حالية، أي ما ينظرون إلا أن يأتيهم الله فى ظلل من الغمام والملائكة وقد مضى الأمر. ويمكن أن تكون الواو للعطف على محذوف دل عليه الكلام، والتقدير: ما ينظرون إلا أن يأتيهم الله فى ظلل من الغمام والملائكة، ويومئذ يرون الحق الذي جحدوه، ولكن لا سبيل لهم إلى إصلاح ما أفسدوا، فقد وقعت الواقعة وقضى الأمر: «وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ» . الآية: (211) [سورة البقرة (2) : آية 211] سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (211) التفسير: فى الآية السابقة انتقل اليهود المنكرون للبعث نقلة سريعة مفاجئة إلى يوم القيامة، فى مسيرة مجهدة مرعبة.. انتقلوا من عالم الأحياء إلى عالم الأموات.. فضمّت عليهم القبور وأكلتهم الأرض.. ثم بعثوا أحياء

الآية: (212) [سورة البقرة (2) : آية 212]

من جديد.. ثم سيقوا إلى الموقف.. ثم أحضروا للحساب بين يدى الله.. ثم أخذ بهم إلى مصيرهم المشئوم!. وإذا هم على مشارف الهاوية فى هذه الرحلة المثيرة، قد أوقظوا من هذا الكابوس المزعج الخانق، وما كادوا يفتحون أعينهم، ويستشعرون وجودهم حتى رأوا أنفسهم أمام هذه المواجهة بهذا الاتهام: «سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ؟» والسؤال وإن كان مطلوبا من النبىّ أن يوجهه إلى بنى إسرائيل فى هذا الإعلان العام، فإنه سؤال مطلوب من كل إسرائيلى أن يوجهه إلى نفسه، وأن يعطى الجواب عليه فيما بينه وبين نفسه!. وقد يسأل بنو إسرائيل أنفسهم هذا السؤال، وقد يجيبون عليه، ولكنهم لا يقعون على الحق، ولا يهتدون إليه، وخاصة فيما بيّنه الله تعالى لهم من دلائل النبوة المحمديّة، الناطقة به، الكاشفة عنه، لأنهم بدّلوا آيات الله وحرّفوا كلماته، فكان انحرافهم عن الحق، وتخبطهم فى الضلال، هو مما صنعته أيديهم، والتوت به ألسنتهم: «وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» فإنه ليس نعمة أتم وأعظم من نعمة العلم الذي يهدى إلى الحق، ويكشف الطريق إلى الله، فمن جحد هذه النعمة، ومكر بها، فقد وقع تحت غضب الله واستحق شديد عذابه. الآية: (212) [سورة البقرة (2) : آية 212] زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (212) التفسير: هذا معرض آخر للذين كفروا من اليهود ومن على شاكلتهم.. فقد زيّن لهم سوء عملهم فرأوه حسنا، وبدا لهم أنهم فى صفقة رابحة مع

ما فى أيديهم من هذه الدنيا التي آثروها على كل شىء، وباعوا لها أنفسهم، ولبسوا من أجلها أثواب الرياء والنفاق، ثم هم مع هذا ينظرون إلى الذين آمنوا نظرا ساخرا هازئا، إذ يرونهم على غير ما هم فيه من حرص على الدنيا، ومن استجلاب شره لما فيها من لذات وشهوات، فتلك هى نظرة أصحاب الدنيا إلى أهل الإيمان والتقوى، وذلك هو الميزان الذي يضعون أنفسهم فيه مع المؤمنين، فيرون أنهم أرجح ميزانا، وأعلى مقاما!. ولكن هذه النظرة ستتغير، وهذا الميزان سوف يتبدل، وذلك يوم الحساب الأكبر، يوم يوضع الميزان الحق بين الناس، فإذا أهل الدنيا فى بلاء وضنك، وإذا المؤمنون فى نعيم مقيم ورضوان دائم.. «فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ» . وقوله تعالى: «وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ» معدول به عن أن يقال: «والذين آمنوا فوقاهم يوم القيامة» الذي كان يقتضيه سياق النظم، حيث كان الموقف بين الذين كفروا والذين آمنوا. وفى وضع الذين اتقوا مكان الذين آمنوا إشارة إلى أن الإيمان مجردا من العمل الذي يلبس به صاحبه ملابس التقوى- هذا الإيمان لا يؤهل صاحبه لرضوان الله، ولا يرفعه إلى تلك المنزلة الرفيعة، وهذا المقام المحمود.

الآية: (273) [سورة البقرة (2) : آية 213]

الآية: (273) [سورة البقرة (2) : آية 213] كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) التفسير: قوله تعالى: «كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً» أي أصلا واحدا من طبيعة واحدة.. هى الفطرة التي فطر الله الناس عليها.. ثم تناسلوا، وكثروا وتفرقوا فى وجوه الأرض، وخضعوا لمؤثرات الحياة، ووقعت بينهم منازعات ومشاحنات، وجرى بينهم البغي والعدوان، وولدت لهم مدركاتهم مواليد من الضلال، والبهتان، ففسدت طبيعتهم، وعطبت فطرتهم، فغاثهم الله برحمته، وبعث فيهم رسله، بكلماته الشافيات، وآياته البينات، ليصححوا معتقداتهم، ويسلكوا بهم مسالك الحق، ويقيموهم على الطريق السوي، كما يقول سبحانه: «فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ» أي ليكون هذا الكتاب ميزان قسط بين الناس، يرجعون إليه فى ضبط أقوالهم وأفعالهم، وليسوّوا عليه حسابهم فيما يقع بينهم من خلاف. والكتاب هنا هو مجمع كتب الله التي نزلت على رسله، لأن تلك الكتب فى مضامينها هى كتاب واحد، ينطق بالحق ويهدى للحق! وقوله تعالى: «وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ» تشنيع على أهل الكتاب، وتنديد بهم، إذ بعد أن جاءهم الحق من ربّهم، ووضحت لهم معالم الطريق بما حمل الكتاب إليهم من آيات الله البينات- وقع بينهم الخلاف، وعادوا إلى ما كانوا عليه من فساد عقيدة، وضلال سعى.. فإذا كان لخلافهم وشرودهم عن الحق وجه قبل أن يأتيهم هدى الله، فإنه لا وجه لهذا الخلاف بعد أن جاءهم الهدى واستنارت أمامهم معالم الطريق!

الآية: (214) [سورة البقرة (2) : آية 214]

وهذا الحصر للخلاف فى الحقّ، والشرود عنه، وجعله فى أهل الكتاب وحدهم- إنما هو لانقطاع العذر عندهم لهذا الخلاف، بما وضع الله بين أيديهم من آياته، التي لو انتهوا عندها، ووقفوا على حدودها، لما ضلوا ولما اختلفوا.. أما غير أهل الكتاب ممن اختلفوا فى الحق، وضلوا عن سبيله فلهم عذرهم، إذ لم يكن بين أيديهم من حق وهدى مثل ما بأيدى أهل الكتاب الذين لا عذر لهم، إذ كان خلافهم وضلالهم عن بغى وعدوان. وقوله تعالى: «فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» يحدّد موقف الذين استجابوا لله وللرسول، واتبعوا ما أنزل على «محمد» ، واستقاموا على الحق الذي ضلّ عنه أهل الكتاب واختلفوا فيه. وكان ذلك توفيقا من الله وفضلا ورحمة بالمؤمنين، إذ استنقذهم من الضلال والعمى. «وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» . الآية: (214) [سورة البقرة (2) : آية 214] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) التفسير: أما وقد استنقذ الله سبحانه المؤمنين برحمته، وهداهم الصراط المستقيم بفضله، فقد وجب عليهم أداء أمانة هذا الدين الذي هداهم الله إليه، فالدّين ليس مجرد مفاهيم أو تصورات يتلقاها المؤمن من نصوص الشريعة، وإنما هو مع ذلك سلوك قائم فى ظل هذه المفاهيم وتلك التصورات، فالطريق إلى الجنة محفوف بالمكاره، والمؤمنون مبتلون فى أموالهم وأنفسهم، ممتحنون

فى إيمانهم وصبرهم، كما يقول الله تعالى: «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ» (31: سورة محمد) ويقول سبحانه «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ» (155: سورة البقرة) . فالذين آمنوا بالله واتبعوا رسول الله، معرّضون لهذا الامتحان الذي يمتحن به المؤمنون، أتباع رسل الله، فكم حمل هؤلاء الرسل وأتباعهم من أعباء، وكم لاقوا من أهوال، وكم تجرعوا من غصص، مما رهقهم به سفهاء أقوامهم من جهالات وسفاهات: «مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا» أي اضطربت مشاعرهم وتبلبلت خواطرهم، واستيأسوا وظنّوا أنهم أحيط بهم، فاستعجلوا النصر الذي وعدهم الله، كما يقول سبحانه: «كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ» (28: المجادلة) وقالوا: «مَتى نَصْرُ اللَّهِ؟» وكأنهم يقولون فيما يقولون: أين نصر الله الذي وعدنا به؟. ومن آفاق الحق ومن قلوب أولياء الله الراسخين فى الإيمان، يجىء هذا المدد الكريم، يسوق بين يديه بشريات الفرج المرتقب والنصر الموعود: «أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ» . إن راية الحق لا تنكس أبدا، إذا هى شدّت إلى أيد مؤمنة مستمسكة بالحق، معتصمة بالصبر، مستعدة للبذل والتضحية، فإن المجاهدين تحت هذه الراية، إنما يجاهدون تحت راية الله، وحسبهم بالله معينا وناصرا «أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (32 المجادلة) وقوله تعالى: «وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ» أي ولما تصابوا بما أصيب به من سبقكم من المؤمنين فى الأمم الماضية من شدائد ومحن، فالمثل هنا هو الواقعة المادية، وليس الصورة اللفظية الحاكية لتلك الواقعة.

الآية: (215) [سورة البقرة (2) : آية 215]

الآية: (215) [سورة البقرة (2) : آية 215] يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) التفسير: مما يبتلى به المؤمن أن يمتحن فى ماله بقضاء الحقوق الواجبة عليه فيه، فالإنسان بطبعه ضنين بماله، حريص عليه، لما للمال من سلطان فى هذه الحياة، يملك به كل شىء، ويطول به صاحبه أي شىء!. وقد فرض الله على المؤمنين حقوقا فى أموالهم: للوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل، فإذا واجه المؤمن حاجة محتاج ثم ضنّ بماله عن أن يسعفه ويسدّ حاجته: فقد قصر وأثم، وتحلل من عقد وثّقه الله معه!. الآية: (216) [سورة البقرة (2) : آية 216] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216) التفسير: ومما ابتلى به المؤمنون أيضا أن كتب عليهم القتال.. فذلك أمر لا محيص لهم عنه، ولا مفرّ لهم منه.. إذ أنهم فى وجه عداوة مستعرة بينهم وبين أرباب الضلال، وأهل السوء. فالأخيار مبتلون دائما بأهل السوء، ومن هنا كان هذا الصراع المتلاحم بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال.

الآية: (217) [سورة البقرة (2) : آية 217]

فالقتال فرض لازم على المؤمنين، إن أرادوا أن يكون لهم وجود وأن تكون للحق راية!. والقتال أيّا كان، وفى أي وجه يكون، هو مكروه، لا تقدم عليه النفوس إلا متكرهة له، ضائقة به. ولهذا كان قوله تعالى. «وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» عزاء للنفوس ومواساة فى لها فى حمل هذا المكروه، وإساغة ما فيه من مرارة، إذ ليس كل ما تستقبل النفوس من مكروه شرا لا خير فيه، وليس كل ما تستقبل من محبوب خيرا لا شرّ معه. فقد يركب المرء المكروه فيحمله إلى مواقع الخير، ويركب المحبوب فيسوقه إلى مهاوى الرّدى!. والأمور دائما بخواتيمها، المحجبة وراء الغيب، والكائنة فى علم الله، والمحكومة بقضائه وقدره.. وما فرضه الله علينا فالخير كلّه فيه، وإن اقتضانا جهدا، وحمّلنا أعباء، فإنه لا أجر بلا عمل، ولا عمل إلا ببذل، وعلى قدر المشقة يكون الجزاء: «وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» . الآية: (217) [سورة البقرة (2) : آية 217] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (217)

التفسير: شنّع المشركون على المسلمين لأن قاتلوهم فى الشهر الحرام، ووقع فى نفس المسلمين شىء من الحرج من القتال فى الأشهر الحرم، وجالت فى أنفسهم خواطر التساؤلات، فجاءت آيات الله تجلو هذا الموقف، وتكشف هذا الحرج. وقد بيّن القرآن الكريم فى قوله تعالى: «الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ» موقف المسلمين من حرمة الأشهر الحرم إذا بدأ هم العدو بقتال فيها، وأنه لا حرمة لهذه الأشهر حينئذ، إذ كانت حرمة دمائهم فوق كل حرمة!. وهنا جاء قوله تعالى: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ، قِتالٍ فِيهِ» تحريرا للسؤال الدائر فى شعور المسلمين وعلى ألسنتهم.. وقوله تعالى: «قِتالٍ فِيهِ» بدل من الشهر الحرام.. أي يسألونك عن الشهر الحرام.. أي يسألونك عن الشهر الحرام، عن قتال فيه. وكان قوله تعالى: «قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ» - جوابا شافيا لهذا السؤال الحائر. ومفهوم هذا الجواب: أن القتال فى الشهر الحرام إثم كبير.. ولكن الصدّ عن سبيل، والكفر بالله وبالمسجد الحرام بما استباح المعتدون من حرمته، وإخراج أهله المؤمنين به من جواره.. كل هذه الحرمات المستباحة أكبر فى استباحتها إثما من استباحة القتال فى الشهر الحرام.. إذ الفتنة أكبر من القتل، والمشركون يعرضون المؤمنين للفتنة فى دينهم بصدّهم عن سبيل الله، وإخراجهم من ديارهم بالبلد الحرام. وفى قوله تعالى: «وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ، عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ

فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» ما يكشف للمسلمين عن نوايا العدوان التي يبيتها لهم المشركون، وأنهم مصرّون على قتالهم حتى يبلغوا منهم ما يريدون، وهو ارتدادهم عن دينهم، وعودتهم إلى ما كانوا عليه من شرك، ما وجدوا إلى ذلك سبيلا، وما مكّن لهم ضعاف الإيمان من تحقيق ما أرادوا. ثم يتوعد الله سبحانه وتعالى أولئك الذين دخلوا فى الإسلام، ثم لما أن مسّهم شىء من البأساء والضراء، ارتدوا على أدبارهم، وارتدوا لباس الشرك من جديد- توعدهم سبحانه بالبوار والخسران فى الدنيا، والعذاب الأليم فى الآخرة: «أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» . وقوله تعالى «فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ» هو قيد وارد على الشرط فى قوله سبحانه: «مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ» فالحكم الواقع على المرتد هنا- وهو خسران أعماله فى الدنيا وعذابه فى الآخرة- ليس على إطلاقه، وإنما هو لمن ارتد ثم ثبت على ردته إلى أن مات.. أما من نظر إلى نفسه، واستنقذها من الشرك، وعاد إلى الإيمان بقلب سليم، ونفس لوّامة، فقد غسل حوبته بتوبته، ومسح بنور إيمانه على ظلام شركه: «وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً» (110: النساء) . وأما قوله سبحانه: «فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ..» فهو حكم على حياتهم وهم فى لباس الشرك، بالبوار والخسران فى الدنيا والآخرة.. أما فى الدنيا فلأنهم يعملون فى تجارة خاسرة، وإن خيّل إليهم أنهم قد ملئوا أيديهم من دنياهم، وضمنوا السلامة فى أنفسهم وأهليهم وأموالهم، فذلك كله إلى زوال. وأما فى الآخرة فلأنهم يساقون إليها وقد صفرت أيديهم من كل شىء يعود عليهم نفعه فى هذا اليوم، فضلا عما يثقل ظهورهم من أوزار الشرك والضلال..

الآية: (218) [سورة البقرة (2) : آية 218]

الآية: (218) [سورة البقرة (2) : آية 218] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) هذه الآية تفرد الذين آمنوا وثبتوا على إيمانهم، واجتازوا المحنة، ونجوا من الفتنة- تفردهم بذكر خاص، وتنوّه بهم، وتدنيهم من رحمة الله ورضوانه، وذلك فى مواجهة أولئك الذين واجهوا المحنة فلم يصبروا ولم يصابروا، ففروا من ميدان المعركة تاركين دينهم الذي ارتضوه سلبا ملقى فى ساحة الحرب! هذا وفى الآية الكريمة: أولا: قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» فصل بين الذين آمنوا وبين الذين هاجروا وجاهدوا فى سبيل الله، فلم يجعلهم نسقا واحدا داخلا فى صلة الموصول الأول، بل أفردهم بذكر خاص، فكأن الذين آمنوا صنف، والذين هاجروا وجاهدوا صنف آخر.. ولو كانوا صنفا واحدا لجاء النظم هكذا: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا. ولكن هكذا جاء نظم القرآن بجلاله وروعته وإعجازه، ليضع موازين الحق فيما يقول.. فالمؤمنون- مطلق الإيمان، بلا هجرة ولا جهاد- هم صنف وحدهم فى المؤمنين. والمؤمنون المهاجرون المجاهدون، هم صنف آخر يختلف عن الصنف الأول بميزات وفضائل.. ويحق لهم بهذه الميزات وتلك الفضائل أن ينوه بهم، ويرفع شأنهم بين المؤمنين. إذ الإيمان بلا عمل نبات لا ظل له، ولا ثمر فيه. ثانيا: قوله تعالى: «أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ» وضع الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل الله موضع الرجاء من رحمة الله، ولم يعطهم الثواب والمغفرة والرضوان على القطع والتحقيق، وذلك ليقيمهم من هذا الرجاء

الآيتان: (219 - 220) [سورة البقرة (2) : الآيات 219 إلى 220]

على عمل دائم، وجهاد متصل، وهذا على خلاف ما إذا سوّى حسابهم بعد الهجرة وبعد كل موقف من مواقف الجهاد، فقد يقعد بهم هذا عن أن يضيفوا جديدا، أو يخفّوا للجهاد، مرة بعد مرّة. ثم إنه من جهة أخرى يرى الذين آمنوا- مجرد إيمان- ولم يهاجروا ولم يجاهدوا- يريهم شناعة موقفهم ومغبّة تقصيرهم بتخلفهم عن ركب المهاجرين والمجاهدين، ويرفع لأعينهم بعد ما بينهم وبين مواقع رحمة الله ورضوانه، إذ يرون المهاجرين المجاهدين ولمّا يلمسوا بأيديهم مواقع الرحمة والرضوان، وأنهم ما زالوا على رجاء! فكيف بالذين آمنوا، ولم يهاجروا ولم يجاهدوا؟ إن المدى بعيد بينهم وبين أن يصلوا إلى جانب الأمن والسّلامة، وإن عليهم أن يحثّوا المطىّ إلى ميدان الهجرة والجهاد، ليلحقوا بركب المهاجرين المجاهدين، وليكونوا بمعرض من رحمة الله ورضوانه!. الآيتان: (219- 220) [سورة البقرة (2) : الآيات 219 الى 220] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) التفسير: هنا عدة قضايا عرضت لها هذه الآيات، وقضت فيها بأحكام إلهية، كانت سكنا لوساوس السائلين، وطمأنينة لحيرة الحائرين..

فهنا قضية الخمر والميسر، وقضية القدر الواجب إنفاقه من مال ذوى المال، ثم قضية اليتامى وحقهم فى المجتمع ومكانهم فيه. ويلاحظ أن هناك قضية كانت مثارة من قبل، وهى قضية الأشهر الحرم وما يقع فيها من قتال، وأن هذه القضايا قد انعزلت عنها، فلم تعطف عليها، ولم تدرج معها فى سجل واحد، ولهذا جاءت منقطعة عنها، فلم يقع بينهما حرف عطف. وفيما يبدو لنا- والله أعلم- أن هذه القضايا الثلاث تختلف فى موضوعها عن قضية الأشهر الحرم. ولهذا كان لها هذا الوضع الخاص الذي سمح لها بأن تنحاز جانبا، وتنظر فى غير مواجهه سابقتها. فموضوع الأشهر الحرم يتناول رفع الحرج والحظر عن أمر كان محرما محظورا، ولكنه رفع مؤقت، جاء نتيجة لعارض عرض، فإذا زال هذا العارض زال رفع الحرج، وعادت الحرمة والحظر. أما موضوع الخمر والميسر فعلى عكس هذا، إذ هو يعرض لأمر كان مباحا ديانة وعرفا فى حياة الجاهلية، فيؤثّمه ويجرّمه. فالخمر والميسر مما كانت الجاهلية تعيش فيهما، وتشتغل بهما فى غير تحرج أو تأثم من أمردين أو ناموس مجتمع. وأما قضية النفقة الواجبة فى مال ذوى المال فهى فى المباح المطلق، ويراد له هنا أن تحدد حدوده، وتوضح معالمه.. وكذلك الشأن فى اليتامى وحقهم فى المجتمع.. إذ كان هذا الحق مجهّلا، فرفعت جهالته وعرف وجهه. فهناك- فى حرمة الأشهر الحرم- حرام ترفع حرمته، وهنا- فى القضايا الثلاث- حلال يحرّم، أو تقام حدوده، أو ترفع جهالته.. ولهذا كان القطع، وعدم التعاطف بين الأمرين. وننظر فى هذه القضايا الثلاث فنجد:

قوله تعالى: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما» . هذه إشارة حادّة من إشارات السماء، إلى أمرين من أمور الجاهلية، كانت حياتهم متلبسة بهما، دائرة فى فلكهما، وهما الخمر والميسر، وقد كان هذان المنكران متلازمين، لا يكاد يفترق أحدهما عن الآخر.. فحيث كان خمر كان معه ميسر، وحيث كان قمار ومقامرة دارت كئوس الخمر ودارت معها رءوس النّدمان.. ولهذا قرنهما الله سبحانه فى هذا المقام.. الخمر والميسر، ودمغهما بالإثم. والحكم- كما ترى- أنهما يحملان فى كيانهما قدرا كبيرا من الإثم، إلى جانب ما يحملان من نفع.. وإن كفة الإثم فيهما ترجح عن كفة النفع. ويلاحظ أن التعبير بالإثم جاء فى مقابله لفظ النفع، والنفع لا يقابل الإثم، وإنما يقابل الضرّ.. وهذا يعنى أن الإثم ليس مجرد ذنب ومعصية، يضاف حسابهما إلى الحياة الآخرة، بحيث لا يجد من يقترفهما ممن لا يؤمن بهذه الحياة ما يضيمه أو يضيره، بل إن هذا الإثم هو ذنب ومعصية يترصد صاحبه فى الآخرة، ثم هو ضرر وشر يصيب مقترفة فى الدنيا.. ومعنى هذا أن صاحب الخمر والميسر إن كان لا يؤمن بالحياة الآخرة ولا يخاف مأثما منهما، فإنّ ما فيهما من ضرر يصيبه فى حياته الدنيا.. فى جسده وماله، جدير به أن يخيفه ويزعجه، ويقيمه منهما على حذر وتخوف، فكيف بصاحب الدّين الذي ينظر إلى هذين المنكرين وقد أصاباه فى دينه وفى دنياه جميعا؟. هذا، وليس جمع «المنافع» بالذي يرجّح كفة الشر على الخير، فى جانب الخمر والميسر، فإن هذا الجمع لا يتجه إلى النفع فى ذاته وقدره، وإنما هو لتعدد وجوه الناس فى التماس الكسب منهما.. فمن صانع للخمر، إلى جالب لها، إلى بائع، إلى ساق، إلى مغنّ فى حانها.. إلى غير ذلك ممن يعملون للخمر

وفى طريقها.. وكذلك الميسر وأصناف الناس الذين يجتمعون عليه، ويعملون فى ميدانه!. أما الإثم فهو الإثم، وإن تعددت مصادره، واختلفت موارده، والوصف الذي يلحقه هو الذي يفرق بين إثم وإثم، فيقال إثم كبير، أو عظيم، أو غليظ، أو يسكت عنه فلا يوصف بوصف ما.. ويكفى فى وصفه فى هذه الآية أن يقال: «إثم كبير» فيكون وصفا جامعا لكل منكر. ويتفق المفسرون على أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (90: المائدة) . ونحن.. على رأينا فى موضوع النسخ.. لا نرى فى هذا نسخا للآية الكريمة، بل هى محكمة عاملة، وكذلك كل الآيات التي جاء فيها للخمر ذكر أو حكم، كما أوضحنا ذلك من قبل فى مبحث «النسخ» . قوله تعالى: «وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ» .. العفو: ما زاد عن حاجة الإنسان، فى قصد واعتدال، بلا سرف ولا تقتير. وحيث كفى الإنسان حاجته فإن واجبا عليه- ديانة وإنسانية ومروءة- أن يسمح بما زاد عن هذه الحاجة، فيدفع به حاجة المحتاجين.. إذ كيف يكون الإنسان إنسانا بارّا بإنسانيته، وفى يده فضل مال أو متاع، وفى الناس من أهله وجيرانه، وقومه، من هو فى حاجة إلى بعض هذا المال أو المتاع؟. لهذا جاءت شريعة الإسلام بهذا التوجيه الإنسانى الكريم، الذي يصل الناس بالناس، بصلات المودة والرحمة، ويجعل منهم كيانا واحدا

متكافلا تتوزع فيهم خيرات الأرض وأرزاق السماء بحكمة وعدل، كما يتوزع الدم من القلب على سائر أعضاء الجسد عضوا عضوا!. وإنفاق العفو الذي لا يضر الإنسان ولا يجور على مطالبه، هو من البرّ بالمنفق والرحمة له، حتى لا يحمله الدافع الإنسانى على أن يجاوز الحد فيتحيّف حقّه فى ماله، ويجوز على نفسه فيما آتاه الله، فيخرج مما فى يده جملة، ويصبح فى جبهة المحتاجين بعد أن كان فى جماعة المنفقين، وتلك حال لا يرضاها الإسلام من المسلم، إذ الإسلام يريد بهذه المواساة الكريمة أن يستنقذ بعض ذوى الحاجات ليقلّ عددهم، وتضمر أعدادهم.. وصاحبنا بفعلته هذه، قد أضاف إلى المحتاجين محتاجا، وربما لم يكن بما فعل قد استنقذ واحدا منهم، وإن كان قد أعطى الدواء المسكن لآلام الكثيرين. قوله تعالى: «كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ» أي بمثل هذا البيان الواضح الشافي يبين الله لكم أحكامه فى آياته المحكمة، لتكونوا على رجاء من التعرف على مواقع الخير والشر، فتقبلوا على الخير وأهله، وتجتنبوا الشر ودواعيه، ولتفرقوا بين ما هو للدنيا وما هو للآخرة، فذلك هو الذي يقيمكم على الصراط المستقيم. وفى الانتهاء بفاصلة الآية عند قوله تعالى: «تَتَفَكَّرُونَ» ثم بدء الآية بعدها بقوله سبحانه: «فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ» - فى هذا تحريض على استحضار العقل دائما، ودعوته إلى النظر المطلق فى رحاب هذا الكون، وفى كل ما يدور فى فلك الحياة.. ثم يجىء بعد هذا، النظر إلى أمور الدنيا فى مواجهة الآخرة، وما يدّخر منها لهذا اليوم العظيم، وعندئذ يجىء النظر صائبا، ويقع متمكنا، بعد أن يكون العقل قد دار دورته الشاملة فى هذا الكون الرحيب!! قوله تعالى: «وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ» .. خير ما يؤدّى

لليتيم من إحسان إليه وبرّ به، هو أن يربّى تربية طيبة، تبلغ به مبلغ الكمال والرشد، حتى يستقل بشئون نفسه، ويتولى رعاية أموره، وتلك هى الأمانة التي جعلها الله فى عنق من يقومون على اليتامى، من أولياء وأوصياء، فإذا قصروا فيها كان حسابهم عليها بين يدى الله على قدر ما قصروا. قوله تعالى: «وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ» أي وإن تضموهم إليكم وتتولوا عنهم رعاية أمورهم فهم إخوانكم، لهم مكان الأخوة بينكم، وما لهذه الأخوة من حقوق. وفى التعبير عن الإشراف على اليتامى بالمخالطة، إشارة إلى أن هذا الإشراف ينبغى أن يقوم على صلات روحية ونفسية، تمتزج فيها مشاعر الأوصياء على اليتامى بمشاعر هؤلاء اليتامى، ويختلط إحساسهم بإحساسهم، حتى لكأنهم كيان واحد، وذلك هو الذي يعطى اليتيم مكانا متمكنا فى قلب الوصىّ وفى أهله الذين يعيش معهم، مختلطا وممتزجا، لا منفصلا ومعتزلا. وفى التعبير عن اليتامى بقوله تعالى: «فَإِخْوانُكُمْ» بدلا من «فأولادكم» كما يقتضيه ظاهر الأمر، إذ اليتيم لا يكون يتيما إلا فى حال صغره، الأمر الذي يجعله من الوصىّ بصفة الابن لا الأخ- فى هذا التعبير تنويه بما ينبغى أن تكون عليه نظرية الوصىّ على اليتيم إلى اليتيم، وهو أن ينظر إليه على أنه مثله وفى درجته، وإن كان فى مدارج الصّبا.. فهذه النظرة جدير بها أن تقيم الوصىّ دائما على شعور يقظ، بأنه إنما يتعامل مع إنسان رشيد، يرقب أعماله، ويرصد تصرفاته فى شئونه، وهذا الشعور يجعل الوصىّ حذرا فى تصرفاته، حريصا على أن يظهر بمظهر الأمين الحريص على مصلحة اليتيم.. ثم إنه من جهة أخرى، سيعمل هذا الشعور عمله عند الوصىّ فى الوصول باليتيم إلى مرحلة الرشد فى أقصر زمن ممكن، بحكم هذه الأخوة الملازمة له،

والمستقرة فى شعوره، وهذا شعور معاكس تماما لما يشعر به الأوصياء نحو اليتامى من أنهم لن يكبروا أبدا، حتى يظلوا أكبر زمن ممكن تحت أيديهم!! فانظركم أعطت هاتان الكلمتان المباركتان: «وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ» من ثمرات طيبة، وكم تعطيان هكذا أبدا من ثمر طيب مبارك لكل طالب ومريد؟ وفى قوله تعالى: «وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ» حماية لهذا الشعور الذي أثاره قوله سبحانه: «وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ» وتغذية دائمة له من أن يضعف، إذ يجد الوصي على اليتيم عين الله ترقبه، وعلمه يحيط بكل ما يعمل لليتيم الذي فى يده، من خير أو شر، ومن إصلاح لأمره، ليرشد ويستقلّ بشؤنه، أو ليفسد ويظل هكذا تحت يده!. وفى قوله سبحانه: «وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ» إشارة إلى أن ما قضت به حكمة الله من تكاليف فى شريعة الإسلام، هو مما لا إعنات فيه ولا إرهاق، بل هو مما تحتمله النفوس فى متوسط مستوياتها.. فأوامر الشريعة الإسلامية ونواهيها ملتزمة هذا الموقف الوسط، الذي جمع أطراف الناس جميعا، من أقوياء وضعفاء. ولو أراد الله سبحانه وتعالى أن يكلف بما هو فوق احتمال الناس، أو بما يصيبها بالجهد والإعياء لما كان لأحد أن يعترض، ولكان ذلك شريعة ملزمة، يحلّ العقاب بمن خرج عليها، كما فعل الله سبحانه وتعالى ذلك باليهود، وذلك من باب الابتلاء والفتنة، التي عافى الله سبحانه وتعالى منها هذه الأمة الإسلامية، ورحمها من هذا البلاء.

الآية: (221) [سورة البقرة (2) : آية 221]

الآية: (221) [سورة البقرة (2) : آية 221] وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221) التفسير: فى الآيات السابقة بيّن الله سبحانه حدودا وأحكاما، جلابها وجه الحق فيما التبس على النّاس من أمر القتال فى الشهر الحرام، ومن شأن الخمر والميسر. ومن النفقة المطلوبة من مال أصحاب المال، ومن حق اليتيم على الوصىّ. وفى هذه الآية بيّن الله تعالى حكم التزاوج بين المؤمنين والمشركين، فيقضى سبحانه بتحريم التزاوج بينهما، فلا يحلّ للمؤمن أن يتزوج مشركة، ولا لمشرك أن يتزوج مؤمنة. ذلك أن العلاقة الزوجية من شأنها أن تربط بين الزوجين بروابط روحية ونفسية وعقلية، وقيام تلك الروابط بين مؤمن ومشركة، أو مشرك ومؤمنة، يؤدى غالبا إلى إفساد الطبيعتين معا، فلا يكون المؤمن مؤمنا، ولا المشركة مشركة، كما لا يكون المشرك مشركا ولا المؤمنة مؤمنة. إذ أن كلّا من الزوجين ينضح على الآخر من روحه ونفسه وتفكيره، فيقيمه على منزلة بين المنزلتين: بين الإيمان والشرك.. وفى هذا ما يدخل الضيم على المؤمن فى دينه، وربما خرج منه جملة، فباء بالخسران المبين. أما المشرك فلا خسران عليه، إذ هو- عند الله- من الخاسرين، من قبل ومن بعد.

وقد يخطر بالبال هنا أن فى التزاوج بين المؤمنين والمشركين، ربما يكون من نتائجه تحول المشرك أو المشركة إلى الإيمان، وفى هذا تعويض للخسارة التي قد تنجم من تحول المؤمن أو المؤمنة إلى الشرك، وبهذا لا تكون هناك خسارة بالنسبة للمجتمع المسلم، الذي إن خسر هنا ربح ما يعوض الخسارة هناك! وهذا التقدير غير سليم، وغير عادل! أما أنه غير سليم، فإن الشرّ غالبا يغلب الخير، وتتسرب عدواه إلى الخير بالمخالطة أكثر من تسرب الخير إليه، إذ كان الشر يعمل وأهواء النفوس معه، وشهواتها مائلة إليه، جاذبة له! وأما أنه غير عادل، فإن فيه مخاطرة بنفس مؤمنة فى مقابل نفس مشركة، وشتان ما بين نفس ونفس! وقد أباح الإسلام أن يتزوج المؤمن الكتابية، ولم يبح أن يتزوج الكتابي المؤمنة، وذلك فى قوله تعالى: «وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ» : (5: المائدة) . وذلك أن الرجل أقوى من المرأة، وأقدر على التحكم فى عواطفه، وأن تأثيره على المرأة أكثر من تأثيرها عليه، وأنه أحرص على دينه من حرصها على دينها، وذلك فى الأعم الأغلب.. والحكم للعام الغالب. وعلى هذا كان تقدير الإسلام، فأباح للمؤمن أن يتزوج الكتابية، ولم يبح للمؤمنة أن تتزوح الكتابي. ويرد على هذا خاطر أيضا، وهو أنه إذا كان الأمر على هذا التقدير، فلم

الآية: (222) [سورة البقرة (2) : آية 222]

لا يبيح الإسلام للمؤمن أن يتزوج المشركة.. وهو الرجل، وهى المرأة، على ما عرفنا من فوارق بين الرجل والمرأة؟ والرد على هذا فيما أشرنا إليه من قبل، وهو أن ذلك من قبيل المخاطرة بنفس مؤمنة فى مقابل نفس مشركة، وأن الاحتمال وإن كان هنا قويا فى أن يشدّ الرجل المرأة إليه، إلا أنه معارض باحتمال آخر، وإن كان أضعف. وهو أن المرأة قد تغلب الرجل الذي يضعف لها، وليس بقليل أولئك الرجال الذين يخضعون لسلطان النساء.. فكان تدبير الإسلام بالمنع المطلق، هو التدبير الحكيم، الحريص على سلامة المؤمن، وحياطة دينه من أن يتعرض لسوء، أو يحوم حول فتنة! الآية: (222) [سورة البقرة (2) : آية 222] وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) التفسير: ممّا يسأل السائلون عنه، فيما بين الرجال والنساء هو: هل يحل مباشرة النساء وهن فى المحيض؟ وقد جاء حكم الله فيه: «هو أذى، فاعتزلوا النّساء فى المحيض» أي هو أذى تستقذره النفس وتتأذى منه.. وقد تغلب الشهوة على بعض الناس فيحتمل هذا الأذى فى سبيل إرضاء شهوته، ولكنه- مع ذلك وبعد قضاء شهوته- يظل وفى نفسه شىء من آثار هذا الأذى، قد تنضح آثاره على ما بين الزوج وزوجه من السّكن الروحي، الذي بغيره لا تطيب الحياة الزوجية ولا تدوم

ويلاحظ أننا لم ننظر فى قوله تعالى: «هُوَ أَذىً» إلا من جانب واحد، هو جانب الأذى النفسي، ومع أنّ التعبير القرآنى جعله أذى مطلقا، عاما شاملا، فى جانب الرجل والمرأة معا، وفى النفس والجسد جميعا- فإنه حسبنا هنا ما وقع عليه نظرنا، أما ما يقول به العلم، وما يكشفه الطب من هذا الأذى، فلا نريد أن نعرض له، إذ كان ما يقول به العلم ويكشفه الطب فى هذا الأمر مما لا يقع على حقيقته إلا أهل الذكر من العلماء! قوله تعالى: «وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ» المراد بالقرب هنا قرب المباشرة لا قرب الحياة من مؤاكلة، ومجالسة، وحديث، وغيرها.. إذ ليس الحيض مما يمسّ طهارة المرأة فى ذاتها كإنسان، كما ترى ذلك بعض الديانات التي ترى أن المرأة أيام حيضها نجسة فى ذاتها، وفى كل ما يمسّها! وذلك هو معتقد اليهود! ومن جهة أخرى فإنا نرى قوله تعالى: «فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ» وإن كان يراد به الاعتزال عن المباشرة إلا أنه يشير من بعيد إلى شىء من الإمساك عن المخالطة الدائمة، التي تكون بين الزوجين فى غير أوقات الحيض.. إذ أن المرأة فى أيام حيضها تكون فى أحوال غير طبيعية، سواء فى حالتها الجسدية، أو النفسية، والإقلال من لقائها فى تلك الحال آمن وأسلم من أن يجد منها زوجها ما لا يرضاه! قوله تعالى: «فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ» التطهر طهر وزيادة.. فالطهر هو انقطاع دم الحيض، والتطهّر الاغتسال. أي فإذا اغتسلن فأتوهن من حيث أمركم الله، أي فأتوهن من حيث ينبغى أن تؤتى المرأة.. وكان بعضهم يأتى المرأة من دبرها، وهو انحراف خارج على طبيعة الحياة بين الأحياء، من حيث كان اتصال الذكر بالأنثى فى عالم الحيوان لا يعدو الموضع الذي يجىء منه النسل! فكيف لا يعفّ الإنسان عما عفّ عنه الحيوان؟

الآية: (223) [سورة البقرة (2) : آية 223]

وقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» دعوة إلى التزام الطريق القويم لمن كان قد انحرف عنه، وأتى المرأة من غير المأتى الطبيعي لها، فباب التوبة مفتوح لمن أناب إلى الله والتزم حدوده: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ» فالتوبة تغسل الحوبة.. وليس مصيبة الإنسان فى أن يخطىء ويزل، فالإنسان بحكم أنه بشر عرضة للخطأ والزلل، ولكن المصيبة ألّا يتأثّم من الإثم، ولا يتحرج من الانحراف، فيقيم على إثمه، ويصر على انحرافه.. وليس يستنقذ الإنسان من أن يحيط به ذنبه إلّا أن يرجع إلى الله من قريب، وأن يلقاه نادما تائبا.. هنالك يجد من ربه رحمة ومغفرة، ورضى ورضوانا «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» أي المتطهرين من كل أذى يمسّ أجسادهم وأرواحهم..! الآية: (223) [سورة البقرة (2) : آية 223] نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) التفسير: قوله تعالى: «نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ» أي محترث ومزدرع، تبتغون منهن ما يبتغى الحارث والزارع مما يحرثه ويزرعه، وهو الثمرة التي يجتنيها من زرعه.. وفى هذا دعوة إلى أمور، منها: رعاية المرأة، وتدبير أمرها، وإصلاح شأنها، وتوفير وسائل الحياة الطبيعية لها، شأن الزارع الذي يقوم على رعاية زرعه، وحمايته من كل ما يعرض له من سوء.. ومنها غرس ما يرجى ثمره، وما ينتفع به من ثمر، وذلك لا يكون إلا بمباشرة المرأة من حيث يؤتى بالولد الذي هو الثمرة المرجوة من هذا الغرس.

الآية: (224) [سورة البقرة (2) : آية 224]

وقوله تعالى: «فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ» إطلاق لأى قيد فى اتصال الرجل بزوجه، بعد أن يلتزم الحدود التي بينها الله، وهو ألا يباشرها إلا بعد أن تطهر من الحيض، ثم أن تكون المباشرة فيما ينفع ويثمر.. قوله سبحانه: «وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ» دعوة إلى ألا يكون همّ الرجل كلّه فى مباشر المرأة هو اللذة المجرّدة من كل قصد، إلا إشباع شهوته وإرواء ظمئه.. فذلك عمل مستهلك لا يبقى للإنسان منه شىء بعد ساعته.. والأولى بالإنسان هنا أن يطلب فى مباشرته للمرأة النّسل، وأن يقوم على رعاية هذا النسل، وإعداده إعدادا صالحا للحياة، ليشارك فى بنائها وعمرانها، وبهذا يكون قد استجاب لأمر الله تعالى فى قوله: «وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ» فقدم لنفسه عملا صالحا يلقاه يوم القيامة: «مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ» (20: الشورى) . قوله تعالى: «وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ» تعقيب على تلك المحظورات التي بينها الله سبحانه وتعالى فى هذه الآيات، وتنبيه إلى أنها من حرمات الله، وأن اتقاءها ومجانبتها هو الذي يرضى الله، ويحقق للمؤمن إيمانه، فيلقى الله آمنا يوم القيامة «وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ» بما أعدّ الله سبحانه وتعالى لهم يوم القيامة من مغفرة ورضوان. الآية: (224) [سورة البقرة (2) : آية 224] وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) التفسير: ذات الله سبحانه وتعالى، فى جلالها وبهائها وعظمتها، ينبغى

أن تكون فى قلب المؤمن بمكانتها المكينة من الإجلال والتعظيم، وأن تصان من كل ما يمسّ هذه المكانة من اهتزاز أو إزعاج!. وأسماؤه تعالى، لها ما لذاته سبحانه، من هذا الإجلال والتوقير والإعظام، فلا يتلفظ المؤمن باسم من أسمائه جلّ وعلا إلّا فى مقام العبادة والتسبيح، وإلا فى حال الضراعة والابتهال. فليس بالذي يقدر الله حقّ قدره من يتخذ اسم الله يمينا يحلف به، ويقدّمه بين يدى كل أمر يعرض له، ويتخذ من جلال الاسم الكريم وعظمته وسيلة يتوسل بها إلى نفاذ ما يحلف عليه إلى مشاعر من يحلف له، فيحترم حرمة اليمين، ويصدقه. فقوله تعالى: «وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ» أي لا تعرّضوا اسم الله تعالى للحلف به فى كل ما يعترضكم من أمور دنياكم، تريدون لها التوثيق والتوكيد. وقوله سبحانه: «أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ» أي لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ولو كان الحلف من أجل أمر تلتزمون فيه قول الحق، وترعون فيه تقوى الله، وتصلحون به بين الناس.. لأن الإكثار من الحلف بالله مقام الصدق والتقوى والإصلاح بين الناس، يفتح للإنسان الطريق إلى الحلف بالله فى مجال الكذب والفجور والإفساد بين الناس!. فالنهى عن الحلف بالله فى مقام الصدق والتقوى والإصلاح بين الناس، ليس نهيا مطلقا، وإنما هو نهى عن الإكثار واللامبالاة، حيث لا يتحرج المرء من الحلف فى هذا المقام، وهو يلتزم حدود الصدق والتقوى.. فإن هذا الإكثار فى الصدق- كما قلنا- يفتح الطريق إلى الحلف بالكذب والفجور!.

الآية: (225) [سورة البقرة (2) : آية 225]

الآية: (225) [سورة البقرة (2) : آية 225] لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) التفسير: من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده أن تجاوز عنهم فيما يقع منهم من أيمان يجرى بها اللسان من غير قصد، فلا يراد بها إبطال حق، ولا إحقاق باطل.. فهذه الأيمان قد تجاوز الله عنها. ولكن ما انعقد عليه القلب منها، واحتوته النية، وصحبته العزيمة هو الذي تقع المؤاخذة عليه، فمن برّ وصدق فلا إثم عليه، ومن كذب وفجر فعليه وزر ما اكتسب، «وَاللَّهُ غَفُورٌ» يتجاوز عن سيئات المسيئين إذا أنابوا إليه، ومدّوا يد الرجاء إلى أبواب رحمته، «حليم» لا يعجل بأخذ المذنب بذنبه، بل يمهله الأيام والشهور والسنين، ليراجع نفسه، ويستغفر لذنبه، ويصطلح مع ربه. الآيتان: (226- 227) [سورة البقرة (2) : الآيات 226 الى 227] لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) تبين هاتان الآيتان الكريمتان، حكما من أحكام الله فى العلاقة بين الرجل والمرأة، حين تتأزم بينهما الأمور، وتتصادم النفوس! ومما يأخذ الرجل به المرأة من أدب أن يهجرها، أي لا يتصل بها اتصال الرجل بالمرأة، وذلك ما تشير إليه الآية الكريمة فى قوله تعالى: واللاتي تخافون نشوزهن

فعظوهن واهجروهنّ فى المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا (34: النساء) وليس لهذا الهجر زمن محدد، إذ هو مقدور بالقدر الذي يعدّ كافيا للتأديب والإصلاح! هذا، إذا لم يكن الهجر محكوما بيمين آلى بها الرجل على نفسه ألا يقرب زوجه، فإذا كان ذلك عن يمين، وهو ما يسمى «بالإيلاء» لم يكن المزوج أن يهجر زوجه أكثر من أربعة أشهر، فإن رجع خلال هذه الأشهر، وقبل انتهائها، إلى زوجه وأعاد الحياة الزوجية إلى ما كانت عليه قبل هذا الإيلاء، فزوجه حل له، وعليه كفارة يمينه: «فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» يقابل سيئاتكم بالغفران والرحمة، فليذكر الزوجان ذلك، وليلق كل منهما صاحبه بالغفران والرحمة، فذلك هو الذي يمسك الحياة الزوجية بينهما، ويقيمها على طريق السلامة والأمن. وإن أصر الرجل على موقفه طوال هذه الأشهر الأربعة- فإن إمساك المرأة بعدها فى عصمته هو إضرار بها، والطلاق فى تلك الحال خير لها، إذ بهذا يتحدد موقفها وتتعرف إلى مكانها فى الحياة، وذلك على ما فيه من أذى، خير من إمساكها بهذا القيد الثقيل الذي يحول بينها وبين أن تتحرك إلى أي اتجاه. «وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» والدلالة على عزيمة الطلاق هنا هو عدم مراجعة الزوجة خلال أربعة الأشهر، فإن طلق الزوج عند انتهاء هذه الأشهر انتهى الأمر، وإلا طلق عليه القاضي، وأخلى سبيل المرأة من هذا المقام الذي أقامها فيه الزوج، والذي لا يراد منه غير الإضرار، لا الإصلاح، كما دلّ على ذلك هذا الزمن المتطاول.. أربعة أشهر، لم ير فيها الزوج بابا يدخل منه ليصلح ما بينه وبين زوجه.. فلم يبق إلا التفرقة بينهما: «وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ» .

الآية: (228) [سورة البقرة (2) : آية 228]

الآية: (228) [سورة البقرة (2) : آية 228] وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228) التفسير: من أحكام المطلقة المدخول بها، غير المتوفّى عنها زوجها، وغير الحامل، وغير اليائسة من الحيض- أن تعتد ثلاثة قروء. والقرء يجىء لغة بمعنى الطهر، وبمعنى الحيض أيضا، فهو ضد. والمراد بالعدة هنا هو استبراء الرحم، ولا يتحقق الاستبراء ويقع موقع اليقين إلا بأن ترى المرأة الدم ثلاث مرات.. أي تحيض وتطهر، ثم تحيض وتطهر، ثم تحيض وتطهر، فإذا كان ذلك فقد استبرأت رحمها، وتم انفصام العلاقة الزوجية بينها وبين زوجها، وحل لها أن تتزوج. والطلاق الشرعي هو أن يطلق من انتهى موقفه إلى الطلاق- امرأته فى طهر لم يمسسها فيه، فإذا جاءها الحيض طلقها طلقة أولى رجعية، ثم إذا طهرت وجاءها الحيض طلقها طلقة ثانية، ثم إذا طهرت وجاءها الحيض طلقها الطلقة الثالثة. قوله تعالى: «وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ» أي يحرم على المرأة المطلقة المعتدة بالقروء أن تكتم ما خلق الله فى رحمها من الولد، فتقر بالواقع، إذ القول هنا قولها، وما تعلمه هو أمانة حملتها، فإذا لم تؤد الأمانة على وجهها فقد أصبحت فى الخائنات الآثمات.

وقوله تعالى: «إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» تذكير لهن بالله وبالإيمان به، فإن من شأن من يؤمن بالله أن يتقيه وأن يستقيم على طريقه القويم، وأن يقول قولة الحق، له أو عليه. قوله تعالى: «وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً» ذلك إشارة إلى الوقت الذي تكون المرأة فيه حلّا لزوجها لم تحرم عليه، بأن كانت فى العدّة بعد طلاقها للمرة الثانية.. فهو أحق بها من غيره، إن أراد أن يصلح ما أفسد، ويقيم البيت الذي تهدم. وفى قوله تعالى: «أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ» إشارة إلى أن هذا الحق ليس خالصا للأزواج فى ذلك الوقت. فللمرأة هنا أن تتزوج من تشاء، وزوجها لا يعدو أن تكون واحدا ممن يتقدمون لها، وأحقيته بها ليست حقا شرعيا، وإنما هى حق أدبىّ، لسالف العشرة بينها وبين زوجها. قوله تعالى: «وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ» أي للنساء من الحقوق على أزواجهن مثل ما للأزواج على النساء من حقوق.. فهذا ما يقتضيه العدل، وما تقوم عليه الحياة بين شريكين، أراد الله لهما أن يكون كل منهما سكنا لصاحبه. وليست هذه الحقوق التي للرجل على المرأة، والتي للمرأة على الرجل من قبيل الحقوق التي يقتضيها الغريم من غريمه، ويأخذها بيد السلطان والقانون إن ماطله الغريم والتوى بحقه. وإنما هى حقوق تفيض بها النفس فى سماحة ورضى، وتنبع من عاطفة إنسانية لا يملك الإنسان دفعها، أشبه بتلك العاطفة التي بين الآباء والأبناء، بل ربما كانت أكثر من هذا.. إنها عاطفة الأليف إلى أليفه، والعاشق إلى معشوقه.

هذا ما ينبغى أن يكون عليه ما بين الزوجين من تواد وتعاطف، وحبّ، وتراحم، وتعاون.. طواعية واختيارا، لا قهرا ولا قسرا.. وإلا فقدت الحياة لزوجية روحها، وصارت جسدا باردا، لا يلبث أن يذيل ويموت! قوله تعالى: «وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ» أي درجة فى التفاوت بينهما فى الحقوق والواجبات، بمعنى أن للرجل على المرأة حقوقا أكثر درجة مما لها عليه من حقوق، وأن عليه لها من الواجبات أكثر مما لها عليه.. وصاحب الحق أولى بالفضل ممن لزمه الواجب المقابل لهذا الحق! والتعبير بدرجة يعنى أن هذا التفاوت لا يمسّ جوهر الاعتبارات الإنسانية فيهما، فهما إنسانان متساويان فى الإنسانية، ولكن اختلافهما النوعي أدى إلى الاختلاف الوظيفى فى الحياة بينهما: فكما كانا رجلا وامرأة.. فى الجنس، كانا أولا وثانيا، فى الرتبة.. وليس هذا بالذي يدخل الضيم على أي منهما، ما دام يحيا حياته على النحو الذي يلائم طبيعته. هذا، والدرجة التي للرجل على المرأة ليست بالتي تجىء عن طريق القهر والقسر، وإنما تستدعيها تصرفات الرجل وآثاره فى الحياة الزوجية، وفى مدّها بأسباب الحياة والنماء والاستقرار.. فهذا هو الذي يعطى الرجل- من غير أن يطلب- مكان الصدارة والقيادة، وإلا كان متخليا عن هذا المكان لمن هو أولى به منه، من زوجة أو ولد! قوله تعالى: «وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» إشارة إلى أن العزة التي تقوم إلى جانبها الحكمة هى العزة الرشيدة البارة بأهلها وبالناس حولها.. فالمكانة التي منحتها الحياة للرجال، فجعلت لهم على النساء درجة، وأقامت لهم سلطانا عليهن- هذه المكانة إن لم تلتزم جانب الحكمة والاعتدال كانت أداة سفه وطيش،

الآية: (229) [سورة البقرة (2) : آية 229]

تدمر حياة صاحبها، وتفسد الحياة على من يصحبه، وسنعرض لقضية المرأة والرجل عند تفسير قوله تعالى: «الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ» (34: النساء) إن شاء الله. الآية: (229) [سورة البقرة (2) : آية 229] الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) [الطّلاق وحكمته] فى هذه الآية يبين الله سبحانه وتعالى الأسلوب الذي يتم به الانفصال بين الزوجين، وإنهاء الحياة الزوجية بينهما! إنه كان لا بد أن يشرّع الإسلام لهذه العلاقة التي كانت قائمة بين الزوجين، ثم طرأ عليها ما يجعل بقاءها غير ممكن، لسبب أو لأكثر من سبب! وذلك ما تسميه الشريعة الإسلامية «الطلاق» . «والطلاق» مشتق من الإطلاق، وهو ضد الإمساك والحبس..! وهذا يعنى أنه عمل فيه خلاص وفكاك من ضيق، ونجاة وعافية من بلاء.. وذلك حين تصبح الحياة الزوجية- لسبب أو لأكثر، من جهة الزوج أو الزوجة أو منهما معا- ثقيلة ثقل العلة القاتلة، بغيضة بغض العدو المقيم!

وعجيب أن ينكر بعض السفهاء على شريعة الإسلام هذا التدبير الحكيم، ويرميها- زورا بهتانا- أنها تحمل للناس هذا السلاح الذي يفصم عرى الزوجية، ويقطع أوصالها.. وذلك قطع لما أمر الله به أن يوصل! وبمفهوم هذا السفه الجهول علا صراخ بعض المتهوسين من الرجال والنساء- فى المجتمع الإسلامى- ممن يحملون- كذبا وادعاء- رايات الإصلاح، ويدّعون- زورا وبهتانا- أنهم صوت العصر، ووجه المدنية والحضارة! نعم، علا صراخ هؤلاء المتهوسين من الرجال والنساء، يتهمون الشريعة الإسلامية، بأنها تفرض على المرأة فى القرن العشرين، أسلوب الحياة البادية فى عصر الجاهلية الأولى، إذ تعطى الرجل هذا الحق الذي يتحكم به فى حياة المرأة بكلمة واحدة، يرسلها من فمه فإذا هى بالعراء، منبوذة نبذ النواة، وإذا هذا العش الذي كانت تأوى إليه، وتجد فيه السكن والاستقرار قد عصفت به عاصفة مدمرة، فذهبت به، وبددت شمله الجميع! وكذبوا وضلّوا! فما جاءت شريعة الإسلام هنا إلا بالدواء الناجع، والرحمة الراحمة لحياة مريضة، وداء عضال، لا يجد أصحابه للحياة طعما، ولا للراحة سبيلا..! إن الشريعة الإسلامية لم تفرض الطلاق فرضا، ولم تجعله واجبا يؤديه الرجال ابتغاء المثوبة والرضوان.. بل هو فى شريعة الإسلام أمر كريه مبغّض، لا يجيئه المرء إلا مكرها، ولا يلجأ إليه إلا مضطرا.. وحسبه شناعة وضلالا أن يقول فيه النبي الكريم: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» . فالأصل فى شريعة الإسلام أن تقوم الحياة الزوجية بين الزوجين على

أساس الاستمرار والدوام إلى آخر العمر المقدّر لها.. ما دامت الحياة تجرى بهما فى مجراها الطبيعي، وما دام الوفاق والإلف بينهما قائما.. وليس يعقل- والأمر كذلك- أن تجىء شريعة- سماوية أو وضعية- فتدعو إلى الفرقة بين الزوجين، ولو فعلت- ولن تفعل- لما وجدت من يسمع أو يجيب! ولكن هل من طبيعة الحياة أن تلزم الأزواج- فى جميع الأحوال، وعلى امتداد الأزمان- أن يجمعهما الوفاق وألا يقع بينهما خلاف، وألا يتحول هذا الخلاف إلى عداوة، ثم لا تكون هذه العداوة جحيما يحترق به الزوج والزوجة معا؟ وإذا كانت الحياة بين الأزواج والزوجات- فى غالبيتها وعمومها- تسير فى مجرى طبيعى من مبدئها إلى نهايتها، فهل يمنع هذا من أن تكون هناك- وفى أعداد غير قليلة- علاقات زوجية مفككة الأوصال، واهية العرى، تنعقد على سمائها سحابات ممطرة دائما بشتى الآلام وصنوف العذاب؟ إن ذلك أمر واقع لا ينكره أحد، حتى أولئك الذين يصرخون فى وجه الشريعة الإسلامية، من غير المسلمين أو المحسوبين على الإسلام، وينددون بأحكام الطلاق فيها.. وإن كثيرا منهم- من رجال ونساء- عاشوا فى هذه التجربة، أو هم يعيشون فيها، ولكنهم مع هذا يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم! ونسأل: ماذا يكون الرأى والتدبير فى أمر هذا الخلاف الذي يقع بين زوجين، فيحيل حياتهما على هذا النحو الذي رأيناه؟ أيتركان هكذا يكيد كل منهما كيده لصاحبه؟ أيقطعان الحياة معا فى هذا الصراع الظاهر والخفي، حتى يقضى أحدهما على صاحبه؟ وماذا يظن بأخوين استحكم بينهما الشر

فالتقيا بسيفيهما، يريد كل منهما أن يقتل الآخر، وهما فى مكان مطبق عليهما وليس لهما من منفذ ينفذان منه؟ إنه لا بد أن تقع الجريمة، وتزهق روح أو روحان! وشواهد هذا كثيرة فى محيط الجماعات التي حرّمت الطلاق.. فما أكثر المآسى والفواجع، وما أكثر الويلات والمصائب التي امتدت آثارها فجاوزت الأزواج إلى المجتمع كله، وأشاعت فيه الفساد والانحلال، وأقامت الحياة الزوجية على دخل وفساد ونفاق!! وما كان لشريعة الإسلام- وقد جاءت لتسع الحياة الإنسانية كلها، فى امتداد أزمانها- ما كان لشريعة الإسلام- وتلك رسالتها- أن تغمض العين عن هذا الواقع من الحياة، وأن تدع داء كهذ الداء يأكل الناس فى غير مرحمة، ويقيم فى المجتمع صداعا حادا تتصدع به الأخلاق، وتفسد معه الضمائر، وتروج به سوق الكذب والنفاق! فكان عن تدبير الشريعة الإسلامية الحكيم أن رصدت لهذا الداء الذي يدخل على الحياة الزوجية ويفسد المشاعر التي بين الزوجين- الدواء الناجع، وهو فصم تلك الحياة بالطلاق، وإطلاق كل من الزوجين من هذا الوثاق الذي يشدّهما، والذي كان يوما ما داعية بهجة ومسرة، فأصبح سبب عذاب وبلاء! إن «الطلاق» شرّ.. ولكنه شر لا بد منه، إذ يدفع به ما هو أكثر منه شرا.. والشرّ حين يدفع به شر أعظم منه يكون رحمة، ونعمة! وبعض السمّ ترياق لبعض ... وقد يشفى العضال من العضال

هكذا ينظر الإسلام إلى الطلاق.. إنه أمر مكروه، ولكنه مع كراهيته قد يركبه المرء مضطرا ليسلم، ولو بفقد عضو عزيز عليه من أعضائه! يقول نبىّ الإسلام صلوات الله وسلامه عليه: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» فهو- مع أنه رخصة- بغيض كريه، لا يقدم عليه المرء إلا مضطرا، ولا يتناوله إلا مكرها، شأنه فى هذا شأن المحرمات التي أباحتها الشريعة فى أحوال الاضطرار، كالخمر، والميتة والدم، ولحم الخنزير، وغير ذلك مما تتقذره النفس وتعافه- فإنه عند المخمصة، وتعرض الإنسان للهلاك، قد أبيح أكلها، والأخذ منها بالقدر الذي يحفظ الحياة، ويدفع التلف.. والله سبحانه وتعالى يقول: «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ذلك هو «الطلاق» فى شريعة الإسلام، دواء مرّ، يطبّ به لداء موجع، وطعام خبيث، يدفع به جوع قاتل! وإذا كان بعض الجاهلين والحمقى، وذوى الجرأة على دين الله، قد ترخّصوا فى هذه الرخصة، واستخفوا بأمر الله فيها، فجاوزوا الحدود، واستباحوا الحرام فى غير اضطرار، فليس ذلك بالذي يحسب على الإسلام ولا بالذي يشوّه من جلال أحكامه، وينال من حكمة شريعته.. فالتشريع شىء، والمشرّع له شىء آخر إذ ليس هناك من قوة تحجز الناس عن مخالفة الشرع، ومجاوزة حدوده! «وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ» (29: الكهف) إنّ أكثر الذين ينظرون إلى «الطلاق» وتعلوا صيحاتهم فى وجهه، لا ينظرون إليه فى الشريعة التي حملته وحددت حدوده، ورسمت معالمه، وإنما ينظرون إلى من جهلوه، أو تجاهلوه، فعبثوا به، واتخذوا دينهم لهوا

ولعبا، فطلقوا فى غير حرج أو تأثم، وفى غير اضطرار لدفع بلاء، والتماس نجاة وعافية!. وقد نبهت الشريعة فى أكثر من موضع إلى قداسة الحياة الزوجية وحرمتها، وعملت على تغذية المشاعر الإنسانية بين الزوجين، بآدابها وأحكامها، وجعلت من الزوجين كيانا واحدا، يغتذى من نبع واحد، هو المودة والرحمة.. فقال تعالى: «وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً» (21: الروم) وقال سبحانه: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها» (1: النساء) . ويتجه الإسلام إلى الأزواج الذين فى أيديهم عقدة النكاح فيدعوهم إلى الصبر والأناة، واحتمال ما يقع من مكروه فى الحياة الزوجية، رجاء أن ينجلى هذا المكروه، وتنقشع سحبه، ويعود إلى الحياة الزوجية صفاؤها، وجمالها، بل ربما كان هذا المكروه هو ضرورة لازمة لتلك الحياة، حيث تنصر فيه الآلام، وتشتد العزائم، وينكشف لكلا الزوجين معدن صاحبه، وربما تكشف عن جوهر نفيس، كان خافيا فى ظلال هذه الحياة الساكنة، فلما ماجت أمواجها بين مد وجزر، ظهر ما كان يكمن فى أطواء النفس من خير كثير.. وفى هذا يقول الله تعالى مخاطبا الأزواج فى شأن النساء: «وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً» (19: النساء) . فأى عدل بعد هذا العدل؟ وأي رحمة بعد تلك الرحمة؟ فى هذا التشريع السماوي الذي لا تقوم الحياة الزوجية على دعائم سليمة إلا إذا كانت تلك

الشريعة شأنا من شئونها، وحالا من أحوالها، ودواء عتيدا، يستطبّ به عند الحاجة، ويؤخذ منه بالقدر المطلوب.. جرعة، جرعة، فإن ذهب هذا الدواء بالداء فى المرة الأولى، لزم التوقف والإمساك، وإلا كانت الجرعة الثانية، فإن كان فيها الشفاء، وإلا فالثالثة، ولا بعدها! فقد عظم الداء ولا أمل فى الشفاء! وقوله تعالى: «الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ» بيان لإجراء عملية الطلاق. وكلمة الطلاق: لفظ ينطق به الزوج فى مواجهة الزوجة أو بعلمها به علما متيقنا نافيا للظن، مرادا به فصم عرا الزوجية.. وكل لفظ يؤدى هذا المعنى هو طلاق.. أما إذا وقع على غير تلك الصورة فلا يعتدّ به، ولا يحمل على محمل الجدّ فى فصم علاقة أراد الله لها الاستقرار والتمكين. ثم هو «مرّتان» أي عمليتان، أو عملية على مرحلتين.. ومن هنا كان القول بالطلاق جملة فى لفظة واحدة، قولا بعيدا عن منطوق الآية، مجانبا الصواب والحكمة اللذين هما مناط كل حكم من أحكام الشريعة. ولفظ «مرّتان» دال دلالة صريحة فى منطوقه ومفهومه على التكرار، مرّة ثم مرة.. وإذا طلق الرجل للمرّة الأولى، فإنه يدخل فى تجربة نفسية وروحية وجسدية لأول مرة فى حياته مع المرأة التي اتخذ هذا القرار بشأنها. وفى هذه التجربة تعرض له خواطر وصور، وربما امتد نظره فرأى طريقه موحشا مقفرا بغير هذا الرفيق الذي كان يصحبه، وهنا كان من حكمة التشريع أن أعفاه من مغبة هذه التجربة، فجعلها له، يتعرف بها على ما هو مقدم عليه، فيقدم أو يحجم، بعد اختبار وتجربة..

وللمرأة ما للرجل فى هذه التجربة، إذ تعرف حالها بعد هذا الموقف، وتدبر أمرها على ضوئه، وربما كان فى سلوكها وعنادها ما حمل الزوج على أن يقدم على هذا الذي أقدم عليه، فتراجع نفسها، وتصلح من أمرها، وتسترضى زوجها.. فيكون الوفاق والوئام!. وللمرأة والرجل معا خير كثير فى هذه المهلة. ذلك أنه إذا لم يكن عندهما من الرأى والحكمة ما يجمعهما على الوفاق، كان فى نصح الناصحين لهما من الأهل والأقارب والأصدقاء، ما يبصرهما بالخير، ويكشف لهما ما غاب عنهما من رشد، وما عزب من رأى. هذه مرحلة أولى، من مراحل الطلاق، وللرجل أن يراجع زوجه خلال فترة العدة، فإذا انتهت العدة دون مراجعة بانت منه زوجه بينونة صغرى، وصارت المرأة أجنبية عنه، لا تحلّ له إلا بعقد ومهر جديدين، برضاها أو رضى وليّها. وسواء أعاد الرجل زوجه إليه بالمراجعة، أو بعقد ومهر جديدين، فقد حسبت عليه تطليقة.. فإذا عاد الرجل وطلق هذه الزوجة مرة أخرى.. كان له أن يراجعها ما دامت فى العدة، فإذا انتهت العدة دون مراجعة صارت المرأة أجنبية عنه، وكان له أن يعيدها إليه بعقد ومهر جديدين، وبرضاها أو رضا وليها أيضا.. وحسبت عليه تطليقة أخرى.. أي أنه يكون فى تلك الحال قد أوقع على زوجه تلك، تطليقتين! وهنا تصبح الحياة الزوجية بينهما واقعة تحت الحكم الوارد فى قوله تعالى: «فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ» .. حيث كان ما جرى بين الزوجين غاية ما يمكن أن يصلح به شأنهما، إن كان هناك سبيل للإصلاح والاستقرار! بمعنى أنه إذا طلق الزوج زوجه هذه، بعد ذلك، كان هذا الطلاق خاتمة المطاف فى تلك الدورة للحياة الزوجية بينهما، وتصبح المرأة بمجرد وقوع هذا الطلاق

محرّمة عليه، بائنة بينونة كبرى، فلا تحل له، حتى تنكح زوجا غيره ثم يطلقها ذلك الزوج، أو يموت عنها، وتنتهى عدتها وهذا ما يقرره قوله تعالى: «فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ.. الآية» والمراد بالطلقة هنا، الطلقة الثالثة. وقوله سبحانه: «وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» . بعد أن بيّن الله سبحانه وتعالى الطريق الذي يسلكه أولئك الذين تنتهى حياتهم الزوجية بالطلاق- بيّن أسلوب العمل فى تسوية ما بين الزوجين من علاقات مادية، كانت قائمة بحكم الرابطة الزوجية بينهما. فهناك المهر الذي قدّمه الرجل للمرأة، وهو ملك خالص للمرأة للدخول بها، ولا يحق للرجل أن يسألها شيئا منه.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى «وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً» ولكن قد تكون المرأة متضررة بالحياة الزوجية، كارهة لها، غير محتملة أعباءها، والرجل حريص عليها، محبّ لها.. هو يريدها وهى لا تريده. وأما وقد أصبحت الحياة الزوجية على هذا الوضع المضطرب القلق، وأما والمرأة هى صاحبة المصلحة المحققة فى قطع هذه الحياة الزوجية، فإنه لا بأس من أن تفتدى نفسها بشىء مما فى يدها من المهر الذي قدمه الزوج لها.. وفى هذا الذي يأخذه الرجل منها، تعويض له عن بعض ما ذهب منه، على حين تنال المرأة خلاصها، وتدير وجهها على الوجه الذي تحب.. وهذا ما يشير إليه الاستثناء الوارد على الحكم فى قوله تعالى: «تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً.. إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ» . والحياة الزوجية المضطربة لا يمكن أن تظل هكذا وتقام فيها حدود الله.

آية: (230) [سورة البقرة (2) : آية 230]

وإنه لا جناح على كل من الرجل والمرأة أن يتصالحا على فدية تقدمها المرأة ليفصما بها علائق الزوجية وهذا ما يسمّى بالخلع. وعلى هذا فإنه يجوز للمرأة أن تطلب الطلاق، وأن تجاب إلى هذا الطلب إذا نزلت للزوج عن مهرها. وقد طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم «جميلة» امرأة الصحابي الجليل «قيس بن ثابت» .. ففى الحديث أن جميلة امرأة قيس بن ثابت جاءت إلى النبىّ صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، لا أجد فى قيس بن ثابت عيبا من خلق أو إيمان، ولكنى لا أجد فى طوقى مجاراته «1» ، فسألها النبىّ صلى الله عليه وسلم: «هل تعيدين إليه حائطه؟ «2» » فقالت: نعم.. فأمر النبي بردّ الحائط إلى قيس بن ثابت، وتطليقها! وقوله تعالى «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» تنبيه إلى أن هذه الأحكام قائمة داخل حدود الله، وأن التزامها واجب، وأن مجاوزتها هو عدوان عليها.. «وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» آية: (230) [سورة البقرة (2) : آية 230] فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230)

_ (1) أي فى انقطاعه عن الدنيا (2) الحائط: البستان الذي أقيم حوله سور «حائط» وكان قيس قد أصدقها هذا البستان.

بينت الآية السابقة حدود الطّلاق، وأنه مرّتان تنتهى بعدهما علاقة الزوجية بين الزوجين، ويصبح كل منهما أجنبيا عن الآخر، وقد أشارت الآية السابقة أيضا إلى ما انتهى إليه الموقف بعد هذا، فقال تعالى «فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ» أي رجعة بعقد ومهر جديدين، أو التطليقة الثالثة. وفى هذه الآية يبين الله تعالى الموقف بين الزوجين بعد أن ينتهى الأمر بينهما إلى التطليقة الثالثة، حيث يقول سبحانه: «فَإِنْ طَلَّقَها» أي الطلقة الثالثة- لفظا أو حكما- «فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ» أي تصبح هذه المرأة أكثر من أجنبية عنه، فليس له أن يتقدم إلى خطبتها إلا بعد أن تتزوج غيره ثم يطلقها ذلك الغير، ثم تنقضى عدتها من ذلك الغير، وعندئذ فقط يحلّ له أن يخطبها، بعقد ومهر جديدين. وقوله تعالى: «فَإِنْ طَلَّقَها» أي الزوج الآخر «فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا» أي يراجع كل منهما الآخر فى الزواج وإعادة الأمور بينهما إلى ما كانت عليه.. «إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ» أي إن غلب على ظنهما أنهما سيعودان إلى الحياة الزوجية السليمة، بعد أن يعزلا عنها ما كان سببا فى الخلاف الذي نجم عند الانفصال بينهما، فتقوم الحياة الزوجية بينهما على الحدود التي رسمها الله للزوجين.. «وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» فيفيدهم العلم ويعملون به، ويقيمون سلوكهم عليه. وفى قوله تعالى: «حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ» فوق أنه تأديب للزوج، فيه إثارة لحميته، وبعث لغيرته أن تصبح هذه التي كانت زوجا له وحرما غير مباح من حرماته- أن تصبح ليد غيره، حمى مستباحا له، محرّما على غيره، وعلى هذا الذي كانت له من قبل.. وفى هذا ما يبعث فى الزوج رغبة فى إمساكها قبل

الآية: (231) [سورة البقرة (2) : آية 231]

أن تخرج من يده فيراجعها قبل الطلقة الثالثة.. ولا شك أن هذا الموقف له أثر كبير فى الحرص على الحياة الزوجية، وفى حمل الأزواج على مراجعة زوجاتهن، إن لم يكن ذلك فى كل الأحوال، فهو فى كثير منها. الآية: (231) [سورة البقرة (2) : آية 231] وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) أشار سبحانه وتعالى فى الآية (229) فى قوله سبحانه: «الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ» إلى الموقف الذي ينبغى أن يلتزمه الرجل من زوجه إن طلقها للمرة الثانية، وهو إما أن يمسكها على نية خالصة وقلب سليم، ورغبة صادقة فى أن يقيم الحياة الزوجية معها كما أمر الله، من إحسان ومودة، وإما أن يرسلها ويخلى سبيلها، لتستقبل حياتها الجديدة كما تريد. وفى هذه الآية تحذير آخر للأزواج، وما تنعقد عليه قلوبهم تجاه الزوجات اللائي طلقن الطلقة الثانية.. إذ الزوجة فى تلك الحال صالحة لأن يراجعها زوجها، وأن يعيدها إليه بعقد ومهر جديدين، وقد تستجيب الزوجة لهذا وفى ظنها أن رجلها قد عاودته الرغبة فيها وفى السّكن إليها، وقد يكون الرجل على نية غير هذا، إذ يعيدها إليه للمضارّة بها، وليخضعها لضروب من الضرّ

الآية: (232) [سورة البقرة (2) : آية 232]

والأذى.. وهذا مما لا يعلمه إلا الرجل وحده.. فجاء قول الله سبحانه: «وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا» خطابا موجها إلى ضمائر الرجال، وما انطوت عليه، وما بيتته من خير أو شر فى إمساك زوجاتهن، فالله سبحانه وتعالى مطلع على السرائر، لا تخفى عليه خافية، فمن بيّت الشرّ، ورمى بالضرّ والأذى، فقد ظلم نفسه، ووضعها موضع الحساب والعقاب: «وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» لأنه عبث بآيات الله، واتخذ الرخصة التي جعلها الله له فى مراجعة زوجه والتي من شأنها أن تصلح ما أفسد- اتخذها وسيلة لمزيد من الإفساد. قوله تعالى: «وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ» ونعمة الله هنا هى المرأة التي جعلها الله سكنا لزوجها، ومن تمام هذه النعمة أن أتاح الله المزوج فرصة مراجعتها وإمساكها بعد أن قطع حبل الزوجية مرة ومرة، فإذا أعادها إليه فليذكر أنها نعمة فى يده، فلا يطلقها من يده مرة أخرى!! الآية: (232) [سورة البقرة (2) : آية 232] وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (232) فى الآية السابقة (230) نبه الله سبحانه وتعالى الأزواج الذين طلقوا للمرة الثانية وأرادوا مراجعة زوجاتهن- أن يكونوا جادّين فى مراجعتهنّ، يريدون منها الخير والإصلاح، وإلا فقد تعرضوا لغضب الله وباءوا بسخطه. وفى هذه الآية يحذر الله سبحانه أولياء هؤلاء المطلقات من أن يكونوا

حجر عثرة فى طريق المراجعة بين المطلقة ومطلقها، وأن يمسكوا المطلقات عن أن يعدن إلى أزواجهن مرة ثانية بعقد جديد ومهر جديد، فإن فى هذا إضرارا بالزوجة من حيث يقدّر وليّها أنه إضرار بالزوج وحده.. فإذا تراضى الزوجان وقدرا أنهما قادران على بناء الحياة الزوجية من جديد، كان على وليّها أن يستجيب لهذه الرغبة.. وفى هذا يقول الله تعالى: «وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً» . وقوله تعالى.. «ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» تنبيه لأولياء الزوجات إلى ما قضى الله به فى هذا الموقف. وهو قوله: «وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً» وقوله: «فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ» فمن آمن بالله واليوم الآخر لم يكن له أن يعطل حكما من أحكام الله، وأن يقيم لذلك المعاذير الواهية والعلل الكاذبة. وقوله سبحانه: «ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ» إشارة إلى الوقوف عند حدود الله وأحكامه فى موقف الأولياء من المطلقات اللاتي يرغب أزواجهن فى مراجعتهن، ثم هو من جهة أخرى لفت لهؤلاء الأولياء إلى أن مراجعة الزوج لزوجه وإمساكها فى بيت الزوجية خير لها من أن تعيش من غير زوج أو أن تتزوج رجلا آخر، ففى الحالة الأولى لا تكون المرأة بمأمن من أن تزلّ وتنحرف، وفى الحالة الثانية تنكشف المرأة لرجل آخر، وهو وإن كان حلالا مباحا إلّا أن فيه شيئا ما يخدش به حياء المرأة الحرة، ويتأذى منه وليّها الرجل! وخير من هذا كلّه أن تعود المرأة إلى زوجها الذي عرفها وعرفته! «ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» أي أن الله سبحانه يعلم من عواقب الأمور ما لا تعلمون، وأن عضل المطلقة التي ترغب فى العودة إلى زوجها يخفى وراءه أضرارا ومآثم لا يعلمها إلّا علام الغيوب.

الآية: (233) [سورة البقرة (2) : آية 233]

الآية: (233) [سورة البقرة (2) : آية 233] وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233) التفسير: بيّن الله فى الآيات السابقة أحكام الطلاق وحدوده، والأخلاقيات التي ينبغى رعايتها فيه. وفى هذه الآية يبيّن الله أحكام الرضاع، لمن كان ثمرة الحياة الزوجية من بين وبنات. والوالدة هى التي تتولى إرضاع ولدها، إذ هى أولى به، رعاية للمولود، وصيانة لحياته، إذ كان لبن الأم وحنانها ورعايتها فى تلك المرحلة من حياته مما لم يكن ممكنا أن يعوض من امرأة أخرى غيرها. وقد جاء هذا الحكم: «وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ» فى صورة الخبر ولكنه يحمل فى طياته الأمر والإلزام، فهو خبر وأمر معا، حتى لا يكون على سبيل الواجب الذي لا فكاك للمرأة عنه من جهة، وحتى لا تتحلّل منه المرأة من غير ضرورة، من جهة أخرى.. وبين هذين الموقفين يقع الحكم.

ثم إنه لم يجىء الأمر على سبيل الوجوب والإلزام، لأن عاطفة الأم فى غنى عن أن يعطفها على وليدها أمر، وإنها لن تتخلّى عن هذا الواجب الطبيعي إلا إذا كانت تحت ظروف أكبر من عاطفتها، فكان من تدبير الحكيم العليم أن جعل ذلك حقّا لها فى الجانب الخبرى من الحكم، وجعله أمرا متوجها إلى الآباء فى الجانب الأمرى منه!! وقوله تعالى: «حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ» بيان للمدة اللازمة لفطام الصبىّ، وليس هذا التحديد على سبيل الوجوب، بل هو محكوم بتقدير حال الرضيع وحاجته، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ» .. وفائدة هذا التحديد ليضمن للأم حقّا فى مدة الرضاع وهى سنتان، وقد لا تكون كلها لإرضاع الوليد، ولكن لمعالجة حاله بعد فطامه، وأخذه بالحياة المناسبة له بعد الفطام، وجعلها عادة له، حتى إذا بعد عن أمّه كان من الممكن تدبير شئون حياته. قوله تعالى: «وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ» حكم على الآباء بالنفقة الواجبة للأم المرضع، فى مدة إرضاعها، وهذه النفقة هى مما يكفل للأم الحياة المناسبة من مسكن ومطعم وملبس.. على اختلاف فى النوع والقدر، حسب يسر الوالد وإعساره. وقوله تعالى: «لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها» رفع للحرج عن الآباء فى النفقة الواجبة للأم، فلا يتكلف لها الأب ما لا يطيق، ولا يحمل منها على ما يكره.. بل يطلب منه ما يقدر عليه، حسب يسره وإعساره، وفى هذا يقول الله تعالى: «لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً» (7: الطلاق)

وقوله سبحانه: «لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ» بيان لقوله سبحانه «لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها» فكما لا يجوز أن يرهق الأب من أمره عسرا فى النفقة على المولود، كذلك لا يجار على حق الأم فى النفقة المطلوبة لها من والده.. فلا يكون الولد وهو نعمة من نعم الله على الوالدين، سببا فى شقاء أحدهما وتعاسته. وقوله تعالى: «وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ» أي وعلى وارث الأب أن يتكفّل فى مال مورّثه ما يكفى حاجة الأم من مسكن وملبس وطعام، بالقدر الذي يتحمله ما ورث المولود من والده، فإن يكن المتوفى لم يترك شيئا، أو ترك ما لا يكفل حاجة الأم، كان على وارثه القيام بهذا من مالهم، حسب درجتهم فى القرابة، وحسب يسرهم وعسرهم. وقوله تعالى: «فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما» أي إن أراد الوالدان فطام الصبىّ قبل عامين فلا جناح عليهما بعد أن يتشاورا ويتراضيا على ما فيه من مصلحة المولود. قوله تعالى: «وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ» أي وإن أردتم أن تطيلوا مدة الرضاعة بعد العامين، وذلك لما يبدو من حال الطفل ومن حاجته إلى التغذية بيد أمه، كما كان يتغذى من ثديها.. فلا حرج فى هذا. فكلمة استرضاع تشير إلى مدّ فترة الرضاع، وذلك بكثرة حروفها، وامتداد جرسها.. ثم إنها تفيد لونا آخر غير الرضاعة المعروفة، وإن كان من جنسها، وطبيعتها! وقوله تعالى: «إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ» أي لا جناح عليكم أيها

الآية: (234) [سورة البقرة (2) : آية 234]

الوالدون أن تطيلوا مدة الاسترضاع إذا أديتم ما وجب عليكم من كفالة حاجة الأم، أداء لا حيف فيه، ولا مطل معه. وقوله سبحانه: «وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» تذكير بالله فى هذه المقامات، لرعاية أحكامه، وتوقيرها، والوفاء بها، فإن عين الله الله لا تغفل، وعلمه لا بعزب عنه شىء! الآية: (234) [سورة البقرة (2) : آية 234] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) التفسير: هذا حكم المرأة المتوفى عنها زوجها فى عدتها، فتعتد أربعة أشهر وعشر ليال.. هذا إذا لم تكن حاملا وامتد حملها إلى ما بعد هذا الأجل، فعدتها حينئذ وضع حملها. والخطاب هنا موجه للأزواج الذين يتوفون ويتركون زوجات لهم.. فكيف يخاطب الأموات؟ والسر فى هذا هو بعض إعجاز القرآن الكريم، ذلك الإعجاز الذي تحمله كل كلمة من كلماته، بل وكل حرف من حروفه. فهذه العدة التي تعتدها المتوفّى عنها زوجها إنما هى رعاية للحياة الزوجية التي انقطعت بموت الزوج، وهى توقير لقداستها وحرمتها.. ومن حق هذه الحياة أن تظل حية فى نفس الزوجة، وأن يظل الزوج المتوفى ماثلا فى خيالها، حاضرا فى خاطرها! ثم إنها- أي العدة- من جهة أخرى مجاوبة لمشاعر أهل الزوج، ومشاركة عملية فى الأسى على فراقه.

من أجل هذا كان حكم العدة هنا موجها إلى المرأة فى مواجهة الزوج، وكأنه حاضر يشهد مدى رعايتها للعلاقة التي كانت بينه وبينها. ولهذا ينبغى للمرأة خلال هذه العدة ألّا تتزين زينتها للزوج، وألا يبدو منها ما ينم عن نسيانها لهذه الذكرى، فذلك أقل ما يجب أن يكون منها! وللزوجة على الزوج مثل هذا الحق، وإن لم توجبه الشريعة حكما، فقد أشارت إليه من طرف خفى، فى هذا الحكم الذي فرضته على الزوجة فى مواجهة زوجها، إذ حين يرى الزوج أن زوجه سوف تلتزم بنوع من الأسى عليه والحزن لفراقه، يجد فى نفسه مثل هذا الشعور نحوها حين تسبقه هى إلى الدار الآخرة. والأمر فى ذاته ليس فى حاجة إلى تشريع، ولكن لما كان بعض المتوفّى عنهن أزواجهن يذهب بهن النزق والطيش إلى قطع علائق الزوجية وآثارها من أول يوم يغيب فيه الزوج عن شخصها، وفى ذلك ما فيه من اعتداء على حرمة تلك الرابطة المقدسة، واستخفاف بشأنها، الأمر الذي إن ترك هكذا سرت عدواه فى المجتمع، وصار تقليدا سيئا، يدخل الضيم على العلاقات الزوجية، ويذهب بجلالها! فكان لا بد من وضع حد لهذا الاستهتار، حماية الحياة الزوجية منه، حتى بعد انقطاعها. وقوله تعالى: «فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ» بيان للجانب الآخر من جانبى المرأة وموقفها من الرجل بعد موته- فإنه كما تكون هناك بعض الزوجات غير آبهات إلى فقد الزوج، ضائقات بهذه العدّة التي فرضتها الشريعة عليهن، فإن بعضهن لأخريات قد يذهب بهن الأسى والوحشة، إلى زمن أبعد من هذا الزمن، الذي حددته العدة لهن، فتظل

الآية: (235) [سورة البقرة (2) : آية 235]

عاما أو أعواما تحيا فى ذكرى زوجها الذي ذهب، وإنه لا حرج عليها فى هذا إذا هى وقفت فى ذلك الحزن والأسى عند الحد الذي لا يخرج عن المعروف المعقول. وفى قوله تعالى: «فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ» قد يكون الخطاب للأزواج الغائبين ليذكر الزوجات اللاتي يخرجن بهن الأسى والحزن عن حد الاعتدال أنّ فى هذا أذى للزوج، تتأذى به روحه التي تدرك الزوجة أنها قريبة منها، وقد يكون خطابا لأولياء الزوجات على نحو ما هو خطاب للأزواج المتوفّين! وفى قوله تعالى «بِالْمَعْرُوفِ» ضبط لمشاعر المرأة التي قد يستبد بها الحزن على زوجها إلى حد التلف.. وهذا شعور غير محمود، بل الشعور المحمود هو القائم على حدود المعروف من الطبائع البشرية فى مثل تلك الحال! الآية: (235) [سورة البقرة (2) : آية 235] وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235) التفسير: أباح الله سبحانه وتعالى للرجال الذين يرغبون فى زواج النساء اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن وهنّ فى العدة- إن يعرّضن بخطبتهن تعريضا لا تصريحا، وهذا من الرحمة واللطف بالمرأة، فهى وإن كانت فى فترة العدة إلا أنها مطلقة إطلاقا تاما من عقدة النكاح، ليس لزوجها المتوفى عنها

متعلّق بها، إلا هذه العدة التي تعتدها رعاية للرابطة الزوجية التي بينها وبينه، واستبراء لرحمها منه.. وهذا لا يمنع من أن تكون موضع نظر من يريد الزواج منها.. فقد يكون من العزاء لها أن تجد فى فترة الحزن والوحشة أملا يجىء إليها فى صورة زوج منتظر، بعد انقضاء عدتها! وإنه لكى لا يدخل على هذه العدة ما يجرحها ويذهب بحكمتها، فقد أبيح للرجل أن يعرّض بخطبة المعتدة لوفاة ولا يصرح بهذه الخطبة، فهذا التصريح يقضى على كل أثر لهذه العدة. وإنه لخير من هذا أن يضمر الرجل فى نفسه خطبة المعتدة لوفاة.. فذلك ما لا حرج فيه، ولا إثم فيه! وقوله تعالى: «عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً» أي علم الله أنكم لا تقدرون على كتمان ما فى أنفسكم، وسيجرى ذكرهن على ألسنتكم، وقد تجاوز سبحانه وتعالى لكم عن ذلك، ولم يبح لكم لقاءهن والتحدث إليهن فى تكتم وخفاء، فذلك مما يثير الشكوك والريب، ويجعل لألسنة السوء مقالا، فإذا كان لكم معهن حديث فليكن حديثا مشهودا ممن يؤتمن عليه، فيعرف ما يقال، ولا يدع سبيلا إلى قالة سوء. وقوله تعالى: «وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ» المراد بالكتاب هنا ما كتب على المرأة من عدّة، وأجل الكتاب عمره ومدته.. والآية تنهى عن المعالنة الصريحة، واتخاذ ما يدل على القطع بالرابطة الزوجية التي ستكون بين المعتدة المتوفى عنها زوجها وبين من يرغب فى الزواج منها، فذلك من شأنه- كما أشرنا إلى ذلك من قبل- أن يفسد الحكمة من هذه العدة، ويقضى على مظهر الرعاية لحرمة المتوفّى ولمشاعر أهله!

الآية: (236) [سورة البقرة (2) : آية 236]

وقوله تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ» رصد لما فى النفوس من وساوس وخواطر، ونيات منعقدة على الخير أو الشر، ومبيتة للإخلاص أو الخداع.. فالله سبحانه وتعالى مطلع على كل شىء، مجاز على كل شىء.. فليحذره أولئك الذين يدبرون السوء، وينوون الغدر.. وفى قوله سبحانه: «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ» دعوة إلى التسامح والمغفرة فى تلك الهنات التي تبدو من الزوجة، ووصاة بحمل هذه الهنات على محمل حسن، وألا يبادر المطلعون على هذه الهنات بإصدار أحكام الاتهام.. ولينظروا إلى مغفرة الله التي وسعت ذنوبهم. وإلى حلمه الذي أمهلهم فلم يمجل بأخذهم بها! الآية: (236) [سورة البقرة (2) : آية 236] لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) التفسير: تبين الآية الكريمة هنا حكم المرأة غير المدخول بها، وغير المسمى لها مهر، إذا أريد طلاقها. وأن شأنها فى الطلاق شأن المرأة المدخول بها والمسمى لها مهرا، فللزوج أن يطلّق إذا لم يكن له بد من الطلاق! وللمرأة المطلقة هنا نصف مهر مثلها، منظورا فيه إلى يسار الرجل وإعساره، فذلك مما يخفف عن المرأة من تلك الصدمة، ويضمد جراحها. وفى قوله تعالى: «مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ» ما يشير إلى تلك

الآية: (237) [سورة البقرة (2) : آية 237]

المواساة، التي ينبغى أن يسمح بها الرجل فى كرم ورضى، وأن يستدعى لها مروءته، ورجولته، ودينه، فلا يطعن المرأة هذه الطعنة، ثم لا يمد لها يد الرحمة والمواساة! إذ ليس ذلك من الإحسان فى شىء، والنبىّ الكريم يقول فى قتل الحيوان المؤذى: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة» ! فكيف بإنسان؟ الآية: (237) [سورة البقرة (2) : آية 237] وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) التفسير: إنّها المتعة المفروضة للمرأة المطلقة قبل الدّخول بها ولكن قد سمّى لها مهر! فلها نصف المهر المسمّى، للاعتبارات التي أشرنا إليها فى الآية السابقة. وقوله تعالى: «إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ» إشارة إلى أن هذا الحكم لا يمنع التراضي بين الزوجين، فإنه- مع هذا- يجوز للمرأة أن تنزل عن حقّها فى نصف المهر، فقد تكون فى سعة، ويكون الزوج فى حال يضيره فيه المهر الذي قدمه، فتعيده إليه، واضعة فى اعتبارها- إلى هذا الاعتبار- أن الزوج لم ينل شيئا منها، وأنه ربما اضطر إلى الطلاق لظروف خارجة عن إرادته.. فكان هذا الفضل منها داعية إلى الحفاظ على الروابط الإنسانية بينه وبينها، وبين أهله وأهلها، وربما كان ذلك داعيا إلى حسن الأحدوثة عنها والرغبة فيها من زوج آخر.. ولولىّ المرأة مثل هذا الحق الذي لها فى التنازل

الآية: (238) [سورة البقرة (2) : آية 238]

عن نصف المهر المسمّى. «أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ» . وقوله تعالى: «وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى» خطاب للأزواج، وتحريض لهم على التنازل عن نصف المهر من جهتهم، فتذهب المرأة بالمهر كلّه، وذلك على سبيل التسامح والتفضل. وبين التسامح من جهة الزوجة أو وليها، والتسامح من جهة الزوج، يلتقى الطرفان على طريق سواء، لا مشاحّة فيه، ولا كيد، ولا عداوة، فيفترقان من غير أن تتصدع روابط الإنسانية فى مجتمعهما الأسرىّ، الذي هو أساس البناء للمجتمع كله. وقوله تعالى: «وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ» دعوة للطرفين معا أن ييسّرا ولا يعسّرا، وأن يحسنا ولا يسيئا، فذلك هو الأقرب إلى التقوى، والأليق بالمتقين: «إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» فيجازى الفضل بالفضل والإحسان بالإحسان، أضعافا مضاعفة: «وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» . الآية: (238) [سورة البقرة (2) : آية 238] حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (238) التفسير: الدعوة إلى الصّلاة فى هذا المقام استحضار للدعوة الإسلامية كلها، وتذكير بالله، وبجلاله وعظمته ورحمته، وبما يبعث هذا التذكير فى نفس المؤمن من استجابة لأوامره، وامتثال لأحكامه، إذ كانت الصلاة عماد الدين، وأكثر العبادات أثرا فى تثبيت مغارس الإيمان، وفى النهى عن الفحشاء والمنكر، كما يقول سبحانه: «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ» (45 العنكبوت)

الآية (239) [سورة البقرة (2) : آية 239]

وقد اختلف فى الصلاة الوسطى على وجوه شملت الصلوات الخمس لمفروضة كلها، حيث لم تحددها الآية.. فالصلوات المفروضة خمس، وأي صلاة منها هى وسط بين اثنتين واثنتين! وقالوا فى تعليل إشاعة الصلاة الوسطى بين الصلوات الخمس: إن ذلك من جل أن يحرص المصلّى على الصلوات جميعها، وأن يؤدى كل صلاة منها على نها الصلاة الوسطى، فيحرص على أدائها جميعها فى وقتها، ويستحضر لها مشاعره كلها. وأقول- والله أعلم- إن الصلاة الوسطى هى الصلوات الخمس جميعها، وهى صلاة المسلمين، التي هى وسط بين الصلوات المفروضة على أهل الكتاب، كما أن الشريعة الاسلامية هى الشريعة الوسطى بين الشرائع السماوية، والأمة الإسلامية هى الأمة الوسط بين الأمم. والعطف على الصلوات بقوله تعالى «وَالصَّلاةِ الْوُسْطى» هو عطف بيان، والتقدير حافظوا على الصّلوات وهى الصلاة الوسطى، أي الصلاة المحمودة التي رضيها الله لكم على الوجه المفروض عليكم من عدد الركعات، والركوع والسجود. قوله تعالى: «وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ» أي استحضروا وجودكم كله عند الصلاة، وأدوها قياما فى خشوع، وخضوع، وسكون! الآية (239) [سورة البقرة (2) : آية 239] فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239)

الآيات: (240 - 241 - 242) [سورة البقرة (2) : الآيات 240 إلى 242]

التفسير: هذا بيان لصلاة الخوف، أو الصلاة فى غير حال السكن والاستقرار، كأن يصلى الإنسان فى طائرة، أو على ظهر دابة، أو فى مواجهة عدو.. والرّجال: هم المشاة، والركبان: هم الراكبون.. فليصلّ المصلّى فى مثل هذه الأحوال ماشيا أو راكبا.. وذلك حتى لا تفوته الصلاة على أي حال كان عليها! وفى هذا ما فيه من تعظيم شأن الصلاة، والحرص على أدائها فى أي ظرف، وفى أي حال.. حيث لا رخصة تدخل عليها بالإسقاط أبدا، إلا فى حال المرأة مدة الحيض. الآيات: (240- 241- 242) [سورة البقرة (2) : الآيات 240 الى 242] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242) التفسير: جاء فى الآية الكريمة (234) قول الله تعالى: «وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً» وقد قلنا إن توجيه الخطاب هنا للأزواج المتوفين يحمل دلالة على وثاقة الرابطة بين الزوجين، وقداستها، وأنها لا تنقطع بموت أحدهما. وفى هذه الآية (240) يجىء الخطاب أيضا إلى الأزواج المتوفّين، ليقيم

النفقة للمتوفى عنها، زوجها

بينهم وبين زوجاتهن صلة ممتدة إلى ما بعد الموت أيضا، ولكنها فى هذه المرة محمولة على الرجال، كما حمل الحكم فى الآية السابقة (234) على النساء، وهو أن يتربصن أربعة أشهر وعشرة أيام، حدادا على أزواجهن. والحكم المحمول على الرجال هنا هو أن يكون للمرأة المقام فى بيت الزوجية مكفولة النفقة عاما كاملا بعد وفاة الزوج، لا يعرض لها أحد بإزعاج من بيت الزوجية، مادامت راغبة فى السكن إليه. وفى قوله تعالى: «وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ» إشارة إلى أن هذه الوصية مفروضة بأمر الله، سواء أوصى بها الزوج قبل وفاته أم لم يوص، وعلى هذا نصب لفظ الوصية بهذا الأمر، على تقدير: فرضنا «وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ، مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ، غَيْرَ إِخْراجٍ» «ومتاعا» بدل من «وصية» و «غير إخراج» صفة لمتاع. النفقة للمتوفّى عنها، زوجها وللمفسرين رأى فى هذه الآية، وأنها منسوخة بآية المواريث، وما فرض للزوجة فيها من فريضة الربع أو الثمن. ونقول- والله أعلم-: إنه لا نسخ فى هذه الآية الكريمة، ولا تعطيل لحكمها، وحكمتها! ونسأل: لماذا هذا النسخ وما حكمته؟ ولماذا يحمل القرآن الكريم آية كريمة، متلوة، متعبدا بها، وتحمل حكما صريحا مؤكدا موثقا. ثم تجىء آية أخرى بحكم آخر يعطل هذا الحكم، ويبقيه هكذا، يعلن فى وجه المرأة سلب حكم كان فيه خيرا لها وبرّا بها؟ أهذا مما تقتضيه حكمة الحكيم العليم، فى حال كحال تلك المرأة التي ذهب عنها زوجها، وتركها تعانى الوحدة والوحشة، وربما الفاقة،

من بعده؟ وإذا كان من تقدير الله ألا يكون للمرأة مثل هذا الحق، أفكان من التدبير الحكيم أن يلوّح لها بهذا البر وتلك المواساة فى آية كريمة، ثم تحرمه وتذاد عنه بآية أخرى من آيات الكتاب الكريم؟ وإذا أقمنا الآية الكريمة على تلك الموازين التي يزن بها علماء التفسير ضوابط الناسخ والمنسوخ، نجد أن أهمّ الاعتبارات التي جاء من أجلها النسخ عندهم هى: 1- التدرج فى الأحكام، رحمة بالناس، وتخفيفا عليهم، وذلك حين يكون الحكم متعلقا بعادة متأصله فى النفوس، ثم تقضى الشريعة بتحريمه، فإنها حينئذ لا نفجأ الناس بهذا الحكم مرة واحدة، بل تدخل عليهم به على عدة مراحل، فى رفق وأناة، وفى تدرج.. من الخفيف، إلى الثقيل، إلى ما هو أثقل منه، كما حدث ذلك فى تحريم الخمر والربا، على ما يقولون فى الآيات الناسخة والمنسوخة فيها، وهو ما لا نقول به، كما عرضنا له من قبل. 2- التخفيف على الناس، مراعاة لتغير الظروف.. كما كان الأمر فى قتال المسلم عشرة من المشركين، وذلك فى أول الإسلام، فلما كثرت أعداد المسلمين، خفف الله عنهم، هذا فكان على المسلم قتال مشركين اثنين بدلا من عشرة. 3- تغليظ الحكم لا تخفيفه، وذلك لتغير الظروف أيضا.. فلم يكن على المسلمين قتال فى أول الدعوة الإسلامية، ثم لما دخل فى الإسلام الأنصار واجتمع إليهم المهاجرون أذن الله لهم فى قتال من قاتلهم.. ثم لما قويت شوكة الإسلام ودخل الناس فى دين الله أفواجا جاء الأمر بقتال المشركين متى طالتهم يد المسلمين. تلك هى أهم الضوابط التي رآها علماء التفسير داعية إلى نسخ ما نسخ من آيات الكتاب الكريم.

وإذا أقمنا الآية الكريمة- كما قلنا- على تلك الضوابط لم نجدها تستقيم عليها، أو تستجيب لها.. فما جاءت الشريعة السمحاء فى كتابها الكريم ولا فى السنّة المطهرة، بمباح ثم حظرته، ولا حملت إلى الناس خيرا ثم عادت فسلبته، ولا بسطت يدها الكريمة بإحسان ثم قبضتها.. بل العكس هو الصحيح، وهو الواقع.. ولا نسوق الشواهد لهذا.. فأمر الشريعة كله قائم على اليسر والخير والرحمة.. فما كان على غير هذه السبيل فهو مدخول على الشريعة، مفترى عليها. وننظر فى الآية الكريمة: «وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ» فنرى المرأة الموصى لها- بأمر الله- بهذه الوصية، قد كانت فى ظل زوج كفل لها الاستقرار والسّكن، وأنها قد اطمأنت إلى تلك الحياة، وأنست بها، وقرت فيها.. ثم إذا هى تمسى أو تصبح فتجد الرجل الذي كان يظللها بجناحيه قد طواه الموت، وذهب به بعيدا عنها إلى غير رجعة!! فانظر ماذا يكون حالها وهى تستقبل هذا الوجه الجديد من الحياة؟ ثم ضع فى تقديرك أنها ربما تكون قد استهلكت شبابها، وصحتها، وقواها، فى هذا البيت الذي دخلته فتاة ملء إهابها الشباب والصحة والقوة.. ثم ضع فى تقديرك أيضا أن هذه المرأة- مع ذهاب شبابها واستهلاك صحتها- قد لا تكون أمّا لولد يؤنس وحشتها، ويحمى حماها، ويرعى شيخوختها. انظر ماذا يكون من شأن هذه المرأة وقد جاءها من ورثة زوجها، عشيّة موته أو ضحاها- جاءها من يمسك بيدها لينتزعها من عشّها الذي عاشت فيه، ويقودها إلى ما بعد الباب، ثم يقول لها: «مع السلامة» ! إن رفق وتلطف،

أو «بلا رجعة» ! إن اشتدّ وعنف!؟ وفاعل هذه الفعلة، وقائل هذا القول لا يتأثّم أو يتحرج، لأنه يستعمل حقّا له، ولم ينتقص المرأة حقّا من حقوقها، لأنه يعلم- كما يقول المفسرون- أن الآية التي تعطى المرأة حق السكن والمتعة حولا كاملا، هى آية منسوخة، غير عاملة!!. وكلّا، فإن شريعة الإسلام أبرّ وأرحم من أن تعرّض تلك المرأة الجريحة لمثل هذه التجربة القاسية، وتلقى بها بين متلاطم أمواج الحياة قبل أن تندمل جراحها، وتجفّ دموعها، وتعتاد النظر إلى الحياة فى وضعها الجديد! ولقد كان من تدبير الشريعة الحكيم أن قدمت للمرأة فى هذا الحدث الأليم، جميل العزاء، ووضعت فى يدها حق القرار فى بيت الزوجية عاما كاملا، وكفلت لها من مال زوجها نفقة هذا العام على نحو ما كانت تعيش فيه مع زوجها، إن كان فيما ترك الزوج ما يسع تلك النفقة، فذلك هو الذي يمسك المرأة فى محنتها تلك. وذلك هو البرّ من جهة الورثة بمورثهم، إذ حفظوا أهله، وصانوا عرضه! وأكثر من هذا.. فإنه إذا لم يكن فيما ترك المتوفى ما يقوم بنفقة المرأة خلال هذا العام فإن ورثة الزوج، ورحمهم الماسّة به توجب على الموسر منهم أن يكفل للزوجة حاجتها من ماله.. فكما أنه كان سيرته إذا ترك مالا، فإن عليه أن يؤدى عنه دينا هو فى عنقه لزوجته! ذلك ما نراه أقرب إلى شرع الله، وأنسب لدينه الذي ارتضاه. ولا بد لنا من قولة فى هذا المقام. فلقد أعطى الإسلام المرأة كثيرا، وأضفى عليها حماية ورعاية، وجاءت

آيات القرآن الكريم توصى بالنساء فى كل دور من أدوار حياتهن، وفى كل موقف من موقفهن فى الحياة: أوصت بهن متزوجات، وأمهات، ورعتهن يتيمات، ومطلقات، وأيامى. وأعطتهن من الحقوق مثل ما عليهن من الواجبات كما يقول الله تعالى: «وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ» وكانت آخر وصاة للرسول الكريم، ختم بها رسالته العظيمة الرحيمة قوله: «اتّقوا الله فى الضعيفين: المرأة والمملوك» . إن الإسلام إنما جاءت رسالته لاستنقاذ المجتمع البشرى من عوامل التصدع والهدم التي كانت عاملة فيه، وهو من أجل هذا قد نفذ إلى الصميم من كيان هذا المجتمع. وهو الفرد الذي يتكون من وحداته المجتمع كله، فأخذ الفرد بآدابه وتعاليمه وأحكامه كى ينقّى جوهره، ويصفّى عناصره من من الشوائب والأدران، حتى إذا أصبح الفرد صالحا ليكون لبنة فى بناء المجتمع، كان أول تلاحم له فى هذا المجتمع هو وصله بالمرأة، ليكونا معا حجر الزاوية فى هذا البناء، وعلى قدر التحامهما وتماسكهما تكون قدرته على الصمود والاحتمال! فكيف يعقل والأمر على ما ترى أن يقيم الإسلام بناء يقوم على دعامتين، هما: الرجل والمرأة، ثم يجعل من إحدى هاتين الدعامتين قوة تتسلط على الأخرى، وتفتّت كيانها، وتغتال وجودها، وتأتى على عناصر التفاعل والالتحام المهيأة لتوليد القوة وبعث النشاط فى المجتمع البشرى كله؟ أهذا يكون من تدبير حكيم أو من عمل عاقل؟ يريد البناء فيهدم؟ ويغزل وينسج. ثم ينقض ما غزل ونسج؟ وإذا جاز هذا على أحد المخلوقين فهل يجوز هذا على رب العالمين وأحكم الحاكمين؟ وتعالت حكمة الله عن هذا علوّا كبيرا..

وفى القرآن الكريم، وفى السنة المطهرة- كما قلنا- منهاج متكامل حكيم لإقامة هذا البناء. وإحكام هذا النسج المتلاحم بين الرجل والمرأة، إذا استقام المجتمع الإنسانى عليه، ونسج على منواله. ولكن الذي حدث كان على غير هذا الاتجاه، إذ أنّ تفسير القرآن بدأ فى عصر كانت فيه المرأة قد أخذت وضعا جائرا فى المجتمع، لكثرة ما ازدحم فى عصور الخلفاء والأمراء والوزراء وأصحاب الجاه والثراء- من الإماء، اللائي غلبن على الحرائر، واستأثرن بالنصيب الأوفر عند الرجال، وبهذا صرن الوجه البارز للمرأة فى هذا العصر، فى حين أصبحت المرأة الحرة فى بيت الرجل شيئا كماليّا، لا يراد منه غير أن يكون للرجل امرأة، يكون له منها الولد أو الأولاد! وحين أخذ المفسرون ينظرون فى كتاب الله، وفى الآيات التي تمسّ المرأة، وتقرر الأحكام التي تربط بينها وبين الرجل، وتحدد مالها من حقوق وما عليها من واجبات- حينئذ كانت نظرة المفسرين إلى المرأة واقعة على هذه الصورة الشائهة لها، المعزولة عن الوضع الصحيح الذي أقامتها الشريعة عليه.. ومن هنا كان تأويل آيات الكتاب الكريم واقعا تحت هذا المفهوم الجديد للمرأة، متأثرا به، مقدورا بقدره! وقد جاء الفقهاء على آثار المفسّرين فنظروا من وراء نظرتهم، وبنوا أحكامهم على أساس تلك النظرة، فبخسوا المرأة حقّها وأزالوها عن تلك المنزلة التي رفعها الإسلام إليها، وأعادوها إلى أنزل من الوضع الذي كانت عليه فى الجاهلية. والشيء الذي يلفت النظر فى هذا هو أن كلمة المفسّرين الأولى فى تأويل كتاب الله كانت طريقا سلكه كل من جاءه بعدهم، فنظر بنظرهم، وأخذ

مأخذهم، إذ وجد من الحرج أن يعيد نظره فيما نظر فيه السلف، الذين كانوا أقرب إلى عصر النبوة وإلى تنسّم أنسامها الطيبة. والحقّ أن هذا الشعور قد حجز كثيرا من العقول عن أن تتصل بكتاب الله وبالسنة المطهرة اتصالا مباشرا، غير واقع تحت تأثير هؤلاء السّلف الذين اجتهدوا فأخلصوا الاجتهاد، ولكن لا عليهم أن يجتهد غيرهم، بل لم يكن فى تقديرهم أن يقولوا ثم لا يكون لغيرهم مقالا فيما قالوا! والسبب فى جمود التشريع الإسلامى، يرجع فى الواقع إلى هذا الشعور الذي دخل على العلماء والفقهاء من التزام الخطوة الأولى التي خطاها السلف فى طريق هذا التشريع، الذي كان من طبيعة الأمور ومن معطيات الأصول التشريعية له- أن تتبع هذه الخطوة بخطوات، ممتدة امتداد الزمن، متفتحة على مسالك الحياة، مسايرة لسيرها!! وأحسب أنه لو تخففنا من هذا الشعور إلى الحدّ الذي يسمح لنا بحرية الحركة، واستقلال النظرة لوحدنا بين أيدينا التشريع الإسلامى الذي يقيمنا على أوضاع سليمة مستقرة فى حياتنا المادية والروحية، وفى نظمنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولكانت صحبتنا للدين صحبة نأنس بها، ونطمئن إليها، ونثق فيها، ولذهب ما بيننا وبين الدين من جفوة، ولتحولت نظرتنا تلك الفاترة الضائعة فى اتصالنا به، إلى نظرة حيّة واثقة من أنها إنما تنظر إلى الحياة كلها، وإلى أجمل ما فى هذه الحياة، حين تنظر فى هذا الدين، وتقيم حياتها عليه! وأكثر من هذا- فإننا لو ذهبنا نأخذ شريعتنا من مصدرها الأول- الكتاب والسنة- لوجدنا أن كثيرا من القضايا الهامة فى حياتنا التي جاءت إلينا باسم الدين، وصارت وجها من وجوهه، ومادة من مواد دستوره،

الطلاق مثلا

لم تكن من الدين، وإنما وقعت من تأويلات، تحكّم فيها يومئذ واقع الحياة، وتحيف فيها المتأولون! إننا لو فعلنا هذا لأخر سنا تلك الألسنة التي ترمى الإسلام بالجمود والتخلف، وتحكم عليه بأنه دين الحياة القبلية، الذي لا يصلح لحياة المجتمع المتحضر، ولا يتفق والزىّ الذي يتزيا به إنسان القرن العشرين! الطلاق مثلا هو عند من يفهمون الإسلام هذا الفهم السقيم- لا يعدو أن يكون كلمة يتلفظ بها فى جد أو هزل، وفى صحو أو سكر، فإذا هى سيف قاطع يصيب المرأة فى مقتلها، وإذا هى جثة هامدة لا حياة فيها! وليس الطلاق هكذا فى شريعة الإسلام، ولا هو على تلك الصورة الهزيلة الباردة! الطلاق قضية: ونعم قضية.. مثيرة.. خطيرة.. لها شأنها ووزنها فى حساب الحياة، وفى بناء المجتمع الإنسانى! وبهذا الاعتبار، وعلى هذا التقدير، فإن أي انحراف يقع فى النظر إليها، أو أي سوء فهم يرد على تصورها، لا يصيب المرأة وحدها، وإنما تمتد آثاره السيئة إلى المجتمع كله، ونصيب الصميم من مركز القوة والحياة فيه. بهذا التقدير الحكيم كانت نظرة الإسلام إلى الطلاق.. إنه فى نظر الإسلام قضية من أهم قضايا المجتمع البشرى، بل هى عملية جراحية خطيرة يقتطع بها الإنسان بضعة منه، على تكره واضطرار. وقد رأينا فيما نظرنا فيه من آيات الكتاب الكريم فى شأن الطلاق كيف كانت نظرة الإسلام إلى الطلاق، وكيف كان تقديره له. فى كل مرحلة، وفى كل خطوة يخطوها الرجل نحوه..

وقد رأينا كذلك مفهوم قوله تعالى «الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ» وأشرنا إلى ما تشير إليه لفظة «مرتان» من أن الطلاق ليس مجرد تلفظ بكلمة الطلاق، بل هو عمليّة قاسية، وأنه ليس عملية واحدة، بل هو عمليتان موجعتان.. قلنا هذا أو نحوه وهو شىء قليل مما يمكن أن يقال! ولكن انظر كيف وقع مفهوم هذه الآية الكريمة فى العصر الذي أشرنا إليه، عصر تدوين التفسير، والفقه، وما كان لأحداث العصر من أثر فى إعطاء الآية الكريمة هذا المفهوم! كان الخلفاء يأخذون البيعة من الناس لأولياء العهد من بعدهم، لمن يختارونه من أبنائهم، وإنهم لكى يسدّوا على المبايعين منافذ التحلل من تلك البيعة، كانوا يوثقونهم بأيمان مغلظة لا يستطيعون الفكاك منها.. ومن هذه الأيمان يمين الطلاق! فكان فيما يحلف به المبايع أنه إن تحلل من هذه البيعة التي بايعها فكل نسائه طالق ثلاثا! على اعتبار أن التلفظ بأعداد الطلاق الثلاث مرة واحدة هو الطلاق الباتّ الذي لا رجوع فيه.. وبهذا تصبح المرأة طالقا بمجرد الحنث فى هذا اليمين.. وعلى هذا أصبح الحكم الشرعىّ للطلاق عموما هو أن يحسب الطلاق بالعدد الملفوظ به، طلقة واحدة، أو اثنتين، أو ثلاثة، وبهذا يمكن أن يقع الطلاق البات، وتنفصم عرا الحياة الزوجية فى لحظة واحدة بكلمة واحدة! وأغرب ما فى هذا المفهوم الخاطئ للطلاق، أنه يحتسب «الطلاق» يمينا يحلف به، مع أنه إجراء أو عملية، يتم بها الانفصال بين الزوجين، كما تم الاتصال بينهما بعملية مماثلة فى الزواج، وإن كانت عملية الاتصال بين طرفين، وعملية الانفصال من طرف واحد.. فذلك لا يعدو أن يكون فسخا من جانب واحد لعقدتم بين طرفين. وهذا أمر جائز فى بعض العقود، كعقد الهبة، وعقد الوصية.

ولا شك أن هذا المفهوم للطلاق بعيد غاية البعد عن ملفوظ الآية ومفهومها، مضاد كل التضاد للنظرة التي نظرت بها الشريعة إليه كدواء مر، لا يتجرعه الرجل إلا عند ما تعتلّ الحياة الزوجية، ويهدد الداء حياتها، عندئذ يجاء إلى هذا الدواء المر، ولكن لا يؤخذ منه إلا جرعة واحدة، فإن ذهبت بالداء، وإلا فالثانية، فإن لم يكن ثمة أمل فالثالثة.. ولا شىء بعدها! أرأيت إذن كيف كان أثر العصر الذي دوّن فيه تفسير القرآن فى تلوين هذا التفسير بلون الحياة الغالبة على الناس يومئذ، وفى تخريجه على نحو يستجيب لمنازع هذه الحياة، ولا يتصادم مع أحداثها! ولك أن تنظر بعد هذا فيما يقال من أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه هو الذي أفتى بهذه الصورة الكريهة التي يقع بها الطلاق مرة واحدة بلفظ واحد، وأنه ألزم المتلفظ بكلمة الطلاق أن يقع طلاقه بائنا بينونة كبرى إذا حملت اللفظة معها ما يدل على عدد الثلاث، كأن يقول: هى طالق- طالق، طالق، أو هى طالق ثلاثا.. أو يقع يمينى ثلاث طلقات إذا حدث كذا أو كذا ثم لم يحدث هذا أو ذاك! لك أن تنظر فى هذا الذي يقال عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فى أمر هذا الطلاق، وما يقام له من تعليل ينسب إلى عمر أيضا، وهو أن الناس استعجلوا أمرا كان لهم فيه أناة، فكان ذلك عقابا لهم! يا سبحان الله! أهذا عمر بن الخطاب، وهذا توقيره لدين الله، وحياطته له، وحرصه عليه؟ ومعاذ الله أن يستحلّ ابن الخطاب حرمة من حرمات الله، فيحل حراما أو يحرم حلالا!! أفلأن خرج بعض الناس على منهج الدين يلقاهم ابن الخطاب

بهذا الدين وقد غير لهم وجهه، وأدار لهم ظهره؟ وماذا لو رأى ابن الخطاب أن المسلمين قد أكثروا فى عهده من التزوج بالكتابيات، ورغبوا فيهن عن المسلمات؟ أكان عليه- حسب هذا المنطق- أن يحىء إلى المسلمين بفتوى تحرم عليهم التزوج بهن؟ إن هذا من ذاك سواء بسواء! إننا نلغى عقولنا ونبيعها بأبخس ثمن إذا قبلنا مثل هذه الروايات التاريخية المتهافتة، التي تدين الإسلام، وتدين رجلا من رجالات الإسلام كعمر بن الخطاب، رضى الله عنه وأرضاه. ندع هذا، ونسير فى طريقنا مع كتاب الله، ومع آياته البينات. قوله تعالى: «فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ» . بعد أن قضى الله سبحانه وتعالى للمرأة المتوفى عنها زوجها بالمقام فى بيت الزوجية حولا كاملا، مكفولة النفقة، غير متوجه إليها بكيد يفسد عليها المقام فيه، ويحملها على الخروج منه- بعد أن بين الله سبحانه هذا، أباح للمرأة أن تخرج من هذا البيت متى شاءت خلال هذا الحول، حسب تقديرها وتدبيرها لشئوون نفسها، فهذا الحق ملك لها تستعمله أو لا تستعمله، كله، أو بعضه، ولا سبيل لأحد عليها، ولا حرج على أهل الزوج إن هى خرجت راغبة غير مكرهة، ولا ضائقة! وقوله تعالى: «وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» تذكير لأهل الزوج وورثته بعزة الله وقوته، حتى لا يعتزوا بعزتهم، أو يغترّوا بقوتهم، إزاء ضعف المرأة واستكانتها فى الحال التي هى فيها، فيجوروا على حقها، ويعتدوا على ما وضع الله فى يدها.. فما قضى الله به هو حكم الحكيم العليم، وليس لأحد أن يعترض على هذا الحكم أو يقف فى سبيل إمضائه، وإلا كان معتديا آثما.

آية (243) [سورة البقرة (2) : آية 243]

وفى قوله تعالى: «وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ» تأكيد لهذا البرّ الإنسانى بالمرأة المتوفّى عنها زوجها، إذ جعله الله حقّا للمطلقات عموما، فالمتوفّى عنها زوجها أحق وأولى بهذا البر منهن. وإذ جعل الإسلام هذا البرّ حقا واجبا للمرأة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها، على الزوج المطلّق، أو على ورثة المتوفى، فإنه لم يكتف بهذا الأمر الملزم، بل استدعى له إنسانية الإنسان كلها، وخاطب فيه جانب المروءة والرجولة، ليكون من ذوى الفضل والإحسان، وذلك ليشد الأمر الديني إلى ضمير الإنسان، وليوقظ له المشاعر الطيبة الرحيمة فيه، حتى يستقبل الأمر الديني، طيب النفس، منشرح الصدر، فيخف عليه أداؤه، والوفاء به على أكمل وجه وأتمه.. فسبحان الحكيم العليم المستولى بحكمته وبعلمه على ما تكن الضمائر وما تخفى الصدور! قوله تعالى: «كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» أي بمثل هذا البيان المبين، يخاطبكم الله بآياته، ويعلمكم آدابه وأحكامه، حتى تكونوا على هدى وبصيرة، لما التقى بعقولكم من هذا العلم الرّبّانى الوضيء. آية (243) [سورة البقرة (2) : آية 243] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (243) التفسير: من هم هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت؟ تختلف أقوال المفسرين اختلافا كبيرا فى هؤلاء القوم.. وفى الأمة التي ينتسبون إليها، وفى العصر الذي كانوا فيه، وفى الحدث الذي خرجوا من

أجله، وفى المعتقد الذي كانوا يعتقدونه.. إلى غير ذلك من وجوه الأقوال فيهم، والتي لا يجد المرء فيها- مجتمعة أو متفرقة- شيئا يستريح له، ويقف عنده! وندع هذه الأقوال جميعها، لنأخذ بما يقع فى وجداننا، ونحن نتلو الآية الكريمة، وما بعدها من آيات. فنقول- والله أعلم- إن كلمة «الذين» تجىء أكثر ما تجىء فى القرآن الكريم مرادا بها جنسا خاصا من الناس، مثل: الذين آمنوا، والذين كفروا والذين جاهدوا، والذين صبروا.. 1- فهؤلاء الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف لا بد أن يكونوا على صفة واحدة، اجتمعوا عليها، وعاشوا فيها. 2- ثم إنهم من جهة أخرى- قد شملتهم حال واحدة، أحاطت بهم وعرضتهم للموت، فخرجوا من ديارهم طلبا للنجاة من وجه هذا الخطر الجاثم عليهم: «خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ 3- ثم إنهم- من جهة ثالثة- خرجوا بتدبير من عند أنفسهم، وأنهم تركوا ديارهم خفية دون أن يشعر بهم العدو المتربّص بهم، وأنه لو كان هذا الخروج من عمل عدوهم لكان التعبير عن هذا الخروج بلفظ «أخرجوا» لا بلفظ خرجوا كما جاء به الخبر القرآنى! هذه دلالات ثلاث نجدها فى الآية الكريمة. ونتفرس فى وجوه الأحداث التي كانت تستدعيها الدعوة الإسلامية، وتقيم منها العبرة والعظة للمؤمنين، وفى الجماعة التي كانت مضرب المثل للمؤمنين- فى الخير والشر- فنجد هذه الجماعة هى جماعة بنى إسرائيل

والحدث الذي يعطى هذه الدلالات، هو خروجهم من مصر على يد نبى الله موسى عليه السلام! فالذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف إذن، على هذا التفسير- هم بنو إسرائيل. 1- فهم الذين كانوا جماعة مستقلة بذاتها، متميزة بعاداتها وأوضاعها فى المجتمع المصري. 2- وهم «الذين» أخذهم فرعون بالبأساء والضراء، وأنزلهم منازل الهون والذلة: «يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ» (4: القصص) . 3- وهم «الذين» خرجوا بليل مستخفين تحت جنح الظلام، دون أن يشعر بهم فرعون وجنوده، إلا بعد أن قطعوا معظم الطريق، جادّين فى الهرب: «فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ: (23: الدخان) . والآية القرآنية تقول: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ» .. ولا تحتاج الآية بعد هذا إلى شرح أو تأويل! وتقول الآية بعد ذلك: «فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا.. ثُمَّ أَحْياهُمْ» . والسؤال هنا: هل كتب الله سبحانه وتعالى على هؤلاء القوم، الموت، بعد أن خرجوا من ديارهم، وهم ألوف، حذر الموت؟ نعم..! فإنه بعد أن خرج بنو إسرائيل من مصر، وبعد أن رأوا من آيات الله ما رأوا عادوا فكفروا بآيات الله وعبدوا العجل، واتخذوه إلها من دون الله. فكان أن عاقبهم الله بأن كتب عليهم التيه فى الصحراء أربعين سنة، كما قال الله تعالى: «قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ»

(26: المائدة) .. وهذا موت أدبى ومادىّ معا.. فقد عزلهم الله بهذا التّيه عن الحياة، وعن المجتمع البشرى كله، لا يدرون أين هم فى هذا القبر الكبير الذي أطبق عليهم، وسدّ دونهم منافذ الخروج منه! ثم تقول الآية الكريمة بعد هذا: «ثم أحياهم» أي قال لهم الله موتوا، فماتوا.. ثم أحياهم أي أخرجهم من هذا التيه، وبعثهم من هذا القبر المشتمل عليهم، بعد أن قضوا الأربعين سنة المحكوم عليهم بها. وتقول الآية فى خاتمتها: «إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ» تنبيها لأولئك الغافلين عن نعم الله وأفضاله، ليقوموا بحق شكرها، بالإخبات لله والحمد له، ولكن أكثر الناس يجحدون بآيات الله ويكفرون بنعمه! وفى قوله تعالى: «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ» تشنيع على بنى إسرائيل وإدانة لهم بأنهم استقبلوا نعم الله بالجحد والكفران.. كانوا فى قبضة فرعون أمواتا أو كالأموات فأحياهم الله، إذ خلصهم من عدوهم، ولكنهم كفروا النعمة وجحدوا المنّة فأماتهم الله بالتيه فى الصحراء أربعين سنة، ثم أحياهم إذ أخرجهم من هذا التّيه، فلم يكن منهم إلا الجحود والكفران. هذا، ومورد الآية الكريمة هنا، أنها تمثل للمسلمين موقفا أشبه بالموقف الذي كانوا يقفونه يومئذ، وأنه إذا كان بنو إسرائيل قد مكروا بآيات الله وجحدوا فضله فليكن المسلمون على حذر من أن يضلوا كما ضل القوم، وأن يقعوا فيما وقعوا فيه! والآية الكريمة نزلت فى سورة البقرة التي كانت أول القرآن نزولا بعد الهجرة.. فهى تذكّر الرسول والمسلمين بأن قوما قبلهم قد خرجوا من ديارهم فرارا بأنفسهم من وجه الظلم والقهر والإذلال، كما خرج النبىّ

آية: (244) [سورة البقرة (2) : آية 244]

والمهاجرون معه من ديارهم فرارا بدينهم، وأن يفتنهم المشركون فيه «وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ» . وأن الله- سبحانه- الذي نجّى بنى إسرائيل من عدوهم سينجّى النبي وأصحابه من عدوّهم، وأنه كما أحيا هؤلاء القوم وحفظ عليهم حياتهم سيحيى المسلمين ويحفظ عليهم دينهم! ثم إنه سبحانه- وقد جحد بنو إسرائيل نعمته فرماهم فى التيه- يرصد عقابه لكل من لا يشكر له، ويستقيم على طريقه القويم. فليأخذ المسلمون العظة من هذا الحدث. وإلا صاروا إلى ما صار إليه هؤلاء القوم من فتنة وضلال! آية: (244) [سورة البقرة (2) : آية 244] وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) التفسير: لقد نجّى الله المسلمين من عدوّهم، كما نجّى بنى إسرائيل من عدوّهم، ولكن بنى إسرائيل كفروا وجحدوا، وضنّوا أن يعطوا شيئا من أنفسهم لله الذي استنقذها وخلّصها. وهذه دعوة للمسلمين الذين خلصهم الله من البلاء، وعافاهم من السوء الذي كانت ترميهم به قريش- دعوة لهم أن يقاتلوا فى سبيل الله، وأن يدفعوا يد الضلّال والمفسدين عن طريق الحق والخير والسلام، فتلك هى الزكاة التي يؤدونها عن هذه النعمة التي ألبسهم الله إياها، وبذلك تضعف قوى البطش والطغيان، فلا تتسلط على عباد الله كما كانت متسلطة عليهم هم، من قبل أن يمنّ لله عليهم، وينجّيهم مما كانوا فيه من بلاء!

آية: (245) [سورة البقرة (2) : آية 245]

آية: (245) [سورة البقرة (2) : آية 245] مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245) التفسير: إن مجال الجهاد فى سبيل الله متعدد الميادين، مختلف الوسائل. فمن جهاد بالنفس وبيع لها فى سبيل الله، إلى جهاد بالمال، وبذل له فى وجوه الخير والنفع، إلى جهاد بالكلمة الطيبة الصادقة فى دعوة الحق والخير.. كل أولئك وما شابهه جهاد مبرور فى سبيل الله. ومن لطف الله بعباده ورحمته لهم أنه يمنحهم الحياة، ويفضل عليهم بالمال، ثم يجعل ذلك ملكا خالصا لهم، ثم يعود بفضله عليهم فيشترى منهم تلك الأنفس، ويقترض منهم هذا المال، ثم يعود بفضله وكرمه فيؤدى إليهم ثمن ما اشترى، وقيمة ما اقترض أضعافا مضاعفة.. وكان له- سبحانه- أن يأخذ ما منح، ويسلب ما أعطى، بلا عوض، ودون مقابل، ولكنه ذو رحمة واسعة وفضل عميم! «إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ» آية: (246) [سورة البقرة (2) : آية 246] أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246)

التفسير: مثل آخر من بنى إسرائيل تعرضه الآية الكريمة لأنظار المسلمين الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلّا أن يقولوا ربنا الله.. وفى هذا المثل يرى المسلمون صورة كريهة للمهانة والذلة تركب القوم، فإذا هم جبناء أذلّاء، لا يدفعون عن حرماتهم، ولا يردّون يد العدوّ المتسلط عليهم! إن هؤلاء الملأ من بنى إسرائيل- وهم سادة القوم وأشرافهم- هم أبناء أولئك الذين أماتهم الله ثم أحياهم، بأن أدخلهم الأرض المقدسة، وجعل لهم مقاما فيها، فلما ركبهم البغي والعدوان سلط الله عليهم من بدّد شملهم، وخرب ديارهم وأزال ملكهم، ونبذهم بالعراء فى تيه أشبه بالتيه الذي عاش فيه سلفهم.. وإذ دبّ فى القوم دبيب الحياة، وتحركت فيهم أثارة من نخوة ورجولة قالوا لنبيهم: اختر لنا ملكا نجتمع إليه، ونقاتل تحت رايته، لنستعيد ملكنا، ونجتمع إلى ديارنا! ونبيهم يعلم من أمرهم ما لا يعلمون، ويرى من أنفسهم ما لا يرون.. إنهم أكثر الناس أقوالا وأقلّهم أفعالا.. يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم! «قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . فيلقاهم النبىّ بما يتوقع أن يكون منهم.. «قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا؟» . وتأخذهم الحميّة، وتغلب عليهم شهوة القول.. فيقولون: «وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا؟» .. إنهم يجدون أكثر من دافع يدفعهم إلى القتال.. لقد أخرجوا من ديارهم وأموالهم، وشرّدوا هم وأبناؤهم.. فهل يصبر على هذا الضيم أحرار الرجال؟ ولكن أين هم الرجال؟

الآية: (247) [سورة البقرة (2) : آية 247]

«فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ» . لقد فضحوا أنفسهم حين دخلوا فى هذه التجربة، وكانوا من قبل أن يطلبوا الدخول فيها، فى ستر من أمرهم، ولكن أبوا إلا أن يركبوا مراكب الرجال، فزلت أقدامهم، وعفرت وجوههم فى تراب الخزي والمهانة.. إلا قليلا ممن أراد الله له السلامة والأمن، فثبت قدمه، وربط على قلبه. الآية: (247) [سورة البقرة (2) : آية 247] وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (247) التفسير: وتشرح هذه الآية والآيات التي بعدها ما أجملته الآية السابقة، من هذا الموقف المتخاذل الذي كان من هؤلاء القوم، الذين يمكرون بآيات الله، ويستخفّون بأوامره وأحكامه. لقد اختار لهم الله ملكا يقاتلون معه، وذلك إجابة لمقترحهم الذين اقترحوه.. فجعلوا يفتشون فى هذا الملك المختار من قبل الله، ويفندون الأسس التي قام عليها اختياره، وفى ذلك ما فيه من جرأة على الله، وعدوان على ما يقضى به ويحكم فيه.. وليتهم إذ نظروا، وقعت أنظارهم على ما فى الإنسان من فضائل نفسية وروحية، هى التي يكون بها التفاضل والتمايز بين إنسان وإنسان.. ولكنهم لم ينظروا إلا إلى ما أشربته قلوبهم من حبّ المال، الذي هو ميزان المفاضلة

الآية: (248) [سورة البقرة (2) : آية 248]

والفضل عندهم.. فحين رأوا أن الملك المختار لم يكن أكثرهم مالا، وأوسعهم ثراء، أنكروا أن يكون ملكا عليهم، وقالوا: «أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ؟» . وتلقّوا الإجابة من نبيهم مسكتة مفحمة: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ» ! فهل لهم أن يحتكموا على الله؟ لقد اصطفاه الله عليهم.. «وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ» ثم إن هذا الذي اصطفاه عليهم قد زاده الله بسطة فى العلم والجسم، فإذا كان فيهم من يفضله فى المال، فهو يفضلهم فى كمال الجسم وتمام العقل، وذلك مما يكمل به الملك ويجمل به الملوك! جمال وروعة فى المظهر، وفى المخبر.. معا.. «وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» يصطفى من يشاء لما يشاء، وسع فضله كل شىء، وأحاط علمه بكل شىء، فلا معقّب لحكمه، ولا منازع له فى سلطانه. «فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً» ؟ الآية: (248) [سورة البقرة (2) : آية 248] وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248) التفسير: لم يطمئن القوم إلى ما أخبرهم به نبيّهم عن طالوت، وأن الله قد اصطفاه لهذه المهمة، وأن عنده من مستلزمات الملك ما ليس لأحد منهم.. بسطة فى العلم والجسم.. ولكنهم أبوا أن يخفّوا للانضواء إليه والقتال تحت رايته.. فجاءهم نبيهم بآية محسوسة، يجدونها بين أيديهم، أمارة على اصطفاء الله له، وهو أن يعود إليهم التابوت الذي افتقدوه من زمن بعيد، وفى هذا التابوت سكينة

الآية: (249) [سورة البقرة (2) : آية 249]

واطمئنان لهم، إذ كانوا يجدون فى وجوده بينهم دلالة على رضى الله عنهم وتأييده لهم فى القتال. وفى هذا الصندوق أيضا بعض من مخلفات موسى وهرون.. وفى هذا شاهد واقعي يشهد لصدق النبىّ، ويؤيد ما بلّغ به عن ربّه فى شأن طالوت! والتابوت هو «صندوق» يقال إنه هو الذي كان قد وضع فيه موسى حين ألقته أمه فى اليمّ، ويمكن أن يكون صندوقا من صنع موسى كان يضع فيه الألواح والعصا، وغير ذلك من آثاره وآثار هارون، وكانوا يصحبون التابوت معهم فى حروبهم، تبركا به، فلما كان القوم فى بعض حروبهم مع عدوّهم، وغلبوا على أمرهم، واستبيحت ديارهم وأموالهم، حمل أعداؤهم هذا التابوت، فيما حملوا من مال ومتاع! فكانوا بعد ذلك لا يجرءون على ملاقاة عدو! وجاءهم التابوت وما كان فيه من آثار، وعندها وجدوا السكينة، والاطمئنان.. فآمنوا وصدّقوا، ورضوا بطالوت ملكا وقائدا.. وهكذا يقاد القوم قسرا، بيد الآيات المعجزة القاهرة، التي تسدّ عليهم منافذ، المعاذير والعلل، التي يقيمونها بين يدى كل أمر يدعون إليه من الله! الآية: (249) [سورة البقرة (2) : آية 249] فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)

التفسير: أما والقوم قد أبوا أن يصدّقوا إلا أن يروا بأعينهم، فقد ابتلاهم الله، ووضعهم أمام تجربة حسيّة يدعوهم إليها «طالوت» الذي جاءهم بالآيات ليحملهم على التصديق به.. وليس لهم بعد ذلك أن يخرجوا عن طاعته، بعد أن استيقنوا أن الله قد اصطفاه عليهم.. وها هوذا يدعوهم إلى محنة قاسية، لم يكن لهم أن يتحللوا منها بحال أبدا.. إنها من طالوت، وإن طالوت من الله، وشاهده فى يده!! «قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ» . هذه هى التجربة، وهذا هو الابتلاء.! فالقوم عطشى والماء بين أيديهم، وكلمة الله إليهم: «ألّا يشربوا من هذا الماء وألا يرووا ظمأهم» . وفى هذا: أولا: امتحان لإيمانهم، واستجابتهم لما يدعون إليه، وهم فى وجه تجربة أقسى وأمر، هى لقاء العدوّ الذي عرفوه وعرفوا بأسه وجبروته وبطشه بهم، وبآبائهم من قبل! وثانيا: أن ذلك رياضة لهم وتدريب على احتمال مكاره الحرب وأهوالها، وربما كان الظمأ أهون شىء فيها. هذا بعض ما تنطوى عليه التجربة فى كيانها، ولكن القوم لا يرون إلا ما يطفو على ظاهرها، وأنها ليست إلا تحكما من طالوت، لا يمليه عليه إلا حبّ التسلط والاستبداد، وهذا ما يضاعف من كمدهم وحقدهم.. ليجعل الله ذلك حسرة فى قلوبهم.. إنهم يحومون حول الماء ولا يردونه، وتحترق أكبادهم ظمأ ويحرم عليهم أن يشربوا منه.. «كَذلِكَ الْعَذابُ، وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ» (16: فصلت) .

الآيتان: (250 - 251) [سورة البقرة (2) : الآيات 250 إلى 251]

وإن القوم لعلى ما هم عليه من فساد طوية واعتلال نية.. فخرجوا عن أمر نبيهم، وشربوا من النهر وعبّوا، إلا قليلا منهم ممن عافاه الله من هذه المحنة، فتجنّب النهر ولم يشرب منه! وقد اعتزل طالوت أولئك الذين شربوا، وخلص بالذين لم يشربوا أو اغترفوا غرفة بأيديهم.. وحين رأى القوم عدوّهم يقودهم قائدهم الجبار «جالوت» فزعوا واضطربوا وقالوا: «لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ» ولكن قلة قليلة منهم ممن آمن بالله، ووثق بما أعده فى الآخرة لعباده المؤمنين، فآثروا الآخرة على الدنيا، وزهدوا بما فى أيديهم طمعا بما فى يد الله- هؤلاء لم يلتفوا إلى ماوراءهم من أهل وولد ومال، ولم يخفهم الموت الراصد لهم فى يد أعدائهم، فلم يهابوا العدوّ وكثرته وقوته، وأطمعهم هذا الشعور فى عدوّهم، ورأوا أنهم فى قلتهم المؤمنة الصابرة أقوى من عدوّهم الذي لا يؤمن بالله ولا يصبر على المكروه، إلا طمعا فى مغانم الدنيا ومتاعها.. وإذ قال غيرهم: «لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ» قالوا هم: «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ» . الآيتان: (250- 251) [سورة البقرة (2) : الآيات 250 الى 251] وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (251)

التفسير: تلك عاقبة الصابرين فى مواقع الحق، المجاهدين فى سبيل الله، على بصيرة وهدى، لا يخطئهم النصر أبدا. وواضح من الآية الكريمة أن داود عليه السلام كان فى هذه الحرب جنديا من جنود طالوت، وأنه ببسالته وشجاعته قد تولى قتل قائد العدو جالوت، وبفعله هذا كان النصر والغلب.. ثم كان من فضل الله على داود بعد هذا أن أتاه الله الملك والحكمة، وعلمه مما يشاء من علمه، فألان له الحديد، وعلمه صنعة الدروع للحرب، وجعل لصوته من حسن النغم ما جعل الحياة كلها من حوله تنسجم معه، وتستجيب له، وإذا هى معه صوت واحد، يسبح بحمد الله رب العالمين!! وقوله تعالى: «وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ» . يبيّن أن هذا التدافع بين الناس.. بين الخير والشر.. بين الحق والباطل.. بين الأقوياء والضعفاء.. بين الأغنياء والفقراء.. بين الأفراد والأفراد.. وبين الجماعات والجماعات.. وبين الأمم والأمم- هذا التدافع فى كل موقع من مواقع الحياة، وفى كل متجه فيها، وعلى كل مورد مواردها- هو الذي يحرك دولاب العمل على هذه الأرض، ويبعث الحياة فى كل جانب منها.. ولو كان النّاس متجها واحدا، ومذهبا واحدا، وشعورا واحدا، وتفكيرا واحدا، ومنزعا واحدا- لكانوا شيئا واحدا.. كانوا كتلة باردة متضحمة، أشبه بجبل من الجليد، لا تطلع عليه الشمس أبدا!! فسبحان من خالف بين النّاس فجعل من هذا التخالف مادة الحياة والبناء والعمران، ولولا ذلك لفسدت الأرض وضاع الناس: «وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ» .

الآية: (252) [سورة البقرة (2) : آية 252]

الآية: (252) [سورة البقرة (2) : آية 252] تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252) التفسير: هذه الآيات التي يتلقّاها النبىّ الكريم- صلوات الله وسلامه عليه- إنما هى كلمات الله، يتلوها عليه رسول كريم من رسل الله، وإنها لحقّ من ربّ العالمين، تقرر الحق بأنه من المرسلين الذين أنعم الله عليهم. واصطفاهم للسفارة بينه بين خلقه، يحملون بين أيديهم وعلى ألسنتهم النور والهدى.

الآية: (253) [سورة البقرة (2) : آية 253]

[الجزء الثاني] [تتمة سورة البقرة] الآية: (253) [سورة البقرة (2) : آية 253] تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (253) التفسير: لله سبحانه وتعالى أن يصطفى من يشاء من عباده.. والرسل عليهم الصلاة والسلام هم ممن اصطفاهم الله، لحمل رسالته إلى عباده، فجعلهم سفراءه إلى الناس بالرحمة والهدى.. وهؤلاء الرسل- على علوّ مقامهم وشرف منزلتهم- هم درجات عند الله في الفضل.. بعضهم أفضل من بعض، فكما اصطفى سبحانه وتعالى هؤلاء الرسل من بين خلقه، اصطفى منهم صفوة جعلها في الدرجة العليا من هؤلاء المصطفين الأخيار.. والإشارة إلى الرسل بالمؤنث، إنما هى إشارة إلى جملتهم، أو جماعتهم، باعتبارهم كيانا واحدا، يحملون شعلة الهدى، ويتجهون بها إلى غاية واحدة، هى هداية الناس واستنقاذهم من الضلال. وقد نوّه سبحانه بالنبيين الكريمين: موسى، وعيسى، بهذا الفضل الذي فضل به عليهما، إذ شرّف الله موسى بأن أسمعه كلامه سبحانه، من غير واسطة، وأكرم عيسى بأن جعل على لسانه الحكمة، وفى قلبه روح القدس، حيث كان نفخة من روح الله، فكان في قلبه شعاعة من نور الحق لا تخبو أبدا، ولا يستملى لسانه منها غير الحق أبدا!. واختصاص هذين النبيّين الكريمين بهذا الذكر هنا دون سائر الأنبياء والمرسلين لا يحصر الفضل فيهما وحدهما، ولا يعطيهما المنزلة العليا فى الأنبياء جميعا،

وإنما كان ذلك الذكر لاستحضار أتباعهما من اليهود والنصارى، وتذكيرهم بما حمل إليهم موسى وعيسى من الهدى والرحمة، وما كان من أتباعهما من خلاف وشقاق، ذهب بهم فى الفرقة والعداوة كل مذهب. وهذا الخلاف بين أتباع موسى وعيسى- فيما بين كل فريق منهم، ثم فيما بين الفريقين، ثم فيما بينهم وبين المسلمين- هذا الخلاف هو مما تقتضية طبيعة الحياة، وهو بعض مما أشار إليه سبحانه وتعالى فى قوله في الآية السابقة: «وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ» .. فهناك حقّ وباطل، وهناك محقّون ومبطلون، وإنه لا بد أن يصطدم هؤلاء وهؤلاء، ويقتتل هؤلاء وهؤلاء، ولولا ذلك لتسلط الشر على الخير، وغلب الباطل على الحق، وكان في ذلك فساد كل شىء، وضياع كل شىء. وفى قوله تعالى: «وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ» إشارة إلى أن هذا الخلاف الذي وقع بين أتباع الأنبياء، وأوقع القتال بينهم، إنما هو بتقدير الله وحكمته، ليكون فى ذلك ابتلاء واختبار، وليميز الله به الخبيث من الطيب.. فالضمير في «مِنْ بَعْدِهِمْ» يرجع إلى أتباع الأنبياء الذين اختلفوا بعد أنبيائهم، الذين هم جميعا على دين واحد، هو دين الله، وهو الإسلام. قوله تعالى: «وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ» أي وقع الاختلاف بين أتباع الرسل، فكان منهم المؤمنون وكان منهم الكافرون، وكان من ذلك أن اقتتل المؤمنون والكافرون.. «وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا» أي ولو شاء الله ما اقتتلوا مع وجود هذا الخلاف بينهم.. «وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ» أي فوقع القتال بينهم لما أراد الله من حكمة يعلمها، ولما قضى به من خير وراء هذا الذي يحسبه الناس شرا. ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

الآية: (254) [سورة البقرة (2) : آية 254]

الآية: (254) [سورة البقرة (2) : آية 254] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254) التفسير: الناس فريقان: مؤمن وكافر.. والمؤمنون هم الذين يتقبلون دعوة الحق، ويستجيبون لها.. والنداء هنا موجه للمؤمنين، إذ يحمل إليهم أمر الله بأن ينفقوا فى سبيل الله مما رزقهم الله.. فمن هذا الذي ينفقونه فى هذه الدنيا يكون رصيدهم من الخير الذي يجدونه يوم القيامة، يوم لا يلقى الإنسان شيئا إلا ما أعده من قبل لهذا اليوم.. حيث انقطع الإنسان من كل شىء، وانقطع عنه كل شىء، فلا بيع ولا شراء، ولا ربح ولا خسارة.. فقد انفضّت السوق من قبل، فربح من ربح وخسر من خسر.. وليس هناك من صديق أو معين يمد يده إلى غيره بشىء مما عنده، فلكل امرئ يومئذ شأن يغنيه، وليس لأحد شفاعة من أحد أو فى أحد، فقد صار الأمر كله إلى يد غير يد الأصدقاء والشفعاء.. إنه فى يد الله رب العالمين. وقوله تعالى: «وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ» تنديد بالكافرين، وإثارة لمشاعر الحسرة والندامة فيهم، إذ ظلموا أنفسهم، ولم يعملوا لها حسابا لهذا اليوم العظيم.. وحصر الظلم فيهم إشارة إلى أن كل ظلم هو تبع لظلمهم، وفرع من أصل. الآية: (255) [سورة البقرة (2) : آية 255] اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)

تستعرض هذه الآية الكريمة أمجاد الله وعظمته وقدرته، ليكون من هذا العرض الكاشف مجلّى لأبصار المستبصرين، ونور لبصائر الراشدين، حتى يتعرفوا على الله، ويؤمنوا به، ويخبتوا له، ليرشدوا ويسعدوا. فالله هو الذي لا إله إلا هو.. وكل ما يعرف الضالون من أرباب وآلهة غيره، ضلال فى ضلال. والله- سبحانه- هو الحىّ حياة أبدية سرمدية. لم يسبقه عدم، ولا يلحقه فناء. والله- سبحانه- هو القيوم، المالك لكل شىء، والقائم على كل شىء، والمهيمن على كل شىء. والله- سبحانه- منزه عن العوارض التي تعرض للمخلوقات، فلا يعرض له تعب أو كلال، ولا يلحقه سهو أو نسيان، ولا تأخذه سنة ولا نوم.. مما يأخذ الناس من جهد العمل. والله- سبحانه- له ملك السموات والأرض وما فيهن، يدبرها بحكمته، ويسعها بعلمه. والله- سبحانه- قد بسط سلطانه على السموات والأرض، ووسع كرسيه السموات والأرض. والله- سبحانه- هو العلى العظيم، الذي لا يطاوله فى علوه أحد، ولا يشاركه فى عظمته أحد.. هكذا يتجلّى الله سبحانه فى عظمته وجلاله، وفى حكمته وعلمه، وفى قدرته وحياطته، وفى ملكه وسلطانه- هكذا يتجلّى لمن نظر فى هذا الوجود، وهكذا يتجلّى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وفى قوله سبحانه: «مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ» استحضار لنتيجة

الآية: (256) [سورة البقرة (2) : آية 256]

لازمة من هذا العرض المبسوط لسلطان الله وقدرته، يشهد منه أولئك الذين يتخذون من الله أربابا يقولون عنهم إنهم شفعاؤنا عند الله، ويقولون فيهم: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى» (3: الزمر) - يشهد منه هؤلاء ألّا سلطان لأحد مع سلطان الله، ولا شفاعة لأحد فى أحد عند الله، إلا لمن يأذن له الله، ويرضى له الشفاعة، فضلا منه وكرما وإحسانا! وفى قوله تعالى: «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ» إشارة إلى امتداد سلطانه، وسعته، ونفوذه إلى كل شىء فى هذا الوجود، وامتلاكه ناصية كل شىء فيه!. فالكرسى عادة يحتوى السلطان الجالس عليه، وهو فى حقيقته ليس إلّا شيئا صغيرا، لا يشغل إلا حيّزا محدودا مما يقع تحت يد السلطان من ملك. ولكن كرسىّ الله- سبحانه وتعالى- هو الوجود كلّه، بل إن الوجود كله- فى أرضه وسمائه، وما تحوى أرضه وسماؤه- هو مما يحويه هذا الكرسىّ، ويشتمل عليه.. فانظر إلى هذا الكرسي، الذي يضم فى كيانه الوجود كلّه، ثم انظر إلى عظمة الله سبحانه وتعالى، الذي لا يمثل كرسيّه إلا حيزا محدودا من سلطانه، على نحو ما يمثل كرسىّ صاحب الملك من ملكه.. ولله سبحانه وتعالى المثل الأعلى، وهو العزيز الحكيم. الآية: (256) [سورة البقرة (2) : آية 256] لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)

الدين فى صميمه جذوة من الحق، تسكن ضمير المؤمن، فتكون النور الهادي له، والقوة الموجهة لأفعاله وتصرفاته. ومن هنا كان الدّين عقيدة ينعقد عليها الضمير، فلا يعرف أحد كنه ما انطوى عليه الضمير من الدين.. إنه سرّ بين الدّين وصاحبه.. لا سبيل لأحد إليه، ولا سلطان لمخلوق عليه. ومن هنا أيضا لم يكن دينا ذلك الدين- إن سمّى دينا- الذي يجىء إلى الإنسان أو يجىء إليه الإنسان قسرا من غير اقتناع أو رضى. ولهذا كانت دعوات الرسل إلى دين الله محملة بالشواهد والآيات التي تشهد بصدقها، وتحدّث بخبرها وما تحمل إلى الناس من هدى ونور.، حتى يكون الإيمان عن نظر واقتناع. وإذا كانت الرسالات السماوية التي سبقت الإسلام قد جاءت إلى الناس بالآيات القاهرة، وبالمعجزات المذهلة، التي تقهر العقل وتتعامل مع الحواس، حيث كان العقل يومئذ غير أهل لأن يفكر ويقدر- فإن رسالة الإسلام، وقد التقت بالإنسانية فى رشدها، وبالعقل فى نضجه واكتماله- قد جاءت بآياتها ومعجزاتها فى مواجهة العقل، تحاجّه بالمنطق، وتجادله بالحكمة، وتأخذه بالموعظة الحسنة، حتى إذا اطمأن الإنسان ووجد برد السكينة فى صدره آمن عن يقين، ودان لله عن رضى! وهذا هو الدين الذي يعيش مع الإنسان، ما عاش معه عقله، وسلم له تفكيره. وقوله تعالى: «لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ» تقرير لحقيقة من أهم الحقائق العاملة فى الحياة، ومن أبرز السّمات التي قامت عليها دعوة الإسلام.. «لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ» .. فهو نفى مطلق لكل صور الإكراه، المادية والمعنوية، التي تختل النّاس عن الحق، وتحملهم حملا على معتقد لم يعتقدوه، ولم يجدوا من جهته مقنعا!. وليس هذا شأن الدين وحده، بل هو الشأن أو ما ينبغى أن يكون الشأن

فى حياة الإنسان كلها، لا يتلبّس بأمر إلا بعد أن ينظر فيه، ويطمئن إليه، ويرضى عنه، فيقدم أو يحجم عن هدى وبصيرة، وهذا هو ملاك النجاح فى كل أمر، ومنطلق الملكات الإنسانية كلّها فى وثاب وقوة، إلى أنيل؟؟؟ الغايات وأعظمها. إن تحرير ضمير الفرد من الضلال والعمى، وفك عقله من الضّيق والإظلام، لا يكون إلا بتحرير إرادة الإنسان وإطلاقها من كل قهر أو قسر.. وإنه لن تصحّ إنسانية الإنسان، ولن يكتمل وجوده، إلا بالضمير الحر، والعقل المتحرر.. وإنه لا فرق بين الأحرار والعبيد وبين الإنسان وغير الإنسان إلا فى تلك المشاعر التي يجدها الإنسان فى كيانه من طاقات الحرية والتحرر، فيمتلك بها أمر نفسه، ويكتب بها خطّ مسيره ومصيره، كيف شاء، وعلى أي وجه أراد.. وفى الواقع أن ركوب الخطأ عن رأى الإنسان وتقديره، غير المدخول عليه بإكراه أو خداع، أو تضليل- هو خير من الانقياد للصواب عن قهر وقسر، وعن تمويه وتلبيس.. إذ الأول يسير ومعه عقله، وتفكيره، وليس ببعيد أن يلتقى يوما بالصواب الذي ضل عنه.. أما الآخر، فإنه يسير بلا عقل ولا تفكير.. يسير بعقل غيره، وبتفكير غيره، وليس ببعيد أن يلتفت يوما فلا يجد من أعاره عقله وتفكيره، فإذا هو كتلة جامدة، أو تمثال من لحم ودم، لا حياة فيه، ولا معقول له! .. إن الأول مبصر يتخبط فى الظلام، ولكنه إذا رأى النور، أبصر، واهتدى واستقام على سواء السبيل.. أما الآخر.. فهو أعمى يقاد لكل يد تمتد إليه.. وكما انقاد ليد من ينصح له ويهديه، فإنه لن يمتنع عن الانقياد لمن يمكر به، ويضلّه.. وهل يملك الأعمى أن يأخذ طريقا غير طريق من يقوده، ويمسك بيده؟

وقوله تعالى: «قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ» هو ليس قيدا واردا على إطلاق الحرية فى الدّين، وإنما هو تقرير لبيان الحال من أمر الدعوة الإسلامية، وهو أنه يجب ألا يطوف حول دعوتها طائف من القهر والقسر، إذ قد استبانت معالمها، ووضحت حدودها، وإن الذي ينظر فى مقرراتها، وفى شواهدها وآياتها ثم لا يجد الهدى، ولا يقبل عليه، فلا سبيل إلى هداه، ولا جدوى من إيمانه! إنه فى حساب الناس.. لا شىء!. قوله تعالى: «فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها» . «الطاغوت» شىء مخيف، مفزع، أشبه بالشيطان.. لا تقع عليه العين، وإنما يصوره الوهم من هذا الاسم الذي يطلق عليه «الطاغوت» ، ويشكلّه من هذه الأحرف المتنافرة التي يتشكل منها اسمه:.. الطاء، والغين، والتاء، يجمعها كيان واحد. وإن الذي يحترم عقله، ويكرم إنسانيته ليأبى أن ينقاد للوهم، ويتعبّد لآلهة من مواليد الباطل والضلال، إنه يجرى وراء سراب، ويتعلق بما هو أوهى من خيوط العناكب!. والموقف الصحيح الذي ينبغى أن يأخذه الإنسان العاقل الرشيد، هو أن يعلو بعقله فوق هذه الأوهام، ويرتفع بإنسانيته عن هذا الهوان، وأن يجعل ولاءه وخضوعه لمن بيده ملكوت السموات والأرض، رب كل شىء، وخالق كل شىء.. وبهذا يمسك الإنسان بالسبب الأقوى، ويعلق بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، وبهذا تكتب له النجاة والسلامة.

الآية: (257) [سورة البقرة (2) : آية 257]

الآية: (257) [سورة البقرة (2) : آية 257] اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (257) التفسير: منذ يدخل الإنسان ساحة الإيمان ويسلم وجهه لله وحده، وهو فى ضمانة الله، يتولاه برحمته وهدايته وتوفيقه، ويخرجه من ظلمة الضلال إلى نور الحق، وإذا هو على نور من ربّه «وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ» (40: النور) . أما حين يعطى المرء وجوده للطاغوت، ويسلم إليه زمامه، فهو في ضمانة هذا الطاغوت.. أعنى فى ضمانة الباطل والضلال.. فانظر إلى أين يقاد من كان قائده الباطل وحاديه الضلال؟ إنه يخرجه من النور إلى الظلمات، إذ يفسد عليه تلك الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فيطمس عليها فى كيانه، فإذا هو أعمى يتخبط فى ظلام،، ويقاد بيد الضلال إلى كل مضلّة وكل مهلكة. وانظر إلى كلمة «الطاغوت» مرة أخرى، وقد جاءت مسندة إلى الفرد في الآية السابقة: «فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ» ، ثم جاءت مسندة إلى الجمع فى هذه الآية: «وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ» دون أن تتغير صورتها فى الحالتين، بل ظلت هكذا: «الطاغوت» .. وهذا ما يؤيد ما ذهبنا إليه من أنه لا مشخّص لهذه الكلمة، وإنما هى اسم جامع لكل باطل، وكل ضلال، وكل غواية، وهو قادر على أن يحمل فى كيانه الضخم كل هذه المخازي والضلالات.. إنه «الطاغوت» !!. بناء ضخم شامخ من الوهم والضلال.

الآية: (258) [سورة البقرة (2) : آية 258]

الآية: (258) [سورة البقرة (2) : آية 258] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) التفسير: هنا نجد المثل لمن آمن بالله فكان الله وليّه، يخرجه من الظلمات إلى النور، ومن كفر فكان الطاغوت وليّه، يخرجه من النور إلى الظلمات! ومثل الأول نجده على أكمل صورة وأتمها، فى إبراهيم عليه السّلام، كما نجد مثل الثاني فى هذا الذي آتاه الله الملك، وغمره بالنعم، فاستقبلها بالجحود والكفران، والإغراق فى البهت والضلال.. ولم يذكر القرآن اسم هذا الإنسان المتمرد على الله، ولم يدل عليه، لأنه ساقط من حساب الإنسانية، إذ باع إنسانيته للشيطان، وأسلمها للطاغوت.. ثم إنه لا ضرورة لذكره، حتى لا يتعرف عليه أحد، فتصيبه عدواه ولو من بعيد، كما تصيب الرائحة الخبيثة بالأذى كلّ من يمر به حامل الجيف.. ثم لمن أراد أن يعرف وجه هذا الشر، وحامل هذا المنكر فإن التاريخ يقول إنه «النمرود» ملك كنعان.. وكم فى الناس من نمرود؟ والذي تعرضه الآية الكريمة هنا، وتحرص على كشفه وتجليته، وهو هذا الصّدام الفكرى بين منطق الحق وسفاهة الباطل، بين نور الإيمان وهداه، وظلام الشرك وضلاله! يقول الله تعالى: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ» فهذا الإنسان الذي فضل الله عليه وأوسع له فى فضله، ومكّن له فى الأرض، قد غرّه ما بيده من سلطان، فكفر بأنعم الله، ثم لجّ به الكفر فحادّ الله ورسوله، وادعى لنفسه الألوهية، وقال قولة فرعون: «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى» !

فلما جاءه نبىّ الله، إبراهيم، يدعوه إلى الله، أنكر هذه الدعوة، وجحد أن يكون فى الأرض إله معه، وجعل يلقى إلى إبراهيم بالحجج الدالة على ألوهيته، وأهليته لتلك الألوهية، بما فى يده من سلطان بتصرف به كيف يشاء.. وكثرت بينه وبين إبراهيم المحاجّة والمناظرة.. وتخير القرآن الكريم من هذه المواقف مشهدين، يلخصان القضية كلها، ويضبطان محتواها ومضمونها. «قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ» ! هذا هو ربّ إبراهيم، الذي يدين له، ويدعو إليه.. هو الذي بيده الحياة والموت، وهو الّذى أمات وأحيا.. فذلك أمر لا يشاركه فيه أحد، ولا يدّعيه لنفسه مخلوق، إلا أن يركب الحماقة والسّفه. وقد ركب هذا الجهول الحماقة والسفه وانطلق بلا عنان.. «قالَ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ!!» هكذا يقولها بملء فيه! ولم يذكر من أين هو جاء، ولا إلى أين هو يصير؟ «أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً» ؟ (67: مريم) . ولم ير إبراهيم- إزاء هذا السّفه الوقاح- أن يقف عند هذا الجواب، وأن يكشف باطل هذا الأحمق الجهول.. فقد يذهب بالرجل الحمق والجهل فيقول لإبراهيم: ألا تصدق ما أقول؟ أتريد شاهدا؟ أنت نفسك أنا الذي أحييه، لأنى لا أريد قتلك! وأنا أميتك لو أردت! فهل تريد مصداق ذلك؟ وقد يفعلها الرجل ولا معقّب عليه!! وتحاشى إبراهيم أن يدخل مع النمرود فى هذا الجدل، وأن يمد له فى حبال السفسطة، بل جاء إليه إبراهيم بما يخرسه ويفحمه! «قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ» .

الآية: (259) [سورة البقرة (2) : آية 259]

فهذا النظام الذي ينتظم حركة الشمس قبل أن يولد هذا الإنسان المغرور بآلاف السنين وملايينها، ليس من صنع إنسان من الناس، إنه من عمل قدرة غير قدرة الناس.. فإذا كان النمرود إلها يناظر إله إبراهيم، فليجب على هذا التحدّى، ولينقض على إله إبراهيم عملا من عمله، وتدبيرا من تدبيره! «فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ!!» . وأسقط فى يد الرجل، وخرس لسانه وشلّ تفكيره، وسقط من عليائه مبللا فى ثيابه، بعرق الخزي والخذلان! «فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» . وهكذا يصاب الرجل فى مقاتله، بطعنة نافذة من يد الحق: «وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» . الآية: (259) [سورة البقرة (2) : آية 259] أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259) التفسير: لمّا ذكر الله فى الآية (257) أنه ولىّ الذين آمنوا، وأنه بهذه الولاية لهم يخرجهم من الظلمات إلى النور، وأن الذين كفروا أولياؤهم

الطاغوت، وأنهم بهذه الولاية للطواغيت يخرجونهم من النور إلى الظلمات- لما ذكر الله هذا الحكم، لفت النبىّ الكريم إليه سبحانه، ليريه له الأمثال والشواهد فى الناس، ثم قدم له سبحانه شاهدين من التاريخ، ليسكونا مثلين للمؤمنين والكافرين.. أولياء، الله وأولياء الطاغوت.. والمثل البارز لأولياء الطاغوت هو ذلك الذي حاج إبراهيم فى ربه، أما المثل الآخر لأولياء الله فهو ذلك الذي مرّ على قرية وهى خاوية على عروشها. فهذا العطف فى قوله تعالى: «أَوْ كَالَّذِي» هو عطف لهذا المثل على المثل السابق.. والتقدير: أتريد يا محمد شاهدا لهذا الحكم الذي حكمت به، وهو أنى ولىّ الذين آمنوا أخرجهم من الظلمات إلى النور، وأن الذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات؟ أتريد لهذا شاهدا؟ إليك شاهدين أو مثلين.. أما المثل الأول فتجده فى هذا الذي حاجّ إبراهيم فى ربه، وقد كان وليّا للطاغوت، فأخرجه من النور إلى الظلمات. وأما المثل الثاني فتجده فى ذلك الذي مرّ على قرية وهى خاوية على عروشها.. فهو رجل مؤمن بالله، وهو يريد أن يستوثق لإيمانه، ويطلب له المزيد من الأدلة والشواهد، وليس هذا بالذي يضير المؤمن أو يجور على إيمانه، مادام حريصا على طلب الحق، مجتهدا فى السعى إليه، والبحث عنه، فإنه بهذه النية المخلصة سيجد العون والتوفيق من الله: «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ» . وفى قوله تعالى: «أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها؟» ما يكشف عن مشاعر هذا المؤمن بالله، حين مرّ بقرية قد اندثرت معالمها، وخمدت الحياة فيها، فتمثل له

منها ما كانت عليه فى سالف الزمن، وما كانت تزخر به من عمران، وما كان يموج فيه أهلها من ألوان الحياة، ومذاهب العمل.. لقد صار كل ذلك ترابا فى تراب! واهتاجت مشاعر الرجل، وتمثل له من هذا الهمود الموحش صور من الماضي البعيد، وإذا القرية وأهلها حاضرة فى خياله، تنبض بالحياة، وتفور بالنشاط، كإحدى القرى الحية الماثلة لعينيه هنا أو هناك.. وفتح الرجل عينيه فطار حلم اليقظة الذي ارتسم فى خياله.. وتساءل: أهذا الحلم يمكن أن يصبح حقيقة؟ وهل تعود هذه الأجساد التي بلاها البلى وأكلها التراب؟ هل تعود مرة أخرى إلى الحياة؟ أذلك ممكن؟ ويهتف به هاتف الإيمان: أهذا امتحان لقدرة الله؟ أأنت فى شك من تلك القدرة القادرة على كل شىء؟ ويجيب على نفسه: معاذ الله أن أمتحن أو أشك.. ولكن!! وتموت الكلمات بعد ذلك فى صدره، ويمضى فى طريقه في صمت ووجوم!! وهنا تجىء نجدة السماء فى أطواء قوله تعالى: «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ» .. وكانت تجربة حية وجدها الرجل فى نفسه، وفى الأشياء التي بين يديه.. الرجل، وحماره، وطعامه، وشرابه.. وذلك يمثل الإنسان، والحيوان، والطعام، والماء.. إنها صورة مصغرة للقرية بكل مشخصاتها، مما يدخل عليه الفساد والانحلال مع الزمن.. الرجل وأشياؤه التي يضمها إليه.. فى رحلة إلى غاية يقصدها، ومنزلة يحط عندها رحاله.. والقرية وأشياؤها التي تضمها إليها.. في رحلة إلى غاية هى سائرة إليها، ومنزلة هى منتهية عندها.. يوم يقوم الناس لربّ العالمين! وما يكاد الرجل يعطى القرية ظهره، حتى تتردد فى أذنيه من جنباتها أصداء تلك الكلمات التي همس بها إلى نفسه: «أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها» ؟ فلا يلبث أن يخرّ صعقا! .. «فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ»

إنها رحلة طويلة فى عالم ما بعد الحياة، استغرقت مئة عام قطعها الرجل وأشياؤه مع القرية فى مسيرتها.. وصحا الرجل بعدها، فوجد من يسأله من قبل الله، على لسان هاتف يهتف به: «كم لبثت» فى نومتك تلك؟ وما حسب أنه طوى هذا الزمن الطويل فى هذا النوم الثقيل، فقال: «لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ!» ذلك ما وقع فى تقديره، قبل أن يفتح عينيه على الحياة من حوله، ويرى سير الزمن بها، وأثره فيها.. فلما قيل له: «بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ» فزع، وكرب، وجهد أن يستحضر وجوده كله، ويقظته كلها، ليعلم أهو فى يقظة أم منام.. وصحا الرجل صحوة مشرقة، فرأى الأمر على ما أخبر به.. لقد تغيرت وجوه الأرض من حوله، فأنكرها وأنكرته، بل لقد أنكر نفسه بما طرأ عليه خلال نومه الطويل، من تغيّر فى هيئته.. ووقع فى يقينه أنه نام نومة استغرقت مئة عام، وهتف به هاتف الحق: أن انظر إلى طعامك وشرابك.. إنه على ما هو عليه لم يدخل عليه فساد، بل ما زال طيبا هنيئا «لم يتسنّه» أي لم تغيّره السنون- وأصله لم يتسنّ، والهاء للسكت!! «وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ» إنه ما زال قائما إلى جوارك على عهدك به!! ففيك وفى أشيائك التي بين يديك آية لك وللناس، يرون فيها قدرة الله التي لا يعجزها شىء، ويستيقنون منها إمكانية البعث الذي يرتاب فيه المرتابون. وحين استبان للرجل كل شىء حوله، وأشرق قلبه بنور الحق، واستنارت بصيرته بهدى الله، دعى إلى أن ينظر نظرا أعمق وأشمل، إذ قيل له: «وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً» ونشز العظام هو بروزها من بين أخلاط الجنين.. وفى النظر تتكشف عملية الخلق، وبعث الإنسان من عدم، كما يقول الله تعالى: «أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً» (67: مريم) . فالذى أوجد الحياة من موات، قادر على أن يرد هذه الحياة إلى موات، كما أنه قادر على أن يعيد الحياة إلى هذا

الموات.. «كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ» (104: الأنبياء) . وتنجلى هذه التجربة المثيرة عن إيمان عميق بقدرة الله، يملأ كيان الرجل كله، وتندفع به غيوم الشك من صدره، ويزول دخان الريب من قلبه. «فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» فهذا تصديق لما كان يعلمه من قبل، وليس إنشاء لعلم جديد. ولكن شتان بين علم وعلم، وإيمان وإيمان.. «وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً» (76: مريم) . وهنا أسئلة: فأولا: هل هذه حادثة وقعت، أم هى مثل مضروب للعبرة والعظمة؟. والذي نقول به هو أن كل قصص القرآن وأمثاله، وما ورد فى هذا القصص والأمثال من أشخاص وأحداث، هو من الواقع الذي لا شك فيه، وإذا كان لنا نحن البشر أن نلجأ إلى الخيال والوهم لننسج منهما قصصا، وذلك حين يعجز الواقع عن أن يسعفنا بما نتصوره ونتمناه، فإن قدرة الخالق جلّ وعلا لا يعجزها شىء.. تريد فيقع ما تريد، كما أرادته، دون قصور أو مهل، إنها إرادة لا يخالطها وهم، ولا يطوف بها خيال، ولا تعللها الأمانىّ.. تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. فالذين يرون أن من قصص القرآن ومن أمثاله ما لا يقع، إنما يتهمون قدرة الله، وينسبون إليه ما ينسبون إلى البشر من عجز وقصور. وثانيا: هل كان الذي حدث للرجل موتا حقيقيا، أم كان سباتا ونوما طويلا، كما حدث لأصحاب الكهف؟. وكلا الأمرين يمكن أن يكون، مادام ذلك متعلقا بقدرة الله.. وكذلك الشأن فى حماره الذي كان معه!. على أننا- مع هذا- نميل إلى القول بأن ما حدث للرجل كان نوما ثقيلا

عميقا، فى مكان منعزل عن الناس والحياة، وليكن كهفا، وذلك على نحو ما حدث لأصحاب الكهف، ولكلبهم، الذي صحبهم فى نومهم الطويل. وفى قوله تعالى: «فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ» مشابه كثيرة من قوله سبحانه فى أصحاب الكهف: «فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً» (11: 12 الكهف) وثالثا: ماذا أفادت هذه التجربة فى واقع الحياة؟ ولم كانت مئة عام ولم تكن عاما، أو بعض عام.. فإن امتداد الزمن وقصره سواء، بعد أن يجاوز المدى الذي يمكن أن يحتمله الإنسان فى الحياة بلا طعام أو شراب؟. والجواب عن الشق الأول من السؤال، هو أن التجربة قد رفعت عن هذا الرجل المؤمن بالله غشاوة كانت تظلل إيمانه، وتزعج طمأنينة قلبه، وفى هذا رحمة من رحمة الله بعبد من عباده، إذ استنقذه من الضلال، وأدخله فى عباده الصالحين.. وليس هذا بالشيء القليل من معطيات هذه التجربة، كما أن هذه التجربة ليست بالشيء الكثير على قدرة الله- إنها لا تعدو أن تكون استيلادا لمولود جديد من مواليد الحياة! فإذا نظرنا إليها من هذه الزاوية هانت وصغرت بالنسبة لبابها الذي جاءت منه، وإذا نظرنا إليها من جهة دلالتها كانت شيئا رائعا عظيما مثيرا، للدلالة على قدرة الله وحكمته، وسعة رحمته! والجواب عن الشق الآخر من السؤال هو أن امتداد رحلة النوم أو الموت إلى مئة عام، إنما هو إخبار عن الحدث الذي وقع، ولو كانت هذه الرحلة عاما أو بعض عام أو عشرة أعوام أو ألف عام، لكان هذا السؤال واردا على أي زمن منها! وإذن فلا محلّ لهذا السؤال عن المائة عام! ولنؤمن بما أخبر الله به عنها، وأنها مئة عام.. ولنترك حكمة هذا الزمن الطويل لله وحده..

الآية: (260) [سورة البقرة (2) : آية 260]

على أنه- مع هذا- يمكن أن يقال إن المائة عام هى الزمن المناسب لتلك التجربة، إذ أن هذه المدة كافية لتغير وجه الحياة تغيرا واضحا، وخاصة فى الوجه البشرى منها، فمئة عام يمكن أن تأتى فى نهايتها على كل من كان حيّا من الناس فى أولها.. وبهذا يكون هذا الرجل الواقع تحت التجربة فى الأموات حكما، بعد أن كان فيهم فعلا وقد أماته الله.. وبهذا أيضا يكون كل من كان على ظهر الأرض من الناس حين قال الرجل قولته: «أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها» قد مات فى نهاية المائة عام، فلما بعثه الله من بينهم وحده، كان بعثه شاهدا على إمكان بعثهم جميعا، وشاهدا على إمكان بعث من سبقهم، ومن سيلحق بهم.. الآية: (260) [سورة البقرة (2) : آية 260] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260) التفسير: في هذه الآية صورة أخرى، تمثل المؤمن الذي يطلب المزيد من الإيمان، ليقتل فى نفسه كل وسواس، وليخمد فى صدره كل همسة من همسات الشيطان! .. ثم هى مثل آخر لمن كان وليّا لله.: يخرجه من الظلمات إلى النور. وهذا الموقف- كما قلنا- لا ينتقص من إيمان المؤمن، إذ كانت غايته طلب المزيد من النور، والجديد من العلم. فذلك طريق لا نهاية له، ولا ضلالة فيه!

وقضية الموت والبعث هى القضية الأولى فى باب الإيمان، وهى الثغرة التي تنفذ منها رميات الشيطان إلى قلوب المؤمنين! وإبراهيم- عليه السّلام- فى وثاقة إيمانه، وقوة يقينه- لا عليه إذا هو وجد طريقا إلى مزيد من الإيمان، حتى يمتلىء به قلبه، فلا يبقى فيه مكان لم يغمره نور اليقين، ولم تعمره الطمأنينة- لا عليه أن يطلب المزيد حتى يرتوى ريّا لا ظمأ بعده! وقد وجد أن ألطاف الله تحف به، ونفحاته ورحماته لا تنقطع عنه، فهفت نفسه إلى أن يسأل الله هذا السؤال الذي يشهد به جلال الله وعظمته من قريب: «رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى؟» وقد سأل موسى عليه السّلام سؤالا أعظم من هذا، فقال: «رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» (143 الأعراف) . والسؤال «بكيف» لا يكون جوابه إلا بأن يشهد إبراهيم عملية الإحياء وكيف تتم هذه العملية، والعناصر التي تعمل فيها.. وأمر كهذا هو فوق مستوى الإدراك البشرى، إنه سرّ من أسرار الألوهية، لا يستطيع أحد أن يحتمله، أو يعرف السبيل إليه. ومن أجل هذا كان الجواب آخذا اتجاها آخر غير متجه السؤال.. فيه عرض لقدرة الله، دون كشف عن سرّ هذه القدرة.. وذلك بما رأى إبراهيم بين يديه من تجليات هذه القدرة وآثارها. وفى قوله تعالى لإبراهيم: «أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟» إثارة لمشاعر إبراهيم، واستحضار للإيمان الذي يعقد عليه قلبه.. ولهذا كان جواب إبراهيم: «بلى» أي أنا مؤمن كل الإيمان «وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي» وتلك درجة فوق درجة الإيمان.. إذ لا سلطان للإنسان على قلبه، وليس من شأن القلب

أن يستقر على حال واحدة فى جميع الأحوال، لما يموج فيه من شتى المشاعر، ومختلف العواطف والنزعات.. واطمئنان القلب اطمئنانا مطلقا أمر يكاد يكون مستحيلا، لا يبلغه إلّا المصطفين من عباد الله!، بعد إبتلاء ومجاهد.. وقوله تعالى: «قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً» . هو كشف عن تجربة يجريها إبراهيم بنفسه، ويصنعها بيده، ويشهد آثارها بعينه. وتمر التجربة فى مراحل: 1- أن يأخذ إبراهيم أربعة من الطير. 2- أن يضمها إليه، ويتعرّف عليها، ويجعل لكل منها سمة خاصة يدعوها بها، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ» أي تألفهن إليك. 3- أن يقطعهنّ قطعا، ويمزقهنّ أشلاء. 4- أن يوزع أشلاءها على رءوس الجبال. 5- ثم يدعوها إليه بأسمائها، كما يدعو أهله ومعارفه بأسمائهم!. وبهذا تتم التجربة، وتجىء الطيور الأربعة مسرعة!. وقد كان.. فتمت التجربة على هذا التدبير والتقدير!. هذا، وفى الحديث عن الطير بنون النسوة ومعاملتها معاملة المؤنث العاقل، ما يدل على أنها كانت فى خضوعها لإبراهيم، واستجابتها لندائه، تفعل فعل العقلاء، وتتصرف تصرف من يعى ويعقل! وهذا يعنى أنها عند ما دعيت استجابت للدعوة فى غير توقف أو تردد! لأنها تعرف وجه الذي دعاها، وتفهم مدلول كلماته.

آية: (261) [سورة البقرة (2) : آية 261]

آية: (261) [سورة البقرة (2) : آية 261] مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (261) التفسير: المشاهد التي عرضتها الآيات السابقة، لقدرة الله وحكمته، من شأنها أن تذكى وقدة الإيمان فى النفوس، وتفتح القلوب إلى الخير، وتهيئها لاستقبال دعوات الحق وتقبلها.. وإن النصح فى تلك الحال لأشبه بالضرب على الحديد وهو ساخن! وهذا ما نجده فى تلك الآية الكريمة من الدعوة إلى البر والإحسان، بعد تلك الآيات الكريمة، التي كانت معرضا مثيرا لجلال الله وقدرته وحكمته، حيث تهتاج لها المشاعر، وتخفق القلوب!. وهنا يقول الله تعالى: «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ» . فهذا مثل للخير يربو وينمو فى مغارس الحق والخير، كما يربو العمل وينمو فى مناهج الحق والخير، وكما يربو الإيمان وينمو فى طريق الهداية والعلم! فالذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله، أي فى كل وجه من وجوه الخير والحق، إذ سبيل الله كلها حق، وكلها خير- هؤلاء إنما يجنون ثمرة هذا الغرس الذي غرسوه فى سبيل الله.. أضعافا مضاعفة، كما يزرع الزارع حبة فى أرض طيبة فتنبت سبع سنابل، تحمل كل سنبلة مئة حبة! هكذا الحبة تعطى سبع مئة حبة، والحسنة تجازى بسبع مئة حسنة «وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ

الآية: (262) [سورة البقرة (2) : آية 262]

يَشاءُ» أي يضاعف هذه الحسنات، فلا تكون الحسنة بسبع مئة حسنة، بل بأضعاف هذه السّبع مئة «وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» لا حدّ لفضله، ولا نفاد لرزقه، يضع ذلك حيث شاء علمه، الذي يحيط بكل شىء ويعلم كل شىء!. ولعلّ سائلا يسأل: أهذا تمثيل وتخييل، أم أنه حقيقة واقعة؟ وهل هناك حبة تنبت سبع سنابل؟ وإذا صح هذا، فهل هناك سنبلة تحمل سبع مئة حبة؟. وقد قلنا من قبل إن أمثال القرآن الكريم، وأحداث قصصه، كلها من واقع الحياة، ليس فيها شىء على سبيل الفرض المستحيل أو للممكن، بل هى الواقع المخبر عنه بالحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. إن الذي يلجأ إلى الفرض هو العاجز الذي لا يقدر على تحقيق ما افترضه، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وفى هذا المثل.. ليس ببعيد أن تكون هناك الحبة التي تنبت سبع سنابل، وأن تحمل كل سنبلة منها مئة حبة، فما أكثر غرائب الطبيعة وعجائبها، وكم من امرأة ولدت ثلاثة توائم أو أربعة أو خمسة أو ستّة؟ كذلك الله يخلق ما يشاء! .. ولقد اهتدى العلم الحديث إلى معجزات فى عالم النبات بحيث تلد الحبة أكثر من سبع مئة حبة. الآية: (262) [سورة البقرة (2) : آية 262] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) التفسير: الإنفاق فى سبيل، الله لا يكون إنفاقا فى سبيل الله حقّا، حتى يكون خالصا لله، صافيا من كلّ كدر، ليصل إلى جهته طيبا، نافعا، لا يصيبها منه ضر أو أذى.. فإن الخير إذا شيب بالمكروه، واتصل بالضرّ

الآية: (263) [سورة البقرة (2) : آية 263]

شاه وجهه، وفسدت طبيعته، ولم يكن إحسانا بقدر ما هو إساءة.. وبهذا تضيع الحكمة منه، ويذهب الأثر المعلق عليه. فالذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله، طيبة بها نفوسهم، سخية بها أيديهم، محسنة بها ألسنتهم، يتقبّل الله سبحانه منهم عملهم، ويجزيهم به الجزاء الحسن الذي وعدهم: «لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» إذا خاف الناس يوم القيامة، لما بين أيديهم من هول، وإذا حزن الناس يوم القيامة لما فاتهم من عمل صالح يقدمونه لهذا اليوم.. فهؤلاء قد آمنهم الله من الخوف لما يرون من بشريات الجزاء الحسن لأعمالهم الصالحة، وقد أخلى قلوبهم من الحزن على أن لم يكونوا قدموا لهذا اليوم العظيم. الآية: (263) [سورة البقرة (2) : آية 263] قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) التفسير: الكلمة الطيبة صدقة.. والصدقة التي تحمل وراءها الأذى، فى كلمة جارحة للمتصدّق عليه، تخدش حياءه، أو تمس إنسانيته وكرامته- هذه الصدقة منعها خير من إعطائها.. فإن كرامة الإنسان فوق شبع البطن أو كسوة الجسد! بهذا الأدب الربانىّ يؤدب الله عباده، ويحفظ عليهم إنسانيتهم، ويصون كرامتهم، ويعليهم فوق حاجة الجسد ومطالبه.. فليستعفف الإنسان عن أن يمدّ يده ما استطاع، ثم ليتأدب المحسن، وليقدم إحسانه فى لطف ويسر وستر، حتى يتقبّل الله منه إحسانه، وحتى يكون محسنا حقّا!، وليمسك المحتاج،

الآية: (264) [سورة البقرة (2) : آية 264]

وليتجمل بالصبر، حتى لا يكون بالمكان الذي قد يتعرض فيه لكلمة جارحة من أحمق أو سفيه، يمدّ إليه يده بشىء من الإحسان، محمّلا بالمن والأذى! قوله تعالى: «وَمَغْفِرَةٌ» هى مغفرة مطلوبة من المتصدّق، فهو الجانب القوى الذي يملك العفو والمغفرة، وذلك كأن يساء إليه ممن أحسن هو إليه، فلا يلقى هذه الإساءة بالمنّ عليه وفضحه بين الناس، حين يمنّ عليه بما كان من سابق إحسانه إليه.. وليذكر أنه إنما وضع إحسانه فى سبيل الله، وقدمه خالصا لوجه الله.. وقوله تعالى: «وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ» تذكير للمحسنين بأنهم إنما يحسنون بما أحسن الله به إليهم، وأن غناهم مستمد من غنى الله، والله الذي أعطاهم هذا العطاء يغفر لهم الكثير، ويتجاوز لهم عن الكثير، حلما منه وفضلا وكرما، فليغفروا هم لمن أحسنوا إليهم، ثم قابلوا الإحسان بالإساءة.. الآية: (264) [سورة البقرة (2) : آية 264] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (264) قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى» تنبيه للمؤمنين الذين يغرسون فى مغارس الخير، من أن تسطو على هذا الغرس آفة فتذهب به، ويضيع أجرهم الذي كانوا يرجونه عند الله. والمنّ.. هو إزعاج المحسن إليه من المحسن بما يذكر- بمناسبة أو بغير مناسبة- من إحسانه إليه وفضله عليه، يريد بذلك استصغاره وامتهانه، على حين ينبغى لنفسه تفاخرا وتعاليا.

فالمنّ أذّى جارح قد يصيب الإنسان فى مقاتله.. ولهذا كان هو الآفة التي تأكل الصدقة كما تأكل النار الحطب، إذ قد استوفى بها صاحبها حقّه من المتصدق عليه، حين أحسن أولا، ثم أساء ثانيا.. فذهبت إساءته بإحسانه. وقوله تعالى: «كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» هو مثل رفعه الله لأعين المؤمنين الذين يتصدقون، فيذهب بصدقتهم ما سلطوه عليها من منّ وأذى، وفى هذا المثل يرون صورة واضحة ناطقة، للإحسان الذي يذهب هباء ويضيع هدرا. فالكافر الذي يؤمن بالله واليوم الآخر، لا يتقبل الله منه صالحا أبدا، لأنه أبطل كل صالح بهذا الكفر الذي انعقد عليه قلبه، وفسد به كيانه كلّه. وقد يتصدق هذا الكافر لا لوجه الله، ولا فى سبيل الله، ولكن ليرى الناس إحسانه، أو ليملك وجودهم بإحسانه إليهم، أو ليحتل منزلة فى قلوبهم.. فهذه الصدقة وغيرها مما يحسب فى وجوه البر والإحسان مما تجود به يد الكافر، لا يتقبلها الله، ولا يجزى الجزاء الحسن عليها، والله سبحانه وتعالى يقول: «مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ» (18: إبراهيم) . وإنها لصورة كريهة مفزعة للمؤمن الذي يتصدق فيبطل صدقته بيده كما يبطل الكافر إحسانه بكفره! وهنا يتمثل المنّ والأذى كأنه الكفر.. وإذ تجنب المؤمن الكفر حتى حسب فى المؤمنين، فليتجنب المنّ والأذى حتى يكون فى المحسنين، وإلا فهو والكافر فى هذا الموقف سواء بسواء.. لا يقبل الله من أىّ منهما عمله الذي عمل.

ثم ضرب الله سبحانه مثلا للكافر ولأعماله التي تدخل فى باب الإحسان، وما لهذه الأعمال من وزن عند الله!. فالكافر فى ذاته حجر صلد، أصمّ، لا يمسك خيرا، ولا يجود بخير!. وأما ما يكون منه من أعمال حسنة فى ظاهرها، فهى أشبه بما يعلو هذا الحجر الصلد الأصم من تراب.. والتراب من شأنها أن تنبت الزرع، وتخرج الثمر، إذا رواها الماء واختلط بها. والصورة تبدو هكذا: الكافر وأعماله التي يرجى خيرها، والحجر الصلد وما عليه من تراب، يرجى منه أن يكون يوما أرضا معشبة، أو حبة مثمرة! وينجلى الأمر عن هذا الموقف هكذا: الكافر يوم القيامة، وقد جاء عريانا مجردا من كل عمل ينفعه فى هذا اليوم.. والحجر الصلد وقد أصابه الغيث فجرف بتياره العنيف كل ما عليه من تراب، فانكشف وتعرّى، وأصبح ولا موضع فيه لنبت يطلع منه! وفى هذا يقول الله تعالى: «فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ» والصفوان: الحجر الأصم. والوابل: المطر الغزير، والصلد: الأصم الأملس. وقوله تعالى: «لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا» استحضار للكافرين جميعا ليشهدوا هذا الموقف الذي يتعرّى فيه الكافر من كل شىء، كما أنه استحضار للمحسنين الذين أبطلوا إحسانهم بالمن والأذى.

الآية: (265) [سورة البقرة (2) : آية 265]

الآية: (265) [سورة البقرة (2) : آية 265] وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) التفسير: بعد أن ضرب الله سبحانه وتعالى مثلا للذين ينفقون ولا يتقبل الله ما ينفقون، لأنهم إما كانوا كافرين بالله، وإما كانوا مؤمنين ولكن يتبعون ما أنفقوا المنّ والأذى- بعد أن ضرب الله مثلا لهؤلاء وأولئك، ضرب- سبحانه- مثلا للمؤمنين الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله، ابتغاء مرضاته. فمثل ما ينفق هؤلاء المؤمنون كمثل من غرس جنة بربوة عالية، وهى المكان المرتفع، تستقبل أشعة الشمس صافية مطلقة، وتتنفس أرواح النسيم عليلا بليلا، وتمتص أنداء الليل نقية معطرة، وترتضع أخلاف السحاب عذبة صافية، وهذا ما يجعل ثمرها مباركا، وعطاءها جزلا مضاعفا، بما اجتمع لها من طيب المكان، والماء الروىّ، وسلامة المفترس من الآفات.. وهكذا يربى الله للمؤمنين المتصدقين صدقاتهم، إذا غرسوها بعيدا عن متناول الآفات التي تأكلها وتأتى عليها، وهى المنّ والأذى. وقوله تعالى: «فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ» أي أن هذه الجنة التي قامت فوق الربوات العالية، لا تنقطع عنها أمداد السماء، فإن لم يسقها المطر الغزير فى بعض الأوقات، سقتها أنداء الطل التي لا تنقطع أبدا فى تلك المواطن.. وكذلك إحسان المحسن المؤمن، ينمو ويزدهر مثل تلك الجنّة، فإن فضل الله دائما متصل بهذا الإحسان، يغذيه وينميه لصاحبه، حتى يجده شيئا عظيما يسر العين، ويشرح الصدر!.

الآية: (266) [سورة البقرة (2) : آية 266]

الآية: (266) [سورة البقرة (2) : آية 266] أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) التفسير: وفى مواجهة هذه الجنة المونقة المعجبة، على صدر تلك الربوة الشامخة، جنة من نخيل وأعناب، ومن كل الثمرات.. قد آتت أكلها، ونضجت ثمارها.. يملكها رجل أصابه الكبر، ودنا منه شبح الموت، وبين يدى الرجل ذرية ضعفاء، لم يقدروا بعد على العمل والكسب، فهم فى حاجة إلى من يعولهم، ويدبر لهم وسائل العيش، وهو ينظر إليهم فى حالهم تلك، وقلبه يخفق إشفاقا عليهم، وخوفا من أن تقسو عليهم الحياة من بعده، ويمسّهم الضر والأذى بفقده، ولكنه ينظر من جهة أخرى إلى تلك الجنة التي بين يديه، وما فيها من خير كثير، ورزق موفور، فيطيب خاطره، ويطمئن قلبه، أن ترك لصغاره هذه الجنة، يسرحون فيها ويمرحون.. وفيما الرجل يردد النظر بين صغاره وبين جنته، وفيما هو بين نوازع الألم والحزن، وبارقات الرجاء والرضى، يطلع عليه من وراء الأفق عاصف مجنون، يسوق بين يديه شواظا من سموم، فيرمى به تلك الجنة، فإذا هى رماد تذروه الرياح!. إنها القيامة.. ولقد وجد الرجل نفسه عاريا من كل شىء، لم يترك لصغاره شيئا بعده، ولم يجد بين يديه شيئا لمصيره! فما أشأم هذا الموقف وما أنكده وأقساه.. وحزن مرير على ما فات، وخوف شديد مما هو آت!. وإنها لحسرة تأكل الإنسان ظهرا لبطن..!

الآية: (267) [سورة البقرة (2) : آية 267]

وفى هذه الصورة المفزعة، فى هذا الرجل الفاني، وصغاره، وجنته المزهرة المعجبة المثمرة، عبرة لمعتبر!. فلقد أضاع الرجل جنته بيده، وحرقها بسموم أنفاسه! إنه كان من المحسنين، الذين غرسوا فى مغارس الخير، وكان يرجى لغراسه هذا أن يكون منه زاد لصغاره بعد مماته، كما يكون منه الزاد الطيب العتيد له يوم حسابه، فإن المحسن فى الدنيا تعود نفحات من إحسانه على ذريته من بعده، كما يقول الله سبحانه وتعالى فى الغلامين صاحبى الجدار، فى قصة موسى والعبد الصالح: «وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً» . (82: الكهف) ولكن الرّجل أفسد كلّ شىء، وأتلف ما غرس بيده، إما لأنه كان كافرا لم يتقبل الله منه عملا أصلا، وإما لأنه كان مؤمنا محسنا، ولكنه يبطل إحسانه بالمنّ والأذى!. فلينظر الإنسان أين يكون مكانه فى المحسنين: أيكون محسنا مؤمنا، لا يبطل إحسانه بالمنّ والأذى.. أم محسنا مؤمنا، يسلّط على إحسانه منّه وأذاه فلا يبقى على شىء منه.. أم يكون كافرا يمحق كفره كل شىء، ويأتى على كل صالح؟ «كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ» . الآية: (267) [سورة البقرة (2) : آية 267] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) التفسير: آفة أخرى من الآفات التي تتسلط على إحسان المحسنين،

وإن لم تكن من تلك الآفات التي تأتى على كل إحسان، ولكنها تغيّر وجهه، وتهزل كيانه، وهى أن يمدّ المحسن يده إلى ما لا تطيب نفسه به، ولا يشتد حرصه عليه، من ماله أو متاعه، أو طعامه، فينفقه فى سبيل الله، ونفسه مستغنية عنه، زاهدة فيه.. والله سبحانه وتعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، فكيف يقدّم إليه ما عافته النفس، أو استثقلته أو زهدت فيه؟ والله سبحانه وتعالى يقول: «لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ» (92: آل عمران) فقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ» دعوة إلى الإنفاق من الطيب الذي تحبه النفس وتتعلق به، وفى ذلك تغلّب على نوازع النفس، واستعلاء على حرصها على هذا الطيب وتعلقها به، الأمر الذي لا يكون إلا عن مجاهدة وإيثار وتضحية.. فإنه على قدر المشقة يكون الثواب! وقوله تعالى: «وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ» تنبيه وتحذير من نوازع النفس التي تغلبها الأثرة، عن أن تنفق- حين تنفق- إلا من خبيث ما معها.. وتسمية الشيء المكروه أو المزهود فيه أو المستغنى عنه- خبيثا، للتنفير منه، ولاستبعاده فى مجال الإحسان، والإنفاق فى سبيل الله.. والتيمم هو القصد، فما كان عن غفلة فليس تيمما. وقوله تعالى: «وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ» الإغماض غمض الطرف تكرها، وتقززا.. ومعنى هذا أن الإنسان لا يرضى أن يأخذ الشيء المزهود فيه أو المستغنى عنه، أو المشوب المعيب بأية شائبة أو عيب-- إلا متكرها، فكيف يعطى الإنسان ما هو معطوب معيب، وهو لا يقبل أن يأخذ مثل هذا المعطوب المعيب؟ إن ذلك ليس عدلا، وليس إحسانا! قوله تعالى: «وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ» دعوة إلى البذل والإنفاق فى سخاء، وعلى يقين بأن الله سبحانه هو الغنى الذي لا تنفد خزائنه، يربى صدقة

الآية (268) [سورة البقرة (2) : آية 268]

المتصدقين، ويضاعف إحسان المحسنين حيث يقول سبحانه: «وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ» (39، سبأ) ومع هذا السخاء فى البذل والإحسان ينبغى أن يكون المبذول والمحسن به مما هو طيب كريم محمود حتى يقبله الله ويحمده، ويجزى الجزاء الحسن عليه. الآية (268) [سورة البقرة (2) : آية 268] الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (268) التفسير: (الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ) أي يخوّفكم منه، وينذركم به، إذا أنتم أنفقتم فى سبيل الله، والأصل فى الوعد أن يكون بالخير، والإيعاد بالشرّ، ووعد الشيطان هنا لمن يوسوس له بالشحّ والإمساك مخافة الفقر- وعده له بالفقر، إنما هو فى صورة الخير، إذ يحذره ويربه عاقبة أمره، فهو وعد الناصح الأمين الحريص على مصلحة من ينصحه.. هكذا يزين الشيطان للناس الشر ويلبسه وجه النفع والخير. (وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ) . والفحشاء كل شىء مكروه، وكل رذيلة مستقبحة.. هذا ما يأمر به الشيطان، وهو لا يأمر على الحقيقة، ولكنه يزين، ويوسوس، ويخدع، فإذا المنخدع له مستجيب لما يدعوه إليه، ويوسوس له به، فكأنه- والحال كذلك- ينفد مشيئة من، لا يرد له أمرا. (وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا) هذا ما يجىء من قبل الله، وما تحمله إلى الناس دعوات رسله.. المغفرة لمن تاب وأناب إلى الله، وأصم أذنيه عن دعوة الشيطان، والفضل وسعة العطاء ووفرته لمن أعطى

الآية: (269) [سورة البقرة (2) : آية 269]

وبذل وأنفق فى سبيل الله.. (وَاللَّهُ واسِعٌ) أي فى عطائه ومغفرته، فلا حدود ولا قيود (عليم) بما تعملون من خير أو شر فيجازيكم بما تعملون. فهاتان دعوتان: إحداهما من الشيطان، والثانية من الله.. والأولى تسلك بمتبعها مسالك الهلاك والبوار، على حين تسلك الثانية بسالكها إلى موارد الرحمة والرضوان.. فلينظر المرء إلى نفسه، وليستقم على أي طريق شاء «وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ» . (29: الكهف) الآية: (269) [سورة البقرة (2) : آية 269] يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (269) التفسير: «الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ» (18: الزمر) . فهؤلاء هم الذين رزقهم الله بعض ما يرزق عباده من السداد والتوفيق، والاستماع إلى دعوة العقل، والاتهام لداعى الهوى ووساوس الشيطان.. وهذا من موارد الحكمة، ومن ثمرات الحكماء «وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً» إذ يكون أمره إلى عقل يهديه، وبصر يقيمه على سواء السبيل، فلا يفعل إلا خيرا، ولا يجنى إلا خيرا «وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ» «الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ» . والحكمة: هى البصيرة النافذة، التي تقدر الأمور قدرها، وتضع كل شىء موضعه.

الآية: (270) [سورة البقرة (2) : آية 270]

الآية: (270) [سورة البقرة (2) : آية 270] وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (270) التفسير: الذين ينفقون فى سبيل الله نفقة صغيرة أو كبيرة، أو يعقدون أنفسهم على نذر لله ويوفّون به، فإن ذلك كلّه محسوب لهم عند الله، لا يضيع منه شىء، وسيجازيهم عليه، ويدفع عنهم أهوال يوم كان شره مستطيرا، على حين يتلفت الظالمون يومئذ فلا يجدون لهم فى هذا اليوم وليا ولا نصيرا، فقد ظلموا أنفسهم، فلم يعملوا لها حسابا لاستنقاذها من شر ذلك اليوم وأهواله. الآية: (271) [سورة البقرة (2) : آية 271] إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) التفسير: الصّدقات هى ما يتطوع له الإنسان من خير، غير المفروض عليه من زكاة. وقد تدخل الزكاة فى باب الصّدقات. وصدقة التطوع، من الخير أن تقع ليد مستحقها من الفقراء فى ستر وخفية، حتى لا يخدش حياؤه، ولا يظهر للناس فى موقف يجرحه ويحرجه. وفى هذا التدبير تبرز وجوه من الحكمة: فأولا: حفظ الكرامة الإنسانية، وصونها. ثانيا: قهر مشاعر التعالي والتعاظم فى نفس من يتصدق.

الآية: (272) [سورة البقرة (2) : آية 272]

ثالثا: إشعار المتصدق عليه أنه بسؤاله واستجدائه ومدّ يده إلى الغير، إنما يأتى عملا شائنا، ومن الحكمة أن يفعله الإنسان- إذا اضطر إليه- فى ستر وخفاء، وفى هذا تحريض له على التحول من هذا الموقف، والتماس وجه للعمل، حتى بكفّ يده عن السؤال!. وكذلك الشأن فى الزكاة حين يضعها المزكّى فى يد مستحقيها.. فإنه من خير أن تحمل إليهم فى ستر وخفاء.. أما إذا كانت تقدم لجهة برّ عامة، أو ليد ولىّ الأمر فإن إبداءها خير من إخفائها، لما فى ذلك من تحريض للغير على أدائها. وفى قوله تعالى: «إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ» بيان لفضل الإحسان ومنزلته عند الله، وأنه مقبول على أي حال، سواء كان فى سر أو فى جهر، ما دامت النيّة الخالصة من ورائه، غير متبوع بمن ولا أذى!. الآية: (272) [سورة البقرة (2) : آية 272] لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (272) التفسير: بعد أن دعا الله سبحانه وتعالى إلى الإنفاق فى سبيل الله، وبيّن وجوه هذا الإنفاق وأسلوبه، والعوارض التي تعرض له، وما ينبغى على العاقل من تجنبها، حتى يكون هذا الإحسان مقبولا عند الله- بعد أن بين سبحانه وتعالى كل هذا أوضح بيان، لم يبق إلا أن ينظر الإنسان لنفسه، وأن يتخيّر طريقه، فاما أن يستمع إلى ما أمر الله به ويسير عليه، فيسلم

الآية: (273) [سورة البقرة (2) : آية 273]

ويسعد، وإمّا أن يسلم يده للشيطان، ويتبع سبيله فيضل ويشقى، فليحمل الإنسان إذن مسئولية هذاه أو ضلاله «بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ» (14- 15 القيامة) . وليس على النبىّ إذن حمل النّاس حملا على الإيمان، وإكراههم إكراها على الهدى، فما على الرسول إلّا البلاغ، فمن أراد الله له الخير شرح الله صدره، وشدّ عزمه، وثبت قدمه على طريق الحق والخير. «لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ» . قوله تعالى: «وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ» أي هو لكم ثوابه، وإليكم عائدة ثمرته، وذلك إذا كان هذا الإنفاق ابتغاء وجه الله، خالصا له، بعيدا عن الرياء والمنّ والأذى «وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ» فهو الوجه المقبول عند الله، وهو الوجه الذي يجب أن يتوجه إليه الإنفاق «وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ» أي أن ما أنفقتموه على هذا الوجه فهو مقبول عند الله، يجزيكم به أضعافا مضاعفة «نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» (56: يوسف) . الآية: (273) [سورة البقرة (2) : آية 273] لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) التفسير: فى قوله تعالى: «لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» الجار والمجرور «للفقراء» متعلق بمحذوف تقديره النفقة مطلوبة للفقراء الذين

أحصروا فى سبيل الله والحذف هنا أبلغ من الذكر، حيث يشعر بأنّ أمر هؤلاء الفقراء فى غنىّ عن أن يحرّض عليه، فحقّهم على المحسنين واجب لا يحتاج إلى بيان. وقوله تعالى: «أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» أي حبسوا عن الكسب، بسبب اشتغالهم بما هو أهم، وهو أنهم يعملون فى سبيل الله، كالمجاهدين أو الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم لإيمانهم بالله، ولم تتهيأ لهم أسباب الرزق، أو قعد بهم المرض أو الكبر، وهم يعملون فى سبيل الله.. أو غيرهم ممن افتقروا وهم قائمون فى سبيل الله.. «لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ» . وقوله: «يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ» أي أنّ هؤلاء الفقراء ليسوا من الطفيليين الذين يعيشون عالة على كسب غيرهم، وإنما هم أزهد الناس فيما فى يد الناس، وقد بذلوا أنفسهم وخرجوا عن ديارهم وأموالهم فى سبيل المبدأ والعقيدة، ومن أجل هذا فهم- على فقرهم وحاجتهم- متجملون بالتعفف والقناعة والصبر، حتى ليحسبهم من لا نفاذ لبصره فى حقائق الأمور، أنهم أغنياء لا حاجة بهم إلى شىء من مال أو متاع، وقد يكون أحدهم طاويا لأيام لم يذق طعاما. ولكن البصير الذي يتفرس فى وجوههم، فينفذ إلى دخيلة أمرهم يجد منهم ما يخفيه تعففهم وتجملهم من ضرّ الجوع، وأذى المسغبة.. ومن هنا كان واجبا على المحسن أن يتحسّس حاجة المحتاجين، وأن يتعرف على ذوى الحاجة المتسترين الذي يمنعهم الحياء والتعفف عن أن يسألوا.. فهؤلاء هم أحق الناس بالعون والإحسان!. وقوله تعالى: «لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً» هو سمة من سمات المتعففين من ذوى الحاجة، وأنهم إذا سألوا سألوا فى رفق، وعلى استحياء.. وذلك

الآية: (274) [سورة البقرة (2) : آية 274]

أنهم لم يعتادوا السؤال، ولم يقفوا هذا الموقف من قبل، وإلا لذهب حياؤهم، وانحلّت عقدة ألسنتهم، وأصبح السؤال عادة عندهم.. ومثل هؤلاء لا يكونون على سبيل الله، ولا فى سبيله! الآية: (274) [سورة البقرة (2) : آية 274] الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) التفسير: الإنفاق فى سبيل الله وابتغاء مرضاته، مقبول فى كل وقت، بالليل والنهار، وعلى أي أسلوب.. سرّا وعلانية، والمنفقون على هذا الوجه مقبولون عند الله، مكفول لهم أجرهم، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، يوم يخاف الناس، ويحزن الناس! الآية: (275) [سورة البقرة (2) : آية 275] الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (275) التفسير: لم تعطف هذه الآية على ما قبلها، وإن كان سياق النظم يقضى بهذا، على نحو ما تجرى عليه فى أسلوبنا، بل وعلى ما جرى عليه نظم القرآن فى كثير من المواقف المشابهة لهذا، حيث يعطف الليل على النهار، والمحسن على المسيء والمؤمن على الكافر، وهكذا.

لم يقع العطف هنا بين الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية، والذين يأكلون الربا- على غير المألوف- وذلك للبعد البعيد الذي بين هؤلاء وأولئك، حيث لا يمكن أن يلتقيا على أي وجه من الوجوه.. فهما أكثر من متناقضين. وأبعد من متضادّين، وفى هذا تشنيع على الرّبا وآكليه، وعلى عزلهم عن المجتمع الإنسانى كلّه، حتى مجتمع الكافرين والمنافقين، لأن كلا من المنافق والكافر يأكل نفسه على حين أن آكل الربا يأكل نفسه ويأكل ضحاياه المتعاملين معه! وقوله تعالى: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا» الرّبا فى الأصل الزيادة والنماء، وفى عملية الرّبا زيادة فى مال المرابى ونماء له، ثم أطلق على عملية الرّبا المعروفة، شاملا جميع أطرافها المال المتعامل به، وصاحب المال، وآخذه. فالذين يأكلون الربا هما الطرفان المتعاملان به.. المقرض، والمقترض، حيث لا تتم العملية إلا بهما معا.. والأظهر هنا أن المراد بهم، هم المقترضون حيث يأخذون المال «الربا» ويأكلونه، أي يستهلكونه فيما اقترضوا. وفى قوله تعالى: «لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ» . أكثر المفسّرون من التأويل والتخريج لهذا المقطع من الآية الكريمة، واستهلكوا كثيرا من الجهد فى البحث عن معنى التخبط، والشيطان، والمسّ، وفى الصورة المركبة من هذه الجزئيات، وكلهم ناظر إلى أن المراد بآكل الربا هو المقرض دون المقترض. غير أن جميع هذه الآراء، وتلك التخريجات لم نجد منها ما نطمئن إليه، ونقنع به. وقد أوردنا النظر إلى الآية الكريمة على وجه غير الوجه الذي التفتوا إليه، ووقفوا عنده، فظهر لنا منها ما وجدنا له مفهوما، وفيه مقنعا!

فنقول- والله أعلم- إن الضمير فى قوله تعالى: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ» يراد به المقترضون بالربا، وهم- كما قلنا- الذين يأكلون هذا المال المقترض، ويستهلكونه فى الأمر أو الأمور التي اقترضوا من أجلها. ويسند هذا الرأى أن المقرض- وهو المرابى- لا يأكل المال الذي أقرضه بالرّبا، ولا يستهلكه، وهذا ما ينطق به ظاهر اللفظ «يأكلون» والحمل على الظاهر أولى، ولا يصار إلى غيره إلا عند ما يكون للظاهر وجه مقبول! هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإننا لو نظرنا فى الصورة كلها على هذا الوجه، لبدا لنا أن آكلي الرّبا، وهم المقرضون- على ما ذهبنا إليه- قد رهقهم الدّين، وأثقلهم حمله، وأنهم أصبحوا فى يد المرابى كالسمكة فى شبكة الصياد، كلّما ضربت برأسها وذنبها فى الشبكة لتجد طريقا إلى الخلاص كلما اشتد ضغط الشبكة عليها وإمساكها بها.. فالمقترض بالربا قد علقت به حبائل المرابى، وكلما أراد أن يفلت من يده، ويتخفف من الدين الذي أثقله به كلما ازداد إحكام يده عليه، وتضاعف الدين الذي كان ينوء به! والصورة التي رسمها القرآن الكريم لآكلى الربا من المقترضين أحكم إحكاما، وأردع روعة من كل صورة تكشف عن حال هؤلاء المقترضين وسوء المصبر الذي يتخبطون فيه! «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ» . إنهم كلما أرادوا أن يقوموا من هذا الهمّ الثقيل الذي أقعدهم وأعجزهم عن السير فى ركب الحياة مع الناس، تخبطوا واضطربوا، فقاموا ثم قعدوا،

وقاموا ثم قعدوا.. ثم لا يكاد أحدهم بهم بالقيام حتى يسقط، ثم يهم ويسقط، ثم يختلج جسده كلّه، ويضطرب كيانه كله، فيخر صريعا، ويضطرب على الأرض اضطراب الجمل المذبوح! والممسوس الذي أصابه الصّرع هو الذي يمثل تلك الحال أدق تمثيل.. فى اضطرابه وتخبطه، وقيامه، وسقوطه، ثم ارتماؤه أخيرا على الأرض يرتعش رعشة المحموم، ويضطرب اضطراب الحيوان الذبيح! وسواء أكان للشيطان مسّ أم لم يكن، فإن النّاس يشهدون المصروعين، ويرون النوبات التي ينتابهم فيها الصرع، على هذا النحو الذي ذكرناه. على أنه ليس بالمستبعد أن يتسلط الشيطان على بعض الأجساد، فيصيبها بهذا الداء.. وقد ورد فى الإنجيل أن المسيح عليه السّلام كان يشفى الممسوسين والمصروعين- وأنه كان يخرج الشياطين الحالة بأجسادهم فيبرءون. ففى إنجيل متى: «ولما جاءوا إلى الجمع تقدم إليه رجل جاثيا له، وقائلا: يا سيد ارحم ابني، فإنه يصرع ويتألم شديدا، ويقع كثيرا فى النار، وكثيرا فى الماء.. فانتهره يسوع فخرج منه الشيطان، فشفى الغلام من تلك الساعة» (الإصحاح 17) وإذا فهمنا الآية على هذا الوجه بدا لنا أنها؟؟؟ تتجه إلى المقترضين بالرّبا والمقترضين، وأنها تمثل لهم المصير الذي سيصيرون إليه إذا هم تعاملوا بالربا، ووقعوا فى شباك المرابين.. وبهذا يظهر حرص الإسلام على حماية هؤلاء المقترضين، وهم من ذوى الحاجات وتحذيرهم من أن يغريهم المطعم فى هذا الفخ المنصوب لهم. إن المقترض بالربا لا يكون غالبا إلا من ذوى الحاجة والمعسرة، وأن يده

أعجز من أن تسعفه بحاجاته التي تمسك عليه حياته.. فهو يلجأ إلى المقرضين بالرّبا، تحت هذا الظرف القاسي، فيقدم على القرض بالرّبا مضطرا، ويحمل هذا العبء الثقيل مكرها، ليدفع بذلك خطرا داهما، بتهدده ويتهدد أهله بالموت جوعا.. ثم إذا جاء الوقت المعلوم لأداء هذا الدّين وما زيد عليه من ربا، وجد نفسه عاجزا عن الوفاء بالأداء، فيضطر تحت الحاجة إلى المادّة فى الأجل، ومضاعفة الدين.. وهكذا تمضى الأيام، ويد المدين عاجزة عن الوفاء، والدين يتضاعف عاما بعد عام، حتى يبدو وكأنه جبل يجثم على صدر المدين، فلا يقدر على الحركة إلى أي اتجاه. فهذه هى صورة المقترض بالرّبا، يمشى فى الناس وكأنه يحمل ثقلا من الأحجار ينوء به كاهله، وينحنى منه ظهره، ويضطرب معه خطوه. وفى هذا ما فيه من تبعيض فى الرّبا، وتنفير من التعامل به. والحق أنه لو امتنع المقترضون بالرّبا عن طرق أبواب المرابين لما وجد هؤلاء المرابون من يتعاملون معه، ولما تمت هذه الجريمة المنكرة! وفى قوله تعالى: «لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ» تشبيه للمرابى بالشيطان، إذ كان مصدر شر يتهدد حياة من يتعامل معه، ويذهب بمقومات حياته، ويغتال ثمرة جهده.. وكما أن الشيطان يزيّن للإنسان الشرّ، ويغريه به، حتى ليسيل لعابه إلى تلك المنكرات التي يوسوس له بها، ويرفعها لعينيه فى صورة رائعة معجبة- كذلك يفعل المرابى، بما فى يديه من مال أعدّه للمراباة، ولوّح به لذوى الحاجات، فجاءوا إليه،

ووقعوا فى شباكه، كما يقع الفراش فى النار، وهو يرقص على ضوئها الذي خيل إليه أنه مطع فجر جديد. فالمرابى شيطان يتسلط على المتعامل معه، فيصاب منه بالخبل والاضطراب، كما يصاب الممسوس من الشيطان بالتخالج والتخبط. من هذا كله نرى أن ما ذهبنا إليه من أن «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا» هم الذين يقترضون بالرّبا من المرابين، وليسوا هم المرابين، كما ذهب إلى ذلك المفسرون. وهذا المعنى الذي ذهبنا إليه يجعل الآية الكريمة غير منسوخة، كما يقول ذلك المفسرون بإجماع، وإنما هى لتقرير حكم خاص بطرف من أطراف العملية الربوية، وهو الطرف المقترض، لا المقرض.. أما المقرضون بالرّبا فسيجىء بعد ذلك الحكم الخاص بهم، فى قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» . وأما تقديم المقترضين بالربا على المقرضين به فى مجال التشنيع على الرّبا، والتهديد للمتعاملين به، فذلك لأن المقترض- كما قلنا- هو الذي بيده مفتاح هذه العملية، وأنه هو الذي يطرق باب المرابى. وبتلك الطرقات يفتح الباب، وتتم الجريمة.. ولو أمسك المقترضون عن التعامل بالرّبا لما وجد المرابون سوقا رائجة يتعاملون معها. فكان تقديم الحديث إليهم فى هذا الموقف هو من مقتضيات الحكمة والبلاغة معا. قوله تعالى: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا» القول هو قول آكلى الرّبا، وهم المقترضون، والإشارة ب «ذلك» إشارة إلى تلك الحال التي لبست آكلى الرّبا، وما صار إليه أمرهم بعد أكله، حتى أصبحوا كمن يتخبطه الشيطان من المسّ.

والمعنى: أن هؤلاء الذين أكلوا الرّبا إنما صار حالهم إلى ما هو عليه من السوء والبلاء بسبب غفلتهم، وسوء تقديرهم، واغترارهم بظاهر الأمور، حتى حيّل إليهم أن التعامل بالرّبا لا يعدوا أن يكون من باب البيع، وأنه كما يشترى المشترى السلعة بالثمن الذي يتفق عليه بالتراضي مع البائع، كذلك يشترى المقترض بالرّبا المال الذي اقترضه بالثمن الذي يتفق عليه بالتراضي مع المقرض.!! هكذا يركب الإنسان طرق الشرّ ويأكل ما يلقاء فيها من خبيث الطعام، وهو يحسبه الطيب الهنيء المريء، ثم لا يقف عند هذا، بل يتكلّف له المبرّرات والمسوّغات. وقولهم: «إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا» جاء على غير المألوف المتوقع، وهو أن يقولوا: «إنما الرّبوا مثل البيع» إذ أنهم إنّما قبلوا الرّبا، ورضوا بالتعامل به، قياسا على أصل قاسوه عليه، وهو البيع، فكان عليهم أن يقولوا لأنفسهم، أو لمن يسفّه عملهم هذا: إنما الربا الذي يلام عليه، أو يحذّر عاقبته، هو مثل البيع الذي لا ينكره أحد، ولا يحذّر منه أحد» . وقولهم هذا الذي حكاه القرآن عنهم يكشف عن مدى ما يفعل السوء بأهله حين يستبد بهم، ويفسد عليهم أمرهم، حتى لتنقلب عندهم أوضاع الأمور، وتختل موازينها فى تفكيرهم، فيبدو الشر حسنا، والقبيح جميلا.. فهم هنا يرون الرّبا الذي يتعاملون به أصلا يقاس عليه البيع، على حين أنهما من واديين مختلفين، وإن يكن ثمة قياس، فالبيع هو الأصل الذي تقاس عليه الصور المشابهة له! وقد ردّ الله عليهم هذا القول، وأبطل هذا الادعاء الذي ادّعوه، فقال تعالى: «وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا» فإنه إذا كان ثمة تقابل بين البيع والربا فى ظاهر الأمر، فإنهما فى الحقيقة ضدان لا يلتقيان أبدا..

هذا حلال، وذاك حرام، ويا بعد ما بين الحلال والحرام. وليس يمنع من تشابه الشيئين فى الصورة أن يكونا على بعد بعيد من الخلاف حتى يبلغ حد التناقض والتضاد فى الحكم الواقع على كل منهما. فالحيوان الذي أحلّ أكله.. إذا ذبح كان لحمه حلالا، وإذا مات حتف أنفه مثلا.. كان لحمه حراما خبيثا، وهو هو الحيوان فى حلّه وفى حرمته. قوله تعالى: «فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» . الموعظة ما يوعظ به، من توجيه إلى الخير، وتحذير من الشر. وإذا كانت الموعظة من الله فهى حكم ملزم، لا اجتهاد لأحد فيه برأى أو تقدير.. بل هو هكذا.. يؤخذ به، أو يترك.. فمن أخذ به رشد ونجا، ومن تركه أثم، وهلك.. وهذه الموعظة التي حملتها الآية الكريمة فى التشنيع على الرّبا، وتحريمه إنما هى لآكلى الربا وهم المقترضون خاصة. وفى قوله تعالى: «فَلَهُ ما سَلَفَ» أي فقد تجاوز الله عما سلف أي ما أكله من الرّبا قبل أن يبيّن له هذا البيان، ويجيئه هذا الحكم، فى تلك الآية الكريمة. وفى قوله تعالى «وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ» إشارة إلى رحمة الله ومغفرته التي تمحو سيئات المسيئين، إذا هم تابوا إلى الله وأنابوا.. فمن كان أمره إلى الله فإنه فى ضمان من كل سوء.

الآية: (276) [سورة البقرة (2) : آية 276]

قوله تعالى: «وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ» أي ومن عاد إلى أكل الرّبا، مستحلا له بعد أن حرّمه، الله فقد تعرض لغضب الله وانتقامه، ونعوذ بالله من غضبه وانتقامه. قوله سبحانه: «وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ» ، وصف الله سبحانه بالعزة هنا، هو عرض لسلطان الله، وقوته، وأن حرماثه فى حمى عزيز، ولكنه- سبحانه- لا يعجل بأخذ الذين يعتدون على حرماته، كرما منه ورحمة، بل يمهلهم حتى يراجعوا أنفسهم، ويفيئوا إليه، فإن فاءوا وجدوا المغفرة والرضوان، وإن عادوا ولم يتوبوا فقد وقعوا تحت نقمة الله، الذي يغار على حرماته أن تستباح بلا قيود ولا حدود.. فمع عزة الله، وقوته، وبسطة سلطانه، تقوم نقمته تتعقب بالعقاب أولئك الذين استخفوا بعزة العزيز، واستباحوا حرمات المنتقم.. بلا حساب! هذا، ويؤيد ما ذهبنا إليه من أن المراد فى قوله تعالى «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا» هم المقترضون ما جاء فى الحديث الشريف: «لعن الربا.. آكله، ومؤكّله، وشاهديه، وكاتبه» . الآية: (276) [سورة البقرة (2) : آية 276] يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) التفسير: بعد أن حرّم الله أكل الرّبا فى الآية السابقة، وكشف هذا الطرف من أطراف الربا- وهو طرف- المقترضين على تلك الصورة الكريهة- جاءت هذه الآية لتكشف وجها آخر من وجوهه، وطرفا ثانيا من أطرافه، وهو المال المتعامل به!

فصاحب هذا المال، وهو المرابى، يوجه مآله إلى هذا الوجه، يريد له النماء والكثرة، ويبغى منه الثروة والغنى. وقد أخبر الله سبحانه أنه لا يبارك هذا المال، ولا يزكىّ الوجه الذي اتجه إليه.. «يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا» والمحق هو المحو والإزالة، بحيث لا يبقى أثر لما يمحق. والمراد هنا بمحق الرّبا، أن هذا المال الذي يجمع من وجوه الرّبا مصيره الزوال، وأنه إذا كان له مع صاحبه شأن فى هذه الدنيا، فإنه لا يجد منه شيئا بين يديه فى الآخرة، على حين أن المال المتصدّق به، وإن كان قليلا، فإنه ينمو النماء الحقيقي، الذي لا يفنى بفناء صاحبه، ولا يذهب بذهاب الدنيا كلها، بل يظل هكذا فى ازدهار ونماء، حتى يستقبل صاحبه يوم القيامة، فيكون له زادا طيبا فى هذا اليوم العظيم، كما قال تعالى: «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» وكما يقول الرسول الكريم: «إنّ الله ليربّى لأحدكم التمرة كما يربّى أحدكم فلوّه وفصيله حتى يكون مثل أحد» . والفلوّ: ولد الفرس، والفصيل: ولد الناقة. قوله تعالى: «وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ» تعريض بالمرابين، وهم الطرف الثالث فى عملية الربا، وتمهيد لما سيأتى من حديث عنهم. فالمرابى كافر بنعمة الله، إذ وسّع الله له فى الرزق، حتى فضل المال عن حاجته، وكان من شأن هذا الفضل أن يعود به على ذوى الحاجة، صدقة أو قرضا حسنا، فلم يفعل، بل جعله سلاحا حادا مرهفا، لا يسلط إلا على رقاب المحتاجين والبائسين خاصة، فهو بفعله هذا قد حرم الفقراء وذوى الحاجة حقا لهم وضعه الله فى يده، ثم لم يقف عند هذا، بل صنع من هذا الحق شباكا يصطاد بها الفقراء وذوى الحاجة ثم يلقى بهم ليد الهلاك والضياع.. فهو كافر.. كافر بنعمة الله، ثم هو آثم

الآية: (277) [سورة البقرة (2) : آية 277]

آثم، بهذا الموقف اللئيم الذي يتخذ فيه من نعمة الله نقمة يسلطها على عبادة الله. الآية: (277) [سورة البقرة (2) : آية 277] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) التفسير: بعد أن توعد الله سبحانه وتعالى المرابين بمحق أموالهم، ووصمهم بالكفر الشديد لنعمه، بما ارتكبوا من هذا الإثم الغليظ الذي يعرضهم لسخط الله وعذابه- وعد سبحانه- الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة بالأجر العظيم، والرحمة والرضوان، والأمن يوم الفزع الأكبر.. ذلك لأنهم استقاموا على الصراط المستقيم، وجاءتهم الموعظة فاستمعوا إليها، وامتثلوا لها، وانتهوا عما نهوا عنه من منكرات كانوا يأتونها وهم جاهلون. و «إيتاء الزكاة» هنا له آثاره فى التحريض على البذل والإنفاق على ذوى الحاجات، حتى لا تضطرهم الحاجة إلى التعامل بالربا.. الآية: (278) [سورة البقرة (2) : آية 278] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) التفسير: هنا تعرض الآية الكريمة الطرف الثالث من أطراف العملية الربوية، وهم المقرضون بالرّبا، بعد أن عرضت الآيات السابقة الطرفين الآخرين وهما: المقترضون، والمال المقترض.. وإذ وعد الله سبحانه الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالمغفرة والأجر

الآية: (279) [سورة البقرة (2) : آية 279]

العظيم، والجزاء الحسن فى الآخرة، وإذ كان ذلك موقظا لأشواق النفس نحو هذا المقام الكريم، حافزا الهمم والعزائم إلى بلوغ هذه الغاية المسعدة- فقد جاءت دعوة الذين آمنوا إلى ترك هذا المنكر، فى وقتها المناسب، لتتلقاها النفوس، وهى فى نشوة أشواقها إلى رضوان الله، وإلى الطمع فيما أعدّ للمتقين من جنات فيها نعيم مقيم. فمن واجب الذين آمنوا، وصافحت قلوبهم أضواء الهدى أن يتقوا الله، وأن يقدروه حق قدره، فلا ينتهكوا حرماته، ولا يحوموا حول حماه.. وقد حرّم الله الرّبا، ومن تقوى الله اجتناب هذا المحرم، إن أراد المؤمن أن يكون فى المؤمنين حقا.. إذ لا يجتمع الإيمان بالله، والمحادّة لله، ومحاربته. وقوله تعالى: «وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا» أي اتركوا ما تعاملتم به من ربا قبل أن يأتيكم الله حكم فيه بالتحريم، فليس لكم بعد هذا إلا رءوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون. الآية: (279) [سورة البقرة (2) : آية 279] فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (279) التفسير: أي فإن أنتم أيها المقرضون بالرّبا لم تنتهوا عما نهيتم عنه من أخذ الربا، فأعدّوا أنفسكم لحرب معلنة عليكم من الله ورسوله.. فهل لكم على هذه الحرب صبر؟ وأين لكم القوة التي تقف لقوة الله، وتحول بينكم وبين ما يرسل عليكم من صواعق سخطه، ووابل عذابه؟ وفى قوله تعالى «فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» ما يسأل عنه، وهو: إذا كان لحرب الله للمصرّين على أخذ الربا.. مفهوم، وهو وقوعهم تحت سلطان

سخطه ونقمته وعذابه.. فما مفهوم حرب رسول الله لهم؟ والجواب على هذا من وجهين: الوجه الأول: أن مخالفتهم لأمر الله وخروجهم عن طاعته هو مخالفة لأمر الرسول، وخروج طاعته، إذ كان الرسول- عليه السلام- هو حامل أمر الله ومبلغه. فعقاب الله الذي يأخذهم به هو عقاب من رسول الله أيضا، وحرب الله لهم، هى حرب لحساب رسول الله كذلك.. وذلك ما يدل عليه قوله تعالى: «وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً» (23: سورة الجن) الوجه الثاني: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منفّذ أمر الله فيهم، بما مكّن الله من سلطان، يقيم به حدود الله على الخارجين عليها.. وإذ لم يكن للرّبا حدّ مفروض يعاقب به المرابون، كحدّ السرقة والزنا مثلا، وذلك لشناعة الربا، وغلظ جريمته التي لا حدّ لها إلا عذاب جهنم أو مغفرة الله- إذ كان ذلك كذلك، فإن لرسول الله- صلّى الله عليه وسلّم- إذا عرض عليه نزاع فى معاملة ربوية أن يسقط الربا، وأن يجعل للمرابى رأس ماله دون ما أربى به.. كما فعل صلوات الله وسلامه عليه. فوضع ربا الجاهلية كلّه، وذلك فى قوله فى خطبة الوداع:: «كلّ ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أبدأ به ربا العباس بن عبد المطلب» . وهذا الذي لرسول الله من تسلط على الرّبا، هو حق من بعده لولىّ الأمر، إذا عرض له نزاع فى معاملة ربوية، وضع الربا عن المقترض، وجعل للمقرض رأس ماله.

الآية: (280) [سورة البقرة (2) : آية 280]

الآية: (280) [سورة البقرة (2) : آية 280] وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) التفسير: وحين يستجيب المؤمن لأمر الله بترك الرّبا، وأخذ ما أقرضه دون زيادة، فإن عليه أن ينظر فى حال المدين، فإن كان معسرا- وهو ما يكون غالبا- ترفّق به، ومدّ له فى الأجل إلى أن يتدبر أمره، ويتهيأ له الظرف المناسب لأداء ما عليه من دين.. فذلك ما تمليه عاطفة الرحمة والمودّة، وما تقتضيه المروءة فى مثل هذه الحال.. ثم هو فوق ذلك عمل مبرور، له ثوابه وجزاؤه عند الله.. وخير من هذا وأعظم ثوابا وأحسن جزاء عند الله، هو أن يتصدق الدائن بدينه على المدين.. كله، أو بعضه، حسب ما يرى الدائن من حال المدين. وفى الدعوة إلى التصدق بالدّين على المدين هنا ما يشير إلى أن هؤلاء الذين تضطرهم أحوالهم إلى الدين إنما هم- فى الغالب الأعم- الفقراء، الذين لا يجدون من مالهم ما يستجيب لحاجتهم من ضرورات الحياة، فيمدّون أيديهم إلى ذوى اليسار ممن يتوسمون فيهم المروءة، ليعينوهم بشىء من مالهم، على أن يكون ذلك دينا يرد إليهم فى أجل معلوم! فإذا سخت نفس الإنسان أن يقدم هذا العون للمحتاج فى صورة دين، فإنه لأجمل وأكمل أن يحتسبه صدقة عند الله، على ألا يجرح بذلك مشاعر المدين، وألّا يمنّ عليه، ويفضحه، بأن يقول له على سبيل المباهاة، أو الإيذاء والانتقام: تصدقت عليك بما لى عليك من دين.. فذلك مما يذهب بصدقته ويمحقها، والطريق الأمثل فى هذا- إن رأى أن يتصدق بدينه- أن يترك

الآية: (281) [سورة البقرة (2) : آية 281]

المدين، فلا يطالبه بالدين، تصريحا أو تلميحا.. فإن أيسر المدين أدى إليه دينه، وإن ظل على إعساره أمسك عنه، ولم يطالبه. و «كان» فى قوله تعالى: «وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ» تامة، بمعنى وجد، أي وإن وجد فى المدينين ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، إذ ليس كلّ المدينين على حال واحدة من الإعسار! الآية: (281) [سورة البقرة (2) : آية 281] وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281) التفسير: الخطاب هنا للمقرضين بالرّبا خاصة وللمؤمنين عامة- وهو دعوة إلى تقوى الله، والإعداد ليوم يرجع فيه الناس إلى الله، فيوفيهم حسابهم حسب أعمالهم، وما كسبت أيديهم من خير أو شر، ولا يظلم ربك أحدا. مبحث فى الربا أنواعه وأحكامه معناه فى اللغة: النّماء والزيادة، يقال: ربا الشيء يربو رباوة وربا، إذا نما وزاد، ومنه الرّبوة، وهى الأرض المرتفعة على ما حولها. وفى لسان الشريعة، وفى لغة المعاملات: هو عملية دين، يؤدّى عنه مال زيادة على أصل الدين، فى المدة التي يظل فيها الدين فى ذمة المدين. ذلك هو أصل الرّبا الذي أدركه الإسلام عند عرب الجاهلية وشهد آثاره السيئة فى المجتمع العربي.

الإسلام والربا

الإسلام والربا وكان طبيعيا أن يتدخل الإسلام فى هذا الضرب من المعاملات الجائرة، التي تغتال الضعفاء، وتمتص عصارة الحياة فيهم، وتقطع أواصر الرحمة والأخوّة بين الناس والناس. وقد جاء الإسلام بالحكم القاطع فى تحريم الربا فى قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ، وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ» . والربا.. الذي جاء القرآن بتحريمه هو ربا النّسيئة، وهو الذي أشرنا إليه من قبل، والذي يقع بين الدائن والمدين بفرض زيادة على أصل الدين، فى مقابل تأجيل دفع الدّين مدة معينة.. إذ النسيئة هى التأخير، يقال نسأ الله فى أجل فلان: أي مدّه وأطاله. ولا شك أن فى هذه العملية ظلما محققا وقع على المدين من الدائن.. وذلك أن الدائن- وهو صاحب المال الذي هو نعمة من نعم الله فى يده، وفضل من أفضاله عليه، لم يرع فيه حق الله، وحق الفقراء فيه، بالصدقة والإحسان.. وهو إذ لم يفعل هذا، كان من الواجب عليه- ديانة ومروءة- أن يمسكه فى يده، ولا يجعل منه أداة يمتص بها البقية الباقية من حياة الفقراء! يقول ابن قيّم الجوزية: «إن الله لم يدع الأغنياء حتى أوجب عليهم إعطاء الفقراء، فإذا أربى الغنىّ مع الفقير فهو بمنزلة من له على رجل دين فمنعه دينه وظلمه زيادة أخرى- أي زيادة على أصل الدين بالربا- والغريم- أي الفقير- محتاج إلى دينه، الذي أوجبه الله له فى مال الغنى- وهذا من أشد أنواع الظلم..

مداخل إلى الربا

«فهذا هو أصل الرّبا المستكمل لجميع سيئاته.. ولهذا روى عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الرّبا فى النسيئة» «1» أي فى تأخير دفع الدّين نظير الزيادة عليه. مداخل إلى الربا ومن تمام الحكمة فى الشريعة الإسلامية، أنها لا تحفل كثيرا بالصور والأشكال، وإنما تلتفت دائما إلى ماوراء الصور والأشكال من آثار.. وعلى هذه الآثار يكون حكمها على الشيء.. من الحظر، أو الإباحة، أو الوجوب. وغير هذا من الأحكام. فالخمر- مثلا- مسكر.. فهو حرام لهذه العلة، وهى الإسكار.. وقليل الخمر لا يسكر، ومع هذا فقد تساوى القليل من الخمر مع الكثير، فى التحريم.. ونطق لسان الشرع الحكيم فيه: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» . ولو أخذنا بمنطق الصورة والشكل، لكان قليل الخمر غير حرام، مادام لم يبلغ بالإنسان مبلغ السكر. وربما يكون هذا مقبولا فى عمليات المنطق، ولكن هل يقبل الواقع هذا؟ وهل تصدقه التجربة؟ التجربة والواقع ينكران أن يقوم حجاز يفصل بين قليل الخمر وكثيره، لتقع جريمة السكر أو لا تقع.. فقد يسكر بعض الناس بهذا القليل، ولا يسكر آخرون بأضعافه.. ثم من ذا الذي يضمن نفسه إذا ألقى فى جوفه بقليل الخمر، الذي لا يسكر به، ألّا تمتد يده إلى غير هذا القليل حتى يسكر؟ وإذا استطاع هذا الإنسان أن يردّ نفسه مرة ومئة مرة عن أن يتجاوز حد الإسكار، فهل من الممكن أن يطول به الوقوف عند هذا الحدّ إلى غير حدّ؟ وإذا

_ (1) القواعد النورانية.. لابن قيم الجوزية.. ص 117.

1 - ربا الفضل

استطاع إنسان أن يمر بهذه التجربة سالما، فهل ذلك فى مقدور الناس جميعا؟ الواقع والتجربة ينقضان هذا، ويؤكدان أن كثيرا من الناس شربوا قليل الخمر مداواة، أو لعبا، فتجاوزوا المداواة واللعب إلى الإدمان، ثم الإغراق فى الإدمان! هذا صنيع الإسلام فى كل محرم.. إنه يحرّمه ويحرّم الذرائع المؤدية إليه. وفى الربا.. حرم القرآن الكريم الرّبا، على الصورة التي كانت معروفة له فى الجاهلية، وهو ربا النسيئة، ثم جاءت السنّة المطهرة، فحرمت الذرائع المفضية إليه، حتى لا يتخذ الناس من تلك الذرائع مطايا- تنقلهم بقصد أو غير قصد- إلى الربا الصريح!. ومن الذرائع التي حرّمها الإسلام، وعدّها من الرّبا، إذ كانت بابا يؤدى إليه- هذه الصور من المعاملات: 1- ربا الفضل وهو بيع المتماثلين.. من ذهب أو فضة أو برّ أو تمر أو غير هذا.. بزيادة أحد المثلين على الآخر.. كمن يبيع درهما من الذهب بدرهم وبضعة قراريط من الذهب، وكمن يبيع قدحا من التمر، بقدح ونصف منه.. فهذا بيع متلبّس بالحرمة والإثم. يقول ابن قيّم الجوزية: «ثم إن النبي صلّى الله عليه وسلّم حرّم أشياء، مما يخفى فيها الفساد، لإفضائها إلى الفساد، كما حرم قليل الخمر، لأنه يدعو إلى كثيرها، ومثل ربا الفضل، فإن الحكمة فيه- أي فى تحريمه- قد تخفى.. إذ العاقل لا يبيع درهما بدرهمين إلا لاختلاف الصفات، مثل كون الدرهم صحيحا والدرهمين مكسورين، أو الدرهم مصوغا، أو من نقد نافق (أي رائج) ، ونحو ذلك.. ولهذا خفيت حكمته على ابن عباس ومعاوية، حتى أخبرهما الصحابة الأكابر، كعبادة بن الصامت وأبى سعيد الخدرىّ وغيرهما- بتحريم

النبىّ- صلّى الله عليه وسلّم- لربا الفضل «1» » . وقد ألحق الرسول الكريم هذا الضرب من المعاملات بالربا.. إلّا أن يكون مثلا بمثل، ويدا بيد.. يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلّا مثلا بمثل ولا تشفّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفّوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز «2» وفى لفظ: «إلّا وزنا بوزن، مثلا بمثل، سواء بسواء «3» » . وعن أبى سعيد الخدري، رضى الله عنه قال: جاء بلال إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم بتمر برنىّ «4» . فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من أين هذا؟» قال بلال: كان عندنا تمر ردىء، فبعت منه صاعين بصاع لمطعم النبي، فقال النبي عند ذلك: «أوه!! عين الرّبا.. لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشترى فبع التمر ببيع آخر، ثم اشتر به «5» » . ولا شك أن مثل هذه المعاملات لا يقصد منها الربا على الوجه المعروف، المراد منه استغلال الفقير المحتاج، وفرض إرادة صاحب المال- الدائن- عليه.. ولكن يمكن أن تجرّ هذه المعاملات إلى ما يجرّ إليه الربا من ضغينة وعداوة. أما الضغينة والعداوة فتنشآن مما يتكشف عنه الحال بعد عملية بيع المتماثلين مع تفضيل أحدهما عن الآخر، حين يرى أحد المتبايعين- بعد الرجوع إلى ذوى

_ (1) القواعد النورانية.. لابن القيم ص 117. (2) الورق. الفضة، والشف الزيادة أو النقصان، والناجز: الحاضر (3) صحيح مسلم جزء/ 4 ص 24. (4) التمر البرني: من أحسن أنواع التمر عند العرب. [.....] (5) صحيح مسلم: جزء/ 4 ص 48.

2 - بيوع الغرر

الخبرة- أنه غبن، ولا سبيل إلى الرجوع فى عملية البيع. فالمتماثلان، لا يفضل أحدهما الآخر إلا فى أمور لا يتعرف عليها إلا أهل النظر والخبرة فى هذا الشأن، ومن هنا يقع الغبن، الذي تنتج عنه العداوة والبغضاء، كما ينتج الظلم يأكل أموال الناس بالباطل، عن طريق الربا المعروف، وهو ربا النسيئة. وقد يقال: إن هذا الذي يقع فى بيع المتماثلين مع زيادة أحدهما عن الآخر- يقع أيضا فى بيع المتماثلين مثلا بمثل.. إذ لا شك أن المتماثلين لا يتماثلان فى جميع الوجوه، وإلا لما كان هناك داع يدعو إلى استبدال هذا بذاك. ونعم. إنه لا بد من فروق بين المتماثلين، حيث يرى كل من صاحبيهما الرغبة فيما فى يد الآخر.. ولكن الغالب فى المماثلة أن تكون الفروق طفيفة، يمكن أن يحتملها الطرفان بالزيادة أو النقص، ولكن لو فتح باب المفاضلة بين المتماثلين لا تسع مجال الغبن، وتضاعفت مقاديره.. فكان فى إباحة بيع المتماثلين مثلا بمثل رفع للحرج على الناس فى تبادل المنافع، التي لا غنى لهم عنها، كما كان فى تقييد هذه الإباحة بألّا يفضل أحد المثلين الآخر، وزنا أو كيلا- كان فى هذا ما يحرس هذه العملية من الغبن الفاحش، لو فتح فيها باب التفاضل!. 2- بيوع الغرر ومن الأمور المفضية إلى الربا، بيع الغرر، والغرر فى اللغة، معناه التغرير والخداع.. يقال. غرّر فلان بفلان أي ساقه إلى سوء، أو أوقعه فى مكروه عن طريق الحيلة والخديعة والغش. ويقع الغرر أو التغرير فى بعض صور هذا البيع.. وذلك كبيع المعدوم.. مثل حبل الحبلى، وبيع السمك فى الماء، وبيع المعجوز عن تسليمه، كالحيوان الشارد عن صاحبه، أو بيع المجهول المطلق.. مثل قولك: بعتك منزلا، أو المجهول العين، مثل قولك: بعتك ما فى جيبى.

ولا شك أن مثل هذه المبايعات لا تنتهى- غالبا- إلا بخلاف بين المتابعين إن لم يكن متخذا صورة مادية ظاهرة، اتخذ مشاعر محملة بالبغضة والعداوة، لأن البيع الذي حدث على تلك الصورة هو فى الواقع ضرب من المقامرة والمخاطرة.. إذ لا يدرى أحد متى تحمل هذه الناقة أو النعجة، التي وقع البيع على ما قد تحمل فى المستقبل، ولا أحد يدرى ما سيكون عليه نتاجها.. أهو سليم أو معطوب، أو هو واحد أو اثنين أو ثلاثة.. ويقال مثل هذا فى بيع الحيوان الشارد، أو المجهول جهالة مطلقة، كالبيع الواقع على كلمة «منزل» أو ما فى «الجيب» . روى عن أنس بن مالك رضى الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، نهى عن بيع الثمار حتى تزهى، قبل: وما نزهى؟ قال: تحمرّ أو تصفر.. قال: أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يستحلّ أحدكم مال أخيك؟. وروى أحمد فى مسنده، قال: قدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة، ونحن نتبايع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، فسمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خصومة، فقال: ما هذا؟ فقيل: إن هؤلاء ابتاعوا الثمار.. يقولون: أصابها الدّمّان والقشام «1» ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: فلا تبايعوها حتى يبدو صلاحها» . فالرسول- صلوات الله وسلامه عليه- لم ينه عن هذا البيع إلا بعد أن تكشفت آثاره السيئة، وتكشفت عن مشاحنة وبغضاء.. ولو جرى هذا البيع دون أن يثير مثل هذه المشاحنات أو لو كان بين أيدى الناس من وسائل العلم ما يضبط الحال التي سيكون عليها الثمر وقت نضجه، لما وقع حظر على هذا البيع، وما ماثله.

_ (1) الدمان والقشام: من الآفات التي تعرض للثمر قبل أن ينضج، فيعطب أو يفسد.

حكم الربا

حكم الربا هل الربا كبيرة من الكبائر؟. هذا سؤال يبدو غريبا، بعد أن قالت الشريعة قولها فيه، فى الكتاب الكريم، وفى السّنّة المطهرة. فالقرآن الكريم يصور.. آكل الربا فى صورة من أصابه مسّ من الشيطان، فاختبل عقله، واضطرب كيانه، وبدا للناس فى أسوأ حال يبدو فيه إنسان: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ» . والقرآن الكريم يعلن الحرب من الله ورسول الله على مؤكّلى الرّبا إن لم يتوبوا، ويرجعوا إلى الله.. «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» . والرسول الكريم يلعن جميع الأطراف المشتركة فى عملية الربا: آكله، ومؤكلّه، وشاهديه، وكاتبه «1» .. ثم أفلا يكون الرّبا بعد هذا كبيرة؟. وبلى، إنه لكبيرة الكبائر عند الله!. يقول الرسول الكريم: «الرّبا ثلاثة وسبعون بابا.. أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمّه، وإنّ أربى الرّبا عرض الرجل المسلم «2» » . وفى هذا ما فيه من تغليظ لجريمة الرّبا، وتشنيع عليها، وأنه لو صوّر الرّبا درجات بعضها فوق بعض، لكان أهون درجاته، وأقلها إثما، مماثلا للإثم الواقع من نكاح الرجل أمّه!!. فكيف الحال بما فوق ذلك من درجات فى الكيان الربوىّ؟ .. لقد وضع الرسول الكريم على قمة الرّبا.. إباحة عرض المسلم.. وهو الزنا!!.

_ (1) صحيح مسلم: جزء/ 5 ص 50. (2) بلوغ المرام من أدلة الأحكام ص 142.

وكل درجات الرّبا الثلاث والسبعين- من أدناها إلى أعلاها- سلسلة متشابكة الحلقات من الظلم والعدوان.. ظلم النفس، وظلم الغير، وعدوان على حرمة النفس، وحرمة الغير. والسؤال هنا هو: إذا كان هذا هو شأن الرّبا، وتلك هى جنايته، وآثاره السيئة فى الحياة، فلماذا لم يضع الإسلام عقوبة مادية له، كما وضع للجرائم الأخرى، كالقتل والسرقة، والزنا، وشرب الخمر، والقذف؟ فلكل جريمة من هذه الجرائم حدّ مقرر، وعقوبة راصدة، فرضها الإسلام، وأوجب على المجتمع الإسلامى إقامتها على من وجبت عليه؟. هذا سؤال، لم أجد فى كتب الفقه التي وقعت ليدى من سأله من الفقهاء.. وإذن فلا سبيل إلى جواب على هذا السؤال من كتب الفقه.. ومع هذا، فقد وقع فى نفسى أن أسأل هذا السؤال، وأن أتولّى الإجابة عليه!!. ولكن.. لماذا لم يسأل الفقهاء هذا السؤال؟ ولماذا لم يكشفوا عن السبب فى عزل هذا المنكر عن الكبائر الأخرى، فلم تفرض له عقوبة؟ ولقد سأل الفقهاء عن أمور فرضية أو وهمية، قد لا تقع فى الحياة أصلا، ووضعوا أجوبة لها.. فكيف بهذا الأمر الواقع فى الحياة؟ وأكبر الظن عندى، أنه ربما كان ذلك، لأنهم عدّوا مسألة الرّبا من المسائل التعبديّة التي تخفى حكمتها، ولا يسأل عنها، كما خفيت حكمة ربا الفضل على ابن عباس ومعاوية، وكما خفيت الحكمة فى ألوان أخرى من المعاملات. التي دخلت مدخل الرّبا! ولهذا روى عن عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- أنه كان يقول:

«ثلاث وددت أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عهد إلينا فيهن عهد، ننتهى إليه: «الجدّ «1» ، والكلالة «2» ، وأبواب من الرّبا» .. وقول عمر: «وأبواب من الرّبا» أي صور منه، وهى كما قال الرسول الكريم: «الربا ثلاثة وسبعون بابا» .. أما الرّبا الذي قطع الإسلام بحرمته- وهو ربا النسيئة- فقد جاء البيان فيه واضحا قاطعا.. وبقيت الصور الأخرى، وهي التي ليست فى حقيقتها ربا، ولكنها مداخل إلى الربا، فقد تركها الإسلام خاضعة للنظر والتقدير، حسب الظروف والأحوال. فما قد يكون مدخلا منها إلى الربا اليوم، لوقوعه تحت احتمالات شتى- قد يوجد فى المستقبل من العلم ما يرفع هذه الاحتمالات كلها، ويقيمه على أمر واحد محقق، فيصبح- والأمر كذلك- على حقيقة واحدة، لا مجال فيها لمفاجأت الاحتمالات، وتوقعاتها! وأما الحكمة فى تحريم الرّبا- بمعناه المعروف- فهى ظاهرة لمن طلبها.. يقول النبىّ الكريم: «الربا ثلاثة وسبعون بابا، أيسرها أن ينكح الرجل أمّه، وإن أربى الرّبا عرض الرجل المسلم» . وواضح أن الاعتداء على عرض الرجل المسلم، ليس من الربا المعروف، بل المراد بالربا هنا هو المعنى الملازم له، وهو الظلم. وإذن فنستطيع أن نفهم الحديث الشريف، على هذا الوجه، وهو أن المراد بالربا، وأنه ثلاثة وسبعون بابا- أنه الظلم، وأن أبواب الظلم ودرجاته هى هذه الثلاثة والسبعون بابا.. ولما كان الرّبا- بمعناه المعروف- على رأس أبواب الظلم جميعها، فقد جعله الرسول الكريم، العنوان لجميع أنواع الظلم.. تشنيعا عليه، وتنبيها إلى مكانه المشئوم بين الكبائر..

_ (1) أي ميراث الجد. (2) أي ومعنى الكلالة.

ويقول النبي الكريم: «من شفع لأخيه شفاعة، فأهدى له عليها هدية فقبلها، فقد أتى بابا عظيما من أبواب الربا» «1» . وهذا بيان صريح فى أن الرّبا يقابل الظلم مقابلة واضحة صريحة. وعلى هذا، فإنه مهما تعددت أنواع الرّبا واختلفت صوره، فإن الأصل الذي تفرع عنه الربا واضح معروف، والحكمة فى تحريه واضحة لا تخفى.. وأن أكل أموال الناس بالباطل وظلمهم، هو العلة فى تحريم الرّبا.. وفى هذا يقول الله تعالى: «وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ» . وليس بعد هذا بيان فى النصّ على تحريم الرّبا، وفى الكشف عن الحكمة فى تحريمه، والنهى عن التعامل به. ونعود إلى سؤالنا: لماذا لم يضع الإسلام عقوبة مادية للربا، مثل الجرائم التي فرض عليها عقوبة؟ والجواب الذي يمكن أن نستلهمه من روح الشريعة.. هو: أولا: أن الحدود التي فرضها الإسلام عقوبة للقتل والسرقة والزنا.. وغيرها.. هى تطهير لمرتكبيها من آثار ما ارتكبوا.. فإذا أقيم الحد على مرتكب جريمة من هذه الجرائم طهر.. كما ورد فى الحديث عن عبادة بن الصامت، قال: أخذ علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (أي العهد) كما أحد على النساء: «ألا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزنى، ولا نقتل أولادنا، ولا يعضه «2» بعضنا بعضا، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أتى منكم حدّا فأقيم عليه، فهو كفّارته.. الحديث» «3» .

_ (1) السياسة الشرعية لابن تيمية ص 21. (2) يعضه: أي يقذف، ويفضح. (3) صحيح مسلم: جزء: 5 ص 119.

ذلك شأن الذنوب التي يقام فيها الحدّ.. يتطهر منها مرتكبوها بإقامة حدود الله عليهم.. أما «الربا» فهو باب وحده من أبواب الشر والفساد، وخطيئته تحيط بصاحبه، وتخالط كيانه الروحي والجسدى، فلا ينجو منه إلا بالتوبة الخالصة ونقض يديه من هذا الوزر.. إلى غير رجعة.. وإلا فهو حصب جهنم.. «وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» . ثانيا: الربا محاربة سافرة لله ولرسوله، إذ كان بغيا على عباد الله الفقراء، وتحكّما فى أرزاقهم، وإفسادا لحياتهم، وتضييعا لهم.. إنه قتل خفىّ جماعىّ للفقراء المستضعفين فى المجتمع، ولهذا تولّى الله- سبحانه وتعالى- الدفاع عنهم، والانتقام لهم، ممن ظلموهم، وأوردوهم هذا المورد المهلك.. «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» .. فالله سبحانه هو الذي أعلن هذه الحرب على المرابين، وكفى بحرب يعلنها الله، وكفى بجرم يعلن الله الحرب على مرتكبيه!! إن الله- سبحانه- لم يعلن الحرب على غير هذا الصنف من المفسدين.. وهم المتعاملون بالرّبا! حتى أولئك الذين أعلنوا الحرب على الله وعلى رسوله، لم يؤذنهم الله بحرب، كما يقول سبحانه وتعالى: «إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ» . (33: المائدة) فلم يعلن سبحانه وتعالى الحرب على هؤلاء العصاة المتمردين، الذين سعوا فى الأرض فسادا، وأعلنوا الحرب على الله وعلى رسوله.. ولكنه أعلنها

سافرة صريحة على المرابين: «فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» وليس وراء هذه الحرب إلا خراب شامل، وضياع وفساد لما جمعوا، وعذاب شديد فى نار جهنم، يوم يقوم الناس لرب العالمين. هذا هو الحدّ الذي وضعه الله سبحانه- عقوبة للربا، وتولّى- سبحانه- تنفيذه، دون أن يعهد بذلك إلى أحد. ثالثا: تتم عملية الربا بين آكل الربا- المقترض، وبين صاحب المال- المقرض- والشاهدين، والكاتب. إنها عملية واحدة، ولكل من هؤلاء دوره فيها. فهل يكون الحد واحدا لجميع أطرافها، إن وضع لهذه الجريمة حد؟ أم أن يكون لكل طرف من الأطراف الأربعة الحدّ الذي يناسب دوره فيها؟ إن قيل بأن تكون العقوبة واحدة لهؤلاء جميعا، تكون قد سوّت بين الظالم والمظلوم، وبين من أغواه الجشع وحب المال، ومن دفعه الفقر وألجأته الحاجة، حتى صار كالمضطر! ثم إن الشاهدين والكاتب لم يأكلوا الرّبا ولم يؤكّلوا، فهل يسوّون يمن أكل أو أكّل؟ لا محل للمساواة إذن فى العقوبة هنا. وإن قيل: تقع العقوبة على قدر الجرم الذي تلبس به كل من المشتركين فيه.. قيل إن فى هذا تهوينا من شناعة الجريمة، لأنها جريمة أعلن الله فيها الحرب، على أطرافها جميعا وإن أدنى عقوبة لمن اشتبك فى حرب مع الله ينبغى أن يكون أقصى عقوبة عرفت فى الحدود، وهى القتل، أو الرجم.. فبم يعاقب من هم أكثر التصاقا بهذه الجريمة، وأشد وزرا فيها؟ وهل بعد القتل

أو الرجم عقوبة؟ إذن فلا سبيل إلى المساواة! وإذن فلا مكان لوضع عقوبة عادلة تأخذ هذه الأطراف.. كلّا بحسب ذنبه! رابعا: إذا قيل إن هذه الجريمة، وقد بلغت ما بلغت من الشناعة والظلم.. لم لا يكون القتل حدّا من حدودها.. ينال على الأقل صاحب المال، وهو المرابى؟ ثم يكون التعزير لآكل الربا (المدين) ثم للشاهدين والكاتب. إذا قيل هذا.. قيل: إن الجريمة أكبر من القتل، وأكبر من أن ينال مقترفها شرف التطهير بإقامة حدّ من حدود الله عليه.. وليكن عذاب السعير هو العقاب الذي ينزل كل واحد من هؤلاء المشتركين فى هذه الجريمة- منزله من النار، وفى النار منازل، ودركات! خامسا: إن معركة المال بين الأغنياء والفقراء، هى معركة الحياة الدائمة المتصلة.. وهذه المعركة لا ينفع فيها عقاب مادى، ولا يخفف من طغيانها.. لأن المال شهوة قائمة في النفس لا ينطفىء سعارها إلا إذا بللتها قطرات من ينابيع العطف والرحمة والمحبة، ينضح بها ضمير حىّ، ووجدان سليم. إن الضمير وحده هو الذي يمكن أن يفاء إليه فى تسكين هذه الشهوة الصارخة لحب المال.. ومن هذه الجهة يجىء الأمل فى القضاء على جريمة الرّبا، أو الحد من نشاطها. ولهذا ترك الإسلام العقاب المادي لهذه الجريمة الغليظة، واتجه إلى الضمير الإنسانى، يخاطبه، ويبعث فيه مشاعر الخير والرحمة والمودة.. فإذا لم يكن ثمة ضمير يندى به قلب الغنىّ عطفا ورحمة على الفقير، فيقرضه قرضا حسنا، أو ثمة ضمير يعفّ به الفقير عن هذا المورد الوبيل- إن لم يكن ثمة هذا الضمير أو ذاك، فلا قيمة لوازع السلطان أمام سلطان المال وطغيانه، وإزاء ضراوة الحاجة وقسوتها.

مبحث فى الدين توثيقه والإشهاد عليه

ولهذا ختم الله سبحانه وتعالى آية الربا، بالحثّ على مراجعة النفس فيما هى مقدمة عليه بارتكاب هذا المنكر، وما ينتظرها من حساب يوم القيامة.. وفى هذا يقول الله تعالى: «وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» . فهذه المراجعة إن صادفت قلبا سليما، ونفسا مهيأة للخير، عدلت بها عن هذا المورد الوبيل، وساقتها إلى موارد البر والخير، والتعفف والصبر «1» وإلّا فلا دواء لهذا الداء إلّا ما أعد الله لأهله من عذاب السعير. مبحث فى الدّين توثيقه والإشهاد عليه الآية: (282) [سورة البقرة (2) : آية 282] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) حرّم الله سبحانه القرض بالرّبا، ورغّب فى القرض الحسن، المراد به وجه الله، وفك ضائقة ذوى الحاجة، فذلك عمل مبرور يجزى الله عليه الجزاء الحسن.

_ (1) انظر هذا البحث فى كتابنا: «السياسة المالية فى الإسلام» ص 24 وما بعدها تجد بحثا وافيا فى هذا الموضوع.

ولأن عملية القرض عملية إنسانية، تنبع من عاطفة كريمة رحيمة، فقد حرص الإسلام على أن يثبّت دعائمها، وأن يحرسها من الآفات التي نشوّه معالمها، وتفسد الجوّ الذي تتنفس فيه. ففى النفوس ضعف، وفى القلوب مرض، وفى الناس نكران للمعروف، وجحود للإحسان.. وقد تتوارد هذه الآفات جميعها على عملية القرض، فتجعله مصدر عداوة وبغضاء، بعد أن كان باب تواصل وتراحم وتوادّ.. فقد يجحد المدين أصل الدّين، أو يجحد بعضه، أو يقع سهو أو نسيان فى أصل الدين.. عند كل من الدائن والمدين.. وكل هذا يوجد شقاقا، ويوقع عداوة! لهذا أمر الإسلام على وجه الإرشاد والنصح أن يكتب الدّين، وأن يشهد عليه.. فقال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ» فكما تعرف قيمة الدين، كذلك ينبغى أن يعرف الأجل الذي يؤدّى فيه إلى صاحبه، إذ أن تجهيل الوقت الذي يردّ فيه الدين، وتركه مفتوحا لتقدير المدين- يفتح بابا واسعا للماطلة والتسويف، مما يدعو إلى المشاحنة والعداوة، فى أمر ينبغى أن يصان عما يدعو إلى المشاحنة والعداوة، وأن يخلص للبر والإحسان! وقوله تعالى: «وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ» أي ليقم بين الدائن والمدين من يكتب لهما الدين وأجله، وليشهد عليه.. وذلك إذا لم يكن الدائن والمدين معا ممن يحسنون القراءة والكتابة، فإذا كان أحدهما يحسنهما أو كانا معا لا يحسنانهما فليقم بينهما كاتب عدل، يكون منهما بمنزلة الحكم. وهو أمر موجه إلى من يحسنون الكتابة أن يقوموا بهذه المهمة إذا دعوا إليها.. والأمر لا يكون إلا حضوريا، يخاطب به من يراد منه الأمر، وقد

وجّه الأمر هنا إلى غائب، وذلك أنه لا غائب عن علم الله وقدرته، فكل غائب هنا حاضر فى علم الله.. فكل كاتب موجود أو سيوجد، ماثل بين يدى الله، ومخاطب بهذا الأمر. وقوله تعالى: «وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ» هو نهى لمن يعرف الكتابة أن يمتنع عن كتابة الدين إذا دعى إلى كتابته، فقد أنعم الله عليه بأن علّمه ما لم يكن يعلم، فلينفق من هذا الرزق الذي رزقه الله إياه، فى سبيل الخير، فذلك من زكاة هذه النعمة. وكما أن الأمر لا يتجه إلى غائب، كذلك النهى لا يكون لغير حاضر.. وكما قلنا، فإنه لا غائب فى علم الله، فالله سبحانه وتعالى يأمر وينهى الحاضرين والغائبين.. فى نظرنا، والجميع حاضر بين يدى الله، واقع تحت علمه. قوله تعالى: «فَلْيَكْتُبْ» أمر آخر، بالكتابة، يتوجه إلى من يحسنها، ويؤكد الواجب المدعوّ إليه فى تلك الحال، فإن تخلّى عنه كان ذلك منه عصيانا عن عمد، وتحدّ صريح لأمر الله، الذي بلّغه فى أبلغ بيان وآكده.. بالأمر به، ثم بالنهى عن مخالفته، ثم بالأمر به مرة أخرى.. وقوله تعالى: «وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ» ، هذا بيان لحق المدين فى توثيق الدين.. فبعد أن دعا الله سبحانه وتعالى كلّا من الدائن والمدين أن يكتبوا الدين، ثم دعا إليهما من يكتب لهما- أمر المدين أن يملل أي يملى على الكاتب المال الذي استدانه، والأجل المتفق على أدائه فيه، ليكون ذلك بإقراره، الذي يتعلق بذمته، وذلك بحضور الدائن، ومصادقته على ما يمليه المدين، أو يستمليه منه الكاتب. وقوله تعالى: «وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً» هو أمر توجيهى للمدين

بأن يتقى الله ربّه فى هذا المال الذي صار وديعة فى يديه، وأمانة فى ذمته، إلى أن يؤديه، كما أخذه، محمولا إلى الدائن بيد الشكر وعرفان الجميل، وألا يبخس من هذا المال شيئا، إذ ليس ذلك من صنيع الكرام إلى من أكرمهم وأحسن إليهم، وذكر الاسم الكريم «ربّه» بعد ذكر لفظ الجلالة «الله» تذكير للمدين بربوبية الله له بعد تذكيره بألوهيته، فيستحضر بذلك عظمة الله وجلاله كما يذكر نعمه وآلاءه، ويذكر مع هذا أن من نعم الله على المدين أن يسر له أمره العسر، وفرج كربه على يد عبد من عباده، هو الدائن، وتلك نعمة من نعم الله، يجب على المدين أن يرعاها، وأن يحرص على شكرها، بأدائها إلى أهلها، فى سماحة ويسر وشكر. قوله تعالى: «فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ» (282) أي فإن عرض للمدين ما يمنعه من أن يتولّى بنفسه إملاء الدين والإقرار به، بأن كان سفيها محجورا عليه، أو صغيرا، أو أبكم أو أصم، أو نحو هذا مما ينقص من أهليته وقدرته، فليتولّ ذلك عنه وليّه، أو وصيّه، فيستدين له، ويقرّ بالدين الذي استدانه، متوخيا فى ذلك العدل، فلا يقر بأكثر أو أقل مما استدانه. قوله تعالى: «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى» (282) أي فإذا كتب الدين بحضور المتداينين، وأقر المدين أو وليه بما كتب الكاتب، فليشهد على ذلك شاهدين عدلين من الرجال، أو رجل وامرأتان.

وفى قوله تعالى: «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ» إشارة إلى تحيّر الشاهدين، والتماس الصفات الطيبة فيهما، فليس كل من حضر مجلس العقد كان صالحا للشهادة، قادرا على تحملها، بل يجب أن يكون ذلك بعد طلب، وبحث، فقوله تعالى: «وَاسْتَشْهِدُوا» أي اطلبوا شاهدين، وفى قوله تعالى: «مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ» أي ممن رأيتم فيهما، الاستقامة والسلامة، من بين أهل الاستقامة والسلامة. وقوله تعالى: «أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى» معدول به عن أن يقال: «أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى» حيث يبدو معناهما واحدا، وهو أنه إذا ضلّت إحدى المرأتين عن الحقيقة التي شهدت عليها، ذكرتها الأخرى بهذه الحقيقة، وأعادتها إلى الصواب. واللفظ القرآنى- فى ظاهره- فيه إطناب وتكرار، ولا يكون ذلك إلا لمعنى زائد، وإلا لغرض مراد، لا يحققه غير هذا اللفظ القرآنى على صورته تلك..فماذا هناك؟ لم يعرض القرآن الكريم للرجلين، إذا ضل أحدهما وأنكر ما شهد عليه، كما لم يعرض للرجل مع المرأتين.. إذا ضل عما شهد عليه. وإنما عرض للمرأتين فقط، وما قد يقع من إحداهما.. فما وجه هذا؟ نقول- والله أعلم-: إن الشهادة أمانة تحمّلها الشاهد، وقبلها طائعا مختارا، حسبة لوجه الله.. فإذا غيّر الشاهد وبدل فيما شهد عليه، فليس لأحد عليه من سبيل، وحسابه عند ربّه! سواء أكان الشاهد رجلا أو امرأة. ولكن لما كانت المرأة أقرب إلى السهو والنسيان من الرجل بسبب ما يعرض لها من أحوال جسدية، من حمل وولادة، ومن هزّات عاطفية، فى

قيامها على شئون صغارها وما يعرض لهم- لما كانت المرأة على تلك الصفة هنا فإن استشهادها لم يكن إلا لضرورة، وذلك حين لم يكن ثمة أكثر من رجل واحد يصلح للشهادة! وهنا تقوم المرأتان مقام الرجل الآخر المطلوب للشهادة. ولما كان الضلال عن طريق الحق فى جانب المرأتين ليس مقصورا على إحداهما دون الأخرى، بل هو قدر مشترك بينهما، فقد تذكر إحداهما بعض ما شهدت عليه وتنسى بعضا، كأن تذكر أن الدين قدره كذا وتنسى الأجل المضروب له، أو تذكر أين كان مجلس العقد وتنسى زمانه، أو يختلط عليها الأمر فى من هو الدائن أو المدين.. على حين تذكر الأخرى ما نسيته الأولى، وتنسى ما تذكره صاحبتها.. وهكذا تكمّل إحداهما الأخرى، فيأتيان بالشهادة على وجهها الصحيح، أو على ما هو أقرب إلى الصحيح! فالمراد بالضلال هنا الحيدة عن الواقع، بسبب سهو أو نسيان، كما يضلّ السائر طريقه إلى الغاية التي يقصدها. وقوله تعالى: «وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا» (282) أمر موجه إلى الشهود بأداء الشهادة إذا ما دعوا إلى أدائها عند الحاجة إلى شهادتهم، وبهذا يتحقق الغرض المقصود من توثيق الدين، والإشهاد عليه. وفى التعبير عن الشهود بلفظ «الشهداء» الدال على علو القدر وشرف المنزلة- احتفاء بالشهادة وتكريم عظيم للشاهد، إذا كان أهلا لحمل الأمانة، وموضع ثقة بين الناس، حيث ائتمنوه، ورضوا به حكم عدل بينهما، ففى كلمته التي يشهد بها مقطع الحق. وقوله تعالى: «وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا» (282) .

هو تحذير من التهاون فى توثيق الدين أيّا كان قدره، فقد يستخف بعض الناس بشأن الدين، حين يكون قليلا، فلا يكتبه، ولا يحدد له أجلا، وهذا من شأنه أن يفتح بابا للخلاف، ثم الشقاق والعداوة. وكتابة الدين أيّا كان قدره هو العمل المبرور عند الله، لأنه قائم على العدل والإحسان، ولأنه هو الذي يضبط الشهادة ويقيمها على وجهها الصحيح، إذا اختلف الشهداء فيها، ولأنه من جهة ثالثة يبعد الريب والشبهات، حيث يرجع المتداينين إلى ما كتب، وضبط. وقوله تعالى: «إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ» (282) استثناء من الحكم العام المأمور به فى كتابة الدين. ففى عملية البيع والشراء، حيث تكون البضاعة حاضرة، والثمن حاضرا معجلا، وحيث تسلّم البضاعة ويقبض الثمن فى مجلس البيع- فى هذه العملية لا تكون الكتابة ضرورية، إذ لا غناء لها، ولا معوّل عليها بعد أن يتم تسليم البضاعة وقبض الثمن. وقوله تعالى: «تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ» إشارة إلى فورية التسليم والقبض، وتبادل البضاعة وثمنها بين البائع والمشترى. وقوله تعالى: «وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ» أمر توجيهى بأن يكون البيع والشراء بحضور شاهدين، ذلك أنه إذا لم يكن للكتابة أثر فى عمليه البيع الحاضر، فإن للشهود أثرهم فى حسم ما قد يقع بين البائع والمشترى من خلاف، فى مجلس البيع. كأن يختلفا فى الشيء المباع، كمية، أو عددا، ونحو هذا، أو أن يختلفا فى الثمن الذي تراضى به كل منهما، فيكون للشاهدين الكلمة الحاسمة فى هذا الخلاف.

وقوله تعالى: «وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ» (282) حماية للكاتب، وللشاهدين من أن يلحقهما أذّى فى هذا العمل الذي أدّياه حسبة لوجه الله. فالكاتب والشاهد فى العقود المبرمة بين المتعاقدين يؤديان عملا إنسانيا، حسبة لوجه الله، ومن الظلم أن يمسّهما سوء أو ينالهما أذى من أجل هذا العمل الذي يقومان به، وإلّا زهد الناس فى هذا العمل المبرور، إذا لم تيسر سبله، ولم يمط عنه كل أذى. لهذا جاء قول الله تعالى: «وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ» حماية للإحسان وللمحسنين من أن يكدر صفو الإحسان، وأن يساء إلى أهله بأى لون من ألوان الأذى المادىّ أو الأدبىّ. وقوله تعالى: «وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ» تحذير للدائنين والمدينين، والبائعين والمشترين، ولكل طرف من الطرفين المتعاقدين فى أية عملية يضبطها عقد ويشهد عليها شهود- تحذير لهؤلاء جميعا من أن ينال الكاتب أو الشاهد أذى منهم، فإن فعلوا كان ذلك فسقا منهم، وخروجا على سنة العدل والإحسان، وتعديا على حدود الله. وقوله تعالى: «وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (282) هذا أمر عام بتقوى الله، ومراقبته، والوفاء بأوامره ونواهيه على الوجه الأتم الأكمل.. وتقوى الله مطلوبة هنا فيما بيّنه الله تعالى من أحكام، وأوضحه من معالم، ورسمه من حدود فى عملية الدين، وفى البيع والشراء، فإنه إذا كانت

الآية: (283) [سورة البقرة (2) : آية 283]

تقوى الله بمحضر من قلوب المتعاملين هنا، استقام أمرهم، وسلم لهم دينهم ودنياهم جميعا. الآية: (283) [سورة البقرة (2) : آية 283] وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283) التفسير: تبين هذه الآية حكما من أحكام الدين، وذلك حين يكون المتداينين على سفر، وليس هناك من كاتب يكتب لهما، كما أمر الله فى الآية السابقة، والحكم التعليمى هنا هو أن يقدّم المدين ليد الدائن رهنا يضمن دينه، وبذلك لا يكون هناك سبيل للمدين أن يماطل أو ينكر، فإن ماطل أو أنكر كان فى يد الدائن ما يفى بدينه، وهو الرهن المقبوض. قوله تعالى: «فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ» وذلك حين لا يكون فى يد طالب الدين ما يقدمه لمن يطلب الاستدانة منه كرهينة لما يستدينه.. ففى هذه الحال يترك الأمر لتقدير الدائن، فإن أمن المدين، واطمأن إلى سلامة دينه، واستشعر الوفاء بدينه، داينه، وجعل هذا الدين أمانة فى ذمته، يؤديه إليه فى الأجل المحدد له، على أن يشهد على هذا الدين. وقوله تعالى: «فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ» أمر إلزامى للمدين الذي ائتمنه الدائن، ولم يكتب دينه، ولم يكن فى يده رهن مقبوض فى مقابله- أمر إلزامى له أن يؤدى ما ائتمن عليه، فإن خيان الأمانة هنا جرم غليظ، إذ حكم

الآية: (284) [سورة البقرة (2) : آية 284]

الدائن على نفسه، أنه غير أهل للثقة ولا مستأهل للجميل، الأمر الذي يجور على انسانيته، ويذهب بمروءته. وقوله تعالى: «وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ» تذكير للمدين أن يفىء إلى تقوى الله إذا حدثته نفسه بجحد الدين أو المماطلة فيه، فإن الله له بالمرصاد، إن أحسن أحسن الله إليه، وإن أساء أخذه بذنبه. «إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ» (102: هود) . وقوله تعالى: «وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ» تحذير للشهود- فى جميع الأحوال- أن يكتموا ما استشهدوا عليه، فإن الشهادة أمانة، وجحودها، خيانة للأمانة. وقوله تعالى: «فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ» إشارة إلى أن الإثم قد استولى على قلبه الذي كان مستودع الشهادة، وإذ كتمها صاحبها فى قلبه، وأبى أن يرسلها حين طلب إليه أداؤها إلى أهلها، فقد علقت بقلبه، ورانت عليه، وتغير وجهها، واصطبغ بصبغة الخيانة والإثم. وقوله تعالى: «وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» أي مطلع على ما ضمّت عليه القلوب، وما أعلنته أو أخفته. الآية: (284) [سورة البقرة (2) : آية 284] لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) في الآية استعراض لقدرة الله، وبسطة سلطانه، وعظمة قدرته، وسعة علمه.. وفى كل هذا يرى المؤمنون بالله أنهم إنما يتحركون ويعملون فى مجال القدرة

الآية: (285) [سورة البقرة (2) : آية 285]

الإلهية، وتحت سلطانها، لا يخفى على الله منهم شىء ... وقوله تعالى: «وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ.» هو خطاب للشهود، وتحذير لهم من أن يكتموا الشهادة، فإن أبدوا ما فى أنفسهم مما استشهدوا عليه، أو أخفوه وكتموه، فإن الله بهم عليم، وهو محاسبهم على خيانتهم الأمانة، وكتمانهم الشهادة. وقوله تعالى: «فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ» بسط من الله تعالى ليده، التي تنال برحمتها ومغفرتها أولئك العصاة، الذين كتموا الشهادة، فيغفر الله لمن شاء منهم، ويعذب من يشاء، يغفر لمن يشاء كرما وفضلا، ويعذب من يشاء حقا وعدلا.. وذلك ما يشهد له قوله تعالى: «نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» (56: يوسف) فرحمة الله عامة شاملة، تنال المحسن والمسيء، والبرّ والفاجر.. كما يقول سبحانه: «رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ..» (156: الأعراف..) أما إحسان المحسنين فهو فى ضمان الله، لن يضيع أبدا! الآية: (285) [سورة البقرة (2) : آية 285] آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) التفسير: يخبر الله سبحانه وتعالى بإيمان الرسول بما أنزل إليه من ربّه، أي بالقرآن الذي أنزل عليه، وبما حمل هذا القرآن من أحكام وآداب، كما

الآية: (286) [سورة البقرة (2) : آية 286]

يخبر سبحانه بإيمان المؤمنين الذي اتبعوا النبي، على نحو الإيمان الذي آمن به النبىّ. وليس الإخبار بإيمان النبىّ والمؤمنين لمجرد الإعلام بمضمون هذا الخبر، وإنما لما ينكشف وراء هذا الخبر من الصورة التي كان عليها إيمانهم، فهذا الإيمان قائم على دعائم، هى: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، دون تفرقة بين أحد من رسله، فهم جميعا حملة رسالة الله إلى عباده، يعملون لغاية واحدة، هى هداية الناس إلى الله، وإقامتهم على صراط الله، ودين الله.. والتفرقة بينهم تفرقة للحق الذي جاءوا به، والحق وجه واحد، وطريق واحد، لا تختلف مناهجه، ولا تتفرق سبله. ومن تمام هذا الإيمان أيضا، السمع والطاعة لله ولرسوله، والإنابة إلى الله في العثرات والزلات. وقوله تعالى: «لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ» هو مقول لقول محذوف يدل عليه القول فى قوله تعالى: «وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا» أي قائلين لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا سمعنا وأطعنا.» وفى هذا كله تعريض بأهل الكتاب، وخاصة اليهود، الذين فرّقوا دين الله، فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعضه، وعزلوا رسل الله بعضهم عن بعض كما عزلوا هم أنفسهم عن المجتمع الإنسانى كله. الآية: (286) [سورة البقرة (2) : آية 286] لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (286)

التفسير: التكاليف التي حملها رسل الله إلى الناس، إنما هى لإصلاح معاشهم ومعادهم، وإقامتهم على طريق مستقيم، تطيب لهم فيه الحياة، حيث تجمعهم الأخوة والمودة، ويؤلف بينهم العدل والإحسان. وهذه التكاليف ليس فيها إعنات ولا تحدّ لقدرة الإنسان وقوة احتماله، وإلا كانت ضربا من النكال، ولونا من العقاب، الأمر الذي جاءت رسالات السماء على خلافه.. فما هى إلا رحمة من رحمات الله، وفضل من أفضاله على عباده، تفتح لهم مغالق الخير، والحق، والهدى. وقوله تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» هو البيان المبين لحقيقة الشرائع السماوية، وأنها المنهج التربوى السليم، لإصلاح أمر الفرد والمجتمع، وهى الغذاء الروحي والنفسي والعقلي للإنسان.. وإذ كان هذا شأنها فإنها لم تجىء إلا بما تتقبله النفوس السليمة، وتستجيب له، وتتفاعل معه، وتسعد به. وإذ كانت أحكام الشريعة عامة للناس كلهم، عامتهم وخاصتهم على السواء، وإذ كان الناس على درجات متفاوتة، فى القوة والضعف، وفى الصحة والمرض- فإن مما قضت به الحكمة فى ذلك أن جاءت الشرائع السماوية- وخاصة شريعة الإسلام- على مستوى الوسط للقدرة الإنسانية، بمعنى أن من فوق هذا المستوي تتسع قدراتهم لأكثر من تكاليف الشريعة، على حين أن من دون هذا المستوي لا تضيق نفوسهم به، وإن وجدوا فيه شيئا من العناء والجهد. هذا فى مجال الإنسانية كلها.. أما فى خاصة حياة الفرد من الناس،

فإن الشريعة قد راعت الظروف الخاصة التي تعرض للإنسان، والضرورات التي تتحدّى قدرته، فوضعت لتلك الظروف وهذه الضرورات أحكاما خاصة، موقوتة بوقتها، ومقدورة بقدرها، فأباحت المحظورات عند الضرورات، ودفعت الحرج عن الضعفاء، والمرضى، والمسافرين، فرفعت عنهم بعض الأحكام، رفعا جزئيا أو كليا، بصفة مؤقته أو دائمة، وبهذه الأحكام الاستثنائية الواردة على الأحكام العامة، يرفع الحرج عن المؤمنين بالله، الحريصين على الوفاء بأحكام شريعته.. وهذا من رحمة الله بالناس، ولطفه بعباده: «وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (220: البقرة) . ثم إن فى قوله تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» . ما يجعل إلى الإنسان نفسه عند التطبيق العملىّ لأحكام الشريعة، أن يردّها إلى قدرته واحتماله، فما خرج منها عن قدرته، وجاوز احتماله، فقد تجاوز الله عنه، ورفع عنه الحرج فيه، شريطة أن يكون ذلك عن نية صادقة فى الامتثال لأمر الله، ورغبة خالصة فى مرضاته، بمعنى أن يحاول الإنسان أداء المطلوب صادقا مخلصا، فإن عجز أو قصّر فرحمة الله لن تضيق به، ولن تقيمه على الضر والأذى: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» . وقوله تعالى: «لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ» الكسب هنا غير الاكتساب.. فالكسب للحسنات والأعمال الصّالحة، والاكتساب للسيئات والأعمال السيئة.. وفى لفظ الكسب خفة، ولطف، واستقامة على اللسان، على خلاف لفظ الاكتساب وما فيه من ثقل، وقلق واضطراب.. «كسبت» و «اكتسبت» ! ولفظ «لها ما كسبت» يفيد الملكية، التي تقضى للمالك بالانتفاع بما ملك، والتصرف فيه بما ينفعه، وذلك واقع فيما يكسبه الإنسان من حسنات،

وما يعمله من صالحات.. إنها له، وملك يمينه، أما لفظ «عليها ما اكتسبت» فهو يدل على إلقاء أعمال وأعباء على كاهل المكتسب، تنقض ظهره، وتقيد خطوه، فلا يبلغ غاية، ولا يحقق أملا. قوله تعالى: «رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ» . من رحمة الله بنا وألطافه علينا- أتباع هذه الملة السمحاء- أن دعانا إلى أن ندعوه بهذا الدعاء، الذي صاغه سبحانه من كلماته، وجعله سبحا لملائكته ولعباده الصالحين، يسبّحون له، ويدعون لنا به.. بل إنه سبحانه وتعالى يأتمّنا بهذا الدّعاء، ويصلى علينا به، ونحن نقول بما يقول، ونصلّى بما يصلّى.. فما أكثر رحمة الله بنا، وما أوسع فضله علينا.. إذ تقبّل دعاءنا قبل أن ندعو، واستجاب لنا قبل أن نكون! فقد رفع الله عنا الخطأ والنسيان، كما أخبر الرسول الكريم فى قوله: «رفع عن أمّتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» كذلك عافانا مما ابتلى به أمما قبلنا.. كأمة اليهود، الذين ابتلاهم الله بضروب شتى من البلوى، وحمّلهم من التكاليف ما أعنتهم وأرهقهم، عقابا لهم، ونكالا، جزاء كفرهم بآيات الله، ومكرهم بنعمه، وفى هذا يقول سبحانه: «فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ» (160: النساء) ويقول سبحانه: «وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ» (146: الأنعام) .. لقد عافانا الله من هذا الامتحان

القاسي، فلم يأخذنا بذنوبنا، ولم يحملنا من التكاليف ما لا نطيق، وجعل لنا باب التوبة مدخلا نثوب به إليه، ونقترب منه، بعد أن بعدنا بذنوبنا عنه، إذ نضرع إليه قائلين: «رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ» . وإنى لأحبّ أن أفهم قوله تعالى: «رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ» . على أنه- مع كونه دعاء مطلقا يدعو به المسلم فى كل وقت- هو تعويذة يلوذ بها المذنبون الذي تغلبهم أنفسهم، وتقهرهم أهواؤهم فيقترفون ما اقترفوا وهم فى هذا الضعف النفسي المستولى عليهم، فهم- والحال كذلك- قد وجدوا أمام أمر لا طاقة لهم به، وهم لذلك فى استخزاء، وفى حسرة وندم، لا يجدون إلا وجه الله يبسطون أيديهم إليه أن يعينهم على أنفسهم، فيقوّى من إيمانهم، ويشد من عزائمهم، فى هذا الصراع الدائر فى كيانهم، بين الإقدام على المعصية والإحجام عن مواقعتها، حتى ينتصروا على أنفسهم وينتهوا عمّا نهوا عنه.. وفى ختم هذا الدعاء العظيم الشامل بقوله تعالى: «أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ» إلفات للمسلمين بأن غايتهم من هذا التضرع إلى الله، بإصلاح أمرهم واستقامة طريقهم- هو أن يكونوا آخر الأمر أهلا لهداية الناس إلى الله، وأن يصبحوا جبهة عاملة لنصرة الحق، وجندا مقاتلا فى سبيل الله، وبهذا تقوى جبهة الإيمان، وتضمر أو تزول دولة الكفر.. وإذ كان المؤمنون أولياء الله، ونصراء كلمته، فإن الله وليهم وناصرهم على عدوهم.. «أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ» .

3 - سورة آل عمران

3- سورة آل عمران اسمها: سورة آل عمران، ومن أسمائها: «الزهراء» . وتسمى هى والبقرة: الزهراوين. نزولها: نزلت بالمدينة.. بعد البقرة، والأنفال. عدد آياتها: مائتا آية. عدد كلماتها: ثلاثة آلاف وأربعمائة وثمانون كلمة. عدد حروفها: أربعة عشر ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرون حرفا. بسم الله الرّحمن الرّحيم الآية: (1) [سورة آل عمران (3) : آية 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم (1) ذكرنا فى أول سورة البقرة ما يقال عن المراد من الحروف التي بدئت بها بعض السور فى القرآن الكريم الآيات: (2- 4) [سورة آل عمران (3) : الآيات 2 الى 4] اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (4) التفسير: جملة «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» صفة لله، «والْحَيُّ» صفة ثانية، و «الْقَيُّومُ» صفة ثالثة. فالله سبحانه وتعالى الموصوف بالتفرّد بالألوهية، السرمدية الأبدية، التي لم

يسبقها ولا يلحقها عدم، وبالقيومية المبسوط سلطانها على كل شىء، القائم أمرها على كل شىء- هذا الإله هو الذي نزل الكتاب على محمد- صلوات الله وسلامه عليه- فمن هذا المقام الكريم الذي لا يطاول ولا يسامى كان متزّل هذا الكتاب الكريم، الذي يقول فيه المشركون والمنافقون- زورا وبهتانا- إنه من معطيات محمد، تلقاه من أصحاب العلم من أهل الكتاب، ولقنه من مدارسة الدارسين.. كما حكى القرآن الكريم ذلك عنهم فى قوله تعالى: «إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ» (103: النحل) وقوله سبحانه: «وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا» (5: الفرقان) وقد جاء هذا القرآن بالحقّ الذي لا مرية فيه، لأنه من ربّ العالمين، جاء مصدقا لما سبقه من الكتب السماوية، لأنها جميعها من مصدر واحد، جاءت من الحق بالحق كما يقول سبحانه: «وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ» (105: الإسراء) والله سبحانه الذي أنزل القرآن بالحق، هو الذي أنزل التوراة والإنجيل من قبل هدّى للناس، وأنزل الفرقان أي القرآن كذلك هدى للناس. فالذين يكفرون بآيات الله التي أنزلها الله على رسله، وأودعها كتبه، لهم عذاب شديد، أعده الله لهم يوم القيامة، ولن يعصمهم من الله عاصم- ولن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا، «وَاللَّهُ عَزِيزٌ» عزّ سلطانه، وقد اعتز هؤلاء السفهاء بسفههم، فتطاولوا على حماه، وكفروا بآياته، واستخفوا بها. «ذو انتقام» يأخذ بنقمته من استخف بعزته! وفى الآيتين الكريمتين مسائل، منها: أولا: قوله تعالى: «نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ» فيه إشارة إلى أن القرآن

الكريم نزل منجما أي مفرقا، يدل على هذا شاهد التاريخ، كما يدل عليه هذا اللفظ «نزّل» الذي يفيد الحركة والتفرق، بخلاف «أنزل» الذي يدل على الثبوت والوحدة. ثانيا: قوله تعالى: «مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ» لم تذكر الكتب التي بين يدى القرآن، وإن كان المراد بها التوراة والإنجيل، وذلك الإطلاق إنما ليشمل جميع الكتب والصحف المنزلة على الأنبياء جميعا. ما بقي منها وما لم يبق، وما ذكر وما لم يذكر، لأنها جميعها من مورد الحق، يصدّق بعضها بعضا. وإذا نظرنا إلى الكتب المنزلة، حسب واقعها التاريخىّ نجد أن القرآن الكريم هو الذي بين يدى الكتب السماوية، وليست هى التي بين يديه، لأنه جاء إلى هذا الوجود تاليا لها، لا سابقا عليها. ولكن الكتب السماوية ليست أحداثا حادثة، وإنما هى وقائع فى علم الله، موجودة من الأزل، شأنها شأن جميع ما فى علم الله، وظهورها وانكشافها لنا يجىء موقوتا بإرادة الله مقدورا بحكمته.. ففى سير الأحداث من سجل الغيب وظهورها على مسرح حياتنا، نجد أن الكتب السماوية جميعها تقدمت القرآن الكريم، واحدا واحدا، والسابق منها بين يدى اللاحق، وبهذا التقدير تقع جميعها بين يدى القرآن! وليس الأمر كذلك فى حركة التاريخ، حيث تطوى الأحداث التي تجدّ، فكل حدث جديد فى هذه الحركة يمشى على آثار الحدث الذي مضى، ويخلّفه وراءه.. وحركة الزمن ليست على تلك الصورة، إنها حركة واحدة، أشبه بحركة القطار.. والأحداث محمولة على جزئيات هذا الامتداد الزمنى، كما يحمل الأشخاص والأشياء فى عربات القطار، والمتقدم منها يظل دائما متقدما بين يدى المتأخر!

وننظر إلى القرآن الكريم فى هذا الوضع فنجده وقد أخذ مكانه من الكتب السماوية، كمصدر إشعاع لها، ومركز انطلاق لكلمات الله منها، يرسل كل حين شعاعات من نور الله، إلى عباد، الله على يد رسل الله، ويقدمها بين يديه، وكأنها تمهد له الطريق، وتهيىء له الأفق الذي يستقبله، حين يطلع على الناس بشعلته المقدسة، ويملأ الوجود بنوره القدسىّ.. وعلى ضوء هذا التصوّر يمكن أن نفهم قول الله تعالى: «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ» (48: المائدة) . فهذه الهيمنة إنما تكون لقوة هى مصدر لتلك القوى النابعة منها، المستندة إليها، فيكون لها بهذا الوضع مكان الرقابة عليها، والضبط لخط سيرها.. ثالثا: ومن الهيمنة التي للقرآن على الكتب السماوية التي بين يديه أنه هو المصدّق لها، الشاهد الذي ترى فى أضوائه وفى أحكامه، وأخباره وآدابه- آيات صدقها، وأنها من مورد هذا الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إذ ليس بعد شهادة القرآن شهادة، ولا وراء الحق الذي يقوله حق، وإنه سيظل قائما هكذا إلى يوم القيامة، معجزة تنحدى الناس جميعا، أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور مثله، أو بسورة من مثله،.. «وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (23: البقرة) ومن كان هذا شأنه، وذلك إعجازه فله أن يقول، وعلى الناس أن يسمعوا، وله أن يحكم، وعلى الناس أن ينزلوا على حكمه، طوعا أو كرها.. رابعا: قوله تعالى: «وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ» بعد قوله تعالى: «نَزَّلَ

الآيتان: (5، 6) [سورة آل عمران (3) : الآيات 5 إلى 6]

عَلَيْكَ الْكِتابَ» . وذلك لاختلاف المقامين، فالله سبحانه هو الذي أنزل الفرقان، ونسبة هذا الخبر إلى الله سبحانه وتعالى هنا هي نسبة مجردة، لا يراد بها غير إثبات الحكم الذي تضمنه الخبر، وهو أنه تعالى هو الذي أنزل القرآن.. أما الخبر فى قوله تعالى «نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ» فليس مرادا به مجرد النسبة إلى الله تعالى، بل وبيان الصورة التي نزل عليها الكتاب الكريم، وأنه نزل على النبي مفرقا ولم ينزل جملة واحدة. الآيتان: (5، 6) [سورة آل عمران (3) : الآيات 5 الى 6] إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6) التفسير: هنا استعراض لقدرة الله، وكشف لمظاهر هذه المقدرة، فيما أبدعت وصورت، من آيات مبثوثة فى ملكوت السموات والأرض! فهذه القدرة محيطة بكل شىء، عالمة بكل شىء، وهو سبحانه خالق كل شىء، فما من شىء إلّا وهو من فيض صنعه وتدبيره، فكيف لا يعلم ما خلق؟ «أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» (14: الملك) ومن شواهد قدرة الله، وسلطان علمه، تلك العملية التي تتخلق منها الكائنات الحية، والتي من بعض كائناتها الجنس البشرى! فهذا الإنسان، الذي يفور كيانه عظمة وكبرياء. حتى ليكاد يطاول الإله فى عظمته وكبريائه- هذا الإنسان نشأ على يد القدرة، وتنقّل فى أطوار الخلق، من عدم إلى وجود.. وفيما بين العدم والوجود قطع مراحل طويلة، وتقلب فى صور شتى.. من نطفة، إلى علقة، إلى مضغة، إلى عظام عارية، إلى عظام يكسوها اللحم، إلى كائن له سمع وبصر وشم وذوق.. كل هذا وهو فى عالم

الآية: (7) [سورة آل عمران (3) : آية 7]

مطبق عليه.. «فى ظلمات ثلاث» فى بطن أمه، فإذا خرج من هذا العالم إلى عالم الناس.. تنقل فى أطوار.. من الطفولة، إلى الصبا، إلى الشباب، إلى الاكتهال، والشيخوخة.. فأين أول الإنسان من آخره؟ وأين النطفة من الطفل؟ وأين الطفل من الشاب؟ « «أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً» (67: مريم) . وقوله تعالى: «هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ» يشير إلى مالله سبحانه من شأن، فى تقدير خلقنا، وتحديد أرزاقنا، وأوضاعنا فى الحياة، حيث اختلفت صور الناس، وتباينت حظوظهم، حسب إرادة الله وتقديره.. فكل إنسان منا هو عالم مستقل بدأته، دائر فى الفلك المقدور له. الآية: (7) [سورة آل عمران (3) : آية 7] هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (7) التفسير: اختلف الأئمة المفسرون فى هذه الآية، وتضاربت آراؤهم فى مواضع كثيرة منها.. فى الآيات المتشابهة.. ما هى؟ وما مدلول التشابه هذا؟ ومن هم المقصودون بقوله تعالى: «الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ؟ وهل الوقف على

لفظ الجلالة فى قوله تعالى: «وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ» ؟ أم يعطف عليه قوله سبحانه «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» ؟ وهل الواو هنا للعطف أم للاستئناف؟ وفى الإجابة على أي سؤال من هذه الأسئلة، عشرات من الأجوبة التي يذهب كل منها مذهبا غير مذهب صاحبه! وندع كل هذا، وننظر فى الآية الكريمة نظرا مباشرا، يصافح وجهها المشرق، ويتملّى بيانها المبين.. ونقف قليلا عند قوله تعالى: «وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ» ونطلب المعنى اللغوي لكلمة «التأويل» . وإذ ننظر فى معاجم اللغة.. لا نجد فيها ما يشفى.. إذ لا تبعد كثيرا عن معنى التفسير، أو التخريج، وقد يراها بعضهم هى والتفسير سواء، فلا فرق عندهم بين التفسير والتأويل. والقرآن الكريم- وهو الحجة على اللغة، وليست اللغة حجة عليه- يفرق بين التأويل والتفسير، ويجعل لكل منهما مجالا لا يعمل فيه الآخر. يستعمل القرآن الكريم «التأويل» للأمور الخفيّة الغامضة، التي يخفى ظاهرها ما ضمّ عليه باطنها، من أمور محجبة وراء هذا الظاهر.. وبين الظاهر غير المراد والباطن المراد بون شاسع، وبعد بعيد، لا يبلغه إلا بصر ذوى البصائر، ممن رضى الله عنهم، ورفعهم إلى هذا المقام الكريم، الذي يطلعون منه على ماوراء الحجب من علم الله. ذكر القرآن الكريم أن هذا المقام الكريم- مقام التأويل- كان ليوسف عليه السّلام، فقال تعالى: «وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ» (21 يوسف) . وقال تعالى:

«وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ» (6: يوسف) وقال سبحانه على لسان يوسف: «رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ» (101: يوسف) وقال سبحانه على لسانه أيضا: «يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ» (100: يوسف) وقال تعالى على لسان صاحبى السجن «نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ» (36: يوسف) وقال سبحانه على لسان يوسف: «لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي» (37: يوسف) وقال تعالى على لسان أصحاب فرعون: «وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ» (44: يوسف) . وقال تعالى على لسان أحد صاحبى السجن، وهو الذي نجا: «أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ» (45: يوسف) . وكما كان ليوسف هذا العلم الذي فضل الله عليه به، فكشف بهذا العلم ما وراء تلك الحجب من الأزمنة والأمكنة.. كان ذلك العلم أيضا للعبد الصالح صاحب موسى عليهما السلام- والذي يقول لله تعالى فيه: «فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً» (65: الكهف) . وفى صحبة موسى للعبد الصالح، رأى موسى العجب فى أمور كان يأتيها العبد الصالح بين يديه، فتجرى فى وضع مقلوب، كما يبدو ذلك فى مستوى النظر الطبيعي للناس، بينما هى- فى حقيقة أمرها- تسير فى أعدل وجه وأحسنه! كما ظهر ذلك منها، حين كشف العبد الصالح لموسى، عما وراء هذا الظاهر غير المستقيم، أو بمعنى أوضح، حين كشف له عن حجاب الزمن، وأراه مسيرتها، والنهاية التي تنتهى إليها، وما تؤول إليه عاقبة أمرها.

وفى هذا يقول العبد الصالح لموسى- بعد أن حجز موسى عن السير ممه فى هذا الطريق- فى هذا يقول، كما قال القرآن على لسانه: «هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً» (78: الكهف) هذا ما ورد فى القرآن الكريم من لفظ «التأويل» وهو فى جميع موارده لم يستعمل إلا فى الكشف عن أمور غامضة، متخفية وراء ستر، تحول بين الناظر إليها وبينها.. وهى- كما نرى فى سورة يوسف- أحلام.. هى رموز إلى أشياء وأحداث، لم يستطع قراءتها وفك رموزها إلا يوسف عليه السلام.. أو هى كما نرى فى مسيرة العبد الصالح مع موسى، أضغاث أحلام من أحلام اليقظة.. لا يكاد المرء يصحو، حتى ينكرها، وينفض أطيافها المحوّمة أمام عينيه. فالتأويل على هذا هو فك طلاسم ورموز، يقف الناس جميعا أمامها حائرين، ويقول فيها كل إنسان يقول، وينظر كل ناظر إليها بنظر.. وهيهات أن يلتقى قول بقول، أو يقع نظر على نظر! فكل ما يقال فيها هو رجم بالغيب، إلا من علّمه الله تأويل الأحاديث! وقد آن لنا بعد هذا أن ننظر فى الآية الكريمة: فقوله تعالى: «هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ» . يبيّن الأسلوب الذي جاءت عليه آيات القرآن.. فمنه الآيات المحكمة، وهى التي تنطق بدلالتها نطقا واضحا محددا لا يقبل التخريج أو التأويل.. وهذه الآيات هى التي تحمل أحكام الشريعة.. من صلاة وصيام، وزكاة، وحج، كقوله

تعالى: «وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ» وقوله سبحانه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» وقوله: «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» . وكذلك الآيات التي تتعلق بالإيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والجنة والنار.. لأن هذه أمور إن حملها نص غير واضح الدلالة محدد المفهوم- أوقع الناس فى لبس وخلاف، وذهب كلّ فيها مذهبا، ففرقوا دين الله، وتفرقوا فيه، وهو الذي من شأنه أن يجمعهم عليه، وأن يجتمعوا هم على كلمة سواء فيه. فهذا المحكم من آيات الكتاب الكريم، يعطى دلالته، محددة واضحة، لأول نظرة فيه. وهناك آيات متشابهة، تحتمل وجوها من التأويل والتخريج.. وسنعرض لها بعد قليل. وبين الآيات المحكمة والآيات المتشابهة آيات ليست من هذه أو تلك، ليست محدّدة الدلالة، ولا مغلقة المفهوم.. بل يمكن- مع النظر السليم- أن ينكشف مدلولها، ويتحدد مفهومها، وذلك هو معظم القرآن، فيما جاء فى الأخلاقيات وفى الأحكام الجزئية. ذلك أن القرآن الكريم لم يجىء على الأسلوب العلمي، الذي يصبّ قواعد العلم ومقرراته فى قوالب لفظية جامدة، لا تنفتح إلا على حكم واحد لا شىء بعده، بل جاء القرآن على أسلوب أدبى رفيع، استولى على قمة الفن الأدبى، بلا منازع، وهذا الأسلوب مهما كان من الدّقة والإحكام لا يمكن أن ينضبط على القالب العلمي، ولا أن تحمل ألفاظه أحكاما صامتة- مغلقة- مثل ما تحمل ألفاظ الأسلوب العلمي، بل تجىء الأحكام فى هذا الأسلوب مغلّقة فى غلائف رقيقة مشعّة، تومىء إلى المعنى

ولا تكشفه، وتتخافت به ولا تجهر! وهذا ما يجعل للقرآن الكريم حياة متجددة فى العقول وفى القلوب، لا يمل مرتله الترتيل أبدا، إذ يجد لما يعاود ترتيله روحا فى كل مرّة، ووجها جديدا في كل ترتيلة.. ونعود إلى المتشابه.. ما هو؟ وأين هو فى القرآن؟ وما الحكمة منه؟ المتشابه- كما قلنا- هو المغلق، الذي لا ينكشف للنظر، بل يتراءى لمعطيات الحدس والرجم بالغيب، أشبه بالأحلام وأضغاث الأحلام التي يتأولها المتأولون، ويقول فيها القائلون! وليس يعلم قولة الحق فيها إلا علّام الغيوب.. ذلك هو المتشابه. أما أين هو فى القرآن.. فإنا إذا نظرنا فى كتاب الله، فيما بين أوله وآخره نجد أن قوله تعالى: «وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ» يلفتنا لفتا قويا إلى هذا المتشابه، وهو تلك الأحرف المتقطعة التي تبدأ بها بعض سور القرآن الكريم، مثل «الم، الر، المر، كهيعص، طس، طسم ... » فهذه الأحرف هى التي يقف أمامها دارس القرآن حائرا، لا يدرى لها مفهوما، إلا أن يكون ذلك بضرب من الحدس والتخمين، ولهذا كثرت فيها تأويلات المتأولين، إلى أن جاوزت السبعين قولا فيها، بل ويمكن أن نزاد هذه الأقوال إلى مئات، بل وتتسع لألوف، دون أن يكون قول أحق فيها من قول، أو أولى بالقبول والتسليم.. إذ كل الأقوال هى اجتهاد شخصى، كالحدس عن شىء داخل صندوق مغلق، ولهذا كان أعدل قول فيها وأصدقه هو القول: «الله أعلم بمراده» فما يعلم تأويلها إلا الله! وقد عرفنا معنى التأويل، وأنه- كما جاء فى القرآن- لا يكون إلا فى مواجهة الأمور المغلقة، كالأحلام وأضغاث الأحلام!

قوله تعالى: «فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ» . أي إن الذين فى قلوبهم مرض، بما عشّش فيها من نفاق، وضلال.. هؤلاء لا ينظرون فى كتاب الله، ولا يقفون عند محكم آياته، لأنهم لا يؤمنون به، بل يجعلون همهم كله فى صيد ما يمكن صيده من كتاب الله، من هذا المتشابه من كلماته، التي أشرنا إليها، والتي يمكن ألا يقال فيها أىّ شىء، كما يمكن أن يقال فيها كل شىء! لأنها- كما قلنا- كتاب مغلق.. إذا سئل الإنسان عما فيه، فإن احترم عقله، قال: «لا علم لى» ، وإن سفه وحمق، قال، وأكثر القول، وتحدث وأطال الأحاديث بما هو أكثر مما فى الكتاب امتدادا وطولا، وربما كان الكتاب فى علم الحساب، على حين يحسبه المتخرصون كتابا فى الفقه، أو الحديث، أو الأدب، أو الموسيقى مثلا!! وهؤلاء من مرضى القلوب، إنما وقفوا عند هذه المتشابهات، لأنها تفتح لهم أبوابا واسعة إلى أن يقولوا فيها ما يشاءون، وأن يحمّلوها من المعاني ما يريدون من مقولات، تفتن وتضلّ، دون أن يقف لهم أحد، أو يفنّد مقولاتهم مفنّد، فإذا واجههم أحد، أو حاجّهم محتاج سألوه رأيه فيها، وقوله عنها، وقد عرفنا أنها تتسع لكل رأى، وتتقبل كل قول، وليس فيها إلا قول واحد، علمه عند علام الغيوب. «وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ» ! .. ولو كان هؤلاء الزائغون المنافقون يؤمنون بالقرآن، وبأنه من عند الله، لكان لهم أن يقولوا فى المتشابه ما يقولون، مما يؤدى إليه نظرهم واجتهادهم، ولكان لهم من إيمانهم ما يعصمهم من أن يزلّوا ويضلّوا، ولكنهم- كما عرفنا- لا يمسكون من القرآن إلا بتلك الكلمات المتشابهة، التي رصدها الله ابتلاء وفتنة، تزداد بها قلوب المنافقين مرضا إلى مرض، ورجسا إلى رجس،

أما المؤمنون فقد عافاهم الله من هذا البلاء، وعصمهم من تلك الفتنة، لأنهم يتقبلون هذا المتشابه كما يتقبلون المحكم وغير المتشابه من كتاب الله، ويقولون فيها جميعا: «كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا» . وقوله تعالى: «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ» . هو بيان لموقف المؤمنين من متشابه القرآن، إزاء موقف المنافقين منه، وهو أنهم- أي المؤمنون- يؤمنون بالمتشابه إيمانهم بالمحكم وبغير المتشابه، إيمان تسليم وامتثال، لأن كتاب الله- المتشابه، وغير المتشابه والمحكم- كله من عند الله، فليس فى المتشابه- والأمر كذلك- ما ليس فى كتاب الله، لأنه بعض كتاب الله، ولا يخرج البعض الكلّ، وإلّا كان غريبا عنه! فإذا كان لقائل أن يقول فى هذا المتشابه فليقل ما يشاء، شريطة أمر واحد، وهو ألا يخرج فى قول من أقواله عمّا فى كتاب الله من أحكام ومقررات. ولهذا لم يكن ثمة حرج عند علماء التفسير أن يقولوا فى هذه المتشابهات ما قالوه من مختلف الآراء. لأنهم يقولون ما يقولون، وهم مؤمنون بكتاب الله، كله، محكمه ومتشابهه. وفى قوله تعالى: «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ» إشارة إلى أن الراسخين فى العلم- وهم ما هم فى العلم والحكمة والعقل- إذا كان موقفهم من هذا المتشابه موقف عجز وتسليم، فلا ينطقون إزاء هذا المتشابه- إذا نطقوا- إلّا كان قولهم: «آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا» - إذا كان هذا هو موقف الراسخين فى العلم، فإن من السفاهة والحمق والجهل جميعا أن يقول غيرهم مما لا رسوخ له فى العلم- غير هذا القول، وألّا يؤمن إيمان عجز وتسليم، كما آمن الراسخون فى العلم إيمان عجز وتسليم، بهذا المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله.

الآية: (8) [سورة آل عمران (3) : آية 8]

وعلى هذا، فإنا نرى أن الوقوف على لفظ الجلالة فى قوله تعالى: «وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ» هو وقوف لازم، حتى يكون العلم بتأويل هذا المتشابه مقصورا على الله وحده، أما الراسخون فى العلم فهم والجاهلون سواء فى هذا المتشابه، لا يملكون إزاءه إلا التسليم بالعجز، وإلا أن يقولوا: «آمنّا به» على ما هو عليه، لأنه هو والمحكم على سواء.. «كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا» . وهذا موقف يجب أن يتملّاه العقلاء، وينتفع به أولو الألباب، وذلك بقياس الغائب على الشاهد، والبعيد على القريب، وإحالة المتشابه على المحكم! الآية: (8) [سورة آل عمران (3) : آية 8] رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) التفسير: مما يقضى به العقل، وينزل على حكمه العقلاء، أن تكون الأحداث والمواقف دروسا نافعة، وعبرا مثمرة، يجتنى من ثمرها الخير، ويدفع بها البلاء. وقد كان فى الموقف الذي وقفه أهل الزيغ والضلال والنفاق، من المكر بآيات الله، ما أركسهم فى الفتنة، وأغرقهم فى الضلال، حيث طرحوا كتاب الله وراء ظهورهم، وتعلقوا بالمتشابه من آياته، ليفتنوا الناس ويضلوهم، بما يتأولون لهم من مقولات عمياء.. فزادهم الله عمى إلى عمى، وضلالا إلى ضلال. وإذ يرى المؤمنون هذا الموقف الذي اتخذه الزائغون، فتقطعت بهم الأسباب، التي كانت تصلهم بالإيمان، والتي كان جديرا بهم- لو عقلوا-

الآية: (9) [سورة آل عمران (3) : آية 9]

أن يستعصموا بها، وأن يحكموا فتلها، بتوجيه قلوبهم إلى الله، وإخلاص نياتهم للإيمان به- إذ رأى المؤمنون هذا فزعوا إلى الله وضرعوا بين يديه، ألّا يصير أمرهم إلى ما صار إليه أمر هؤلاء السفهاء الحمقى، الذين غلبت عليهم شقوتهم.. فضلوا سواء السبيل.. فبين يدى الله يضرع المؤمنون بهذا النداء الذي ساقه الله إليهم، ليكون سفينة النجاة لهم «رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» . الآية: (9) [سورة آل عمران (3) : آية 9] رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (9) التفسير: ومن تمام الإيمان بالله، وجلاء القلوب من الشرك والزيغ، الإيمان بالبعث والجزاء، فبهذا الإيمان تقوى صلة المؤمن بربه، وتشتدّ مراقبته له، وحرصه على مرضاته، لينجو من شر هذا اليوم «يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» ويفوز بمرضاته ورضوانه.. وإنه لو لم يكن هناك بعث، ولا حساب، ولا جزاء، لكان الإيمان بالله مجرد تصور عقلى، لا يكاد يؤثر فى سلوك الإنسان، أو يمسك زمام هواه! وإذ يذكر المؤمن هذا اليوم- يوم البعث والجزاء- ويستحضر أهواله، وما يلقى فيه العصاة من عذاب- يخشع لله ويخضع، ويفكر أكثر من مرة، قبل أن يركب منكرا، أو يواقع معصية.. ولو استحضر المؤمن هذا اليوم، وتمثله فى خاطره، وأشهده كل موقف تراوده فيه نفسه على منكر، ويؤامره فيه هواه على معصية- لكان له من ذلك قوة تعينه على الخلاص من دوافع شهواته، ونزوات أهوائه، ولهذا كان مما فضل الله به على المؤمنين، أن جعل

الآية: (10) [سورة آل عمران (3) : آية 10]

ذكر هذا اليوم عبادة يتعبدون بها فيما يتلون من كلماته.. «رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ» .. وبهذا تظل أنظارهم شاخصة إلى هذا اليوم، يرجون رحمة الله، ويخشون عذابه. «يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ، وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً» . الآية: (10) [سورة آل عمران (3) : آية 10] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) التفسير: وهذا عرض لبعض ما يقع فى يوم البعث، وما يلقى فيه الذين كفروا بالله وباليوم الآخر من نكال وبلاء، حيث يدعّون إلى نار جهنّم دعّا. فلا يغنى عنهم فى ردّ هذا البلاء ما كان لهم من مال وبنين، ومن أهل وصديق، فلقد أفردوا من كل شىء، وصفرت أيديهم من كل شىء، ومنادى الحق يناديهمَ قَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً» (48: الكهف) .. وفى هذا ما يفتح أنظار الغافلين عن هذا اليوم، إلى ما فيه من أهوال ونكال، لأهل الزيغ والضلال، فيحذرون هذا المصير المشئوم. الآية: (11) [سورة آل عمران (3) : آية 11] كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (11)

التفسير: الدأب: السعى، والعمل، والحال الذي يبلغه المرء بسعيه وعمله. وقد ضرب الله سبحانه وتعالى للكافرين مثلا بآل فرعون- وهم جماعة الفراعين- الذين استكثروا من الدنيا، وبلغوا من السلطان والقوة ما بلغوا، حيث استطالوا بما فى أيديهم من سلطان وقوة، وقال قائلهم للناس ما حكاه القرآن عنه: «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى» (24- 25) : النازعات. هكذا يغرى السلطان ويغوى، إلّا من عصم الله، وقد كان فرعون مثلا بارزا للكفران بنعمة الله، والاغترار بما مكّن الله له فى الأرض. فقال تعالى: «وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ «1» الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ» (10- 14: الفجر) . وقوله تعالى: «وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» أي الذين سبقوا هؤلاء الفراعين فى الضلال والعتوّ، إذ ليس هؤلاء الفراعين هم أول من حادّ الله وكفر به، فالكفر قديم فى الناس، لا يسلم منه جيل من أجيالهم «إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ» (34: إبراهيم) . وهؤلاء الكفرة جميعا- قريبهم وبعيدهم، سابقهم ولاحقهم- لن يفلتوا من قبضة الله، ولن ينجوا من عذابه.. «فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ» إذ انقطع عملهم من الدنيا، وصاروا إلى الله بما اقترفوا من

_ (1) المراد بالأوتاد هنا تلك الأهرامات التي رفعها فراعين مصر على وجه الأرض، فكانت جبالا كالجبال، التي هى أوتاد الأرض: «أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً» (6، 7: النبأ)

الآية: (12) [سورة آل عمران (3) : آية 12]

أوزار، يحملونها على كواهلهم إلى يوم الجزاء، حيث ينزل بهم العذاب الأليم بما حملوا من كفر غليظ! وفى هذه المثل، وتلك النذر، عبرة لهؤلاء الكفار الذين أعنتوا رسول الله، واستطالوا بقوتهم على ضعاف المسلمين بمكة، وسلطوا عليهم ألوانا من العذاب والنّكال.. فلينظروا إلى ما نزل بمن كانوا أشدّ منهم قوة وأكثر بأسا، وأوسع سلطانا.. كيف أخذهم الله، فلم يغن عنهم ما كسبوا من الله شيئا. الآية: (12) [سورة آل عمران (3) : آية 12] قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (12) التفسير: فى سكرة السلطان، يفقد كثير من الناس صوابهم، ويضل عنهم رشدهم، فتمرّ بهم العبر وهم عنها غافلون.. وفيما ذكر الله سبحانه- مما أخذ به الطغاة والظلمة، ما فيه عبرة ومزدجر للطغاة والظلمة، من كفار مكة.. ولكنهم فى سكرتهم يعمهون. وإنه لكى تنقطع أعذارهم ولا يكون لهم على الله حجة، فقد أمر الله نبيّه عليه السّلام، أن يلقاهم صراحة بهذا النذير، وأن يقرع آذانهم بما ينتظرهم من مصير مشئوم، إن هم ظلّوا على ما هم عليه من عمى وضلال.. «سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ» فلا حظّ لهم فى الدنيا ولا فى الآخرة.. إذ لا يعصمهم سلطانهم، ولا تمنعهم كثرتهم وقوتهم، من أن يلقوا الهزيمة فى هذه الدنيا على يد هؤلاء الذين استضعفوهم واستبدّوا بهم، وهذا من أنباء

الآية: (13) [سورة آل عمران (3) : آية 13]

الغيب التي حملها القرآن عزاء وبشرى للمؤمنين، إذ تلقّوا هذا الوعد الصادق الذي لا يخلف أبدا، فهوّن عليهم البلاء الذي هم فيه، وربط على قلوبهم بالصبر، انتظارا ليوم النصر، وقد جاء تأويل هذا فى تلك الخاتمة التي ختمت بها حياة الكفر والكافرين، يوم فتح مكة، يوم جاء نصر الله والفتح، ودخل الناس فى دين الله أفواجا. هذا ما كان ينتظر الكافرين فى الدنيا، التي ظنوا أنهم يمسكون منها بالسبب القوىّ الذي لا ينقطع.. أما فى الآخرة فالأمر أدهى وأمرّ.. حيث تنتظرهم جهنم بسعيرها المتسعر، وعذابها الأليم.. «وَبِئْسَ الْمِهادُ» . الآية: (13) [سورة آل عمران (3) : آية 13] قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (13) التفسير: إن يكن ثمّه شكّ عند أحد فيما سيلحق هؤلاء الكافرين المغترّين بكثرتهم وقوتهم على أيدى هذه القلّة المستضعفة من المؤمنين- فالشاهد حاضر بين أيديهم، والآثار ماثلة لهم فى أنفسهم. فهذا يوم بدر- وما زال غبار المعركة منعقدا فى سمائه، وجثث قتلى المشركين وأشلاؤهم متناثرة على أرضه، وما زالت فلول الجيش المنهزم تحبو حبوا نحو مكة، مثخنة الجراح، متقطعة الأنفاس، موقرة بالخزي والعار- هذا يوم بدر يمثل لهؤلاء المشركين ما ينتظرهم فى مستقبل الأيام، من خزى وهزيمة على أيدى المسلمين، وإن قلّ عددهم وعدتهم، فليس الأمر أمر عدد

الآية: (14) [سورة آل عمران (3) : آية 14]

وعدة، وإنما هو أمر إيمان بالحق. وثبات عليه، واستشهاد فى سبيله، ولقد رأى المشركون ذلك بأعينهم، إذ جاءوا بعددهم وعدّتهم، والمسلمون بين أيديهم قلة فى العدد والعدة «يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ» .. فانتصرت الفئة القليلة على الفئة الكثيرة: «كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ» (249: البقرة) فليستيقن المؤمنون، ولينتظر المشركون، فإن ما وعد الله به واقع لا شك فيه. هذا والظاهر- والله أعلم- أن هذه الآية وما قبلها كان نزولها عقب موقعة بدر، بل ربّما والمشركون فى طريقهم بعد الهزيمة، لم يبلغوا مكة بعد، وفى هذا ما يضاعف من حسرتهم، ويملأ قلوبهم يأسا، من كل أمل يتعزّون به فى مستقبل الأيام.. فأيامهم المقبلة أشد سوادا وأكثر شؤما من يومهم هذا الذي هم فيه. الآية: (14) [سورة آل عمران (3) : آية 14] زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) التفسير: هذا جواب عن سؤال يعرض فى كل موقف يتصارع فيه الحق والباطل، وهذا السؤال هو: لم هذا الضلال من الناس؟ ولم هذا الباطل الذي يمسكون به ويحرصون عليه؟ وفى الآية الكريمة الجواب على هذا.. فالناس- كل الناس- مفطورون على حبّ الاقتناء، والاستزادة مما

يقتنون، من الأشياء التي تغذّى عواطفهم، وتشبع حاجاتهم الجسدية، والنفسية، وتنزلهم فى الحياة منزلا عاليا رفيعا، يبسط لهم سلطانا يستجيب لكلّ ما يدّعون وما يشتهون! هذه طبيعة فى الناس، غير منكرة، ولا متكرّهة، لأنها قوة عاملة فى الحياة، بها يخفّ الناس إلى السعى والجد، والمغامرة والمخاطرة،، ولولاها لما خطت الإنسانية هذه الخطوات الواسعة، إلى العمران والمدنية! وهذا فى ذاته خير للإنسانية وكسب للناس. ولكن الشيء إذا زاد عن حدّه انقلب إلى ضدّه- كما يقولون. وهذا ما يحدث لغريزة حبّ الاقتناء، إذا جاوزت حدّها، وخرجت عن سنن القصد والاعتدال! إنها تتحول حينئذ إلى شره قاتل، يصير به الإنسان حيوانا ضاريا، يشتبك فى صراع دام مع كل من يلقاه! وقوله تعالى: «زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ» عرض لصور مما تشتهيه النفس، وتحرص عليه، وتستكثر منه.. النساء والبنين، والذهب والفضة، والخيل المعلّمة، والأنعام، والحرث والزرع.. ولم يتحدث القرآن عن الدّور والقصور والأناث والرياش، ولا عن ألوان الطعام، ولا عن الخدم والأتباع، وكلها مما تشتهيه النفوس، وترغب فيه.. لم يذكر القرآن الكريم هذا، ولا كثيرا غيره من مطالب النفس- لأنه ذكر

الأصل الذي ترجع إليه كل هذه الأشياء، وهو المال، من الذهب والفضة والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، فبهذا المال ينال كل هذا وأكثر من هذا، فحيث كان المال كان معه الجاه والسلطان، وكل متع الحياة، لمن أرادها من أصحاب المال. وقد ذكر القرآن النساء والبنين والذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث، لأنها أصول قائمة فى النفوس، لا تتغير بتغير الأزمان واختلاف الأمم! النساء رغيبة الرّجال من جميع الشعوب.. الأغنياء والفقراء. والبنون قرة عين الوالدين، فى كل زمان ومكان.. أغنياء وفقراء. والذهب والفضة.. لهما حب مستقل لذاتهما، حيث يجد الإنسان القوة والعزة، بامتلاكهما، ولو لم يسخرّهما لمأرب من مآربه.. والخيل المسوّمة، (أي المعلّمة) نموذج للمراكب الطيبة، التي تجمع بين البهجة والمتعة. والأنعام والحرث، نموذج آخر لمتعة العين وبهجتها لهذا المال المتحرك فى الإنعام، والمزدهر الثمر فى الزروع والجنات. وقوله تعالى: «ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا» إشارة إلى أن هذا الذي يرغب فيه الناس ويشتهونه فى حياتهم، إنما هو متاع وزاد للحياة الدنيا، يزول بزوال هذه الحياة، ويفنى بفناء الطاعمين له.. وقوله تعالى: «وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ» إلفات إلى حياة أخرى غير هذه الحياة، لا يزول نعيمها، ولا تفنى لذاذاتها. تلك هى الحياة الآخرة، التي أعدّ الله فيها لعباده المتقين، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

الآية: (15) [سورة آل عمران (3) : آية 15]

الآية: (15) [سورة آل عمران (3) : آية 15] قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (15) التفسير: ذلك هو حسن المآب الذي أعده الله لعباده المتقين.. جاءت هذه الآية الكريمة شارحة له، بهذا الإعلان لذى أمر الله نبيه الكريم أن يؤذّن به فى الناس، وأن يلفت إليه أولئك الذين غلبتهم شهواتهم، فأذهبوا طيباتهم فى حياتهم الدنيا، ولم يستبقوا شيئا للآخرة. وفى قوله سبحانه: «بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ» إشارة إلى أن تلك الشهوات التي زينت للناس من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث- ليست شرا فى ذاتها، وإنما فيها خير لمن أخذ منها باعتدال وقصد- كما قلنا- ولكن مع هذا فهناك ما هو خير من هذا الخير، وهو ما أعدّه الله للمتقين فى الدار الآخرة من جنات تجرى من تحتها الأنهار، وأزواج مطهرة.. وفوق هذا كله رضوان الله، الذي يفيض الخير كله على أهل الرضا.. جعلنا الله سبحانه وتعالى منهم، بفضله وكرمه.. هذا، والملاحظ أن الله سبحانه عوّض المتقين فى الآخرة عن متع الدنيا وشهواتها، جنات تجرى من تحتها الأنهار، وأزواجا مطهرة.. ولم يكن فيما عوضهم به الذهب والفضة، ولا الخيل المسوّمة والأنعام، ولا البنين.. فكيف هذا؟ والجواب: أنه لا حاجة إلى ذهب وفضة فى الدار الآخرة، وفى جنات النعيم، حيث كل شىء حاضر عتيد لأهل الجنة «لَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ» . فلا بيع ولا شراء هناك. وكذلك المراكب من الخيل المسومة والأنعام.. إن شاء الإنسان وجدها

الآيتان: (16، 17) [سورة آل عمران (3) : الآيات 16 إلى 17]

ولكن هناك ما يشغله عن كل هذا، الذي هو إلى جانب نعيم الآخرة هباء وهراء! والشأن كذلك فى البنين، إذ يقوم حبهم فى النفس، على غريزة حب البقاء، حيث يرى الإنسان الفاني امتداد حياته فى بنيه الذين يخلفونه فيما ترك، ويأخذون مكانه من بعده.. أما والإنسان قد وجد الخلود وضمنه فى الحياة الآخرة فإنه لا حاجة به إلى ذرية من بعده. ثم إن رضوان الله الذي أفاضه على أهل الجنة، هو الغنى كله، وهو السعادة كلها.. فلا مطلب بعده، ولا سعادة وراءه. الآيتان: (16، 17) [سورة آل عمران (3) : الآيات 16 الى 17] الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (17) التفسير: هاتان الآيتان الكريمتان تبينان المنهج الذي يستقيم عليه الإنسان، ليكون فى عداد أولئك المتقين الذين وعدهم الله بجنات تجرى من تحتها الأنهار وأزواج مطهرة ورضوان من الله. فالتقوى لا يكسبها الإنسان إلا بمجاهدة، ولا يبلغها إلا بعد أن يقطع إليها طريقا شاقا من الجهد المتصل والعمل الدائب، فى طاعة الله وابتغاء مرضاته. وأول هذا الطريق. الإيمان بالله، الذي هو ملاك التقوى، وبغيره لا يقبل عمل، ولا يؤذن لإنسان بالدخول مع المتقين.. «الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ» . ثم إن الإيمان بلا عمل زرع بلا ماء.. لا يزهر ولا يثمر.

الآية: (18) [سورة آل عمران (3) : آية 18]

والصّبر هو عدة المؤمنين، وزادهم العتيد فى الطريق الشاق الذي يصحبون به الإيمان، ليصل بهم إلى التقوى، فبالصبر يغلب الإنسان شهواته، ويقهر أهواءه، ويحتمل تكاليف الشريعة، ويؤديها على الوجه الأكمل لها.. «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ» (52: البقرة) والصّبر ملاك أمره الصّدق.. الصدق فى القول والعمل.. والصدق مع النفس، ومع الناس، ومع الله- فإذا لم يكن ذلك كان الصّبر بلادة، وموانا، وموقفا سلبيا من الحياة. ولكن إذا واجه الإنسان الحياة ومعه الصبر وجد فى كل موقف شاق طريقين: طريق الكذب والهروب، وطريق الصدق والثبات.. وهنا تظهر فضيلة الصبر، ويتجلى أثره.. «وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (3) » . والولاء لله، والإنفاق فى سبيله، وقيام الليل واستقبال الأسحار بالتوبة والاستغفار.. كل هذه مواقف يمتحن فيها إيمان المؤمنين، وصبرهم، واستمساكهم بالحق الذي أمر الله به. فبهذه المجاهدات- مع الإيمان- يبلغ الإنسان منازل المتقين، وينال رضوان الله، وينعم بجنات النعيم. الآية: (18) [سورة آل عمران (3) : آية 18] شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)

التفسير: الذين يؤمنون بالله، يجدون فى كل لمحة من لمحات الوجود آيات تشهد بوحدانيته المطلقة، وتفرده بالوجود المطلق، فإن لم يكن لهم نظر يؤدّيهم إلى التحقق من هذه الحقيقة، فقد حملتها إليهم ثلاث شهادات قاطعة: أولا: شهادة الله، فقد شهد الحق لنفسه: أنه لا إله إلا هو.. وهى عند المؤمنين شهادة صدق مطلق، لا تعلق بها شائبة أو تشوبها شبهة. ثانيا: شهادة الملائكة، وهم خلق جبله الله على الحق والصدق المطلقين.. وقد يقول جهول: كيف يشهد الله لنفسه وكيف السبيل إلى سماع هذه الشهادة والتحقق منها؟ أما شهادة الله لنفسه، فقد نطق بها هذا الوجود الذي هو صنعة يديه، والذي يشهد كل موجود فيه، بقدرته، وعلمه، وحكمته ووحدانيته، وإن لم تشهد بها الموجودات لسانا، فقد شهدت بها عيانا واعتبارا، لمن نظر واعتبر.. أمّا من لم يكن له نظر واعتبار، فليأخذ بشهادة أهل النظر والاعتبار.. ليأخذ بشهادة الملائكة، وهم بعض هذا الخلق الذي خلق الله، وهم الذين لا يفترون عن عبادته، ولا ينقطعون عن ذكره.. فإن لم يجد لشهادة الملائكة أذنا تسمع، فليستمع إلى شهادة بشر مثله، خلقوا من طينته، ونطقوا بلسانه، وهم: ثالثا: أولو العلم، الذين نظروا فى هذا الوجود، فعرفوا الله، وعاينوا آثار قدرته، وعلمه، وحكمته، ووحدانيته. وهذه شهادة لا يردّها عاقل، مهما كان حظه من العقل.. فإن الأعمى الذي لا يسلم يده للمبصر الذي يقيمه على الطريق، هو لا محالة ملق بنفسه إلى التهلكة.. والمقعد الذي لا يستسلم لمن يحمله، لا يزال هكذا ملتصقا بالأرض إلى أن يهلك، غير مأسوف عليه. أما شهادة الله وشهادة الملائكة، فقد أخذ بهما أولو العلم فكانت مع

الآية: (19) [سورة آل عمران (3) : آية 19]

شهادتهم نورا إلى نور ويقينا إلى يقين.. «وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً» (166: النساء) . وقوله تعالى: «قائِماً بِالْقِسْطِ» صفة للإله المتفرد بألوهيته، كما شهد بذلك الله سبحانه، والملائكة، وأولو العلم.. والمعنى شهد الله والملائكة وأولو العلم أنه لا إله إلا هو قائما بالقسط، أي إلها قائما على الوجود بالعدل المطلق، فيما خلق وفيما نوّع وفرق من مخلوقات، وفيما قدر لكل مخلوق من صورة، ورزق، وأجل.. إذ ليس فى الإمكان أبدع مما كان. وقوله: «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» قد يكون توكيدا لما شهد الله به والملائكة وأولو العلم، أو يكون إقرارا بلسان الوجود كله بعد أن سمع تلك الشهادة فصدّقها، معترفا بوحدانية الله، مقرا بقيامه على ملكه بالعدل، مذعنا لعزته، راضيا بحكمه، فهو «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» . الآية: (19) [سورة آل عمران (3) : آية 19] إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (19) التفسير: بعد أن بين الله صفته التي ينبغى أن يؤمن عليها المؤمنون، وهو أنه لا إله إلا هو المتفرد بالألوهية، القائم على ملكه بالعدل، فإلى جانب سلطانه المطلق، عدله المطلق، وهو العزيز الذي تقوم إلى جانب عزته، حكمته، فلا يخاف أحد بغيا أو عدوانا من جهة العزيز الحكيم! - بعد أن بيّن الله صفته على هذا الوجه، بيّن دينه الذي يدين عباده به،

ويتعبدهم بشريعته، ذلكم الدين هو «الإسلام» الذي حمله رسل الله، إلى عباد الله، من آدم إلى محمد، عليهم جميعا الصلاة والسلام. يقول الله سبحانه وتعالى لنبيه الكريم: «إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً» (163: النساء) . فالذى أوحاه الله إلى رسله، هو دينه الذي ارتضاه لعباده، وهو الإسلام. وفى هذا يقول سبحانه وتعالى: «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ» (13: الشورى) وفى قوله تعالى: «وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ» إشارة إلى ما وقع بين أصحاب الكتب السماوية من خلاف، وأنه خلاف لم يقم على عقل، ولم يستند إلى منطق، لأن الكتب التي يختلفون فيها تجىء من مصدر واحد، وتتجه نحو غاية واحدة، فيلتقى بعضها ببعض، ويصدّق بعضها بعضا، فكيف يقع بينها خلاف أو يدور عليها اختلاف؟ وكيف يؤمن الإنسان ببعض الشيء ثم يكفر ببعضه الآخر؟ إن ذلك لم يكن إلا عن بغى وعدوان بين أصحاب هذه الكتب.. فاختلاف من اختلف من أهل الكتاب، وزيغ من زاغ منهم، إنما هو عن علم، وذلك هو البغي على الحق، والعدوان على العقل! وقوله تعالى: «وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ» تهديد لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، ونذير لهم إذا اختلفوا، وكفّر

الآية: (20) [سورة آل عمران (3) : آية 20]

بعضهم بعضا، ثم هو تحذير لهم من أن يكون شأنهم مع الكتاب الذي نزل على محمد كشأنهم فيما كان منهم مع الكتب التي نزلت على الأنبياء من قبله، وخاصة النبيين الكريمين، موسى وعيسى عليهما السّلام.. إن يفعلوا «فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ» .. لهم فى الدنيا خزى ولهم فى الآخرة عذاب عظيم. الآية: (20) [سورة آل عمران (3) : آية 20] فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (20) التفسير: ذلك هو الموقف الذي يتخذه النبي من أهل الكتاب، ألا يدخل معهم فى جدل ومحاجّة.. وإنما يلقى لجاجهم ومحاجتهم بما أمره الله به، إذ يكون قوله لهم: «أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ» أي إنى أسلمت وجهى لله حنيفا، لا أشرك به أحدا.. هذا هو دينى، ودين من اتبعنى من المؤمنين. وقوله تعالى: «وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ؟» هو ما يعقّب به النبىّ فى ردّه على المجادلين من أهل الكتاب ومن مشركى مكة، وهم الأميون.. فبعد أن يلقى جدلهم بقوله: أسلمت وجهى لله.. يعقبّ على ذلك بدعوتهم إلى أن يسلموا وجوههم إلى الله كما أسلم هو وجهه إلى الله، فلا يدعون مع الله أحدا، وذلك هو الدّين الخالص.. دين الله.. دين الإسلام. «فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ» . أي إن لم يستجيبوا لك ويؤمنوا كما آمنت، فسيظل أمرهم هكذا فى شقاق واختلاف، وليس عليك من أمرهم من شىء، إنما عليك البلاغ «وَاللَّهُ

الآيتان: (21، 22) [سورة آل عمران (3) : الآيات 21 إلى 22]

بَصِيرٌ بِالْعِبادِ» يهدى من يشاء ويضلّ من يشاء.. «مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» (39: الأنعام) . الآيتان: (21، 22) [سورة آل عمران (3) : الآيات 21 الى 22] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (21) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (22) التفسير: هاتان الآيتان لتقرير أمر واقع.. ففيهما كشف عن جرائم أهل الكتاب من اليهود، الذين كفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياءه، وأشياع أنبيائه، ولهذا أحصت الآيتان الكريمتان، تلك الجرائم الغليظة التي ارتكبوها، وهى الكفر بآيات الله التي حملها إليهم رسل الله، وهى آيات لا يكذّب بها إلا كل معتد أثيم.. كفلق البحر بالعصا، وتفجير الماء من الصخر بها، على يد موسى عليه السّلام.. فكفروا بتلك الآيات وعبدوا العجل من دون الله، وكذلك فعلوا مع الآيات التي أجراها الله سبحانه على يد عيسى- عليه السّلام- من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص.. فكفروا بتلك الآيات، ورموا عيسى بالبهت والشعوذة، حتى دفعهم ذلك إلى السعى فى قتله، وتقديمه للمحاكمة والصلب، ولكن الله أبطل كيدهم، وأفسد تدبيرهم، وهم يحسبون أنهم صلبوه: «وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ» (157: النساء) . فهؤلاء هم الذين كفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياءه، ومنهم زكريا عليه

السلام، وقتلوا كثيرا من صلحائهم ودعاة الخير فيهم.. وقد توعدهم الله سبحانه وتعالى بالعذاب الأليم.. على أن واحدة من هذه الجرائم المنكرة تكفى فى تجريم صاحبها، وفى سوقه إلى العذاب الأليم، فالكفر وحده، يحبط كل عمل: «وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ» (104: البقرة) . والقتل العمد وحده، يوجب الخلود فى النار: «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً» (93: النساء) فكيف بقتل أنبياء الله ورسله؟. ولكن ما ذكر من هذه الجرائم هو تسجيل للواقع الذي حدث- كما ذكرنا من قبل- وهو تشنيع على أولئك اليهود الذين وقفوا من الدعوة الإسلامية موقف المحادّة والخلاف، كما وقف أسلافهم من قبل، مع أنبياء الله فيهم، ورسله إليهم. فما أشبه الأبناء بالآباء، والخلف بالسّلف، فى المكر بآيات الله والزيغ عن الهدى، والإعنات للأنبياء.. وقد سجل القرآن الكريم عليهم هذا الموقف الذي يصل حاضرهم بماضيهم، على طريق الكفر والضلال، فقال تعالى: «وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» (91: البقرة) .. فهل يلتقى الإيمان وقتل المؤمنين؟ بل وقتل حملة الإيمان ودعاته، من الأنبياء والرسل؟ وفى قوله تعالى: «وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ» هو تقرير لما حدث، وإعلان لما تكشف من تلك الحرائم الشنعاء، التي أريقت فيها دماء الأنبياء،

الآية: (23) [سورة آل عمران (3) : آية 23]

إذ قد ثبت لهؤلاء اليهود أنفسهم أن آباءهم الذين ارتكبوا هذا الإثم العظيم إنما قتلوا أنبياء حقيقيين، لم يكونوا من الأنبياء الكذبة كما ادّعوا عليهم، وهذا ما كان فى قتل يحيى عليه السّلام، قتله اليهود بأيديهم، وآمن به اليهود وبعد ذلك، نبيا صادقا، ورسولا كريما فى كتابهم المقدس التوراة. فشهدوا بذلك على أنفسهم وبلسان أبنائهم أنهم قتلوا هذا النبىّ الكريم ظلما وعدوانا.. بغير حق. فقوله تعالى: «بِغَيْرِ حَقٍّ» هو من اعتراف القتلة أنفسهم، بما شهد به عليهم بعضهم، وهم أبناؤهم من بعدهم. وقوله تعالى: «فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ» هو غاية فى التيئيس من كل أمل فى نفحة من خير، أو عافية، من هذا البلاء المطبق عليهم.. إذ كان ما تحمله البشرى إليهم هو العذاب الأليم، فكيف بما يساق إليهم بين يدى النّذر والفواجع؟ ذلك شىء لا يمكن تصوره من الأهوال والشدائد، التي أخفها وأهونها، هو العذاب الأليم!! الآية: (23) [سورة آل عمران (3) : آية 23] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) التفسير: الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، هم اليهود، وعلماء اليهود خاصة، والنصيب من الكتاب هو جزء وبعض منه، وذلك أن الكتاب الذي فى أيديهم، وهو التوراة، ليس هو كل كتاب الله، إذ حرّفوا فيه، وبدّلوا وحذفوا، وأضافوا، فما بقي من كتاب الله فى أيديهم هو بعض من كلّ..

الآية: (24) [سورة آل عمران (3) : آية 24]

وفى قوله تعالى: «يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ» تنويه بشأن القران الكريم، وأنه كتاب الله، الذي يستحق أن يضاف إلى اسمه الكريم، حيث ظل- وسيظل أبدا- محتفظا بالصورة التي نزل عليها دون أن يمسه تبديل أو تحريف.. مصداقا لقوله تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» . وهؤلاء الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، وحظا من العلم، حين يدعون إلى القرآن الكريم ليقضى بينهم فيما اختلفوا فيه، وليريهم الوجه الصحيح من الكتاب الذي بين أيديهم، - يأبون أن يسمعوا، «ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ» (127: التوبة) . وفى قوله تعالى: «يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ» تصوير لحالهم التي استقبلوا بها دعوة داعيهم إلى كتاب الله، وأنهم على خلاف مبيّت على الإعراض عن القرآن، والاستماع إليه، والنزول على حكمه، فإذا سمعوا هذه الدعوة الكريمة الموجهة إليهم أعطوها ظهورهم، منصرفين عنها، حاملين معهم عقدة الإعراض والخلاف التي انعقدت عليها قلوبهم. الآية: (24) [سورة آل عمران (3) : آية 24] ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (24) التفسير: هذا التمادي فى الضلال، والإعراض عن آيات الله، وعدم التوقف للتثبت من الحق، هو مما دخل على القوم من غرور، بسبب ما بدلوا وغيروا فى دين الله، حتى أخذوا عن هذا الدين المحرّف أنهم شعب مختار، لهم

الآية: (25) [سورة آل عمران (3) : آية 25]

عند الله فضل ومنزلة، وأن من يدخل النار من عصاتهم لن تمسّه النار إلا أياما معدودة، على حين يخلد غيره فى النار ممن ليس منهم! وبهذا اجترءوا على الله، واستباحوا حرماته، لأنهم كما صوّر لهم دينهم الذي لعبوا فيه بأهوائهم- لا ينالهم الله بعذابه! وأن العصاة الغارقين منهم فى العصيان لن يمسّهم عذاب الله إلا مسّا رفيقا.. وكذبوا وافتروا.. وقد فضحهم الله تعالى فى قوله: «وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» (80- 81: البقرة) وفى قوله تعالى فى هذه الآية: «أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ» وفى آية البقرة «أَيَّاماً مَعْدُودَةً» هو حكاية لأقوالهم التي تختلف فى أسلوبها، وإن لم تختلف فى مضمونها، فكل واحد منهم له أسلوبه فى التعبير عن هذا المعنى الذي تتوارد عليه ضلالاتهم.. ففريق يقول «أَيَّاماً مَعْدُودَةً» ، وفريق آخر يقول «أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ» وذلك بلسانهم العبرىّ، وتلك ترجمته الصادقة الأمينة. الآية: (25) [سورة آل عمران (3) : آية 25] فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (25) التفسير: تنتقل هذه الآية بهؤلاء المفتونين فى دين الله، والمتألّين على الله

الآيتان: (26 - 27) [سورة آل عمران (3) : الآيات 26 إلى 27]

ألا تمسّهم النار إلا أياما معدودات- تنتقل بهم فى لمحة خاطفة إلى الدار الآخرة، حيث الحساب والجزاء، وحيث توفّى كل نفس ما كسبت من خير أو شر.. وفى هذا المشهد يرون سوء المصير الذي ينتظرهم، وأنهم قد مكروا بآيات الله، وخانوا أنفسهم، ووجدوا أعمالهم السيئة بين أيديهم، توزن بميزان العدل المطلق، حيث لا محاباة لأحد.. عندئذ يبدو لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، وعندئذ يمضغون الندم، ويبتلعون الحسرة، ثم يساقون إلى عذاب جهنم، وبئس المصير!. الآيتان: (26- 27) [سورة آل عمران (3) : الآيات 26 الى 27] قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (27) التفسير: الحسد هو الذي يفسد على كثير من الناس أمورهم، فلا يرونها على وجهها الصحيح، وإنما تبدو لهم على الوجه الذي تصوره أوهامهم وأهواؤهم. وقد استشرى هذا الداء فى بنى إسرائيل، فحسدوا أنبياءهم، الذين اصطفاهم الله للسفارة بينه وبين عباده، ورموهم بالكذب والبهتان، وبلغ بهم الأمر فى كثير من الأحيان إلى قتلهم، شفاء لما فى صدورهم من نار الحسد لهم. وموقفهم من رسول الله، وخلافهم عليه، وبهتهم له، لم يكن إلا عن حسد، أعمى قلوبهم عن الحق الذي كانوا على علم به وانتظار له.

ونسى هؤلاء القوم أن نعم الله ونقمه إنما هى بيد مالك الملك، الحكم العدل، وأن الحسد لنعمة يلبسها الله عبدا من عباده، أو الشماتة فى نقمه ينزلها على عبد من عباده كذلك- هو اعتراض على الله، ومشاركة له فى تدبيره وتقديره. أما طريق المؤمنين فهو قائم على التسليم لحكم الله، والرضا بقضاء الله «قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» وفى قوله تعالى «بِيَدِكَ الْخَيْرُ» إشارة إلى أن كل ما يأتى من عند الله هو خير، وإن بدا لنا فى صورة الشر الخالص.. «وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (216: البقرة) وفى قوله تعالى: «تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ» استعراض لقدرة الله، وعجائب تصريفه فى ملكه، إذ يؤلّف بين المتناقضات.. يولج الليل فى النهار، ويولج النّهار فى الليل، ويستخرج من الشيء نقيضه، فيخرج الحىّ من الميت ويخرج الميت من الحىّ.. وذلك من تمام القدرة، التي لا تكون إلا لله رب العالمين. وفى الآية إشارة إلى ما فى الآية التي قبلها من قوله تعالى «بِيَدِكَ الْخَيْرُ» وأنه سبحانه قادر على أن يجعل من الخير شرا، ومن الشر خيرا.. «فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً» . (19: النساء)

الآية: (28) [سورة آل عمران (3) : آية 28]

فالذى يخرج الحىّ من الميت، ويخرج الميت من الحىّ، قادر على أن يجعل من الخير شرا، ومن الشر خيرا. الآية: (28) [سورة آل عمران (3) : آية 28] لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) التفسير: الصلة التي ينبغى أن تقوم بين المؤمنين، هى صلة أخوة ومودة، دون نظر إلى لون أو جنس أو وطن.. فقد جمعهم الإسلام فى نسب يعلو على نسب الدّم والجنس والوطن.. «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» (10: الحجرات) وإنه لمن قلب الأوضاع أن ينعزل المؤمن بشعوره هذا من المودة والأخوة عن إخوانه المؤمنين، وينحاز إلى الكفار، يعطيهم ولاءه ومودته وأخوته. والإسلام الذي يدعو إلى الحبّ والسلام.. إذ يدعو أتباعه إلى التراحم والتواد والتآخى فيما بينهم، لا يجعل ذلك على حساب الصلات الأخوية التي ينبغى أن تكون بين المسلم وبين سائر الناس.. وفى هذا يقول الله تعالى فى وصايته للمسلمين، فى تحديد صلتهم بغير المسلمين: «لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ

دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» (8، 9: الممتحنة) فما بين المسلم وغير المسلم هى صلات إنسانية، فيها المودة والألفة والإحسان، إلّا أن يقع بين المسلم وغير المسلم قتال فى سبيل الدين، ومن أجل الدين.. عندئذ ينبغى ألا يعطى المسلم ولاءه لمن قاتله فى دينه، فذلك خيانة لدينه، فوق أنه خيانة لنفسه ولجماعة المسلمين معه. وفى قوله تعالى: «لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ» نهى عن أن يكون ولاء المؤمن كلّه للكافرين فى الوقت الذي لا ولاء بينه وبين إخوانه المؤمنين، فذلك يقطع صلته بأهل الإيمان والتقوى، على حين يدعم صلته بأهل الإلحاد والكفر، وليس يأمن مع هذا أن تنضح عليه آثار الإلحاد والكفر، وأنه كلما مضى الزمن به كلما ازداد من الإيمان بعدا، وازداد من الكفر قربا. وقوله تعالى: «وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ» أي بعد عن الله، وقطع صلته به، إذ بعد عن المؤمنين وقطع صلته بهم، وقرب من الكفر ووثق صلته بالكافرين. وقوله تعالى: «إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً» استثناء وارد على النهى عن مولاة الكافرين، وهو أنه لا بأس- فى ظروف خاصة قد يضطر فيها الإنسان إلى أن يوالى غير المؤمنين- لا بأس أن يفعل الإنسان ذلك، ولكن شريطة أن يكون ذلك لدفع مكروه محقق، عنه أو عن جماعة المسلمين، على أن يكون ذلك موقوتا بوقته، محكوما بظروفه، ينتهى متى مضى الوقت، وتغيرت الظروف، فيعود إلى ولائه الكامل للمؤمنين. فإذا قامت بينه وبين غير المؤمنين صلة، فلتكن بحساب وحذر!

الآيتان: (29 - 30) [سورة آل عمران (3) : الآيات 29 إلى 30]

الآيتان: (29- 30) [سورة آل عمران (3) : الآيات 29 الى 30] قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (30) التفسير: بعد أن ذكر القرآن الكريم التحذير من موالاة الكافرين، وأباح ذلك فى أحوال وظروف خاصة- أشار هنا إلى أن المعتبر فى هذا الموقف هو ما انعقد عليه قلب المؤمن من إيمان، وهو فى تلك التجربة التي اضطرته الظروف فيها إلى مولاة الكافرين.. فقد أباح الإسلام «التقيّة» وهى أن يتقى المسلم أذى المشركين بكلمة أو فعل، ليدفع عنه أذاهم، دون أن يدخل من ذلك شىء على قلبه وما انعقد عليه من إيمان، وفى هذا يقول الله تعالى: «مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» (106: النحل) وقوله تعالى: «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً..» الظرف هنا «يوم» منصوب بفعل محذوف تقديره: اذكروا، واحذروا.. فذكر هذا اليوم، وما يلقى فيه الناس جزاء أعمالهم من خير أو شر- يخفف عن الإنسان كثيرا من ضواعط الحياة ومغرياتها، التي تحمله على التضحية بشىء من دينه فى مقابل كسب مادى عاجل، أو قضاء شهوة عارضة زائلة.. وفى قوله تعالى: «وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» تنبيه لأولئك الذين يتألّون

الآيتان: (31 - 32) [سورة آل عمران (3) : الآيات 31 إلى 32]

على الله، ويمنّون أنفسهم الأمانىّ بالطمع فى رحمته وغفرانه، وهم قائمون على عصيانه، ومحاربته، واستباحة حرماته، والاستخفاف بأوامره.. فهذا من الضلال الذي يفسد على المرء دينه ودنياه جميعا.. إذ لا يتفق عصيان الله، والتمرد على شريعته، مع موالاته والطمع فى رضاه.. ونعم.. إن رحمة الله واسعة، ومغفرته شاملة، ولكن لأهل طاعته، والمتجهين إليه.. والله سبحانه وتعالى يقول: «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ» (156: الأعراف) وفى قوله تعالى: «وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ» بعد قوله سبحانه «وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ» استصحاب لرحمة الله ولطفه بعباده الواقعين تحت بأسه وعذابه، وذلك مما يطمع المذنبين فى عفو الله ومغفرته، فيرجعون إليه ويمدون أيديهم بالتوبة له، فيجدونه ربّا رحيما غفورا، أما الطمع فى رحمة الله دون استصحاب العمل على مرضاته، بالنزوع عن مقاربة المنكرات- فذلك مكر بالله «وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ» (54: آل عمران) الآيتان: (31- 32) [سورة آل عمران (3) : الآيات 31 الى 32] قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (32) التفسير: ومما هو مكر بالله ما يدّعيه المدّعون على الله من اليهود أنّهم أبناء الله وأحبّاؤه، وهم فى الوقت نفسه يعادون أولياء الله، ويشاقّون رسله،

الآيتان: (33، 34) [سورة آل عمران (3) : الآيات 33 إلى 34]

ويقتلون أنبياءه.. فكيف تصح لهم هذه الدعوى، وآخرها ينقض أولها؟ فإن المحبّ الحقيقي يحبّ كل من أحبّ من يحبّ، وإلّا فحبّه لمن أحبّ نزوة طارئة، أو دعوى باطلة. والعداوة التي يضمرها اليهود للنبىّ، والتي تستعلن فى كيدهم له ومكرهم به، لا تستقيم مع دعواهم بأنهم أحباء الله، فإن كانوا أحباء الله حقّا فليتّبعوا رسوله، وليستجيبوا لما يدعوهم إليه من كلمات ربّه.. إنهم لو فعلوا ذلك لصدقت دعواهم، ولأحبّهم الله حقّا، ولغفر لهم ذنوبهم، وما قطعوا من عمر طويل مع الشقاق والنفاق «وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» .. فإن أبوا إلا شقاقا ونفاقا، فهم على دعوى باطلة.. إنهم ليسوا أحبابا لله، بل هم أعداء محاربون له، كافرون بآياته وبرسله «فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ» وإنما حبّه للمؤمنين، فمن لبس الإيمان ظاهرا وباطنا، فهو من أولياء الله وأحبائه، ومن استبطن الكفر والنّفاق فهو عدوّ لله، لا يكون محبّا ولا محبوبا. الآيتان: (33، 34) [سورة آل عمران (3) : الآيات 33 الى 34] إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) التفسير: من تصريف الله فى ملكه أنه يؤتى الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعزّ من يشاء، ويذل من يشاء! وقد اقتضت حكمته- سبحانه- أن يصطفى من يشاء من عباده لتلقى هباته

الآيتان: (35، 36) [سورة آل عمران (3) : الآيات 35 إلى 36]

وعطاياه.. وإن من عباده الذين اصطفاهم لأفضاله ومنحه.. آدم، ونوحا. وآل إبراهيم، وآل عمران.. فآدم، هو أبو البشر.. وقد اصطفاه الله فجعله خليفته فى الأرض. ونوح، هو الأب الثاني للبشرية، بعد أن هلك البشر بالطوفان. وإبراهيم، هو أبو الأنبياء.. وآله هم هؤلاء الأنبياء من ذريته. وعمران، هو الفرع الزاكي من شجرة إبراهيم، ومن ذريته موسى وهرون وزكريا ويحيى وعيسى. وفى قوله تعالى: «وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ» إشارة إلى امتداد الاصطفاء من الأصول إلى الفروع.. ولهذا قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً» لا آل آدم، ولا آل نوح.. لأن ذلك يشمل الإنسانية كلّها، من حيث كان آدم ونوح أبوى البشرية كلها، فلا يكون- والأمر كذلك- مكان للاصطفاء من بين الذرية المصطفاة كلها.. وفى قوله تعالى: «ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ» أي أن هؤلاء المصطفين من آل إبراهيم وآل عمران، هم وآباؤهم من معدن واحد، خلص من شوائب الفساد والكدر، فجاء الفرع مشابها للأصل، طيبا وكرما، وكمالا وحسنا.. الآيتان: (35، 36) [سورة آل عمران (3) : الآيات 35 الى 36] إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (36)

التفسير: لقد سمع الله مريم إذ تناجى نفسها، وعلم- سبحانه- ما أخفاه عنها من ألطافه ونعمه إذ ناجته بنذرها الذي نذرته، وهو هذا الجنين الذي حملت به. «إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً» . فإنها ما كادت تتحقق من أن جنينا يتحرك فى أحشائها، حتى أقبلت على الله بكيانها كله، وإيمانها كلّه، جاعلة هذا الذي وهبها الله إياه خادما لله، محرّرا من كل رباط يربطه بالحياة، ليكون كلّه فى خدمة بيت الله: «إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً» وضرعت إلى الله تعالى أن يقبل هذا النذر، وأن يرضاه لها، تحية شكر له، على ما أنعم عليها من ولد بعد يأس كاد يدخل عليها، ويخرجها من الدنيا عقيما بين النساء: «فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» وجاءها المخاض، وولد المولود الذي كانت تنتظره، فإذا هو أنثى!! ونظرت فى وجه مولودتها فحزنت أن جاءت على غير ما كانت تنتظر. إنها كانت ترجو أن يكون وليدها ذكرا، فهو الذي ترى فيه الوفاء بنذرها، حيث هو الذي يصلح للخدمة فى بيت الله، أما الأنثى فمكانها هناك قلق حرج، بين المنذورين الذين يخدمون فى بيت الله، وكلهم من الذكور. ومع هذا، فقد نذرت ما فى بطنها محررا لخدمة الله، وقد جاء ما فى بطنها أنثى، فهى- والأمر كذلك- لا تملك غير هذه التي أعطاها الله، فلتقدمها لله وفاء بما نذرت: «فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى» !! وفى قوله تعالى: «فَلَمَّا وَضَعَتْها» إشارة إلى ما تقرر فى علم الله من أنها لا تضع إلا أنثى، فالضمير المؤنث فى «وضعتها» يشير إلى معهود معلوم من قبل الوضع. وذلك ما كان فى علم الله وتقديره!

وفى قوله تعالى على لسان امرأة عمران: «قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى» ما يكشف عن استحيائها وخجلها من أن تقدم لله أنثى تخدم فى بيته، وكأن الله- سبحانه- لم يجعلها أهلا لأن تجىء بالذكر الذي هو أهل لتلك الخدمة. وقول الله تعالى: «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ» ردّ على هذا الشعور الحزين الآسف الذي كان يعتمل فى نفسها، وعزاء لها من أن تتحسر أو تحزن أو تعتذر لله، فالله سبحانه «أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ» وهو الذي قدّر هذا، وأراد الوليدة لأمر عظيم، ستكشف عنه الأيام، بعد قليل.. وهذا ما أشار إليه سبحانه بقوله: «وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى» أي أن الذكر الذي كانت تتمناه امرأة عمران وترجوه، لا يتحقق به هذا الأمر العظيم، الذي جعل الله إظهاره على يد هذه الأنثى، التي ستلد مولود البشريّة البكر: «عيسى عليه السّلام» ! فهل لو ولدت امرأة عمران ذكرا أكان لهذا الذكر أن يلد «عيسى» على الأسلوب الذي ولد به؟ ولهذا جاء أسلوب التشبيه على وجه عجيب: «وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى» وهذا ما جعل المفسرين يتأولون مختلف التأويلات له، مع أن الأمر لا يحتاج إلى أكثر من نظرة، حتى تنحلّ عقدة هذا التشبيه، فإذا هو فى أعلى درجات البيان والوضوح.. إنه ليس قائما على مطلق المفاضلة بين الذكر والأنثى، ولكنه قائم على مفاضلة بين الذكر الذي كانت ترجوه امرأة عمران والأنثى التي وضعتها.. فإذا كان ذلك كذلك فهل لأحد قول فى أن هذا الذكر ليس كهذه الأنثى؟ محال! ليس الذكر كالأنثى لتحقيق هذا الأمر العظيم الذي أراده الله، واختص هذه الأنثى به. وهى أن تلد مولودا من غير أب، هو المسيح. «وعمران» هذا الذي تحدّث الآية بأنه أبو هذه الأنثى وزوج أمّها «امْرَأَتُ عِمْرانَ» ليس المراد به- والله أعلم- أنه زوجها، وإنما هو رجل من آل «عمران» الذين اصطفاهم الله فيما اصطفى من عباده، كما قال تعالى فى

الآية: (37) [سورة آل عمران (3) : آية 37]

الآية السابقة «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ» . وقد وصفت أم مريم هنا بأنها امرأة عمران، إشارة إلى اتصال نسبها بهذا النسب الكريم المصطفى، وكذلك اتصال نسلها بهذا النسب الكريم المصطفى أيضا.. فهى امرأة عمران أي من نسل «عمران» وابنتها ابنة عمران أي أن ذريتها من نسل عمران كذلك، فهى مصطفاة من مصطفين أخيار، من جهة الأم والأب جميعا! الآية: (37) [سورة آل عمران (3) : آية 37] فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (37) التفسير: قوله تعالى: «وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا» أي أن الله سبحانه وتعالى جعل كفالة مريم ورعايتها وتنشئتها إلى يد كريمة طاهرة، هى يد النبىّ الكريم، زكريا عليه السّلام. وقوله تعالى: «كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً» أي رزقا متجددا، ما يراه اليوم غير ما رآه أمس، وغير ما سيراه غدا.. وهذا ما جعله يرى نفسه أمام ظاهرة غريبة، تطالع عينه فيها نفحات الله وأفضاله فيجد بين يديها كل طيب كريم، من الطعام، لم يقدمه لها أحد.. ويسألها زكريا. فتجيب: «هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.. إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ» وليس من جواب غير هذا الجواب، يحبس تساؤل المتسائلين، ويذهب بما

الآيتان: (38، 39) [سورة آل عمران (3) : الآيات 38 إلى 39]

ملأ صدورهم عجبا ودهشا، من هذه الآيات التي تتنزل بين يدى مريم، رزقا من السماء بلا انقطاع.. إنه من عند الله! وما كان من عند الله فلا مثار منه لعجب أو دهش!! الآيتان: (38، 39) [سورة آل عمران (3) : الآيات 38 الى 39] هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (38) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) التفسير: «هنالك» أي هذا المقام الكريم، الذي شهد فيه زكريا ما شهد من آيات ربّه المتنزلة على مريم بالنفحات والرحمات.. وفى هذا الموقف الذي اشتعل فيه كيان زكريا كلّه بأشواق التطلعات إلى السماء، وأحاسيس التداني والقرب.. هنالك استشعر زكريا قربه من ربّه، ودنوه من رحمته، فضرع بين يديه داعيا يطلب الولد، الذي حرمه حتى بلغ من الكبر عتيا، وكانت امرأته- مع ذلك- عاقرا. كان زكريا فيما شهد من أفضال الله على «مريم» أمام معجزات خارقات لمألوف الحياة، وما يخضع له الناس من سننها، فاهتبلها فرصة يأخذ فيها بنصيبه من هواطل غيوث رحمة الله، فطلب هذا المطلب الجاري على غير المألوف! وقد استجاب الله لزكريا ما طلب، فوهب له «يحيى» مصدقا بكلمة من الله، وسيّدا، وحصورا، ونبيا، من الصالحين. ومن هذا نعلم أنه يقدر ما يكون فى كيان الإنسان من إيمان بالله، وثقة به، وطمع فى رحمته، بقدر ما يكون حظه من القبول والاستجابة لما يدعو به ربه..

ومن هنا كان للحال الذي يشتمل على الإنسان الأثر الأول فى قبوله واستجابة دعائه. وإن الذي يدعو وهو منقطع الصلة بالله، أو هو خامد الشعور بقدرة الله، أو متشكك فى سماع الله لما يدعو به، وإجابته له- إن مثل هذا قلّ أن يستجاب له. أما من يدعو وهو على يقين من أن الله قريب منه، مطلع على سرّه ونجواه، وأن بيده الخير كله، وأنه على كل شىء قدير- إن من يدعو وهو على تلك الحال، فهو فى معرض القبول والإجابة لا محالة.. ولهذا يقول الرسول الكريم: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة» قوله تعالى: «مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ» كلمة الله هنا هى المسيح عيسى ابن مريم، وبهذه الكلمة بشّر الله مريم، فقال تعالى: «يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ» وذلك فى الآيات التالية بعد هذه الآية.. وقد كان يحيى- عليه السّلام- هو الذي عمّد عيسى، وهو الذي بشّر به، وصدّق برسالته، كما تحدث بذلك الأناجيل. قوله تعالى: «وَسَيِّداً» أي سيّدا على نفسه، متحكما فى شهواته غالبا لها.. وقوله تعالى «وَحَصُوراً» أي مجانبا الشهوات، حتى لكأنه عاجز عن إتيانها لضعف أو مرض، وما به ضعف أو مرض، ولكن قوة روحه قهرت نداء شهواته، ودعوة جسده. وفى قوله تعالى: «وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ» ما يسأل عنه، وهو: هل فى الأنبياء صالح وغير صالح، أم أن الأنبياء جميعا من الصالحين؟

لا شك أن الأنبياء جميعا من الصالحين، لأنهم صفوة خلق الله، وقد اختارهم الله، واصطفاهم للسفارة بينه وبين عباده، وليس يختار لهذه المهمة الكريمة إلا أكرم الخلق، وأفضل الناس فى كل أمة يبعث فيها رسول.. فكلمة «نبىّ» تحمل معها كل معانى الحياة للصلاح والتقوى! فما الحكمة فى أن وصف النبىّ بالصلاح هنا؟ ونقول- والله أعلم- إن وصف النبوة الذي وصف به يحيى فيما وصف به من صفات، هو وصف شرفىّ، لشرف الوظيفة التي هى النبوة، وهى مع هذا لا نستغنى عن الأوصاف الشخصية التي تكون للنبىّ، قبل النبوة، ومع النبوة.. والصّلاح على إطلاقه هو أكمل صفة وأتمها يمكن أن يظفر بها إنسان حتى الأنبياء.. فهى الكمال الإنسانىّ فى أعلى مراتبه وأشرف منازله، ولهذا كان من دعوات الأنبياء عليهم السلام أن يكونوا من عباد الله الصالحين كما قال الله تعالى على لسان سليمان: «وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ» . (19: النمل) وقال تعالى على لسان إبراهيم، وهو يطلب الولد الصالح: «رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ» (100: الصافات) وقال سبحانه فى وصف عيسى عليه السّلام: «وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ» (46: آل عمران) ومعنى هذا أن الصلاح صفة ملازمة له، قبل النبوة ومع النبوّة، فلو لم يكن نبيّا من الأنبياء لكان صالحا من عباد الله الصالحين.

الآيتان: (40، 41) [سورة آل عمران (3) : الآيات 40 إلى 41]

الآيتان: (40، 41) [سورة آل عمران (3) : الآيات 40 الى 41] قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (40) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (41) التفسير: أمام الخوارق المذهلة التي تخرج عن مألوف الحياة، وتجىء على غير حساب الناس وتقديرهم- يقف العقل مشدوها مضطربا، إذ يفقد توازنه، ويفلت من بين يديه كل حساب وتقدير، ويضل عنه ما كان له من علم ومعرفة.. لقد رأى موسى عليه السّلام- العصا يلقى بها من بين يديه فتتحوّل إلى حيّة تسعى، فتأخذه الرهبة، ويستولى عليه الفزع، وينطلق مسرعا.. ولا يمسكه أنه بين يدى الله، يناجيه ويسمعه كلماته! وهذا زكريا- عليه السّلام- يسمع الحق- جلّ وعلا- يستجيب دعاءه، ويبشره بالولد الذي طلب، فتعتريه حال كتلك الحال التي اعترت موسى حين انقلبت العصا إلى حية تسعى! فلا يملك أن يسأل ربّه: أنّى يكون لى غلام وقد بلغني الكبر وامرأتى عاقر؟ إنها صدمة المفاجاة بهذا الأمر الخارق العجيب، ولو جاء هذا الأمر متلبسا بمقدمات تومىء إليه، وتكون إرهاصا به- لما كان من هذا النبي الكريم هذا الموقف المثير لعجبه ودهشته، لأنه على يقين من قدرة الله التي لا حدود لها، والتي لا يسأل أمام عجائبها ومبدعاتها.. بكيف؟ ولكنها- كما قلنا- صدمة المفاجأة، ودهشة المستقبل

لأمر غير متوقع! وقد أجاب الله زكريا بما لا يخفى عليه، ولا يعتقد فى الله غيره «قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ» .. ويجوز أن يوقف على قوله تعالى «كذلك» فيكون اسم الإشارة والمحذوف الذي يكمله هو مقول القول، والتقدير: كذلك قضى ربك، أو نحو هذا، ويكون قوله تعالى «اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ» جملة تفسيرية لمقول القول.. وهذا هو الوجه الأظهر للآية الكريمة. ويجوز أن يكون الوقف عند لفظ الجلالة: «قالَ كَذلِكَ اللَّهُ» ويكون المعنى كذلك هو الله سبحانه فى قدرته وحكمته، ثم يجىء بعدها قوله تعالى: «يَفْعَلُ ما يَشاءُ» جملة مستأنفة، شارحة موضحة. وقوله تعالى: «قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً» ليس عن شكّ فى تصديق زكريا بما أخبره به ربّه، وإنما هو استعجال لهذا الخير المنتظر، وائتناس بالبشريات التي تحدّث به، وتنتصب شاهدة عليه.. فالآية التي تعرض لزكريا فى هذا الوقت الذي لا زال فيه الولد فى عالم الغيب، لم تظهر له فى عالم الوجود إشارة أو علامة تنبىء عنه- الآية التي يراها زكريا فى هذا الوقت، هى فى الواقع شىء مجسّد يجده زكريا، ويجد ريح الولد فيه! وفى هذا ما فيه من تمام الفرحة وكمال المسرة! وكما استجاب الله لزكريا فيما طلب من ولد، استجاب له كذلك فيما طلب من آية على هذا الولد.. «قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً» هذه هى الآية التي تملأ قلب زكريا طمأنينة وأنسا بالولد المنتظر.. ألّا يكلّم النّاس ثلاثة أيام، بمعنى أن يجد لسانه عاجزا عن الكلام،

محبوسا عن النطق، فلا يكون بينه وبين الناس تفاهم إلا بالإشارة بيده، أو الإماءة برأسه، أو ببعض الحركات بعضو أو بأكثر من عضو من جسده.. وفى هذا صوم إجبارى عن الكلام، وهو ضرب من ضروب العبادة العالية، وقد أمر الله تعالى به مريم فى قوله سبحانه: «فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا» . ويصحّ أن يكون قوله تعالى لزكريا: «قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً» يصح أن يكون هذا أمرا لزكريا بالصّوم عن الكلام ثلاثة أيام بلياليها، كما قال تعالى لزكريا فى آية أخرى: «قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا» (10: مريم) وعلى هذا المعنى يكون صوم زكريا عن الكلام صوما إراديّا، استجابة لأمر الله. والسؤال هنا: لم كانت الآية على هذا الوجه، وهو أن يصمت زكريا عن الكلام- إجباريا أو اختياريّا- ثلاثة أيام؟ يجيب أكثر المفسرين على هذا بأن ذلك كان عقابا لزكريا فى موقفه هذا القلق، الذي وقفه من الخبر الذي جاءه عن ربّه.. فقال أولا: «أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا؟» ثم قال ثانيا: «رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً» ! والذي نراه- والله أعلم- ن هذا الصمت الذي فرضه الله تعالى على زكريا مدة ثلاثة أيام، هو الدواء الذي تسكن به النفس المضطربة المهتاجة بهذا الخبر العجيب.. وهو طب بليغ، لا يغنى غيره غناءه فى مثل تلك الحال.. ذلك أنه ليس أحسن من الصمت علاجا لجمع النفس المشتتة، وتسكين القلب المهتاج!. ولو كان ذلك الصمت عقوبة لكان تكديرا لتلك النعمة التي كانت فى

ذاتها آية من آيات الله.. وتعالت آيات الله أن تشاب بسوء، وجلّت نعمه أن تختلط بكدر! فالصوم عن الكلام هنا هو من تمام تلك النعمة، التي تستأهل عظيم الحمد، وجزيل الثناء، ولهذا جاء توجيه الله تعالى لزكريا بقوله: «وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ» بعد أن جعل الصوم عن الكلام آية له، شكرا على تلك العطية العظيمة، وعلى الآية المصاحبة لها. هذا، ويمكن أن يعطى النظر فى الآية الكريمة معنى آخر، وهو أن قوله تعالى لزكريا: «آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً» هو إيحاء لزكريا بأنه- وهو مما خلق الله- يستطيع إذا تعطلت الأداة الطبيعية للتفاهم بينه وبين الناس، وهى الكلام، فإنه لا يعدم وسيلة أخرى يتفاهم بها، ويجد منها ما يعوضه عن بعض ما فقد، فيتخذ الرمز والإشارة عوضا عن الكلمة باللسان.. فإذا كان ذلك شأن الإنسان، حيث يستطيع أن يخرج عن الأسباب المألوفة، ويحقق بأسباب غيرها ما كان يحققه بها، فإن قدرة الله- التي هى فوق نطاق الأسباب أبدا- أحق وأولى بألا تحتجزها الأسباب التي نراها مصاحبة للمسببات! وأنه إذا كان من مألوف الحياة الواقعة تحت حواسنا ألا تلد العقيم، وألا يولد للشيخ الفاني، فإن قدرة الله- إذا قضت حكمته- تجعل العقيم ولودا، وتخلق من الشيخ الفاني بنين وبنات.. «وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» .

الآيتان: (42، 43) [سورة آل عمران (3) : الآيات 42 إلى 43]

الآيتان: (42، 43) [سورة آل عمران (3) : الآيات 42 الى 43] وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (42) يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) التفسير: العطف هنا فى قوله تعالى: «وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ» هو عطف على قوله تعالى: «إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ» ، فهو عطف حدث على حدث. ولقد أصبحت «مريم» خادمة بيت الله أهلا لأن تتصل بالسماء، وأن تتلقى فيوض رحماتها وبركاتها، فنادتها الملائكة مبشرة لها بما فضل الله به عليها: «يا مَرْيَمُ.. إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ» بأن جعلك فى عباده المصطفين، القائمين على عبادته وطاعته.. «وَطَهَّرَكِ» من الشّرك به، أو التدنّس بالكبائر من الآثام.. «وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ» أي جعل منك الولد الذي لم يولد لإنسان من الناس على، صورة مثل صورته، وهو «المسيح» الذي سيولد من غير أب.. نفخة من روح الله، وكلمة من كلماته! إنها صورة فريدة لا مثيل لها فيما تلد الأمهات.. فلقد اصطفى الله- سبحانه- هذه الأنثى المباركة، لتكون معرضا من معارض قدرته، ومجلى من مجالى صنعته فيما يصنع، وشاهدا من شهود تلك القدرة التي إن أقامت هذا الوجود على سنن، وربطت بين المسببات والأسباب، فإنها فوق السنن، وفوق الأسباب،.. تخرج الحىّ من الميت، وتخرج الميت من الحىّ.. وتخلق أصل الإنسانية كلها ابتداء من غير ذكر أو أنثى- هو آدم- وتخلق أنثى- هى حواء- من ذكر، دون اتصال بأنثى، وتخلق ذكرا- هو المسيح- من أنثى دون اتصال بذكر! فهذا هو الاصطفاء الذي اصطفى به الله سبحانه وتعالى «مريم» على نساء

الآية: (44) [سورة آل عمران (3) : آية 44]

العالمين، إذ كانت منها هذه الآية العجيبة، وتلك المعجزة الفريدة بين المعجزات! ومن حقّ هذا الاصطفاء الذي أضفاه الله على «مريم» أن تتلقاه بالشكران والحمد لله ربّ العالمين، فكان أن وجهها الله سبحانه، إلى هذا بقوله: «يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ» والقنوت هو الخضوع لله، والولاء المطلق لعزته وجلاله، والسّكن إلى نعمه وأفضاله.. والسجود والركوع عملان من عمل الجوارح لعبادة الله، والولاء له. فالقنوت عبادة صامتة مكانها القلب.. والسجود والركوع عبادة ظاهرة، مظهرها الجوارح.. وبالقنوت، والسجود، والركوع، يصبح باطن الإنسان وظاهره جميعا مشتغلا بعبادة الله، متجها إليه، قائما على الولاء له.. وهذا هو أكمل العبادة وأتمها. الآية: (44) [سورة آل عمران (3) : آية 44] ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) التفسير: الإشارة هنا، إلى ما ذكره الله سبحانه وتعالى من أخبار امرأة عمران، وزكريا، ومريم ابنة عمران.. وهى مما غاب أمره عن الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- ولم يكن عنده من أخبارها شيئا.. فهى غيب بالنسبة الرسول، وإن كان عند أهل الكتاب شىء منها! وقوله تعالى: «وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ» تأكيد لما بين الرسول، وبين هذه الأحداث من بعد، ومن

الآيتان: (45، 46) [سورة آل عمران (3) : الآيات 45 إلى 46]

غياب أمرها عنه، لأنه- أولا- لم يكن من أهل الكتاب، ولا من القارئين الدارسين لما فى أيدى أهل الكتاب من علم، ولأنه- ثانيا- لم يكن معاصرا لهذه الأحداث، ومشاهدا لها.. ومن جهة أخرى، فإن من هذه الأنباء ما لم يكن عند أهل الكتاب- وخاصة معاصرى النبوة- شىء منها، مثل ما أخبر به القرآن من اختصام المختصمين فى كفالة مريم، وأيّهم أحق بها، ثم التجاؤهم فى هذا الخلاف إلى أن يقترعوا عليها، وذلك بإلقاء أقلامهم فى الماء، فأيهم ثبت قلمه كفلها، وقد أصابت القرعة زكريا، فكفلها زكريا، كما أخبر القران الكريم بهذا.. فهذا كلّه لم يكن عند أهل الكتاب المعاصرين للنبيّ شىء منه، ولم يكن فيما بين أيديهم من كتب الله حديث عنه. وفى هذه الأخبار التي يتلقاها محمد من السماء، على غير سابق علم بها، وفى مجيئها على تمامها وصحتها، غير محرفة، ولا مبتورة، كما هو الحال فيما بقي بين أيدى أهل الكتاب منها- فى هذه الأخبار دلالة قاطعة على أن ما يتلقاه محمد من أخبار، هو من مصدر عال، لا يرجع فيه إلى بشر، ولا يستند فيه إلى علم بشر، وإلا كان لزاما عليه ألا يخرج عن محتوى ما يرد إليه من علم العالمين! الآيتان: (45، 46) [سورة آل عمران (3) : الآيات 45 الى 46] إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) التفسير: متعلق الظرف «إذ» هو قوله تعالى: «وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ

إِذْ يَخْتَصِمُونَ» أي لم تكن يا محمد شاهدا لأمر مريم، وما وقع فيه من خصام فى الولد الذي جاءت به من غير أب، إذ جاء هذا الولد بنفخة من روح الله، وبكلمة منه. وقوله تعالى: «اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ» هو الاسم الذي اختاره الله لهذا المولود «الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ» ! فالمسيح صفة هذا المولود، وقد ورد كلمة مسيح فى كثير من المواضع فى التوراة، وترجمها اليهود الذين كتبوا الترجمة اليونانية السبعينية للتوراة (حوالى (38 ق. م) باللفظ اليوناني الذي معناه الشخص الذي مسح بالزيت المقدس، وهو زيت الزيتون.. وكلمة مسيح فى العبرية تنطق هكذا: (مسيح) . و «عيسى» هو اسمه. و «ابن مريم» هو صفة تكشف عن نسبه إلى من ولده، وهى أمّه، على حين ينسب الأبناء إلى آبائهم، وإذا كان ولا أب له، فإن نسبته إلى أمّه أمر لازم، لا بد منه. وقوله تعالى: «وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ» الوجاهة هنا الرفعة وعلوّ الشأن.. أما فى الدنيا، فيكاد المسيح- عليه السّلام- يكون واحدا من أفراد يعدّون على أصابع اليد، ملأ الدنيا ذكرهم، وعمرت قلوب الناس بحبّهم والولاء لهم.. وأما الآخرة فعند الله وفاء هذا الوعد الكريم الذي وعده به. «وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ، وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ» . قوله تعالى: «وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا»

كلام المسيح فى المهد

كلام المسيح فى المهد ذكر القرآن الكريم، فى أكثر من موضع، أن المسيح- عليه السلام- تكلم فى المهد، وذلك، ليكون آية على طهر أمه وعفافها، وبراءة عرضها من أن يعلق به شىء مما تلوكه الألسنة، وتوسوس به الظنون، فى حال كحال مولود يولد من غير زواج معترف به شرعا، أو عرفا! ففى البشارة الأولى التي تلقتها مريم من السماء، يكشف لها الوحى، عن وجه هذا الغلام، الذي ستلده العذراء هذا الميلاد العجيب، الذي لم تعهده فى الناس، ولم تعلمه فى واحدة من بنات جنسها، وفى هذا يقول الله تعالى: «إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ» (45- 46: آل عمران) . والصفة البارزة التي لهذا الوليد هنا، هى نطقه وهو فى المهد، وحديثه إلى الناس حديثا واضحا مفهوما.. أما وجاهته فى الدنيا والآخرة، فهو أمر معنوى، لا ينكشف للناس انكشاف الكلام فى المهد، ولا يقع منهم موقع هذا الكلام الذي يثير العجب والدهش، ولا يدع لأحد سبيلا إلى الإنكار أو المكابرة ولكن هنا سؤال هو: ما وجه الإخبار عن كلام المسيح كهلا، إلى جانب الإخبار عن كلامه فى المهد.. مع أن كلامه كهلا أمر مفروغ منه، والإخبار به نافلة غير مطلوبة فى ظاهر الأمر؟ أكثر أقوال المفسرين لتعليل هذا، أنه إخبار عن رجعة المسيح- فى آخر الزمان- وذلك أنه مات فى سنّ الكهولة، وأنه سيعود إلى الدنيا مرة أخرى

فى سنّ الكهولة.. وهذا تعليل- إن صح- فإنه يقوم على اعتبار أن رجعة المسيح أمر سيقع، وأنه لا وجه لهذا التعليل إذا كانت تلك الرجعة مشكوكه فيها، أو مقطوعا بعدم وقوعها. وإذا كان من رأينا أن رجعة السيد المسيح من الأمور غير المحققة، وأن الشك فى وقوعها- فى رأينا- يغلب أي احتمال ينبنى على روايات وآثار تقول بها- إذا كان هذا هو رأينا، فإننا نرى لتعليل هذا الأمر- وهو كلام المسيح كهلا- وجها آخر. فنقول- والله أعلم-: إنه لمّا كان النطق فى المهد أمرا واقعا على غير المألوف، خارجا عن طبيعة البشر، فقد يقع فى حساب الناس وتقديرهم أن هذا الوليد الذي تكلم فى المهد، سيسلك فى الحياة مسلكا غير مسلكهم، ويسير فى طريق غير طريقهم، وأنه وقد بدأ حياته متكلما يوم مولده، فغير مستبعد أن يكون كلاما بعد أن يكبر ويشب واقعا على صورة أخرى مفارقة لكلامه فى المهد.. فالطفل يبدأ الكلام بأصوات أشبه بأصوات الحيوان.. ثم تستبين تلك الأصوات شيئا شيئا، حتى تصبح لغة واضحة، ذات دلالة محدودة مفهومة.. وقياسا على هذا.. قد يقع فى التقدير أن كلام المسيح سيتدرج كما يتدرج كلام الطفل.. وأنه وقد بدأ بالكلام واضحا فصيحا من أول يوم، فإنه فى تدرجه بعد هذا سينتهى إلى صورة أخرى من الكلام، يكون الفرق بين أولها وآخرها، كالفرق بين أصوات الطفل، وبين كلامه فى الكهولة والشباب! هذه بعض المفاهيم التي يمكن أن تقع فى الأفهام وتدور فى الخواطر، عن هذا الحدث العظيم.. وهذا ما يدفعه قوله تعالى: «وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا» .. حيث تقرّر الآية أن كلام عيسى فى المهد وكلامه فى الكهولة على

سواء، لا اختلاف بينهما، وأن صلة التفاهم لا تنقطع بينه وبين الناس فى مراحل حياته، وأنه إذا كلّمهم فى مولده بلغة سليمة مفهومة، فإنه سيكلمهم بهذه اللغة أيضا فى أدوار حياته.. وبهذا تعلم مريم من أول الأمر أن وليدها الذي سيتكلم فى المهد، لا يخرج به ذلك عن طبيعة البشر، ولا يجعل منه مولودا شاذا، تشقى به أمه، وتعانى من شذوذه هذا، ما تعانى الأمهات من مواليدهن الذين يجيئون على غير مألوف الحياة. وقد يكون لمعترض أن يلقانا بهذا السؤال: لم نصّ القرآن على دور الكهولة وحده، دون أدوار الحياة الأخرى.. من صبا وشباب وشيخوخة؟. والجواب على هذا، هو: أن دور الكهولة هو الدور الذي يبلغ فيه الإنسان تمام نضجه الجسدى والعقلي.. فإذا كان كلام المسيح فى المهد وفى الكهولة على حال واحدة، كان ذلك هو المعيار الذي تنضبط عليه لغته، وطريقة حديثه إلى الناس، فى جميع أدوار حياته. وندع هذا، لنصل ما انقطع من حديثنا عن كلام المسيح فى المهد- فنقول: إن مريم- عليها السلام- إذ تلقت هذه البشرى من رسول ربها، قد لفتها منها أمران: أن يكون لها ولد من غير أن يمسسها بشر.. ثم أن يكون هذا المولود على صفات خاصة.. أهمها أنه يتكلم فى المهد، كلاما سليما واضحا، كما يتكلم الراشدون من الناس. ولعلّ مريم لم تلتفت كثيرا إلى ما لهذا الوليد من صفات، إذ كان شغلها الشاغل إذاك، هو أن تلد مولودا من غير زوج يتصل بها. ولهذا كان عجبها ودهشها، فى هذا الاستفهام الإنكارى الذي ذكره القرآن على لسانها: «أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ» ؟ .. فهذه هى مشكلتها، وهذا هو موضع عجبها، ودهشها فى تلك الحال..

ثم إنه حين تم لها ما أراد الله، وجاءها المخاض، ووجدت نفسها أمام الأمر الواقع، وأنها فى وجه فضيحة لا دفع لها- كان عزاؤها الوحيد فى تلك الحال هو ما كان قد أبلغها إياه رسول ربّها، بأن وليدها سيتكلم فى المهد، وسينطق بالشهادة التي تدفع قالة السوء عنها.. وفى هذا يقول الله تعالى: «فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا» (27- 33: مريم) ففى هذا الموقف المتأزّم جاءت المعجزة، لتواجه القوم، ولتخرس تلك الألسنة المتطاولة، ولتأخذ على المتقوّلين فيه وفى أمّه كل سبيل.. فهذا الوليد الذي ولد لغير أب، قد نطق فى المهد وتكلّم فى حال لا يتكلم فيها طفل غيره.. فمولده من غير أب، وكلامه فى المهد، على حدّ سواء، فى الغرابة والاستنكار.. وأنه إذا كان لأحد أن ينكر هذه المعجزة القاهرة، وهى معجزة كلام الوليد فى المهد، فلينكر ميلاد هذا الوليد غير أب!!. وكلام السيد المسيح هنا صريح واضح، على شاكلة ما يتكلم به قومه، وباللغة التي يتعاملون بها، وقد فهموا عنه ما قال، ولم يكن ما نطق به محتاجا إلى تأويل أو تخمين. وقد ذكر القرآن الكريم مرة ثالثة كلام المسيح فى المهد، فى معرض

الامتنان على المسيح نفسه، بما كان من نعم الله عليه، وألطافه به.. حيث يقول سبحانه وتعالى: «إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ، تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ» . (110: المائدة) ويلاحظ هنا أيضا كلام المسيح فى المهد وكلامه كهلا، وذلك ليذكر المسيح- وهو المخاطب بهذا من ربّ العالمين- أن كلامه فى المهد كان على صورة هذا الكلام الذي يتكلم به فى كهولته.. فيه العقل والمنطق والحكمة، وليس أصواتا كأصوات الأطفال، ولا لغوا كلغو الصبيان!. والسؤال هنا.. هو: هل كان كلام المسيح فى المهد حدثا وقع فى موقف الدفاع عن التهمة التي رميت بها أمه من قومها.. ثم أمسك المسيح بعدها عن الكلام، ليأخذ الحياة على مألوف المواليد من الناس، وليدرج فى مدارج الطفولة خطوة خطوة.. أم أنه استمر متكلّما مبينا إلى آخر أيامه؟. ونقول: إن كلام المسيح فى المهد هو معجزة متحدّية، مثل معجزاته فى إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص. والشأن فى تلك المعجزات المادية أن تظهر فى الحال الداعية لها، ثم تختفى، فلا يرى الناس لها وجها إلى آخر الأبد. ومن الحكمة فى هذا ألا تعيش المعجزة المادية طويلا فى حياة الناس، حتى لا يألفوها، هذا الإلف الذي يذهب ببهائها وجلالها. ثم إن المعجزة المادية القاهرة امتحان وابتلاء، وما كان هذا شأنه فإن من الحكمة أن يلمّ بالناس إلماما، وألا يقيم إقامة دائمة، تلحّ على الناس فيه

الآيات المنطلقة منه، إلحاحا ملازما، وبهذا يتمايز الناس ويتفاضلون فى الإفادة من الفرصة العابرة، المتاحة لهم.. والقرآن الكريم- وإن قطع بأن المسيح تكلم فى المهد، فإنه لم يذكر شيئا عن صمته أو كلامه، بعد هذه الواقعة التي دافع فيها عن شرف مولده، وطهر أمه وعفافها.. لأن ذلك لا يقدّم ولا يؤخر فى هذا الموقف. ولكنا- مع ذلك، ومع احترامنا لصمت القرآن فى هذا الأمر- نستطيع أن نقول: إن المسيح لم يكن كلامه فى المهد، إلا تلك الكلمات التي نطق بها، فى مواجهة الاتهام المصوّب إلى أمه من قومها، وأنه بهذه الكلمات الواضحة المحدودة، قد أرى القوم معجزة منه، تناظر المعجزة التي ولد بها، والتي ينكرونها على أمه! ثم عاد بعد هذه الكلمات إلى الطفولة فى صمتها، وفى نطقها.. كما سيتضح ذلك فى حديثنا عن الأناجيل وإغفالها لذكر هذا الحدث العظيم، من حياة المسيح! الأناجيل وحديث المسيح فى مهده: والذي يدعو إلى العجب حقّا، هو أن الأناجيل الأربعة التي يدين بها المسيحيون اليوم، لم تشر أية إشارة من بعيد أو قريب إلى كلام المسيح فى المهد، ولم تذكر دفاعه المفحم عن أمّه، فى وجه تلك التهمة التي انعقد دخانها عليها، يوم جاءت به تحمله إلى قومها.. ونسأل أولا: لماذا ذكر القرآن هذا الحدث الذي لم يكن عند أهل الكتاب- من أتباع المسيح- المعاصرين للنبىّ علم به، أو كان لهم به علم ولكن لم يجرءوا على ذكره؟ لماذا يذكر القرآن هذا عن المسيح، ويعطى أتباع المسيح معجزة المسيح، هم ينكرونها؟ ونقول: إن القرآن الكريم إذ يقف هذا الموقف، وإذ يجبه إجماع

أتباع المسيح على إنكار هذه الواقعة- ليعلم عن يقين أنه يواجه بهذه الحقيقة عالما متربّصا به، متلهفا إلى اصطياد المعاثر والمزالق له، فكان من المتوقع- والأمر كذلك- أنه إذا جاء يحدّث أهل الكتاب عن أمر هو فى أيديهم، ومن خاصة أمورهم- كان حديثه معهم جاريا مع ما يعرفون منه، وما يروون عنه، فإن كان اختلاف فى شىء، ففى ترتيب الأحداث وتلوينها، فإن زاد الخلاف شيئا، ففى الأحداث العارضة، التي لا تدخل فى الصميم من ذاتية هذا الأمر. أمّا إذا كان الحديث عن أمر له شأنه وخطره فى بناء العقيدة، ثم كان مما يقيم لأصحاب تلك العقيدة حجة دامغة ودليلا قاطعا لمقولاتهم التي ينكرها عليهم- فإن ذلك هو أعجب العجب.. حيث يجىء القرآن إلى هذه الدعوى التي ينكرها على أتباع المسيح، فى تأليههم له- يجىء فيضع بين يدى أصحابها حجة أقوى من حجتهم لها، ودليلا أوضح من دليلهم عليها.. إن ذلك لعجب عجيب!! ذلك أن أتباع المسيح يتخذون من معجزات المسيح الخارقة- كإحياء الموتى، وإبراء ذوى العاهات والزّمنى- يتخذون من ذلك دليلا على ألوهيته. ولو كانوا يرون سبيلا إلى القول بأنه تكلم فى المهد لحرصوا على إظهار تلك المعجزة، وإضافتها إلى ماله من معجزات، ليقوى هذا من قولتهم فيه، وتأليههم له! .. فكيف يقدّم القرآن لخصومه فى تلك الدعوى التي يدّعونها، والتي ينكرها عليهم- كيف يقدّم لهم مستندا جديدا، يؤيد هذه الدعوى عندهم، ويؤكد هذا الزعم لديهم؟ ونقول: إن القرآن الكريم لا يلتفت إلى شىء من هذا، ولا يجعل له شأنا فى حسابه مع ما يدعيه المدعون.. وإنما الذي يلتفت إليه، ويحسب له

حسابا، هو الحق، والحق وحده.. سواء وافق هذا الحق واقع الناس، وجرى مع معارفهم ومعتقداتهم، أم جاء على طريق غير طريقهم، وبعلم غير علمهم! وهذا شاهد من شهود القرآن الكريم، بأنه ليس من عمل بشر، ولا من تدبير إنسان، وإلا كان عليه أن يتجنب هذا الصدام الصريح مع الواقع، الذي لا يعلم ما وراءه إلا علام الغيوب.. وإلا كان عليه أيضا- لو أنه من عمل بشر- أن يخفى ما بين يديه من حجج يستند إليها خصومه، ويتخذون منها سلاحا يحاربونه به، فى المعركة الدائرة بينه وبينهم. وما كان لغير الحق السماوي أن يقف هذا الموقف، إزاء أمر يشتهيه أهله وهم به جاهلون، ويتمنّونه وهم منه وجلون.. خوفا من البهت والتكذيب. لهذا، فإن القرآن الكريم، إذ يقول ما يقول فى عيسى وأمه مما تنكره اليهود، وتقول بخلافه فيهما، وإذ يقول ما يقول فى عيسى، وفى كلامه فى المهد مما ينكره النصارى، ولا يجدون عليه شاهدا مما فى أيديهم من أناجيل- إن القرآن، إذ يقول هذا، وذاك، إنما يقول الحق الذي غمّ على الناس أمره، وعميّت عليهم سبله، ثم لا عليه إذا هم صدقوه وآمنوا به، أو كذبوه وأعرضوا عنه.. فإن الحق الذي نزل به، سيظل هكذا قائما على الدهر، يتحدى المكابرين والمعاندين، ويواجه أبصار المتشككين والمنحرفين، «فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها» (204 الأنعام) .. «وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ» (29: الكهف) والعاقبة دائما للحق، فإنه وإن غامت عليه سحب الضلال، وانعقدت فى سمائه ظلمات الجهل- فإنها أمور عارضة، لا تلبث أن تزول، وإن طال مقامها..

لماذا لم تذكر الأناجيل كلام المسيح فى المهد؟ وإذا تركنا جانبا، النظر فيما وقع فى الأناجيل من تحريف وتبديل، وقلنا إنها والقرآن على سواء فى صحتها وسلامتها- كان ظاهر الحال يشهد بأن كفّتها هى الراجحة فى هذه القضية، وأن الكلمة كلمتها فيما تقول فيها، وأن عدم ذكرها لكلام المسيح فى المهد يقطع بأن المسيح لم يتكلم فى المهد! إذ لو كان قد تكلم فى المهد لما كان هناك من سبب يدعو كتّاب الأناجيل إلى إغفال هذه الحادثة، التي تعلى من شأن المسيح، وترفع قدره، وتكاد تخرج به عن حدود البشر، وترفعه إلى مقام الملأ الأعلى- الأمر الذي يقوّى من دعوى أتباعه، بأنه هو الله أو ابن الله! .. بل وأكثر من هذا، فإن عدم ذكرها لهذا الأمر العظيم لدليل على أنها كانت تلتزم جانب الحق فى كل ما تقول فى المسيح، وأنها لم تقل فيه قولا لم يكن له، أو منه!! ولكن إذا أعدنا النظر فى هذه المسألة على ضوء الظروف والملابسات التي كتبت فيها الأناجيل، والتي تبدو واضحة لأدنى نظرة ينظر بها إليها- إذ فعلنا ذلك، رأينا أنه ليس ببعيد أن ينخرم من الأناجيل هذا الخبر، وأن يسقطه الذين كتبوها، من حسابهم، لأمر قدروه ولحساب حسبوه! ويمكن أن يعلل لذلك يعلل كثيرة.. منها: أولا: أن الأناجيل قد كتبت فى وقت كان اليهود يشنّعون فيه على المسيح، ويلاحقون أتباعه، ويأخذونهم بالبأساء والضراء حيث وجدوهم. ثانيا: قدّر كتاب الأناجيل أن الجوّ الذي يحيط بهم مشحون بالأكاذيب التي يطلقها اليهود فى جنون، حول المسيح وأمه. ويبهتون كل ما كان له من معجزات، ويدخلونها فى باب الشعوذة والدجل.. فليس معقولا والأمر كذلك.

أن يفتح كتاب الأناجيل جبهة جديدة للحرب بينهم وبين اليهود، وأن يلقوا إلى النار المشبوبة وقودا جديدا، يزيدها اشتعالا، ويزيد اليهود سفاهة وتطاولا! ثالثا: لنا أن نجعل فى اعتبارنا أن كلام المسيح فى المهد، لم يكن حدثا قائما يعيش فى الناس، وإنما كان للحظة عابرة- كما قلنا من قبل- أريد به أن يطفىء ثورة ثائرة على أمه.. وأنه إذا كانت تلك المعجزة قد أحدثت هزّة عميقة، ودويا عاليا- فإن صمت المسيح بعدها إلى أن جاوز دور الطفولة، قد أطفأ جذوتها، وجعلها تتوه خلال تلك الأحداث المذهلة التي دارت حول المسيح، فى كل خطوة كان يخطوها، وسط صخب اليهود وجلبتهم. رابعا: الذين شهدوا كلام المسيح فى المهد لم يكونوا يجاوزون بضعة من الناس، هم القرابة القريبة من أمّه، الذين استقبلوها وهى تحمل وليدها، فأنكروها وأنكروا ما تحمل!! ومثل هذا العدد، وإن وجدوا فى كلام المسيح ما يمسك ألسنتهم عن قول السوء فى العذراء البتول- لا يمكن أن يقف لهذه الأعداد الكثيرة التي تعيش خارج هذه الدائرة المحدودة، وتخفت صوتها، الذي إن بدأ خافتا، متهامسا، متقطعا، فإنه سيعلو ويعلو، ويصير صراخا، وعواء يملأ أرجاء اليهودية، حين يواجه المسيح اليهود بدعوته، ويواجهونه هم بالإنكار والتكذيب، ثم المطاردة، والمحاكمة!! والصورة التي تبدو لنا من هذا الموقف.. هى هكذا: عدّة من الناس.. قد يكونون عشرة، أو ما دون العشرة أو أكثر، هم رهط مريم الأقربون، قد رأوا الوليد، وسمعوه يتكلم، ويدفع عن أمه العار الذي واجهوها به.. فلما صمتوا حين تكلّم، صمت هو إلى أن فارق طور الطفولة.. ثم هناك أعداد لا حصر لها من الناس، ترامى إلى سمعها هذا الخبر العجيب، فجاءت تطلب له الشاهد من فم هذا الطفل الذي نطق، فلم تجد إلا صمتا، ولم

تشهد فيه إلا ملامح الطفولة ومخايلها.. فرجعوا بين مصدّق ومكذب، وبين متشكك ومتهم!! ثم يمضى الزمن بهؤلاء وأولئك جميعا.. ويتقلب هؤلاء وهؤلاء، بين الشك واليقين، والتكذيب والاتهام. أما أصحاب اليقين، الذين عاينوا المعجزة- وهم قلة- فتذهب بهم الأيام واحدا واحدا، حتى إذا بلغ المسيح أشدّه، وطلع على الناس بمعجزاته، لم يكن منهم فى الحياة إلا بضعة أفراد، أو مادونهم. وأما المتشكّكون والمترددون، فقد أنساهم الزمن هذا الأمر، وما علق بنفوسهم منه.. من شك أو تردد. فلما أن كان وقت كتابة الأناجيل، كانت تلك الحادثة- حادثة كلام المسيح فى المهد، قد ضاعت فى طوفان الأحداث التي اتصلت بحياة المسيح، والتي انتهت بهذا الحدث العظيم. فى قضية صلبه، وقيامه من الأموات.. ثم فى مطاردة تلاميذه وأتباعه، والتنكيل بهم. حيث وقعت عليهم عين، أو وقعت عليهم يد! لقد كانت حادثة كلام المسيح فى المهد، عند كتابة الأناجيل، شيئا باهتا، أشبه بأضغاث الأحلام، لم يمسك الناس منها إلا بذكريات غامضة مضطربة، فكان إعلانها وإذاعتها فى هذا الوقت مما يقوّى جبهة أولئك الذين يجدّفون على المسيح، ويرمونه وأمّه بالمنكرات والأباطيل والمفتريات! هذا، وليست حادثة كلام المسيح فى المهد، هى وحدها التي أغفلت الأناجيل ذكرها، من متعلقات المسيح وأخباره، بل لقد أغفلت الأناجيل- عن تدبير وتقدير- كثيرا مما كان للسيد المسيح.. تقيّة وخوفا، تحت ضغط الظروف القاسية التي كتبت فيها الأناجيل.

فمثلا: «ميلاد المسيح من عذراء» . هذا الحدث، لا يقلّ شأنا وإثارة، وتحديا عن كلام المسيح فى المهد! ومع هذا، فإن إنجيلى «مرقس» و «يوحنا» لم يشيرا أيّة إشارة إلى هذا الميلاد.. والقديس «بولس» مؤسس المسيحية، وداعيتها الأول، لم يتحدث عن هذا الميلاد، ولم يشر إليه فى رسائله، ولم يتخذ منه آية يغزو بها القلوب، لدعوته التي كان يدعو بها، ويجمع لها كل القوى المادية والمعنوية، لتأخذ طريقها إلى الناس! ثم إن إنجيلى «متى» و «لوقا» الذين تحدثا عن هذا الميلاد العذرى، لم يذكرا ذلك إلا ذكرا عابرا، وفى غير التفات إليه، أو احتفاء به، بل إنهما إذ يقولان بميلاد المسيح من عذراء، يعودان فيرجعان نسب المسيح إلى داود عن طريق «يوسف» الأب المسمّى للمسيح، وكأنما أرادا بذلك أن يسدّا هذه الفجوة، بنسبة المسيح إلى يوسف، زوج أمّه! فإذا وقع فى تقديرنا أنه كان من المكن إلغاء إنجيل «متى» و «لوقا» الذين ذكرا ميلاد المسيح من عذراء. كما ألغيت عشرات الأناجيل غيرهما، ثم أصبح اعتماد المسيحية على إنجيلى «مرقس» و «يوحنا» - لو وقع هذا- وكان من الممكن أن يقع- لما كان فى المسيحية أية إشارة إلى هذا الميلاد، ولذهب من تاريخ المسيح، كما ذهب كثير غيره من أقواله، وأعماله. وحادثة مجىء المسيح إلى مصر، مع أمه، وزوج أمّه.. هذه الحادثة، لا تقلّ خطرا، عن كلام المسيح فى المهد، وعن ميلاده من عذراء، إذ كانت عن إرهاصات مزلزلة، لما سيكون لهذا الوليد من شأن. ومع هذا فإن إنجيلا واحدا من الأناجيل الأربعة المعتمدة هو الذي ذكرها، ذلك هو إنجيل متى، الذي يروى هذه الحادثة على هذا النحو:

«ملاك الربّ» ، ظهر ليوسف (زوج مريم) فى حلم، قائلا: خذ الصبى وأمّه واهرب إلى مصر، وكن هناك، حتى أقول لك، لأن «هيرودس» (ملك اليهوديّة) مزمع أن يطلب الصبىّ ليهلكه، فقام وأخذ الصبىّ وأمه ليلا وانصرف إلى مصر، وكان هناك إلى وفاة «هيرودس» (متى: 2: 13- 15) وهذا الخبر لم تذكره الأناجيل الثلاثة، ولم تشر إليه أية إشارة! فكيف كان الحال، لو ألغى إنجيل متى كما ألغيت عشرات الأناجيل، وكتب عليها أن تختفى إلى الأبد؟ وننتهى من هذا إلى القول بأن ما ذكره القرآن من كلام المسيح فى «المهد» هو الحق الذي لا شك فيه، وأن خلوّ الأناجيل من ذكر هذا الحدث، لا يجعل لها حجة على القرآن فى هذا المقام، خاصة وقد أغفل معظمها أحداثا تتعلق بالمسيح، ولا تقل شأنا عما ذكره القرآن عن كلامه فى المهد! إن القرآن قد أخبر بأن المسيح تكلم فى المهد، وهذا الخبر، هو معجزة متحدّية، إذ ينكره من هم أشد الناس حرصا على وقوعه، ليكون لهم منه حجة تقوّى معتقدهم فى ألوهيته المسيح، وفى خروجه عن طبيعة البشر! إن ذلك عند المؤمنين بالقرآن معجزة متحدية، وهو عند غير المؤمنين، دعوى ينقصها الدليل والبرهان، أو فرية يردّدها أصحاب الأهواء والبدع! فهذه منازل ثلاث، فى القول بأن المسيح تكلم فى المهد. والناس على منازلهم تلك.. إلى أن يأتى أمر الله، فيكشف وجه الحق، ويومئذ تبيضّ وجوه، وتسودّ وجوه!! بقيت كلمة لا بد منها.. وهى أنه قد يقع لفهم بعض الناس من قولنا إن فى الأناجيل اختلافا،

الآيات: (47 - 51) [سورة آل عمران (3) : الآيات 47 إلى 51]

وتعارضا، وكتمانا لبعض الحقائق- قد يفهم من هذا أننا ننتقص من قدر الحواريين، ونسىء الظن بهم وبأمانتهم فيما نقلوا عن المسيح.. إذ أن الأناجيل الأربعة، ينسب ثلاثة منها إلى: متى، ومرقس، ويوحنا، وثلاثتهم من الحواريين.. ومعاذ الله أن نشكّ فى أمانة الحواريين، عليهم السلام، إنهم أجلّ من أن يكذبوا، أو يخونوا الأمانة، إذ كان الله سبحانه هو الذي اختارهم للمسيح أعوانا وأنصارا، كما يصرح بذلك القرآن الكريم، فى قوله تعالى: «وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ» (111: المائدة) والذي يمكن أن يقال فيما وقع فى الأناجيل من اختلاف، وما جاء فيها من مقولات يقف العقل إزاءها موقف الشك أو الإنكار- هو أن الأناجيل إما أن تكون قد كتبت بأيدى هؤلاء الحواريين المعروفين، ثم دخل عليها ما ليس منها، مما هو موضع خلاف، أو شك، أو إنكار، وذلك عن طريق الناقلين والمترجمين.. وإما أن تكون قد كتبت بغير أيدى أصحابها، ثم أضيفت إليهم، وحسبت عليهم، لتكتسب ثقة وذيوعا.. وهنا يتسع المجال لوقوع ذلك الاختلاف بين الأناجيل، وما تحمل فى ثناياها من تلك المقولات المختلفة المتضاربة! الآيات: (47- 51) [سورة آل عمران (3) : الآيات 47 الى 51] قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (51)

التفسير: عجبت مريم لهذا الأمر العجيب، الذي تحدثها الملائكة به من عند ربها.. أن تلدا مولودا من غير أن تتصل بزوج! وكيف؟ وماذا تقول للناس؟ ومن يسمع لها أو يصدق قولها؟ وأنّى لها القوة التي نحتمل بها لذعات الألسنة، وغمزات العيون، وهمسات الشفاه؟ إنها تجربة فريدة فى عالمها، لم تكن لامرأة قبلها، فكيف لها باحتمالها، واحتمال تبعاتها؟ وفى وداعة العابدة المتبتلة، ولطف العذراء وحيائها.. نسأل ربها: «رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ؟» ويجيبها رسول ربها: «كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ» .. لا حدود لقدرته، ولا ضوابط من نواميس الطبيعة التي نعلمها، بالتي تحول بين قدرة الله وبين أن تأتى بما لا نحسب ولا نقدر! وفى قوله تعالى هنا «اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ» وقوله فى إجابة زكريا: «اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ» مراعاة تامة للمقام هنا وهناك. ففى أمر مريم عملية خلق كاملة. فناسبها قوله تعالى: «اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ»

أما فى قصة زكريا فهى على خلاف هذا.. مولود من رجل وامرأة، وإن كان كلّ من الرجل والمرأة غير أهل لأن يولد له فناسبه أن يعبر عنه بالفعل «اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ» والخلق والفعل وإن كانا من باب واحد، فإن هناك فرقا دقيقا بينهما، وهذا الفرق الدقيق له وزنه وله اعتباره فى بناء الأسلوب البلاغي الرفيع، الذي لا يوجد على كماله وتمامه إلا فى القرآن الكريم. فى قوله تعالى: «وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ» ما يسأل عنه وهو: الكتاب والحكمة.. ما هما؟ لقد منّ الله على عيسى بأن علمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل.. والتوراة والإنجيل معروف أمرهما، إذ كانت التوراة كتاب موسى وشريعته، وبالكتاب وبالشريعة دان عيسى، ثم كان له كتابه وهو الإنجيل.. يبشر به وبكتاب موسى وشريعته.. فما الكتاب والحكمة اللذان تعلمها من الله قبل أن يتعلم التوراة والإنجيل؟ فى القرآن الكريم جاء ذكر الكتاب مقترنا بالحكمة فى كثير من المواضع، مثل قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ» (164: آل عمران) وقوله سبحانه: «رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ» (129: البقرة) وقوله تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ» (81: آل عمران) وقوله سبحانه: «فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً» (54: النساء) وقوله تعالى: «وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ» (112: النساء)

وقد جاءت كلمة الحكمة مفردة فى قوله تعالى: «يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً» (269: البقرة) وفى قوله سبحانه عن داود عليه السّلام: «وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ» (20: ص) والحكمة هى إصابة مواقع الحق فى القول والعمل، فهى بهذا ضرب من الهداية والتوفيق، يرزقهما الله من يشاء من عباده. والكتاب المقترنة به الحكمة هنا يسبق الحكمة، أي أن الحكمة ثمرة من ثمراته، إذ كان طريق الوصول إلى الكتاب هو معرفة القراءة والكتابة، حتى يمكن الإفادة مما كتب الكاتبون ودرس الدارسون.. وقد تعلّم المسيح القراءة والكتابة، وقرأ ما كتب من كتب، وفتح الله بصيرته وأنار قلبه بالعلم والحكمة، قبل أن يقيمه قيّما على شريعة التوراة والإنجيل. قوله تعالى: «وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ» أي ويجعله رسولا إلى بنى إسرائيل.. فالمسيح أحد الرسل الذين أرسلهم الله إلى بنى إسرائيل، ورسالته خاصة بهم، مكملة لرسالة موسى عليه السّلام فيهم، كما جاء ذلك على لسان المسيح، فيما روت الأناجيل عنه.. ففى إنجيل «متى» : «ثم خرج يسوع من هناك وانصرف إلى نواحى صور وصيدا، وإذا امرأة كنعانية خارجة من تلك التخوم صرخت إليه قائلة: ارحمني يا سيد يا ابن داود، ابنتي مجنونة جدا، فلم يجبها بكلمة، فتقدم تلاميذه وطلبوا إليه قائلين، اصرفها، لأنها تصيح وراءنا، فأجاب وقال: لم أرسل إلّا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة» (متى: الإصحاح الخامس عشر) . وفى متى أيضا يوصى المسيح تلاميذه، وقد بعث بهم ليبشروا، قائلا: «إلى طريق أمم لا تمضوا، ولا مدينة للسّامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحرىّ إلى خراف بيت إسرائيل الضالّة» (متى: الإصحاح العاشر) .

قوله تعالى: «وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ» أي يتحدث إلى بنى إسرائيل ويخبرهم بما أرسله الله به إليهم» ويقول لهم: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، تشهد لى بأنى رسول من عنده، وتلك الآية هى ميلاده على الصورة الفريدة، إذ ولد من عذراء لم يمسسها بشر. وإذ كان ميلاده وظهوره فى بنى إسرائيل آية، فإن تلك الآية تتولد منها آيات ومعجزات. ومن تلك الآيات ما ذكره القرآن على لسانه: «أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ» فمادة الطين التي منها تخلّقت الكائنات الحية من إنسان وحيوان- هى التي ينشىء منها نماذج لكائنات حية من الطير، ثم ينفخ فيها فإذا هى فى عالم الطير ترفّ بأجنحتها، وتسبح فى السماء، شأنها فى ذلك شأن بنات جنسها من هذا العالم. ونسأل: لم لم تكن معجزته أن يصوّر من الطين إنسانا، فينفخ فيه فيكون إنسانا من الناس، فإن الذي يبعث الحياة فى الطين بنفخة منه، لا يعجزه أن يكون الإنسان أحد مخلوقاته، كما يفعل ذلك فى عالم الطير؟ وإنه لو فعل ذلك لكان أظهر لآيته، وأبلغ فى معجزته وإعجازه؟ ولكن لو وقع هذا لكان فتنة للناس.. إذ كيف يعيش مثل هذا الإنسان فى الناس؟ وكيف تطيب له الحياة بينهم؟ وبأية صلة يتصل بهم ولا نسب له فيهم؟ ثم ما شأنه بعد أن تتحقق المعجزة فيه؟ أيظل هكذا معجزة متحركة بين الناس يدورون معه حيث دار، ويتحركون معه حيث يتحرك؟ إنها الفتنة الممسكة بالناس إذن؟ إن شأن المعجزات المادية أن تكون بنت ساعتها، ثم تختفى فلا يرى الناس لها وجها بعد هذا.. إنها أشبه بإشارة ضوئية، تلمع ثم تختفى ليكون للناس نظر فيها، وتقدير لها، وليخلف عليها نظرهم وتقديرهم، وبهذا

يكون البلاء والامتحان.. ولو أن تلك المعجزات المحسوسة ظلت هكذا قائمة تحت بصر الناس لما كان هناك مكان للابتلاء، ولما كان لأحد فضل على أحد فى الإيمان بها، أو الشك فيها، أو الإنكار لها، ولاستقام أمرهم فيها على طريق واحد.. هو طريق الإيمان والتسليم، وعندها لا يكون للإنسان اختيار، ولا يكون إيمانه محسوبا له، إذ كان عن قهر، تحت ضغط هذه المعجزة القاهرة، التي تأخذ عليه كل سبيل إلى الفرار والزيغ! وانظر فى هذا الطائر، الذي كان تحت أعين الناس صورة من الطين، ثم أصبح بتلك النفخة طائرا ينطلق فى سبحات الجوّ.. ثم لا يلبث حتى يتوارى عن الأنظار، كما يلمع البرق ثم يختفى! .. هنا معجزة، ولكنها تحمل فى ثناياها امتحانا وابتلاء، فيؤمن بها من يؤمن، ويشك فيها من يشك، وينكرها ويكفر بها من ينكر ويكفر.. «وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً» (89: يونس) فهكذا تكون المعجزات، لمحة خاطفة، وإشارة عابرة.. فيها نظر لناظر، وعبرة لمعتبر. ومن معجزات المسيح التي يلقى بها بنى إسرائيل، ما عرضه عليهم فى قول الله سبحانه على لسانه: «وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ» . والأكمه من ولد أعمى، وهذا النوع من العمى ليس للطب قديما وحديثا بصر به، ولا عمل فيه، بل هو العجز المطلق حياله.. ومن هنا كان شفاؤه لا يتم إلا بمعجزة متحدية! والبرص مرض خبيث يصيب الجلد، فيذهب بلونه، ويأكل أديمه، كما تأكل

الأرضة لحاء الشجر.. وشأنه شأن الكمه، لا علاج له، ولا شفاء منه.. إلا بمعجزة متحدية! فكان من معجزات السيد المسيح إبراء الكمه والبرص، وإحياء الموتى! وتلك معجزات قاهرة متحدّية، تقف أمامها قوى البشر عاجزة مستخزية. ومن معجزاته التي أجراها الله على يديه أنه يخبر عما غاب من شئون الناس، فيخبرهم بما أكلوا فى يومهم أو أمسهم، وما ادخروا فى بيوتهم من مال ومتاع. ولكنها مع ذلك معجزات، يمكن أن يكون فيها للسفهاء قول، وللمتمارين والمجادلين مما حكات وتعليلات. ولما جاء المسيح إلى بنى إسرائيل بتلك المعجزات، ليفتح قلوبهم إلى الله، وإلى ما يدعوهم إليه من هدى وإيمان، جاءهم مصدقا بالتوراة، وداعيا بما فيها. وهذا أدعى إلى أن يستجيبوا له، ويؤمنوا به، إذ لم يأتهم بجديد، وإنما الجديد فى رسالته، أن يقيمهم على التوراة التي خرجوا عنها، وتأولوا أحكامها تأويلا فاسدا: «وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ» . وأكثر من هذا، فإن المسيح جاء رحمة من رحمات الله بهم. جاء ليرفع عنهم بعض تلك الأحكام التأديبية التي أخذهم الله بها، عقابا لهم ونكالا، بما حرم عليهم من طيبات كانت أحلت لهم، كما يقول تعالى: «فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ» (160: النساء) . فكان من رسالة المسيح إليهم أن يخفف عنهم بعض هذه الأحكام: «وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ» وقوله تعالى «وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ» الآية هنا هى المعجزة التي

الآيتان: (52 - 53) [سورة آل عمران (3) : الآيات 52 إلى 53]

ولد بها عيسى، وجاء إلى هذا العالم بها.. فميلاده على الأسلوب الذي ولد به هو آية من آيات الله، يراها أهل زمانه قائمة بينهم، فيضلّ بها كثيرون، ويهتدى بها كثيرون.. فهو إنما جاء إلى بنى إسرائيل وولد فيهم بآية من آيات الله. وقد ضلّ بها بنو إسرائيل إلا قليلا منهم.. فشنعوا على المسيح وأمّه، ونسبوا البتول إلى الفاحشة، ونسبوا المسيح إلى غير أمه، وجعلوه ابنا غير شرعى ليوسف النجار! قوله تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ» أي اخشوا الله فيما تقولون من بهتان فىّ وفى والدتي، وأطيعون فيما أدعوكم إليه من أمر الله. قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ» هو التعقيب الجامع على ما جرى على يد المسيح من معجزات.. إنى لست إلا عبدا من عباد الله، فأقرّوا لله بالعبودية، كما أقررت له بالعبودية، واعبدوه كما أعبده.. «هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ» من لم يستقم عليه فقد ضل وهلك، ومن استقام عليه اهتدى ونجا.. من كذب بتلك الآيات فهو فى الهالكين، ومن صدّق بها ثم بالغ فيها، فجعل من المسيح إلها فهو من الهالكين! الآيتان: (52- 53) [سورة آل عمران (3) : الآيات 52 الى 53] فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) التفسير: قوله تعالى: «فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ» . أي فلمّا

الآيتان: (54 - 55) [سورة آل عمران (3) : الآيات 54 إلى 55]

استبان له من عنادهم ولجاجهم، ومكرهم بآيات الله ومعجزاته، أنهم لن ينتفعوا بتلك الآيات، ولن يجدوا فيها طريقا يهديهم إلى الحق- لمّا تبين له ذلك من بنى إسرائيل ولمسه لمسا واقعيا، نقض يده منهم، واعتزلهم بمن آمن به، وأخلص الإيمان فى سره وعلنه.. فنادى فى القوم «مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ» فى الانجاء إليه، بنيّة صادقة وقلب سليم؟ فأجابه الحواريون، وهم تلاميذ المسيح وخلصاؤه الأولون، الذين سكنوا إليه، وتركوا كل ما فى أيديهم من أهل ومال: «قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» وكانت عدتهم اثنى عشر حواريّا، بعدد أسباط بنى إسرائيل الاثني عشر. قوله تعالى: «رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ» هذا القول يمكن أن يكون لكل من يستمع آيات الله، وما أنزل على رسوله من كلماته، فيرى فيها نور الحق، ويستروح منها روح اليقين، فيؤمن بالله وبرسوله بالغيب، من غير أن يرى الرسول، أو يستمع إليه، ويقول مع المؤمنين: «رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ» أي اجعلنا فى عداد الذين شهدوا الرسول وآمنوا به، وهذا هو الوجه الأقرب إلى منطق الآية الكريمة.. كما يمكن أن يكون تتمة لمقول القول الذي نطق به الحواريون، إجابة لعيسى عليه السّلام. الآيتان: (54- 55) [سورة آل عمران (3) : الآيات 54 الى 55] وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (54) إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55)

التفسير: قوله تعالى: «وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ» المكر الذي مكره اليهود هو ما بينوه من أمر المسيح، وتدبيرهم التّهم لمحاكمته، وصلبه، وإقامة شهود الزور عليه، بأنه مشعوذ، ومفتر على الله، ومدّع أنه المبعوث ملكا على اليهود.. وقد انتهى أمره معهم إلى أن قدموه للمحاكمة، وشهدوا عليه زورا أمام الحاكم الرومانى «بيلاطس» الذي كان حاكما عليهم، فحكم عليه- حسب شريعتهم- بالصّلب. والصلب لا يحكم به فى شريعة اليهود إلا على من جدّف على الله، وكفر به، وبهذا يستحق اللعنة والطرد من رحمة الله، ومن الدخول فى ملكوته! والصلب هو العقاب الدنيوي المعجّل- عند اليهود- لمن كفر بالله، وهو رمز على تلك اللعنة التي حلّت بهذا الكافر بالله.. وفى التوراة: «ملعون من علّق على خشبة» (تثنية: 21) أي صلب. فالصلب فى حقيقته تجريم دينىّ لمن يحكم عليه به، ولعنة تصحب المصلوب إلى العالم الأخروى، وتأخذ عليه السبيل إلى ملكوت الله! ذلك هو مكر اليهود بالمسيح. كانوا فى شك من أمره.. إذ يرون معجزاته القاهرة تملأ عليهم الزمان والمكان اللذين يحتويانهما.. ولكنهما كانوا- من جهة أخرى- ينتظرون مسيحا مخلصا لهم- حسب تأويلهم لشريعتهم- وكان مسيحهم الذي ينتظرونه على صورة- فى وجدانهم- غير صورة المسيح عيسى، الذي جاءهم.. فمسيحهم الذي ينتظرونه هو ملك يخلصهم من الحكم الأجنبى، ويعيد

إليهم مملكة سليمان ومجده.. والمسيح عيسى بن مريم لم يجئهم إلّا بمملكة سماوية، وهذه المملكة لا يدخلونها إلا إذا خرجوا مما فى أيديهم من هذه الدنيا، من مال وأهل وولد! فما أبعد البون بين مسيحهم الذي يؤملون، وهذا المسيح الذي يكذّبون!! من أجل هذا كانت صدمتهم قاسية حين التقوا بالمسيح، وغلبت عليهم شقوتهم فأنكروه، وأنكروا ما جاء به، ورأوا فى المعجزات التي حملها بين يديه شعوذة وسحرا. وأرادوا أن يقطعوا الشك باليقين فى موقفهم المتردد من المسيح. فليدخلوا إذن فى تجربة مع المسيح. فليصلبوه إذن، وليكن هذا الصلب هو فيصل الحكم فيما بينهم وبينه. إنه يدّعى أنه المسيح، والمسيح الحقيقي لا يصلب ولا يقع تحت اللعنة! وتمضى الأيام بهم، فيزداد عنادهم وإصرارهم كلما زاد شكهم وقوى حدسهم فى أنهم لم يصلبوا المسيح، وإنما صلبوا شخصا يشبهه.. ويظل هذا الخاطر يزعج اليهود، ويبيتهم فى هم وقلق.. حتى يجىء القرآن الكريم، واليهود أعرف الناس به وبصدقه، فيكشف لهم عن وجه الحق سافرا ويقطع الشك باليقين.. فيقول الحق جلّ وعلا: «وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً» (157، 158: النساء) .

وهنا يتجلّى لليهود سوء ما مكروا: «وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ» . لقد دبّروا هذا التدبير السيء، فأبطل الله تدبيرهم، وردّ كيدهم فى نحورهم، وإذا هم وقد أرادوا أن يخرجوا المسيح من ملكوت الله، قد أخرجهم الله من ملكوته، وصبّ عليهم لعنته، وحمّلهم دم نبىّ لم يقتلوه، وقد خيل إليهم أنهم قتلوه! «1» وفى قوله تعالى: «إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا» يتعلق الظرف «إذ» بقوله تعالى فى الآية قبلها: «وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ» أي مكر الله وتدبيره هو خير من مكرهم وتدبيرهم ثم علل لذلك وبينه بقوله: «إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ... الآية» . فقد أوحى الله سبحانه إلى عيسى عليه السّلام بما بيّت الله القوم، ووعده سبحانه بأنهم لن ينالوا منه الذي أرادوا فيه، إذ أنه سبحانه سيوفّيه أجله المقدور له، غير منقوص منه شىء، وأن موته بيد الله لا بأيديهم، وسيرفع الله منزلته عنده، ويجعله من عباده المقربين إليه، ويطهره من اليهود فلا يصلب، ولا تمسه اللعنة، التي أرادوا أن يلبسوه إياها بصلبه! وقوله تعالى: «وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ»

_ (1) سوف نعرض هذه القضية قضية صلب المسيح عند تفسير الآيتين 157، 158 من سورة النساء- ومن أراد دراسة هذه القضية من جميع جوانبها فلينظر فى كتابنا «المسيح فى القرآن» .

الآيتان: (56 - 57) [سورة آل عمران (3) : الآيات 56 إلى 57]

أي أن المؤمنين من أتباع المسيح هم فوق الكافرين إلى يوم القيامة.. وهذا حكم عام فيما بين المؤمنين والكافرين.. فحيث كان مؤمنون وكافرون، فالمؤمنون فوق الكافرين أبدا.. فلا يتساوى المؤمن والكافر فى المركز الاجتماعى فى الدنيا، حيث لا يأكل المؤمن طعام الكافر، ولا يتزوج منه، ولا يزوّجه. فالكافرون فى منزلة دون منزلة المؤمنين أبدا، وإن تساووا فى الآدمية والإنسانية، والله سبحانه وتعالى يقول: «وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» (141: النساء) . وقوله سبحانه: «ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ» . بيان لحكم الله فى الآخرة بين المؤمنين والكافرين، بعد أن بين الله هؤلاء وهؤلاء فيما اختلفوا فيه من الحق.. فالمؤمنون هم أهل الحق، ولهم يحكم الله، والكافرون أصحاب الباطل وعليهم يحكم الله.. وفى الآية وعيد للكافرين ونذير بالعذاب الذي ينتظرهم، وقد حملته الآية الكريمة تلميحا لا تصريحا، ولكنه تلميح يشير بأكثر من إشارة إلى الآيات الكثيرة التي حملت إلى الكافرين أهوال العذاب الذي توعدهم الله به. الآيتان: (56- 57) [سورة آل عمران (3) : الآيات 56 الى 57] فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57)

التفسير: فى هاتين الآيتين بيان لما تضمنه قوله تعالى فى الآية السابقة عليهما: «ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ» وفى هذا الفصل ينكشف الكافرون، ويعرف المؤمنون، ويفرّق بينهما فى الموقف.. كل جماعة فى جهة.. ثم يكون الجزاء لكل من الفريقين حسب عمله.. فأما الذين كفروا فلهم عذاب شديد، ليس له من الله دافع، وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفون أجرهم كاملا، وتتلقاهم الملائكة تزفّهم إلى جنات النعيم. وفى قوله تعالى: «فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ» ما يسأل عنه، وهو: كيف يعذبون عذابا شديدا فى الدنيا، وهم الآن فى الآخرة وفى موقف الحساب؟ والجواب عن هذا، هو أن هذا الوعيد من الله سبحانه وتعالى وعيد قديم، ولكنه يتجدد بتجدد الأزمان والأحداث، فيقع العلم به للمنذرين فى الوقت الذي ينذرون به، لا يوم القيامة والحساب.. وفى قوله تعالى: «وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ» ما يسأل عنه أيضا.. إذ كيف يتناسب هذا، بعد قوله تعالى: «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ» ؟ والجواب عن هذا، هو أن المؤمنين قد بشّروا به فى قوله تعالى: «فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ» وأنهم قد اطمأنوا إلى هذا الوعد الكريم، ونعموا به، وإن نعيمهم ليتضاعف حين ينظرون إلى أصحاب النّار وما يلاقون فيها من عذاب الهون، فيسبّحون بحمد الله إذ نجاهم من هذا البلاء، وغمرهم بفضله ونعمه- إن المؤمنين وهم فى تلك الحال ليسألون عن عذاب أهل العذاب،

وما الذي أوردهم هذا المورد الوبيل، فيقال لهم: «وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ» أي أن هؤلاء الذين يتقلبون فى النار، إنما هم من الذين ظلموا أنفسهم، بأن حجبوها عن الإيمان، وسبحوا بها فى ظلمات الكفر والضلال، فهم إذن ظالمون. «وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ» . ولن ينال رضا الله، وينعم بنعيم جناته إلّا من رضى عنه وأحبّه! ومما يسأل عنه فى هاتين الآيتين: كيف جاء الوعيد للذين كفروا فى صيغة المتكلم فى قوله تعالى: «فَأُعَذِّبُهُمْ» على حين جاء الوعد للذين آمنوا فى صيغة الغائب فى قوله سبحانه: «فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ» . والجواب، هو أن الذين كفروا لم يؤمنوا بالله، بل ولم يعترفوا بوجوده، ومن هنا فإنهم لا يعرفونه، ولا يتصورون له وجودا.. فكان من المناسب لتلك الحال أن يسمعهم الله صوته، وأن يواجههم بالجريمة التي اقترفتها أيديهم، ويلقاهم بالعذاب الذي هم أهل له.. وهذا أبلغ فى إلفات الكافرين إلى ما هم فيه من غفلة وضلال، إذ يرون عذاب الله عيانا، فى هذا النذير الذي ينذرهم الله مواجهة به، «وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ» (47: الزمر) أما المؤمنون فشأنهم مع الله على غير هذا.. إن الله معهم دائما يملأ قلوبهم، ويعمر حياتهم، ويرون قدرته وحكمته فى كل ما تتصل به حواسهم، أو يتصوره خيالهم.. ومن ثم فإن ما بينهم وبين الله من معرفة لا يحتاج إلى إعلان.. إنهم آمنوا بالله عن غيب، وصدّقوا ما جاءهم به الرّسل من عند الله، فكان من المناسب لحالهم تلك أن يخاطبوا من الله بصيغة الغيبة.. تلك الغيبة التي هى حضور جلىّ فى قلوبهم، وظهور باد فى كل ما أبدع الله وصوّر!

آية: (58) [سورة آل عمران (3) : آية 58]

آية: (58) [سورة آل عمران (3) : آية 58] ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) التفسير: قوله تعالى: «ذلِكَ» إشارة إلى ما تقدم مما ذكر الله سبحانه من أخبار المسيح، وموقف اليهود منه، ومكرهم، ومكر الله بهم.. وما يلقى الكافرون بالله وبرسله من عذاب ونكال، وما يجزى به المؤمنون بالله من رضى ورضوان.. وقوله تعالى: «نَتْلُوهُ عَلَيْكَ» أي ذلك الذي ذكرناه لك هو متلوّ عليك من آيات الله ومن الذكر الحكيم، أي القرآن الذي هو مجمع آيات الله المتلوّة عليك. والمعنى أن ما يتلى عليك هو آيات من آيات الله المسطورة فى القرآن الكريم، الذي ينزل عليك آية آية، أو آيات آيات، فيها عظة وذكرى، وعبرة وحكمة. آية: (59) [سورة آل عمران (3) : آية 59] إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) التفسير: كثر الخلاف فى المسيح عليه السلام، لأن ميلاده كان على صورة فريدة، لم يولد بها أحد من قبله.. وكان الناس فى هذا الميلاد شيعا وفرقا، كل شيعه تقول فيه قولا، وكل فرقة تذهب فيه مذهبا!

أما اليهود، فقد ارتضوا الجريمة مركبا، فقتلوا أنفسهم، وقتلوا الحق معهم.. وقالوا فى المسيح إنه ولد كما يولد الناس، من ذكر وأنثى.. وإن كان ميلاده على فراش الإثم والفاحشة.. لأنه ابن زنا! وأما أتباع المسيح، فقد قصرت مداركهم عن إدراك قدرة الله، فلم تحتمل عقولهم تلك الحقيقة، وهى أن الله قادر على كل شىء، يخلق ما يشاء، مما يشاء، وكيف يشاء! فقالوا: إن المسيح هو الله تجسد بشرا فى جسد عذراء.. وإذن فهو ميلاد صورىّ، لأنه لم يولد إلا الله نفسه، الذي كان موجودا بكماله الإلهى قبل هذا الميلاد! وإذن فلا مسيح، وإنما هو الله تسمّى باسم بشرى، كما لبس صورة بشرية.. وإذن فهى عملية أشبه بعملية الحلول التي آمن بها كثير من قدماء المصريين، والبراهمة، وغيرهم من الأمم.. فكما كان يحلّ الله فى ثور، أو تمساح، أو شجرة، أو رجل.. حلّ فى جسد طفل، وخرج وليدا من بطن امرأة. وأما المسلمون، فقد جاءهم القرآن بالخبر اليقين عن المسيح.. إنه خلق من خلق الله، وإنه إنسان من الناس، ولد بنفخة من روح الله، كما ولد هذا الوجود كله بفيض من فيض الله! وأقرب مثل لهذا. آدم- عليه السّلام- إنه خلق من غير أب أو أم.. خلق من تراب هامد، لا أثر للحياة فيه.. وعيسى- عليه السّلام- خلق مولودا من كائن حىّ، هى أمّه، فأيهما أشدّ غرابة فى الخلق؟ الذي خلق من تراب هامد، أم الذي تخلّق من جسد حىّ؟ وفى قوله تعالى: «ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» ما يسأل عنه.. وهو: كيف يقول الله للشىء كن، ثم لا يكون واقعا فى الحال، كما يدل على ذلك قوله تعالى: «فَيَكُونُ» التي تدل على المستقبل المتراخى، ولو كان ما أمر الله به

واقعا فى الحال، لكانت صياغة الآية على غير هذا، ولكانت تلك الصياغة مثلا: «ثم قال له كن فكان» .. فكيف يكون هذا؟ وهل أمام قدرة القادر العظيم حواجز وحوائل، تحول بين القدرة وبين إمضاء ما قدرت، على الفور، وفى الحال؟ والجواب على هذا.. هو أنّ قول الله للشىء «كن» لا يقتضى وقوع هذا الشيء فى الحال، إذ قد يكون الأمر موقوتا بوقت، أو متعلقا بأسباب، لا بد أن يقترن حدوثه بها، وهذه الأسباب لا متعلّق لها بقدرة الله، وإنما متعلّقها بالشيء ذاته، الذي دعته القدرة إلى الظهور، والذي قضت حكمة الله ألا يظهر إلا بعد أن يستكمل أسبابه المقترنة به.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (82: يس) . فمثلا مما سبق علم الله به، واقتضته إرادته إيجاد، شىء ما، وليكن هذا الإنسان أو ذاك.. إن أمر الله قد صدر من قديم لهذا الإنسان أن يكون، على صورة كذا، وهيئة كذا، وأن تحمل به أمه فى يوم كذا، وأن يولد فى يوم كذا.. وهكذا.. بل وأكثر من هذا.. فإنه قبل ذلك بآلاف السنين، بل وآلاف الآلاف منها.. تنقّل هذا الإنسان فى أصلاب الآباء وترائب الأمهات إلى أن التقى أبوه بأمه، فى الزمن المحدد واليوم الموعود! .. وهكذا الشأن فى كل موجود.. إنه تنقل فى موجودات سبقته، وتقلّب فى أحوال وأطوار حتى صار إلى ما صار إليه.

وفى خلق آدم، وفى قول الله سبحانه وتعالى فيه: «خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» . ما يكشف عن وجه واضح من وجوه الإعجاز القرآنى، وذلك الإعجاز الذي يطالع الناس فى كل آية من آياته، الراصدة لأحداث الحياة، وتطور العقل البشرى، المتحدية للإنسانية فى كل جيل من أجيالها، وفى كل وجه من وجوهها. وانظر فى وجه هذه المعجزة، على ضوء ما كشف العلم الحديث، من علم الأحياء، ونظرية النشوء والارتقاء- فإنك ترى عجبا من العجب. فى نظم القرآن الكريم، وما يحمل هذا النظم من أسرار وغيوب. إن آدم- ونعنى به الإنسان- لم يخلق من تراب خلقا مباشرا، بمعنى أن الله سبحانه قبض قبضة من تراب، فقال لها كونى آدم- أي إنسانا- فكانت.. ولو شاء الله سبحانه هذا لكان كما شاء وأراد.. ولكنه- سبحانه- خلق آدم خلقا متطورا، كما يخلق الشجرة العظيمة- مثلا- من بذرة، وكما يخلق الرجل المكتمل من نطفة! لقد تنقّل آدم- ونقول الإنسان- فى أطوار كثيرة لا حصر لها، كما يقول سبحانه: «ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً» (14: نوح» وكما يقول سبحانه فى هذه السورة: «وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً» (17: نوح) . فآدم الذي هو أول إنسان ظهر على هذه الأرض- قد كان ترابا.. ثم تخلّق من هذا التراب أول جرثومة للحياة، هى أدنى مراتب النبات، فى عالم الطحالب.. ثم تدرجت الأحياء فى هذا العالم النباتي إلى مداها، فكان منها النخل الذي هو قمة هذا العالم النباتي، ثم بدأت جرثومة العالم الحيواني فى الإميبيا

والمحّار، والإسفنج.. وذلك فى أدنى مراتب هذا العالم الذي نما صعدا حتى بلغ مداه فى فضائل القردة، التي بدأت تطل من وجهها صورة باهتة للإنسان «آدم» ثم أخذت هذه الصورة تتضح قليلا قليلا، وتنضج فى بوتقة الزمن على مهل.. حتى كان اليوم الذي أطل منه وجه «آدم» ، ممثلا فى إنسان الغاب. وكان هذا الآدم هو باكورة ثمار هذه الشجرة التي امتدت جذورها فى أعماق الأرض! واقرأ الآية الكريمة مرة أخرى: «كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ.. ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ.. فَيَكُونُ» . وقس أبعاد الزمن فى ذبذبات تلك الكلمة المعجزة.. «فيكون» . فإنه لو انكشف لك من العلم هذا المقياس الذي تقاس به ذبذبات الكلمات- لاهتديت إلى ذلك الزمن الذي تم فيه خلق آدم، وتنقله من طور إلى طور.. من التراب.. إلى النبات.. إلى الحيوان.. إلى الإنسان، ولوضعت يدك على العدد الصحيح من ملايين السنين التي قطعها «آدم» فى رحلته الطويلة عبر الزمن، حتى كان هذا «الآدم» !! إن «آدم» ليس غريبا عن هذا العالم الأرضىّ الذي يعيش فيه، والذي استولى عليه بسلطان العقل.. فهو ثمرة من ثمراته.. إنه من تراب هذه الأرض. واقرأ مع هذا قول الله تعالى: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ» (4: البلد) قوله سبحانه: «وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ.. يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (45: النور) وقف عند قوله

الآية: (60) [سورة آل عمران (3) : آية 60]

تعالى: «فَمِنْهُمْ.. وَمِنْهُمْ.. وَمِنْهُمْ» إنهم هم آدم، وأبناء آدم، ينتقلون فى أصلاب هذه الكائنات وأرحامها، فى ملايين السنين. الآية: (60) [سورة آل عمران (3) : آية 60] الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) التفسير: قوله تعالى: «الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ» أي هو الحقّ من ربّك، ذلك الذي حدّثك به من أمر عيسى- عليه السّلام- وأنه خلق من خلق الله، وعبد من عباده، إنه كلمة الله ألقاها إلى مريم وروح منه.. فليس هو ابن زنا- كما يتخرص اليهود- وليس هو الإله ولا ابن الإله- كما يزعم النّصارى، وإنما هو من حدّثك الله به، في كلماته التي أنزلها عليك.. وهى الحق، نزل من عالم الحق.. فلا مرية فيه، ولا جدال معه. والامتراء: هو الشك: وفى هذه الآية تثبيت للنبيّ فى أمر المسيح، وفى حقيقته.. حيث لا التفات إلى أية مقولة أخرى تقال فيه، بعد قول الحق الذي قاله الله رب العالمين. الآية: (61) [سورة آل عمران (3) : آية 61] فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (61) التفسير: لقد عاشت أجيال النصارى نحو سبعة قرون قبل مبعث النبي الكريم، وهم على هذا المعتقد فى المسيح- عليه السّلام- وأنه هو الله، تجسد فى بطن عذراء!

وإنه لمن العسير أن يتخلّصوا من هذا المعتقد الذي دانوا به، وأقاموا له بناء ضخما من المنطق العاطفى، الذي امتزج بتفكيرهم، واختلط بمشاعرهم.. وهيهات- والأمر كذلك- أن يستمعوا إلى قول يخالف ما قالوا، وأن يتصوّروا المسيح على غير الصورة التي انطبعت فى كيانهم. وإذن، فالحديث إليهم بمنطق العقل لا يجدى شيئا، وإقامة البراهين والحجج بين أيديهم لتفنيد ما زعموا، سيلقونها ببراهين وحجج، وإنه لا محصّل لهذا إلّا المماحكة والجدل، واتساع شقة الخلاف والخصام. وإذ كان الأمر كذلك، فلا جدال مع أتباع المسيح فيما يقولون فيه.. فإن جاءوا إلى النبىّ الكريم يجادلونه ويحاجّونه، فلا يلقاهم النبي بجدال وحجاج، إذ خرج الأمر فيه عن العقل ومنطقه، عند أتباعه، وصار إلى الوجدان والعاطفة.. فليكن مقطع الحق فى هذا الموقف، أن يصار فيه إلى الأسلوب العملىّ الملموس الذي يجابه الحواس، ويؤثّر آثاره فيها، بحيث يعلق الأثر بمن وقع عليه، ويجد مذاقه.. الحلو أو المرّ، فى نفسه. وجاء وفد من نصارى نجران، بعد أن أداروا الأمر فيما بينهم، وأعدوا له العدة- جاءوا يحاجّون النبىّ فى «المسيح» بما عندهم من مقولات فيه، وهم يريدون أن يسقطوا ما تلقّى النبىّ من كلمات الله فى المسيح وفى أمّه، وبذلك تسقط دعوى النبىّ كلها بأنه رسول من عند الله، وأن ما بين يديه من قرآن هو من عند الله. وأخذ النبىّ- كما أمره الله- الطريق عليهم، فدعاهم إلى أن يدخلوا معه فى تجربة عملية، هى أبلغ من كل قول، وأقوى من كل حجة.. «تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا

الآيتان: (62، 63) [سورة آل عمران (3) : الآيات 62 إلى 63]

وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ» ولقد خرج النبي الكريم بنفسه، وبابنته فاطمة، وولديها الحسن والحسين، وبنسائه جميعا.. وطلب إلى هذا الوفد أن يلقوه بأنفسهم، وبأبنائهم وبنسائهم، وأن يبتهلوا جميعا- هو ومن معه، وهم ومن معهم- إلى الله: أن يجعل لعنته على الكاذب من الفريقين، فيما يقول عن عيسى من مقولات! وتدبّر الوفد الأمر فيما بينهم، وأداروه على جميع وجوهه، ونظروا إلى أنفسهم، وإلى أبنائهم ونسائهم، فرأوا أن الأمر قد صار إلى الجدّ، وأنهم مبتلون فى أنفسهم وأهليهم، وهنا أعادوا النظر فيما بين أيديهم من أمر المسيح، فرأوا أن حجتهم واهية، وأن يقينهم الذي استيقنوه منه، مشوب بشك يكاد يغلب هذا اليقين، وبدا لهم أن مصرعهم وشيك هم وأهليهم إن هم باهلوا النبي، وأن دعوتهم على أنفسهم باللعنة إن أخطأتهم، فلن تخطئهم دعوة النبي، التي لا ترد.. فتركوا ما جاءوا له، وعادوا من حيث أتوا، وفى قلب كلّ منهم وسواس، وفى كيانه صراع عاصف، بين الحق الذي رآه، والباطل الذي يعيش فيه. الآيتان: (62، 63) [سورة آل عمران (3) : الآيات 62 الى 63] إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63) التفسير: إن الذي يقصّه القرآن الكريم من أحداث ومواقف، هو القصص الحق، لأنه منزل من الحق سبحانه وتعالى.. ومن الحق الذي تحدث به القرآن: أنه لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأن القول بأن مع الله آلهة أخرى، أو أن

الآية: (64) [سورة آل عمران (3) : آية 64]

لله ولدا، أو زوجا- هو كذب مبين، وبهتان عظيم.. وإن من صفات الله إلى جانب تفرده بالألوهية، تفرده كذلك بالعزة والحكمة.. وإن عزته ليست عزة جبرية وتسلط، وإنما هى عزة قائمة بالحكمة والعدل. هذا هو إيمان المؤمنين بالله، وذلك هو وصفهم له.. فإن آمن به أهل الكتاب على تلك الصفة، فقد اهتدوا ورشدوا، وإن تولوا فقد ضلوا وتعسوا. وقوله تعالى: «فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ» وعيد لأولئك الذين أبوا أن يستمعوا إلى قوله الحق، وأن يستجيبوا لما يدعوهم الرسول إليه من الحق.. فوقوعهم تحت علم الله يكشف مستورهم، ويفضح أعمالهم، ويسجل جرائمهم التي سيجزون عليها.. ثم إن وصفهم بالمفسدين حكم بالإدانة عليهم، وبأنهم- بعد كفرهم- قد أصبحوا فاسدين ومفسدين، ومن كانت تلك صفته فالنار أولى به، وبئس المصير. الآية: (64) [سورة آل عمران (3) : آية 64] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) التفسير: هذه دعوة عادلة إلى أهل الكتاب.. يدعوهم فيها رسول الله، إلى كلمة يجتمع عليها المسلمون وأهل الكتاب، تلك الكلمة هى: «أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ» فالتوحيد الخالص لله، توحيدا مصفّى من كل ضلالات الشرك وأوهامه- هو مضمون تلك الكلمة ومحتواها.

الآيتان: (65، 66) [سورة آل عمران (3) : الآيات 65 إلى 66]

وقوله تعالى: «وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ» هو تعريض بأتباع المسيح الذين اتخذوا المسيح- وهو بعض الناس- اتخذوه إلها من دون الله.. فالمسيح هو إنسان من الناس، فكيف يتخذ الناس بعضهم أربابا وآلهة؟ إنه مهما بلغ تقديرنا وإعزازنا لبعض الناس منا، فإن ذلك لا يخرج بهم عن دائرة الإنسانية، ولا يخرج بنظرنا إليهم عن الحدود البشرية، وإن وضعناهم على الذروة منها. وقوله تعالى: «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» إلفات للمسلمين إلى ما بين أيديهم من حقّ، فى تلك الكلمة التي دعوا أهل الكتاب إليها.. فإن أباها أهل الكتاب، وأعطوها ظهورهم، فإن على المسلمين أن يؤذّنوا بها فى أسماع العالمين، وأن يملئوا أفواههم وقلوبهم بها، وأن يقولوها صريحة مدوية، بمحضر من هؤلاء الذين صمّوا آذانهم عنها، وأمسكوا ألسنتهم عن النطق بها.. وإشهاد أهل الكتاب على إيمان المؤمنين، هو شهادة عليهم، وحجة قائمة على موقفهم العنادىّ من دعوة الحق. الآيتان: (65، 66) [سورة آل عمران (3) : الآيات 65 الى 66] يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (65) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (66) التفسير: ينكر الله سبحانه وتعالى على أهل الكتاب- من اليهود والنصارى- دعواهم فى إبراهيم عليه السّلام، إذ تدّعى اليهود أنه على دين اليهودية، وأن اليهود على دينه، كما يدّعى النصارى أنه كان على النصرانية،

وأنهم على دين إبراهيم! وقد كثر جدلهم وحجاجهم فى هذا.. فكان أن أنكر الله على الفريقين دعواهم.. «لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ» فكيف يدين إبراهيم بالتوراة والإنجيل وقد سبقهما بزمن طويل؟ وليست التوراة إحالة على دين إبراهيم، حتى يكون ما عليه اليهود هو دين إبراهيم، وإنما جاءت التوراة بشريعة خاصة لليهود، وإن كانت الشرائع كلها مستمدة من مصدر واحد.. ولكن لكل دين شريعة خاصة بالجماعة المدعوة إلى هذا الدين، قال الله تعالى: «لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً» (48: المائدة) . وكذلك الشأن فى الإنجيل، إذ ليس فيه شريعة، وإنما شريعة أتباع الإنجيل هى التوراة! وفى قوله تعالى: «أَفَلا تَعْقِلُونَ» تعريض بأهل الكتاب، وبغلبة التعصب الذي أعمى بصائرهم عن النظر فى البديهيات، فضلا عن المشكلات. وقوله تعالى: «ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ» هو استدعاء لموقف أهل الكتاب وفيما يجادلون فيه، مما فى أيديهم من التوراة والإنجيل عن المسيح، وأمه، ومولده ومعجزاته، وصلبه.. فهذا الموقف على علّاته، وما فيه، من مقولات باطلة، هو أصح من موقفهم الجدلىّ فى إبراهيم عليه السّلام، وفى يهوديته ونصرانيته، إذ كان الموقف الأول يستند إلى شىء.. أي شىء، على حين أن الموقف الآخر لا يستند إلا على خواء!! وقوله تعالى: «وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» إفحام لهؤلاء الذين يتقوّلون بغير علم، وإخراس لألسنتهم التي تجادل بالزور والبهتان.. فليس لهم مع قول الله قول، وليس لهم مع علمه علم.. فالله يعلم علما مطلقا محيطا بكل شىء.. وهم لا يعلمون من علم الله شيئا!

الآية: (67) [سورة آل عمران (3) : آية 67]

الآية: (67) [سورة آل عمران (3) : آية 67] ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) التفسير: هذا هو إبراهيم- عليه السّلام- وذلك هو دينه.. «ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» وقوله تعالى: «وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً» تعريض بما عليه أهل الكتاب- اليهود والنصارى- من انحراف عن الدين القويم، الدّين الذي جاء به أنبياء الله إلى عباد الله! والحنيف هو المتعبد لله، الراكع الساجد لعزته وجلاله، المائل عن طرق الهوى والضلال.. والمسلم، هو من أسلم وجهه لله، وأقامه عليه وحده، دون أن يلتفت إلى سواء. واليهود والنصارى، لم يسلموا وجههم لإله واحد، قائم على هذا الوجود، متفرد به.. إذ جعل اليهود إلههم إلها فرديّا، هو ربّهم، وقائد جنودهم، وقائم على تدبير شئونهم.. هم وحدهم.. أما الناس جميعا غيرهم، فلهم إلههم أو آلهتهم..! ولا شأن لهذا الإله أو تلك الآلهة باليهود، كما لا شأن لليهود بها.. هكذا يعتقدون.. أما النصارى فإلههم هو ثلاثة: أب، وابن، وروح قدس.. تجتمع وتتفرق.. فإذا اجتمعت كانت إلها واحدا، وإذا تفرقت كان كل منها إلها كاملا.. وهذا وذاك، على غير الحق، وعلى غير ما يدين به إبراهيم، الذي ينسبون دينهم إليه.. لأن ذلك شرك، والله تعالى يقول فى إبراهيم: «وَما كانَ مِنَ

الآية: (68) [سورة آل عمران (3) : آية 68]

الْمُشْرِكِينَ» فكيف ينتسب إليه المشركون؟ وكيف تصحّ تلك النسبة، أو تستقيم على وجه؟ الآية: (68) [سورة آل عمران (3) : آية 68] إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) بعد أن أبطل الله سبحانه دعوى اليهود والنصارى بنسبتهم إلى إبراهيم، الذي يدينون بغير ما كان يدين به، من توحيد الله، توحيدا خالصا مطلقا- بيّن الله سبحانه- من هم أولى الناس بإبراهيم وبالانتساب إليه، وبوصل دينهم بدينه.. وإن أولى الناس بتلك النسبة لهو النبي صلّى الله عليه وسلّم والذين آمنوا.. إذ كان دين محمد هو الإسلام لله، والإقرار بوحدانيته، وكذلك إيمان المؤمنين بمحمد.. فكل من كان على إيمان بالله كهذا الإيمان فهو أحقّ الناس بإبراهيم، وأقربهم نسبا إليه. وفى قوله تعالى: «وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ» مع ما فيه من فضل سابغ على المؤمنين بولاية الله لهم، وضمّهم إلى جناب رحمته، فيه زجر لأهل الكتاب وتشنيع عليهم، وطرد لهم من ولاية الله لهم، ومن قبولهم فى المقبولين من عباده المؤمنين: «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» (257: البقرة) .

الآية: (69) [سورة آل عمران (3) : آية 69]

الآية: (69) [سورة آل عمران (3) : آية 69] وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (69) التفسير: الشرّ يعمل دائما على أن يتحكّك بالخير، وأن يدير وجهه إليه، ليرصد كل حركاته وسكناته، وذلك ليطمئن على وجوده القائم على الباطل، وحتى يطفىء تلك الشعاعات المضيئة المسلطة عليه من الحق، والتي تهدده بفضح موقفه وسوء مصيره. وهكذا أهل الباطل والضلال دائما، فى كل أمة، ومن كل جيل، يهاجمون الحق فى كل سانحة تسنح لهم، ويدبّرون له العدوان حيث وجدوا إلى ذلك سبيلا.. لأنهم يستشعرون أنهم مهددون بالضياع، وأن تلك الخيوط الواهية التي تشدّهم إلى الباطل، وتقيمهم على الضلال، هى فى معرض الانحلال والتفكك، لأدنى لمسة تلمسها بها يد الحق! فهم بهذه المحاولات التي يتهجمون بها على مواطن الحق إنما يريدون أن يدفعوا خطرا- متوهّما أو متحققا- يطلّ عليهم من آفاق الحق ومواطنه. وقد كشف الله سبحانه وتعالى فى القرآن الكريم كثيرا من مكايد أهل الكتاب، وما يدبرون للمسلمين من شر، وما يبيّتون من عدوان. والسلاح الأول الذي يعتمد عليه أهل الكتاب- وخاصة اليهود- فى المعركة التي يدبّرونها مع الإسلام، هو التشكيك فى رسالة الرسول، وفى الكتاب الذي نزل عليه.. ذلك أنهم لو كسبوا المعركة فى هذه الميدان، لأغناهم

ذلك عن لقاء الإسلام والمسلمين فى أي ميدان آخر.. حيث لا يكون إسلام ولا مسلمون، متى قام الدليل على بطلان دعوة «محمد» وبطلان ما نزل عليه من عند الله. ذلك هو تقدير بعض أهل الكتاب، وهو فى ذاته تقدير سليم لو أنه صادف النبىّ والكتاب الذي نزل عليه، كما توهموا وقدروا.. ولكن، فى كل مرة ساق فيها أهل الكتاب كيدا إلى النبي وإلى القرآن، رجمتهم صواعق الحق، فولوا مدبرين، يجرّون ثوب الخزي والخسران. وفى قوله تعالى: «وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ» ما يكشف عن بعض هذه النوايا الخبيثة، التي تنطوى عليها بعض النفوس الضالة من أهل الكتاب.. إنهم يريدون أن يفسدوا على المسلمين دينهم، وأن يقيموهم منه على الشك، بما يتأوّلون لهم من متشابه القرآن، وما يصدرون لهم من شبهات، يحيكونها من خيوط البهتان والضلال.. فبهذا إنما هم يضلّون أنفسهم، إذ اتخذوا الضلال مركبا، والزور طريقا، والجدل سلاحا، فى تلك المعركة التي اشتبكوا فيها مع الإسلام والمسلمين.. إنهم قد خسروا أنفسهم من أول الطريق، إذ كانوا على ضلال وفى ضلال.. فإن كسبوا المعركة واستطاعوا أن يضلوا غيرهم، فحسبهم من الغنيمة أنهم خسروا معها أنفسهم مرتين.. مرة قبل المعركة ومرة بعدها! وقوله تعالى: «وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ» قد قصر الضلال عليهم وحدهم فى سعيهم الذي سعوه لإضلال المؤمنين.. وهذا يدعونا إلى أن نسأل: كيف يقصر الضلال عليهم وحدهم، مع أنه من الممكن أن يكونوا قد أضلّوا غيرهم، بما فعلوا حين احتكاكهم بضعاف الإيمان، ممن أسلموا ولمّا يدخل الإيمان فى قلوبهم، من الأعراب وغيرهم.. فكيف هذا؟

الآيتان: (70 - 71) [سورة آل عمران (3) : الآيات 70 إلى 71]

والجواب على هذا، هو أن هؤلاء الضالين من أهل الكتاب، إذ يسعون إلى إضلال غيرهم الذين استقام طريقهم على الهدى- هؤلاء إنما يضلون أنفسهم، أي يغرقونها فى الضلال، وأما هؤلاء الذين أغواهم هؤلاء الضالون، وأركبوهم معهم مركب الضلال، فإنهم عبء جديد يثقل هؤلاء الضلال، ويغلظ جريمتهم، ويضاعف إثمهم.! فالواقع- والأمر كذلك- أنهم لم يضلّوا إلا أنفسهم، فيما سعوا فيه، من إضلال غيرهم، وأنهم حملوا فوق ظهورهم أوزار هؤلاء الذين أضلوهم.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ» (24، 25: النحل) . الآيتان: (70- 71) [سورة آل عمران (3) : الآيات 70 الى 71] يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) التفسير: بعد أن كشفت الآية السابقة عن بعض النوايا السيئة التي يعيش فيها فريق من أهل الكتاب، الذين يتربصون بالمؤمنين، ليضلّوهم، وليفسدوا عليهم دينهم الذي ارتضوا- بعد هذا التفت- سبحانه- إلى هؤلاء الضّالين المضلّين من أهل الكتاب، وخاطب فيهم أهل الكتاب جميعا، إذ كان هؤلاء هم علماؤهم وأهل الكلمة فيهم.. فقال سبحانه: «يا أَهْلَ الْكِتابِ» أي يأمن منّ الله عليهم بكتاب من عنده،

الآية: (72) [سورة آل عمران (3) : آية 72]

فيه رحمة وهدى ونور، فكفروا هذه النعمة، وعموا عن هذا الهدى والنور اللذين يشعّان منها: «لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ» أي وأنتم تشهدون ما فى آيات الله من عبر وعظات، وما فيها من دلائل على قدرة الله، وحكمته، وعلمه.. إنها تنطق بالحق لو وجدت من يسمع، وإنها لتشعّ بالنور لو وجدت من يبصر.. «يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ» ونداؤهم مرة أخرى ونسبتهم إلى الكتاب توكيد لهذه التذكرة، إن كانوا ممن يتذكرون.. وفى قوله تعالى: «لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ» عرض لبعض أفاعيلهم وفضح لما هم فيه من ضلال.. إنّهم يلبسون الحق بالباطل، أي يغطّون وجه الحق، ويسترونه بدخان الباطل والضلال، فيشتبه على الناس وجه الحق، وتتفرق بهم السبل إليه.. وإنهم ليكتمون الحقّ الذي يعرفونه من أمر محمد والقرآن الذي نزل عليه، وليس ذلك الكتمان عن جهل، وإلا لكان لهم ما يعذرون به، ولكن كتمانهم هذا عن علم ومعرفة، وتلك هى مصيبة المتكبرين، وآفة الحاسدين، الحاقدين. «وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» ؟ الآية: (72) [سورة آل عمران (3) : آية 72] وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72)

التفسير: من مكر بعض الطوائف من أهل الكتاب، وكيدهم للإسلام والمسلمين، تلك التجربة التي أرادوا أن يفسدوا بها على المسلمين دينهم، وأن يدخلوا الشك عليهم من جهته، وهذه الطائفة هى من جماعة اليهود، الذين يكيدون للإسلام ويتربصون به. وانظر كيف سوّلت لهم أنفسهم، وإلى أين قادهم الحقد ودفع بهم الحسد؟ لقد ائتمروا فيما بينهم، وتخيروا جماعات منهم يدسونهم فى الإسلام، ويدخلونهم مع المسلمين، على حساب أنهم دخلوا فى الإسلام، وصاروا من المسلمين.. هذه هى المرحلة الأولى من مراحل التجربة.. وإذا دخلت هذه الجماعة فى الإسلام، وحسبت فى المسلمين، فإن لها أن تحدّث عن الإسلام، وأن تقول قولتها فيه، وفيما وجدت منه! وماذا لو أنّها قالت فى الإسلام قولة السوء؟ وماذا لو رمت الإسلام بكل نقيصة ومعيبة؟ أليست لسانا من ألسنة المسلمين؟ وأليس ما تقوله عن علم وتجربة؟ ومن ذاق عرف، كما يقولون؟ إن ذلك من شأنه أن يحدث اضطرابا وحلخلة فى المجتمع الإسلامى، وأن يثير شكوكا فى قلوب الضعفاء والجهلة، وعند من لم ترسخ أقدامهم بعد على طريق الإسلام. ذلك ما قدره أصحاب هذه «اللعبة» لتجربتهم الصبيانية تلك.. وقد جاء أمرهم على غير ما قدروا ودبّروا! فبدلا من أن يثيروا البلبلة والاضطراب فى محيط الإسلام والمسلمين، وقع الاضطراب والبلبلة فى جماعتهم هم، وإذا كثير من هؤلاء الذين أرسلوهم ليكونوا كلاب صيد فى حمى الإسلام،

الآيتان: (73 - 74) [سورة آل عمران (3) : الآيات 73 إلى 74]

صادهم الإسلام، وعلقوا فى حباله.. فما أن عاش بعضهم فى الإسلام ساعات حتى استولت عليه روح الإسلام، وطردت من كيانه نوازع الزيغ والضلال، فدخل فى الإسلام عن يقين، بعد أن كان قد غشى حماه للكيد والإفساد.. ومن غلبت عليه شقوته من كلاب الصيد هذه، فلم يدخل الإسلام ولم يعتقده، عاد إلى جماعته مثخنا بالجراح، فلم يصبح مسلما، ولم يعد كافرا.، بل تحوّل إلى منافق، يتردد أمره بين الإيمان والكفر..! من أجل هذا كان من وصاة تلك الجماعة المتآمرة، لمن ترسلهم من كلاب الصيد هذه- كانت وصاتهم لهم: «وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ» يحذّرونهم من أن يلقوا أسماعهم إلى المسلمين، وأن يفتحوا قلوبهم إلى ما يحدّثونهم به من الإسلام، وإلا ساءت العاقبة، وفسد التدبير! وقد شاء الله أن تسيىء العاقبة، عاقبة تلك الجماعة المتامرة، وأن يفسد تدبيرها. ويسوء مصيرها. فتعلو كلمة الإسلام، ويموت الشانئون والكائدون، غيظا وكمدا! الآيتان: (73- 74) [سورة آل عمران (3) : الآيات 73 الى 74] وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74) التفسير: فى قوله تعالى: «قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ» رد على أولئك الذين اعتقدوا أنهم على الحق، وهم الضالون المضلون. ولم يقع فى تصورهم أن

يكون لله سبحانه وتعالى فضل على غيرهم، أو أن يؤتى- سبحانه- أحدا غيرهم كتابا، كما أتاهم كتابا، فمكروا به وحرّفوه. لهذا أمر الله نبيّه- عليه السّلام- أن يبطل هذا التصور الفاسد الذي تصوروه، وأن يقول لهم كلمة الحق التي ألقاها الله إليه: «إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ» أي إن الهدى هو ملك لله، لا ملك لأحد معه فيه، وأنه نعمة من نعمه، ورزق من أرزاقه، يضعه حيث يشاء، ويهدى به من يشاء، وأنه ليس محبوسا على اليهود وحدهم، مقصورا عليهم، لا ينال منه أحد غيرهم.. وفى قوله تعالى: «أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ» ما يكشف عن ظن اليهود بأنفسهم، وأنهم فوق العالمين، وأن الله هو ربّهم وحدهم، وأن رحمته ونعمته لا تنزلان إلا عليهم، وهم لهذا ينكرون كل نعمة تصيب غيرهم، وكل فضل يناله سواهم. كما يقول الله سبحانه وتعالى عنهم «وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً، حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ» (109 البقرة) ويقول سبحانه فيهم: «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» (54: النساء) المصدر المؤول من أن وما بعدها فى قوله تعالى: «أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ» هو معمول للام التعليل المتعلق بفعل محذوف قبله، تقديره: فلا تقتلوا أنفسكم حسدا لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ركبتم الضلال وعميتم عن الحق، وفقدتم عقولكم فأهلكتم أنفسكم؟ وقوله تعالى: «أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ» معطوف على قوله تعالى «أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ» .

والمعنى: ألأن أوتى المسلمون كتابا من عند الله فاهتدوا، كما أوتيتم أنتم كتابا من عند الله فلم تنتفعوا به، وقامت الحجة به عليكم، ولأن أصبح للمسلمين الحجة عليكم بهذا الكتاب الذي فى أيديهم، والذي يحدّث عنه كتابكم الذي فى أيديكم- ألهذا وذاك جحدتم الحق، وتنكرتم له، وحرّفتم كتابكم ليلتقى ما فيه مع أهوائكم، وليطفىء داء الحسد المتقد فى صدوركم؟ ولقد مكر اليهود بأنفسهم، وأفسدوا الكتاب الذي فى أيديهم، والذي يحدّث عن محمد، ويبشر به وبكتابه الذي أنزله الله عليه، حتى لا يكون للمسلمين حجة عليهم يلزمونهم بها، وما تنطق به التوراة من تصديق بمحمد وبكتاب الله الذي معه.. وفى هذا يقول الله تعالى عنهم: «أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ» (75- 76 البقرة) ذلك أن اليهود كانوا يعلمون ما فى التوراة عن «محمد» وعن رسالته، وأنّهم قد استقبلوا محمدا من أول الأمر بالتكذيب، وبادءوه بالعداوة والبغضاء، فلم يكن لهم- والشأن كذلك- إلّا يمضوا فى الشوط إلى نهايته، بل وأن يمعنوا فى التكذيب، وأن يتطاولوا فى العداوة والبغضاء.. وكان من أسلحتهم فى تلك الحرب أن يطمسوا ما فى التوراة من الحق الذي تتحدث به عن «محمد» ورسالته. وقوله تعالى: «قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» هو ردّ آخر على اليهود الذين أرادوا أن يحتجزوا فضل الله، وأن يجعلوه خالصا لهم.. شحّا وحسدا أن يصيب أحد خيرا غيرهم.. «وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» يسع فضله النّاس جميعا، دون أن ينقص من فضل الله شىء.. ولكن

اليهود يرون الله وكأنه أحد أغنيائهم، وأنه بقدر ما ينفق، يكون النقص فيما بين يديه من مال، ولو استمر فى الإنفاق لنفد ما بين يديه.. وفيهم يقول الله تعالى: «قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً» (100: الإسراء) . وللإنسان أن يذهب مذهب التقتير، لأنه إنسان، ملكه محدود وإن بلغ ما بلغ من كثرة واتساع، وتعالى الله علوا كبيرا أن ينظر إليه وإلى فضله هذا النظر الذي يجعله والناس على سواء وقد كشف الله سبحانه وتعالى عن هذا الخلق اللئيم المندسّ فى طبيعة اليهود، وهو الحسد القاتل، الذي يأكل صدورهم، إذا نال أحد من الناس خيرا.. يقول الله تعالى: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ «1» يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ «2» وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً» (51- 52- 53: النساء) .. إنها كزازة نفس، وسوء خلق، وفساد ضمير، وأنانية فاتلة، وشحّ لئيم. وقوله تعالى: «يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» رد ثالث على اليهود بأن فضل يقع حيث يشاء، وينزل حيث أراد الله أن ينزل: «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ» وفضل الله عظيم، ورحمته واسعة «فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً» (78: النساء)

_ (1) وهم اليهود. (2) أي الضلال والبهتان. [.....]

الآية: (75) [سورة آل عمران (3) : آية 75]

الآية: (75) [سورة آل عمران (3) : آية 75] وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) التفسير: الأحكام التي جاء بها القرآن فى شأن اليهود، والتي كشف بها ما فى نفوسهم من ضلال، وما فى قلوبهم من حسد وبغضاء للناس عامة، ولأهل الإيمان خاصة- هذه الأحكام وإن شملت غالبية اليهود، ودمغت أحبارهم وعلماءهم وأصحاب الكلمة فيهم، إلا أنها ليست على إطلاقها، فليس هناك شر محض، ولا خير خالص، فمهما استشرى الشر فإن فيه لمعا من الخير لا تكاد ترى، ومهما صفا الخير فإن فيه غشاوات من الشر لا تكاد تبين! واليهود وإن كانوا الشرّ كله، من الرأس إلى القدم- ففيهم الضالون، وفيهم المؤمنون.. كما يقول الله تعالى: «مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ» (110: آل عمران) . وفى هذا المدخل الضيق إلى الإحسان والإيمان ما يسمح لأىّ من هذه الجماعة الضالة أن ينجو بنفسه، وأن يتحول إلى تلك القلة القليلة من المحسنين المؤمنين فيهم.. وفى قوله تعالى: «وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ» استثناء من الحكم العام الذي حكم به الله على اليهود.. وهذا باب رحمة لمن أراد الله له التوفيق والهداية منهم.

ففى تلك الجماعة الضالة المعربدة أفراد قليلون يخافون الله ويرعون الأمانة التي فى أيديهم، سواء أكانت من الله أم من الناس، فلم يخونوا أمانة الله، ولم يكتموا ما فى أيديهم من التوراة عن النبىّ «محمد» ورسالته، ولم يخونوا الناس فى الأمانات التي اؤتمنوا عليها، وإن كانت القناطير المقنطرة من الذهب والفضة.. وهؤلاء النفر القليل هم الذين ذكرهم الله سبحانه وتعالى فى قوله سبحانه «مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ» : (113- 114: آل عمران) أما أكثر هذه الجماعة فهى على الضلال والعمى، وفى العداوة والبغضاء والحسد للناس جميعا، ولأهل الإيمان بخاصة.. فهذه الكثرة لا ترعى أمانة الله، ولا تحفظ أمانة الناس.. أما حسابهم مع الله فقائم على أنهم أبناؤه وأحباؤه، لهم أن يفعلوا معه ما يشاءون ويشاء لهم الهوى، دون أن ينالهم بشىء من عقابه وعذابه.. وأما حسابهم مع الناس، فالناس فى نظرهم وتقديرهم فى درجة دون درجتهم، وبينهم وبين الناس حجاز فى الفضائل وفى التكوين الجسدى والخلقي والروحي، كهذا الحجاز الذي بين الناس وفصائل القردة والحيوانات القريبة الشبه بالإنسان. فالناس- فى تقدير اليهود- قطيع من الحيوان، وإن لهم- بهذا التقدير- أن يستغلّوا هذا القطيع الآدمي، كما يستغلّون الحيوان، وألا يرتبطوا معه بروابط العقود والوثائق، وإن ارتبطوا فلهم أن يتحلّلوا منها ما وسعهم

الآية: (76) [سورة آل عمران (3) : آية 76]

الحول والحيلة «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ» أي لا حرج علينا، ولا حائل من خلق أو دين يحول بيننا وبين أن نستغلّ الأميين، بشتى الصور ومختلف الأساليب! والأميون هم غير اليهود، وهم العرب خاصة، إذ كانوا ولا كتاب لهم.. وقد منّ الله على هؤلاء الأميين- أي العرب- إذ بعث فيهم رسولا منهم، فقال تعالى «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» (164: آل عمران) . قوله تعالى: «وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» تكذيب لا دعائهم بأن ليس عليهم حرج، فيما نقضوا من عهود، أو ضيّعوا من حقوق فيما بينهم وبين غيرهم، فقد أقاموا هذه الدعوى على أساس من دينهم وشريعتهم، إذ كانوا أهل دين وأصحاب شريعة، وليس فى دينهم الذي أنزله الله على أنبيائهم ولا فى الشريعة التي حملها هذا الدين- إباحة للبغى والعدوان، ولا دعوة للسلب والنهب والسرقة، ولا تفرقة بين الناس والناس فى الحقوق والواجبات! وإنما بدل اليهود فى التوراة وغيّروا، ودسوا فيها من الأحكام والشرائع ما يغذّى غرورهم الزائف، ويرضى شعورهم المريض، نحو الإنسانية كلها، وأهل الأديان خاصة. الآية: (76) [سورة آل عمران (3) : آية 76] بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)

الآية: (77) [سورة آل عمران (3) : آية 77]

التفسير: قوله تعالى: «بَلى» هو لفظ يجاب به على سؤال فى معرض النفي، فيجعل المنفىّ واقعا مثبتا. وعلى هذا فإنّ قبل لفظة «بلى» سؤال منفى، وهذه اللفظة وما بعدها جواب عن هذا السؤال. والسؤال محذوف.. وتقديره: ألم يكن هؤلاء الذين إذا ائتمنوا على قنطار أدوه.. ألم يكونوا من جماعة اليهود، تلك الجماعة الضالة التي حكم الله عليها باللعنة والطرد..؟ والجواب: بلى.. إنهم منهم، ولكن لكلّ حسابه وجزاؤه.. فمن أوفى بعهده فيهم، واتقى الله فى الأمانة التي أؤتمن عليها، فلن يأخذه الله بجناية قومه، بل هو ممن أحبهم الله ورضى عنهم «فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ» فكيف لا يتقبل عملهم؟ وكيف يجعلهم والمجرمين على سواء؟ «أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ؟ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟» (35- 36: القلم) الآية: (77) [سورة آل عمران (3) : آية 77] إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (77) التفسير: بعد أن عزل الله سبحانه المتقين من أهل الكتاب، وضمّهم إلى أهل رحمته ومرضاته- كشف سبحانه وتعالى عن المصير السيّء الذي ينتظر الجماعة الباغية الضالة من اليهود، وهم الكثرة الغالبة فيهم.. فوصفهم الله سبحانه وصفا كاشفا، ودمغهم بجرائمهم الشنيعة، التي يحملونها على ظهورهم إلى يوم

الحساب.. فقال تعالى «إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا» .. فهم قد نقضوا عهد الله، وما عاهدهم عليه فى قوله سبحانه: «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ» وقد كذب أهل الكتاب هؤلاء على الله، وبدلوا آياته، وأنطقوا كتابه بما أملته أهواؤهم، وحلفوا على هذا البهتان، وأكّدوا هذا الزور بأيمان بالغة. وهم بهذا الإثم الذي ارتكبوه قد باعوا آخرتهم، لقاء قليل من حطام الدنيا. فإذا كانت الآخرة جىء بهم إليها وليس لهم نصيب من نعيمها، وإنما لهم ما ينتظرهم من نكال وعذاب.. «أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ» والخلاق الحظ والنصيب «وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ» فهم مطرودون من رحمة الله، مبعدون من مواطن رضاه ومغفرته.. لا يكلمهم الله، حين يكلم عباده الذين رضى عنهم، لأنهم ليسوا أهلا لأن يسمعوا كلام رب العالمين، إذ أصمّوا آذانهم عن سماع كلماته التي حملها إليهم رسله الكرام.. ولا ينظر إليهم، نظر رحمة ومودة.. لأنهم أغمضوا أعينهم عن النظر فى آيات الله وتدبر ما فيها من هدى ونور.. ولا يزكيهم- أي ولا يطهرهم من الآثام التي حملوها معهم، ولا ينالهم بمغفرته ورحمته، كما يتجاوز لأهل مودته عن سيئاتهم. «وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» فتلك هى عقبى الذين كذبوا على الله، وبدّلوا نعمة الله كفرا وأحلّوا قومهم دار البوار.

الآية: (78) [سورة آل عمران (3) : آية 78]

الآية: (78) [سورة آل عمران (3) : آية 78] وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) التفسير: هذه الآية تكشف عن فريق آخر من أهل الكتاب، من جماعة اليهود، بعد أن كشفت الآيات السابقة عن جماعة من أهل العلم فيهم، يتّجرون بما عندهم من علم، ويبيعونه لمن يشترى.. أما هذا الفريق فهم. «يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ» أي يتلون آيات الكتاب تلاوة تلوكها ألسنتهم، وتلتوى بها شفاههم، فلا تخرج الكلمات إلا متآكلة متكسرة، يختلط بعضها ببعض، لا يدرى أحد ما مدلولها، ولا يهتدى أحد إلى وجه الحقّ فيها.. فهى أقرب إلى الرمز منها إلى الكلام.. «وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.. وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» أنه الكذب.. أي أن كذبهم هذا على علم، وهو شرّ ما عرف من الكذب، وأبغض ما ظهر للناس من وجوهه. الآيتان: (79، 80) [سورة آل عمران (3) : الآيات 79 الى 80] ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) التفسير: فى هاتين الآيتين يكشف الله سبحانه عن تلك المفارقات البعيدة بين دعوات الأنبياء، وبين ما يدخله أتباعهم على تلك الدعوات من افتراء وبهتان.

فالنبىّ- وإن كان بشرا من البشر، وإنسانا من الناس- هو ممن اصطفاه الله، وتخيره من بين الناس، ليقوم بالسفارة بين الله وبين وعباده. والله سبحانه وتعالى، إنما يتخير سفراءه من صفوة خلقه، ثم يكملهم ويحمّلهم بما يفيض عليهم من نفحات رحمته، وغيوث بركاته، فإذا هم بعد هذا الأدب الربانىّ أكمل الناس كمالا، وأصدقهم قولا، وأبعدهم عن مواطن الشبه والريب،.. بل هم الكمال كله، والصدق جميعه، والفضيلة فى تمامها وكمالها.. فإذا جاء أتباع رسول من رسل الله، وبأيديهم كتاب يضاف إليه هذا الرسول، وعلى ألسنتهم كلمات يحسبونها عليه، ثم كان فى هذا الكتاب ما ينقص من جلاله وكماله، وكان فى تلك الكلمات ما يجعل لله ما لا ينبغى لذلك الجلال والكمال- فآفة ذلك هم الأتباع، الذين غيروا فى الكتاب وبدّلوا، وتقوّلوا على الرسول، ونسبوا إليه ما نسبوا، زورا وبهتانا، ليجدوا لما تقوّلوا وزيّفوا طريقا إلى الآذان، حين ينسبونه إلى الرسول، ويضيفونه إلى ما تلقوا من كلماته التي هى كلمات الله. وهذا الموقف يظهر على تمامه، فيما كان بين المسيح وأتباعه.. فقد جاء المسيح- عليه السّلام- إلى الناس مرسلا من عند الله، برسالة قائمة على سنن الأنبياء والمرسلين الذين سبقوه، كما ينقل ذلك عنه أتباعه فى كلمات صريحة واضحة إذ يقول: «ما جئت لأنقض الناموس والأنبياء بل لأكّمل» . ومع هذا الذي يقوله السيد المسيح، وينقله عنه أتباعه، ويؤمنون به- فإنهم يلتقون بالسيد المسيح فى آخر المطاف، فإذا هو الله رب العالمين، تجسد فى كائن بشرى، وعاش ما عاش بين الناس، ثم قدّم نفسه قربانا ليفتدى البشرية ويخلّصها من الخطيئة التي هى ميراث الناس جميعا من أبيهم آدم.. فكان أن عمل المسيح على إثارة ثائرة اليهود عليه، ليصلبوه، وليؤدّى بهذا الصلب الفداء

المطلوب لخلاص البشر.. وقد تم له ما أراد، وقدّم إلى الصلب، وصلب!! هكذا يقول أتباع المسيح عن المسيح وفيه! وهى مقولات تنقضها كلمات المسيح نفسه فى الإنجيل أو الأناجيل التي فى يد أتباعه، كما ينقضها تاريخ الرسل والأنبياء السابقين له، ونبى الإسلام الذي جاء من بعده، وينقضها قبل ذلك كله، وبعد ذلك كله، المنطق السليم، والعقل المطلق من قيد الهوى، المتحرر من عبودية التقليد والمحاكاة. وفى قوله تعالى: «ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ» ... وفى ذكر «بشر» بدل «نبىّ» ما يشير إلى أن النبىّ بشر من البشر، وأنه إذا جاز على البشر الكذب والافتراء على الله وعلى الناس، فإن النبي- وهو بشر- لا يكون منه أبدا الكذب والافتراء على الله أو على الناس.. وإلا كان ذلك اتهاما لله، ورميا لعلمه بالقصور، ولقدرته بالعجز، ولحكمته بالنقص، حيث اصطفى واختار من يحمل رسالته، ويودّى أمانته، ثم لم يكن من هذا المصطفى المختار إلا أن زيف الرسالة وخان الأمانة.. وبدلا من أن يكون داعيا لله، هاديا إليه، تحول إلى داعية لنفسه، قائدا الناس إلى الهلاك والضلال.. وتعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.. وإنه لن يرضى أسوأ الحكام وأجهل الأمراء أن ينسب إليه مثل هذا العجز وسوء التقدير فى اختيار أعوانه وسفرائه. فكيف بأحكم الحاكمين.. الله رب العالمين؟ وفى الآية حذف دل عليه سياق الكلام.. وتقديره: «ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ» ليدعو الناس إلى الله، وإلى الإقرار بوحدانيته.. «ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ» وقوله تعالى: «وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ» أي ولكنه يدعوكم إلى أن تكونوا ربانيين أي مؤمنين بالله، دعاة إلى الله، إذ كنتم علماء، وللناس

على العلماء حقّ هو أن يعلموهم ما علموا. والالتفات هنا من الغيبة إلى الحضور، هو إمساك بمخانق علماء أهل الكتاب، وهم متلبسون بهذا الضلال الذي هم فيه، يطعمون منه ويطعمون أتباعهم من هذا الزاد الفاسد، الذي يهلك من يتناوله ويتزوّد منه. وقوله تعالى: «وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً» معطوف على قوله تعالى: «ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ» .. ويكون معنى القول هنا الأمر، أو يكون معنى الأمر فى قوله تعالى: «وَلا يَأْمُرَكُمْ» القول.. أي ولا يقول لكم أن اتخذوا الملائكة والنّبيّين أربابا. وفى قوله تعالى: «أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» ما يسأل عنه.. وهو: هل كانوا مسلمين قبل أن يجيئهم الرسول ويدعوهم إلى ما دعاهم إليه؟ وإذا كان كذلك فما داعية إرساله إليهم؟ والجواب على هذا، هو أن أتباع المسيح الذين التقوا به، وآمنوا بدعوته، كانوا على هدى وبصيرة من أمر تلك الرسالة الكريمة التي حملها عيسى عليه السلام، وهم بهذا كانوا مؤمنين، مسلمين، بل كان منهم الحواريون الذين أوحى الله إليهم! فهذه هى دعوة عيسى، وتلك هى رسالته، وهؤلاء هم أتباعه الذين آمنوا به وحقّ لهم الانتساب إليه، وإلى المسلمين! ومع الأيام، وانتقال الشريعة اليهودية المسيحية إلى مواطن غير موطنها دخل عليها كثير من الحذف والإضافة، والتأويل، والتخريج، حتى أصبح لها وجهان.. وجه بدأت به، ووجه آخر انتهت إليه، وبين الوجهين من الخلاف ما بين الأبيض والأسود من خلاف. وتضادّ.

بدأت المسيحية بالمسيح رسولا وانتهت به إلها يدعو إلى عبادته وعبادة أمّه.. كما يقول الله تعالى «وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟» (116: المائدة) . بدأت المسيحية إسلاما يدين بها المسلمون، وانتهت إلحادا يدين بها من يعبدون المسيح، ويؤلهون أم المسيح! وعلى هذا يكون معنى قوله تعالى: «أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» . أي أيدعوكم المسيح أيها الذين آمنوا به إلها، إلى الكفر بالله، بعد أن دعا آباءكم الأولين إلى الإيمان به فكانوا من عباده المسلمين؟ أيدعوكم إلى هذا الذي تدّعون؟ ذلك محال! إن دعوة المسيح هى تلك الدعوة التي دعا إليها آباءكم الأولين، فآمنوا وأسلموا عليها، فكيف تكون تلك الدعوة نفسها هى التي بين أيديكم، والتي تدعوكم إلى الإيمان به إلها من دون الله؟ ما تأويل هذا وما منطقه؟ إنه لا تأويل لهذا إلا أن تحريفا دخل على دعوة المسيح فغيّر وجهها، وقلب حقيقتها، وإنه لا منطق لهذا إلا أن يكون هناك مسيحيان: مسيح عرفه المسيحيون الأولون.. المؤمنون المسلمون، ومسيح عرفتموه أنتم وعبدتموه من دون الله! وأما وليس إلا مسيح واحد، فالكلمة الآن لكم، لتقيموا لهذا التناقض وجها، ولتجعلوا له منطقا، إن كان للجمع بين المتناقضين وجه أو منطق!!.

الآيتان: (81 - 82) [سورة آل عمران (3) : الآيات 81 إلى 82]

الآيتان: (81- 82) [سورة آل عمران (3) : الآيات 81 الى 82] وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (82) التفسير: النبيّون صلوات الله عليهم قائمون على أمر واحد، هو الدعوة إلى الله، وكشف معالم الطريق للناس إليه، ودعوة الناس بدعوة الحق والخير كما أمر الله. ومن ثمّ كانت الجامعة بينهم، وكان النسب والقرابة! إذ كانوا جميعا يعملون فى ميدان واحد، وغاية واحدة.. ونجاح الدعوة لأىّ منهم هو نجاح ضمنى لهم جميعا، وهو انتصار فى موقع من مواقع الحق الذي يجاهدون فى سبيله. وقوله تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ» هو توكيد لهذه الجامعة التي تجمع بين النبيين، وتوثيق للأمر الذي شدّوا أيديهم عليه وعلى الجهاد فى سبيله. فلقد أخذ الله العهد على النبيين واحدا واحدا، فيما ندبهم له، وفيما دعاهم إليه، وهو أن تتوحد فى مجال الجهاد رايتهم، وألا ينسخ بعضهم بعضا، أو ينعزل بعضهم عن بعض.. فإذا قام نبىّ منهم يدعو إلى الله، ثم جاء نبىّ آخر يدعو بتلك الدعوة، كان على كل منهما أن يصدّق الآخر، ويؤمن به، وينصره فيما يدعو إليه، لأن نصرة هذا النبىّ نصرة له، ونصرة لرسالتيهما معا. وليس هذا شأن الأنبياء وحدهم، فى إيمان بعضهم ببعض، وتصديق بعضهم بعضا، ونصرة بعضهم لبعض.. بل هو شأن أتباع الأنبياء جميعا..

إذ هم المؤمنون بالله، وكتبه ورسله، فكل دعوة نبىّ هي دعوة جميع الأنبياء وأتباع الأنبياء، ومعاداة أي نبى وأتباع أي نبىّ هى محاربة لله ولرسوله وللمؤمنين: «إنما المؤمنون إخوة» وأتباع الأنبياء، المؤمنون برسالات الأنبياء، هم جميعا إخوة، يجمعهم التوحيد بالله، والعبودية لله! وفى قوله تعالى: «لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ» اللام موطئة للقسم الذي تضمنه العهد والميثاق الذي واثق الله به النبيين وعاهدهم عليه، والتقدير «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ» لئن آتيتكم النبوة وما معها من كتاب وحكمة «ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ» . وقوله تعالى: «مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ» وصف للرسول الذي يجب الإيمان به ونصرته، وهو أن يكون ما معه من كتاب، وما يدعو إليه من دين، قائما على السنن الذي دعا إليه أنبياء الله ورسله، من الإيمان بالله الواحد الأحد، المنزه عن الشريك والولد، فمن دعا إلى غير هذه الدعوة فليس نبيا وليس رسولا، فما أكثر أدعياء النبوة، ومدّعى الرسالة. قوله تعالى: «قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي» الإصر العهد الموثّق.. وفى استحضار النبيّين، وأخذ الإقرار من أفواههم، وإشهادهم عليه، ثم شهادة الله على ما شهدوا عليه.. كل هذا يدل على ما لهذا الأمر الذي عاهدهم الله عليه من شأن وخطر عظيمين: «قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ» .. وكفى بالله شهيدا. وقوله تعالى «فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ» توكيد لهذا العهد، وتجريم لمن نقضه، ووقف من أنبياء الله ورسله موقف المشاق المنابذ..

الآية: (83) [سورة آل عمران (3) : آية 83]

وفى الآية الكريمة تعريض بأهل الكتاب، وخاصة اليهود، الذين نقضوا عهد الله، هذا الذي أخذه على أنبيائهم وعلى أتباع أنبيائهم، فكذّبوا بمحمد وبهتوه، وكتموا ما فى أيديهم من كتاب الله الذي لو استقاموا على ما فيه لكانوا أول المصدقين بمحمد، والمؤمنين به، إذ كانت التوراة تشهد لمحمد ولرسالته، وتبشّر به، كما يقول الله تعالى فى أهل الكتاب، وموقفهم من الرسول الكريم «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» (146: البقرة) ويقول سبحانه أيضا: «وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ» (89: البقرة) . وقد وصف الله سبحانه وتعالى أهل الكتاب هؤلاء الذين يكذبون رسل الله ويبهتونهم، بالفسق.. والفسق- فى اللغة- هو الخروج من حال إلى حال، ومن شأن إلى شأن، ثم كثر استعماله فى الخروج من خير إلى شر.. وأهل الكتاب هؤلاء كانوا على الإيمان قبل أن يمتحنوا بالدعوة التي حملها إليهم رسول الله، فلمّا زاغوا أزاغ الله قلوبهم، والله لا يهدى القوم الفاسقين. الآية: (83) [سورة آل عمران (3) : آية 83] أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) التفسير: تكر هذه الآية على الكتاب الذين كفروا بمحمد،

وجحدوا ما عندهم من حقّ فيه- تنكر عليهم هذا الموقف الذي لا ينبغى لعاقل أن يقفه، لأنه يورد بذلك الموقف، موارد الهلاك.. فأى دين غير دين الله يبغون؟ وماذا ينكرون من أمر محمد وقد جاءهم بالحقّ الذي كان معهم مثله من كتاب الله الذي فى أيديهم؟ وهل جاءهم محمد بغير ما جاء به الأنبياء من قبله من دعوة إلى توحيد الله، والإيمان به إلها واحدا، قيّوما، له ملك السموات والأرض؟ إن ذلك هو الحق الذي قام عليه الوجود، وهو الدين الذي دان به لله كل مخلوق، فى ملكوت السموات والأرض. فكيف يفسق أهل الكتاب هؤلاء، ويخرجون عن هذا الموكب الذي انتظم الوجود كلّه، فى أرضه وسمائه، وفى أحيائه وجماداته؟ وفى قوله تعالى: «وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً» الإسلام هنا الانقياد والخضوع.. وكل ما فى هذا الوجود منقاد لله، خاضع له، إن لم يكن عن ولاء ورضى، فهو عن قهر وسلطان! وماذا تملك المخلوقات من أمرها؟ وهل غير الاستسلام والخضوع؟ إنها جميعا فى يد القدرة القادرة المنصرفة وحدها من غير معترض أو معقب! فمن لم ينقد اختيارا انقاد اضطرارا، والله سبحانه وتعالى يقول «إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً» (93: مريم) ويقول سبحانه: «يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ» (33: الرحمن) .. فهل لهؤلاء المحادّين لله، الكافرين به، ملجأ غير الله؟ وهل لهم أن يدفعوا عن أنفسهم ما يصبهم من ضرّ وأذى؟ «قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (168: آل عمران)

(الآيتان: 84 - 85) [سورة آل عمران (3) : الآيات 84 إلى 85]

(الآيتان: 84- 85) [سورة آل عمران (3) : الآيات 84 الى 85] قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (85) التفسير: بعد أن كشفت الآيات السابقة موقف أهل الكتاب من رسل الله، وإيمانهم ببعض وكفرهم ببعض، ونقضهم فى هذا ما عاهد الله عليه أنبياءهم من الإيمان بكل رسول، ونصرته- بعد أن كشفت الآيات السابقة هذا، أمر الله نبيّه بأن يجهر بالحقّ الذي فسق عنه أهل الكتاب، وأن يقيم إيمانه على الدين الذي ارتضاه الله له، وللمؤمنين جميعا.. وهو الإيمان بالله، وما أنزل عليه من كتاب ربه، وما أنزل على الأنبياء قبله.. إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط، وما تلقى موسى وعيسى من آيات ربهما وكتبه، وما تلقى النبيون جميعا من ربهم، لا تفرقة فى هذا بين أحد منهم، فكلهم رسل كرام من رسل الله، سفراء بررة، بين الله وبين عباد الله! وفى قوله تعالى هنا: «قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا» وفى قوله سبحانه فى سورة البقرة: «قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا» (136) تفرقة بين النبىّ وأتباع النبىّ فى التلقّى عن الله سبحانه وتعالى، فالنبى هو الذي تلقى الكتاب عن الله، وأتباعه هم الذين تلقوا الكتاب عن النبي، ولهذا كان خطاب النبي: «قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا» وكان خطاب أتباعه: «قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا» . و «علينا» فيها الدنوّ والمباشرة، بخلاف «إلينا» وما فيها من بعد ومجاوزة.

وفى قوله تعالى: «وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ» وقوله: «وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ» - ما يسأل عنه.. وهو: لماذا كان الوصف المصاحب لما تلقّاه النبيون: محمد وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، هو «النزول» ، على حين كان الوصف المصاحب لما تلقّاه موسى وعيسى هو «الإتيان» هكذا: «وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى» ؟ والجواب على هذا- والله أعلم- هو أن ما تلقاه النبىّ عليه الصلاة والسلام، وما تلقاه إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط عليهم السلام- كان وحيا من الله، على لسان ملك من ملائكته، هو جبريل عليه السّلام، فكان وصف هذا التلقي «بالنزول» هو الوصف المناسب لتلك الحال، أما ما تلقاه موسى وعيسى عليهما السلام، فكان تلقيا مباشرا من الله سبحانه وتعالى.. وفى موسى يقول الله تعالى: «وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً» (164: النساء) أما عيسى عليه السّلام، فقد أيده لله بروح القدس، لذى هو نفخة من روح الحق، فكان اتصاله بالله اتصالا مباشرا بهذا الروح الذي يملأ كيانه! وفى عيسى يقول الله سبحانه: «وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ» (87: البقرة) وروح القدس، هو جبريل، أو روح من عند الله.. تلازمه، وتنطق بلسانه..! قوله تعالى: «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ» .. الإسلام هو دين الله الذي شرعه لعباده، والذي جاء به الأنبياء والمرسلون جميعا، ودعوا الناس إليه، فمن آمن منهم بما جاء به الرسل- من غير تحريف ولا تبديل- فهو مسلم من المسلمين.. فإبراهيم عليه السلام.. يسأل الله أن يوفقه وأهله وذريته إلى دين الإسلام،

الآيات: (86 - 89) [سورة آل عمران (3) : الآيات 86 إلى 89]

فيقول كما ذكر القرآن ذلك على لسانه: «رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ» (128 البقرة) وفيه يقول الله تعالى: «إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» (131: البقرة) .. وفيه يقول سبحانه: «ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (67: آل عمران) وإبراهيم هو أبو الأنبياء، وعلى دينه- وهو الإسلام- كان جميع الأنبياء من بعده! وعلى هذا، فليس المراد «بالإسلام» هو الشريعة الإسلامية التي جاء بها محمد عليه الصلاة والسلام، خاصة، إذ ليست هذه الشريعة بدعا من الشرائع السماوية التي سبقتها، بل هى وما قبلها من الشرائع- من يهودية ونصرانية وغيرهما- على سواء.. فجميعها شريعة الله، وكلها «الإسلام» الذي هو الدين عند الله، ولا دين غيره. والخلاف الذي بين الإسلام، وبين اليهودية والنصرانية ليس اختلافا ناشئا عن حقيقة هاتين الديانتين، وإنما جاء الخلاف نتيجة لما حدث فيهما من تبديل وتحريف، ولو أنهما سلما من هذا التحريف والتبديل لالتقيا مع الإسلام. ولكان أتباعهما من المسلمين.. الآيات: (86- 89) [سورة آل عمران (3) : الآيات 86 الى 89] كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89)

التفسير: قوله تعالى: «كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ» . الاستفهام هنا ليس على حقيقته، وإنما هو استنكار واستبعاد لمن يطمع من هؤلاء الضالين أن يلبس ثوب المهتدين، وأن يرجو العون والتوفيق من الله، بعد أن أعطى الله ظهره، وكفر به وبآياته المضيئة بين يديه! وهؤلاء الضالون هم الذين كفروا من أهل الكتاب- وخاصة اليهود- الذين كفروا بعد إيمانهم.. فقد كانوا قبل بعثة محمد يؤمنون بأن نبيا عربيا سيبعث كما قال الله تعالى: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ، يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ» (157: الأعراف) .. ثم جاءهم النبي المنتظر، ورأوا فيه وبين يديه دلائل الحق التي تشهد له أنه رسول الله، ووافقت صفته عندهم ما تحدثت به كتب الله التي بين أيديهم عنه.. ومع هذا أبوا إلا عنادا وكفرا.. فأنكروا كلمات الله، وجحدوا الحق الذي تحدثهم به، وبهذا تحولوا من الإيمان إلى الكفر.. كما يقول الله تعالى: «كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ» .. وكما يقول سبحانه «فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ» (89: البقرة) . والواو فى قوله تعالى: «وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ» وفى قوله: «وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ» يمكن أن تكون للعطف على قوله تعالى: «كَفَرُوا» وهذا يعنى أنهم جمعوا المتناقضات التي لا تستقيم على عقل عاقل.. إذ جمعوا الكفر مع ما شهدوا من الحق الذي يطالعهم من وجه الرسول، ومع ما بين

يديه من آيات بينات.. وهذا أمر لا يكون إلا ممن سفه نفسه، وركب رأسه، وتعلق بأذيال شيطانه! كما يمكن أن تكون هذه الواو للحال، بمعنى أنهم كفروا فى تلك الحال التي يشهدون فيها دلائل النبوة، ويرون آياتها.. فهم والحال كذلك فى أمر مختلف.. الكفر عن علم وعمد! وفى قوله تعالى: «وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» ما يكشف عن حقيقة الاستفهام الإنكارى الذي بدأت به الآية، وهو: «كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ» .. فهؤلاء القوم قد اتخذوا الظلم مركبا، فاعتدوا اعتداء منكرا على الحقّ الذي بين أيديهم، حتى لقد اجترءوا على إفساد الكتاب السماوي الذي يؤمنون به، ويعيشون فيه.. «وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» فكيف يهدى الله هؤلاء القوم الظالمين، الذين يشهدون الحق، ويستيقنونه، ثم يكفرون به؟ إنهم ليسوا أهلا لخير أبدا. وكلمة «القوم» هنا تعنى أن هذا الظلم الذي ركبه هؤلاء السفهاء هو ظلم جماعى، تواطأ عليه القوم جميعا، ولم يقم فيهم رجل رشيد ينكر عليهم هذا المنكر، فكان ظلما غليظا، وداء قاتلا، لا يرجى له شفاء أبدا.. إنه أشبه بالوباء الذي ينزل بجماعة من الجماعات، فيأتى عليها بين يوم وليلة. ولهذا كانت العقوبة الواردة على هؤلاء الظالمين عقوبة عامة قاصمة: «أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» .. إنهم بمعزل من رحمة الله.. تحيط بهم لعنة الله ولعنة ملائكته، ولعنة الناس أجمعين: المؤمنين منهم وغير المؤمنين.. أما المؤمنون فلأنهم من حزب الله، يحاربون من حارب الله، ويلعنون من يلعنه الله.. وأما غير المؤمنين فإنهم على خلاف مع هؤلاء القوم الظالمين.. لهم ظلم غير ظلمهم، ودين غير دينهم..

فهم على عداوة- ظاهرة أو خفية- معهم.. ثم إنهم هم أنفسهم يتبرأ بعضهم من بعض، ويكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضا، وذلك حين تقع بهم الواقعة، ويرون سوء المصير الذي هم صائرون إليه.. هكذا شأن جماعات الضالين والمفسدين، يجمعهم الضلال والفساد إلى حين.. ثم يفرّق بينهم الضلال والفساد يوم يقوم الناس لرب العالمين.. وفى هذا يقول الله تعالى: «الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ» (67: الزخرف) ويقول سبحانه: «وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ» (25: العنكبوت) . والضمير فى قوله تعالى: «خالِدِينَ فِيها» يعود إلى اللعنة، أي هم خالدون فى هذه اللعنة الواقعة عليهم من الله والملائكة والناس، لا تزايلهم أبدا.. وقوله تعالى: «وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ» إشارة إلى أن هذه اللعنة واقعة عليهم فى هذه الدنيا، كما هى واقعة عليهم يوم القيامة.. إنهم يلقون جزاء هذا الظلم الغليظ معجلا ومؤجلا معا. والاستثناء فى قوله تعالى: «إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» هو وارد على هذا الحكم الواقع على أولئك الظلمة وما رماهم الله به من لعنة عاجلة فى الدنيا وآجلة فى الآخرة.. بمعنى أن من تاب من هؤلاء الملعونين، ورجع إلى الله من قريب، وأصلح ما أفسد من دينه فإن مغفرة الله تسعه، ورحمة الله تعالى تناله، وترتفع عنه تلك اللعنة التي أحاطت به، وينزل منازل المؤمنين، الذين رضى الله عنهم، وتقبّل عنهم أحسن ما عملوا..

الآية: (90) [سورة آل عمران (3) : آية 90]

وفى هذا ما يفتح لهؤلاء المذنبين باب الرجاء فى رحمة الله، وينصب لهم معالم النجاة، إن هم أرادوا النجاة والخلاص. الآية: (90) [سورة آل عمران (3) : آية 90] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) التفسير: هذه الآية مكملة لما قبلها.. فبعد أن بيّن الله سبحانه وتعالى المصير المشئوم الذي سيقع على هؤلاء الكافرين من أهل الكتاب.. الذين كفروا بعد إيمانهم، وبعد أن شهدوا أن الرسول الذي ظهر فيهم هو رسول رب العالمين، يحمل آيات الهدى والنور من ربه.. وبعد أن ألبسهم الله ثوب اللعنة، ثم فتح باب الرحمة لمن نزع منهم عن غيّه وضلاله، وفاء إلى الحق، ورجع إلى الله تائبا، مصلحا ما أفسد من دينه وفى دينه- بعد هذا بيّن الله موقف المتعنتين من هؤلاء الضالين الظالمين، الذين دعاهم الله تعالى إلى جناب رحمته ومغفرته، فأبوا أن يستجيبوا، ولم يزدهم هذا الدعاء الكريم، من رب كريم، إلا إصرارا وعنادا، وإغراقا فى الإثم، واستغراقا فى الضلال- فهؤلاء لن تقبل توبتهم، ولن يلقاهم الله برحمته ومغفرته.. «وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ» . والسؤال هنا: أهناك من يتوب، ويمدّ يده إلى الله بالصفح والمغفرة.. ثم يردّ، ولا صفح ولا مغفرة؟ والجواب، أن الله سبحانه وتعالى يدعو عباده إلى التوبة، ويفتح لهم باب

القبول والصفح، فيقول سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» (222: البقرة) ويقول جل شأنه: «وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (31: النور) ثم يقول سبحانه: «وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ» (75: الشورى) . فكيف لا يقبل الله توبة من جاء إليه ملبيّا نداءه، باسطا إليه يده بالتوبة والإنابة؟ والآية هنا تقول «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ» فهؤلاء الذين كفروا هم الذين أشارت إليهم الآية السابقة فى قوله تعالى: «كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ» إنهم- والأمر كذلك- ليسوا مجرد كافرين، ولدوا فى الكفر، ونشأوا على الكفر، وإنما هم كفروا بعد إيمان، وضلّوا بعد هدى.. وليس هذا وحسب، بل إنهم تعمّدوا الخروج من الإيمان، وأطفئوا بأيديهم وبأفواههم النور الذي كان معهم.. وإنهم ليعرفون أنهم على ضلال، ولكن الحسد الذي يأكل قلوبهم جعلهم يلقون بأيديهم إلى التهلكة عن عمد وإصرار. وإن إنسانا يستبدّ به العناد إلى هذا الحدّ، ويتسلط عليه الهوى إلى هذا المدى الذي يشوّه به معالم وجوده بيده- إن إنسانا كهذا الإنسان لن يرجع إلى الله أبدا، ولن تزيده الأيام إلا عمى وضلالا.. فقد استشرى به الداء، وهيهات أن يكون له دواء: «فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ» (10: البقرة) .. وفى قوله تعالى: «ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً» ما يكشف عن معدن هؤلاء

آية: (91) [سورة آل عمران (3) : آية 91]

القوم، وأنهم كلّما امتد الزمن بهم كلما ازدادوا عتوّا وكفرا.. ومن كان هذا شأنه فإنه لا يرجى له صلاح ولن تكون منه إلى الله رجعة. وفى قوله تعالى: «لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ» تيئيس لهم من التوبة التي إن أعلنوها بألسنتهم فى حال ماء أنكروها بقلوبهم، وشهد على إنكارهم سوء أعمالهم.. وفى قوله تعالى: «لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ» وجه آخر، هو أنهم- والله أعلم- قد لبسوا من الكفر غير ما يلبسه الكافرون.. إذا كانوا على الإيمان، فجعلوه، وارتدوا الكفر الذي لن يزايلهم أبدا، فإذا تاب تائبهم.. وهو على تلك الحال- فلن تقبل توبته، بمعنى أنه لن تمضى له هذه التوبة إلى آخر عمره، بل إنه راجع لا محالة إلى ما كان عليه من الكفر الغليظ الذي تلبّس به.. وبهذا تكون توبته تلك كلا توبة.. فقوله تعالى: «لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ» أي لن تقبل قبولا مثمرا، ينتهى بصاحبه إلى الهدى والإيمان.. إذ كانت التوبة غير خالصة لله وللحق! وقوله تعالى: «وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ» الإشارة هنا إلى هؤلاء القوم الذين كفروا بعد إيمانهم، ثم ازدادوا كفرا، ثم لم يكن الله ليقبل توبتهم.. «وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ» أي الذين استغرقهم الضلال، واشتمل عليهم.. فلا مخرج لهم منه إلى هدى. آية: (91) [سورة آل عمران (3) : آية 91] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (91)

التفسير: هذا الحكم وإن كان عاما يلحق الكافرين الذين ماتوا وهم على كفرهم، إلا أنّه يتجه اتجاها مباشرا إلى اليهود، الذين أبعدهم الرحمن من رحمته، وتركهم مع كفرهم وضلالهم، وأغلق فى وجههم باب التوبة والقبول، وذلك لأنهم كفروا بعد إيمان، وضلّوا بعد علم، ثم اجترءوا على الله، فحرّفوا كلماته، وبدّلوا آياته.. وإنهم وقد أيأسهم الله من الرجوع إليه، سيمضون على ما هم فيه من كفر، وسيموتون كافرين.. ومن كان على تلك الصفة، فالويل له من عذاب يوم عظيم! وفى قوله تعالى: «فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً» أمور منها: أولا: أن المال الذي هو دين اليهود، والذي من أجله استرخصوا الدّين، واستخفوا بآيات الله، ليحتفظوا بمراكزهم الاجتماعية فى مجتمعهم الفاسد- هذا المال الذي هم تاركوه وراءهم لن يدفع عنهم شيئا من العذاب الذي ينتظرهم فى الآخرة.. ثانيا: التعبير بالذهب عن المال، سواء كان ذهبا أو فضة، أو ضياعا أو دورا وقصورا ودوابّ- لأن الذهب هو المقياس الذي تعرف به قيمة كل مال، وهو الذي به ينال كل مال مطلب. ثالثا: فى قوله تعالى: «أَحَدِهِمْ» ما يشعر بالاستخفاف بهذا المال، وبقلّة جدواه فى هذا الموقف، وأنه لو كان لأحدهم ملء الأرض ذهبا ما نفعه! فكيف وهو لا يملك من هذا المال ما يملأ حفرته من الذهب؟ فإن بلغ فى الغنى أقصى مدى فلن يملك مصرا من الأمصار! وأين هذا الذهب الذي يملأ هذا المصر الذي ملكه؟

الآية: (92) [سورة آل عمران (3) : آية 92]

رابعا: فى قوله تعالى: «وَلَوِ افْتَدى بِهِ» ما يكشف عن بعض البلاء النازل بهذا الذي كفر بالله، فى هذا اليوم، وأنه لو كان له ملء الأرض ذهبا لسمحت به نفسه فى غير تردد أو مساومة، ليدفع هذا البلاء، ويخلص بجلده.. وانظر كيف يسمح يهودى بهذا الذهب كلّه، ولا تنازعه نفسه إلى أن يحتجز بعضا، ويترك بعضا؟ ولقد كان مستعدا فى حياته الدنيا أن يبيع نفسه، لمن يشتريها- وقد باعها فعلا- لقاء حفنة من تراب هذا الذهب فكيف يلقى بهذا الذهب كله من يده؟ إنه العذاب الأليم الذي يجعله يذهل عن كل شىء حتى المال، وحتى الذهب. الآية: (92) [سورة آل عمران (3) : آية 92] لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) التفسير: فى الآية السابقة أهدرت قيمة الذهب، فكان لا ثمن له فى يد من يملكه، ولو كان ملء الأرض! إذ ماذا ينفع المال فى هذا اليوم، الذي لا بيع فيه ولا شراء؟ ومن هنا لم يكن لهذا المال الذي قدمه الكافر فدية له، وهو مال كثير، يملأ وجه الأرض كلها- لم يكن له أي أثر فى رفع شر أو جلب خير! .. إنه مال مزهود فيه، لا تلتفت إليه عين، ولا تمتد إليه يد، فهو والتراب سواء! وفى هذه الآية يبين الله تعالى أن المال الذي يبذل، وللأنظار مطمح فيه، وللقلوب علقة به، وللنفوس هوى إليه- هو المال الذي يدفع به الشر، ويجلب به الخير.

وإذ كان ذلك كذلك، فإن المال المبذول فى سبيل الله لا يبلغ بصاحبه منزلة الأبرار المقبولين عند الله، حتى يكون هذا المال أحبّ شىء عنده وآثره. إذ هنا يكون صاحب المال قد جاهد نفسه، وغلب هواه، وقهر دواعى الأثرة عنده، حتى نزل عن هذا الشيء المحبوب عنده، وأنفقه فى وجوه الخير، طمعا فى مرضاة الله، وابتغاء رضوانه.. وبهذا ينال ثواب المجاهدين، ويعطى أجر العاملين.. والله سبحانه وتعالى يقول: «وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ» (69: العنكبوت)

الآيتان: (93 - 95) [سورة آل عمران (3) : الآيات 93 إلى 95]

الآيتان: (93- 95) [سورة آل عمران (3) : الآيات 93 الى 95] كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) التفسير: عبث اليهود بآيات الله، وحرّفوا وبدّلوا فى كلماته، وأداروا دينهم على الوجه الذي يغذّى نزعاتهم، ويشبع أهواءهم، فأحلّوا وحرّموا، غير ما أحلّ الله، وغير ما حرم، وقد فضحهم القرآن الكريم فى أكثر من آية من آياته، فقال تعالى: «مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ، وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا» (46: النساء) ولم يقف بهم الأمر فى تحريف كلمات الله وتبديلها عند حدّ، فتقوّلوا على أنبيائهم، ورموهم بالكبائر والمنكرات، وجحدوا رسالة محمد وما حدّثت به التوراة عنه، ثم تجاوزوا هذا إلى ما يتصل بشئونهم الخاصة التي رسمتها لهم شريعة موسى.. من القصاص فى القتلى، وحدود المحرمات، وما حرّم الله عليهم من طيبات كانت حلّا لهم من قبل أن تنزّل التوراة، نكالا لهم، جزاء كفرهم بآيات الله!

وفى كل هذا كانت تنزل آيات القرآن الكريم فاضحة لهم، ناشرة على الناس ضلالهم وافتراءهم على الله، وعدوانهم على حدوده. فحين نزل فيهم قوله تعالى: «فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً» (160: النساء) وقوله تعالى: «وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ» (146، 147: الأنعام) - حين نزل فيهم هذا القرآن الذي يتهمهم بالبغي والعدوان، وأنهم عوقبوا ببغيهم وعدوانهم هذا العقاب الذي حرّم الله به عليهم ما كان حلّا لأسلافهم من قبل أن تنزل التوراة- حين قال فيهم القرآن هذا جعلوا يبدون العجب والدّهش، ويقول قائلهم: ما هذا القول الذي يحدّث به محمد عنّا؟ وكيف تبلغ به الجرأة على الحق أن يغيّر ويبدّل فى شريعتنا؟ وقد ردّ القرآن عليهم قبل أن ينطقوا بهذا الذي نطقوا به، ورصد لهم الجواب الذي يفحمهم ويخزيهم، قبل أن يتساءلوا ويعجبوا، فى خبث صبيانى مفضوح، فدعا الله تعالى نبيّه أن يلقاهم بهذا الردّ إن هم كذبوه فيما يتهمهم به القرآن من كذب على الله: «فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ» فمع سعة رحمة الله وشمولها، فإنها لا تنال هؤلاء المجرمين الذين رماهم الله ببأسه ونقمته، فحرم عليهم طيبات ما أحلّ.. وقد فضحهم الله فى قوله سبحانه: «وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ

أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ.. هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ.. لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ. إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ» (116: النحل) وفى قوله تعالى: «كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ» إشارة إلى أن الأصل فى الطعام أن يكون مطلق الحلّ، يتناول منه الإنسان ما ترضاه نفسه، وتطيب به.. إن ذلك شأن من شئون الناس.. فما استساغته النفوس وقبلته، فهو حلّ مباح لها، وما عافته واستقذرته لم يكن لأحد أن يحملها على تناوله. فهذه أنواع الحيوان، وأجناس الطير.. لكل نوع طعام، ولكل جنس ما يغتذى به، ويقيم حياته عليه، إذ يعيش بعضها على النبات، وبعضها على الحبوب، وبعضها على الثمار، كما تعيش أصناف منها على اللحم، وأصناف أخرى على العشب! فإذا عرض على الحيوان آكل العشب بعض قطع اللحم لم يمدّ فمه إليها، والعكس بالعكس.. وهكذا كل صنف وكل نوع، يسعى وراء الطعام الذي ساغته نفسه وقبلته طبيعته! والإنسان شأنه شأن الحيوان فى هذا.. له أن يأكل مما تنبت الأرض، وما تحمل على ظهرها من حيوان، ما دام المأكول مستساغا عنده، مقبولا لديه! وطبيعى ألا يستسيغ الإنسان كل شىء أو يقبل كل شيء.. فقبل كثيرا، ورفض كثيرا، وهو حرّ فى القبول وفى الرفض. ذلك شأن الإنسان، وهكذا ينبغى أن يكون شأنه.. الأمر متروك له، فيما يتخيّر من طعامه، وشرابه! ولكنّ العناية الإلهية كانت ولا تزال دائما أبدا تمدّ الإنسان بنصحها،

وإرشادها، حتى يستقيم على الطريق القويم. فأرسل الله رسله يحملون إلى الناس الهدى والرشاد، ويؤذّنون فيهم بكلمات الله، وما فيها من وعد ووعيد، إذ كان الإنسان أهلا لأن يخاطب من قبل الله، وأن تحمل إليه كلمات الله، وما فيها من نور وهدى! فكان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وإباحة الحلال وحظر الحرام، مما بينته للناس شريعة السماء، وأمرت بالوقوف عند حدوده! وفى الطعام والشراب جاءت الشريعة السماوية بالإباحة المطلقة لكل ما هو طيب، كما يقول الله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ» (172: البقرة) ويقول سبحانه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا» (87: المائدة) . وقد يكون من العجب أن تحرّم الشريعة السماوية على الناس بعض ما يشتهون، أو بعض ما يجدون له مساغا بوجه من الوجوه! ويقوم هذا العجب حين ننظر إلى الإنسان نظرتنا إلى الحيوان، ونقيسه عليه، ونسوّى بينهما فى القياس، وعندئذ يحوز لقائنا أن يقول: إذا كان الحيوان قد أطلق له الأمر فى اختيار طعامه وشرابه، والاستدلال بغريزته على ما يصلح له وما لا يصلح، أفلا يطلق للإنسان الأمر فى اختيار طعامه وشرابه، والتمييز بعقله وخبرته بين النافع منها والضار؟ أليس من باب أولى أن يكون الإنسان سيد نفسه، وصاحب أمره فى هذا الأمر فى هذا الأمر الذي يتهدّى إليه الحيوان بطبيعته؟ ولكن يردّ على هذا، بأن الإنسان أكرم على الله من الحيوان، بما حباه من عقل، وما جعل له بهذا العقل من سلطان الخلافة على هذه

الأرض.. ولهذا تولّى الله سبحانه هدايته، وخاطبه- كما قلنا- على لسان رسله بكلماته وآياته.. وقد جاءت آيات الله إلى الإنسان لتحرر إرادته من الهوى المتسلط عليه، وتجلى عن عقله غيوم الجهل والضلال التي تخيم عليه بين الحين والحين.. وكما جاءت آيات الله لتحرر إرادة الإنسان، وتصحح وجدانه، وتنير عقله، جاءت أيضا إلى الجانب المادىّ منه، لتغذّى جسمه بالغذاء الطيب، ولتحول بينه وبين أن يطعم الخبيث، حتى يسلم له كيانه كله، جسدا، وعقلا، وقلبا، وروحا! ومن هنا كان ما فرضته الشريعة السماوية من تحريم الخبيث من الأطعمة على المؤمنين- استعلاء بالإنسان، واستكمالا للكمال المنشود له، بل والمطلوب منه. وهذا ما فعلته الشريعة الإسلامية مع أتباعها فيما حرمت عليهم من مطاعم، فيقول الله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ.. ذلِكُمْ فِسْقٌ ... » وهى جميعها مطاعم تأباها النّفوس الطيبة، وتعافها الطبائع السليمة، بل إن بعض الحيوانات آكلة اللحوم تأبى أن تأكل الميتة، ولو هلكت جوعا.. كالأسد مثلا، فإنه لا يقرب الميتة أبدا! فالميتة، والدم، ولحم الخنزير، والحيوانات التي تموت غير ميتة طبيعية، كالمنخنقة والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع منها.. كل هذه مطاعم لا تقبلها نفس طيبة، ولا تسوغها طبائع سليمة.

وهناك مطاعم حرّمها الإسلام لا لذاتها، ولكن لما أحاط بها من جوّ كريه، يفسدها، ويفسد طعمها على آكليها، كتلك التي تذبح قربانا للأوثان، ومثلها جميع مطاعم الوثنيين.. حيث تفوح منها ريح الشرك بالله، والكفر به.. فهى والحال كذلك طعام ملوّث بالشرك بالله، فمن طعمها طعم الشرك معها. وكالخمر التي حرمتها الشريعة الإسلامية، إنها شراب مشوب بداء يغتال العقل، وتذهب به حميّا خمارها وسكرها.. وعندئذ ينزل الإنسان عن إنسانيته التي يحرص الإسلام على أن يستبقيها فى كيان المخلوق الذي كرمه الله.. ومن أجل هذا كان تحريمها.. فهذه المحرمات من المطعومات والمشروبات، هى حماية للإنسان من أن ينزل عن إنسانيته، واستعلاء به، واستكمال للكمال المنشود له. وكما يكون تحريم بعض الأطعمة والأشربة لطفا من ألطاف الله بالإنسان، والاستعلاء به على الخبائث- يكون التحريم فى حال أخرى، ضربا من الهوان والإذلال للإنسان، وابتلاء وإعناتا له، حين يدفع عن الطيب، ويذاد عن الشهىّ، نكالا له بما كسب من ظلم، وما جنى من بغى.. فكان هذا العقاب له، من واردات الظلم والبغي، وإن لم يكن ظلما ولا بغيا، ولكن هكذا يجزى الظالمون البغاة.. «ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ» (146: الأنعام) فقد كانت المطاعم كلّها حلّا لبنى إسرائيل، لم يحرّم عليهم شىء منها إلا ما تعافه النفس، وتزهد فيه.. ومع هذا فإنه كان إذا ورد واردهم على الميتة أو الدم أو لحم الخنزير، أو الخمر، فإنه لا إثم عليه فيه، حيث لم يكن هناك حدّ شرعىّ، يفرق بين طعام وطعام.

ومع أن هذا الإطلاق يرفع الحرج عنهم فى أن يطعموا أي طعام يريدون- فإنه يحمل فى طياته الوقوف بهم عند مستوى من الإنسانية، دون هذا المستوي الكريم، الذي ندبت له الشريعة الإسلامية أتباعها، فحرمت عليهم ما حرمت من مطاعم، ولم تجعل ذلك إلى أتباعها، يطعمون منها ما شاءوا متى شاءوا، بل حرمت عليهم بعض الأطعمة تحريما قاطعا، وأثمت من ينال منها إلا عند الاضطرار، ودون مجاوزة حد الاضطرار. لم تحرّم الشريعة على بنى إسرائيل شيئا مما يطعمون إلّا ما حرم إسرائيل- وهو يعقوب- على نفسه من أطعمة استقذرها، وعافتها نفسه، فجعل ذلك حراما ملزما نفسه إياه! فلما جاء موسى عليه السّلام، إلى بنى إسرائيل، وطلع عليهم بآيات الله، وملأ الحياة عليهم بالمعجزات.. ثم لم يكن منهم إلّا العناد، والإغراق فى الضلال، والمكر بآيات الله- فكان أن أخذهم الله بالبأساء والضراء، وضرب عليهم التّيه فى الصحراء، وابتلاهم بتحريم العمل فى يوم السبت، فلم يطيقوا، وعملوا فى هذا اليوم، فرماهم الله باللعنة، وجعل منهم القردة والخنازير! ثم ابتلاهم الله بما حرّم عليهم من طيبات الطعام، التي ذكرها الله سبحانه فى القرآن الكريم، والتي جاءهم بها موسى فى التوراة، وبيّن الله فيها أنها نقمة وابتلاء، وبلاء! كما يقول الله تعالى: «وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ» (146: الأنعام) . ونقرأ الآية الكريمة، التي تحدّث اليهود بما فى التوراة التي فى أيديهم، عن تلك المطاعم التي حرمها الله عليهم، نكالا وابتلاء..

«كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ.. قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» . ففى التوراة مثل ما فى القرآن من هذا الأمر.. ولكن القوم يكابرون، وينكرون أن يكون فى التوراة شىء من هذا الذي يحدثهم به القرآن. ويمضى القرآن دون أن يلتفت إليهم.. إنه الصدق المطلق الذي يجدونه بين أيديهم، وإن أنكروه بألسنتهم، فهو يتحدث إليهم بصوت صارخ من التوراة: أن كذبتم وافتريتم.. فألجموا ألسنتكم، ودعوا هذا الافتراء الذي أنتم فيه.. «فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» !. ولكن هيهات أن يكفّ القوم عن الكذب والافتراء.. وتلك بلية أخرى، وداء يضاف إلى أدواء. ولا يقف القرآن ليسجل عليهم ما يثرثرون به، من كذب وافتراء، بعد كذب وافتراء، بل يمضى فى طريقه، يؤذّن بالحق، ويدعو إليه من شاء أن يكون من أهله.. «قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» .. .. فإن ما ينطق به القرآن هو كلمات الله، التي هى الصدق المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وفى قوله تعالى: «فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» تعريض باليهود، وبأنهم ليسوا على ملة إبراهيم التي يدّعون- زورا وبهتانا- أنهم عليها، فإن إبراهيم كان حنيفا مسلما، وهؤلاء ليسوا بالحنفاء ولا بالمسلمين، ولكنهم كفروا وأشركوا، وضلوا ضلالا بعيدا.

الآيتان: (96، 97) [سورة آل عمران (3) : الآيات 96 إلى 97]

الآيتان: (96، 97) [سورة آل عمران (3) : الآيات 96 الى 97] إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (96) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (97) التفسير: فى هاتين الآيتين الكريمتين ما يكشف عن الأسس القويمة التي قام عليها دين الله، بدءا وختاما، فكان هو الإسلام فى مبدئه وختامه.. فاولا: إبراهيم عليه السّلام- هو أبو الأنبياء، ومن ذريته، وعلى دينه، داود، وسليمان، وأيوب، ويوسف، وموسى، وهرون، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وإلياس، وإسماعيل، واليسع، ويونس، ولوطا، ومحمد.. عليهم صلوات الله وسلامه.. وثانيا: البيت الحرام الذي بمكة هو أول بيت وضع للناس، فى هذه الأرض، ليكون مصدر الخير والبركة، ومعلم الهدى والنور للناس أجمعين. ثالثا: هذا البيت الحرام، كان مصلّى إبراهيم ومقامه، ساقته العناية الإلهية إليه، ليجدّد معالمه، ويرفع قواعده، ويعدّه لاستقبال الرسالة التي بدأها، حين يتمّ تمامها، وتبلغ غايتها على يد آخر المرسلين من أبنائه، وهو محمد عليه الصلاة والسلام. وهذا البيت الذي اتخذه إبراهيم مصلّى له، هو بيت الله، وهو أول بيت على هذه الأرض اتصل فيه الإنسان بربّه، منذ طفولة الإنسانية الأولى.. فلما اصطفى الله إبراهيم لرسالته، دعاه إلى تجديد معالمه، ورفع قواعده، ولم يكن

إبراهيم هو الذي أنشأه وأقامه.. فهو أقدم من إبراهيم بأزمان بعيدة، وفى هذا يقول الله تعالى: «وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ» (125 البقرة) .. ففى قوله تعالى: «وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ» إشارة إلى أنه كان بيتا لله قبل أن يعهد الله إلى إبراهيم وإسماعيل بتطهيره من الأوثان التي عبدها العابدون فيه.. ثم يقول الله تعالى: «وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ..» (127: البقرة) . وفى هذا إشارة أخرى إلى أن البيت كان قائما على قواعد، وأنها كانت إلى عهد إبراهيم وإسماعيل قد تهدمت.. فكان عمل إبراهيم وإسماعيل فيها هو إقامتها على أصولها التي كانت عليها. رابعا: فى اشتراك إسماعيل مع أبيه إبراهيم فى إقامة هذا البيت، وتطهيره من الأوثان.. إعداد- كما قلنا- للرسالة المحمدية، التي ستكون ميراثا خالصا له من أبويه الكريمين: إبراهيم وإسماعيل. من هذا يبدو أن الرسالة الإسلامية المحمّدية كانت هى الفلك الذي تدور فيه رسالات الأنبياء والمرسلين، وأنها الجامعة التي تجتمع إليها جميع الرسالات، وتلتقى عندها، كما أنها كانت هى المنبع الذي فاضت منه عيونها، والكوكب الذي استمدت منه شعاعاتها.. فالرسالة الإسلامية المحمدية هى المبدأ والختام، بدأت كما يبدو الهلال، يكبر ليلة بعد ليلة، حتى يتم تمامه ويصير بدرا، ففى كل نبوّة، وبين يدى كل نبى، قبسة من أقباس الإسلام، وضوءة من أضوائه، حتى جاء صاحب الرسالة الإسلامية، محمد ابن عبد الله، فوضعها الله بين يديه، على أتم تمامها، وأكمل كمالها.

وقوله تعالى: «مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ» حالان لنائب الفاعل للفعل «وضع» أي وضع البيت مباركا وهدى للعالمين. وقوله تعالى: «فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ» بيان للبركة التي شملت هذا البيت، وللهدى الذي يفيض على الناس منه.. وتلك الآيات كثيرة.. منها أنه كان أقدم بنيّة لله على هذه الأرض، ومع ذلك ظل محتفظا بوجوده، لم تذهب به الأحداث، ولم يأت عليه الزمن كما أتى على آثار الأولين، وعفّى على كل معلم من معالمها.. أما هذا البيت فهو أقدم معلم على هذه الأرض، ومع ذلك فهو لا يزداد مع الأزمان إلا وضوحا ورسوخا.. حتى فى عهود الضلال والوثنية.. كان له فى قلوب الوثنيين وفى عقولهم من الإجلال والتقديس ما له فى قلوب المؤمنين وعقولهم من إجلال وإكبار وتقديس! ومن الآيات القائمة فيه، أنه كان ولا يزال أبدا حرما آمنا، يجد عنده من يلوذ به من إنسان وحيوان وطير، الأمن والسلامة، فلا تمتد إليه يد بأذى ولا يناله أحد بمكروه، توقيرا لهذا البيت، وتكريما لمقامه الكريم.. حتى إن أشدّ الناس فتكا، وأقساهم قلبا، وأكثرهم إضرارا بالناس وأذى، لا يجد فى نفسه القدرة على انتهاك حرمة هذا الحرم.. بل إنه سرعان ما يستولى عليه شعور الأمن والسلام، وإذا هو أمن وسلام، مع المؤمنين السالمين، فى جوار الحرم الأمين. ومن الآيات البينات فى هذا البيت أنه لا يزال أبدا مهوى الأفئدة، ومجتمع الحجيج من مختلف الأمصار والأجناس والألسنة، حتى إذا صارت إليه هذه الألوان المختلفة من الناس، أحالها لونا واحدا، وأوردها مشربا واحدا، وجمعها على أمر واحد!. وقوله تعالى: «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ» هو خبر يراد به الأمر،

الآيتان: (98 - 99) [سورة آل عمران (3) : الآيات 98 إلى 99]

أي أن الله سبحانه، قد فرض على الناس أن يحجوا إلى هذا البيت، وأن يذكروا الله فيه، لينالوا حظهم المقسوم لهم من نفحاته، وبركاته. وكلمة «الناس» هنا تعنى النّاس جميعا، لا تخصّ أمة من الأمم، ولا تنحصر فى شعب من الشعوب، إنها دعوة الله إلى كل النّاس، أسودهم وأحمرهم، وأبيضهم، على السواء.. إنهم عباد الله، والبيت بيت الله. وفى قوله تعالى: «مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» قيد وارد على الأمر العام المطلق بالحج، فلا بد لنفاذ هذا الأمر، من الاستطاعة، فإذا فقد الإنسان الاستطاعة فلا حجّ عليه! والاستطاعة هنا استطاعة عامة، تشمل القدرة المالية، والقدرة الجسدية، كما تشمل أمن الطريق، وكما تشمل قبل ذلك كلّه، الإيمان بالله.. فغير المؤمن بالله، لا يتجه إلى بيته، ولا يسعى إليه.. فهو فى حكم غير المستطيع، إذ قام الكفر حجازا بينه وبين هذا البيت. وفى قوله تعالى: «وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ» إشارة إلى أن الكافر صادّ عن بيت الله، لا يستجيب لهذا الأمر الذي دعا الله فيه الناس جميعا، أن يحجوا إلى بيته.. فكأنه جنس آخر غير جنس الناس المدعوين إلى بيت الله! الآيتان: (98- 99) [سورة آل عمران (3) : الآيات 98 الى 99] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99)

التفسير: دعا الله النّاس إلى أن يحجّوا إلى بيته، ولكن الذين كفروا بالله محجوزون بكفرهم عن إجابة هذا النداء.. فالله غنىّ عن العالمين! وأهل الكتاب- وخاصة اليهود- من الذين كفروا بآيات الله، فلم يدخلوا فى هذه الدعوة، ولم يستجيبوا لها، وقد أمر الله النبىّ الكريم أن يلقاهم بهذا السؤال الذي ينكر عليهم هذا الموقف الذي وقفوه من الدعوة الإسلامية وآياتها البينات، خاصة وأنهم أهل الكتاب، تلتقى دعوته مع دعوة الإسلام، لو أنهم آمنوا بما فى كتابهم، ولم يحرّفوا الكلم عن مواضعه.. «يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ؟» . وفى قوله تعالى: «وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ» تهديد لهم، ووعيد بسوء المصير، جزاء أعمالهم المنكرة، وكفرهم العنادىّ.. وذلك كلّه واقع فى علم الله، الذي لا تخفى عليه خافية.. ولو وقف أهل الكتاب بكفرهم عند حدّ، وقصّروا هذا الكفر على ذات أنفسهم، لكانت مصيبتهم مصيبة، ولكنهم تجاوزوا هذا الموقف القاتل، إلى إضلال غيرهم، وإلى التشويش على المؤمنين، وإفساد دينهم عليهم، إذ يصدّون المؤمنين عن سبيل الله، بما يلقون إليهم من أباطيل، وما يسوقون إليهم من فتن.. إنهم لا يريدون لأحد أن يستقيم على سبيل الله، لأنهم يعلمون أنهم على طريق الضلال، وأنهم هالكون، وإنه لعزيز عليهم أن يسلم الناس.. وإذن فليضلّ الناس كما ضلوا، وليهلك الناس كما هلكوا.. وذلك شأن المفسدين، إخوان الشياطين، يغوون الناس، ويزينون لهم سبل الفساد، ليكون معهم من يصاب بما أصيبوا به، وفى ذلك عزاء لهم، وإنه لبلاء إلى بلاء! .. وفى هذا يقول الله تعالى: «وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ» (69: آل عمران)

الآيتان: (100 - 101) [سورة آل عمران (3) : الآيات 100 إلى 101]

ويقول سبحانه: «وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً..» (89: النساء) الآيتان: (100- 101) [سورة آل عمران (3) : الآيات 100 الى 101] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) التفسير: بعد أن كشف الله- سبحانه- أولئك الذين كفروا من أهل الكتاب، وما يبيّتون للمؤمنين من مكايد وفتن، ليفسدوا عليهم دينهم- دعا الله المؤمنين إلى أن يأخذوا حذرهم من هؤلاء الضالين المضلّين من أهل الكتاب: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ» .. والفريق المعنىّ هنا من أهل الكتاب، هم العلماء منهم، والذين يحسنون وسائل التضليل والخداع، بما لهم من علم، وفى قوله تعالى: «وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ» ، تنبيه للمؤمنين وتحذير لهم، وتسفيه لمن تسوّل له نفسه منهم أن يستجيب لدعوة هؤلاء الضالّين، ويعطيهم منه أذنا واعية.. إذ كيف ينفذ هذا الضلال إلى قلب مؤمن، وهو يستمع إلى آيات الله تتلى عليه، ويرى بعينيه رسول الله قائما على رسالة السّماء، يتلقى آياتها، ويفيض على الناس منها؟ كيف- والأمر كذلك- يتحول عاقل من الناس من النور إلى الظلام، ومن الهدى إلى الضلال؟ إن ذلك لن يكون إلا من أحمق، أو سفيه، أو مجنون!

الآيتان: (102 - 103) [سورة آل عمران (3) : الآيات 102 إلى 103]

وفي قوله تعالى: «وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» توجيه إلى الطريق الذي ينبغى أن يستقيم عليه العاقل، ويلتزمه، وهو الإيمان بالله، والاعتصام به من وسوسة الضالين، وكيد المبطلين، فذلك هو الذي يعصم المؤمن من الزلل، ويحميه من الضلال، وفى هذا نجاته وسلامته. الآيتان: (102- 103) [سورة آل عمران (3) : الآيات 102 الى 103] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) التفسير: بعد أن حذّر الله- سبحانه- المؤمنين، فى الآيتين السابقتين (100، 101) من أن يأمنوا جانب تلك الجماعة المنحرفة من أهل الكتاب، التي تدبّر لهم الشر، وتحيك لهم الضلال، لتفسد عليهم دينهم، ولتفتنهم فيه- بعد هذا توجّه سبحانه بهذا النداء الكريم إلى المؤمنين فى خاصة أنفسهم، ليحذرهم من العدو الخفي، بعد أن حذّرهم من العدو الظاهر. وهذا العدو الخفي، هو النفس، ونزعاتها، وأهواؤها، تلك الأهواء والنزعات التي إن تسلطت على الإنسان أفسدته وأهلكته، وكانت أشدّ وبالا عليه من أعدى أعدائه الذين يراهم رأى العين! وفى هذا النداء الكريم، يدعو الله المؤمنين أن يتقوه حق تقواه، وأن يأتمروا بما أمرهم الله به، وأن ينتهوا عما نهاهم عنه، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا!

وقد فسّر بعض المفسّرين تقوى الله حق تقاته، بالتقوى التي تتناسب مع جلال الله، وكماله، وعظمته.. وهذا مقام لا يستطيعه بشر من البشر، ولا خلق من خلق الله. ولهذا رأى هؤلاء المفسرون أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (16: التغابن) والواقع أنه لا تعارض بين الآيتين، وإذن فلا تناسخ بينهما! ذلك أن معنى قوله تعالى «اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ» الاجتهاد فى عبادته، وفى طاعته، على قدر ما تسع نفس الإنسان وتحتمل، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» (233: البقرة) . وهو ما تشير إليه الآية الكريمة: «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .. فالتقوى على قدر الاستطاعة هى التقوى حقّ التقوى، وهى المناسبة لقدر الإنسان ولحظّه من الكمال المقدور له.. وعلى هذا، فالناس على منازلهم من تقوى الله، كل حسب وثاقة إيمانه وقوة عزيمته، لا على حسب مالله من كمال وجلال، فذلك مالا يبلغه إنسان.. أما ما ينبغى لله من قدر وكمال فلن يبلغ أحد ذرة منه! وحسب الإنسان لكى يكون من عباد الله، أن يؤمن بالله أولا، وأن يجتهد فى عبادته وطاعته ما استطاع، وإن فاته شىء من التقوى والعبادة- وهذا ما لا بد أن يكون- فلن يفوته سلامة معتقده فى الله، وإخلاصه فى الإيمان بوحدانيته، ثم الموت على هذا المعتقد- فإن فاته ذلك فقد حبط عمله، وضلّ سعيه، وأورد نفسه موارد الهالكين. وبعد أن ثبت الله قلوب المؤمنين على الإيمان، دعاهم دعوة أخرى، وهى أن يكونوا جبهة واحدة فى وجه الأعداء المتربصين بهم.. فقد عرف المسلمون آثار الفرقة فيما كانوا عليه هم وآباؤهم فى الجاهلية، من عداوة وبغضاء، ومن خلاف وشقاق، الأمر الذي ملأ قلوبهم خوفا، وغمر ديارهم فقرا وحزنا!.

الآيات: (104 - 107) [سورة آل عمران (3) : الآيات 104 إلى 107]

«وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً، وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها..» هكذا كان المؤمنون، ثم هكذا أصبحوا.. كانوا أعداء فألّف الله بين قلوبهم، فأصبحوا بنعمته إخوانا. وكانوا عبدة أوثان وأصنام، وفى شرك وضلال يهويان بالمشركين الضالين إلى مهاوى السعير.. وكان هؤلاء الذين أدركهم الإسلام من مشركى الجاهلية على حافة الهاوية، فأنقذهم الله، إذ دخلوا فى الإسلام، وكانوا من المسلمين! فليذكر المسلمون هذا الذي كانوا فيه.. فإن لم يذكروه فى أنفسهم ذكروه فى آبائهم وأجدادهم.. ثم ليذكروا هذه النعمة السابغة التي أضفاها الله عليهم بالإسلام، ثم ليحفظوا هذه النعمة، وليحرصوا عليها، وليحرسوها من الآفات التي تطلع عليها من آفاق شتى.. وبهذا يسلم لهم دينهم، وتسلم لهم أنفسهم. الآيات: (104- 107) [سورة آل عمران (3) : الآيات 104 الى 107] وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (107)

التفسير: علماء أهل الكتاب هم الذين أفسدوا على الناس دينهم، فغيروا، وبدلوا، وحرفوا.. وهذه خيانة لله، وخيانة للعلم، إذ كان العلماء هم ورثة الأنبياء، وهم المؤتمنون على دعوة السماء، بعد الرسل، يعلّمون الجاهلين، ويهدون الضالين، ويقيمون المنحرفين، فإذا تحول العلماء أنفسهم إلى أدوات هدم وتدمير فى المجتمع، كانت المصيبة قاصمة مهلكة! من أجل هذا، كانت دعوة الله سبحانه وتعالى إلى الأمة الإسلامية، أن تندّب منها أمة، أي جماعة، يتولون قيادة الناس، وهدايتهم إلى سبل الرشاد.. فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.. وبهذا يقومون فى المجتمع مقام الأطباء، الذين يرصدن الآفات والأمراض التي تعرض للناس، فيعملون على دفعها، والقضاء عليها.. ويمكن أن يكون قوله تعالى: «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» دعوة للأمة الإسلامية كلها أن تكون على تلك الصفة.. أمة تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر. ويكون معنى «من» فى «منكم» للبيان لا للتبعيض، وهذا ما يناسب قول الله تعالى بعد هذه الآية: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ.» (110: آل عمران) وسواء أكان الأمر موجها إلى الأمة الإسلامية كلها، أو إلى جماعة العلماء المتخيّرة فيها، فإنّ معطيات هذا الأمر واحدة، حيث تكون الأمة كلها منقادة للقيادة الرشيدة فيها، وهى جماعة العلماء العاملين بعلمهم، الداعين إلى الخير، الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، وبهذا تصبح الأمة كلها على هذا الطريق المستقيم. وإذ يأمر الله تعالى الجماعة الإسلامية بهذا، فإنه يحذّرها من أن تذهب مذاهب

الجماعات المنحرفة من أهل الكتاب الذين تفرقوا واختلفوا، ولم يقم من بينهم راشدون، يقومون فى وجه تلك الانحرافات، وهذه الاختلافات، فكان أن ضلّوا جميعا، وهلكوا جميعا!! وهكذا شأن الجماعات التي تفقد القيادة الرشيدة.. لا يستقيم لها طريق، ولا تستقر لها حال.. إنها أشبه بالغنم ليس لها راع يوردها موارد العشب والماء، ويدفع عنها عادية الذئاب والسباع.. وقوله تعالى: «يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ» الظرف هنا متعلق بقوله تعالى: «وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ..» أي أنهم يعذبون عذابا أليما فى هذا اليوم، يوم الحساب والجزاء.. يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه.. وابيضاض الوجوه واسودادها، كناية عن البهجة والنعيم الذي يعلو وجوه المؤمنين، والخزي والسوء الذي يحيط بالكافرين، فى ذلك اليوم العظيم. وفى قوله تعالى: «فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ» بيان لما أجمل فى قوله تعالى: «يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ» . ولم يجىء هذا التفصيل مرتبا على حسب ما جاء فى المجمل قبله، إذ كان الترتيب يقضى بأن يبدأ بالذين ابيضت وجوههم، حيث بدئ بهم أولا. والذي جاء عليه النظم القرآنى، هو البيان المبين، الذي هو سمة الإعجاز من كلام ربّ العالمين، فقدّم أولا الذين ابيضت وجوههم وهم المؤمنون، لأن ذلك كان تعقيبا على ذكر الأمة الإسلامية، وما ينبغى لها أن تصون نفسها عنه، مما وقع فيه أهل الكتاب من فرقة وخلاف، كان لعلمائهم فيه الدور الأول.. ثم ذكر إزاء هذه الصورة صورة أهل الكتاب، وما يكون عليهم حالهم يوم القيامة: «يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ» المؤمنين «وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ» الكافرين من أهل الكتاب! .. وفى هذا ما فيه من تطمين للأمة الإسلامية، وترسيخ لأقدامها على الإيمان، والوحدة والألفة.

فإذا جاء تفصيل هذا الإجمال، ووقع تأويله، وسيق الناس إلى الحساب والجزاء قدّم أولئك الكافرون، ليقفوا موقف المذنبين للمحاكمة، ولم يمهلوا، وذلك إشعار لفظاعة جرمهم، وشناعة ذنبهم، الذي يقتضى تعجيل الجزاء السيّء الذي ينتظرهم.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ» (87، 88: آل عمران) . وفى التعجيل بعرض هؤلاء الكافرين من أهل الكتاب ما يدخل الطمأنينة على المؤمنين، الذين ينتظرون دورهم فى ساحة الحكم.. فهذا الحكم الذي يقضى به على هؤلاء الكافرين فيه براءة ضمنية لغيرهم من المؤمنين، ولكنها براءة مشوبة بالخوف، محفوفة بالخشية.. فإذا جاء بعدها هذا الرضوان الذي يفتح لهم أبواب الجنات، وما يلقون فيها من نعيم- زادهم ذلك نعيما إلى نعيم، ورضوانا إلى رضوان.. «فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» . وانظر كيف كانت مساءلة الكافرين، وكيف كان خزيهم وعيّهم عن ردّ الجواب «أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ؟» .. ثم انظر كيف كان الجواب على هذا السؤال: «فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» وفى قوله تعالى: «أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ» إشارة إلى أن هؤلاء الكافرين هم أهل الكتاب الذين تحولوا من الإيمان إلى الكفر، وهم الذين أشار إليهم الله سبحانه وتعالى فى قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ» (91: آل عمران)

الآيتان: (108، 109) [سورة آل عمران (3) : الآيات 108 إلى 109]

وفى قوله تعالى: «فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» إشارة ثانية إلى هؤلاء الكافرين من أهل الكتاب الذين كذّبوا بمحمد، وكفروا بآيات الله التي بين أيديهم، فيما تحدّث به عنه. والمعنى: فذوقوا العذاب بسبب هذا الذي كنتم تكفرون به، وهو «محمد» وما تحدثكم به التوراة عنه. ثم انظر بعد هذا، وفى الجانب الآخر من الصورة، تجد المؤمنين وقد انتقلوا من هذا الموقف، موقف المحاكمة، فى لحظة خاطفة، دون أن يسألوا.. فإذا هم فى رحمة الله هم فيها خالدون.. «وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» . الآيتان: (108، 109) [سورة آل عمران (3) : الآيات 108 الى 109] تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (108) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109) التفسير: يبين الله سبحانه لنبيه الكريم فى هاتين الآيتين الكريمتين لطفه به وبعباده، وأنه سبحانه يخاطبه بلسان الحق، وينزّل عليه آياته بالحق، ليهتدى بها الضالون، ويعلم منها الجاهلون، وبذلك لا يكون للنّاس على الله حجة بعد هذا البلاغ المبين، ولا يكون لقائل منهم أن يقول ما حكاه الله عنهم فى قوله تعالى: «رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» (47: القصص) .. فإذا أخذ الله بعد ذلك مذنبا بذنبه كان ذلك هو الحكم الذي ينبغى أن يدين به العاقل نفسه.. «وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ» لأنه لو شاء سبحانه أن يعذب الناس جميعا- محسنهم ومسيئهم- لما كان لأحد

[مبحث: الخير.. فى خير أمة أخرجت للناس]

أن يجاحّ الله فى هذا، أو يدفع عن نفسه ما يريد الله به.. ولكنّ رحمة الله سبحانه بعباده، اقتضت أن يرسل إليهم رسله، يحملون إليهم آياته واضحة بيّنة، تهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم «فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها» (104: الأنعام) وقوله تعالى: «وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ» هو بيان لما لله على النّاس من سلطان، وأنه يحكم فيهم ولا معقّب لحكمه، وأنه آخذ بنواصيهم جميعا، فإليه مرجعهم، وبين يديه حسابهم: «إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ» (25- 26: الغاشية) . [مبحث: الخير.. فى خير أمة أخرجت للناس] الآية: (110) [سورة آل عمران (3) : آية 110] كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (110) التفسير: مما يكبت الضّالين من أهل الكتاب- وخاصّة اليهود- أن يروا نعمة من نعم الله تلبس أهل الإسلام، وخاصة إذا كانت تلك النعمة بين أطواء آية من آيات الله، المنزلة على رسول الله، لأنهم يعلمون أن ذلك حق لا ريب فيه، وأن تلك النعمة إن لم تكن قد أتت فهى آتية لا ريب فيها، وهذا مما يضاعف حسرتهم، ويملأ قلوبهم غيظا وكمدا.. وإذ تلقّى المسلمون قوله تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» بالتهليل والتكبير، وبالثناء المستطاب على الله أنّ منّ عليهم بهذا الفضل، فرفع قدرهم بين الأمم، وأعلى شأنهم فى العالمين- فإن أهل الكتاب-

وخاصة اليهود- قد صعقوا لهذه الآية، ودارت رءوسهم بها، وزلزلت أقدامهم منها، وأيقنوا أنهم لن يلحقوا بالمسلمين، ولن يقوموا لهم أبد الدهر! وفى قوله تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» وفى التعبير بلفظ الماضي «كنتم» ما يشير إلى أن هذا الحكم الذي حكم به الله على هذه الأمة، بأنها خير أمة أخرجت للناس- ليس محدودا بزمن من أزمانها، ولا مخصوصا بحال من أحوالها.. وإنما هو حكم عام مطلق، يشمل الأمة الإسلامية كلها، فى كل أزمانها، وفى جميع أحوالها، من عهد النبوة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. إنه حكم للأمة الإسلامية فى ماضيها وحاضرها، ومستقبلها. وإن تلقته فى أول وجودها، وفى ساعة مولدها.. «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» ! هذا هو حكم الله فيما أحاط به علمه، وفيما قدّره لكل أمة من أجل، ومن رزق!. وفى قوله تعالى: «أُخْرِجَتْ» تنويه آخر بشأن هذه الأمة، وأنها هى المولود الكامل، الذي تمخضت عنه الإنسانية كلها.. ولن تلد مثله أبد الدهر!. وفى قوله سبحانه: «أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» تنويه ثالث بتلك الأمة، فإنها لم تخرج من الناس، ولكنها «أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» وكأنها بهذا من معدن غير معدن الناس، ومن عالم غير عالم الناس، جاءتهم هكذا من عالم الغيب، وأخرجت لهم من حيث لا يتوقعون.. من صحراء مجدبة قفر، ومن مجتمع أمّى غارق فى الجهالة!، فقادت ركب الإنسانية، وحررتها من قيود العبودية والظلم. هذا هو مكاننا- أمة الإسلام- الذي ندبنا الله له، وأحلّنا فيه، وأقامنا عليه.. وإنه لن يزحزحنا عن هذا المقام زمان، ولن يحتله مكاننا أحد..

وإننا- أمة الإسلام- على أي حال كنّا، وفى أسوأ وجود لنا- خير أمة أخرجت للناس!. وإن ميزاننا مهما خفّ فى هذه الحياة فهو أثقل من ميزان أية أمة، وإن بدا فى ظاهرها أنها أقوى قوة، أو أكثر مالا، وأعزّ نفرا!. ذلك ما ينبغى أن نؤمن به إيمانا راسخا كإيماننا بالله.. وإلا كنا مكذبين بآياته، منكرين، أو منتكرين لكتابه! إننا- أمة الإسلام- أشبه بالذهب، بين المعادن الأخرى.. قيمته دائما فيه، حتى ولو علا بريقه التراب، وغبّر وجهه دخان الزمن.. إنه الذهب على أي حال. فليكن ذلك شعورنا بأنفسنا، وإيماننا بمكانتنا فى هذه الحياة.. ثم ليكن منّا ما يقابل هذا الشعور، وذلك الإيمان، من جدّ، ومن تحصيل لكل معانى الإنسانية الكريمة، ومثلها الرفيعة، فذلك هو الذي يحقق كل معانى الخيرية فينا، ويعرض للناس وللحياة أكمل الكمال منّا.. ومع هذا، فإنه لن ينزع عنا هذا الفضل الذي فضل الله به على هذه الأمة ما يلمّ بنا من ضعف أو يعرض لنا من فتور، أو يقع فى محيطنا من انحراف.. فتلك كلها عوارض لا تمسّ الصميم منا، ولا تنقض حكم الله لنا.. فنحن- على أية حال نكون عليها- «خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» . ولسنا بهذا ندعى ما يدّعيه اليهود لأنفسهم من أنهم «شعب الله المختار» . فنحن شىء، واليهود شىء. نحن تلقّينا كرامة الله وفضله.. واليهود رموا بغضب الله ولعنته!!

ذلك أن الله سبحانه، أفاض على اليهود من أفضاله، ومنحهم من نعمه ما لم يمنحه أحدا من العالمين.. امتحانا وابتلاء. فلما مكروا بآيات الله، وعصوا رسله، وقتلوا من قتلوا من أنبيائه، وأعنتوا من أعنتوا منهم- أخذهم الله بالبأساء والضرّاء، وساق إليهم نقمه، وشملهم بسخطه، وصبّ عليهم لعنته- وفى هذا يقول الله تعالى فيهم: «فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ» (13: المائدة) . أما نحن- أمة الإسلام- فقد فضل علينا بهذا الفضل، وجعله حكما قائما فينا أبدا: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» ولن ينقض أبدا هذا الحكم الذي حملته كلمات الله. وقوله تعالى: «تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ» بيان للصفات التي استحق بها المسلمون أن يكونوا «خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» فمن رسالة هذه الأمة ألا تحتجز الخير لنفسها، ولا تستأثر به حين يقع ليدها، بل تجعل منه نصيبا تبرّ به الإنسانية كلها، وتشرك الناس جميعا معها، فيه. ذلك شأنها فى كل خير تصيبه.. فإذا أصاب المسلم مالا، جعل فيه للفقراء والمساكين نصيبا، وآتى منه ذوى القربى واليتامى، وأنفق منه فى سبيل الله، وفى إعلاء كلمة الحقّ.. وإذا أصاب هدى من الله، وعرف طريقا إلى الحق، لم يجد لذلك مساغا إلا إذا وجّه الناس إليه، ودلّهم عليه، ولو احتمل فى سبيل ذلك الضرّ والأذى، وعرض نفسه للتلف والهلاك، شأن الطبيب

الذي يرى وباء يفتك بالناس، ويذروهم كما تذرو الرياح الهشيم.. إنه- والحال كذلك- ينسى نفسه، ويدخل فى معركة مع هذا الوباء، غير حاسب حسابا لما قد يقع له من سوء، ولو كان فى ذلك ذهاب نفسه! هكذا هو موقف الأمة الإسلامية من الخير الذي ساقه الله إليها، على يد الرسول الكريم، مما تلقّى من بركات السماء، ورحماتها. «تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» كما جاءكم رسول الله يأمركم بالمعروف وينهاكم عن المنكر.. وفى هذا يقول الله تعالى «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ» . وفى قوله تعالى: «تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ» قدّم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على الإيمان بالله، الذي هو مقدّم على كل عمل طيب، حيث لا يطيب العمل، ولا يقبل، إلا مع الإيمان.. فكيف يؤخر الإيمان هنا، عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؟ والجواب عن هذا من وجهين: أولا: أن الله سبحانه وتعالى إذ وصف هذه الأمة هذا الوصف الكريم، وحكم لها هذا الحكم القاطع اللازم، لم يصفها هذا الوصف ولم يعطها هذا الحكم إلا وهى على الإيمان، مجتمعة هى عليه ومشتملا هو عليها.. فهى ليست مطلق أمة، وإنما هى أمة مسلمة، تلك الأمة التي كانت استجابة من الله لدعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، إذ يقولان كما حكاه القرآن عنهما: «رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ» (138: البقرة) . ثانيا: ذكر الإيمان بالله هنا لم تكن داعيته وصف هذه الأمة بأنها مؤمنة بالله- إذ كان إيمانها بالله، معروفا مقدرا من قبل، وإنما داعية

ذكره فى القرآن أنه إيمان على صفة غير ما عليه إيمان المؤمنين من أهل الكتاب!. والإيمان بالله الذي عليه الأمة الإسلامية، هو إيمان برىء من كل شائبة من شوائب الشرك، وخلص من كل نزغة من نزغات الشك.. إنه إيمان مصفّى، يرى فيه المؤمن وجه الحق واضحا مشرقا، إذ لا يتكلف له المؤمن جهدا فى الوصول إليه، ولا تنقطع أنفاسه فى الدوران حوله، لأنه قريب، قريب، يراه العامة والفلاسفة على السواء.. إنه: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيى ويميت، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ذلكم الله ربّ العالمين، وهو ما يقوم به وعليه إيمان المسلمين.. بلا فلسفه، ولا كهنة، ولا أحبار، ولا رهبان.. إيمان يطمئن إليه قلب الرّاعى بين غنمه، والزارع وراء محراثه، كما يطمئن إليه قلب العالم فى معمله، والفيلسوف فى محراب فلسفته! إيمان بديهة.. لا تكدّ ذهنا، ولا تشتت خاطرا، ولا تزعج وجدانا. وليس كذلك إيمان المؤمنين من أهل الكتاب.. إنه إيمان مرهق معقّد، مركّب على قضايا من المقولات الفلسفية والمنطقية، المبنية على معطيات مما وراء الطبيعة، التي تدور بها رءوس العامة، وتضطرب لها عقول العلماء.. فإذا آمن مؤمنهم بالله كان بينه وبين الله حجب كثيفة من هذه المقولات، التي لا يستطيع أن يرى الله من خلالها إلّا محاطا بضباب كثير من الشك والارتياب!! فإيمان المسلمين بالله، إيمان.. وإيمان أهل الكتاب بالله إيمان.. وبين الإيمانين بعد بعيد، وبون شاسع.. ومن هنا كان ذكر إيمان المسلمين فى هذا المقام تنويها بهذا الإيمان، وعزلا له عن إيمان المؤمنين من أهل الكتاب،

ذلك الإيمان المشوب غير الخالص من العلل والآفات، ولهذا جاء قوله تعالى: «وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ» جاء بعد «قوله تعالى: وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ» داعيا أهل الكتاب أن يؤمنوا إيمانا مصححا مجددا، كإيمان المسلمين.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ» . وقد كشف القرآن الكريم عن حقيقة الإيمان الذي عليه أهل الكتاب.. فقال تعالى: «وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ» (13: البقرة) أي أنهم إذا دعوا إلى الإيمان بالله إيمانا بعيدا عن المماحكات والسفسطات، وعن الألغاز والطلاسم، التي تعمّى على الناس السبيل إلى الطريق المستقيم- إذا دعوا أن آمنوا كما آمن الناس، إيمانا سمحا سهلا واضحا- أبوا وقالوا أنؤمن كما آمن السفهاء من الجهلة والعامّة؟ وقالوا فى أنفسهم: كيف يهتدى أحد إلى الله من هذا الطريق القريب؟ إنّ الله بعبد بعيد، متستر فى حجب جلاله وبهائه، فلا تناله الأبصار، ولا تدركه العقول، وإنه لا بد- والأمر كذلك- من دراسات وفلسفات، وبحوث مضنية مرهقة، حتى يمسك الدارسون، والفلاسفة والباحثون بأذيال هذه الحقيقة الكبرى! هكذا زيّن لهم سوء عملهم فرأوه حسنا. وقال تعالى أيضا مشيرا إلى أهل الكتاب وإلى إيمانهم: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ» (8: البقرة) إنه إيمان مشوب بالشك، ومختلط بالضلال.. فلا يعدّ، ولا يحسب فى الإيمان الصحيح بحال أبدا. وفى قوله تعالى: «مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ» إشارة إلى أن قلّة قليلة من هؤلاء المؤمنين من أهل الكتاب قام إيمانهم على التسليم،

الآيتان: (111 - 112) [سورة آل عمران (3) : الآيات 111 إلى 112]

ولم يقم على الوساوس والهواجس، والضرب فى متاهات لا يهتدى السالك فيها إلى سواء السبيل أبدا.. أما الكثرة الكثيرة من أهل الكتاب فهم كما قال الله: «وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ» أي هم مؤمنون ولكنهم فى الوقت نفسه «فاسقون» أي خارجون على الإيمان. الآيتان: (111- 112) [سورة آل عمران (3) : الآيات 111 الى 112] لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (112) التفسير: إنهم هم اليهود.. وإنّ آيات الله لتكشف المستور من أمرهم، وتفضح المتوقع من خزيهم فى خط مسيرتهم مع المسلمين فى الحياة. إنهم يكيدون دائما للإسلام والمسلمين، لأن داء الحسد الذي يغلى فى صدورهم لا يسكن أبدا. وكيف يسكن وهم يعلمون عن يقين أن المسلمين قد ظفروا من الكتاب الذي فى أيديهم بخير الدنيا والآخرة.. وأن هذا الكتاب كان ينبغى أن يكون لهم، كما كانت كتب الله من قبل كلها فيهم؟ وأما وقد سبقهم العرب إلى هذا الكتاب فليفسدوه عليهم، وليعزلوا المسلمين عنه! وفى قوله تعالى مخاطبا المسلمين: «لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً» . أولا: إلفات للمسلمين أن يأخذوا حذرهم من اليهود، الذين لا يكفّون أبدا

عن السعى فى تدبير الكيد للمسلمين، وتوجيه الضّرّ إليهم، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. ثانيا: تطمين المسلمين- حالا ومستقبلا- مما يدبر اليهود لهم من كيد خبيث، ومكر خسيس، وأن غاية ما يبلغه اليهود من كل ما يكيدون وما يمكرون، لا يتجاوز «الأذى» الذي مهما بلغ لا يبلغ حدّ الخطر والتلف.. وسيظل المسلمون- رغم كل شىء- على الصحة والسلامة أبدا، وإن أصابهم الضرّ ومسّهم الأذى، فإن كيانهم سيظل سليما معافى، لا ينال منه هذا الضرّ، ولا يؤثر فيه هذا الأذى. هذا فى معركة الكيد، والدسّ، التي هى الميدان الذي يحسن فيه اليهود العمل.. فإذا انتقل اليهود إلى ميدان آخر، وهو ميدان القتال، واشتبكوا مع المسلمين فى حرب، فإنّهم لا يلقون إلا الخزي والخذلان.. «يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ» .. هذا حكم الله فيما يقع بينهم وبين المسلمين من قتال.. النصر دائما للمسلمين، والهزيمة دائما لليهود.. وإنه لا بد من وقفة هنا.. فإن وجه الأحداث المطل علينا فى هذه الآية، قد يطالع منه بعض الناس شيئا آخر غير الذي تطالعنا الآية الكريمة به، والذي نتأولها نحن عليه. يشتبك المسلمون مع اليهود اليوم فى معركة (يونيه 1967- محرم 1387) قد جمع لها اليهود كل كيدهم ومكرهم، وجلبوا لها كل ما استطاعوا من عتاد، وحشدوا فيها كل من على شاكلتهم فى العداوة للإسلام، والكراهية للمسلمين.. وقد أخذوا جيوش المسلمين على غرّة، فكان لهم من هذا نصر معجّل، تخلى فيه المسلمون عن مواقع كثيرة من أوطانهم، فى سيناء، وسوريا، والأردن.. وتوقف القتال.. استعدادا لمعركة قادمة فاصلة.. ونكتب هذا، ونحن فى شهر (أكتوبر 1967- رجب 1387)

وما زال الموقف جامدا فى الظاهر.. ولكنه يتحرك فى خفاء لالتحام قريب! ولا ندرى متى يكون هذا اليوم الذي نلتحم فيه مع اليهود.. ولكن الذي نؤمن به ولا نشك فيه، هو ما وعدنا الله به، من النصر على اليهود دائما.. «وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ» .. فالنصر آت لا ريب فيه، وإنه لنصر يلبس اليهود ثوبا جديدا من أثواب الذلة التي ضربهم الله بها! وقد يبدو لبعض الناظرين إلى هذا الحدث، من خلال المدافع، وبين دخانه وضبابه- أن يتأول الآية الكريمة، وأن يرفع حكمها العام المطلق، ويرتفع به إلى الماضي البعيد، وإلى ما كان بين اليهود والنبىّ من قتال، أخزى الله فيه اليهود، وكبتهم، وأنزلهم من صياصيهم، وقذف فى قلوبهم الرعب، فاستسلموا للهزيمة، ونزلوا على حكم النبىّ فيهم، فقتل من قتل، وسبى من سبى، وأجلى من أجلى.. حتى إذا كانت خلافة عمر بن الخطاب لم يكن اليهود إلا جماعات متفرقة فى الجزيرة العربية، لا تملك غير الكيد والدس، ولا تعيش إلا على الكذب والنفاق، فأجلاهم عن الجزيرة العربية جميعا!! قد يبدو لبعض المتأولين أن يتأول الآية الكريمة على هذا الوجه، ويقف بها عند حدود الزمن الذي نزلت فيه، ويجعل أسباب نزولها مقيدا بهذا الوقت.. وذلك ليحمى كلام الله من المجازفات التي تنجم عن تعميم هذا الحكم الذي تحمله، والذي قد لا تجىء الأيام بتصديقه، خاصة وأن محامل الآية الكريمة تقبل هذا الوجه من التأويل ولا تردّه! فمالنا إذن لا نقبل هذا التأويل؟ ولم نغامر تلك المغامرة الخطرة بآية من آيات الله، ونحمّلها مالا تحتمل، لنتخذ منها أملا يدفىء صدورنا، ويطمئن قلوبنا، ويخفف آلام جراحنا التي نعانيها من هذا الحدث الذي نعيش فيه، فى مرارة، وألم، وقلق؟

أو من أجل هذا تبلغ بنا الجرأة على كتاب الله، فنبيعه بهذا الثمن البخس؟ وماذا تركنا لليهود إذن؟ وماذا يحول بيننا وبين أن نتعرض لما تعرضوا له من سخط الله وقد اشتروا بآياته ثمنا قليلا؟. «فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ» (79: البقرة) . وإنه ليس ثمة فرق بعد أن يفترى مفتر على الله، آية.. فيقول: هذا من عند الله، وبين أن يحمل آية من آيات الله على هواه، فيغير وجهها، ويحرّم حلالها، ويحلّل حرامها! والله سبحانه وتعالى يقول متوعدا اليهود: «وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ () مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» (116- 117: النحل) . أفمن أحل هذا المتاع القليل الذي نجد فيه من ريح الآية الكريمة أنسا لوحشتنا، وأملا فى محنتنا.. أفمن أجل هذا، نرد هذا المورد، ونجازف تلك المجازفة المهلكة؟ وكلّا، فإنا أحرص على أنفسنا من أن تلمّ بما يعرّضها لموقع من مواقع سخط الله، خاصة ونحن نسعى بين يدى كتابه الكريم، ابتغاء مرضاته، وطلبا للمزيد من إحسانه وفضله! أفنرجع إذن عن هذا الذي ذهبنا إليه، فى حمل الآية الكريمة على عمومها، من أن النصر الذي وعد الله به المسلمين على اليهود هو وعد دائم مستمر، غير موقوت بوقت، أو موقوف على واقعة بعينها- أفنرجع إذن ونعود بالسلامة والعافية.. من قريب؟ وكلّا.. مرة أخرى..

فإنا مطمئنون إلى فهمنا للآية الكريمة، واثقون من معطياتها التي لا تتخلف أبدا.. بل وأكثر من هذا.. إننا ندعو إلى أن يفهمها المسلمون جميعا هذا الفهم الذي فهمناها عليه، وأن ينتظروا تأويلها فى الأيام المقبلة كما ننتظره.. فإن أخلفهم من الآية هذا الوعد، وإن وجدوا لهذا الإخلاف غمزة فى دينهم، أو حرجا منه فى صدورهم، أو خلخلة له فى قلوبهم- فالحكم الله بينى وبينهم! ولن يخزينا الله أبدا.. ولن يخلفنا وعده الذي وعد! وكيف؟ والله سبحانه وتعالى يقول فى اليهود، بعد هذه الآية الكريمة، مؤكدا وعده الذي وعدنا.. «ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ» . فهذا الحكم عام شامل غير محصور بمكان، أو مقيد بزمان! «ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ» والتعبير بضرب الذلة عليهم فيه إحكام لهذا الحكم الواقع بهم، وأن الذلّة التي رماهم الله بها، ذلة متمكنة، مختلطة بوجوهم، كما يختلط لون الجلد بالجلد.. لا يتغير ولا يتبدّل أبدا! وفى قوله تعالى: «أَيْنَما ثُقِفُوا» حكم قاطع بمصاحبة الذلة لهم، أينما وجدوا، وأينما كانوا، فى كل موطن، وفى كل زمن! هكذا هم فى ذلة وهوان، أبد الدّهر.. ذلة فى أنفسهم، وذلة بأيدى من يذلّونهم من عباد الله المسلطين عليهم. فإن نجوا من هذه الذلة التي يسوقها الناس إليهم، لم يخرجوا من تلك الذلة المستولية على طبيعتهم! وقوله تعالى: «إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ» .. الحبل العهد والعقد.. والمعنى: ضربت عليهم الذلة أبدا، إلّا أن يدخلوا مع المسلمين

فى عهد الله، وذمة المسلمين، فيكونوا بذلك من أهل الذمّة، وتفرض عليهم الجزية، فيعطونها عن يد وهم صاغرون.. وهنا يرفع عنهم المسلمون الأذى والذلة التي أخذوهم بها. ولكن مع هذا لا يتخلّى عنهم روح الذلة المتسلط عليهم من داخل أنفسهم، لأن ذلك طبيعة فيهم، ولعنة من لعنات الله صبّها عليهم.. وقوله تعالى: «وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ» بيان للحال التي يكونون عليها، بعد أن يدخلوا فى ذمة المسلمين بعهد الله وعهد المسلمين. فهم وإن رفعت عنهم يد المسلمين بعد هذا العهد الذي دخلوا به فى ذمتهم، وإن رجعوا وقد أمنوا بطش المسلمين بهم بعد هذا العقد، فإنهم يرجعون ومعهم غضب الله الذي رماهم به، ومعهم المسكنة التي فرضها عليهم وابتلاهم بها.. وهكذا يعيش اليهود أبدا فى كل زمان ومكان فى ذلة وفى مسكنة، ذلة ومسكنة تلبسهم ظاهرا وباطنا.. إن سلم لهم ظاهرهم فى حال، فلن يسلم لهم باطنهم فى أي حال.. إنها لعنة الله «وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً» . وفى قوله تعالى: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ» تعليل لهذا العقاب الأليم الذي أخذهم الله به، والذي أجراه فيهم مجرى الدم فى عروقهم، فكان ميراثا خبيثا، ينتقل فى الخلف بعد الخلف إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين! من هذا كله نستطيع أن نقرر فى إيمان وثيق، ثقتنا فى صدق الكتاب الذي فى أيدينا، وفى صدق كل كلمة، وكل حرف، من كلمات رب العالمين، وحروفها- أن ما بيننا وبين اليهود سينتهى بما حكم الله به عليهم، وهو أنهم «لا يُنْصَرُونَ» وأن الذلة والمسكنة مضروبة عليهم إلى يوم الدين، وأن

هذه الصحوة التي تبدو على ظاهرهم فى هذه الأيام ليست إلا صحوة الموت، يرتدون بعدها ثوبا جديدا من أثواب الذلة والمسكنة، وذلك بلاء إلى بلاء، وعذاب فوق عذاب.. فإنه ليس أشق على نفس المكروب من أن تهبّ عليه نسمة من نسمات العافية، ثم تعصف به بعدها عاصفة عاتية، وتلقى به بعيدا إلى أسوأ مما كان، ثم يتنفس نفس الحياة.. ثم تضربه موجة عاتية من موجات البلاء.. وهكذا يتردد بين الحياة والموت.. فلا يجد الحياة، ولا يستريح بالموت.. وذلك هو العذاب الذي يعذّب الله به أصحاب النار.. «كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ» (56: النساء) . فهذا الذي تعيش فيه إسرائيل اليوم هو فترة ما بين استبدال جلد بجلد، وذلة بذلة.. ليذوقوا العذاب، وليطعموه ألوانا فى الدنيا.. ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون! وبعد، فإننا على موعد، مع نصر الله، ولن يخلف الله وعده.. «وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ» ويومئذ يعلم الذين لا يعلمون، أن دين الله حق، وأن رسول الله حق، وأن ما نزل على الرسول حق.. ويومها يتجلّى وجه الإسلام مشرقا، وتطلع شمسه غير محجبة بضباب أو سحاب، فتعمر بالإسلام القلوب، وتشرق بنوره الآفاق «وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» (8: الصف) وهكذا يصنع الله للإسلام، فيجعل له من الضيق فرجا، ومن البلاء عافية، ومن الشر خيرا ونعمة!

الآيات: (113 - 115) [سورة آل عمران (3) : الآيات 113 إلى 115]

الآيات: (113- 115) [سورة آل عمران (3) : الآيات 113 الى 115] لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) التفسير: ذكر القرآن الكريم «أَهْلِ الْكِتابِ» فى كثير من المواقف، وأدانهم فى كثير منها، وكشف موقفهم من رسالة الإسلام، ومن رسول الإسلام، هذا الموقف العنادىّ القائم على الكيد، والتربص! وإذ كان أهل الكتاب، هم اليهود والنصارى، فقد فرق القرآن بين الفريقين، إذ كان موقفهم من الإسلام والمسلمين مختلفا.. كان اليهود فى وجه عداوة ظاهرة وخفيّة لدعوة الإسلام ولرسول الإسلام، كما كانوا على كلمة سواء فى الكيد لها والمكر بها.. على حين كان النصارى على درجات متفاوتة فى موقفهم من تلك الدعوة.. تلقّاها بعضهم فآمن بها، ودخل فيها، وصار من أهلها.. وتلقاها بعض آخر متوقفا مترفقا، ومباعدا مقاربا.. أما أكثرهم عنادا وأشدهم مجافاة، فقد أنكر الدعوة، ونأى بنفسه عنها.. لا ينالها بسوء، ولا تناله هى بخير! ولهذا جاء قوله تعالى: «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ» (82- 83 المائدة) .. جاء قول الله هنا محددا موقف كلّ من الفريقين من الإسلام.

فاليهود أشد الناس عداوة للذين آمنوا، وهم والمشركون على سواء فى هذه العداوة، مع أنهم أهل كتاب، يلتقى كتابهم ونبيهم مع كتاب الإسلام ونبىّ المسلمين، بنسب قريب، قريب. والنصارى- لأنهم أهل كتاب- هم أقرب الناس مودة للذين آمنوا، إذ خلت نفوسهم من الحقد والحسد للناس، ولأنهم لا يرون احتجاز الخير السماوي عليهم وحدهم، حيث سمحت النصرانية لأن يدخل فيها الناس جميعا من جميع الأجناس والشعوب، على حين احتجزت اليهودية ما نزل من خير سماوى على اليهود.. لا يسمحون لأحد من غير اليهود أن يدين بدينهم أو أن يصبح فى المؤمنين به. وفى قوله تعالى: «لَيْسُوا سَواءً» .. تفرقة بين هاتين الفرقتين من أهل الكتاب.. اليهود والنصارى، وأنهم ليسوا على وضع واحد فى موقفهم من الإسلام والمسلمين. وإذا كانت الآية الكريمة قد فرقت بين الفرقتين، فإنها لم تحدد أي الفرقتين من أهل الكتاب هو المتّجه إليه الحكم فى قوله تعالى «مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ» . وفى إطلاق الحكم هكذا بحيث يدخل فيه الفريقان معا، حكمة، نتبين منها: أولا: أنّ فى كلا الفريقين من أهل الكتاب- اليهود والنصارى- جماعات قائمة على الحق، مؤمنة بالله وباليوم الآخر، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر..

ثانيا: كثرة كثيرة من النصارى يتجه إليهم هذا الحكم.. وقلة قليلة جدا من اليهود يدخلون فى هذا الحكم أيضا.. كما يعلم ذلك من حال الفريقين الذي كشفه القرآن فى الموقف الذي أشارت إليه الآيات التي ذكرناها من سورة المائدة. ثالثا: من صدق القرآن، ودقة أحكامه، أنه لم يجعل الحكم مطلقا فى النصارى، ولم يخرج منه اليهود جميعا بلا استثناء.. إذ لا تخلو فرقة من الفرقتين من أخيار وأشرار، وإن غلب الأخيار فى النصارى، وغلب الأشرار فى اليهود.. بمعنى أنه ليس كل النصارى على إطلاقهم يقفون من الإسلام هذا الموقف المترفّق المسالم، وليس كل اليهود- بلا استثناء فرد أو عدة أفراد- يكيدون للإسلام هذا الكيد، ويمكرون به هذا المكر الذي يعيش فيه اليهود مع الدعوة الإسلامية. وفى قوله تعالى: «وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» وصف كاشف للنصارى، إذ كان دينهم يدعوهم إلى التبشير به وإذاعته فى الناس، وليس كذلك اليهود، وما يفهمون من دينهم- كما أشرنا إلى ذلك فى أكثر من موضع. وقوله تعالى: «وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ» تتمّة لهذا الحكم الذي حكم به الله لهم، وهو أنهم إذ عدّوا فى المؤمنين بالله فإن كل عمل خير يعملونه يتقبله الله، ويجزيهم عليه، وليس كذلك أعمال المشركين.. إن الشرك أحبطها، وحرم أهلها ثمرة قبولها عند الله.. «إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ» (27: المائدة) وملاك التقوى، الإيمان بالله وباليوم الآخر.

الآيتان: (116 - 117) [سورة آل عمران (3) : الآيات 116 إلى 117]

الآيتان: (116- 117) [سورة آل عمران (3) : الآيات 116 الى 117] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (116) مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117) التفسير: الحكم الواقع على الذين كفروا هنا عام، يشمل الكافرين جميعا، وإن كان يتجه أول ما يتجه إلى الكافرين من أهل الكتاب، الذين تحدثت عنهم الآيات السابقة، لأنهم كفروا مع ما فى أيديهم من هدى، وطرحوا ما معهم من إيمان: بخلاف الكافرين أصلا.. وإن كان الكفر هو الكفر، إلا أن بعضه أشدّ من بعض سوءا، وأبغض وجها. فهؤلاء الكافرون من أهل الكتاب، ومن غير أهل الكتاب، سيلقون جزاء كفرهم يوم القيامة، حيث يلقون فى نار جهنم خالدين فيها أبدا، وحيث لا يدفع عنهم هذا العذاب ما كان لهم فى الدنيا من مال وولد، وإن ملأ وجه الأرض كثرة وعددا! أما هذه الأعمال التي عملوها فى هذه الدنيا، واحتسبوها فيما هو للخير، فلن يجدوا لها أثرا يوم القيامة.. إن كفرهم بالله قد أحبطها، وأبطل آثارها.. فهى أشبه بزرع تعب فيه زارعوه، وبذلوا له ما بذلوا من جهد، وفيما هم فى انتظار جنى ثمره، جاءته ريح عاصف فأتت عليه، وأصارته هشيما، لا ينتفع بشىء منه. وقوله تعالى: ِيحٍ فِيها صِرٌّ» أي ريح تحمل فى كيانها قوى التدمير

الآيات: (118 - 120) [سورة آل عمران (3) : الآيات 118 إلى 120]

والإتلاف.. والصّرّ هو البرد الشديد الذي يبلغ من شدته أن يحرق الزرع كما تحرق النار. وفى قوله تعالى: َصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ» ، إشارة إلى أن الظلم يحيط بأهله فى الدنيا وفى الآخرة جميعا.. وأن للظالمين عند الله عقابا معجلا، وآخر مؤجلا، ليكون فى ذلك عبرة ماثلة للناس، يرون فيها نقم الله لمن حادّ الله وحاربه! الآيات: (118- 120) [سورة آل عمران (3) : الآيات 118 الى 120] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) التفسير: فى هذه الآيات يحذّر الله المؤمنين أن يأمنوا جانب هؤلاء الذين يكيدون لهم ولدينهم، ويبيّتون السوء للرسالة الإسلامية، ويصدون الناس عنها.

والبطانة هم الذين يدنيهم الإنسان منه، ويتخذهم موضع سرّه، فيطلعهم على ما يخفيه ويبطنه عن غيرهم. وقوله تعالى: «لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ» أي لا تركنوا إلى أحد من غير دينكم، ولا تقاربوه هذه المقاربة التي يمكن أن يطلع منها على مواطن الضعف فيكم، فيكيد لكم. وفى قوله تعالى: «لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا» إشارة إلى السبب الداعي إلى الحذر من مخالطة هؤلاء الذين يعادون الإسلام ويكيدون له.. إنهم يجهدون كل جهدهم فى النيل من المسلمين.. لا يقصّرون فى أمر فيه نكاية بالمسلمين، وخبال لهم، وإضعاف لشأنهم. وفى قوله تعالى: «وَدُّوا ما عَنِتُّمْ» إشارة ثانية إلى ما فى قلوب هؤلاء القوم من كراهية للمسلمين.. يتمنون لهم ما يعنتهم ويثقل كاهلهم من هموم وآلام. وفى قوله تعالى: «قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ» بيان شارح لتلك الأسباب التي تجعل المسلمين على حذر من هؤلاء القوم، وأمارة دالة على حقيقة تلك الأسباب.. فعلى ألسنة القوم ومن أفواههم تتساقط الكلمات المسمومة، التي يصوبونها فى خبث ودهاء إلى الإسلام والمسلمين، وليس هذا الذي يتساقط من أفواههم إلا شيئا قليلا مما تنطوى عليه قلوبهم من حسد وغيظ، وما تفيض به مشاعرهم من عداوة وبغضاء. وفى قوله تعالى: «ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ» يضبط الله سبحانه وتعالى أولئك المسلمين الذين ظلوا على ولائهم وصداقتهم لهؤلاء الأعداء، ويقدمهم للمسلمين متلبسين بفعلتهم تلك المنكرة، ويريهم بأعينهم مدى الغبن الذي

أصابهم من تلك الصحبة.. إنهم يحبون من لا يحبهم، بل ومن يبيّت لهم الشر، ويدبر العدوان! وقوله تعالى: «وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ» إشارة ثانية إلى تلك الصحبة غير المتكافئة، فالمسلمون الذين يوادّون هؤلاء القوم، يؤمنون بالكتاب كله، أي بكتب الله المنزلة على رسله، وهى فى مجموعها كتاب واحد، هو كتاب الله- وهؤلاء القوم لا يوادّون المؤمنين، ولا يؤمنون إلا بالكتاب الذي فى أيديهم، ويكفرون بجميع الكتب السماوية، ومنها القرآن. وقوله: «وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ» سبب ثالث للمباعدة التي ينبغى أن تكون بين المسلمين وبين هذه الجماعة.. إنها تعيش مع المسلمين على نفاق.. يعطونهم بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم.. يظهرون لهم أنهم على دينهم، وأنهم على وفاق معهم.. فإذا خلا بعضهم إلى بعض لبسوا الثوب الذي أخفوه فى طيات نفاقهم وملّقهم، وأخذوا يدبّرون المكايد والمعاثر للإسلام وللمسلمين. وفى قوله تعالى: «قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ» ما يملأ قلوب هذه الجماعة المنافقة اللئيمة كمدا وحسرة.. إنها لن تنال من الإسلام والمسلمين منالا، كما أن فى هذا تطمينا للمؤمنين، بهذه البشرى السماوية التي كتب الله بها النصر للإسلام وأهله، والخزي والسوء على أعدائه ومناوئيه. وفى قوله تعالى: «إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً» إرهاص بما سيصيب المسلمين فى جهادهم فى سبيل الله، من نصر وهزيمة.. وأنهم فى حال انتصارهم على أعدائهم تفيض نفوس هذه الجماعة المنافقة حسرة وألما، وفى حال هزيمتهم تطير قلوبهم فرحا وطربا..

وفى التعبير عن الإصابة بالخير بلفظ المسّ، والتعبير عن الإصابة بالشر بلفظ الإصابة، ما يكشف عن مدى السقوط والتدلّى من مشارف الإنسانية العالية إلى الحضيض والوحل! فالمسّ بالخير، مجرّد المسّ، وهو الشيء القليل يصيب المسلمين، يفزع له اليهود ويضطربون، وتغلى مراجل نفوسهم غيظا وكمدا.. فكيف لو أصاب المسلمون من الخير شيئا كثيرا مما وعدهم الله به؟ إن ذلك مما يذهب بنفوس القوم مذاهب التّلف! وإصابة المسلمين بالشر، ينزل بهم، ويعمّهم بالبأساء والضراء.. ينظر إليه هؤلاء القوم نظرا يملأ نفوسهم بهجة، ويغمر قلوبهم رضى.. ولو كانوا على شىء من الإنسانية والمروءة لخفّوا لنجدة المكروبين، وبادروا إلى إغاثة المصابين، فإن لم يكن هذا ولا ذاك فلا أقل من نظرة عطف وإشفاق، أو حسرة وألم، فإن لم يكن هذا ولا هذا أيضا فليكن موقف جمود وخمود.. أما أن يجد الإنسان فى هذا الموقف مشاعر تتحرك فرحا وبهجة، وتتناغى شماتة وغبطة، فذلك هو الذي لا يعرف فى إنسان غير إنسان اليهود! الخير القليل.. القليل جدا، يمسّ المسلمين مسّا، يحسدونهم عليه، وتختنق صدورهم به، حتى لتقتلهم الحسرة ويميتهم الكمد! والشر يصيب المسلمين إصابات قاتلة، ويرميهم بالمهلكات.. يجد فيه هؤلاء القوم سعادة ورضى، ولذة وسرورا. ألا ما أخسّ الإنسان وأحقره، حين يتعرّى من مشاعر الإنسانية، وتشتمل عليه طباع حيّة خبيثة، أو نفس شيطان رجيم! بل ما أخسّ الإنسان وأحقره، حين يعيش فى مسلاخ إنسان من هؤلاء الناس!

الآيتان: (121، 122) [سورة آل عمران (3) : الآيات 121 إلى 122]

والموقف الحكيم الذي ينبغى أن يقفه المسلمون إزاء هذه الجماعة، هو ألا يشغلوا أنفسهم بها، ففى ذلك تعويق لهم، وتفويت لخير كثير كان يمكن أن يحصلوا عليه بهذا الجهد الذي يبذلونه فى شغل أنفسهم بها.. وخير من هذا وأكثر عائدة على المسلمين هو أن ينظروا إلى أنفسهم، وأن يقيموها على ما أمرهم الله، فذلك هو الذي يحصل لهم الصبر والتقوى، وهى القوة التي لا تغلب أبدا.. من ظفر بهما فقد ظفر بنصر الله وتأييده.. أما هؤلاء المنافقون فأمرهم إلى الله.. «إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ» . هذا، ولم تشر الآيات إلى تلك الجماعة التي كشفت عن مساوئها وحذرت المسلمين أن يوادّوهم ويأمنوا جانبهم.. ذلك أن هذه الصفات هى علامات مميزة، وسمات معينة لجماعة معروفة من الناس، هم اليهود، لا يشاركهم غيرهم فى هذه الصفات.. ومن هنا كان فى ذكرها غنى عن ذكرهم، كما فيه تشهير بهم، وتشنيع عليهم، بوضعهم هذا الموضع، الذي إذا ذكرت فيه سيئة علقت بهم، وأشارت إليهم. الآيتان: (121، 122) [سورة آل عمران (3) : الآيات 121 الى 122] وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) التفسير: القتال الذي تشير إليه الآية هو القتال الذي حدث فى معركة أحد، وقد أصيب فيها المؤمنون بعدد غير قليل من الشهداء والجرحى، كما ستشير الآيات التالية إلى هذا الحدث، وما وقع فيه.

ومناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن اليهود الذين يكيدون للإسلام ويتربصون به، قد وجدوا فيما أصاب المسلمين يوم «أحد» مقالا يقولونه فيهم وفى أمداد السماء التي أمدهم الله بها يوم بدر، والتي عدّها اليهود مزاعم وأباطيل.. فلما كان ما أصيب به المسلمون فى يوم أحد، أظهر اليهود الشماتة، وأخذوا يلقون إلى أسماع المنافقين ومن فى قلوبهم مرض بالشكوك والريب فى أمر محمد ودعوته.. وهذا ما حدّث القرآن الكريم عنه فى الآية (120) قبل هذه الآية: «إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها..» .. وقوله تعالى: «وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ» تذكير للنبىّ والمسلمين بغزوة أحد، وما كان فيها من أحداث، حيث أصيب المسلمون، وابتلوا فى أنفسهم، وكان فى هذا ما أشمت اليهود والمنافقين، وأطلق ألسنتهم بقالة السوء فى الإسلام، ونبى الإسلام، وهو ما حدّث عنه قوله تعالى: «وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها» . وفى غزوة أحد خرج النبي من أهله غدوة، أي مبكرا، ليلقى قريشا وجموعها التي أقبلت حتى أشرفت على المدينة، عند جبل «أحد» .. وهناك بوّأ النبيّ المؤمنين مقاعد للقتال، ووضع كل جماعة فى مكانها من المعركة. وفى قوله تعالى: «وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» تذكير للمسلمين، وتحذير لغيرهم من المشركين والمنافقين، من قدرة الله على كشف ما فى الصدور، حتى لتصير الخواطر كأنها أصوات تسمع، أو كأنها مسطورات ترى وتقرأ.. فلا تخفى على الله خافية، مما يدور فى الصدور من خير أو شر. وقوله تعالى: «إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا» هو من أنباء ما فى الصدور التي كشف عنها علم الله.

ففى جيش المسلمين وقع فى بعض النفوس شىء من التردد والخوف، وكاد ذلك يكون واقعا يدفع صاحبه إلى الفرار من المعركة قبل وقوعها. وفى قوله تعالى: «وَاللَّهُ وَلِيُّهُما» بيان لرحمة الله ولطفه بهاتين الطائفتين من المؤمنين، إذ ربط على قلوبهم، وجلى عنهم خواطر الشك والريب، وثبّت أقدامهم على طريق الجهاد، فسلم لهم دينهم، وكان للمسلمين منهم قوة وعونا فى مواجهة العدو. والهمّ بالشيء تحديث النفس به، ومراودة صاحبها عليه، دون أن يتخذ مظهرا عمليّا. ولم يذكر القرآن الكريم اسم هاتين الجماعتين اللتين همّتا هذا الهمّ السيء. لأن رحمة الله تداركتهما، فلم يقع منهما ما يسوء، وكان من تمام رحمة الله ولطفه بهما أن ستر عليهما هذا الهمّ الذي همّتا به! ثم انظر فى قوله تعالى: «وَاللَّهُ وَلِيُّهُما» وكيف ترى أن ولاية الله لهما قد ألقت عليهما سترا من بهاء وجلال، فكانا من أولياء الله وأنصار الله. «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ» (257: البقرة) فهل مع لطف اللطيف ورحمة الرحيم يبقى على الإنسان ذنب أوحوب؟ وكلا، ثم كلا! وكعادة المفسّرين، فى مثل هذه الأمور التي يذكر فيها القرآن الأحداث مطلقة، من غير تحديد أزمانها أو أمكنتها، أو أشخاصها، حيث لا تؤثر الأزمان ولا الأمكنة ولا الأشخاص فى العبر والعظات المستخلصة من الحدث- نراهم يجهدون الجهد كله فى البحث عن متعلقات الحدث، من زمان ومكان وأشخاص، يجلبونها من كل واد، ويلتقطونها من كل فم، ثم يلقونها بين يدى الحدث جثثا هامدة، مستجدية مستخزية!

وهنا ذكر المفسرون مقولات كثيرة فى هاتين الطائفتين، ولو أخذ بتلك المقولات جميعها لشملت المسلمين كلهم، من مهاجرين وأنصار! ونحن نحترم صمت القرآن هنا، ولا نقول من هما هاتان الطائفتان- لأنا لا ندرى على وجه اليقين من هما، ولو درينا لم نر داعية للقول- وحسبنا أن نعلم من هذا الحدث أمورا.. منها. أولا: أن المؤمن لا يخلو فى حال من أن تطرقه وساوس سوء، أو تدور فى نفسه نزعات شر. وثانيا: أن صدق الإيمان، وإخلاص النية يصلان الإنسان بربه، فيجد من أمداد لطفه ورحمته، ما يأخذ بيده إذا عثر، ويشد من عزمه إذا ضعف، وفى هذا يقول الله فى يوسف- عليه السّلام- وقد جاءته أمداد السماء، فصرفت عنه السوء الذي كاد يلمّ به: «وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ» (24: يوسف) . ثالثا: أن ما يهمّ به المؤمن من سوء، وما تحدثه به نفسه من وساوس الشر، لا يؤاخذ عليه، حتى يتحول هذا الهمّ وتلك الوساوس إلى عمل، يؤثّر أثره فى الناس، وفى الحياة. على أن الاستسلام لهواجس الشر، والاستماع الطويل لوساوس السوء، قد يمكّن لها فى كيان الإنسان، ويعطى لها سلطانا عليه، بحيث تصبح يوما فإذا هى مالكة زمام الإنسان، موجهة له.. وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يخلى نفسه من تلك الوساوس، فإنه يستطيع أن يصرفها عنه كلما طرقته، وألا يعطيها شيئا من قلبه أو غقله، بل يشغلهما بما هو أجدى وأولى.

الآيات: (123 - 126) [سورة آل عمران (3) : الآيات 123 إلى 126]

الآيات: (123- 126) [سورة آل عمران (3) : الآيات 123 الى 126] وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) التفسير: بعد أن استحضرت الآيتان (121، 122) المقدمات الأولى لمعركة أحد، إذ غدا النبىّ خارجا منزله إلى حيث يلقى العدو، الذي وقف عند مشارف المدينة، يفكر فى دخولها ولقاء المسلمين فيها، أو محاصرتهم داخلها إلى أن يخرجوا للقائه.. ولكن رأى النبي وأصحابه كان قد انتهى- بعد مشاورات كثيرة كادت تؤدى إلى فرقة وانقسام فى صفوف المسلمين- انتهى إلى لقاء العدو- خارج المدينة عند «أحد» . نقول- بعد أن استحضرت الآيتان السابقتان، هذه المقدمات الأولى للمعركة، جاءت آيات القرآن الكريم بعد هذا مباشرة، تحدّث المسلمين بمعركة بدر التي كانوا قد خاضوها منذ عام، مع هذا العدو الذي جاء إليهم بعدد عديد، وعتاد كثير، على حين كانوا هم فى أعداد قليلة، وعدة هزيلة، ولكن الله أيدهم بنصره، وكيب الهزيمة والخزي والخذلان على عدوهم. وفى إثارة هذه الأحداث من معركة بدر فى خواطر المسلمين، وهم على

مشارف معركة جديدة توشك أن تبدأ بينهم وبين هذا العدو، الذي عرفوه، وذاقوا طعم النصر عليه، ورأوا رأى العين أمداد السماء لهم يومئذ- فى إثارة هذه الأحداث، فى هذه اللحظة الحاسمة، ما يطمئن الخواطر المضطربة، وما يقطع على المسلمين هذا الجدل المحتدم بينهم- فى لقاء العدو، داخل المدينة أو خارجها. ذلك ليعرفوا أن مكان لقاء العدو ليس هو العامل الأول فى المعركة، وليس العدد ولا العتاد هو كل شىء فى كسب النصر، وإنما السلاح العامل أولا وقبل كلّ شىء فى بلوغ النصر، هو الإيمان بالله، وتوجيه القلوب إليه، وإخلاص النية فى الجهاد فى سبيله، فذلك هو الذي يجعل ميزان المؤمن يرجح عشرة من غير المؤمنين فى ميدان الحرب. وليس ذلك بالذي يعفى المؤمنين من النظر فى إعداد العدة للقاء العدو، واتخاذ الحيطة والحذر منه، وسدّ المنافذ والثغرات التي ينفذ منها إليهم، فهذا كلّه وكثير غيره، هو من عدد النصر وأسلحته، التي يجد منها المؤمن قوة، إلى قوة إيمانه وتوكله على الله. وقوله تعالى: «وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ» صورة قوية نابضة بالحياة، تجمع فى كلماتها القليلة تلك، كل مشاهد المعركة، وتستحضر كل أشخاصها، ومشخصاتها، من بدئها إلى خاتمتها. وأول ما يذكر المسلمون عن هذا اليوم، وأهمّ ما يجدونه فى خواطرهم منه، أنهم انتصروا نصرا حاسما، من حيث كان لا يرجى لمثلهم نصر فى هذه الموقعة، لقلة عددهم، وضالة عدّتهم، مع كثرة عدوّهم، وقوة عدده! وهنا أمر لا يدع لأحد شكّا حتى عند من لا يؤمنون بالله، هو أن يدا قوية غير منظورة لأحد، هى التي أدارت تلك المعركة، وقلبت أوضاعها، وبدّلت موازينها!

والذلّة التي وصف القرآن بها المسلمين هنا ليست ذلّة نفسيّة، ولا ضعفا قلبيا، وإنما هى ذلّة حاجة وعوز، وقلة فى المال والرجال، بحيث يخفّ ميزان أصحابها فى أعين الناس، حين ينظرون إلى ظاهرهم هذا.. فوصف المؤمنين بالذلّة هنا، إنما هو وصف للحال الظاهر منهم للناس.. أما فى حقيقة أنفسهم، فهم من إيمانهم بالله، وثقتهم فيه، وتوكلهم عليهم واستعلائهم على حاجات الجسد، ومتاع الحياة- هم فى عزّة عزيزة، تستخف بكل قوى المادة وعتوّها. وقوله تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» تعقيب على هذه النعمة التي أنعم الله بها على النبىّ وأصحابه، يوم بدر، فمكّن لهم من رقاب أعدائهم، ومنحهم النصر عليهم، ذلك النصر الذي لم يتوقعه أحد.. فحقّ على المؤمنين أن يزداد إيمانهم بالله، وإقبالهم عليه، حتى يبلغ بهم هذا الإيمان وذلك الإقبال منازل المتقين، وعن هذه التقوى يكون الشكران لله على ما أنعم عليهم.. بل إن هذه التقوى فى صميمها هى شكران لله أعظم الشكران وأكمله، فما شكر الله، ولا حمده، ولا عرف فضله وقدره من لم يتّقه حق تقواه، فيأتى ما استطاع من أوامره، ويجتنب ما استطاع من نواهيه. فإنه بغير التقوى تكون العبادات والطاعات مجرّد مظاهر جوفاء، لا ثمرة لها، ولا جزاء عليها.. والله سبحانه وتعالى يقول: «إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ» (27: المائدة) . وقوله سبحانه: «إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ» هو عرض وتذكير لما كان فى يوم بدر من أمداد السماء للمسلمين، حين بشرهم الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- بأن الله ممدّهم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين من عالمهم العلوىّ، ليشاركوا فى

معركة الحق، ولينصروا أنصار الله، المجاهدين فى سبيله. وقوله تعالى: «بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ» هو تأكيد لهذا الوعد الكريم من الله تعالى الذي تحقق يوم بدر بهذا المدد السماوي، والذي شهد المسلمون آياته يوم بدر.. ثم هو عرض لوعد آخر معلّق على ما يكون عند المؤمنين من صبر وتقوى، فإن كان منهم هذا لم يكن المدد السماوي ثلاثة آلاف ملك وحسب، بل إن الله سبحانه وتعالى سيمدهم بخمسة آلاف فى هذه المعركة التي توشك أن تنشب بينهم وبين المشركين، فى أحد. والملائكة المسوّمون: هم المعلّمون، أي لهم شارات يعرفون بها. وهنا سؤال: ما هذا المدد السماوىّ؟ وما هى صورته؟ وكيف يكون عمله فى المعركة؟ وهل يكون على هيئة الرجال، أو الفرسان.. أو بين الرجال والفرسان؟ أم ماذا؟ والجواب على هذا من وجوه: أولا: أنه يجب التصديق تصديقا مطلقا بما أخبر به القرآن، وأن الملائكة قد كانوا بالأعداد التي ذكرها لله، وأنهم كانوا جندا مع جنود الله فى تلك المعركة. ثانيا: أن هذا المدد السماوىّ كان روحا من عند الله، لبست المؤمنين، وأحاطت بهم، فكانت قوة راسخة فى قلوبهم، ودروعا حصينة على صدورهم، وسيوفا قاطعة فى أيديهم! وما كان لهذه القوى أن تظهر عيانا للناس، وإلا كانت فتنة لهم.. ولكن يجد المؤمنون أثرها فى أنفسهم، كما يجد المشركون مسّها الرعب لقلوبهم!

ثالثا: تجسيد هذه القوى السماوية للمسلمين فى الخبر الذي أخبروا به، وتحديد أعدادها، هو لتطمين قلوب المؤمنين، وتثبيت أقدامهم. رابعا: أن هذه القوى السماوية لو جسّدت لكانت رجالا وفرسانا، ولو عدّت لكان حسابها فى الرجال والفرسان بثلاثة آلاف من المقاتلين. خامسا: فى قوله تعالى: «وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ» إشارة إلى أن هذا التجسيد، وتحديد العدد لتلك القوى السماوية التي تعمل معهم، إنما هو لتطمين قلوبهم، وليكون لهم من فرحة هذه البشرى قوة يرون منها خاتمة هذه المعركة قبل بدئها، وأنهم هم المنتصرون. سادسا: كانت أعداد المسلمين يوم بدر نحو ثلاثمئة، وكان حساب المسلم فى قتاله للمشركين يومئذ بعشرة منهم كما يقول الله تعالى: «إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ» (65: الأنفال) .. فالمسلمون الذين قاتلوا يوم بدر وإن كانوا ثلاثمائة، هم فى قوتهم، وفى حسابهم فى المقاتلين ثلاثة آلاف..! وعلى هذا، فإن لنا أن نفهم أن هذه الثلاثة آلاف التي كانت مددا من السماء يوم بدر، قد كانت قوى سماوية، وأرواحا علوية لبست المسلمين، فإذا كل رجل منهم عشرة رجال! بل عشرة أرواح علوية سماوية، بل عشرة ملائكة.. «وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ» (31: المدثر) . هذا، وقد جاء فى سورة الأنفال فى غزوة بدر قوله تعالى: «إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَما جَعَلَهُ اللَّهُ

إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (9- 10: الأنفال) . وهنا نجد المدد السماوىّ ألفا من الملائكة لا ثلاثة آلاف، ولكن فى قوله تعالى: «بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ» وفى وصف الملائكة بالمردفين- ما يشعر بأن وراءهم أمدادا أخرى، تجىء مرادفة لهم، وفى أعقابهم، ويؤيد هذا قراءة السّدّى: «أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ» . كذلك يجيء التعقيب على هذا المدد السماوي، بأنه لم يكن إلا بشرى للمؤمنين وتطمينا لقلوبهم، كما جاء ذلك فى آية آل عمران التي نحن بين يديها الآن! وقوله تعالى: «وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ» وقوله فى سورة الأنفال: «وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى» بزيادة «لكم» هناك، لاختلاف المقامين.. حيث أن الخطاب فى آية الأنفال كان والمسلمون يواجهون الحدث مواجهة واقعية، ويتلقون بشريات السماء وهم مشتبكون مع العدو، فلا حاجة إلى تعيينهم بقوله سبحانه «لكم» على خلاف ما جاء فى آية آل عمران، إذ كان نزولها والمسلمون مقدمون على حرب المشركين، فى أحد، فجاءت هذه الآية مع أخواتها لتذكرهم بفضل الله عليهم فى يوم بدر، فكان التعيين بقوله «لكم» هنا لازما. إذ كان كثير من المسلمين الذين يشهدون أحدا اليوم لم يشهدوا بدرا بالأمس! كذلك ما جاء فى قوله تعالى فى آل عمران: «وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ» وفى الأنفال: «وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ» فلاختلاف المقامين اختلف الأداء للمعنى المراد.. فالمسلمون الذين خوطبوا فى سورة الأنفال كانوا فى مواجهة المعركة فى بدر، وقلوبهم مضطربة واجفة تنظر إلى ما يطلع عليها من فضل الله ورحمته،

فقدم ما بشّروا به من أمداد السماء، وهو المشار إليه بالضمير فى «به» على القلوب لأنه هو المطلوب لها.. أما فى آية آل عمران، فهو تذكير بهذا الحدث، فجاء ذكره على الأسلوب الذي يقتضيه النظم المعتاد فى لغة العرب.. الفعل، فالفاعل، فالمتعلقات: «وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ» . ويشبه هذا ما جاء فى قوله تعالى هنا فى آل عمران: «وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» وما جاء فى سورة الأنفال: «وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» . وأحسبك لا يخفى عليك الحال الداعي لاختلاف الأداء اللفظي فى الآيتين.. ولكن لا بأس من أن نشير إليه، كما أشرنا إلى سابقيه من قبل! ففى آية الأنفال تقرير وتوكيد لعزة الله وحكمته: «إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» .. وهذا التقرير والتوكيد لازمان فى هذا الموقف، الذي كان يقفه المسلمون فى قلّتهم، وضالة شأنهم إزاء الجيش القوى الزاحف عليهم، فإذا جاءتهم البشرى بنصر الله، محمولة بما وعدهم على لسان نبيّه، ثم أتبعت هذه البشرى بالتذكير بعزة الله وحكمته فى هذا الأسلوب المؤكد «أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» كان لذلك وقعه فى القلوب وأثره فى النفوس! أما فى آية آل عمران، فالشأن مختلف.. إنها حديث عن أمر وقع، رأى منه المسلمون رأى العين كيف كانت عزة الله وكيف كانت حكمته.. فيكفى هنا أن يذكر الله وعزته وحكمته.. «الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» دون توكيد، إذ كان يعيش المسلمون مع الحدث الواقع، الذي هو أثر من آثار عزة الله وحكمته. وطبيعى أن مثل هذه الفروق الدقيقة فى الصور اللفظية التي تعرض لموضوع واحد، فيقع فى النظم تقديم وتأخير، أو زيادة وحذف- لا يلتفت إليها، ولا يقام لها وزن فى معايير البلاغة، إلا أن يكون ذلك فى نظم القرآن الكريم،

الآيات: (127 - 129) [سورة آل عمران (3) : الآيات 127 إلى 129]

حيث كل شىء بحساب وتقدير، ولكل حرف وزنه، الذي يرجح موازين الدنيا جميعا.. وذلك وجه مشرق من وجوه الإعجاز القرآنى.. «تنزيل من عزيز حكيم» .. فسبحان من هذا كلامه. الآيات: (127- 129) [سورة آل عمران (3) : الآيات 127 الى 129] لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (128) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129) التفسير: قوله تعالى: «لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ» هو تعليل لما جاء فى ختام الآية السابقة على هذه الآية، وهو قوله تعالى: «وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» حيث اقتضت عزّة الله وحكمته أن ينصر المؤمنين فى معركة بدر، هذا النصر الذي كان منحة من الله كتبها بأيدى المؤمنين، ولولا فضل العزيز الحكيم لما نال المسلمون ما نالوا من أعدائهم.. ولكن قضى الله بذلك «لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا» أي ليقضى على جانب من الذين كفروا بالقتل، وبذلك ينهدّ ركن من هذا البناء الأسود، الذي يصدّ عباد الله عن دين الله.. «أَوْ يَكْبِتَهُمْ» أي يملأ قلوبهم حسرة وألما، وذلك حين ينقلب الأحياء من جيش البغي هذا، بالهزيمة، وبما خلّفوا وراءهم فى ميدان المعركة من جثث وأشلاء، لأبطالهم، وفلذات أكبادهم.. فهذا الجيش الآثم الباغي: فريقان: فريق حصدته سيوف المسلمين فى

المعركة، وفريق فرّ مثخنا بالجراح، محملا بخزي الهزيمة وعارها مثقلا بالحزن والألم، لما فقد من أهل وأحباب. وتغلى مراجل الضغينة والحقد فى رءوس المشركين، وتتحول مكة كلها إلى ذئاب عاوية، تتردد فى بيوتها، وفى أنديتها، وطرقاتها أصداء هذا العواء المسعور، تسبّ وتتوعد، «محمدا» ومن اجتمع إليه من مهاجرين وأنصار.. ثم هاهى ذى تجىء إليه محملة بحقدها، مشحونة ببغضائها، لتلقاه فى يوم كيوم بدر، تراق فيه الدماء، وتتناثر الأشلاء، ويتقطع فيه ما بقي بينه وبين قومه من أواصر الرحم والقرابة.. فما أمرّ هذا وما أقساه!! ويأسى النبىّ الكريم لهذا ويحزن، وكان يودّ ألا يبلغ الأمر بينه وبين أهله إلى هذا الحدّ، وهو الذي جاءهم بالهدى والرحمة، ودعاهم إلى البر والتقوى. ولكن القوم أبوا إلّا إعناتا له، وخلافا عليه، وإمعانا فى توجيه الأذى والضرّ إليه وإلى من اتبعه، حتى لقد حملوه على أن يهاجر من موطنه، ليخلص بدينه، وليجد له طريقا غير هذا الطريق المسدود! فكان قول الله تعالى: «لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ» عزاء للنبيّ، وتخفيفا لما وجد فى نفسه من تلك الحال التي وقعت بينه وبين أهله وذوى قرابته.. كما كان فيه إلفات لهؤلاء المشركين إلى الجهة التي نالتهم بهذا السوء الذي حلّ بهم، جزاء كفرهم وعنادهم، وأنها جهة لا تنال.. إنها يد الله القوى العزيز، لا يد محمد، ولا أصحاب محمد، وفى هذا تيئيس لهم من أن يأخذوا بثأرهم الذي احتسبوه على محمد وأصحاب محمد، فما كان لمحمد وأصحابه من هذا الأمر شىء! وقوله تعالى: «أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ» فتح لصفحة جديدة، ولحساب جديد مع هؤلاء المشركين، بعد وقعة بدر.. فهم بين أمرين: إما أن يرجع راجعهم إلى الله ويستجيب لدعوة الحق الذي يدعى إليه، فيجد المغفرة والرحمة،

الآيات: (130 - 136) [سورة آل عمران (3) : الآيات 130 إلى 136]

وإما أن يزداد إثمه إثما، فيمضى فى طريق العناد والكفر، والمحادّة لله ولرسوله، فيلقى الجزاء الذي هو أهله، ولا جزاء له غير العذاب الأليم.. «فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ» . فما محمد إلا رسول، يبلّغ ما أنزل إليه من ربّه.. والله سبحانه هو الذي يرجع إليه الأمر كلّه، له ما فى السموات والأرض، لا يملك أحد معه شيئا.. «يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ» لا معقب لحكمه ولا ناقض لأمره! وفى قوله تعالى تعقيبا على هذا الحكم: «وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» ما يكشف فضل الله على عباده، ورحمته بهم، وأنها رحمة عامة شاملة، تنال الخلق جميعا، حتى أولئك العصاة المتمردين، وحتى وهم يتقلبون فى العذاب الأليم! فهو عذاب فيه رحمة لهم، وتطهير لما تلطغوا به من أدران الإثم والشرك! الآيات: (130- 136) [سورة آل عمران (3) : الآيات 130 الى 136] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (136)

التفسير: هذه الآيات والآيتان اللتان بعدها، تجىء هكذا بين تلك الأحداث التي يعرضها القرآن عن الصراع الدائر بين المسلمين والمشركين، فى معارك بدر وأحد.. والحديث عن الربا هنا، يبدو وكأنه شىء غريب فى هذا الجوّ، الذي لا نسمع فيه إلا قعقعة السلاح، ولا يرى فيه إلا الدماء والأشلاء! فما شأن الرّبا هنا؟ وما داعيته فى هذا المقام؟ عرفنا فى وقوفنا بين يدى آيات الرّبا فى سورة البقرة، أن الربا كبيرة الكبائر، وأنه لفداحة جرمه لم يدخله الإسلام فى دائرة الجرائم التي يطهّر مقترفوها بإقامة الحدّ عليهم فيها.. ولهذا فإن الذي يبدو لنا- والله أعلم- من وضع الرّبا هنا، وسط المعارك الدائرة بين الإسلام والكفر، أنه خطر كهذا الخطر الذي يتهدد المسلمين من الشرك والمشركين، وأنه إذا كان المسلمون مشتبكين فى معركة ضارية مع المشركين، ليقتلعوا بذور الشرك والضلال من المجتمع الإنسانى، فإن ذلك ينبغى ألا يشغلهم عن معركة أخرى يجب أن يشتبكوا فيها مع عدوّ لا يقل خطرا فى إفساد الكيان الإنسانى، وتدمير معالم الإنسانية فى الإنسان- عن الشرك.. ألا، وهو الربا! وخطاب المؤمنين فى قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً» يتضمن أمرين: أولهما: نهى المسلمين مقارفة هذا الإثم، والعمل على محاربته فى أنفسهم، حتى يجلوه عنها، كما أجلوا الشرك من قبل منها. وثانيهما: محاربة هذا الإثم، وجهاده حيث أطلّ برأسه فى أي مكان تناله

أيديهم، وتصل إليه قوتهم، كما يحاربون الشرك ويجاهدونه.. فإنه- أي الربا- ربيب الشرك، وثمرته البكر فى شجرته الخبيثة! فحيث كان شرك، كان ظلم، والربا هو أشأم وجوه الظلم. وعلى هذا، فإنه كما لا يجتمع إيمان وشرك فى قلب مؤمن، كذلك لا يجتمع إيمان وربا فى حياة المؤمن! وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... (278- 279: البقرة) .. فانظر إلى قوله تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» وما فيها من تشكيك فى إيمان المؤمنين، ونزع تلك الصفة عنهم، والتي خوطبوا بها فى أول الآية، فى قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا..» وذلك إذا لم ينزعوا عن الرّبا، ويخلّصوا أنفسهم منه. ثم انظر بعد هذا فى قوله تعالى: «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» تجد أنها حرب معلنة من الله ورسوله.. فيا للهول، ويا للبلاء!! وعلى من؟ على المؤمنين الذين آمنوا بالله ولكن بقي معهم الربا! إنهم إذن والمشركون سواء! يحاربهم الله ورسوله.. ويجاهدهم المؤمنون كما يجاهدون المشركين. فالمعركة مع الربا والمرابين معركة فى صميمها مع الشرك والمشركين! ولهذا فقد أضيف الربا هنا إلى الشرك، ودخل فى حسابه.. وبهذا صارت معركته وجهاده جزءا من معركة الشرك، وجهاد المشركين. وفى قوله تعالى: «لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً» قد يبدو أن النهى فى تحريم الربا، وفى درجه مع الشرك فى قرن واحد- إنما هو الربا الفاحش،

الذي يتضاعف فيه رأس المال بمضاعفة المدة التي يبقى فيها المال فى يد المقترض بالربا، ويكون- بمفهوم المخالفة- أن هذا النهى لا يرد على الربا إذا لم يكن على تلك الصورة الفاحشة! ولكن- مع قليل من النظر فى وجه الآية الكريمة- نجد أن قوله تعالى «أَضْعافاً مُضاعَفَةً» وإن يكن حالا من أحوال الربا، مقيدا للربا فى عمومه وإطلاقه.. إلا أن هذا الحال يكاد يكون الحال الشامل لجميع أحوال الربا، الذي كان معروفا شائعا فى هذا الوقت، وهو ربا النسيئة، الذي يتضاعف فيه رأس المال على امتداد الزمن.. وإذن فهذا الوصف بالأضعاف المضاعفة للربا هو تقرير لحقيقة الربا، وكشف لوجهه الكريه، الذي يغتال أموال الناس على تلك الصورة البشعة التي لم تكن تتخلف أبدا عن المعاملات الربوية يومئذ! ويكون معنى الآية: نهى المؤمنين عن أكل الربا، الذي يأكل بدوره أموال الناس، حتى ينتفخ ويتورم، ويصبح أضعاف ما كان عليه، بتلك الأورام الخبيثة التي التصقت به.. فهو زاد تخمر وتعفن، تصدّ عنه النفوس الطيبة، ولو هلكت.. لأن فى تناوله الهلاك المحقق. وقوله تعالى: «وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» تأكيد لاجتناب الربا، وتحذير من أكله.. لأن آكله لا يفلح أبدا.. لأنه لم يكن على تقوى من الله ومن حرم التقوى والخشية من الله فقد حرم الفلاح، وفى قوله تعالى: «وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ» ما يكشف عن جريمة الربا، وأنها باب من أبواب الكفر، ومدخل من مداخله- كما أشرنا إلى ذلك من قبل- فالنار

المعدّة للكافرين، هى معدة أيضا لآكلى الربا.. فمن لم يتق الله وينتهى عما نهى الله عنه من أكل الربا فهو مع الكافرين فى نار جهنم، يلقى ما يلقى الكافرون، من عذاب ونكال.. وهذا يلتقى مع قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» (278: البقرة) فمن لم يتق الله، ويتجنب الربا فليس بالمؤمن، ولا هو فى المؤمنين! وقوله تعالى: «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» التفات إلى المؤمنين، ودعوة لهم إلى الطاعة العامة لله ورسوله، بعد أن أطاعوه فى ترك الربا.. وفى قوله تعالى «لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» تذكير لهم بالرحمة التي يجب أن تملأ قلوبهم عطفا وبرّا بالنّاس، فلا يغتالوا أموالهم بالرّبا، ولا يأكلوها ظلما وعدوانا، فإنهم إن رحموا الناس، رحمهم ربّ الناس، وفى الأثر: «الراحمون يرحمهم الرحمن» . قوله تعالى: «وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» . إثارة وإغراء بالمبادرة إلى طلب المغفرة من الله، باجتناب المحرمات، وعلى رأسها الكفر والربا.. فمن بادر بالتوبة، ورجع إلىّ الله من قريب، مستغفرا ربه، وجد ربّا غفورا رحيما يفتح له مع خزائن رحمته أبواب جنته وما فيها من نعيم مقيم. وهذه الجنة التي وعد بها المتقون تسع النّاس، وأضعاف أضعاف الناس.. عرضها السموات والأرض.. يجد فيها المؤمنون والتائبون- مهما كثر عددهم- مكانا فسيحا، لا حدّ له، حيث يسرحون ويمرحون ما شاءوا.. فليخرس إذن أولئك المتنطعون والمتزمّتون، الذين يضيّقون من رحمة،

أو يضيقون بها، حتى لكأنهم يرون أن ما يبسطه الله من رحمة ورضوان لعباده إنما هو مقتطع مما يمنّون أنفسهم به عند الله.. وأنّه كلما كثرت أعداد المقبولين عند الله، والداخلين فى رحمته- تحيّف ذلك من نصيبهم، وأخذ الكثير من حظهم.. وهذا- لا شك- سوء ظن بالله، وعدوان على مشيئته، شأنهم فى هذا شأن بنى إسرائيل، الذين أكل الحسد قلوبهم أن ينال أحد من من الله خيرا غيرهم، كما قال تعالى فيهم: «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» (54: النساء) وكما قال فيهم أيضا: «قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ» (100: الإسراء) . وقوله تعالى: «الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ» صفة من صفات المتقين.. فمن شان التقوى أن تقيم فى كيان الإنسان عواطف الرحمة والإحسان، فلا يمسك صاحبها خيرا لنفسه خاصة، بل إن كل ما فى يده هو له وللناس.. فهو ينفق منه فى كل حال.. فى يسره وعسره، فى سرّائه وضرّائه، وفى سرّاء الناس وضرائهم، لا يمنع فضله عن طالبه أبدا! وقوله تعالى: «وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» بيان للصفات المكملة للتقوى، المجمّلة للمتقين، فمن اتقى الله، كان رحيما بالناس، حدبا عليهم، يلقى إساءتهم بالصفح والمغفرة، فلا يصل إليهم منه أذى، بيد أو لسان.. والكاظمون الغيظ والعافون عن الناس، هم وإن كانوا فى المتقين المحسنين، إلا أنهما درجتان فى الإحسان والتقوى.. فالكظم درجة، والعفو درجة أعلى من تلك الدرجة.. فالذى تلقّى الإساءة وهو قادر على مقابلتها بمثلها ثم أمسك عن الردّ، وكظم فى نفسه ما أثارته الإساءة فى مشاعره من غيظ ونقمة، هو على درجة من التقوى والإحسان.. أما إذا ذهب إلى أكثر من

هذا، فمسح ما بصدره من غيظ ونقمة. وأظهر العفو والمغفرة، فهو على حظ أكبر من الإحسان والتقوى.. وأرفع من هذا درجة، وأعلى مقاما فى التقوى والإحسان، من دفع السيئة، لا يكظم الغيظ المتولد منها، ولا بالعفو عن المسيء، بل دفعها بالإحسان إليه.. وفى هذا يقول الله تعالى: «وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ» (22: الرعد) . ويقول سبحانه أيضا: «أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ» (54: القصص) . ودفع السيئة بالحسنة إنما هو من باب الإنفاق، ولكنه إنفاق من أطيب وأعزّ ما يملك الناس: إنه إنفاق من سعة صدر، ومن كرم خلق، مما لا يرزقه إلا أهل الصبر والتقوى.. وفى هذا يقول الحق جلّ وعلا: «وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ» . (34: 35 السجدة) . فيما يروى عن علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه.. أن جارية له كانت تقوم على وضوئه وفى يدها إبريق، فسقط الإبريق من يدها وانكسر.. ونظر إليها الإمام- كرم الله وجهه- فقالت: «وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ» فقال: كظمت غيظى.. ثم قالت: «وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ» فقال: «ولقد عفوت عنك» قالت: «والله يحب المحسنين» فقال: «أنت حرة لوجه الله» !! قوله تعالى: «وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ» . الفاحشة: المنكر الغليظ من العمل والقول.. وأكثر ما تكون

فى الأعمال السيئة.. وظلم النفس: يقع على كل مكروه ينالها من قبل صاحبها فيما يمسّ خاصة الإنسان من أذى، أو يتجاوزه إلى غيره من الناس.. فالزنا، فاحشة، والكفر ظلم! وكلّ من الأمرين ظلم وفاحشة معا.. فهذا الصنف من الناس إذا أصاب فاحشة أو ارتكب إثما، ذكر الله، وذكر عظمة الله وجلاله، وعلمه به، وفضله عليه، وذكر لقاء ربّه، ومحاسبته بين يديه.. فرجع إلى الله من قريب، تائبا مستغفرا- هذا الصنف من الناس معدود فى المتقين من عباد الله، إذ غسل الحوبة بالتوبة، وبعد عن الله ثم عاد إليه، واقترب منه. وفى قوله تعالى: «وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ» إغراء للعصاة والمذنبين، بالتوبة والقبول إذا هم مدّوا أيديهم إليه، وطلبوا الصفح والمغفرة منه! وقوله تعالى: «وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ» إشارة إلى ما تصحّ عليه توبة التائبين، وهو أنّهم إذا فعلوا المعصية لم يصرّوا على معاودتها، بل أخذتهم خشية الله، واستولى عليهم الندم.. وأقبلوا على الله تائبين مستغفرين.. وقوله تعالى: «وَهُمْ يَعْلَمُونَ» يفسح العذر للذين يأتون الفاحشة عن جهل، أو خطأ، كمن يشرب خمرا وهو يظنها غير الخمر. وقوله تعالى «أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ» الإشارة هنا إلى جميع من ذكروا فى قوله تعالى: «وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ.. إلى قوله سبحانه: «وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ» فهؤلاء الذين جاء ذكرهم فى هذه الآيات الثلاث، هم من المتقين، وهم من الذين يتلقّون هذا الجزاء الحسن من الله.. جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها.. وفى قوله تعالى: «وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ» مدح وتمجيد لهذا الجزاء العظيم،

الآيات: (137 - 138) [سورة آل عمران (3) : الآيات 137 إلى 138]

الذي ناله هؤلاء الذين أنعم الله عليهم، فاتقوه، وأنفقوا فى السّرّاء والضراء، وكظموا الغيظ وعفوا عن الناس.. ومثلهم أولئك الذين إذا فعلوا فاحشة، أو واقعوا المعصية ذكروا جلال الله وعظمته، فرجعوا إليه من قريب، باسطين يد التوبة والمغفرة.. فالجزاء الذي ناله هؤلاء المحسنون المتقون، شىء عظيم رائع.. وهل شىء أعظم من الجنة وأروع؟ .. ثم إن هذا الجزاء- وإن يكن فضلا من الله وإحسانا- هو عن إحسان كان من هؤلاء العاملين، وعن عمل من هؤلاء المحسنين: أجراه الله على أيديهم، ووفقهم إليه.. وفى هذا يقول الحق سبحانه: «إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ» (13- 14: الأحقاف) . الآيات: (137- 138) [سورة آل عمران (3) : الآيات 137 الى 138] قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) التفسير: كانت موقعة بدر، ثم موقعة أحد بعدها، تجربتين مثيرين فى مسيرة الدعوة الإسلامية، وفى كشف معالم الطريق الذي يسير فيه المسلمون

تجاه تلك القوى المتربصة بهم، وبالدّين الذي آمنوا به. بدأت دعوة الإسلام هامسة، متخافتة. تمشى على خفوت وخشية بين ظلام الشرك، ووسط معاقل المشركين.. فلما أخذ صوتها يعلو ويبلغ الأسماع. أجلب عليها المشركون بجبروتهم وعتوّهم يلاحقون الجماعة القليلة المستضعفة، حتى كادت تختنق الدعوة فى مهدها، لولا أن ثبت الله أقدام المؤمنين، وربط على قلوبهم، فصبروا على ما أوذوا، وخرجوا عن أموالهم وديارهم وأهليهم، فارّين بدينهم فى وجوه الأرض.. حتى كانت هجرة النبي الكريم إلى المدينة. فتحدّد بذلك خط سير الدعوة، كما تحدد الأفق الذي ستشرق منه شمسها، وتنتشر أضواؤها. وفى المدينة قامت الخمائر الأولى لدولة الإسلام.. فكان المهاجرون والأنصار الكتيبة الأولى التي أمسكت راية الحق لتلقى بها الشرك كلّه، والكفر كلّه، والنفاق كلّه. وفى موقعة بدر كان أول صدام بين الإسلام، والكفر.. الإسلام كله، والشرك كلّه.. ولو أن هذه المعركة انتهت بالقضاء على هذه الجماعة القليلة المسلمة، لما قامت للإسلام بعدها قائمة، ولما كان إسلام ولا مسلمون بعدها.. ولكن الله بالغ أمره. فلقد قضت إرادته سبحانه أن تغلب تلك الفئة القليلة دولة الشرك، وأن تنالها بيد قوية قاهرة، فتقتل وتأسر، كما تشاء! وتشهد الدنيا كلها من تلك المعركة «معجزة، قاهرة متحدية، وأن الإسلام ليس أمرا من أمور هذه الدنيا التي يقتتل الناس عليها، وإنما هو نور من نور الله، لا تطفئه الأفواه، ولا تحجبه الأيدى، وأنه بالغ الذي الذي

أراد الله أن يبلغه: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» (9: الصف) .. (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» (32: التوبة) وتفعل المعجزة فعلها فيمن شهد المعركة، وفيمن سمع أخبارها من المسلمين، والمشركين، والكافرين.. فكثير من المشركين والكافرين، الذين شهدوا المعركة، أو سمعوا أخبارها، قد دارت رءوسهم بها، وأخذوا يراجعون حسابهم مع الإسلام، ويحددون موقفهم من النبىّ، وفى كل يوم يزداد العقلاء قربا من الإسلام، على حين يزداد الحمقى والسفهاء، حمقا وسفاهة وبعدا!! أما المسلمون فقد امتلأت قلوبهم طمأنينة بالدين الذي آمنوا به، وبالنبيّ الذي استجابوا له، واتبعوا سبيله.. ثم نظر ناظرهم إلى آفاق بعيدة، فرأى يد الإسلام تنال ما تشاء.. وتبلغ ما تريد فى كل أفق تتجه إليه.. لا يمتنع عليها شىء، ولا يحول دونها حائل.. إنها تقاتل تحت راية الله، وتضرب أعداءها بيد الله.. فمن يقف لها، أو يردّ ضربتها؟ ألم تشارك ملائكة السماء فى القتال مع المسلمين؟ وهل تهزم جبهة تقاتل معها الملائكة، ولو كانت عدد أصابع اليد أو اليدين؟ لقد كان هذا الشعور مستوليا على المسلمين، بعد أن فرغوا من معركة بدر، وبعد أن عادوا وقد امتلأت أيديهم من الغنائم والأسرى، وبعد أن ملئوا أرض المعركة من أعدائهم، جثثا وأشلاء!! ولكن. ما هكذا تدبير الله وتقديره فيما بين الناس، وفيما بين الحق والباطل!! إنه لا بد من بذل وتضحية، ومن معاناة وابتلاء! وإلا فأين المحقّون وأين المبطلون؟ وأين إحسان المحسنين وإفساد المفسدين؟

وأين ما أعطى صاحب الحق من نفسه وماله، للحق الذي فى يده؟ وكيف تكون إثابة المحسن وجزاء العامل، إن لم يكن عمل وإحسان؟ إن العدل الإلهى يقضى بأن يجازى المحسن، ويعاقب المسيء..! وفى مجال الصراع بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، يمتاز المحقّون من البطلين، وينعزل الأخيار عن الأشرار.. وإذا كانت معركة بدر قد دارت على تلك الصورة الفريدة بين المعارك، ليثبّت الله بها الراية التي ركزها للإسلام، فإن ما يستقبل المسلمون بعد ذلك من معارك لن يكون على تلك الصورة التي شهدوها يوم بدر، وأن عليهم أن يبلوا بلاءهم مع عدوّهم، وأن يستعينوا عليه بالصبر والتقوى. فذلك هو السلاح الذي وضعه الله فى أيديهم، والذي إن حاربوا به عدوّهم كتب الله لهم النصر، وإن قلّ عددهم، وتضاعفت أعداد قوى الشرّ المتصدية لهم!! هكذا ينبغى أن يعرف المسلمون ما يجب أن يكون عليهم أمرهم، وهم مقدمون على لقاء العدو، الذي جاءهم بكل غيظه وحنقه، ليثأر للهزيمة التي نقيها فى معركة بدر!! وها هم أولاء المسلمون يتأهبون للقاء المشركين، الذين جمعوا جموعهم، يريدون أن يقتحموا بها المدينة، ويدمروها على من فيها من المهاجرين والأنصار! ويستشير النبي أصحابه.. ويكثر القول، ويختلف الرأى، ثم يعلو الصوت القائل بلقاء العدو خارج المدينة، ويرى النبي الكريم أن يستجيب للأغلبية، وإن كان يرى خلاف ذلك، فيلبس لباس الحرب، ويضع لامته على رأسه، ويؤذن أصحابه بأنه خارج معهم إلى لقاء المشركين..

وهنا يستشعر المسلمون الندم، ويرون أنّهم على أمر لم يكن يريده النبىّ.. فأقبلوا عليه يسألونه أن يكون عند رأيه الذي رآه.. فأبى عليهم ذلك، وقال: «ما ينبغى لنبىّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل» .. وذلك أنه أقام أمره على عزيمة، وبهذه العزيمة لبس لبوس الحرب.. وما كان له أن يرجع بعد ما عزم.. فإن هذا الرجوع يعنى انحلال العزيمة، إذ ليس ثمّة ما يمنع بعد هذا أن يعزم عزما آخر، ويعود فليبس عدّة الحرب.. وهكذا تستولى عليه حال من التردد بين الإقدام والإحجام.. وليس بعد هذا اجتماع لعزيمة، أو استقامة على رأى.. وفى هذا ما فيه من ضياع وخذلان، لأى أمر، وفى كل عمل، يدخل عليه التردد من أي باب! ولهذا كان أمر الله لنبيّه الكريم: «وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ» (159: آل عمران) قاطعا الطريق إلى التردد بعد العزيمة، التي تجىء عن مناصحة ومشاورة! نقول: خرج النبىّ بأصحابه للقاء العدوّ، ومع المسلمين هذا الشعور الذي وقع فى نفوسهم من حملهم النبىّ على هذا الخروج- الشعور بالندم والحسرة- الأمر الذي لو صحبهم إلى المعركة لأفسد عليهم موقفهم من عدوهم، ولاغتال الكثير من عزمهم وقوّتهم! وهنا يتلقّى الرسول الكريم من ربّه، ما يذهب بمرارة هذا الأسى الذي وجده، ووجده معه أصحابه، فى مجلس الشورى، وما انتهى إليه. فجاء قوله تعالى: «وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ» - جاء قوله تعالى فى هذه الآيات. ليذكّر النبي والمسلمين بما كان لله عليهم

من فضل، فى هذا النّصر العظيم، الذي امتلأت به أيديهم يوم بدر.. وفى هذه الصورة التي ترتفع للمسلمين من معركة بدر، تهبّ عليهم ريح الطمأنينة، وتدخل على قلوبهم السكينة والأمن، فيلقون عدوّهم بعزم جميع، وإرادة مصممة على النصر، واثقة من عون الله وتأييده. وفى تلك الحال التي تمتد فيها أبصار المسلمين إلى معركة بدر، وتتعلق عيونهم بالمشاهد الواردة عليهم من ذكرياتها- تمتلىء أسماعهم بما يتلو عليهم الرسول الكريم، مما يتلقى من آيات ربه: «بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ» .. ويستشعر المسلمون من كلمات الله هذه أنهم من الله على حال غير الحال التي كانوا عليها يوم بدر.. إذ قد جاء وعد الله بإمدادهم بالملائكة يوم بدر غير مشروط بشرط، بل هو وعد مطلق، لا بد من تحقيقه.. وقد تحقق. أمّا هذا الوعد الكريم الذي يتلقونه من الله فى هذا اليوم- يوم أحد- فهو مشروط بشرطين: أن يصبروا، وأن يتقوا.. وتحقيق هذين الشرطين، شرط لتحقيق ما وعدوا به من النصر. إذن فهم مطالبون بشىء جديد، من الصبر والتقوى، غير ما كانوا عليه يوم بدر، وغير ما هم عليه اليوم، من صبر وتقوى.. وإنهم لو أعطوا المطلوب من الصبر والتقوى، لوجدوا فى أنفسهم من روح الله، قوة تعدل خمسة آلاف من تلك القوى التي ساندتهم، وقاتلت معهم يوم بدر! ثم يستمع المسلمون بعد هذا إلى قوله تعالى: «وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» فيستشعرون أن تلك الأمداد العلويّة، لا تجىء إليهم من بعيد، وإنما هى شرارات

من الإيمان والصبر، تنطلق من داخل أنفسهم، فتشتعل بنور الله، فإذا هى قوى يبلغ بها الإنسان فى ميدان القتال، ما لا يبلغ خمسة من الرجال، لا يملكون تلك القوى فى هذا الميدان! وهنا يلتفت المسلمون إلى أنفسهم التفاتا قويّا، يفتشون عن مواطن القوة والضعف فى إيمانهم وصبرهم، حتى يكونوا على الشرط الذي اشترطه الله عليهم، ليمدّهم بالقوة، وليمكّن لهم من عدوهم. وتجىء آيات القرآن الكريم، لتلتقى مع هذا الشعور، الذي يفتش فيه المسلمون عن أنفسهم، ولتكون فى مجال البصر وهم يرتادون مواقع الخير الذي يدنيهم من التقوى، ويمكن لهم من الصبر.. وإذا فى الآيات التي يتلوها الرسول عليهم بعد أن تلقاها من ربّه لساعته- إذا فى هذه الآيات الدواء والشفاء، إذ يقول الله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ» فعلى ضوء هذه الآيات الكريمة، يعرض المسلم نفسه، ويطّلع على ما تكون

قد انطوت عليه مما نهى الله، مما لم يكن يراه، وهو فى زحمة الأحداث المتلاحقة، التي كانت تمرّ بالمسلمين فى تلك الفترة الحرجة من حياة الإسلام- فيعمل على تنقيتها، والخلاص منها.. وقد أشرنا من قبل إلى ما فى هذه الآيات الكريمة من معانى الإحسان، وما تحمل من دواء عتيد لسقام النفوس، ومرضى القلوب! ثم يجىء قوله تعالى بعد ذلك: «قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ» فيذكر المسلمون من الآية الكريمة أن لله سبحانه وتعالى سننا فى خلقه، لن تتخلف أبدا، وأن من هذه السنن وتلك الأحكام والقوانين التي أخذ الله بها النّاس، ما تضمّنه قوله سبحانه «وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى» (39- 41: النجم) .. وما جاء به قوله سبحانه: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» (7- 8 الزلزلة) . وبهذا يرى المسلمون أنهم مطالبون بأن يعملوا وأن يحسنوا ما وسعهم العمل، وما أمكنهم الإحسان، وأن يلقوا عدوّهم بالصّبر وتوطين النفس على الجهاد والتضحية والبذل فى سبيل الله، وأن يشروا أنفسهم ابتغاء مرضاة الله.. وهنا يأذن الله لهم بالنصر، ويريهم فى عدوّهم ما يحبّون، وإلّا فقد رضوا لأنفسهم بالهزيمة، التي اكتسبوها بالقعود عن البذل والتضحية. وينظر المسلمون فى سنن الله التي خلت فى عباده، وما لهذه السنن من آثار فى تقدير مصائر الأمم والأفراد على السواء، وإذا الّذين كذّبوا بآيات الله، وآذوا رسل الله، قد أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.. قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وأصحاب مدين.. هؤلاء جميعا هم ممن كذبوا

الرّسل، فأخذهم الله بذنوبهم، وأوردهم موارد الهلاك فى الدنيا، ولهم فى الآخرة عذاب النار.. وفى هذا بقول الله تعالى: «فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» (40: العنكبوت) .. فهذا هو مصير الذين كفروا بآيات الله وكذّبوا رسله، وإلى مثل هذا المصير يصير أولئك الذين كذّبوا رسول الله وآذوه، ووقفوا منه ومن دعوته هذا الموقف العنادىّ المغرق فى العناد والضلال.. وفى هذا تطمين للمسلمين، وتثبيت لأقدامهم، وأنهم على طريق النصر، إذا هم صبروا واتقوا، وأن أعداءهم إلى البوار والهلاك إن أصرّوا على ما هم عليه من شرك وضلال.. والله سبحانه وتعالى يقول: «إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ» (51: غافر) .. ويقول سبحانه: «كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ» (31: المجادلة) ثم تمتلىء أسماع المسلمين وقلوبهم بعد هذا بقوله تعالى: «هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ» .. فيرجعون إلى هذا البيان الذي استقبلتهم به تلك الآيات، وهم على مشارف المعركة والالتحام بعدوّهم، ويرتلون هذا البيان مرة بعد مرة، فيخلص إليهم منه فى كل مرة ما يزيد إيمانهم إيمانا ويقينهم يقينا، وإذا هم يمضون إلى المعركة فى ثقة وطمأنينة، وفى إصرار على كسب المعركة وبلوغ النصر! وتدور المعركة، وتهبّ ريح النصر على المسلمين، وفى لحظة خاطفة يرون أنهم كسبوا المعركة، فألقى كثير منهم السلاح، وأقبل على الغنائم ينتزعها من بين يدى العدو قبل أن يفرّ بها! ولكن سرعان ما تتبدل الأمور، وتسكن ريح النصر، ويقع المسلمون ليد

أعدائهم، فيقتلون منهم نحو سبعين قتيلا.. وينكشف الرسول، إذ تتناثر الكتيبة التي حوله، بين قتيل، وجريح، ومهزوم.. ويثبت الرسول الكريم مع فئة قليلة من أصحابه، ويخلص إليه من سهام العدوّ أذى كثير، حتى لتشجّ رأسه، وتنكسر ثنيّته، وينادى منادى المشركين: أن محمدا قتل!! وهنا يستبدّ الهول والفزع بالمسلمين، وتكاد تنتهى المعركة بالهزيمة القاصمة، لولا أن نادى منادى الرسول: أن رسول الله هنا فى المعركة، يقاتل المشركين.. فتثوب إلى المسلمين ألبابهم الشاردة، ويجتمعون إلى رسول الله، ويصمدون معه فى ردّ عدوان المعتدين.. وتكتفى قريش بما نالت، وتقف بالمعركة عند هذا الحدّ، خوفا من أن تدور الدائرة عليها، لو أنها مضت بالحرب إلى آخر الشوط! ويعود النبىّ وأصحابه من المعركة، وقد أصيبوا فى أنفسهم، وفى أصحابهم.. وفى القلوب حزن وأسى، وفى النفوس ضيق واختناق، ويهبّ على المدينة إعصار محموم، يلفّ الناس فى جوّ كئيب، ملفف بالسواد، لا يرى فيه الرائي موقع قدميه! وأين بدر ويومها؟ وأين الوجه الذي استقبلت به المدينة أصحاب بدر، من هذا الوجه الذي تستقبل به أصحاب أحد؟ وتدور فى الرءوس، وعلى الشفاه، خواطر، وهمسات، وغمغمات، تكاد لكثرتها أن تكون هديرا كهدير البحر الهائج، أو عواء كعواء الريح العاصف! وتعلو أصوات المنافقين والكافرين، فتقرع أسماع المسلمين، بالتجديف على الإسلام، والتكذيب لرسول الله، والسخرية بالملائكة التي قيل إنها قاتلت مع المسلمين يوم بدر! فأين رب محمد؟ وأين الملائكة التي يقول إن ربّه يمدّه بها؟ لقد قتل أصحابه، وكاد أن يقتل هو.. فما لربّه لا يدفع عنه

وعن أصحابه ما أصابهم؟ وما للملائكة لا تخفّ لنجدته؟ أم ترى هل تفرّ الملائكة كما يفرّ الناس؟ وهل تهزم كما يهزم المحاربون؟ وكم من الملائكة من قتيل وجريح على أرض المعركة؟ .. إن ذلك ليس إلّا ضلالا فى ضلال، وغرورا فى غرور.. لقد «غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ» (49: الأنفال) فأوردهم موارد الهلاك وسوء المصير!! هكذا كان المشركون والمنافقون يرددون تلك المقولات المنكرة، ويلقون بها- فى شماتة وسخرية- إلى أسماع المسلمين، فتزيد من آلام جراحهم، وتثقل من هموم أنفسهم! والمسلمون فى صمت ووحوم، يمسكون أنفسهم على هموم، ويطوون صدورهم على حسرات وغمرات.. لا يدرون ما يقولون، ولا ما يفعلون!! تلك هى بعض المشاهد التي يمكن أن يرصدها الراصد لهذا اليوم، فيما كان يجرى فى المدينة، وما يدور فى محيط الجماعات التي تأوى إليها، من مسلمين، ومنافقين، ومشركين.. إنها مشاهد أرضية، تسبح صورها وخيالها فى غبار المعركة ودخانها، الذي انعقد فوق المدينة، وخيّم فى سمائها لأيام وأيام! ويتطلع الرسول والمؤمنون إلى السّماء، يرقبون ماذا يجىء من جهتها عن هذا الحدث العظيم.. وماذا كان حسابهم عند الله فيما كان منهم، ولما أخذوا أو تركوا فى هذا اليوم؟ وتقول السماء كلماتها، وتتنزل آيات الله بالحق، يقشع ظلام الباطل، ويفضح ضلال المبطلين، وتتلى كلمات الله فتلتئم بها جراحات المؤمنين،، وتمتلىء بها قلوبهم سكينة ورضى، وإيمانا:! وفى هذه الآيات المنزّلة، عزاء ورحمة وشفاء:

الآيات: (139 - 143) [سورة آل عمران (3) : الآيات 139 إلى 143]

الآيات: (139- 143) [سورة آل عمران (3) : الآيات 139 الى 143] وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) التفسير: ولا تحتاج هذه الآيات الكريمة إلى شرح أو بيان، لمن يعيش هذه المعركة بمشاعره، ويشارك فيها بوجدانه، ويزن فيها الأحداث بالميزان الذي أقامه الله بين عباده، وأجرى أمورهم عليه! فأولا: لقد اختلف أمر المسلمين فى هذه المعركة.. قبل أن يخرجوا إليها.. وهذا الخلاف- أيّا كان- هو عامل ضعف، وداعية فتور ووهن.. وكان من أولى وصايا الإسلام للمسلمين، أن يحذروا هذا الداء، وأن يجتنبوه فى كل ما يأخذون وما يدعون من أمور: «وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ» (46: الأنفال) . وثانيا: لم يقم أمر المسلمين جميعا فى هذه المعركة على ما وصّاهم الله به، ولفتهم إليه، قبل أن يدخلوا المعركة، وذلك فى قوله تعالى: «بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ» (125: آل عمران) . فثبتت قلة وصبرت.. وتواكلت كثرة منهم، فانهزمت وولت

وثالثا: أضاف كثير من المسلمين يومئذ معركة أحد إلى معركة بدر، وحسبوها بحسابها.. فما أن رأوا ريح النصر تهبّ عليهم، وتكاد تسلم أعداءهم لأيديهم، حتّى أعفوا أنفسهم من مئونة القتال، وتركوا المعركة للملائكة تتمها كما بدأتها!! وذلك تقدير فيه كثير من البعد عن الطريق الذي أقامهم الله عليه فى تلك المعركة، وهو أن يكسبوها بأيديهم، وبصبرهم وتقواهم. وإنه لو جرت الأمور على هذا التقدير الذي قدّروه، لما كان بلاء ولا اختبار.. ومن ثمّ فلا ثواب ولا جزاء.. إذ بم يثابون؟ وعلى أي شىء يجزون؟ وما فضل المجاهدين على القاعدين؟ بل ما فضل المؤمنين على الكافرين؟ «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ» ؟ إن بلاء المؤمنين وجهادهم، هو الذي يكشف عن إيمانهم، ويعطى الدليل العملي لهم وللنّاس، أنّهم مؤمنون حقّا، وأنهم أدوا حقّ هذا الإيمان، بلاء وجهادا. وفى قوله تعالى: «وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ» لا يتعلق علم الله بجهادهم وصبرهم. فعلم الله واقع على ما كان منهم وما سيكون قبل أن يكون، ولكن المراد بالعلم هنا، علم المعلوم فى حال وقوعه، أي علمه على الصفة التي وقع عليها.. وهذا وإن كان واقعا فى علم الله، إلا أنه علم غيب لما سيقع، والمراد بالعلم هنا علم الشهادة لما وقع. والذي تضمنته هذه الآيات الكريمة، تعقيبا على هذا الحدث- هو عزاء جميل من الله سبحانه وتعالى للنبىّ وللمؤمنين..

ففى قوله تعالى: «وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ» نفحة من الله، تنزل على النبىّ وعلى المؤمنين معه، بما يهوّن عليهم كل مصاب، ويجلو عن صدورهم كل همّ وحزن! وهل مع قول العزيز الرحيم: «وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا» يكون ما يوهن ويضعف، أو يبقى ما يسوء ويحزن؟ وسبحانك ربى! ما أوسع رحمتك، وما أعظم فضلك، وما أكثر برّك بالمؤمنين، ورعايتك للمجاهدين!! تبتليهم فى أموالهم وأنفسهم، لتضاعف لهم الأجر، وتعظم لهم المثوبة، ثم تعود بفضلك ورحمتك فتعافيهم مما ابتليتهم به، وتملأ قلوبهم سكينة ورضى ومسرة، بما تسوق إليهم من رحمات وبشريات! وفى قوله تعالى: «وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ» حكم من لدن حكيم عليم، حكم به للمؤمنين أن يكونوا دائما فى المنزلة العليا فى هذه الحياة.. لهم العزة والغلب على أعدائهم أبدا، مصداقا لقوله تعالى: «وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» (141: النساء) وفى قوله تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» تثبيت للمؤمنين على الإيمان.. وأنهم إذا ثبتوا على إيمانهم، وأعطوا هذا الإيمان حقّه من الصبر والتقوى، فإنهم لن يهنوا ولن يحزنوا أبدا، وأنهم الأعلون أبدا.. وقوله تعالى: «إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ» هو عزاء آخر للمؤمنين لما أصيبوا به فى أنفسهم، ولما أصيبوا به فى أهليهم.. وأنهم إن يكونوا قد أصيبوا اليوم بما يؤلم ويوجع، فقد أصابوا هم أعداءهم بما يؤلم ويوجع! ثم ليعلم المؤمنون من هذا أن طريقهم فى مسيرتهم مع الإسلام ليست كلها يوما واحدا كيوم بدر، بل إنهم سيغلبون

ويغلبون، ويقتلون ويقتلون، ويصيبون ويصابون.. وهكذا الدنيا.. وتلك سنّة الحياة فيها.. لا تدوم على وجه واحد، بل هى وجوه متقلبة متغيرة! تقبل وتدبر، وتضحك وتبكى.. وذلك هو الذي يعطى الحياة حيوية، وهو الذي يغرى الناس بالسعي والعمل، لينتقلوا من حال إلى حال، ومن وضع إلى وضع.. ولو أخذ الناس بوضع ثابت مستقر- ولو كان ذلك فى أحسن حال، وأمكن وضع- لماتت فى أنفسهم نوازع التطلعات إلى المستقبل، ولخمدت فيهم جذوة الحماس للكفاح والنضال. وقوله تعالى: «وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ» بيان لحكمة الله من هذا الابتلاء.. ففى هذا الابتلاء، وتحت وطأة القتال، ينكشف إيمان المؤمنين، ويعرف ما عندهم من صدق وبلاء.. فيكتب لهم ما كان فى علم الله، وما وقع منهم، وهو أنهم مؤمنون مجاهدون! وفى قوله تعالى: «وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ» إشارة إلى أن جماعة المؤمنين الذين كانوا مع النبىّ فى أحد- كانوا جميعا على درجة عالية من الإيمان، وأنّ أنزلهم درجة فى هذا الإيمان كان مؤهلا لأن يكون فى عداد الشهداء، ولهذا جاء قوله تعالى: «وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ» خطابا لهم جميعا، وكان نسق النظم أن يجىء هكذا: «وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ» ، ولكنّ هذا يعزل بعض المجاهدين عن أن يكونوا فى المؤمنين، الصالحين لأن يتخذ الله منهم شهداء.. وفى قوله تعالى: «وَيَتَّخِذَ» إشارة كريمة إلى هذا المقام الكريم الذي يرتفع إليه الشهداء، وأنهم خيار المؤمنين، والمصطفين منهم، ولهذا اتخذهم الله شهداء.. إذ الاتخاذ أخذ عن اختبار واختيار..

وفى قوله تعالى: «وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ» تحريض للمسلمين على قتال المشركين، واحتمال المكروه فى سبيل إضعافهم أو القضاء عليهم، لأنهم ظالمون لأنفسهم، بصرفها عن الهدى إلى الضلال، وظالمون للإنسانية إذ هم قوى شريرة عاملة على طمس معالم الهدى وصدّ الناس عن الخير.. «وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ» ومن لا يحبّه الله فهو عدو لله، يجب على أولياء الله أن يعادوه، ويخلّصوه من الذي فى يديه، يرمى به نفسه، ويصيب به الناس. وقوله تعالى: «وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ» أي من تمام حكمة هذا الابتلاء فيما بين المؤمنين والكافرين أن يمحّص الله المؤمنين بهذا الابتلاء، وينقيهم من دخائل الضعف والوهن، بملاقاة الشدائد والصبر عليها، كما أن فى هذا الابتلاء إضعافا لشوكة الكافرين وتوهينا لقوى البغي والعدوان، المتربصة بالإيمان وبالمؤمنين. وقوله تعالى: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ» بيان آخر للحكمة من هذا الابتلاء الذي ابتلى الله به المؤمنين، فى قتال الكافرين، وهو أن هذا الابتلاء هو الذي يكشف عن إيمان المؤمنين، وصبرهم على المكروه، واحتمالهم الأذى فى سبيل الله، وذلك هو الذي يميز الخبيث من الطيب، ويجعل لكلّ مكانه عند الله.. فالجنة للمجاهدين الصابرين.. والنار للمشركين المعاندين. وقوله تعالى: «وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ» . هو عتاب رقيق للمؤمنين الذين شهدوا القتال فى أحد، ثم تحوّل بعضهم عن موقف الموت، إلى حيث السلامة وجمع الغنائم، بعد أن لاحت بوارق النصر للمؤمنين: كما أن كثيرا منهم ترك القتال بعد أن بانت الهزيمة فى جانب المسلمين

الآيتان: (144 - 145) [سورة آل عمران (3) : الآيات 144 إلى 145]

فلقد كان كثير من المسلمين الذين شهدوا أحدا، ولم يكونوا قد شهدوا بدرا- كانوا يأسفون على أن فاتهم حظّهم من الجهاد فى معركة بدر، وتعرضهم للاستشهاد فى سبيل الله.. فخرجوا إلى أحد على نية الاستشهاد.. فلما كان من هؤلاء وهؤلاء، ما كان فى أحد، من إقبال على الغنائم، أو فرار من المعركة- كان هذا العتاب الرقيق من الله سبحانه وتعالى لهم، ليذكّرهم بأنهم قالوا ولم يفعلوا، وهذا موقف لا يرضاه الله لهم، إذ يقول سبحانه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ» (2- 3: الصف) وفى قوله تعالى: «فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ» تأسيف وتنديم، لأولئك الذين فاتهم الاستشهاد فى «أحد» وأنهم قد ضنوا بأنفسهم عن هذا المقام الكريم، حتى لقد اكتفوا بأن يروا الموت فى غيرهم وهم ينظرون إليه من بعيد! الآيتان: (144- 145) [سورة آل عمران (3) : الآيات 144 الى 145] وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) التفسير: حين مال المشركون على المسلمين يوم أحد، وأخذوهم بسيوفهم وسهامهم، وسقط شهداؤهم الذين كانوا إلى جوار رسول الله- تنادى المشركون أن محمدا قتل!!

وكان لهذا الخبر الكاذب وقعه على المسلمين، فاضطربت لذلك صفوفهم، ووقع كثير منهم تحت وطأة الحزن والكمد، فهام على وجهه يطلب الفرار من وجه هذا الهول الصاعق.. إذ كانوا- وهم يعلمون أن محمدا ميت وأنهم ميتون- غير مستعدّين، نفسيا، وهم فى معمعة المعركة، ووجودهم كله مستغرق فيها- كانوا غير مستعدين أن يتلقوا هذه الصدمة المزلزلة، وأن يصدقوها، وإن كانت حقّا، لا يمترون فيه ولا يشكّون! فكان عتاب الله لهم على ما كان منهم فى هذا الموقف، عتابا رقيقا، يحمل فى طياته الرحمة والمغفرة.. فما لقيهم الله بالعتاب إلا بعد أن ردّهم إلى الحق الذي عرفوه وآمنوا به، وإن كان قد غاب عنهم، أو ذهلوا عنه فى هذا الموقف الرهيب! «وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ» .. وما الرّسل إلا ناس من الناس، وبشر من البشر.. يموتون كما يموت سائر الناس، وقد مات الرسل جميعا، ولا بد أن يموت محمّد. «أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ» .. فكيف إذا مات محمد أو قتل تتحولون عن مواقفكم، وتنقلبون على أعقابكم تاركين ما دعاكم إليه، وأقامكم عليه من الجهاد فى سبيل الله؟ إن ذلك غير مستقيم مع منطق أبدا!! «وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً» فهذا حكم الله.. إن من ينقلب على عقبيه فيكفر بالله بعد إيمانه، أو ينكص عن الجهاد بعد موت النبي، فلن يضر الله شيئا.. إن الله غنى عن العالمين. والعدول بالخطاب من الحضور إلى الغيبة، وصرفه عن الماضي إلى المستقبل- فيه ما فيه من لطف الله، ورحمته وإحسانه، بل ورضاه عن المسلمين الذين شهدوا أحدا، وشمولهم جميعا بهذا الصفح الجميل، والرضوان العظيم..

وفى قوله تعالى: «وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ» لطف فوق هذا اللطف، ورحمة فوق هذه الرحمة، وإحسان فوق هذا الإحسان!! فالمسلمون الذين شهدوا أحدا، قد تلقوا ألطاف الله هذه، بالشكر العظيم، وهم إذ يشكرون الله على رحمته بهم وفضله عليهم مجزئّون جزاء الشاكرين. «فالشاكرون» هنا- وإن صح إطلاقها على كل شاكر- متجهة أولا وقبل كلّ شىء إلى هؤلاء الذين انتظمهم جيش رسول الله، فى معركة أحد! ثم كان قوله تعالى: «وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا» عزءا جميلا للمسلمين، وتسرية عنهم لما أصيبوا به فى أحد. فهؤلاء الذين استشهدوا فى سبيل الله قد ظفروا بالشهادة، دون أن ينقص ذلك من أجلهم ساعة واحدة.. فما تموت نفس على أي وجه من وجوه الموت، دون أن تستوفى أجلها المقدور لها «لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ» (38: الرعد) .. «لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ» (49: النحل) فمن أراد ثواب الدنيا واستيفاء حظه منها، ففرّ بنفسه عن مواطن الابتلاء، فله ما أراد، دون أن يزيد ذلك من عمره شيئا.. ومن أراد ثواب الآخرة، مجاهدا فى سبيل الله، يستقبل الموت ولا يستدبره، فله ما أراد، ولن ينقص ذلك من أجله شيئا!! وفى قوله تعالى: «وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ» إشارة إلى المؤمنين الذين عرفوا هذه الحقيقة واستيقنوها، فشكروا الله على ما أقامهم به على طريق الجهاد، ونظمهم فى صفوف الشهداء، ووفاهم أجرهم، دون أن يستقضيهم ذلك ساعة واحدة من آجالهم التي حرص عليها غيرهم، ممن نكص عن الجهاد، وارتدّ على عقبه، فرارا من الموت، الذي هو طالبه حين يستوفى أجله.

الآيات: (146 - 148) [سورة آل عمران (3) : الآيات 146 إلى 148]

الآيات: (146- 148) [سورة آل عمران (3) : الآيات 146 الى 148] وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (147) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148) التفسير: فى الآيات السابقة كان من الله، هذا العتاب الرفيق، الذي يحمل الإعتاب والرضا، ويسوق الإحسان والرحمة، ويبعث فى صدور المسلمين دفء الأمل بالنصر للإسلام، والإعزاز للمسلمين، فيجدون فى هذا كلّه العزاء الجميل لما أصابهم من جراح، فى أجسامهم، ولما وقع فى نفوسهم من مرارة الهزيمة، وعلوّ يد الكافرين عليهم فى هذه المعركة، معركة أحد.. وهنا، فى قوله تعالى «وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ» صورة اخرى من صور العزاء والتّسرية عن المسلمين، بما تحمل إليهم كلمات الله من مواقف الإيمان والصّبر، للمؤمنين فى الأمم التي خلت، ممن صدّق الرسل وجاهد فى سبيل الله. والربّيون: جمع ربّىّ، وهو من آمن بالله، وأضاف نفسه إلى ربّه، متوكلا عليه، مستقيما على صراطه. فكثير من هؤلاء المؤمنين من أتباع الرسل، كانوا مع الأنبياء مجاهدين فى سبيل الله، لم يهنوا ولم يضعفوا، مهما نزل بهم من شدائد أو وقع عليهم

من بلاء. وهؤلاء هم ممّن يحبّهم الله ويوسع لهم فى منازل رضوانه ورحمته: «وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ» وفى قوله تعالى: «وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ» إشارة إلى ما ينبغى أن يكون عليه موقف المجاهدين الصابرين، حين يكربهم الكرب، ويشتدّ بهم البلاء.. لا يذكرون غير الله، ولا يلتفتون إلا إليه، طالبين عفوه ومغفرته، وتثبيت أقدامهم فى موطن الجهاد، حتى لا تنزع بهم نفوسهم إلى أن يولوا الأدبار، وأن يطلبوا السلامة والنجاة. وفى طلبهم أن يغفر الله لهم ذنوبهم، وإسرافهم فى أمرهم- أي خروجهم عن سواء السبيل فى بعض أحوالهم- فى طلبهم هذا، وفى جعله مفتتح دعائهم، اعتراف ضمنىّ بأن شيئا ما دخل على إيمانهم، فأدخل الوهن والضعف عليهم- وإن لم يهنوا ولم يضعفوا- وباعد بينهم وبين النصر المرجوّ على عدوهم.. فهم فى هذا الدعاء يضرعون إلى الله أن يغفر لهم ذنوبهم، وأن يتجاوز عن سيئاتهم، فإذا استجاب الله لهم ذلك، طهرت نفوسهم، واستقامت طريقهم إلى الله، واشتد قربهم منه، وكان لهم أن يطلبوا إلى الله أن يثبت أقدامهم، وأن يمسك بهم على هذا الطريق الذي استقاموا عليه.. وهذه الحال التي تنكشف عن موقف المؤمنين من أتباع الرسل تلقى على المؤمنين الذين شهدوا أحدا ظلالا من الاتهام، واللّوم، والعتاب، لما وقع فى نفوس بعضهم، وما جرى على ألسنة بعض آخر.. من وساوس الشك والريبة.. فقال قائل: «أَنَّى هذا؟» (165: آل عمران) وقال آخرون: «لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا» (154: آل عمران) .. لقد نظر هؤلاء وأولئك إلى غير ما كان ينبغى أن ينظروا إليه.. لقد نظروا إلى غيرهم، وألقوا باللائمة

الآيات: (149 - 150 - 151) [سورة آل عمران (3) : الآيات 149 إلى 151]

عليه.. ولم ينظروا إلى أنفسهم ليبحثوا عما وقع فيها من خلل، كما كان يفعل المؤمنين قبلهم من أتباع الرسل، حين تنزل بهم الشدائد، وتتوالى عليهم المحن. وفى قوله تعالى: «فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» مشهد كريم، يعرض على أنظار المسلمين، لمن آمن بالله واستقام على طريقة، حتى إذا استشعر أن يد الله قد تراخت عنه، اتّهم نفسه، وأيقن أن خللا وقع فى صلته بالله، فبادر فأصلحه، وصالح الله، فوجد العفو والمغفرة، ثم أصاب النصر والظفر.. وهؤلاء المؤمنون الذين جاهدوا مع رسل الله، وكان شأنهم عند اشتداد المحن، وقسوة البلاء، العودة إلى الله بإصلاح أنفسهم- هؤلاء قد أعزّهم الله فى الدنيا، فكتب لهم النصر على عدوهم، وأجزل لهم المثوبة والرضوان فى الآخرة، لما كان منهم من صبر على البلاء، وثبات فى وجه الموت. الآيات: (149- 150- 151) [سورة آل عمران (3) : الآيات 149 الى 151] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) التفسير: وفى هذه الآيات يرى لله المؤمنين موقفهم من الكافرين، فيحذّرهم من أن يستمعوا إلى ما يتخرّصون به، وما يلقون إلى أسماع الناس من تعليقات خبيثة على معركة أحد، وما أصاب المسلمين فيها.. فإن الاستماع إلى هذه المقولات، والاطمئنان إلى قائليها يوهن إيمان المؤمنين، ويفسد عليهم

أمرهم، فلا يلقون إلا الخذلان والخسران! ثم إذا استجاب المسلمون إلى ما دعاهم الله إليه من تجنب الكافرين والحذر منهم.. لفثهم الله سبحانه إليه، ودعاهم إلى الاعتصام به، والاعتزاز بالاعتماد عليه والثقة فى نصره: «بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ» . وفى قوله تعالى: «بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ» دعوة من الله إلى المؤمنين أن يلوذوا به، فإنه سبحانه لم يؤاخذهم بما كسبوا، ولم يبعدهم عن حظيرة محبّته ورضوانه، فهو مولاهم، وهو الذي يثبّت أقدامهم، ويمنحهم النصر على عدوهم «وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ» . أما هؤلاء المشركون، الذين خيل إليهم أنهم كسبوا المعركة، وفرغوا من أمر الإسلام والمسلمين- فإن لهم يوما تتنكس فيه راية الشرك إلى الأبد، فيذلّ المشركون فى هذه الدنيا، والنار مثوى لهم يوم يقوم الناس لرب العالمين.. فهؤلاء المشركون، سيملأ الله قلوبهم رعبا، بما حملوا من شرك، وبما عبدوا من ضلالات.. إذ أن الشرك بقتل فى صاحبه كل معانى الإنسانية، ويقيمه فى هذه الدنيا مقاما قلقا مضطربا، لا يجد ما يستند إليه عند الشدائد والمحن. وما ظنّك بإنسان- إذا كربه الكرب، ونزلت به النوازل- فزع الى حجر يعبده؟ أو إلى حيوان يسجد بين يديه؟ وأين هذا ممن يمدّ يده إلى مالك الملك، ويفزع إلى من بيده ملكوت السموات والأرض؟ وشتّان بين هذا وذاك.. فالمشرك يدعو من لا يملك ضرّا ولا نفعا،

الآية: (152) [سورة آل عمران (3) : آية 152]

ويهتف بمن لا يستجيب له إلى يوم القيامة.. أما المؤمن فيدعو ربّ الأرباب، ومدبّر الأكوان، والآخذ بناصية كل كائن، والقائم على كل موجود. الآية: (152) [سورة آل عمران (3) : آية 152] وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) التفسير: فى أولى الآيات التي استفتح الله بها ذكر تلك المعركة- معركة أحد- جاء قوله تعالى: «بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ» .. وكان هذا وعدا من الله المؤمنين بالمدد العلوىّ، الذي يحمل معه النصر لهم. وقد جاء هذا الوعد مشروطا وأنه لن يحققه الله لهم إلا إذا وفوا بهذا الشرط، وهو أن يصبروا ويتقوا.. وقد صبر المسلمون فى أول القتال، وأعطوا أنفسهم كلها للمعركة.. فصدقهم الله وعده، وأراهم بشائر النصر.. فإنه منذ الساعات الأولى من القتال استولى المسلمون على زمام المعركة، وبدأت طلائع بدر تطل عليهم، فقتلوا مقتلة عظيمة فى المشركين، وأدخلوا فى صفوفهم الخلل والاضطراب، حتى همّوا بالهزيمة والفرار، وأخلوا أيديهم مما معهم من متاع.. وإذ ذاك امتدت أبصار كثير من المسلمين إلى هذا المتاع الذي تخلّى عنه أهله، وكان الأولى بهم أن يلتفتوا إلى رءوس المشركين أولا، فيزيلوها عن مكانها، فهذا هو الأمر الذي ندبهم الله له، وانتظموا فى سبيل المجاهدين من أجله!!

وإذن فقد تخلّى المسلمون عن الشرط الذي اشترطه الله عليهم ليمنحهم نصره.. فكان أن تخلّى عنهم النصر، واستقبلتهم الهزيمة..!! وفى قوله تعالى: «إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ» إشارة إلى ما فعل المسلمون بالمشركين أول الأمر، وأنهم حصدوهم حصدا.. فالحسّ معناه: القتل الذّريع الكثير.. وقوله تعالى: «حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ» يشير إلى ما كان من جماعة الرّماة التي جعلها الرسول الكريم من وراء جيش المسلمين، تحمى ظهورهم من أن يأخذهم كمين من العدو على غرّة، وقد وصّى النبىّ هؤلاء الرماة أن يلزموا أماكنهم، وألا يتحولوا عنها بحال أبدا، سواء انتصر المسلمون أو انهزموا. ولكن الذي كان من الرماة غير هذا.. فإنهم ما كادوا يرون الهزيمة فى المشركين، ويرون الأسلاب والغنائم وقد تخلّى عنها أصحابها، حتى قال قائل منهم: ما موقفنا هنا، وقد ولّى المشركون وانهزموا؟ وقال آخرون: إن الرسول لم يلزمنا أن نكون حيث نحن إلا لنحمى ظهر المسلمين من العدو.. فأين هذا العدوّ؟ وقال رئيس الجماعة، وهو عبد الله بن جبير: «يا قوم.. الزموا أماكنكم كما أمرنا رسول الله، ولا تتحولوا عنها..» فأبى عليه كثيرون، وتركوه فى نفر من أصحابه.. وما هى إلا لحظات حتى رأى خالد بن الوليد، - وكان على فرسان المشركين- رأى موقف الرماة يكاد يكون خلوا فاستدار إليهم بمن معه من فرسان، فاستقبله عبد الله بن جبير، ومن معه، مقاتلين، حتى استشهدوا جميعا، رحمهم الله. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ» .

الآيتان: (153 - 154) [سورة آل عمران (3) : الآيات 153 إلى 154]

وفى قوله تعالى: «ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ» إشارة إلى أن تحوّل المعركة من جانب المسلمين إلى المشركين كان عن حكمة أرادها الله، وهى أن يبتلى المؤمنين بهذا البلاء، وأن يضعهم أمام تجربة يواجهون فيها الشدائد والمحن، ليروا ما عندهم من صبر واحتمال، وليسدّوا الخلل الذي يجدونه فى أنفسهم، استعدادا للمعارك المقبلة بينهم وبين المشركين. وفى قوله تعالى: «وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ» إشارة أخرى إلى أن ما كان من المسلمين من تحول عن القتال، وانصراف إلى الغنائم، وإن كان مما كسبته أيديهم- قد عفا الله عنه، وتجاوز عن مقترفيه، لأنهم كانوا مقهورين تحت إرادة غالبة لله، فى هذا الذي كان منهم، ليكون لهم فيه درس نافع فى لقاء المشركين بعد هذا.. وفى توكيد فعل العفو باللام الموطئة للقسم، وبحرف التحقيق قد- «ولقد» - إظهار لسعة رحمة الله، وتمام فضله على عباده، المجاهدين فى سبيله «وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» يغفر لهم، ويتجاوز عن سيئاتهم، ويعيدهم إليه إذا بعدت الطريق بهم عنه. الآيتان: (153- 154) [سورة آل عمران (3) : الآيات 153 الى 154] إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (153) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (154)

التفسير: فى قوله تعالى: «إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ» تذكير للمسلمين بما كان منهم فى هذه المعركة- معركة أحد- وغمزة عتاب لهم على أن فرّوا صاعدين الجبل، لا يلوون على أحد، أي غير ملتفتين إلى من وراءهم.. وإن وراءهم إخوانا لهم صمدوا للمشركين، واستقبلوا الموت راضين.. بل وراءهم، نبيّهم يواجه العدوّ وحده فى بضعة رجال من أصحابه.. فكيف يفرّون؟ ثم إذا كانت منهم فرّة أفلا كانت منهم لفتة إلى النبىّ وقد أحاط العدوّ به؟ ثم ألا كانت منهم كرّة إلى العدوّ، يدفعون يده الضاغطة على رسول الله ومن معه؟ وهل شىء أحبّ إلى المسلم وأعزّ عنده من النبىّ.. ولو كانت نفسه التي بين جنبيه؟ إن ذلك خيانة للنفس ذاتها، وتضييع لها، بسلبها هذا الشرف العظيم، شرف الدفاع عن رسول الله، والموت فى موطن الدفاع عنه! وفى قوله تعالى: «وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ» مواجهة صريحة للمسلمين الذين فرّوا صاعدين فى الجبل، وأنهم أمعنوا فى الفرار، وبعدوا عن ميدان المعركة.. حتى لا يكاد صوت الرسول يبلغ مؤخرتهم وهو يهتف بهم: إلىّ عباد الله!! وقوله تعالى: «فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ» . الإثابة من الثواب، وهو الجزاء على عمل الإحسان بالإحسان! وفى التعبير بالإثابة عن الغمّ بالغمّ، إثارة لمشاعر الندم عند هؤلاء المسلمين

الذين فرّوا، لما فاتهم من الثواب العظيم الذي كان لهم أن يحصلوا عليه فى هذا الموطن، لو أنهم صبروا، وثبتوا. ونعم إنهم أثيبوا.. ولكن لا يكادون يمدون أيديهم إلى هذا الثواب حتى يجدوه غمّا!! فأى ثواب هذا؟ إن ذلك هو ما يمكن أن يجازوا عليه إن كان لهم أن يطلبوا مثوبة على ما كان منهم!! والغم الذي جوزوا عليه بغم.. هو ما كان فى فرارهم الذي رآه النبىّ فاغتمّ له.. وأما الغم الذي كان جزاء لهم.. فهو ما وقع فى نفوسهم من حسرة وألم، حين انكشف لهم موقفهم، وعاينوا الآثار السيئة التي نجمت عن فعلتهم تلك، والتي نفذ منها المشركون إلى المسلمين، وأوقعوا الهزيمة بهم. وهذه الحسرة التي ملأت قلوبهم، وذلك الألم الذي استولى على كيانهم، قد غطّيا على كلّ ما أصيبوا به فى هذا الموطن.. فلم يبالوا بعد هذا بالغنائم التي أفلتت من أيديهم، ولم يهتمّوا لما أصيبوا به فى أنفسهم، وفى إخوانهم، بعد أن استجابوا الرسول، وأقبلوا إليه، يقاتلون معه، ويتلقون عنه، سهام المشركين، وسيوفهم. ولقد كان هذا الغمّ الّذى وجدوه فى أنفسهم حاجزا تتحطم عنده كل واردات الهمّ والحزن لما فاتهم، ولما أصابهم.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ» .. وفى هذا رحمة بهم، وفضل من الله عليهم.. بل هو ثواب فى مقام العقاب، وجزاء حسن فى معرض الحساب والمؤاخذة!

وهكذا يلقى الله عباده وأولياءه فى كل موطن.. يلقاهم بالخير دائما، وبالفضل والإحسان فى كل متّجه، حتى ولو كانوا على غير ما يحبّ الله منهم.. فإنه إذّاك يعاقبهم، ولكنه عقاب كلّه رحمة، وكلّه خير، إذ يعالج هموما، ويدفع آلاما. وأكثر من هذا.. فإن هذا الغمّ الذي «أثاب» الله به أولئك المؤمنين يومئذ، لم يكن إلا دواء، وفى الدواء مرارة.. شأن كل دواء.. ومع هذا، فإن رحمة الله بهم لم تدع هذه المرارة تسكن فى نفوسهم، وتستقر فى كيانهم.. فما هى إلا أن يفعل الدواء فعله فى تسكين الداء، وفى الذهاب به، حتى تجىء رحمة الله فتنتزع تلك المرارة وتذهب بها.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ» فقد ألقى الله على المسلمين وهم فى ذروة المعركة خفقة من نعاس، مرّت بهم مرور النسمة العليلة، فملأت قلوبهم سكينة وأمنا، ومسحت على أجسامهم بيد السلامة والعافية!! وعجب أن يطوف النعاس بجفن المحارب، والرّماح تنوشه، والسّهام والسيوف تتعاوره.. ولكنه القلب حين يستخفّ بالموت، والإيمان حين يرتفع بالإنسان فوق هذا التراب الذي تدبّ فوقه قدماه، فإذا هو محلّق فى السماء، يعلو فوق كل خطر، ويسمو فوق كل شدّة!! والطائفة التي تشير إليها الآية الكريمة، والتي أفرغ الله فى قلوبها هذا الأمن، وساق إليها تلك الخفقة من النعاس، هى الطائفة التي ثبتت مع النبي،

سواء من كان منها الذي ثبت طوال المعركة كلّها، أو من انهزم أو فرّ، ثم عاد إلى مكانه من القتال.. وهناك طائفة أخرى، ممن كانوا مع المسلمين أول الأمر، وعلى رأسهم عبد الله بن أبىّ بن سلول، فإنهم حين أوشك القتال أن يلتحم بين المسلمين وبين المشركين، انحاز بهم صاحبهم جانبا، متذرّعين بتلك الكلمة المنافقة، التي حكاها القرآن الكريم عنهم. فى قوله تعالى: «لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ» (166: آل عمران) وهم يعلمون يقينا أن القتال وشيك بين المسلمين وبين المشركين. ولكنهم لكى يجدوا لأنفسهم عذرا فى النكوص على أعقابهم قالوا تلك القولة الكاذبة التي حكاها القرآن عنهم.. هذه الطائفة لم يكن لها من هذا الأمن الذي سكبه الله فى قلوب المؤمنين، نصيب، وهى التي أشار الله سبحانه وتعالى إليها بقوله: «وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا» . فهذه الطائفة، طائفة ابن سلول، قد أهمتهم أنفسهم، ولم يكن همّهم الإسلام، ولا الدفاع عنه.. بل طلبوا السلامة لأنفسهم أولا، فتجنبوا المعركة، ووقفوا بعيدا ينتظرون من تدور الدائرة عليه، من الفئتين المقاتلتين. وفى قوله تعالى: «يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ» اتهام لهؤلاء الذين أهمّتهم أنفسهم، ومواجهة لهم بالجرم الذي ارتكبوه.. إنهم يظنون بالله ظنّ السّوء، فيكذّبون بما وعدهم الله به، وينظرون إلى الله تلك النظرة الباردة التي كانوا ينظرون بها إلى آلهتهم من الأصنام التي كانوا يعبدونها، فيجعلون حساب الله عندهم كحساب هذه الأصنام، حتى لكأن الإسلام لم

يغيّر من حالهم فى جاهليتهم شيئا.. وفى قوله تعالى: «يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ» كشف لبعض ظنونهم السيئة بالله.. فهم يسألون فى استبعاد واتهام «هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ؟» .. والأمر الذي يسألون أو يتساءلون عنه هو أمر النصر والغلب الذي وعد الله به النبىّ والمؤمنين.. وقد أمر الله الرسول أن يجيبهم بقوله تعالى: «قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ» .. فلو كانوا مؤمنين بالله حقّا لما سألوا هذا السؤال، ولعلموا أن كل شىء بيد الله، وليد الله.. ولكان عليهم أن يستقيموا على ما دعاهم الله إليه من الجهاد، معتصمين بالصبر والتقوى.. ثم ليستقبلوا ما يكون بعد ذلك من نصر أو هزيمة، فإن كان النصر، حمدوا الله وشكروا له، وإن كانت الهزيمة أسلموا أمرهم لله، وصبروا على ما أصابهم.. وقالوا قولة المؤمنين عند لقاء الأمور على وجوهها المختلفة: «كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» (78: النساء) وقوله تعالى: «يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ» يكشف للنبىّ عن دخيلة هؤلاء الضعاف الإيمان، وأنهم يقولون فى أنفسهم، أي فيما بين المرء ونفسه، أو فيما بين بعضهم وبعض- يقولون شيئا غير هذا الذي واجهوا به النبي والمسلمين فى قولهم: «هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ؟» فهذا السؤال على ما فيه خبث، وضعف إيمان، يمكن أن يقبل منهم، ويحمل على الجهل وسوء الظن بالله.. ولكن الذي يدور فى أنفسهم، ويجرى فيما بينهم، هو اتهام صريح لله، وتجديف عليه، يكاد يكون ردّة عن الإسلام.. وهذا ما فضحه الله منهم وأعلنه على العالمين، فى قوله سبحانه: «يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا» . إنهم- هنا- يقولونها صريحة، بأن ما وعدهم الله لم يكن إلا غرورا.

وأنه لو كان هذا الوعد حقّا، لما كانت هذه الدائرة التي دارت على المسلمين، وذهبت بكثير من النفوس. وفى قولهم: «ما قُتِلْنا هاهُنا» بإضافة القتل إليهم، مع أنهم لم يقتلوا، بل ولم يقاتلوا- فى هذا القول ما يكشف عن مدى إيمانهم بهذا القول المنكر، وأنه هو القول الذي كان ينبغى أن يكون لسان حال المسلمين جميعا، حسب تصويرهم وتقديرهم. وقد ردّ الله عليهم بقوله: «قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ» أي أن هذا القتل الذي وقع فى المسلمين لم يكن يعصمهم منه عاصم، فما هو إلا أجل قد انقضى، وموت أنهى هذا الأجل عند انقضائه، على الصورة التي قضى الله أن ينتهى به عليها.. فهؤلاء الذين استشهدوا فى أحد، قد كتب الله عليهم أن يقتلوا فى هذا الوقت، وفى هذا المكان، وأن يكرموا بالشهادة.. وليس فى الوجود قوة تمنع قضاء الله أن ينفذ على الوجه الذي أراده، وقضى به.. وقوله تعالى: «وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ» معطوف على مفهوم من قوله تعالى: «لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ» .. أي لو لزمتم بيوتكم، وأصررتم على التزامها، لدعا قضاء الله الذي قضاه على هؤلاء الذين قتلوا، أن يخرجوا إلى حيث التقوا بالعدوّ، وإلى حيث دارت المعركة، وسقط القتلى، فذلك أمر قضى الله به فيمن أراد قتله، وليبتلى ما فى قلوبكم أيها المجدفون على الله، من ضعف، وليخرج ما فى صدوركم من نفاق.. فلولا هذه المحنة وما كان فيها، لما ظهر ضعف إيمانكم، ولما استعان نفاقكم للمؤمنين.. وهذا بعض حكمة الابتلاء الذي يبتلى الله به المؤمنين، فيما فرضه عليهم من جهاد الكافرين والمنافقين!

الآيات: (155 - 158) [سورة آل عمران (3) : الآيات 155 إلى 158]

وفى قوله تعالى. «وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» بيان لسعة علم الله، ونفوذه إلى كل خفىّ.. فعلم- سبحانه- لا يقف عند ظواهر الأشياء، ولكنه ينفذ إلى كل ذرة من ذراتها، وإلى كل دقيقة من دقائقها. وذات الشيء: حقيقته. وكنهه، وما اشتمل عليه من أسرار وخفايا، وذات الصدور، حقيقتها، وما تلبّس بها من خفايا وأسرار.. فالصدور وما تكنّ، والضمائر وما تجنّ، يعلم منها الله ما لا يعلم صاحبها.. فسبحانه، سبحانه، وسع كل شىء علما!! الآيات: (155- 158) [سورة آل عمران (3) : الآيات 155 الى 158] إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158) التفسير: هنا يلتفت الله سبحانه إلى المؤمنين، بعد أن كشف لهم عن موقف المنافقين، الذين يعيشون معهم بهذا الثوب الرقيق الذي يلبسونه من نسيج الإسلام! وفى هذه اللفتة يرى الله المسلمين جماعة منهم ضعفوا عند لقاء العدو، فتحول بعضهم عن مكانه إلى حيث السّلب والغنائم، وانهزم بعضهم وفرّ

مصعّدا فى الجبل.. فهؤلاء جميعا كانوا موضع لوم وعتب بين جماعة المسلمين الذين ثبتوا للعدو، وصمدوا لضرباته.. وقد كثر القول فيهم، وتضاربت الآراء فى إيمانهم! وتلك حال جدير بها أن تمزّق وحدة المسلمين، وأن تفتّ فى عضدهم، بل وأن تذهب ببعض نفوسهم همّا وكمدا. وتجىء رحمة الله، فتهب هؤلاء الملومين عفوا ومغفرة. وتنقلهم من هذه العزلة الباردة القاتلة، إلى حيث دفء الطمأنينة، وروح السلامة والعافية.. وهذا ما يشير إليه قوله سبحانه: «إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ» . فهؤلاء الذين تولوا يوم القتال، إنما كان ذلك منهم لما مكّنوا للشيطان من أنفسهم، ببعض ما كسبوا من سيئات! وهذا يعنى أن المؤمن الحريص على إيمانه، الحارس له من نزعات الهوى، هو فى حصن حصين من أن ينفذ الشيطان إليه، ويوسوس له، ويستولى على زمام أمره..، إن المعاصي التي يرتكبها المؤمن، هى قذائف مدمرة، تدك حصون إيمانه، فيجد الشيطان طريقه إليه، ثم يرميه الرمية القاتلة. وفى قوله تعالى: «وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ» إعلان كريم، من رب كريم، بالصلح الجميل، والمغفرة الواسعة، التي تصحح إيمان المؤمن، وتعيد بناءه أقوى قوة، وأشدّ صلاية! وفى قوله سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ» إعلان آخر عن سعة رحمة الله ومغفرته، وأنها تسع العصاة كما تسع الطائعين.. فحلمه يستدعى مغفرته أن تغفر للمذنبين، ولا تأخذهم بما اقترفوا، حتى يعذروا بهذا الصفح وتلك المغفرة، مرة، ومرات.. ونجد فيما كان من رحمة الله ومغفرته لهؤلاء الذين استزلّهم الشيطان-

نجد فى هذا، كيف كان علم الله بما فى الإنسان من ضعف، وأنه فى معرض الخطأ والزلل، وذلك مما يقيم له عذره عند الله، فيمنحه عفوه ومغفرته، فإن هفا هفوة، أو زلّ زلة، أقال الله عثرته، وأنهضه من كبوته، وأعاده إلى حظيرة الإسلام، ولو تركه لشرد وضلّ، وهلك.. وقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا» . دعوة للمؤمنين أن يتجنبوا وساوس الكافرين الذين لا يؤمنون بقضاء الله، ولا يستسلمون لقدره.. فإذا مات لهم ميت أو قتل لهم قتيل، وهو يجاهد فى سبيل الله- قالوا هذا القول المنكر، الذي حكاه القرآن عنهم: «لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا» .. وهذا ضلال فى الرأى، وكفر بالله، ودفع لقضائه.. فقد مات من مات وقتل من قتل، حين استوفى كل أجله.. وهذا الضلال فى الرأى، إنما هو- فوق أنه كفر بالله- هو مبعث حسرة وندم، تمتلىء بهما قلوب الكافرين كمدا وألما أن ذهب إخوانهم فى هذا الوجه، فكان ذلك سبب موتهم أو قتلهم، ولو أقاموا معهم ما ماتوا وما قتلوا: «لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ» ولو أنهم عقلوا وآمنوا، لعلموا أن الموت والحياة بيد الله، ليس لأحد شأن أو تدبير فيهما: «وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» قد أحاط علمه بكل شىء، ونفذ حكمه فى كل شىء! وهذا من شأنه أن يدعو الإنسان إلى التسليم والرضا بالشر والخير، والضرّ والنفع. والسؤال هنا: كيف يكون منهم قول لأولئك الذين قتلوا أو ماتوا؟ وكيف يسمّون بإخوانهم، وهؤلاء كافرون وأولئك مؤمنون؟

وللإجابة عن الشقّ الثاني من السؤال يتكلف النحاة القول بأن اللام فى «لإخوانهم» بمعنى «عن» والتقدير على هذا: أنهم قالوا عن إخوانهم الذين قتلوا أو ماتوا هذا القول: «لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا» وبهذا التخريج أخذ المفسرون. ونحن لا نقبل أن تخضع كلمات الله لمثل هذا التمحّك الذي يمكن أن يحمل عليه كل كلام.. وننظر فنجد القرآن الكريم يعيد هذا القول مرة أخرى، على لسان هؤلاء القوم.. فيقول تعالى: «الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا» (68: آل عمران) فالتزام القرآن للام التعدية بعد القول فى الموضعين، فيه دلالة على إجراء القول على حقيقته، وهو أن يتعدى إلى مفعوله باللام، تقول: قلت له، وقال لى. وعلى هذا تكون «اللام» فى قوله تعالى: «الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ» - فى الموضعين- هى لام التعدية، وأنهم فعلا قالوا لإخوانهم وتحدّثوا إليهم!! ولكن كيف هذا؟ وهؤلاء أحياء وأولئك أموات؟ والجواب- والله أعلم- أن هؤلاء المنافقين أو الكافرين، حين لم يؤمنوا بالله، ولم يستسلموا لحكمه، ويرضوا بقضائه- قد تلقوا مصرع من مات منهم فى ميدان القتال، أو فى طريقه إليه، قد تلقوه جزعين مذهولين، كأنهم يستقبلون أمرا لم يكن فى حسابهم أن يقع، لأنهم ينكرون الموت الذي يكون فى غير البيت، أو على غير فراش المرض، ويعدّون مثل هذا الموت خيانة لهم ممن مات منهم به، فتشتد حسرتهم، ويتضاعف ألمهم، ويخرج بهم ذلك إلى شىء من الهلوسة والخبل، فيندبون موتاهم هؤلاء، وينادونهم من

قريب نداءآت منكرة محمومة: ألم أقل لك يا فلان لا تذهب إلى القتال؟ إنك لو أطعتنى لما أصابك سوء.. ألم أحذرك يا فلان عاقبة الأمر الذي انطلقت إليه؟ إنك لو استمعت إلى نصحى لما قطعت حبل حياتك وأنت فى ريعان الصّبا، وفتاء الشباب؟؟ وهكذا يظلون أياما وليالى ينادون، ويناجون، ويندبون موتاهم، ويستحضرونهم فى تصوراتهم المريضة، ويرونهم فى مصارعهم تنهشهم السباع وتتخطفهم الطير، فيزداد حزنهم، وتشتد حسرتهم: «لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ» ! أما الجواب عن الشق الثاني من السؤال، وهو: كيف يسمّون إخوانهم، وهؤلاء كافرون وأولئك مؤمنون- فنقول- والله أعلم: أولا: أن هؤلاء الكافرين كانوا فى جماعة المؤمنين أولا، فلما كانت وقعة أحد، ورأوا ما رأوا مما أصاب المسلمين، ساء ظنّهم بالله الذي آمنوا به، ثم بلغ بهم سوء الظن إلى الارتداد عن الإسلام- فتسميتهم إخوانا لهؤلاء المؤمنين تذكير لهم بالدين الذي كانوا عليه، ودعوة مجدّدة من الله إليهم ليدخلوا فيه، بعد أن خرجوا منه. وثانيا: فى هذه التسمية للكافرين بأنهم إخوان لأولئك المؤمنين الذين قتلوا فى سبيل الله- فضح لهم، ومواجهة صريحة بالحكم الذي حكم الله به عليهم وهو أنهم كافرون، وفى هذا ما يجعلهم يتعرفون إلى أنفسهم، ويرون الهاوية التي سقطوا فيها، وهم يقولون هذه المقولات المنكرة- وأنهم إذا كان عند أحدهم شك فى أن هذه المقولات التي يقولها لا تدخل به إلى مداخل الكفر، فليعلم أنه يخدع نفسه، ويضلّلها.. فما هو بعد هذا من المؤمنين.. فإما أن يتوب ويرجع إلى الله، وإما أن يمضى فى طريقه، مع ضلاله وكفره..

الآية: (159) [سورة آل عمران (3) : آية 159]

وانظر فى قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا» . تجد أن الله سبحانه، قد حكم عليهم أولا بأنهم كافرون، ثم أكّد كفرهم هذا بأنهم كانوا إخوانا لأولئك المؤمنين.. وأنهم منذ قالوا هذا القول ليسوا من الإيمان ولا المؤمنين فى شىء. وقوله تعالى: «وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ» التفات إلى المؤمنين الذين سيقتلون أو سيموتون فى سبيل الله، وأنهم سيلقون مغفرة من الله ورحمة، وأن هذا الذي يلقونه من مغفرة ورحمة خير مما يجمع هؤلاء الكافرون من مال ومتاع.. قوله تعالى: «وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ» .. هو خطاب عام للناس جميعا.. مؤمنين وكافرين- من قتل منهم ومن مات بغير قتل- بأنهم سيحشرون إلى الله، ويقفون بين يديه للحساب، وسيوفّى كل منهم حسابه عند الله.. إن خيرا فخير، وإن شرا فشرّ.. الآية: (159) [سورة آل عمران (3) : آية 159] فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)

التفسير: هذه لتتة خاصة من الله سبحانه إلى رسوله الكريم، وأن الله سبحانه وتعالى قد أودع قلب نبيّه الرّحمة بالمؤمنين، ليكون فيهم الأب الودود الرحيم، يرعى أبناءه، ويسدّد خطاهم، ويتقبل من محسنهم، ويعفو عن مسيئهم.. هكذا النبىّ فى مجتمع المسلمين.. إنه أب لهذه الأسرة الكبيرة، يسعها قلبه الكبير، بعطفه، وحلمه، ومودته.. «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» .. على هذا الخلق الكريم صنعه الله وطبعه، وبهذه الرحمة أرسله رحمة وهدى للعالمين. «فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ» الباء هنا للسببية، أي بسبب ما أودع الله فيك من رحمة، كان منك هذا اللّين، وذلك العطف على المؤمنين.. «وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ» وفى هذا كشف للطبيعة البشرية، وأن الناس إنما يألفون من يتألفهم، ويحسن إليهم، ويلقاهم بالصفح الجميل.. وعلى غير هذا من كان حادّ الطبع، شرس الخلق، غليظ القلب، لا يقيل عثرة، ولا يغفر زلة.. إنه لن يجد من الناس إلّا المقت والنفور.. وأنه إذا صح لإنسان- وهو غير صحيح- أن يسوّى حسابه مع الناس على هذا الوجه، القائم على الغلظة والشدة، والمنتهى به إلى القطيعة والعزلة- فإنه لا يصح أبدا، ولا يستقيم بحال، لمن كان بمكان الرياسة والقيادة لأية جماعة من الجماعات، كثر عددهم أو قلّ.. فإن الخيط الذي يمسك به كيان الجماعة ويشدّها إليه، هو ما يفيض عليها من قلبه، من رحمة، وحدب، ولين، ولطف، وإلّا تقطعت بينه وبينها الأسباب، ولو كانوا أبناءه وخاصة أهله!

الآية: (160) [سورة آل عمران (3) : آية 160]

وفى قوله تعالى: «فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» بيان لبعض الأسس التي يقوم عليها منهج التربية، التي يأخذ بها النبىّ جماعة المؤمنين.. وأول هذه الأسس: العفو عن المسيء.. وفى هذا ما يفتح منافذ قلبه ويصفيه من دواعى الحسرة والألم، وينزع منه وساوس السوء والشر.. وثانى هذه الأسس: الاستغفار لهذا المسيء، وطلب الرحمة والمغفرة له من الله.. وهذا إحسان بعد إحسان.. يزيد قلبه صفاء، ونفسه إشراقا، وولاء. فإذا استوت جماعة المسلمين على تلك الصورة الكريمة، فلم يكن فيها مذموم أو مطرود، ولم ينتظم فى عقدها النظيم معطوب أو مقهور- كانت جميعها قلبا واحدا، ومشاعر واحدة، تتحرّى خير الجماعة، وتنشد أمنها وسلامتها، وهنا يجىء ثالث الأسس فى مكانه الصحيح: «وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» فتعطى المشورة ثمرتها الطيبة، التي هى خلاصة ما فى القلوب من خير، ومنخول ما فى العقول من رأى.. وهنا يتضح الأمر المنظور إليه، ولم يبق إلا انعقاد العزم عليه، وإمضائه على الوجه المرسوم.. وهذا ما أمر الله به فى قوله تعالى: «فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ» الذين يعتمدون عليه، ويفوضون أمرهم إليه، بعد أن يعطوا هذا الأمر كل ما عندهم من رأى وعزم. الآية: (160) [سورة آل عمران (3) : آية 160] إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160)

الآية: (161) [سورة آل عمران (3) : آية 161]

التفسير: هذا تعقيب على قوله تعالى فى الآية السابقة: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ» ، فالذين يفوّضون أمرهم إلى الله، ويشدّون عزائمهم إليه، ويعلّقون آمالهم به، هم الذين يحبّهم الله ويتولاهم، لأنهم أحبّوا الله وانتظموا فى مجتمع أوليائه.. وإنهم إذ يلوذون بحمى الله فإنما يستمسكون بالعروة الوثقى، ويعتصمون بأقوى معتصم، وهم بهذا فى ضمان النصر، وعلى طريقه، ولن يغلبهم أحد.. فإن تخلوا عن الله، ووكلوا أمرهم إلى حولهم وحيلتهم، فقد آذنوا الله أن يتخلّى عنهم، وأن يدعهم إلى أنفسهم، وهذا خذلان مبين، ومن خذله الله فلا ناصر له.. وفى قوله تعالى. «وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» إشارة مشرقة يرى منها المؤمنون طريقهم فى كل أمورهم، وهى طريق التوكل عليه. «وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ» (3: الطلاق) . الآية: (161) [سورة آل عمران (3) : آية 161] وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (161) التفسير: الغلّ: أخذ الشيء خفية.. يقال: غلّ الشيء إغلالا: إذا أخذه خلسة، ويقال: أغلّ الجازر إذا سرق من اللحم شيئا مع الجلد، والغلّ: الحقد الكامن فى الصدور، والغلّ: الخيانة، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من بعثناه على عمل فغلّ شيئا جاء يوم القيامة يحمله على عنقه» .. وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «هدايا الولاة غلول» .

والذي عليه المفسرون فى هذه الآية أنها نزلت فى قطيفة حمراء اختفت من الغنائم يوم بدر، فقال بعض المنافقين لعل النبىّ أخذها! وقيل إنها نزلت فى أحداث أحد، حيث ترك جماعة الرماة مكانهم الذي أقامهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فيه، وذلك حين رأوا الهزيمة فى المشركين، وقد امتدت أيدى بعض المسلمين إلى ما تركوا من متاع وسلاح، فقال الرماة: لعلّ رسول الله لا يقسم الغنائم بيننا كما فعل فى غنائم بدر، ويقول كما قال يومها: «من أخذ شيئا فهو له» فيذهب إخواننا بالغنائم، وليس لنا منها شىء.. فتركوا مكانهم، واندفعوا نحو الغنائم، يأخذون نصيبهم منها، فكان الذي كان! والرأى الأول بعيد.. إذا كان قد مضى عام على معركة بدر، ولو كان لقولة المشركين يومئذ أثر لما تركت هذه الفرية تعيش فى الناس عاما دون أن ينزل قرآن فى تفنيدها، وتكذيب مفتريها. والخبر الثاني ضعيف، ووجه ضعفه أن المسلمين كانوا يعلمون فى أحد حكم الله فيما يقع لأيديهم من مغانم، حيث كانت سورة الأنفال قد نزلت فى أعقاب بدر، وفيها قوله تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ..» (41: الأنفال) .. والرأى عندنا- والله أعلم- أن الغلّ هذا من الحقد، واشتمال النفس على البغضاء للناس.. وهذا ما لا يكون من نبىّ أبدا، إذ كانت مهمة الأنبياء نزع ما فى الصدور من عداوات وأحقاد، وغسل ما فى النفوس مما تنطوى عليه بغضاء وضغينة.. إنهم أساة الإنسانية من هذا الداء- داء الحقد الدفين- الذي إن شاع فى جماعة أكلها كما تأكل النار الحطب، أو فشا فى أمة قضى عليها، وحصدها، كما يحصد الوباء النفوس!

والمناسبة هنا قريبة، والموقف داع إلى إلفات النبىّ الكريم إلى هذا الداء، وتحذيره منه. ففى أحداث أحد، وفى أعقابها، فرغ النّاس من المعركة، وشغلوا بالحديث عنها، والتعليق على مواقف الناس منها..! وفى المسلمين من خالف رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وتخلّف عن القتال فى معركة أحد. وفى المسلمين من تحوّل عن موقفه الذي أمره الرسول بالوقوف عنده، سواء كان للمسلمين النصر، أو كانت عليهم الهزيمة! وفى المسلمين من قاتل، وأبلى فى القتال.. ثم حين استشعر الهزيمة انهزم، وأعطى العدوّ ظهره.. وفى جوانب المعركة، وعلى حواشيها.. كلام يدور، تحرّكه أفواه المنافقين، وتلتوى به ألسنتهم، وتتغامز معه عيونهم.. هذا، والنبىّ الكريم يسمع، ويرى كلّ هذا، ويسوؤه أن يكون فى أصحابه هذا الذي يسمعه ويراه.. فيحزن لذلك ويأسى. وقد صفح الله عن المؤمنين وعفا عنهم، وشملهم جميعا برحمته وغفرانه.. وكان على النبىّ أيضا أن يصفح ويغفر.. فجاء أمر الله سبحانه وتعالى، يدعوه إلى الصفح ويغريه به، بعد أن يرى النبىّ الصورة الكريمة التي له عنده الله، والتي ينبغى أن يكون عليها، وأن يحتفظ بها على هذا الوضع العلوىّ الوضيء.. «فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ» ...

الآية: (162) [سورة آل عمران (3) : آية 162]

ولقد عفا الرسول عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم فى كل أمر ذى بال يعرض له. ولكن النبىّ- وهو بشر- قد تطلع عليه صور من أحداث أحد، فتحرك أشجانا، وتثير أسى.. فجاء قوله تعالى: «وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ» - ليشنّع على الحقد، وليستبعد وقوعه من أي نبىّ من أنبياء الله، وليجعله جرما من أغلظ الجرائم، حتى ليلتزم صاحبه، ويصحبه إلى يوم القيامة، كما التزمه وصحبه فى صدره، وبين جنبيه! وما أروع هذا العطف الإلهى الذي يفاض على النبىّ الكريم، وهو فى مقام التأديب، والتحذير من أن يحمل قلبه غلا، وحقدا.. فلا يواجهه المولى سبحانه وتعالى بهذا الخطاب، ولا يلقاه به وحده- لطفا وكرما- بل يتجه الأمر إلى الأنبياء جميعا.. «وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ» فما أعظم هذا المقام، وما أكرم تلك المنزلة، التي نزلها محمد من منازل الرضوان والإحسان عند ربّه. الآية: (162) [سورة آل عمران (3) : آية 162] أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) التفسير: هنا مقابلة بين من استجاب لله، وانقاد لما يرضيه، فرجع مزوّدا برحمة الله ورضوانه، وبين من مكر بالله، وكفر بآياته، فانقلب موقرا بسخط الله وغضبه..

الآية: (163) [سورة آل عمران (3) : آية 163]

وبين الطرفين المتقابلين بعد بعيد، واختلاف شديد.. فالطرف الأول يمثّله الرسول ومن كان معه من المؤمنين.. والطرف الآخر يمثله عبد الله بن أبىّ بن سلول ومن اتبع سبيله من المنافقين.. والطرف الأول من رضى الله، فى رحمة ومغفرة فى الدنيا، وإلى جنات ونعيم فى الآخرة. والطرف الآخر، من سخط الله وغضبه فى غيظ وكمد فى الدنيا، وإلى جهنم وعذاب السعير فى الآخرة.. وفى قوله تعالى: «أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ» إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى قد تقبل من النبىّ ما كان منه من استجابته لأمر ربّه، وتلبيته ما دعاه إليه، من الصفح الجميل عن أصحاب الهفوات من أصحابه، وإخلاء نفسه من كل عوارض الغيظ أو الكظم مما كان منهم.. وفى هذا اتباع لما يرضى الله، ويزيد فى مرضاته، وهو ما عبرّ عنه هنا بالرضوان. الآية: (163) [سورة آل عمران (3) : آية 163] هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (163) التفسير: إنه لا يستوى من اتبع رضوان الله ومن باء بسخطه.. فهم درجات ومنازل عند الله.. فالذين اتبعوا رضوان الله فى رحمة ونعيم.. وهم فى تلك الرحمة، وهذا النعيم درجات، بعضها فوق بعض.

الآية: (164) [سورة آل عمران (3) : آية 164]

والذين مكروا بالله وباءوا بسخطه فى بلاء، وهمّ وجحيم، وهم فى هذا البلاء وذلك الجحيم، درجات، بعضها دون بعض. الآية: (164) [سورة آل عمران (3) : آية 164] لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (164) التفسير: فى هذه الآية الكريمة ما يزكّى الرأى الذي ذهبنا إليه فى تفسير قوله تعالى: «وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ» وهو أن الغلّ من الحقد، لا من الغلول بمعنى الخيانة.. ففى هذه الآية: أولا: تذكير النبىّ الكريم بأنه رحمة أرسلها الله للناس، ومنّة منّ الله بها عليهم، بما يتلو عليهم من آيات الله، وبما يفتح لهم من طاقات النور، وبما يفيض عليهم من مواطر الهدى، فيطهرهم من أرجاس الكفر والضلال، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويفتح قلوبهم المظلمة إلى حيث مطالع الهدى والنور، ويوقظ عقولهم النائمة الغافية لتتصل بهذا الكون وتطالع فى صفحات الوجود وعلى قسمات الموجودات، بعض ما أبدعت قدرة الخالق العظيم، وما وسع علمه. وهنا يرى الرسول- مع عظم المسئولية التي يحملها- مدى الخير الذي يسوقه الله على يديه إلى الناس، الذين هو منهم وهم منه، فيحمله ذلك على أن يبالغ فى تحرّى الدقة البالغة فى ألا يشوب هذه النعمة العظيمة كدر، أو يعلق

الآيات: (165 - 168) [سورة آل عمران (3) : الآيات 165 إلى 168]

بها أذى، حتى تصل إلى مكانها من الناس صافية، مشرقة، طيبة.. وهذا ما يجعل الرسول الكريم مستعدا لتحمّل الأذى فى سبيل رسالته، متجاوزا عن كل ما يعرض له فى طريقه، من حماقات الحمقى وسفاهات السفهاء، فإذا دعى من ربّه إلى أن يكظم غيظه، ويعفو الناس، ويلين لهم، ويستغفر للمسيئين منهم، وجدت تلك الدعوة الكريمة من قلب الرسول مكانا، ووجد منها الرسول الكريم ما تهفو إليه نفسه، ويناجيه به وجدانه.. وثانيا: فى الآية الكريمة أيضا، يرى المؤمنون ما آتاهم الله من فضله، وما أوسع لهم فى برّه وكرمه، إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم، يعرفون وجهه، ويأنسون إليه، ويتلقون من بين يديه ما يتلّقى هو من ربّه من نفحات ورحمات، يسوقها إليهم، فيعيدهم خلقا جديدا، فإذاهم ناس غير الناس، وقوم غير القوم.. قد أشرقت قلوبهم بنور الحق، واستنارت عقولهم بأضواء المعرفة.. «وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» .. وتلك نعم من الله سابغة، وأفضال غامرة، ينبغى أن يذكروها، ويؤدوا شكرها، إيمانا بالله، وجهادا فى سبيل الله، وطاعة وولاء لرسول الله، الذي حمل إليهم هذا الخير، وغرسه فى مغارسه، ورواه من خفقات قلبه، ومسارب وجدانه. الآيات: (165- 168) [سورة آل عمران (3) : الآيات 165 الى 168] أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (168)

التفسير: هذه مواجهة أخرى للمؤمنين الذين شهدوا أحدا، ورأوا ما أصيبوا به فى أنفسهم وفى إخوانهم هناك، ثم ما وقع فى نفوسهم من وساوس وظنون، كلّما خبت جذوتها، وبردت نارها، نفخ فيها المنافقون، والكافرون، فازداد ضرامها، وتسعّرت نارها.. وفى هذه المواجهة يجد المؤمنون عتابا رقيقا من الله، وعودا باللائمة عليهم فيما وقع لهم.. كما يجدون فيما بين العتاب واللوم عزاء وتسرية. فإذا كان المسلمون قد أصيبوا يوم أحد، فقد كان لهم فى عدوهم الذي رماهم بما أصيبوا به، نكاية وجراحات فى يوم بدر ضعف ما أصابهم به فى يوم أحد.. «وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ» . وإذن فلا يصح للمسلمين أن يقفوا بنظرهم عند ما أصيبوا به، دون أن يمتد هذا النظر إلى ما كان لهم فى عدوّهم، وهنا يستقيم النظر على الواقع كله، فيرون أنهم أرجح كفّة، وأربح صفقة.. وإذن فما ينبغى لهم أن يعجبوا، وأن ينكروا هذا الذي حدث لهم، ويقولوا: «أنّى هذا؟» تلك القولة التي يكادون يهلكون بها أنفسهم وما اشتملت عليه من إيمان. ثم إنه إذا صح للمسلمين أن يعجبوا ويستنكروا هذا الحدث، فليكن ذلك مقصورا على ذات أنفسهم وحدها، بمعزل عن الدّين الذي آمنوا به وأضيفوا إليه! فإنه إذا كان ثمة خلل فى جماعة المسلمين مكّن لعدوّهم أن ينال منهم ما نال،

فذلك الخلل إنما هو فى ذات أنفسهم، لا فى الدين الذي يجاهدون فى سبيله: «قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ» أي بما أحدثتم فى هذا اليوم من أمور، عزلت كثيرا منكم عن موقف الجهاد، وباعدت بينهم وبين الله! لقد تغيّرتم أنتم أيها المسلمون، وتغيّر ما بأنفسكم، فغيّر الله مكانكم من النصر الذي كان دانيا لكم، قريبا من أيديكم. أمّا الله- سبحانه وتعالى- فحاشا أن يتغيّر أو يتبدّل، فترونه قويّا عزيزا يوم بدر، ولا ترونه على تلك الصفة يوم أحد.. ذلك مما ينزّه الله عنه: «إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» قدرة مطلقة دائمة، لا تحول ولا تزول أبدا. وقوله تعالى: «وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ» . هو عزاء ومواساة للمسلمين، لما أصابهم فى تلك المعركة.. وأن يد المشركين ما كانت لتعلوهم إلا بإذن الله، ولأمور قدّرها الله وأرادها. وقوله سبحانه: «وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ» هو كشف لبعض ما أراد الله من هذا المصاب الذي وقع فى المسلمين.. فهو امتحان وبلاء لهم، ليعرفوا ما فى أنفسهم من إيمان وصبر، وليتعاملوا مع الله على قدر ما انكشف من إيمانهم وصبرهم.. وقوله تعالى: «وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ» . هو وجه آخر من وجوه الحكمة التي تنكشف من وراء هذا الذي حدث فى أحد، وهو أن تنكشف وجوه المنافقين للمؤمنين، فيأخذوا حذرهم

منهم، ويعزلوهم عنهم، فإنهم- حيث كانوا- مرض خبيث، يغتال قوى الجماعة التي يندس فيها، ويختلط بها. وقولة المنافقين هنا، والتي حكاها القرآن الكريم عنهم فى قوله تعالى: «لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ» قولة منافقة خبيثة، تحمل وجوها من الكيد والتوهين لقوى المسلمين، وهم فى مواجهة العدو. فقد تحمل هذه القولة على أن هذه الجماعة المنافقة لا تعلم أن قتالا سيكون بين المسلمين والمشركين، وأن قريشا، إنما جاءت لتعرض قوّتها، ولتلقى فى قلوب المسلمين الرعب منها، حتى لا يعترضوا تجارتها فى طريقها إلى الشام.. ثم تنصرف بلا قتال.. وقد تحمل هذه القولة أيضا- وهو الوجه الواضح منها- على أن ما بين المسلمين وبين قريش لن يكون حربا بالمعنى المفهوم.. لأن الحرب بهذا المعنى تكون بين قوتين متكافئتين، الأمر الذي لا يراه المنافقون بين المسلمين وبين قريش.. فالمسلمون- كما يرى المنافقون- فى عدد قليل وضعف ظاهر، وقريش فى جموع كثيرة، وأعداد وفيرة، وسلاح وعتاد يملأ السهل والوعر.. فكيف يكون بين هؤلاء وأولئك حرب؟ إنها ليست إلا ضربة واحدة بيد قريش حتى ينتهى كل شىء. فكيف ندعى إلى حرب ولا حرب؟ إنها عملية انتحار أقرب منها إلى الحرب.. هكذا يقول المنافقون.. وقوله تعالى: «هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ» .. إدانة لهم، وحكم عليهم، بهذه الكلمة المنافقة، التي باعدت بينهم وبين الإيمان الذي ينسبون أنفسهم إليه، والتي خطت بهم خطوات سريعة إلى الكفر، فكادوا يكونون كفرا خالصا..

الآيات: (169 - 170 - 171 - 172) [سورة آل عمران (3) : الآيات 169 إلى 175]

وفى قوله تعالى: «يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ» ما يفضح نفاقهم، ويكشف حقيقة أمرهم.. إنهم لا يريدون أن يكونوا فى المجاهدين، ولا يودّون للمسلمين نصرا، ولا يرجون للدّين انتصارا.. وإنما هم يعذرون لأنفسهم بهذه الكلمات المنافقة ليعيشوا بها فى المؤمنين ولا ينقطعوا بها عن الكافرين والمشركين. وقوله تعالى: «الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» هو عرض لمقولة أخرى من مقولاتهم المنكرة، وقد ذكرها الله عنهم من قبل فى قوله سبحانه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا» (156: آل عمران) كما ذكرها القرآن فى قوله تعالى: «وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا» (154: آل عمران) . وقد شرحنا ما أرانا الله فى هاتين الآيتين فى موضعيهما.. الآيات: (169- 170- 171- 172) [سورة آل عمران (3) : الآيات 169 الى 175] وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)

التفسير: قوله تعالى: «وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» .. هو تطمين للمؤمنين، وكبت وحسرة للكافرين والمنافقين.. فهؤلاء الذين قتلوا فى سبيل الله، قد استوفوا آجالهم فى الدنيا، ولم يذهب القتل بساعة من أعمارهم، فما قتل منهم قتيل إلا بعد أن انتهى أجله المقدور له عند الله.. ثم إن هؤلاء القتلى «شهداء» أي حضور، لم يغيبوا، ولم يصيروا إلى عالم الفناء والعدم، وإنما هم أحياء حياة باقية خالدة، لا يذوقون فيها الموت.. وهذا هو الذي يصير إليه كل من يموت من الناس. من مؤمنين وكافرين.. وهذا هو الذي يؤمن به المؤمنون بالله، فلا يرون فى الموت خاتمة الإنسان وانتهاء دوره فى الوجود، وإنما يرون الموت رحلة من عالم إلى عالم، ونقلة من

دار إلى دار.. من دار الفناء والزوال إلى دار البقاء والخلود، ومن عالم التكليف والابتلاء، إلى عالم الحساب والجزاء.. ومن أجل هذا يستخفّ المؤمنون بالموت، ولا يكبر عليهم خطبه، لأنهم ينظرون إلى الحياة الخالدة بعده، ويعملون لها، ليسعدوا فيها، ولينعموا بنعيمها المعدّ لعباده الله الصالحين. أما غير المؤمنين بالله، فإنهم لا يؤمنون باليوم الآخر، ولا يعتقدون أن وراء الحياة الدنيا حياة، وأنهم إذا ماتوا صاروا إلى تراب وعدم.. ولهذا يشتد حرصهم على الحياة، ويعظم جزعهم من الموت، إذ كان العدم- كما يتصورن- هو الذي ينتظرهم بعده.. فتتضاعف حسرتهم على من مات منهم، ويشتد حزنهم عليه، لأنهم- حسب معتقدهم- لا يلتقون به أبدا!! هذه هى الحقيقة.. الأموات جميعا، ليسوا بأموات على الحقيقة، وإنما هم أحياء فى العالم الآخر.. ولكن القرآن الكريم لم يكشف هذه الحقيقة كلها، ولم يظهر منها إلا ما يملأ قلوب الكافرين والمنافقين حسرة وألما، وإلّا ما يبعث فى قلوب المؤمنين العزاء والرضا، إذ ينظر هؤلاء وأولئك جميعا إلى قوله تعالى: «وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً، بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» فيجدون هؤلاء القتلى أحياء فى العالم العلوي، يرزقون من نعيمه، ويطعمون من طيباته: «فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» . فهؤلاء القتلى الذين ينظر إليهم المشركون والمنافقون نظر شماتة وتشفّ، على حين ينظر إليهم إخوانهم وأحبابهم نظرة حزن وأسى لهذه الميتة التي ماتوا عليها- هؤلاء القتلى قد أشرفوا على الدنيا من عليائهم، ينعمون بما أتاهم الله

من فضله- وإنه لفضل عميم، يملأ القلوب بهجة ومسرة.. فيحزن لذلك المشركون والمنافقون، ويتعزّى به، ويستبشر المؤمنون. قوله تعالى: «وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» . بيان لكمال هذا النعيم الذين ينعم به هؤلاء الشهداء، وأنهم ليسوا مجرد أحياء حياة باهتة، بل هم فى حياة قوية كاملة، بحيث تشمل عالمهم العلوىّ الذي نقلوا إليه، وعالمهم الأرضى الذي انتقلوا منه.. فهم فى هذا العالم العلوىّ. إذ ينظرون إلى أنفسهم فيجدون أنهم فى فضل من الله ونعمة، وأنهم إنما نالوا هذا الفضل وتلك النعمة بجهادهم فى سبيل الله، وباستشهادهم فى هذه السبيل- يعودون فينظرون إلى إخوانهم المؤمنين الذين لم يلحقوا بهم بعد، وأنهم على طريق الجهاد والاستشهاد، فيستبشرون لذلك، وتتضاعف فرحتهم إذ سيلقى إخوانهم هذا الجزاء الذي جوزوا هم به، وينعمون بهذا النعيم الذي هم فيه، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ» .. فكما وفّى الله هؤلاء الذين استشهدوا فى سبيل الله، سيوفّى الذين لم يستشهدوا بعد أجرهم، فالله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر المؤمنين، ولا يبخس ثواب المجاهدين. وقوله سبحانه: «الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ» . المراد بهؤلاء الذين الذين استجابوا لله ورسوله، هم المسلمون الذين خرجوا مع النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- بعد عودتهم من أحد، وقد بلغ النبىّ أن

قريشا بعد انصرافها من أحد، ندمت على أنها أنهت القتال من قبل أن تستأصل المسلمين، وقد أمكنتها الفرصة فيهم، فبدا لها أن تعود فتدخل عليهم المدينة وتبيدهم جميعا.. وهنا أمر النبي أصحابه أن يخرجوا للقاء العدو، دون أن يكون فيهم أحد ممن لم يشهد معهم القتال.. فخرج المسلمون الذين شهدوا أحد، جميعا، وهم مثخنون بالجراح، لا يكاد أحدهم يمسك نفسه.. فلما علمت قريش أن النبىّ خرج فى أصحابه ظنوا أن النبىّ يطلبهم، ليأخذ للمسلمين بقتلاهم فى أحد.. فرجعوا إلى مكة، ورجع النبىّ وأصحابه إلى المدينة، دون أن يقع قتال. فهؤلاء الذين هم استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. وقد عدّهم الله جميعا فى الشهداء، من استشهد منهم فيما بعد من ولم يستشهد، لأنهم كانوا فى مواجهة القتل المحقق.. وقوله تعالى: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ» هو شرط لنيل درجة الاستشهاد، إذ لا بد أن يستمسك هؤلاء المؤمنون بما هم عليه يومئذ من إحسان وتقوى، أمّا من انحلّ عزمه، وفتر إيمانه بعد ذلك، فليس أهلا لأن ينال هذه الدرجة العليا، وذلك الأجر العظيم. وفى هذا تحذير للمسلمين الذين ذكرهم الله، ومجّد عملهم، وأعلى منزلتهم- من أن يستنيموا فى ظل هذا الوعد الكريم، دون أن يعملوا ليكونوا أهلا له، وليظلوا محتفظين بهذه المنزلة التي أنزلهم الله أياها، فليتقوا وليحسنوا، وليزدادوا إحسانا وتقوى، فعند الله منازل كثيرة للمتقين المحسنين. وقوله تعالى: «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ» .

هو بيان لهؤلاء الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، ولموقفهم يومئذ من عدوهم.. فقد ترامت إليهم الأنباء التي أرجف بها المرجفون فيهم، من المشركين والمنافقين، ليزيدوا فى آلامهم، وليدخلوا اليأس عليهم. ولكن ما إن دعاهم الرسول إلى ملاقاة العدو، حتى خفّوا مسرعين، متحاملين على أنفسهم، غير ملتفين إلى جراحهم التي تتفجر دما.. وقيل إن المراد بالذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم، هم المؤمنون الذين استجابوا للنبى، وخرجوا معه للقاء قريش فى بدر الثانية. وذلك أن أبا سفيان كان قد أنذر النبىّ والمسلمين بعد معركة أحد بأنه سيلقاهم فى مثل هذا اليوم، فى بدر.. ذلك أنه فى نشوة هذا النصر الذي ناله كان يرى أن أحدا لم تثأر الثأر الذي ينشده، لما أصاب قريشا فى بدر، فأراد أن يعيد معركة بدر من جديد، ليطلع عليها فى قريش بصورة غير الصورة التي وجدتهم عليها يومئذ. وكان أبو سفيان حين جاء الموعد الذي واعد النبىّ، على غير استعداد لملاقاة النبي والمسلمين فى بدر، إذ كان العام عام جدب.. فأظهر أنه يستعدّ للحرب، ويجمع لها، وبعث إلى النبىّ من يلقى إليه- كذبا- أن قريشا تجمع له أعدادا لا قبل له بها.. أما النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، فقد دعا أصحابه إليه، ونديهم للقاء القوم على الموعد الذي تواعدوا له.. فاستجاب له أصحابه، وتقاعس المنافقون، وأرجفوا بالناس، وأذاعوا الفزع فى المسلمين، وقالوا فيما قالوا لهم: إن قريشا قد فعلت بكم فى أحد ما فعلت وأنتم فى كنف دوركم وبين أهليكم، فكيف يكون حالكم معها وأنتم تلقونها فى بدر؟ وأين المفرّ إذا انتصرت عليكم؟ .. فنزل قوله تعالى: «إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ

إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» فسكنت لذلك أفئدة المؤمنين واطمأنت، وسار النبي بأصحابه حتى نزل بدرا.. وخرج أبو سفيان فيمن اجتمع له، فلما علم أن النبىّ ينتظره بالمسلمين فى بدر، قفل راجعا.. وانتظر النبىّ هناك بالمسلمين أياما، حتى انفضّت السوق التي كانت تقام هناك كل عام، وباع المسلمون واشتروا، وعادوا سالمين غانمين، وفى هذا يقول الله تعالى: «فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ» . وفى قوله: «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ» نجد فى التعبير عن المرجفين بهذا القول، والمهوّلين له، بكلمة «الناس» تحقيرا لهم، وبألّا صفة لهم فى الناس إلا أنهم على صورة الآدميين، وأنهم والمشركين من قريش على مستوى واحد من الكفر والشرك، إذ عبّر عنهم القرآن بلفظ «الناس» أيضا.. «إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ» .. وفى قوله تعالى: «إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ» إشارة عامة تشمل هؤلاء الناس، الذين أذاعوا هذا القول وأرجفوا به، فقالوا: «إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ» كما تشمل المشركين من قريش، وهم: الناس الذين جمعوا لاستئصال المسلمين. فهؤلاء وهؤلاء حزب واحد.. هو حزب الشيطان، أو هم الشيطان ذاته، فى إضلاله وإغوائه: «إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ» . والضمير فى «أوليائه» يعود إلى الشيطان، وأولياؤه هم المنافقون، الذين يتولاهم الشيطان، ويتخذ منهم أعوانا على الشر والفساد.. وهو الذي خوفهم الجهاد فى سبيل الله، وأراهم الموت فى صورة بشعة مخيفة، فانعزلوا عن المسلمين، ونكصوا على أعقابهم..

الآيات: (176، 178) [سورة آل عمران (3) : الآيات 176 إلى 178]

ويجوز أن يكون المفعول به التخويف هم جماعة المؤمنين، ويكون حينئذ لمفعول به الثاني محذوفا، وتقديره: «إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ» .. بمعنى أن هذه الأصوات المتنادية بأن الناس قد جمعوا لكم، هى من فعل الشيطان على ألسنة المنافقين وغيرهم، وهو يريد بهذا أن يخوّفكم أولياءه الكفار والمشركين، ولهذا جاء قوله تعالى: «فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» ردّا على كيد الشيطان، وإفسادا لتدبيره السيء.. ولهذا لم يقع هذا القول من نفوس المسلمين موقعا، بل تلقوه بالعزم والتصميم، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» . الآيات: (176، 178) [سورة آل عمران (3) : الآيات 176 الى 178] وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (177) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (178) التفسير: قوله تعالى: «وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ» عزاء ومواساة للنبى الكريم، لما كان يجد فى نفسه من الحزن والألم، حين يرى بعض من دخلوا فى الإيمان، وحسبوا فى المؤمنين، وظنّ بهم أن خرجوا من ظلام الكفر وضلال الجاهلية إلى نور الإيمان وهدى الإسلام- فإذا بهم وقد عادوا إلى المنحدر، وأزلهم الشيطان عن هذا المقام الكريم..

والرسول الكريم يعلم أن ليس عليه إلا البلاغ، ولكنّ حرصه على هداية الناس، ورغبته الشديدة فى استنقاذهم من الضلال فى الدنيا، والنار فى فى الآخرة، يجعله يفرض على نفسه أن يبالغ فى النصح لقومه، وتعهدهم بتوجيهه وإرشاده، كما يتعهد الأب صغاره.. ولهذا كان صلوات الله وسلامه عليه، يأسى أشد الأسى، إذ يرى هذا العناد الذي يملأ الرءوس من قومه، ويمسكهم على شفير الهاوية، التي تهوى بهم إلى عذاب السعير.. ولهذا أيضا كانت كلمات الله تتنزل عليه حينا بعد حين، تدعوه إلى الرفق بنفسه، وألا يحمله حبّه للخير الذي يريد غرسه فى قلوب الناس إلى ما هو فيه همّ وحسرة وقلق.. «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ» (56: القصص) (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ» (8: فاطر) . فهؤلاء الذين يسارعون فى الكفر هم الخاسرون، قد ألقوا بأيديهم إلى التهلكة، ولن يضرّوا الله شيئا. وفى التعبير بالظرف «فى» فى قوله تعالى: «يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ» بدلا من «يسارعون إلى الكفر» ما يشير إلى أنهم قد دخلوا فى حوزة الكفر فعلا، حتى لقد صار الكفر ظرفا يحتويهم ويشتمل عليهم، وهم يتحركون فى داخله، ليبلغوا الغاية فى الكفر والضلال. وفى قوله تعالى: «إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً» تهوين لشأنهم وأنه لم يكن لينتفع بهم المسلمون لو كانوا معهم، لما فى قلوبهم من مرض، وما فى كيانهم من فساد، كما أنهم وقد تحوّلوا إلى الجبهة المعادية للمسلمين فإنّهم لن يكون لهم أثر فى مسيرة الدعوة الإسلامية، وفى انطلاقها إلى المدى الذي أراده الله لها، والخسران فى هذه الصفقة واقع عليهم وحدهم.. «ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ» (33: المائدة) .

وقوله تعالى: «يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» فى نسبة الإرادة إلى الله هنا إغاظة لهم، بسلب إرادتهم، وسوقهم سوقا إلى الكفر الذي هم أهل له وأنه لا مصير لهم إلا هذا المصير المشئوم.. فتعطيل إرادتهم هنا يحرمهم هذا السلطان الذي يجده المرء فى نفسه، ويعتزّ به، حتى وهو يركب مراكب الهلاك.. إذ أنه هنا يجد كلمة «أنا حرّ» التي يجد فيها وجوده، ويردّ بها على من ينصح أو يلوم.. وهؤلاء الذين دخلوا فى الكفر، دخلوه وكأنهم مكرهون، بلا إرادة، ولا حرية، ولا اختيار.. إنهم ليسوا آدميين، حتى تكون لهم إرادة، وتكون لهم حرية واختيار. وفى قوله تعالى: «يُرِيدُ اللَّهُ» وفى تعليق الفعل بالمستقبل، وقد أراده الله ووقع فعلا- فى هذا ما يقيمهم أبدا بهذا الوضع الذي هم، بلا إرادة ولا اختيار، لأن إرادة فوق إرادتهم قائمة عليهم أبدا.. فليس لهم- والأمر كذلك- أن ينتظروا يوما تعود إليهم فيه حريتهم وإرادتهم، أو أن يكونوا يوما فى وضع الإنسان الحر المريد! قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» تأكيد لضالة شأن هؤلاء الذين باعوا أنفسهم للشيطان، واستحبّوا العمى على الهدى.. وقد توعّدهم الله- سبحانه- فى الآية السابقة بالعذاب العظيم، وتوعدهم فى هذه الآية بالعذاب الأليم، كما توعدهم فى الآية التالية بالعذاب المهين، فجمع لهم أشنع صور العذاب.. العذاب العظيم.. الأليم..

المهين.. العظيم فى صورته، الأليم فى آثاره الحسيّة، المهين فى آلامه النفسية.. وقوله تعالى: «وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ» . فيه تكدير لهؤلاء الكافرين، وقطع لتلك اللذات التي يجدونها فيما بين أيديهم من مال وبنين. وأن هذا الذي هم فيه إنما هو أشبه بما يقدّم للحيوان من طعام، كى يكبر، ويكثر لحمه، ثم يذبح!، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ» (12، محمد) . فالله سبحانه إنما يملى لأعدائه من الكافرين، والمشركين، والمنافقين، ويمدهم بنعمة وأفضاله، ليقيم الحجة عليهم، ولتحسب عليهم هذه النعم، التي كان من حقها أن يشكروا للمنعم بها، فاتخذوها أدوات لحرب الله، وحرب أولياء الله، فكانت عليهم بلاءا ووبالا.. «أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ؟ بَلْ لا يَشْعُرُونَ» (55- 56: المؤمنون) . هذا، والعرض الذي يعرض فيه الكافرون، وتكشف فيه أحوالهم، إنما يراد به أولا وقبل كل شىء، العبرة والعظة للمؤمنين، وتنفيرهم من هذه الصورة المنكرة التي يرون الكافرين عليها.. وفى هذا ما يثبت إيمانهم، ويقوّى صلتهم بالله، ويزيد فى حمدهم له، أن هداهم إلى الإيمان، وسلك بهم مسالك المؤمنين..

الآية: (179) [سورة آل عمران (3) : آية 179]

أما الكافرون فقد يستمع مستمعهم إلى آيات الله تلك، التي تعرض الكفر وأهله فى هذا العرض المخيف، ويرى منه المصير الذي ينتظره، فيرجع إلى نفسه، ويعدل عن موقفه، ويصالح ربّه بالإيمان به، والموالاة لأوليائه.. الآية: (179) [سورة آل عمران (3) : آية 179] ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179) التفسير: قضت حكمة الله أن يجعل هذه الدنيا دار ابتلاء واختبار للناس، يذوق فيها بعضهم بأس بعض، وفى هذا الاحتكاك الواقع بينهم، تظهر أحوالهم وتنكشف أمورهم، وتعرف معادنهم، ولولا ذلك لكانوا شيئا واحدا.. لا مؤمن ولا كافر، ولا طيب ولا خبيث، ولا محسن ولا مسيىء وقوله تعالى: «ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ» هو من مقتضيات هذه الحكمة التي كان من آثارها هذا الاحتكاك الذي يدور بين المسلمين والكافرين، والذي ابتلى فيه المؤمنون بما أصيبوا فى أنفسهم وأهليهم.. فليس الإسلام هو كلمة يقولها الإنسان ليكون مسلما، وإنما هو كلمة وراءها عمل، ووراء العمل تبعات كثيرة، وأعباء ثقال، ولولا ذلك لكان مدخل الإيمان سهلا، لا ثمن له، يستوى فيه من يعمل ومن لا يعمل.. بل إنه لا يجد أحد ما يدفعه إلى العمل وبذل الجهد، إذ كان الأمر على تلك الصفة.

وفى قوله تعالى: «عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ» التفات للمؤمنين واستحضار لهم، ليكونوا فى مواجهة هذا الحكم، وليؤخذ إقرارهم به، وما عليه المؤمنون هو العافية التي كانوا فيها قبل أن يبتلوا بلقاء الكافرين وجهادهم. وقوله تعالى: «حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ» أي حتى يقع هذا الصدام بين المؤمنين والكافرين، وحتى تنكشف أحوالهم، ويعرف الصابرون وغير الصابرين، ومن كان إيمانهم بالله خالصا صادقا، ومن كان إيمانهم على نفاق ودخل.. وعلم الله سبحانه- علم شامل، محيط بما وقع وما لم يقع، فى جميع صوره وأحواله.. وعلمه هنا، الذي يميز به الخبيث من الطيب ليس علما مستحدثا، وإنما هو علم قديم يندرج تحته هذا الحال الذي يكون عليه المؤمنون وهم فى هذا الامتحان الذي يؤدونه بين يدى الله.. وعلى هذا ينبغى أن يفسّر ويفهم ما ورد فى القرآن من علم الله الذي يبدو وكأنه معلق بوقوع الأحداث.. مثل قوله تعالى: «وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا» (65- 66: آل عمران) ومثل قوله سبحانه: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ» (142: آل عمران) .. ونحو هذا.. فعلم الله محيط بكل شىء. وكل ما هو فى علم واقع تحت هذا العلم، فى جميع أحواله المتلبس بها.. فالله سبحانه يعلم أزلا أن هذا الإنسان- مثلا- سيولد من أبوين، هما فلان وفلان.. فى بلد كذا، فى زمن كذا.. وقبل أن يولد هذا الإنسان هو فى علم الله، وبعد أن ولد هو فى علم الله.. ولكن علم الله به قبل أن تحمل به أمه، وقبل أن يولد فى المكان والزمان الواقعين فى علم الله- يكون المعلوم فيه على صور خاصة وصفات خاصة، فإذا ولد، كان المعلوم فى علم الله على صورة غير الصورة السابقة، وعلى صفات غير تلك الصفات التي

كان عليها قبل أن يولد! .. وهكذا تتغير ذوات المعلومات وصفاتها، وعلم الله محيط بها فى جميع أشكالها وأحوالها، فلا يتغيّر ولا يتبدّل. قوله تعالى: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ» معطوف على قوله تعالى: «ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ» .. والربط بين الحكمين لازم، لأن عدم اطلاع المؤمنين على الغيب، وما أراد الله لهم وكتب عليهم، يقتضى أن يؤمروا وأن ينهوا وأن يدعوا إلى الامتحان والابتلاء والجهاد فى سبيل الله.. ولو كان الغيب مكشوفا للناس لما كان ثمّة داعية إلى أمر أو نهى، فكلّ يعرف مصيره الذي هو صائر إليه.. ولو عرف الناس مصائرهم مقدما، وانكشف لهم مستقبلهم خطوة خطوة، لما احتملت طبيعتهم البشرية هذا الموقف الذي يرى فيه الإنسان وجوده كله من مبدئه إلى نهايته، ولكانت فتنة فى الأرض وفساد كبير.. ففى حجب المستقبل عنّا رحمة بنا، وإحسان إلينا، واستدعاء لوجودنا كلّه لمواجهة المجهول، ومحاولة كشفه واستخراج ما فى أطوائه، من خير وشر، وحلو ومرّ.. فهو على أي حال ثمرة مجهود، وحصاد معركة!! وانظر.. لو أن إنسانا ما عرف عن يقين من سجّل القدر أنه فى يوم كذا، فى ساعة كذا، ستصدمه سيارة تقضى عليه، أو تشبّ فيه نار فتلتهمه، أو أن أحد أبنائه سيحدث له حادث أليم..ماذا تكون حالة هذا الإنسان، منذ أن يطلع على هذا الغيب إلى أن يقع؟ هل يهنؤه طعام، أو يسوغ له شراب، أو يهدأ له قلب أو يستريح له بال؟ إنه فى همّ دائم، وكرب كارب، وعذاب أليم؟!

وأكثر من هذا.. لو أن هذا الإنسان اطلع الغيب فرأى- وهو الفقير المعدم- أنه بعد كذا من السنين سينال الغنى الواسع والثراء العريض، وأنه سيشبع من جوع، ويكتسى من عرى، وينال ما يشتهى من متع الدنيا، بعد هذا الحرمان الطويل.. ماذا تراه فى يومه هذا، وهو ينتظر ذلك اليوم الموعود؟ إنه يعيش تلك السنين الفاصلة بينه وبين هذا اليوم، فى عذاب، دونه كل عذاب.. إنه يعدّ الأيام لحظة لحظة، ويدفع مسيرة، الزمن بكل ما فى كيانه من قوى ظاهرة وباطنه.. والزمن قائم فى وجهه، جاثم على صدره، كأنه جبال الدنيا كلها مجتمعة عليه.. إنه يودّ أن ينام نومة أهل الكهف فلا يستيقظ إلا على يومه الموعود.. ولكن أنّى له ذلك، وهو مشدود إلى الحياة، مقيد بقيود الزمن الثقيلة العاتية؟ من رحمة الله علينا إذن كان هذا الذي صنعه الله بنا، فحجب عنّا ما أراده لنا، وما قضاه علينا، فنعمل بإرادة، ونمضى بعزم، ونعيش مع أمل.. فقوله تعالى: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ» دعوة للمؤمنين إلى العمل حسب ما يأمرهم الله به، وبين تلك الأوامر الجهاد فى سبيل الله، والثبات فى وجه العدوّ، والعمل على انتزاع النصر منه.. ذلك هو المطلوب من المؤمنين فى مثل هذا الموقف.. أما ما يؤول إليه الأمر، وما يسفر عنه القتال، فذلك علمه عند الله.. وعلى المؤمنين أن يرضوا بما يقع، أيّا كان، بعد أن امتثلوا أمر الله، وأعطوه كل جهدهم. يقول جعفر الصادق رضى الله عنه لزرارة: «يا زرارة.. أعطيك جملة فى القضاء والقدر؟ قال: نعم، جعلت فداك، قال: «إذا كان يوم القيامة وجمع الله الخلائق، سألهم عما عهد إليهم، ولم يسألهم عما قضى عليهم» .. وهذه كلمة فيها مقطع القول فى القضاء والقدر، وعلى من يحتجون بالقضاء والقدر.. إنهم مطالبون بما كلّفوا به، وغير مطالبين بما قدّره الله عليهم..

وقوله تعالى: «وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ» استدراك فيه معنى الاستثناء من الحكم الذي تضمنه قوله تعالى: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ» .. إذ أن رسل الله الذين يصطفيهم الله لحمل رسالاته إلى عباده، هم ممن أظهرهم الله على بعض ما فى الغيب، وأطلعهم على لمحات منه، ليروا على ضوئها طريقهم الذين يقودون فيه عباد الله إلى الهدى والخير.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً» (26- 27: الجن) ومن جهة أخرى.. فإن الرّسول- وإن لم يطلع على شىء من الغيب. فإنه أشبه بمن اطلع على الغيب فيما يتعلق بالدعوة التي يحملها، والرسالة التي يقوم بتبليغها.. إنها دعوة خير، ورسالة نور وهدى.. وإن السعادة فى الدنيا والآخرة لمن استجاب لدعوته وعمل بها، وإن النّصر والتأييد من الله لمن آمن بالله وجاهد فى سبيله.. هذه حقائق لا تقبل الشك، ووعود محققة كأنها واقعة وإن لم تكن قد وقعت، فهى فى مضمونها من أبناء الغيب، يراها رسل الله والمؤمنون بالله، رأى العين، ويستيقنونها يقين الواقع فى أيديهم.. ففى قوله تعالى: «كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ» (21: المجادلة) وفى قوله: َ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ» (47: الروم) وفى قوله سبحانه: «إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ» (51: غافر)

وفى قوله سبحانه: (أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ» (124: آل عمران) . وفى قوله جل شأنه: «قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ» (15: التوبة) فى هذه الآيات وكثير غيرها يرى رسول الله ويرى المؤمنون معه واقع هذه الوعود ماثلا بين أيديهم، وكأنهم قد اطلعوا الغيب وعاينوا ما سيكون قبل أن يكون! لما نزل قوله تعالى «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ» (45: القمر) استيقن المسلمون أن جمع الكافرين سيهزم بأيديهم وسيولّى الدبر.. هذا ما لم يكن يشكّ فيه مؤمن، حتى لكأنه يراه رأى العين، ولكن الرؤية لم تكن كاملة، حيث لم ينكشف للمسلمين هذا اليوم الذي سيتحقق فيه هذا الوعد الذي وعدهم الله إياه.. فلما كان يوم بدر انكشف ما كان مستورا، ورأى المسلمون الجمع المنهزم، وفى هذا كان يقول عمر بن الخطاب: «ما كنت أدرى أي جمع هذا الذي سيهزم حتى رأيت جمع قريش يوم بدر، وهم منهزمون يولّون الأدبار» . وقوله تعالى: «فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ» دعوة يستجيب لها كل ذى عقل ووعى، حيث كانت تلك الدعوة من عند الله، وكان حاملوها رسلا من عند الله، وكانت مضامينها حقّا مطلقا، ووعودها واقعا محققا، لأنها من أبناء الغيب وقد أطلع الله عليها رسله والمؤمنين به، فيما حملت آياته إليهم من أمر ونهى، ومن خبر او وعد!

الآية: (180) [سورة آل عمران (3) : آية 180]

وليس الإيمان وحده مجردا من العمل هو الذي يعطى الثمرة المرجوة من الإيمان.. إذ لا بد من أن يصحب الإيمان عمل يدعو إليه الإيمان، ويرسم حدوده، وثمرة هذا العمل هى التقوى، التي يحقق بها المؤمن حقيقة الإيمان.. وبهذا يدرج فى سلك المؤمنين، ويحظى من الله بالجزاء الأوفى، والأجر العظيم. الآية: (180) [سورة آل عمران (3) : آية 180] وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) التفسير: الجهاد فى سبيل الله امتحان وابتلاء، فيه تضحية وبذل.. تضحية بالنفس، إذا دعت دواعيها، وبذل للمال حين يطلب المال! وقد أعطى المجاهدون الصادقون ما يطلب الجهاد من نفس ومال، على حين ضنّ أناس بأرواحهم، أن يبيعوها لله فى سبيل الله، وبخلو بأموالهم أن يقرضوها الله فى سبيل الله.. ثم مع هذا منّتهم أنفسهم أن يكونوا فى المؤمنين، ثم أطالوا حبل الأمانىّ فظنوا أنهم فى عداد المتقين المجاهدين.. والله سبحانه وتعالى يقول: «لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ» (92: آل عمران) . وفى هذه الآية يكشف الله سبحانه عن هذه الأمانىّ الخادعة، التي يعيش فيها أولئك الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله، من قوة أو مال، فلا ينفقون منها فى وجوه الحقّ الداعية لها.. وإنّهم لهم الخاسرون فى هذا الموقف الذي اتخذوه حيال الحقوق الواجبة عليهم، فى أموالهم وأنفسهم.. حياة قصيرة فى

الآيتان: (181 - 182) [سورة آل عمران (3) : الآيات 181 إلى 182]

هذه الدنيا، لأجل محدود، ومتاع قليل بهذا المال الذي استبقوه لاستيفاء حظوظهم من الشهوات واللذات.. ثم ما هى إلا لمحة كلمح البصر، وإذا هم فى موقف الحساب والجزاء.. وإذا هم وأنفسهم التي ضنّوا بها، وأموالهم التي أمسكوا عن الإنفاق منها، خصمان يقتتلان، وإذا هذا المال يتحول إلى أداة عذاب ونكال، يطوّق أعناقهم بأطواق ثقال، ثقل ما جمعوا وكنزوا: «سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ» . الآيتان: (181- 182) [سورة آل عمران (3) : الآيات 181 الى 182] لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (181) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (182) التفسير: فى معرض البخل بالمال والحرص عليه، يمثّل اليهود أسوأ صورة، وأقبح مثل لما يبلغه إنسان فى هذا الباب.. فالمال عند اليهود- كل يهودى- هو كل شىء، فاليهودى إذا سلم ماله فلا عليه إذا تلف كل شىء، وضاع منه أي شىء.. من دين أو خلق. لهذا، جاءت الآية الكريمة- بعد أن كشفت الآية السابقة عن جريمة البخل، والعقوبة التي أعدها الله لمرتكبيها- جاءت لتكشف عن درجة من البخل لم يعرفها الناس إلا فى هذا الصنف المحسوب من الناس.. إنهم لم يجمعوا المال من وجوه الحرام والسحت وحسب، ولم يضنوا عن الإنفاق منه فى سبيل الحق والخير وحسب، بل بلغ بهم السّفه والفجر إلى تحدّى الله به، وإعلان الحرب الوقاح عليه، فكانت قولتهم الآثمة تلك، التي حكاها القرآن

عنهم: «إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ» - كانت تلك القولة المنكرة لسان حالهم، فى كل مشهد يشهدونه للمسلمين وهم يدعون للبذل الإنفاق فى سبيل الله، وينادون فى الناس بقول الله سبحانه: «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» . (245: البقرة) .. ولا يقع إلى آذان اليهود من كلمات الله تلك إلا «القرض» الذي يعرفونه، ويتعاملون به ربا فاحشا، يغتال أموال الناس، ويمتصّ ثمرة جهدهم.. والقرض لا يكون إلا من غنىّ إلى فقير، وإذ كان الله يطلب قرضا فهو فقير، وإذ كان اليهود هم أقدر الناس على الإقراض الربوىّ فهم أغنياء.. هكذا منطق المال عند اليهود.. حتى مع الله. وقوله تعالى: «لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ» وعيد لليهود، ونذير بالعذاب الشديد لهم.. إذ كان ما قالوه تجديفا على الله، ومحاربة له.. والله سبحانه وتعالى قد سمع هذا القول المنكر منهم.. والمراد أنه سبحانه وتعالى قد علم ما قالوا.. والتعبير عن العلم بالسّمع أبلغ وأقوى فى حسابنا وتقديرنا نحن.. أما علم الله وسمع الله، وما لله من صفات، فهى جميعا على الكمال المطلق الذي لا يقبل زيادة أو نقصا. وقوله سبحانه: «سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ» . هو مبالغة فى تغليظ هذا الجرم وتهويله، فقد كتبه الله عليهم ووثّقه، كما يكتبون هم ما يستدينه الدائنون منهم ويوثّقونه، فلا سبيل إلى الضياع أو الإنكار.. ولم يسجّل سبحانه عليهم هذا القول الشنيع وحده، بل قرنه إلى جرم آخر لا يقلّ عنه شناعة وإثما، وهو قتلهم الأنبياء بغير حقّ، وهنا تبدو قولتهم المنكرة تلك موازية لقتل الأنبياء بغير حق، ومعادلة لها فى جرمها وإثمها.

وهنا سؤال: إن هؤلاء اليهود الذين يخاطبهم القرآن الكريم لم يقتلوا الأنبياء، ولكنّ القتلة هم آباؤهم.. فكيف يكتب القتل عليهم، ويضاف إلى جرائمهم التي أجرموها؟. والجواب على هذا- والله أعلم- أن اليهود طبيعة واحدة، لا يختلف خلفهم عن سلفهم فى شىء مما هم عليه من عناد، وكفر بآيات الله، ومكر بآلائه ونعمه.. فهؤلاء الأبناء الذين يخاطبهم القرآن الكريم، هم اليهود الذين خاطبهم داود، وأيوب، ويوسف، وموسى، ويحيى، وعيسى، وغيرهم من أنبياء الله ورسله، وفيهم كل ما فى آبائهم من عناد وكفر، وأنه لو جاءهم نبىّ لهمّوا بقتله، ولو أمكنتهم الفرصة فيه لقتلوه.. فإضافة هذا الجرم إليهم- وهو قتل الأنبياء- هو إضافة لهم إلى آبائهم القتلة، فما مات هؤلاء الآباء، ولا انقطعت من الأرض جرثومة الشرّ التي كانت فيهم، بموتهم، بل هم أحياء فى هؤلاء الأبناء، بكل ما عرف عنهم من سوء وفساد. وقوله وتعالى: «وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ» هو الجزاء المقابل لقولهم «إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ» . فهم قالوا «إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ» ونحن- أي الله- «نَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ» فهو قول يقابل قولا.. وشتان بين قول الله وقولهم.. هم قالوا زورا وبهتانا، والله يقول حقّا وعدلا.. هم قالوا أصواتا ضائعة فى الهواء، والله يقول نارا تلظّى، وعذابا سعيرا، يأخذهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم. وقوله تعالى: «ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ» ردّ عليهم، وردع لهم إن هم أنكروا هذا العذاب الذي يساق إليهم، أو استفظعوه.. فهذا العذاب

الآية: (183) [سورة آل عمران (3) : آية 183]

قد صنعوه هم بأنفسهم لأنفسهم.. إنه صنعة أيديهم، فكيف ينكرونه، أو يردّونه؟. وفى قوله تعالى: «وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» يجىء التعبير بظلام، فى صيغة المبالغة هذه، للتشنيع عليهم، والتعريض بظلمهم الذي جاوز الحدود، فى أكلهم أموال الناس بالباطل، وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم إن الله فقير ونحن أغنياء، فهم- والأمر كذلك- ليسوا ظلمة وحسب، بل هم ظالمون لعباد الله ولأنفسهم، ولو جازاهم الله حسب ما يعاملون به الناس من ظلم غليظ لضاعف عقابهم، ولظلمهم كما يظلمون الناس، فكال لهم الكيل بأضعافه، ولكن الله لا يظلم الناس، وإنما يحزبهم السيئة بالسيئة، أو يعفو عنها إن شاء، ويجزيهم الحسنة بعشرة أمثالها، ويضاعف ذلك لمن يشاء!. الآية: (183) [سورة آل عمران (3) : آية 183] الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (183) التفسير: الّذين قالوا إن الله عهد إلينا ألّا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، هم اليهود، الذين تحدث القرآن عنهم فى الآيات السابقة، وأنهم هم «الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ» . «فالذين» هنا، هم «الذين» هم هناك.، وقد سمع الله قولهم هذا، وذاك، وسجّله عليهم ليحاسبهم به، ويجزيهم عليه. وقولهم هنا، هو افتراء من افتراءاتهم، يدفعون به دعوة النبىّ لهم إلى الإيمان

به، والتصديق برسالته، على الصفة التي يجدونها فى التوراة عنه.. فهم ينكرون هذا الذي فى التوراة، ويجيئون بمفتريات من عندهم، ويلقون النبىّ الكريم بقولهم: «إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ» أي إن آية النبىّ التي يريدون أن يعرضها عليهم- كدليل على صدقه- هو أن يقدّم لله قربانا، كبقرة، أو شاة، أو نحوها، ثم يدعوهم إلى أن يشهدوا آية لله فى هذا القربان، وأن نارا من السّماء ستنزل وتأكل هذا القربان، وهم يشهدون.. فإذا جاءهم النبىّ على تلك الصفة آمنوا به، وصدقوه. وإذ كان ما جاء به «محمد» هو على غير تلك الصفة، فهو ليس بنبىّ، أو ليس- على الأقل- هو النبىّ وعدوا به.. وقد جنّب الله النبىّ الكريم أن يلقى هؤلاء القوم بالمراء والجدل، وأن يردّ فريتهم هذه التي افتروها على الله، وأن يدخل معهم فى أخذ وردّ، فذلك طريق يحبّ أن يسلكه اليهود مع النبىّ، ويودّون أن يستجيب للسير معهم فيه، حيث ينتهى الطريق، ولا محصّل له إلّا ضياع الوقت فى المهاترات والسفسطات. الأمر الذي يريد الله أن يجنّبه النبىّ، ليسلك بدعوته الطريق القويم إلى من يتقبّل الخير، ويعطى أذنه وقلبه لدعوة الحق، وكلمة الحق.. لقد نأى الله بالنبيّ الكريم عن هذا الطريق، ودعاء إلى أن يلقى اليهود بما يقطع حجتهم ويخرس ألسنتهم.. فهم يريدون نبيّا يأتيهم بقربان تأكله النّار، ليصدقوه ويؤمنوا به.. وقد جاءهم أنبياء الله بالآيات البينات، كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وكفرق البحر بالعصا، وتفجير الماء من الحجر الصّلد بها.. فهل آمنوا بهؤلاء الأنبياء واستجابوا لهم؟ وأكثر من هذا.. فقد جاءهم أنبياء بهذا

الآية: (184) [سورة آل عمران (3) : آية 184]

المقترح الذي اقترحوه على النبىّ، وتحدّوه به.. جاءهم من كان يقدّم لله قربانا فتأكله النار.. فهل آمنوا به وصدّقوه؟ وكلّا، فإنه لم يكن منهم إيمان وتصديق.. بل كان التكذيب والكفران، بل والعدوان. فقتلوا من أنبياء الله من جاءوهم بالآيات التي اقترحوها على النبىّ، وبأكثر منها قوة ووضوحا فى مجابهة الحسّ. ولو جاءهم النبىّ بهذا الذي طلبوه.. فهل يصدقونه ويؤمنون به؟؟ ذلك ما لا يكون. فقد كذّبوا رسل الله، وقد جاءوهم بهذه الآيات التي كانت مما اقترحوه على الرسل، وتحدّوهم به.. ولكنه التعلل، والتهرب من مواجهة الحق، بهذا المراء الطفولىّ.. والله سبحانه وتعالى يقول فيهم: «إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ» (96- 97: يونس) ويقول سبحانه: «وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ» (146: الأعراف) الآية: (184) [سورة آل عمران (3) : آية 184] فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (184) التفسير: فى هذه الآية الكريمة عزاء كريم من ربّ كريم، لنبىّ كريم.. فهذا شأن أصحاب الرسالات وحملة الهدى. مع السفهاء، أصحاب الطبائع النكدة، والضمائر الفاسدة.. لا يلقون منهم إلا التطاول الأحمق، والسّفه اللئيم..

وخاصة هذا الصنف من الناس (اليهود) الذين انتظم تاريخهم الأسود، سلسلة مترابطة الحلقات من مواقف الفساد والشر، فى مواجهة كل خير! فإنه ليست أمة من الأمم بعث الله إليها مثل ما بعث فى نبى إسرائيل، من أنبياء ومرسلين، وليس رسول من الرسل حمل إلى قومه ما حمل رسل بنى إسرائيل إليهم من آيات تنطق البكم، وتسمع الصمّ.. فلم ينتفعوا بتلك الآيات، ولم يجدوا فيها شفاء لدائهم الخبيث. وليست كثرة هذه الرسل، ولا توارد هؤلاء الأنبياء، ولا إشراق هذه الآيات التي يحملونها بين أيديهم، إلى هؤلاء القوم- ليست هذه كلها إلّا لأن الداء الذي يكمن فيهم، والمرض المتمكن من عقولهم وقلوبهم، قد استشرى حتى أصبح وباء، فكانت نجدة السماء لهم بهؤلاء الأطباء الأساة، يطلعون عليهم من كل أفق، ويغادونهم ويراوحونهم فى كل وقت.. ولكن الداء لا يزداد على الزمن إلا استيلاء عليهم، وفتكا بهم.. «فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ» (10: البقرة) . «والبيّنات» هى الآيات التي جاءهم بها عيسى عليه السّلام، والتي يشير إليها الله سبحانه وتعالى بقوله: «وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ» (77: البقرة) «والزّبر» جمع زبور، وهو القطعة من الشيء.. و «الزّبور» هنا ما أعطى داود عليه السّلام من كلمات الله، التي هى بعض من كتاب الله، الذي نزل على الرّسل، كلّ حسب حظه منه، ثم جاء القرآن الكريم، جامعا للكتاب كلّه، وفى هذا يقول الله تعالى مخاطبا المؤمنين فى مواجهة الذين كفروا من أهل الكتاب: «ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ» (119: آل عمران) وهو القرآن وما سبقه من كتب. والكتاب المنير هنا. هو القرآن الكريم.. وفيه إشارة إلى موقف

الآية: (185) [سورة آل عمران (3) : آية 185]

اليهود منه، وأنهم كذّبوا بالأنبياء الذين جاءوهم بالبينات- أي عيسى- وبالزبر- أي مجموعات الأنبياء الذين حمل كل منهم بعض كلمات الله إليهم، وبالكتاب المنير، وهو القرآن الذي جاء به «محمد» صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. الآية: (185) [سورة آل عمران (3) : آية 185] كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (185) التفسير: وهذه الآية الكريمة تحمل أيضا عزاء كريما إلى النبىّ الكريم، بما تهوّن عليه من أمر الدنيا، وما يلقى فى تبليغ رسالة ربّه، من عناد وعنت، وما يعرض له نفسه وأصحابه المجاهدين معه من جهد وبلاء، فى ملاقاة الموت، والاستشهاد فى سبيل الله.. فهذا كلّه هيّن فى لقاء الجزاء الحسن، الذي أعدّه الله لرسوله وللمؤمنين، من رضى ونعيم.. أما أمر الموت، فهو حكم واقع على كل حىّ، ونازل بكل نفس.. «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» وإذا كان ذلك هو الشأن، فالحرص على الحياة، والفرار من مواقف الحق والخير، طلبا للأمن والسلامة- أمر لا يكتب الخلود لأحد، فضلا عن أنه لا يمدّ له لحظة واحدة فى أجله المقدور له. وأما الذي ينبغى الحرص عليه، والبذل من أجله، فهو الآخرة، التي هى دار البقاء والخلود.. وإذا كان هذا شأنها وذلك وزنها وقدرها، فإن العقل يقضى بطلب العمل لها، والسلامة فيها.. «فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ» .

الآية: (186) [سورة آل عمران (3) : آية 186]

الآية: (186) [سورة آل عمران (3) : آية 186] لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) التفسير: وإذ كانت الحياة الدنيا إلى زوال، وكان متاعها لعبا ولهوا وغرورا، وإذ كان متّجه العقلاء فيها إلى دار خير منها، وإلى متاع أكرم وأهنأ من متاعها- وهى الدار الآخرة- إذ كان ذلك كذلك، فإن للدار الآخرة عملا، وللجزاء الحسن فيها ثمنا.. إنها ليست أمانىّ يتمنّاها النّاس، ولكنها جهد، وبلاء، ومعاناة، فإذا أرادها المريدون وطلبها الطالبون، فليعملوا لها، وليؤدّوا الثمن المطلوب للحصول على نعيمها، ورضوان الله فيها! وقد أرادها المؤمنون، وطلبوا ما عند الله للمؤمنين فيها.. وإذن فليعملوا لها، وليؤدّوا مطلوبها منهم! إنه ابتلاء فى الأموال والأنفس.. الأموال، يبذلونها فى سبيل الله، والأنفس، يبيعونها ابتغاء مرضاة الله.. وإنه تعرّض للأذى فى المشاعر والعواطف، بسماع الكلمات المنافقة، والأكاذيب الملفقة، من الذين كفروا ونافقوا من أهل الكتاب، ومن الذين أشركوا وضلوا من قريش وأحلافها.. إنه أذى مادىّ فى الأموال وفى الأنفس، وأذى روحىّ فى الشعور والوجدان.. أذى يشتمل على المؤمن كلّه، فى مادياته ومعنوياته جميعا. ونعم.. هو أذى بالغ، وألم شديد، وامتحان قاس مرير!

الآية: (187) [سورة آل عمران (3) : آية 187]

ولكنّ الجزء الحسن أعظم وأشمل، وإنه لأكثر قدرا، وأثقل وزنا.. فى جانب الإحسان والرضوان.. والصبر والتقوى، هما الزاد العتيد الذي يتزود به المؤمنون لاجتياز هذا الامتحان القاسي، واحتمال آلامه وشدائده.. «وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» .. فإن الأمر جدّ ليس بالهزل. الآية: (187) [سورة آل عمران (3) : آية 187] وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (187) التفسير: الذين أوتوا الكتاب هنا، هم اليهود.. وهؤلاء اليهود كان جديرا بهم أن يكونوا فى عداد المؤمنين، بما فى أيديهم من كلمات الله، الداعية إلى الحق، الهادية إلى صراط مستقيم.. ولكنهم لم يصبروا ولم يتّقوا.. الأمر الذي لا يستمسك بدونه إيمان، ولا يبقى بغيره المؤمن فى المؤمنين! لقد نقضوا الميثاق الذي واثقهم الله به، بأن يبيّنوا للنّاس ما فى الكتاب الذي معهم من حق وخير، وألا يكتموا من هذا الحقّ والخير شيئا.. وليتهم إذ أمسكوا هذا الذي معهم من حق وخير، ومنعوه النّاس، وحجبوه عنهم- ليتهم وقفوا عند هذا، فكان لهم فى أنفسهم منه خير.

الآية: (188) [سورة آل عمران (3) : آية 188]

ولكنهم أفسدوا هذا الخير على أنفسهم وعلى الناس، فغيّروا وبدلوا، وقلبوا وجه الحق باطلا، وأحالوا عذبه ملحا أجاجا، فضلّوا وأضلوا.. إنهم- والأمر كذلك- أشبه بمن كان فى صحراء، لا شىء فيها من ماء أو طعام، وفى يديه شىء من ماء وطعام، ومعه رفقة مسافرة، لا شىء معها، وكان فى هذا ما يبلغ به وبها الغاية إلى حيث الماء والطعام، لو أنّه أظهره لها، وأشاعه فيها.. ولكن كزازة طبعه، وشحّ نفسه، وخبث طويته- كل أولئك سوّل له أن يخفى هذا الزاد بل، وأن يفسده، حتى لا ينتفع به أحد.. فهلك، وأهلك الرفقة المسافرة معه! هكذا كان شأن اليهود مع كتاب الله الذي فى أيديهم.. كتموا الحق الذي فيه، وأفسدوا الخير الذي ينطوى عليه، وقالوا للكافرين والمشركين الكذب على رسول الله، وعلى الكتاب الذي بين يديه، لقاء عرض زائل يعيشون فيه، ودنيا فانية يمسكون بها.. فهلكوا وأهلكوا، وضلّوا وأضلّوا.. وفيهم يقول الله تعالى: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً» (51- 52: النساء) الآية: (188) [سورة آل عمران (3) : آية 188] لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (188)

التفسير: هذه الآية أيضا تعريض باليهود، وفضح لمساويهم، ووعيد بالخزي وسوء المصير لهم. فقد ذكر فى الآيات السابقة قولهم: «إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ» وأنهم بهذا يمسكون المال، ويحادّون الله به.. وهنا- فى هذه الآية- يعرضون فى معرض الفرحين بما أتوا، وهذا الذي أتوه، ليس مما يحمد ويقبل، حتى يفرحوا به.. ولكن الذي فعلوه هو المنكر كلّه، وهو الشرّ كلّه.. إنهم إنما فعلوا الافتراء على الله، ونقض الميثاق الذي واثقهم به، أن يبينوا للناس ما معهم من كلمات الله، وما فيها من هدى ونور، ولم يقفوا عند هذا الحدّ من البخل والشح، فبدّلوا فى كلمات الله وغيروا، لتستجيب لمطالبهم الخسيسة، ودواعيهم الخبيثة.. هذا هو الذي فعلوه، وفرحوا به، وحسبوا أنهم بهذه المنكرات التي أفسدوا بها دينهم وأضلوا بها غيرهم- قد استطاعوا أن يفسدوا على «محمد» دعوته، وأن يغروا المشركين به، ويصرفوهم عنه! «وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ» (26: الأنعام) ولم يقف أمرهم عند هذا المنكر، من تحريفهم لكلمات الله، بل لقد لبسوا النفاق، وظهروا به فى الناس، يظهرون لهم المودة والحب، ويضمرون العداوة والبغضاء، ويرجون لهم النصر بألسنتهم، ويتمنون لهم الهزيمة من قلوبهم.. إنهم يريدون أن ينالوا الحمد والثناء، بما لم يفعلوا مما يستحق الحمد، ويستوجب الثناء.. إنها مجرد كلمات معسولة خادعة، إن انطوت على شىء، فإنما تنطوى على الشر والسوء والفساد.. وقوله تعالى «فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ» هو بدل من قوله سبحانه: «لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا ... » وإعادة الفعل «تحسبن» هنا

الآيات: (189 - 195) [سورة آل عمران (3) : الآيات 189 إلى 195]

لتوكيد الحكم الواقع عليهم وتقريره، وإلصاقه بهم، بعد أن طال الفصل بالمفعول الأول ومتعلقاته، بين الفعل حسب ومفعوله الثاني، حيث كان مقتضى النظم أن يجىء هكذا: «ولا تحسبنّ الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا بمفازة من العذاب» . فالذين يفرحون هو المفعول الأول، وبمفازة من العذاب هو المفعول الثاني.. ولكن النظم القرآنى وحده هو الذي يحقّق المعنى الذي أشرنا إليه من قبل، وهو توكيد الحكم الواقع على اليهود وتقريره وإلصاقه بهم.. «فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ» الأمر الذي لا تجده متمكنا على تلك الصورة فى النظم الذي تمثلناه وطرحناه بين يدى النظم القرآنى. وفى قوله تعالى: «وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» توكيد للحكم الذي أشار إليه قوله تعالى: «فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ» .. إذ أن الفعل حسب فيه معنى الظنّ، الذي يقع من جهة من ينظر إلى اليهود، فيرى أنهم أصحاب دين وأهل كتاب، وأنهم فى الوقت نفسه منحرفون فى دينهم وكتابهم، وهم من أجل هذا أقرب إلى العطب منهم إلى السلامة، وأدنى إلى النار منهم إلى الجنة.. هذا هو الحكم الذي يقع فى ظن من يراهم ويطلع على أحوالهم، وهو ظنّ أقرب إلى اليقين.. ولكنّه مع هذا حكم غير قاطع، إذ لا يملك هذا الحكم القاطع فى مصائر الناس إلا مالك الملك، وصاحب الأمر.. الله ربّ العالمين.. وقد جاء حكم الله فيهم، لتصدق ظنون الناس بهم.. «وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» وليس العذاب وحده هو المصير الذي يصيرون إليه، ولكنه العذاب الأليم.. الآيات: (189- 195) [سورة آل عمران (3) : الآيات 189 الى 195] وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (191) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (192) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (193) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (194) فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (195)

التفسير: فى الآيات السابقة التي بدأت بالحديث عن أحد، والأحداث التي جرت فيها، وما تكشّف فى تلك الأحداث من وجوه المنافقين، وصبر المؤمنين، وكيد الكافرين- فى هذه الآيات طال وقوف المسلمين فى دخان هذه المعركة.. وفى التطلع إلى جوه شهدائهم الذين مثّلت بهم قريش بعد قتلهم، تشفّيا وانتقاما لقتلاهم فى «بدر» ، كما طال الوقوف أيضا فى مواجهة الكافرين والمشركين والمنافقين، الذين عرضهم القرآن الكريم وفضحهم.. وفى هذا الجوّ كانت تهبّ من الله نفحة رحمة وعزاء للمسلمين، فتلقاهم بين الفينة والفينة، وهم فى هذه المسيرة الطويلة مع أحد وأحداثها- فتهدأ أنفسهم

وتطيب خواطرهم، وتتجه قلوبهم، وتشخص أبصارهم إلى الله، بالحمد والشكران، لما منّ الله عليهم به من الإيمان، وهداهم إليه، ولكن سرعان ما تنقلهم الآيات القرآنية إلى المعركة وجوّها، فتهتز مشاعرهم تلك المتجهة إلى الله، ثم يعودون إليها بعد أن تلقاهم آية رحمة وعزاء.. وهكذا تظل أنظار المسلمين تتقلب بين الأرض والسماء.. بين معركة أحد وأرضها، وبين رحمة الله ورضوانه.. فكان من تمام رحمة الله بالمسلمين، ورضوانه عليهم، أن ختم هذا الموقف، وأنهى تلك الأحداث، بهذه الآيات التي تتيح للمسلمين لقاء خالصا مع الله، فى آفاق سماوية عالية، بعيدة عن تراب هذه الأرض ودخانها.. ولقاء هنا مع الله، والنفوس مهتاجة، والقلوب مضطربة، من شأنه أن يحدث أثرا مضاعفا فى الاتصال بالله، وملء القلب، والنفس، ولاء وخشية لجلاله وعظمته.. وبهذا يزداد المؤمنون إيمانا بالله، ويقينا بحكمته، ورضى بحكمه، وولاء لأمره ونهيه.. وفى هذه الآيات الكريمة يتحقق هذا اللقاء، الذي يخلص منه إلى نفوس المسلمين وقلوبهم ما أراد الله بهم من خير، أشرنا إلى بعضه، الذي هو قليل من كثير!!. ففى قوله تعالى: «وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً» مواجهة مشرقة بين المسلمين، وبين ملكوت السموات والأرض.. هذا الملكوت الذي هو بعض ما خلق الله، وإشارة إلى بعض مما أبدع وصور!. وفى هذه المواجهة المطلقة، تنطلق مشاعر المؤمنين، وتتفتح قلوبهم وعقولهم، لترتوى من موارد هذا الملكوت الرحيب، وتنغب من رحيقه العذب الكريم!.

وفى قوله تعالى: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ» - نداء رفيق، ينبعث من الأفق الأعلى، ليقود المؤمنين الذين شخصت قلوبهم وعقولهم إلى ما لله فى السموات والأرض، لترتاد مواقع الحق والخير، فتجد فى هذا النداء الرفيق هاديا يهديها، ورفيقا يؤنسها، ويكشف لها معالم الطريق.. ففى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار، آيات مبصرة لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد.. وإنه لكى يكون للعقل أثره وثمرته فى هذا المجال، ينبغى أن ينصرف بكل وجوده إلى هذا الملكوت، وأن يعيش فيه وله. فذلك هو الذي يفتح له مغالق الخير فيه، ويطلعه على مطالع الحق منه.. وهذا ما يتفق لأولئك «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» حيث يكون ذكر الله، واستحضار عظمته وجلاله. هو دأبهم، وحيث يكون النظر فى ملكوت السموات والأرض، ومطالعة آيات الخالق، واستجلاء روائع حكمته، هو شغلهم.. فى قيامهم وقعودهم، وفى حركتهم وسكونهم، وفى كل لمحة أو نظرة، وفى كل غدوة أو روحة.. حيث هم أبدا فى ملك الله، وحيثما كانوا أو اتجهوا فهم بين يدى ملكوت الله.. وعندئذ يطلع عليهم من آفاق الوجود هذا اللحن الموسيقى الشجىّ الذي يردّده كل موجود. «رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا..» فيتناغمون معه، بنبضات قلوبهم، وزغردة أرواحهم «رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا..» «سبحانك» ما أعظم عظمتك، وما أقدر قدرتك، وما أحكم حكمتك، وما أسعد من ينعم بنعيمك، وما أهنأ من يحظى برضاك «فَقِنا عَذابَ النَّارِ» حتى لا تنزعج قلوبنا عن موارد ملكوتك ولا تطيش ألبابنا من النظر فى آيات قدرتك، وروائع حكمتك!

وإنه حين يشهد المؤمنون ما يشهدون من جلال ملك الله، وكمال قدرته، وسعة علمه، وروعة حكمته، يتمنّون على الله أن يقيمهم على هذا المورد، لا يتحولون عنه أبدا، فهذا هو النعيم الخالد، الذي ينعم به المؤمنون فى الدنيا والآخرة. ولجهنم أهلها، الذين يحرمون هذا النعيم، ويلقون بدله عذابا ونكالا وشقاء.. وهذا خاطر إذا خطر بقلوب المؤمنين أزعجهم وأكربهم، وزحزح عنهم هذه اللحظات المسعدة التي يعيشون فيها مع الله، ويهنئوون بالنظر فيها إلى ملكوته.. وهنا يتجسد لهم هذا المشهد الكئيب، الذي ينتظم أهل النّار فى النار، فيناجون الله، ويطلبون غوثه: «رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ» فإنه ليس خزى بعد هذا الخزي، ولا خذلان فوق هذا الخذلان.. حيث موارد النعيم دانية، ومنازل الرضوان مفتّحة، ثم هم يذادون عن هذا النعيم، وذلك الرضوان، ثم يساقون إلى جهنّم وعذاب السعير. وفى قلوب واجفة، وأنفاس مبهورة مختنقة، يفرّ المؤمنون من هذه المواجهة لجهنم وأهلها، إلى حيث يلقون الله برحمته ورضوانه: «رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا.. رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ» .. فهذا كل ما بين أيديهم أن يقدموه بين يدى رحمة الله ومغفرته، لينالوا الخلاص من هذا الهول الذي يطبق على المنافقين والكافرين، وليكونوا فى أصحاب الجنّة التي وعد المتقون.. إنهم حين سمعوا منادى الله ينادى بالإيمان ويدعوهم إليه، استجابوا لله، وآمنوا به، وبرسوله.. وهم بهذا الإيمان يطمعون فى رحمته، ويرجون أن تغفر ذنوبهم، وأن تكفّر عنهم سيئاتهم، وأن يموتوا حين يموتون

على البر والتقوى، وأن يحشروا مع الأبرار والأتقياء.. فهم على وعد من الله، وعدوا به على لسان رسله: «مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» (97: النحل) .. وهم يحيون أنفسهم وينعشونها بالحديث عن هذا الموعد الكريم: «رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ.. إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ» .. ومعاذ الله.. إن الله لا يخلف وعده.. «فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ» وفى قوله تعالى: «بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ» إشارة صريحة إلى أن المرأة والرجل على سواء عند الله، فى الجزاء، ثوابا أو عقابا، وأنها ليست فى منزلة دون منزلة الرجل، بل هما على درجة واحدة من الأهلية واحتمال التّبعة، وحمل الأمانة.. وكيف لا يكون هذا وهما- المرأة والرجل- من خلق واحد.. فالمرأة تلد الذكر والأنثى.. والرجل يولد له الذكر والأنثى.. والذكر ولد الأنثى، والأنثى بنت الرجل.. فكيف يكون لأحدهما فضل على الآخر قائما على أصل الخلقة؟ فإن كان ثمة فضل فهو فيما يتفاضل فيه الناس، بالعمل فى مجال الخير والإحسان. وفى قوله تعالى: «ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» إشارة إلى أن هذا الجزاء الذي يجزونه، هو فضل عليهم من الله سبحانه وتعالى، إذ هداهم إلى الإيمان، ووفقهم للعمل الصالح، الذي أنزلهم منازل الرضا والقبول عند الله.

الآيتان: (196 - 197) [سورة آل عمران (3) : الآيات 196 إلى 197]

الآيتان: (196- 197) [سورة آل عمران (3) : الآيات 196 الى 197] لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (197) التفسير: فى هذه المناجاة التي كانت تسبح فيها أرواح المؤمنين فى رحاب الله، وترفّ بها على مشارف الملأ الأعلى، يؤذّن فيهم بالعودة إلى عالمهم الذي يعيشون فيه، العالم الأرضى، إذ كان لا بدّ من العودة بعد هذه الرحلة المسعدة فى عالم الروح، والحق، والنور، لأن الحياة تدعوهم إليها، ليكونوا مع النّاس، وليعيشوا فى الناس! ومع ما معهم من زاد طيب تزوّدوا به فى تلك الرحلة المسعدة، فإن ما على الأرض من مفاسد وشرور، وما فى النّاس من مفسدين وأشرار، جدير به أن يغتال هذا الزاد الطيب، وأن يحرم أصحابه منه إذا لم يحذروا. ولهذا فقد تلقّاهم الله سبحانه وتعالى بتلك اللفتة الكريمة- تلقاهم وهم يهبطون إلى هذا العالم الأرضى، ليأخذوا حذرهم من العدوّ الراصد لهم بما فى يديه من مفاتن ومفاسد، وليظلوا هكذا محتفظين بما وقع لأيديهم من خير، فى تطوافهم بالعالم العلوي، وسبحهم فيه.. وكان قوله تعالى مخاطبا نبيّه الكريم: «لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ» هو اليد القويّة الرّحيمة، التي تمسك على المؤمنين إيمانهم، وتثبت على طريق الحق والخير خطوهم، فلا يغريهم ما يغدو فيه الكافرون وما يروحون، من متاع الحياة وزخرفها، وما يحصّلون فيها من مال، وما يقع لأيديهم من جاه وسلطان، فذلك كله «مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ» .

الآية: (198) [سورة آل عمران (3) : آية 198]

وفى خطاب النبىّ الكريم بهذا النهى ومواجهته بالتحذير مما فيه.. ما يلقى إلى المؤمنين أن يكونوا على حذر دائم، وإشفاق متصل.. إذ كان النبىّ الكريم، وهو ما هو فى صلته بربه وخشيته منه، وفى رعاية الله له، وعصمته من الزلل- يواجه بهذا التحذير، ويلفت إلى مراقبة نفسه، وحراستها، فإن غير النبىّ من المؤمنين أولى بأن يحذر ويخشى العدوّ المتربص به، إن أراد النجاة والسلامة. الآية: (198) [سورة آل عمران (3) : آية 198] لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (198) التفسير: انظر إلى ألطاف الله ورحمته بالمؤمنين.. فإن الله سبحانه وتعالى إذ يواجههم بهذا التحذير الذي لو انفرد بهم وحده لأقام نظرهم على طريق الخوف والمراقبة أبدا، إن هم أرادوا الوفاء به، أو كان فى استطاعتهم أن يفوا به! - إن الله سبحانه إذ يواجههم بهذا التحذير من جهة، يلقاهم من جهة أخرى بما يشرح صدورهم، ويدفىء قلوبهم بالأمل والرجاء، فى حياة طيبة ونعيم مقيم.. وبهذا تتوازن النظرتان: نظرتهم إلى العدوّ المتربص بهم، الذي يدعوهم إلى التفلت من طريق الحق ومجانبته، إلى طريق الضلال والغواية- ثم نظرتهم إلى ربّهم، وما يدعوهم إليه من رضوانه، ونعيم جناته.. وهنا يكون لهم بين النظرتين موقف، وإلى أي الطريقين منزع! «لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ» .

الآية: (199) [سورة آل عمران (3) : آية 199]

فمن محصّل النظرتين، يجد المؤمنون أن ما يدعوهم إليه ربهم هو الخير، وأن ما أعد الله لهم هو الجدير بأن يحرص عليه، ويعمل العاملون له، وأن ما يسوس لهم به الشيطان، هو الضلال المهلك، والخسران المبين. الآية: (199) [سورة آل عمران (3) : آية 199] وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (199) التفسير: دعوة الحق والخير، دعوة تقوم على الفلاح والرشد، تستجيب لها النفوس الطيبة، وتتفتح لها القلوب السليمة، وتتقبلها العقول المتحررة من تلقيات الغواة والمفسدين. وإذ كان ذلك شأنها، فإنها ميراث الإنسانية كلها، وحظ مشاع فى الأمم والشعوب جميعا. ودعوة الإسلام دعوة خالصة للحق والخير، استقبلتها النفوس الطيبة، وتداعت إليها القلوب السليمة، وعلقت بها العقول المتحررة، وسرعان ما كثر جند الله حولها، وتزاحم عباد الله على مواردها، ودخل الناس فى دين الله أفواجا. ولكن فى حسد قاتل، وفى عداوة عمياء، وقف اليهود من هذه الدعوة موقف الخصام والكيد.. فبهتوا رسول الله وكذّبوه، وافتروا على الله، فبدلوا وغيّروا فى آياته التي بين أيديهم من كتب الله.. ومع هذا، فإن قلّة قليلة منهم، وكثير غيرهم من النصارى قد خرجوا

الآية: (200) [سورة آل عمران (3) : آية 200]

عن موكب هذا الركب الضالّ، فآمنوا بالله، وصدّقوا رسوله، كما كانوا مؤمنين بالله من قبل، ومصدقين برسل الله الذين دعوهم إلى الإيمان. وفى إيمان هؤلاء الذين آمنوا من أهل الكتاب، ما يؤنس الذين آمنوا من المشركين، ويجىء إليهم بشاهد جديد على صحة دينهم وسلامته، إن كان فيهم من يحتاج إلى هذه الشهادة أو يلتفّت إليها، بعد أن شهد ما شهد من آيات الكتاب المبين، ومعجزات كلماته. ثم إن فى هذا الإيمان تسفيها لمن وقف من الإسلام هذا الموقف المعادى له من أهل الكتاب، إذ كان فيهم تلك الطلائع الراشدة التي عرفت الحق فيه، ووجدت الخير معه، فآمنت واهتدت، على حين ظلوا هم فى ضلالهم يعمهون. وفى قوله تعالى: «وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ» إشارة إلى الصلة الوثيقة التي تجمع بين رسالات الرسل ودعوات الأنبياء، وأنها كلها على طريق الحق، والخير. وفى قوله سبحانه: «لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا» تعريض بعلماء اليهود وأحبارهم، وما افتروا على الله، وغيروا وبدلوا فى آياته، لقاء ثمن قليل، ومتاع زهيد! الآية: (200) [سورة آل عمران (3) : آية 200] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) التفسير: بهذه الآية الكريمة تختم سورة «آل عمران» التي كان أبرز ألوانها هذا اللون المصبوغ بدم المجاهدين فى سبيل الله، فى أولى معارك الإسلام، وعلى امتداد الطريق الذي ساروا فيه، من أول يومهم معه، إلى يوم أحد!!

فالمسلمون كانوا إلى يوم أحد فى مواجهة عواصف عاتية، تهبّ عليهم من كل جهة، وتطلع عليهم من كل أفق. كانوا فى مكة قلّة مستضعفين، أخذتهم قريش بالبأساء والضرّاء، ففرّوا بدينهم وانخلعوا عن ديارهم وأهليهم فى غربة موحشة، لا يؤنسهم فيها غير دينهم، ولا يملأ عليهم حياتهم إلا آيات الله يرتلونها، ويسعدون بما تفيض عليهم من رحمة ورضوان.. وكانوا فى المدينة أعدادا قليلة، تتربص بهم قريش، وتعدّ العدة للقضاء عليهم، على حين يمكر بهم اليهود ويؤلّبون الناس على حربهم. ثم إذا كان يوم بدر استروح المسلمون ريح النّصر، وتنفسوا أنفاس الرضا.. فلما جاءت موقعة أحد ألقت على المسلمين هموما ثقالا، وأطمعت فيهم أعداءهم، فأظهروا لهم ما كانوا يخفون من عداوة، وما كانوا يبيتون من عدوان.. وقد رأينا كيف كانت رحمة الله بالمسلمين ومواساته لهم، فيما نزل من آيات، بعد أحداث أحد. والصبر هو زاد المؤمنين وعتادهم فى مسيرتهم إلى الله، وبلوغ مرضاته.. وبغير الصبر، وتوطين النفس على ما تكره، لا يستقيم خطو الإنسان أبدا على طريق الحق والخير، إذ كان ذلك الطريق دائما، موحشا، تعترض سالكه الحواجز والمزالق والعثرات! لهذا كانت تلك الآية الكريمة دعوة خالصة للصبر، تغرى المسلمين به، وتحرضهم عليه، وتفتح لهم طريق النجاح والفلاح بيده! «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.. اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» .

فالصبر، والمصابرة، والمرابطة، وتقوى الله، هنّ اللائي يمكّنّ للمؤمن من أن يضع قدميه على طريق النجاح والفلاح، وأن يقطع هذا الطريق إلى غايته، فيظفر برضا الله، ويفوز برضوانه. والصبر، هو القوة التي يلقى بها المرء المكاره والشدائد، فيحتملها فى إصرار وعزم، وفى غير وهن أو ضعف.. فذلك هو الصبر الذي يدعو إليه الإسلام، ويزكيّه، كما تدعو إليه رسالات السماء، وحكمة الحكماء.. وفى هذا يقول لقمان لابنه فيما يقول القرآن الكريم عنه: «وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» . (17: لقمان) والمصابرة، هى التجربة الحيّة للصبر، والمحكّ الذي يظهر به معدن الصبر عند الصابرين.. فليس الصبر درجة واحدة.. بل هو- شأنه شأن كل فضيله- درجات متفاوتة، تختلف حظوظ الناس منه، كلّ حسب وثاقة إيمانه، وقوة عزيمته. وفى المصابرة مغالبة ومصاولة، بين الإنسان وبين الشدائد والمحن، التي يريد قهرها والغلب عليها، سواء كانت تلك الشدائد والمحن ممّا يعتمل فى نفسه من أهواء ونزعات، أو مما تسوق إليه الحياة من بلاء وامتحان! والمرابطة هى الثمرة المباركة من ثمار الصبر والمصابرة.. فإذا صبر الإنسان على المكروه، ثم صابر هذا المكروه على ثقله وامتداد الزمن به، فلم يضعف ولم يضجر، أسلمه ذلك إلى «المرابطة» التي يذلّ فيها المكروه ويصبح شيئا مألوفا.. وهكذا تتحول المكاره مع الصبر والمصابرة إلى أشياء أقرب إلى نفس الإنسان، وأشكل بطبيعته، وهكذا يصبح معتادا لها، مرتبطا بها.. وبهذا يحصل على الثمرة الكبرى، وهى التقوى، التي لا تكون إلا بقهر شهوات النفس وأهوائها، وذلك هو الفلاح المبين والفوز العظيم.

4 - سورة النساء

4- سورة النساء نزولها: نزلت بالمدينة، فهى مدنية، بلا خلاف بين العلماء. عدد آياتها: مائة وخمس وسبعون آية. عدد كلماتها: ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وأربعون عدد حروفها: ستة عشر ألف حرف وثلاثون حرفا أسماؤها: المشهور أنها سورة النساء، وتسمى: سورة النساء الكبرى وتسمى سورة الطلاق: النساء الصغرى. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الآية الأولى [سورة النساء (4) : آية 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1) التفسير: تحمل سورة النساء كثيرا من الأحكام التي تنظم العلاقات بين أفراد المجتمع الإنسانى.. بين الرجال والنساء، وبين اليتامى والأوصياء، وبين الورثة والمورّث، كما تضمنت حدودا وأحكاما فى شأن الزواج، والمهر، وقوامة الرجل على المرأة، والجهاد فى سبيل الله.. إلى كثير غير هذا، مما ضمت عليه السورة الكريمة.. والمجتمع الذي لا تتماسك فيه روابط الأخوة الإنسانية، ولا تسرى فى كيانه مشاعر الرحمة والمودة التي تنتظم أفراده، هو مجتمع هزيل العود، متداعى البناء، لا يثبت لأقلّ هزّة تمرّ به، أو يقوم فى وجه أية عاصفة تهبّ عليه!.

ولهذا كان هذا النداء الكريم الذي بدأت به السورة الكريمة دعوتها إلى الناس جميعا- جامعا تلك المشاعر التي تربط الإنسان بالإنسان، وتضمه إليه، وتؤاخى بينه وبينه.. «يا أَيُّهَا النَّاسُ» النّاس جميعا من كلّ جنس ومن كلّ قوم. «اتَّقُوا رَبَّكُمُ» فإن تقوى الله، ومراقبته، وملء القلب خشية له، والولاء لجلاله وعظمته- هى ملاك الأمر كله، فى إقامة الإنسان على طريق الحق والخير، وفى الوصول به إلى درجات عالية، فى منازل الكمال البشرى، المتاح للإنسان أن يصل إليه عالم البشر. «الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ» على تلك الصورة الكريمة التي تتجلّى فيها قدرة الله، وحكمته ورحمته.. فالإنسانية كلها ما ظهر منها وما سيظهر، هى ثمرة بذرة واحدة، أنبتها الله بحكمته، ونفخ فيها من روحه، فأعطت هذا الثمر الكثير، المختلف الألوان، المتعدد الطعوم، المبثوث فى كل أفق. «وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها» أي وخلق من هذه النفس، ومن مادتها وطبيعتها زوجا لهذه النفس، مقابلا لها، ومكمّلا لوجودها. والقصّة التي تقول إن «حواء» خلقت من ضلع آدم، هى من واردات الأساطير، وقد أخذ بها معظم المفسّرين، وفهموا هذه الآية الكريمة عليها. والآية الكريمة لا تعين على هذا الفهم، ولا تسانده.. وإنا إذ ننظر فى قوله تعالى: «وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها» لنجد الضمير فى «منها» الذي يشير إلى النفس الواحدة، لا يقصدها باعتبارها كائنا بشريا هو «آدم» وإنما يشير إليها باعتبارها مادّة مهيأة لخلق البشر، ومن هذه المادة كان خلق آدم، ومن هذه المادة أيضا كان خلق زوجه، التي يكتمل بها وجوده، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى- فى آية أخرى- «وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً» (8: النبأ) .. وليس هذا فى خلق الإنسان وحده، بل هو التدبير الذي قدّره الله لخلق الكائنات الحية كلها، من حيوان

ونبات.. ومن يدرى فربّما كان ذلك فى عالم الجماد أيضا، وفى هذا يقول الحق جلّ وعلاء: «وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (49: الذاريات) ويقول سبحانه: «وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ» (7: ق) . فهل كان خلق هذه الموجودات على تلك الصورة التي خلق عليها آدم «وحواء» كما تحدّث الأساطير عنها؟ الذّكر أولا، ثم كان من ضلع الذّكر خلق الأنثى؟ .. ذلك ما لا مفهوم له فى علم، ولا معقول له فى عقل! إن آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن الذكر والأنثى لا تفرق بينهما فى أصل الخلقة، بل تجعلهما طبيعة واحدة، كان منها الذكر والأنثى، وهذا ما فهمنا عليه قوله تعالى: «فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ» (195: آل عمران) وهذا ما نفهم عليه قوله تعالى: «أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى» (36- 39: القيامة) ففى قوله تعالى: «فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى» إشارة صريحة إلى أن الإنسان يحمل فى كيانه طبيعة الذكر والأنثى، أي المادة المخلّق منها الذكر والأنثى، ففى الذّكر، ذكر وأنثى وفى الأنثى أنثى وذكر.. وذلك ما يقرره العلم الحديث، ويزكيّه القرآن العظيم. ولو أردنا أن نأخذ بهذه الأسطورة ونقول فى خلق آدم وحواء بما تقول به الأساطير لكان علينا أن نرتفع بخلق آدم إلى بذرة الحياة الأولى للأحياء.. فى «الإميبيا» حيث يقوم التوالد والتكاثر فيها على الانقسام فى الجرثومة الواحدة! فهل إلى هذه الجرثومة الإيميبية تمتد أنظار المفسّرين الذين قالوا ان حواء وآدم خلقا من جرثومة واحدة كانت آدم أولا ثم انقسمت على نفسها فكانت آدم وحواء ثانيا؟ إن يكن ذلك فلا بأس به عندنا، وهو الذي

نقول به، وهو أن آدم وليد دورة طويلة فى سلسلة التطور، وأنّ أول سلسلة للحياة التي تطور منها كانت «الإيميبيا» التي تتوالد بالانقسام!. «وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً» أي من هذين المخلوقين، الزوجين: الذكر والأنثى، تكاثر الناس وانتشروا، فكانوا هذه الأمم وتلك الشعوب بقدرة القادر العظيم، وصنعة العليم الحكيم. فهؤلاء هم الناس الذين دعاهم الله سبحانه وتعالى أن يتّقوه.. أن يتّقوا ربّهم، الذي أنشأهم وربّاهم وصنعهم بقدرته، فى أطوار درجت بهم من عالم التراب والنبات، إلى عالم النطف.. ثم إلى الإنسان المسوّى فى أحسن تقويم. وكلمة «ربّهم» هنا تفيد معنى الرعاية والتربية التي يكون الإنسان أحوج ما يكون إليها وهو فى دور الخلق والتكوين.. «وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ» .. وهذا نداء آخر من قبل الحق، يدعو به عباده إلى التّقوى، بعد أن ناداهم بها «ربّهم» وهم عالم الخلق والتكوين.. إنهم هنا بشر سوىّ، يعقل ويفهم، ويدرك.. يعقل أنه لم يولد هكذا إنسانا مكتمل الخلق مرة واحدة، بل تنقّل فى أطوار عديدة، تحت رعاية رحيمة، وبيد حكيمة.. ويفهم أنّه لم يخلق نفسه، كما أن أبويه لم يخلقا نفسيهما، وأن هذا الخلق الخالق عظيم فوق عالم البشر.. ويدرك بعد هذا وذاك أن هذا الخالق هو الذي تنتسب إلى صنعته المخلوقات جميعا، وأنه الإله المستحق للألوهية المنفرد بها، كما أنه الربّ المختصّ بالربوبية، المحمود وحده عليها.. ومن أجل هذا كانت تقوى الله، وخشيته، والولاء له، أمرا لازما، منوطا فى عنق الإنسان، لربّه وإلهه. وهذا نداء الحق جلّ وعلا يذكّره بهذا الواجب، ويدعوه إليه، فإن قصّر أو كفر بهذا الحق، فقد خاب وخسر!

وفى قوله: «الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ» إيقاظ لهذا الشعور الذي يسكن كيان «الإنسان» كلّ إنسان، فيهيج فيه دواعى التطلع إلى الله والبحث عنه، والمساءلة به، فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الناس، ففى كل إنسان داع يدعوه إلى البحث عن الله، والمساءلة عن ذاته وصفاته. فالبحث عن الله، والسؤال عنه، والمساءلة به، أمر شغل الإنسان- كل إنسان- منذ كانت الإنسانية، ومنذ فتحت عينها على هذا الوجود، وأدارت بصرها فيه، وقلّبت وجهها بين السماء والأرض، وفيما بين السماء والأرض. فالله- سبحانه- يملأ على الإنسان وجوده كله، ويطرق حواسّه كلّها، ويخالط مشاعره ومدركاته جميعها، فيما بثّ الله فى هذا الوجود، من روائع صنعته، وآيات خلقه، الأمر الذي لا يكون معه إنسان من الناس قادرا على الذّهول عنه، أو التفلّت منه، وحبس الحواس، والمشاعر، والمدارك، عن الاشتغال به، فلينظر المرء أىّ إنسان هو؟ إن أراد أن يكون فى الناس، أو أن يكون من الناس. «وَالْأَرْحامَ» .. قرىء قوله تعالى: «وَالْأَرْحامَ» بالنّصب عطفا على قوله تعالى «وَاتَّقُوا اللَّهَ» بمعنى اتقوا الله والأرحام.. وتقوى الأرحام هى من تقوى الله، فكما أن لله حقوقا، ينبغى رعايتها والحرص عليها، فكذلك الأرحام- وهم الأقارب، ومنهم الأبوان- لهم حقوق يجب رعايتها والحرص عليها، إذ كان لهما شأن فى تربية الإنسان ورعايته.. فهذا الواجب الذي يؤديه الإنسان لذوى رحمه، هو وفاء لحقوق لهم عليه، وأداء لدين أقرضوه إياه، وقد آن أوان استقضائه منه، حين قدر وعجزوا، وملك ولم يملكوا.

وفى الجمع بين اتقاء حقوق الله، وحقوق ذوى الأرحام لفتات.. منها: أولا: التنويه بشأن الصّلة التي تصل الإنسان بأصوله وفروعه، وأنها صلة يجب أن تقوم على التوادّ والتراحم، وأنّ فى رعايتها مرضاة لله، واستكمالا لتقواه. ثانيا: الإلفات إلى حقوق الله، وأنها حقوق عظيمة، لا يستطيع الإنسان الوفاء ببعضها، وأن الغفلة عنها، أو التفريط فيها عدوان على الله، وكفران به وبنعمه، وأنه إذا كان فرضا لازما على الإنسان أن يبرّ أبويه، ويرعى ذوى رحمه، بدواعى الانتساب إليهم، فإن حبّه لله، ورعايته لحقوقه، بالتزام تقواه- أوجب وألزم، إذ كان نسبه إلى خالقه وربّه وإلهه هو النسب الحق الأصيل، وما سواه تبع وإضافىّ. كذلك قرىء قوله تعالى: «وَالْأَرْحامَ» بالجرّ، عطفا على الضمير فى «به» فى قوله تعالى: «وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ» بمعنى واتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام، أي الذي هو ملء خواطركم وأفكاركم، كما هو شأنكم مع أهليكم وذوى أرحامكم. فالإنسان أكثر ما يدور على لسانه، ويجرى فى خاطره، هم أهله وقرابته، وربما شغل الإنسان بأهله عن الله، وهذا ما نبّه الله سبحانه وتعالى إليه وحذّر منه فى قوله سبحانه: «قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ» (24: التوبة) ويقول تعالى: «فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً» (200: البقرة) .. ومع هذا فإن

الآية: (2) [سورة النساء (4) : آية 2]

والقراءتان- بالنصب والجرّ- يكملان بعضهما- ويكشفان عن وجه من وجوه الإعجاز القرآنى، ويأخذان على الناس السبيل إلى الانحراف عن سواء السبيل، فى الجمع بين تقوى الله، وبرّ ذوى الأرحام.. فمن الناس من يلتفت بوجوده كلّه إلى الله، ويذهل عن حقّ أهله وذوى قرابته، ومن الناس من تشغله أمور أهله وذوى قرابته فيجور على حقّ الله عنده. والطريق القويم هو أن يرعى الأمرين معا، فلله حقوق يجب أن يؤديها، وللأهل حقوق ينبغى أن يرعاها، وهو ملوم إن قصّر فى حق على حساب الحق الآخر. الآية: (2) [سورة النساء (4) : آية 2] وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (2) التفسير: التطبيق العملي للتقوى بشقّيها- تقوى الله، وتقوى ذوى الأرحام- يكون أكثر ما يكون ظهورا فى رعاية حقوق الضعفاء من ذى الأرحام، وهم اليتامى، حيث يكون اليتم غالبا فى كفالة أحد أقاربه. ولهذا كان أول اختبار عملىّ للتقوى التي دعا الله إليها فى مطلع السورة هو الدعوة إلى رعاية حقوق اليتامى، واتقاء الله فيهم، وفى أموالهم التي هى أمانة فى أيدى الأوصياء، كما أنهم هم أنفسهم أمانة فى ذمة هؤلاء الأوصياء.. فلا تبرأ ذمة الوصىّ حتى يؤدّى تلك الأمانة على وجهها الذي أمر الله أن تؤدّى عليه.. وقد خصّ الأمر الإلهى المال بالذكر، لأن أكثر ما تطمح إليه نفوس الأوصياء وتطمع فيه، هو المال، وما سواه فهو تبع له..

فلو أن الوصىّ عفّ عن مال اليتيم، وراقب الله فيه، وبذل له من الجهد والرأى ما يبذل لماله هو- لو أنه فعل ذلك لا استقام أمره كلّه مع اليتيم، فبذل له من الحبّ والعطف، ما ينعش نفسه، ويطيّب خاطره، ويعدّل سلوكه.. والعكس صحيح، فإنه حين تمتد عين الوصىّ إلى مال اليتيم بالخيانة والغدر، فإنه لا يتحرج أبدا بعد هذا من أن يسوق البغض والكراهية لهذا اليتيم، وأن يسومه الخسف والهوان، وأن يرخى له الحبل فى طريق الضلال والفساد، حتى يخلى له الطريق لأكل ماله الذي استباح أكله، واستمرأه. وفى قوله تعالى: «وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ» أمر قاطع بأداء أموال اليتامى إليهم سليمة كاملة، سواء كان اليتيم لا يزال صغيرا تحت كفالة الوصىّ، أو بلغ رشده واستحق أن يتولىّ أمر نفسه. وعلى هذا، فليذكر الوصىّ دائما أن مال اليتيم هو مال اليتيم، وأنه أمانة فى يده، مطالب بأن يحاسب نفسه عليها فى كل يوم، وأن يدفعها إلى اليتيم عند أي طلب.. وهذا ما يجعله فى مراجعة ومحاسبة مع نفسه أبدا، غير منتظر هذا اليوم البعيد، الذي قد يمتد إلى سنين، حين يبلغ اليتيم رشده، ويحين وقت الحساب!. «وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ» . نهى بعد أمر.. وفى هذا النهى، وبالامتثال له، يتحقق الأمر، ويجىء الوفاء به على وجه مرضى سليم.. والخبيث، هو أكل مال اليتيم، وتضييع حقوقه، وإفساد مصالحه أو تفويتها، إهمالا وتقصيرا.. عن عمد أو غير عمد. والطيب، هو رعاية مال اليتيم، وحسن القيام عليه، وتحرّى أعدل الوجوه لإنمائه وتثميره.

الآية: (3) [سورة النساء (4) : آية 3]

وتبدّل الخبيث بالطيّب، أن يسلك الوصىّ بمال اليتيم مسالك التضييع والإهمال، والاغتيال.. فيكون بذلك قد ترك الطيب الذي أمره الله به، وأخذ الخبيث الذي دعته نفسه إليه، ومال به هواه نحوه. «وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ» . هو بيان لبعض المداخل التي يتبدل الأوصياء فيها الخبيث بالطيب، فى شأن اليتامى الذين فى أيديهم، وذلك بأن يضيفوا أموال اليتامى إلى أموالهم، ويحسبوا أنها من بعض ما يملكون، دون أن يكون فى تقديرهم أن مال اليتيم لليتيم وحده، وأنهم أمناء عليه، حرّاس له. «إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً» . الحوب الذنب والإثم.. والضمير فى «إنه» يعود إلى التصرف المعيب الذي يتصرفه الأوصياء فى أموال اليتامى، وإضافتها إلى أموالهم.. وذلك جور غاشم، وعدوان مبين. الآية: (3) [سورة النساء (4) : آية 3] وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (3) التفسير: الذي ينظر فى الآية الكريمة نظرة مجرّدة، تقطعها عن سابقها ولاحقها من الآيات، لا ينكشف له وجهها، ولا يستقيم له معناها.. ومن هنا كان اضطراب كثير من المفسّرين حيالها، وتخبطهم فى التوفيق بين شرطها وجوابها.

فالشرط المشروط هنا وهو الخوف من ظلم اليتامى، أو بمعنى آخر طلب العدل والتماس الإحسان فى اليتامى- هذا الشرط معلق تحقيقه بنكاح ما طاب للأوصياء من النساء.. والأمر فى ظاهره، على النقيض من هذا الحكم الذي يجمع بين الشرط والجزاء.. فالعدل فى اليتامى لا يقوم أبدا على نكاح ما طاب للأوصياء من النساء مثنى وثلاث ورباع،، إذا أخذ على إطلاقه، بل إن ذلك ربما كان داعية إلى العدوان على اليتيم، والجور على ماله، وفاء لمطالب الزواج والأولاد الكثيرين، الذين يثمرهم هذا الزواج المتعدد. ولكن وصل الآية بما قبلها وما بعدها من آيات، يجعلها بمكانها الصحيح من الصورة العامة التي ترسمها مجموعة الآيات الأولى، من السورة، تلك الصورة التي تدعو إلى تقوى الله فى محارمه، وتقواه فى ذوى الأرحام عامة، وفى الأيتام منهم خاصة.. وقد دعت الآية السابقة على هذه الآية- دعت الأوصياء على اليتامى أن يؤتوهم أموالهم، وأن يؤدوها إليهم كاملة، لا تفريط فيها، ولا عدوان عليها. ثم يجىء بعد هذا قوله تعالى: «وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ» - يجىء قول الله هذا، تأسيسا على ما أمر به فى الآية السابقة، وتقريرا له.. فقوله تعالى: «وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا.. الآية» هو خطاب لمن استجاب لقوله سبحانه: «وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ» أو لمن ترجى منه الاستجابة لهذا الأمر، أو هو خطاب للمؤمنين جميعا، وإلزام لهم أن

يستجيبوا له، إن كانوا مؤمنين حقا، لأنه أصل من أصول الإيمان، ودعامة من دعائمه. وإذا كان الأمر كذلك، وإذا كان من شأن المؤمنين أن يستجيبوا لهذا الأمر وأن يحققوه، فإن هناك أمرا آخر يلحق بهذا الأمر، إذا هم فعلوه، عظم أجرهم، واستقام على التقوى طريقهم، وهذا الأمر هو العدول عن زواج اليتيمات، إلى زواج غيرهن من النساء.. فذلك أبعد للشّبه، وأقطع لنوازع الطمع فى ما لهنّ. وعلى هذا يكون المعنى هكذا.. أما وقد خفتم أيها الأوصياء على اليتامى، أن تأكلوا أموالهم بالباطل، تريدون بهذا مرضاة الله، وتبتغون رضوانه- فإن من تمام هذا الأمر أن تخافوا ظلم اليتيمات فى أنفسهن، بعد أن خفتم ظلمهن فى مالهن.. فإن كنتم على خوف من ظلمهن وتريدون أن تجنبوا أنفسكم هذا الموقف، فدعوهن لشأنهن ولا تتزوجوهنّ وهنّ فى أيديكم، لا يملكون من أمرهن شيئا، وإن لكم فى غيرهن من النساء ما تشاءون.. مثنى وثلاث ورباع، ففى هذه التوسعة لكم فى زواج أكثر من واحدة نعمة من نعم الله عليكم، ومن شكر هذه النعمة ألّا تطمح أعينكم إلى اليتيمات، وما فى الزواج بهن من حرج. وفى قوله تعالى: «فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ» ما يشير إلى أن اليتيمات المرغوب عن زواج الأوصياء منهن، هن الصغيرات اللاتي لا يصلحن للزواج، ولهذا كان الأمر الإرشادى بالزواج: من «ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ» أي البالغات، الصالحات للزواج، اللائي تشتهين النفس. وفى قوله تعالى: «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً» دعوة إلى العدل بين

الزوجات، والتسوية بينهن فى الحقوق والواجبات، وفى هذا ضمان لسلامة الأسرة واستقرارها، ورفع كثير من أسباب الخلاف بينها. وإذا كانت التسوية بين الزوجات تسوية مطلقة، والعدل بينهن عدلا كاملا- أمرا غير ممكن، وإن أمكن فى حال فلن يمكن فى جميع الأحوال- إذا كان ذلك كذلك، فقد أشار الإسلام إلى الدواء الناجع لسلامة الإنسان فى دينه، فلا يظلم، وسلامته فى نفسه، فلا يقع بين مهاب العواصف من الشقاق والخلاف- هذا الدواء هو الاقتصار على زوجة واحدة والاكتفاء بها: «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً» . وفى قوله تعالى: «أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ» إشارة إلى دواء آخر يتداوى به من يرغب فى التزوج بأكثر من زوجة! فهناك «الإماء» وهن ما ملك المرء من الجواري، فله أن يتمتع بما شاء منهن. وفى قوله سبحانه: «ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا» بيان للحكمة من الاقتصار على زوجة واحدة، أو التسرى بالإماء. والعول: الميل، يقال عال الميزان عولا، أي مال. والعول: الزيادة، وتحمل الزيادة هنا على الزيادة فى الظلم، أو الزيادة فى كثرة الأولاد والنفقات.. وعلى هذا يمكن أن يحمل العول هنا على هذه المعاني كلها.. الزيادة فى الظلم، والزيادة فى العيال والنفقة، ثم الحاجة والفقر! وقد يسأل سائل: أليس فى التسرى بالإماء كثرة فى العيال، وكثرة فى النفقة؟ فكيف تكون الدعوى إلى التسرى بهن، ثم يكون التعليل لذلك ما علل به وهو عدم العول؟

تعدد الزوجات: ضوابطه، وحكمته

والجواب على هذا، هو أن التسرّى بما ملكت اليمين، لا يزيد فى أعباء الحياة على من تسرّى بما ملكت يمينه منهن، إذ كنّ فى كفالته، قبل التسرى وبعده.. وقد أجيب عن كثرة العيال، بأن الإنسان لا يحرص على طلب الولد من أمته، ولا يتحرّج فى العزل عنها، برضاها أو بغير رضاها. ولا بد هنا من كلمة حول تعدد الزوجات، وإباحة الإسلام له، ومقولات الذين يرجمون الإسلام بمفترياتهم عليه، فى شأن هذا التعدد. تعدد الزوجات: ضوابطه، وحكمته إن الذين يشغبون على الإسلام، ويشوشون عليه.. يقولون فيما يقولون عن هذا التعدد: لماذا يباح للرجل أن يتزوج بأكثر من امرأة، وأن يجمع بين أكثر من واحدة إلى أربع، ولا يباح للمرأة أن تتزوج أكثر من رجل، وأن تجمع بين أكثر من رجل إلى أربعة؟ أليس هذا هو العدل والمساواة.. إن كان عدل ومساواة؟ ونقول: إنه لكى ننظر إلى هذه المسألة، نظرا صحيحا مستقيما، ينبغى أن ننظر إليها من جانبيها معا.. جانب المرأة وجانب الرجل، كلّ على حدة، ثم كلّ فى مقابل الآخر: ففى جانب المرأة نجد: أولا: أن الطبيعة قد جعلت مواليدها من الإناث أكثر من الذكور، سواء ذلك فى عالم الإنسان، أو الحيوان والطير.. وحتى فى النبات. وقد يكون هذا التدبير المتصل بأصل الحياة، لكى تتكاثر المواليد، وتعمر هذه الأرض، إذ كانت الإناث هى الوعاء الحامل للمواليد، وعلى قدر هذه الأوعية وكثرتها يكون النسل وكثرته.

ثانيا: هذه الحروب- وهى سنّة من سنن الحياة البشرية- تذهب بكثير من الرجال، الأمر الذي إذا أضيف إلى سابقه قلّت به نسبة الرجال إلى النساء، إلى درجة بالغة الخطر، إن لم يكن هناك عامل آخر، يوازن هذا العامل ويقلل من خطره. ونسأل: إذ لم يكن هناك عامل معدّل لهذا التفاوت البعيد، فى النسبة بين أعداد النساء وأعداد الرجال- فأين يذهب هذا العدد العديد من النساء، اللائي لا مقابل لهن من الرجال؟ جواب واحد لا غير لهذا السؤال: هو أن يمتن عانسات إذا تعفّفن- وقليل ما هنّ، أو يحيين حياة بهيمية، مباحات لكل رجل، إذا استجبن لغريزتهن- وما أكثرهن! أفهذا؟ أو أن تسكن المرأة إلى رجل مع أخرى غيرها أو أخريات، متحصنة فى بيت الزوجية، مستظلة تحت جناح رجل يحميها، ويغار عليها، ويخرس قالة السوء فيها؟ ثم لنسأل: وهل مع هذه الإباحة المطلقة، وجد الرجال فرص الحياة وظروفها، مؤاتية لهم، فسكن الواحد منهم إلى أكثر من واحدة؟ إن الواقع يشهد بأن أفرادا قلة- يعدّون فى حكم الشاذ- هم الذين استعملوا حق الإباحة هذا.. أما الغالبية العظمى من الرجال فقد رغبوا عن هذا المباح، واكتفوا بامرأة واحدة، قطعوا الحياة معها.. بل وما أكثر الذين تتوفى زوجاتهم ثم لا يتزوجون بعدهن، وفيهم بقية شباب وصحة! إن التعدد- الذي أباحه الإسلام- لم يمكن على سبيل الإلزام، وإنما

كان بابا من أبواب الرحمة، تفيد منه المرأة- غالبا- أكثر مما يستفيد منه الرجل، حين لا تجد المرأة طريقا تسكن فيه إلى رجل، إلّا مع أخرى أو أخريات، يشاركنها الحياة الزوجية معه.. فهى فى هذه الحياة- على ما بها- خير من حياتها بلا رجل! ثم نسأل أيضا: أهناك- فى هذه الإباحة- ما يرغم المرأة على أن تشارك غيرها فى الزوج، أو يشاركها غيرها فيه؟ إن للمرأة الأولى أن تطلب الطلاق إذا تضررت من المرأة الثانية، كما أن للمرأة التي يراد لها أن تكون ثانية- لها أن ترفض الزواج من هذا الزوج.. وهكذا فى الثالثة والرابعة! ثم إن لأىّ امرأة أن تشترط عند الزواج أن تكون العصمة بيدها.. الأمر الذي يفتح لها الطريق إلى الخلاص من الزواج إذا تضررت منه! وندع المرأة.. وننظر فى جانب الرجل، فنجد: أولا أن الرجل يحتفظ بقوته وحيويته مدة أطول من المرأة، التي تسبقه إلى الوهن والضعف، بما تعانى من الحمل، والولادة، والرضاع، والتربية. وفى هذه الحال، قد يرى بعض الرجال أن يمسكوا بالزوجة- على ما بها- وأن يحصنوا أنفسهم، ويحفظوا دينهم ومروءتهم بزوجة أخرى. وثانيا: قد تصاب المرأة بمرض يعجزها عن الوفاء بحاجة الزوج والقيام على شئون البيت، وهنا تبدو الحاجة إلى امرأة أخرى، تؤدى الوظيفة التي عجزت عنها صاحبتها، وعندئذ يكون من الإعنات والحرج معا أن يحجر على الرجل، فلا يجد سبيلا إلى الخروج من هذا الوضع الأليم!

وفى إباحة الزواج للرجل بامرأة أخرى، ما يتيح له فى تلك الحال أن يفكر تفكيرا هادئا عاقلا، وأن يتخيّر لنفسه أي الأمرين أصلح له.. الزواج بامرأة أخرى أو الصبر على ما هو فيه؟ وكثيرا ما يكون الأمر الأخير هو الرأى الراجح، الذي يميل إليه، ويأخذ به فى أغلب الأحوال، رعاية للعشرة الزوجية، ووفاء لحقّ ما بين الزوجين، من ألفة ومودة.. وذلك حين يكون للرجل- بسبب هذه الإباحة- فضل، يتعزّى به، ويترضّى إنسانيته، بما كان منه من إيثار وتضحية!! بقي أن ننظر إلى هذا الموقف من جانب آخر، وهو أن يغلق فى وجه الرجل باب الخلاص من هذا الضيق، الذي يعيش فيه تحت سلطان الإلزام والقهر، دون أن يكون للإختيار، والشعور بمعاني التضحية والإيثار، مكان هنا، إزاء هذا الإلزام القاهر، الذي يحكم عليه فيه بأن يعيش مع امرأة مريضة، عاجزة، أو عقيم لا تلد! ونسأل: كيف تكون حياة الرجل فى هذا السجن الرهيب المخيف؟ بل كيف تكون حياة المرأة نفسها مع هذا الرجل، الذي يراها فى تلك الحال حكما أبديا عليه بالشقاء والبلاء؟ إن المرأة فى هذه الحال تكون أشقى من الرجل، إذ تجد نفسها أنها لعنة مفروضة على الرجل، وأنه لو كان لها الخيار فى إفساح الطريق له لما ترددت فى حلّ الرباط الذي يربطها به، ولطالبته بذلك قبل أن يطالبها هو به! ثم انظر ماذا يكون من العواطف الإنسانية، التي يوقظها هذا الشعور الذي يسيطر على الزوجين فى ظل التشريع الإسلامى الذي أباح لهما الانفصال، فى تلك الحال، كما أباح للرجل أن يتزوج بأخرى، يضمها إلى زوجه الأولى.. إن كلّا منهما يجد أنه فى سعة من أمره، وأنه يملك وجوده وإرادته، كما أنه

الآية: (4) [سورة النساء (4) : آية 4]

يحتفظ بمروءته وشخصيته.. فالرجل إذا احتفظ بامرأته فى حالها تلك، ولم يتزوج عليها، أرضى جوانب كثيرة من عواطفه، تعوّضه كثيرا مما يلقى من ضيق وضرر معها.. والمرأة تشعر بأنها غير مفروضة عليه، وأنه أمسك بها بمحض اختياره، وآثر ألا يضارّها بأخرى حسب إرادته وتقديره.. وأن الجانب الإنسانى فيهما هو الذي يمسك برباط الحياة الزوجية بينهما.. وإذن، فهذا التعدّد الذي يشنّع به أعداء الإسلام على الإسلام، وينادون به على الملأ أنه من الموروثات البهيمية التي ورثها الإنسان عن الحيوان- هذا التعدد هو دواء لأدواء كثيرة، فى محيط المرأة خاصة.. فى أغلب الأحيان، كما أنه شفاء لبعض العلل التي تصاب بها الحياة الزوجية فى بعض الأحيان! وهذا الدواء الذي يقدّمه الإسلام هنا ليس مفروضا فرضا لازما على كل إنسان، وفى كل حال، بل إنه- شأنه شأن كل دواء- محكوم بحكم الحاجة، وبحسب الحالة. فمن خرج به عن هذا الحكم- حكم الدواء عند الحاجة- فقد ظلم نفسه، وجاوز حدود الله، وليس على الإسلام، ولا على شريعة الإسلام شىء من عدوانه وظلمه. الآية: (4) [سورة النساء (4) : آية 4] وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (4) التفسير: الصّدقات: جمع صدقة، وهى المهر.. لأنها من مادة الصّدق الذي يلزم به المرء نفسه، وينطق به عن اطمئنان ورضى.. والمهر يقدمه الرجل

للمرأة عن رضى وطيب نفس.. ومنها الصّدقة التي يبذلها الإنسان فى مجال الإحسان من غير إلزام. والصدقة بضمّ الدال، والصّدقة بفتحها. وفى استعمال الأولى فى المهر، والثانية فى التصدّق إعجاز من إعجاز القرآن! فالصدقة- بالضم- أثقل نطقا من الصّدقة بالفتح. وكذلك هما على هذا الشأن، فى مجال التطبيق العملي لهما.. فالمهر ثقيل فى قدره، ومادته، قد يتكلف له المرء كثيرا من الجهد حتى يحصل عليه، وقد يقتطع له قدرا كبيرا من ماله، الذي هو بعض نفسه.. ومن هنا كان ثقله على النفس، ثم كان ثقله على اللسان! وليس كذلك الصّدقة، فإن محملها خفيف، يؤديها الإنسان عن سعة، ويجود بها من فضل ماله، فلا يكاد يحسّ بها.. «ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ» .. فقد تكون الصدقة بشقّ تمرة، كما فى الحديث الشريف: «تصدّقوا ولو بشقّ تمرة» وقد تكون بالكلمة الطيبة، كما فى الحديث أيضا: «الكلمة الطيبة صدقة» . والجامعة بين الصدقة (المهر) والصّدقة (الإحسان) أن كلّا منهما من باب البرّ والخير، وأنهما من موارد مرضاة الله ورضا الناس. وقوله تعالى: (نِحْلَةً) أي فرضا وشريعة. ولأن للرجال على النساء درجة، فقد أوجب الله على الرجال أن يقدّموا بين يدى المرأة عند طلب الزواج منها مهرا، تهيىء به نفسها، وتصلح به من شأنها قبل أن تجتمع إليه، وفى هذا ما يشعرها بمكانة الرجل منها. وأنه هو الذي سيحمل الجانب المادىّ عنها، فى السعى للرزق والنفقة، وهذا ما يشير إليه

قوله تعالى: «الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ» (34: النساء) . والمهر حقّ للزوجة، يجب أن يؤديه الرجل إليها، فإن هو صار إلى يدها ثم طابت له نفسها عن شىء منه، فذلك فضل منها، وليس على الرجل من بأس فى أن يقبله، ويتصرف فيه كما يتصرف فيما يملك. وأقل المهر أىّ مال يدخل الفرحة على المرأة وقد يجزى عن المال العمل، كما زوّج شعيب ابنته من موسى، بالخدمة عنده سنوات معدودات. ولا حدّ لأكثره، حسب يسار الرجل وقدرته.. إنه باب من أبواب الإحسان، ومسلك من مسالك الخير، وليس ثمة حرج فى أن يبلغ المهر من الكثرة ما يبلغ، مادام له فى مال الرجل سعة، والله سبحانه وتعالى يقول: «وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً» (20: النساء) . والمكروه فى المهر أن يكون عن مماكسة ومساومة بين الرجل، وزوجه، أو بينه وبين أهلها أو يكون فيه إرهاق للرجل بما لا يحتمله ماله، ولا يتسع له كسبه. ذلك أن «المهر» ليس إلا مدخلا إلى علاقة إنسانية، وطريقا إلى رابطة نفسية، ومن أجل هذا يجب أن يكون النظر إليه من وراء هذه العلاقة وتلك الرابطة.! وفيما قصّ الله سبحانه وتعالى من تلك الصورة الكريمة التي زوّج بها نبىّ الله «شعيب» نبىّ الله «موسى» ابنته- فى هذا ما يكشف عن أدب عال، وحكمة رائعة، ينبغى أن تكون فيها الأسوة فى هذا المقام.. يقول الله تعالى على لسان «شعيب» مخاطبا «موسى» : «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ

الآية: (5) [سورة النساء (4) : آية 5]

حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ» ويجيبه موسى بقوله: «ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ» (27- 28 القصص) وهكذا يقضى الأمر بينهما.. فلا مساومة ولا مماكسة!! الآية: (5) [سورة النساء (4) : آية 5] وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (5) التفسير: هذا نهى يتوازن مع الأمر السابق فى قوله تعالى: «وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ» .. ولكلّ من الأمر والنهى موضعه، وكلاهما يحقق مصلحة عامة، ويؤدى حقّا، ويبطل باطلا. وقد أشرنا من قبل إلى ما يحققه قوله تعالى: «وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ» . وهنا ينهى الله سبحانه وتعالى عن أن ندع أموال السفهاء فى أيدى السفهاء، إذ كان ذلك مدعاة لإفسادهم أولا، وتضييع مصالحهم ثانيا، ورسم مثل سيئة للعبث بالمال وإهدار المنافع المنوطة به فى المجتمع، ثالثا. لذلك ألزم الله سبحانه وتعالى المجتمع أن يتصدّى لهذه الظاهرة، وأن يقف لها فى يقظة وحزم، فلا يدع لأيدى السفهاء ما فى أيديهم من أموال يفسدونها، ويفسدون بها فى الأرض.. وفى قوله تعالى: «أَمْوالِكُمْ» بإسناد المال إلى غير أهله، وهم أولو الأمر

فى المجتمع- فى هذا ما يعطى المال وصفا غير الوصف الذي يكون له وهو فى حوزة الأيدى التي تعبث به، وتستخف بشأنه. فالمال- فى حقيقته- أداة من أدوات النفع، الخاص، والعام معا.. هو قوة فى يد صاحبه، يدفع به عن نفسه قسوة الحاجة، ولذعة الحرمان، ومطية يمتطيها إلى غايات كثيرة، يجنى منها الخير لنفسه، ولأهله. ثم هو- أي المال- حركة عاملة فى المجتمع، تصبّ فيها جهود أصحاب المال، وتتلاقى على طريقها وجوههم التي يقصدون إليها فى تثمير المال وتنميته! وفى صيانة هذه القوة من عوامل الوهن والضعف، وفى تنظيم هذه الحركة وإقامتها على طريق مستقيم- فى هذا صيانة للفرد، وحياطة له من أن تضطرب حياته وتتعثر خطواته، وفى هذا أيضا، صيانة للمجتمع، وحياطة لمواطن القوة منه، والحياة فيه. فالمال فى يد من لا يحسن التصرف فيه، ولا يرعى قدره وحرمته، هو فى تلك الحال فى يد غير أمينة عليه، وغير مستأهلة له.. ومن حق المجتمع أن ينزع هذا الحق منه، ويضعه فى يد أمينة، تحافظ عليه وترعاه لحساب السفيه حتى يرشد، أو يموت، فيكون لورثته من بعده. وفى قوله تعالى: «الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً» إشارة إلى ما للمال من شأن فى الإسلام، وإلى النظرة التي ينظر بها إليه، وأنه قوام الحياة، وملاك عمرانها، ومبعث سلامة المجتمع وقوته! فالذين يتحدثون باسم الإسلام، مهوّنين من شأن المال، أو مستصغرين خطره، أو مستخفّين به وبأهله، إنما يفترون على الإسلام، وينطقون عنه زورا وبهتانا.

وقوله تعالى: «وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً» هو دعوة إلى من بيده مال السفيه، أن يرزقه منه، ويقضى مطالبه، من سكن وطعام وكسوة، وغير ذلك مما يضمن له حياة مستقرة، فى حدود ما يتسع له ما له، إذ أصبح ولا مال بين يديه.. فالعدل يقضى بأنه إذا حرم التصرف فيما يملك، ألا يحرم الانتفاع مما يملك! وفى قوله تعالى: «وَارْزُقُوهُمْ فِيها» ما يشير إلى أن يكون الإنفاق عليهم من صميم مالهم، لا من حواشيه، بمعنى أن ينفق عليهم بالقدر الذي يسمح به ما لهم ويتسع له.. فكلمة «فيها» ظرف يحتوى المال كله، ويشتمل عليه.. ومن هذا المال كله يكون الإنفاق على السفيه.. ولهذا عدل القرآن عن التعبير بكلمة «منها» بدل «فيها» التي جاء عليها النظم القرآنى.. إذ أن «من» تفيد التبعيض بخلاف «فى» التي تفيد الإحاطة والشمول. وقوله تعالى: «وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً» أدب سماوىّ، يوصى به الله سبحانه الأوصياء الذين يقومون على أموال السفهاء، أن يلطفوا بهم، ويوادّوهم، ويلقوهم بالكلمة الطيبة، التي تطيب خواطرهم، وتنزع من صدورهم مرارة الألم الذي وجدوه فى انتزاع ما فى أيديهم من مال.. فالذى أخذ به هؤلاء السفهاء من انتزاع أموالهم من أيديهم، هو عدوان عليهم، اقتضته المصلحة بهم، وبالمجتمع.. وإنه لكى يطبّ الإسلام لهذا الداء، وحتى لا يعالج الداء بالداء، دعا إلى هذا الأدب الرفيع العالي، الذي تطيب به نفوس هؤلاء المرضى، وتسلّ به السخائم من قلوبهم، وذلك طب سماوى تتم به تلك العملية الجراحية فى مشاعر الإنسان ووجدانه. دون ألم!

الآية: (6) [سورة النساء (4) : آية 6]

الآية: (6) [سورة النساء (4) : آية 6] وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (6) التفسير: فى آية سابقة حذّر الله سبحانه وتعالى من أكل مال اليتامى، أو التهاون فيه، أو التضييع له، وفى هذه الآية، يدعو سبحانه القومة على اليتامى، من أولياء وأوصياء أن يضعوهم دائما تحت التجربة والاختبار، لسياسة أموالهم، وتدبيرها بأنفسهم، وذلك بأن يشركوهم معهم فى بعض التصرفات، ويطلعوهم على طرق الأخذ والعطاء بين الناس، «حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ» أي العمر الذي يصلحون فيه للزواج، وهو سن النضج والبلوغ، واستبان رشدهم، وصلاحيتهم للاستقلال بالتصرف فى أموالهم- دفعوها إليهم كاملة، وأشهدوا على ذلك أهل الثقة والأمانة. وفى قوله تعالى: «وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا» تحذير للأولياء والأوصياء على اليتامى، من أن ينزع بهم الطمع فى مال اليتيم إلى استغلاله والمبادرة باجتناء ثمرته لهم، قبل أن يخرج من أيديهم إلى أصحابه اليتامى، عند رشدهم. وقوله تعالى: «وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ» دعوة للأغنياء من الأوصياء، أن يؤدوا هذا العمل حسبة لله، ليؤجروا عليه، وألا يضيعوا هذا الأجر نظير مال هم فى غنى عنه، إذ كان الله قد آتاهم من فضله ما يغنيهم عن غيرهم.

الآيتان: (7 - 8) [سورة النساء (4) : الآيات 7 إلى 8]

وليس هذا الأمر للأغنياء على سبيل الوجوب، بل هو للاستحباب والندب.. ولهذا جاء التعبير عنه بقوله تعالى: «فَلْيَسْتَعْفِفْ» ولو كان للإلزام والوجوب لكان النظم هكذا: «فليعفّ» .. لأن فى الاستعفاف تردّد ومعاودة للفعل بعد الترك، والترك بعد الفعل.. وهكذا. الآيتان: (7- 8) [سورة النساء (4) : الآيات 7 الى 8] لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (7) وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (8) التفسير: هنا يجىء ذكر الميراث، وأحكامه، بعد ذكر اليتامى، ومالهم على الأوصياء- الذين هم من أقارب المورّث غالبا- من حقوق.. فاليتم لا يكون إلا بعد موت الوالدين، وخاصة الأب، وكذلك الميراث، لا تقوم أحكامه إلا بعد موت المورّث. وفى قوله تعالى: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ.. الآية) حكم عام مجمل للميراث، وستجىء الآيات بعد ذلك بأحكامه مفصلة مخصّصة. وقوله تعالى: «وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً» هو تدبير حكيم، من لدن عليم خبير، يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور.. فهذا مال ساقه القدر- على غير انتظار- لجماعة من قرابة المتوفّى،

وهاهم أولاء يقتسمون هذا الميراث فيما بينهم، ويذهب كل واحد منهم بنصيبه منه..! هذا جانب من الصورة التي تبدو للعين بعد موت المورّث، وعند تقسيم تركته، وهو الجانب البارز الواضح منها.. ولكن هناك جانب آخر لتلك الصورة، لا تراه إلا البصائر النافذة، ولا تشعر به إلا القلوب المتفتحة! ويضمّ هذا الجانب من الصورة أشتاتا من الناس.. الأقارب الذين لا نصيب لهم فى الميراث، واليتامى الفقراء، والمساكين.. وهؤلاء جميعا تحدّق عيونهم فى هذا الميراث، وتتلمظ شفاههم به، ويسيل لعابهم إليه.. فإذا انتهى الموقف، وانفضّ الجمع، وذهب كل وارث بنصيبه، دون أن ينال هؤلاء الواقفون على الجانب الآخر شيئا من هذا الميراث، امتلأت نفوسهم غيظا، واحترقت أكبادهم حسدا، وهذا من شأنه أن يثير العداوة والبغضاء فى الجماعة، ويوقع الشرّ بينها. والإسلام حريص على أن يسدّ هذه الثغرات، التي تهبّ منها على المجتمع ريح الفتنة، وعواصف الفرقة! وقد جاء هنا بتدبيره الحكيم، فأعطى كل ذى حقّ حقّه، وأقام موازين العدل والإحسان بين الناس، وجمعهم جميعا على المودة والرحمة. ومن تدبير الإسلام فى هذا أن جعل لهؤلاء الذين يحضرون قسمة الميراث من الأقارب غير الورثة، ومن اليتامى الفقراء، والمساكين- جعل لهم نصيبا من هذا الميراث.. تطيب به خواطرهم، وتسد به مفاقرهم، دون أن يكون فى ذلك ما يضير الورثة، أو يجور على حقهم فى مال مورثهم.

فهذا المال الذي يبذلونه لمن حضر القسمة من هؤلاء المذكورين فى الآية، هو شىء قليل، متروك تقديره للورثة أنفسهم، ولداعى الخير عندهم، خاصة فى هذا المشهد الذي يذكرهم بالموت، وما وراء الموت.. الأمر الذي من شأنه أن تلين له القلوب القاسية، وتسخو فيه الأبدى الشحيحة! وانظر إلى تدبير الله، وإلى تقديره فى هذا الأمر.. (فأولا) الشرط الذي يستحق به هؤلاء المذكورون فى الآية- شيئا من التركة، هو أن يكونوا بمحضر من قسمة التركة، سواء أكان هذا الحضور واقعا أو حكما، بمعنى أن يكونوا فى مجلس القسمة، أو على علم به، لقربهم منه، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ..» (وثانيا) القدر المطلوب لهؤلاء المذكورين من مال المتوفّى هو متروك لتقدير الورثة، وما تفيض به مشاعر الخير فى نفوسهم.. وهذا ما يشير إليه قوله سبحانه: «فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ» فهذا الرزق الذي يرزقونه هو من بعض هذا المال ومن حواشيه لا من صميمه، حتى لا يتأذّى الورثة بالعدوان الجائر على نصيبهم، وهذا على خلاف ما جاء فى الدعوة إلى الإنفاق على «السفهاء» من مالهم الذي فى أيدى الأوصياء، حيث قال تعالى: «وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ» . وفى قوله تعالى: «وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً» دعوة إلى الإحسان بالقول، بعد الإحسان بالعمل.. فالكلمة الطيبة هنا تسدّ النقص الذي قد يستشعر به من يصيبهم شىء من هذا المال الذي بما يراه بعضهم قليلا إلى جانب ما ذهب به الورثة من الميراث. وبهذا، وذاك تطيب النفوس، وتنقشع سحب العداوة، ودخان الأحقاد، بين جماعة تربطها روابط القرابة والإخاء!

الآيتان: (9 - 10) [سورة النساء (4) : الآيات 9 إلى 10]

الآيتان: (9- 10) [سورة النساء (4) : الآيات 9 الى 10] وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (9) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (10) التفسير: وفى محضر الموت، وبمشهد من الاستبداد بمال الميت، الذي جمعه، واجتهد فى جمعه، ثم صار إلى يد غيره، وربما إلى يد من كان يبغض أو يعادى من ورثته- يتمثل للحريصين على جمع المال من كل وجه، والمترصدين له بكل سبيل، غير متحرجين ولا متأثمين- يتمثل لهم مصير هذا المال الذي ركبوا له هذه الطرق، وجنوا به تلك المآثم، فيخفّ وزنه عندهم، ويقلّ حرصهم عليه، وإلقاء أنفسهم إلى التهلكة من أجله.. وهنا تصغى الآذان للنصح، وتتفتح القلوب للعظة فيما يتصل بالمال، والتعفف فى كسبه وجمعه!. ولا يدع القرآن هذه الفرصة تمرّ، دون أن ينتهزها، ليبلغ من القلوب الغاية التي يريدها، لحفظ حقوق اليتامى، وصيانة أموالهم، وحراستها من طمع الطامعين، وخيانة الخائنين.. لهذا جاء قوله تعالى: «وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ» - جاء مذكرا الأحياء بهذا الذي هم صائرون إليه هم وأموالهم، عارضا عليهم فى هذا الموقف ما يهزّ مشاعرهم، ويثير أشجانهم.. إنهم سيموتون كما مات هذا الميت الذي تقاسموا تركته، أو تقاسمها ورثته وهم يشهدون.. وإنهم سيتركون من بعدهم أطفالهم، الذين سينضمون إلى موكب الأيتام،

كما ترك هذا الميت أطفاله، وانضموا إلى جماعة الأيتام، ممن مات آباؤهم قبله. فليرعوا حق الله إذن، وليخشوه فى هؤلاء اليتامى الذين فى أيديهم، وليصونوهم ويصونوا أموالهم، وليعاملوهم كما يرجون أن يعامل أبناؤهم من بعدهم. وإنه ليس هناك من صورة مثل هذه الصورة، التي يعرضها القرآن هنا، فى إثارة العواطف، وفى استجلاء العبرة والعظة، حيث يتمثل منها للحى خاتمه مطافه فى هذه الحياة، ومصير هذا المال الذي جمعه، والذي يكاد يذهب بدينه ومروءته جميعا.. وفى قوله تعالى: «فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً» نداء سماوى كريم، يلتقى مع تلك المشاعر التي حركتها الصورة التي يتمثلها من يقرأ الآية الكريمة وينظر فيما يطلع عليه منها، من مشاهد الموت، وما بعد الموت. والقول السديد، الذي تدعو إليه الآية، هو القول الذي يحمل النصح، والتوجيه، والتسديد، لليتامى، وإعدادهم إعدادا صالحا للحياة.. تماما كما يفعل الأب مع أبنائه، وإلا فهو قول غير سديد، وخيانة للأمانة التي اؤتمن الأوصياء عليها.. وقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً» تحذير بعد نصح، وتهديد بعد عظة.. فمن لم يفتح عينه على هذا الخطر، ويتجنب الهاوية التي بين يديه، فلا يلومنّ إلا نفسه.. إن مال اليتيم هو «نار» تحرق كل من يمدّ إليه يدا خائنة، أو يدسّه فى بطن شرهة، فمن أكل منه احترق به فى الدنيا، وصلى به عذاب جهنم فى الآخرة.

الآية: (11) [سورة النساء (4) : آية 11]

الآية: (11) [سورة النساء (4) : آية 11] يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (11) التفسير: فى هذه الآية والآية التي بعدها بيان، لأحكام الميراث، التي أجملتها الآية (7) من هذه السورة. والوصية التي يوصى بها الله- سبحانه- فى ميراث الأبناء، هى على سبيل الوجوب الإلزام، وإنما جاءت بلفظ «الإيصاء» لأنها تتعلق بأمر يقع بعد الموت، وهو الميراث، فهى وصية من الله، ينبغى نفاذها فى تركة المتوفّى، كما يجب نفاذ وصية الموصى بعد موته! ويؤكد وجوب هذه الوصية قوله تعالى فى خاتمة الآية: «فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ» . وقوله تعالى: «لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ» بيان لنصيب كل من الولد والبنت فى تركة والدهما المتوفّى.. فللذكر ضعف الأنثى، أو مثل نصيب الأنثيين. وقوله تعالى: «فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ» أي إن كان المتوفّى لم يعقب ذكرا، وكانت ذريته إناثا، فإن كنّ اثنتين فأكثر، فلهما أو لهن الثلثان «وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ» .

وقوله تعالى: «وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ» أي ويوصيكم الله أن تفرضوا لأبوى المتوفّى، لكل واحد منهما السّدس من التركة، وذلك «إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ» ذكرا كان أو أنثى.. «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ، فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ» أي إن لم يكن للمتوفّى فرع كاين أو بنت، أو ابن ابن، «وَوَرِثَهُ أَبَواهُ» أي انحصر الميراث فيهما «فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ» وللأب الباقي وهو الثلثان. «فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ» اثنان فأكثر.. أشقاء، أو لأب.. ذكورا أو إناثا، «فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ» أي أن نصيبها مع وجود الإخوة ينتقل من «الثلث» إلى «السّدس» ، وهذا الانتقال لصالح الأب، لأن الأخوة لا يأخذون مع وجود الأب شيئا.. وإنما هم يؤثّرون على نصيب الأم فقط، ويحجبونها حجب نقصان.. والعلة فى هذا أن الأب هو الذي من شأنه أن يرعى إخوة المتوفّى، الذين هم أبناء هذا الأب، فانتقل ما كان يمكن أن يكون لهم إلى أبيهم. وذلك كلّه من بعد أن ينفذ فى مال المتوفّى ما أوصى به، وأن يؤدّى ما عليه من دين، ولو استغرق الدين، كل ما ترك. وأداء الدّين مقدّم على كل شىء، يتصل بتركة المتوفّى، من وصية، أو ميراث. هذا، ويلاحظ أن النظم القرآنى قد التزم تقديم الوصية على الدّين فى الآيات التي تضمنت أحكام المواريث، فكان يختم الحكم هكذا: «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ) . ولا بد لهذا التقديم الملتزم من حكمة، فتقديم أمر حقّه التأخير، والتزام هذا التقديم فى كل مرة- أمر لا يكون إلا عن قصد وتدبير.

الآية: (12) [سورة النساء (4) : آية 12]

ويرى «الزمخشري» أن تقديم الوصية على الدّين هنا للإلفات إليها، والتحريض على إنفاذها، دون تهاون أو تفريط. ذلك أن «الوصية» تبرع وإحسان بدون عوض، وإذ كانت على تلك الصفة فربما رآها الورثة بعين الاستخفاف، فلم يمضوها كما أرادها الموصى، أو لم يمضوها أصلا.. أما الدّين فهو حق للدائن، إن سكت عنه الورثة لم يسكت عنه صاحبه. فإذا قدمت الوصية على الدين كان ذلك غير مفوّت على الدين مكانته، فى حين أن هذا التقديم يقوّى من شأن الوصية، ويلحقها بالدّين فى القوة والإلزام. الآية: (12) [سورة النساء (4) : آية 12] وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) فى هذه الآية تتمة أحكام المواريث، التي بينتها الآية السابقة.. فللزوج نصف ما تترك زوجته إذا لم يكن لها ولد- ذكرا أو أنثى- منه أو من غيره.. فإن كان لها ولد فله الربع، أما الزوجة فلها ربع ما ترك زوجها، إذا لم يكن له ولد، ذكرا أو أنثى، منها أو من غيرها، فإن كان له ولد فلها الثمن.. وذلك

كلّه من بعد أن تنفذ الوصية، ويقضى الدين، إن كانت هناك وصية من المتوفّى، أو كان عليه دين. وقد تضمنت الآية حكما آخر غير حكم الزوجين فى التوارث بينهما، وهو حكم «الكلالة» وذلك ما يشير إليه قوله تعالى: «وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ» . وقد اختلف فى «الكلالة..» فى معناها أولا، وفى متجهها ثانيا. فقد رأى بعضهم أنها من الكلال، وهو الضعف إعباء وتعبا.. وقالوا إن صلة الورثة بالمورّث هنا صلة واهية ضعيفة.. ومن هنا حملوا «الكلالة» على من مات ولم يترك وراءه أبا أو ولدا، أو أخوة. ورأى بعضهم أنها من الكلّ وهو الحمل والعبء، وقالوا إن الورثة هنا عبء على التركة، وأنهم أشبه بالفضوليين عليها، إذ كانوا ولا معتبر لهم فى الميراث إلا إذا لم يكن وراء الميت أحد من أصوله أو فروعه، أو فروع أصوله، وفروع فروعه وذلك أمر نادر الحدوث. وعلى حسب اختلاف الآراء فى مفهوم «الكلالة» اختلفت الآراء كذلك فى موصوفها، وهل هو المتوفّى، أو الورثة، أو المال المورّث! وعلى أىّ فقد اتفق الفقهاء على أن «الكلالة» فى الميراث تقع فى الحال التي يتوفّى فيها المرء- ذكرا أو أنثى- من غير أن يترك وراءه أحدا من فروعه أو أصوله أو فروع فروعه، أو فروع أصوله. وهنا يكون لذوى الأرحام نصيب مفروض فى تركة المتوفى، بعد أن كان لهم نصيب مندوب، غير محسوب، فيما يرزقونه إذا حضروا القسمة. وقوله تعالى: «وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ» المراد بالأخ أو الأخت هنا الأخوة

لأم، وهم من ذوى الأرحام، الذين لا نصيب لهم فى الميراث مع وجود أحد من فروع المتوفى أو أصوله، أو فروع أصوله. وقوله سبحانه: «فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ» هو بيان للنصيب المفروض للأخ أو الأخت، من الأم، لكل واحد منهما السدس، لا فرق فى ذلك بين الذكر والأنثى، إذ هما فى الموقف ليسا ذكرا أو أنثى، وإنما هما إنسانان يراد بهما البر والإحسان، ولا فرق فى هذا بين ذكر وأنثى.. وهذا يعنى أن مكان الأخوة لأم فى كيان الأسرة، وفى دعم بنائها الأسرىّ لا معول عليه، بل ولا حساب له، لأنهما فى أسرة المتوفى كلالة- رجلا أو امرأة- أشبه بالغرباء منهما بالأقرباء! وقوله تعالى: «فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ» أي أن الأخوة لأم لا يرثون فى «الكلالة» أكثر من ثلث التركة أيّا كان عددهم.. للذكر مثل حظ الأنثى. وفى الوقوف بنصيب الأخوة لأم عند حد الثلث، لا يتجاوزونه مهما كان عددهم- فى هذا ما يسند الرأى الذي ذهبنا إليه من قبل، من أن الميراث المفروض للأخوة لأم هنا لا يعدو أن يكون ضربا من البر والصدقة، وأنه خرج من ثلث التركة لا يتجاوزها، شأنه فى هذا شأن الوصية، التي لا تتعدى ثلث التركة بحال. وقوله تعالى: «غَيْرَ مُضَارٍّ» هو حال من الضمير فى «يوصى» الذي يعود على المتوفّى. وهذا الحال قيد يقيّد به ما ترك الميت وراءه من وصية أو دين.. بمعنى ألا يكون المتوفى كلالة قد نظر إلى نفسه قبيل وفاته، فرأى أنه لا وارث له من فروعه وأصوله، وعندئذ حدثته نفسه أن يحدث فى تركته حدثا يفسد

الآيتان: (13 - 14) [سورة النساء (4) : الآيات 13 إلى 14]

به على إخوته لأمه نصيبهم المفروض لهم، كأن يوصى ولا رغبة له فى الوصية ولكن ليدخل الضيم على نصيب هؤلاء الأخوة، وكأن يصطنع على التركة دينا لغير دائن، لهذا الغرض نفسه.. وهذا ما نبه الله سبحانه وتعالى إليه الميت قبل أن يموت، ثم أكد سبحانه وتعالى هذا التنبيه بقوله «وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ» أي هذا فرض فرضه الله للأخوة لأم، وجعله حقا لهم.. فهم- والأمر كذلك- لم يجيئوا إلى هذا الميراث متطفلين. بل هم أصحاب حق فرضه الله لهم، كما فرض لغيرهم من الورثة ما فرض.. ثم أكّد سبحانه وتعالى هذا الأمر مرة أخرى بقوله: «وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ» أنه سبحانه وتعالى «عليم» بما يعمل الظالمون «حليم» لا يعجّل لهم العقاب، ولكن يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار. الآيتان: (13- 14) [سورة النساء (4) : الآيات 13 الى 14] تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (14) التفسير: قوله تعالى: «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ» إشارة إلى كل ما بيّن الله سبحانه وتعالى من أحكام وما شرع من حدود، فى صيانة أموال اليتامى، وتسليمها إليهم سليمة، لم تقع فيها خيانة، أو يقع عليها اعتداء، وفى التعفف عن زواج اليتيمات، تجنبا للظلم المحتمل وقوعه عليهن، وفى المواريث وأحكامها

وما لكل وارث من نصيب.. «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ» وهذه أحكامه، أوجب على عباده أن يلتزموها، وأن يقفوا عندها لا يتجاوزونها.. «وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» . فهذا الجزاء الحسن، قد أعدّه الله سبحانه لمن أطاعه وأطاع رسوله، الذي حمل إليه ما أمر الله به، وما نهى عنه.. إنه جنّات تجرى من تحتها الأنهار، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وإنه الخلود فى هذه الجنات والعيش الدائم فى نعيمها.. وذلك هو الفوز العظيم، الذي لا يقاس إليه شىء مما يعده أهل الدنيا فوزا، فيما يقع لأيديهم من مال ومتاع، ولو كان حلالا خالصا.. فكيف إذا كان مشوبا بالحرام، أو كان هو الحرام كل الحرام؟ وقوله تعالى: «وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ» .. هو كشف عن الوجه البغيض المقابل لهذا الوجه الطيب الكريم.. إنه وجه أولئك الذين لا يخشون الله، ولا يخافون عقابه، فلا يمتثلون أوامره، ولا يعملون بما يدعوهم الله ورسوله إليه.. وإنها للنار التي أعدت للكافرين، وإنه للخلود فى عذابها وهوانها.. وذلك هو الخزي المبين! وهنا ما ينبغى أن ننظر فيه، ونتأمله: فلقد جاء الخطاب من قبل الحق جلّ وعلا لمن يطيعون الله ورسوله فى صيغة المفرد، حتى إذا دخل الجنة، انتقل الخطاب من المفرد إلى الجمع.. هكذا: «وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ.. خالِدِينَ فِيها..» فما وجه هذا؟ وما سره؟

ونقول- والله أعلم-: إن إفراد الخطاب فى هذه المراحل: «يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.. يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» فيه مواجهة صريحة كاملة، تضع الإنسان وحده فى مواجهة هذا الخطاب الإلهى، فيلتفت إليه بكيانه كله، حيث لا يقع فى شعوره- والحال كذلك- أن هذا الخطاب العلوي متجه إلى غيره! وهذا من شأنه أن يجعل الإنسان فى وضع يحسن فيه التلقي عن الله، والانتفاع بما تلقى.. وذلك ما يقيمه على طاعة الله، ويصل به إلى مرضاته، ثم إلى الجنة التي أعدت للمتقين.. وليس الشأن كذلك إذا دخل الجنة.. إنه هنا فى حال ينعم فيها بنعيم الله، ويأنس بألطافه.. ومن تمام نعيم الله هنا، ومزيد ألطافه، أن يجد الإنسان نفسه بين لدات وإخوان، يشاركهم هذا النعيم، وتلك الألطاف، وأن ينظر هذا النعيم وتلك الألطاف التي تغمر كيانه، قد تجسدت على وجوه إخوانه، فأصبحت بشرا، وحبورا، فيزداد لذلك بشره وحبوره.. وماذا يأخذ الإنسان أو يعطى، وهو منفرد وحده فى هذه الجنات؟ إن هذا النعيم الطيب كله فيها، والملائكة والحور الذين يشرقون فيها كما تشرق الشموس- إن كل هذا لا يعرف المرء قدره، ولا يتذوق طعومه، على أكمل وجه وأتمه، إلا إذا كان له إخوان من جنسه، يألفهم ويألفونه، ويأخذ معهم ويعطى.. من كؤوس هذا النعيم.. وهذا الشعور الجماعى فى الإنسان قد عرف الله سبحانه وتعالى حاجته إليه، فأسعفه بها، وجعلها من بعض ألطافه على عباده فى جناته.. فجعل أهل الجنة فى حياة جماعية، يتلاقون، ويتعارفون ويتبادلون الطيّب من الحديث،

والكريم الهنيء من النعيم.. فيقول سبحانه فى أصحاب الجنة: «يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ» (23: الطور) ويقول جل شأنه: «وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ» (47: الحجر) ويقول سبحانه: «إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ» (55، 56: يس) . وعن هذا الشعور كان قول أبى العلاء المعرّى: ولو أنّى حبيت الخلد فردا ... لما أحببت فى الخلد انفرادا وانظر إلى أصحاب النار، كيف كان الخطاب من الله- سبحانه وتعالى- مفردا، قبل النار وبعدها. خارجها وداخلها.. حيث يقول جل شأنه: «وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ» . إن الإنسان هنا يواجه وحده بهذا الوعيد من رب العالمين، حتى لكأنه هو الوحيد الذي انفرد من بين الناس بالشرود عن طريق الحق، والعصيان لله ورسوله.. ثم ها هو ذا يلقى مصيره المشئوم وحده «ناراً خالِداً فِيها» حتى لكأن جهنم قد خصصت له، وحتى لكأن عذابها مقصور عليه. وفى هذا ما فيه من مضاعفة العذاب، النفسي، فوق العذاب الحسّى! إن المشاركة فى البلاء تخفف من شدته، وتكسر من حدته، حيث يتأسّى المصاب بغيره من المصابين، ويجد فى مصاب غيره عزاء لمصابه.. وفى هذا تقول الخنساء فى رثاء أخيها صخر: ولولا كثرة الباكين حولى ... على إخوانهم لقتلت نفسى وارجع إلى الآيتين الكريمتين الآن، ورتلهما ترتيلا، مستصحبا معك

الآيتان: (15 - 16) [سورة النساء (4) : الآيات 15 إلى 16]

هذا المعنى الذي أشرت إليه فيهما، فإنك واجد إلى هذا المعنى معانى كثيرة، أكثر شفافية وصفاء! «تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ.. وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ» الآيتان: (15- 16) [سورة النساء (4) : الآيات 15 الى 16] وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (15) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً (16) التفسير: يجمع المفسرون على أن هاتين الآيتين منسوختان بالآية الثانية من سورة النور.. وهى قوله تعالى: «الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ» وأن حدّ الزنا كان فى أول الإسلام- كما يقولون- هو الإمساك للمرأة الزّانية وحبسها فى البيت، على حين أن الرجل يعنّف ويؤنّب باللسان، أو ينال بالأيدى أو النعال، حسب تقدير ولىّ الأمر! ونحن- على رأينا بألا نسخ فى القرآن- نرى أن هاتين الآيتين محكمتين وأنهما تنشئان أحكاما لمن يأتون الفاحشة- من الرجال والنساء- غير ما تضمنته آية النور من حكم الزانية والزاني. فالآية الأولى هنا: «وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ

فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» إن هذه الآية خاصة بالنساء، إذ كان النصّ فيها صريحا بهن، وذلك بالإشارة إليهن باسم الاشارة المؤنث: «اللاتي» وبإضافتهن إلى الرجال: «مِنْ نِسائِكُمْ» وبالحديث عنهن بضمير النسوة.. «فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ» .. «فأمسكوهن» .. «يتوفاهنّ» .. «لهنّ» .. وهذا ما يقطع بأن الآية هنا خاصة بالنساء! أما الآية الثانية فهى خاصة بالرجال إذ كانت الإشارة فيها إلى المذكر، «اللذان» والضمير فى «يأتيانها» وكذلك الضمير فى «منكم» .. هذا كله نصّ صريح فى أن المشار إليهما هما من جنس الرجال، الذين يوجّه إليهم الخطاب فى الآية.. واضح إذن أن الآية الأولى فى شأن النساء، كما أن الآية الثانية فى شأن الرجال.. وهذا ما يكاد يجمع عليه المفسرون. إذ لاخلاف بينهم فى هذا، ولكنهم فرقوا بين العقوبة التي تؤخذ بها المرأة الزانية، والعقوبة التي تجرى على الرجل إذا زنا! الأمر الذي لم يقع فى آية «النور» التي جاءت فسوّت بين الرجل والمرأة فى هذه الجريمة، وفى العقوبة المفروضة على كل منهما. وإذ كان كذلك فإن لنا أن نتوقف عند هذه المفارقة بين الناسخ والمنسوخ، فى أمر يوزن بميزانين بالنسبة للرجل والمرأة، ثم يعاد هذا الأمر فيوزن بميزان واحد، تتعادل فيه كفة الرجل والمرأة على السواء! .. ففى آية النور جاء حكم الزاني والزانية مائة جلدة لكل منهما، أما فى هاتين الآيتين: فقد كان للنساء حكم، وللرجال حكم، فى العقوبة المفروضة على الزاني من الرجال، أو الزانية من النساء.. فإذا كان هناك وجه يمكن أن تحمل عليه الآيتان، بحيث ترتفع هذه

المفارقة التي تقوم بينهما وبين آية النور، وبحيث تكون بينهما تلك العلاقة التي بين المنسوخ والناسخ له، إذا كان هناك وجه لرفع هذه المفارقة، أفلا نلتمسه، ونذهب إليه، ونأخذ به؟ فكيف وهناك أكثر من وجه؟ فأولا: «الزنا» فى صورته العامة الشائعة، التي يتعامل أهل العربية بها فى لسان اللغة، وفى لسان الشريعة، هو تلك الجريمة التي تقع بين الرجل والمرأة على غير فراش الزوجية.. وقد جاءت آية «النور» صريحة فى حكم هذه الجريمة، فقال تعالى: «الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» (2: النور) (وثانيا) : هناك جريمتان هما من قبيل «الزنا» ولكنهما ليستا بالزنا المعروف فى لسان اللغة، أو لسان الشرع.. ولهذا فقد كان لكل منهما اسم خاص به، فى اللغة وفى الشرع أيضا، وهما: السّحاق، والّلواط.. و «السحاق» عملية جنسية، بين المرأة والمرأة. و «اللواط» عملية جنسية، بين الرجل والرجل. و «والزنا» عملية جنسية، بين الرجل والمرأة. وفى هذه الصور الثلاث تكتمل العملية «الجنسية» فى أصلها، وفيما يتفرع عنها. (وثالثا) : إذا قيل إن الآيتين السابقتين متعلقان بأحكام «الزنا» الأصلى الذي يكون بين المرأة والرجل، وأن ذلك كان فى بدء الإسلام، ثم نسختا بآية «النور» - إذا قيل ذلك، كان معناه أن كل ما ورد فى القرآن الكريم

متعلقا بالزنا جاء خاصّا بهذا الزنا الصريح، دون أن يكون فيه شىء عن الجريمتين الأخريين: اللواط، والسحاق! وهذا أمر ما كان للقرآن أن يتركه، بحجة أنه عمل شاذ، خارج على مألوف الفطرة.. لأن الشريعة الإسلامية ما جاءت إلا لعلاج الشذوذ الإنسانى عن الفطرة السليمة، وإلا لتحيد به عن شروده وانحرافه عنها.. وهذا يعنى أنه لا بد- لكمال التشريع- من أن يشرّع القرآن لهاتين الجريمتين، ويفرض عقوبة مناسبة لهما. (ورابعا) : أن الآيتين السابقتين صريحتان، فى أن الأولى منهما فى شأن النساء، وأن الآية الثانية فى شأن الرجال، خاصة. وليس بين النساء والنساء إلا «السحاق» ، كما أنه ليس بين الرجال إلّا «اللواط» . وعلى هذا، فإننا- إذ خالفنا ما كاد ينعقد إجماع الفقهاء والمفسرين- نرى أن قوله تعالى: «وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ.. الآية» هو لبيان الحكم فى جريمة «السحاق» التي تكون بين المرأة والمرأة.. وأن هذا الحكم هو ما بينه الله سبحانه وتعالى فى قوله: «فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ، أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» أي يؤذين بالحبس فى البيوت، بعد أن تثبت عليهن الجريمة بشهادة أربعة من الرجال، دون النساء، كما يتبيّن ذلك فى قوله تعالى: «فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ» أي أربعة منكم أيها الرجال. وأما قوله تعالى: «وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما. الآية» فهو خاص بجريمة اللواط، بين الرجل والرجل.. والحكم هنا هو أخذهما بالأذى، الجسدى، أو النفسي، وذلك بعد أن يشهد عليهما أربع شهود، على نحو ما فى «السحاق»

وإذ أخذنا بهذا الرأى، فإن علينا أن نكشف عن بعض وجوه خافية فيه.. فأولا: هذه التفرقة فى العقوبة بين «السحاق» و «اللواط» ..لماذا لم يسوّ بينهما؟ ولماذا يكون للنساء حكم، وللرجال حكم.. مع أنهما أخذوا جميعا بحكم واحد فى الزنا؟ والجواب على هذا.. هو أن كلّا من السحاق واللواط وإن كانا من باب الزنا، إلا أن لكل منهما موردا غير مورد صاحبه، فكان من الحكمة- وقد اختلف المورد- أن يختلف الحكم. فالمرأة وهى مغرس الرجل، ومنبت النسل، قد تستطيب هذا المنكر فيحملها ذلك على أن تزهد فى الرجل، وعلى ألا تسكن إليه فى بيت، وأن تتحمل أثقال الحمل، والولادة، وتبعة الرضاع والتربية، وهذا من شأنه- إذا شاع وكثر- أن يحوّل النساء إلى رجال، وأن ينقطع النسل، وألا يعمر بيت، أو تقوم أسرة.. ولهذا كانت عقوبة المرأة على هذه الجريمة أن تحبس فى البيت، الذي كان من شأنه أن يعمر بها، وأن تقيم فيه دعائم أسرة، لو أنها اتصلت بالرجل اتصالا شرعيا بالزواج. وقد يعترضنا هنا سؤال.. وهو: هل حبس المرأة فى البيت يمنع وقوع هذه الجريمة منها؟ والجواب: نعم، فإن فرصتها فى البيت، مع الوجوه التي تعرفها لا تتيح لها ما يتيحه الانطلاق إلى هنا وإلى هناك خارج البيت، حيث تلقى من النساء من لا ترى حرجا، ولا استحياء من أن ترتكب هذا المنكر معها، الأمر الذي لا تجده فى البيت الذي تعيش فيه مع أهلها، من أخوات، أو زوجات زوج، أو أب، أو أخ.. فالحبس فى البيت لمرتكبة هذا المنكر،

هو أنجح علاج يصرفها عن هذه العادة، بقطع وسائلها إليها. أما الرجل والرجل، فإن عقوبتهما من جنس فعلتهما، لما فيها من تحقير لهما وإذلال لرجولتهما، ومروءتهما، وذلك بأخذهما بالأذى المادي، أو النفسي. (وثانيا) كان حديث القرآن عن النساء بصيغة «الجمع» .. «وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ» وكان حديثه عن الرجال بصيغة المثنى.. «وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ» فما وراء هذه التفرقة؟ ولم كان الجمع فى النساء، وكانت التثنية فى الرجال؟ ولم لم يكن الأمر على عكس هذا؟ والجواب: أن المرأة والمرأة فى جريمة «السحاق» فى وضع متساو، لا فرق فيه بين امرأة وامرأة، حين تلتقى المرأتان على هذا المنكر، فساغ لهذا أن يكون الحديث عن هذه الجريمة حديثا شاملا لجميع مرتكبات هذا المنكر، بلا تفرقة بينهن.. فالمرأة على حال واحدة مع أية امرأة تلتقى بها فى هذه الفعلة. وليس الأمر على هذا الوجه فى «اللواط» بين الرجل والرجل.. فرجل فى وضع وآخر فى وضع.. أحد الرجلين فاعل، والآخر مفعول به.. وفرق بين الفاعل والمفعول.. ولكن بالرجلين تتم هذه الفعلة المنكرة، ومن ثمّ كان الإثم، وكان العقاب على هذا الإثم قسما مشتركا بينهما، كما كان استحضار رجلين لازما كى يمكن تصوّر هذه الجريمة، إذ لا يمكن تصور هذه الجريمة إلا مع وجود رجلين.. ذكر وذكر. (وثالثا) فى قوله تعالى: «حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» .. يسأل عن السبيل الذي جعله الله أو يجعله لأولئك المذنبات اللاتي قضى عليهن بالحبس فى البيوت.. ما هى تلك السبيل؟ وهل جعل الله لهن فيها مخرجا؟ الذين قالوا بالنسخ فى الآيتين، وهم جمهور الفقهاء والمفسرين- كما أشرنا إلى ذلك من قبل- يقولون إن السبيل التي جعلها الله لهن هى الخروج بهن من

هذا الحكم الذي قضى عليهن بالإمساك فى البيوت، وذلك بنسخ هذا الحكم وإحالته إلى الحكم الذي تضمنته آية «النور» وهو قوله تعالى: «الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ... الآية» .. ويروون لهذا حديثا عن النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، وهو أنه- صلوات الله وسلامه عليه- حين تلقى آية «النور» من ربه، وزايله ما غشيه من الوحى، قال لمن حضره من أصحابه: «خذوا عنى، خذوا عنى.. قد جعل الله لهنّ سبيلا.. البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» . والسؤال هنا: هل من السبيل التي تنتظر منها هؤلاء المكروبات بابا من أبواب الطمع فى رحمة الله أن ينقلن من الحبس إلى الرجم أو الجلد؟ إن فى قوله تعالى: «أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» يدا علوية رحيمة تمتدّ إليها أيدى أولئك البائسات الشقيّات، فى أمل يدفىء الصدور، ويثلج العيون! فكيف يخلفهن هذا الوعد الكريم من ربّ كريم؟ وحاش لله أن يخلف وعده. ولا نقول فى الحديث المروي أكثر من هذا. وأما الذين لا يقولون بالنسخ لهاتين الآيتين- ونحن منهم- فيقولون: إن السبيل التي جعلها الله لهؤلاء المذنبات، هى أن يفتح الله لهن بابا للخروج من هذا السجن، على يد من يتزوج بهن.. فالزواج هنا ينتقل بهن إلى بيت الزوجية الذي يعشن فيه عيشة غيرهن من المتزوجات، حيث يسقط عنهنّ هذا الحكم الذي وقع عليهن. وهذه الرحمة التي يمسح الله بها دموع هؤلاء المذنبات من عباده، ويردّ بها إليهن اعتبارهن، بعد الذي نالهن من عذاب جسدى، ونفسى- هذه الرحمة هى فى مقابل تلك الرحمة التي أفاضها الله على قرنائهنّ من الرجال، الذين اقترفوا

الآيتان: (17 - 18) [سورة النساء (4) : الآيات 17 إلى 18]

جريمة اللواط.. فقد جاء بعد قوله تعالى: «وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما» - جاء قوله سبحانه: «فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً» فهذا الأمر بالإعراض عن أهل «اللواط» بعد أن يتوبا ويصلحا، وهذه السبيل التي جعلها الله لمرتكبات «السحاق» إن صلح حالهن ورغب الأزواج فيهن- هذا وتلك، هما رحمة من رحمة الله، ولطف من ألطافه، يصحب المقدور، ويخفف البلاء، ويهوّنه.. «وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ؟» فسبحانه وسع كل شىء رحمة وعلما، يجرح ويأسو، ويحكم ويعفو.. آمنت به لا إله غيره، ولا ربّ سواه. ومما يؤيد ما ذهبنا إليه فى فهم هاتين الآيتين، وحملهما على هذا الوجه الذي فهمناهما عليه، ما جاء بعدهما من قوله تعالى: «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ» فذكر التوبة هنا، وأثرها فى محو السيئات، هو توكيد لقوله تعالى: «فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما» أي إن اللذين يأتيان الفاحشة «اللواط» من الرجال لهما مدخل إلى التوبة التي بها يتطهران من هذا الإثم، أما الزّنا فلا يطهر منه مقترفه إلا بإقامة الحدّ عليه، كما فعل «ماعز» حين ارتكب هذا المنكر، فجاء إلى النبىّ صلّى الله عليه وسلّم، وقال: «طهّرنى» يا رسول الله.. وما زال يقول طهرنى يا رسول الله، والرسول الكريم يراجعه، حتى شهد على نفسه أربع شهادات. فأمر الرسول- صلّى الله عليه وسلّم- بإقامة الحدّ عليه، ورجمه، وكذلك كان الأمر مع المرأة الغامدية. الآيتان: (17- 18) [سورة النساء (4) : الآيات 17 الى 18] إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (18)

رأينا فى الآيتين السابقتين كيف عادت رحمة الله فمسحت دمعة البائسين من أهل المنكرات، من الرجال والنساء، بعد أن تابوا وأصلحوا.. وهنا فى هاتين الآيتين بيان للتوبة التي يقبلها الله من عباده المذنبين، والتي يلقى بها ذنوبهم بالصفح والمغفرة.. فيقول سبحانه. «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ» . والمراد بالجهالة هنا ما يركب الإنسان من حمق، وطيش، ونزق.. وهو فى مواجهة المنكر، وليس المراد بالجهالة عدم العلم بالمنكر الذي يرتكبه.. فهذا معفوّ عنه، ومحسوب من باب الخطأ. والمراد بالتوبة من قريب، أن يرجع المذنب إلى نفسه باللائمة والندم، وأن ينكر عليها هذا المنكر الذي وقع فيه، وألا يستمرئه، فإذا وقف الإنسان من نفسه هذا الموقف كانت له إلى الله رجعة من قريب.. فإن مثل هذا الشعور يزعج الإنسان عن هذا المورد الوبيل الذي يرده، ويلوى زمامه عنه.. إن لم يكن اليوم فغدا أو بعد غد.. وهذا ما حمده الله سبحانه وتعالى لأصحاب تلك النفوس التي يقلقها الإثم، ويزعجها المنكر إذا هى ألمّت بمنكر، أو واقعت ذنبا، فكان من حمده سبحانه لتلك النفس وتكريمه لها أن أقسم بها، فقال سبحانه: «لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ» (1- 2: القيامة) .. وقال سبحانه: «وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً، أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ

فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ» (135: آل عمران) فالعلم هنا مقابل للجهالة فى قوله تعالى: «يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ» ، أي أنهم لم يصرّوا على ما فعلوا من منكر وهم يعلمون أن هذا المنكر يجنى عليهم ويحبط أعمالهم، وإنما هم مغطّى على بصرهم، لما لبسهم حال غشيانهم المنكر من خفّة وطيش، فلما استبان لهم وجه المنكر، وعرفوا عاقبة أمرهم معه، أنكروه، وبرئوا إلى الله منه. وقد مدح الله هؤلاء، الذين ينكرون المنكر حتى بعد أن يواقعوه.. فقال تعالى: «وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» . وفى قوله تعالى: «وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ» ردّ وردع لأولئك الذين يستخفّون بمحارم الله، فيهجمون عليها فى غير تحرج ولا تأثم، ويبيتون معها، ويصبحون عليها، دون أن يكون لهم مع أنفسهم حساب أو مراجعة.. وهكذا يقطعون العمر، فى صحبة الفواحش، ظاهرها وباطنها، حتى إذا بلغوا آخر الشوط من الحياة، وأطلّ عليهم الموت، فزعوا وكربوا، وألقوا بهذا الزاد الخبيث من أيديهم، وقالوا: تبنا إلى الله، وندمنا على ما فعلنا من ركوب هذه المنكرات! إنها توبة لم تجىء من قلب مطمئن، وعقل مدرك، يحاسب ويراجع، ويأخذ ويدع، ولكنها توبة اليائس الذي لا يجد أمامه طريقا غير هذا الطريق.. إنه لم يثب وهو فى خيرة من أمره.. فيمسك المنكر أو يدعه، ويقيم على المعصية أو يهجرها.. وإنما هو إذ يتوب فى ساعة الموت، أشبه بالمكره على تلك التوبة، إذ لا وجه أمامه للنجاة غير هذا الوجه.. وقد فعلها فرعون من

الآيات: (19 - 21) [سورة النساء (4) : الآيات 19 إلى 21]

قبل حين أدركه الغرق، فردّه الله سبحانه، ولم يقبل منه صرفا ولا عدلا: «حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ» (90- 91: يونس) . إن إيمان فرعون هنا لم يكن عن اختيار بين الإيمان والكفر.. بل كان لا بدّ له من أن يؤمن حتى ينجو من الغرق، إن الكفر بالله هو الذي أورده هذا المورد، وإن الإيمان بالله الذي كفر به من قبل هو الذي يردّه عن هذا المورد ويدفعه عنه.. هكذا فكر وقدّر!! وشبيه بهؤلاء الذين لا يرجعون إلى الله، ولا يذكرونه إلا عند حشرجة الموت، أولئك الّذين يغرقون أنفسهم فى الآثام مادامت تواتيهم الظروف، وتسعفهم الأحوال، حتى إذا سدّت فى وجوههم منافذ الطريق إلى مقارفة الإثم، بسبب أو بأكثر من سبب، تعفّفوا وتابوا.. وتلك توبة العاجز المقهور، ورجعة المهزوم المغلوب على أمره. لا يخالطها شىء من الندم، ولا يقوم عليها سلطان من إرادة ومغالبة.. إنها توبة غير مقبولة. الآيات: (19- 21) [سورة النساء (4) : الآيات 19 الى 21] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (21)

التفسير: فى مقام التوبة، والتنديم على الذنوب والآثام، والرّغب إلى الله، والهرب من المآثم- فى هذا المقام يذكّر الله سبحانه وتعالى بالنساء وما لهن من حقوق، وما فى اهتضام هذه الحقوق والعدوان عليها من إثم يفسد على المؤمنين إيمانهم، ويعرضهم لنقمة الله، وعذاب الله. فمن ذلك، الالتواء فى معاشرة النساء، وأخذهنّ بالضرّ والأذى، للوصول من وراء ذلك إلى عرض من أعراض الدنيا، بحملهن على شراء الخلاص لأنفسهن بما يريده الأزواج منهن من ثمن. فقد تكون المرأة غير ذات حظوة عند الرجل، وقد يكون الرجل كارها لها وهى كارهة له، ومع هذا فهو يمسكها، ولا يسرّحها بإحسان، كما أمر الله سبحانه وتعالى: «فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ» (229: البقرة) .. وهذا الإمساك للمرأة والمضارّة لها إنما يبغى الرجل من ورائهما أن تموت وهى فى عصمته، حتى إذا ماتت ورثها. وهذا ما نهى الله عنه، وعدّه عدوانا على المرأة إذ يقول سبحانه: «لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً» .. وقد ينتظر الرجل من وراء هذا الإمساك بالمرأة على كره، أن تخالعه المرأة على ما فى يدها من مهر كان أمهرها إياه، ولا تزال نفسه متطلعة إليه.. وهذا ما ينهى الله سبحانه وتعالى عنه بقوله: «وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ» .. والعضل الإمساك على الضرّ والأذى. وقوله تعالى «إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» هو استثناء من الإمساك الذي هو من بعض مفاهيم العضل، ففى هذه الحالة، وهى أن تأتى المرأة بفاحشة قامت عليها بيّنة- يجوز أن يمسك الرجل المرأة، تأديبا لها، فهذا الإمساك وإن

كان عدوانا على المرأة، هو عدوان لردّ عدوان، وهو ما أجازه الله سبحانه وتعالى فى قوله: «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ» (194: البقرة) ثم هو- أي العدوان هنا- إمضاء لأمر الله تعالى فى اللائي يأتين الفاحشة من النساء. وذلك فى قوله تعالى: «وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا» . وفى قوله تعالى: «وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» دعوة إلى ما ينبغى أن تكون عليه حياة المرأة مع الرجل، وهو أن تعاشر بالمعروف، وأن تعامل بالإحسان، حتى وهى مأخوذة بجريرتها التي قضت عليها بالإمساك فى البيت. وفى قوله تعالى: «فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً» وصية كريمة من الله، بالإحسان إلى المرأة، أيّا كانت نظرة الرجل إليها، وموقعها من قلبه.. فقد لا يجد فى عشرته معها، والسكن إليها، ما يشرح صدره، فيحمله ذلك على الضجر بها، والتبرم منها، فيسىء عشرتها، ويرميها بالأذى، حتى يحملها على أن تترضاه من مالها ليطلقها.. وهنا يلقاه قوله تعالى: «فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً» .. فيتقبل هذا المكروه، ويصبر عليه، ثم ينجلى الموقف عن غير ما كان يحسب ويقدر، وإذا المرأة التي كان يكرهها قد علقت بقلبه، وملأت حياته أنسا ومسرّة.. فإنه ما أكثر أن تجىء الأمور على غير حسابنا وتقديرنا. فما نحسبه خيرا قد يجىء من ورائه الشرّ، وما نراه مكروها قد يجىء بما نحبّ ونرضى! وفى هذه الوصاة الكريمة، تنفير من الطلاق، وتحذير من المبادرة إلى هوى النفس، الذي يدعو إلى الطلاق، على حساب أنه الخير، وقد يكون الشرّ كلّه كامنا وراءه.

وقوله تعالى: «وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً» . هو استكمال «للوصاة التي أوصى الله بها الرجال بالنساء.. ألا يرثوهن كرها أو يعضلوهن، وأن يعاشروهن بالمعروف، وأن يصبروا على ما يشعرون به من ضيق أو أذى منهن، فقد يكون من وراء ذلك خير كثير.. ثم إنه إذا لم يكن بد من الفرقة والطلاق، فليكن كما أمر الله: «تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ» فلا يعمل الرجل على أن يستردّ مما أعطاها من مهر شيئا، وألا يحملها حملا على أن تخلص من بين يديه، وأن تفتدى نفسها من عشرته بالمال.. وليقف عند أمر الله سبحانه: «وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً» إن ذلك عدوان عليها، وسلب لحق وقع فى يدها.. «أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً» فذلك ما ينكره الله، ويجزى عليه جزاء الآثمين.. والبهتان: هو العدوان، وتبرير هذا العدوان بطلاء زائف من التمويه والخداع. وفى قوله تعالى: «وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً» إنكار بعد إنكار لأن تمتد يد إلى هذا الذي فى يد المرأة، التي أصبحت هى ومالها أمانة فى يد الزوج.. فكيف يخون الرجل أمانة من عاشره، واختلط به، وأصبح فى حال ما، بعضا منه؟ وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ» .. والإفضاء إلى الشيء الوصول إليه، والتغلغل فى صميمه. والميثاق الغليظ: هو العهد القوىّ المؤكد، وهو ما أخذه الله على الرجال للنساء فى قوله تعالى: «وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» .. وقد وضع الله هذا الميثاق الغليظ المؤكد فى يد المرأة. ليكون لها أن تقاضى الرجل به عند الله! وفى هذا تغليظ لهذا الميثاق الغليظ!

الآية: (22) [سورة النساء (4) : آية 22]

الآية: (22) [سورة النساء (4) : آية 22] وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (22) التفسير: بعد أن بين الله سبحانه وتعالى ما ينبغى أن تقوم عليه الحياة بين الرجل والمرأة من توادّ وتعاطف وتراحم، وأن تصفو من الكيد، وتبرأ من الدّخل وتبييت السوء، حتى تتآلف تلك الخليلة الأولى فى الجسد الاجتماعى، وتتلاحم، وتصبح قوة عاملة فى الحياة لخيرها، ولخير المجتمع كله.. بعد هذا البيان الكاشف للحياة الزوجية، وللأسس السليمة التي ينبغى أن تقوم عليها- جاء بيان سماوى آخر يقيم الحدود بين ما يحلّ وما يحرم على الرجال من النساء، حتى إذا رغب الرجل فى الزواج من امرأة تخيرها من بين من أحل الله له منهن! وقد يبدو- فى ظاهر الأمر- أن الترتيب الطبيعي كان يقضى بأن يجىء البيان الخاص بالحلّ والحرمة أولا، ثم يجىء بعد ذلك ما يوصى به فى المعاشرة بين الزوجين، بعد أن يصبحا زوجين. هكذا يبدو الأمر فى ظاهره! ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يرفع نظرنا فوق هذا المستوي الذي ننظر منه إلى الأمور ونزنها به. فليست مشكلة الحياة الزوجية فى التعرف على من تحلّ ومن تحرم من النساء لمن يرغب فى الزواج، فذلك أمر لا يحتاج إلى أكثر من إشارة، تخطّ خطا فاصلا بين الحلال والحرام.. بل إن الأمر لأهون من هذا.. فالحلال بينّ والحرام بينّ، والمشكلة كلها فى التزام الحلال، وتجنب الحرام.. ومشكلة الحياة الزوجية ليست الزواج، ولكن فيما بعد الزواج، وفى القدرة على الوفاء بالحقوق والواجبات فيها!

من أجل هذا، كان هذا الإلفات الكريم من الله أولا إلى ما بعد الزواج، إذ هو ملاك الأمر كله، وعليه تبنى الحياة الزوجية، ويجنى منها الثمر الطيب المرجو فيها. وإذن فليكن فى حساب الرجل أولا إعداد نفسه إعدادا كاملا لحمل هذه الأمانة العظيمة التي سيحملها، وليروّض نفسه مقدّما على الصبر والاحتمال، والتنازل عن كثير من حياته الخاصة، ليصل بما يقتطع من تلك الحياة حياة جديدة، تقوم بينه وبين شخص آخر، جاء يشاركه حياته، وينازعه وجوده الذاتي الفردىّ. أما ما بعد ذلك- وهو الزواج- فأمره هين.. فالنساء كثيرات وله فيما أحلّ الله له منهن ما لا حصر له.. فليختر منهن من يشاء، ولكن الحذر الحذر كله، والمحظور المحظور جميعه، فيما بعد الزواج! وقوله تعالى: «وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ» بيان لأول ما يحرم على الإنسان التزوج بهن من النساء.. وهى امرأة الأب.. إذ هى بمنزلة الأم، ثم هى من جهة أخرى بمكان الأب من الاحترام والتوقير.. فكيف تقبل نفس كريمة أن تكون امرأة الأب- وهذا شأنها- زوجا بعاشرها، وتكون يده فوق يدها؟ أو حتى تكون يده مع يدها؟ وفى التعبير القرآنى عن زوجات الآباء بكلمة «ما» التي تدل على الإبهام والتنكير- ما يشير إلى أن هؤلاء الزوجات ينبغى أن يكنّ فى نظر الأبناء، وفى شعورهم شيئا مبهما غامضا، لا تتملّاه العين، ولا تتفحصه، ولا تقيم له حسابا فيما يقام من حساب بين الرجل والمرأة! إنهن- بالنسبة للأبناء- شىء محجب وراء ستر كثيفة من التحرج والتأثم، فلا يكاد يقع فى تصور الأبناء صورة سويّة لهنّ كصور النساء اللاتي يريدون الزواج بهن! وقوله تعالى: «إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ» استثناء وارد على ما وقع فى الجاهلية من

الآية: (23) [سورة النساء (4) : آية 23]

رجال دخلوا فى الإسلام، ووقعوا فى هذا المنكر.. فإنه لا إثم عليهم الآن بعد أن صححوا وضعهم، وأخذوا بما جاء الإسلام به. وفى قوله تعالى: «إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا» تشنيع غليظ على هذا المنكر، وإلقاء بكل ما فى الفاحشة والمقت وسوء العاقبة من ثقل وبلاء على من يقارف هذا المنكر، ويركب ذلك الضلال السفيه! الآية: (23) [سورة النساء (4) : آية 23] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (23) التفسير: فى هذه الآية بيان الأصناف من المحرمات على الرجال التزوج بهن، بعد أن بينت الآية التي قبلها حرمة التزوج ممن تزوج بهن الآباء.. وبيان المحرمات هنا على الوجه الآتي: 1- «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ» .. أي أم الرجل، وأصولها. 2- «وبناتكم» .. أي بنت الرجل، وفروعها. 3- «وأخواتكم» أي الأخت سواء أكانت شقيقة، أم لأب، أم لأم. 4- «وعماتكم» والعمة أخت الأب. 5- «وخالاتكم» والخالة هى أخت الأم.

6- «وبنات الأخ» أي ويحرم على الرجل بنات أخيه سواء أكان شقيقا، أم لأب، أم لأم وكذلك فروعهن. 7- «وبنات الأخت» سواء أكانت أختا شقيقة أم لأب، أم لأم، وكذلك فروعهن. 8- «وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ» أي وتحرم على الرجل المرأة التي أرضعته، فهى بالنسبة له أم، لها حرمة أمه التي ولدته، وكذلك لأصولها وفروعها، كما لأصول أمه وفروعها.. وفى الحديث الشريف: «يحرم من الرضاع ما يحرم بالنسب» . 9- «وأخواتكم من الرضاعة» فكل من أرضعتهم المرأة هم أخوة، ولو لم تكن قد ولدتهم.. ويحرم عليهم التزوج من بعض، حرمة الأخوة من الميلاد. 10- «وأمّهات نسائكم» أي أم الزوجة.. سواء أكان معقودا على ابنتها ولم يدخل بها أم مدخولا بها.. فلها حينئذ حرمة الأم، على من تزوج ابنتها، تحرم عليه حرمة مؤبدة. 11- «وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ» والربيبة: الصغيرة المربّاة فى بيت الرجل المتزوج بأمها.. ويراد بها هنا مطلق بنات الزوجة.. فإنهن يحرمن على زوج الأم، سواء تربين فى بيت الزوج أم نشأن بعيدا عنه.. وذلك بشرط أن تكون الأم مدخولا بها، أما العقد عليها فلا يحرّم زواج بناتها ممن عقد عليها ثم طلقها ولم يدخل بها.. والتعبير عن بنات الزوجة بالربائب، لأنهن على صلة مع أمّهن، وهى فى بيت زوجها.. إذ أن من شأن البنات ألا ينقطعن عن أمهن، ولو كنّ فى بيت غير بيت أبيهن.. ومن هنا كان التعبير عنهن بالربائب اللائي فى الحجور، حتى ينظر

إليهن الرجل نظرته إلى بناته الصغيرات، فلا تمتد عينه إلى النظر إليهن نظر شهوة. 12- «وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ» وهن زوجات الأبناء الحقيقيين الرجل، لا الأبناء بالتبني.. فهؤلاء الأبناء بالتبني لا يحرم على مثل هذا الأب زواج من تزوج بهن أبناؤه بالتبنىّ بعد طلاقهن وانقضاء عدتهن. وقد كان العرب فى الجاهلية، يلحقون الابن المتبنّى بالابن من الصلب فى هذا، فلما جاء الإسلام فرق بين الحالين فى قوله تعالى: «وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ..» (4- 5: الأحزاب) . وبهذا وضع الإسلام حدّا لفوضى الأنساب التي كانت شائعة فى الجاهلية، حيث يخلط الرجل من يتبّنى من أبناء الغير بأبنائه، ليكتسب بهم كثرة وقوة! 13- «وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً» فلا يحل الرجل أن يجمع بين الأختين فى عصمته، وله أن يتزوج الثانية بعد أن تنقطع علاقته بالأولى، بالطلاق أو الوفاة.. وذلك صيانة للعلاقة بين الأختين أن تفسدها الحياة الزوجية التي تجمعهما تحت سقف واحد، وليد رجل واحد، فتكون المرأة ضرّة أختها، كما يحدث بين زوجتى الرجل أو زوجاته، المتباعدات نسبا وقرابة. ولهذا، فقد ألحق النبىّ الكريم بتحريم الجمع بين الأختين، الجمع بين البنت وعمتها، والبنت وخالتها، فى قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تنكح البنت على عمتها أو خالتها فإنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» . وقد عفا الله عما سلف فى الجاهلية من الجمع بين هذه المحارم، قبل أن يجىء أمر الله بتحريم هذا الجمع.. «إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً» .. تم الكتاب الثاني ويليه الكتاب الثالث إن شاء الله، ويبدأ بصفحة: 737

الآية: (24) [سورة النساء (4) : آية 24]

[الجزء الثالث] [تتمة سورة النساء] الآية: (24) [سورة النساء (4) : آية 24] وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (24) التفسير: فى هذه الآية بيان لآخر المحرمات من النساء، وهنّ ستة عشر صنفا، منهن خمسة عشر فى الآيتين السابقتين، وصنف واحد فى هذه الآية ... وهو: الْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ.. والمحصنات هن اللاتي تحصنّ بالزّواج، وصرن فى عصمة الغير، أو تحصنّ فى بيوتهن، وملكن أنفسهن، ولم يتزوجن بعد.. فهؤلاء هنّ فى حصن يحرم على الرجل دخوله عليهن، إلا عن الطريق الشرعي بالزواج منهن، بعد أن تزول الحواجز التي كانت تحول بين الرجل وبين حلّهن له. فإذا طلقت المرأة، المحصنة، أو مات عنها زوجها وانقضت عدتها المقدرة فى الطلاق أو فى الموت أحلّ لها من كان من غير محارمها أن يخطبها إلى نفسه، وأن يمهرها، ويتزوج بها، إذا رضيت أو رضى أهلها به زوجا. وكذلك المرأة غير المتزوجة، هى محرمة على الرجل الذي أحلّ له الزواج منها، حتى يخطبها لنفسه، وترضى به أو يرضى به أهلها زوجا، ثم يمهرها، ويعقد عليها، عقدا صحيحا مستوفيا شروطه. فهؤلاء المحصنات من النساء محرمات حرمة موقوتة بحواجز قائمة، فإذا زالت تلك الحواجز حلّ الزواج بهن..

ولهذا جىء بهذا الصنف من المحرمات فى آخر المحرمات، ملحقا بصنف آخر حرّم حرمة مؤقتة، وهو الزواج من الأختين.. فإن الزواج بالثانية منهما محرم حرمة مؤقتة إلى أن تبين الأولى بطلاق أو موت، وتنقضى عدتها. وقوله تعالى: «إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ» هو استثناء وارد على حرمة المحصنات من النساء، فإن هؤلاء المحصنات محرّمات ما دمن فى حراسة الحصانة القائمة عليهن، ولكن هناك حالة ترفع هذه الحراسة عن المرأة، وتجردها من الحصانة التي كانت لها، وهى أن تقع أسيرة حرب، فتصبح ملكا لآسرها، وبهذه الملكية لا يكون لزوجها، ولا لنفسها ولا لأهلها سلطان يدفع يد مالكها عنها، فله أن ينكحها بعد أن يستبرىء رحمها بالعدّة إن كانت متزوجة، وإلا فهى حل له من أول ساعة تقع فيها ليده.. وملك اليمين من النساء كما يكون بالغنيمة فى الحرب، يكون بالشراء بالمال، أو الهبة ونحو هذا. وقوله تعالى: «كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ» هو إغراء بالحفاظ على هذه الحدود، والتزامها، كما بينها الله وجعلها عهدا وميثاقا بينه وبين المؤمنين به.. بمعنى احفظوا وارعوا ما كتب الله لكم وافترض عليكم من أحكام الزواج. قوله تعالى: «وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ» . هو إطلاق للقيد الوارد على المحرمات من النساء.. فما وراء هذا القيد الذي ضمّ ستة عشر صنفا من النساء، فهنّ مما أحلّ الله للرجال التزوج بهن، بشرط أن يطلب الرجل الزواج ممن يريدها، وأن يأخذ الرضا منها أو من وليتها، وأن يمهرها من ماله المهر المطلوب لها.. وفى قوله تعالى: «مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ» تنبيه إلى أن يبتغى بهذا المال

الذي يسوقه الرجل إلى المرأة، الإحصان والتعفف بالزواج، لا مجرد الوصول إلى المرأة وقضاء الوطر منها، فذلك مال أنفق فى حرام، واستبيح به مالا يحلّ، وأوقع صاحبه فى محظور، هو السفاح والزنا.. وكان من حق هذا المال، وهو نعمة من نعم الله، أن يصان عن أن يكون مطية لعصيان الله ومحاربته، وألّا يعدل به عن الحلال بالإحصان، إلى مواقعة الحرام وارتكاب هذا المنكر الغليظ، وهو الزنا.. قوله تعالى: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ» . هو أمر إلزامىّ بالمهر الواجب تقديمه من الرجل إلى المرأة التي يرغب فى الزواج بها.. فهو فريضة من الله، فرضها فى مال الزواج للمرأة.. ولم يقف به الإسلام عن حد معينّ، بل تركه، حسب يسار الرجل وإعساره.. إلا أنه على أي حال لا بد من أن يكون شيئا معتبرا عند كل من الزوج والزوجة، له قدره وأثره عندهما معا، وله قيمته فى الحياة. وفى قوله تعالى: «وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ» دعوة إلى المياسرة بين الزوجين فى المهر، فللمرأة بعد أن يعطيها الرجل المهر المناسب لها، أن تنزل عنه أو عن بعضه له، وللرجل بعد أن يعطى المهر المطلوب منه، أن يزيد فيما أعطى، وفى هذا وذاك تبادل لعواطف المودة والمعروف بين الزوجين، الأمر الذي ينتظم به شمل الأسرة، وتقوم عليه سعادتها. والاستمتاع المطلوب إيتاء الأجر عنه هنا، هو ما يحققه الزواج للرجل من سكن نفسى، وأنس روحى، وقرّة عين بالبنين والبنات، إلى ما يجد من إشباع لغريزته الجسدية، مع العفة والتصوّن.. «وما» في قوله تعالى: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ» .. اسم موصول،

لغير العاقل، معدول به عن «من» التي يقع فى حيزها العقلاء، وهن النساء المرغوب فى الزواج منهن. وفى اختيار النظم القرآنى لهذا الأسلوب إعجاز من إعجازه.. فإن ما فى كلمة «ما» من التجهيل والتفخيم، ما يلقى إلى شعور الرجال إحساسا بعظم الأمانة، التي سيحملونها بهذا الزواج الذي هم مقدمون عليه، وبأنه نعمة عظيمة من نعم الله، لمن يعرف كيف يكشف أسرارها، ويتعرف على مواقع الخير فيها.. فالمرأة عالم رحيب، أشبه بالبحر، تكمن فى أعماقه اللآلئ والدرر، كما تضطرب فى كيانه الحيتان والأخطبوطات.. والصيد فى هذا البحر يحتاج إلى مهارة وكياسة، وإلا وقع المحذور وساءت العاقبة.. هذا وقد حمل كثير من المفسرين قوله تعالى: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ» على نكاح «المتعة» وأن قوله تعالى: «فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» هو إشارة إلى الثمن الذي يقدمه الرجل للمرأة فى مقابل الاستمتاع بها! والآية الكريمة فى منطوقها لا تعطى هذا المفهوم، الذي فوق أنه- فى وضعه هذا- عنصر دخيل على القضية التي أمسك القرآن الكريم بجميع أطرافها هنا، وهى قضية «الزواج» وما أحل الله وما حرّم على الرجال من النساء- فوق هذا فإن هذا المفهوم يناقض قوله تعالى «فَرِيضَةً» الذي هو وصف ملازم للمهر الذي أشار إليه سبحانه بقوله: «فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً» .. كما أنه يناقض قوله تعالى: «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ» (7: المؤمنون) والمرأة المتمتع بها ليست زوجة، لأنها لا تحسب فى الأربع المباح للرجل الإمساك بهن، ولا ترث المتمتع بها ولا يرثها، كما أنها ليست ملك يمين لمن يتمتع بها..

زواج المتعة.. والرأى فيه

وقد وقع خلاف كبير فى زواج المتعة بين أهل السنّة الذين يقولون بتحريمه، والشيعة الذين يبيحونه، ويتعاملون به.. وهذا عرض موجز لتلك القضية، وآراء المختلفين فيها. زواج المتعة.. والرأى فيه تعلّق إخواننا الشيعة فى حلّ زواج المتعة بقوله تعالى: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» وقد أوّل علماؤهم قوله تعالى «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ» بالمتعة، وهو أن يتمتع الرجل بالمرأة إلى أجل مسمّى، وقالوا فى مدلولها الشرعي: «إنها (أي المتعة) عبارة عن عقد مخصوص، لرابطة زوجية إلى أجل مسمّى وبمهر معلوم، ويشترط فى العقد: الإيجاب والقبول، ويبطل عند عدم ذكر المهر والأجل.. يقول «الطبرسي» - وهو من كبار علماء الشيعة الإمامية، فى تفسيره المعروف «مجمع البيان» عند تفسير قوله تعالى: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً» - يقول: قيل إن المراد به نكاح المتعة، وهو النكاح المنعقد بمهر معيّن إلى أجل معلوم، عن ابن عباس، والسّدىّ، وابن سعيد، وجماعة من التابعين.. وهو مذهب أصحابنا الإمامية، وهو الواضح.. لأن لفظ الاستمتاع والتمتع، وإن كان فى الأصل واقعا على الانتفاع والالتذاذ، فقد صار بعرف الشرع مخصوصا بهذا العقد المعيّن، لا سيما إذا أضيف إلى النساء، وعلى هذا يكون معناه: «فمتى عقدتم عليهن هذا العقد المسمّى متعة فاتوهن أجورهن» . والشيعة إذ يذهبون هذا المذهب فى تأويل الآية الكريمة إنّما يجدون معهم إجماعا يكاد يكون تامّا من المفسرين جميعا- سنّة، ومعتزلة، وشيعة- فى تأويل الآية على هذا الوجه.. ولم نجد من المفسرين من حمل الآية على محمل آخر غير

هذا، إلا النسفي فى تفسيره، إذ يقول فى الآية: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ.» إنها لا تدل على حلّ المتعة، والقول بأنها نزلت فيها، وتفسير البعض لها بذلك، غلط، وهو غير مقبول، لأن نظم القرآن الكريم يأباه، حيث بيّن- سبحانه- أولا المحرمات، ثم قال عزّ شأنه «وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ» وفيه شرط بحسب المعنى، فيبطل تحليل الفرج وإعارته، وبهما قال الشيعة. «ثم قال جل وعلا: «مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ» وفيه إشارة عن كون القصد لا مجرّد قضاء الشهوة، «1» وحبّ استفراغ المنىّ، وعليه تبطل المتعة بهذا القيد، لأن مقصود المتمتع ليس إلّا ذاك، دون التأهل والاستيلاد وحماية النسب، كما أن كلمة الاستمتاع تدل على الوطء والدخول، وليس بمعنى المتعة التي يقول بها الشيعة..» . وعلى هذا، فالخلاف بين الشيعة والسنة ليس فى أصل المتعة وحلّها، فهم متفقون جميعا على أنها كانت موجودة فى عهد النبىّ، ولكن الخلاف يجىء بعد هذا، فيذهب أهل السنة إلى أنها نسخت، على حين لا يقول الشيعة بهذا النسخ، ويردّون كل خبر ورد فى هذا الشأن. وأهل السنة إذ يقولون بنسخ نكاح المتعة إنما يستندون فى هذا إلى أحاديث تروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، عند من يقول بنسخ القرآن بالسنة المتواترة، ومنهم يقول إنها منسوخة بالقرآن.. كما سنرى.. فالقائلون بالنسخ بالقرآن، يذكرون هنا أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: «وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ (5- 7: المؤمنون) . وفى هذا يقول الفخر الرازي: «وهذه المرأة- أي فى زواج المتعة- لا شك أنها ليست مملوكة، ولا زوجة، ويدل عليه أنها

_ (1) قوله: «لا مجرد قضاء الشهوة» هو خبر المصدر «كون» .

لو كانت زوجة لحصل التوارث بينهما لقوله تعالى: «وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ» وبالاتفاق لا توارث بينهما (وثانيا) لثبت النسب لقوله صلى الله عليه وسلم: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» وبالاتفاق لا يثبت (وثالثا) ولوجبت العدّة عليها، لقوله تعالى: «وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً» .. وقد ردّ الشيعة على هذا، بأن الآية التي قيل إنها ناسخة، هى سابقة فى نزولها للآية التي قيل إنها منسوخة، لأن الآية الأولى فى سورة «المؤمنون» وهى مكية، وآية المتعة فى سورة «النساء» وهي مدنية.. ولا يتقدم الناسخ على المنسوخ.. وأما ما استند إليه أهل السنة من الأحاديث التي وردت فى تحريم المتعة فهو كثير، من ذلك ما جاء فى موطأ مالك، عن على بن أبى طالب رضى الله عنه: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسيّة» . ويروى ابن حزم فى كتابه «الناسخ والمنسوخ» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنى كنت أحللت هذه المتعة، وإن الله ورسوله قد حرماها، ألا فليبلغ الشاهد الغائب» . وفى قول الرسول الكريم: «إنى كنت أحللت هذه المتعة» إشارة صريحة إلى أن حلّ هذه المتعة كان بالسنة لا بالقرآن، وأن النبي- صلى الله عليه وسلم- أباح المتعة- وحيا من ربه- لظرف خاص، ثم حرّمها- وحيا من ربّه أيضا- بعد زوال هذا الظرف.. فقد روى البخاري، ومسلم، عن ابن مسعود، قال: «كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لنا نساء، فقلنا ألّا نستخصى؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخض لنا أن ننكح المرأة بالثوب، ثم قرأ علينا: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ

وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» .. ونكاح المرأة بالثوب أي تقديمه لها، إن كان الرجل لا يملك غيره. وفى صحيح الترمذي: عن ابن عباس رضى الله عنه قال: إنما كانت المتعة فى أول الإسلام.. كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أن يقيم، فتحفظ له متاعه، وتصلح له شأنه حتى نزلت (الآية) : «إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ» .. قال، قال ابن عباس: «فكل زواج سواهما حرام» . وهذا يعنى أن آية «المؤمنون» هذه نسخت ما كان أبيح بالسنّة فى أول الإسلام، ولم تنسخ آية النساء التي قيل إنها نسخت باية «المؤمنون» والتي اعترض الشيعة على القول بنسخها، لأنها متأخرة نزولا عن آية «المؤمنون» ولا ينسخ المتأخر بالمتقدم. وذكر الفخر الرازي فى تفسيره، أن الناس لما ذكروا الأشعار فى فتيا ابن عباس فى المتعة، قال ابن عباس: قاتلهم الله، إنى ما أفتيت بإباحتها على الإطلاق، لكنى قلت إنها تحلّ للمضطر، كما تحل الميتة والدم، ولحم الخنزير» . وفى صحيح مسلم، عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: رخّص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أوطاس فى المتعة ثلاثا، ثم نهى عنها» (وعام أوطاس، هو عام الفتح، وأوطاس واد بديار هوازن) . وهذا الحديث يؤيد ما رواه ابن ماجة فى سننه عن ابن عمر، عن عمر- رضى الله عنهما- أن عمر خطب الناس، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لنا فى المتعة ثلاثا ثم حرمها، والله لا أعلم أحدا يتمتع وهو محصن إلا رجمته بالحجارة، إلّا أن يأتينى بأربعة يشهدون أن رسول الله أحلّها بعد إذ حرمها» .

والشيعة يعارضون هذه الأحاديث بأحاديث أخرى تثبت جواز نكاح المتعة، والعمل به فى عهد الرسول، وفى خلافة أبى بكر، وأن عمر بن الخطاب- الخليفة الثاني- هو الذي أبطله فى الشطر الثاني من خلافته.. فقد أخرج البخاري فى صحيحه عن عمران بن الحصين، قال: نزلت آية المتعة فى كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (أي فى عهده) ولم ينزل قرآن يحرّمها وينهى عنها حتى مات صلى الله عليه وسلم، قال رجل برأيه ما شاء» يريد بالرجل عمر بن الخطاب، رضى الله عنه. وفى صحيح مسلم، عن أبى نضرة قال: كنت عند جابر بن عبد الله، فأتاه آت، فقال: ابن عباس وابن الزبير اختلفا فى المتعتين «1» فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نهانا عنهما عمر فلم نعدلهما» . وروى ابن رشد فى كتابه «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» - عن ابن عباس أنه قال: ما كانت المتعة إلا رحمة من الله، رحم بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولولا نهى عمر عنها ما اضطر إلى الزنا إلا شقىّ» . والشيعة إذ تأخذ بهذه الأحاديث التي تضيف إلى عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- أنه هو الذي أبطل نكاح المتعة، وأن ذلك كان عن رأى رآه، واجتهاد اجتهده. فهم والأمر كذلك- غير محجوجين بما صنعه عمر، مادام فى أيديهم كتاب الله الذي أباح المتعة حسب تأويلهم لقوله تعالى: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» وما صح من إجماع المسلمين على أنها كانت جائزة فى عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وفى خلافة أبى بكر، وبعض خلافة عمر،

_ (1) يريد متعة الحج بالعمرة، ومتعة النكاح.

ثم ما يظاهر ذلك من أحاديث ثبت عندهم صحتها، ولم تثبت عندهم الأحاديث التي قيل إنها حرمتها.. [الآية الكريمة ومفهومها] وقد رأينا تعارض الأحاديث التي جاءت فى المتعة، والذي ذكرناه منها قليل إلى الكثير الذي أجمعت عليه كتب الأحاديث والتفسير. والذي نريد الجواب عليه هو: هل جاء القرآن الكريم بإباحة المتعة حقا؟ وهل الآية الكريمة التي قيل إنها مستند هذه الإباحة، هى نصّ فى هذا الحكم الذي أخذوه منها، والذي يجمع عليه المفسرون، على اختلاف مذاهبهم؟ ثم كيف يكون هذا، ثم يجىء عمر بن الخطاب رضى الله عنه فينقض حكما من أحكام الله، وببطل آية من آيات كتابه؟ وكيف قبل المسلمون هذا منه وأقروه عليه؟ ندع هذا الآن.. ونجيب على الآية الكريمة: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» وما فهم منها من أنها نص فى حل المتعة؟. وننظر فى الآية الكريمة التي جاء فيها هذا المقطع: «وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً» .. ننظر فنجد: أولا: أن هذه الآية هى خاتمة الآيتين اللتين قبلها، والتي ذكر فيهما تحريم أصناف من النساء، لا يحلّ التزوج بهن، وفى هذه الآية تتمة لهذه الأصناف، حيث ذكر فيها صنف واحد منهن، وهن المحصنات من النساء، أي المتزوجات.

ثانيا: بعد هذه القيود التي فرضها الله سبحانه على المحرمات من النساء، ورد حكمان: الحكم الأول: ما كان من النساء فى ملك الإنسان من الإماء، فإنهن لا عصمة لهن فى أعراضهن لمن ملك ذواتهن.. وكان الأصل أن يعددن فى المحصنات، إذ لم يقع عليهن زواج، بإيجاب وقبول، ومهر وشاهدين، كما هو الشأن فى عقد الزواج مع الحرائر، ولكن لما كانت تلك حالهن، وهذا وضعهن فى الحياة، فقد جاء الاستثناء هنا، ليقرر هذا الواقع الذي يعشن فيه مع من ملكوا رقابهن، وفى هذا يقول الله تعالى: «وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ» . والحكم الثاني: هو إطلاق الإباحة- التي هى الأصل- فى التزوج بين الرجل والمرأة، وذلك بعد تجنب أولئك المحرمات اللاتي ورد ذكرهنّ وفى هذا يقول سبحانه: «وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ» والابتغاء هو طلب الزواج من أي امرأة غير اللاتي سبق ذكرهن.. والابتغاء لا يكون بالرغبة مجردة، ولكن بالرغبة ومعها المال الذي يصلح مهرا للمرأة المراد التزوج منها، والذي يهيىء لها بعد الزواج حياة صالحة تجد فيها السكن والاستقرار هى وما تثمر الزوجية من ذرية.. وبهذا المال الذي هو رزق من رزق الله ينبغى أن تطلب المرأة التي أحل التزوج بها، وأن يصان عن أن يكون أداة لطلب المتعة من المرأة، على غير ما شرع الله فى الزواج.. وثالثا: يجىء بعد هذا قول الله تعالى: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً، وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً» .

فالضمير فى «به» يعود إلى المال المشار إليه فى قوله تعالى: «أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ» ، والضمير فى «منهن» يعود إلى من أحل من النساء، وهن لمشار إليهن فى قوله تعالى: «وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ» ويكون معنى الاستمتاع هنا، طلب الزوجة، أي ومن طلبتم بهذا المال الذي فى أيديكم من هؤلاء النساء فآتوهن مهورهن، فريضة فرضها الله عليكم، ولا حرج عليكم فى أن تتياسروا فيما بينكم، بعد أداء هذا الحق، فيكون للمرأة أن تنزل عن شىء من هذا المهر، الذي صار حقا لها فى يدها، ويكون للرجل أن يزيد فى المهر بعد أن أعطى الحق الذي عليه.. فالقضية هنا قضية الزواج فى صميمها، قد جاءت آيات الله لتكشف حلالها وحرامها، وتحدّد حدودها، وتلزم الرجال بأول شىء وأهم شىء مطلوب منهم فيها وهو المهر، بعد أن تتجه رغبة الرجل إلى الزواج من المرأة التي أحلّ الله له الزواج منها، والتي ليست واحدة من أولئك المحرمات.. فليس بمعقول أبدا أن يدخل على هذه القضية، قضية المتعة، التي هى فى حقيقتها أكثر من قضية الزواج تعقيدا، وأشدّ عسرا، وأخطر أثرا- بالإشارة إليها تلك الإشارة الخفية، لو صحّ أنّ الإشارة كانت إليها، ولما عرضها هذا العرض الخاطف، بل لجعلها قضية بذاتها، ولرسم حدودها، وبيّن معالمها، وموقف كل من الرجل والمرأة فيها.. وانظر كيف كان موقف الشريعة من التزوج بالإماء، وهنّ ما هنّ فى الحياة الاجتماعية التي كانت لهنّ. يقول الله تعالى بعد هذا مباشرة: «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» .

ففى الزواج من الإماء أمور: أولها: أن الزواج بهن لا يصار إليه إلا عند قلّة المال.. على خلاف زواج المتعة، الذي لا يمنع منه كثرة المال ولو كان القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، إذ لا يقصر المحلّون لزواج المتعة إباحته على المعسرين، بل هو- فى الواقع- للأغنياء قبل الفقراء. وثانيها: أنها تتزوج كزواج الحرة، أي زواجا مطلقا زمنه، غير محدود- وذلك على خلاف المتعة التي لا تصح- كما يقول القائلون بها إلا إذا نصّ فيها على زمن معين: ساعة، أو يوما، أو شهرا، أو سنة، أو سنين!. وثالثها: أن الأمة تحصن بالزواج، وتؤخذ بأحكامه، من طلاق، وعدّة، وإقامة حدّ، عند ثبوت الزنا: «فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ» .. وهذا يعنى أنها ذات كيان شخصى، واعتبار إنسانى، بما أضفاه عليها الزواج من مكانة فى المجتمع.. على خلاف المتعة، فإنها لم تشرّع لها الشريعة شيئا، لا فى كتاب الله، ولا فى سنة رسوله، وإنما كل ما تعلق بها من أحكام، هو من عمل القائلين بها، ومن تقديرهم لها. ورابعها: أن الزواج بالإماء- وإن أباحته الشريعة- هو أشبه بالمحظور، لا يصار إليه إلا عند العجز عن زواج الحرائر، وإلّا عند الحاجة التي يخشى معها المسلم الخطر على دينه.. «ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ» . هذا هو الوجه الذي يطلّ علينا من «الإماء» ، ونحن ننظر إليهن كزوجات. فما الوجه الذي تبرز لنا به «الحرائر» ، ونحن نرمى بأبصارنا إليهن وهن فى معرض «المتعة» ؟.

الحقّ أن زواج المتعة- على الرغم مما رسم له أصحابه من حدود، حين قالوا بالعدّة بعد انتهاء الأجل، وحين سمّوا الجعل الذي يجعله المتمتع للمرأة، مهرا، وعلى ما قرروه من نسبة الولد إلى من علقت به المرأة منه- على الرغم من كل هذا، فإنه ينزل بالمرأة إلى أدنى درجات الإنسانية، ولا يجعل منها عند المتمتع بها أكثر من أجيرة، تبيع عرضها لمن يدفع الثمن الذي يرضيها. وما ظنك بامرأة لا تسكن إلى بيت، ولا يكون لها عند الرجل أكثر من هذا القدر من المال الذي جعله لها نظير المتعة، فلا يلزمه لها طعام ولا كساء ولا سكن، وإنما كل الذي لها عند الرجل- على شريعة المتعاملين بها- هو المال الذي يتفق هو وهى عليه، مقابل تمتعه بها.. فأى امرأة هذه؟ وأي رابطة إنسانية بينها وبين الرجل؟ وأين ما يجده الرجل فى المرأة من سكن، ومخالطة روحية ونفسية، قبل المخالطة الجسدية؟ والله سبحانه وتعالى يذكرّ عباده بتلك النعمة الجليلة التي يجدها الرجل فى المرأة، إذ يقول: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة» .. فأين السّكن وأين المودة؟ وأين الرحمة فى زواج المتعة؟ وأين ما تجده المرأة فى رجل المتعة من قوامة عليها، والله سبحانه وتعالى يقول: «الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ» وكم تعاشر المرأة التي تعيش فى حياة المتعة من رجال؟ وكم تلتقى بوجوه من المتمتعين بها؟ عشرات ومئات! فهل يجد الرجل فى مثل هذه المرأة شيئا من العاطفة الإنسانية التي بين المرأة والرجل؟ وهل يجد إلا صورة من لحم ودم، أو بقية صورة من لحم ودم؟ وأين الحرمة القائمة على صيانة الأنساب وعدم اختلاطها؟ وهل لهذه العدة التي قررها أصحاب المتعة حرمة فى نفس امرأة المتعة التي تعيش مع الرجل ساعة أو ما هو أقل من ساعة؟ ذلك محال.

ثم أين البيت الذي يقوم على زواج المتعة؟ وأين الأسرة التي يضمها هذا البيت ويحتويها؟ يقول العاملون بالزواج المتعى: إنه مع إباحة المتعة عندهم، فإن البيوت قائمة، والأسر عامرة.. ولم يحل زواج المتعة بيننا وبين الزواج الدائم الذي شرعته الشريعة الإسلامية.. ونقول: هذا شاهد على أن زواج المتعة غير معتبر عند أصحابه، وأنه إذا أشبع شهوة الجسد، وأرضى مطالبه، فإنه لم يعد منه شىء على جانب القلب والروح، بل إنه ربّما زاد القلب ظمأ، والروح تطلعا إلى «المرأة» التي تسكن إلى الرجل ويسكن إليها.. ونسأل: أكان التسرّى، وامتلاء الدور بالإماء والجواري- قبل إلغاء الرق- أكان مغنيا عن «الزواج» وداعيا إلى الزهد فيه والعزوف عنه؟ إن هذا من ذك.. سواء بسواء. فإذا ذهبنا نسأل عن الحلال والحرام، وسألنا عن قوله تعالى: «وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» لم نجد لهذه الآية المحكمة مكانا بين المسلمين مع القول بإباحة المتعة.. فإنه مع المتعة لا مجال للتعفف حتى يجد الرجال المال الذي يمكنهم من الزواج، إذ كان فى استطاعة أي رجل أن يحصل على المرأة بالمتعة، ولو برغيف، أو مادون الرغيف- كما يقرر ذلك المشرعون للمتعة- بل إن الأمر لأهون من هذا، إذا اتفقت المرأة والرجل على المتعة ولو بتمرة يلتقطها الرجل من الأرض! إن الحياة الزوجية بمعناها الذي تقرر فى الشريعة الإسلامية، هى فطرة فى الإنسان، وما جاءت الشرائع لتقررها، وإنما كل ما جاءت به الشرائع هو

تنظيمها، وتوضيح معالمها، وحمايتها من الأمراض الوافدة عليها، والبدع الملتصقة بها.. بل إن فى كثير من أجناس الحيوان والطير ما يعقد صلته على حياة دائمة متصلة بين الذكر والأنثى، حتى لا يفرقهما إلا الموت، وحتى ليموت أحدهما أسى وحسرة بعد موت رفيقه، وشريك حياته، فلا تهنؤه حياة من بعده! وبعد.. فهل كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه- هو الذي عارض شريعة الله وحرم ما أحلّ الله من متعة؟ ولا نجد ردّا على هذا أبلغ مما ذكره الفخر الرازي فى تفسيره! يقول الرازي: «ذكر- أي عمر- هذا الكلام (أي ما قاله فى تحريم المتعة) فى خطبة، فى مجمع الصحابة، وما أنكر عليه أحد.. فالحال هنا لا يخلو. إمّا أن يقال إنهم كانوا عالمين بحرمة المتعة فسكتوا، أو كانوا عالمين بأنها مباحة، ولكنهم سكتوا على سبيل المداهنة، أو ما عرفوا بإباحتها ولا حرمتها فسكتوا لكونهم متوقّفين فى ذلك.. والأول- وهو علمهم بحرمة المتعة وسكوتهم- هو المطلوب، والثاني- وهو علمهم بإباحة المتعة وسكوتهم عن عمر- يوجب تكفير عمر، وتكفير الصحابة، لأن من علم أن النبىّ صلى الله عليه وسلم حكم بإباحة المتعة، ثم قال: إنها محرمة محظورة، من غير نسخ، فهو كافر بالله، ومن صدقه عليه، مع علمه بكونه مخطئا كافرا، كان كافرا أيضا، وهذا يقتضى تكفير الأمة. وهو على ضدّ قوله تعالى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» .. والثالث: وهو أنهم ما كانوا عالمين بكون المتعة مباحة أو محظورة، فلهذا سكتوا، فهذا أيضا باطل، لأن المتعة بتقدير كونها مباحة تكون كالنكاح. واحتياج الناس إلى معرفة الحال فى كل واحد منهما، عامة فى حق الكل،

ومثل هذا يمتنع أن يبقى خفيا، بل يجب أن يشتهر العلم به، فكما أن الكل كانوا عالمين بأن النكاح مباح، وأن إباحته غير منسوخة، وجب أن يكون الحال فى المتعة كذلك.. ولما بطل هذان القسمان- الثاني والثالث- ثبت أن الصحابة إنما سكتوا عن الإنكار على عمر لأنهم كانوا عالمين أن المتعة صارت منسوخة فى الإسلام» .. وننتهى من هذا إلى حقيقتين، ينبغى أن نقررهما فى هذا المقام: أولاهما: أن القرآن الكريم لم يجر فيه ذكر بإباحة المتعة، وأن الآية الكريمة، التي يستشهدون بها لهذا، وهى قوله تعالى: «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» إنما هى لتقرير حكم من أحكام الزواج الشرعي الدائم، وهذا الحكم، هو المهر الواجب لصحة عقد هذا الزواج. وثانيتهما: أن إباحة المتعة كانت مما أباحه الرسول الكريم- بإذن ربه- فى حال خاصة، حيث كان المجاهدون من المسلمين فى حال غربة، ولم يكونوا قد اصطحبوا نساءهم معهم، فخافوا الفتنة على أنفسهم، حتى أن بعضهم طلب الإذن لهم بالخصاء، كما أشرنا إلى ذلك فى الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود، رضى الله عنه، وهو قوله: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لنا نساء، فقلنا: ألا نستخصى؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب ثم قرأ علينا: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» .. وفى هذا الحديث: أولا: أن المسلمين لم يكونوا إلى تلك الواقعة قد أذنوا بشىء فى المتعة. وثانيا: أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي رخّص لهم، وأنه لم يتل عليهم

الآية التي قيل إنها نزلت فى المتعة، بل تلا عليهم، تلك الآية الكريمة التي تدعوهم إلى الإبقاء على العضو الذي يصل الرجل بالمرأة، وألا يحرموا أنفسهم التمتع بالنساء، وهن من الطيبات التي أحل الله لهم أن يتمتعوا بها.. فلو كانت للمتعة آية، لذكرها الرسول الكريم، ولأوضح للمسلمين مفهومها إن كانت فى حاجة إلى توضيح، وإلا لسكت الرسول حتى يأتيه أمر ربه بآية، أو وحي غير قرآنى.. فجاءه الوحى غير القرآنى، الذي أباح فيه الرسول للمسلمين المتعة فى تلك الحال، التي هى خروج على أصل التحريم لنكاح المتعة، بحكم الاضطرار فهى كما قال ابن عباس فيما روى عنه. «إنها تحل للمضطر، كما تحل الميتة والدم ولحم الخنزير» . ومما يستشهد به لإباحة المتعة عن طريق السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنى كنت أحللت هذه المتعة ألا وإن الله ورسوله قد حرّماها، ألا فليبلغ الشاهد الغائب» فقول الرسول الكريم: إنى كنت أحللت هذه المتعة» صريح فى أن هذا كان من السنة ومن عمل الرسول، وليس مما جاء به القرآن الكريم.. وفى قوله صلوات الله عليه «هذه المتعة» وفى الإشارة إليها على هذا الوجه، ما ينبىء عن سقوطها وتقذّرها. ويؤيد هذا، الحديث المروىّ عن رسول الله: «يا أيها الناس إنى أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء، ألا وإن الله قد حرمها إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن فليخلّ سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا» فقد أشار الرسول إلى نساء المتعة بقوله: «هذه النساء» ولم يقل هؤلاء النساء لصغار شأنهن، وأنهن فى حكم شىء واحد.. وفى قوله صلى الله عليه وسلم: «فمن كان عنده منهن» ولم يقل من كان عنده امرأة أو أكثر منهن، وذلك للإشارة إلى أن أنهن أشياء.. مجرد أشياء.. وفى قوله «منهن» إشارة ثالثة إلى أنهن صنف له وضع خاص فى المجتمع، وهو وضع مشين، يكنى عنه، ولا يصرّح به.

وعلى هذا فإن المتعة أبيحت بالسنّة فى حال خاصة، فى ظرف اضطراري، وأنها قد حرمت بالسنة بعد زوال هذا الظرف، وإن إباحتها كانت لأناس مخصوصين لا يجوز أن يلحق بهم غيرهم إلى يوم القيامة، وأن عمر بن الخطاب إنما كان موقفه منها هو توكيد هذا التحريم، وقطع الطريق على أولئك الذين أرادوا أن يجعلوا تلك الخصوصية التي كانت لهؤلاء الذين أباح لهم النبىّ المتعة- منسحبة إلى غيرهم إذا دعت داعيتها، وهى الاضطرار، بالانقطاع عن الأهل، فى جهاد أو سفر أو نحوهما.. أخرج مسلم فى صحيحه، عن أبى نضرة قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها، فذكرت ذلك لجابر (بن عبد الله) ، فقال: على يدى دار هذا الحديث، تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (أي فى حياته) فلما قام عمر (أي ولى الخلافة) قال: «إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، فأتموّا الحجّ والعمرة، وأبتّوا (أي اقطعوا) نكاح هذه النساء، فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة» أي حكم عليه حكم الزاني المحصن، حيث كان الذين يقعون تحت هذا الحكم هم من المحصنين الذين استطاعوا أن يتزوجوا بامرأة أو أكثر، ثم كانت المتعة عندهم مطلبا آخر، من مطالب المتعة، ولهذا اعتبرها «عمر» زنا صريحا.. وقول عمر: إن الله كان يحلّ لرسوله ما شاء بما شاء، هو صريح فى أن ذلك كان من خصوصيات الرسول، وأن إذنه فى حال خاصة، ولشخص أو أشخاص معينين، بما يأذن به، لا ينسحب إلى غيرهم، كما هو مقرر فى الشريعة باتفاق. وبعد:

فإن الكلام فى نكاح «المتعة» كثير، وهو- على أي حال- باب شرّ سدّه المسلمون، وأجمع أهل السنة جميعا على تحريمه، وإن كان لبعض الشيعة متعلّق به، وحجة عليه، لما ثبت من أن الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- كان قد أباحه فى ظرف خاص فى إحدى الغزوات التي طالت غربة المجاهدين فيها.. ثم ثبت عند أهل السنة أن الرسول حرّمه، بعد أن زالت الحال الداعية له ... فهو أشبه بالميتة التي يباح للإنسان التناول منها عند الاضطرار، وخوف الموت جوعا!. فلو أن نكاح المتعة كان مباحا على إطلاقه لفسد نظام المجتمع، ولا نحّلت روابط الأسرة، ولما رغب الرجال عنه إلى الزواج واحتمال تبعاته! بل ولما كان من الإسلام تلك العناية البالغة، التي أولاها لقضية الزواج، التي تكاد تكون أبرز وأهم قضية عرض لها التشريع الإسلامى، فوضع الحدود الواضحة المفصلة للزواج، والطلاق، والعدة، والرضاع، والميراث، وعرضها عرضا كاشفا، فى معارض مختلفة من النظم، حتى تتأكد وتتقرر. إن الطبيعة البشرية السليمة تعاف هذا المورد، وتأبى أن تقيم حياتها عليه.. بل إن الحياة الجاهلية لم تعرف نكاح المتعة، ولم تعترف به، وإن عرفت الزنا، وأطلقته، وغشى موردة الرجال والنساء، جهرة.. إلّا أنهم- مع هذا- كانوا يضعون «الزنا» بهذا الموضع الخسيس الذي هو له، ويعزلون النساء اللائي يحترفن هذا المنكر عن مجتمع الحرائر، ويفرضون عليهن أن يقمن على بيوتهن رايات، حتى يعرفن بها. إن نكاح المتعة هو الزنا متسترا بظلال الحلال، وهو أشبه بالنفاق الذي يخفى وجه صاحبه وراء كلمة الإيمان، يقولها المنافق بفمه، ولا يقيمها فى قلبه.. والزّنا الصّراح خير من هذا الزّنا المتخذ اسم المتعة مجازا له.. إذ كان

الآية: (25) [سورة النساء (4) : آية 25]

الزاني يزنى وهو يعلم يقينا أنه يأتى فاحشة، ويواقع منكرا.. ومثل هذا قد تكون له توبة إلى الله، واحتجاز عن هذه الفاحشة.. وليس كذلك من يزنى تحت اسم «المتعة» لأنه يحلّ هذا الحرام، ويستبيح تلك الفاحشة، بهذا المدخل الذي يدخل به إليها، ويرفع عن صدره الضيق والأذى، الذي كان يجده لو أتى ما أتى من غير أن يستصحب معه هذه الكلمة المنافقة.. كلمة «المتعة» !! الآية: (25) [سورة النساء (4) : آية 25] وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25) التفسير: قوله تعالى: «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا» . الطول: البلوغ إلى الشيء، والتمكن منه.. يقال: طال الشيء يطوله، إذا قدر عليه. والمراد به هو القدرة على التزوج من الحرائر المحصنات، وطول اليد لمهرهن، والنفقة عليهن. فلقد أباح الله سبحانه لمن قصرت يده عن التزوج من الحرائر، وخشى على نفسه الوقوع فى المعصية، وغشيان المنكر- أن يتزوج من الإماء، حيث مهرهن قليل، ونفقتهن يسيرة، بالنسبة للحرّة.. وذلك بعد إذن أهلهن، ومالكى رقابهن.

وفى قوله تعالى: «فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ» لمسة رقيقة رفيقة، من لمسات السماء، لتعطف القلوب على هؤلاء الفتيات، ولتفتح عليهن باب الأمل والرجاء، فى حياة كريمة، يجدنها فى آفاق الحياة الزوجية، ويخرجن بها عن دائرة العبودية، والامتهان!. فالأمة حين تتحول إلى زوجة لرجل حرّ، تصبح فى ضمان رجل يرعاها، ويتعهد شؤونها، ويقوم على أمرها، بعد أن كانت هملا مطلقا، لا ينظر إليها إلا كما ينظر إلى متاع أو حيوان! وانظر إلى رحمة الله، وإلى تدبيره سبحانه، فى مواساة الإماء، وتحرير رقابهن. فأولا: ما وصف به الإماء هنا، من أنهن فتيات، دون وصفهن بالإماء.. ثم إضافتهن إلى المجتمع الإسلامى، المخاطب بهذا الخطاب من رب العزة.. «فتياتكم» .. فهنّ بهذا الوصف من أبناء هذا المجتمع، ومن فتياته، ولسن من عالم غريب عنه. وثانيا: يأتى وصفهن بالمؤمنات، فى مقابل وصف الحرائر المحصنات بهذا الوصف.. «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ» فهؤلاء وأولئك جميعا- حرائر وإماء- على منزلة واحدة عند الله، فى التعرف إليه، والإيمان به.. وفى هذا المقام يكون التفاضل بين إنسان وإنسان.. فربما تبلغ الأمة بإيمانها منزلة رفيعة عند الله، تتقطع دونها أعناق كثير من الحرائر المؤمنات.. ولهذا جاء قوله تعالى بعد ذلك كاشفا عن هذه الحقيقة، ومنوها عنها: «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ» وبهذا الإيمان يفضل بعضكم بعضا، دون حساب للوضع الاجتماعى للحرّة أو الأمة.. ثم جاء قوله تعالى بعد ذلك: «بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ» مؤكدا لهذه الحقيقة، وأن الإيمان بالله، والعمل بمقتضى هذا الإيمان هو الذي يحدّد درجات

الناس عند الله، ويرفع منازلهم، إذ لا حرّ ولا عبد عند الله، الذي خلق الناس جميعا من نفس واحدة، وولّد بعضهم من بعض. وثالثا: فى قوله تعالى: «فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ» وفى إضافة الإماء إلى مالكى رقابهن وإلى من يجتمعن إليه من أقاربه- فى هذا ما يرفع الرقيق عن تلك المنزلة الدنيا التي ينزلها فى المجتمع، إلى منزلة الأهل والولد «أهلهن» . ورابعا: ما يشير إليه قوله تعالى: «وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» من أن الأمة كالحرّة فى أنها تستحق المهر عند الزواج، وأن هذا المهر من شأنه أن يكون لها، ولكن الوضع الاجتماعى جعلها هى وما تملك ملكا لمالكها.. وهذا الوضع يبدو قلقا مضطربا أمام قوله تعالى: «فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» الأمر الذي يحرج مالكها عن أن يتناول حقا هو لها.. وأما وقد أذن الله له أن يتناوله- مع هذا الحرج- فإن الطريق مفتوح لردّ الحق إلى أهله فى مستقبل الأيام! وخامسا: وأكثر من هذا كله، فى صنيع الإسلام للرقيق، وفى العمل على فك رقبته- ما أباحه للأحرار من التزوج بالإماء.. فهذه الإباحة تفتح بابا واسعا لتحرير الإماء، وتخليصهن من الرق.. وذلك أن الرجل إذا تزوج بالأمة، بعد إذن مالكها، تصبح من حرماته التي يغار عليها، ويعمل جاهدا على صونها ودفع أية شائبة تحوم حولها.. والأمة المتزوجة ليست خالصة ليد من تزوج بها.. فما زالت رقبتها ملكا لغيره، له أن يبيعها لغير من تزوج بها، بما تعلق بها من حق الزوج فيها.. وهذا وضع يشين الزوج، ويسوؤه فى زوجه، ويجرح كرامته، وخاصة إذا ولدت له هذه الزوجة، أو حظيت عنده بالمحبة.. ولا سبيل لإصلاح هذا الوضع، وإعطاء الزوج حقه كاملا فى زوجته إلا أن يعتقها من هذا الرق، فيعمل كل ما وسعه العمل للحصول على المال الذي يشتريها به من مالكها..

حتى إذا صارت إلى يده أطلقها، وحرّر رقبتها! ثم إن فى قوله تعالى: «مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ» - إثارة لشعور الرجل الذي تزوج بالأمة، أن يحصنها وأن يبعدها عن التبذل والامتهان، اللذين يغلبان على حياة الإماء.. فالزوجة الأمة، ليست هى الآن أمة فى الحياة الزوجية، وإنما هى زوجة، لها عند الرجل الحرّ ما للزوجة الحرة عند زوجها.. فإذا كان بعض الذين يتزوجون بالإماء يستخفّون بحرمتهنّ، ولا يجدون كبير حرج فى أن يظللن على حياتهن قبل الزواج من التبذل والامتهان- فإن فيما لفتهم الله سبحانه وتعالى إليه فى قوله جل شأنه: «مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ» - ما يوقظ فى نفوسهم نخوة الرجال، وغيرة الأحرار، وبسط أيديهم على أولئك الزوجات، الأمر الذي لا يستقيم إلا إذا تحررت الزوجات من الرّق وخلصت لأيديهم! هذا هو بعض تدبير الإسلام لمحاربة الرقّ، وتخليص هذه الآفة الإنسانية من جسم المجتمع البشرى.. وللإسلام أكثر من تدبير لمحاربة هذه الآفة، وسنعرض لذلك فى بحث خاص، إن شاء الله. وقوله تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ» . بيان لحكم الأمة إذا أحصنت بالزواج، ثم ثبت عليها الزّنا، وهو يقضى بأن يكون حدّها نصف حد المحصنة الحرّة! والمحصنة الحرّة إذا زنت كان حدّها الرّجم، فهل يمكن أن يكون حدّ الأمة نصف هذا الحد، وهو الرّجم؟ والرّجم مراد به الموت رجما بالحجارة، فكيف يقام نصف هذا الحدّ على الأمة؟ وهل ترجم نصف رجم، وتموت نصف موت؟ ذلك غير متصوّر!

والذي أخذ به هنا، واستقرّ عليه العمل إجماعا، هو أن تجلد الأمة خمسين جلدة، إذ كانت الحرّة غير المحصنة تجلد مائة جلدة! وهناك أمران يمكن أن ينظر إليهما، للأخذ بهذا الحكم، والاستناد عليهما، والاستئناس بهما فى قبوله.. وأول الأمرين: أن حدّ الزنا فى القرآن الكريم هو مائة جلدة للحرّة، لا فرق فى هذا بين محصنة، وغير محصنة.. أما الحكم برجم المحصنة فقد ثبت بالسنة المطهرة. وإذا كانت السنة المطهرة قد جاءت بعقوبة الرجم للمحصنة الحرة، ولم تتعرض للمحصنة الأمة، فيبقى الحكم القرآنى مسلطا على الأمة بإطلاقه، أي بالجلد، وبنصف المائة التي هى حد المحصنة. وثانى الأمرين: أن فى قوله تعالى: «فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ» إشارة إلى أن النص العامل فى عقوبة الأمة هو النص القرآنى فى قوله تعالى: «الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» فإن كلمة «العذاب» فى حدّ الأمة، وكلمة «عذابهما» فى حدّ الحرّين، الزانيين، تجعلان العقوبة هنا من نوع العقوبة هناك، وأنها جلد لا رجم، فيه عذاب، لا موت! وأما الحكمة فى أخذ الأمة بنصف عقوبة الحرّة فى جريمة الزّنا، تلك الجريمة التي لا تختلف آثارها باختلاف الأشخاص، ووصفهم الاجتماعى- فإن الإسلام نظر إلى تلك الجريمة هنا من أفق آخر، غير الأفق الذي نظر منه إليها فى حال تجريمها، وتأثيمها.. فالزّنا هو الزّنا، والسرقة هى السّرقة، ولكن هناك ظروف مخففة للجريمة، كالإكراه، والاضطرار، ونحوهما.. والأمة واقعة تحت

ظروف كثيرة، تجعلها تتعرض لارتكاب هذه الخطيئة أكثر من الحرة.. فهى (أولا) كانت قبل الزواج والإحصان مطلقة، تمارس هذه الجريمة دون تحرّج أو تأثّم، بل إن كثيرا من مالكى رقابهن كانوا يدفعونهنّ دفعا إلى هذا المنكر، ويكرهونهنّ عليه، لما يحصلن عليه من مال يعود آخر الأمر إلى السيد المالك.. ولهذا جاء أمر الله: «وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ» - جاء أمر الله هنا ناهيا عن الإكراه وحده.. وهذا لا يلزم الأمة أن تتعفف إذا هى لم ترد التعفف.. وهذا الوضع الذي كان للأمة قبل الزواج من التبذل والامتهان، يصطحبها إلى ما بعد الزواج، ويجعلها بمعرض الزلل، وفى مواجهة الخطيئة، بما كان لها من أصحاب وأخدان.. الأمر الذي من شأنه أن يكون عاملا مخففا للجريمة المقترفة منها فى هذا المجال.. أي بعد الزواج ومن جهة أخرى فإن يد الزوج على الأمة يد غير مطلقة، كما أشرنا إلى ذلك من قبل، وأنه إذا كان الزوج قد المنفعة، فإن سيدها لا زال يملك الرقبة.. وهو بهذا الوضع فى الجانب الأقوى بالنسبة للأمة، ولسلطانه عليها.. وهذا من شأنه أن يرخى يد الرجل عنها، وأن يقبلها على علاتها- الأمر الذي من شأنه أن يقيم للأمة المحصنة عاملا آخر للتخفيف فى العقوبة الواردة على الزنا.. وقوله تعالى: «ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ» إشارة إلى أن التزوج من الإماء لا يصار إليه إلا عند الضرورة، وتوقع الرجل عدم القدرة على مغالبة شهوته..

فالعنت والإعنات: الإرهاق والضيق من أمر لا تتسع النفس لاحتماله، ولا تقدر العزيمة على الإمساك به. فمن خشى من الرجال غير المحصنين، الذين لا يجدون فى أيديهم من المال ما ينالون به التزوج من الحرائر- من خشى منهم العنت وعدم احتمال التعفف، فإنه لا بأس من أن يتزوج من الإماء، بعد رضا مالكهن، وإيتاء المهر المطلوب لهن، مع مراقبتهن والعمل على صيانتهن من التبذل والاتصال بأخدانهنّ، حتى لا تشيع الفاحشة فى المجتمع. وفى قوله تعالى: «وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ» دعوة إلى الصبر واحتمال بعض العنت فى العزوبية، وترجيح جانب الإمساك عن التزوج بالإماء، على التزوج بهنّ، لما يثرن فى الحياة الزوجية، التي ينبغى أن تظللها العفة، ويحرسها التصون والشرف- من غبار الريبة، ودخان التبذل، وريح الفاحشة! وفى قوله تعالى: «وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» إماءة من طرف خفى إلى تجنب التزوج بالإماء، والصبر على العزوبية، وإن لقى منها صاحبها العنت فى الحفاظ على دينه ومروءته، وإن جرّه ذلك الموقف إلى أن يلمّ ببعض اللمم، بحيث لا يدنو من الفاحشة، ولا يحوّم حولها.. فإن لم يأمن ذلك فالزواج بالإماء خير، إذ يدفع شرّا بما هو أهون منه شرا.. والله سبحانه وتعالى يقول: «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ» (31- 32: النجم) ذلك، والقرآن الكريم إنما يخاطب هنا إنسانا مؤمنا، حريصا على دينه، متحرّيا النصح لنفسه، فى الحفاظ عليها مما يغضب ربه، ويفسد عليه دينه.. وليس الخطاب لإنسان يمكر بآيات الله، ويريد أن يتخذ من رحمة الله ولطفه بعباده،

الآيات: (26 - 28) [سورة النساء (4) : الآيات 26 إلى 28]

طريقا إلى تزيين الحرام، وإلباسه زىّ الحلال المباح، فذلك تمويه على النفس، وخداع لها.. وإن الحلال بيّن والحرام بيّن.. وإن إغماض العين عن الحرام، وأخذه مأخذ الحلال، لن يغير من صفته، ولن يقيم للإنسان عذرا عند الله، بل إن ذلك نفاق مع الله، ونفاق مع النفس، وهو أشد من الكفر.. ضلالا، وبلاء.. إن دين المرء أمانة بينه وبين ربه.. ليس لأحد سلطان عليه فى حفظ هذه الأمانة أو تضييعها، فله أن يحفظ أو يضيّع، وحسابه بعد ذلك على الله، وهو خير الحاسبين.. الآيات: (26- 28) [سورة النساء (4) : الآيات 26 الى 28] يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (28) التفسير: فى هذه الآيات الثلاث التي جاءت تعقيبا على تلك الأحكام التي شرعها الله للمسلمين، ووضع بها الحدود لما حرّم وأحلّ من النساء، ولما أباح من التزوج بالإماء لمن عجز عن التزوج بالحرائر، وخشى العنت- فى هذه الآيات الثلاث يكشف الله سبحانه وتعالى عن رحمته بالناس، فيما شرع لهم، وفضله عليهم فيما أباح لهم من طيبات، وفى هذا وذاك خير الناس وسعادتهم، إذا هم استقاموا على شرع الله، ووقفوا عند حدوده.

وقد صدّرت الآيات الثلاث بقوله سبحانه: «يُرِيدُ اللَّهُ» ، وفى ذلك ما يلفت النظر، ويدعو إلى التوقف والتأمل.. فإرادة الله سبحانه وتعالى، نافذة، لا مردّ لها، ولا معوق لنفاذها وإمضائها على الوجه الذي أراده.. «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (82: يس) وقد تعلقت بإرادة الله هنا أمور، تضمنتها الآيات الثلاث هى: أولا: بيان الأحكام، ووضع الحدود للمسلمين بين الحلال والحرام: «يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ» . ثانيا: أخذ المسلمين بالسنن التي أخذ الله بها الأمم من قبلهم، يبيّنها الله لهم ويهديهم إليها: «وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» . ثالثا: التوبة على المسلمين، مما ارتكبوا من آثام وخطايا.. «وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ» . رابعا: التوبة التي يريدها الله للمسلمين، يعارضها من جانب آخر، المفسدون وأصحاب الأهواء، إذ يريدون لهم الميل عن الصراط المستقيم الذي دعاهم الله إليه، وانحرافهم انحرافا حادا عنه. «وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً» خامسا: التخفيف عن المسلمين فيما أخذهم الله به من أحكام، حيث أنه سبحانه وتعالى يعلم ما فى الإنسان من ضعف، وما فى كيانه من قوى تنزع به إلى التخفف من أوامر الله، والتحلل من نواهيه.. «يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً» . والسؤال هنا: ماذا عن هذه المتعلقات التي تعلقت بإرادة الله؟ وهل هى ماضية نافذة؟. وهل لو كانت قد مضت ونفذت، أكان فى المسلمين المخاطبين بكلمات الله هذه، منحرف أو ضال؟

وكيف وهذه أحكام الله بيّنة، وحدوده واضحة؟ وكيف وإرادته متجهة إلى هدايتهم والتوبة عليهم؟ والذي نحبّ أن نفهم عليه إرادة الله سبحانه وتعالى هنا، وفى غيرها من المواضع المشابهة- هو «الطلب» غير الملزم، حتى يكون للإنسان مجال للاختيار بين الاستجابة للطلب، أو التأتّى عليه، وبهذا يشعر الإنسان بوجوده الذاتي، وبالمسئولية الملقاة عليه.. وعلى هذا يكون حسابه وجزاؤه، بالخير خيرا، وبالشر شرا.. وذلك فى كل أمر للإنسان فيه إرادة وعمل.. أما حين لا يكون لما يريده الله متعلّق بعمل العبد، فهى إرادة مطلقة نافذة.. فالإرادة فى قوله سبحانه: «يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» .. إرادة خالصة لله، لا متعلّق للعباد بها، لأنها تتعلق بشرع الله الذي يشرعه للمسلمين، كما شرعه لعباده من قبل على يد أنبيائه ورسله.. وعلى هذا فهى إرادة نافذة.. لأنه لا متعلّق للعباد بشرع الأحكام، وإقامة حدودها. أما الإرادة فى قوله تعالى: «وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً» فهى إرادة طلب، ودعوة، متجهة إلى العباد، ولهم أن يستجيبوا لهذا الطلب وأن يلبّوا تلك الدعوة، أو يتوقّفوا. فالله سبحانه، قد دعا عباده إلى التوبة، فى آيات كثيرة.. فقال تعالى: «وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (31: النور) وقال سبحانه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» (8: التحريم) . فمطلوب من العباد أن يتقدموا إلى الله بالتوبة، فإذا تابوا تاب الله

عليهم.. كما يقول سبحانه: «وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ» (25: الشورى) ويقول جل شأنه: «وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى» (82: طه) . وفى الإنسان نوازع تنزع به إلى الهوى، وتدفعه إلى الخروج على الطريق المستقيم، الذي دعاه الله إليه.. وفى محيط الإنسان شياطين من الإنس والجن، توحى إليه بالشر، وتوسوس له بالسوء، فيلتقى ذلك مع أهوائه ونوازعه، وهنا يقع الصراع بين ما فى قلبه من إيمان وتقوى، وبين هذه القوى المسلطة على إيمانه وتقواه.. فيكسب المعركة أو يخسرها، حسب بلائه فيها، وبذله لها. وبهذا يكون النصر محسوبا له، على حين تكون الهزيمة محمولة عليه.. وفى هذا يتفاوت الناس، ويختلفون منازل ودرجات عند الله، كلّ حسب عمله وبلائه. وأمّا إرادة التخفيف عن المسلمين، فيما أخذهم الله به من أحكام، فهى من حكمة الله، ورحمته، ليس لأحد أن ينازع الله فى حكمته، أو يمسك عن عباده مواطر رحمته.. لأنه لا متعلق لأحد بهذه الإرادة، ولا مطلوب فيها لأحد.. إنها خالصة من الله، لعباد الله. فالإرادة الإلهية، تكون تارة بمعنى الطلب، وهو أن يطلب الله سبحانه وتعالى من عباده أمرا، يدعوهم إلى تلبيته، والاستجابة له، لما فيه من خيرهم، وإسعادهم.. وهذا الطلب من الله، لا إلزام فيه، ولا قهر معه.. «وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ» (29: الكهف) . وتارة تكون الإرادة الإلهية بمعنى القضاء والحكم، وتلك إرادة نافذة لا تردّ.. «سُبْحانَهُ، إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (35: مريم) .. «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» (22: التوبة) .

الآيتان: (29 - 30) [سورة النساء (4) : الآيات 29 إلى 30]

هذا، وينبغى أن نذكر هنا، ونحن ننظر فى صفات الله وأفعاله أنها صفات وأفعال تغاير مغايرة مطلقة كل ما يقع فى تصوراتنا لها.. إنها ذات الله، وكما لا يمكن تصور ذات الله كذلك لا يمكن تصور صفاته وأفعاله! وأما ما جاء فى القرآن من صفات الله، من سمع، وبصر، وإرادة، وعلم، وقوة، وعزة، وغيرها، وما ورد من أفعاله، كالخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، والتكلّم، وغيرها- فكل ذلك محمول على طبيعة مدركاتنا وتصوراتنا، وعلى مدى ما تبلغ من إدراك وتصوّر.. وإذا كان لا بد أن يكون للإله الذي نعبده مفهوم عندنا- كان لا بدّ أن يكون له عندنا متصوّر لذاته وصفاته وأفعاله.. ولكن أي متصور نتصوره فالله سبحانه وتعالى وصفاته وأفعاله على خلافه.. فنحن نتصور الله سميعا، بصيرا، عالما، حكيما، قديرا.. ولكن لا بجوارح، ولا بأجهزة يعمل كل جهاز منها فى محيطه.. ونتصور الله سبحانه وتعالى، يخلق، ويرزق، ويتكلم، ويحيى، ويميت، ولكن لا يمكن تصوّر كنه هذه العمليات التي تتم بها أفعاله تلك، ولا الوجوه لله تكون عليها، ولو وقع ذلك وأمكن، لكان الله محدودا يمكن ضبط صورة لذاته وصفاته وأفعاله، وتعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. الآيتان: (29- 30) [سورة النساء (4) : الآيات 29 الى 30] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30)

التفسير: هذه دعوة من الله إلى عباده، ومطلوب من مطلوباته إليهم، بل قل إرادة يريدها الله منهم.. وتلك الإرادة، هى ألا يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل!. وإذ كان «المال» هو مبتغى الناس، ورغيبتهم، فيه يتنافسون، وله يعملون ويكدحون، ومن أجله، وفى سبيله تتصادم رغباتهم، ويقع الشرّ والعدوان بينهم، فيبغى بعضهم على بعض، ويغمط بعضهم حقّ بعض، فى صور وأشكال مختلفة.. من السرقة والاغتصاب، والاحتيال، والغش والخداع، والاحتكار، إلى غير ذلك مما هو واقع فى معترك الحياة بين الناس- إذ كان ذلك كذلك فقد كثرت وصايا الإسلام إلى الناس فى «المال» وفى رسم الحدود التي تمسك به فى دائرة النفع العام والخاص، ليؤدى وظيفته كنعمة من أجلّ النعم التي أنعم الله بها على عباده.. ولم تقف نظرة الإسلام إلى المال عند أفق واحد.. بل امتدت نظرته إليه فشملت جميع الآفاق التي يكون للمال مكان فيها.. فى كسب المال وفى إنفاقه.. فى يد من يملك ومن لا يملك.. فى الميراث والورثة.. فى ملك اليتامى والسفهاء، وفى يد الأولياء والأوصياء عليهم.. إلى غير ذلك من الوجوه التي يرى فيها المال واقعا فى يد فرد أو جماعة. وفى قوله تعالى: «لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ» إشارة إلى أن المال مائدة ممدودة من الله سبحانه لعباده، يأكلون منها، وأن لكل إنسان حظّه من هذا المال، وأن من وقع إلى يده قدر منه على حين خلت أيدى الجماعة التي حوله، أو قصرت عن أن تنال شيئا منه، كان واجبا عليه أن يعطى مما فى يده لمن حوله، إذ من غير المستساغ أن يأكل والناس المشتركون معه على المائدة، لا يأكلون..

وفى كلمة «أموالكم» المضافة إلى المؤمنين جميعا، وكلمة «بينكم» - الظرف المكانىّ الجامع لهم جميعا- فى هذا ما يشير إلى وحدة الملكية للمال، ووحدة الاجتماع فى المكان.. وفى هذا وذاك ما يجعل الوحدة الشعورية بالتكافل بين هذه الجماعة، أمرا واجبا، إن لم تقض به شريعة السماء، ولم يدع إليه دين الله، قضت به المروءة، ودعت إليه!. وهذا هو البرّ الذي دعا إليه القرآن.. فقال تعالى: «لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ» (92: آل عمران) .. وقال سبحانه: «لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ» (177: البقرة) ومن تدبير القرآن الكريم فى هذا، أنه لم يجعل هذه المائدة المشاعة بين الناس قائمة على قانون مادىّ قهرى، إذ لا سبيل إلى قانون يحمى بنصوصه ومواده، العدوان والبغي، وتسلط الأقوياء على الضعفاء، وإلا كان عليه أن يقيم وازعا من سلطانه على رأس كل إنسان.. يمسك بيده، ويدفع بغيه وعدوانه، وذلك أمر محال، وإنما جعل الإسلام ذلك إلى مشاعر الجماعة ووجدانها، بما أيقظ فيها من نوازع الخير، ودوافع الإحسان، وبما غذّاها به من فضله وإحسانه، وبما وعدها من حسن المثوبة، وعظيم الجزاء، فى الدنيا، وفى الآخرة جميعا.. «وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» . وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ» (39: الروم) .. فتلك المشاعر الحيّة، وهذه الوجدانات المتفتحة لرحمة الله، الراغبة فى حسن

الجزاء عنده، هى الحارس الذي لا يغفل، وهى الوازع الذي يقوم حجازا بين ظلم الناس للناس، وبغى الناس على الناس. وقوله تعالى: «إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ» هو استثناء متصل، وليس استثناء منفصلا كما ذهب إلى ذلك الزمخشري، وأكثر المفسّرين.. فالتجارة: هى من تلك المائدة الممدودة بين الناس «أموالكم» ، بل هى الوجه الواضح من هذه المائدة، إذ كانت أكثر الأموال دائرة فى فلك التجارة، متداولة بين أيدى الناس عن طريقها.. وفى عمليات التجارة، ربح وخسارة. وفى جانب الربح قد يحصل كثير من الناس على أموال طائلة..! وهذه الأموال التي ربحها الرابحون هى خسارة قد خسرها آخرون! والصورة فى جانب الرّبح تبدو وكأنها أكل لأموال الناس بالباطل، ذلك الأكل الذي ورد صدر الآية الكريمة بالنهى عنه! فهل هذا المال- مال الربح فى التجارة أيا كان من الكثرة- هل هو داخل فى هذا المال المنهي عن أكله بالباطل؟ وهل يتناوله الحكم الواقع عليه؟ هذا ما استثناه الله تعالى فى قوله: «إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ» . فهذا المال ليس من الباطل فى شىء.. هو مال حلال، إذ جاء عن عمليات بيع وشراء، لا قهر فيها، ولا تدليس أو غشّ، بين البائعين والمشترين. وفى قوله تعالى: «وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً» دعوة إلى صيانة الأنفس وحفظها، بعد الدعوة إلى صيانة الأموال وحفظها..

الآية: (31) [سورة النساء (4) : آية 31]

وقدمت الدعوة إلى صيانة المال على الدعوة إلى صيانة الأنفس، لأن المال هو قوام الحياة للأنفس، ولا حياة لها بغيره، فكانت صيانته مقدمة على صيانتها! ويقع قتل النفس على صور كثيرة. فقد يقتل الإنسان نفسه بنفسه.. وذلك بأن يعرضها للتهلكة عن عمد فى غير إحقاق حق أو إبطال باطل. أو بأن يصرفها عن الإيمان إلى الكفر. ويحارب الله ورسوله والمؤمنين. أو بأن يعتدى على حرمات الغير، ويستبيح أموالهم ويأكلها بالباطل، أو يستبيح دماءهم، ويزهق أرواحهم بغير حق. فكل هذه من بعض الوجوه التي يقتل بها الإنسان نفسه. وقد توعّد الله سبحانه من يرتكب هذا الفعل المنكر بالعذاب الأليم فى قوله سبحانه: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً» فما جزاء هذا العدوان وذلك الظلم إلا هذا العقاب الأليم، فإن من لا يرحم نفسه، ولا يرحم الناس، لا تناله رحمة الله، الذي أطمعنا فى رحمته، وبسط لنا يده بها.. «إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً» . الآية: (31) [سورة النساء (4) : آية 31] إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً (31) التفسير: هذا تعقيب على مطلوبات الله من عباده، وما دعاهم إليه أو نهاهم عنه فى الآيات السابقة، فى شأن اليتامى، والنساء، وفى حفظ الأموال والدماء.

وفى هذا التعقيب رحمة واسعة من رحمات الله بالناس، وفضل كبير من أفضاله على عباده.. ففى النّاس ضعف يعلمه الله الذي خلقهم، وقليل منهم أولئك الذين يستقيم خطوهم على طريق الله استقامة كاملة، لا يضطرب فيها خطوه، أو تزل فيها قدمه! ولو يأخذ الله النّاس على كلّ انحرافة ينحرفونها، أو زلة يزلّونها لما نجا منهم أحد، ولا دخل عند الله مداخل الإحسان والرضوان.. إنسان. وقد جاء هذا التعقيب الكريم، من ربّ كريم، ليفتح لعباده أبواب إحسانه ورضوانه، فيدخلوا فى سعة من رحمته ورضوانه، إذا هم اجتنبوا الكبائر، وعصموا أنفسهم منها، وخافوا الله فيها.. والكبائر أولها الكفر بالله، والشرك به. ثم يتبع ذلك أعمال الجوارح، كالقتل، والزنا، وشرب الخمر. فإذا تجنب العبد هذه الكبائر، ثم كانت منه زلة أو سقطة فيما وراءها، كانت رحمة الله قريبة منه، تمحو ما ارتكب من صغائر، بما اجتنب من كبائر! وهذا ما يشير إليه قوله تعالى بعد ذلك: «نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً» .. وهذا ما أشار إليه سبحانه فى قوله: «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ» (32: النجم) فما أوسع رحمة الله وما أعظم فضله.

الآية: (32) [سورة النساء (4) : آية 32]

الآية: (32) [سورة النساء (4) : آية 32] وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (32) التفسير: فى الآية قبل السابقة، دعا الله سبحانه وتعالى إلى صيانة الأموال، وإلى قتل الأهواء، التي تنزع بالنّاس إلى أكل أموال بعضهم بعضا بالباطل. وإذ كان المال- كما أشرنا إلى ذلك من قبل- هو القوة المحركة، للناس، كما أنه هو القوة الدافعة إلى عدوان بعضهم على بعض، فإن الإسلام قد أولى المال عناية خاصة، وحرسه وحرس الناس، من دواعى الفساد التي تدبّ إليه وإليهم، فينقلب هو إلى نقمة بعد أن كان نعمة، ويتحول الناس إلى وحوش ضاربة، بعد أن كانوا بشرا سويا، أرادهم الله لعمران الحياة، وخلافته على هذه الأرض. وفى هذه الآية وجه آخر من الوجوه التي يكشفها الإسلام للمال، ويكشف منه الداء الذي لو لم يتنبه الناس إليه، لأفسد حياتهم، واغتال أمنهم واستقرارهم. وهذا الوجه هو تفاوت الناس فيما يقع لأيديهم من مال، هذا التفاوت الذي قد تبعد مسافاته من بين يملك القناطير منه، ومن لا يملك شيئا.. فيكون فى الناس الغنىّ الواسع الغنى، الذي يكاد يموت كظّة وتخمة، والفقير الذي يوشك أن يموت جوعا ومسغبة. ولا شك أن هذا وضع من شأنه أن يثير فى النفوس- نفوس الفقراء والمحرومين- مشاعر الحسرة والألم، ونوازع الضغينة والحسد، على أولئك الذين يملكون ولا يعطون، ويموتون تخمة ويضنون بلقيمات تمسك رمق أولئك الذين يموتون جوعا- الأمر الذي إذا استشرى فى الجماعة، وتسلط على

تفكيرها وشعورها، أثار فيها عواصف الفرقة، التي قد تصل إلى التناحر والقتال! وقد جاء الإسلام إلى الأغنياء بوصاياه التي تجعل من أموالهم التي فى أيديهم حقوقا لإخوانهم الفقراء، إن قصّروا عن الوفاء بها كانوا بمعرض من نقمته وبلائه فى الدنيا، وعذابه الأليم لهم فى الآخرة.. وكان من نقم الله عليهم فى الدنيا أن يسلط عليهم الفقراء، فيفسدوا حياتهم، ولا يقيموهم فيها على جناح أمن وطمأنينة! ثم جاء الإسلام من جهة أخرى إلى الفقراء، فكانت وصاته لهم ألّا ينفسوا على الأغنياء ما فى أيديهم، وألا يحسدوهم على هذا الذي نالوه من حظوظ الدنيا، وأن يروّضوا أنفسهم على الصبر على ما قسم الله لهم، بعد أن يعملوا فى كل وجه متاح لهم من وجوه العمل، وأن يأخذا بما دعا الله عباده إليه من السّعي والجدّ لتحصيل الرزق: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ» (15 الملك) . فإذا أخذ الأغنياء بما وصّاهم الله به من رعاية حقوق الفقراء، وأخذ الفقراء، بما دعاهم الله إليه من غض أبصارهم عما فى أيدى غيرهم، مما لم تنله أيديهم- إذا أخذ هؤلاء وهؤلاء بما وصاهم الله به، التقوا جميعا لقاء الأخوة، لقاء المودة والحبّ، وصلح أمرهم جميعا، فلا يذهب الغنىّ بغناه، ولا يستبدّ به، ولا ينطوى الفقير مع فقره، ويموت به! هذا هو الوجه الذي نفهم عليه قوله تعالى: «وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ» . وإن كان للآية وجوه أخرى كثيرة بعيدة عن جوّ الآية، قد فهمها عليه أكثر المفسرين. وفى قوله تعالى: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ» ما يكمل الصورة التي فهمنا عليها صدر الآية.. ففى قول الله:

«لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ» هذا، دعوة إلى الكسب، وإلى السعى الجادّ فى وجوه الرزق. دعوة للرجال وللنساء معا.. فالعمل، والعمل وحده، هو وسيلة الرزق الطبيعية، ومن لا يعمل، فقد تمنّى على الله الأمانى، وفرض على الناس أن يعملوا، وهو متدثر بثوب الكسل والخمول، لينال من ثمرة عملهم، ويعيش من عرق جبينهم، وهذا عدوان على المجتمع، كما هو عدوان على نفسه وظلم لها، إذ رضى أن يكون عالة على الناس، وكائنا غريبا يعيش فيهم، كما تعيش الحشرات.. وفى ذلك إهدار لآدميته، وتضييع لكرامته!! وليس أبرّ بالإنسانية، وأرعى لكرامتها، من دعوة الإسلام تلك، إلى العمل والكسب، حتى المرأة، لم يعفها الإسلام من العمل إذا لم يكن من ورائها زوج، أو ولد، أو أخ.. يقوم بمطالبها، ويسد حاجتها.. وفى قوله تعالى: «وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ» تأكيد للدعوة إلى العمل، والسعى فى طلب الرزق، والأخذ بأسبابه من وجوهه المشروعة، فإذا كان ذلك، كان للإنسان أن يسأل الله العون والتوفيق، فما الرزق الذي يرزقه العاملون إلّا من فضل الله.. أما أن ينصرف الإنسان عن العمل، ولا يأخذ بأسباب الرزق، ثم يدعو الله أن يرزقه، فقد ضلّ الطريق إلى الله، وقطع بينه وبين ربّه الأسباب. ولمحة مشرقة نلمحها فى قوله تعالى: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ» وهذه اللمحة تكشف لنا عما فى كلمة «نصيب» من معطيات، تملأ القلب جلالا وروعة. فقد جاءت كلمة «نصيب» مخالفة لما نتوقع فى هذا المقام.. حيث يأخذ الإنسان كلّ ما اكسب، لا نصيبا مما اكسب، إذ أنه كسبه كله ليده..

فكيف تجىء كلمة «نصيب» هنا؟ وما حكمة مجيئها؟ والجواب، وهو بعض ما نستلهمه منها.. هو: أولا: أنه إذا كان العامل يأخذه ليده كل ثمرة عمله، فذلك هو حقّه.. ولكن إذا صار هذا الحق ملكا له، فإن ملكيته له غير خالصة، إذ أن فى هذه الثمرة، أو فى هذا المال حقوقا للغير.. لذوى القربى، واليتامى، والمساكين وابن السبيل.. ثم قبل هذا كلّه حق الله، وهو الزكاة! فما يكسبه المرء من عمله ليس خالصا له، وإنما له نصيب فيه، كما لله ولعباد الله نصيب فيه أيضا، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ» (24- 25: المعارج) وهذا ما ينبغى أن يقع فى شعور صاحب المال، وأن يتصرف فى ماله بمقتضى هذا الشعور.. وإلا كان معتديا على حقّ الله، وحق عباد الله.. وثانيا: أنه إذا أدى صاحب المال حق الله وحق الفقراء والمساكين فى ما له، كان له الحق فى أن ينفرد بنصيبه هو، وأن ينال به ما أحل الله من طيبات.. وهذا شعور ينبغى أن يستشعره الفقراء حيال الأغنياء، الذين يؤدون ما فى أموالهم من حقوق، وعلى هذا، يجب ألا ينظر الفقراء إلى الأغنياء، وما ينالون من نعم الله، نظرة حسد، أو حنق.. وإلا كانوا ظالمين معتدين!! فإن من حق العامل أن يذوق ثمرة عمله، وألا يحول بينه وبينها من لا ثمرة لهم، ممن لا يعملون، والله سبحانه يقول: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ» . وما العلم إلا ثمرة من ثمار العمل. ذلك هو حكم الله فى عباده، يأخذهم به فى الدنيا، وينزلهم عليه فى الآخرة!.

الآية: (33) [سورة النساء (4) : آية 33]

الآية: (33) [سورة النساء (4) : آية 33] وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (33) التفسير: بيّن الله سبحانه وتعالى فى الآية السابقة: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ» - ما للعامل من حق فى أن يجنى ثمرة عمله، وأن ينعم بنصيبه منها، بعد أن يؤدى ما لله وما للعباد عليها من حقوق، وذلك ليستحثّ الذين لا يعملون على العمل، وعلى ألّا ينظروا إلى ما فى يد العاملين من ثمرات أعمالهم. ولم يقف القرآن الكريم عند هذا، من إقرار حق العامل فى ثمرة عمله، بل جعل لقرابة هذا العامل، وذوى رحمه، متعلّقا بهذه الثمرة، يرثونها بعد موته.. فهم أولى الناس به، وهو أحرص الناس على نفعهم، وسوق الخير إليهم.. ولهذا جاء قوله تعالى فى هذه الآية: «وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ» مقررا هذا الحق للورثة فى قريبهم الذي ترك خيرا من بعده. والمعنى: ولكل من الرجال والنساء الذين أشار إليهم سبحانه وتعالى بقوله: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ» .. لكل من هؤلاء الرجال والنساء جعلنا لهم موالى- أي ورثة- يرثونهم، فيما خلّفوا وراءهم من مال ومتاع، وهذا ما أشار إليه سبحانه فى آيات المواريث أول هذه السورة: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً» . والمولى يطلق على معان كثيرة، منها: القريب، والناصر، والمعين، والسيد،

والعبد.. والمراد به هنا أقارب المرء وعصبته الذين يرثونه. وقوله تعالى: «وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ» إشارة إلى من تربطهم بالمرء رابطة غير رابطة القرابة والدم، ممن يتبناهم الإنسان، أو يدخلهم فى حياته مدخل الأهل والأقارب، إذ شدّ يمينه بهم، واحتسبهم بعضا منه فى خيره وشرّه- هؤلاء قد يرون أن لهم حقّا فيما ترك المورّث، الذي كانوا منه، وكان منهم، وقد جاء صدر الآية الكريمة قاصرا ما ترك المورّث على قرابته، وهم مواليه: «وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ» - وفى هذا ما يصدم مشاعرهم، ويفجعهم فى آمالهم، التي كانوا يعيشون بها مع هذا الذي عقدت أيمانهم معه. ولهذا جاء قوله تعالى: «وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ» وما نصيبهم وقد ذهب الورثة بالميراث كلّه؟ وإنهم لا بد أن يكون لهم نصيب فيما ترك صاحبهم.. وتقدير هذا النصيب متروك للورثة، يؤدونه لهم، على أي وجه، وعلى أية صورة! ليكن مالا يطيبون به خاطرهم.. أو ليكن مودّة، وحبّا، ومخالطة.. أو ليكن مناصرة، ومعاونة فى الشدائد.. أو غير ذلك مما كان الميت يعاشرهم عليه ويؤثرهم به.. ولهذا جاء قوله تعالى: «فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ» خطابا للموالى، الذي ورثوا مال مورثهم، بأن يعطوا هؤلاء الذين أضافهم مورّثهم إليه- شيئا مما كان يعود عليهم به هذا المورث، من مال، أو مودة، أو نحو هذا.. ولنا فى هذا المقام أن نستحضر قوله تعالى: «وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا

الآيتان: (34 - 35) [سورة النساء (4) : الآيات 34 إلى 35]

الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (8: النساء) ، ففى هذا تطييب لتلك النفوس التي حضرت القسمة.. وهؤلاء الذين خالطهم المورث واختلط بهم، هم ممن حضروا القسمة، فإن لم يحسبوا فى حساب الورثة، فليكونوا فى حساب ذوى القربى ممن لا ميراث لهم. هذا ما أجمع عليه المفسّرون فى تفسير قوله تعالى: «وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ» ولكن الفهم الذي أستريح إليه، هو أن المراد بالذين عقدت أيمانكم، هم الأزواج والزوجات، إذ كان لهم نصيب مفروض فى الميراث، مثل ما فرض لموالى الإنسان وعصبته، ولكن كلمة «الموالي» لم تشملهن، فكان قوله تعالى «وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ» بيانا لحقّ الزوجين فى ميراث كل منهما لصاحبه.. وليس هناك عقد يمين أوثق من العقد الذي عقده الله بين الزوجين.. الآيتان: (34- 35) [سورة النساء (4) : الآيات 34 الى 35] الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (34) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً (35) التفسير: كما فضل الله النّاس بعضهم على بعض، لحكمة أرادها وتقدير

قدّره، كذلك فضل الله الرجال على النساء.. إذ كانوا فرعى شجرة الإنسانية.. فرع الذكورة، وفرع الأنوثة.. وهذا الفضل لا يعطى للرجال حقّ التسلط والقهر للنساه.. فهما معا يكملان الكائن الإنسانى الصالح للحياة، وواحد منهما لا حياة له، ولا بقاء، فى هذه الدنيا.. فكل منهما يناظر الآخر ويكمله.. وهذا لا يمنع من أن يكون أحدهما أولا، والآخر ثانيا، كما كان أحدهما ذكرا والآخر أنثى.. ولو كانا على درجة واحدة، لكانا كائنا واحدا.. ذكرا، أو أنثى! وهذا- كما قلنا- ما لا تقوم عليه حياة الكائنات الحية، ومنها- بل ومن أولها- الإنسان! وليس بعيب المرأة أو يذرى من قدرها أن تكون العدد الثاني فى العددين: واحد، وواحد، ليكون مجموعهما اثنين، كما يقول سبحانه وتعالى: «وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً» (8: النبأ) . فقوامة الرجل على المرأة فى قوله تعالى: «الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ، هى قوامة وظيفية، يقتضيها نظام الحياة، الذي جمع بينهما، ولو لم يكن للرجل حقّ القوامة، للزم أن يكون للمرأة هذا الحق.. إذ أنه لا بد أن يكون أحدهما أولا والآخر ثانيا.. وقوله تعالى: «بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ» يكشف عن المزايا التي من أجلها كان الرجل قوّاما على المرأة، ولم تكن المرأة قوّامه على الرجل.. فقد خصّ الله الرجل بمزايا تجعله أقدر على قيادة الركب الذي ينتظمه والمرأة معا، وينتظم معهما ما يثمران من بنين وبنات. وهذه المزايا التي أعطت الرجل حقّ القوامة على المرأة- لم تقررها الشريعة إلا بعد أن نضجت فى بوتقة التجربة الإنسانية، على مدى الحياة التي

اجتمع فيها الرجل والمرأة، منذ كان الناس، وكان الرجال والنساء! وما قررته الشريعة ليس إلا اعترافا بواقع، وتصويرا لأمر مشهود، وليس إنشاء لوضع جديد بين الرجل والمرأة. فالرجل أقوى من المرأة عموما، وأقدر على السعى فى وجوه الحياة، وكفالة حاجات المرأة والأولاد.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ» فالرجل- فى أي زمان ومكان- مطالب عرفا ووضعا وشرعا بالإنفاق على زوجه وولده.. فإذا أخلت المرأة للرجل مكان القوامة، وأسلمته زمامها، فما ذلك إلا لأن يد الرجل أقوى على الإمساك بهذا الزمام، وأقدر على الوفاء بما تقتضيه تلك القوامة من أعباء! وكما أن بين الرجال والنساء درجة فى التفاضل، كذلك بين النساء درجة أو درجات فى الفضل، فليس كل النساء على سواء، فى الخلق وحسن العشرة. «فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ» . فهذا هو الوجه الطيب المشرق من النساء.. صالحات، قانتات، حافظات للغيب بما حفظ الله.. وهذا ما يشير إليه النبي الكريم فى قوله: «خير النساء امرأت إذا نظرت إليها سرّتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك فى نفسها ومالك» . وهناك الوجه الآخر من النساء.. مكفهرّ.. غائم، يرمى بالرعد والبرق. ومثل هذا الجوّ المضطرب، يفسد حياة الرجل، وحياة الأسرة كلها معه. ومن حكمة الحكيم العليم ألّا يعجل بالعقوبة حتى يأخذ صاحبها بالنصح، وبالوعد، وبالوعيد، فإن ارعوى الغاوىء عن غيّه، ورجع الضالّ عن ضلاله، فلنفسه ابتغى الخير، وليده جمع ما جمع منه.

ولهذا دعا الله سبحانه وتعالى الرجال الذين يبتلون بالمرأة المعوجّة، ألا يعجلوا بالخلاص منها، فقد يكون داؤها عارضا، وقد يكون فى بعض الدواء ما يذهب بدائها.. «وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ..» .. إنها مراحل ثلاث، يقطعها الرجل مع المرأة التي لا يتّسق خطوها مع خطوه، ولا ينتظم شأنها مع شأنه.. العظة أولا، وإسداء النصح، بالكلمة اللينة.. وقد تقبل المرأة هذا الدواء، ويكون فيه شفاؤها، وإصلاح أمرها.. وهذا علاج نفسىّ. ثم تجىء المرحلة الثانية لمن لم تنفعها الموعظة، ولم تؤثّر فيها الكلمة الطيبة.. وهى الهجر فى المضاجع!. وهذا عقاب بدني ونفسى معا.. فإذا كان فى ذلك شفاؤها من دائها، عاد إليها الزوج بصفحه ومودته ورحمته.. وإلا كانت المرحلة الثالثة.. وهى الضرب! وهو عقاب بدني خالص.. وينبغى أن يكون هذا الضرب أولا وأخيرا تحت شعور التأديب والإصلاح، كما يؤدّب الأب صغاره.. فإن مال إلى التشفّي والانتقام كان عدوانا «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» . وفى قوله تعالى: «فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا» رسم للطريق القويم لهذه المرحلة، وضبط لحدودها.. وفى قوله سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً» تذكير للرجال بما لله من سلطان، فى علوّه وكبريائه، وأنهم إذا بسطوا أيديهم بالبغي ومجاوزة الحدّ، كانت يد الله مبسوطة عليهم بالعقاب والانتقام!

وفى قوله تعالى: «وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها» .. هو بيان للمرحلة الرابعة، التي يقطعها الزوج مع الزوجة المستعصية على العلاج. وذلك أنه إذا انتهت المراحل الثلاث، دون أن ينصلح أمر المرأة، أصبح الأمر بين الزوجين مؤذنا بالفراق، الذي يحسم ما نشأ بينهما من اختلاف وفرقة.. ويجىء التدبير السماوي قبل عملية البتر هذه، فيستدعى اثنين من أهل الخير، أحدهما من قبل الزوجة، والآخر من جهة الزوج، ليكون لهما نظر وراء نظر كل من المرأة والرجل، وليدرسا أسباب الخلاف بينهما، وليتعرفا على موطن الداء لهذا الخلاف.. وقد يريان الداء، ويجدان له الدواء.. وبهذا يعدل عن عملية البتر هذه، ويعود للحياة الزوجية صفاؤها وإشراقها.. وإلا كان البتر هو الدواء لهذا الداء.. وفى قوله تعالى: «إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما» إيقاظ لمشاعر الخير والإحسان فى الحكمين، ليكونا رسولى سلام، فى هذه السفارة التي ندبهما الله سبحانه وتعالى لها.. فإنهما إن ابتغيا الخير، وأرادا الإصلاح، كان لهما من الله عون وتوفيق، فيلتقيان على ما يصلح أمر الزوجين ويمسك عليهما ذلك الرباط الوثيق الذي وثقه الله بينهما. وانظر فى رعاية الله سبحانه وتعالى لرباط الزوجية، وتقديره لها.. وكيف جاءت الشريعة الإسلامية بأكثر من دواء، لما يدبّ بين الزوجين من خلاف.. حتى فى الأحوال التي يستفحل فيها الداء، ويكون اليأس أقرب من الأمل فى شفائه! وانظر كيف يقع «الطلاق» بعد هذه المرحلة الطويلة، من احتمال الداء

الآيات: (36 - 39) [سورة النساء (4) : الآيات 36 إلى 39]

واستنفاد كل وسائل العلاج.. إنه لم يقع إلا حين لم يكن من وقوعه بدّ، وإلا حين كانت الحياة الزوجية بعد هذا نقمة وبلاء، على الرجل والمرأة معا. فالذين يحسمون الحياة الزوجية ويقطعون حبلها، لأول بادرة، وبكلمة واحدة.. لم يلتزموا شرع الله، ولم يأخذوا به.. بل هم معتدون آثمون. والذين يأخذون على الإسلام هذه الظواهر المريضة التي يرونها فيما يقع من صور الطلاق، على هذا الوجه المجافى للشرع.. ظلمة مفترون! الآيات: (36- 39) [سورة النساء (4) : الآيات 36 الى 39] وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً (36) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (37) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (38) وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (39) التفسير: الآيات السابقة كانت حديثا إلى الناس، فيما يتصل بذات أنفسهم، من شئون المال، والزواج، وما يقع بين الناس من ظلم وعدوان، حين تتعارض مصالحهم، وتختلف آراؤهم، وأرزاقهم.. فيكون فيهم الغنىّ والفقير، ومن يملك الكثير مما يتجاوز حدود حاجته، ومن يملك القليل الذي لا يشبع جوعته..

وإذ لفت الله النّاس فى تلك الآيات إلى الطريق القويم، الذي ينبغى أن يلتزموه، ويقيموا خطوهم عليه، حتى لا يقع بينهم صدام، ينتهى إلى تقطيع الأرحام، وسفك الدماء- فكان من تدبير الحكيم العليم، أن يدعوهم إليه، وأن يستحثهم إلى عبادته وطاعته. حتى تمتلىء قلوبهم إيمانا به، وخشية له، وتوقيرا لأوامره ونواهيه، وبهذا يكون لما وصّاهم به سبحانه من البر بأنفسهم، والعدل فيما بينهم، والتراحم بين أغنيائهم وفقرائهم، وأقويائهم وضعفائهم- يكون لهذا مكانه من قلوبهم، وأثره فى تصرفاتهم، وفى سلامة نوازعهم، واستقامة سلوكهم. «وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» . فإذا أخذ العبد نفسه بطاعة الله ووجه إليه وجهه خالصا، قانتا، خاشعا، غير ملتفت إلى سواه، ولا ناظر إلى غيره- وجد لخشية الله سطوة تملك عليه أهواءه، ولجلاله خشية يستحى معها أن يصرف وجهه عن الله، ويسلم يده لنزواته ونزعاته.. وبهذا يجد لوصايا الله مكانا متمكنا من نفسه، يعصمه من أن ينحرف، أو يزلّ. والدعوة إلى عبادة الله دعوة عامة، تتوجه إلى عباده جميعا،. فهم جميعا مدعوّون إلى رحابه، لينالوا رضاه، وينعموا برحمته.. وليس لأحد أن يحجز أحدا عن الله، أو يصدّه عن سبيله، بحجّة أن دعوة الله قاصرة عليه، أو على قومه، وبنى جنسه.. فذلك عدوان على الله، وكفر به، فوق أنه عدوان على الناس ومصادرة لحق مشروع لهم.. فالطريق إلى الله مفتوح لكل إنسان، يفتح قلبه لله، ويوجه وجهه إليه.. وأنه إذا كان لأحد أن يحول بين إنسان وبين غاياته التي يتغيّاها فى الحياة، أو أن يسلبه شيئا ملكه واستحوذ عليه، فليس فى مستطاع أحد أن يحول بين

الإنسان وربّه، أو أن يمدّ يده إلى الإيمان الذي سكن قلبه فينتزعه منه، فذلك لا سلطان لأحد عليه، وإنما أمر ذلك كله إلى الإنسان نفسه، وإلى ما فى قلبه من إيمان.. إن شاء أمسك هذا الإيمان، وإن شاء أرسله! فإذا آمن الإنسان بالله، وتعبّد لله.. كان عبدا ربّانيا، يجيب دعوته، ويمتثل أمره.. وفى قوله تعالى: «وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً» أمر من أمر الله، ووصاة من وصاياه، بل هو الأمر الأول، والوصاة الأولى، بعد الأمر بالإيمان به، والوصاة بعبادته وطاعته.. فالإحسان إلى الوالدين حقّ من حقوقهما على المولودين، إذ كان لهما أثر فى وجود الأبناء، وفى البلوغ بهم مبلغ الحياة. وقوله سبحانه: «وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ» . يبين به الله سبحانه أصحاب الحقوق الواجبة على الإنسان نحوهم، إمّا لصلة قرابة تجمعهم إليه، وتجعلهم بعضا منه، أو تجعله بعضا منهم.. وإما لصلة إنسانية عامة، تلك الصلة التي تقوم على أساس أن الفرد عضو فى الجسد الاجتماعى كلّه، وأن كل عضو سليم فى هذا الجسد من واجبه أن يحمل بعض أعباء الأعضاء المريضة فيه، شأن الجسد حين تضعف فيه حاسة، أو تعجز عن العمل، فتتولى أقرب الحواس إليها، وأشكلها بها، أداء وظيفتها بوجه أو بآخر حتى يستقيم للجسد أمره.. فذوو القربى.. هم من الإنسان وهو منهم.. ولهم على الإنسان أكثر من حق.. حق القرابة، وحق الإنسانية.

واليتامى والمساكين.. أعضاء ضعيفة فى الجسد الاجتماعى.. ولهم على الإنسان حق، هو حقّ بعض الجسد على بعض. والجار ذو القربى، له حق القرابة، وحق الجوار، وحق الإنسان على الإنسان. والجار الجنب له حقان: حق الجوار، وحق الإنسانية.. والصاحب بالجنب، هو الصديق المرافق، الذي يجده الإنسان إلى جنبه فى شدته ورخائه.. وهذا له حق الصداقة مع حق الإنسانية. وابن السبيل.. هو المسافر الذي يقطع الطريق بغير مركب أو زاد.. وسمّى ابن السبيل، وأضيف إليه، لأنه لا أهل له، ولا رفيق، غير الطريق الذي ركبه فى سفره.. فهو غريب، ضعيف.. له حق الضعيف على القوى، وحق الإنسان على الإنسان!. وما ملكت أيمانكم.. وهم الأرقاء، الذين ملك غيرهم وجودهم كله، فهم أضعف الضعفاء.. وحقهم على أصحابهم أولا، ثم حقهم على المجتمع كله ثانيا.. فهؤلاء جميعا هم أصحاب حقوق على الإنسانية كلها.. يتقاضونها أولا ممن هم أقرب إليهم، وأولى بهم، من أهل، وأقارب، وجيران، وأصحاب، وسادة. فكل إنسان فى المجتمع الإنسانى مدعوّ- فى شريعة الإسلام- إلى أداء حقوق لمجتمعه، يبدأ فيها بأبويه، ثم بذوي قرابته، ثم باليتامى والمساكين، ثم بالجيران من ذوى قرابته، ثم بالجيران ممن لا قرابة لهم، ثم الأصدقاء، ثم أبناء السبيل، ثم الأرقاء.. فإن فضل عنده فضل من عطاء، فليضعه حيث يشاء، فيما ينفع الناس ويعينهم. وفى قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً» تعقيب على

هذه الدعوة إلى البر والإحسان، والتواصل بين الناس.. وفى هذا التعقيب إشارة إلى أنه لا يتقبل هذه الدعوة الكريمة، ولا يفى بها إلّا من استشعر قلبه الأخوة، فوصل نفسه بالناس، واختلط بهم، وتحسس مواقع الآلام، ومواطن العلل فيهم.. وذلك لا يكون إلا من إنسان آمن بأنه ابن هذه الإنسانية، وأن الناس جميعا شركاء له فى هذا النسب.. أما من عزل نفسه عن الناس، وغرّه بذاته الغرور، وملكه العجب، واستبدّ به الكبر، بما آتاه الله، من مال، أو صحة، أو علم، فرأى أنه من عالم غير عالم الناس، ومن طينة غير طينتهم- فإنه لا يأخذ منهم ولا يعطى، ولا يمدّ إلى أحد يدا، ولا يقبل أن يمد إليه أحد يدا.. إن المسافة بينهم وبينه بعيدة.. إنهم أرض وهو سماء.. وأين الأرض وأين السماء؟ ولهذا كان قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً» كاشفا عن هذا الصنف المتعالي المتغطرس من الناس، ذلك الصنف الذي لو وجد إنسانا تتعلق حياته على قطرة ماء لما التفت إليه، ولما مد يده نحوه بتلك القطرة، ولو كانت الأنهار تجرى من تحته! وفى هذا التعقيب إشارة إلى اليهود، إذ هم الذين عزلوا أنفسهم عن المجتمع الإنسانى، وعدّوا أنفسهم خلقا آخر غير خلق الناس- ونسبوا أنفسهم إلى الله نسبة لا يشاركهم فيها غيرهم، فقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، وسمّوا شعبهم شعب الله المختار! وفى قوله تعالى: «الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» ما يكشف عن تلك الإشارة التي ضمّت عليها كلمات الله فى قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً» ..

فهؤلاء المختالون الفخورون، الذين يبغضهم الله، هم الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل. فقد بخل اليهود بما عندهم من علم الكتاب، وضنّوا به، فلم يقم منهم داعية يدعو إلى دين الله، ويبشر به بين العباد، من غير اليهود.. فكتموا دين الله، وبخلوا به، مع أنه يزداد على الإنفاق والإعطاء نورا إلى نور، وألقا إلى ألق! بل وأكثر من هذا، فإنهم تواصوا بالبخل، ودعا بعضهم بعضا إليه.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ» (76: البقرة) . وكما بخلوا بما عندهم من علم الكتاب، بخلوا بما فى أيديهم من مال، بل إن بخلهم بالمال كان مضرب المثل فى الدنيا كلها، إذ لا يعرف شعب من الشعوب استبدّ به هذا الداء مثل اليهود.. وفى قوله تعالى: يَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» إشارة صريحة بعد تلك الإشارتين المضمرتين إلى اليهود، وما بخلوا به.. فقد كتموا ما أتاهم الله من فضله من كتاب، فيه هدى ورحمة للعالمين.. ولم يقفوا عند هذا، بل كتموا الدلائل والبشريات التي عرفوها فى كتابهم هذا، عن النبي محمد، وقد كانت تلك الدلائل وهذه البشريات مصباحا يضىء لهم الطريق إلى الدّين الجديد، قبل أن تلوح شعاعات فجره الوليد.. ولكنهم آثروا أن يمسكوا هذه الدلائل بين أيديهم، وأن يكتموا النّاس أمرها، وأن يترصّدوا مطلع النبيّ الجديد، ليسبقوا إليه، ويستحوزوا عليه، ويستخلصوه لهم من دون الناس.. فكان أن حرمهم الله هذا الخير، وأورد الناس جميعا موارده. غير اليهود!!

وهكذا كان الجزاء عدلا وفاقا. مكروا فمكر الله بهم، وأرادوا حرمان الناس، فحرمهم الله. وفى قوله تعالى: «وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً» خطاب عام بالجزاء الذي سيلقاه كل كافر، وهو العذاب المهين، وأول من يقع عليه هذا الجزاء هم اليهود، الذين كفروا بمحمد وبما فى يده من كتاب الله الذي فى أيديهم خبره.. فهم المواجهون بهذا الخطاب، الذي يتناولهم أولا، ويمتد إلى غيرهم من الكافرين ثانيا.. وقوله تعالى: «وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً» .. هو عطف على قوله تعالى: «الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ» .. فهذا الصنف من الناس كصنف اليهود الذين غضب الله عليهم وأعدّ لهم عذابا مهينا. فإذا كان اليهود قد بخلوا أثرة وشحّا، فهؤلاء أنفقوا مباهاة ورياء. وإذا كان اليهود كفروا بالله واليوم الآخر عن علم، فهؤلاء كفروا بالله واليوم الآخر عن كبر وحمق.. وهؤلاء وأولئك قد استقادوا للشيطان ووضعوا أيديهم فى يده، وصحبوه إلى حيث يريد، ولن يريد لهم الشيطان إلا الضلال، ولن يوقعهم إلا فى الهلاك. وقوله تعالى: «وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً» هو استنكار لموقفهم الذي وقفوه من الهدى والخير، ودعوة مجدّدة لهم إلى الإيمان بالله واليوم الآخر والإنفاق مما رزقهم الله.. فالله من ورائهم محيط، يحصى عليهم أعمالهم من خير أو شر، ويجزيهم على الخير خيرا وزيادة، وبالشر شرا، ويعفو عن كثير.

الآيات: (40 - 42) [سورة النساء (4) : الآيات 40 إلى 42]

الآيات: (40- 42) [سورة النساء (4) : الآيات 40 الى 42] إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (40) فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (42) التفسير: هذا حكم الله بين عباده، لا يظلمهم مثقال ذرة، بل يوفّون حسابهم عليها، فإن كانت سيئة حوسبوا بقدرها، وإن كانت حسنة جوزوا بأضعافها.. فهذا من فضل الله ورحمته بعباده، السيئة سيئة، والحسنة حسنات.. عشرة أو عشرات، أو مئات.. والله يضاعف لمن يشاء: «وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً» . وفى قوله تعالى: «فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً» عرض ليوم القيامة، وما يلقى الناس فيه، جزاء ما عملوا من خير أو شر. والشهيد: هو الشاهد الذي تطلب شهادته فى أمر هو عليم به. والأنبياء هم شهداء على أقوامهم، فيما كان منهم من قبول أو إعراض- والنبي الكريم هو شهيد على أمته.. يؤدى الشهادة فيهم بين يدى الله، ثم يكون حكم الله فيهم، بمقتضى ما شهد به النبىّ، والذي لا يشهد إلا بالحق الذي يعلمه الله. وفى هذا اليوم، الذي يدعى فيه الشهداء، وتسمع فيه شهادتهم.. يخزى

الآية: (43) [سورة النساء (4) : آية 43]

الكافرون، ويبلسون، بما قدمت أيديهم، ويودّون لو كانوا ترابا فى التراب.. ولكن لا مفر لهم، وقد أحاطت بهم خطيئاتهم، وجاءت شهادة الرسل مسجلة عليهم آثامهم، ثم استنطقهم الله فنطقوا، وشهدت عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون.. الآية: (43) [سورة النساء (4) : آية 43] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (43) [الصلاة وشارب الخمر] يكاد يجمع المفسّرون والفقهاء، على أن قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ» من المنسوخ، وأن بقية الآية محكم لم ينسخ! ونحن على رأينا من أنه ليس فى القرآن نسخ، وأن كلّ آية متلوّة فيه، عاملة غير معطلة.. ولكن ماذا يقول القائلون بالنسخ فى آية متماسكة النظم، متلاحمة البناء كهذه الآية: ينسخ بعضها، ويبقى بعضها من غير نسخ؟ ثم ماذا يقولون فى فعل مسلط على أمرين بحكم واحد، ثم يسقط أحد

الأمرين ويبقى الآخر؟ فأية قوة خارقة تدخل على هذا الفعل، فتفلت من سلطانه أحد الأمرين وتستبقى الآخر..؟ استمع إلى قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ.. وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ» . فإن النهى عن مقاربة الصلاة تسلّط على حالين، حال السكر، وحال الجنابة.. وقد نصب قوله تعالى: «وَلا جُنُباً» بالعطف على قوله سبحانه: «وَأَنْتُمْ سُكارى» الذي هو جملة حالية فى محل نصب. فكيف ينسخ النهى عن مقاربة الصلاة حال السكر، ولا ينسخ النهى عن مقاربتها حال الجنابة، والفعل مسلط عليهما معا؟ وندع هذا، ففيه مجال للقول والجدل.. ونسأل: هل إذا أمر المسلمون بأمر إلهى، استجابوا له، واستقاموا عليه والتزموه؟ .. المفروض هو هذا، والمطلوب هو هذا أيضا.. ولكن المفروض شىء، والواقع شىء.. والمطلوب شىء، والوفاء به شىء آخر.. إن من شأن الناس ألا يكونوا على حال واحدة أبدا.. ففيهم المطيع، وفيهم العاصي، ومنهم المستقيم، وكثير منهم المعوجّ.. «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ» (2: التغابن) .. «وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ» (103: يوسف) .

هكذا هم الناس.. بل هكذا هو الإنسان.. يستقيم وينحرف، ويطيع ويعصى. ومن أجل هذا قام شرع الله، وقامت حدود الله، وكان الثواب، وكان العقاب! فالمسلمون إذا نهوا عن الخمر، مثلا، كان واجبا عليهم أن يمتثلوا أمر الله، وأن ينتهوا عما نهوا عنه.. ولكن الواجب- كما قلنا- شىء، والوفاء به شىء آخر.. وقد شرب كثير من المسلمين الخمر، حتى فى الصدر الأول للإسلام، وفى عهد الخلافة الراشدة.. وقصة أبى محجن الثقفي المجاهد فى جيش سعد بن أبى وقاص معروفة.. فقد ضبط متلبسا بشربها، وأقام عليه سعد الحدّ أكثر من مرة.. ثم حبسه، ووضع القيد فى رجله.. ثم التحم المسلمون مع الروم فى معركة كاد يهزم فيها المسلمون، وعند ما رأى أبو محجن من محبسه أن الدائرة ستدور على المسلمين، احتال حتى خرج من محبسه وفك من قيوده، وركب فرس سعد، وقاتل قتالا مستبسلا عرفه له كل من شهد المعركة، وإن لم يعرف شخصه.. وانتهت الموقعة بانتصار المسلمين، كما انتهت بانتهاء أبى محجن عن شرب الخمر!! والأمر لا يحتاج فى هذا إلى شواهد.. فإن هذا المنكر- أي الخمر- لم يعتزله المسلمون جميعا، بل كان منهم فى كل عصر، وفى كل بلد، من يشرب الخمر وتأخذه سكرتها، ويغشاه خمارها، حتى لا يكاد يفيق! ونعم، الخمر كبيرة، بل وكبيرة الكبائر.. آثم من يلمّ بها، أو يعاقرها! هذا حكم لا خلاف فيه بين المسلمين.. ولكن ما حكم من يشرب الخمر من المسلمين، ثم يريد أن يؤدّى «الصلاة» ؟ أتحرم عليه الصلاة، ويحال بينه وبينها!

إن القول بنسخ الآية- أو صدر الآية- لا يسقط عنه فريضة الصلاة، ولا يحول بينه وبينها. فالآية الناسخة لهذه الآية هى قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» (90- 91: المائدة) - هذا النسخ للآية السابقة- إذا أخذ به- لا يحول بين المسلم الذي شرب الخمر وبين أن يؤدى الصلاة. فالخمر جريمة، والصلاة قربة لله.. تلك سيئة، وهذه حسنة، ولا يمنع اقتراف السيئات من فعل الحسنات، والله سبحانه وتعالى يقول: «وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ» (114: هود) . وكيف يحال بين المسلم العاصي، وبين أن يفعل القربات، التي تكفّر سيئاته، وتصحح إيمانه؟ وكيف بالصلاة، وهى عماد الإسلام وملاك أمره؟ وأنّى للمسلم العاصي أن يدخل مداخل الطاعة، ويحسب فى الطائعين، بغير الصلاة، التي يقول الله سبحانه وتعالى فيها: «وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ» (45: العنكبوت) ؟ وإذ ننظر فى قوله سبحانه: «وَأَقِمِ الصَّلاةَ.. إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ» نجد أنه دعوة عامة للمسلمين جميعا أن يقيموا الصلاة. وأن حظ المسيئين منها أكثر من حظ المحسنين.. إذ كان المحسنون بإحسانهم، على الصحة

والسلامة، لا تزيدهم الصلاة إلا إيمانا على إيمان، وهدى إلى هدى.. أما المسيئون.. فهم مرضى.. أصحاب آفات وعلل، ومرتكبو فواحش وآثام.. فهم أشد الناس حاجة إلى الدواء الذي يذهب بدائهم هذا، ويطهرهم من الآثام التي أحاطت بهم.. وليس غير الصلاة، مطهرة للآثام، مغفرة للذنوب، مدعاة إلى الاستقامة والتقوى: «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ» . إن الآية الناسخة إذن لا تنهى المسلم العاصي عن إتيان الصلاة، إذا كان مبتلى بشرب الخمر.. ولكن كيف يؤدّى الصلاة وهو معاقر الخمر، مصاب بخمارها لا يدرى ما يقول؟ هنا يأتى قوله تعالى: «لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ» وهنا تعطى الآية حكمها فى هذه الحال.. وبهذا تكون عاملة غير منسوخة، فإن القول بنسخها- حكما لا تلاوة- يدعو إلى القول بأن شارب الخمر لا يصلى أبدا، سواء أكان يدرى ما يقول، أم لا يدرى.. وهذا مالا يقول به أحد! ونسأل: ما داعية القول بنسخ هذه الآية؟ وما الحكمة فى ضرب بعض القرآن ببعض؟ خاصة إذا كانت الآية تعطى حكما مطلوبا، لا نجده فى الآية التي يقال إنها ناسخة لها؟ إذن فإن ذلك القول بالنسخ هنا لا مفهوم له أبدا.. بل إنه ليبدو لنا أشبه بالقتل العمد لنفس حرم الله قتلها!! فالمسلم.. الذي يتأثّم بشرب الخمر.. منهى عن إتيان الصلاة حتى يفيق إفاقة تامة من السكر، ليعلم ما يقول، ولينتفع بهذا الموقف الذي يقفه بين يدى الله.

وهذا الانتقال السريع من الإثم إلى الطاعة، والانخلاع من متابعة الشيطان إلى ملاقاة الله- هذا الانتقال من شأنه أن يحدث فى النفس هزّة مزلزلة، وأن يثير فى كيان الإنسان انقلابا عاصفا، حين يرى تلك المفارقة العجيبة البعيدة بين الموقفين اللذين وقفهما، والذي لا يبعد أحدهما عن الآخر غير خطوة.. إنه فى هذا الموقف- أكثر من غيره- يدرك فرق ما بين الضلال والهدى، والظلام والنور، ومتابعة الشيطان، ولقاء وجه الرحمن.. إن هذا الموقف جدير به أن يحمل الإنسان- فى قوة- على مخالفة هواه، والرجوع إلى الله، رجوعا لا يلتفت بعده إلى وراء أبدا!! قوله تعالى: «وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا» هو عطف على قوله سبحانه: «وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ» وهما- أي المتعاطفان- واقعان تحت حكم النهى فى قوله تعالى «لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ..» فكما لا يقرب شارب الخمر الصلاة حتى يفيق ويعلم ما يقول، كذلك لا يقرب الجنب الصلاة حتى يتطهر بالاغتسال..! أي لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها وأنتم جنب حتى تغتسلوا. إن شأن الصلاة عظيم، وأمرها جليل، وإذ كان هذا شأنها وذلك أمرها، فإنه يجب ألا يدخل حماها، ولا يتلبّس بها إلّا من كان أهلا لأن يلقاها، وبأنس بها، ويتجاوب معها، ويستشعر جلال الله على سنا أضوائها.. والمخمور غير أهل لهذا اللقاء.. حتى يفيق ويتخلص خماره، ويعود إليه عازب عقله ويستردّ إنسانيته التي افتقدها مع سكرته- والجنب غير أهل هذا اللقاء أيضا.. حتى يغتسل ويتطهر، وينزع عنه بهذا الاغتسال ما تلبّس به من مشاعر الحيوانية، ليعود إنسانا، كما كان من قبل أن يتلبس بما تلبس به! والجنب، والجنابة: كناية عن مباشرة النساء.

وقوله تعالى: «إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ» هو استثناء من الحكم الوارد على الجنب بألا يقرب الصّلاة حتى يغتسل.. فإن كان عابر سبيل، لا يجد ماء.. فله حكم غير هذا الحكم، ستشير إليه الآية فيما بعد. قوله تعالى: «وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ» . هذا استثناء من حكم عام، وهو الوضوء للصلاة قبل الدخول فى الصلاة.. والمستثنون من هذا الحكم هم أصحاب معاذير: افتضت رحمة الله بهم التخفيف عنهم، وأخذهم بحكم خاص، غير هذا الحكم العام الذي يجرى على من لا عذر لهم.. وأصحاب المعاذير هنا هم: 1- من كان مريضا.. أي المريض الذي يعجزه مرضه عن استعمال الماء. 2- أو من كان على سفر.. سواء أكان السفر طويلا أم قصيرا، مادام قد بعد عن أهله وبلده. 3- من انتقض وضوؤه، بخروج شىء من أحد السبيلين.. ولو كان صحيحا سليما- إذا لم يجد الماء، أو وجده وأضرّ به استعماله، وهو المشار إليه بقوله تعالى: «أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ» .. والغائط هو المكان المنخفض، وهو كناية عن قضاء الحاجة، حيث تقضى فى مكان لا يقع تحت أعين الناس. 4- من كان جنبا.. ولو كان سليما معافى لا يضره استعمال الماء، ولكنه لا يجده. فهؤلاء.. إذا لم يجدوا الماء أو وجدوه وأضرّ بهم استعماله، كان التيمم بديلا لهم من الماء، فى أداء الصلاة..

فالمريض، الذي يمنعه مرضه من استعمال الماء، له التيمم مع وجود الماء، وكذلك شأن المسافر، إذا كان معه من الماء مالا يفيض عن حاجته فى طعامه وشرابه.. والتيمم معناه القصد، والاتجاه، والصعيد ما ارتفع من الأرض، وصعد. والمراد بقوله تعالى: «فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً» اختيار مكان طاهر من الأرض، ليمسح منه على الوجه واليدين، قبل الدخول فى الصلاة.. والإشارة إلى الصعيد، لمظنّة أنه بمنأى من الخبث والقذر، حيث يعلو عن استعمال الناس، والتلوث بالقذارات.. فليس المراد مجرّد العلوّ لاختيار المكان الذي يمسح منه، وإنما القصد أن يكون طيبا طاهرا، ولهذا جاء قوله تعالى: «صَعِيداً طَيِّباً» قيدا للصفة التي يكون عليها هذا الصعيد، وهو أن يكون طيبا، إذ قد يكون صعيدا، ولكنه ملوث بالخبث والقذر. وهنا أمر نحبّ أن يشير إليه، وهو ما فى قوله تعالى: «وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» حيث أطلق الجنابة، ولم يقيدها. إن كانت عن حلال أو حرام! وهذا يعنى أن «الزاني» جنب، وأنه حين يريد الصلاة ينبغى أن يتطهر بالاغتسال، أو التيمم، حسب الحكم الذي يقتضيه حاله، شأنه فى ذلك شأن «الجنب» الذي واقع زوجه! أما جريمة «الزنا» التي اقترفها، فلها حكمها الخاص بها.. ولا متعلق لها بفريضة الصلاة المفروضة عليه. نقول هذا، لنشير به إلى ما سبق أن قررناه فى شأن شارب الخمر، الذي إذا أراد أن يؤدى فريضة الصلاة، فإن له أن يؤديها، ولكن بعد أن. يفيق من

سكره ويعلم ما يقول.. تماما، كما يغتسل «الزاني» ويتطهر من الجنابة قبل الدخول فى الصلاة. وفى قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً» نجد دعوة كريمة، من رب كريم، عفوّ غفور، يدعو هؤلاء المذنبين إليه.. من شاربى خمر، أو زناة، ليدخلوا فى رحابه، وليرفعوا وجوههم إليه وليخبتوا له، ساجدين راكعين.. عسى الله أن يتوب عليهم، ويغفر لهم.. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً» .. وما أوسع رحمة الله، وما أعظم فضله، إذ بسط يده بالعفو وبالمغفرة، قبل أن يسعى إليها الساعون، ويطلبها العصاة المذنبون. هذا، ونودّ أن نلتقى بالآية الكريمة لقاء خاصّا، نستشفّ منه بعض أسرارها التي تلوّح بها من بعيد، ليكون فيها تبصرة وذكرى لأولى الألباب! ففى قوله تعالى: «وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ» - ما يسأل عنه، وهو هذا القيد الوارد على إباحة التيمم، عند عدم وجود الماء- هل هو منسحب إلى جميع أصحاب هذه الأعذار.. وهم المرضى، ومن كان على سفر، ومن جاء من الغائط، ومن لامس النساء؟ وكلّا.. فإن المريض سواء وجد الماء أو لم يجده، قد رخّص له فى التيمم، وقام مرضه فى دفع الحرج عنه مقام عدم وجود الماء.. وإلا لما كان لذكره هنا وجه.. فإن عدم وجود الماء هو عذر للصحيح أيضا، فلا وضوء عليه الصلاة، بل يجزيه التيمم، الذي هو طهارة له، والتي هى شرط للدخول فى الصلاة.. وسؤال آخر، وهو: أيلحق المسافر فى الحكم بالمريض، فيباح له التيمم،

سواء وجد الماء أم لم يجده، أم أنه يلحق بمن ذكر بعده، وهو من جاء من الغائط أو لامس النساء.. حيث لا يباح لهما التيمم إلا عند فقدان الماء؟ هنا يطالعنا وجه من وجوه الإعجاز القرآنى، نلمحه فى ترتيب أصحاب هذه الأعذار المبيحة للتيمم، حيث بدأ بالأقوى عذرا، فمن دونه، وهكذا.. فالمريض.. صاحب عذر واضح فى إباحة التيمم له، بحيث لا ينتقض هذا العذر بوجود الماء. أما المسافر.. فهو على حال دون المريض، ولكنه شبيه بالمريض فى بعض ما يحيط به من أحوال.. فهو ضعيف لانقطاعه عن أهله، ولسوء تغذيته، ولمكابدته مشاق السفر.. فهو- والحال كذلك- فى حكم المريض، وإن لم يكن مريضا، ولهذا جاء تاليا للمريض فى ترتيبه بين أصحاب الأعذار.. وعلى هذا، فإن له أن يأخذ بحكم المريض، فينتفع برخصة التيمم، مع وجود الماء، وهذا هو سرّ ذكره بين أصحاب الأعذار، ليكون السفر عذرا له، كما يكون فقدان الماء عذرا لغير المسافر.. كمن جاء من الغائط أو لامس النساء. هذا، ولا نستطيع أن نرفع أبصارنا عن هذه الآية الكريمة دون أن نملا العين من هذا النظم العجيب الذي جاءت عليه، وهى تقرر أحكاما، وتصدر تشريعا.. الأمر الذي لا يلتفت معه كثيرا إلى الصياغة البلاغية، التي كثيرا ما تجوز على التحديد والتقنين المطلوبين لتقرير الأحكام.. ولكنه القرآن الكريم، وكلام ربّ العالمين، يجمع الحسن كلّه، ويستوفى الكمال جميعه. والذي شدّ أبصارنا وبصائرنا من نظم هذه الآية الكريمة هو قوله تعالى: «أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ» فقد جاء هذا المقطع من الآية الكريمة مخالفا لنسق النظم الذي جاءت عليه الآية، فيما سبقه، أو لحقه منها- فالآية تخاطب المؤمنين فى صيغة الجمع.. «وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ

الآيات: (44 - 46) [سورة النساء (4) : الآيات 44 إلى 46]

أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً..» وينفرد هذا المقطع: «أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ» بأنه حديث عن الغائب المفرد.. ولو جاء على نسق النظم فى الآية كلها لجاء هكذا: «أو جئتم من الغائط» . فما سرّ هذا؟ وأكاد أنصرف عن بيان هذا السرّ، الذي يكاد لا يكون سرّا، بعد أن يواجهه المقطع المعدول عنه، والذي كان من المتوقع أن يحلّ محلّه.. هكذا: «أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ» .. «أو جئتم من الغائط» . ولكن لا بأس من أن نكشف هذا السرّ بعد أن انكشف، إذ لا تزال وراءه أسرار كثيرة لم تنكشف لنا، ولعلها تنكشف لمن يطلبها ويمعن النظر فيها.. ففى قوله تعالى: «أَوْ جاءَ أَحَدٌ» تنكير وإخفاء وستر لهذا الذي جاء من الغائط، بعد أن كان عريانا، يباشر عملا يحبّ أن يستره ولا يطلع أحد عليه. ثم هو من جهة أخرى احترام لحياء المخاطبين، حتى لكأنهم لا يفعلون هذا الفعل الذي هو ضرورة ملزمة لكل حىّ.. والذي هو عمل يأتيه كلّ إنسان.. ولكنه أدب الحديث، الذي يؤدّبنا الله سبحانه وتعالى به، ويطلعنا من كلماته على ما لم تعرف الحياة فى أعلى مستوياتها من أدب كهذا الأدب السماوي الكريم! الآيات: (44- 46) [سورة النساء (4) : الآيات 44 الى 46] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (45) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (46)

التفسير: الذين أوتوا نصيبا من الكتاب هم اليهود. والمراد بالنصيب من الكتاب، بعضه، أي بعض التوراة، التي جاءهم بها موسى عليه السلام. فكيف يكون اليهود قد أوتوا نصيبا من الكتاب مع أن الكتاب كله بين أيديهم؟ والله سبحانه وتعالى يقول فيهم: «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ (20: الأنعام) ، (146: البقرة) ؟ ويقول سبحانه: «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ (121: البقرة) . كيف يكون هذا؟ والجواب: أولا: أن الكتاب- وهو التوراة- الذي بين أيدى اليهود، قد حرّف وبدّل، بما أحدثوا فيه من منكرات، وبما ألقوا إليه من أهواءهم، ومختلقاتهم.. فالذى بقي فى أيديهم من التوراة، هو بعض التوراة، لا التوراة كما أنزلت عليهم. وثانيا: أن ما بقي فى أيديهم من التوراة لم يستقيموا عليه، فما صادف من أحكامها هوى فى أنفسهم أخذوا به، وما كان على غير ما يحبّون تأوّلوا له،

وحرفوه عن وجهه إلى الوجه الذي يريدون.. وقد نعى الله ذلك عليهم بقوله سبحانه: «أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» (58: البقرة) . فالذى يمسك به اليهود من التوراة هو بعض التوراة، لا التوراة.. وفى التعبير بلفظ «أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ» بدلا من «آتيناهم الكتاب» إبعاد لهم عن هذا المقام الكريم، مقام الخطاب من الله رب العالمين، لأنهم- وقد فعلوا ما فعلوا من منكرات- ليسوا أهلا لأن يوجّه إليهم خطاب من الله رب العالمين.. فوجّه إليهم الخطاب مجهول الجهة التي تخاطبهم، حتى لكأنهم فى مواجهة الوجود كلّه، يطلع عليهم من كل أفق منه من يستنكر ما هم فيه من ضلال، ويحمّق موقفهم من رسل الله وكتبه.. «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ» . فكأنّ ألسنة الخلق كلّها تتنادى مشيرة إلى هذا الضلال والسّفه الذي يركب هؤلاء الحمقى السفهاء من الناس، إذ يشترون الضلالة بالهدى، والباطل بالحق، والشر بالخير.. «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ» (28: إبراهيم) وفى قوله تعالى: «وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ» خطاب للمسلمين، بعد أن كان الخطاب موجها إلى النبىّ الكريم، وفى هذا، تكريم للنبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- ورفع لمقامه الكريم، من أن يكون لهؤلاء الضالين، ومفترياتهم، أثر فى سلامة دينه، وصحة معتقدة، ووثاقة إيمانه بربّه، وإن كان فى ذلك ما يخشى منه على المسلمين، فى التشويش عليهم، والوسوسة بالباطل لهم.

قوله تعالى: «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً» - فضح لليهود، ولما فى قلوبهم من بغضة وشنآن للمسلمين، وأنهم هم العدوّ، الذين يكيدون لدين الله، ولرسول الله، وللمؤمنين بالله.. وفيهم يقول الله سبحانه: «وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ.. هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ.. قاتَلَهُمُ اللَّهُ.. أَنَّى يُؤْفَكُونَ» (4: المنافقون) .. وفيهم يقول سبحانه أيضا: «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا» (82: المائدة) . وفى قوله تعالى: «وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً» حماية ربّانية وحراسة رحمانية للمؤمنين، مما يكيد لهم اليهود، وما يدبرّون من سوء.. فالله سبحانه وتعالى، هو ولىّ المؤمنين، يدفع عنهم هذا الكيد، ويفسده.. «وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً» وإن الله سبحانه ليتولّى المؤمنين وينصرهم، إذا هم أخذوا حذرهم، وتنبهوا إلى عدوّهم، وتحصنوا من كيده ومكره، بإيمانهم بالله، واحترازهم من عدوّهم: «هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ..! وقوله تعالى: «مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا.. لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ» يكشف عن تلبيسات اليهود، وموارد نفاقهم.. إنهم ينافقون بالكلمة وبالعمل معا، تلتوى ألسنتهم بالكلمات فتزيلها عن معانيها التي لها، وتعبث أيديهم بالعمل فتموّهه وتزيفه، وتجعل ظاهره غير باطنه، كما يطلى المعدن الخسيس بسراب خادع من معدن كريم. يقولون للنبىّ بأفواههم: «سمعنا» ويقولون بقلوبهم: «وعصينا» ،

ويقولون «اسمع» بصوت مسموع، ويتبعون ذلك بصوت خافت: «غير مسمع» يدعون على النبىّ بالصم.. ويقولون: «راعنا» أي انظر إلينا.. يقولونها فى تخابث تضطرب به ألسنتهم فتخرج الكلمة مشوّهة، عليها شبهة الضلال الذي يجده السامع لكلمة «راعنا» بالتنوين، صفة من الرعونة والطيش.. وهكذا يلقون النبي والمسلمين بتلك الكلمات المنافقة، التي تلبس أثوابا من الزيف والخداع! «وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ» ! خيرا يصيبونه فى أنفسهم، إذ يستقيم بهم على طريق الخير، ويهديهم إلى سواء السبيل.. ولكن طبيعة القوم لا تعطى غير هذا الباطل، ولا تنضح إلا بهذا الزّيف المنكر من القول.. إذ «لعنهم الله بكفرهم» .. «وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً» يستنقذه من هذا الضلال الذي يتخبط فيه، ويلقى به فى لجج الهلاك، وسوء المصير.. وفى قوله تعالى: «فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا» .. ما يفضح هذا الإيمان الذي هم عليه.. فهم أهل كتاب.. ومن شأن أهل الكتاب أن يكونوا مؤمنين.. وهم مؤمنون، ولكن إيمانهم مشوب بالضلال، متلبّس بالكفر، فهم مؤمنون وكافرون، ولا يجتمع الإيمان والكفر إلا فى قلب منافق.. فالنفاق هو الوصف الذي هو أولى بهم، وهم أحقّ به.. ولهذا كان النفاق والمنافقون، من الصفات والسمات التي غلبت عليهم، فيما تحدث به القرآن عن هذا الحق اللئيم وأهله.. وفى القرآن الكريم يوصف اليهود بأنهم كافرون.. هكذا، وصفا مطلقا.. كما يقول سبحانه: «لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ» (1: البينة) وكما يقول سبحانه:

الآيتان: (47 - 48) [سورة النساء (4) : الآيات 47 إلى 48]

«إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ» (6: البيّنة) وفى القرآن الكريم آيات تصف اليهود بأنهم مؤمنون، ولكنّ هذا الوصف يقيّد دائما بأنه إيمان سطحى، لا يمسك من بالإيمان إلا بظاهره، كما يقول سبحانه فى هذه الآية: «فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا» .. وكما يقول سبحانه: «فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا» (155: النساء) . فهم كافرون كفرا قاطعا، وهم مؤمنون إيمانا ظاهرا.. وذلك هو النفاق فى أسوأ صورة وأبشعها. الآيتان: (47- 48) [سورة النساء (4) : الآيات 47 الى 48] يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (47) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً (48) التفسير: بعد أن فضح الله اليهود، الذين أوتو الكتاب، فمكروا بآيات الله، بما حرّفوا وبدّلوا فيه- دعاهم الله إلى ترك ما هم فيه من ضلال وزيغ.. وأن يؤمنوا بالله وبالكتاب الذي فى أيديهم إيمانا خالصا، فإنهم إن فعلوا ذلك

لم يكن بينهم وبين الإيمان بالكتاب الذي نزله الله على «محمد» حجاز يفصل بينهم وبين الإيمان بهذا الكتاب.. لأنه من عند الله، كما أن كتابهم من عند الله، وهو مصدق لما معهم فيما جاء به من شرائع وأحكام.. فإذا آمنوا بكتابهم، ولم يؤمنوا بالكتاب الذي نزل على محمد، فهم غير مؤمنين، لأن الكتابين فى حكم كتاب واحد.. والإيمان بأحد الكتابين والكفر بالآخر ينقض هذا الإيمان.. وقد أنكر الله عليهم دعوى الإيمان التي يدّعونها، حين يقولون، إنهم على كتابهم الذي فى أيديهم.. فقال تعالى: «أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ؟ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ» . (85: البقرة) . وقال سبحانه وتعالى فيهم أيضا: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً» (150- 151: النساء) وفيهم يقول سبحانه وتعالى أيضا: «وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» . (91: البقرة) وفى قوله تعالى: «مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ» وعيد لليهود، ونذير راصد لهم باللعنة من عند الله، إن لم يؤمنوا بمحمد، وبما أنزل الله عليه.

وهذه اللعنة حين تقع عليهم، فإنها لا تبقى على شىء من آدميتهم.. بل إنها ستقلب كيانهم البشرى، وتحيلهم خلقا آخر، يكون مثلة، بين المخلوقات، فإذا كان كل مخلوق له وجه وظهر، فهؤلاء سيكون وجههم وظهرهم سواء! وانظر إلى إنسان استدارت رأسه، فكان الوجه من خلف، والقفا من أمام!! كيف تبدو صورته؟ وكيف يستقيم حاله؟ وكيف يمشى إذا أراد المشي؟ وكيف يأكل إذا أراد الأكل؟ بل كيف ينام إذا أراد أن ينام؟ ما أشقى مثل هذا الكائن الذي تخالفت أعضاؤه، وتضاربت جوارحه! وهذه العقوبة هى الجزاء الوفاق لما ارتكبوا من جرائم وآثام. إنهم أعطوا الناس وجها، وعاشوا فيما بينهم وبين أنفسهم بوجه.. والوجه الذي تعاملوا به مع الناس هو هذا الوجه الظاهر الذي يراهم الناس عليه، أما الوجه الآخر، فقد أخفوا أمره عن الناس، وحجبوه عن أن يواجهوهم به- فكان أن توعدهم الله بكشف هذا الوجه المنافق، وفضحه للناس، فلا يبقى لهم إلا هذا الوجه الذي جعلوه وراءهم، فى هذا الوضع المقلوب! هذا هو الجزاء الذي ينتظرهم، إن لم يستقيموا على طريق الحق، ويؤمنوا كما آمن الناس، إيمانا خالصا من النفاق! فإن لم يكن فى هذا الجزاء ما يردعهم، ويردّ إليهم شارد عقولهم.. فهناك جزاء آخر أقسى وأشد.. وإنه لجزاء يعرفونه فى آبائهم وأجدادهم، الذين اعتدوا فى السبت، فمسخهم الله، وجعلهم قردة فى أجساد بشر! أو بشرا فى طباع قردة! وفى هذا يقول الله تعالى: «وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ» (65: البقرة) .

وقوله تعالى: «أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ» هو نذير بالعقوبة الثانية، بعد النذير بالعقوبة الأولى. وما أصاب أصحاب السبت معروف لهم! فماذا ينتظرون بعد هذا؟ أيظنون أن الله مخلف وعيده لهم.. لأنهم- كما زعموا- أبناء الله وأحباؤه؟ وكيف وقد وقع هذا العقاب بآبائهم، وأخذهم الله به؟ أم يظنون أن الله إذا أراد أمرا بهم، وساق شرا إليهم- أهناك من يدفع ما أراده الله بهم؟ فلينتظروا، وسوف يرون ما الله فاعل بهم.. «وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا» وفى قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ» . - ما يسأل عنه.. وهو: هل أهل الكتاب هؤلاء مشركون، حتى تجىء هذه الآية فى سياق الحديث عنهم، وفضح نفاقهم؟ إنهم- كما وصفهم، القرآن فى كثير من آياته- كافرون، ومنافقون، ومؤمنون.. يجمعون بين الإيمان والكفر.. أما الشرك فهو الصفة الغالبة التي أطلقها القرآن على كفار قريش، الذين لم ينكروا وجود الله، ولكنهم عبدوا أصناما لهم من دون الله، وقالوا: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى» (3: الزمر) ومع هذا، فإن بين الكافرين من أهل الكتاب، والمشركين من العرب صلة جامعة، هى الخروج عن سواء السبيل، والتنكّب عن طريق الحق! وإذ جرى ذكر الكافرين المنافقين من أهل الكتاب، وما توعدهم

الآيتان: (49 - 50) [سورة النساء (4) : الآيات 49 إلى 50]

الله به إن لم يؤمنوا، إيمانا كاملا- حسن أن يجرى ذكر قرنائهم من مشركى العرب، وأن يلتقى بعضهم ببعض، ويواجه بعضهم بعضا، بهذه الوجوه المنكرة وما بأيديهم من آثام.. وفى ذلك ما فيه من إثارة الذعر والفزع، فيما يرى كل واحد من الفريقين فى وجه صاحبه، من وبال ونكال.. إنها حال أشبه بتلك الحال التي يثيرها اجتماع المجرمين- على اختلاف جرائمهم- فى ساحة العدل والقصاص، من صور الإيلام، والأسى، والفزع، التي تشتمل على أصحاب هذا الموقف جميعا! والشرك عدوان على الله، وإنزال بقدره، حين يسوّى بينه وبين المعبودين، من جماد، وحيوان، وإنسان! ولهذا كان الشرك أعظم من الكفر، إذ الكافر- مع إنكاره لله- حين يتعرف على الله لا يراه على تلك الصورة التي يراه عليها المشرك، ولا ينزل بقدره إلى هذا المستوي المهين! «إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» . فالشرك كبيرة الكبائر، لا يغفر الله لمرتكيها، ولا يدخله مدخل عباده، الداخلين فى رحمته ومغفرته. «وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً» .. (48: النساء) «إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (72: المائدة) الآيتان: (49- 50) [سورة النساء (4) : الآيات 49 الى 50] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً (50)

الآيات: (51 - 52 - 53 - 54 - 55 - 56 - 57) [سورة النساء (4) : الآيات 51 إلى 57]

عادت الآيات مرة أخرى، لتفضح اليهود، فضيحة بعد فضيحة، فما أكثر مآثمهم، وما أوسع دائرة مخازيهم.. وهنا جريمة أخرى من جرائمهم.. إنهم غارقون فى الضلال إلى أذقانهم، ومع هذا فإنهم يرون فى أنفسهم أنهم أولى الناس بالله، وأقربهم إليه، وأحقهم بفضله ورحمته، فقالوا فيما كانوا يقولون: «نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ» .. وقالوا: «لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ» . لقد زكّوا أنفسهم بغير حق ورفعوا منزلتهم إلى مكان ليسوا أهلا له. وهذا تألّ على الله، وافتراء عليه.. وإنه ليس لاحد أن يتخيرّ عند الله المكان الذي يمليه عليه هواه.. فذلك أمر إلى الله وحده، ينزل عباده منازلهم، حسب علمه بهم، وبما هم أهل له.. دون أن يظلم أحدا شيئا.. وقوله تعالى: «انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً» شجب لمدّعيات هؤلاء القوم، وتكذيب لمفترياتهم، وفضح لهم على رؤوس الأشهاد، ودعوة للناس جميعا أن ينظروا إليهم وهم فى هذا الثوب الكاذب المفضوح!! الآيات: (51- 52- 53- 54- 55- 56- 57) [سورة النساء (4) : الآيات 51 الى 57] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (51) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (52) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (53) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (54) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (55) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً (56) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (57)

التفسير: فضيحة أخرى من فضائح اليهود، ومخزاة إلى ما عرف من مخازيهم، التي يرى منها الناس ما يثير العجب والدّهش، وما يحمل على السخط عليهم، واللعنة لهم.. إنهم وهم أهل كتاب، إن يكن قد فاتهم الخير الكثير الذي كان فى هذا الكتاب، فإن بين أيديهم أثارة منه، تجعلهم أقرب إلى المؤمنين، وأعرف بما جاء به محمد من عند ربّه، وأنه إذا أنكره المشركون وكذبوا به، لم يكن لليهود- أهل الكتاب- أن يقفوا هذا الموقف اللئيم منه! والعجب هنا، أن اليهود لم يقفوا عند هذا الحدّ من الضلال، والعناد، والمكابرة فى وجه الحق، بل انحدروا إلى حضيض السفاهات والضلالات، فآمنوا بالجبت والطاغوت، واتبعوا ما تمليه عليهم أهواؤهم من أباطيل وخرافات.. والجبت: هو الهوى الذي يفيض من عقل مظلم ووجدان سقيم.. والطاغوت: هو الهوى الذي يمليه ذكاء خبيث، وشيطان مريد.. فالقوم عبدة هذا الهوى، الجامع بين تلك الأخلاط. من البلادة والذكاء،

البلادة الحيوانية، والذكاء الشيطاني.. فهم حيوانات بهيمية، يعيش فيها شيطان رجيم.. وفى قوله تعالى: «وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا» إشارة إلى فعلة من أفعالهم اللئيمة، وجريمة من جرائمهم المنكرة.. ذلك أنهم يرون فى الكافرين أنهم أهدى سبيلا من المؤمنين.. ولهذا كانوا حلفا مع مشركى قريش على النبىّ وأصحابه! .. وهكذا يقتل الحسد من نفوسهم كل واردة من واردات الخير، حين.. بعمى أبصارهم، ويطمس على قلوبهم، فيرون الحق باطلا، والباطل حقّا.. «وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً» (41: المائدة) وفى عطف القول ومقوله، على إيمانهم بالجبت والطاغوت، تغليظ لهذا القول الذي قالوه، وتجريم له، وجعله هو وعبادة الجبت والطاغوت على درجة سواء، من الكفر والضلال! وفى إسناد القول للذين كفروا، ثم الإشارة بمقول القول إليهم- ما يسأل عنه: إذ كيف يقولون للذين كفروا، ثم يشيرون إلى هؤلاء الذين كفروا بمقول القول هذا، وهم يخاطبونهم، ويتجهون بالقول إليهم؟ إن الذي يقتضيه النظم أن يكون مقول القول للكافرين.. هكذا: أنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلا! فكيف هذا؟ والجواب- والله أعلم- أن اليهود- لم يتجهوا بهذا القول إلى جميع الكافرين.. وإنما كانت مقولتهم تلك لرءوس الكافرين، وأصحاب الرأى فيهم، ثم كانت الإشارة إلى الكافرين فى عمومهم. وفى هذا ما فيه من مبالغة فى كفر القوم، وضلالهم، حتى إنهم لا يرون

المؤمنين فى درجة تسمح بالمفاضلة بينهم وبين كبار الكافرين وسادتهم، وإنما الذي يمكن أن يسمح به فى المفاضلة بين المؤمنين والمشركين، هو هذا المستوي الذي عليه عامة الكافرين، لا خاصتهم.. فاليهود إذ يتحدثون إلى رءوس الكافرين لا يقولون لهم أنتم أهدى سبيلا من المؤمنين، بل يشيرون إلى عامة الكافرين، خارج هذه المجموعة، ويقولون لهم: «هؤلاء» أي جماعتكم جميعا.. «أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا» أما أنتم، فشتان ما بينكم وبينهم! وإذ استباح القوم الزور، واستمرءوا الحياة معه.. فهيهات أن يقف بهم عند حدّ! وقوله تعالى: «أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً» . هو إشارة لليهود الذين شهدوا تلك الشهادة الباطلة، ونطقوا بها زورا وبهتانا، وهو فى مقابل مقولة اليهود عن الكافرين: «هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا» حيث أشاروا إلى الكافرين، وحكموا لهم بهذا الحكم المبنىّ على الزور والبهتان.. فأشار الله إليهم، بهذا الحكم القائم على العدل والردع، لهذا الجرم الذي اقترفوه، وهذا الضلال الذي غرقوا فيه، وأغرقوا غيرهم معه.. «أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً» . واللعنة دائما حيث كانت، فهى لليهود، وعلى اليهود..! وقوله تعالى: «أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً» هو إعلان عن هذا الطبع اللئيم الذي يغلب على اليهود، وهذا الداء الخبيث الذي يغتال كل معالم الإنسانية فيهم.. فالشحّ هو الطبع الغالب عليهم، لا تندّ من أيديهم ذرة خير لأحد، لما انطوت عليه نفوسهم من كراهية للناس جميعا.. حيث يجدون الراحة والرضا

فيما ينزل بالناس من كوارث ومحن، فكيف يكون منهم عمل يخفف عن الناس لما، أو يسوق إليهم عافية؟ إنهم لو كان إلى أيديهم شىء من رحمة الله وفضله، لحرموا الناس أن ينالوا ذرة من هذه الرحمة وذلك الفضل! والنقير هو النقرة فى ظهر النواة.. وهو شىء غاية فى الصغر والضآلة، ومثله الفتيل والقطمير. وقوله تعالى: «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» هو إعلان عن ذلك الداء الذي يولّده الشحّ الذي طبع عليه القوم، وهو داء الحسد.. فالقوم تتّقد فى قلوبهم نار الحسد والكمد، إذا رأوا نعمة من نعم الله تصيب عبدا من عباد الله! فهم يتحرقون غيظا وكمدا أن ساق الله إلى «محمد» هذا الفضل العظيم، ووضع فى يده تلك النعمة السابغة، حين اصطفاه لرسالته، وأنزل عليه كتابه الكريم. فما لهم- قاتلهم الله- يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، وقد وسّع الله عليهم وآتاهم من فضله، وأنزل عليهم من نعمه، ما لو استقاموا عليه، وانتفعوا به لسعدوا، وأسعدوا الناس معهم؟ «فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً» فمن آل إبراهيم كان أنبياء بنى إسرائيل: إسحاق، ويعقوب، ويوسف، وموسى، وداود، وسليمان، وزكريا، ويحيى، وعيسى. فما أكثر الخير الذي ساقه الله إليهم على يد أنبيائه ورسله، ولكن القوم استقبلوا هذا الخير بالجحود والكفران: «فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ» وقليل منهم أولئك الذين آمنوا، وكثير منهم أولئك الذين كفروا وجحدوا.. «وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً» فهى الجزاء العادل لمن مكر بآيات الله، وبدل نعمة الله كفرا.

الآيتان: (58 - 59) [سورة النساء (4) : الآيات 58 إلى 59]

«إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً» . ففى جهنم التي هى مثوى هؤلاء المكذبين بآيات الله، ألوان من العذاب لا تنتهى.. «كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها» ليعيشوا هكذا فى عذاب دائم.. والجلد هو حاسة الإحساس فى الإنسان، ولذا كان العذاب الأخروىّ واقعا عليه، وكانت النار التي تتصل به أشبه بثوب من النار ذاتها، كلما بلى هذا الثوب، تجدّد لأصحاب النار ثوب آخر مكانه!. وفى مقابل هذا العذاب الذي يصلاه الكافرون، تقوم الجنّة التي ينعم فيها المؤمنون، بما أعد الله لهم، من نعيم مقيم، لا ينفد أبدا.. وفى مواجهة أصحاب الجحيم لأهل النعيم وما يلقون من كرامة وتكريم، وفى اطلاع أهل النعيم على أهوال الجحيم، وما يلقى المعذبون فى نار جهنم، من نكال وبلاء- فى هذا ما يضاعف لأهل النار ما هم فيه من محن وأهوال! كما يضاعف لأهل الجنة ما هم فيه من نعيم ورضوان. الآيتان: (58- 59) [سورة النساء (4) : الآيات 58 الى 59] إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (58) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59)

التفسير: الأمانات التي يأمر الله سبحانه وتعالى بأدائها إلى أهلها، كثيرة، متنوعة، وأهلها كثيرون مختلفون! فهناك أمانة عامة حملها أبناء آدم جميعا، هى أمانة التكليف، التي أبت عوالم السماء والأرض أن تحملها، وأشفقت من حملها، والقدرة على الوفاء بها.. وأمانة التكليف هذه، هى التي أفردت الإنسان عن سائر المخلوقات، بالعقل، الذي به أصبح الإنسان سيد نفسه، بما له من قوى التفكير، والتقدير، والإرادة.. فإن شاء تقدم، وإن شاء تأخر، حسب ما يرى ويقدّر! ولهذا كان عالم الناس مجموعة عوالم، بعدد أفراد الناس، فردا، فردا.. فكل إنسان عالم وحده، فى تفكيره، وتقديره، وعواطفه، ومنازعه، وسلوكه، حتى لا يكاد يتساوى إنسان وإنسان بحال أبدا.. على خلاف الكائنات الأخرى، علويّها وسفليّها.. كل عالم منها ينتظم جميع أفراده، التي لا يختلف. فيها واحد عن آخر، حتى لكأنها عدد مكرر من أعداد الحساب! وهذا التفرد الذي كان للإنسان، هو طموح جامح، منّته به نفسه الغرور، فارتفع إلى المستوي الرفيع الذي إن زلّت به قدمه فيه، سقط من علو شاهق، وهوى إلى أسفل سافلين.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ» (4- 5- 6: التين) فالإنسان إذ حمل هذه الأمانة- أمانة التكليف- أصبح سيّد الكائنات كلها، لا سيّد فوقه إلا الله سبحانه وتعالى، فهو بهذا الخلق القويم الكريم ظلّ الله فى هذا الوجود، تتخايل فيه لمحات من علم الله، وقدرته، وإرادته، وكثير من صفاته، سبحانه وتعالى علوّا كبيرا عن الشبيه والمثيل!

وعلى هذا يمكن أن يفهم ما تحدّث به التوراة عن الله تعالى: «وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا، كشبهنا.. فخلق الله الإنسان على صورته.. على صورة الله خلقه، ذكرا وأنثى خلقهم الله.» «1» وإذ حمل الإنسان هذه الأمانة، وتحدّى الموجودات كلها، التي أشفقت من حملها، فإنّ من البر بنفسه، والكرامة لإنسانيته، أن يرتفع إلى هذا المستوي الكريم، وأن يرعى هذه الأمانة حق رعايتها، وأن يؤديها إلى أهلها، وهو الله سبحانه وتعالى، وذلك بالتعرف على الله والإيمان به أولا، ثم الاستقامة على طريق الحق والخير على ما شرعه الله ورسمه. وأداء هذه الأمانة على وجهها، هو ضمان وثيق لأداء الأمانات كلها، لأن كل أمانة بعد هذا هى بعض من تلك الأمانة الكبرى، وأثر من آثارها.. فما بين الناس والناس من أمانات ماديّة، وعقود، وعهود.. هو مما يندرج تحت هذه الأمانة وينضوى إليها.. وقوله تعالى: «وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ» هو استنجاز لأداء بعض الأمانة التي حملها الناس.. وهى الحكم بالعدل بين الناس.. لأن العدل صفة من صفات الله، وفى الإنسان لمحة من هذه الصفة.. وفى خروجه عن العدل، خيانة للأمانة التي حملها، وجناية على نفسه، وردّة لها إلى أسفل سافلين. وقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ» تحريض قوي على امتثال هذا الأمر الكريم، وتلك الموعظة الحسنة، لأنها دعوة من الله إلى خير، ولا يدعو الله إلا إلى الخير ولا يأمر إلا بالخير..

_ (1) التوراة: سفر التكوين- الإصحاح الأول.

«ونعمّا» هى فعل مدح، أصله «نعم» و «ما» التي هى نكرة بمعنى شىء، ليفيد هذا التنكير التعميم والشمول.. فكل ما يعظنا به الله، ويدعونا إليه هو خير، وخير مطلق. وقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» هو استنجاز آخر لأداء بعض ما يتعلق بالأمانة الكبرى التي حملها الإنسان، وهو طاعة الله والرسول، وأولى الأمر.. فالانقياد لله هو المظهر العملىّ الواضح لأداء هذه الأمانة، وغير هذا الانقياد هو التضييع للأمانة، والعدوان عليها.. والانقياد لله يتبعه الانقياد لرسول الله.. إذ كان هو السفير بين الله وبين عباده، وهو الحامل لكلمة الله إليهم، والمؤذّن بها فيهم.. فلا انقياد لله لمن لا ينقاد لرسول الله.. وأولو الأمر.. هم من يلون أمر الإنسان، ويقومون على رعاية مصالحه، من آباء، وقادة، وحكام.. وغيرهم، ممن لهم على الإنسان سلطان أدبى أو مادىّ. والانقياد لأولى الأمر ليس انقيادا مطلقا، بل هو انقياد محكوم بحدود العدل، والخير، والإحسان.. ولهذا كانت طاعة الوالدين- وهما فى المقام الأول من أولى الأمر- قائمة على سنن المعروف، فإن دعوا إلى منكر، فلا طاعة لهما، وفى هذا يقول الله تعالى: «وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً» (15: لقمان) . فالولاية إذا لم تكن ولاية راشدة حكيمة، مستقيمة مع العدل والإحسان

كان لمن تحت ولايتها أن يراجعوها، وأن ينصحوا لها، وأن يعملوا على تبصرتها بالطريق القويم، الذي فيه خير الجماعة كلها.. فإن كان خلاف بين أولى الأمر، وبين من فى ولايتهم، ولم يلتقوا عنده على كلمة سواء.. كان الحكم بينهم فى هذا، كتاب الله وسنّة رسول الله، فذلك هو الميزان العدل، الذي توزن به الأمور، وما يقضى به هنا كان هو الحق والخير، وكان التزامة أمرا واجبا.. من أباه، وخرج عليه، كان متعديّا حدود الله، آثما ظالما.. تجرى عليه أحكام الآثمين الظالمين.. وفى قوله تعالى: «فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» ما يشير إلى احتمالات النزاع المتوقعة بين أولى الأمر ومن فى ولايتهم، وأن ذلك أمر غير مستبعد، بين الناس والناس. فإذا وقع نزاع فى أمر ما، كان ردّه إلى حكم الله ورسوله أمرا واجبا على المؤمنين، وكان الله سبحانه وتعالى هو وليّهم جميعا، وكانت شريعته لهم، هى الدستور الواجب اتباعه، والاحتكام إليه فيما يقع بينهم من خلاف.. فمن كان مؤمنا بالله واليوم الآخر، استقام على شرع الله، ووقف عند حدوده، وخضع لحكمه. وفى قوله تعالى: «ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا» إشارة إلى أن الرجوع عند الخلاف إلى ما قضى به كتاب الله وسنة رسوله، هو الطريق المأمون، الذي يسلم المختلفين إلى يد الوفاق والسلام، حيث كان احتكامهم إلى أحكم الحاكمين، الذي يحكم بين عباده بالحق، فلا ميل مع هوى، ولا محاباة لكبير

الآيات: (60 - 61 - 62 - 63) [سورة النساء (4) : الآيات 60 إلى 63]

أو عظيم، لأن الخلق خلقه، والناس عبيده، لا تفاضل بينهم عنده إلا بالتقوى! الآيات: (60- 61- 62- 63) [سورة النساء (4) : الآيات 60 الى 63] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (60) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (61) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (62) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (63) التفسير: ما تكاد الآيات القرآنية الكريمة ترفع يدها الآخذة بمخانق اليهود، وما يكاد اليهود يلتقطون أنفاسهم اللاهثة من تلك المطاردة العنيفة التي تلهب فيها آيات الكتاب الكريم ظهورهم بسياط ملتهبة من الفضيحة والخزي- ما كان ذلك يحدث حتى تعود إليهم الآيات الكريمة مرة أخرى، فتعيد معهم سيرتها الأولى، حتى تتقطع أنفاسهم.. إنها تلقاهم بعذاب أشبه بعذاب الآخرة، الذي يتبدل فيه المعذّبون جلودهم بجلود غيرها، كلما نضجت.. كما يقول الله تعالى: «كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ» .

وهنا فى هذه الآيات، يفضح الله اليهود ونفاقهم، إذ يجيئون إلى النبىّ فى صورة المؤمنين به، كما أنهم مؤمنون بما فى أيديهم من الكتب السماوية.. ثم هم مع هذا لا يرضون بالاحتكام إلى القرآن أو التوراة والإنجيل، وإنما يحتكمون إلى ما عندهم من ضلالات ومفتريات.. «يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ» وهو مجمع الباطل والضلال.. «وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ» إذ لا يجتمع إيمان بالله وبكتبه، مع الاطمئنان إلى الطاغوت والولاء له..! إن هؤلاء المنافقين إنما يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم.. وإنه إذا كانت أفواههم تردد كلمات الإيمان بالله، والولاء لرسوله، فإن قلوبهم منطوية على إيمان غير هذا الإيمان، وسرائرهم منعقدة على ولاء غير هذا الولاء.. إيمان بالجبت، وولاء للطاغوت: «وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً» حيث يتصادم ظاهرهم مع باطنهم، ويغلب نفاقهم على إيمانهم، فيفرون من بين يدى هذه الدعوة التي يدعون فيها إلى الاحتكام إلى ما أنزل الله، وإلى ما يقضى به الرسول. وقوله تعالى: «فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً» تنديم لهؤلاء المنافقين بما يجرّ عليهم النفاق من شر وشؤم. وأن عاقبة هذا الالتواء الذي تجرى عليه حياتهم إنما هو الخزي والخذلان.. وأنهم حين يحيق بهم مكرهم السيء، واحتكامهم إلى غير كتاب الله ورسول الله، يفزعون إلى الرسول بوجوه وقاح لا حياء فيها، ويحلفون- كذبا- ما أردنا فيما فعلنا من الاحتكام إلى غيرك إلّا معالجة الأمر على الوجه الذي نبغى به حسم الخلاف، والصلح بين المتخاصمين! وهذا عذر غير مقبول منهم، لأنهم لم يأخذوا طريقهم الذي سلكوه عن اجتهاد، وإنما كان عن خلاف متعمّد للرسول، ومنابذة له.

وقوله تعالى: «أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ» إشارة فاضحة لهؤلاء المنافقين، ممسكة بهم وهم متلبسون بنفاقهم.. وهذه الإشارة تكاد تكون يدا آخذة بناصية كل منافق من هؤلاء المنافقين، يجد كل منافق مسّها، ويستشعر اشتمالها على وجوده. وقوله تعالى: «فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ» دعوة للنبى الكريم بالإغضاء عنهم، وترك مماراتهم والجدل معهم.. وذلك هو سبيل النبىّ فى موقفه من أهل الجدل والمراء، فى كل حال يلتقى فيها مع أصحاب النفوس المريضة، والطبائع السقيمة، حيث ينصح له الله سبحانه بقوله: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ» (199: الأعراف) . وقوله تعالى: «وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً» استيفاء لرسالة الرسول، واستكمال لكمالها.. حيث لا تترك هؤلاء المرضى الذين يأبون أن يستطيّوا لدائهم، وأن يتناولوا ما يقدم لهم من دواء، بل إن واجب الرسالة أن تبالغ فى النصح لهم، وألا يحجزها هذا الضلال الذي يتخبطون فيه عن أن تسمعهم كلمات الله، وأن تشقّ طريقها إليهم من خلال هذا الضباب الكثيف المنعقد على بصائرهم، وبهذا تقوم الحجة عليهم، وتنقطع أسباب معاذيرهم.. «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» (42: الأنفال) وفى هذا ما فيه من رحمة الله، وما تحمل رسالة الإسلام من خير عميم للناس، تسوقه إليهم من كل وجه، وتلقاهم به فى كل سبيل، حتى ولو كانوا على طريق الضالين، المعاندين.. إنها رحمة الله، تتلمس طريقها إلى كل قلب، وترسل شعاعها إلى كل إنسان.. «فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها» (104: الأنعام) .

الآيتان: (64 - 65) [سورة النساء (4) : الآيات 64 إلى 65]

الآيتان: (64- 65) [سورة النساء (4) : الآيات 64 الى 65] وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (64) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (65) التفسير: وإذ يغضى الرسول عن مهاترات المهاترين، ونفاق المنافقين، وإذ يمدّ إليهم يده بالهدى والنور، فإن ذلك هو مبلغ جهده، وغاية رسالته، ولا عليه أن يقيم الكافرون على كفرهم، ويعيش المنافقون مع نفاقهم: «ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ» (99: المائدة) . والله سبحانه وتعالى قد ندب الرسول ليبلغ رسالة ربّه، فإذا بلّغها فقد أدّى رسالته، وكان على الناس أن يستمعوا له، ويؤمنوا بما جاءهم به.. ولكن أكثر الناس لا يلقون هذه الدعوة الراشدة الكريمة إلّا بالعناد والالتواء.. وقوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً» التفات إلى هؤلاء المعاندين، الذين ركبوا مركب الضلال، ليكون لهم رجعة إلى الله، ولينتهوا عما هم فيه قبل أن يهلكوا، إنهم إن راجعوا أنفسهم، وأقبلوا على الله، واستغفروه، واستجابوا لرسوله، لوجدوا ربا غفورا، يتقبل توبتهم، ويقبلهم فيمن قبل من عباده المؤمنين.. فما أوسع رحمة الله بعباده، وما أعظم فضله عليهم..

يدعوهم إليه وهم شاردون، ويمدّ إليهم يده وهم معرضون.. «إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ» (34: إبراهيم) وقوله تعالى: «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً» . هو بيان للإيمان الذي يقبل من هؤلاء الضالين الذين يريدون العودة إلى الله، فإنهم لا يحسبون فى المؤمنين، حتى ينزلوا على حكم الله، فيما يكون بينهم من خلاف، فذلك هو الدستور الذي لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يستقيم عليه، ويتقبل حكمه فيه، بقلب مطمئن، ونفس راضية، ولو كان ذلك مخالفا لهواه، مفوّتا لمصلحة خاصة له.. أما أن يأخذ من حكم الله ما يرضيه، ويدع ما لا يستجيب لهواه، ويلتقى مع رغباته، فذلك هو النفاق مع الله، ومع الرسول! إن الإيمان هو التسليم المطلق لأحكام الله، والولاء المطلق لرسوله، وما يقضى به.. وبغير هذا لا يكون إيمان، ولا يعتدّ بدعوى من يدعيه! وفى إضافة النبي الكريم إلى الله فى قوله تعالى: «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ» تشريف للنبى، واستدعاء له إلى الحضرة العلية ليشهد هذا القسم العظيم، وليكون شاهدا على هؤلاء الضالين المنافقين.. و «لا» النافية فى قوله تعالى: «فَلا يُؤْمِنُونَ» هى توكيد للنفى السابق للقسم فى قوله سبحانه: «فَلا وَرَبِّكَ» .. وقد فصل القسم بينهما.

الآيات: (66 - 67 - 68) [سورة النساء (4) : الآيات 66 إلى 68]

الآيات: (66- 67- 68) [سورة النساء (4) : الآيات 66 الى 68] وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (66) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (67) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (68) التفسير: السّمة الواضحة فى الشريعة الإسلامية أنها قائمة على السماحة واليسر، ليس فيها ما يعنت أو يرهق، وليس فيما شرع الله فيها ما يراد به العقاب والتنكيل، كما فعل الله باليهود وغيرهم ممن حادّوا الله ورسله.. كما يقول الله تعالى فيهم: «فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ» (160: النساء) .. فقد حرّم الله عليهم ما كان قد أحلّ لهم من الطيبات، وابتلاهم بهذا البلاء، ليقيمهم أبدا على خطيئة، حيث لا صبر لهم على الحرمان مما أحلّ الله لعباده من طيبات.. حرمها عليهم. وأكثر من هذا، فإنهم- أي اليهود- حين اتخذوا العجل إلها من دون الله، بعد أن نجّاهم الله من فرعون، وفرق بهم البحر، وأنزل عليهم المنّ والسلوى- حين فعلوا ذلك أمرهم الله بأن يقتلوا أنفسهم بأنفسهم، فليس غير إراقة دمائهم شىء يقبله الله منهم، إن أرادون التكفير عن خطيئتهم، والرجوع إلى رتبهم. وفى هذا يقول الله تعالى: «وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ» (54: البقرة) وفى قوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ» إشارة إلى ما فى شريعة الإسلام من يسر، وأن ما شرعه الله فيها، وهو مما تتقبله النفوس، وتتجاوب معه! وأن هذه الشريعة لم تحمل إلى الناس ما حملت الشرائع قبلها من الأحكام الشاقة الرادعة.

فليذكر أتباع هذه الشريعة فضل الله عليهم، إذ عافاهم مما ابتلى به الأمم من قبلهم، وليستقيموا على شريعة الإسلام، وليتقبلوا أحكامها برضى وحمد.. وأنهم إذا ضعفوا عن حمل هذه التكاليف السمحة السهلة، وتفلتوا منها، أو ضاقوا بها- فكيف كان يكون شأنهم لو أن الله أمرهم- فيما أمرهم به- أن يقتلوا أنفسهم أو يخرجوا من ديارهم؟ إن قلة قليلة منهم هى التي كانت تستجيب لهذا الأمر، وتتقبله، أما أكثرهم فلا يمتثلونه، ولا يأخذون به! وقد جمع القرآن بين قتل النفس والخروج من الديار، لأن إلف الإنسان للدار التي يسكنها، وللوطن الذي يعيش أشبه بإلف الروح للجسد، والقتل تفرقه بين الروح والجسد، وكذلك الخروج من الوطن، تفرقة بين الإنسان الكائن الحىّ، الذي يشبه الروح، وبين الوطن والدار، وهما أشبه بالجسد لهذا الإنسان. قوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً» إلفات إلى ما تدعوهم إليه الشريعة الإسلامية مما لا مشقة فيه، ولا عنت معه، وأنه إذا ووزن بما حملت بعض الشرائع السابقة من أحكام مرهقة معنتة، لوجد رحمة راحمة، ونعمة سابغة ... فلو أن هؤلاء المعاندين الضالين امتثلوا أوامر الله، وفعلوا ما وعظوا به لكان فى ذلك خيرهم وسعادتهم، لأنه يقيم طريقهم على الحق والإحسان، وبثمر لهم أطيب الثمر فى الدنيا والآخرة جميعا. ولو أنهم تقبلوا شرع الله، واستقاموا عليه، لوجدوا له روحا فى أنفسهم، وتجاوبا مع مشاعرهم، وكانوا كلما مضت الأيام بهم وهم على شريعة الله ازدادوا إيمانا بها، وتثبتا من خيرها وفضلها.. ولو أنهم فعلوا هذا، وعاشوا به، واطمأنوا إليه، لأثابهم الله ثوابا عظيما،

الآيتان: (69 - 70) [سورة النساء (4) : الآيات 69 إلى 70]

وأدخلهم مدخلا كريما، ولأمسك بهم على طريق الحق، وعصمهم من الزيغ والضلال.. الآيتان: (69- 70) [سورة النساء (4) : الآيات 69 الى 70] وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (69) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (70) التفسير: تجىء الدعوة إلى طاعة الله ورسوله، هنا، بعد هذا العرض الكاشف لضلال الضّالّين، ونفاق المنافقين، وبعد تلك الموازنة بين الشريعة الإسلامية ويسرها، وما تحمل إلى الناس من خير ورحمة، وبين الشرائع السابقة وما كانت تحمل إلى الناس من نكال، وبلاء، جزاء كفرهم ومكرهم بآيات الله.. وفى هذا العرض تصحو المشاعر الطيبة فى الإنسان، لتلتقى بتلك الدعوة الكريمة، التي يوجهها الله إلى عباده، أن يستجيبوا لله وللرسول، وأن يمتثلوا أوامر الله، وأن يحتكموا إلى كتاب الله، وإلى رسول الله.. فإن هم فعلوا ذلك كانوا فى عداد الصالحين، الذين رضى الله عنهم، وأجزل المثوبة لهم.. من النبيّين، والصدّيقين، والشهداء والصالحين.. ففى هذا المنزل الكريم ينزل ذلك الذي يطيع الله ورسوله، ومع هؤلاء النفر الكرام من عباد الله المقربين المكرمين ينعم بما ينعمون، ويسعد بما يسعدون: «وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً» . فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، الذين رضى عنهم، وسلك بهم مسالك الهدى والإيمان. وكفى بالله عليما بعباده، وما هم أهل له، من جنة

الآية: (71 - 72 - 73) [سورة النساء (4) : الآيات 71 إلى 73]

أو نار، حيث يوفّون أجورهم يوم القيامة: «فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ، وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ» . الآية: (71- 72- 73) [سورة النساء (4) : الآيات 71 الى 73] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (71) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (72) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (73) التفسير: من أقوى دعامات الإيمان، الجهاد فى سبيل الله، إذ كان أكثر التكاليف مشقة على النفس، وأنهكها للبدن والمال! ومن هنا كانت منزلة الجهاد فى الإسلام، ومقام المجاهدين عند الله، كما كان الجهاد مطلبا أول للمؤمنين، الذين صدقوا الله ما عاهدوه عليه. ومن هنا أيضا كانت عناية الله بالمجاهدين، ورسم معالم الطريق لهم، وحراستهم من أن يغرّر بهم، أو يبيتوا.. فكانت وصاة الله سبحانه وتعالى للمجاهدين دستورا متكاملا، لمعاناة الحرب، والتهيؤ لها، والحذر من المكيدة، والأخذ بها.. فمن ذلك، الإعداد للحرب، والأخذ بوسائل القوة والغلب، وفى هذا يقول الله تعالى: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ» (60: الأنفال) ومن ذلك أيضا، الحذر من مباغتة العدوّ عند انتهاز الغفلة من المؤمنين..

وفى هذا يقول سبحانه: «وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ..» (102: النساء) ومن ذلك أيضا الثبات فى المعركة، ومساندة المجاهدين بعضهم بعضا، حتى لكأنهم جسد واحد، وكلهم أعضاء فى هذا الجسد، فلا يطلب أحدهم السلامة لنفسه، كما لا يطلب السلامة لعضو من أعضائه بتعريض الجسد كله للتلف.. وفى هذا يقول سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ» (4: الصف) ويقول جل شأنه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» (15: الأنفال) وهنا فى قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ» لفتة من لفتات السماء للمجاهدين أن يأخذوا حذرهم من عدوهم، فيكونوا دائما على تأهب واستعداد، فهى دعوة عامة إلى الحيطة والحذر، واليقظة الدائمة لملاقاة العدوّ بالقوة الرادعة، واليد المتمكنة الباطشة. وقوله: «فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً» هو مظهر من مظاهر الحذر، حيث يتخير المجاهدون الأسلوب المناسب للقاء عدوّهم، فتارة يلقونه جماعة جماعة، وطورا يلقونه بقوتهم جميعا، حسب تقديرهم لقوة العدوّ، وللأسلوب الذي تمليه الحكمة، ويقتضيه النظر.، ويستدعيه الموقف.

والثّبات: جمع ثبة وهى الجماعة، والعصبة من الفرسان. والنّفر، والنّفرة: التحرك للقتال، والفراغ له. وفى قوله تعالى: «وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ» إشارة فاضحة لجبن الجبناء، ونفاق المنافقين، من الذين يحشرون أنفسهم فى زمرة المجاهدين، ويضافون إليهم.. فهناك أفراد يغلبهم الحرص على أنفسهم، كما يغلب عليهم الطمع فيما يقع لأيدى المجاهدين من غنائم.. فإذ جاء النفير إلى الجهاد، تلبّثوا، وتعللوا بالعلل والمعاذير، حتى يفوتهم الركب المجاهد، وهم لا يزالون فى موقف من يتأهب للقتال، ويتجهز للّحاق بالمجاهدين.. ثم لا يزالون على هذا الموقف حتى تنتهى المعركة، وينفضّ سوقها.. وهنا ينكشف أمر هؤلاء الجبناء، ويفتضح نفاقهم حتى مع أنفسهم.. فإذا كانت الهزيمة فى المجاهدين، أظهروا الفرحة، وحمدوا لأنفسهم هذا الموقف المتخاذل الذي كان منهم، وقال قائلهم: «قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً» .. لقد نجا بنفسه، وسلم من التلف، ومادرى أنه من الخاسرين، حيث فاته ثواب الشهداء، وأجر المجاهدين.. وإن كانت الغلبة للمجاهدين، نظر إلى ما فى أيديهم من أسلاب ومغانم، فامتلأت نفسه حسرة وأسى وندما، وتمنّى أن لو كان فى هذا الركب الظافر الغانم، وقال ونفسه تتقطع كمدا وحسرة: «يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً» . وفى قوله تعالى: «كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ» تنديد بهذه الخسّة

الآية: (74) [سورة النساء (4) : آية 74]

وذلك الجبن، الذي قطع أواصر الأخوّة والتناصر بينه وبين أصحابه.. فما على هذا الأسلوب الخسيس تقوم الصحبة بين الجماعة، التي من شأنها أن تتقاسم السرّاء والضرّاء، وأن تذوق الحلو والمرّ.. أمّا أن تقف لتتحيّن الفرصة لتشارك فى السّرّاء، ولا تشارك فى الضراء، فذلك هو اللؤم الدنيء الذي تترفع عنه أدنى الحيوانات، التي إذا هاجمها عدوّ، لقيته يدا واحدة، وقوة مجتمعة! الآية: (74) [سورة النساء (4) : آية 74] فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (74) التفسير: ذلك هو القتال فى سبيل الله، لا يخفّ إليه، ولا يندرج به فى جماعة المجاهدين، إلا من وطّن نفسه على احتمال تبعاته، وقدّر الموت قبل أن يقدر الحياة، وشرى الحياة الدنيا بالآخرة.. فذلك هو الذي يحتسب له أجر المجاهدين عند الله، إن سلم، أو عطب، لأنه بايع الله، ووفّى بما عاهد الله عليه، ووقع أجره على الله، وهو نيّة الجهاد، وعلى طريق المجاهدين، وإن لم يلتحم فى معركة، أو يشارك فى قتال.. إن ذلك المجاهد هو الذي يدعى للجهاد، ويقبل فى صفوف المجاهدين.. أما أولئك المترددون، الذين يأخذون الجانب الهيّن اللّين من كل أمر، فلا مكان لهم فى هذا المقام الكريم، الذي هو مقام الرجال!! قوله تعالى: «وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً» بيان كاشف لموقف المجاهد، ومكانته عند الله.. فهو فى إحدى منزلتين: إما أن يقتل، فيحسب فى عداد الشهداء، وإما أن يغلب

الآية: (75) [سورة النساء (4) : آية 75]

وينتصر، ويغنم.. وهو فى كلا الأمرين محمود عند الله، له أجر الشهداء ومنزلة المستشهدين.. وفى قوله تعالى: «فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ» إشارة إلى أن المجاهدين فى سبيل لهم العاقبة والنصر أبدا.. وأن الذين استشهدوا قد كتبوا بدمائهم الزكية الطاهرة وثيقة النصر للجبهة المقاتلين فيها.. فالمجاهدون إما شهداء، وإما منتصرون.. ومعنى هذا ألا يتحول المجاهدون عن الجهاد، وألا يتركوا المعركة إلّا ومعهم النصر الذي وعدهم الله، وجعله جزاء معجلا لهم.. ولهذا جاءت القسمة هكذا: «فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ» ولم تجىء كما يقضى به ظاهر الأمر.. «فيقتل» أو يسلم! الآية: (75) [سورة النساء (4) : آية 75] وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (75) التفسير: وماذا يقعد بالمؤمنين عن الجهاد، ويصرف وجوههم عنه، وبين أيديهم أسبابه قائمة، ودواعيه مجتمعة؟ فهؤلاء البغاة الطغاة يتسلطون على المستضعفين، من الرجال والنساء والولدان، الذين لا يستطيعون دفع العدوان، ولا يقدرون على الإفلات من هذا العذاب المسلط عليهم، وليس لهم إلا الضراعة إلى الله والّلجأ إليه أن يخلصهم من هذا البلاء، وأن يسوق إليهم من رحمته جندا من جنده، وعبادا من عباده، ينتصرون لهم، ويدفعون يد العدوان عنهم!

الآية: (76) [سورة النساء (4) : آية 76]

إن المروءة- قبل الدّين- تقضى بأن يخفّ أهل النجدة والنخوة، إلى استنفاذ هؤلاء المستضعفين، الذين تسلطت عليهم الذئاب، وعلقت بهم شباك الضّالين الظالمين.. فكيف إذا كان هؤلاء الضعاف المستضعفون، إنما يلقون ما يلقون من عنت وإرهاق، لأنهم آمنوا بالله، واستجابوا لرسول الله؟ إن كل مسلم مطالب- ديانة ومروءة- أن يجاهد لخلاصهم، وأن يستشهد فى سبيل الحق الذي استمسكوا به، وأوذوا بسببه، فهم- والأمر كذلك- فى الجبهة المقاتلة مع المؤمنين، ولزام على كل مؤمن أن يدفع الضرّ عنهم، وأن يردّ يد البغي المتسلطة عليهم.. وفى قوله تعالى: «وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً» إشارة مضيئة، تكشف عن جماعة المجاهدين الذين ندبهم الله لاستنفاذ هؤلاء المستضعفين.. إن هؤلاء المجاهدين هم جند الله الذين بعثهم من لدنه، ليكونوا أولياء ونصراء لهؤلاء الضعفاء.. إنهم استجابة لدعوة هؤلاء المظلومين، حين وجهوا وجوههم إلى الله ضارعين قائلين: «رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً» . الآية: (76) [سورة النساء (4) : آية 76] الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (76) التفسير: وإذ ندب الله سبحانه من عباده من يتولّون الدفاع عن المستضعفين، ويجاهدون فى سبيل الله من أجل خلاصهم من يد البغي والعدوان، وإذ استجاب

الآية: (77) [سورة النساء (4) : آية 77]

المجاهدون لما ندبهم الله له- فإنهم بهذا قد حققوا معنى الإيمان الذي رضوا به، واتخذوه دينا.. فالمؤمن- إن صحّ إيمانه- كان دائما أبدا فى جبهة الحق، ينتصر له، ويقاتل فى سبيله: «الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .. لأنهم أعطوا ولاءهم كلّه لله. وليس كذلك سبيل الكافرين.. إنهم أولياء الباطل، وأتباع الضلال.. ولذلك فهم يقاتلون- حين يقاتلون- لحساب الباطل، وتحت راية الطاغوت.. والطاغوت.. هو مجمع كل شر، وملتقى كل فساد.. إنه الشيطان، كما فسّرته الآية فى قوله تعالى: «فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ» .. وفى قوله تعالى: «إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً» تثبيت لأقدام المجاهدين فى سبيل الله، وتطمين لقلوبهم، وتلويح لهم ببشائر النصر على عدوّهم.. لأنهم على الحق، وفى سبيل الحق يقاتلون، والعدو على طريق الباطل، وتحت راية الباطل يقاتل.. والله سبحانه هو الحقّ، وهو مع الحق، وجند الحق، فالنصر لا يتخلف أبدا عمن يقاتلون فى سبيل الله.. «فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ» (22: الحديد) . الآية: (77) [سورة النساء (4) : آية 77] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77) .

التفسير: قبل أن يكتب الله القتال على المؤمنين- جهادا فى سبيل الله، وحماية لدعوة الحق التي فى أيديهم- كانت تكاليف الإسلام محدودة، ليس فيها ما يشق على النفس، إذ لم تكن دعوة الله لهم تتجاوز اجتناب المحرمات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كما يقول تعالى: «كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ» .. وإنه حين كتب الله القتال على المؤمنين، استقبله المؤمنون الذين صدق إيمانهم بصدور منشرحة، ونفوس راضية، وعدّوا ذلك نعمة من نعم الله بهم، وفضلا من أفضاله عليهم، إذ أتاح لهم فرصة مسعدة للعمل على مرضاته، والفوز بمنزلة المجاهدين، والشهداء عنده.. أما الذين فى قلوبهم ضعف أو مرض.. فقد فزعوا لهذا الأمر، وطلع عليهم من جهته شبح الموت يمدّ يديه الرهيبتين لانتزاع أرواحهم! إن حرصهم على الحياة، وحبّهم للدنيا، قد مثّل لهم الموت شيئا مهولا فظيعا، لأنه يقطعهم عن الحياة التي تعّلقوا بها، وسكروا من خمرها.. ورأوا فيما فرض الله عليهم من قتال أمرا لا يطاق، فقالوا- وكأنهم ينكرون على الله أن يكلفهم ما كلفهم به-: «رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ؟» . إنهم يهربون من حمل تلك المسئولية، ويدافعون الأيام بالتسويف.. إنهم يتمنّون على الله أن يؤخر هذا الأمر- أمر القتال- إلى غد.. وذلك الغد لن يلتقوا به أبدا.. إنه كلما جاء حسبوه يومهم، وانتظروا ما بعده غدا لهم.. وهكذا.. لا يلتقون بالغد أبدا، ولهذا جاء قوله تعالى: «قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا» ناعيا عليهم هذا التعلّق الشديد بالحياة الدنيا، والحرص القوىّ على متاعها.. ولو أنهم

الآيات: (78 - 79 - 80) [سورة النساء (4) : الآيات 78 إلى 80]

عقلوا لعرفوا أن متاع هذه الحياة الدنيا قليل، وإلى زوال، وأن الآخرة خير وأبقى، فمن ربح الدنيا وخسر الآخرة فذلك هو الخسران، المبين، ومن خسر الدنيا وربح الآخرة، فذلك هو الفوز العظيم. وفى قوله تعالى «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ» تعجّب واستنكار معا، من هؤلاء الذين وقفوا هذا الموقف المتخاذل من الدعوة إلى القتال.. إنهم- وتلك حالهم- مثار للعجب والتعجب، وفيهم عبرة لمن يعتبر! وقد ذكر الله سبحانه هذا الموقف المتخاذل، من بعض النفوس المريضة، وشنّع عليه، وأخذ باللائمة أهله.. فقال تعالى: «وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ» (20: محمد) . الآيات: (78- 79- 80) [سورة النساء (4) : الآيات 78 الى 80] أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (78) ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (79) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (80)

التفسير: هؤلاء الذين يفزعون من الموت، ويخشون التعرض له فى مواقف الجهاد فى سبيل الله- ماذا يعصمهم من الموت؟ وإلى أين تمضى بهم الحياة؟ أليس الموت هو خاتمة المطاف لكل حىّ وإن طال أجله وامتدّ عمره؟ إذن فالموت الذي يهرب منهم هؤلاء الجبناء هو ملاقيهم يوما، أينما كانوا.. ولو كانوا فى بروج مشيدة.. فهم إن لم يموتوا بضربة سيف أو طعنة رمح فى ميدان القتال، ماتوا حتف أنوفهم وهم فى بيوتهم وبين أهليهم.. فإن فرّوا من الموت، فإنما يفرّون إلى الموت!! وقوله تعالى: «وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ» هو تنديد لهؤلاء الجبناء الفارّين من وجه الموت، وفضح لموقفهم المنحرف من الرسول. «وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» .. وتلك قوله حق «وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ» وتلك رمية باطل وضلال، فما فيما جاءهم به الرسول ودعاهم إليه، إلّا الخير الخالص، لو أنهم استقاموا على الطريق الذي أقامهم عليه. وقوله تعالى: «قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» هو الردّ المفحم على تلك التهمة الظالمة التي توجّه بها هؤلاء السفهاء إلى النبىّ.. إنه لا يملك شيئا، الأمر كله بيد الله.. فما أصابهم من خير أو شرّ فذلك بقدر مقدور قدّره الله، وأجراه على عباده.. وما كان لأحد أن يغيّر أو يبدل شيئا مما قضى الله به! وقوله تعالى: «فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً» تسفيه لتلك العقول الضالة التي يعيش بها هؤلاء المنحرفون الضالون.. إنهم لا يكادون يفقهون حديثا.. ولو كان لهم شىء من فقه الحديث، لكان لهم فيما جاءهم به النبي من كلمات الله، تبصرة وهدى، ولكن أنّى للعمى أن يبصروا، وللصم أن يسمعوا؟ «إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا» .

وقوله تعالى: «ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ» هو استكمال للصورة التي يتحدّد بها موقف الإنسان من الكسب، ومدى مسئوليته فيما يعمل من خير أو شر، ومن حسن أو قبيح.. فقد بيّن الله فى قوله سبحانه: «قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» أن كل شىء يقع فى هذا الوجود هو بتقديره، وعن علمه، وبإرادته.. «وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ» (59: الأنعام) . وهذا- على إطلاقه- يعنى أن الإنسان لا كسب له، وإنما هو وما يقع منه من أعمال، ليس إلا مظهرا لإرادة الله، وإعلانا لما قضت به مشيئته! وهذا يعنى أيضا أن الإنسان غير مسئول عن غيّه أو رشاده، وكفره، أو إيمانه، إذ لا إرادة له، مع تلك الإرادة الإلهية الغالبة، ولا مشيئة مع تلك المشيئة العلوية القاهرة! ولكن واقع الإنسان ينبىء عن أنه ذو إرادة، وذو مشيئة، وأنه يريد، ويشاء.. وأنه يقف بين طريقى الخير والشر، فيريد هذا الطريق أو ذاك، حسب تقديره، ويرتضى الكفر أو الإيمان، حسب مشيئته.. ليس هناك قوة ظاهرة تحمله على أي الأمرين، وإنما ذلك إلى إرادته ومشيئته. وإذن فهناك معادلتان يراد التوفيق بينهما: معادلة تقول: الخير والشر جميعا من عند الله.. «قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» .. والمعادلة الأخرى تقول: الخير من عند الله، والشر من عمل الإنسان.. «ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ» والحق أنه مع النظر والتأمل نجد أنه ليس هناك معادلتان، بل هما معادلة

واحدة، وأن قوله تعالى: «ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ» هى نفس ما تضمنه قوله تعالى: «قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» وأنه إذا كان الله تعالى قد أضاف الخير إلى نفسه، وأضاف الشرّ إلى الإنسان، فما ذلك إلا إعمالا لإرادة الإنسان، وإيقاظا لوجوده، وإلا فإن الأمر كله لله، وليس للإنسان منه شىء، وأن على الإنسان فى مواجهته للحياة، أن يستقلّ بإرادته، وألا يضيفها إلى الله.. فإن حصّل بتلك الإرادة خيرا حمد الله عليه، وشكر له أن وفقه وهداه، وإن حصّل شرّا نظر إلى نفسه، فألقى باللائمة عليها، وصحح موقفه الذي أورده موارد الشر.. وذلك على الأقل- وإن لم يزحزح الإنسان عما أراد الله له- يجعل الشرّ أمرا بغيضا حتى عند أهله الذين ساقهم قدرهم إليه.. وذلك أضعف الإيمان فى مواجهة الشرّ.. وبهذا يستقيم للإنسانية فى مجموعها رأى فى الخير وفى الشر، فتحتفى بالخير وترضى عنه، وتبغض الشر وتنفر منه.. وبهذا يتوازن ميزان الحياة.. فيكون فيها الخير والشر، والأخيار والأشرار.. الأمر الذي لا تكون الحياة حياة إلا بهما، ولا يكون الناس ناسا إلّا معهما جميعا!! وإذا استقام فى الإنسانية أن الخير طيّب محبوب، وأن الشرّ خبيث مكره، فإنه مطلوب من الإنسان- كل إنسان- أن يسعى جاهدا إلى تحصيل الخير والاستزادة منه، وأن ينفر جاهدا من الشرّ والتخفف منه.. وألا يستولى عليه فى حاليه هذين أي شعور بأنه مهما جدّ وجهد فلن يبلغ من جدّه واجتهاده إلا ما قدّره الله له..، وكتبه عليه.. فذلك- وإن يكن الحقّ كلّ الحق- أمر غير مكشوف له، وأن عليه أن يعمل للخير، وأن يجدّ فى تحصيله، وأن يدع المصير الذي هو صائر إليه، لتقدير الله وحكمه.. «أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ» . وقوله تعالى: «وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا» تحديد لمهمة الرسول، وأنه

الآيات: (81 - 83) [سورة النساء (4) : الآيات 81 إلى 83]

ليس مسئولا عن ضلال الضالّين، وعناد المعاندين، إن عليه إلا البلاغ.. «وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً» يشهد بما كان من الرسول من تبليغ رسالة ربه، فمن قبلها، فقد نجا وسعد، ومن أعرض عنها، فقد هلك وشقى.. إن دعوة الرسول ليست لحسابه، وإنما هى لله، فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله، ومن تولى، فما على الرسول شىء من تولّيه، وإنما حسابه على الله! الآيات: (81- 83) [سورة النساء (4) : الآيات 81 الى 83] وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (81) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (82) وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً (83) التفسير: هؤلاء الذين يقفون هذا الموقف المتخاذل، من التكاليف التي تقتضيهم بذلا وتضحية، هم منافقون قولا، كما هم منافقون عملا.. ذلك أنهم إذا كانوا يظهرون فى وقت النفير للجهاد، أنهم ماضون مع المجاهدين، وأنهم يهيئون أنفسهم للجهاد ويعدّون العدة له، ثم ينكشف الأمر عن أنهم كانوا يدافعون الأيام بالتسويف والمماطلة، حتى تنتهى المعركة، ويعود المجاهدون! - فإذا كان ذلك شأنهم فى العمل، فكذلك كان أمرهم فى القول.. إذا سمعوا دعوة إلى الجهاد قالوا: «طاعة» ، وأظهروا للرسول الاستجابة

والامتثال، لما يدعوا إليه.. فإذا زايلوا مجلس الرسول، وخلوا إلى أنفسهم «بيّت طائفة منهم غير الذي تقول» وأنكروا على أنفسهم هذا القول الذي قالوه من قبل، وأقاموا أمرهم على خلافه.. فلا استجابة ولا طاعة.. ولكن عصيان ومخالفة.. وفى قوله تعالى: «وَيَقُولُونَ طاعَةٌ» ازدراء لهؤلاء القوم، وتحقير لهم، وذلك بالحديث عنهم بضمير الغائب، لأنهم ليسوا أهلا لأن يشرفوا بخطاب ربّ العالمين.. ثم كان الحديث عنهم بالضمير المبهم، دون ذكرهم والكشف عن ذواتهم، امتهانا لهم، واستخفافا بشأنهم، حتى لكأنهم أهون من أن يتعرف عليهم، وأضأل من أن تظهر لهم ذاتية مميزة لهم.. وفى قوله تعالى: «فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ» إشارة أخرى إلى ضمور ذواتهم، وضئولة شأنهم.. وأنهم فى مجلس الرسول، وبين أهل هذا المجلس، شخوص ضامرة، وشخصيات باهتة، يندسون بين الناس، فى حذر، وفى خفية، حتى لا تأخذهم العيون، ولا تفضح مستورهم النظرات.. هكذا شأن المنافقين، يعيشون دائما وراء ستار من الحذر، والتلصص، ولا يغشون المجالس إلّا فى حرص شديد على ألا تأخذهم العيون، ولا ترتقع إليهم الأبصار.. وفى التعبير بقوله تعالى: «بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ» تصوير معجز لحال هؤلاء المنافقين، الذين كانوا فى مجلس الرسول أشباحا لا تكاد ترى، حتى إذا خرجوا من مجلس الرسول، تطاولت أعناقهم، وشمخت أنوفهم، وانتفضت أجسامهم، فإذا هم أشبه بالطواويس خيلاء وإعجابا! يستعرضون الناس، ويعرضون على أنظارهم هذا الوجه الجديد منهم، وكأنهم بذلك يستوفون

حظهم من بروز الشخصية، ذلك الحظ الذي فاتهم، وهم يلبسون الوجه الآخر، وجه الضمور والانزواء، الذي يعيشون به أكثر مما يعيشون.. وقوله تعالى: «وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ» تهديد لجماعة المنافقين، ووعيد لهم بالحساب العسير والعذاب الأليم، إذ سجل الله عليهم كل ما عملوا من سوء، وهو سبحانه الذي سيتولى حسابهم، ومجازاتهم.. قوله تعالى: «أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ» إلفات لجماعات المنافقين والضالين إلى مافاتهم من خير عظيم، حين لم يقفوا عند آيات الله، ولم يتدبّروها، ويصححوا موقفهم منها، وذلك بالنظر فيها، نظرا يرتاد مواقع الخير، وينشد مطالع الهدى.. إنهم لو فعلوا ذلك، وأخلوا أنفسهم من تلك المشاعر الخبيثة المستولية عليهم، لرأوا وجه الحق سافرا فى آيات الله وكلماته، ولأحذوا طريقهم إلى الله مستقيما، فآمنوا بالله، وبرسوله، وبهذا الكتاب الذي أنزل على رسوله.. فإن نظرة مخلصة إلى كتاب الله، تصل العقول به، وتفتح القلوب له، لما فى كل آية وكل كلمة منه، من أمارات مشرقة، تحدّث بأن هذا الكلام هو كلام الله، وأن هذا الكتاب هو كتاب الله!! وأقرب تلك الأمارات وأظهرها أن هذا الكتاب قائم على أسلوب واحد، ومنهج واحد، ومستوى واحد.. وذلك أنه على امتداده، وسعته، وتشعّب الموضوعات التي تناولها، والقضايا التي عرضها، والأحكام التي أصدرها- هو فى ذلك كلّه على درجة واحدة من البلاغة والبيان، وعلى كلمة سواء فيما يأمر به وينهى عنه.. ولو كان هذا القرآن من عند غير الله، لاختلف أسلوبه، وتناقضت أحكامه، وتضاربت قضاياه.. شأن كل عمل بشرىّ، لا يسلم أبدا من مواطن القوة والضعف فيه.. قوله تعالى: «وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ»

هو جانب من جوانب الصورة التي عرض الله فيها هؤلاء المنافقين، وإنهم لأصحاب ثرثرة ولغو، كلما وقعت لآذانهم كلمة طاروا بها، وألقوا بها إلى كل أذن، دون أن يتبينوا ما يسمعون، أو يعرفوا وجهه.. إن اللغو وتقليب وجوه الكلام هو تجارتهم الرابحة، وبضاعتهم الرابحة.. لا يتكلفون له جهدا، ولا يخشون من ورائه سوءا.. فما هو إلا أحاديث تروى، وأخبار تتناقل، لا يدرى أحد مصدرها، ولا يعرف من هو صاحبها.. وعلى هذا الغذاء الخبيث يعيش المنافقون، ومن هذا الجوّ المغبّر يتنفسون.. فهم يثرثرون بكل ما يسمعون من خير أو شر: «إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ» أي نطقوا به، وصحبوه معهم إلى كل مكان.. فليس يرضيهم أن يذيعوا هذه الأحاديث فى الناس، وإنما هم وراء هذه الأحاديث المذاعة يدفعونها بين أيديهم، ويشهدون آثارها فى الناس.. وهذه ما يشير إليه النظم فى قوله تعالى «أَذاعُوا بِهِ» وهو غير ما يراد بالفعل «أذاعوه» الذي يضيف إليهم إذاعة الأحاديث وتنقلها بعد أن يدفعوا بها الدفعة الأولى.. أما قوله تعالى: «أَذاعُوا بِهِ» فإنه يجعلهم يدورون مع هذه الأحاديث حيثما دارت. وقوله تعالى: «وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» هو توبيخ لهم على هذه الخفّة وذلك الطيش اللذين يحملانهم على هذا الجري اللاهث بكل كلمة يسمعونها، أو وراء كل كلمة أو شائعة، تقال هنا أو هناك.. إنهم لو عقلوا، أو كانوا على بصيرة من أمرهم، لراجعوا أنفسهم عند كل خبر يلقى إليهم، وعند كل شائعة ترد على أسماعهم، فإن التبس عليهم شىء، أو اختلط عليهم أمر، ردّوه إلى الرسول، فكشف لهم وجه الحق منه، ووقف بهم على موارده الصحيحة، وأراهم الطريق القويم الذي يلقونه فيه.. فإن لم يكن لهم إلى الرسول سبيل، كان فى أولى الأمر منهم، وفى

القادة والراشدين بينهم، من يضبط موارد هذه الأخبار ومصادرها، ويعزل غثّها عن ثمينها، وباطلها عن حقها- إنهم لو فعلوا ذلك لكان خيرا لهم وأقوم، ولأراحوا أنفسهم وأراحوا الناس من هذا الهرج والمرج، الذي يثيرونه فيهم بهذه الأخبار المشوشة المضطربة! وهذا لا شك دستور قويم لاستقرار المجتمع، وضمان أمنه وسلامته، من كلمات السوء التي تتدسس إليه من أفواه ثرثارة، ترمى بالكلام بلا حساب ولا تقدير.. إن الكلمة ليست مجرد لفظة يلفظها الإنسان من فمه، ولكنها أشباح متنقلة فى الناس.. تتجسد، وتتشكل، وتظهر فى صور مختلفة، من تصورات الناس وأعمالهم، وخاصة فى أوقات الشدائد والأزمات التي تمر بالمجتمع، حيث الهياج والقلق والاضطراب، الذي يغشى الناس، ويطلع عليهم فى يقظتهم ونومهم على السواء. وقوله تعالى: «وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا» تنبيه للمسلمين إلى الخطر الذي يتهددهم من وراء هذه الوسوسات التي تندسّ إليهم، من مفتريات الأحاديث وأباطيلها، وأن ذلك جميعه من واردات الشيطان، الذي يسوّل لتلك النفوس المريضة باللغو، ويغريها بالثرثرة، ويركب بها مركب السوء، فتذيع فى الناس، البلبلة والاضطراب، وتفتح لهم أبواب الفتنة والضلال.. ولولا فضل الله وما يحرس به المؤمنين من عظاته، وتنبيهاته لهم، وتحذيرهم من المزالق والعثرات، لضلّوا وغووا، إلا قليلا منهم، ممن استعصم بعقله، واحتكم إلى رأيه، واستصفى لنفسه المورد الطيب الذي يرده..

الآية: (84) [سورة النساء (4) : آية 84]

فهؤلاء القليلون هم الأمناء على أنفسهم، وهم أوتاد المجتمع، والحراس على فطرة الإنسان وكرامته.. الآية: (84) [سورة النساء (4) : آية 84] فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً (84) التفسير: وإنه ليس بعد هذا التنديد بالمنافقين، والمرجفين بالناس، وتحذير المؤمنين منهم، وإجلاء هذا الدخان المنعقد فى سماء المجتمع من شائعات السوء- إلا أن يأخذ النبي طريقه الذي هو سائر فيه، بعد تلك الوقفة، التي نظّم فيها صفوفه، وعزل عنها هذا المرض المندسّ بينها، من المنافقين والمثبطين.. «فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ» فهذا هو طريق النبىّ.. القتال فى سبيل الله والاتجاه إليه بكل قوته، والعمل فيه جهد طاقته.. ولا عليه أن يتخاذل المتخاذلون، ويبطّىء المبطّئون.. إنه لا يكلّف إلا ما يملك، وهو لا يملك إلّا نفسه. وقوله تعالى: «حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ» هو استدعاء سماوىّ للمؤمنين الذين صدقوا إيمانهم أن يكونوا مع النبىّ، وأن يأخذوا طريقه الذي أخذه.. وفى هذا ما فيه من تكريم لهم، ورفع لقدرهم. وقوله سبحانه: «عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا» هو رجاء يتعلق به النبىّ والمجاهدون معه.. فالنبىّ والمؤمنون الذين يجاهدون معه

الآية: (85) [سورة النساء (4) : آية 85]

على رجاء من عون الله لهم، ونصرهم على أعدائهم.. وأن هؤلاء الأعداء إن كانوا أولى قوة وأولى بأس شديد، فالنبىّ والمسلمون يشدّون رجاءهم إلى قوة فوق هذه القوة، وإلى بأس أعظم من هذا البأس.. قوة الله، وبأس الله.. «وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا» . الآية: (85) [سورة النساء (4) : آية 85] مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (85) التفسير: فى الآيات السابقة كان الحديث عن الجماعة الإسلامية، وعن أعراض النفاق التي تظهر فى بعض منها، ممن دخلوا فى الإسلام، واتخذوه جنّة لهم، وقد كشف الله مواقف هؤلاء المنافقين، ورصد حركاتهم، وأرى النبىّ والمسلمين ما كانوا يخفونه فيما بينهم. وفى هذه الآية يلتقى المؤمنون والمنافقون فى موقف الحساب، حيث يواجه بعضهم بعضا، وحيث يذهب كل منهم بما استحق من جزاء. وقوله تعالى: «مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها» هو عرض لفريق المؤمنين، الذين سيسوّى حسابهم على حسب ما عملوا من خير، وما قدموا من إحسان. والتعبير عن العمل «بالشفاعة» هنا للدلالة على أنه عمل من نوع خاص، عمل يتصل بالإنسان وبما يقع بينه وبين غيره من الناس، من تصرفات، حسنة أو سيئة.. فلا يدخل فى هذا العمل ما كان خاصا بذات الإنسان، وما يأخذ به (م 54- التفسير القرآنى- ج 5)

نفسه من طاعات وعبادات، محسنا أو مقصّرا، أو بما بينه وبين الله من معتقد، صالحا أو فاسدا.. فالشفع فى اللغة: الزوج من كل شىء، وفى كل شىء.. وهو يقابل الوتر الذي هو الفرد.. والشفاعة الحسنة، هى الإحسان إلى الغير، بالقول أو بالعمل.. والشفاعة السيئة، هى الإساءة إلى الغير بالقول أو بالعمل.. وصاحب الشفاعة الحسنة له «نصيب منها» أي أنه حين يبذل من نفسه للغير، ما يبذل من خير وإحسان، فإنه له نصيبا من هذا الخير وذلك الإحسان.. فهو وإن يكن ما بذله قد خرج من سلطانه، وصار إلى غيره، فإنه سيعود إليه شىء منه، بصورة ما، من صور الخير والإحسان.. فقد يلقاه صاحبه الذي أحسن إليه بإحسان كإحسانه، وإن اختلف شكلا وقدرا.. فإن حرم المحسن العوض ممن أحسن إليه لم يحرم لذّة الإحسان، التي تشيع فى نفسه الرضا، وفى قلبه الفرحة.. فإن حرم هذه اللذة- وهيهات- فإنه لن يحرم أبدا ثواب الله الذي أعدّه للمحسنين، إذ يقول سبحانه: «وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» (56: يوسف) . من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والنّاس كذلك صاحب الشفاعة السيئة، له «كفل منها» أي نصيب يعود إليه مما عمل من سوء.. يجىء إليه ممن أساء إليهم، أو من نخسة ضميره، فى حال من أحوال صحوه ويقظته.. فإن لم يكن لضميره صحوة أو يقظة- وهيهات- فهناك القصاص العادل، يأخذه الله به، يوم الفصل بين العباد.. وقد فرّق القرآن بين عائد الشفاعة الحسنة، وعائد الشفاعة السيئة.. فسمّى

عائد الشفاعة الحسنة «نصيبا» وسمى عائد الشفاعة السيئة «كفلا» . فما السرّ فى هذا؟ نقول- والله أعلم- إن عائد الشفاعة الحسنة هو خير وبركة، يصيب صاحبها، وأنه إذ يقدّمها إحسانا وبرّا، فإن له من هذا البرّ والإحسان نصيبا. وكذلك صاحب الشفاعة السيئة، إنه إذ يقدم الشرّ والسوء، سيجنى من ثمر ما زرع شرّا وسوءا! والتعبير عن عائد الخير بالنصيب هو التعبير المطلوب لغة وواقعا، لأن النصيب هنا، فى اللغة: الحظ والقدر المتاح للإنسان من أي شىء، خيرا، كان أو شرا. وقد عدل القرآن عن استعمال كلمة «النصيب، فى عائد الشفاعة السيئة هنا، إلى كلمة «كفل» التي تأتى بمعنى الضامن، والكفيل، الذي يضمن المدين الغارم، ويكفل الوفاء بالدّين، إذا عجز المدين عنه. فالشفاعة السيئة دين ثقيل، يستنفد كل ما يملك صاحب هذه الشفاعة من خير، وهو والحال كذلك فى حاجة إلى ضامن أو كفيل.. ولا ضامن أو كفيل يجرؤ على كفالة هذا المفلس وضماته.. وإذ كان لا بد من ضامن أو كفيل، فكافله وضامنه، هو عائد هذا الشر الذي غرس.. فإذا طولب بقضاء دينه وهو مفلس عاجز عن قضائه، أخذ هذا العائد وفاء لبعض ما عليه، وإذا هو شر إلى شرّ، وبلاء إلى بلاء!!

الآية: (86 - 87) [سورة النساء (4) : الآيات 86 إلى 87]

الآية: (86- 87) [سورة النساء (4) : الآيات 86 الى 87] وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (86) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (87) التفسير: التحيّة التي يتبادلها الناس فيما بينهم، هى مفتاح يفتح مغالق القلوب فيهم، وأشعة دافئة تذيب الثلج وتدفع الضباب الذي بينهم.. ولهذا كانت عرفا ملتزما فى مختلف الأمم، والشعوب، على مدى الأزمان.. وهى فى الإسلام، خير يتهاداه الناس، وبرّ يلقى به بعضهم بعضا.. من قبض يده عن بذله، أو كفّها عن أخذه، فقد فاته حظه من هذا الخير، وحرم نصيبه من هذا البرّ.. وقد أخذ الإسلام المسلمين بهذا الأدب الإنسانى، وجعله شعيرة من شعائر الإسلام، وأوجب على من بدأه أحد يتحية، أن يتقبلها بقبول حسن، وأن يردّها بتحية مثلها، أو خير منها.. إذ كان الذي بدأ بالتحية، قد بدأ بفضل وإحسان، ورد التحية بمثلها قضاء لقرض حسن، فلا حمد لمن أدّى ما اقترض.. والحق يقتضيه أن يشكر لمقرضه، ويثنى عليه.. ومن حق البادئ بالتحية أن يردّ عليه بأحسن مما بدأ به.. والله سبحانه وتعالى يقول: «هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ» .. ومقابلة الإحسان بالإحسان ليست جزاء له، وإنما هى وفاء له، والجزاء يكون بمقابلة الإحسان بما هو أحسن من هذا الإحسان.. والتحية الطيبة بين المسلمين هى من الشفاعة الحسنة التي أشارت إليها الآية السابقة.. وهى وجه من وجوه تلك الشفاعة.. وتحية الإسلام، هى كلمة: «السّلام» مشتقة من الإسلام، يلقى بها

الإنسان أخاه قائلا: «السلام عليكم» فيلقاه أخوه بها قائلا: «وعليكم السلام ورحمة الله» .. وفى هذا الجوّ الذي تتردد فى جنباته كلمات السلام، تفىء النفوس إلى السّلم، وتهفو إلى العافية، وتستروح روح المودة والإخاء.. وإذ يأخذ المسلمون أنفسهم بهذا الأدب الإسلامى، وإذ تشيع بينهم هذه الكلمة الطيبة الرائعة، وإذ ينطق بها من نطق عن وعى ويقظة، وإذ يتلقاها من تلقّى عن إدراك وفهم، فإنك لن تجد فى مجتمع يتخذ هذه الكلمة شعارا ودثارا- قلبا يحمل بغضة، أو صدرا ينطوى على عداوة، وإنه لا شى إلا المودة والحب والسلام.. وإذا كان الإسلام قد آثر كلمة «السّلام» لما يشعّ منها من المعاني الكريمة الطيبة، التي تقتل جراثيم العداوة والبغضة، فإنه- مع هذا- يتقبل أية تحية طيبة يتبادلها الناس، ويتوسمون فيها سمات الخير والإحسان.. ولهذا جاء قوله تعالى: «وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها» غير مقيد التحية بقيد مخصوص، ولا واقف بها على صورة خاصة، ليتيح للناس من التحايا ما يغذى عواطف الأخوة والمودة بينهم، سواء أكانت تلك التحية لفظة ملفوظة، أو حركة معبّرة، أو إشارة دالة، أو إماءة موحية.. إذ لا يعنى الإسلام من هذا إلا الأثر المترتب عليه، ولا يعنيه شىء ممّا يظهر فيه من صور وأشكال. وإن كانت كلمة السلام هى تحية الإسلام، وشارة المسلمين. وقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً» إشارة إلى أن هذه التحية حق من الحقوق الواجب بذلها، كما أنها حق من الحقوق الواجب أداؤها إلى أصحابها.. وأداؤها يكون بقبولها، وردّها بأحسن منها! وأن الله سبحانه حسيب على كل شىء.. يضبطه، ويجازى عليه! ومع أن التحية مجرد كلمات قليلة متبادلة بين الناس والناس، لا يتكلف لها

الآية: (88) [سورة النساء (4) : آية 88]

الناس جهدا، ولا ينفقون فى سبيلها مالا إلّا أن كثيرا من الناس يضنّون بها، ويمسكون ألسنتهم عنها، ولا يعدّونها معاملة كريمة يتعاملون مع الناس بها، أخذا أو إعطاء!! وذلك لا يكون إلا عن نفس مريضة، وطبع لئيم.. إذ أنه ليس فى باب الإحسان مثل التحيّة، فى خفّة محملها، وقلة مئونتها، مع كثرة محصولها، وطيب ثمرها.. وليس فى الناس أخسر صفقة، وأنكد حظّا ممن لا يحصّل هذا الخير الكثير، الذي يجىء إليه صفوا عفوا.. من غير ثمن!! وقوله تعالى: «اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً» هو تعقيب على تلك الدعوة الكريمة التي دعا الله المسلمين إليها، وهى تبادل الإحسان والمعروف بينهم، ولو بالكلمة الطيبة، وهى التحية.. وفى هذا التعقيب، يتجلّى الله سبحانه وتعالى متفردا بألوهيته، لا يملك أحد مع الله شىء.. وهو بهذا التفرد قائم على عباده، يجمعهم إليه يوم القيامة، ليجزى كل نفس بما كسبت.. ذلك أمر لا شك فيه، قد أخبرنا الله به فى كتبه، وعلى لسان أنبيائه.. «وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً» .. الآية: (88) [سورة النساء (4) : آية 88] فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (88) التفسير: النفاق أخبث نبتة وأشأمها، تنبت فى كيان المجتمع، وتغتال أيّة رقعة من أرضه..

والمنافقون هم أخبث داء وأقتله، إذا تسلّطوا على مجتمع، وأوجدوا لأنفسهم مكانا فيه.. ولقد ابتلى المسلمون- شأنهم شأن كل مجتمع- بالنفاق وبالمنافقين، الذين كانوا عدوا خفيا، يظاهر العدوّ الظاهر، الذي يلقاه المسلمون فى ميدان القتال! وإذا كانت سيوف المسلمين قد عرفت طريقها إلى رقاب المشركين والكافرين، وأخذت بحقّها منهم، فإن أمر المسلمين مع المنافقين كان على خلاف.. حيث يظهر فيهم المنافق بأكثر من وجه، فلا يدرون على أي وجه يتعاملون معه، ولا على أي وجه يأخذونه.. فهو مسلم فى ظاهره.. مشرك، أو كافر، فى باطنه..! وإذا أتيح للمسلمين أن يروا من المنافق هذا الظاهر الذي يعيش فيه معهم، فمن لهم بأن يروا منه هذا الباطن الذي لا يعلمه إلا علام الغيوب؟ وهنا موطن الحدس، والتأويل، ومكمن الخطر والحرج!! وفى عهد النبوة كشف الله سبحانه للنبى وللمسلمين عن كثير من المنافقين، وفضح لهم باطنهم، وعرضهم على الملأ عرضا فاضحا، بأعيانهم، وأسمائهم.. فلم يكن أمرهم بعد هذا خافيا على أحد.. ولكن مع هذا ظل بعض المسلمين مترددا فى كثير منهم، لما يبدو على ظاهرهم من سراب خادع، من الصلاح الزائف، والتقوى، الكاذبة.. فجاء قوله تعالى: «فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ» ؟ قاضيا على هذا التردد، قاطعا كل شك.. فلا ينبغى بعد هذا أن يكون المؤمنون على رأيين فى المنافقين، وإنما هو رأى واحد لا خلاف عليه.. وهو أن هؤلاء المنافقين، منافقون،

قولا واحدا، وأن على المسلمين جميعا أن يعاملوهم معاملة المشركين والكافرين، وأن يحذروهم حذر المنافقين والمشركين.. وقوله تعالى: «فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ» هو استفهام إنكارى، أن يكون المسلمون فريقين فى أمر المنافقين، فريقا يحذرهم ويتخذهم عدوا، وفريقا آخر يقف منهم موقف التردد والترقب، تمحيصا لما فى قلوبهم، واختبارا لما فى صدورهم.. وذلك ما ينكره الله سبحانه على هذا الفريق، الذي وقف من هؤلاء المنافقين هذا الموقف المتردد.. وقوله تعالى: «وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا» هو توكيد قاطع لما حكم الله به هو على هؤلاء المنافقين، وأنهم أهل ضلال وفساد، لا يرجى لهم صلاح أبدا.. فقد أقامهم الله على هذا النفاق، ودمغهم به، بسبب ما كان منهم من مكر بآيات الله، والتواء على صراطه المستقيم، وتلاعب بشرعه القويم! وقوله تعالى: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ» استفهام إنكارى أيضا، على تلك الفئة من المسلمين التي لا تزال تحت تأثير هذا الخداع الذي يلوح لهم من قبل المنافقين، ويتوقعون من جهتهم الخير والصلاح.. وكلا، فقد أضلّهم الله.. فهل فى الناس من هو قادر على أن يهدى من أضله الله؟ «وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا» .. فإنه لا سبيل له غير هذا السبيل الذي سلكه، سبيل النفاق، الذي سيمضى فيه إلى غايته، التي تنتهى به إلى جهنم وبئس المهاد.

الآيتان: (89 - 90) [سورة النساء (4) : الآيات 89 إلى 91]

الآيتان: (89- 90) [سورة النساء (4) : الآيات 89 الى 91] وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (89) إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (90) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (91) التفسير: يعيش المنافق فى صحبة شعور مزعج، وهو أنه يحمل جريمة، يحاول إخفاءها عن الناس، ولكن عيون الناس تتبعه حيث كان، تبحث عن هذا الشيء الذي يخفيه، ويبالغ هو فى ألا يراه أحد.. هكذا هو أبدا مع هذا الشعور المتسلط عليه.. وقد يكون الناس فى غفلة عنه، وفى غير التفات إليه، ولا مراقبة له، ومع هذا فإن الجريمة التي يحملها معه، لا تدع له سبيلا إلى الاطمئنان والهدوء، بل تراه دائما على حذر، يرصد الناس، ويسترق النظر إليهم، بل يكاد يسألهم: عمّ يبحثون؟ وماذا يريدون؟ وما هى الجريمة؟ ومن المجرم؟ .. وفيه يصدق المثل الذي يقول: «يكاد المريب يقول: خذونى» !

إن المنافق أشبه بمجرم فى قفص الاتهام.. والمجتمع الذي يعيش فيه هو الذي يحاكمه، ويحاصره، ويأخذ عليه كل سبيل للإفلات من تلك النظرات المتهمة له، الفاضحة لجرمه. ومن هنا يقوم فى كيان المنافق شعور آخر، يواجه به شعور الخوف والقلق الذي يستولى عليه، من إحساسه بمراقبة الناس له، واطلاعهم على خبيئة أمره، وفضحهم لخفىّ نفاقه- هذا الشعور الآخر، هو الرغبة فى أن يرى الناس جميعا من حوله، صورة منه.. فلا يلقون أنظارهم إليه، ولا يلتفت هو إليهم، ولا يحاول أن يستر فعلته عنهم، إذ كانوا جميعا على شاكلته.. فإن المجرم بين المجرمين، لا يستحى أن يكشف عن جرائمه، بل وربما بالغ فيها، ليرى أصحابه منه أنه عريق فى الإجرام، يستأهل مكان الصدارة فى المجرمين! ومن هنا كان المنافقون يسعون دائما إلى إفساد المؤمنين وإغوائهم، وتزيين النفاق لهم، وتحبيب الكفر إليهم، ليكونوا معهم فى هذا البلاء، وليقتسموا المحنة التي يعيشون بين المجتمع فيها! وفى قوله تعالى: «وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً» - ما يكشف عن هذا الشعور الذي يحرك المنافقين إلى إفساد المؤمنين، ليؤنسوا وحشتهم، وليفكوا قيدهم الذي يمسك بهم فى محيط محدود لا يتجاوزونه! حتى إذا امتلأت الأرض نفاقا، كان لهم أن يسرحوا ويمرحوا كيف يشاءون، وأن يظهروا ما ستره النفاق منهم، من كفر وإلحاد.. ولهذا جاء التعبير القرآنى: «وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا» بديلا مما يقضى به الظاهر وهو: «ودوا لو تنافقون كما نافقوا» ، لأن النفاق يستر وراءه الكفر.. فجاء التعبير القرآنى فاضحا هذا الكفر المستتر وراء النفاق.. وقوله تعالى: «فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» هو

تحذير من الله للمؤمنين أن يوالوا هؤلاء المنافقين، وأن يأمنوا جانبهم، ماداموا فى موقفهم الذي اتخذوه من المؤمنين.. فإن تحوّلوا عن هذا الموقف، وانحازوا إلى جماعة المؤمنين، وخالطوهم، وأخذوا مأخذهم فى الحياة، واستقاموا على طريقهم، وهاجروا وجاهدوا فى سبيل الله- إن هم فعلوا ذلك كان لهم ما للمؤمنين، وعليهم ما عليهم، وكان على المؤمنين ضمّهم إليهم، وجمعهم معهم.. فإن أبوا إلا أن يظلوا فى هذا الموقع المنحرف بين المؤمنين والكافرين، وجب على المؤمنين أن يعاملوهم معاملة العدوّ الراصد.. إذا وقعوا لأيديهم فى معركة كان جزاؤهم القتل، وإن لم تصل إليهم يد المؤمنين بالقتل، كان على المؤمنين أن يتجنبوهم، وأن يحذروهم، فلا يقبلوا منهم قولا، ولو جاء فى صورة النصح، ولا يستنصروا بهم فى حرب، ولو أحاط بهم العدوّ.. وقوله تعالى «إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ» هو استثناء من تلك المقاطعة التي أوجبها الإسلام على المسلمين فى مواجهة المنافقين.. فإنه إذا انحاز هؤلاء المنافقون إلى جماعة- غير مؤمنة- بينها وبين المؤمنين ميثاق، بالموادعة والمسالمة- لم يكن للمؤمنين أن يمدّوا أيديهم بأذى إلى هؤلاء المنافقين، لأنهم صاروا فى ذمة تلك الجماعة التي وادعها المسلمون وسالموها! وفى العدوان عليهم عدوان على تلك الجماعة، ونقض للميثاق الذي عقده المسلمون معهم، ووجب عليهم الوفاء به! وقوله تعالى: «أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ» هو عطف على المستثنى السابق.. يبيّن حكم جماعة أخرى من المنافقين جاءوا إلى المسلمين يطلبون الموادعة والمسالمة، وهم مقيمون حيث هم فى قومهم الذين لم يدخلوا فى الإسلام.. فهؤلاء المنافقون، قد كفّوا أيديهم عن المسلمين طلبوا الأمان منهم، وانحازوا جانبا.. لا يقاتلون المسلمين مع قومهم،

ولا يقاتلون قومهم مع المسلمين.. فهم- والأمر كذلك- فتنة نائمة، وشر ساكن.. ومن مصلحة المسلمين- وهم فى وجه عداوة وحرب- ألّا يحركوا هذا الشرّ، وألا يوقظوا تلك الفتنة.. وقوله تعالى: «وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ» يبيّن الحكمة من موادعة هؤلاء المنافقين ومسالمتهم.. إذ كان من المتوقع أن يكونوا حربا على المسلمين مع قومهم، وأما وقد كفّوا أيديهم واعتزلوا الحرب، فلم يكونوا هنا أو هناك، فإن موادعتهم كسب للمسلمين، وإضعاف لقوة عدوّهم، وفتح ثغرة فى صفوفهم.. ربما كانت مدخلا يدخل منه كثيرون، ممن يعتزلون حرب المسلمين ويكفون أيديهم عنهم.. وقوله تعالى: «فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا» هو تنبيه للمسلمين إلى أخذ الحذر والحيطة من هؤلاء المنافين، الذين قد يغلب عليهم طبعهم، فلا يمسكون بالعهد الذي عاهدوا المسلمين عليه، والذين ربما لو رأوا كفة قومهم هى الراجحة مالوا إليهم، وقاتلوا معهم، غير ملتفتين إلى عهد أو ميثاق.. ومن هنا كان على المسلمين أن يقيموا عهدهم معهم على هذا المفهوم، وأنه عهد غير مطلق، وإنما يوثقه أو ينقضه ما يكشف عنه واقع الحال من هؤلاء المنافقين، فإن استقاموا استقام لهم المسلمون، وإن نكثوا فلا عهد لهم عند المسلمين ولا ذمّة.. وقوله تعالى: «سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها» بيان لما تكشف عنه التجربة من أمر هؤلاء المنافقين، وأن جماعة منهم، ركبها النفاق، وغلب عليها حكمه، فلم تكن موادعتها للمسلمين إلا ضربا من ضروب النفاق، تريد به أن تضمن السلامة والعافية، وأنه إذا انتصر المسلمون على قومهم، كانوا هم بمأمن مما يجرى على

الآية: (92) [سورة النساء (4) : آية 92]

قومهم من حكم الإسلام فيهم، من قتل، وسبى، ومغنم.. وإذا انتصر قومهم، كان لهم من صلتهم بهم وقرابتهم لهم، ما يدفع عنهم بأسهم، وضرهم.. فهذه الجماعة من المنافقين إن لم تتحرر من نفاقها، وإن لم تقم أمرها على وجه واحد مع المسلمين، كان على المسلمين أن يأخذوهم بما يأخذون به أعداءهم، لأنهم مخادعون، مضللون، يتخذون من خداعهم وتضليلهم جنّة يدفعون بها ما يتوقع من المسلمين من نصر، وما وراء هذا النصر من بأساء وضراء تحيط بهم! الآية: (92) [سورة النساء (4) : آية 92] وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (92) التفسير: الدماء، والأموال، والأعراض، من الحرمات التي قامت رسالة الإسلام على حمايتها من كل عدوان، وحياطتها من كل بغى.. إذ كانت ملاك أمر الإنسان كله، وقوام وجوده، وضمان حياته.. فلا حياة لإنسان مهدر الدم، مستباح المال، مهتوك العرض.. وكيف يحيا من حياته فى يد غيره؟ وكيف يعيش من ماله ليد السلب

والنهب والاغتصاب؟ وكيف يصحّ من تعرّض عرضه للبغى والعدوان؟ وماذا يبقى للإنسان إن أريق دمه، وأزهقت روحه؟ وماذا يبقى من الإنسان إن سلب ماله، أو هتك عرضه؟ لهذا جاءت شريعة السماء، وقامت قوانين الأرض، لتحمى هذه الحرمات، وتصونها، وتأخذ من الإنسان ما تشاء أن تأخذ، لتحتفظ له بتلك المقدسات، وتحمى له هذه الحرمات، التي إن تهدمت تهدم الإنسان، وانهار المجتمع، وتحول إلى عالم الحيوان، تحكمه شريعة الغاب، وتتحكم فيه غريزة الوحوش.. ودم الإنسان- أي إنسان- فى الإسلام، كريم عزيز، لا تستباح قطرة منه بغير حق، ولا تزهق روح بغير قصاص.. ودم المؤمن أعز وأكرم عند الله من كل دم عزيز كريم، لأن المؤمن أقرب إلى الله، وأدخل فى حماه، ممن كفر بالله أو أشرك به! وقوله تعالى: «وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً» استبعاد لقتل المؤمن، واستنكار للعدوان عليه، من مؤمن مثله، يأخذ مأخذه فى الولاء لله، وفى الإيمان به، والاعتصام بحبله! فإذا عمد المؤمن إلى قتل مؤمن، فإنه- مع عدوانه على الأخوّة الإنسانية- قد اعتدى على ولىّ من أولياء الله، واستباح دم جندى من جنوده! أمّا أن يقتل مؤمن مؤمنا خطأ، فذلك مما تجاوز الله عنه، إذ كان أمرا لم يؤامر المؤمن نفسه عليه، ولم يستدع إرادته له.. ومع هذا، فإن دم مؤمن قد أريق، وروح مؤمن قد أزهقت! ولن يضيع

هذا الدم هدرا، ولن تذهب تلك الروح هباء!! «وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ.. إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا» . فهذا هو الرأب للصدع الذي حدث، والقصاص للدم الذي أريق بغير قصد! إن لهذا الدم وليّين: الله سبحانه وتعالى، وأهل القتيل.. فالله سبحانه، ولىّ تلك النفس المؤمنة.. وأهل القتيل هم أولياء هذا الدم المراق.. وحقّ الله على القاتل أن يحيى هذه النفس الميتة..! وإذ كان ذلك أمرا غير مستطاع من القاتل، فإنه يحال إلى أمر مستطاع، وهو أن يحرّر رقبة مؤمنة، وأن يحيى نفسا أماتتها العبودية، وأزهق روحها الاستعباد! وفى هذا حياة نفس مؤمنة بنفس مؤمنة.. وكأنّ القتيل قد عاد فى شخص هذا الإنسان المستعبد، الذي ولد ميلادا جديدا، بعتقه وتحرير رقبته! وأولياء دم القتيل من أهله، لا يرضيهم إلا أن يقتل هذا القاتل، أو يغرم من ماله ما هو أشبه فى الغرم بقتله! وإذ كان القاتل لم تتجه نيته إلى القتل، ولم يحمله على القتل حقد أو ضغينة، فقد كان من الحكة والعدل ألا يقتل بيد النقمة والضغينة.. وليكن فى الدية التي يقدّمها لولىّ الدم عزاء عن مصيبة جاءت قضاء وقدرا.. وقوله تعالى: «إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا» دعوة كريمة من ربّ كريم، إلى أولياء الدم أن يعفوا ويصفحوا، وأن يتصدقوا بهذا الحق الذي لهم فى مال

القاتل على القاتل.. وحسبه ما وقع فى نفسه من ألم وحسرة، لما جنت يده المخطئة عليه، بقتل نفس مؤمنة لم يرد بها شرّا، ولم يضمر لها سوءا. وقوله تعالى: «فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ» أي أن جبر دم القتيل المؤمن بيد الخطأ، هو تحرير رقبة مؤمنة، ولا دية لأولياء الدم، لأنهم فى حرب مع المؤمنين، وفى أخذ هذا المال من المسلمين تقوية لأعدائهم وإضعاف للمؤمنين.. وحسب المؤمنين أن فقدوا عضوا منهم بهذا القتيل المؤمن، فلا يجمع عليهم بين قتله، وتوجيه ديته إلى الجبهة المحاربة للمؤمنين.. وقوله تعالى: «وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ» ذلك أن الوفاء بالعهد الذي بين المؤمنين، ومن عقدوا العهد معهم، أمر أوجبه الإسلام على المسلمين، ولم يحلّهم منه لأى سبب، حتى ولو كان العهد مع من لم يدخلوا فى دين الله! ولهذا قدم تقديم الدّية هنا على تحرير الرقبة، لأن العهد فى ذمة المسلمين جميعا، لا تبرأ ذمتهم إلا بالوفاء به، إن لم يسعه مال القاتل خرج من بيت مال المسلمين.. أما تحرير الرقبة، فهو فى ذمة القاتل وحده، له فيه فسحة من الوقت ونظرة إلى ميسرة! وقوله تعالى: «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» أي فإن كان القاتل معسرا، لا يستطيع أن يحرر رقبة، أو يقدم دية، فليصم شهرين متتابعين، حتى يغسل من نفسه مشاعر الحسرة والألم لهذا الدم المسفوك! وقوله تعالى: «تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً» أي أن صيام هذين الشهرين لأجل التوبة المتنزلة على القاتل من الله، والرحمة به، من أن يقتل نفسه أسفا وندما.. إذ علم الله أنه لم يعمد إلى القتل، فاقتضت حكمته تعالى، أن يرحم هذا القاتل، ويجعل له من همه فرجا، ومن ضيقه مخرجا..

وهنا نسأل: ماذا عن قوله تعالى: «وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» (5: الأحزاب) . - هذا القول الذي يرفع اللوم والمؤاخذة عن الأفعال التي تقع من الإنسان عن غير قصد وعمد؟ ثم ماذا عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمّتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» .. وقد جاء مقررا هذا المعنى الذي تضمنته الآية الكريمة، ومؤكدا له؟ ما تأويل هذا؟ مع ما أوجبه الله سبحانه وتعالى على القاتل خطأ، من تحرير رقبة مؤمنة ودية مسلّمة إلى أهل القتيل.. فإن لم يجد ما يحرر به رقبة، ويقدّم به دية، فصيام شهرين متتابعين؟ أليس فى هذا مؤاخذة وقصاصا؟ فكيف التوفيق بين هذين الحكمين، اللذين يدفع أحدهما المؤاخذة عن فعل الخطأ، بينما يوجّه الآخر المؤاخذة إليه؟ والجواب على هذا- والله أعلم- هو أن هناك روحا أزهقت، ونفسا قتلت، وأن من شأن هذا الحدث أن يثير هياجا فى المشاعر، واضطرابا فى العواطف، وألما فى النفوس.. يبدأ ذلك من خاصة أهل القتيل، من آباء، وأبناء، وإخوة، وأعمام، وأبناء أعمام.. ثم يمتد إلى أصهار القتيل، وإلى ذوى قرابته من بعيد، وإلى أصدقائه، وأحبّائه ثم إلى المجتمع الذي يعيش فيه، ويتبادل المنافع مع أفراده! إن حادث القتل من أشبع الحوادث التي تقع فى محيط الحياة الإنسانية.. والقتل الخطأ، وإن كان يخفف من وقع المصيبة على أهلها، إلا أن ما يبقى منه مع ذلك، هو همّ ثقيل، وبلاء عظيم.. (م 55- التفسير القرآنى- ج 5)

وهل يعيد القتل الخطأ لأهل القتيل صاحبهم إلى الحياة؟ وهل يرى أهله فى قتيلهم هذا، غير ما يرونه فيه لو أنه قتل عن عمد وقصد؟ كلا.. فهو فى كلا الحالين جثة هامدة بين أيديهم.. كان إلى لحظات قليلة مضت ملء أسماعهم وأبصارهم.. وهو الآن فى عالم الأموات، وهو عما قليل صائر إلى حيث يوضع فى حفرة، تم يهال عليه التراب.. والنظرة المختلفة هنا، هى التي ينظر بها أهل القتيل إلى القاتل، لا إلى القتيل، الذي لا يختلف نظرهم فيه على أي حال.. فالقاتل خطأ ليس فى وجه عداوة ونقمة من أهل القتيل، كالقاتل عن عمد وقصد.. ولكنه مع ذلك بغيض إلى نفوسهم، ينظرون إليه بعيون ملؤها الضيق والألم، إن لم يكن ملؤها الشنآن والنّقمة.. بهذه النظرة الفاحصة الحكيمة الشاملة، نظر القرآن إلى هذا الحدث المروّع، نظرة جمعت كل أطرافه، وأمسكت بجميع موارده ومصادره، ونفذت إلى ما يعتمل فى المشاعر، وما يضطرب فى الصدور منه، ثم جاءت إلى كل أولئك بما يصلح أمرهم، ويقيمهم على نهج قاصد، وطريق سواء! فأهل القتيل، لا بد لهم من مواساة وعزاء فى هذا المصاب.. وعزاؤهم ومواساتهم هو فى أن يترضّاهم القاتل، ويعتذر إليهم بهذه الدّية التي يقدمها لهم، ويريهم منها أنه ملوم يستحق المؤاخذة- وإن كانت حقيقة الأمر ألّا لوم عليه ولا مؤاخذة- إذ كان منطق النفوس المهتاجة فى تلك الحال غير منطقها المعتاد، فى الظروف الطبيعية.. فهذه الدّية- فى حقيقتها- رمز لسلامة نية القاتل.. ولهذا التفت القرآن الكريم إلى أولياء القتيل، فدعاهم فى رفق إلى التصدّق بهذه الدية على القاتل نفسه.. رحمة به، وتجاوزا عن فعلة جاءت على غير إرادته.

هذا هو الطرف الأول والمهمّ فى هذه الواقعة.. وقد أرضاه حكم الإسلام، وطيّب خاطره، وقدم له جميل العزاء، وكرم المواساة.. وهم أولياء القتيل. أما الطرف الثاني، وهو القاتل.. فإنه- وقد قتل نفسا مؤمنة، بغير حق- يكاد يختنق ضيقا، ويحترق حسرة وألما.. يؤرّقه هذا الدّم لذى أراقه، وتفزّعه هذه الروح التي أزهقها، والتي تصيح به: لم فعلت بي هذا؟ وأي جناية جنيتها عليك حتى تفعل بي ما فعلت؟ .. وهكذا يعيش القاتل مع ضمير مؤرّق، ونفس معذبة، ووساوس مزعجة، لا تدع له سبيلا إلى السكن والقرار! وهنا يجىء التشريع الإسلامى إلى هذا القاتل، بما فيه العزاء لمصابه، والمواساة فى مصيبته! لقد قتل نفسا مؤمنة خطأ، فليحى نفسا مؤمنة- عمدا!! وبهذا تنقشع من نفسه تلك الغيوم السود المتراكمة، من مشاعر الحرج والإثم..! ومن جهة أخرى، فإن هذا القاتل يرى أهل القتيل وقد جنى عليهم بما جنى، وأن فى قلوبهم بغضا له، وفى عيونهم ازورارا عنه- وهذا بلاء إلى البلاء الذي يجده بمعزل عن أهل القتيل، وذلك فى مواجهة النفس التي قتلها، وفى جنايته عليها.. وإنه لكى يذهب ببعض ما فى نفوس أهل القتيل عليه من موجدة وبغضه- كانت الدية التي أوجبتها الشريعة عليه، والتي عرفنا شأنها وأثرها عند أولياء الدم! ومن هذا يتضح: أن ما فرض على القاتل من تحرير رقبة، وتقديم دية، كان لحسابه هو، ولعلاج ما أصابه من فعلته، فى حياته الروحية والماديّة معا.. وأنه بهذا الذي

الآية: (93) [سورة النساء (4) : آية 93]

قدّمه، قد تقاضى به الثمن عاجلا.. فوجد السكينة والأمن مع نفسه المضطربة، كما وجد السلام، والوئام مع المجتمع، ومع أولياء الدم بوجه خاص.. فواقع الأمر- كما ترى- هو أن القتل الخطأ فى ذاته معفوّ عنه، وأن القاتل لم يؤخذ بجرمه، وأن ما وقع عليه من غرم كان أشبه بعملية غسل لهذا الدم البريء الذي أراقه، والذي أصابه من رشاشه ما لطّخ يده وثيابه!! وكان من تمام العلاج لهذا الأمر، أن القاتل إذا لم يجد ما يحرر به رقبة مؤمنة، وما يدفع به الدّية إلى أهل القتيل- كان عليه صيام شهرين متتابعين.. وحكمة الشهرين، وحكمة اتصال الصوم فيهما.. أن تلك المدة- مدة الشهرين- التي يفرض فيها القاتل على نفسه هذا الحرمان، هى بمثابة عقاب له، يأخذ به نفسه.. وفى هذا العقاب ما يخفّف من ألوان تلك الصورة القاتمة التي تحوم فوقه، من خيالات القتيل، وأشباحه.. ثم إن فى اتصال هذا الموقف، دون أن يدخل عليه شىء من التغيير، إحكاما للتمكين لشعور جديد يقوم مكان هذا الشعور المستولى على القاتل، والمزعج له.. ولو ترك القاتل وشأنه بعد أن أدّى هذا المفروض عليه لاستراحت نفسه، وهدأ باله، وسكن وسواسه.. ومع هذا فقد أراد الله أن يعود بفضله عليه، وأن يذهب بكل ما بقي فى نفسه من أثر لهذه التجربة القاسية التي مرّ بها.. فجاء قوله تعالى: «تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ» ليعفّى على كل أثر لهذه المأساة، ويعيد إلى هذا الإنسان وجوده، على ما كان عليه من صحة وسلامة.. الآية: (93) [سورة النساء (4) : آية 93] وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (93)

الآية: (94) [سورة النساء (4) : آية 94]

التفسير: هذا هو حكم قاتل المؤمن عمدا.. لا يقبل منه تحرير رقبة مؤمنة، ولا دية مسلّمة إلى أهل القتيل، ولا صيام شهرين متتابعين.. إنه فعلته تلك أكبر من أن يكون فى هذه الدنيا ما يقوم لها، ويسوّى حسابها. وليس غير العذاب، والخلود فى هذا العذاب، مصحوبا بغضب الله ولعنته- ليس غير هذا جزاء وفاقا لهذا الجرم العظيم.. وعلى قدر ما كانت رحمة الله وعفوه عن القاتل خطأ، بقدر ما كانت نقمة الله، وغضبه، ولعنته، على القاتل عمدا! ولهذا كان إهلاك هذه النفس المجرمة، والقصاص منها فى الدنيا، هو الحكم الذي يؤخذ به قاتل النفس المؤمنة عمدا، وإنه لا وجه لاستبقائه فى هذه الحياة، ولا داعية لاستصلاحه، فقد وقع عليه غضب الله ولعنته، منذ أول قطرة دم سفكها من دم هذا المؤمن البريء.. «وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً» (52: النساء) الآية: (94) [سورة النساء (4) : آية 94] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (94) التفسير: الضرب فى سبيل الله، هو السعى إلى الجهاد، بقوة وعزم، والضرب فى الأرض، السعى فى وجوهها المختلفة ابتغاء الرزق

وقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا» هو دعوة للمؤمنين، الذين خرجوا من ديارهم يبتغون المثوبة والرضوان من الله- دعوة لهم أن يتبيّنوا طريقهم، وأن يتثبّتوا من كل ما يأتون وما يذرون، حتى يتجنبوا الزلل والعثار، وهم فى طريقهم إلى الله.. فإن لم يفعلوا، فقد تنحرف أقدامهم عن جادّة الطريق، ويعودون بالإثم من حيث يرجون الثواب. وأكثر ما ينبغى الالتفات إليه هنا هو الدماء، حتى لا تسفك قطرة منها بغير حق.. وقد بينت الآيات السابقة ما للدماء من حرمة عند الله، وما لمستبيحها من جزاء أليم فى الدنيا والآخرة.. وهنا- فى هذه الآية- دعوة للمؤمنين، المجاهدين فى سبيل، أن يتحرّوا مواقع سيوفهم، فلا تقع إلا حيث ينبغى لها أن تقع، ولا تريق دما إلا ما استحق أن يراق.. وفى هذا يقول الله تعالى: «وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا» . ففى مواطن الحرب- والنفوس مهتاجة، والأعصاب متوترة- تقع هنا وهناك رميات طائشة، تأخذ البريء بذنب المسيء.. كما قد يستتر بعض الناس بثوب الخديعة، حين يرى الموت دانيا منه، فى ضربة سيف أو طعنة رمح، فيدفع ذلك بإظهار الإيمان، وبكلمة لا إله إلا الله، يقولها بفمه.. أو يلقى بتحيّة الإسلام إلى المسلمين، ليريهم أنه منهم.. فهذه وأمثالها صور تقع فى مواطن الحرب، وهى فى ظاهرها تقيم لصاحبها حرمة يعصم بها دمه من سيوف المسلمين، أما الباطن فلا يعلمه إلا علّام الغيوب..

ومن أجل هذا، كان على المسلمين ألا يتسرعوا فى الحكم على باطن هؤلاء الذين يظهرون الإسلام، ويحملون بعض شاراته.. فقد يكون باطنهم كظاهرهم، وقتلهم فى تلك الحال جرم عظيم، لأنه قتل نفس مؤمنة.. أما إن كان باطنهم على خلاف ظاهرهم- وهذا ما لا يعلمه إلا الله- فإن على المسلمين أن يقبلوا هذا الظاهر، وأن يعاملوا أصحابه عليه، وأن يكلوا باطنهم إلى الله.. ومن يدرى؟ فقد ينصلح أمر كثير من هؤلاء الذين وجدوا فى الإسلام- على نفاقهم معه- يدا رحيمة.. دفعت عنهم الموت الذي كاد يختطفهم! إذ لا يمكن أن ينجلى هذا الموقف دون أن يراجع كثير منهم نفسه، ويصحح موقفه من الإسلام.. وفى هذا استنقاذ لهم من الهلاك، وانتفاع بقوة جديدة، تضاف إلى الإسلام، وتعمل من أجله.. وفى قوله تعالى: «تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا» تبغيض للمسلمين من التسرّع فى الحكم على من جاءهم فى زىّ المسلمين وعلى سمتهم- بأنه ليس مسلما، وبهذا يستباح دمه وماله.. وكأنه لأجل المال- وهو عرض زائل- قد كان هذا الحكم الذي حكم به على هذا الإنسان، وكأن دمه الذي أريق كان من أجل الحصول على ما معه من سلاح أو مال! وقوله تعالى: «كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ» هو تذكير للمؤمنين بنعمة الله عليهم، إذ أخرجهم من منطقة الظلّ التي كانت تلقى على إسلامهم شيئا من الشّبه، حتى ليختلط أمرهم على المسلمين، فلا يتحقق أحد من إيمانهم، وذلك حين كانوا مستضعفين فى مكة، لم يستطيعوا أن يجهروا بإسلامهم، ولم يقدروا

الآيتان: (95 - 96) [سورة النساء (4) : الآيات 95 إلى 96]

أن يهاجرون بدينهم- وها هم أولاء الآن قد صاروا إلى جماعة المسلمين، وظهر وجههم واضحا فى الإسلام. فليذكروا هذا الذي هم فيه الآن، وما كانوا فيه من قبل، وليجعلوا فى حسابهم لهؤلاء الذين يلقونهم فى مواطن الكفر بشارات الإسلام، وبلسان المسلمين- أنهم كانوا فى حال مثل حالهم.. وفى هذا ما يغيّر نظرتهم إليهم، ويوسع لهم فى باب التسامح والقبول.. وقوله تعالى: «فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً» دعوة أخرى، مؤكّدة للتثبث من أمر هؤلاء الذين لم يتضح أمرهم من الإسلام وضوحا كاملا، وأن على المؤمنين أن يحذروا أن يصيبوا قوما بجهالة، فتكون عاقبتهم الحسرة والندامة.. والله سبحانه وتعالى مطلع على الدواقع الخفية التي تدفع إلى التسرع فى هذا المقام، وأهمها هو الرغبة فى مال القتيل وسلبه.. فإذا عزل المسلم هذا الشعور عن نفسه عزلا تامّا، كان فى ذلك وقاية له من أن يأخذ هذا الإنسان، ويستبيح دمه، إلا إذا قامت بين يديه الدلائل القوية على أنه ليس من الإسلام فى شىء أبدا. الآيتان: (95- 96) [سورة النساء (4) : الآيات 95 الى 96] لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً (95) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (96) التفسير: وإذ ذكر القتل والقتال، فقد استدعى ذلك ذكر الجهاد فى سبيل

الله، إذ كان أكثر ما يكون القتل وإراقة الدماء فى هذا الوطن، حيث يصطدم الحق بالباطل، ويلتقى المسلمون والكافرون بسيوفهم! والجهاد أكرم الطرق إلى الله، وأوسعها إلى مرضاته ورحماته.. ومنازل المسلمين تختلف باختلاف حظوظهم من البذل والتضحية فى هذا الموطن.. موطن الجهاد فى سبيل الله.. فهناك مجاهدون بأموالهم وأنفسهم. وهناك قاعدون لم يجاهدوا بأموالهم أو أنفسهم. وهناك- بين هؤلاء وأولئك- مؤمنون لهم أعذار تحول بينهم وبين الجهاد بالمال أو بالنفس.. بأن كانوا فقراء، أو كانوا ذوى عاهات، تحجزهم عن حمل السيف، ولقاء العدو.. وفى قوله تعالى: «لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ» بيان لما بين المجاهدين فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وبين الذين لم يجاهدون بأموالهم وأنفسهم من ذوى الأعذار- من تفاوت فى الفضل والمنزلة عند الله.. فهؤلاء الذين أعطاهم الله المال، وعافاهم فى أنفسهم، فلم يفقدوا جارحة من جوارحهم العاملة، ولم يصابوا بمرض مقعد- هؤلاء إذا أدوا حقّ الله فى هذه النعم التي أنعم بها عليهم فى المال وفى النفس، فبذلوا المال فى سبيل الله، وقدموا أنفسهم للاستشهاد فى سبيل الله- فقد استحقوا جزاء المحسنين، واستوفوه كاملا! أما هؤلاء الذين لم يكن لهم مال ينفقونه فى سبيل الله، أو قدرة بدنية على الجهاد بأنفسهم فى سبيل الله، فهم- وإن كانوا ولا لوم عليهم،

ولا مؤاخذة- لم يكسبوا ما كسبه المجاهدون بأموالهم وأنفسهم، وبهذا سبقهم هؤلاء المجاهدون بأموالهم وأنفسهم، فى ميدان الفضل والإحسان، وكانوا أعلى درجة عند الله منهم.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى» . فهؤلاء، وأولئك، قد وعدهم الله الحسنى، وإن كان المجاهدون بأموالهم وأنفسهم أعلى درجة منهم فى مقام الإحسان، الذي هو حظ مقسوم بين المسلمين الذين آمنوا بالله، وأدوا لله ما أمرهم به، جهد طاقتهم، وما وسعت أنفسهم. أما الذين آمنوا، ولم يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، وبين أيديهم المال، ومعهم الصحة والعافية، ولكنهم آثروا السلامة والدّعة، وبخلوا بما آتاهم الله من فضله- هؤلاء قد بخسوا دينهم حقّه، ونزلوا عن درجات المؤمنين، على حين ارتفع المجاهدون بأموالهم وأنفسهم درجات.. وبهذا كان البون بين الفريقين شاسعا، والمدى بعيدا.. وهذا ما تضمنه قوله سبحانه. «وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» .. فهذا الأجر العظيم الذي فضّل الله به المجاهدين على القاعدين، هو درجات كثيرة فى مقام الإحسان، ومغفرة من الله ورحمة، تشتمل هؤلاء المجاهدين، وتبدل سيئاتهم حسنات: «أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ» . ولنا مع هذه الآية الكريمة وقفة لا بد منها:

فقد أجمع المفسّرون، والفقهاء، وأصحاب الحديث، على أن متنزّل هذه الآية الكريمة، لم يكن على هذه الصورة، أوّل ما نزلت..! يقولون: إن الآية نزلت أولا هكذا: «لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» . والذي يتلو الآية الكريمة على هذا الوجه، يجد أنّ بين أولها وآخرها تناقضا لا يمكن رفعه بأى تأويل.. ففى أولها: «فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ درجة..» وفى آخرها: «وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً.. دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً..» . فكيف يستقيم هذا مع ذاك؟ وكيف يكون فضل المجاهدين على القاعدين درجة، ثم يكون فضل المجاهدين على القاعدين درجات ومغفرة ورحمة..؟ كيف يقع حكمان مختلفان على أمر واحد، فى حال واحدة؟ فإذا تليت الآية الكريمة على ما هى عليه.. هكذا: «لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً» - إذا تليت الآية على ما هى عليه، كان لها هذا المفهوم الواضح الذي فهمناها عليه،

وكان الحكمان المختلفان واقعين على فريقين من المتخلّفين عن الجهاد: الفريق الأول الذي تخلّف بعذر، ولم ينفق لعذر، والفريق الآخر الذي تخلّف عن الجهاد لا لعذر، ولم ينفق فى سبيل الله لا لضيق ذات يد.. بل إيثارا للسلامة، وبخلا بالمال، وضنّا به فى هذا الوجه الكريم.. فقوله تعالى: «غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ» ركن متين من أركان هذا البناء العظيم الذي للآية الكريمة، وأن هذا البناء لا يقوم أبدا بغير هذا الركن.. وتسأل: لم جاءت الآية الكريمة أولا دون ذكر لقوله تعالى: «غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ» ثم جاء بعد ذلك قوله تعالى: «غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ» ملحقا بالآية، آخذا مكانه بين نظمها الذي قامت عليه أول أمرها؟ لم هذا؟ بل كيف هذا؟ والجواب الذي يقدمه المفسرون، والفقهاء والمحدّثون.. هو: أن الرسول صلى الله عليه وسلم، حين تلقى الآية الكريمة، دعا من كتّاب الوحى من يكتبها، وكان عبد الله بن أم مكتوم- وهو أعمى- ممن حضر مجلس رسول الله، هذا، فسأل رسول الله عن موقفه هو وأمثاله ممن لا سبيل لهم إلى الجهاد فى سبيل الله! قالوا: فما إن سأل عبد الله بن أم مكتوم هذا السؤال، حتى أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يأخذه من الوحى، فلما سرّى عنه، قال لكاتب وحيه: اكتب: «غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ» .: فكتبها كاتب الوحى، فى موضعها من الآية، كما تلقّاها الرسول الكريم وحيا من ربّه!! إنها قصة.. تنقصها الحبكة..!! ولو استقام للآية وجه على هذا النظم الذي خلا من قوله تعالى: «غَيْرُ

آية: (97 - 99) [سورة النساء (4) : الآيات 97 إلى 99]

أُولِي الضَّرَرِ» كان من المستساغ- مع شىء غير قليل من الضيق والحرج- قبول هذه الرواية، أو الروايات.. أما ولا يستقيم للآية الكريمة مفهوم بغير قوله تعالى: «غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ» فإنه لا حرج من رفض هذه الرواية أو الروايات رفضا باتا، دون التفات إلى تلك الروايات فى جملتها وتفصيلها.. إذ كانت قداسة القرآن الكريم فوق كل اعتبار، وفوق كل مقام!! ولعلّ اهتمام القوم بالبحث عن أسباب النزول، والتعرّف عليها، واعتبارها علما من علوم القرآن- لعل ذلك هو الذي فتح الطريق إلى مثل هذا القول فى الآية الكريمة.. والله أعلم. آية: (97- 99) [سورة النساء (4) : الآيات 97 الى 99] إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (97) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (99) التفسير: فى هذه الآيات دعوة مشدّدة إلى محاربة الظلم والبغي والعدوان، بأسلوب غير أسلوب القوة، ولقاء العدوان بالعدوان، والشر بالشر، حين يكون الإنسان فى وجه قوة عاتية متسلطة، ولا قدرة له على دفعها..

إن كرامة الإنسان تفرض عليه أن يدفع عن وجوده الضيم والذل، بكل ما يملك من وسائل مادية وغير مادية، وإلا فقد باع إنسانيّته بثمن بخس، ودرج نفسه فى قائمة الخسيس من الحيوان. ولن يقيم على ضيم يراد به ... إلا الأذلّان: غير الحىّ والوتد هذا على الخسف مربوط برمّته ... وذا يشج فلا يرثى له أحد وحين لا يجد الإنسان بين يديه القوة التي يدفع بها يد الظلم المسلّطة عليه، كان إمساك نفسه على هذا المرعى الخبيث وعدم التحول عنه، إقرارا بقبول الظلم، ونزولا على حكم الظالمين. لهذا أوجب الإسلام على المسلم أن يحرك فى نفسه كل قواه، لإنكار هذا الظلم، والتصدّى له: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ» .. فحيث أمكنت المسلم القوة التي يدفع بها يد الظلم والبغي، وجب عليه أن يستعمل حقه، فى الدفاع عن نفسه، وصيانة كرامته وإنسانيته.. وسلاح آخر، وضعه الإسلام فى يد المسلم حين تخلو يده من سلاح القوة، وهو الهجرة من ديار الظالمين، إلى أرض الله الواسعة، حيث يجد الإنسان وجوده وإنسانيته.. وبهذا يستنقذ نفسه، ويفوّت على الظالمين إشباع شهوة الظلم والتسلط، فيه، وفى غيره من المستضعفين، حيث فتح لهم الطريق إلى الخلاص مما هم فيه من بلاء، بالهجرة والفرار من وجه الظالمين! وفى هذا الحديث الذي يدور بين الملائكة، وبين أولئك المستضعفين الذي أبوا أن يتحولوا عن مواطن الظلم- إيثارا لديارهم وأهليهم على كرامتهم وإنسانيتهم، ومعتقدهم- فى هذا الحديث مساءلة لهؤلاء الذين استضعفوا فقبلوا هذا الاستضعاف ورضوا به، واتهام لهم بتلك الجناية التي جنوها على أنفسهم،

وأذلّوا بها آدميّتهم، ومحاكمة تنتهى بهم إلى عذاب السعير فى الآخرة، حيث ضاع إيمانهم فيما ضاع من آدميتهم، تحت سياط الظلم والعسف! وهذا يعنى أن المؤمن لا يصبر أبدا على الظلم، ولا يقبله، وأنه إن قبله، وصبر عليه، لم يكن فى المؤمنين.. لأن المؤمن عزيز بالله، كريم على الله.. وطاعم الظلم ومستسيغه لا عزّة له ولا كرامة! فمن وجد القدرة على الهجرة والفرار من وجه الظلم والبغي، ولم يهاجر فهو آثم عند الله.. لأنه فى معرض الفتنة فى دينه، وهيهات أن يسلم له دين، وهو فى هذا الموطن، الذي تنطلق منه شرارات البغي، فتحرق مادياته ومعنوياته جميعا.. وليست الهجرة هنا مقصورة على زمن معين، أو مكان معين.. بل الهجرة مفتوحة فى كل زمان، وإلى كل مكان، يجد فيه المؤمن متنّفسا لمشاعره، ومنطلقا للسانه، ووجوها لسعيه! وقوله تعالى: «إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا» استثناء وارد على الحكم العام الذي حكم به الله تعالى على المستضعفين الذين سكنوا إلى الظالمين، ولم يهاجروا.. فهؤلاء المستضعفون من الرجال والنساء، والولدان، لا حيلة لهم ولا قدرة معهم على الهجرة، فهم معذرون إذا لم يهاجروا، وقد أعفاهم الله من هذا العقاب الذي أخذ به القادرين على الهجرة، وقعدوا عنها. وقوله تعالى: «فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ» تحريض لهؤلاء المستضعفين أن يكونوا على نيّة الهجرة دائما، وأن يعملوا لها، وأن يرصدوا أسباب القدرة عليها، فإن أمكنتهم الهجرة هاجروا.. وإلا فإن الله كان

الآية: (100) [سورة النساء (4) : آية 100]

غفورا رحيما، يغفر لهم ما يكون منهم من ضعف يمسّ عقيدتهم، رحمة بهم من رب رحيم. الآية: (100) [سورة النساء (4) : آية 100] وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (100) التفسير: الجهاد فى سبيل الله نية وعمل، أو عزيمة وسلوك.. فمن صحّت نيته على الجهاد فى سبيل الله، فقد قطع نصف الطريق إلى الله، فإذا تحركت هذه النية فى صورة إعداد للجهاد، ثم استقامة على طريق الجهاد، فقد قطع النصف الآخر، واستوفى أجر المجاهدين كاملا.. سواء بلغ ميدان القتال، أو أدركه الموت قبل أن يبلغه. وقوله تعالى: «وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً..» بيان لما فى طريق المجاهدين من أحوال تعرض للمجاهد، وأنه طريق غير قائم على وجه واحد.. ففيه ضيق، وفيه سعة، وفيه بلاء وفيه عافية.. وأن على المجاهد أن يوطّن نفسه على هذا وذاك، وأن يحتمل البأساء والضراء، كما يجنى الغنائم والأسلاب، وينال الأجر والثواب.. والمراغم: كناية عن الشدة والضرّ، لأنه مشتق من الرّغام، وهو التراب.. والتراب يكنى به عن الفقر والحاجة، كما يقال فى الفقير المعدم: «يده والتراب» كما يكنى به عن الذّلة والخضوع، فيقال: «أرغم الله أنف فلان» أي جعله فى الرغام، و «فعل فلان هذا الأمر وأنفه فى ارغام» أي مكرها ذليلا.

الآية: (101) [سورة النساء (4) : آية 101]

وفى قوله تعالى: «وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ» إشارة إلى أن هذا الأجر- أجر المجاهد- لا يفوته أبدا، ولا يخطئه أبدا، لأنه أجر مضاف إلى الله، بالوعد الذي وعده سبحانه للمجاهدين، ولن يخلف الله وعده! الآية: (101) [سورة النساء (4) : آية 101] وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (101) التفسير: الضرب فى الأرض هو السعى فيها بعزم وقوة، سواء أكان للجهاد فى سبيل الله، أم للسعى فى طلب الرزق. والمراد بالضرب فى الأرض هنا هو الجهاد فى سبيل الله، حيث قيّد القصر من الصلاة. بالخوف من العدوّ «إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا..» وقد أذن الله للمجاهدين فى سبيل الله من الرخص ما لم يأذن به لغير المجاهدين.. إذ كان الجهاد عب ءا لا يحتمل المجاهد فوقه كثيرا من الأعباء، وإلّا ضعف، وعجز، عن أداء المطلوب منه فى هذا المطن، الذي يقف فيه المجاهد مواجها للموت، فى غير خوف أو مبالاة.. ولهذا جاء قوله تعالى: «وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا» .. جاء قوله تعالى هنا مبيحا للمجاهدين فى سبيل الله أن يقصروا من الصّلاة، إذا رأوا أنهم (م 56- التفسير القرآنى ج 5)

فى وجه عدوّ يتربص بهم غفلة، أو يترقب فيهم خللا، ليضرب ضربته، وليبلغ مأربه! والقصر من الصلاة هنا غير القصر فى الصلاة الذي أباحه الله فى السفر عامة، سواء أكان للسعى فى الرزق، أو للجهاد فى سبيل الله.. القصر من الصلاة هنا هو التخفيف منها، حسب الحال التي يكون عليها المجاهدون من عدوهم، بحيث لا تسقط الصلاة أبدا فى أي حال كان فيها المجاهدون مع عدوّهم.. فقد تكون بإشارة أو إيماءة، وقد تكون وقوفا من غير ركوع أو سجود، وقد تكون على ظهر فرس أو نحوه.. والأمر فى هذا كله متروك لتقدير المجاهد، وموقفه من العدوّ!. وفى النظم القرآنى فى قوله تعالى: «أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ» بدلا من أن تقصر والصلاة، ما يشير إلى قصر أجزاء غير محدودة من الصلاة.. تبدأ من أدائها كاملة فى صورتها التي تؤدى عليها فى قصر صلاة السفر، إلى الإيماءة والإشارة.. فإن لفظ «من» هنا يفيد التبعيض، كما يفيد الابتداء. وقوله تعالى: «إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً» تنبيه للمؤمنين إلى الخطر الذي يواجههم من أعدائهم، وأن عليهم أن يأخذوا حذرهم منهم، فهم العدوّ الذي لا تخفى عداوته..

الآية: (102) [سورة النساء (4) : آية 102]

الآية: (102) [سورة النساء (4) : آية 102] وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (102) . التفسير: يبين الله سبحانه وتعالى فى هذه الآية حكم الصلاة مع النبىّ فى ميدان القتال.. وإنها لصلاة مراعى فيها الحذر والحيطة من مباغتة العدو، وانتهاز الفرصة فى المسلمين، وهم بين يدى الله فى الصّلاة.. فتلك فرصة للعدوّ، لا يدعها تمر، خاصة إذا ألقى المسلمون أسلحتهم، وفرغوا للصلاة، يؤدونها كاملة، بركوعها وسجودها، وعدد ركعاتها.. وإذا علم المشركون أن المسلمين يؤدون صلاتهم فى الحرب كما يؤدونها فى السلم، فإنهم سيرصدون الوقت الملائم للهجوم عليهم، وهم فى تلك الحال التي أخلو فيها أنفسهم من الحرب، واتجهوا لله بقلوبهم وأجسامهم! لهذا شرع الله للنبىّ أن يصلّى بالمسلمين على هذا الوجه الذي بيّنته الآية الكريمة، وهو أن يقيم النبىّ الصلاة، وأن تجىء طائفة من المؤمنين لتصلى مع النبي، ومعها أسلحتها، وتبقى طائفة أخرى ترصد العدوّ، وتتلقى صدمته الأولى إن هو حاول الهجوم، وعندها تكون الجماعة التي تصلى مع النبىّ قد وضعت يدها على سلاحها وخفّت لنجدة إخوانهم المشتبكين فى الحرب، وبهذا لا يأخذ العدو فرصته! فإذا صلّت الجماعة الأولى الركعة الأولى من الصلاة سلّمت ومضت، لتأخذ مكان الجماعة التي لم تصلّ، ثم لتأت هذه الجماعة وتأخذ مكانها فى الصلاة خلف

النبىّ، آخذة حذرها وأسلحتها، وليصلّوا الركعة الثانية، التي بها يختم النبىّ بها صلاة السفر. وقوله تعالى: «وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ» تنويه بشأن المؤمنين المجاهدين فى سبيل الله، حيث تشير كلمة «فيهم» إلى إحاطة المسلمين بالنبيّ، والتفافهم حوله، حتى كأنهم الظرف الزمانى والمكانىّ له، وحتى كأن مشاعر النبىّ الكريم ونفحاته تملأ هذا الظرف، زمانا ومكانا، بأضوائها، وأنوارها.. وقوله تعالى: «وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ» هو استثناء من الأمر الوارد فى قوله تعالى: «وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ» .. فهذا الأمر ليس على إطلاقه، وليس على سبيل الوجوب، وإنما هو للنصح والإرشاد، وأن للمجاهدين أن يتحلّلوا منه، وأن يضعوا أسلحتهم، إذا كان بهم أذى من مطر، أو كانوا فى حال ضعف.. فإن وضع الأسلحة فى تلك الحال فرصة لهم لتجديد نشاطهم وقوّتهم.. والأمر فى هذا كله متروك للحال التي عليها المجاهدون، ولتقديرهم للموقف، وأن لهم أن يأخذوا منه ما يرون، وأن يدعوا ما يرون، والمهمّ فى هذا كله أن يكونوا على حذر، وأن يقدّروا الموقف بهذا الاعتبار، وأنهم فى وجه عدوّ لا يتورع أن يبغتهم وهم بين يدى الله، ولهذا جاء قوله تعالى: «وَخُذُوا حِذْرَكُمْ» مختتما هذا التوجيه، الذي يقوم أولا وآخرا على أخذ الحيطة والحذر من هذا العدوّ الراصد المتربص! وقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً» تعزية للمسلمين، وتسلية لهم من هذه الأحوال التي يلبسونها من هذا العدوّ، الذي لا يوقّر حرمات الله، ولا يرعى للمسلمين حرمة فيها، بل إنه يتخذها ذريعة للنيل من المجاهدين،

الآية: (103) [سورة النساء (4) : آية 103]

والتنكيل بهم.. فليحتمل المجاهدون هذا الموقف، الذي يجمعون فيه بين أداء الصلاة، والجهاد فى سبيل الله.. فإن الله قد أعدّ لهم الكرامة والرضوان، على حين أعد لعدوّهم العذاب والهوان.. هذا، وللقائد الذي يقوم على أمر المسلمين فى الجهاد ما للنبىّ فى هذا الموقف، حيث يصلى بالمسلمين الصلاة لله، على هذا الوجه الذي شرعه للنبىّ صلوات الله وسلامه عليه. الآية: (103) [سورة النساء (4) : آية 103] فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (103) التفسير: فإذا أمن المجاهدون هجمة العدوّ عليهم، وبعدت يده عن أن تنالهم، رجع المجاهدون إلى حالهم الأولى من إقامة الصلاة على وجهها، وعلى إعطاء كل جوارحهم لله، وذكر الله.. فيذكرونه قائمين، وعلى جنوبهم، ذكرا متدبرا متفكرا، فليس هناك شىء يشغلهم عن الله، وعن التفكر والتدبّر فى ملكوت الله، وملء قلوبهم خشية لجلاله، وعظمته. وقوله تعالى: «إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً» هو تنويه بشأن الصلاة، وأنها فرض لازم، لا يتحلل منه المسلم بحال أبدا.. فهى كتاب موقوت، كتبه الله على المؤمنين، أي فرضه، وحدّد لكل صلاة وقتها، الذي هو الظرف الحاوي لكل صلاة.. ومن هنا كان رأى بعض الفقهاء أن الصلاة إذا لم تصلّ فى وقتها، لا يمكن

الآية: (104) [سورة النساء (4) : آية 104]

جبرها بإعادتها فى وقت آخر.. كالحج الذي لا يؤدّى إلا فى وقت معلوم، وكالصوم فى رمضان.. وأنه إذا كان للمفطر فى رمضان بعذر مشروع أن يجبر الأيام التي أفطرها بصوم مثلها، أو بإطعام مسكين، على حسب ما هو مبين فى أحكام الصوم- فانه ليس للمصلّى مثل هذا الذي للصائم، إذ كان للصائم المفطر عذر يقوم له، على حين أنه ليس للمصلّى أي عذر يبيح له أن يدع الصلاة حتى يفوت وقتها، فقد جعل الله الصلاة كتابا موقوتا، وقطع المعاذير فيها على كل ذى عذر.. وعذر واحد هو الذي تسقط فيه الصلاة، وهو ما تكون عليه المرأة فى حال الحيض والنفاس، وهو عذر مسقط للصلاة عنها فى هذه المدة إسقاطا كاملا، فلا تعيد مافاتها من صلاة!! الآية: (104) [سورة النساء (4) : آية 104] وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (104) التفسير: وحيث لا يزال المؤمنون هنا فى مواقع الجهاد، فقد جاء قول الله تعالى: «وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ» دعوة من الله، تستحثّ عزائم المسلمين، وتوقظ مشاعرهم للجهاد فى سبيل الله، بعد أن طال وقوفهم فى هذا المقام، وما واجهوا فيه من شدائد وأهوال.. وابتغاء القوم: هو طلبهم، ولقاؤهم فى ميدان القتال.. والوهن الضعف، أي ولا تضعفوا ولا تفتروا فى طلب العدو الذي يطلبكم للقتال.

ونعم.. إن أعباء الجهاد ثقيلة، ولكنها على نفس المؤمن أخفّ وأهون مما هى على غير المؤمنين.. فالكافرون يجدون من أهوال الحرب، وشدائدها ما يجد المؤمنون، ولكن المؤمنين يستعذبون هذا المورد، الذي يفتح لهم طريق الرحمة، وينزلهم عند الله منازل الرضوان.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ» . فالمؤمنون فى قتالهم العدو يقاتلون وهم على شعور بأنهم إن كتب لهم النصر رجعوا بالسلامة والغنيمة، وإن كتب لهم الاستشهاد ظفروا بما عند الله للشهداء من رضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم.. إنها إحدى الحسنيين للمجاهدين: النصر أو الاستشهاد.. وليس للعدو إلّا واحدة منهما.. وهى النصر، أو الموت على الكفر! وقد يقال: إن الكافرين يقاتلون ومعهم هذا الشعور بأنهم على الحقّ، وأنهم إنما ينتصرون لمبدأ، وأنهم إذا فاتهم النصر لم يفتهم الموت فى سبيل المبدأ! والجواب على هذا، هو أن الخطاب هنا للمسلمين، وأنهم على يقين من أمرهم وأمر عدوّهم، وأنه يكفى هنا أن يدرك المؤمنون هذه الحقيقة وأن يستحضروها، وأن يقاتلوا عدوّهم عليها، ولا عليهم ما يعتقده عدوهم فيهم أو فى نفسه! وإن أي حال يكون عليها العدوّ لن تبلغ الحال التي يكونون هم عليها، من وثاقة الإيمان بالله، والثقة فيما عنده لهم عن حسن الجزاء، وعظيم الثواب!

الآيتان: (106 - 105) [سورة النساء (4) : الآيات 105 إلى 106]

الآيتان: (106- 105) [سورة النساء (4) : الآيات 105 الى 106] إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (106) التفسير: قوله تعالى: «إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ» هو بلاغ مبين لما بين يدى النبىّ من آيات الله، وما فيها من حق، وأن هذا الحق الذي بين يديه، هو رحمة وهدى للناس، وما كان هذا شأنه فلا يكون سببا فى ضر أو أذى.. شأن الطبيب الذي يحمل إلى الأجسام الدواء، يبغى سلامتها وعافيتها..! وفى الناس الظالمون، الخائنون، الذين يمدون أيديهم إلى الناس بالبغي والعدوان، ثم إذا جىء بهم إلى ساحة القصاص رموا بما فى أيديهم من ظلم وبغى على غيرهم من الأبرياء، وجاءوا إلى ذلك بالزور والبهتان، وبشهود الزور والبهتان.. وموقف النبىّ الكريم مع هؤلاء المبطلين، هو أن يحكم فيهم بما أراه الله، وبما فى يديه من كتاب الله، وأن يستمع إلى طرفى الخصومة، دون أن يكون خصيما، أي معاديا لأىّ من الطرفين، حتى ولو استبانت خيانة الخائن، وظهر بهتانه.. إنه- مهما كان جرمه- لا يؤخذ بغير الجزاء الراصد لجريمته، عند ما تثبت إدانته.. فلا يقف منه القاضي موقف العداء، الذي قد يميل به إلى الجور على هذا المتهم، وتجاوز الحدّ فى العقاب الذي يستحقه! وانظر كيف تدبير الإسلام فى حمايته للإنسان، ودفع الظلم عنه، حتى وهو الظالم الأثيم.. ذلك أن الظلم لا يدفع بالظلم، وإنما الذي يدفعه هو تحقيق العدل، وأخذ الظالم بظلمه، دون مجاوزة حدود الله فيه..

وإذ كان الظالم المفترى على الله وعلى الناس الكذب- فى وجه البغضة والكراهية من الناس، وخاصة عند من يقومون على العدل، ورفع المظالم، الأمر الذي قد يحمل ولىّ الأمر على التنكيل به، والمبادرة إلى إلقاء ثقل التهمة كلها عليه، دون مراعاة للظروف المخففة، التي لو نظر فيها ولىّ الأمر نظرة لا تحمل العداوة والشنآن، فربما كان ذلك مما يمسك به عن الجور ومجاوزة الحد، - نقول: إذ كان الظالم الخائن لأمانة الله ورسوله والمؤمنين، فى وجه هذه العداوة- فقد كان من تدبير الشريعة الإسلامية، وحكمتها، أن تحمى هذا المجرم من الجور، وأن تأخذه بحكم الله فيه.. ولهذا جاء قوله تعالى للنبى الكريم: «إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً» - جاء هذا القول من ربّ العالمين، لرسوله الكريم، دستورا فى القضاء بين الناس، والفصل فى المنازعات التي تحدث بينهم.. وهو أمر يلتزم به ولىّ الأمر، القائم على القضاء بين المتخاصمين- جانب الحيدة المطلقة، وأن يخلى نفسه من كل ما يندسّ إليها من مشاعر البغضة والعداوة للمذنب، الذي ينتظر جزاء ذنبه.. وأنه إذا كان لولى الأمر أن ينكر المنكر وأن يأخذ أهله بالقصاص، فإنه ليس له أن يكون خصما للمجرم، المذنب، وهو قاضيه، والحاكم عليه.. إذ لا يتفق أن يكون الإنسان خصما وحكما فى وقت معا.. والشاعر العربي يقول: يا أعدل الناس إلا فى معاملتى ... كيف الخصام وأنت الخصم والحكم؟ إن ذلك لا يتفق أبدا! حتى فى مقام النبوة، وبين يدى النبىّ..! «وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً» فكيف بغير النبي من عباد الله؟ وقوله تعالى: «وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً» .. هو دعوة إلى طلب المغفرة من الله، لما يكون قد طاف بالنفس من مشاعر العداوة

الآيات: (107 - 109) [سورة النساء (4) : الآيات 107 إلى 109]

والشنآن لأهل السوء الذين أخذوا بذنبهم، وربما كان لذلك أثره فى الشدة عليهم، وسدّ كل منافذ التسامح دونهم، فيما كان يمكن أن يحمل على التسامح! وهذا الأدب السماوي للنبى الكريم تأديب لنا، وتحذير من الجور فى القضاء، وحراسة للنفس من الدوافع التي تدفع بها إلى الانحياز إلى جانب أحد المتخاصمين، وهو المعتدى عليه، والشدة المجاوزة للحدّ على المعتدى. الآيات: (107- 109) [سورة النساء (4) : الآيات 107 الى 109] وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (108) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (109) التفسير: فى الآيات السابقة كان التوجيه السماوي إلى النبىّ- ومن ورائه المسلمون جميعا- ألّا يكون خصيما وعدوا لمن تظهر خيانتهم، وينكشف جرمهم، فى مجلس الفصل فى الخصومات، وفى هذه الآيات، يجىء التوجيه السماوي متمما لتلك الصورة، ضابطا الوجه المقابل لها.. وهو ألا يقف من الخائنين وأولى التّهم موقف الدفاع، الذي يجادل عنهم ويلتمس المعاذير لهم..! فإذا كان العدوان من ولىّ الأمر على الظالم الآثم أمرا تنكره الشريعة، فتفرض حماية على الظالم المعتدى، حتى لا يجاوز بعقابه الحدّ المرصود لجريمته- فإن الميل مع الظالم الآثم، والتماس المعاذير لجريمته، ابتغاء التخفيف عنه،

لا يقلّ فى نظر الشريعة نكرا عن الأمر الأول، لأن فى هذا عدوانا على حق الله، وتعطيلا لحدوده! وقوله تعالى: «يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ» هو تهديد ووعيد لهؤلاء الذين يدبرون السوء، ويؤامرون أنفسهم وأصحابهم على المنكر، فى خفاء، وحذر، بعيدا عن أعين الناس، حتى لا ينكشف أمرهم، وينفضح حالهم، ويفسد تدبيرهم.. ولكن أين يذهب هؤلاء الذين أخفوا مكرهم السيّء عن الناس؟ إنهم إن استخفوا من الناس فلن يستخفوا من الله، الذي لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء.. فهو- سبحانه- «يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ» .. وهو سبحانه: «مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ» ! إنهم فى سكرة يعمهون.. يحسبون أنهم- وقد استخفوا عن الناس- قد غاب أمرهم عن الله، وأنهم وقد أفلتوا من يد الناس- لن تمسك بهم يد الله! وكلّا، فإن عين الله لا تغفل، وإن ما بيّتوه من سوء قد سجله الله عليهم، وسيأخذهم به.. «وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً» . وقوله تعالى: «ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا» هو استدعاء لأولئك الذين يتولّون الظالمين، ويمكنون لهم من إمضاء مكرهم السيّء، وتغطية ما ينكشف عنه، وذلك بالدفاع عنهم، وتبرير أعمالهم المنكرة، والتماس التأويلات الكاذبة لها..

الآيات: (110 - 112) [سورة النساء (4) : الآيات 110 إلى 112]

فهؤلاء الذين يقومون وراء الظالمين هم شركاء لهم فى هذا الجرم.. وهم مدعوّون معهم إلى ساحة المحاكمة والقصاص بين يدى أحكم الحاكمين! وفى هذا الموقف تخرس ألسنة هؤلاء الأولياء المدافعين عن الظلم والظالمين.. ويتعرّى أولئك الظالمون من كل قوة تدفع عنهم سوء ما عملوا. الآيات: (110- 112) [سورة النساء (4) : الآيات 110 الى 112] وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً (110) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (112) التفسير: وإذ يحذّر الله الظالمين وأولياء الظالمين، ويتوعدهم بالعقاب الراصد لهم يوم القيامة، فإنه سبحانه وتعالى لا يسدّ منافذ الخلاص على هؤلاء وأولئك، بل يفتح لهم أبواب التوبة والإنابة، ويدعوهم إلى الرجوع إليه من قريب.. فإنهم إن فعلوا، وأخلوا أيديهم من الإثم، وأنابوا إلى ربهم، وجدوا القبول والرحمة، من رب غفور رحيم. وعمل السوء قد يتعدّى الإنسان إلى غيره، ففيه ظلم للغير، وظلم له.. كالسرقة، والغش، وشهادة الزور.. ففى هذه الأمور السيئة ونحوها ظلم للغير، وظلم للنفس، بما جنى عليها صاحبها من هذه المنكرات، التي تبعد مرتكبها عن ربه، وتعرضه لسخطه، ونقمته، وعذابه. وقد يكون عمل السوء مقصورا أثره على مرتكبه، كالذى يشرب الخمر،

أو يفطر فى رمضان لغير عذر.. فهذا العمل السيّء واقع عليه وحده، واثره لا يتعدّاه إلى غيره.. ولهذا جاء قوله تعالى: «وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ» جامعا لأفعال السوء كلها، ما كان منها متعديا أثره إلى الغير، وما كان مقصورا على النفس وحدها. وفى قوله تعالى: «ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً» استحضار لجلال الله وعظمته، وتلويح بغفرانه ورحمته، حيث أنه سبحانه وتعالى يدعو المذنبين إليه، وينتظر استجابتهم له، وإقبالهم عليه، فمن استجاب لله، وسعى نحوه، فطريقه إلى الله مفتوح، لا تقوم دونه الحجب، ولا يرده عنه الحجّاب.. بل «يجد الله» فى انتظاره، مادّا يده له بالقبول والمغفرة. وقوله تعالى: «وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً» تحديد للمسئولية، حيث لا يؤخذ أحد بجرم غيره ... «وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى» .. ولن يخشى البريء أن يلقى عليه جرم المجرم، فإن أمر القضاء إلى عليم حكيم، يعلم عمل كل عامل من خير أو شر، فيجزى بالخير خيرا، وبالشر شرا، كما يقضى بذلك عدله، وحكمته. وقوله تعالى: «وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً» تهديد ووعيد لأولئك الذين يكسبون الخطايا والآثام، ثم يلقون بها على الأبرياء، ويحمّلونهم تبعاتها، وذلك فى هذه الحياة الدنيا، حيث لا يرى الناس منهم ما يرى الله، فيجدون فى ذلك سبيلا إلى التخلص من جرائمهم.. وكلّا، فإن جرمهم قد سجله الله عليهم، وهو آخذهم به، ومجازيهم عليه، وهم إذا رموا بهذا الجرم غيرهم فقد اكتسبوا جرما آخر إلى جرمهم،

الآية: (113) [سورة النساء (4) : آية 113]

إذ أصابوا بريئا، وجنوا على غير ذى ذنب! وبهذا صار جرمهم «مبينا» أي عظيما، ظاهرا لا يحتاج إلى من يكشف عنه. والخطيئة: الوقوع فى المعصية. والإثم: البغي، والعدوان، وهو الطريق إلى الوقوع فى الخطيئة. والبهتان: هو الزور. الآية: (113) [سورة النساء (4) : آية 113] وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113) التفسير: المنافقون بما يزيّنون من الباطل، وما يموهون من الحجج، لضلالاتهم، وما يلفقون من الأدلة لأباطيلهم- يفسدون على كثير من الناس وجه الحق، ويختلونهم عن طريق الهدى، حين يخيّلون إليهم الباطل حقا، والضلال هدى.. وهم إذ يضلون الناس بهذا، إنما يضلون أنفسهم، ويوردونها موارد الهلاك، إذ جنوا على أنفسهم، أولا، بركوب الضلال، ثم جنوا على غيرهم، ثانيا، باستدعائهم إلى ركوب هذا الضلال معهم، وتزيينه لهم.. وقد كان من فضل الله سبحانه وتعالى على النبىّ أن عصمه من كيد هؤلاء المنافقين، ففضحهم، وفضح أساليبهم، وبهذا حرس الله النبىّ وحماه من هذا الكيد الذي كانوا يكيدون له!

وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ» . والطائفة، هى الجماعة من هؤلاء المنافقين، وهى تمثّل رءوس المنافقين، وأصحاب الرأى والتدبير فيهم.. وفى قوله تعالى: «وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ» ما يشعر بأن هؤلاء المنافقين لم يهمّوا بالسوء، إذ كان فضل الله علي النبي ورحمته به، وحراسته له، ممّا يحجز هؤلاء المنافقين عن أن يهمّوا، فضلا أن يبلغوا من النبي ما همّوا به، وما حدثتهم به أنفسهم من شر وعدوان! والواقع أنه كان من المنافقين هم وعزم على ركوب هذا المنكر نحو النبي، بل وقد خرج هذا الهمّ أحيانا إلى حيّز التنفيذ والعمل، فجاء منهم من يقول للنبىّ فى غزوة الخندق: «إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ» .. وما هى بعورة إن يريدون إلا فرارا» (13 الأحزاب) وجاء منهم من يقول للنبىّ فى غزوة تبوك: «ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي» (49: التوبة) وقد أذن النبي لمن استأذنه منهم، فكان من الله هذا العتاب الرفيق للنبى الكريم: «عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ» (43: التوبة) فما تأويل هذا؟ والجواب: هو أن هذا الهمّ الذي كان من المنافقين، وما تبعه من تدبير وعمل، لم يؤثّر أأثره فى النبيّ، ولم يخرج به عن طريق الحق والعدل الذي أقامه الله عليه، وأن ما جنى المنافقون من نفاقهم هذا كان حسرة ووبالا عليهم فى الدنيا والآخرة، إذ فضحهم الله على الملأ، وفضح نفاقهم، وعرضهم للأعين عراة يجلّلهم الخزي والعار، وأنهم ودّوا لو لم يهمّوا ولم يفعلوا.. فكان همّهم

هذا الذي همّوه، وفعلهم ذلك الذي فعلوه، جناية على أنفسهم.. أما النبىّ فلم يخلص إليه من هذا الهمّ شىء! وعلى هذا، كان الهمّ الذي همّوه بالنبيّ كأنه لا شىء بالنسبة له، إذا أفسده الله عليهم، وردّه إلى صدورهم.. فكأنهم همّوا ولم يهمّوا!! وفى هذا ما يشير إلى علوّ مقام النبىّ الكريم، وإلى قوة هذا الحصن الحصين الذي أقامه الله عليه فى وجه المنافقين، بحيث لا يجرؤ أحد منهم أن تحدّثه نفسه- لو عرف مكانة هذا النبىّ، ومكانه هو منه- أن يهجس فى نفسه- مجرد هاجس- بمحاولة إنزاله ولو قيد شعرة من هذا المقام الكريم الذي رفعه الله إليه.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ» أي، أىّ شىء من الضرر، فيما يتصل بدينك، أو مكانك من هذا الدّين!. وفى قوله تعالى: «وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ» وفى عطف هذا الفعل على الفعل قبله: «وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ» .. فى هذا كبت للمنافقين، وضربة قاصمة من ضربات الحسرة والكمد لهم.. فإنهم وقد أرادوا أن يفسدوا على النبىّ أمره، قد أفسدوا أنفسهم، ولم ينالوا من النبىّ شيئا، بل وأنزل الله عليه الكتاب والحكمة وعلمه ما لم يكن يعلم، حتى لكأن إنزال الكتاب والحكمة على النبىّ وتعليمه من الله ما لم يكن يعلم، قد جاء فى أعقاب هذا المكر السيّء الذي مكروه بالنبيّ- زيادة فى تكريم النبىّ، ومضاعفة لفضل الله عليه، وإمعانا فى خزى المنافقين وكبتهم، وملء قلوبهم حسرة وندما، من حيث أرادوا الشرّ بالنبي، فكان أن أضعف الله فضله عليه، وغمره بإحسانه.. وهذا ما تشير إليه خاتمة الآية: «وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً» ..

الآيتان: (114 - 115) [سورة النساء (4) : الآيات 114 إلى 115]

الآيتان: (114- 115) [سورة النساء (4) : الآيات 114 الى 115] لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (114) وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (115) التفسير: أكثر ما يجتمع عليه المنافقون هو الشرّ، وأكثر ما يتناجون به، هو السوء.. والنجوة، والمناجاة، هى المسارّة بالحديث، والتخافت به، بعيدا عمن يسمع أو يرى.. وأصل «النجوة» المكان المرتفع، ينجو به الإنسان والحيوان، ويعتصم فيه من أن تناله يد العدوّ. وقوله تعالى: «إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ» هو استثناء للجانب الطيب من النجوى، إذ ليس كلّ ما يسارّ به الناس بعضهم بعضا من حديث، وما يحجزونه عن أسماع غيرهم وأبصارهم هو من قبيل الشرّ، الذي يحرص الناس على كتمانه، وإخفاء وجهه عن غيرهم. فقد يكون فى هذا الحديث الخفىّ، ما يراد به الخير والإحسان، وقد يكون فى كشفه والمعالنة به تفويت للخير الذي ينطوى عليه، وتضييع للإحسان المراد منه.. فمن اجتمع إلى غيره، وتناجى معه فيما هو خير له وللناس.. كدعوة إلى صدقة، أو توجيه إلى معروف، أو إصلاح بين الناس- (م 57- القصص القرآنى ج 5)

فلا حرج عليه فى هذه النجوى، متحدّثا أو مستمعا.. وإذ كانت «النجوى» غالبا ما تحمل على الرّيب والظنون بأهلها، كان على الإنسان أن يحرس نفسه من أن يكون مظنّة تهمة أو ريبة، وألا يدخل مداخلها إلا إذا كانت غايته منها تحصيل الخير له أو لغيره، وألا يكون وراءها شر يدبّر للناس، أو كيد يكاد لهم به.. وقوله تعالى: «وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً» . الإشارة هنا بقوله تعالى: «وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ» متوجهة إلى الأمر بالصدقة أو المعروف أو الإصلاح بين الناس.. أي ومن فعل ذلك فى مناجاته، لا يريد به إلا وجه الله، فله أجر عظيم عند الله، وثواب كريم لما فعل. وقوله تعالى: «وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً» الشقاق: المخالفة والمنابذة.. وشقاق الرسول: مخالفة أمره، والخروج عن طاعته.. والذين تبيّن لهم الهدى هنا، هم المنافقون، الذين دخلوا فى الإسلام، وعرفوا كثيرا من حقائقه، ولكن غلبت عليهم شقوقهم، فلم يستقيموا على طريق الحق، بل اضطربوا وتخبطوا.. فهؤلاء المنافقون أكثر ما تكون لقاءاتهم ومناجاتهم لتدبير الشرّ، وتبييت السوء، والعمل على مشاقّة الرسول ومخالفته، واتخاذ سبيل لهم غير سبيل المؤمنين، وطريقهم.. وقد توعّد الله سبحانه وتعالى من يكون على تلك الحال بقوله: «نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً» أي نقيمه على

الآيات: (116 - 121) [سورة النساء (4) : الآيات 116 إلى 121]

هذا الوجه الذي اتخذه لنفسه، مخالفا به الطريق المستقيم، طريق المؤمنين، وندعه لهواء الذي غلب عليه، وساقه إلى هذا المساق.. وهذا يعنى أن الله سبحانه وتعالى يخلى هذا المنافق لنفسه، ويتركه فى ضلاله، فلا يمدّ إليه يد العون والتوفيق. «فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً» (10: البقرة) . الآيات: (116- 121) [سورة النساء (4) : الآيات 116 الى 121] إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (116) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (120) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (121) التفسير: الشرك بالله، ضرب من ضروب الكفر به.. فإذا كان الكفر جحودا بالله، وإنكارا لوجوده، فإن الشرك ضلال عن طريق الله، ورؤية غير واضحة لجلال الله وعظمته، الأمر الذي يجعل الإنسان ينظر إلى الله فى هذا المستوي الذي لا يرتفع فيه كثيرا عن بعض مخلوقاته.. وهذا إنكار ضمنى لوجود الله، ذلك الوجود الحق، الذي ينفرد فيه سبحانه بالربوبية المطلقة، ويدين له فيه جميع المخلوقات بالعبودية والولاء.. «إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً» (93: مريم) .

والقرآن الكريم يتحدث عن المشركين باعتبار أنهم طائفة من طوائف الكافرين، وفرقة من فرقهم.. فالمشرك كافر، لا جدال. فأهل مكة- قبل الإسلام- كانوا مشركين، يعرفون الله معرفة باهتة، ويرونه من خلال آلهتهم، وكأنه واحد منهم، أشبه بشيخ القبيلة فى قبيلته!! وقد سماهم القرآن الكريم كافرين، كما سماهم مشركين، وقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» (6: البقرة) من مراده بعض مشركى مكة. كما أشرنا إلى ذلك فى تفسير هذه الآية.. ومثل ذلك قوله تعالى: «إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ» (12: الأنفال) فإن هذه الآية نزلت فى غزوة بدر، وفيما كان فيها من إمداد الله سبحانه وتعالى المؤمنين بالملائكة فى هذه المعركة.. وقد وصف المشركون هنا بالكفر وقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ» . هو بيان لما قضى به سبحانه وتعالى فيمن يشرك به أو ينكر ألوهيته، وهو أنه سبحانه لا يغفر لمرتكب هذا الإثم إثمه، ولا يناله برحمته، إذ أن هذا المشرك أو المنكر، قد استخفّ بالله، فلم يولّ وجهه إليه، ولم يخلص قلبه له، فكان جزاؤه أن يستخفّ به الله، ولا يقيم له يوم القيامة وزنا، كما يقول سبحانه وتعالى: «أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ

لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً» (102- 106: الكهف) . وقوله تعالى: «وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ» هو استدعاء من الله سبحانه وتعالى للعصاة والمذنبين من عباده الذين آمنوا به، ليتعرضوا لواسع رحمته، وعظيم فضله، فإنهم وقد آمنوا به، وأحلوا قلوبهم ومشاعرهم من كل معبود سواه، فقد دخلوا فى محتوى هذا النداء الكريم، الذي نادى الله به عباده المؤمنين فى قوله سبحانه «قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ» (53- 54: الزمر) . فما كان من الذنوب دون الشرك والكفر، فهو فى ساحة رحمة الله، وفى معرض غفرانه. وليس فى قوله تعالى: «لِمَنْ يَشاءُ» قيدا يحدّ من رحمة الله، أو يحجز من غفرانه، ولكن المراد به وضع الرحمة والمغفرة تحت مشيئة الله، يضعهما حيث يشاء، ويفضل بهما على من يشاء، فضلا وكرما، وليس لأحد أن يتألّى على الله، أو أن يلزمه شيئا من هذا العطاء المتفضّل به.. وبهذا تعظم المنّة، ويتضاعف الإحسان، إذ كان ذلك من غير مقابل، ودون استيفاء لجزاء على عمل، فصاحب العمل له جزاء عمله، كما يقول سبحانه: «نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» (56: يوسف) فرحمة الله واقعة حيث يشاء لمن يشاء.. أما المحسن، فقد كتب الله على نفسه أن يوفيه أجره، بل ويوفيه هذا الأجر أضعافا مضاعفة، كما يقول سبحانه: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ» .

وقوله تعالى: «وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً» كشف للطريق المهلك الذي ركبه المشرك بشركه، وأنه قد بعد عن طريق النجاة والسلامة، ولن يزيده المضىّ فيه إلا إمعانا فى الضلال، وبعدا عن طريق الحق، وشرودا عن مظانّ النجاة! وقوله تعالى: «إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً» . الضمير فى قوله تعالى: «مِنْ دُونِهِ» يعود إلى الله سبحانه وتعالى، و «إن» بمعنى حرف النفي «ما» أي ما يدعو هؤلاء المشركون من المعبودين الذين يعبدونهم من دون الله، إلّا إناثا. والشيطان المريد. هو إبليس الذي تمرّد على الله، وجرؤ على عصيانه والخروج عن طاعته.. والمعنى: أن هؤلاء الذين أشركوا بالله، وعبدوا من عبدوا من دونه، لم يكن تقديرهم لهؤلاء المعبودين، إلا عن نظر سقيم، وقلب مريض، وعقل سفيه. فما هؤلاء المعبودون الذين اتخذهم المشركون أربابا لهم من دون الله- إلا أحد شيئين: أولهما: إناث.. أي معبودات من المصنوعات، يعملونها بأيديهم، فى صورة أوثان وأصنام، ثم يزينونها بالملابس والحلىّ، كما تتزين النساء! وعبادة مثل هذه المصنوعات سفه ليس وراءه سفه، وضلال ليس بعده ضلال.. لأنها (أولا) أشياء ميتة، لا تسمع، ولا تبصر، ولا تملك من أمر وجودها شيئا.. فكيف يراد منها الخير لغيرها، أو يرجى منها العون لمن يقوم على أمرها، ويحفظ وجودها.. ولأنها (ثانيا) لم تتّخذ من صور الأشياء الجانب القوى منها، وهو جانب الذكورة، بل أضفى عليها صانعوها مظهر الأنوثة، فزادها ذلك ضعفا إلى ضعفها..

وفى الكشف عن هذا الجانب الضعيف من هذه الأوثان والأصنام، وعرضها لنظر عابديها فى هذه الصورة- صورة الإناث- إمعان فى تسفيه هؤلاء السفهاء الذين عبدوها، وتخاضعوا بين يديها.. إذ كيف يستقيم هذا مع تفكيرهم، وما أخذوا به أنفسهم من امتهان الأنثى، ونظرتهم إليها تلك النظرة المنكرة المتكرهة؟ وكيف يكون موقفهم مع الأنثى هذا الموقف الذي ذكره القرآن الكريم عنهم فى قوله تعالى: «وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ؟» (58- 59: النحل) - كيف يكون هذا موقفهم من الإناث وهنّ خلق سوىّ، وفلذة من فلذات أكبادهم، ثم يكون هذا شأنهم مع تلك الصور التي يتخذونها من الحجر، والخشب، والمعدن، ويلبسونها زيّ الإناث، ويغرقونها بالحلى والزينة؟ أهذا مما يستقيم مع منطق، أو يصح فى عقل؟ هذه صورة من الصورتين، اللتين يعبدهما المشركون من دون الله! .. وهى صورة حسيّة، يتعامل معها المشركون بحواسّهم ومشاعرهم.. أما الصورة الأخرى، فهى «الشيطان المريد» .. وهو وإن كان شيئا غير محسوس، فإنّه يتمثل فى الأهواء المتسلطة على النفس، وفى تلك الوسوسات الضالّة التي تزيّن للإنسان الشرّ، وتغزيه بالضلال! وليست تلك المعبودات، التي يعبدها المشركون بالله، ويتخذون لها تلك الصور والأشكال إلّا إملاء من وساوس الشيطان لهم، وإلا مظهرا من مظاهر إغرائه وإغوائه..

فهؤلاء الذين يعبدون الأوثان من دون الله، هم عابدون للشيطان أيضا.. فما هذه الصور المعبودة إلّا بنات وسوساته فى صدورهم، ونفثاته فى تفكيرهم.. وقوله تعالى: «لَعَنَهُ اللَّهُ» صفة لهذا الشيطان المريد، الذي اتخذه هؤلاء المشركون وليا من دون الله.. وفى هذا ضلال إلى ضلال، وسفه إلى سفه.. إذ أنهم أعطوا ولاءهم لمن كان عدوّا لله، واقعا تحت لعنته.. فهم- والأمر كذلك- أعداء لله، واقعون تحت لعنته. وقوله سبحانه: «وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً» عرض فاضح لهذا الشيطان المتمرد على الله، المأخوذ بلعنة الله. وفى عطف قوله تعالى: «وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً» على قوله سبحانه: «لَعَنَهُ اللَّهُ» ما يشير إلى أن هذا القول الآثم من هذا الشيطان المريد هو لعنة أخرى من لعنات الله عليه، لما فيه من تحدّ لله، ومحاربة له فى عباده! وفى قوله تعالى: «مِنْ عِبادِكَ» إشارة أخرى إلى تمرد هذا الشيطان المريد، وإمعانه فى محادّة الله ومحاربته.. إذ كيف تسوّل له نفسه أن يدخل حمى الله، وأن يفسد عباد الله، الذين خلقهم بيده، وأضافهم إلى ذاته؟ ومن جهة أخرى، فإن هؤلاء الذين خلقهم الله بيده، وأضافهم إلى ذاته، هم الذين كانوا حربا على الله فى جبهة الشيطان، فتفلتوا من هذا الحمى الكريم، الذي أقامهم الله فيه.. ومدوا أيديهم إلى هذا الشيطان المريد، وأعطوه الفرصة فيهم، ليفسد عليهم هذه الفطرة السليمة التي أودعها الله كيانهم، وليضلّ عقولهم عن هذا الطريق الذي أراه الله لهم، غير ملتفتين إلى تلك الوصاة التي وصّاهم الله بها، فى شأن هذا العدوّ الراصد لهم، والمتربص بهم، حيث كان قول الله لهم: «إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ» .

وفى هذا الموضع الذي وضع الله الإنسان فيه، تكريم لهذا الإنسان، وإشعار له بأنه أهل لأن يحرس نفسه من هذه الآفة المتسلطة عليه، وأن يحتفظ بتلك الهبات العظيمة التي منحها الله إياه، تلك الهبات التي لو التفت إليها، وأحسن استخدامها، والقيام عليها، لكانت قوة حارسة له من الشيطان وخداعه، ولكان له منها حمى لا تناله وساوسه ومغوياته.. ولكن غفل كثير من الناس عن هذا العدوّ، بل وسالمه وأسلم زمامه له، فكان ضياعه وهلاكه جزاء وفاقا له. وفى قوله تعالى: «نَصِيباً مَفْرُوضاً» إشارة إلى أن هؤلاء الذين أوقعهم الشيطان فى حبالته، واصطادهم فى شباكه، هم من أراد الله لهم أن يكونوا فى أصحاب النار، كما يقول سبحانه وتعالى: «فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ» (7: الشورى) وكما يقول جلّ شأنه: «وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (119: هود) .. وكما يقول الرسول الكريم فيما يروى عن على بن أبى طالب، قال «كنّا فى جنازة فى بقيع الفرقد، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد ومعه مخصرة، فنكّس رأسه وجعل ينكت بمخصرته، فقال: «ما منكم من نفس منفوسة إلا وقد كتب مكانها من الجنة أو النار، وإلّا قد كتبت شقية أو سعيدة» فقال له رجل: يا رسول الله: أفلا نتّكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منّا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان منامن أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاء؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «اعملوا فكل ميسّر.. أما أهل السعادة فميسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فميسّرون لعمل أهل الشقاوة.. ثم قرأ: «فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى» .

ووصف النصيب بأنه نصيب مفروض يكشف عن أنه قدر محدّد، أي أن أولياء الشيطان هؤلاء، هم فريق محصور بعدده وصفته، لا يزيد ولا ينقص، كما أن أولياء الله، هم فريق آخر مقابل لهذا الفريق، معروف بعدده وصفته.. ومجموع الفريقين هم الناس جميعا.. الشقىّ منهم والسعيد، وأصحاب النار وأصحاب الجنة.. أولياء الشيطان، وأولياء الرحمن! وقوله تعالى: «وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ» هو بيان لقولة الشيطان: «لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً» فهذا النصيب المفروض هم الذين سيتخذهم الشيطان أولياء له، وسيتعاطى معهم كئوس المودة والصفاء، وهى كئوس تدور برءوس شاربيها، وتفسد عليهم عقولهم، وتحوّلهم دمى فى يد الشيطان، يعبث بها كيف يشاء.. ولهذا كان واثقا من أنه قادر على نفاذ أمره وإمضاء مشيئته فيهم.. ولهذا جاء أمره إليهم جازما مؤكدا: «ولأضلّنّهم» أي يلقى بهم فى مهاوى الضلال، والظلام.. بعيدا عن الهدى والنور! «ولأمنّينّهم» أي يمدّ لهم فى حبال الأمانى والغرور، بما يزيّن لهم من الشرور والآثام.. وبما يخيّل لهم من الأوهام والأباطيل.. فيرون الشر خيرا، والقبيح حسنا، والبعيد قريبا. «وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ» وذلك شىء من السّخف والضلال، الذي زينه لهم الشيطان وأغواهم به، وهو أنهم كانوا إذا ولدت الناقة خمسة بطون، وكان آخرها ذكرا احتفوا بها وأكرموها، وكان مظهر ذلك أن يقطعوا أذنيها أو يشقّوهما «فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ» ثم يرسلونها

فلا يركب ظهرها، ولا يحمل عليه شىء!! أفليس ذلك هو غاية السفه، ومنتهى الضلال؟. «وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ» وذلك بتقطيع آذان الأنعام هذه، ونحو هذا من المراسم التي تصوّرها لهم الأوهام والأباطيل. وقوله تعالى: «وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً» عرض للصورة الشنعاء التي ينتهى إليها أمر هؤلاء الذين استذلهم الشيطان، واستبدّ بهم.. فليس بعد خسرانهم خسران، ولا وراء ضياعهم ضياع. وقوله تعالى: «يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً» هو كشف لهذا المحصول الذي يجنيه أتباع الشيطان.. إنها ليست إلا أمانىّ باطلة، وسرابا خادعا. «أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً» فتلك هى عاقبة الظالمين الغاوين.. مصيرهم جهنم وساءت مصيرا، لا متحوّل لهم عنها، ولا إفلات لهم منها. وهنا سؤال، أو أسئلة، عن هذه التفرقة بين الناس، إذ كانوا فريقين: سعداء وأشقياء. أولياء الله وأولياء الشيطان.. «فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ» ؟ فلم هذه التفرقة بين الناس، وهم جميعا عباد الله وصنعة يده؟ وما فضل هؤلاء الذين كتبت لهم الجنة، وما جناية هؤلاء الذين كتبوا فى أصحاب النار.. هكذا قدرا مقدورا، وقضاء لازما من الأزل؟ وما قيمة إحسان المحسن وإساءة المسيء، إذا كان قد تحدد المصير المحتوم لكل إنسان؟ هذه خواطر تتوارد على الإنسان، وهو يستمع إلى حكم الله هذا فى عباده..

الآيات: (122 - 123 - 124) [سورة النساء (4) : الآيات 122 إلى 124]

وإذا كان من تمام إيمان المؤمن أن يتلقى أوامر الله وأحكامه بالتسليم. وأن يتقبلها بالرضا والحمد- فإنه من غير المستطاع أن يمنع المؤمن مثل هذه الخواطر من أن تطوف بعقله حينا بعد حين، وأن تتصاعد منها أدخنة وغيوم، قد تنحسر مريعا، أو تتلبث وتتسكع قليلا أو كثيرا.. بل إنه- والأمر كذلك- لمن الخير أنه يواجه الإنسان هذه الخواطر، وأن يقّلبها بين يديه، حتى يعرف مصادرها ومواردها، فإنها كثيرا ما تكون مداخل لخداع الشيطان وضلالاته. وهذا ما سنعرض له فى بحث خاص.. إن شاء الله. الآيات: (122- 123- 124) [سورة النساء (4) : الآيات 122 الى 124] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً (122) لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124) التفسير: الفريق الآخر المقابل لأولياء الشيطان، هم المؤمنون، أولياء الله، الذين أعطوا هذه الولاية حقها، فامتثلوا أوامر ربهم، واجتنبوا نواهيه.. وإذا كان أولياء الشيطان مأواهم جهنم، فإن أولياء الله مأواهم الجنة، خالدين فيها أبدا.. فذلك وعد الله لهم، فيما أخبرهم به من كلماته على لسان رسله.. «ومن أصدق من الله قيلا» - أي قولا- وحاش لله أن يخلف وعده، فإن خلف الوعد لا يكون إلا عن عجز وضعف، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

وقوله تعالى: «لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ» ردّ على أولئك الذين يتمنون على الله الأمانىّ، دون عمل..! والأمانىّ التي لا ترتبط بعمل، ولا تتجه إلى هدف، هى أباطيل وأضاليل وأوهام وأضغاث أحلام، لا يمسك منها صاحبها إلا سرابا، ولا يجنى منها إلا حسرة وندما على ما كان من تفريط وتقصير.. وإذن فليس الإيمان مجرد كلمة يتلفظ بها الإنسان، ليدخل بها فى جماعة المؤمنين، وليتخذ منها زيّا يندسّ به بينهم، وينال ما ينالون، ويطعم بما يطعمون، مما أعد الله لهم من رضوان، وجنات لهم فيها نعيم مقيم.. هكذا من غير أن يكون منه عمل صالح! بل الإيمان فى حقيقته، قول وعمل، معتقد وسلوك.. فمن لم يحقق الإيمان على هذا الوجه فليس مؤمنا، وليس له أن ينال شيئا مما أعد الله للمؤمنين.. ولهذا جاء قوله تعالى: «مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً» ليقرر هذا المضمون الذي احتواه قوله سبحانه «لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ» فى جانب الذين يتمنون الأمانى الباطلة، فلا يكون منهم عمل صالح.. فهؤلاء سيجزون سوء ما عملوا، وليس لهم من يدفع عنهم أخذ الله لهم.. وقوله تعالى: «وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً» هو تقرير لمصير الجانب الآخر، المقابل لأولياء الشيطان، وهو جانب أولياء الله، الذين لم يفتنهم الشيطان، ولم يغرقهم فى الأمانىّ الباطلة.. فهؤلاء آمنوا وعملوا الصالحات، أي أنهم آمنوا بالله، ثم حوّلوا هذا الإيمان إلى سلوك وعمل، فغرسوا فى مغارس

الآيتان: (125 - 126) [سورة النساء (4) : الآيات 125 إلى 126]

الخير ومهّدوا ما غرسوا، وحرسوه من الآفات، فكان لهم من الله هذا الجزاء الحسن: «يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً» . وفى تقديم دخولهم الجنة هنا على استيفاء حقهم كاملا- فى هذا تطمين لقلوب المؤمنين، وأنهم سيدخلون الجنة على أي حال، فضلا وكرما من الله عليهم.. أما مناقشتهم الحساب، فإنه لكى يروا ما عملوا من خير، وكيف نمّاه الله لهم، وأجزل لهم الثواب عليه.. والنقير: النّقرة تكون فى ظهر النّواة، ومنها ينبت أصل النخلة! وفى قوله تعالى: «مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى» تسوية بين الرجل والمرأة فى التكاليف الشرعية، وفى الجزاء. وفى قوله تعالى: «وَهُوَ مُؤْمِنٌ» قيد لازم لقبول العمل الصالح والجزاء الحسن عليه، فإنه بغير الإيمان لا يزكو عمل عند الله، ولا يقبل.. الآيتان: (125- 126) [سورة النساء (4) : الآيات 125 الى 126] وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً (125) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (126) التفسير: «أسلم وجهه لله» : أي وجّه وجهه إلى الله، دون التفات إلى معبود سواه.. فالإيمان الحق، هو الذي يقوم على إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبوديّة، والبراءة من الشركاء الذين يتخذهم المشركون أولياء من دون الله. والاستفهام فى قوله تعالى: «وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً» لا يراد به حقيقته،

وإنما المراد به هو استبعاد أن يكون أحد أحسن دينا من هذا الذي أسلم وجهه لله وهو محسن. والاستفهام هنا أبلغ فى تقرير هذا الحكم، من أن يجىء هكذا فى صورة الخبر المباشر، كأن يقال مثلا: لا أحد أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن. ذلك أن الاستفهام يقتضى اختبارا عمليا لهذا الحكم، بمعنى أنه حين يرد هذا الاستفهام على السامع، يتلفت هنا وهناك باحثا عن الجواب على هذا الاستفهام، طالبا من هو أحسن دينا من دين هذا الذي أسلم وجهه لله.. ولكن هيهات أن يجد المطلوب، وبذلك يتقرر عنده الحكم بأنه لا أحد أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن. وقوله تعالى: «وَهُوَ مُحْسِنٌ» جملة حالية يراد بها قيد الإيمان بالعمل، بل والعمل الحسن.. إذ ليس الإيمان- كما قلنا- مجرد تصور حقيقى للألوهية، وإيمان بالله على هذا التصور لا يعدّ إيمانا، وإنما الإيمان معتقد وعمل، ولاء لله، وسلوك بمقتضى هذا الولاء. وفى قوله تعالى: «وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً» ، عطف على الجملة الحالية السابقة، وقيد آخر للإيمان، الذي وصف بأنه أحسن دين وأكمل إيمان.. إذ لا يتحقق هذا الوصف إلا بشرطين: أولهما: أن يصحبه عمل، وعمل حسن، بمقتضى توجيهات الشريعة وآدابها.. وثانيهما: أن يكون متابعة لدين إبراهيم عليه السلام، إذ كان إبراهيم أبا لأتباع الديانات الثلاث، المتجه إليها هذا الخطاب، وهى اليهودية، والنصرانية، والإسلام..

«والملّة» هى الدّين. «والحنيف» المائل عن طرق الضلال إلى الهدى.. وهذا يعنى أن المجتمع الذي كان فيه إبراهيم عليه السلام- كان مجتمعا ضالا منحرفا، وأنه وحده- وقليل معه من ذريته- هو الذي مال عن هذا الاتجاه العام، الذي كان يتجه إليه قومه، وأبناء مجتمعه، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (120: النحل) . قوله تعالى: «وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا» جملة استثنائية، تقرر ما لإبراهيم عند الله من منزلة، تلك المنزلة التي تجعل اتّباع ملتّه، وموالاته، مما يرضى الله عنه، ويحمده. والخليل هو الصاحب الذي يسدّ خلل صاحبه، ويكمل وجوده، أو يتخلّل مشاعره، ويخلص إلى مواطن سرّه.. واتخاذ الله- سبحانه- إبراهيم خليلا، يراد به لازم هذه المخالّة، وهى إضفاء الإحسان، والرحمة، من جانب الله تعالى على إبراهيم، وهذا لطف من الله، وتكريم لهذا النبي الكريم، وتلك منزلة عليا من منازل القرب من الله.. لا تكاد تدانيها منزلة. وقوله تعالى: «وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً» استعراض لعظمة الله وسعة ملكه، ومقدار سلطانه، الذي يشمل كل شىء، وينفذ إلى كل شىء! ومن كان هذا شأنه، وتلك صفته، فإن من السفه والضلال أن يولّى الإنسان وجهه إلى غيره، أو يعبد معبودا سواه.. وإذا استقام فى تفكير الإنسان أن يرى الله على هذا الوجه، وأراد أن

الآيات: (127 - 130) [سورة النساء (4) : الآيات 127 إلى 130]

يتخذ سبيله إلى الله.. فهناك ملّة، إبراهيم، فليستقم عليها، وليؤمن بالله إيمان إبراهيم، ذلك الإيمان المبرأ من كل شرك، المجانب لكل ضلال. الآيات: (127- 130) [سورة النساء (4) : الآيات 127 الى 130] وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (127) وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (128) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (129) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً (130) التفسير: الاستفتاء هو طلب الفتيا فى أمر خفى على المستفتى، يريد التعرف عليه. وكثيرا ما كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبون الرأى من النبىّ، فيما يعرض لهم من أمور، وفيما يقع من أحداث.. إذ كان النبىّ صلى الله عليه وسلم هو حامل الشريعة إليهم، والقائم عليها، والشارح لها.. (م 58- التفسير القرآنى- ج 5)

وهنا فى هذه الآية، يسأل المسلمون النبىّ فى أمور تتعلق بالنساء.. من زواج، وطلاق، ومتعة، ورضاع، وغير ذلك مما يعنى الرجال من أمر النساء! وقد أعطى الله سبحانه النبىّ الكريم الجواب عما يسألون عنه، فقال تعالى: «قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ» أي أن الله سبحانه وتعالى هو الذي سيتولى بيان ما تسألون عنه. وقوله تعالى: «وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ» هو عطف على قوله تعالى: «قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ» أي الله يفتيكم فى النساء، ويفتيكم فيما «يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ» . ويكون معنى الإفتاء هنا، هو الإشارة إلى أن ما نزل عليهم من آيات الله فى شأن اليتامى، ولم يمتثلوه امتثالا كاملا، ولم يرعوا ما وصّاهم الله به فى شأنهن فى قوله تعالى: «وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا» وفى هذا إلفات لأولئك الذين لم يرعوا أمر الله فى شأن هؤلاء اليتيمات اللاتي هنّ تحت أيديهم، وهو فى الوقت نفسه توبيخ لهم إذ يستفتون النبىّ فى شأن النساء، وبين أيديهم أمر من أمر الله فى شأنهن ولم يعملوا به، وكان الأولى بهم ألا يسألوا شيئا عن النساء إلا بعد أن يمتثلوا ما أمروا به من قبل فى شأنهن! وفى قوله تعالى: «يَتامَى النِّساءِ» إشارة إلى أن هؤلاء اليتيمات اللاتي

تحت أيدى الأوصياء عليهن، هنّ من النساء اللاتي يستفتون النبىّ فيهن، وصغرهن لا يخرجهن عن أن يكنّ من النساء. وقوله تعالى: «اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ» هو مواجهة صريحة لأولئك الذين لا يزال الوضع السيّء لليتيمات عندهن كما كان من قبل أن يوصى الله بهن بما أوصى فى أول سورة النساء، وهو أنهم كانوا ينكحونهن من غير أن يؤدوا ما فرض الله لهن من مهر، أو يمسكونهن عند الزواج إذا لم يكن لهم فيهن رغبة، ليحتفظوا فى أيديهم بالمال الذي لهن، وقد نهاهم الله سبحانه وتعالى عن هذا. قوله تعالى: «وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ» عطف على قوله تعالى: «فِي يَتامَى النِّساءِ» أي والله سبحانه وتعالى يفتيكم فى النساء، وفيما يتلى عليكم فى الكتاب فى يتامى النساء وفى المستضعفين من الولدان» .. وقد أوصى الله تعالى باليتامى فى قوله سبحانه: «وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ، فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً» (9- 10: النساء) . وإعادة الفتيا فى المستضعفين من الولدان، وهم اليتامى- هو تذكير لهؤلاء الذين لم يمتثلوا بعد، ما أمر الله فيهم من الرفق بهم، والإحسان إليهم، وحسن القيام عليهم.. قوله تعالى: «وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ» هو دعوة عامة جامعة لليتامى من بنين وبنات، بعد أن ذكرهم الله تعالى ذكرا مفصلا- حيث ذكر يتامى النساء، ثم ذكر المستضعفين من الولدان، وهؤلاء وأولئك جميعا من اليتامى..

قوله تعالى: «وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً» حثّ على فعل الخير، والإحسان عامة، وفى اليتامى خاصة.. والله سبحانه وتعالى يعلم ما نفعل من خير أو شر، ولكنه قصر العلم على الخير هنا، تنبيها إلى أن المؤمن ينبغى أن يكون فعله كله خيرا، وأنه يجب أن يعقد قلبه على فعل الخير، وأن يفعله ما استطاع، وأن يخلى قلبه من وساوس الشر، وأن يتجنبه ما استطاع!. وفى التعبير عن علم الله تعالى بلفظ الماضي «كان» إشارة إلى أن علم الله لا يتعلق بوقوع الأفعال، وإنما هو علم قديم أزلىّ، قد أحاط سبحانه بكل شى علما.. قوله تعالى: «وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً» . النشوز: النفور عن المألوف، والنشز من الأرض: الصلب.. والفتيا هنا فى شأن من شئون النساء اللائي وعد الله سبحانه بالإفتاء فيهن.. ومما يسأل عنه من أمر النساء، أن تجد المرأة فى زوجها من سوء العشرة ما تخشى معه قطع الحياة الزوجية، إذا لم يدخل عليها عنصر جديد يغذيها بشىء من المودة والإحسان. والحياة الزوجية لا تستقيم أبدا، ولا تؤتى ثمارها طيبة مباركة إلا إذا سكن كل من الزوجين إلى الآخر، وامتزج به، واختلط بمشاعره، وتنفس معه أنفاس المودة والرحمة، كما يقول سبحانه وتعالى: «وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً» (21: الروم) . وفى قوله تعالى: «وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً» إشارة إلى هذا العارض الذي يعرض للحياة الزوجية، فيثير فيها مشاعر القلق

والاضطراب، وذلك بأن تجد المرأة من زوجها نشوزا، أي تعاليا عنها، حيث ينظر إليها نظرة باهتة غير عابىء بها، لا نظرة الشريك إلى شريكه، والصديق إلى صديقه.. أو تشعر بجفوة منه نحوها، وبإعراض عنها وإهمال لها.. وفى التعبير بالخوف عن هذه المشاعر وتلك الأحاسيس التي تجدها المرأة فى زوجها- ما يكشف عما يقع فى نفس المرأة من إشفاق على مستقبل حياتها الزوجية مع هذا الزوج الذي يحمل لها تلك المشاعر، التي قد تنمو مع الأيام، وتصبح داءا لا دواء له إلا فصم العلاقة الزوجية بين الزوجين. وفى قوله تعالى: «فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً» إشارة إلى الدواء، الذي يمكن أن يقدّم فى مثل هذه الحالة لهذا الصدع الذي وقع بين الزوجين، وذلك الدواء هو أن يحدث الزوجان بينهما مصالحة، وأن يعملا تسوية، يلتقيان فيها على ما يحقق لكل منهما بعض ما يطلب من صاحبه.. فقد يكون فى يد المرأة ما يمكن أن تترضّى به الزوج من مال، وإنه لا بأس فى هذه الحالة أن تقدم المرأة للزوج بعض ما كان يطمع فيه من مالها، الذي ربما كان حرمانه منه سببا فى إعراضه عنها.. كما يمكن المرأة أن تنزل للزوج عن بعض حقوقها الزوجية.. كالتسوية فى القسمة بينها وبين بعض زوجاته اللائي يؤثرهن عليها بحبّه ومودته.. فترضى منه ببعض هذا الحق!. وقد يكون فى هذا الموقف الذي تقفه المرأة من زوجها، ما يعطفه عليها، ويقرّبه منها، ويصلح ما بينه وبينها، وبهذا تبقى العلاقة الزوجية موصولة بينهما، وتظل المرأة فى حماية الزوج ورعايته.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَالصُّلْحُ خَيْرٌ» .. أي أنه خير على أي حال لكلّ من المرأة والرجل.. إذ أبقيا به على رابطة مقدسة بينهما، كان فى قطعها قطع لما أمر الله به أن يوصل.

وفى قوله تعالى: «فَلا جُناحَ عَلَيْهِما» رفع لمظنّة الحرج التي قد تكون متصوّرة فى هذا الموقف.. إذ أن المرأة تنزل للزوج عن بعض حقها، أو تقدم إليه شيئا من مالها، تحت ظروف قاهرة.. لا عن رضى واختيار.. وفى هذا عدوان على المرأة، وإكراه لها.. ولكن أباح الإسلام هذا، ليدفع به عن المرأة ضررا أكبر من هذا الضرر الذي يلحقها من التنازل عن بعض حقوقها الزوجية، أو الغرم فى بعض مالها.. وذلك لتحفظ حياتها الزوجية من أن تتصدع وتنهار! فالشر الذي يدفع به شرّ أعظم منه، هو خير! ومع هذا، فإنه ليس من المفروض فرضا لازما على المرأة أن تقف هذا الموقف، وإنما ذلك متروك لتقديرها، ووزنها لأحوالها وظروفها.. فلها أن تطلب الطلاق من زوجها إذا كانت غير محتملة للضرر الواقع عليها من نشوزه أو إعراضه عنها.. ثم إن لها فى الوقت نفسه أن تصلح هذا الأمر بما تقدر عليه، إذا هى رأت فى مصلحتها أن تبقى على زوجها، وأن تشترى رضاه ومودته بالتنازل عن بعض حقوقها.. وقوله تعالى: «وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ» أي أشهدت الأنفس الشحّ، بمعنى أريته وعاينته فى هذا الموقف، والشحّ هو البخل.. والذي أرى الأنفس الشحّ فى هذا الموقف، هو مواجهتها لذاتها وهى تستقبل من الغير هجوما عليها، ومحاولة للانتقاص مما فى يدها. ففى مثل تلك الحال تتحرك فى النفس دوافع حبّ الذات، الذي من شأنه أن يبرز غريزة الشحّ، التي هى سلاح من أسلحة الدفاع عن الذات. وجملة «وأحضرت الأنفس الشحّ» جملة اعتراضية، يراد بها التنبيه

إلى تلك الصفة الذميمة التي تطلّ برأسها فى هذا الموقف، الذي يواجه فيه كلّ من الزوج والزوجة صاحبه مواجهة صريحة.. مواجهة الغريم لغريمه فى استقضاء حق له عليه. ومن شأن هذا التنبيه أن يقيم فى كيان كل من الزوجين، وازعا يزع هذا الوسواس، الذي يدفع فى صدر كل منهما بمشاعر الشحّ والحرص، ومن شأن هذا الوازع- إذا استند إلى دين وخلق- أن ينهى هذا الموقف الحادّ بين الزوجين، وأن يجمعها على التسامح، والصفح، والوفاق.. وقوله تعالى: «وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً» هو دعوة إلى الإحسان والتقوى فى هذا الموقف، الذي إن لم تتحرك فيه مشاعر الإحسان لتؤدى دورها فى ظلّ من تقوى الله والعمل على مرضاته- لم يكن سبيل إلى إصلاح هذا الخلل، ورأب ذلك الصدع، بل ربما زادته المواجهة بين الزوجين اتساعا وعمقا. وانظر فى هذا الاختلاف الذي وقع فى فاصلة هذه الآية، وفى فاصلة الآية التي قبلها.. فقد جاءت فاصلة هذه الآية: «فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً» حيث أن ما يعمل هنا، هو مما تمليه القلوب، وتتناجى به الضمائر.. فهو- والأمر كذلك- محتاج إلى خبرة تطّلع على ما فى القلوب، وتكشف ما استقر فى الضمائر، وليس ذلك إلا لله الخبير العليم.. أما فاصلة الآية التي سبقت هذه الآية، فقد جاءت هكذا: «وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً» حيث كان الحديث عن أفعال محسوسة، يكفى فى كشفها العلم بها على الصورة التي وقعت، وذلك مما لا يغيب عن علم العليم الخبير!.

قوله تعالى: «وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً» . فى هذه الآية أمور: أولا: ضياع أمانة «العدل» فى القسمة بين الزوجات، التي حملها الزوج، ودعى من الله إلى الوفاء بها، وهو- وإن يكن أمرا قد تجاوز الله سبحانه وتعالى عنه فى تلك الحال- هو تضييع لتلك الأمانة، وعدوان عليها.. وهذا أقل ما فيه أنه يدعو الإنسان أن يفكر طويلا قبل أن يدخل فى هذه التجربة، ويعرّض نفسه لأن يكون فى عداد الظالمين المعتدين.. وهذا أقلّ ما فيه أيضا أن يزهّد الإنسان فى التزوج بأكثر من وحدة. وثانيا: قوله تعالى: «وَلَوْ حَرَصْتُمْ» يقطع كل أمل عند من تحدثه نفسه بأنه- إذا جمع أكثر من امرأة فى عصمته- قادر على أن يحقق العدل بينهما.. فذلك أمر فوق مقدور البشر، إذ كان الحكم فيه للقلب، ولا سلطان للإنسان على قلبه.. ولهذا كان النبىّ صلى الله عليه وسلم يقول متوجها إلى ربه فى قسمته وعدله بين نسائه: «هذا قسمى فيما أملك، فلا تلمنى فيما لا أملك وتملك» . وثالثا: من ابتلى بهذه التجربة- تجربة الجمع بين أكثر من زوجة- فعليه أن يستشعر دائما أن ميزان العدل الممسك به بين زوجاته لن يستقيم أبدا، فهو قلق مضطرب، يميل هنا مرة، ويميل هناك مرة.. وهكذا.. والمطلوب منه فى تلك الحال أن يحفظ توازن هذا الميزان فى يده، مع ميله واضطرابه، وإلا شالت إحدى كفتيه فكانت فى السماء، على حين هوت الأخرى فلصقت بالأرض.. وبهذا يفقد الميزان أثره وفاعليته..

ورابعا: قوله تعالى: «فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ» .. الضمير هنا للمرأة التي جار عليها زوجها، فلم يعطها من حقوق الزوجية شيئا.. فهى زوج وليست زوجا.. وإطلاقها فى تلك الحال خير من إمساكها.. وخامسا: قوله تعالى: «وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً» إيذان من الله سبحانه وتعالى بالتجاوز عن الاضطراب الذي يقع فى ميزان العدل بين الزوجات إذا اتّقى الزوج ربّه فى النساء اللائي فى يده، وأعطى كل واحدة منهن حقها قدر المستطاع.. وإلا فهو آثم ظالم، لا تناله مغفرة الله ورحمته. وقوله تعالى: «وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً» هو دعوة إلى إطلاق سراح المرأة التي لا تنال حظوة عند زوجها، ولا ينظر إليها نظرة الرجل إلى المرأة، وما لها من حقوق مادية ومعنوية عنده.. فإطلاقها فى تلك الحال خير لها من إمساكها، الذي هو إيذاء لها، وإهدار لوجودها.. والمرأة التي يمسك بها الرجل، وهى فى هذا الوضع الجائر.. إمّا أن تكون ذات مال، يريدها الرجل لمالها.. فليتركها، وليطلق سراحها.. والله سبحانه وتعالى يغنيه من فضله، وأول هذا الغنى هو أن يحفظ كرامته، ويحترم رجولته، فلا يكون طعامه وشرابه من هذا المال الذي يسلبه من يد ضعيفة، دون مقابل له. وإما أن تكون فقيرة مستضعفة، لا تجد من يكفلها، فهى مقيمة على هذا الضيم، لقاء لقمة عيش، أو كسوة بدن.. فلتخلّص نفسها من هذا القيد، ولتحرّر روحها، وتصحح إنسانيتها، فتلك هى الحياة، ولا حياة مع الذلة والمسكنة، ومع شبع البطن وجوع الروح، وكسوة الجسد، وعرى الإنسانية! والله سبحانه وتعالى هو الرزّاق ذو القوة المتين.. قد كفل لها رزقها، كما كفل لكل كائن حىّ رزقه: «وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً» ! فمن سعة فضله

الآيات: (131 - 134) [سورة النساء (4) : الآيات 131 إلى 134]

يقوت الأحياء، ومن بالغ حكمته أن يدعو الإنسان إلى السموّ بروحه، والاستعلاء بذاته.. فذلك هو الإنسان.. أما ماوراء ذلك من ماديات الإنسان فهى تبع، وليست أصلا، وهى ثان وليست أولا. الآيات: (131- 134) [سورة النساء (4) : الآيات 131 الى 134] وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً (131) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (132) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (133) مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (134) التفسير: فى الآيات السابقة استعرض القرآن الكريم وجوه الناس: من مؤمنين، ومنافقين، وكافرين، وأقام كل فريق منهم بالمكان الذي هو أهل له، من قرب أو بعد من الله، وما أعدّ له من ثواب أو عقاب.. وقد ختمت هذه الآيات باستعراض لقدرة الله سبحانه، وسعة ملكه، وبسطة نفوذه، وذلك فى قوله تعالى: «وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً» .. ثم تلا ذلك وقفة مع المؤمنين فيما يعنيهم من أمر دينهم، وكان ذلك فى أمور تتصل بالنساء وعلاقة الرجال بهن، وقد جاءهم من الله فى هذا البلاغ المبين.. وهنا فى هذه الآيات استدعاء للناس جميعا، من مؤمنين، وكافرين،

ومنافقين، ليشهدوا جلال الله وعظمته، فيما صوّر وخلق مما فى السموات والأرض، وكلها صنعة يده، وحوزة ملكه: «وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ» ! وفى تقديم الخبر على المبتدأ فى قوله تعالى: «وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ» ما يفيد اختصاص الله سبحانه وتعالى وحده بالملكية لما فى السموات والأرض.. لا يشاركه فى ذلك شريك.. وفى قوله تعالى: «وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ» بعد هذا الاستعراض لقدرة الله وسلطانه المتفرد على هذا الوجود- فى هذا جلاء لغشاوات الضلال التي انعقدت على كثير من البصائر فحجبت عنها الرؤية الواضحة لله. فلم تره إلا فى ضباب هذه الضلالات.. ربّا مع أرباب، وإلها فى مجمع من الآلهة..! فإذا نظر الإنسان إلى ما فى ملكوت السموات والأرض من آثار رحمة الله، وقدرته، وعلمه وحكمته، ثم استمع لدعوة الحق سبحانه وتعالى التي يدعو بها عباده إليه: «أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ» - كان خليقا به، لو أمعن النظر، وأحسن التفكير- أن يستجيب لدعوة الله، وأن يؤمن به، ويتّقى حرماته.. فتلك هى الصلة السليمة التي ينبغى أن تقوم بين الإنسان وخالقه، وتلك هى الوصاة التي يوصّى الله بها عباده، ويحملها إليهم رسله! «وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ» .. والمراد بالذين أوتوا الكتاب من قبلنا، هم اليهود والنصارى، حيث هم الذين التقوا بالمسلمين من أهل الكتاب، وإن كان هناك كثيرون من المؤمنين أصحاب كتاب سماوى، غير اليهود والنصارى، ولكن ذهبوا وذهبت كتبهم، ولهذا كان ذكر أهل الكتاب فى القرآن دائما، مقصودا به اليهود والنصارى وحدهم. قوله تعالى: «وَإِنْ تَكْفُرُوا» هو مقابل لقوله سبحانه: «أَنِ اتَّقُوا

اللَّهَ» .. فالمراد بتقوى الله هنا، هو الإيمان به إيمانا صحيحا، غير مشوب بشرك أو ضلال. وقوله تعالى: «فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ» إشارة إلى أن إيمان المؤمنين وشرك المشركين، ونفاق المنافقين، وكفر الكافرين، كل ذلك لا متعلّق له بالله، إذ لا يؤثر ذلك فى قدرة الله، ولا يزيد أو ينقص من سلطانه شيئا.. فهو المالك لكل شىء والقائم على كل شىء.. ولهذا جاءت خاتمة الآية هكذا: «وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً» أي أنه سبحانه فى غنى عن خلقه، لا ينفعه إيمان المؤمنين، ولا يضرّه كفر الكافرين، وإنما يعود نفع الإيمان أولا وآخرا إلى صاحبه، كما يعود ضرر الكفر أولا وآخرا إلى صاحبه.. والله سبحانه وتعالى يقول: «مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ» (44: الروم) أي فلأنفسهم يصلحون الطريق الذين يصلهم بالله، ويوصلهم إلى مرضاته ونعيم جنّاته. والحميد، هو المستأهل للحمد، المستحق له من جميع مخلوقاته، إذ أوجدهم من عدم، وألبسهم نعمة الوجود.. فالحمد لله، هو تسبيحة المخلوقات جميعا، من آمن منهم بالله ومن لم يؤمن، وفى هذا يقول الله تعالى: «وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» (44: الإسراء) . وقد يقال: كيف يسبّح الكافر بحمد الله، وهو ينكره ولا يعترف بوجوده؟ والجواب على هذا، أن الكافر إنما هو صنعة الله، وهو يعيش فى ملك، الله ويتقلب فى نعمه، وأنه منقاد لمشيئة الله فى كل نفس يتنفسه، وفى كل

عمل يعمله، ثم هو آخر أمره صائر إلى الله.. إنه لم يخلق نفسه، ثم إنه لن يميت نفسه.. بل الله سبحانه هو الذي أوجده، وهو الذي يميته.. ثم هو الذي تولّاه منذ أوجده إلى أن أماته.. فهو وإن اشتمل باطنه على الكفر بالله، وبفضله عليه، فإن وجوده كلّه وما يحيط به هو صوت جهورىّ، يؤذّن بحمد الله، ويسبّح بآلائه ونعمائه. قوله تعالى: «وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا» تسبيحة أخرى من تسبيحات الحمد لله، والإقرار بألوهيته، والولاء له من مخلوقاته جميعا، وكفى به- سبحانه وتعالى- وكيلا، يدبّر أمر هذه المخلوقات، ويقيمها على ما تقضى به حكمته. وقوله سبحانه: «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ، وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً» هو تذكير بقدرة الله، كما هو إشارة إلى ضآلة شأن الإنسان الذي يخيّل له من جهله وغروره أنه سيّد هذا الوجود، ثم يمتد به حبل هذا الجهل والغرور، فيحسب أنه هو الذي يخلق، ويرزق، وأنه ليس له خالق أو رازق! وهذا سفه وضلال، فلو شاء الله أن يردّ الناس إلى عدم، كما أنشأهم من عدم، لكان ذلك على الله يسيرا.. «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (82: يس) . وفى قوله تعالى: «وَيَأْتِ بِآخَرِينَ» إثارة لغريزة حب البقاء فى الإنسان، ودعوة له إلى التشبث بوجوده، وفى ذلك ما يحمله على اللّجأ إلى الله، والولاء له، والتعلق بذاته، حتى لا يقع تحت هذا الحكم الذي يكاد يذهب به مذهب الضياع والفناء. وهؤلاء الآخرون.. على أية صفة يكونون؟ أهم ناس كهؤلاء الناس، أم مخلوقات من أجناس أخرى من غير جنسهم؟

وإذا كان هؤلاء الآخرون هم صورة أخرى لهؤلاء الناس، فما الحكمة من إذهاب هؤلاء والإتيان بأولئك؟ والجواب- والله أعلم- هو أن يكون هؤلاء الآخرون من عالم الناس.. فهذا هو الذي يحرك مشاعر الغيرة فى هؤلاء الذين يراد بهم التحول عن مكانهم ليشغله غيرهم من بنى جنسهم، حيث لا تكون الغيرة والتنافس إلا بين أفراد الجنس، وبين جماعاته. ثم إن الناس ليسوا على حال واحدة- وإن كانوا جنسا واحدا- فمنهم المؤمنون ومنهم الكافرون، وفيهم المهتدون وفيهم الضالون.. وعلى هذا يمكن أن يكون الإذهاب للضالين الكافرين، والإتيان للمؤمنين المهتدين، أو لمن يغلب فيهم الإيمان والهدى على الكفر والضلال. وقوله تعالى: «مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ» هو دعوة لأولئك الذين يقيمون وجودهم كله على هذه الحياة الدنيا، فلا يلتفتون إلى أمر الآخرة، ولا يعملون لها، وبهذا يضيّقون على أنفسهم، ويحجزونها فى هذه الدائرة المحدودة، مع أنهم- لو عقلوا- لملئوا أيديهم من خير الدنيا والآخرة جميعا.. إذ ليس بين الدنيا والآخرة تعارض وتنافر.. فالدنيا- فى حقيقتها- مزرعة للآخرة، وإحسان العمل فى الدنيا، وإقامته على وجه صحيح مثمر، هو فى ذاته عمل للآخرة. قوله تعالى: «وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً» أي أنه سبحانه وتعالى مطّلع على أعمال العباد، يسمع ما يقولون، ويبصر ما يعملون، فما كان من أعمالهم وأقوالهم خالصا للدنيا وحدها، فقد استوفوا حظهم منه، ولا نصيب لهم فى الآخرة.. وما كان منها للدنيا والآخرة معا، كان لهم منه نصيب فى الدنيا وفى الآخرة.. أما نصيب

الآية: (135) [سورة النساء (4) : آية 135]

الدنيا فقد استوفوه وهم فيها، وأما ما كان للآخرة فهو مدّخر لهم عند الله يجزون به يوم لقائه. الآية: (135) [سورة النساء (4) : آية 135] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (135) التفسير: المؤمنون هم أمناء الله بين الناس على دينه، وهم ميزان العدل لشريعته، فإذا اضطرب ميزان العدل فى أيديهم، فقد خانوا دين الله، واعتدوا على شريعته، ولم يصبحوا- لذلك- أهلا لأن يكونوا أولياء الله، ولا أن يحسبوا فى المؤمنين به. وقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ» هو أمر ملزم للمؤمنين جميعا.. فردا فردا، وجماعة جماعة، وأمة أمة.. والقسط هو العدل. والقسطاس: الميزان، وأقسط القاضي: عدل، وقسط جار وظلم.. والقوّام: كثير القيام، فى مبالغة واهتمام. وفى قوله تعالى: «كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ» ما يشعر بأن حمل أمانة العدل ليس أمرا هينا، وإنما هو حمل ثقيل، لا يقوى عليه إلّا من وثق إيمانه بالله، وأخلى نفسه من نوازع الضعف المادية والمعنوية، فلا يجعل لنفسه أو لمخلوق حسابا فى أداء هذه الأمانة وإقامة ميزانها مستقيما على ما أمر الله به.. وكلمة «قوامين» غير كلمة «قائمين» .. لأنها تشعر بالشدّ والجذب

والمعاناة، فى لفظها، وفى معناها، المستدلّ عليه من هذا اللفظ: «قوامين» ! والشهداء، هم الشهود، الذين يحضرون مجلس القضاء، ويشهدون الفصل فى الخصومة، ويدلون بما شهدوه وأشهدوا عليه بين المتخاصمين.. فميزان العدل لا يقيمه القاضي وحده، وإنما يد الشهود ممسكة بهذا الميزان، مشتركة مع القاضي فى إقامته معتدلا أو مائلا.. ولهذا كان أمر الله هنا بإقامة ميزان العدل، متجها إلى القاضي، وإلى الشهود معا: «كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ» .. وفى إضافة الشهادة إلى الله تكريم لها، واحتفاء بها، ورفع لقدرها، إذ كانت محسوبة على الله، لأنها تقيم شرعه، وتحق الحقّ الذي هو حرمة الله. فالذى يؤدى الشهادة على وجهها إنما يؤديها لله، وينصر بها حق الله، والذي ينحرف بها، ويشوّه وجهها، إنما هو معتد على الله، خائن لأمانته. قوله تعالى: «وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ» أي ولو كانت الشهادة تدين أنفسكم، وتلحق الضرر بكم.. فحق الله عليكم أوجب من حق أنفسكم إن كنتم تؤمنون بالله، وتؤثرون مرضاته! وقوله سبحانه: «أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ» معطوف على قوله تعالى: «وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ» أي كونوا قوامين بالقسط شهداء لله، ولو كان فى ذلك إدانة لكم أو لوالديكم، أو للأقربين منكم. وقوله تعالى: «إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما» أي أدّوا الشهادة على وجهها، وأقيموا ميزان العدل منها، دون حيف على الفقير لفقره وضعفه، ودون عدوان على الغنى لصالح الفقير ودفع الضرر عنه.. فالحق هو

الحق، وفى ساحته يتساوى الناس جميعا، دون نظر إلى ما يتلبّس بهم من ظروف وأحوال.. والضمير فى قوله تعالى «إِنْ يَكُنْ» يرجع إلى المشهود له والمحكوم لصالحه من المتنازعين، ممن كان غناه أو فقره محل تقدير الشاهد، وانحراف شهادته، أو كان محل نظر القاضي وموضع عطفه.. والمعنى: إن يكن المشهود له أو المحكوم لصالحه غنيا أو فقيرا، فليس من شأنكم أيها الشهود ولا من حقكم أيها القضاة أن تدخلوا هذا فى حسابكم، وأن تترضّوا عواطفكم على حساب الحق والعدل.. لأن الله سبحانه وتعالى هو أولى منكم بتقدير حال كل من الغنى والفقير، إذ لو شاء لأفقر الغنىّ وأغنى الفقير، أو شاء لأعناهما جميعا أو لأفقرهما معا.. وقوله تعالى: «فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا» هو تحذير من تلك الأهواء والعواطف التي يجدها القاضي أو الشاهد، لذوى قرابته، وأصدقائه، أو لأصحاب الجاه والسلطان، أو لأهل الحاجة والضر.. فهذه العواطف من شأنها أن تنحرف بالشاهد عن أن يؤدى الشهادة على وجهها، كما أنها تمسك يد القاضي أن يقيم ميزان العدل فى مجلس القضاء، إن لم يقم عليها وازع من دين وخلق. وقوله تعالى: «أَنْ تَعْدِلُوا» فى تأويل مصدر، مجرور بلام التعليل، والتقدير: فلا تتبعوا الهوى لتعدلوا، أي لإقامة العدل لا تتبعوا الهوى. قوله تعالى: «وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً» اللّيّ: الميل والانحراف، والمراد به تغيير وجه الشهادة، يقال: لوى فلان وجهه عن الشيء يلويه ليا إذا نظر إليه مزورا أو منحرفا، ومنه قوله تعالى فى اليهود وفى تحريفهم الكلم عن مواضعه: «مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ» (46: النساء) (59- التفسير القرآنى ج 5)

الآية: (136) [سورة النساء (4) : آية 136]

وفى الآية الكريمة تحذير من الانحراف بالشهادة، أو الإعراض عنها، أو كتمانها، والله سبحانه وتعالى يقول: «وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا» (282: البقرة) . الآية: (136) [سورة النساء (4) : آية 136] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (136) التفسير: الإيمان.. كلّ لا يتجزأ.. وحقيقة كبرى تندرج تحتها حقائق.. فمن آمن ببعض وكفر ببعض فليس مؤمنا، وإلا لو كان مؤمنا حقا بهذا الذي آمن به، لأسلمه إيمانه هذا، إلى الإيمان بما لم يؤمن به من جزئيات الحقيقة الكبرى. وقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» هو نداء لمن دخلوا فى الإيمان، وحسبوا فى المؤمنين.. وإنه لكى يكونوا مؤمنين حقّا ينبغى أن يكون إيمانهم قائما على الحقائق الآتية: أولها: الإيمان بالله.. فهو ركيزة الإيمان، ودعامته.. وثانيها: الإيمان برسول الله، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وبالكتاب الذي بين يديه، وهو القرآن. وثالثها: الإيمان بالكتب السماوية المنزلة من قبل، وبرسل الله جميعا.

الآيات: (137 - 139) [سورة النساء (4) : الآيات 137 إلى 139]

ورابعها: الإيمان بالملائكة، وأنهم خلق من خلق الله، وجند من جنده. وخامسها: الإيمان باليوم الآخر.. أي بالبعث والجزاء والجنة والنار.. فمن آمن على هذا الإيمان، فهو مؤمن حقّا، وعليه أن يعمل عمل المؤمنين، وله أن يجازى جزاء المحسنين. ومن كفر ببعض تلك الحقائق وآمن ببعض، فهو- كما قلنا- ليس من الإيمان فى شىء، لأن ما يبنيه أولا يهدمه ثانيا.. والله سبحانه وتعالى يقول: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً» (150- 151: النساء) الآيات: (137- 139) [سورة النساء (4) : الآيات 137 الى 139] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (137) بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (139)

التفسير: النفاق أقتل داء يصيب المجتمع الإنسانى.. فإذا تفشّى هذا الداء الخبيث فى جماعة من الجماعات فسد وجودها، وضل سعيها، وغشيتها أمواج الفتن، واشتملت عليها عواصف العداوة والبغضاء! وماذا يرجى من جماعة تتعامل فيها بينها بالرياء والنفاق، فيضيع فى محيطها المفهوم الحقيقي للّغة، وتصبح الكلمات لديها عملة زائفة، يتداولها الناس كما يتداولون الأشياء المسروقة؟ وكيف الحياة لمجتمع يعيش على الختل والخداع، ويغتذى من مادة الكذب والزور.. فلا يثق أحد فى أحد، ولا يأمن أحدا أحدا، ولا يفرق أحد بين ما هو حق أو باطل.. إن حياة النفاق تقتل فى الإنسان كل معانى الشرف والفضيلة. وتحلّه من كل ارتباط مع مبدأ أو خلق.. فهو أنانىّ، انتهازىّ.. يضحى بالناس جميعا فى سبيل مصلحته وسلامته.. من أجل هذا، وكثير غيره مما ينضح به النفاق من شر وبلاء- حارب الإسلام النفاق والمنافقين، وعمل على تطهير المجتمع الإسلامى وحمايته من هذا الداء الخبيث، الذي هو شر ما يبتلى به إنسان أو مجتمع. وقد فضح القرآن الكريم المنافقين، الذين اندسوا فى المجتمع الإسلامى، فأغرى المسلمين بهم، ليخرجوهم من بينهم، وليتجنبوا الاتصال بهم، والتعامل معهم.. وفى قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً..» - ما يكشف عن الأسلوب الذي يتّبعه المنافقون فى الحياة، مع كل أمر،

وفى كل موقف.. إنهم لا يستقيمون مع حال أبدا، وإنما حوّل قلب، حسب ما تمليه أهواؤهم، وتدعوهم إليه مصلحتهم.. فتراهم يأخذون بالأمر غدوة، ثم يرفضونه عشيّة، ثم يعودون فيأخذون به.. ثم يعرضون عنه.. وهكذا.. لأنهم لا يقيمون حكمهم على الأشياء لذاتها، وما تحمل فى كيانها من خير أو شر، وإنما يحكمون عليها حسب ما تمليه أهواؤهم، وتقتضيه حاجاتهم العاجلة منها.. وفى العقيدة، التي من شأنها أن تقوم فى كيان الإنسان مقاما راسخا، لا يتحول، ولا يهتزّ- تراهم يتعاملون بها وكأنها سلعة فى أيديهم، لا معتقد فى قلوبهم.. فيعرضونها للبيع، ويضعونها فى يد من يدفع ثمنا أكثر.. وانظر ما كان منهم مع دعوة الإسلام.. كانوا كافرين، فرأوا الناس يردون شرعة الإيمان، فآمنوا.. ثم رأوا سانحة تسنح لهم وراء حدود الإيمان، فتسللوا من بين صفوف المؤمنين، وخلعوا رداء الإيمان.. فكفروا. ثم لاح لهم فى مستقبل الإيمان مغنم يغنمونه.. فآمنوا. ثم لما أن حصلوا على ما أرادوا، ولمع لهم سراب وراء أفق الإيمان، أقبلوا إليه، وخلّفوا الإيمان وراءهم.. فكفروا. ثم.. ثم ازدادوا كفرا.. إذ لم يبق هذا الجري اللّاهث فى ترددهم بين الإيمان والكفر- لم يبق لهم بقيّة من جهد يعودون به إلى الإيمان مرة أخرى.. وبهذا ينتهى أمرهم فى آخر المطاف بهم، إلى الارتماء فى أحضان الكفر.. الذي

يموتون عليه.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا» . فهذا تيئيس من مغفرة الله لهم، لأنهم لن يؤمنوا أبدا.. فهم بهذا واقعون تحت قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ» ! ثم إنهم إذ لم ينالوا مغفرة الله، ولم يتعرضوا لها، متركون لشأنهم وما اختاروا، وقد اختاروا الضلال، واستحبّوا العمى، واتخذوا الشيطان وليّا من دون الله. «وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً» (119: النساء) .. فهم بهذا واقعون تحت قول الله تعالى: «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» (257: البقرة) .. إنّهم أولياء الطاغوت. هذا، وفى الآية الكريمة ما يكشف عن طبيعة الصراع بين الخير والشر، وأن داعى الشرّ فى الإنسان أكثر إلحاحا من داعى الخير، إذ كان مع الشر قوى خفيّة فى الإنسان تميل إليه، وتنتصر له، وهى أهواء النفس، ووساوس الشيطان.. فإذا لم ينتبه الإنسان إلى هذا الخطر الكامن فى كيانه، وإذا لم يقم على أهوائه حارسا من عقله وإرادته، ووازعا من دينه وخلقه، تسلّط الشر عليه، واستبدّ به، وملك أمره.. ولو أن هؤلاء الذين آمنوا ثم كفروا، ثم آمنوا ثم كفروا- لو أنهم وقفوا وقفة حازمة من أول الأمر فى وجه تلك الأهواء المسلطة عليهم، لما جرفهم هذا التيار الذي ألقى بهم فى غمرات الكفر والضلال، بحيث لا أمل لهم بعد هذا فى نجاة أو خلاص!.

وقوله تعالى: «بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً» هو كشف صريح لوجه هؤلاء الذين تردّدوا بين الإيمان والكفر.. فهم منافقون، وليس للمنافقين إلا العذاب الأليم.. وفى سوق العذاب الأليم إلى المنافقين بين يدى من يبشرهم به، ما يشير إلى شناعة موقف هؤلاء المنافقين وشؤم مصيرهم، وأنه إذا كان لهم ما يبشرون به فى الآخرة فهو هذا العذاب الأليم! فكيف ما يساءون به من ألوان المساءات، وهو شىء كثير شنيع.؟ وقوله تعالى: «الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ» هو صفة كاشفة لوجه من وجوه المنافقين، ذلك الوجه الذي يلقون به الكافرين فى ولاء ومودة.. وهذا يعنى أنهم على عداوة للمؤمنين، إذ أقاموا مع عدوّهم حلفا عليهم، يتمثل فى هذا اللقاء الودىّ بينهم وبين الكافرين.. والله سبحانه وتعالى يقول: «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ» (22: المجادلة) . ولكن هكذا المنافق، لا يمسكه مبدأ من خلق أو دين، وإنما تحركه أهواؤه، وتدفعه نزواته إلى الاتجاه الذي يتظنّى أن يجد فيه لقمة سائغة له! وفى قوله تعالى: «أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ» ما يكشف عن الغاية التي يتغيّونها من تعلقهم بحبال الكافرين، واستظلالهم بظلهم.. إنهم يريدون أن يستندوا إليهم، ويحتموا بجبهتهم، إذ خيّل إليهم أن جانب الكافرين هو القوىّ، بما فيهم من كثرة عدد، ومن سعة غنى، على حين كان المسلمون فى قلة من الرجال والأموال.

الآية: (140) [سورة النساء (4) : آية 140]

والاستفهام هنا إنكارى تهديدى، يكشف للمنافقين سوء تقديرهم، وخسارة صفقتهم التي عقدوها مع الكافرين.. «فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً» .. وإن أخسر الناس صفقة، من أراد العزة فاتخذ غير الله طريقا إليها، وغير المؤمنين أولياء له فى طلبها.. إن العزة لله جميعا، وإن العزة لأولياء الله، ولمن والى أولياء الله.. والله سبحانه وتعالى يقول: «وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ» (8: المنافقون) . الآية: (140) [سورة النساء (4) : آية 140] وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (140) التفسير: للنفاق مداخل كثيرة إلى القلوب، فهو يتدسّس إلى الإنسان فى خفاء، ويتحسس مواطن الضعف منه فينفذ إليها، حتى يتمكن منها، وإذا المرء وقد عشش فيه النفاق، ثم باض وأفرخ، وإذا هو فى المنافقين، لا يملك دفع هذا الداء الذي جثم على صدره. لهذا كان الإسلام حريصا على أن ينبّه المسلمين إلى هذا الخطر، ويحذّرهم من أن يلمّوا به، أو يحوموا حوله، حتى لا تصيبهم عدواه، فيتعذر شفاؤهم منه..

وفى طبّ الأجسام، أنّ الوقاية خير من العلاج، وهى فى طبّ الأرواح أوجب وألزم. وقوله تعالى: «وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ» - هو تنبيه للمسلمين من داء النفاق أن ينفذ إليهم إذا هم جلسوا مجلسا مع أعداء الله من المنافقين الكافرين، ثم ذكرت فى هذا المجلس آيات الله على لسان هؤلاء المنافقين الكافرين، فى معرض الاستهزاء والسخرية، ثم لم يكن من المسلمين إنكار لهذا المنكر ودفع له باليد أو اللسان- وذلك بأن يكونوا فى حال ضعف لا يقدرون معه على مواجهة هؤلاء المجتمعين على المنكر.! والموقف الذي يجب أن يتخذه المؤمن فى تلك الحال هو أن يخلص بنفسه من هذا المجلس الآثم، وألّا يستمع لهذا المنكر الذي يدور فيه.. فإنه إن لم يفعل، وسكت على ما يسمع- وهو مغلوب على أمره- كان صمته هذا- ولو فى ظاهره- دليلا على رضاه، ومظاهرة لأهل المنكر على منكرهم، وليس- والحال كذلك- من شفيع يشفع له بأنه ليس من أهل هذا المجلس، يقتسم معهم الإثم الذي يدور بينهم، ويحمل نصيبه منه.. وفى قوله تعالى: «وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ» إشارة إلى ما نزل قبل هذا من قرآن فى مثل هذا الموقف، وهو قوله تعالى: «وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ» (68: الأنعام) .

فهذه الآية هى توكيد لهذا التنبيه الذي سبق نزول القرآن به من قبل، وتحذير جديد لأولئك الذين لم ينتهوا عمّا نهوا عنه، والخطاب فى الآية موجّه إلى النبىّ صلى الله عليه وسلم، هو أمر ملزم لأتباع النبىّ، إذ كان النبيّ إمامهم وقدوتهم. وقوله تعالى: «يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها» هو حال كاشفة للصفة التي تدور بها آيات الله على ألسنة الكافرين والمنافقين.. وهى أنها تدور للسخرية والعبث. وقوله تعالى: «فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ» هو نهى للمسلمين عن الجلوس فى هذا المجلس القائم على تلك الصفة، وليس نهيا عاما مطلقا على تجنب الجلوس مع المنافقين والكافرين، ففى ذلك إعنات للمؤمنين، فقد تستدعى أحوالهم أن يكونوا بحيث لا منصرف لهم عن الحياة مع هذه الجماعة، وتبادل المنافع معها! على أن من السلامة لدين المؤمن أن يتجنب مجالس هؤلاء القوم ما استطاع، فإذا مسّت هذه المجالس دينه بما يسوء، كان أمرا لازما عليه أن يتحول عن هذه المجالس فى الحال، ولا يخلط نفسه بها، وإلّا حمل وزره من الإثم الذي يتعاطاه فيها أهل النفاق والكفر.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ» أي لا فرق بينكم أيها المؤمنون وبين هؤلاء الأثمة، الذين يهزءون بآيات الله ويسخرون منها، إذا أنتم استمتعتم إلى هذا المنكر ولم تنكروه.. وفى قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً» تهديد ووعيد بهذا المصير المشئوم الذي ينتظر الكافرين والمنافقين، ومن يلوذ بالكافرين والمنافقين، ويركن إليهم، ويستمع للزور الذي يدور بينهم.

الآية: (141) [سورة النساء (4) : آية 141]

الآية: (141) [سورة النساء (4) : آية 141] الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141) التفسير: وجه آخر من وجوه النفاق.. وما أكثرها.. فإنه حين يكون بين المؤمنين والكافرين قتال، يأخذ المنافقون موقفا بين هؤلاء وهؤلاء.. ولو استطاع الواحد منهم أن يقسم نفسه شطرين لفعل، فكان شطرا مع المؤمنين، وشطرا مع الكافرين.. فإذا انتصر المؤمنون عدّ نفسه فيهم، وأخذ نصيبه من الغنائم معهم.. وإذا كانت الدولة للكافرين حسب نفسه منهم، وجنى من ثمرة النصر ما يجنون! ولكن ثوب النفاق يفضح أهله، حيث يخيّل للابسه أنه مستور، ولكنه فى أعين الناس متجرد عار، مكشوف السوأة. وقوله تعالى: «الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ» إشارة كاشفة لموقف المنافقين، وهو موقف التربص والانتظار لما ينجلى عنه الموقف فيما يدور بين المؤمنين والكافرين من صراع. وقوله تعالى: «فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ» هو فضح لهذا الوجه الوقاح الذي يستقبل به المنافقون المؤمنين بعد النصر والغلب.. فلقد كانوا فى المؤمنين بأجسادهم، يمشون بها فى تثاقل وانحراف، والحرب دائرة، والقتال مستعر، وها هم أولاء يضيفون أنفسهم إليهم.

وفى إضافة الفتح إلى الله، تذكير للمؤمنين بأن ما كان لهم من نصر فهو من عند الله، بتأييده للمؤمنين، وإلقاء الرعب فى قلوب الكافرين. وفى تسمية انتصار المؤمنين فتحا إشارة إلى أن هذا النصر هو فتح لمغالق الخير، وطرق الهدى. وقوله تعالى: «وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» كشف عن وجه آخر من وجوه المنافقين حين يلقون به الكافرين، وقد كانت لهم جولة على المسلمين.. يقولون لهم: «أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ» أي ألم نستول عليكم فى المعركة ونملك أمركم؟ ولكنا تخاذلنا، وأرخينا أيدينا عنكم، فتخاذل المسلمون وانهزموا؟ ولولا أننا لم نفعل ذلك لدارت الدائرة عليكم.. فنحن شركاؤكم فى هذا النصر الذي كان لكم، بل الذي نحن صانعوه لكم! والاستحواز على الشيء، وعلى الأمر: التمكن منه، والتسلط عليه.. وقوله تعالى: «فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ» .. الضمير فى بينكم يعود إلى المؤمنين، المخاطبين بهذه الآية، وقد يكون مرادا به المؤمنون والكافرون والمنافقون، والتقدير: فالله يحكم بينكم جميعا.. أو يكون مقصورا على المؤمنين وحدهم، والتقدير: فالله يحكم بينكم وبينهم. ولم يذكر المنافقون والكافرون هنا فى هذا المقام إشعارا بأنهم ليسوا أهلا لأن يكون لهم وزن فى هذا الشأن، الذي هو شأن المؤمنين وحدهم، وقضيتهم التي يراد لهم الفصل فيها، لأنهم هم أصحاب هذا اليوم- يوم الفصل- حيث يجنون أطيب ما فيه من ثمرات! وقوله تعالى: «وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» هو وعد من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين- إذا صدق إيمانهم- ألا

الآيتان: (142 - 143) [سورة النساء (4) : الآيات 142 إلى 143]

تكون للكافرين يد عليهم، بل إن يد المؤمنين هى العليا دائما، ويد الكافرين السفلى أبدا.. الآيتان: (142- 143) [سورة النساء (4) : الآيات 142 الى 143] إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (143) التفسير: جناية المنافقين على أنفسهم جناية فادحة.. إذ يعيشون بهذا الداء، ولا يجدون له فى أنفسهم ألما، ولا يحسون له فى ضمائرهم وخزا، ومن ثمّ كان داؤهم هذا داء عصىّ الدواء، إذ كيف يطلب الدواء من لا يعرف الداء ولا يجد له ألما؟ ذلك أخبث داء وأقتل علّة.. حيث يأخذ هذا الداء من كيان صاحبه كل يوم بضعة، وتغتال هذه العلة من وجوده جانبا، دون أن يحسّ أو يشعر حتى إذا جاء يوم استفاق فيه من سكرته، وجد الداء مستوليا عليه، ولا مكان للإنسان فيه!. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ» إذ هم يحسبون أنهم بهذه الأثواب التنكرية التي يلبسونها فى أحوالهم المختلفة- قد خدعوا الله وخدعوا الناس.. وفى الحقيقة أنهم قد خدعوا أنفسهم، وأضلّوها عن سواء السبيل، وركبوا بها هذا المركب الذي يقذف بهم فى قرار الجحيم..

وفى المنافقين يقول الله سبحانه: «يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ» (9: البقرة) وخداع الله سبحانه للمنافقين هو أن يفسد عليهم تدبيرهم، وأن يردّ كيدهم إليهم، وأن يخلّيهم لأنفسهم، ويأخذهم بجريرتهم.. «وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ» (43: فاطر) وقوله تعالى: «وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى» هو مثل لمخادعتهم لله.. يقومون إلى الصلاة فى تكرّه وتخاذل، لأنهم لا يريدون الصلاة للصلاة، ولا يؤدونها أداء لحق الله، وشكرا لنعمائه، وإنما هم يؤدونها حتى يدفعوا بهذا الأداء الآلىّ تهمة الكفر، وحتى تكون أشبه بذرّ الرماد فى العيون. وهذا ما بيّنه قوله تعالى: «يُراؤُنَ النَّاسَ» أي لا يذكرون الله إلا حيث يرون الناس ويراهم الناس.. فالمراءات، رؤبة متبادلة بين طرفين، كل منهما يرى الآخر.. وهذا يعنى أن المنافقين لا يصلّون إلّا حين يرون الناس، وإلا حين يراهم الناس وهم فى الصلاة، فإن كان فى الناس غفلة عنهم، لفتوهم إليهم بحركة أو إشارة، أو رفع صوت، أو نحو هذا. وقوله تعالى: «وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا» إشارة إلى خلوّ أنفسهم من مشاعر الإيمان بالله واستحضار عظمته وجلاله..! والذكر القليل الذين يذكرون الله به، هو ما يكون منهم حين تلمّ بهم الأحداث، أو تكربهم الكروب، فإذا انجلى عنهم هذا الذي نزل بهم، عادوا إلى ما كانوا فيه من غفلة عن الله، وذهول عن ذكره، بما هم فيه من شغل بأنفسهم، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ

وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ» (8: الزمر) . وقوله تعالى: «مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ» هو بيان كاشف للحياة التي يحياها المنافقون، وأنها حياة قلقة مضطربة، لا تقوم على مبدأ، ولا تستقيم على طريق.. والذبذبة الاضطراب، والتردد، بين موقفين أو أكثر.. وكأنها مشتقة من الذّبّ، وهو الدفع والطرد، ومنه سمّى الذباب، لأنه يطرد، ثم يعود، ثم يطرد، ثم يعود، وهكذا.. وقوله تعالى: «وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا» هو تيئيس لهؤلاء المنافقين، الذين تقلّبوا فى وجوه النفاق، ففسد وجودهم كلّه، ولم يعودوا صالحين للعودة إلى الطبيعة البشرية السليمة.. فلا سبيل لهم- والأمر كذلك- إلى الخلاص من هذا الداء الذي تمكن منهم! ثم إن هذا الحكم هو تنبيه إلى هؤلاء الذين هم على شاطىء النفاق، وفى أول الطريق إليه.. وأنهم إذا لم يلتفتوا إلى أنفسهم، ويحذروا الخطر الذي هم بين يديه، اشتمل عليهم واحتوى وجودهم، ولحقوا بمن سبقهم من المنافقين! وإضلال الله للمنافقين، إنما كانت نسبته إلى الله، لأنه أشبه بتصديق على حكم أصدروه هم على أنفسهم، وصنعوا بأيديهم حيثياته وأدلّته..َ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» (33: النحل) .

الآيات: (144 - 147) [سورة النساء (4) : الآيات 144 إلى 147]

الآيات: (144- 147) [سورة النساء (4) : الآيات 144 الى 147] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (144) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (145) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (146) ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً (147) التفسير: وإنه بعد أن كشف الله سبحانه وتعالى للمؤمنين هذه الوجوه المنكرة للمنافقين وأطلعهم على هذا المصير المشئوم الذي هم صائرون إليه.. فقد جاء سبحانه وتعالى إلى المؤمنين يحذّرهم هؤلاء المنافقين، حتى لا يصيبهم ما أصابهم وسيصيبهم من ذلة وهوان فى الدنيا، وعذاب ونكال فى الآخرة. وموالاة المنافقين، والميل إليهم، هو فى الواقع معاداة للمؤمنين ومجافاة لهم.. وهذا من شأنه أن يخلط المؤمنين الذين يوالون المنافقين بأهل النفاق، ويضيفهم إليهم، وهذا من شأنه أيضا أن يعرضّهم لما تعرض له المنافقون من سخط الله ونقمته، دون أن تكون لهم عند الله حجة، أو يقوم لهم بين يدى عذابه ونقمته عذر يعتذرون به! وقوله تعالى: «إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً» هو كشف للمؤمنين عن هول هذا العذاب الذي يلاقيه المنافقون، وأنهم فى الدرك لأسفل من النار، ينزلون منها للنزل الدّون، الذي بعده منزلة، الأئمة والكافرين! وقوله تعالى: «إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ» هو استثناء يفتح به باب الأمل والرجاء فى النجاة من هذا المصير، لمن بقيت منه فى كيان المنافقين بقية من خير، يستطيع

بها أن يفتح له طاقة من نور يهتدى بها إلى طريق الله، فيرجع إليه، ويؤمن به، ويخلص دينه له، فلا يرجع إلى ما كان فيه مرة أخرى.. فإنه إن فعل كان فى المؤمنين، وكان له ما للمؤمنين من الأجر العظيم الذي وعدهم الله به: «وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً» . وقوله تعالى: «ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ» إشارة إلى ما للناس عند الله من واسع الرحمة وعظيم المغفرة، وأنه سبحانه وتعالى ليس إلها متسلطا جبارا يتشفىّ بعذاب عباده.. وكيف هذا وهم صنعة يده، وزرع مشيئته، وغذىّ فضله وإحسانه؟ إنه- سبحانه- يدعو عباده إليه، وييسر لهم سبل الاتصال به، والقرب منه، ولكن من غلبت عليه شقوته منهم- يأبى إلا أن يشرد عن الله، ثم يتمادى فى هذا الشرود، فيحارب الله، ويحارب أولياءه، ويقطع ما أمر الله به أن يوصل! فإذا أخذ هؤلاء الشاردون عن الله، المحاربون له، بذنوبهم، وسيقوا إلى عذاب جهنم- فهل ذلك إلا لأنهم أساءوا فوقعوا تحت حكم المسيئين؟ .. ولو أنهم أحسنوا لكان لهم جزاء المحسنين.. والله سبحانه وتعالى يقول: «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى» (31: النجم) وفى تقديم الشكر على الإيمان هنا.. «إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ» إشعار بأن الإيمان لا يقوم إلا على مشاعر الولاء لله، ذلك الولاء الذي يتخلّق من النظر فى ملكوت السموات والأرض، ومن التدبر فى آيات الله المبثوثة فى كل ذرة من ذرات الوجود.. وهنا يجد العبد نفسه وقد صار لسانا شاكرا لله مسبحا بحمده. فالشكر هو المدخل الذي يجد فيه الإنسان طريقه إلى الله، والتعرف إليه.. ومن هنا كانت دعوة الإسلام إلى الله قائمة أولا على النظر إلى هذا الوجود، (م 60- التفسير القرآنى ج 6)

وإلى ما فيه من موجودات، ينتظمها نظام، وتمسك بها قدرة، ويدبرها علم.. ثم نسبة هذا الوجود وما اشتمل عليه، إلى الصانع الذي صنعه، فأبدع صنعته، وأحكم وجوده.. وبهذا تتفتح الطرق إلى الله، حيث يسلكها الإنسان، متجها إلى الله فى خشوع وولاء، وفى لهج بالحمد والثناء.. ومن هنا قام الشكر مقام الإيمان، واعتبر فى ذاته إيمانا كاملا.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ» (7: الزمر) أي وإن تؤمنوا يرضه- أي يرضى الإيمان- لكم، ويتقبله منكم. قوله تعالى: «وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً» . وشكر الله، هو رضاه عن الأعمال الصالحة التي يقدمها عباده له، فيقبلها منهم، ويحسن لهم المثوبة، ويضاعف لهم الجزاء عليها.

الآيتان: (148 - 149) [سورة النساء (4) : الآيات 148 إلى 149]

الآيتان: (148- 149) [سورة النساء (4) : الآيات 148 الى 149] لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (148) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (149) التفسير: ليس داء أقتل للمجتمعات، ولا وباء أفسد لكيانها، وأفعل فى تقويض بنيانها- من الفاحشة، تنجم فيها، ثم تتردد أصداؤها فى آفاقها، وتنطلق أشباحها بين ربوعها، دون أن تجد فى الناس من يتصدّى لها، ويقف فى وجهها، ويدمدم على تلك الينابيع العفنة التي تتدفق منها.. فكلمة السوء تنطلق من فم سفيه، ثم تجد المرعى الخطيب فى آذان تستقبلها وقلوب تتفتّح لها، وأفواه ترددها- هذه الكلمة هى لعنة تلبس كل من أخذها، وتعامل بها.. وفعلة السوء.. هى كلمة السوء مجسّدة.. يلقاها الناس بعيونهم، على حين يلقون الكلمة بآذانهم.. والناس هم الذين يفسحون لكلمات السوء، وفعلات السوء مكانا بينهم، فتتوالد فيهم وتتكائر، وتصبح بعض وجودهم، وقد تستولى يوما على وجودهم كله.. ذلك حين يستقبلونها، ولا ينكرون ولا يضربون على أيدى المتعاملين بها. والناس- كذلك- هم الذين يئدون كلمات السوء فى مهدها، ويخنقونها قبل أن تتنفس أنفاس الحياة فى أجوائهم.. إذا هم أنكروها، وأنكروا أصحابها فيهم، وأخذوهم بالأدب الذي يردعهم ويردّهم عما هم فيه من ضلال!

وفى أثر القدوة الحسنة، والقدوة السيئة، فى بناء المجتمع، أو هدمه، يذيع النبىّ الكريم هذا الهدى الرباني، ليكون دستورا يعيش فيه الناس، وميزانا يضبطون عليه مناهجهم فى القول والعمل.. يقول الرسول الكريم: «من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ سنّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» .. وصدق رسول الله، الذي حلّاه ربه بهذا الوصف الكريم: «ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى» (2- 3: النجم) . فكم كلمة سوء، يرمى بها- عن قصد أو غفلة- فإذا هى شرر متطاير، بين يدى ريح عاصفة، يعلق بأذيال حصيد هشيم، ثم لا تلبث حتى تصير لهيبا يلتهم كل شىء، ويأتى على كل شىء! أتريد شاهدا لهذا؟ إليك إذن هذه الكلمة: «لا حكم إلا لله» . إنها من الكلمات القليلة التي دارت فى الحياة دورة كانت أشبه بإعصار مجنون، لفّ الناس تحت جناحه، ثم ألقى بهم من حالق، فإذا هم فى وجه فتنة عمياء، أهلكت الحرث والنسل.. وليس فى الكلمة علوّ فى البلاغة، ولا بدع فى الصياغة، ولا طرافة فى الأداء، بل هى فى تركيبها أقرب إلى المألوف الدارج من الكلام، منها إلى الطريف النادر! ثم إنها من جهة أخرى- ليست من الكلمات التي تخدش الحياء، أو تمسّ الدين.. بل هى- فى ظاهرها- كلمة حق، يمكن أن تكون على لسان العابدين المسبّحين!

ومع هذا، فإن تلك الكلمة كانت أشأم كلمة ولدت فى الإسلام، وجرت على ألسنة المسلمين.! والتاريخ المعروف لميلاد تلك الكلمة، هو السنة السابعة والثلاثون من الهجرة، حين تمّ التصالح بين علىّ ومعاوية على التحكيم، بعد أن ذهبت الحرب بينهما فى صفّين بألوف الأرواح من المسلمين.. وقد تكون هذه الكلمة جرت على ألسنة كثيرة قبل هذا التاريخ، ولكنها لم تكن تعيش طويلا، أو تتحرك فى مجال أكثر من دائرة الشخص الذي نطق بها. أما ظهورها فى هذه المرة، وفى هذا الوقت الذي سمعت فيه، فقد كان- كما قلنا- ظهورا مدويّا، ملأ الأسماع، وهزّ المشاعر، وأثار البلبلة والاضطراب.. ثم الحرب والقتال! والسرّ فى هذا، هو أنها جاءت فى وقتها، وظهرت فى الحال الداعية إليها، فوقعت من كثير من النفوس موقع الغريق يتعلق بأى شىء يقع ليده، ولو كان مخلب أسد، أو ناب ثعبان! هكذا الكلمات والعبارات، تكبر قيمتها ويعظم خطرها، حين تكون الحاجة إليها داعية، والنفوس لها طالبة، دون نظر أو اعتبار لها فى ذاتها، وفى حلاوة جرسها، وبراعة تركيبها، وغزارة معانيها.. إن لقمة، خشنة، جافة، تجىء على جوع، هى أشهى وأغلى من، مائدة جمعت ليّن الطعام وطيّبه، تجىء على شبع وامتلاء! وقد جاءت هذه الكلمة «لا حكم إلا لله» إلى نفوس حائرة، فكانت دليلها، وقلوب مضطربة، فكانت أمنها وسكنها.

كان هناك مئات وألوف من أصحاب «علىّ» كرم الله وجهه، حاربوا معه ابتغاء مرضاة الله، وهيئوا أنفسهم للاستشهاد فى سبيل الله، ولردّ الفئة الباغية إلى طريق الحق الذي شردت عنه. ثم ها هم أولاء يرون دعوة إلى وقف القتال، وإلى الاحتكام إلى كتاب الله! ففيم كان القتال إذن؟ وما ثمن هذه الأرواح التي ذهبت؟ وتلك الدماء الغزيرة التي أريقت؟ كان كثير من أصحاب علىّ فى حيرة من أمرهم فى هذا الموقف، لا يدرون كيف يجدون الجواب على تلك الأسئلة المحيّرة التي تدور فى صدورهم.. وقد خطبهم الإمام «على» وأرضى الكثير منهم بمنطقه وبلاغته، ولكن كثيرا منهم كان داء الحيرة عندهم أكبر من أن تذهب به بلاغة، الإمام ومنطقه! ولهذا، فإنه ما إن هتف الهاتف بهذه الكلمة العابرة الطائرة: (لا حكم إلا لله) ، حتى لقفتها الآذان، وتنادت بها الألسنة، وإذا هى راية يجتمع عليها جيش كان قد سقطت رايته، ووقع الاضطراب فى صفوفه! لقد كانت هذه الكلمة هى «المبدأ» الذي اجتمع عليه الخوارج، وهى الراية التي قاتلوا تحتها، وهى السّمة التي كانت حجازا بينهم وبين الجماعة الإسلامية.. وأحسب أنه لولا هذه الكلمة ما استمسك أمر الخوارج، ولا انتظم شملهم، ولا اجتمعت أشتاتهم المتفرقة.. بل لظلّوا هكذا أفرادا، كلّ فرد منهم يحمل همّه فى نفسه، ويعالج حيرته بالأسلوب الذي يتهيأ له.. ولكن هذه الكلمة كانت أشبه بشعلة من نار ارتفعت فى الصحراء، فى ليلة حالكة السواد، فاجتمع عليها كل ضال، وجاء إليها كل تائه..

إن الكلمة ليست مجرد صوت ينطلق من فم، ثم يذوب صداه فى أمواج الأثير..! بل إن الكلمة رسول مبين إلى الناس، يهتف بهم إلى العمل، ويدعوهم إلى الوجه الذي يريدهم عليه.. وما رسالات السماء، وما دعوات الرسل.. إلا كلمات.. تحمل الخير والهدى، فتثمر ما شاء الله أن تثمر من خير وهدى.. والله سبحانه وتعالى يقول: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ» (24- 27: إبراهيم) وفى قوله تعالى: «لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ» - أمور.. منها: أولا: «لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ» . ما دلالة نفى حبّ الله سبحانه وتعالى للشىء؟ أهو كراهة هذا الشيء أم تحريمه؟ ظاهر نفى الحب- بمفهوم المخالفة- هو الكره، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى يكره الجهر بالسوء من القول وكره الشيء أقل درجة من تحريمه.. فقد يكره الإنسان الأمر، ثم يريد

نفسه عليه، فتقبله وهى غير مقبلة عليه، وليس كذلك إذا كان شعوره نحو هذا الشيء هو شعور تحريم.. إنه لا يقبل عليه إلا مكرها أو مضطرا! والسوء من القول، قد يبلغ مبلغ الفاحشة، والله سبحانه وتعالى قد حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.. إذ يقول سبحانه: «قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ..» (23: الأعراف) فكيف يجىء النهى عن الجهر بالسوء من القول فى صورة الكره له، ووضعه موضع الشيء غير المحبوب؟ والمتوقع أن يجىء النهي عنه، فى صورة جازمة قاطعة.. فكيف هذا؟ وما تأويله.. والجواب: هو أن نفى حب الله عن الشيء، يكفى فى تجريم هذا الشيء وتحريمه.. وقد حرّم الله سبحانه وتعالى المنكرات، بأن سلبها حبه لها، ورضاه عنها.. فقال سبحانه وتعالى فى تحريم الفساد «وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ» 205: البقرة) . وقال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ» (58: الأنفال) وقال: «إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ» (45: الروم) وقال تعالى: «إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ» (40: الشورى) .. فهذه المنكرات، من الفساد، والخيانة، والكفر، والظلم، هى مما لا يحبها الله، ولا يحبّ مرتكبها. فسلب حبّ الله سبحانه للشىء، ورضاه عنه، يضعه موضع المنكر، المعزول عن ألطاف الله، وعن مواقع رضوانه.. وهذا يكفى فى تجنب هذا الشيء، ومحاذرة التلبّس به، واعتباره من المنكر المحرّم. ومن جهة أخرى، فإن القول نعمة من النعم الكبرى، التي فضل الله بها

على الإنسان، فهو أشبه بالهواء والماء، لا يستغنى عنه فرد أو جماعة، فى حال أبدا.. ومن شأن هذه النعمة العامة الشاملة أن تكون مطلقة، مباحة، إطلاق الهواء والماء وإباحتهما.. فلو أنه أقيم على هذه النعمة قيود محكمة، وحواجز مصمتة، لكان فى ذلك ما يذهب بكثير من خير هذه النعمة، ويكدّر مواردها الصافية أو يعطلها.. لهذا، كان من حكمة الحكيم العليم، أن يقيم على تلك النعمة العظمى- نعمة الكلام- إشارة تنبيه، تحذّر الناس وهم يستقون من موارد القول ويتنفسون فى أجوائه، أن يأخذوا حاجتهم، وأن يمسكوا عما لا حاجة لهم به، ولا خير لهم فيه، وإلا كان الخطر، والضرر.. فما أكثر الذين يموتون بالماء، غصصا أو غرقا.. وما أكثر الذين يموتون بالهواء صعقا أو خنقّا.. وثانيا قوله تعالى: «الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ» لم كان الكره واقعا على الجهر بالسوء؟ .. فهل السرّ بالسوء مباح؟ وهل له حساب غير حساب الجهر..؟ والجواب على هذا، هو أن الجهر بالسوء من القول هو الذي له كيان ظاهر، يؤثّر فى الناس، ويتأثر به الناس.. ومن هنا كان خطره، وكان الحظر المتسلّط عليه وحده دون السرّ به.. فالسرّ بالسوء من القول- وإن كان شيئا كريها قبيحا- إلا أنه عورة مستورة، يمسكها الإنسان، على خوف أو استحياء.. وهذا من شأنه أن يعزل شرّ هذا الشرّ عن الناس.. ثم إنه من جهة أخرى لا يقوم فى كيان الإنسان إلا مقاما قلقا مضطربا، وفى هذا ما يؤذن بانصراف الإنسان عنه، والتخلّص منه.. وليس كذلك شأن السوء حين يفلت من كيان الإنسان، فيطلقه صريحا

عريانا بين الناس.. حيث لا سبيل إلى إمساكه ودفع خطره بعد هذا.. لهذا كان «الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ» هو الداء الذي يخشى خطره، ومن ثمّ كان التنبيه إليه، والتحذير منه. وثالثا: قوله تعالى: «مِنَ الْقَوْلِ» . والسؤال هنا: لم كان التحذير موجها إلى خطر السوء.. «مِنَ الْقَوْلِ» دون «السوء من الفعل» ؟ وهل المعالنة بالأفعال السيئة، والجهر بالفواحش أقل خطرا من المعالنة بكلمة السوء والجهر بها؟ والجواب: أن السوء من القول أكثر دورانا على الألسنة، وأخف مئونة على الحياء، وأقل حرجا على الخلق والدين.. هكذا.. يبدو الأمر الواقع.. فالإنسان الذي لا يتحرج من كلمة السوء يقولها، ولا يستحى من كلمة الفحش ينطق بها- هذا الإنسان ما أكثر ما يغلبه حياؤه، وتمنعه مروءته أو دينه من يحوّل كلمة السوء إلى فعل، ويجسد كلمة الفحش إلى عمل.. ثم يجاهر بهذا الفعل، ويعالن بهذا السوء. ومن هنا كان الحظر الذي فرضه الإسلام على الجهر بكلمة السوء هو حجر ضمنى على فعلة السوء، وسدّ للذرائع إليها..! ورابعا: قوله تعالى: «إِلَّا مَنْ ظُلِمَ» .. هو رفع لهذا الحظر المضروب على الجهر بالسوء.. فالمظلوم مقهور مغلوب على أمره، بهذا السلطان المتسلط عليه من ظالمه.. وقد أذن الله للمظلوم أن ينتصف من ظالمه بما يقدر عليه، فى حدود العدل والإحسان.. والله سبحانه وتعالى يقول: «وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ» (41: الشورى) ..

فإذا رأى المظلوم أن التشنيع على الظالم، وكشف مساوئه للناس مما يعينه عليه، ويأخذ له بحقه منه- فذلك له، ولا حرج عليه فيه، وقد أذن الله للمسلمين بالقتال ليدفعوا الظلم الذي كان يساق إليهم، إذ يقول سبحانه: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ» وقد روى أن رجلا أنى النبىّ صلى الله عليه وسلم، فقال: إن لى جارا يؤذينى، فقال له: «أخرج متاعك فضعه على الطريق» ! فأخذ الرجل متاعه فطرحه على الطريق، فكلّ من مرّ به قال: مالك؟ قال: جارى يؤذينى.. فيقول: اللهم العنه، اللهم أخزه. فقال الرجل- أي الجار-: ارجع إلى منزلك، والله لا أوذيك أبدا» . وخامسا: قوله تعالى: «وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً» هو دعوة للمظلوم إلى التخفف من الجهر بالسوء من القول، وإلى القصد فيه، والوقوف به عند أضيق الحدود من الجهر.. فالله سبحانه وتعالى «سميع» أي قد سمع شكاة المظلوم، وسينتصر له.. فلا حاجة إلى هذا الصراخ بهذا القول السيّء. لأنه- على أي حال- موسوم بسمة السوء، ومن الخير تجنّبه، أو القصد فيه، إن لم يكن من المستطاع تجنبه.. وهو سبحانه وتعالى: «بصير» لا تخفى عليه خافية.. مما صرح به الإنسان أو أمسكه فى ضميره، عالم بما فعله من سوء فرآه الناس، أو غاب عنهم.. وقوله تعالى: «إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً» - تفرقة بين الخير والشر- وأن الخير هو الخير، على أي وجه جاء عليه.. سرّا أو جهرا، أبداه فاعله أو أخفاه..

الآيتان: (150 - 151) [سورة النساء (4) : الآيات 150 إلى 151]

«إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» (271: البقرة) . وفى عطف قوله تعالى: «أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ» على ما قبله، من فعل الخير- إشارة إلى أن العفو عن سيئات المسيئين هو من باب الخير، يجزى الله عليه كما يجزى على الإحسان وقوله تعالى: «فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً» هو دعوة إلى التسامح والعفو عمن أساء واعتدى.. فذلك هو الذي يخمد نار الفتن، ويقتلع جذور العداوة والشحناء بين الناس.. «وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى» (237: البقرة) «وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» (43: الشورى) فالله سبحانه وتعالى مع قدرته على أخذ المسيئين بإساءاتهم.. يعفو، ويحلم، ويغفر.. هذا وليس تسلط العفو والمغفرة فى قوله تعالى: «فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً» على العفو عن السوء فى قوله سبحانه: «أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ» - ليس فى هذا ما يحجز فعل الخير فى قوله سبحانه: «إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ» - عن نصيبه من عائد عفو الله وقدرته.. فإن عفوه سبحانه يعود إلى أهل الخير فيجاوز عن سيئاتهم، ويغفر لهم من ذنوبهم، جزاء ما فعلوا من خير فى سر أو جهر.. وقدرة الله لا يعجزها شىء فهو- سبحانه- قادر على أن يبدل سيئات المسيئين حسنات، إذا هم أحسنوا، وكانوا مؤمنين. الآيتان: (150- 151) [سورة النساء (4) : الآيات 150 الى 151] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (150) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (151)

التفسير: مناسبة هاتين الآيتين للآيتين اللتين قبلهما، هو أن هذا الذي يدعو إليه الكافرون، من الكفر بالله ورسله، والتفرقة بين الله ورسله، هو مما يدخل فى باب الجهر بالسوء من القول.. وأن قولهم. «نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ» هو من المنكر من القول، ومن شأن التحدّث به وإذاعته فى الناس أن يشيع الفتنة والفساد! وفى تصدير الآية الكريمة بهذا الوصف للذين يقولون: «نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ» ما يشير إلى أن الإيمان كلّ لا يتجزأ.. وأن الكفر ببعض رسل الله هو كفر برسل الله جميعا، وأن الكفر برسل الله هو كفر بالله.. وإذن فإن إيمان هؤلاء الذين يؤمنون بالله، مع كفرهم برسله أو ببعض رسله، هو إيمان غير مقبول، لأنه قائم على الشك فى الله، إذ لو خلا من هذا الشك، لا نسحب إيمانهم بالله إلى إيمانهم برسل الله، وكتب الله، وبملائكة الله، وبالبعث والجزاء والجنة والنار.. وكل ما أخبر به الرسل من غيبيّات. وقوله تعالى: «وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا» هو إشارة إلى هذا لأسلوب المنافق من أساليب الإيمان.. حيث يأخذون من الإيمان شيئا، ومن الكفر شيئا. والأمر هنا: إنما هو حق أو باطل، وإيمان أو كفر.. ولا ثالث بينهما.. وقوله تعالى: «أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا» هو حكم بكفر هؤلاء الذين يلبسون الحق بالباطل، ويجمعون بين الإيمان والكفر.. إنهم على الكفر الصّراح، ولو ستروا كفرهم بهذا الإيمان الزائف..

الآية: (152) [سورة النساء (4) : آية 152]

وقوله تعالى: «وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً» هو الجزاء الذي يؤخذ به هؤلاء الكافرون المنافقون.. إنه العذاب المهين، المعدّ لهم يوم الفصل والجزاء. الآية: (152) [سورة النساء (4) : آية 152] وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (152) التفسير: وفى مقابل هذا العذاب المهين الذي يصلاه الكافرون والمنافقون، يتقلّب المؤمنون، الذين آمنوا بالله إيمانا خالصا، فصدّقوا رسله، وآمنوا بهم جميعا، ولم يفرقوا بين أحد منهم كما فعل هؤلاء المنافقون الكافرون- يتقلب هؤلاء المؤمنون فى رضوان الله، ويلقون من رحمته ومغفرته، ما يغسل أدرانهم، ويمحو سيئاتهم، ويفتح لهم أبواب الجنات، يلقّون فيها تحية وسرورا.. الآيتان: (153- 154) [سورة النساء (4) : الآيات 153 الى 155] يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (153) وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (154) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (155)

التفسير: ومما هو من قبيل الجهر بالسوء من القول، تلك الأسئلة الخبيثة الفاجرة، التي يسألها أهل الكتاب- والمراد بهم اليهود- ويلقون بها بين يدى النبي الكريم، فى تحدّ وقاح! وسؤالهم هنا، هو أن ينزل النبي عليهم كتابا من السّماء.. يرونه رأى العين، كما رأوا تلك المائدة التي أنزلها الله على عيسى عليه السلام، حين اقترحوا عليه ذلك، ولكنهم- مع هذا- لم يؤمنوا به، ولم يصدقوا رسالته.. ومن قبل كان اليهود يلقون إلى مشركى مكة بمثل هذه المقترحات، ليعنتوا بها النبىّ، وليقيموا لهم حجة عليه.. فكان من ذلك ما كشفه القرآن الكريم فى قوله تعالى. «وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا»

فلما التقى اليهود بالنبي فى المدينة، وواجهوه بكفرهم وعنادهم، أعادوا هذا السؤال الذي كانوا قد صاغوه من قبل لمشركى مكة.. وفى قوله تعالى: «فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً» هو ردّ مفحم على هؤلاء الكافرين المعاندين.. إنهم لم يسألوا ليعلموا، أو يؤمنوا، ولكن ليشتفوا من داء اللّجاج المتمكن فيهم.. ولو أنهم كانوا يؤمنون بآيات الله، لآمنوا بما بين أيديهم من آيات مادية محسوسة، تجبه كل معاند، وتخزى كل متحدّ.. ولكنهم لا يريدون إلا اللجاج والعناد، والتطاول والسّفه.. فلقد سألوا موسى أكبر من هذا السؤال، وأبعدوا فى الوقاحة والتحدي، فقالوا أرنا الله جهرة!! وقد عاقبهم الله سبحانه على هذا العناد الفاجر.. فتجلّى لهم فى جلال جبروته ونقمته.. فأخذتهم الصاعقة بظلمهم.. ولكن لم تكن هذه الضربة القاصمة لتمسك بهم على طريق الاستقامة والهدى، بل لجوّا فى غيّهم وضلالهم، وعادوا سيرتهم الأولى فى الكفر والعناد.. فاتخذوا العجل إلها لهم يعبدونه من دون الله، ولم تنفعهم الآيات المشرقة التي جاءهم بها موسى، من ربّه.. إذ نجاهم من آل فرعون، وفرق بهم البحر، وأنزل عليهم المنّ والسلوى، وفجّر لهم من الصخر عيونا، حيث لا ماء ولا زرع، فشربوا، وزرعوا.. ولكنها القلوب القاسية، والنفوس المريضة، والطباع النكدة، لا تقبل على خير ولا تحتفظ بخير.. والله سبحانه وتعالى ويقول: «وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً» (58: الأعراف) . وفى توجيه الخطاب إلى جماعة اليهود عامة، سواء منهم من سألوا موسى أن يريهم الله جهرة، ومن لم يسألوه، ومن عبد العجل منهم ومن لم يعبده- فى هذا

ما يشير إلى أنهم جميعا من طبيعة واحدة، وعلى وجه واحد من وجوه الكفر والضلال، وأن قديمهم وحديثهم سواء، وأن الأبناء والآباء على طريق واحد، هو طريق اللجاج فى الباطل، والإغراق فى العناد.. وأن آباءهم الذين أعنتوا موسى، وكفروا بآيات الله ومكروا بها، لا يختلفون كثيرا عن هؤلاء الأبناء الذين التقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، فعادوا سيرة آبائهم فى أنبياء لله، مع هذا النبىّ الكريم، يلقونه بالأسئلة الماكرة المتحدّية، لا يبغون بها إلا العنت والضلال.. وفى قوله تعالى: «فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ» أي تجاوزنا عن ذلك، وأفسحنا لهم المقام فى هذه الحياة، لعلّهم يصلحون ما أفسدوا، ولتتظاهر الحجة عليهم، فيما يأخذهم الله به من عقاب، وفيما يصبّ عليهم من لعنات. وفى قوله تعالى: «وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً» كبت لهم، وحسرات عليهم، إذ فاتهم ما أرادوا بموسى من مكر، وما دبّروا من كيد.. ثم هو كبت وحسرة لهؤلاء الذين يلقون «محمدا» صلوات الله وسلامه عليه بمكرهم وكيدهم، وأنهم هم الخاسرون، ولن يصيبهم إلا ما أصاب آباءهم من نقمة وبلاء، وما ينال محمدا إلا ما نال موسى من فضل وإحسان.. قوله تعالى: «وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً» . هو بيان لما أخذ الله سبحانه وتعالى على آبائهم من عهود ومواثيق، وأنهم لم يرعوا عهود الله، ولم يحفظوا مواثيقه، بل ضيّعوا، ونقضوا ما عاهدوا الله عليه.

فقد رفع الله فوقهم الطور، أي جبل الطور، وأقامه ظلّة عليهم ليظلّهم ويكنّهم فى هذا التيه الذي غرقوا فيه أربعين سنة.. وفى هذا يقول الله تعالى: «وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ» (171: الأعراف) فلم يثقوا فى هذا البناء الذي أقامه الله عليهم، ودخلوا تحته دخول الخائفين، حتى لكأن يد الله لا تقوى على الإمساك به!! ثم حين أخرجهم الله من التّيه، وساقهم إلى العمران، ووجههم إلى إحدى القرى، دعاهم سبحانه إلى أن يدخلوا باب هذه القرية سجّدا، شكرا لله على هذه النعمة، وأن يقولوا وهم فى هذا السجود «حطّة» أي غفرانا لذنوبنا.. فبدّلوا وغيروا، ولم يحترموا كلمات الله، ولم ينزلوا عند وصاته لهم.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى.. «وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ» (58- 59: البقرة) ثم ألزمهم الله سبحانه ألّا يعدوا فى السبت، وألا يعملوا فيه عملا، عقابا لهم ونكالا، حيث خرجوا عن طاعة الله، ونقضوا مواثيقه.. فاعتدوا فى السبت، وباشروا فيه كل عمل.. وفى هذا يقول سبحانه وتعالى: «وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ» (65: البقرة) . وانظر إلى هذا التكرار فى قوله تعالى: «قُلْنا لَهُمُ» .. إذ يقول

سبحانه: «وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً، وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ» . ففى هذا التكرار ما يؤذن بأن القوم بما هم، عليه من جفاء طباع، وقسوة قلوب، وبلادة مشاعر، وعمى بصيرة، لا يخاطبون إلّا بمناخس حادة، لتوقظ هذه المشاعر الهامدة، وتلك الطباع المتبلّدة.. تماما كما تنخس الدوابّ كلما ونت أو حرنت. وقوله تعالى: «فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا» . فى هذه الآية والآيات التي بعدها يحصى الله سبحانه وتعالى على اليهود ما ارتكبوا من خطايا، وما اقترفوا من آثام، حتى كان لهم من الله هذا العقاب الأليم الذي أخذهم به فى الدنيا، وجعله ميراثا يقتسمه أبناؤهم من بعدهم، إذ كانت جرائمهم من الشناعة والهول بحيث لا يستقلّ بحملها جيل أو عدة أجيال.. بل إنها لو قسمت عليهم فى أجيالهم السابقة واللاحقة لأحاطت بهم جميعا، ثم كان من فائضها ما يتسع لأمثالهم.. فقد نقضوا مواثيق الله، وكفروا بآياته. وقتلوا رسله.. عدوانا وبغيا، حيث لا شبهة ولا مظنّة شبهة يقتل بها رسول من رسل الله، إذا قتل غيرهم من الناس، بحق أو بغير حق.. فما رسل الله إلّا رحمة من رحمته، وفضل من فضله، ونعمة من نعمه.. فالذى يدفع الرحمة، ويأبى الفضل، ويكفر بالنعمة، هو إنسان مبتلى فى عقله، متّهم فى إنسانيته فإذا تجاوز ذلك إلى أن يكون حربا على الرحمة والفضل والنعمة، فقل أي كائن هو.. ولكن لا تنسبه إلى عالم الإنسان أبدا! على أن الأمر لا يحتاج إلى بحث أو نظر، فقد حكم القوم على أنفسهم، ونطقوا بما ينطق به فى شأنهم الوجود كله، ويدينهم به.. وهذا ما أشار إليه

قوله تعالى: «وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ» أي مغلفة، مغلّقة، لا ينفذ إليها شىء من الحق والخير.. وهم إنما يقولون هذا القول فى مجال الاستهزاء والسخرية، كما يقول من يتعالم: إنى جاهل..! والمغرور بماله، المدلّ بثروته: إنى فقير! بل إن أمرهم لأكثر من هذا، إذ ليس ما بقلوبهم مجرد غطاء يحجبها عن كل خير، كما ادعوا على أنفسهم استهزاء وتعاظما، ولو كان ذلك هو الذي بهم لكان لدائهم طب، ولعلتهم دواء! ولكنّ الذي بهم هو شىء لو عقلوه لبكوا كثيرا، ولضحكوا قليلا، بل لكانت حياتهم كلها بكاء موصولا، ودمعا جاريا، لما رماهم الله به من داء قتل كل معانى الإنسانية فيهم.. فإذا هم ناس وليسوا ناسا، أحياء وليسوا بالأحياء! انظر إلى قلوب هؤلاء القوم.. فهل تجد ما بها، هو حجاب كثيف مضروب عليها؟ أو غلاف صفيق اشتمل عليها واحتواها؟ وكلا.. «بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها» . وإذن فداء هذه القلوب هو فى كيانها ذاتها، وليس مادة غريبة غشيتها واحتوتها، بل هو الختم المحكم الذي ختمه الله عليها، فلا يخرج ما فيها من خبث ولا يدخل إليها ما فى الحياة من حق وخير.. إنها ستظل هكذا مغلقة على ما فيها.. أشبه بالبركة الراكدة العفنة، لا تزداد مع الأيام إلا ركودا وعفنا، ولا تلد مع الزمن إلا العفن، والوباء! وقوله تعالى: «فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا» هو وصف لمن أفلت منهم من تلك اللعنة، استثناء من هذا الأصل الذي ينتسب إليه القوم جميعا.. وهو عدد قليل، لا يشفع لهذه الجماعة بالخروج من هذا الحكم المضروب عليها.

الآيات: (156 - 158) [سورة النساء (4) : الآيات 156 إلى 158]

الآيات: (156- 158) [سورة النساء (4) : الآيات 156 الى 158] وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (158) التفسير: ومما أحصاه الله من شناعات هؤلاء القوم- اليهود- كفرهم بالمسيح، وتكذيبهم له، وقولهم فيه وفى أمّه تلك الأقوال الشنيعة، التي هى محض بهتان وزور، فقد رموا مريم البتول بالفحش، واتهموها بالفاحشة ونسبوا ابنها إلى أنه ابن سفاح، جاء على غير رشدة. كذلك مما أحصاه الله عليهم من المآثم، هذه الفعلة الشنيعة التي أصبحوا على إيمان بها، فلم يتأثمّوا، ولم يندموا، بل كان ذلك نغما مسعدا، ونشيدا مرفّها، يرددونه صباح مساء، ليغذّوا داء الانتقام والتشفّي الكامن فيهم.. «قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ» !! هكذا يملئون بها أفواههم، ويضربون بها على آذانهم! .. قتلنا المسيح.. عيسى بن مريم.. رسول الله.. فلم يكفهم أنهم قتلوا نفسا، بغيا وعدوانا.. كما كان ذلك معتقدهم.. ولم يكفهم أن تكون هذه النفس نفس إنسان لم يقل كلمة سوء، ولم يمدّ يده إلى أحد بسوء.. بل كان فمه مشرق نور ومطلع حكمة.. وكانت يده ملاك برّ ورحمة.. تهدى الشفاء إلى كل مريض، وتمسح بالعافية على كل ذى علة.. لم يكفهم هذا.. بل راحوا يعلنون هذا النبأ السارّ المسعد، يبشرون به فى آفاقهم، ويرفعونه إلى الله دعوات وصلوات، فى وقاحة واجتراء على الله.

ولم يكفهم هذا، فعرضوا قتيلهم هذا العرض الطويل الممتد.. حتى لكأنهم وقد مزّقوه أشلاء، أو قتلوه.. مرة، بعد مرة، بعد أخرى.. قتلنا..! .. يا للإثم العظيم! المسيح..! .. ويا للهول المهول! عيسى.. ويا للعنة السماء لمن يقولها! ابن مريم.. ويا لشؤم القوم الذين يردّدونها! رسول الله. ويا لسيف الله لمن يحارب رسل الله! ومع هذا، فإن القوم يهنؤهم الطعام والشراب.. بل إنهم ليأتدمون بهذا الدّم، ويغمسون به كل لقمة يأكلونها! وقولهم «المسيح» ليس اعترافا منهم بأنه المسيح، وإنما يقولون ذلك استهزاء به.. وكذلك قولهم: «رسول الله» فهم لم يعترفوا بالمسيح رسولا، ولم يقبلوه مسيحا. وقوله تعالى: «وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ» هو كبت لليهود، وخزى لهم، إذ يفجؤهم القرآن الكريم بهذا الخبر، ويقطع لهم عنه الشك باليقين.. ذلك أنه كان قد وقع فى نفوسهم شك فى أن الذي قتلوه وصلبوه ليس هو المسيح، فإن هذا الشك قد أصبح يقينا بهذا الذي جاءهم به القرآن الكريم، وهم يعلمون صدقه، ويستيقنون أنه من عند الله، وإن جحدوه استكبارا، وعنادا.. وفى هذا يقول الله تعالى: «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» (146: البقرة.) والضمير فى يعرفونه يعود إلى القرآن. وقوله تعالى: «بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً» هو كبت وخزى

لليهود، بهذا الفضل الذي فضل الله به على المسيح، بعد كبتهم وخزيهم، بإبطال كيدهم فيه، وإفساد مكرهم به.. لقد أرادوا موته وصلبه.. فلم تنله أيديهم، ونجاه الله منهم، بعد أن أخذهم بهذا الذنب العظيم، الذي عقدوا نيّتهم عليه، وشرعوا فى تنفيذه، بل ونفذوه.. ولكن لا فى المسيح كما قدروا، بل فى شخص آخر شبّه لهم أنه المسيح.. ولقد أرادوا يصلب المسيح أن يوقعوه تحت اللعنة، التي قضت بها شريعة موسى، والتي جاء فيها: «ملعون من علّق على خشبة» .. فما كان يقع تحت هذا الحكم من اليهود إلا من جدّف على الله، وكفر به.. فمن فعل هذا حكم عليه بالصلب، ثم الطرد من ملكوت الله! لقد أراد اليهود هذا بالمسيح، فرفعه الله إليه، وأعلى منزلته عنده، وأحلّه فى مقام كريم، مع المصطفين من عباده. وقوله تعالى: «وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً» هو تعقيب على تلك الأحكام التي أجراها سبحانه وتعالى، والتي جاءت على غير ما أراد أهل الشر والسوء.. فبعزّته سبحانه أفسد كيد هؤلاء المضلّين المفسدين، وبحكمته وضع الأمور فى مواضعها، فجاءت على أتم صورة وأكملها.. هذا، ولما كانت قضية صلب المسيح.. من القضايا التي أثارت ولا تزال تثير كثيرا من الجدل والخلاف بين المسلمين والنصارى واليهود.. فقد رأينا أن نقف وقفة، ننظر بها نظرا أرحب وأوسع، فى هذه القضية، وفى رأى القرآن فيها، وفى مقولات المسيحيين واليهود عنها..

القرآن والمسيح المصلوب

القرآن والمسيح المصلوب المسيح بين الألوهية والبشرية: لم يلتفت القرآن الكريم إلى المسيح وإلى المعتقدات التي يعتقدها أولياؤه وأعداؤه إلّا من جانب واحد، هو شخصيته، وتحديد هذه الشخصية على الوجه الذي يراه له، وهو أنه إنسان بشر، وليس إلها ولا ابن إله، على الرغم من الأسلوب الفريد الذي ولد به! ففى الوقت الذي نزل فيه القرآن كان قد مضى على ظهور المسيح نحو ستة قرون، دارت فيها الأحداث التي صحبت حياته، منذ دخوله فى هذا العالم، إلى خروجه منه- دارت تلك الأحداث فيها دورات كثيرة، والتقت بأنماط مختلفة لا حصر لها من العقول، وكاد الأمر يستقر فى معتقد الناس، فى المسيح وفى الأحداث التي اتصلت به! فأتباعه كان قد انتهى بهم الرأى فيه إلى أنه «الله» ممثّلا أقنوم الابن من الأقانيم الثلاثة التي جعلوها لله، وهى: الأب، والابن، وروح القدس. وأعداؤه- اليهود- لم يتغير رأيهم فيه منذ وقع فى أنفسهم أنهم صلبوه بتهمة الشعوذة والتجديف على الله. وكان على القرآن أن يكشف عن شخص المسيح، وأن يضعه بالموضع الذي له فى حساب العقيدة.. أهو ابن الله؟ أم هو إله مع الله؟ أم هو الله وحده؟ أم هو بشر.. رسول من الله، إلى عباد الله؟ وقد حرص القرآن على أن يجلّى عن شخصية المسيح، وأن يدفع عنه كل شبهة تلبس على الناس أمره، وتجعل له إلى الألوهية مدخلا من أية جهة، وعلى أية صفة!

هذه هى قضية المسيح فى القرآن: أهو إله؟ .. أم هو إنسان من الناس وخلق من خلق الله؟ وإذ فصل القرآن فى هذه القضية فصلا قاطعا، وأنزل المسيح من سماء الألوهية إلى أرض البشر- إذ فعل القرآن هذا لم يلتفت من أمر المسيح إلى شىء وراءه، مما يجرى على البشر، وينزل بهم من أحداث، ويقع فى حياتهم من شئون.! فإذا مات المسيح- على هذا الاعتبار- أو قتل فليس ذلك بالأمر الذي يجعل له حسابا خاصا دون الحساب الذي يجرى على الناس، حين يموتون أو يقتلون. وإذا صلب المسيح، فهو واحد من كثيرين ماتوا بتلك الميته، وكما مضى المصلوبون إلى ما هم صائرون إليه، كذلك يمضى المسيح إلى مصيره! وإذا كان هناك من شىء يلتفت إليه فى هذا الأمر العارض، فهو هذا الحمق وذلك الضلال، اللذان يركبان الناس فيغريانهم بالتطاول على تلك الأيدى الكريمة الممدودة إليهم بالخير، والمبسوطة إليهم بالهدى، وأن يطفئوا بأفواههم هذا النور المتوهج فى ظلام ليلهم البهيم، وأن يمثّلوا بهذا الإنسان الطاهر البريء! إنه لا أكثر من الشعور بالحسرة والأسى، تندلع نارهما فى صدور الأخيار الأبرار من الناس، حين يصابون فى مثلهم الفاضلة، ويفجعون فى أسوتهم الحسنة، وحين يرون الشرّ يأكل منابت الخير ويفسد ثمارها! إنها وقفة.. قد تطول أو تقصر.. ثم تمضى الحياة ويمضى الناس معها فى هذا الصراع المتصل بين الحق والباطل والخير والشر، وفى هذا التدافع الدائم بين المحقّين والمبطلين، وبين الأخيار والأشرار!

المسيح المصلوب:

المسيح المصلوب: فليس بمستنكر على الحياة إذن أن يصلب المسيح! وليس بدعا أن تمتد إليه يد البغي، وأن تتمكن منه وتبلغ ما تريد فيه! فما أكثر الأنبياء الذين أصابتهم أيدى البغاة، وسلّطت عليهم قوى الشر والعدوان، فذاقوا الموت فى أمرّ كئوسه، وواجهوه فى أبشع صوره! وما أكثر الصدّيقين والأبرار الذين وقعوا صرعى فى ميادين الجهاد فى سبيل الله، فمزّقوا إربا إربا، ومثّل بهم أحياء وأمواتا! فليكن المسيح بن مريم رسول الله، واحدا من هؤلاء! فما أحد من الناس قد أخذ على الله عهدا ألا يموت، وما أحد من البشر تخيّر لنفسه الميتة التي يموت عليها! وقد حرص القرآن على أن يخلى شعور أتباعه المسلمين من كل خاطرة تخطر لهم أن «محمدا» رسول الله، بمعزل عن هذا الحكم، الذي ينزل عليه الناس جميعا، ويردون موارده.. فقال تعالى: «وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ (144: آل عمران) إن الرسل يموتون أو يقتلون كما يموت الناس وكما يقتلون، ومحمد رسول الله واحد من الرسل وإنسان من الناس.. فليس بدعا أن يموت أو يقتل.. «قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ (9: الأحقاف) (إنك ميّت وإنهم ميتون (30: الزمر) ومن أجل هذا لم يلتفت القرآن فى موقفه من أهل الكتاب، وفى تسويته لحساب المسيح عندهم- لم يلتفت إلى حادثة «الصلب» ولم يجعل منها قضية يناقشها معهم، ويفصل فيها بحكمه بينهم!

وقد يبدو هذا الموقف الذي وقفه القرآن الكريم من أمر «الصلب» وإغفاله له، تسليما به، وبالمعتقد الذي قام عليه، وهذا يعطى لأصحاب هذا المعتقد القائم على صلب المسيح حجة على القرآن بأنه لم يواجههم مواجهة صريحة فى هذه القضية، ولم يأخذ عليهم معتقدهم فى أن المسيح قد صلب! ونقول- كما قلنا من قبل- إن القرآن لا يعنيه كثيرا أن يكشف حقيقة هذا الحدث، وأن يقيم الناس على رأى فى أن المسيح صلب، أو أنه لم يصلب، فذلك الأمر على أي وجهيه وقع- لا يقدم ولا يؤخر فى أصل القضية التي ينازع فيها القرآن، أولئك الذين يعتقدون فى بنوّة المسيح لله، أو ألوهيته! فالمسيح إله، أو ابن إله.. كما يقولون ويعتقدون. والمسيح ليس إلها ولا ابن إله، وإنما هو عبد من عباد الله ورسول من رسل الله.. كما ينطق الحق، ويحدّث القرآن! .. هذا هو أصل القضية.. فإذا فصل فيها القرآن على هذا الوجه الذي ارتضاه فى المسيح، فقد فصل ضمنا فى هذه الجزئية العارضة من حياة المسيح، وهى الصلب، ومن ثمّ يكون القول بصلب المسيح أو عدم صلبه سيان.. فهو إنسان من الناس وليس موته على أية ميتة كانت، بالذي يحدث له وضعا جديدا فى الحياة، أو بالذي ينشىء له فى النفوس مكانا يقوم عليه دين وتستند إليه عقيدة. إن القرآن إذ يواجه أتباع المسيح، لم ير فى حديثه إليهم عن حادثة الصلب التي يؤمنون بها ويقيمون معتقدهم عليها- لم ير فى هذا الحديث جدوى، لأن هذا الحديث لا يعنى فى نظر الدعوة الإسلامية أكثر من أنه خبر من أخبار التاريخ، لا يتعلق بوقوعه أو عدم وقوعه شىء يتصل بالعقيدة فى ذات الله.. إنه مثل الحديث عن أصحاب الكهف، وعن ذى القرنين، واختلاف الناس فى شأنهم وفيما يروى من أخبارهم.. فإذا قال القرآن فى مثل هذه الأخبار قولا

فهو امتحان للقرآن ذاتة.. فى أنه متلقّى من عند الله، أو مستوحّى من الأساطير وتكهنات الكهان.! فى حياة المسيح عليه السلام أكثر من حدث، أثار تضارب الآراء فيه واختلاف الناس عليه.. فأولا: ميلاده من عذراء: كان هذا الميلاد مشكلة ضخمة.. إذ أن هذا الميلاد غير طبيعى. وغير جار على مألوف الحياة.. وذلك مما يدير الرؤوس نحوه، ويلفت العقول إليه، ويفتح للناس طرائق شتى، للقول فيه والتقوّل عليه. فاليهود مثلا- لم يعترفوا بهذا الميلاد- ولم يقبلوه.. بل اعتبروه ولادة غير شرعية، جاءت على غير رشدة.. من اتصال محرّم، بين مريم ويوسف النجار الذي أضافوا نسبة المسيح إليه، حيث كان يخدم مع مريم فى المعبد. وبهذا وضعوا المسيح وأمّه هذا الوضع الذي يصمهما بالدنس.. والعار. وثانيا: صلبه.. ووقوعه بهذا الصّلب تحت حكم الناموس الذي يقضى بلعن كل من علّق على خشبة! حسب ما جاء فى التوراة. وثالثا: ألوهيته.. وخروجه بهذه الألوهية عن وجوده البشرى، الذي رآه الناس عليه، والقضاء على شخصيته وإفنائها. فهذه ثلاث شبه أو تهم تحوم حول شخص المسيح، وتفسد الرأى فيه وتجعل منه شخصية أسطورية، أكثر منها شخصية حقيقية.. والقرآن الكريم هو وحده الذي تولّى الدفاع عن المسيح وكشف الشبه عن شخصه الكريم، ووضعه بالمقام المحمود الجدير به كإنسان يأخذ مكان الذروة بين الناس. يقول الله تعالى:

«إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ» (171: النساء) «إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ (59: الزخرف) «مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ» (75: المائدة) . إن الأخذ بما يقول القرآن فى المسيح هو الذي يرفع هذه الشّبهة التي كانت ولا تزال داعية لسوء القالة فيه عند أعدائه اليهود، أو باعثة للاضطراب والقلق النفسىّ والروحىّ والعقلي، عند أتباعه.. إذ يرونه إنسانا فى شخص إله، أو إلها فى جسد إنسان! كان المسيح قد تنبّأ لهذا الخلاف الذي يكون فى شأنه، ولهذه المقولات التي قيلت أو تقال فيه.. وقد أشفق على نفسه منها، إذ كان بعضها يطعنه فى شرف مولده، وفى طهارة أمه وعفافها، على حين كان بعضها الآخر يسلخه من بشريته ويخرجه عن إنسانيته، إلى صورة مختلطة، تجمع الإله والإنسان فى ذات واحدة وفى جسد واحد.. كان المسيح قد تنبأ لهذا، وأشفق منه بل وتألم له! ولكن الله طمأنه وأذهب مخاوفه إذ أوحى إليه أن هناك من سيتولّى الدفاع عنه، ورفع الشبهات التي ستدخل على الناس من أمره.. فى حال حياته، وبعد أن فارق الحياة.. يقول السيد المسيح فيما روت الأناجيل على لسانه مخاطبا تلاميذه وحوارييّه: «ولكنى أقول لكم: الحق إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزّى ولكن إن ذهبت أرسله إليكم، ومتى جاء ذلك، يبكّت العالم على خطيّة، وعلى برّ، وعلى دينونة.. أما على خطية، فإنهم لا يؤمنون بي، وأما على برّ، فإنى ذاهب إلى أبى ولا تروننى، أيضا، وأما على دينونة، فلأن رئيس هذا العالم قد دين!

«إن لى أمورا كثيرة أقولها لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأما متى جاء روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية، ذاك يمجدنى لأنه يأخذ مما لى ويخبركم، كل ما للأب هو لى، لهذا قلت إنه يأخذ مما لى ويخبركم. بعد قليل لا تبصروننى، ثم بعد قليل أيضا تروننى، لأنى ذاهب إلى الأب (إنجيل يوحنا) . يتحدث المسيح إلى أتباعه هنا عن شخص سيجيئ بعده، وقد ترك هو مقامه فيهم وفارق هذه الدنيا. وصفات هذا الشخص كما يحدّدها السيد المسيح هى: أولا: أنه المعزّى الذي يجىء مواسيا ومعزّيا فيما أصيب به المسيح فى شخصه، وما رمى به من تهم.. وكلمة المعزى هى إحدى المعاني التي فسّرت بها كلمة «بارقليت» اليونانية، والتي فسرت أيضا بمعنى المحامى أو مستشار الدفاع. ثانيا: إنه سيبكّت العالم على أمور ثلاثة: 1- على خطيّة: هى أنهم لم يؤمنوا بالمسيح على الوجه الذي جاءهم عليه. 2- على برّ: وهو أنه ذاهب إلى الله لينزل المنزل الكريم الذي أعده له، ولكن هم أنزلوه فى غير هذه المنزلة حيث رفعه أتباعه إلى مقام الإله ذاته، على حين أنزله اليهود منازل الضالين. 3- على دينونة: وهى هذا الحكم الظالم الذي حكم به اليهود على المسيح، وعلى الثوب الإلهى الذي ألبسه أتباعه إياه. ثالثا: أن هذا المعزّى سيرشد أتباع المسيح إلى الحقيقة كلها، ومعنى هذا أن هناك أشياء لم يكشف عنها المسيح، ومعنى هذا أيضا أن هذه الأشياء هى مما جدّ بعد المسيح، من أمور، اختلط على الناس وجه الحق فيها.. وهذا هو موضوع القضية الذي سيكون من عمل محامى الدفاع عنه.

رابعا: أن هذا المحامى لا يتكلّم من عند نفسه، بل بما قد سمع.. ومعنى هذا أنه إنما يأخذ دفاعه تلقّيا من جهة غير جهته، هى التي تلقّنه المقولات والحجج التي يلقيها على الشبه المتلبسة بتلك القضية. خامسا: أن هذا المحامى سيمجد المسيح. سادسا: أن هذا التمجيد الذي يقدمه المحامى فى شأن المسيح، ليس مديحا تستجلب به صفات لم يكن متصفا بها، وإنما هو تمجيد يكشف حقيقته للناس، ويزيل ما علق بذاته من شبه وضلالات. وهذا ما تنطق به كلمات الإنجيل على لسان السيد المسيح فى أوصاف المحامى أو المعزّى الذي سيجيئ بعده! ولكن أتباع السيد المسيح خرّجوا هذه الكلمات تخريجا على غير هذا الوجه على ما سنرى: يقول أحد علماء المسيحية وشرّاح أناجيلها: «وقد بلغ الأمر بيسوع، من حيث ثقته واقتناعه من مكانه الرئيسىّ فى قصد الله- بلغ به حدّا جعله يأخذ على عاتقه أن يرسل شخصا ليحلّ محله بعد صعوده إلى السماء، ألا وهو الروح القدس، وقد دعاه (المعزى) (باراكليت) وهى تسمية مشروعة، ومعناها المحامى أو مستشار الدفاع. «وبذلك يكون عمل «الروح القدس» الدفاع عن قضية يسوع أمام العالم، وقال عنه يسوع «هو يشهد لى» (يوحنا 15: 26) ثم «ذاك يمجّدنى لأنه يأخذ ممالى ويخبركم (يوحنا 16: 14) «1» . ومفهوم هذا القول أن الشخص الذي سيرسله المسيح هو «روح القدس» .

_ (1) المسيحية الأصلية ص 27- 28.

وإذا علمنا أن معتقد المسيحية، هو أن المسيح هو «الله» وأن «روح القدس» هو الله، بمعنى أن كلّا منهما هو الله فى أقتوم من أقانيمه الثلاثة، إذا علمنا ذلك كان عجبا أن يكون «المعزى» شخصا وأن يكون هذا الشخص هو الله، ثم أن يكون المسيح وهو الله هو الذي يرسل «روح القدس» وهو الله!! الله يذهب فى صورة المسيح «الابن» ، ويحىء فى صورة الله «روح القدس» ! ثم من جهة أخرى.. ما معنى أن المحامى- إذا كان هو روح القدس، الذي هو الله ذاته- ما معنى أنه لا يتكلم من عند نفسه.. «بل يتكلم بما يكون قد سمع، ويخبركم؟» .. أروح القدس أو الله ينتظر من يلقنه ما يقول، وبأذن له به؟ فيتكلم بما يكون قد سمع؟ هذا من حيث الشكل- كما يقال فى لغة القضاء- أما من حيث الموضوع، فإذ ننظر نجد: أولا: أن «روح القدس» الذي يقال إن المسيح وعد بإرساله بعد أن يمضى، لم ير له أحد وجها، لا من أتباع المسيح ولا من غيرهم. ثانيا: أن روح القدس هذا، وهو المحامى أو مستشار الدفاع، لم يعرف له أحد موقفا، ولم يكن له قول مأثور فى شأن المسيح وفى تمجيده.. فأين إذن هو روح القدس؟ وأين أعماله أو أقواله التي واجه بها الناس لتمجيد المسيح؟ ولسنا نجد جوابا لهذا إلا إذا نظرنا فى القرآن الكريم ووقفنا عند ما جاء فيه من دفاع مشرق مفحم، عن السيد المسيح.. هذا الدفاع المشرق المفحم، هو تمجيد وتعزية للسيد المسيح، لما أصابه فى شخصه وفى شخص أمّه من ضرّ وأذى! جاءت بعثة «محمد» صلوات الله وسلامه عليه- وقد مض على الدعوة

المسيحية نحو ستة قرون، وكان هذا الزمن الممتد كافيا لأن يفسح للدعوة مجال الحركة فى الحياة، وأن يبلغ بها أقصى ما تبلغه فى عقول الناس وقلوبهم، من أولياء الدعوة وأعدائها على السواء.. إذ استنفد أعداؤها كل ما لديهم من مقولات يقولونها فى المسيح ودعوته.. كما استنفد أولياؤها كل ما عندهم من مقولات فى تصويرها، وتقرير حقائقها والاحتجاج لها.. ومن هذا الشدّ والجذب، والهجوم والدفاع، تشكّلت للمسيح «قضية» من أشد ما عرف الناس من القضايا غموضا وتعقيدا.. والمسيح هو «القضية» التي تنوشها رميات المتنازعين فيه والمختلفين عليه.. من أعدائه وأوليائه جميعا! وهنا تبرز الحكمة فى الحاجة إلى محام، أو مستشار للدفاع، ليقول فى هذه القضية لا شيئا من عند نفسه، بل بما يكون قد سمع، ويخبر به! وليس ثمة شك فى أن هذا المحامى أو مستشار الدفاع أو المعزّى هو «محمد» عليه الصلاة والسلام. فهو كما تنطق كلمات السيد المسيح: أولا: هو المحامى الذي كان له دور معروف فى قضية المسيح وكان بمشهد وبمسمع من الناس جميعا. وثانيا: هو الذي دافع فى هذه القضية دفاعه المعروف عن شخص المسيح وعن أمه، وكان دفاعه هذا تمجيدا وعزاء لهما مما أصابهما من رميات وطعنات. وثالثا: لم يقل هذا المحامى كلمة من عند نفسه، بل كل ما قاله هو مما تلقاه وحيا من ربه، «لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلّم به» . ورابعا: أن هذا الذي سمعه وحيا من ربه لم يحتفظ به لنفسه، بل أخبر به وبلغه للناس كما أمره ربه: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ

لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ» .. وفى هذا يقول السيد المسيح «بل يتكلم بما يكون قد سمع ويخبركم» . لقد كان «محمد» بما تلقى من كلمات الله، هو المحامى الذي ردّ للمسيح ولأمه اعتبارهما، وهو الذي مجدهما ورفع قدرهما فى العالمين، وكان فى ذلك العزاء الجميل لهما، والمواساة الكريمة لما أصابهما من بلاء عظيم، وفى هذا يقول القرآن الكريم: «يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ» (42: آل عمران ويقول سبحانه: «وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ» .. ويقول: «مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ» (75: النساء) . وننظر فى كلمات المسيح مرة أخرى.. ونقف من كلمات السيد المسيح عند هذه الكلمات. 1- «إن فى انطلاقي لخيرا لكم» .. فهذا الخير هو ما ينكشف لهم من أمر المسيح على لسان «المحامى» الذي يتولى الدفاع عن قضيته، ويعرضها لهم فى المعرض الذي يجلّي حقيقته، ويكشف شخصه الكريم. 2- «فإنى أرسله إليكم» . وهذه القولة توحى بأن المسيح هو الذي يرسل هذا المحامى، أو بمعنى آخر هو الذي يملك إرسال الرسل، أو بمعنى ثالث هو الإله المتصرف فى هذا الوجود. وهى مقولة إن حملت على ظاهرها هذا كانت إقرارا من الله تعالى- الذي هو المسيح- بالعجز عن الدفاع عن نفسه فيقيم محاميا يتولى الدفاع عنه.. وعلى هذا، فإن هذه القولة إما أن تكون قد حرّفت ليستقيم عليها الفهم الذي وقع لأتباع المسيح من أنه هو الله، وإما أن تحمل على غير ظاهرها

ويكون قول المسيح «إنى أرسله إليكم» محمولا على المجاز السببى، إذ لمّا كان وجود المسيح مانعا من وجود المحامى الذي يتولى الدفاع فى قضيته، إذ القضية لا تتشكل بصورتها الكاملة إلا بعد أن يذهب المسيح، وتكثر المقولات فيه وفى صلبه وقيامته، فإن ذهاب المسيح هو الذي يهيىء للمحامى سبيلا إلى الظهور، وبهذا يمكن القول بأن المسيح هو الذي أرسله، بمعنى أنه كان سببا من أسباب إرساله! 3- فى قوله «ويخبركم بما يأتى» فيه إشارة إلى تلك المقولات التي ستقال فى المسيح بعد ذهابه، والتي ستشكّل منها تلك القضية التي تولّى القرآن الكريم الكشف عن وجه الحق فيها. 4- قوله «يأخذ مما لى ويخبركم» إشارة إلى أن ما يقوله المحامى الذي يتولى الدفاع عن المسيح ليس شيئا غريبا عن المسيح، بل هو ممّا له أي مما اشتملت عليه ذاته، سواء أكان ذلك عن مولده، أو عن بشرّيته كما نطق بذلك القرآن الكريم. ثم لماذا أخبر القرآن عن الصلب؟ إنه مجرد خبر.. لا أكثر ولا أقلّ!. خبر يبهت اليهود، ويفجعهم، ويملأ قلوبهم حسرة وكمدا!. إن اليهود على يقين من أنهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم، الذي عرفوه وعرفهم وسمع منهم وسمعوا منه. ولم يكن قتلهم له لأنه جدّف على الله كما ادّعوا عليه.. وإنما كان لأنه جاءهم بأنه «المسيح» الذي وعدوا به، وطال انتظارهم له!. والمسيح الذي رأوه فى شخص «عيسى» ليس هو المسيح الذي عاشوا فى أجيالهم يحلمون به، ويتوقعون الخلاص على يديه!.

كان اليهود يحلمون بالخلاص من هذه الفواجع والمآسى التي كانوا يتقلّبون على جمرها، بين الأسر والتشريد.. ولقد كانت الضربات القاسية المدمرة تنزل بهم متلاحتة متعاقبة كما يتعاقب الليل والنهار.. فما يكادون يخلصون من محنة، حتى تستقبلهم أكثر من محنة- ولهذا استبدّ بهم اليأس واستولى عليهم الجزع من توقعات الفواجع المباغتة وطلوع النوازل المهلكة.. فلم يكن لهم- والأمر كذلك- من أمل فى الخلاص، إلا أن تتعلق آمالهم وأحلامهم بربّ الجنود «يهوه» . وقد امتلأت أسفار التوراة بالرّؤى والأحلام والتنبؤات التي تلقى إليهم من عالم الأوهام بحبال النجاة، فيمدّون أيديهم إليها، وهم يضطربون فى هذا البحر اللجىّ المتلاطم الأمواج، فلا يجدون إلا سرابا، لا تمسك أيديهم بشىء منه. وكانوا كلما تطاول بهم الزمن- وهم فيما هم فيه من بلاء وهوان- أفسحت لهم الأسفار فى الآمال، ووسعت لهم فى آفاق المستقبل المشرق المسعد فأرتهم الخلاص القريب، وأطلّت عليهم بوجه المخلّص مقبلا بين عشية وضحاها!. ولهذا باتوا يحلمون أحلاما ملحّة بأن عهد الشر هذا الذي خيّم على ربوعهم قد آن له أن يزول، وأن عهدا جديدا سيشرق عليهم بصبحه، وبهذا يقضى على عهد الشر والألم، إما يتدخل الله نفسه، وإما بإرسال ابنه أو ممثله المسيح إلى الأرض.. أو لم ينبىء به أشعيا قبل ذلك العهد- أي عهد المسيح عيسى- بمائة عام، إذ يقول: «لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابنا وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيبا مشيرا إلها قديرا، أبا أبديا، رئيس السلام؟» (التوراة: سفر أشعياء) وكان كثير من اليهود يتفقون مع «أشعياء» فيما وصف به المسيح من أنه ملك دنيوى يولد من بيت داود الملكي، ومنهم من يسمونه باسم «ابن الإنسان» كأخنوخ ودانيال ويصورونه بأنه سينزل من السماء!.

أما صاحب سفر الأمثال، وصاحب حكمة سليمان، فلعلهما قد تأثرا بأفكار أفلاطون أو بروح الأرض التي يقول بها الرواقيون- فقد تصوّراه الحكمة مجسّدة، التي هى أول شىء «قناها» الربّ، وهى الكلمة أو العقل!!. ويكاد مؤلفو سفر الرؤيا كلهم يجمعون على أن المسيح سينتصر انتصارا سريعا، ويتفقون جميعا على أن المسيح سيخضع الكفار آخر الأمر ويحرّر إسرائيل، يتّخذ إسرائيل عاصمة له، يضم إليه الناس جميعا ليؤمنوا بيهوه والشريعة الموسوية.. ويسود بعد ذلك عصر طيب تسعد به الدنيا بأجمعها، فتكون الأرض كلها خصبة، وتحمل كل حبّة قدر ما كانت تحمله ألف مرة، ويصير الخمر موفورا، ويزول الفقر ويصبح الناس أصحّاء متمسكين بالفضيلة، وتسود العدالة والصداقة والسلام فى الأرض!!. هذا هو بعض جوانب الصورة التي يتصورها اليهود عن المسيح والتي عاشوا الأزمان الطويلة يحلمون بها.. فلما التقوا بالمسيح فى شخص عيسى ابن مريم- كما قلنا- ولم يطلع عليهم بتأويل هذه الأحلام التي طال انتظارهم لها وتطلعهم إليها أنكروا وجه المسيح، وتنكروا له، وأبوا أن يفتحوا أعينهم على هذه الحقيقة، وآثروا أن يظلوا مغمضين أعينهم على تلك الأحلام حتى يجىء «المسيح» الذي يقع على يديه تأويلها على الوجه الذي يتصورون ويتوقعون! من أجل هذا عجّل اليهود بالقضاء على المسيح عيسى بن مريم وإجلائه من بينهم، لأنه ليس «المسيح» الذي ينتظرون، وما زالوا إلى اليوم على انتظار لهذا المسيح.. وقد أشار المعرّى إلى هذا بقوله: يا آل إسرال.. هل يرجى مسيحكم ... هيهات.. قد ميّز الأشياء من خلبا! قلنا أتانا ولم يصلب، وقولكم ... ما جاء بعد، وقالت أمة صلبا

فإذا دخل القرآن فى أمر «الصلب» فإنما يدخل فيه من هذه الجهة التي التي تطلع منها أحلام اليهود بالمسيح، الذي ينتظرون الخلاص والحياة المستقرة الطيبة على يديه. وقد جاءهم القرآن بما لم يكونوا يحتسبون، فكشف لهم عن هذا الضّلال الذي عاشوا أزمانا متطاولة فيه، ورفع لهم عن ستر الغيب ليروا أن «المسيح» الذي طال انتظارهم لهم وتعلقت آمالهم به، هو «عيسى» بن مريم!! وألّا «مسيح» يرجى لهم بعده! وأنهم وقد فاتهم حظهم منه، فقد أفلت من أيديهم الخير الذي توقعوه وانتظروه ... أفلت إلى الأبد! ولن يعود! هذه واحدة! وأخرى.. هى أنهم ارتكبوا بجهالاتهم وحماقاتهم وغرورهم أبشع جريمة، إذ قتلوا بأيديهم أملا عاشوا له وأضاعوا بأيديهم الشحيحة الممسكة، خيرهم المدخر لهم، وبدّدوا- مع بخلهم القاتل- ثروة طائلة لا تنفد على الإنفاق أبدا. وثالثة.. هى أنهم وقد حملوا دم المسيح دنيا، وديانة، فإنهم لم يقتلوا المسيح، ولم يصلبوه! إنها حسرة، وحسرة، وحسرات، تملأ قلوب اليهود حزنا وكمدا حين يكشف لهم القرآن عن «المسيح» الذي حسبوا أنهم صلبوه! هذا، ولم يعرض القرآن لهذا الأمر إلا عرضا، فى سياق الزّراية على اليهود، وفضح طواياهم وما اشتملت عليه من سوء! وفى هذا يقول القرآن الكريم: «فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ

وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً» . (155- 160: النساء) هذه هى المرة الوحيدة التي ذكر فيها القرآن حادثة الصلب، وهو إنما يواجه بهذا اليهود، لا أتباع المسيح الذين يؤمنون بالصلب ويقيمون معتقدهم الديني عليه.. وننظر فى هذه الآيات فنرى: أولا: يقرن القرآن مقولة اليهود بأنهم قتلوا المسيح- يقرنها بعملين من أعمال اليهود، بحيث- تبدو هذه الفعلة وإن لم تقع- ممكنة الوقوع منهم، وذلك: (1) أن لهم تاريخا أسود مع أنبياء الله ورسله، يؤذونهم بألسنتهم وبأيديهم، وربما بلغ بهم الشر إلى جريمة القتل- «وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ» وقد قتلوا نبىّ الله يحيى «يوحنّا» المعمدان، وذلك بمرأى من المسيح ومسمع!! (2) ثم إنهم مع المسيح خاصة، قد اتّصل أذاهم له، وامتد عدوانهم عليه، فتطاولوا على أمه البتول الطاهرة، ورموها بالفاحشة «وقولهم على مريم بهتانا عظيما» .

فإذا ادّعوا أو ادّعى عليهم أنهم قتلوا المسيح، فتلك الدعوى أشبه بحالهم، وأقرب إلى طبيعتهم.. إنها على الطريق الذي ساروا فيه مع أنبيائهم.. وكم قتلوا من أنبياء وأبرياء! ثانيا: يسجل القرآن على اليهود اعترافهم بألسنتهم بأنهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم رسول الله.. فهذا الاعتراف منهم يقضى عليهم بتبعة هذه الجريمة المنكرة.! وليس يدفع عنهم وزرها أن يكون الذي قتلوه شخصا آخر غير المسيح، أو أن يكون المسيح قد دفع عن نفسه سلطان الموت، فقام من بين الأموات كما يعتقد أتباعه.. ذلك أن الجريمة وقعت على شخص عيسى بن مريم حسب اعتقادهم وتقديرهم، وأنهم لم يتركوه حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، ولفّ فى الكفن وأودع القبر. فإذا وقع بعد هذا ما ليس فى تقديرهم، فكان المصلوب شخصا آخر غير عيسى، أو كان عيسى لم يمت كما يموت الناس، فذلك مالا دخل له بحال أبدا كعنصر من عناصر التخفيف لجنايتهم أو حمل وزرها عنهم! ثالثا: أخذ القرآن شهادتهم على أنفسهم بأنهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم رسول الله، أخذها من أفواههم وجعل ذلك اعترافا منهم بالجريمة، الأمر الذي لا يحتاج إلى استدعاء شهود غيرهم، بعد أن وصفوا الشخص الذي قتلوه وصفا كاشفا.. فهذه ثلاث صفات يصفون بها الشخص الذي قتلوه.. فهو: 1- المسيح.. 2- عيسى بن مريم.. 3- رسول الله..

وظاهر حالهم تنبىء عن أنهم ينكرون على «عيسى بن مريم» أنه المسيح وأنه رسول الله.. فهم إنما قتلوا حين قتلوا ذلك الشخص الذي يدعى «يسوع» والمعروف بعيسى بن مريم! ولو عرفوا أنه «المسيح» لما قتلوه، أو لو عرفوا أنه رسول الله لما صلبوه! ولكن القرآن ينفذ إلى الصميم من أعماقهم، ويضبط الشوارد من عقولهم، وإذا حصيلة هذا، هو أنهم يعرفون أن عيسى بن مريم رسول الله، وأنه المسيح، ومع هذا فإنهم قتلوه وصلبوه! ذلك أنهم- كما قلنا- كانوا ينتظرون مسيحا يحقق لهم تلك الرؤى- وهذه الأحلام التي انتظروا تأويلها على يد المسيح الموعود الذي حدثهم عنه أنبياؤهم، وتنبأوا لهم بقرب مجيئه وبالخلاص المنتظر على يديه! وإذ طلع عليهم «يسوع» بأنه المسيح أنكروا أن يكون هو المسيح ثم لا يكون بين يديه هذا الخلاص الذي انتظروه.. فليكن «يسوع» مسيحا ولكنهم ليس مسيحهم.. وإلا فيا لخيبة الآمال ويا لطول الشقاء.! ثم إنهم لكى يقضوا على هذا «الكابوس» المزعج الذي جاء فطرد أحلامهم المسعدة، كان لا بد من أن يقتلوا هذا المسيح، وأن يعجّلوا بقتله وأن يمثّلوا به، شفاء لما امتلأت به صدورهم من خيبة أمل وسوء مصير، فكان أن صلبوا المسيح، لا لأنه جدّف على الله، بل لأنه قضى على أحلامهم، وجاءهم باليأس القاتل.. لما سمع يوحنا المعمدان وهو فى السجن بأعمال المسيح أرسل إليه اثنين من تلاميذه ليقولا له: أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟ «من 11: 3» أما يوحنا فقد أيقن أنه هو المسيح.. وأما اليهود فقد أنكروا أنه هو مسيحهم الموعودون به، لأن مسيحهم كما خيل إليهم يفتح لهم خزائن الأرض ويقيمهم منها مقام المالك المطلق فيها!

إنهم كانوا يستعجلون مجىء المسيح، وها هو ذا يقول إنه قد جاء.. ولكنهم لا يجدون عنده ما يتمنون ويشتهون.. ولهذا كانوا معه على حال من الحيرة القاتلة، والشك المؤرّق! «كان عيد التجديد فى أورشليم.. وكان شتاء.. وكان يسوع يتمشّى فى الهيكل فى رواق سليمان فأحاط به اليهود وقالوا له: إلى متى تلعق أنفسنا؟ إن كنت أنت المسيح فقل لنا جهرا! أجابهم يسوع: إنى قلت لكم ولستم تؤمنون.. الأعمال التي أنا أعملها باسم أبى هى تشهد لى، ولكنكم ولستم تؤمنون، لأنكم لستم من خرافى كما قلت لكم: خرافى تسمع صوتى وأنا أعرفها فتتبعنى. (يوحنا 10: 22- 28) مصيبة اليهود مع دعوات الحق التي يدعوهم رسل الله إليها، أنهم لا يفتحون لها قلوبهم، ولا يتعاملون معها بعواطفهم ووجدانهم، وإنما ينظرون إلى هذه الدعوات من جانب عملىّ واقعي، يقاس بمقياس المادة، ويحسب بحسابها، ويوزن بميزان النقد المعجّل المقبوض! وليس بهذا المقياس تقاس الأمور العقائدية، ولا بهذا الحساب تحسب مسائل الإيمان..! ذلك أن الإيمان بمعناه الصحيح إنما يقوم على أشواق ومواجد تولّدها العاطفة المنقدحة من الوجدان! وبغير هذا لا يكون إيمان، وإن كان، فهو إيمان قائم على خواء، لا يلبث حتى يضمر ويموت! إن الإيمان استجابة لدعوة من دعوات الفن الرفيع الجميل.. فإذا لم يكن المدعوّ إلى الإيمان على حظ من سلامة الوجدان ورفاهة الحس، لم تبلغ الدعوة موطن الإيمان منه!

وهؤلاء هم اليهود.. لقد شهدوا على أنفسهم بأنهم أصحاب طبيعة جفّت منها موارد العاطفة، فقالوا ما أخذه القرآن من أفواههم: «قُلُوبُنا غُلْفٌ» أي لا تتأثر كثيرا لهذه المعجزات، ولا تنبهر بتلك الآيات، فكان ردّ الله عليهم وحكمه على قلوبهم «بل طبع الله عليها» وكانت نتيجة هذا التبلد الغبىّ أنهم لا يخطون إلى الإيمان إلا خطوات بطيئة متخاذلة.. «فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا» أي إيمانا ضعيفا مترددا، قائما على شفا جرف هار من الريبة والشك! ولهذا كان إيمانهم بالمسيح عيسى بن مريم إيمانا من هذا القبيل، إيمانا متلبسا بالكفر، ويقينا محوطا بالشك! وهكذا ظل حالهم معه حتى غلب الكفر إيمانهم، وقهر الشكّ يقينهم، فجدّفوا عليه، وحاكموه، وأسلموه إلى الصلب! إنهم كانوا يعرفون عن يسوع أنه المسيح وأنه رسول الله، ولكن غلب عليهم طبعهم المشئوم فحجزهم عن الخير، وقصّر بهم عن السعى إليه، وما زال بهم حتى أراهم الصبح ليلا، والحق باطلا، فأنكروه على علم، وجحدوه على معرفة.. «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ، يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» .. هكذا شأن اليهود دائما مع آيات الله ومع رسل الله. رابعا: كشف القرآن الكريم لليهود عن تلك الواقعة التي خيل إليهم أنهم طمسوا معالمها وعاشوا على زيفها واطمأنوا إلى باطلها.. ولقد خيّل إليهم الوهم الذي أدخلوه على أنفسهم وألبسوه لباس الحقيقة أنهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم!. ووقر فى أنفسهم أنه لو كان هو المسيح المنتظر لما استطاعوا أن يصلوا إليه، لأنه سماوى لا يخلص إليه أذى من الناس!.

فجاءهم القرآن- وهم يعرفون أنه الحق- جاءهم ليوقظهم من هذه النومة التي نعموا بها، وليزعجهم عن هذا المواطن الذي اطمأنوا إليه فى شأن المسيح: فقال تعالى: «وَما قَتَلُوهُ، وَما صَلَبُوهُ» . هكذا يعلنهم القرآن بهذا الحكم القاطع الجازم!. يعلنهم دون أن يقيم له حيثيات، أو يأتى له بأدلة وبراهين!. وحسب القرآن أن يقول قولا وأن يحكم حكما، فيقوم الوجود كله شاهدا له وبرهانا عليه، وهذا الحكم- كما قلنا- يقطع اليهود عن أحلامهم بالمسيح المنتظر، ويملأ قلوبهم حسرة وكمدا، لأنهم تركوا الخير الذي كان بين أيديهم، وتعّلقوا بأوهام وخيالات لا تقع أبدا.. وهذا بعض ما يشير إليه القرآن فى قوله تعالى: «فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ» . فقد ظلموا أنفسهم وخسروا خسرانا مبينا بتطاولهم على المسيح وبتكذيبهم له، فكان أن حرمهم الله هذا الخير الطيب الذي مدّ إليهم من يد كريمة طاهرة، وكان أن أصبح هذا الخير محرّما عليهم إلى الأبد، لا ينالون منه شيئا!. «وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ» وهنا نقف أمام حقيقة تاريخية لا سبيل إلى إنكارها وهى أن هناك شخصا صلب تحت اسم «يسوع» بن مريم.. فمن هو ذلك الشخص؟. اليهود على زعم أنه هو «يسوع» بن مريم الذي كان يدّعى أنه المسيح ابن الله، أو هو المسيح «الله» . والقرآن يقول إن المسيح عيسى بن مريم هذا لم يقتل ولم يصلب؟. وإذ يقول القرآن هذا القول، فهو إنما يقول الحق الذي لالبس فيه، ويبقى بعد ذلك أن تقوم الأدلة على نقض هذا القول.. ونقض هذا القول بالبرهان

القاطع حكم على القرآن كله بالبطلان، وأنه ليس من عند الله، وإنما هو من قول بشر، يجىء بالصدق وبالكذب، وينطق بالحق وبالباطل!. والقرآن وإن يكن قد واجه اليهود بهذا الحكم فإنه قد ألزم به أتباع المسيح، وأدخلهم ضمنا فيه.. وقد كشفنا من قبل عن العلة التي من أجلها لم يواجه القرآن أصحاب المسيح بهذا الحكم، الذي هو أصل معتقدهم الديني، وقلنا: إن صلب المسيح فى ذاته لا يقدم ولا يؤخر فى موضوع العقيدة متى عرفت حقيقة المسيح، أهو إنسان من الناس وعبد من عباد الله أم هو الله أو ابن الله؟ .. وهذا هو ما التفت القرآن إليه، واهتمّ له، وفصل فيه!. ونعود إلى حديثنا عن شخص المصلوب.. ومن هو؟. شخص مصلوب.. هذا ما لا شك فيه بشهادة الأخبار التاريخية المتواترة، وبشهادة القرآن نفسه إذ يقول «وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ» أي خيل إليهم أن المقتول المصلوب هو «المسيح» !. والأناجيل هى المصدر التأريخي الذي سجل حياة المسيح، وروى الأحداث التي وقعت له، ومنها حادثة الصلب التي كانت أبرز تلك الأحداث وأهمها. وقد اختلفت الأناجيل فى رسم صورة الحادثة اختلافا يقيم كثيرا من الشكوك والشبه حول شخصية «المصلوب» بحيث لا يرى المتأمل فى الصورة أنه على يقين من أن المصلوب هو المسيح بعينه!. وشواهد هذا كثيرة يراها من يطالع ما تحدّث به الأناجيل، فى هذه الواقعة.. ولا نرى بأسا من أن نجعلها فيما بلى: فأولا: الأناجيل الثلاثة- مرقس ومتى ولوقا- تحدّث بأن السيد المسيح وقد جاهره اليهود بالشرّ وتوعدوه بالقتل، فزع إلى الله يناجيه ويبّثه ما به

وقد أعلن تلاميذه أنه قد لا يلقاهم.. وفيما هو فى تلك الحال تغيّرت هيأته وظهر له موسى وإيليا!. وفى هذا تقول الأناجيل: «وفيما هو يصلّى على انفراد كان التلاميذ معه، فسألهم قائلا: من تقول الجموع أنى أنا؟ فأجابوا وقالوا: يوحنا المعمدان! قال لهم: وأنتم من تقولون أنى أنا؟ فأجاب بطرس وقال: مسيح الله! فانتهرهم وأوصى ألا يقولوا ذلك لأحد.. إنه ينبغى أن ابن الإنسان يتألم كثيرا ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة وفى اليوم الثالث يقوم!. «وقال للجميع: إن أراد أحد أن يأتى ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعنى ... «وبعد هذا الكلام بنحو ثمانية أيام أخذ بطرس ويوحنا ويعقوب، وصعد إلى جبل ليصلّى، وفيما هو يصلّى صارت هيئة وجهه متغيرة ولباسه مبيضّا لامعا، وإذا رجلان يتكلمان معه وهما موسى وإيليا اللذان ظهرا بمجد وتكلما عن خروجه الذي كان عتيدا أن يكمله فى أورشليم وأما بطرس واللذان معه فكانوا قد تثقلوا بالنوم فلما استيقظوا رأوا مجده والرجلين الواقفين معه وفيما هما يفارقانه قال بطرس ليسوع، يا معلم: جيّد أن تكون هاهنا فنصنع ثلاث يمظال، لك واحدة ولموسى واحدة ولإيلياء واحدة وهو لا يعلم ما يقول وفيما هو يقول ذلك كانت سحابة تظلّلهم فخافوا- أي التلاميذ- عند ما دخلوا السحابة- أي المسيح وصاحباه- وصار صوت من السحابة قائلا: هذا هو ابني الحبيب، له اسمعو. «ولما كان الصوت وجد يسوع وحده.» لوقا (9: 18- 37) . ونجد فى هذا الخبر أمورا تستلفت النظر:

فمنها، أن شعورا كان متسلطا على اليهود يومذاك بأن القديسيين والأنبياء يمكن أن يقوموا من الأموات، وأن يصلوا من حياتهم ما انقطع بسبب الموت.. ولهذا كان معتقد كثير من اليهود أن المسيح هو يوحنا المعمدان قام من الأموات! ومنها أيضا أن بطرس حين قال للمسيح: أنت مسيح الله، انتهره، وأوصى تلاميذه ألا يقولوا ذلك لأحد.. وعلل ذلك بأن ابن الإنسان- أي المسيح- ينبغى أن يتألم كثيرا، وأن يرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، وفى اليوم الثالث يقوم. ولا ندرى- إذا كان المسيح هو المسيح-لماذا ينكر نفسه؟ ولماذا لا يلقى الناس على الصفة التي جاء بها؟ إن ذلك هو أول ما ينبغى أن يتحدث به إلى الناس، حتى يعرفوا شخص من يتعاملون معه، والصفة التي له وإلا تقطعت بينه وبينهم الأسباب، وكانت دواعى التناكر والتنابذ أشد وأقوى من دواعى التعارف والتآلف! فكيف ينكر المسيح صفته؟ وكيف للناس أن يعرفوه، وهو يأبى إلا أن يستر حاله عنهم، ويقيم بينهم وبينه حجبا وأستارا، ويكلمهم من وراء حجاب؟ فبأى وجه يلقاهم؟ ومن هو؟ وما صفته التي يخاطبهم بها؟ ندع هذا. وننظر فيما يتكشف من هذا الخبر من ملابسات تتصل بشخصية المسيح قبل حادثة الصلب.. فها نحن أولا نرى السيد المسيح يكشف لتلاميذه عن شخصيته، وأنه المسيح.. مسيح الله..!

ونراه يدعوهم إلى التمسك برسالته واحتمال الأذى فى سبيلها.. فهو مزمع أن يرحل، ومن أراد أن يلحق به فى الملكوت الأعلى فلينكر نفسه، وليحمل صليبه كل يوم ويتبعه. ثم نرى السيد المسيح كذلك وقد انفرد بثلاثة من خاصة تلاميذه: بطرس، ويوحنا، ويعقوب.. وصعد بهم إلى جبل ثم أخذ يصلى.. إنه هنا على موعد مع ربه.. ولقد تغيرت هيئته وصار لباسه مبيضّا لامعا، وظهر له موسى، وإيليا، وأخذت تلاميذه سنة من النوم، فلما استيقظوا رأوا هذا المشهد العجيب الرائع.. ثم رأوا المسيح وصاحبيه قد أظلتهم سحابة، وصار صوت من السحابة يقول: هذا هو ابني الحبيب له اسمعوا..» . ثم تعقّب الأناجيل على هذا الخبر بقولها «ولما كان الصوت، وجد يسوع وحده» ! ونقول: ألا يحق لنا أن نفترض- مجرد افتراض- أن المسيح قد صعد مع صاحبيه موسى وإيليا؟ ثم ألا يقوّى هذا الافتراض أن يقوم إلى جانبه زعم آخر، وهو أن موسى وإيليا إنما ظهرا ليسوع فى الوقت الذي قطع فيه الشوط إلى آخره من رسالته، ليصحباه وليؤنساه فى طريقه إلى العالم العلوي؟. ويعترضنا هنا قول الأناجيل «ولما كان الصوت وجد المسيح وحده» ! ونقول إنه كان لا بد أن يوجد المسيح أو أن يحتفظ له بهذا الوجود! .. إنه لا بد أن يملأ هذا الفراغ بأية صورة!! وإلا فكيف يكون موقف هؤلاء التلاميذ الثلاثة الذين صحبوه، إذا هم عادوا بغيره؟ ثم كيف يكون موقف تلاميذه وأتباعه إذا رآهم الناس ولم يروا المسيح معهم؟ أيقولون مثلا: إن

المسيح قد رفع إلى السماء؟ فمن يشهد لهم بهذا؟ ومن يقبل هذا القول منهم، ويصدّقه؟ لقد أنكر اليهود على المسيح أنه المسيح، وأنكروا عليه أنه رسول من عند الله.. وها هم أولاء يتوعدونه ويعدّون العدة للإيقاع به، والقضاء عليه، ثم ها هو ذا يختفى من الميدان.. أفيقبل بعد هذا من أحد أن يقول إن المسيح قد رفع إلى السماء؟ إن هذا القول لأشد نكرا عند اليهود من كل ما تحدّث به المسيح إليهم، وكان داعية لثورتهم عليه، وتربّصهم به؟ لا بدّ إذن أن يظل المسيح قائما فى الميدان! وأين المسيح؟ بل أين من يأخذ مكان المسيح؟ تلك هى المشكلة! ولا سبيل إلى حلّ هذه المشكلة إلا إذا تخففنا كثيرا من منطق العقل- خاصة وأن القضية كلها خارجة عن سلطان العقل- وإلا إذا سمحنا للخيال القصصى والأسطورى أن يقوم بدوره هنا لحلّ هذه المشكلة! عندئذ يتغير وجه الصورة التي تمثلت لنا فى حادثة الصلب، كما ترويها الأناجيل، فنرى مثلا يهوذا الأسخريوطي، وهو أحد الحواريّين الاثنى عشر الذين اختارهم المسيح وربّاهم على يديه- نراه وقد اتّجه إلى اليهود الذين كانوا يتربصون بالمسيح، فيدخل عليهم الهيكل ويهتف بهم أن الفرصة قد سنحت لهم ليأخذوا المسيح ويفعلوا به ما يشاءون. وكان ذلك على علم من أصحابه الذين بعثوا به، ليتمّ ما دبروه. وكان تدبير التلاميذ قد سبق هذا العمل، فتخيّروا واحدا من أتباع المسيح فيه بعض مشابه منه، ليكون هو البديل عن المسيح، ويتقبل المصير الذي كان اليهود مزمعين أن يصيروا بالمسيح إليه!

وكان من التدبير أيضا أن تخيّر «يهوذا» الوقت الذي يقبض فيه على «المسيح» المدّعى، وهو الليل، كما كان من التدبير أيضا أن يكون المكان بستانا، لا بيتا ولاخلاء.. وفى هذا الزمان وذلك المكان تختلط أشباح الناس، بالأشجار والأغصان التي تتراقص وتضطرب فى ضوء الشموع والمشاعل والمصابيح، التي حملها القوم معهم، ليروا طريقهم فى هذا الليل البهيم!. وقد كان! فجاء القوم وخرج إليهم «المسيح» البديل يسألهم: من تطلبون؟ فيقولون: يسوع! فيقول: ها أنا ذا!. وفى هذا يقول يوحنّا: «وخرج- المسيح- مع تلاميذه عبر وادي قدرون حيث كان بستان دخله هو وتلاميذه، وكان يهوذا مسلمه، يعرف الموضع، لأن يسوع اجتمع هناك كثيرا مع تلاميذه، فأخذ يهوذا الجند وخداما من عند رؤساء الكهنة والفرّيسيين وجاء إلى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح، فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتى عليه، وقال: من تطلبون؟ أجابوه: يسوع الناصري. قال لهم يسوع: أنا هو!! وكان يهوذا مسلمه أيضا واقفا معهم، فلما قال لهم: إنى أنا هو، رجعوا إلى الوراء، وسقطوا على الأرض.. فسألهم أيضا: من تطلبون؟ فقالوا: يسوع الناصري!! أجاب يسوع: قد قلت لكم أنا هو..؟ (إنجيل يوحنا: 18: 1- 9) . إنهم كانوا بلا شك يعرفون شخص المسيح الذي تعلقت الأنظار به فى أكثر من موقف من مواقفه الرائعة المذهلة.. ولكنهم فى هذا الظلام أو فى هذا النّور المظلم، لم يكن فى مقدورهم أن يتبينوا شخوص الناس، وأن يتحققوا من ذواتهم.. ولهذا كان سؤال وكان جواب! وقد وضع القوم يدهم على هذا الذي دعاهم إليه وقال: إنه يسوع!. ثم إنهم ما كانوا يضعون أيديهم عليه حتى أخذته الأيدى والأرجل، صفعا وركلا، حتى لتتغيّر لذلك هيأته، وتكاد تذهب كل معالم شخصيته!.

وفى صورة هذا المسيح «البديل» نستطيع أن نفسّر كثيرا من تلك المواقف الغامضة، التي كانت تبدو متأبّية على كل تفسير وتأويل.. فهذا يهوذا الأسخريوطي الذي بدا لنا من قبل خائنا ساقط المروءة، يبيع أستاذه ومعلمه بدراهم معدودة، وهو الذي كان إلى يده بيت مال المسيح وأتباعه- ها هو ذا يبدو لنا فى هذا التصور حواريّا قائما على العهد الذي بينه وبين المسيح، محتفظا بمكانه بين الاثنى عشر حواريا الذين يقول المسيح عنهم مخاطبا ربه- كما تروى الأناجيل- «إن الذي أعطيتنى لم أفقد منهم أحدا» ثم هاهوذا بطرس الذي تبع «المسيح» وأنكره ثلاث مرات لم يكتف بهذا بل سبّه ولعنه- وهو فى هذا الموقف أسوأ حالا من يهوذا- نراه هنا لم يكذب حين أنكر معرفته بهذا الرجل، كما أنه لم يأت كبيرة حين سبّ ولعن! لأنه لم يسب المسيح ولم يلعنه، وإنما أنكر البديل، وسبّه ولعنه! ثم هذا الذي كنا نستغربه، ونعجب له من صمت المسيح ومن عيّه عن ردّ الجواب.. أمام رئيس الكهنة (قيافا) وأمام الوالي بيلاطس.. ثم هذا العجز الظاهر وهذه- الشخصية الباهتة التي رآها فيه «هيرودس» .. ثم هذا الجزع وهذا الضعف وهذا الصراخ اليائس الذي كنّا نسمعه من المصلوب، ونعجب له «1» كل هذا يبدو مقبولا يقوم على مألوف الحياة، وعلى مستوى الطبيعة البشرية، على حين كان- يبدو غريبا ممعنا فى الغرابة أن يصدر من مسيح الله، ومن أحد حوارييه وتلاميذه الذين وطّنوا أنفسهم على الموت فى سبيل الله! فهل رأيت إلى هذا الفرض الذي افترضناه وكيف حلّ كثيرا من المشكلات وقضى على كثير من المتناقضات التي كانت تصادفنا فى قصّة صلب المسيح، كما ترويها الأناجيل؟ لقد استقرت أجزاء هذه الصورة وثبتت ملامحها، بعد أن كانت تبدو مهزوزة مضطربة تجمع المتناقضات.! ثم ألا ترى

_ (1) تحدثت الأناجيل عن كل هذه الأحداث على هذا النحو الذي ذكرناه.

أن قبول هذا الفرض أولى من الأخذ بتلك الأخبار المتنافرة عن صلب المسيح، واعتبار أن المسيح نفسه هو الذي صلب؟ ألا يعفينا هذا الفرض من كثير من المشكلات التي واجهها العقل- واضطرب فيها حين وجد نفسه بين يدى «الله» أو ابن الله.. مصلوبا معلقا على خشبة، يصرخ فى رعب وفزع واضطراب؟ فإذا جاء بعد هذا شاهد يشهد بأن المسيح لم يصلب، ولم يقتل، أفلا يلفتنا هذا الشاهد إليه، وإلى كل كلمة يقولها فى هذه القضية؟ ثم ألا تقوّى هذه الشهادة من الفرض الذي افترضناه وتدنيه من الواقع وتدفع به إليه؟ فكيف إذا كان هذا الشاهد منزّها عن الكذب، لا يشهد إلا بالحق، ولا يقول غير الحق؟ ثم كيف إذا كان الشاهد هو القرآن الكريم، والقول هو قول رب العالمين؟ .. وكيف إذا قال هذا الشاهد فى صلب المسيح: «وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ» ؟ هذا، وقد حاول كثير من مفسرى القرآن الكريم من علماء المسلمين أن يقولوا بآرائهم فيما أجمله القرآن ولم يفصّله ويكشف عن وجهه.! ومثل هذه المقولات إنما هى لحساب أصحابها، وليس على القرآن شىء منها، إذ لا تعدو أن تكون أنظارا متجهة إلى آية من آيات الله.. قد تتهدّى إلى بعض أسرارها، وقد تضلّ الطريق فلا تعرف شيئا! وللإمام الرازي قصب السبق فى هذا المجال، فهو أكثر مفسرى القرآن تقليبا لوجوه الرأى، وجلبا للآراء والأخبار من كل واد، شرحا لمجملات القرآن، وإشاراته.. وفى قوله تعالى «وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ» مثل لهذا المنهج فى تفسير القرآن:

يقول الرازي فى تفسيره لهذا المقطع من الآية الكريمة: «اختلفت مذاهب العلماء فى هذا الموضوع، وذكروا طرقا: (الأول) قال كثير من المتكلمين: إن اليهود لمّا قصدوا قتله رفعه الله تعالى إلى السماء، فخاف رؤساء اليهود من وقوع الفتنة من عوامهم فأخذوا إنسانا وقتلوه وصلبوه وشهدوا على الناس أنه المسيح! (الثاني) أنه تعالى ألقى شبهه على إنسان آخر.. ثم فى هذا وجوه: 1- دخل طيطاوس اليهودي المكان الذي فيه المسيح فلم يجده، فألقى شبهه عليه، فلما خرج ظنّ أنه عيسى، فأخذ وصلب! 2- وكلوا بعيسى رجلا يحرسه، فرفع عيسى إلى السماء وألقى الله شبهه على ذلك الرقيب.. فقتلوه وهو يقول: لست بعيسى!. 3- تطوّع أحد أصحابه، فألقى الله شبه عيسى عليه، فأخرج وقتل، ورفع عيسى. 4- نافق أحد تابعيه، ودلّهم على عيسى ليقتلوه، فلما دخل اليهود لأخذه ألقى الله شبهه عليه، فقتل وصلب! «وهذه الوجوه متعارضة متدافعة! والله أعلم بحقائق الأمور!! ثم يثير الرازي مناقشة حول هذه المقولات فيجرّحها جميعا، ولا يرتضى واحدة منها.. فيقول. «فكيفما كان، ففى إلقاء شبهه على الغير إشكالات: (الإشكال الأول) : أنه إن جاز أن يقال إن الله يلقى شبه إنسان على إنسان آخر، فهذا يفتح باب السفسطة. وأيضا يفضى إلى القدح فى التواتر.. ففتح هذا الباب، أوله سفسطة وآخره إبطال النبوات بالكلية.

(الإشكال الثاني) أن الله أيده بروح القدس جبريل، فهل عجز هنا عن تأييده؟ وهو- المسيح- كان قادرا على إحياء الموتى.. فهل عجز عن حماية نفسه!؟ (الإشكال الثالث) أنه تعالى كان قادرا على تخليصه برفعه إلى السماء، فما الفائدة فى إلقاء شبهه على غيره؟ وهل فيه إلّا إلقاء مسكين فى القتل من غير فائدة إليه؟ (الإشكال الرابع) بإلقاء شبهه على غيره اعتقد اليهود أن هذا الغير هو عيسى، مع أنه ما كان عيسى، فهذا إلقاء لهم فى الجهل والتلبيس، وهذا لا يليق بحكمة الله! (الإشكال الخامس) أن النصارى على كثرتهم فى مشارق الأرض ومغاربها، وشدة محبتهم للمسيح، وغلوّهم فى أمره، أخبروا أنهم شاهدوه مقتولا مصلوبا، فلو أنكرنا ذلك طعنّا فيما ثبت بالتواتر.. والطعن فى التواتر يوجب الطعن فى نبوة محمد وعيسى وسائر الأنبياء. (الإشكال السادس) ألا يقدر المشبوه به أن يدافع عن نفسه أنّه ليس بعيسى؟ والمتواتر أنه ما فعل، ولو ذكر ذلك لاشتهر عند الخلق هذا المعنى، فلما لم يوجد شىء من هذا علمنا أن الأمر ليس على ما ذكرتم!» . هذه هى الإشكالات التي أثارها «الرازي» على القول بأن المصلوب شخص آخر ألقى شبه المسيح عليه.! وقد عرضنا من قبل رأيا افترضناه فرضا، وهو أن الشخص المصلوب شخصية قدّمها أتباع المسيح- لا اليهود- لتحاكم وتقتل، وذلك بعد أن رفع المسيح إلى السماء مع موسى وإيليا. وذلك لكى يسدّوا هذا الفراغ الهائل الذي تركه المسيح!

وهذا الفرض لا يثير إلا إشكالا واحدا.. وهو أن اليهود قتلوا شخصا هو المسيح بن مريم فى اعتقادهم، على حين أن المقتول شخص آخر غيره.. وهذا- كما يقول الرازي- إلقاء لهم فى الجهل والتلبيس، وهذا لا يليق بحكمة الله! وقلنا إن ذلك كان عقوبة لليهود، إذ حملوا دم المسيح دون أن يقتلوه! وفى ذلك ما فيه من الكبت والحسرة لهم! وبعد، فإن «قضية صلب المسيح» ينبغى أن يعاد النظر فيها، وأن تحقّق تحقيقا علميا، وأن تفنّد الحجج التي تؤيدها والتي تنكرها.. بل إن هذا هو الذي ينبغى أن يقوم له العلماء والدارسون على اختلاف عقائدهم منذ نزل القرآن الكريم وأعلن هذا النبأ العظيم: «وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ، وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ.. وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ، ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً.. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً» . ولو أن البحث فى قضية الصلب انتهى بالباحثين إلى تلك الحقيقة التي قرّرها القرآن- وهو لا بد منته بهم إليها- لا التقت الديانات السماوية الثلاث على سواء.. فأولا: كاد اليهود يقطعون الشك باليقين فى أمر مسيحهم المنتظر الذي يعدّون العدة لاستقباله، الأمر الذي يملأ صدورهم شعورا بالعزلة عن الناس والتعالي عن العالمين، باعتبارهم شعب الله المختار، ولنظروا إلى أنفسهم من جديد فرأوا أنهم قد فاتهم خير كثير كان يمكن أن يصل إليهم من هذا الميراث العظيم من تعاليم المسيح وأدبه، وبهذا يلتقون بتلك التعاليم السمحة الكريمة التي تذهب بالكثير من أدوائهم وعللهم، التي تنشر الشر والبلاء فى العالم كله. وثانيا: كان أتباع المسيح يعيشون مع تعاليم المسيح على هذه الأرض، ويغرسون مغارس الرحمة والحب والأخوة فى كل مكان، فلا تظل عيونهم معلقة به فى ملكوته،

بينما تخلو قلوبهم وتصفر أيديهم من هذا الثمر الكريم الذي غرسته يداه فى هذه الأرض! وثالثا: كان المسلمون لا يرون هذه الحواجز القائمة بينهم وبين أتباع المسيح فى دراسة الأناجيل والتأدّب بآدابها والانتفاع بتعاليمها.. فالمسلمون وإن كانوا على يقين بأن المسيح لم يصلب ولم يكن إلها ولا ابن إله، فإن اعتقاد أتباع المسيح بهذا كله يدخل على المسلمين شعورا خفيا بالحذر من مخالطة الأناجيل، والتلقّى عنها، لما فيها من هذه المقولات التي تخالف معتقدهم الديني وتأخذ طريقا غير طريقه! ونسأل: ترى أتكشف الأيام عن جديد فى قضية الصلب والقيامة؟ وهل تجىء الأيام بتأويل ما نطق به القرآن الكريم فى هذه القضية؟ ذلك ما لا نشك فيه.. إن لم يكن اليوم فغدا!. وأحسب أن كثيرا من إخواننا المسيحيين قد يسوؤهم أن يقع هذا وأن يقول قائلهم- كما يقال- وأين المسيحية التي ندين بها، إذا لم يكن المسيح قد صلب وقام من بين الأموات؟ أمسيحية بغير المسيح مصلوبا ومقاما من بين الأموات؟ ثم أمسيحية بغير الإله يصلب فى شخص المسيح، لتكفير الخطايا وغفران الذنوب؟ ونقول لأولئك الذين يجزعون من القول بأن المسيح لم يصلب، ولم يقم من بين الأموات، ولم يكن إلها ولا ابن إله، وإنما كان عبدا من عباد الله ورسولا من رسل الله، كما يقول هو عن نفسه، وكما يصرح الإنجيل على لسانه بأنه نبىّ من أنبياء الله.. إذ جاء فى إنجيل لوقا: «فى ذلك اليوم تقدّم إليه بعض

الآية: (159) [سورة النساء (4) : آية 159]

الفرّيسيين قائلين: اخرج واذهب من هنا، لأن هيرودس- وكان حاكم منطقة الجليل- يريد أن يقتلك، فقال لهم امضوا وقولوا لهذا الثعلب: ها أنا أخرج شياطين وأشفى اليوم وغدا وفى اليوم الثالث أكمل، بل ينبغى أن أسير اليوم وغدا وما يليه، لأنه لا يمكن أن يهلك نبىّ خارج أورشليم» (لوقا: 13: 31- 34) .. فالمسيح عند نفسه أنه نبىّ، إذا كان هذا كلامه.. وهو عند أتباعه كذلك.. نبىّ إذا كان هذا مما تصوره كاتب الإنجيل.. نعم- نقول لهؤلاء الذين يجزعون من القول بنفي صلب المسيح وألوهيته- لا عليكم.. فإنكم لو أقمتم نظركم على المسيح إنسانا رسولا، والتقيتم به على هذا الوجه وتعاملتم به على تلك الصفة، لتضاعف هذا الخير الذي تركه المسيح وراءه ... فى كلماته المشرقة وآياته الوضيئة، وكان لكم من هذا الزاد الطيب غذاء صالح تحيا به النفوس، وتطهر به الأرواح وتعمر القلوب.. بالحب والمودة والإخاء.. ولكان لكم فى المسيح الإنسان المثل الأعلى والقدوة الصالحة، لما تنزع إليه النفوس من حق وخير وكمال فى عالم البشر.. لا تجده الحياة على تمامه وكماله إلا فى رسل الله وأنبيائه، وفى الصفّ الأول منهم المسيح.. الإنسان.. ابن الإنسان! الآية: (159) [سورة النساء (4) : آية 159] وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً (159) التفسير: المعنى الحرفىّ لهذه الآية هو: ما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ بالمسيح قبل أن يموت المسيح،

ثم يكون المسيح يوم القيامة شهيدا على أهل الكتاب هؤلاء.. أي شاهدا عليهم بما كان منهم معه.. وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى.. فما تأويل هذا؟ وكيف يؤمن أهل الكتاب جميعا بالمسيح، وقد أنكره اليهود، وما زالوا، وهم من أهل الكتاب؟ ثم إن الأمر لأكثر من هذا.. فقد جاء الخبر مؤكّدا، مستغرقا جميع أهل الكتاب، فردا فردا.. وهذا يعنى أن الخبر على حقيقته، وأنه لا مجال فيه للمجاز.. وأنه حكم جازم قاطع بأن كل أحد من أهل الكتاب لا يموت إلا وهو مؤمن بالمسيح! فما تأويل هذا؟ قيل إن المراد من إيمان أهل الكتاب- من اليهود والنصارى- بالمسيح، هو تصحيح إيمانهم به ومعتقدهم فيه.. إذ كان اليهود قد نسبوه إلى أمّ زانية، واتهموه بالسحر والشعوذة والتجديف على الله، وحكموا عليه بالموت صلبا.. على حين أن النصارى رفعوه إلى مقام الألوهية، وجعلوه هو الله سبحانه وتعالى، تجسّد فى عذراء، وبشّر بالإنجيل، ثم صلب- مختارا- ليفتدى بدمه خطيئة آدم، وليطهّر البشر منها. ثم قام من بين الأموات بعد ثلاثة أيام..! وتصحيح إيمان هؤلاء وأولئك بالمسيح، هو رؤيته على الصورة التي هى له، وأنه عبد من عباد الله، وأنه ولد من أمّ دون أب، كما ولد آدم من غير أب ولا أم، وأنه نبىّ اصطفاه الله لهداية الناس، والتبشير بالحق، والعدل، والسلام

الآيتان: (160 - 161) [سورة النساء (4) : الآيات 160 إلى 161]

فيهم، وأنه لم يصلب ولم يقتل، ولم يقم من بين الموتى.. وأنه ليس إلها ولا ابن إله.. أما تصحيح هذا الإيمان، فإنه يكون فى سكرة الموت، حيث تشهد الروح قبل أن تفارق البدن شعاع الحق يكشف لها كل ما كانت عليه من ضلال.. وفى لمحة خاطفة، أشبه بلمحة البرق ترى الروح كلّ شىء، وتعلم كل شىء..! ومن بين ما تعلمه فساد معتقدها أو سلامته، وسوء مصيرها أو حسنه! وهذا الذي تشهده الروح فى هذه اللمحة من معالم الحق لا يغيّر من وضعها الذي كانت عليه.. فهذا إيمان كإيمان فرعون حين أدركه الغرق، «حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ» (90: يونس) وقد ردّ الله إيمانه ولم يقبله بقوله تعالى: «آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ» (91: يونس) . الآيتان: (160- 161) [سورة النساء (4) : الآيات 160 الى 161] فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (161) التفسير: من العقوبات التي عجّلها الله سبحانه وتعالى لليهود فى هذه الدنيا، أن حرّم عليهم طيبات كانت أحلت لهم، فلما مكروا بآيات الله أخذهم الله بذنوبهم، فأعنتهم وأوقعهم فى الحرج، كما أعنتوا هم رسله وأخرجوهم.. فمن طيبات الطعام التي حرمها الله على اليهود، ما جاء فى قوله تعالى:

«وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ» (146: الأنعام) وقوله تعالى: «فَبِظُلْمٍ» أي بسبب ما كان من الذي هادوا من ظلم.. وقوله تعالى: «وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً» هو سبب آخر لتلك العقوبة التي أخذوا بها، وهى أنهم صدّوا عن سبيل الله وأعرضوا عنها، كما صدّوا غيرهم عن سبيل الله، وأضلوهم عنه. وقوله تعالى: «وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ» هو بيان لبعض مآثم هؤلاء القوم، التي كانت سببا فى أن سلط الله عليه لعنته وأخذهم بهذا العقاب الأليم.. فقد استحلّوا الرّبا، وقد نهاهم الله عنه.. وقد بلغ من جرأتهم على الله أن حرّفوا التوراة، وأقاموا نصوصها على الوجه الذي يرضون.. فجعلوا الربا محرما إذا كان بين يهودى ويهودى، ومباحا حلالا إذا كان بين يهودى وأممىّ، أي غير يهودى.. وفى هذا تقول التوراة، كما أرادوا لها أن تقول: «لا تقرض أخاك بربا فضة، أو ربا طعام، أو ربا شىء مما يقرض بربا.. للأجنبى تقرض بربا، ولكن لأخيك لا تقرض بربا!!» (تثنية 33: 19) .. أفهذا شرع الله بين عباده؟ تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. وفى قوله تعالى: «وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا» ما يجعلنا نأنس إلى الرأى الذي رأيناه فى تفسير قوله تعالى: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ

الآية: (162) [سورة النساء (4) : آية 162]

الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ» فقد قلنا إن المراد بآكلى الربا هنا هم المقترضون، لا المقرضون.. ولهذا جاء قوله تعالى هنا: «وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا» مرادا به المقرضون، وأصحاب الأموال، التي يتعاملون فيها بالربا، ولم يجىء هكذا: «وأكلهم الربوا» لأن اليهود يقرضون ولا يقترضون.. وقوله تعالى: «وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ» هو أعمّ من الربا، وهو كل مال جاء من طريق غير مشروع، كالسلب والسرقة، وكالقمار، والخداع، والغش، والرشوة، ونحو هذا.. واليهود يتزاحمون دائما على كل مورد من هذه الموارد، حتى لا يكادون يدعون مكانا لغيرهم من الناس! قوله تعالى: «وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً» .. هو نذير لليهود بالعذاب الأليم فى الآخرة، بعد أن لبسوا البلاء المهين فى الدنيا.. وفى وصفهم بالكفر، والاتجاه بالخطاب إليهم بهذا الوصف، هو لغلبة الكفر عليهم، كما يقول الله تعالى فيهم: «مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ» (110: آل عمران) .. وفى قوله تعالى: «مِنْهُمْ» استنقاذ لمن خلص بجلده من هذه الجماعة، وخرج عن محيطها، فآمن بالله، وأخلص دينه لله! الآية: (162) [سورة النساء (4) : آية 162] لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (162)

التفسير: الراسخون فى العلم: هم أهل العلم القائم على النظر السليم، والفهم الذكىّ.. وهؤلاء الراسخون فى العلم من أحبار اليهود وعلمائهم- ليسوا على شاكلة قومهم من الكفر والعناد، وقساوة القلب.. بل هم إذ يرون الحق يعرفونه ويؤمنون به، وقد آمنوا بما فى أيديهم من كتاب، كما آمنوا بما نزل على محمد من كلام الله- فهم حيث وجدوا الحق، عرفوه، وانقادوا له، وأسلموا إليه زمامهم.. لا يعنيهم على أىّ يد جاءهم، ولا من أي جهة طلع عليهم.. وهكذا حكم العقل السليم على أهله.. يقودهم إلى الحق، ويجمعهم عليه.. وقوله تعالى «وَالْمُؤْمِنُونَ» هو عطف على قوله تعالى: «لكِنِ الرَّاسِخُونَ» .. فهؤلاء الراسخون هم والمؤمنون سواء، إذ يلتقون جميعا على الحق: «يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ» . وهؤلاء المؤمنون قد يكونون من مؤمنى اليهود، الذين آمنوا عن استجابة لدعوة الحق، ولم يتّبعوا أهواء أهل الضلال فيهم، فظلوا متمسكين بالعقيدة السليمة التي جاء بها موسى.. فهم مؤمنون.. وهؤلاء لا يرون فى إيمانهم تعارضا مع ما جاء به محمد صلوات الله وسلامه عليه، فهم والراسخون فى العلم سواء فى مواجهة الدعوة الإسلامية، إذ يرونها هى والحق الذي فى أيديهم على طريق واحد.. وقد يكون المراد بهؤلاء المؤمنين، المسلمون.. فهم إذ آمنوا بمحمد مدعوون إلى الإيمان برسل الله جميعا، وبالكتب السماوية التي نزلت على الأنبياء.. قوله تعالى: «وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ» هو استئناف لتقرير حكم جديد، لمن

آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة، ذلك، الحكم هو أن الله سيؤتيهم أجرا عظيما.. ومناسبة هذا الحكم لما قبله، هو أنه لما ذكر الله سبحانه وتعالى الراسخين فى العلم والمؤمنين وأنهم يؤمنون بما أنزل على محمد، وما أنزل من قبل- ناسب أن يذكر لهؤلاء آمنوا، أن وراء الإيمان عملا، وأن هذا العمل هو الذي يتمم الإيمان، ويعطى الثمرة الطيبة التي له.. وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة هما أبرز عملين من أعمال المؤمنين، وأن الاستقامة عليهما سبب لمرضاة الله، وللأجر العظيم عنده. وفى عطف قوله تعالى: «وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ على قوله سبحانه: «وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ» مع الاختلاف فى الصورة الإعرابية بين العطوف والمعطوف عليه- فى هذا ما يدعو إلى التوقف والنظر.. فلم لم يكن المتعاطفون نسقا واحدا، على أية صورة.. بالرفع مثلا، هكذا: «والمقيمون الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر؟ وقد كثرت فى هذا آراء المفسرين والنحاة.. ولم نر فيما قاله هؤلاء وهؤلاء وجها نستريح له، ونرضى به، ونطمئن إليه.. إذ كلها محاولات لتسوية هذا التخالف، الذي يبدو وكأنه تناقض وخروج على أساليب العرب، ومألوف كلامهم.. وكأنهم- أي المفسرون والنحاة- يلتمسون المعاذير للقرآن، لهذا الخلل الذي ظهر فيه هنا.!! وللقرآن الكريم، أن يكون متفقا مع قواعد النحاة أو مخالفا لها، جاريا ما عرف من أساليب العرب أو خارجا عنها.. وعلى النحاة أن يصححوا نحوهم عليه، وعلى الأساليب العربية أن تستقيم على ما طلع عليه بها القرآن من أساليب جديدة، وأن تجعلها من مذخورها الذي تحرص عليه، وتثرى باقتنائه، وتعتزّبه.

فلنتحرر إذن من قواعد النحو، وأساليب العرب، حينما نستقبل جديدا من أساليب القرآن وإعجازه، ولنلقه بقلوبنا، لقاءنا لمعجزة قاهرة متحدية.. ونعم، فإننا بين يدى كل آية من آيات الكتاب الكريم، فى مواجهة معجزة متحدية، لا تكشف لنا عن وجهها إلا بعد توقف ونظر.. ولكنا حين نكون بين يدى آية تطلع علينا بأسلوب غير مألوف من أساليب العربية، وغير جار على مقررات النحاة وقواعد النحو- فإننا نكون حينئذ فى مواجهة آية تكشف لنا عن وجه من وجوه إعجازها، وتدعونا إليها، وتحملنا حملا على النظر فى وجهها. فهنا فى هذه الآية.. دعوة صريحة، وإشارة مضيئة، إلى كلّ من يلتقى بهذه الآية الكريمة أن يقف عندها، وأن يدبر النظر فيها، وأن يسأل نفسه كل تلك الأسئلة التي سألها المفسرون والنحاة، عند ما التقوا أو يلتقون بكلمة: «وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ» . لماذا خالفت نسق ما قبلها؟ ولماذا تخالف نسق ما بعدها؟ ولعلنا لا نقف طويلا عند الإجابة عن السؤال الأول.. إذ نجد الجواب حاضرا قريبا، وهو أنه ليس بين هذه الكلمة وما قبلها صلة عطف، وأن «الواو» التي تسبقها ليست واو عطف، وإنما هى للاستئناف.. إذ قد تمّ الكلام قبلها، واستؤنف بها كلام جديد، لتقرير حكم جديد.. ويبقى بعد ذلك الجواب عن السؤال الثاني.. وهو الذي يحتاج إلى طول نظر، وكثير تأمل! وأقلّ ما تخرج من بعد هذا النظر الطويل، وهذا التأمل الكثير هو: (أولا) : قطع ما بعد الواو فى قوله تعالى: «وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ» عما قبلها.. إذ كان لما قبلها شأن، ولما بعدها شأن آخر..

الآيات: (163 - 165) [سورة النساء (4) : الآيات 163 إلى 165]

ولو لم يلقنا هذا التخالف فى نظم الآية لما وقفنا عند تلك الكلمة، ولربّما داخلنا شعور- من حيث لا ندرى- أن الآية الكريمة نسق واحد، تنتهى إلى حكم واحد، هو ما ختمت به الآية فى قوله تعالى: «أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً» . (وثانيا) ترديد كلمة «وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ» والدوران حولها، والبحث عن الوجه الذي تنتظم فيه بما قبلها أو بعدها.. وفى هذا الترديد لتلك الكلمة، والتحديق الطويل فيها- ما يربط الشعور بها، ويشدّ العقل إليها، ويشغل التفكير بها.. وذلك من شأنه أن يقيم الصلاة مقاما مكينا فى كيان المؤمنين، الأمر الذي يجب أن يكون للصلاة، إذ هى عمود الدّين، وركنه الركين.. من أقامها فقد أقام الدين، ومن ضيعها فقد ضيّع الدين.. والسؤال هنا.. ما الوجه النحوي الذي يستقيم عليه الرأى فى هذه الكلمة؟ وهل هى منصوبة على الاختصاص.. أو معطوفة على معمول الباء فى قوله تعالى: «يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ» أي ويؤمنون بالمقيمين الصلاة.. رفعا لشأن الذين يقيمونها، وأنهم معلم من معالم الإيمان..؟ أما نحن فإنا لا نورد هذا السؤال.. ولا نتصدّى للإجابة عليه.. وإنما نتقبّل الأسلوب القرآنى، دون أن نجد فيه علة تدعو إلى كشف، أو غموضا يحتاج إلى بيان!! وغاية ما يمكن أن نقوله هو: أن هذا هو أسلوب القرآن.. وعلى النحو أن يصحح قواعده عليه، وعلى البلاغة أن تضبط موازينها به! الآيات: (163- 165) [سورة النساء (4) : الآيات 163 الى 165] إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (163) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (164) رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (165)

التفسير: ما حجّة هؤلاء الذين يفرّقون بين رسل الله، ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض؟ ما حجتهم؟ وما عذرهم؟ ورسل الله جميعا هم بعثة الهدى والرحمة المرسلة من الله إلى عباد الله.. لا يحملون فى أيديهم إلا الخير، ولا يمدّونها بغير الهدى! .. فكيف يقبل الناس على بعضهم ويعرضون عن بعض؟ وكيف يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض؟ إن ذلك هو كفر، وإن الإيمان المتلبس به لا معتبر له.. لأنه إيمان قائم على التعصب والهوى، لا على الحق والهدى.. ولو كان إيمانا صحيحا لا استقام على كل طريق يقوم على الإيمان ويدعو إليه.. وقوله تعالى: «إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ..» هو بيان لهذا المنزّل على «محمد» صلوات الله وسلامه عليه، وأنه عليه الصلاة والسلام.. ليس بدعا من الرسل.. والأسباط، هم أبناء يعقوب.. وعدتهم اثنا عشر ومنهم، يوسف- عليه السلام-. وفى قوله تعالى: «وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً» - ما يسأل عنه.. وهو: لم انفرد داود عليه السلام بقوله تعالى: «وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً» ؟ ولم لم يدرج

مع الأنبياء الذين أوحى الله إليهم، وكان لهم ذكر قبله؟. والجواب على هذا، هو أن «الزبور» لم يكن من كلمات الله الموحى بها، وإنما كان إلهامات ومشاعر فاض بها قلب داود، فى مقام الولاء والخشوع لله، فكانت ترانيم جرت على لسانه، يمجّد الله بها، ويرفعها إليه فى صلوات خاشعة، أشبه بالمأثور من دعاء النبىّ صلوات الله وسلامه عليه، فى مواقف صلواته لله، وتسبيحه له.. ولهذا أضيفت إليه فسميت «مزامير داود» . وقد نوّه الله سبحانه وتعالى، بهذه التسابيح التي فاض بها قلب داود، وأطلقتها مشاعره. وردّدها لسانه- لما فيها من صدق الإيمان، وإخلاص الحبّ والولاء لله، وجعلها سبحانه، مما يتقرب بها إليه المؤمنون، ويسبّحه بها المسبّحون! وقوله تعالى: «وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً» إشارة إلى أن ما تلقّى موسى من كلمات ربّه لم يكن عن وحي ينقل إليه كلمات الله، كما كان يفعل جبريل مع أنبياء الله، وإنما كان تلقيا مباشرا من الله سبحانه: «وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً» وفى تأكيد هذا الخبر ما يدفع أي احتمال لمجاز، بل إنّ هذا الذي تلقاه موسى من ربّه، كان مما كلّمه الله به، وكتبه له فى الألواح.. وفى هذا يقول الله تعالى: «وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ» (145: الأعراف) وكان ذلك فى أربعين ليلة هى التي انعزل فيها موسى عن قومه، ليستقبل ما تلقاه من ربّه.. وفى هذا يقول الله تعالى: «وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (142: الأعراف) . وقوله تعالى: «رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ» أي أرسلنا رسلا إلى الناس،

الآيات: (166 - 169) [سورة النساء (4) : الآيات 166 إلى 169]

مبشرين ومنذرين، يبشرونهم بمغفرة ورضوان إذا هم استجابوا لرسل الله، وآمنوا بالله، وينذرونهم بما يلقون من سخط الله وعذابه، إذا هم كذّبوا رسل الله وكفروا بالله.. وقوله سبحانه: «لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ» هو إشارة إلى ألطاف الله، ورحمته بعباده، حيث لم يدعهم إلى عقولهم ليتعرفوا إليه، ويستقيموا على سبيله، بل رفد هذه العقول بذلك النور الهادي الذي حمله إليهم رسل الله، لتكون رؤيتهم لآيات الله واضحة، وطريقهم إليه مشرقا.. فمن كفر بالله وحاد عن طريقه، فليس ذلك عن علّة، إلا العناد، واتباع الهوى، والانقياد للشيطان.. فإذا أخذ الكافر بكفره، فذلك هو الحكم الذي حكم به الكافر على نفسه، ورضيه لها. فلا عذر لمعتذر، ولا حجة لكافر. وقوله تعالى: «وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً» هو بيان للصفة الإلهية المتجلية على العباد فى هذا المقام. فهو سبحانه وتعالى عزيز، يخضع لعزته كل موجود.. ولو شاء لأخذ الناس بغير حجّة عليهم، ولعذبهم من غير أن يبعث فيهم رسله مبشرين ومنذرين- إذ ليس لأحد أن يراجع الله، ولا أن يعترض على ما يريد.. ولكنه- سبحانه- مع هذه العزة المتمكنة الغالبة «حكيم» لا يفعل إلا ما تقضى به حكمته، فى إشراقها وعدلها. الآيات: (166- 169) [سورة النساء (4) : الآيات 166 الى 169] لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (166) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً (167) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (168) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (169)

التفسير: قوله تعالى: «لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ» هو رد على المكذبين برسول الله، الذين يتهمونه- كذبا- وبهتانا- أنه يدّعى على الله هذا الكتاب الذي يقول فيه إنه من عند الله.. وقد ردّ الله سبحانه وتعالى عليهم بتلك الشهادة القاطعة، بأن هذا الكتاب هو من عند الله.. فهو كتاب الله، وقد شهد الله سبحانه أنه كتابه، وأنه هو الذي أنزله. وإذ يكون الكتاب المكذّب به، هو الذي يحمل تلك الشهادة التي تشهد له بأنه من عند الله، الأمر الذي لا يجرؤ عليه أحد، يقف مثل هذا الموقف، ويواجه بمثل هذا الاتهام- فإن هذا فى ذاته دليل على أن الكتاب هو كتاب الله، وأن الله هو الذي يشهد لكتابه، ولو أن القرآن كان من عمل محمد، لما كان من التدبير الحكيم أن يحمّل هذا القرآن شهادة تشهد له أنه من عند الله!! إذ من يصدق هذا، أو يقبله، ممن يدفعون الكتاب جملة، ويتهمون حامله إليهم بالكذب والافتراء!؟ ولكن حين يكون الكتاب هو كتاب الله، والرسول هو رسول الله، فإنه مأمور بأن يبلغ ما ما يتلقّى من ربّه، وأن يحمل هذه الشهادة ويبلّغها، غير عابىء بما يلقاه به المكذبون من تشنيع وشغب! وهذا أبلغ دليل على أن الكتاب هو من عند الله، وليس محمد إلا رسولا مبلّغا له.

وقوله تعالى: «أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ» أي أنزل الله هذا الكتاب الذي أنزل إليك، بعلمه وتقديره، حيث تخيّر له الرّسول الذي هو أهل لحمله وأداء الرسالة المشتمل عليها.. وفى هذا يقول الله سبحانه: «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ» (124: الأنعام) وقوله سبحانه: «وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ» أي والملائكة يشهدون أن هذا الكتاب هو من عند الله، وأنك الرسول المتخيّر. وشهادة الملائكة قائمة على الحق، لأنهم لا يعرفون الكذب، ولا يتعاملون به.. فهم إذا شهدوا على شىء كان حجة على الناس أن يأخذوا بهذه الشهادة، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (18: آل عمران) أي والملائكة وأولوا العلم يشهدون بأن الله لا إله إلّا هو قائما بالقسط. وقوله تعالى: «وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً» هو دفع لشبهة من يقع فى وهمه أن شهادة الملائكة تزكية لشهادة الله وتقوية لها.. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وإنما شهادة الملائكة هى إقرار بالحق الذي يجب أن يشهد به الوجود كله، وبخاصة أصحاب العقول، وأولوا العلم! وإذا كانت تلك هى شهادة الله سبحانه للقرآن الكريم، وهى شهادة الملائكة أيضا له.. فإن الذين لا يأخذون بهذه الشهادة، ويظلّون على ما هم فيه من كفر وعناد، لا يستقيم لهم طريق على الحق أبدا، وأنهم إذ كفروا وظلموا أنفسهم بهذا الكفر، فليس لهم فى رحمة الله نصيب: «لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً» . وقوله تعالى: «إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ» هو كشف عن هذا المصير الذي سيصير

(الآية: 170) [سورة النساء (4) : آية 170]

إليه هؤلاء الذين كذّبوا بآيات الله، ودفعوا شهادة الله، وشهادة ملائكته.. فإن طريق الضلال الذي ركبوه هو منته بهم إلى جهنّم، التي سيصلون سعيرها، «خالِدِينَ فِيها أَبَداً..» وقوله تعالى: «وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً» أي أن سوق هؤلاء الكافرين إلى عذاب جهنم، وخلودهم فيها، هو هيّن عند الله، وأنّ أخذ هؤلاء الجبابرة العتاة ليس بالأمر الذي يقف دون قدرة الله، كما يتصور الذين لا يعرفون الله حق معرفته، والذين يرون فى رؤسائهم وقادتهم، أنهم فى مقام عزيز لا ينال.. وهذا هو بعض السرّ فى الإشارة إلى صنيع الله بهؤلاء الظلمة الكافرين، الذين هم شىء عظيم فى أعين أتباعهم والمستضعفين لهم.. وإلا فإن كلّ شىء هيّن يسير على الله.. لا يعجزه شىء، ولا يقف لقدرته شىء! (الآية: 170) [سورة النساء (4) : آية 170] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (170) التفسير: بعد أن كشف الله سبحانه وتعالى عن هذا المصير المشئوم، الذي سيصير إليه أولئك الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله، ووقفوا من الرسول هذا الموقف العنادىّ الآثم- جاءت دعوة الله للناس جميعا أن يلتقوا بهذا الرسول، الذي جاءهم بالحق من ربهم، وليؤمنوا به، فإن آمنوا فقد كسبوا أنفسهم، واختاروا الخير لها، وإن كفروا، فقد خسروا أنفسهم، وأوردوها موارد الهلاك.. ولن يضرّ كفرهم إلا أنفسهم، فالله غنىّ عن إيمان المؤمنين،

الآيات: (171 - 173) [سورة النساء (4) : الآيات 171 إلى 173]

وكفر الكافرين.. له ما فى السماوات والأرض.. «إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً» (93: مريم) . وقوله تعالى: «وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً» أي يعلم المفسد من المصلح، وما تخفى الصدور من نفاق وكفر، وما تحمل القلوب من هدى وإيمان.. وهو حكيم اقتضت حكمته أن يجزى كلّ عامل بما عمل.. من خير أو شر. الآيات: (171- 173) [سورة النساء (4) : الآيات 171 الى 173] يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (171) لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (173) التفسير: الغلوّ: المبالغة فى الشيء، ومجاوزة الحدّ به، والخروج حدّ الاعتدال فيه.. سواء كان ذلك فى الدين، أو فى غيره. والاستنكاف: الاستكبار، واستنكف أن يفعل كذا: أي أبى أن يفعله استكبارا.

وهاتان الآيتان تخاطبان أتباع المسيح من أهل الكتاب، وتكشفان لهم عن موقفهم الخاطئ منه، وفهمهم المغلوط له.. وقوله تعالى: «يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ» أي لا تميلوا بدينكم إلى جانب الغلوّ والمبالغة فى نظرتكم إلى الأشياء، وتقديركم لها، والمراد بهذا هو موقف أتباع المسيح منه، وتأليههم له، على حين أن اليهود قد غالوا من جانب آخر فنزلوا بالمسيح إلى درجة المشعوذين، والمجدفين على الله، والواقعين تحت لعنته! وقوله سبحانه: «وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ» أي لا تقولوا فى الله، وفيما ينبغى له من صفات الكمال، إلا الحقّ.. وإنه ليس من الحق فى شىء أن يلبس الله سبحانه وتعالى هذا الثوب البشرى الذي كان عليه المسيح، وأن يولد من رحم امرأة، ثم يساق قسرا إلى الصلب، ثم يدفن مع الموتى! «إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ» فهو (أولا) رسول الله.. ورسول الله غير الله. وهو (ثانيا) كلمة الله ألقاها إلى مريم.. وكلمة الله غير الله.. فكل شىء خلقه الله بكلمته «كن» فكان.. كما يقول سبحانه: «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (40: النحل) وهو (ثالثا) روح من عند الله.. ونفخة منه.. كالنفخة التي كان منها آدم، وكالروح التي كان منها الملائكة. ومن كان هذا شأنه فهو ليس إلها.. لأنه من صنعة إله.. إذ هو مضاف إلى الله.. رسول الله.. وكلمة الله.. وروح من الله.

وقوله تعالى: «فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ» أي فآمنوا بالله إيمانا قائما على تنزيه الله أن يكون على صورة خلق من خلقه.. وآمنوا برسله، ومنهم عيسى.. فالله هو الله ربّ العالمين، وعيسى هو رسول الله رب العالمين.. فآمنوا بالله، وآمنوا برسل الله..! قوله تعالى: «وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ» هو تخطئة لهذه الكلمة الخاطئة التي يقولها من يرى الله ثلاثة آلهه: الآب، والابن، وروح القدس.. أو هو الأب، والابن، والأمّ.. وقوله سبحانه: «انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ» هو توجيه إلى قولة الحق، وإلى طريق الحق، بعد العدول عن قولة الزور، وطريق الضلال.. وقوله تعالى: «إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ» . هذا هو الوصف الحق لله تعالى: «إِلهٌ واحِدٌ» تنزّه أن يكون له ولد، لأنه سبحانه غنى عن العالمين «لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ» .. فما حاجته إلى الولد إذا احتاج الناس إلى الأولاد؟ وقوله سبحانه: «وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا» إشارة إلى أن التوجه إلى الله وحده، هو المعتصم الذي ينبغى أن يعتصم به الإنسان.. فليس بعد قدرة الله قدرة، ولا مع سلطان الله سلطان.. «وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ» (3: الطلاق) . وقوله سبحانه: َنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ» هو بيان لما بين الله وبين عباده من حدود.. فالله هو الله، والعباد هم العباد.. ولن يستنكف أي مخلوق من مخلوقات الله أن يدين له بالعبودية والولاء.. لا المسيح ولا غير المسيح.. وإذا كان المسيح هو روح من الله. فإنه قد تلبّس بالجسد.. أما الملائكة

الآيات: (174 - 175) [سورة النساء (4) : الآيات 174 إلى 175]

فإنهم روح من الله لم يتلبس بجسد.. فهم- والحال كذلك- أولى من المسيح بأن ينازعوا الله فى ألوهيته.. ولكنهم هم خلق من خلق الله، وعباد من عباده.. لا يستكبرون عن عبادته! فالقول بألوهية المسيح- من هذه الجهة- منقوض، إذ كان الملائكة أعلى درجة منه، وأبعد مدى فى هذا الباب الذي دخل منه المسيح إلها مع الله، أو إلها من دون الله! وقوله تعالى: َ مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً» أي ومن يستكبر عن عبادة الله، ويتأبّى أن يكون عبدا له، فإنه سيحشر مع من يحشرهم الله يوم القيامة، وسيلقى الجزاء المناسب له! (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً» . الآيات: (174- 175) [سورة النساء (4) : الآيات 174 الى 175] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (175) التفسير: بعد أن كشف الله سبحانه وتعالى ما عليه أهل الكتاب من عمى وضلال، ومن غلوّ فى جانب، وتقصير من جوانب أخرى- جاء هذا النداء الكريم، من قبل الحق، دعوة عامة للناس جميعا، أن ينظروا فى أنفسهم، وأن يدعوا هذا الضلال الذي هم فيه، وأن يتلفتوا إلى هذا الرسول الكريم، الذي هو برهان مبين، وحجة مشرقة لا يزبغ عنها إلّا ضالّ، ولا يجحد بها

إلا هالك، فإنها تحمل بين يديها، هذا النور السماوي، الذي فيه تبصرة لأولى الألباب، وهدى للمتقين! ووصف الرسول الكريم بأنه برهان من عند الله، لما يحمل من الأمارات الدالة على أنه رسول رب العالمين- تحدثت به التوراة وتحدث به الإنجيل، وعرف أهل الكتاب من اليهود والنصارى صفته، فجاء على الوصف الذي يعرفونه.. ثم جحدوه وأنكروه.. فهو حجة قائمة عليهم، ودينونة معلقة فى أعناقهم. وقوله تعالى: «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ..» هو بيان للآثار المترتبة على هذه الدعوة الكريمة من ربّ كريم.. فمن استجاب لها، وأقبل على الله مؤمنا، مخلصا له الإيمان به وحده، فهو فى رحمته وفضله، وهو على نور من ربّه وهدى، لا يضلّ ولا يزيغ.. ومن كان هذا شأنه، وتلك سبيله، فالجنة مأواه، والنعيم نزله.. ومن صدّ عن سبيل الله، وحادّ الله ورسوله، فهو بعيد من رحمة الله، بعيد عن طريقه.. ومن كانت تلك صفته، فالجحيم مستقرّه، والنار مثواه! وقد ذكر القرآن الكريم الجانب المثمر من تلك الدعوة الكريمة، وعرض أهل الإيمان، وما يلقون من فضل وإحسان.. تشويقا للنفوس إلى هذا المتّجه الكريم، وبعثا للهمم والعزائم إلى أخذ حظها من هذا الخير المبسوط.. فتلك هى سبيل العقلاء، وهذا هو مبتغى الراشدين من عباد الله. أما السبيل الآخر- سبيل الغواة والضالين- فلم يذكره القرآن هنا، ولم يجعله وجها مقابلا لتلك الصورة المشرقة، إزراء به وبأهله، وحجبا للعيون أن تصطدم بهذه الصورة الكريهة، التي ينبغى أن ينصرف عنها كل عاقل، وأن يتجنبها كل رشيد!

الآية: (176) [سورة النساء (4) : آية 176]

الآية: (176) [سورة النساء (4) : آية 176] يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176) التفسير: هذه الآية مكملة لآيات المواريث التي وردت فى أوائل هذه السورة.. وقد جاء فى هذه الآيات شىء عن توريث «الكلالة» ! وهو من لا عصبة له تتلّقى ميراثه.. فقال تعالى: «وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ» ! والمراد بالأخوة هنا، الأخوة لأم! وفى هذه الآية التي نحن بين يديها، بيان لموقف الأخت، أو الأختين، من أبى المورث وأمه، أو من أبيه.. فإن كان للمورّث الكلالة. «أخت» فلها نصف ما ترك.. وإن كان له أختان أو أكثر فلهما أو لهن الثلثان.. وفى قوله تعالى: «وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ» أي انها إذ كانت لا ولد لها ولا والد.. فالأخ فى تلك الحال هو عصبتها، وهو يتلقى ميراثها بعد أن يأخذ الزوج- إن كان لها زوج- فرضه وهو النصف. وقوله تعالى: «وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ»

أي فإن كان ورثة المرأة التي لا ولد لها ولا والد إخوة من رجال، ونساء، اقتسموا ميراثها بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين، وذلك بعد الفرض المفروض للزوج، إن كان لها زوج. وواضح من هذا أن «الكلالة» فى الآية الكريمة لا تتناول هنا إلا الرجل فى صورة الأخ الشقيق أو لأب- حين يتوفى وليس له ولد أو والد. أما المرأة فى صورة الأخت الشقيقة أو لأب، فهى ليست كلالة، لأن لها عاصب يرثها وهو الأخ، وقد ذكرت هنا استكمالا للصورة التي تقع بينها وبين إخوتها، حين تكون وارثة، ثم حين تكون موروثة! وقوله تعالى «يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا» هذا البيان الذي بينه الله لكم فى هذه الآية، وفى غيرها من آيات القرآن الكريم، هو إرشاد وهداية لكم من الضلال، حين ترجعون إلى ما تقضون به إلى غير بيان من الله! وقوله سبحانه «وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» هو بيان لسعة علم الله، وأن ما يقضى به هو الحق، وما بيّنه هو البيان الحق، الذي ليس وراءه بيان! فالتزموه، واستقيموا عليه، ليكون فى ذلك خيركم ورشدكم، وصلاح أمركم!

5 - سورة المائدة

5- سورة المائدة نزولها: هى مدنيّة بالإجماع، إلا قوله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً» فإنها نزلت يوم عرفة فى الموقف، فى حجة الوداع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم راكب على ناقته «العضباء» فسقطت الناقة على ركبتها من ثقل الوحى. عدد آياتها: مائة وعشرون آية.. وقيل مائة واثنتان وعشرون آية.. عدد كلماتها: ألفان وثمان مائة وأربع آيات. عدد حروفها: أحد عشر ألفا وتسع مائة وثلاثة وثلاثون حرفا. بسم الله الرّحمن الرّحيم الآية: (1) [سورة المائدة (5) : آية 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (1) التفسير: «أوفوا بالعقود» يقال: وفى بالعقد، وأوفى به، إذا أداه على الوجه الذي التزم به. و «العقود» جمع عقد، وهى المواثيق التي تبرم بين طرفين، على خلاف العهد الذي قد يكون من الإنسان، بالعهد يقطعه على نفسه! و «البهيمة» الحيوان من ذوات الأربع، برّيّا أو بحريّا.. وقيل هى كل ذى روح غير الإنسان، حيث تبهم عليها الأمور.

و «الأنعام» : البهائم التي يتألفها الإنسان، وينتفع بها فى وجوه كثيرة بيّن الله بعضها فى قوله: «وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ» (5- 6- 7: النحل) وبدء السورة بهذه الآية الكريمة التي تدعو إلى الوفاء بالعقود هو مناسب للسورة التي قبلها «سورة النساء» ، لما تضمنته من أحكام اليتامى، والمواريث، والزّواج، والتيمم، والجهاد، وغيرها، وكلها عقود ومواثيق بين الله وبين عباده الذين آمنوا به.. ثم إن هذا البدء مناسب لما سيجيئ بعد هذا- فى هذه السورة- من أحكام، بدئت بتلك التي تتصل ببهيمة الأنعام، وما أحلّ من لحومها.. وقوله تعالى: «أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ» هو بيان لحلّ الأنعام، من بين البهائم.. ثم إن هذه الأنعام ليست كلها مما أحلت لحومها.. ولهذا جاء قوله تعالى: «إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ» استثناء مقيّدا لهذا الإطلاق الذي تضمنه قوله تعالى: «أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ» . وقوله سبحانه: «غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ» هو قيد على هذا القيد وهو أن جميع الأنعام حرّم صيدها، على الحاج وهو محرم بالحج. ومن هذه الأنعام الظباء، وبقر الوحش، وغيرها مما يصاد للأكل، كالأرانب، والطيور.. فالمحرم لا يحلّ له صيد أي حيوان، سواء للأكل أو لغيره، وذلك

الآية: (2) [سورة المائدة (5) : آية 2]

صيانة لنفسه من العدوان، على إنسان أو حيوان، فى تلك الحال التي دخل بها- محرما- إلى حمى الله، ملتمسا العافية لنفسه.. ولن تكمل له هذه العافية فى نفسه، حتى يكون هو نفسه سلاما خالصا مع الناس والحيوان السارح فى ملكوت الله! وقوله سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ» هو دفع لكل اعتراض يقوم فى نفس لم تأخذ حظها كاملا من الإيمان.. فالله- سبحانه- له الخلق والأمر.. يحكم لا معقّب لحكمه.. «قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ» (73: الأنعام) . فهذا هو حكم الله، والله يحكم ما يريد. الآية: (2) [سورة المائدة (5) : آية 2] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (2) التفسير: وإذ ذكرت الآية السابقة المحرم للحجّ، وحرمة الصيد عليه، وهو فى فترة الإحرام، ناسب أن يذكر مع هذا ما ينبغى على المحرم أن يلتزمه من حدود الله، والوفاء بالعقود والمواثيق التي أوجبها عليه إيمانه بالله.. وقوله تعالى: «لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ

وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ..» هو بيان لهذه الحدود التي ينبغى للمحرم أن يلتزمها، ويقف عندها.. ومنها ألا يتحلل من شعائر الله.. والشعائر جمع شعيرة، وهى ما جعل شعارا، ومعلما من معالم الحج، من مواقف الحج، ومرامى الجمار، والمطاف، والمسعى وكذلك ما كان منها فعلا من أفعال الحج كالإحرام والطواف والسعى، والوقوف بعرفة، ورمى الجمار، والحلق، والنحر.. فهذه حدود يجب أن يلتزمها الحاجّ، ويؤديها على وجهها، ولا يغيّر من مكانها، أو صفتها.. وإلا كان محلّا لشعائر الله، مخالفا حكمه فيها.. ومنها: الشهر الحرام، ورعاية حرمته.. ومنها الهدى، وهو ما يساق إلى البيت، ويهدى إليه من شاء، أو بقر، أو إبل.. تقربا إلى الله.. فهذا الهدى له حرمته، وعلى الحاج أن يرعى له هذه الحرمة، وألا يمدّ إليه يدا بأذى، أو عدوان.. لأنه موجّه إلى الله، ومساق إلى بيت الله، والعدوان عليه عدوان على الله! ومنها: القلائد: جمع قلادة، وهى ما يقلّد به الهدى، كعلامة له، تدل على أنه مهدى إلى الله.. وفى تحريم العدوان على قلادة الهدى، مبالغة فى تأثيم العدوان على الهدى نفسه! ومنها: الذين يؤمّون البيت الحرام، ويقصدونه، فهم ضيوف الله، وعمّار بيته، والعدوان عليهم اجتراء على الله، وعدوان على حماه، ومن هم فى حماه. فهذه حرمات، هى مواثيق موثّقة مع الله، والعدوان عليها نقض لتلك المواثيق، وتحلّل منها.. وليس لأحد حرمة إذا تحلل من مواثيق الله،

وعمل على نقضها. فلينتظر انتقام الله لحرماته! وقوله تعالى: «وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا» هو إطلاق لهذا القيد الذي قيّد به الحاج وهو فى إحرام الحج.. فإذا أتم الحجّ، وتحلل من إحرامه أبيح له ما كان مباحا من قبل، وهو إطلاق يده فى صيد ما يشاء من حيوان أو طير! وقوله تعالى: «وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا» هو تذكير للمسلمين.. وهم فى تلك الحال التي راضوا فيها أنفسهم على التزام حدود الله والوفاء بمواثيقه- تذكير لهم بالاستقامة على هذا الطريق القويم الذي ساروا عليه، وهو أن يلتزموا العدل مع من كان إليهم عدوان منهم.. فالتزام العدل هو ميثاق أخذه الله على المؤمنين، يلتزمونه مع أوليائهم وأعدائهم جميعا.. وقوله تعالى «وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ» أي ولا يحملنكم على ارتكاب الجرم، وهو الظلم.. والشنآن: البغض والعداوة.. والمعنى: ولا يدعوكم ما بينكم وبين غيركم من عداوة وبغضاء، إذ صدوكم عن المسجد الحرام، وحالوا بينكم وبينه- لا يدعوكم هذا إلى أن تركبوا ما ركبوا من ظلم وعدوان، بل خذوهم بالعدل، وخذوا حقكم منهم دون ظلم أو بغى! وقوله تعالى: «اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى» أي العدل هو الذي ينبغى أن يكون سبيلكم مع هذا الذي حملكم بفعله على بغضكم له، لأنكم بهذا إنما تقيمون ميزان الحق، وتحفظون ميثاق الله معكم، وذلك هو الذي يدخلكم مداخل التقوى، ويقيمكم مقام المتقين. وقوله تعالى: «وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» هو تأكيد للاستقامة

الآية: (3) [سورة المائدة (5) : آية 3]

على العدل الذي أمر الله به، وتحذير من انتقامه ممن تعدّى حدوده، ونقض مواثيقه. الآية: (3) [سورة المائدة (5) : آية 3] حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) التفسير: هذه الآية هى بيان لما جاء فى قوله تعالى فى الآية الأولى: «أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ» فهذا الذي يتلى على المؤمنين فى هذه الآية، هو البيان الشارح لهذا الاستثناء! فهذه المحرمات هى استثناء من قوله تعالى: «أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ» وهى: الميتة، والدم، ولحم الخنزير. فالميتة مما تعافه النفوس، حتى إن بعض الحيوانات لا تأكل الميتة ولو هلكت جوعا، كالأسد مثلا.. وكذلك الدم الذي تستقذره النفوس الطيبة، وكذلك الشأن فى لحم الخنزير، الذي حرّمته الشرائع السماوية كلها، للشبه الكبير الذي بينه وبين السباع، والكلاب!.

والتوراة التي هى شريعة اليهود- كما هى شريعة المسيحيين- تحرّم الخنزير، وقد التزم اليهود بهذا التحريم، وكذلك أتباع المسيح مدة حياته معهم، وشطرا كبيرا من عهد الحواريين بعده.. ولكن حين انتقلت الدعوة المسيحية إلى الوثنيين فى أوربّا، وكان لحم الخنزير من طعامهم، واقتناؤه وتربيته مصدر ثروة لهم- أباح لهم المبشرون بدعوة المسيح أن يأكلوا لحم الخنزير، حتى يقرّبوهم من دعوة المسيح، ويجذبوهم إليها.. ففى التوراة: «والخنزير لا تأكل.. يشقّ الظلف لكنه لا يجترّ.. فهو نجس لكم» (تثنية 14: 8) . فهذا حكم ملزم لأتباع هذه الشريعة، والتوراة هى شريعة اليهود والمسيحيين، كما قلنا، ولكن هكذا تلعب الأهواء حتى بشرائع السماء!! ولا ندرى كيف يخالف المسيحيون نصّا صريحا من كتابهم المقدس، يقرءونه ويتعبدون به؟ ولا ندرى كيف يظلّ هذا النصّ الصريح فى الكتاب المقدس قائما بين أعينهم، ثم يخالفونه عن عمد وإصرار!. وأكثر من هذا.. عملية الختان.. إنها شريعة التوراة، حيث تقول: «قال الله لإبراهيم: هذا هو عهدى الذي تحفظونه بينى وبينك وبين نسلك من بعدك: يختن منكم كل ذكر، فتختنون فى لحم غرلتكم، فيكون علامة عهد بينى وبينكم ... وأما الذكر الأغلف الذي لا يختن فى لحم غرلته فقطع تلك النفس من شعبها.. إنه نكث عهدى» (تكوين 17: 9) . ولقد ختن المسيح نفسه، عملا بتلك الشريعة، ولكن حين انتقلت الدعوة المسيحية إلى الوثنيين من الرومان واليونان الذين لم يقبلوا الختان رفع عنهم هذا الحكم، كما رفع عن المسيحيين جميعا..

يقول «لوقا» صاحب الإنجيل المعروف باسمه، فى رسالة بعث بها الرسل المبشرون بالمسيحية إلى أهل أنطاكية وسورية وكيليكية، الذين دخلوا فى المسيحية، ثم رجعوا عنها، حين قيل لهم إنكم لن تقبلوا عند الله إذا لم تخنتوا- فى هذه الرسالة يقول لوقا: «قد سمعنا أن أناسا خارجين من عندنا أزعجوكم بأقوال، مقلقين أنفسكم، وقائلين أن تختنوا وتحفظوا الناموس، الذين نحن لم نأمرهم- رأينا وقد صرنا بنفس واحدة أن نختار رجلين ونرسلهما إليكم مع حبيبنا برنابا بولس.. رجلين قد بذلا أنفسهما لأجل ربنا المسيح، فقد أرسلنا يهوذا وسيلا «1» ، وهما يخبرانكم بنفس الأمور شفاها، لأنه قد رأى الروح القدس، ونحن، لا نضع عليكم ثقلا أكثر من هذه الأشياء الواجبة: أن تمتنعوا عن الذبح للأصنام، وعن الدم، والمخنوق والزنا» (أعمال الرسل 15: 24- 28) . وهكذا سقط «الختان» من الشريعة المسيحية، بل لقد أصبح الختان سبّة يعرّض بها دعاة المسيحية فى مواجهة المختونين، ويقولون: إنهم غير مختونى القلوب، وإن ختنوا بالأجسام!!. ومما حرمه الله تعالى على المسلمين: «ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ» أي ما ذكر عند ذبحه اسم غير اسم الله، فهو- والحال كذلك- متلبس بالرجس، مشوب بالخبث.. وما كان لمؤمن أن يدخل إلى معدته رجسا أو خبثا، كما لا يدخل إلى معتقده شركا أو كفرا.. «والمنخنقة» وهى التي تموت خنقا من الحيوان.. إنها فى حكم التي تموت حتف أنفها، فى تعفف النفس الطيبة عنها.. «والموقوذة» وهى التي ضربت ضربا قضى عليها.. هى فى حكم الميتة كذلك

_ (1) يهوذا وسيلا هما الرجلان اللذان اختارهما الرسل لهذه المهمة.

«والمتردّية» وهى التي ماتت نتيجة سقوطها من علوّ.. «والنطيحة» وهى التي ماتت بنطح حيوان آخر لها.. «وما أكل السبع» أي ما وقع فريسة لحيوان مفترس.. وقوله تعالى: «إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ» أي هذه الحيوانات التي وقعت تحت هذه الأحداث من خنق، أو وقذ، أو تردّ، أو نطح، أو افتراس سبع- هذه الحيوانات محرم طعامها والأكل منها إذا هى ماتت قبل أن يلحقها من يذكيها، أي يطهرها بالذبح، وهى حية بعد، تجرى الحياة فى كيانها كله.. وإلا كان ذبحها غير مطهر لها، وغير مبيح للأكل منها.. قوله تعالى: «وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ» . والنّصب: الحجارة المنصوبة للذبح عليها تقربا للأوثان.. فالحيوان المذبوح هذه الذّبحة قد تدنس لحمه بهذا الرجس، فكان حراما على المؤمن أن يطعم منه. وقوله تعالى: «وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ» وهو بيان لنوع آخر مما حرم على المسلمين أكل لحمه من الحيوان.. وهو الحيوان الذي يذبح، ثم يقسّم لحمه بالأزلام، وهى القداح، يقتسم بها الجماعة الحيوان المذبوح بينهم، وهذا ضرب من ضروب الميسر، وإذ حرم الله الميسر فقد حرّم ما يثمره الميسر من ثمر خبيث.. وقد وصفه الله سبحانه بقوله: «ذلِكُمْ فِسْقٌ» أي هذا العمل فى اقتسام لحم الحيوان، فسق، وخروج عن أمر الله، وعدوان على حرماته. قوله تعالى: «الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً» .

يبدو هذا المقطع من الآية الكريمة، وكأنه غريب عنها، إذ هو معترض بين أولها وآخرها، حيث يقول الله تعالى بعد هذا المقطع: «فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» :. وبالنظر فى وجه الآية الكريمة يبدو التجانس واضحا بين مقاطعها جميعا، بحيث تتلاحم معانيها، كما تتناغم كلماتها، فتؤلف صورة، هى آية من آيات الله، ومعجزة من معجزات كتابه الكريم. ففى قوله تعالى: «الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ..» الآية.. تذكير للمؤمنين بفضل الله عليهم فيما بيّن لهم من أمر دينهم، وفيما شرع لهم من أحكام، هى دستور لحياة كريمة طيبة، ومنهج لتربية أمة أراد الله لها الكرامة والعزة، وجعلها خير أمة أخرجت للناس.. فإذا ذكر المسلمون ذلك، وهم يتلقون أحكام هذا الدستور، ومادّة ذلك المنهج، كان ذك أشرح لصدورهم، وأرضى لنفوسهم، وأدعى إلى تمسكهم بدين الله، واستقامتهم على شريعته.. ومن تمام نعمة الله على المؤمنين أن يسوق إليهم هذه البشريات، وهو يزودهم بهذا الزاد الطيب من أحكام دينهم، وأصول شريعتهم.. فقد أصبحوا بمأمن من الكفار والمشركين والمنافقين من أن يفسدوا عليهم دينهم، وأن يفتنوهم فيه، إذ بلغ الإسلام غايته، وأخذ مكانه من القلوب، وانضوى إلى رايته من ينصره ويحمى حماه، «الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ» .. هكذا صار موقف الكافرين من الإسلام.. اليأس من أن يقفوا له، أو يصرفوا الناس عن طريقه.. وعلى هذا فليقف المسلمون للكافرين وقفة التحدّى والرّدع إن هم حاولوا أن ينالوا منهم نيلا.. «فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ» وفى قوله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي

وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً» هو نشيد النصر الأكبر، والفتح المبين للمسلمين، بعد هذا الجهاد المضنى، والبلاء العظيم، الذي احتملوه فى مسيرتهم على طريق الدعوة الإسلامية، منذ فجرها، إلى استواء شمسها.. فقد كمل الدين، وتمت النعمة، ولبس المسلمون ثوب الإسلام الذي رضيه الله لهم دينا.. قال الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجرىّ فى كتابه «الشريعة» : «إن الله عز وجل بعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة ليقروا بتوحيده، فيقولوا: «لا إله إلا الله محمد رسول الله» فكان من قال، هذا مؤمنا من قلبه ناطقا بلسانه، أجزأه أي (كفاه) ومن مات على هذا، فإلى الجنة.. فلما آمنوا بذلك وأخلصوا توحيدهم، فرض عليهم الصلاة بمكّة، فصدقوا بذلك، وآمنوا، وصلّوا. «ثم فرض عليهم الهجرة، فهاجروا وفارقوا الأهل والأوطان. «ثم فرض عليهم بالمدينة الصيام، فآمنوا، وصدقوا، وصاموا شهر رمضان. «ثم فرض عليهم الزكاة، فآمنوا، وصدقوا، وأدوا ذلك كما أمروا. «ثم فرض عليهم الجهاد، فجاهدوا البعيد والقريب، وصبروا وصدّقوا. «ثم فرض عليهم الحج فحجّوا وآمنوا به. «فلما آمنوا بهذه الفرائض، وعملوا بها تصديقا بقلوبهم وقولا بألسنتهم، وعملا بجوارحهم، قال الله عز وجل: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً» .. «فإن احتج محتج بالأحاديث التي رويت: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة» .. قيل له: إن هذا كان قبل نزول الفرائض» . وعن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: كان المشركون والمسلمون يحجّون

جميعا.. فلما نزلت «براءة» نفى المشركون عن البيت الحرام، وحج المسلمون لا يشاركهم فى البيت الحرام أحد من المشركين، وكان ذلك من تمام النعمة- لمّا كان ذلك- نزل قوله تعالى: «الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً» . وفى إضافة الدين إلى المسلمين «دينكم» وهو فى الحقيقة دين الله- إذ يقول سبحانه: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ» - فى هذا ما يشعر بأن الأمة التي اختارها الله تعالى لحمل هذا الدين، وتبليغ رسالته، هى أهل لحمل هذه الأمانة العظيمة، كما أنها مستحقة لتكون فى هذا المقام الكريم التي تقوم فيه مقام الأنبياء والمرسلين فى القيام على دين الله.. وقوله تعالى: «فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» هو رفع لهذا الحظر الذي ضربه الله سبحانه وتعالى على هذه المحرمات، وذلك فى حال المخمصة والاضطرار.. والمخمصة: هى الجوع المتّصل، الذي قد يؤدى إلى التلف.. فإنّ حفظ النفس من التلف، من الأمور التي جاءت الشرائع السماوية لتقريرها، والوصاة بها.. والله سبحانه وتعالى يقول: «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ» (195: البقرة) . وقوله تعالى: «غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ» أي غير مائل إلى إثم وراغب فيه.. والمراد بالإثم هنا، هو عين هذه المحرمات، لأن أكلها فى غير اضطرار هو إثم، فعبّر عنها القرآن بالإثم تقبيحا لها وتنفيرا منها. والمعنى: أن من وقع فى مخمصة، أي جوع شديد، وخاف على نفسه أن يهلك جوعا، ولم يكن ثمة سبيل إلى طعام غير هذا الطعام الخبيث، فليأخذ منه بقدر

الآية: (4) [سورة المائدة (5) : آية 4]

ما يحفظ عليه حياته، وألا يقبل عليه إقبال المشتهى له، المستطيب لأكله.. وفى قوله تعالى: «فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» إشارة مضيئة تكشف عن أن إباحة هذه المحرمات فى حال الاضطرار لا ينفى عنها خبثها، ولا يرفع الإثم المتلبس بها.. ولكن رحمة الله ومغفرته هما اللتان تمحوان عن المضطر خبثها، وإثمها.. وفى هذا ما فيه من صرف النفس عن هذه الخبائث، وتجنبها، ومحاذرة إلفها.. إذ كان إثمها يعلق بكل من يدخل فى جوفه شيئا منها، مضطرا، أو غير مضطر.. إلا أن المضطر يعود إليه الله سبحانه وتعالى برحمته ومغفرته، فيغسل ما علق به من درن! الآية: (4) [سورة المائدة (5) : آية 4] يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (4) التفسير: السّائلون هنا هم المؤمنون.. والمراد بهم جماعات منهم، قد سألوا النبىّ تلميحا أو تصريحا: «ماذا أُحِلَّ لَهُمْ؟» وكأنه قد وقع فى نفوسهم من عرض هذه المحرمات فى صورة مفصّلة أن فى ذلك تضييقا عليهم، وأن ما حرّم عليهم أكثر مما أحلّ لهم.. فجاء قوله تعالى عن هذا السؤال المسئول، أو الذي سيسأل- جاء قوله تعالى: «قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ» جوابا شافيا لكل وسواس، كاشفا لكل شبهة، فى إيجاز معجز، تخشع القلوب لجلاله، وتخضع الأعناق لروعته..

فما أحلّ الله هو كل طيب، وما حرّمه فهو كلّ خبيث- هذا هو مناط الحكم فى الحلّ والحرمة. وهذا هو فيصل ما بين الحلال والحرام.. فكل طيب هو حلّ مباح، وكل خبيث، هو حرام محظور.. فليست العبرة بكثرة هذا أو ذاك، فى الكمّ والعدد، وإنما العبرة بالكيف الذي عليه هذا وذاك.. فما اتصف بأنه طيب، تقبله النفوس الطيبة، وترضاه، فهو حلال، وما اتصف بأنه خبيث، تعافه النفوس الطيبة، وتنفر منه، فهو حرام.. والواقع يحدّث بأن الطيبات كثيرة لا حصر لها، وأن الخبائث قليلة يمكن حصرها، والإشارة إليها، ولهذا أطلق الله الطيبات، وجعلها شاملة عامة، وقيد الخبائث، وحصرها فى تلك الدائرة الضيقة، وأباح كل ما وراءها.. والله سبحانه وتعالى يقول: «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ» (22: الأعراف) ويقول سبحانه فيما حرّم من خبائث ومنكرات: «إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» (33: الأعراف) . وقوله تعالى: «وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» هو بيان لأمر تشوبه شبهة الحرام، وهو الصيد الذي يصاد بالحيوانات التي يدرّبها أصحابها على الصّيد، كالكلاب والنسور ونحوها..! والشبهة فيها، هى أن حيوان الصيد قد يدميها بنابه أو مخلبه، أو منقاره، وربما تموت قبل أن تصل إلى يد صاحب الحيوان الصائد لها.. وقد جاء قوله تعالى هنا مبيحا لهذا الأسلوب من الصيد، ولكن قيّدّه

بقيود، وهى أن يكون الحيوان المرسل للصيد معلما، ومدربا على صيد الحيوان، وحمله إلى صاحبه، دون أن يتسلط عليه بأنيابه أو مخالبه، لينال منه، كما ينال الحيوان المفترس من فريسته.. وفى قوله تعالى: «تُعَلِّمُونَهُنَّ» وقوله سبحانه: «مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ» إشارة إلى أن هذه الحيوانات المدرّبة على الصيد هى من الحيوانات القابلة للتعليم والتدريب، والواعية لما تتلقى على يد مدربها من خطط الصيد، والمحافظة على ما يصاد سليما، وحمله إلى صاحبه.. ولهذا خاطبها الله سبحانه وتعالى خطاب العقلاء بقوله «تعلمونهن» و «أمسكن عليكم» ولم يقل «تعلمونها» و «أمسكت» كما هو الشأن فى خطاب غير العاقل.. وذلك لأنها حين درّبت، واستجابت لما درّبت عليه كانت أهلا لأن تتّسم بسمة أصحاب العقول. وقوله تعالى: «وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» أي اذكروا اسم الله على الصّيد الذي يحمل إليكم من كلاب الصيد هذه، وذلك بذبحها وذكاتها وذكر اسم الله عليها بقولكم: «باسم الله.. الله أكبر» ! وكذلك ينبغى أن يذكر اسم الله على الصيد الذي يصاد بالسّهام، وترسل الكلاب المعلّمة للإتيان به بعد أن يصيبه السهم، حيّا أو ميتا.. فذلك هو ذكاة له. وفى قوله تعالى: «مُكَلِّبِينَ» إشارة إلى أن الكلاب هى أصل الحيوانات المعلمة للصيد، وأقربها إلى تلقى التدريب والتعليم. ومن ثمّ كان اسم كلب الصّيد جامعا لكل حيوان أو طير يدرب على هذا العمل.. وقوله تعالى: «وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ» تنبيه إلى أن تقوى الله، هى ملاك الأمر فى الرقابة على تنفيذ أحكام الحلال والحرام، ووضع الحدود الفاصلة بين الطيب والخبيث، إذ كان ذلك أمانة بين العبد وربّه،

الآية: (5) [سورة المائدة (5) : آية 5]

لا رقيب عليه إلا دينه، ولا وازع له إلا تقواه.. فمن خان الله، واستحلّ محارمه فحسابه على الله، وهو حساب لا يفلت منه أحد: «إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ» . الآية: (5) [سورة المائدة (5) : آية 5] الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (5) التفسير: فى قوله تعالى: «الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ» - ما يسأل عنه.. وهو: ما هو هذا اليوم الذي أحلّت للمسلمين فيه الطيبات؟ ولم كانت مظروفية هذا اليوم هى ابتداء هذا الحكم؟ ثم ماذا كان شأن المسلمين قبل هذا اليوم.. ألم تكن قد أحلت لهم الطيبات؟ والجواب: (أولا) أن هذا اليوم هو اليوم الذي تمت فيه أحكام الشريعة، واستوفت غايتها، وهو اليوم الذي نزل فيه قوله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً» . (وثانيا) ومنذ هذا اليوم الذي كملت فيه أحكام الشريعة تمّ إحكام الحدود بين الحلال والحرام، والطيب والخبيث.. فكانت مظروفية هذا اليوم هى الحجاز الفاصل فصلا تامّا بين الحلال والحرام، والطيب والخبيث. (وثالثا) كان المسلمون قبل استكمال الشريعة متلبسين بكثير من العادات والأعمال التي كانت لهم فى الجاهلية.. وقد تعقبها الإسلام، عادة عادة، وعملا

عملا، فى مدى ثلاثة وعشرين عاما، هى مدة البعثة النبوية، حتى إذا كانت آخر آية نزلت من القرآن كانت الشريعة قد تمت، وكان كل ما لا ترضاه الشريعة ولا تقبله من أتباعها، قد بيّنت حكمها فيه.. وبهذا لم يكن لأحد بعد هذا اليوم أن يحلّ أو يحرّم غير ما أحلت الشريعة وغير ما حرمت! وقوله تعالى: «الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ» إشارة إلى أن كل ما أحل للمسلمين هو الطيب الكريم، وأن ما حرم عليهم هو الخبيث الكريه ... قوله تعالى: «وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ» هو من الطيب الذي أبيح للمسلمين تناوله من طعام، وهو طعام أهل الكتاب.. وكذلك لا حرج على المسلمين من أن يطعموا أهل الكتاب من طعامهم! كذلك من الطيبات التي أباحها الله للمسلمين «الْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ» وهنّ اللائي تنعقد رابطة لزواج بهنّ انعقادا صحيحا بألا تكون المرأة المؤمنة من المحارم، ولا أن تكون فى عصمة الغير، ولا فى عدتها منه، ولا أن تكون مع وجود أربع زوجات غيرها.. والشأن فى المحصنات من المؤمنات، المحصنات من الكتابيات.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ» .. وقد أشرنا إلى هذا عند تفسير قوله تعالى: «وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ» (221: البقرة) . وقوله تعالى: «إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» هو شرط فى زواج المحصنات من المؤمنات والكتابيات.. وهو إتيانهن مهورهن..

الآية: (6) [سورة المائدة (5) : آية 6]

وقوله تعالى: «مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ» هو حال بعد حال، بعد حال، كشرط لحلّ المرأة، وإضافتها إلى الطيبات التي أحلها الله، وذلك بأن يكون المراد بالاتصال بها الإحصان، والحماية من الفساد، لا أن يكون الاتصال بها لإشباع الشهوة، والزنا بها، لقاء أجر معلوم، أو اتخاذها خليلة، لا زوجا.. للمتعة، مع التحلل من رابطة الزوجية. قوله تعالى: «وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ» بيان لأن الإيمان من أطيب الطيبات التي دعا الله عباده إليها.. فمن تحلل من الإيمان، وكفر بالله فقد حرم من كل طيب، وطعم من كل خبيث.. لا يقبل منه عمل، «وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ» يلقى الله وقد صفرت يداه من كل خير، وأثقل ظهره بكل سوء!. الآية: (6) [سورة المائدة (5) : آية 6] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) التفسير: القيام للصلاة: اتجاه النية إلى أدائها، والتعبير بلفظ القيام للدلالة على عظم قدر الصلاة، ورفعة شأنها، وأنها بحيث تستدعى حضور الوجود

الإنسانى كلّه، وقيامه ظاهرا وباطنا للتوجه إليها، ولقائها، بكيان جميع لا يتخلّف منه شىء عن الانتظام فى موكب الاحتفاء بهذه الفريضة الكريمة.. وهذه بعض المشاعر التي يثيرها قوله تعالى: «إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ» عند من يستصحب معه هذه الدعوة الإلهية، وهو يتهيأ للصلاة، ويأخذ لها وسائلها، الموصلة إليها.. والوضوء إنما يكون بعد طهارة الجسد، والثوب، كالاغتسال من الجنابة ونحوها.. وهو- أي الوضوء- كما بينه الله سبحانه فى هذه الآية.. «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ» فهذان عضوان يجب غسلهما فى الوضوء.. الوجه واليدان إلى المرفقين.. والمرفق هو من منقطع الأظفار إلى آخر الزندا عند مفصل العضد. وقوله تعالى: «وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ» هو بيان لتتمة المفروض فى الوضوء.. وهو خاص بالرأس، والرجلين.. أما الرأس، فالمفروض هو مسحه باليد، بماء جديد، أي بأن تغمس اليد فى ماء الوضوء، ثم يمسح بها على الرأس.. وأىّ ما مسّ الرأس من اليد بالمسح فهن مجز، سواء شمل المسح الرأس كلها، أو معظمها، أو بعضها، قلّ أو كثر هذا البعض! ذلك أن المسح فى ذاته لا أثر له فى نظافة الرأس، فهو لا يعدو- والأمر كذلك- أن يكون إشارة إلى أن الرأس من الأعضاء المطلوب نظافتها، والالتفات إليها فى هذا الشأن.. ولكن لرحمة الله بنا، ويسر شريعته علينا، كان الاكتفاء بتلك الإشارة، دون الأمر بغسل الرأس عند كل وضوء، ففى ذلك ما فيه من حرج وإعنات.. وقد عافانا الله فى ديننا من كل أمر يحرج أو يعنت.

أما الرّجلان.. فقد اختلف فى قراءتهما، ولهذا اختلف فى الحكم الواقع عليهما.. إذ قرىء: «وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ» بالنصب بعطف أرجلكم على «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ» كما قرىء بالجرّ، بعطف أرجلكم على رءوسكم. التي هى أقرب معطوف إليها. فالذين قرءوا «وَأَرْجُلَكُمْ» بالنصب، قالوا إن غسل الرجلين إلى الكعبين فرض، شأنهما فى هذا شأن الوجه واليدين إلى المرافق.. والذين قرءوا وأرجلكم «بالجرّ» .. قالوا: إن حكم الأرجل هنا هو حكم الرءوس، وهو المسح.. أي فامسحوا برءوسكم وامسحوا بأرجلكم إلى الكعبين. ولكنّ هذا الحكم منسوخ بالسنّة، لما روى البخارىّ عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: «تخلّف النبىّ صلى الله عليه وسلم فى سفر، فأدركنا وقد أرهقنا العصر- أي كاد يفلت منا وقته- فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا، فنادى- أي رسول الله- بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» مرتين، أو ثلاثا. وروى هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن طريق آخر، قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، حتى إذا كنا بماء بالطريق، تعجّل قوم عند العصر، فتوضئوا وهم عجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسسها الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء» . يقول ابن حزم فى التعليق على هذا الخبر: «فكان هذا الخبر زائدا على ما فى الآية ... وناسخا لما فيها.. ولما فى الآية (أي من أحكام) والأخذ بالزائد (أي ما جاءت به السنة هنا) واجب.» .

أي أنه يؤخذ بما فى الآية، وبما جاءت به السنة، مكملا لها زائدا عليها، وهذا وذاك واجب فى الوضوء.. فكان غسل الرجلين (الذي هو زائد على المسح) واجبا.. فابن «حزم» يأخذ الحكم بوجوب غسل الرجلين من هذا الخبر الذي يروى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ويجعل هذا الخبر ناسخا لحكم المسح الذي فهم الآية الكريمة عليه. وكان الأولى من هذا، ألا يضع الآية تحت حكم النسخ، بل أن يجعل هذا الخبر شارحا لمعناها على الوجه الذي فهمها عليه أكثر المفسرين والفقهاء والنحاة، وهو أن قوله تعالى: «وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ» حكم مستقل، معترض بين ما سبقه وما تقدمه، وأن قوله سبحانه: «وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ» معطوف على قوله سبحانه: «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ» ... وفى هذا صيانة للكتاب من تسليط خبر لم يبلغ حدّ التواتر فى نقض حكم من أحكام القرآن. ثم ماذا لو نظرنا فى الآية الكريمة نظرا لا يخضعها لأحكام النحو، ولا يقيمها على موازين قواعده؟ وماذا لو أخذنا من الآية الكريمة لمحة من لمحات إعجازها، فقلنا إن فى هذا الوضع الذي اتخذه حكم «الرّجلين» فى الوضوء ما يسمح بأن يعطى الرجلين حكما وسطا، يجمع بين المسح والغسل؟ .. بمعنى أن يكون المسح عاما شاملا من باطن وظاهر.. إلى الكعبين، وأن يسيل الماء منهما حتى لكأنه الغسل، وأن يكون الغسل شيئا قريبا من المسح، بلا تدليك، ولا تخيل أصابع.. فهو مسح كالغسل، وغسل كالمسح.. وفى هذا ما يتفق مع يسر الشريعة، وتخفيفها على العباد، وخاصة فى الأحوال التي يشتد فيها البرد، أو يقل فيها الماء.. وذلك مما يدخل الطمأنينة فى شعور المتوضئ أنه أدّى الواجب إذا غسل رجليه هذا الغسل الخفيف، وأنه يدخل

الصلاة وقد استوفى حقّ الدخول فيها.. ثم إنه ليس يعنى هذا أن يلتزم المتوضئ هذه الصورة فى غسل رجليه.. بل إن له أن يجرى عليهما الماء ما شاء، وأن ينظفهما ما أراد وما استطاع، إذ لا حرج عليه فى هذا، وإنما الحرج فى ألا يدفع عنه هذا الحرج إذا هو غسل رجليه وكأنه يمسحهما، أو مسحهما وكأنه يغسلهما.. ذلك والله أعلم. قوله تعالى: «وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا» هو إشارة إلى ما ينبغى أن يكون عليه المسلم قبل الوضوء، وهو أن يكون على طهارة من الجنابة.. بالاغتسال، أو التيمم فى المرض أو السفر، أو عند فقد الماء. وفى قوله تعالى «فَاطَّهَّرُوا» إشارة إلى أن المطلوب هو التطهر.. ولم يحدّد اللفظ القرآنى أسلوب التطهر.. أهو بالاغتسال أو بالتيمم.. وذلك لأنه سبحانه قد خفف على عباده، فلم يجعل التطهر بالاغتسال أمرا لازما فى جميع الأحوال.. فالمريض، والمسافر، قد أبيح لهما التطهر من الجنابة بالتيمم، وكذلك الصحيح المقيم إذا فقد الماء.. فإذا تيمم أحدهم طهر من الجنابة، وإذا قام للصلاة وجب أن يتيمم للصلاة، وهو على طهارته بتيمم الطهارة من الجنابة. فانظر إلى هذا الإعجاز القرآنى فى قوله تعالى: «فَاطَّهَّرُوا» وإلى توافق هذا الأمر الإلهى مع قوله تعالى بعد هذا: «وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ» .. ولو كان اللفظ القرآنى: «فاغتسلوا» بدل قوله تعالى: «فَاطَّهَّرُوا» لوقع تصادم بين هذا اللفظ وبين الحكم الوارد بعده فى هذه الآية، والذي جاء مثله فى سورة النساء فى قوله تعالى:

الآية: (7) [سورة المائدة (5) : آية 7]

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً» (43: النساء) .. وقد سبق أن شرحناه فى موضعه! ولكن كيف يقع التصادم والتخالف فى كتاب منزل من رب العالمين، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.. «وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» وفى قوله تعالى: «ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» ما يكشف عن جوانب كثيرة من رحمة الله بنا، وفضله علينا، وأنه أقامنا على شريعة، لا حرج فيها ولا إعنات، وأن كل ما جاءت به هو تصحيح لإنسانيتنا، وتكريم لآدميتنا، وحماية لنا من دواعى الفساد والعطب.. وفى هذا الذي يلبسنا من نعم الله وأفضاله، ما يستوجب الحمد والشكر، وذلك بأن نتلقى أحكام الله بالقبول والرضا، وأن نأنس بالحياة معها، والعيش فيها، وأن نستوحش من البعد عنها، أو التفريط فى الإمساك بها.. الآية: (7) [سورة المائدة (5) : آية 7] وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (7) التفسير: عطف هذه الآية على ما قبلها هو توكيد للشكر الواجب علينا

أن نعيش فيه مع الله الذي تحفّ بنا ألطافه، وتشتمل علينا نعمه.. ففى كل نفس يتنفسه الإنسان نعم ظاهرة تحدّث بها كل جارحة فيه.. فضلا عن النعم التي تساق إليه من هذا الوجود الذي يتحرك فى رحابه ويتقلب بين أرضه وسمائه.. قوله تعالى: وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ» هو عطف على قوله تعالى: «نِعْمَةَ اللَّهِ» أي اذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الّذى واثقكم به.. والميثاق الذي واثقنا الله به هو ما أشار إليه سبحانه فى قوله تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا» (172: الأعراف) فهذا إقرار من الناس جميعا- قبل أن يخلقوا وقبل أن يكونوا أناسا- بالولاء لله، والاعتراف بربوبيته.. وهو إقرار ضمن الإقرار العام للوجود كلّه بالانقياد لله، والولاء له.. وإذ يذكر الإنسان أنه كان على عهد مع الله وهو فى مضمر الغيب، قبل أن يكون له وجود، وقبل أن يستكمل وجوده، ويصبح كائنا، عاقلا رشيدا- إذ يذكر الإنسان هذا من أمر نفسه، ويذكر ما ينبغى أن يكون موقفه من الله، وهو الإنسان العاقل الرشيد- وجد من السفاهة والضلال أن يكون على غير هذا الطريق القويم الذي انتظم فيه مع الوجود كله يوم أن لم يكن شيئا.. فكيف يسفه ويحمق، ويشرد عن هذا الطريق، ويتخذ لنفسه طرقا لا معلم فيها، ولا أنيس له فى مجاهلها إلا من كان على شاكلته من التأئهين والضالين وإخوان الشياطين؟

الآية: (8 - 10) [سورة المائدة (5) : الآيات 8 إلى 10]

هذا، ويمكن أن يكون هذا الميثاق الذي واثق الله به الذين آمنوا هو ذلك الميثاق الذي بايع به المسلمون رسول الله إذ دخلوا فى الإسلام، فقد كانت بيعتهم لرسول الله قائمة على: «السمع والطاعة فى المكره والمنشط» أي فى الضرّاء والسّرّاء. والعقد الذي وثّقه النبىّ صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين، هو عقد لله، ومن ثمّ كانت إضافته إلى الله تعالى، تكريما للنبىّ، وتوثيقا بعد توثيق لهذا الميثاق العظيم.. «إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ» (10: الفتح) . فكل من دخل الإسلام، دخل بهذا الميثاق، سواء شهده أو لم يشهده.. فلا إيمان بغير استجابة، ولا استجابة بغير طاعة وامتثال. الآية: (8- 10) [سورة المائدة (5) : الآيات 8 الى 10] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (8) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (10) التفسير: مما يدخل فى الميثاق الذي واثق الله به المؤمنين أن يكونوا «قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ» والقيام لله هو الانتصار لشريعته والرعاية لأحكامه.. سواء فى محيط الإنسان فى ذاته، أو فى دائرة الجماعة الإسلامية كلها.. فحيثما كان لله أمر أو نهى فى شأن من الشئون أو موقف من المواقف

كان على الإنسان أن يستحضر له وجوده كله، وأن يلقاه بوجوده كلّه، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «قَوَّامِينَ لِلَّهِ» حيث يحمل هذا الفعل معنيين، يكمل أحدهما الآخر: القيام، ثم المبالغة فى هذا القيام إلى أقصى حد يستطاع. وهذه الدعوة بالقيام بأمر الله ونهيه، والمبالغة فى هذا القيام، هو أمر ملزم للمؤمن فى ذاته، كما هو ملزم للمؤمنين جميعا.. الإنسان فيما هو له وعليه، والجماعة كلها فيما هو لها أو عليها.. فليس يكفى لسلامة الإنسان أن يسلم فى نفسه، وإنما أن تسلم الجماعة معه، ففى سلامتها سلامة له، وفى عطبها عطب ضمنى له! وقد شرحنا هذه الآية عند وقوفنا بين يدى الآية الكريمة: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ» (135: النساء) ويلاحظ أن صورة النظم قد اختلفت هنا عن صورتها هناك، فقد سلّط كل من الفعلين على ما سلط عليه صاحبه: «كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ» .. «كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ» وهذا يعنى أن القوامة بالقسط هى قوامة لله، وأن الشهادة لله هى شهادة بالقسط.. ذلك أن القسط هو العدل، والعدل صفة من صفات الحق جلّ وعلا.. ومجموع الصورتين يعطينا صورة مؤكّدة للمأمور به فيهما، هكذا: كونى قوامين لله.. شهداء لله. كونوا قوامين بالقسط.. شهداء بالقسط. ولكنّ النظم القرآنى جاء بهما على هذا النمط الذي صانهما من هذا التكرار، كما فوّت الجمع بين الله سبحانه وتعالى وبين صفته. وكلاهما نحن مدعوون إلى توقيره، مأمورون بالاحتفاء به.

الآية: (11) [سورة المائدة (5) : آية 11]

وبين يدى الدعوة إلى رعاية أوامر الله، واجتناب نواهيه، والتزام حدود العدل والحق- تنتصب صورتان، إحداهما لمن آمن واهتدى، واستقام على طريق الله، فأحل الحلال، وحرّم الحرام، والأخرى لمن كفر بالله، واتبع هواه، وركب طرق الغواية والضلال.. وفى الصورة الأولى يرى المؤمنون ما أعد الله لهم من واسع رحمته، وعظيم فضله، وفى الصورة الثانية يرى الكافرون ما أعد لهم من جهنم وقد فغرت فاها، ومدت ألسنتها لتصطادهم من بعيد وقريب: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ» . الآية: (11) [سورة المائدة (5) : آية 11] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) التفسير: الهمّ بالأمر.. هو العزم عليه، دون تنفيذه لأمر ما، من داخل النفس أو خارجها.. «وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ» (24: يوسف) . وبسط فلان إلى فلان يده: مدّها إليه بالشر والأذى.. «لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ» (28: المائدة) . وقد اختلف المفسّرون فى هؤلاء القوم الذين همّوا أن يبسطوا أيديهم إلى المؤمنين بالأذى فكف الله أيديهم عنهم.. والصورة التي ترتسم لمن يقرأ الآية الكريمة، مستعرضا أحداث الإسلام

الأولى، يرى أنها تشير إلى ما وقع فى غزوة الخندق، المسماة غزوة الأحزاب كذلك- فقد جاءت قريش بجموعها، وبجموع أحلافها، تريد أن تقتلع الدعوة الإسلامية من أصولها، فعسكرت حول المدينة، ووقفت أمام الخندق الذي أقامه الرسول والمسلمون حولها.. وكان من تدبير الله سبحانه أن أوقع الخلاف بين هؤلاء الأحلاف، بعد أن طال بهم المقام فى مواجهة المدينة دون أن يصلوا إليها.. ثم أرسل الله عليهم ريحا عاصفة فى ليلة مظلمة باردة.. فأطفأت نارهم، وقلبت قدورهم، وهدمت خيامهم.. حتى إذا انكشف وجه الصباح كانوا هشيما مبعثرا على كل طريق.. إلا الطريق إلا المدينة، وهكذا كان فضل الله، وكانت رحمته التي ينبغى أن تكون مما يذكره المسلمون من نعم الله ورحماته! وفى هذا يقول الله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (9- 10: الأحزاب) .. ويقول سبحانه: «وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً» (25: الأحزاب) فهل نعمة أعظم من هذه النعمة؟ وفضل أكبر من هذا الفضل؟. ومن عجب ألا أجد أحدا من المفسرين يقول بهذا الرأى.. فيما بين يدىّ من كتب التفسير! وفى قوله تعالى: «وَاتَّقُوا اللَّهَ» وفى عطفه على قوله سبحانه «وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ» ما يشير إلى أن المراد بذكر نعم الله، ومراجعة أفضاله

الآية: (12) [سورة المائدة (5) : آية 12]

على الإنسان، ليس هو مجرد لذكر باللسان، والتسبيح به، وإنما الذي يحقق لهذا الذكر أثره هو أن يكون مبعثا لخشية الله، واستحضارا لجلاله وعظمته، وذلك مما يبعث إلى التقوى، التي تقوم على مراقبة الله، وحراسة جوارح الإنسان من معصيته. الآية: (12) [سورة المائدة (5) : آية 12] وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (12) التفسير: فى مواجهة النعم التي أنعم الله بها على المسلمين، ودعاهم إلى تذكرها، وملء مشاعرهم بها، لتفتح قلوبهم بخشية الله، وتملأها بتقواه- فى مواجهة هذا يذكر الله سبحانه ما كان له من نعم وأفضال على بنى إسرائيل ثم ما كان منهم من جحودها، والتنكر لها، واتخاذها ذرائع للإفساد والطغيان.. ثم ما كان من عقاب الله لهم، وأخذهم بالبأساء والضراء، ودمغهم باللعنة والغضب.. وتلك هى عاقبة من حادّ الله، وكفر به، ومكر بآياته، وجحد أفضاله ونعمه.. «وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً» . فهذا الميثاق الذي أخذه الله على بنى إسرائيل قد حمله إليهم أنبياء الله،

وعزّرهم النقباء الذين كان كل نقيب منهم على رأس جماعة من جماعاتهم، حتى يكون ذلك أقرب إلى لقائهم معه، واستجابتهم له، لأنه منهم أشبه بالأب من أبنائه، قرابة ومودة.. وهؤلاء النقباء هم رسل الله إليهم، ولهذا جاء قول الله عنهم. «وبعثنا» حيث يغلب مجىء هذا اللفظ فى بعث الرسل من عند الله إلى عباد الله.. وقوله تعالى: «وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ» - هو الميثاق الذي أخذه الله عليهم، ووثقه معهم. فهو- سبحانه- معهم، إن أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وآمنوا بما يبعث إليهم من رسل الله، وعزروهم، أي نصروهم، وبذلوا مما فى أيديهم فى وجوه الخير، أي أقرضوا الله قرضا حسنا، بلا منّ ولا أذى، ولا ربا.. إنهم إن فعلوا هذا كفّر الله عنهم سيئاتهم وأدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار.. وإن كفروا فقد ضلوا سواء السبيل، وركبوا الطريق المؤدى بهم إلى جهنم.. وبئس المصير.. فماذا كان من القوم مع هذا الميثاق العظيم؟ ذلك ما نجده فى قوله تعالى، فى الآية التالية:

الآية: (13) [سورة المائدة (5) : آية 13]

الآية: (13) [سورة المائدة (5) : آية 13] فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) التفسير: لقد نقض بنو إسرائيل الميثاق الذي أخذه الله عليهم، فكفروا بآيات الله، ومكروا بها وجحدووا نعمه وأفضاله، وكذبّوا رسله، وأخذوهم بالأذى الذي بلغ فى كثير من الأحيان حدّ القتل. فبسبب هذا لعنهم الله.. وكفى بهذا العقاب عقابا ونكالا.. إنه الهلاك الأبدى، والضياع لمعالم الإنسانية كلها، والخسران فى الدنيا والآخرة.. «أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً» (52: النساء) قوله تعالى: «وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً» هو مسخ لهذه القلوب، وقلب لطبيعتها، وتحول بها من قلوب بشرية إلى قلوب لا تمتّ إلى عالم البشر بصلة.. وهذا ما يشير إليه اللفظ القرآنى: «وجعلنا» الذي يدلّ على خلق جديد لهذه القلوب، وتصويرها فى صورة غير الصورة التي كانت.. ولهذا استباحت تلك القلوب كل منكر، وتقبّلت كل خبيث، دون أن تتأثّم أو تتحرج، حتى بلغ بها ذلك أن عبثت بكلمات الله، وغيرت معالمها، وبدّلت أوضاعها، وخلطتها بأهوائها ونزعاتها.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ» .. وقد ضبط القرآن الكريم الجيل الذي عاصر نزوله من أجيال اليهود- ضبطهم متلبسين بهذا المنكر الذي كان عليه آباؤهم مع كتاب الله الذي بين أيديهم.. فقد جرت على ألسنة هؤلاء الأبناء الذين عاصروا نزول القرآن، صور من صور التحريف والتبديل لكلمات الله، فقال تعالى: «مِنَ

الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ..» (46: النساء) . وهذا شاهد يشهد بلسان الواقع أن الأبناء والآباء على سواء، فى قسوة القلوب، وجرأتها على الله، وتبديلها لكلماته! قوله سبحانه: «وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ» .. الضمير هنا راجع إلى آباء اليهود، وأنهم لم يقفوا عند حدّ التحريف والتبديل لكلمات الله، بل لم يعملوا بما ظل سليما من تحريفهم فى الكتاب الذي بين أيديهم.. ذلك أنه بعد أن استقرت التوراة على ما فيها من تحريف، وتداولتها الأيدى، لم يكن من سبيل إلى إدخال تحريف عليها- فكان تحللهم من الأخذ بما لا يرضون من أحكام التوراة الباقية عندهم، هو الطريق البديل لهم من التحريف، لو كان ذلك التحريف مستطاعا لهم.. فعملهم هذا هو تحريف بصورة أخرى، بما يتأولون به النصوص، ويخرّجونها عليه، حسب ما تمليه أهواؤهم.. وقوله تعالى: «وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ» هو خطاب للنبى الكريم، وأنه يجد بين يديه من خيانات اليهود لأمانة الكلمة، وشرف العهد ما يصل حاضر اليهود بماضيهم، وأنهم أبدا على خيانة لله، ولرسول الله، ولعباد الله! وفى التعبير عن الخيانة بالخائنة ما يكشف عن هذا الأسلوب الخبيث الذي يتخذه اليهود فى خياناتهم، وأنه أسلوب قائم على المداهنة والنفاق.. حيث يخرج اليهود خيانتهم فى خبث ودهاء ومواربة، فلا يلقون بها إلا حيث لا ترصدهم العيون، ولا تواجههم الوجوه! وقوله تعالى: «إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ» هو استثناء لجماعة قليلة من اليهود، قد سلمت من هذا الداء الخبيث الذي اشتمل على القوم، ولم يبق على شىء منهم

الآية: (14) [سورة المائدة (5) : آية 14]

إلا كما يبقى الحريق على بعض ما اشتمل عليه، وكما يبقى البحر على بقايا سفينة غارقة! وقوله تعالى: «فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» هو توجيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبل هذه الجماعة القليلة التي سلمت وأسلمت من اليهود، وألا يأخذها بجريرة الكثرة الكثيرة منهم! وألا ينظر إليها من خلال موقفها من النبي أول الدعوة، فقد كان اليهود جميعا على عداوة وحسد للنبى.. الآية: (14) [سورة المائدة (5) : آية 14] وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (14) التفسير: قوله تعالى: «وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ» ، هو معطوف على قوله سبحانه فى الآية (13) «لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ» . وبين المعطوف والمعطوف عليه صلة: إذ كانت دعوة المسيح خاصة باليهود، كما يقول المسيح عن نفسه فيما تروى عنه الأناجيل: «أنا لم أرسل إلّا إلى خراف إسرائيل الضالة» ولهذا كان حواريوه كلهم من اليهود، كما كانت معجزاته لليهود، وفى اليهود، حتى إنه- عليه السلام- أبى على المرأة الأمميّة- أي من غير اليهود- أن يشفى ابنتها مما كانت تعانى من داء، وقال لها تلك القولة التي روتها الأناجيل عنه: «ثم خرج يسوع من هناك وانصرف إلى نواحى صور وصيداء،

وإذا امرأة كنعانية خارجة من تلك التخوم صرخت إليه قائلة: ارحمني يا سيد يا ابن داود.. ابنتي مجنونة جدا، فلم يجبها بكلمة، فتقدم تلاميذه وطلبوا إليه قائلين: اصرفها لأنها تصيح وراءنا، فأجاب وقال: «لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضآلة» (متى: 15) . وفى قوله تعالى: «وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا» به إشارة إلى أن هؤلاء النصارى الذين أخذ الله عليهم الميثاق كانوا من اليهود، الذين اتبعوا المسيح.. والمعنى: «ومن اليهود الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم «فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ» وفى هذا تشنيع على اليهود أيضا، إذ كانوا دائما على هذا الخلق اللئيم فى المكر بآيات الله، ونقض المواثيق التي واثقهم الله بها.. فهم فى ثوب النصرانية كما هم مسلاخ اليهودية، وهم فى اتّباعهم لعيسى كما هم فى أخذهم لشريعة موسى.. كفر مع كفر، وضلال إلى ضلال. وفى قوله تعالى: «نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ» إشارة إلى أن أتباع المسيح قد تأولوا دعوته على غير مدلولها الذي أقامهم عليه، وعاش فيهم به.. فلم يكن فيهم إلها ولا ابن إله، ولم يؤمن به الذين عاشوا معه على أنه إله أو ابن إله، ولم يقل أصحاب الأناجيل الأربعة- وفيهم اثنان من الحواريين- أنه إله ولا ابن إله، وإنما كانوا- كما تحدث الأناجيل- ينادونه: يا معلم، يا سيد، وأن أعظم صورة تصوروها له: أنه يوحنّا المعمدان، بعث إليهم من جديد! فنسيان حظهم مما ذكّروا به هو هذا التأويل الفاسد لما فى الأناجيل، ولو أنهم استقاموا عليها لما وقع لأحد من أتباعه أن المسيح إله، أو ابن إله! وقد عرضنا هذه القضية من قبل، عند تفسير الآيات الأخيرة من سورة النساء. قوله تعالى: «فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ» هو بيان لثمرة هذا النسيان المتعمد، وذلك التأويل الفاسد لكلمات المسيح وتعاليمه، من

أتباعه من اليهود. فقد أشاع اليهود من أتباع المسيح أنهم هم الذين وجّهوا دعوته تلك الوجهة فأخرجوها على هذه الصورة التي لبس المسيح فيها ثوب الألوهية، وقام فيها مقام الله.. ولعلنا نذكر هنا دور «بولس الرسول» وهو يهودى، ومن أتباع المسيح، وحامل لواء التبشير بالمسيحية خارج دائرة اليهود. فقد كان هو الذي أباح ما حرمته الشريعة من حلّ لحم الخنزير، والتحلل من الختان، بل وحرمته، دون أن يلتفت إلى أن المسيح نفسه قد ختن، حسب الناموس! وثمرة هذا النسيان المتعمد هى هذا الخلاف الشديد بين أتباع المسيح.. ذلك الخلاف الذي لا تزيده الأيام إلا عمقا واتساعا، إذ أباح هذا التأويل الفاسد حرمة الأناجيل، وجعل لكل ذى نظر أن يتأول ما يشاء، ويقول ما يريد، بعد أن أهدرت معانى الكلمات المقيدة بألفاظها، وأصبحت الألفاظ رموزا وإشارات، وأحلاما وأضغاث أحلام، يتأولها كل حسب رأيه واجتهاده، غير مقيد بقيد، ولا محتكم إلى لغة. وهذه العداوة ليست عداوة ترجع إلى اجتهاد فى فهم النصّ، بقدر ما هى عداوة ترجع إلى تضارب الأهواء، واختلاف المنازع، ومن هنا لم تكن مجرد عداوة بين علم وجهل، بل كانت عداوة محملة بشحنات ثقيلة من البغض والكراهية، لأنها عداوة بين هوى وهوى ومشرب ومشرب! ثم إن هذه العداوة المحملة بأثقال البغضاء ليست عداوة موقوتة بوقت، ولا محدودة بزمن.. وإنما هى عداوة موصولة، متجددة، لا تنقطع أبدا: «إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ» . قوله تعالى: وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ» أي سيعلمون يوم القيامة فساد هذا الذي صنعوه، وغيرّوا به وجه رسالة المسيح ودعوته.. وفى لفظ «يصنعون» دلالة على أن أسلوبهم هذا الذي جروا عليه مع

كلمات المسيح وتعاليمه- لا ينقطع أبدا، وأن هذه الكلمات وتلك التعاليم، ستلد كل يوم مواليد جديدة من التأويل والتخريج.. فما يكون حلالا اليوم قد يصبح حراما غدا، وما هو حرام غدا يكون حلالا بعد غد.. وهكذا.. وصدق الله العظيم، وصدقت كلماته وآياته، المنزلة على النبي الكريم، الصادق الأمين. فلقد رأينا كيف كان للمجمع المقدس، الذي انعقد فى «روما» فى هذه الأيام «1» أن يخرج على العالم المسيحي بهذا الرأى الذي يجبه معتقدا عاشت فيه المسيحية، واعتنقه المسيحيون قرابة ألفى عام- وهو أن اليهود قد صلبوا المسيح، وحملوا تبعة دمه، هم وأبناؤهم من بعدهم.. إذ قالوا حين قدموه للصلب، كما روت الأناجيل «دمه علينا وعلى أبنائنا» فجاء المجمع المقدس يبرىء اليهود من دم المسيح، ويقول: «إذا كان اليهود الأولون هم الذين صلبوا المسيح واحتملوا دمه.. فما ذنب أبنائهم من بعدهم؟» . وهذه قضية لا دخل للإسلام بها، إذ ينكرها من أصلها.. ولكن الذي نريد أن نقوله هنا- لحساب العقل والمنطق-: ما هو الحكم الذي يحكم به المجمع المقدس على أتباعه الذين عاشوا خلال الألفى عام يتعبدون بلعن اليهود، ويتقربون إلى المسيح بهذه اللعنات التي يسبّحون بها صباح مساء؟ ثم على من تقع تبعة هذه الدماء الغزيرة التي أراقها أتباع المسيح فى مدى هذه الأزمان المتطاولة- من اليهود، انتقاما للمسيح، وتشفيّا ممن تطاولت أيديهم إلى إلههم المعبود، حتى علقوه على خشبة الصليب وسقوه المرّ المذاب؟ ثم ألا يحقّ لليهود اليوم أن يطالبوا القائمين على أمر المسيحية بديت ملابين القتلى منهم؟

_ (1) كان انعقاد هذا المجمع فى خريف عام 1964.

(الآيتان: 15 - 16) [سورة المائدة (5) : الآيات 15 إلى 16]

إن ذلك هو العدل الذي يستقيم مع منطق المجمع المقدس الذي أصدر هذا الحكم، وأفتى بتلك الفتوى! «وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ» لا بما صنعوا، وحسب.. فإنهم كل يوم يصنعون جديدا، ويستولدون أحكاما وشرائع. (الآيتان: 15- 16) [سورة المائدة (5) : الآيات 15 الى 16] يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) التفسير: «يا أَهْلَ الْكِتابِ» هى دعوة عامة إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى. «قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ» هو بيان لما يحمله الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- إلى أهل الكتاب من حق يصححون به ما أخفوا من أحكام الكتاب الذي فى أيديهم، وما غيّروا وبدّلوا.. وأن كثيرا مما أخفوه وحرّفوه قد تجاوز القرآن الكريم عنه، وترك الخوض معهم فيه، حتى لا يدخل معهم فى طريق طويل من الخلاف والجدل، وإنما كان الذي اهتم له القرآن الكريم، ووقف عنده، هو ما كان من الأصول العامة فى العقيدة، وهو ما يتصل بالألوهية، وعزلها عن كل ما دخل على مفهومها من ضلال وبهتان.. هذه هى قضية

الإسلام الأولى، فإذا استقامت استقام كل شىء بعدها. وقوله تعالى، «قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ» هو وصف لهذا الكتاب الكريم، وما يحمل إلى الناس من «نور» هو نور الحق، المهدى من السماء، لينير للناس سبلهم إلى الله، وليبدّد الظلام الذي يحجبهم عن الرؤية الصحيحة للحق والهدى.. ووصف الكتاب بأنه نور، ثم وصفه بأنه كتاب مبين، هو غاية ما يمكن أن تكون عليه دعوة الحق فى جلالها، ووضوحها، وإشراق شمسها، وأن من لا يرى الحق فى وجه هذه الدعوة، ولا يتناوله منها، هو أعمى أو متعام، ليس لدائه دواء، «وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ» (81: النمل) . وقوله سبحانه: «يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ» سبل السلام هى طرق الحق، التي يأمن سالكها من كل عطب، ويسلم من كل سوء.. وهى مفعول به لقوله تعالى: «يَهْدِي» . و «مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ» مفعول ثان له.. والمعنى أن الله سبحانه يهدى بهذا الكتاب إلى سبل السلام من اتبع رضوان الله، وابتغى مرضاته، فجاء إليه مستشفيا من دائه، مستطبّا لعلته، مستهديا لبصره وبصيرته.. أما من أعرض مستكبرا، ولوى وجهه جاحدا، فهو وما اختار لنفسه: «وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» (17: فصلت) . قوله تعالى: «وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» . هو بيان لفضل الله ولطفه بعباده الذين يوجهون وجوههم إليه.. إذ كانت عناية الله إلى جوارهم، تمسك بهم على الطريق، وتسدد خطاهم إلى الغاية التي يجدون عندها الأمن والسلام.

الآية: (17) [سورة المائدة (5) : آية 17]

وفى قوله تعالى: «قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا» وفى إضافة الرسول إلى الله بضمير المتكلم، تكريم للرسول الكريم، وتمجيد له، وتعظيم لشأنه، ولشأن ما يحمل بين يديه من ربّه، من هدى ونور. الآية: (17) [سورة المائدة (5) : آية 17] لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) التفسير: وإذا كان النصارى- من أهل الكتاب- لم يعرفوا الداء الذي يكمن فيهم، وما يحمل إليهم القرآن من شفاء- فها هو ذا القرآن يضع يده على موضع الداء منهم.. إن جعلهم الله هو المسيح بن مريم، هو أصل الداء.. فما كان لله أن يولد من رحم امرأة، وأن تكون نسبته إليها.. إن الإله الذي يتصور على تلك الصورة، هو إله هزيل، لا تلده إلا عقول لا تعرف جلال الله وعظمته، وقدرته.. وأين المسيح الإله وقوته وقدرته، أمام قوة الله وقدرته؟ إن أراد الله أن يهلك المسيح بن مريم وأمه ومن فى الأرض جميعا.. فمن يقف لهذه الإرادة، أو يردّ عليها ما أرادت، أو بعض ما أرادت؟ ألم تمت أمّ المسيح؟ وإذا كان فى المسيح شك أنه لم يمت بعد، فهل من شك فى أنه سيموت؟

لقد مات الأصل، وهو أمّه. فهل يبقى الفرع، وهو المسيح ابنها؟ وقوله تعالى: «يَخْلُقُ ما يَشاءُ» دفع لاعتراض قد يقيم شبهة عند من يرفعون المسيح عن مستوى البشرية إلى مرتبة الألوهية، فإن ميلاده من غير أب- هذا الميلاد الذي يثير فى النفس تساؤلات وتصورات- ليس الصورة الفريدة فيما خلق الله وأبدع من مخلوقات.. من ملائكة وجنّ وشياطين، وكواكب.. فأى إنسان مهما عظم هو ضئيل بالنسبة لأى مخلوق من تلك المخلوقات.. فإذا نظرنا إلى المسيح فى صورته، وجدناه كائنا بشريا، فى خلقته وفى سلوكه.. كان جنينا، ثم طفلا، ثم صبيا، ثم شابا، ثم رجلا. وأكثر من هذا، فإن أتباعه أماتوه صلبا، ثم دفنوه بأيديهم فى التراب بعد أن حملوه على أيديهم جثة هامدة! ثم لقد كان له ما للناس فى هذه الحياة.. يأكل، ويشرب، وينام، ويصحو، ويبول ويغوط، ويفرح، ويحزن.. إلى غير ذلك مما يجرى على الناس! فأىّ شىء يخرج المسيح من الإنسانية إلى مقام الألوهية؟ ألأنه ولد من غير أب؟ إنه ليس أول من ولد من غير أب؟ إن الذي خلق الأب وخلق الأم لا يعجزه أن يخلق خلقا من غير أب ولا أم.. «يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» . إن غرابة المخلوق فى ميلاده، أو فى شكله، ولونه، وطوله، وعرضه.. إن دلّت على شىء فإنما تدل على قدرة الخالق، لا أن تكون مزلقا إلى الكفر بالله، والتعلق بالغريب العجيب مما صنعت يداه! فإن ذلك هو الضلال والسّفه، إذ كيف يتشابه الخالق والمخلوق، ويختلط الصانع بالمصنوع!؟

الآية: (18) [سورة المائدة (5) : آية 18]

الآية: (18) [سورة المائدة (5) : آية 18] وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) التفسير: مما يفسح لأهل الضلال فى ضلالهم، ويمدّ لهم فى حبل الغواية، أن يتمنوا على الله الأمانىّ، وأن يجدوا فى هذه الأمانى الباطلة، تعلّة يتعللون بها، وسرابا خادعا يجرون وراءه.. ولقد قامت لكل من اليهود والنصارى دعوى على الله، بأنهم أبناؤه وأحباؤه. فاليهود يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه.. والحق أنهم ما كانوا إلا أبناء لأهوائهم، وإلا أحباء لشهواتهم.. أمّا الله الذين يدّعون عليه هذه الدعوى، فهم أعداؤه وحرب عليه.. إن اليهود قد بدلوا كلمات الله وحرفوها، فآذوا رسله، وقتلوا أنبياءه فكيف تستقيم مع هذا دعواهم بأنهم أبناؤه وأحباؤه؟ والنصارى قد ألبسوا الله هذا الثوب البشرىّ، وداروا به فى الأرض دورة قاسية، يتلقى بها اللطمات واللعنات، ثم ينتهى به الأمر معلقا على خشبة بين لصّين! وقد ردّ الله عليهم هذا الادعاء الكاذب، وسلكهم جميعا- اليهود والنصارى- مسلكا واحدا، إذ كان طريقهم على الضلال واحدا.. فقال

الآية: (19) [سورة المائدة (5) : آية 19]

تعالى: «فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ؟» أي إن كنتم أبناء الله حقا وأحباءه صدقا، فلم تغرقون فى الإثم، وتموجون فى الخطيئة، وتلقون فى النار؟ إن أبناء الله وأحباءه، لا يخرجون عن طاعته، ولا يمكرون بآياته! وفى قوله تعالى: «يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ» ما يقطع بأنهم معذبون، وأن هذا العذاب إنما استحقوه بما كسبت أيديهم، شأنهم فى هذا شأن كل من يكذب بالله ويخرج عن طاعته! وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ» فلا محاباة لأحد عند الله، ولا كرامة لإنسان عنده، إلا بالعمل الصالح. وفى قوله تعالى: «يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ» إشارة إلى أن الله عبادا أرادهم للجنة فعملوا لها، واستحقوا مغفرته ورضوانه، وعبادا أرادهم للنار فعملوا لها، فوقعوا تحت نقمته وعذابه.. يروى عن عمر بن الخطاب وقد سئل عن قوله تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا» فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال: «إن الله عز وجل لمّا خلق آدم، مسح على ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح على ظهره واستخرج منه ذريته فقال: هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون» . الآية: (19) [سورة المائدة (5) : آية 19] يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19)

التفسير: ومرة أخرى يدعو الله سبحانه أهل الكتاب- اليهود والنصارى- أن ينظروا فى أنفسهم، وأن يتدبروا أمرهم فى موقفهم من هذا الرسول الكريم، الذي جاءهم على فترة من الرسل- أي بعد زمن انقطعت فيه رسالة الرسل- وأن يلتقوا به، ويتعاملوا معه، ويصححوا معتقدهم فى الله على ما جاء به، فتلك هى فرصتهم، إن اهتبلوها غنموا ونجوا، وإن ضيعوها ضاعوا وهلكوا، ثم لم يكن لهم على الله حجة بعد هذا البلاغ المبين! وفى قوله تعالى: «أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ» هو قطع لكل علّة يعتلّون بها، فى ركوبهم الباطل، وخوضهم فى الضّلال.. فليس لقائل منهم أن يقول: «ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ» أي رسول من عند الله، يكشف لنا معالم الطريق، ويرفع منارات الهدى. وقوله سبحانه: «فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ» هو حجة الله عليهم، بما حمل إليهم هذا البشير النذير من حق وهدى. وفى مواجهة أهل الكتاب- اليهود والنصارى- بهذا الخطاب، من الله،، دليل على عموم رسالة «محمد» صلوات الله وسلامه عليه، وأنه رسول إليهم كما هو رسول إلى الناس كافّة: «فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ» هو «محمد» عليه الصلاة والسلام، وهذا ما يشير إليه أيضا قوله تعالى: «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ» (85: آل عمران) . وفى قوله تعالى. «وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» وعيد لأهل الكتاب إذا هم لم يستجيبوا لهذا النبىّ، ولم يصححوا معتقدهم على ما جاء به من عند الله، وأنهم إذا لم يفعلوا فلن يفلتوا من عذاب الله، وأنهم لن يعجزوا الله فى الأرض، ولن يعجزوه هربا.

الآيات: (20 - 26) [سورة المائدة (5) : الآيات 20 إلى 26]

الآيات: (20- 26) [سورة المائدة (5) : الآيات 20 الى 26] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (20) يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (21) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (22) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (24) قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (25) قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (26) التفسير: هذا موقف من مواقف بنى إسرائيل العناديّة مع أنبياء الله، وحملة النور والخير إليهم، وإن فى ذلك لعزاء وسلوى، للنبىّ الكريم لما استقبل به اليهود دعوته، من كيد وتضليل.. إذ ليس هذا شأن اليهود مع النبىّ وحده، بل هو شأنهم مع كل نبى من أنبيائهم.. فهذا موسى عليه السلام، الذي بعثه الله إليهم، لينقذهم من الذلة والهوان، وليطلق سراحهم من يد الأسر المضروب عليهم من فرعون- موسى عليه السلام،

الذي أطلق بين أيديهم معجزات آمن بها كهنة مصر وسحرتها، وفلق بهم البحر، ونجاهم من فرعون، وفجّر لهم من الصخر عيونا.. موسى وهذه بعض آياته ومعجزاته، قد أعنتوه والتووا عليه، وخرجوا من يده فى أكثر من موقف.. فها هو ذا يدعوهم إلى خير ساقه الله إليهم، ويوجههم إلى دار أمن وقرار وعدهم الله بها، وهو- عليه السلام- يقدم بين يدى دعوته استعراضا لنعم لله عليهم، ورحمته بهم.. «يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ» .. فقد جعل الله فيهم أنبياء وملوكا، وملوكا أنبياء، يجمعون بين سلطان الدنيا والدين، كما كان ذلك لداود وسليمان عليهما السلام، الأمر الذي لم يكن لأنبياء من قبل، ولا لملوك فى الأرض.. فما هو إلا سلطان واحد.. نبوّة أو ملك.. ولكن جمع الله لأنبياء بنى إسرائيل النبوة والملك معا.. وقوله تعالى: «وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ» أي من هذه النعم التي تحملها السماء إليهم فى صورة معجزات: كالمنّ والسلوى، وكالجمع لأنبيائهم وملوكهم بين النبوة والملك- وهذا من شأنه يقوّى صلتهم بالله، ويوثق إيمانهم به.. ولكن كانت هذه النعم أسلحة يحاربون بها الله، ومعاول يهدمون بها معالم الحق، ومنارات الهدى! والله سبحانه وتعالى يقول: «وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ» (51 فصلت) . وقوله تعالى: «يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ» هو دعوة موسى لهم، إلى نعمة جديدة، بعد تذكيرهم بما لله فيهم من نعم سابقة سابغة.. فهو

لم يدعهم إلّا إلى ما فيه خير عاجل لهم، وهو أن يخرجوا من الصحراء، وأن ينتقلوا من حياة الرعي والخيام، إلى حياة المدينة، والاستقرار! ثم هو- عليه السلام- لم يدعهم إلا إلى أرض مقدسة، تحفّها رحمات الله، وتبارك أرضها.. ثم هو- عليه السلام- لم يدعهم إلا ليمدّوا أيديهم إلى ما وعدهم الله به، وكتبه لهم.. إنها ثمرة طيبة دانية القطوف، لا يحتاج من يريد أن يطعم منها إلى أكثر من أن يمدّ يدّه إليها! ومع هذا فقد أبى القوم أن يتقبلوا دعوة موسى، وأن يصدّقوا وعد الله لهم، بل غلب عليهم سوء طبعهم، فخيّل إليهم أن فى الأمر شيئا، وأن وراء هذه الدعوة ما وراءها! وموسى عليه السلام، خبير بالقوم، عليم بما ينطوى عليه كيانهم من خبث وفساد.. ولهذا لم يرسل الدعوة إليهم بدخول الأرض المقدسة مطلقة، بل أتبعها بهذا التحذير الذي كان لا بد منه فى مواجهة قوم كهؤلاء القوم.. «وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ» إذ لا ينتظر من هذه الجماعة إلا أن تصطدم مع هذه الدعوة، كما تصطدم الكرة بجدار فترتدّ إلى وراء! وفى التعبير بارتداد القوم على أدبارهم، إشارة إلى أنهم إنما يرتدون إلى الوراء وعيونهم معلقة بالمتجه الذي تتجه إليه الدعوة، وكأن هذا المتجه حيوان مفترس يتحفز للوثوب عليهم.. فهم يسيرون إلى الوراء، على أقفيتهم، وأبصارهم شاخصة إلى هذا الأمر المخيف الذي دعاهم إليه! فهم- والحال كذلك- بين خطر يقع عليهم من تصوراتهم لهذا الأمر الذي يدعون إليه، وخطر يترصدهم، وهم يتدافعون إلى الوراء نحو مجهول لا يرون لهم منه مهربا..

وانظر كيف كانت سفاهة القوم مع موسى عليه السلام.. يدعوهم إلى خير، فيكذّبونه ويمكرون به، ويتخابثون عليه.. ويناديهم متلطفا مترفقا، «يا قوم» «يا قوم» ويردّون عليه فى غلظة، وجفاء، واستعلاء: «يا موسى» .. «يا موسى» !! وقاحة، وجبن، ونذالة.. «قالُوا يا مُوسى: إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ» .. هكذا كان ردهم على تلك الدعوة الكريمة المترفقة، المحمّلة بالخير والأمن.. إنهم- وذلك دأبهم أبدا- يأخذون دون أن يعطوا، ويجنون مالم يزرعوا.. يأكلون ثمرة الزارعين، ويسرقون جهد العاملين. فلا يريدون أن يدخلوا الأرض المقدسة إلا أن يخليها لهم أصحابها، ويهتفوا بهم: أن أقبلوا.. ولو وقع هذا لوقع فى أنفسهم أن يطلبوا إلى موسى أن يهيىء لهم مراكب سماوية تقلهم إلى حيث هم ذاهبون!! إنها طبائع أطفال، وتعلّات صبيان، وأمانىّ جبناء. ومع هذا الردّ الوقح، فإن موسى لم يعتزلهم، ولم ينه الموقف معهم على هذا اليأس القاطع منهم.. وفى هذا يقول الله تعالى: «قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ. وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» . وقد اختلف المفسرون فى هذين الرجلين، وأكثروا من مذاهب القول فيهما، وذهب بعضهم إلى الإدلاء باسميهما.. إلّا أن الأمر الذي أجمع عليه المفسرون هو أن هذين الرجلين لم يكونا موسى وهرون! والذي نقول به ونطمئن إليه، هو أن هذين الرجلين، هما موسى وهرون!! وشاهدنا على هذا، ما توحى به الآيات الكريمة، بل وتكاد تصرح به!

فأولا: الردّ الذي ردّ به القوم على هذه الدعوة، وهو ما جاء فى قوله تعالى: «قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ» .. فلو أن هذين اللذين دعواهما بقولهما: «ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ» - لو أنهما كانا غير موسى وهرون لما كان ردهم موجها إلى موسى.. بل كان يكفى أن يقولوا: «لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها» .. وأمّا أنهم واجهوا موسى بهذا الردّ، ولم يوجهوه إلى موسى وهرون معا، فلأن موسى كان هو رجل الموقف، وهرون كان ظهيرا له.. وثانيا: ما جاء فى قوله تعالى على لسان موسى: «قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ» .. وهذا القول من موسى قاطع بأنه لم يكن فى القوم من استجاب له غير أخيه هرون.. وإذن فهو وهرون جبهة، والقوم جميعهم جبهة أخرى.. ولو أنه كان هناك فى جبهة موسى وهرون غيرهما لما قال هذا القول: «لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي» إذ هو يملك- غير نفسه وغير أخيه- هذين الرجلين اللذين قيل عنهما إنهما قالا هذا القول. وثالثا: فى قوله تعالى: «قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ» - أكثر من إشارة: فالذين يخافون هم القوم كلهم، وبلا استثناء أحد.. والمعنى على هذا هو كهذا: قال رجلان من القوم الخائفين، وهذان الرجلان قد أنعم الله عليهما فعافاهما من هذا الخوف: اللذى لبس القوم واستولى عليهم.. وفى هذا تعبير للقوم، واحتقار لهم، وإزراء عليهم، ووصمهم جميعا بهذا الداء الذي لا يزايلهم أبدا.. داء الجبن والخوف من كل شىء. ثم إن فى قوله تعالى: «فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ» هو وعد مؤكد

بدخول القوم هذه الأرض المقدسة لو أنهم جرءوا واتجهوا إلى العدو ودخلوا عليه الباب.. وهذا الوعد لا يكون إلا عن علم سماوى.. الأمر الذي لم يكن لأحد من القوم أن يقول به، غير موسى وهرون، اللذين هما على صلة بالوحى الإلهى. هذا، وقد انتهى الأمر بين موسى وتلك الجماعة الشاردة، إلى اليأس، فكان أن اعتذر موسى إلى ربه بقوله: «رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ (أي احكم) بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ» أي الذين فسقوا وخرجوا عن طاعة الله، وامتثال أمره إليهم.. وقد قبل الله من موسى ما اعتذر به إليه، واستجاب له ما دعاه به، فحكم بينه وبين هؤلاء القوم الفاسقين.. فكان هذا حكم الله فيهم: «فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ» .. إذ ضرب عليهم التيه والضلال فى الصحراء أربعين سنة، يضطربون فى هذا القبر المطبق عليهم، لا يعرفون لهم وجها للخلاص منه. ولعل الحكمة فى توقيت التّيه بأربعين سنة، هى أن يموت أبناء هذا الجيل الذي كان منه هذا العناد والضلال، فلا يرى أحد منهم الأرض المقدسة، ومن رآها منهم ممن امتد عمره، فإنه يراها فى شيخوخة واهية، فلا ينتفع بخيراتها، ولا ينشىء له حياة فيها.. إن هؤلاء الشيوخ الذين يدخلون الأرض المقدسة بعد هذا التيه هم أشبه بالأطفال وبمن لم يبلغوا الحلم من أبنائهم الذين شهدوا موقف آبائهم من موسى ودعوته إليهم.. وهكذا يستدير الزمن بهذه الجماعة بعد تلك السنين الأربعين، فإذا أطفالها رجال، وإذا رجالها أطفال ... !

الآيات: (27 - 29) [سورة المائدة (5) : الآيات 27 إلى 29]

الآيات: (27- 29) [سورة المائدة (5) : الآيات 27 الى 29] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (29) التفسير: مناسبة هذه الآيات لما قبلها، هى أن الصورة التي عرضتها الآيات السابقة لبنى إسرائيل كانت صورة معتمة للإنسان، فاضحة لمساوئه ومخازيه، حين تفسد فطرته، وتضيع معالم إنسانيته، فيدفع بكلتا يديه الخير المسوق إليه، وينفخ بفمه فى شعلة النور المنصوبة لهدايته.. مؤثرا أن يظل هكذا فى الظلام والضلال. ولأنّ الإنسانية ليست كلها على هذه الصورة الكئيبة المعتمة، التي تتمثل فى بنى إسرائيل، إذ أن فى الإنسانية خيرا كثيرا، وفى الناس أخيار كما فى الناس أشرار وفجار- فكان من تمام العرض للإنسانية أن يعرض جانبها الطيب كما عرض جانبها الخبيث. وقوله تعالى: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ» هو عرض للإنسانية كلها، من جانبيها: الطيب والخبيث، وعلى وجهيها: المشرق والمظلم. وفى مثليها: الملائكى والشيطاني. وذلك، لكى تهتز هذه الصورة التي تتمثلها الخواطر للإنسانية المريضة، وهى تنظر إلى الإنسان من خلال آيات الكتاب الكريم، وما عرضت من ضلال هذه الجماعة وسفهها- ثم لتقوم مقام تلك الصورة صورة أخرى للإنسان حين يعلو بإنسانيته، ويرتفع بوجوده عن تراب هذه الأرض، وما اختلط به من ضباب ودخان، حيث يرى وجه الحق سافرا مشرقا، فيأنس به، ويحيا معه.

وقد اتفق المفسرون قولا واحدا فى ابني آدم هذين، على أنهما هما قابيل وهابيل، وأن آدم كان قد أمر ولديه هذين أن يتزوج كل منهما توأم أخيه، وألا يتزوج الأخت التي ولدت معه.. ثم يقولون: إن توأم قابيل كانت أجمل من توأم هابيل، فأباها على أخيه، وأصر على أن يمسكها لنفسه، على حين أبى هابيل أن يعصى أمر أبيه، الذي هو وحي سماوى.. ثم اتفقا على أن يحتكما إلى الله، وذلك بأن يقدم كل منهما قربانا إلى الله، فمن قبل الله قربانه كان على الآخر أن ينزل على مشيئته! وقدّم كل منهما قربانه.. فتقبل الله من هابيل، ولم يتقبل من قابيل. ولكن قابيل لم يرض بحكم السماء، وأصر على موقفه العنادىّ من أخيه، ومن أمر أبيه، ووصاة ربه.. وإنه لكى يخلو لقابيل الطريق، ويبلغ ما يريد، هداه شيطان الهوى إلى أن يقتل أخاه، وبذلك يقطع تلك اليد التي تنازعه المرأة التي يريدها.. ثم لا يكون- بهذا- قد خالف أمر ربّه أو وصاة أبيه.. فهكذا خيّل إليه أنه بهذا يضع حكم الله وشرعه أمام أمر واقع. وهكذا المفتونون وأصحاب الأهواء.. يتأولون فى شرع الله، فيبدلون ويغيّرون، حسب ما يميله عليهم الهوى، وتدعوهم إليه الشهوة! .. هذا ما قاله المفسرون فى هذه الآيات، معتمدين فى أكثر ما قالوا على ما يحدّث به اليهود من أخبار الماضين. ونحن نرى- والله أعلم- أن حصر مضمون هذا الخبر القرآنى، فى هذا المحتوى الضيق المحدود، يذهب بكثير من معطياته، ويطلع بأضوائه من أفق محدود، لا تطلع شمسه إلا على صاحبى هذه القصة، فإن تجاوزهما إلى غيرهما، فلا أكثر من امتداد ظلهما، فى طوله أو قصره! والذي يعطى هذه القصة، بعض مالها من امتداد، وبعض ما فيها من حكمة،

هو أن يكون الأخوان إنسانين من الناس. أي من بنى آدم.. وأن أحدهما مؤمن بالله، مستقيم على طاعة أوامره واجتناب نواهيه، وأن الآخر، لا يرعى لله حرمة، ولا يحفظ له عهدا.. وهذا واقع لا تنكره الحياة.. ففى كل مجتمع أخيار وأشرار، وفى الإخوة: المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي.. وبنو إسرائيل، وإن كانوا من أبناء آدم، فإن انحرافهم عن الحق، وركوبهم طرق الضلّال، لا يعنى أنهم كلّ الإنسانية، ولا أنهم فى مركز القيادة فى سفينة الحياة.. فما هم إلا وجه من وجوه الإنسانية، وفى الإنسانية وجوه مشرقة، تفيض خيرا وبرا ورحمة، إذا هبّت من تلقاء بنى إسرائيل سمائم الشر، وأعاصير الفتن. والحسد هو العلّة المتمكنة القاتلة فى بنى إسرائيل.. لا يرون أحدا تلبسه نعمة من نعم الله، حتى يطير صوابهم، وتطيش أحلامهم، فيضربون رءوسهم حتى تدمى، أسفا وحزنا، أن ينال أحد غيرهم خيرا.. وما جرى بين ابني آدم من هذا الصراع الدامي ما هو إلا شرارة من شرارات الحسد، اندلعت فى صدر أحد الأخوين، ثم لم تلبث أن شبّ ضرامها.. فكانت فتنة، وكان دم، وكانت خطيئة، وكان هلاك!. ففى قوله تعالى: «إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ» مشهد من مشاهد هذه القصة. فهذان أخوان يقدّم كلّ منهما قربانا إلى الله، يريدان بهذا القربان أن ينالا رضى الله، ومغفرته، ورحمته.. والقربان ما يتقرب به إلى الله من ذبائح ونحوها.

وكان أن تقبّل الله من أحدهما ولم يتقبل من الآخر. لما يعلم- سبحانه- من أمر كل منهما، وما هو أهل له عنده.. وهنا تتحرك الغيرة، وتتحول إلى حسد، ويستغلظ الحسد فيكون عدوانا وانتقاما.. وإذا الأخ يتوعد أخاه، ثم تمتد إليه يد الإثم فتقتله، ولا تعطفه عليه عاطفة الأخوة، ولا لحمة الإنسانية، ولا وداعة الأخ وبره بأخيه، وحرصه على سلامته.. وفى هذا يقول الله تعالى: «قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ» .. فهذا يتهدّد أخاه بالقتل، وذك يدعوه إلى الهدى، ويكشف له معالم الطريق إلى الله، ليكون فى المقبولين عند الله مثله: «إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ» فاتق الله، واستقم على طريقه، يكن لك من الله ما كان لى، فليس عند الله محاباة، وإنما أكرم الناس على الله، أتقاهم لله.. ولكن الحسد يغطى على عقل هذا الأخ، ويطمس على بصيرته، فلا يرى إلا النقمة من أخيه، شفاء لدائه وسكنا لأوجاعه.. والأخ يلقاه ملاطفا موادعا: «لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ» .. فهو ملازم للتقوى متمسك بها، بعد أن عرف ثمرتها فى هذا المشهد الذي شهده بين يدى ربّه.. إنه على خوف من ربّه أن ينحرف عن طريق التقوى. أما هذا الأخ الحسود، فلم يزده اللّين والنصح إلا عنادا وإلا جفاء. وإذ لم تصل الكلمات اللّينة الوادعة إلى قلب هذا الأخ الحسود، فقد جاءه بمقرعة يقرعه بها، وينبهه إلى هذا الخطر الذي هو مقدم عليه، والذي إن أصرّ على موقفه منه، كان فى ذلك هلاكه وسوء مصيره.. فيقول له: «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ» ولو كان فى هذا الأخ الحسود بقية من عقل لفوّت على أخيه ما يريده له

من سوء العاقبة، وخسران المنقلب: «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ» إذن فهذا القتل الذي يتهدد به أخاه، هو مما يريده هذا الأخ، لأنه يريد السلامة لنفسه أولا، ثم الهلاك لهذا الذي يريد أن يهلكه. ثانيا.. وليس الهلاك فى أن يقتل، بل الهلاك فى أن يكون قاتلا!. ومع هذا فإن الحسد قد غطّى على كل شىء منه، فلم ير فى كلمات أخيه، وفى تحديه له، شيئا يعدل به عن طريقه الذي ركبه من أول الأمر.. وكان أن قتل أخاه، وأسال على الأرض دمه!. ومعنى يبوء بإثمه أي يرجع به، حاملا له على كاهله، والإثم: الذنب الغليظ، المنكر.. وفى قوله تعالى: «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ» ما يسأل عنه: إن القتل هو إثم يقع على القاتل.. فكيف يبوء القاتل هنا بإثمين: إثمه، وإثم قاتله؟ والجواب- والله أعلم- أن هذه معركة بين طرفين.. فقد همّ أحدهما أن يقتل الآخر.. وكان من شأن هذا الآخر أن ينتقم لنفسه، وأن يدفع القتل عنه، إلى هذا الذي يريد قتله.. وإذن فهنا قتيلان.. حكما، وإن كان القتيل واحدا.. فعلا.. فقد كان من المتوقع فى هذه المواجهة بين خصمين، أن يقتل كل منهما الآخر، ولكن الذي حدث هو أن أحدهما قد أخلى نفسه من أول الأمر من أن يلوث يده بدم إنسان، فضلا عن أن هذا الإنسان هو أخوه.. فلم يكن إلا يد واحدة آثمة، هى تلك التي امتدت إلى اقتراف هذا الذنب العظيم، فكان عليها أن تحمل وزرها، ووزر اليد الأخرى التي كان من المتوقع أن تشاركها الإثم الذي أقدمت هى عليه..

الآيات: (30 - 31) [سورة المائدة (5) : الآيات 30 إلى 31]

يقول الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول فى النار» قيل هذا القاتل.. فما شأن المقتول؟ قال: «كان حريصا على قتل صاحبه..» وهذا يعنى أن جريمة القتل التي تقع نتيجة للصراع بين اثنين، هى جريمة مشتركة بينهما، وإثمها واقع عليهما معا.. يقتسمانه على السواء.. أما أن أحدهما كان البادئ المعتدى، والآخر المدافع الذي يدافع عن نفسه، فذلك له حكم آخر غير جريمة القتل التي وقعت.. إذ لا شك أن البادئ بالعدوان، عليه تبعة هذا الموقف العدوانىّ الظالم، وعليه عقاب المعتدين الظالمين.. أما جريمة القتل فهى أشنع وأفدح من أن يحتملها إنسان، ومن هنا كانت آثارها السيئة تفيض عن القاتل، حتى لمسّ البريء المقتول. الآيات: (30- 31) [سورة المائدة (5) : الآيات 30 الى 31] فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) التفسير: انتهى الموقف بين الأخوين إلى تلك النهاية السيئة، فسمحت نفس الأخ، واتسعت لقبول هذا المنكر الغليظ، فقتل أخاه، وأخمد أنفاسه، ظلما وعدوانا.. فكتب بيده وثيقة خسرانه، وسطّر بهذا الدم البريء المسفوك، الحكم- بإدانته، وسوء مصيره! وقوله تعالى: «فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ

يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ» . يقول المفسرون لهذه الآية: إن الله بعث بين يدى قابيل غرابين، اشتبكا فى صراع، فقتل أحدهما الآخر، ثم حفر له حفرة فواراه فيها، فعجب قابيل لهذا، ورجع على نفسه باللائمة أن عجز عن أن يفعل ما فعل الغراب إذ وارى جثة قتيله.. ومن هذا العمل الذي عمله الغراب أخذ قابيل بما دلّه عليه الغراب، فحفر لهابيل حفرة، وأودعه فيها! وممكن أن يقع الأمر على هذه الصورة، إذا جعلنا فى الحساب ما يقول به المفسرون من أن هذا كان أول قتيل من بنى آدم، وأنه لم يكن مما علمه أبناء آدم كيف يفعلون بموتاهم أو قتلاهم.. ولكن لنا على هذا اعتراضات: أولها: أننا لا نسلّم بأن هذه الحادثة كانت أول حدث يقع بين ولدين لآدم.. إذ أن لنا فى آدم مفهوما غير هذا المفهوم الذي يرى أن آدم كان سماوىّ المولد، وأنه خلق ابتداء على صورة الإنسان هذه.. ولو سلّمنا بهذا فإنّا لا نسلم بأن هذا النزاع كان أول نزاع وقع فى الأرض، وأنه كان بين ابني آدم، الأب الأول للإنسانية كلها.. وثانيها: أننا إذا سلمنا بأن هذا القتيل كان أول قتيل فى الأرض- فكيف تكون عملية القتل وإزهاق الروح معلومة لابن آدم هذا؟ وكيف يتوعد أخاه ويتهدده بقوله: «لَأَقْتُلَنَّكَ» ؟ كيف يقول هذا وهو لا يعرف القتل، بل ولا يعرف الموت بعد؟ ولو عرفه لعرف- تبعا لهذا- الأسلوب الذي يتخذ مع الموتى أو القتلى، بعد موتهم أو قتلهم!!

وثالثها: أن الآية صريحة فى أن المبعوث هو غراب لا غرابان.. ولو كانا غرابين لذكرتهما الآية.. ورابعها: أنه لو وقع بين الغرابين هذا الصراع الذي انتهى بقتل أحدهما لكان فى ذلك عزاء لابن آدم القاتل، إذ يرى فى هذا تبريرا لفعلته، وإجازة لجريمته. فضلا عن أن الغربان لا تواري موتاها أو قتلاها. وخامسا: لو أن هذا الذي فعله ابن آدم كان أول فعلة وقعت من نوعها فى عالم البشر لما كان عليه كبير إثم منها.. لأنه فعل فعلا لا يدرى ما هو، وما عاقبته، ولما كان مستحقا أن يوصف بما وصفه الله به، وهو قوله تعالى: «فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ» . ولكن ما مفهوم هذه الآيات؟ وما شأن الغراب هنا؟ ولم هذا الندم الذي استشعره القاتل مما فعله الغراب؟ أما مفهوم هذه الآيات- والله أعلم- فإنها ترفع لبنى إسرائيل مشهدا من مشاهد الآثام التي يأتونها من غير تحرج أو تأثم، وأن مردّ هذه الآثام يرجع فى أكثره إلى الحسد، الذي يملأ صدورهم نقمة على الناس، ويبسط ألسنتهم وأيديهم بالسوء والأذى إلى كل من تلبسه نعمة من نعم الله.. وأنهم فى الإنسانية إنما يمثلون هذا الإنسان الظالم الآثم من ابني آدم، الذي حمله الحسد لأخيه على أن يلقى بنفسه إلى التهلكة، وأن يخسر الدنيا والآخرة جميعا! هذا هو المضمون الظاهر لهذه الآيات.. أما الغراب، فقد يكون غرابا حقيقيا، أو كائنا سماويا تمثّل فى هذه الصورة. وعلى أىّ فهو ملهم من الله تعالى بأن يفعل ما فعل بين يدى ابن آدم هذا..

لأن الله سبحانه وتعالى يقول: «فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ» فهو مبعوث من عند الله لهذا الأمر. أما الندم الذي كان من هذا القاتل، فهو مما أثاره ما فعل الغراب.. هذا الحيوان الأعجم، الذي أقبل على جثة القتيل، يلقى عليها التراب، بما يحفر بقدميه حولها، حتى لكأنه يريد أن يواريها عن الأنظار، ويحميها من أن تنهشها السباع والطيور. وهنا يتنبه هذا القاتل إلى وجوده، وإلى شناعة الإثم الذي ارتكبه، وأن هذا القتيل مظلوم، حتى استدعى ظلمه الحيوان الأعجم، ليكون إلى جانبه، حين تخلّى عنه أخوه، وأبى عليه إلا أن يكون طعاما للسباع والطير.. وهنا أيضا يستشعر القاتل الندم، ويقع ليقينه أنه قتل هذا القتيل عدوانا وظلما. ولهذا وجد عاطفة الأخوّة تستيقظ فى نفسه، تلك العاطفة التي كانت قد أماتها الحسد، وذهب بكل أثر لها.. وذلك ما يشير إليه القرآن الكريم فى قوله تعالى على لسان هذا القاتل: «يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي» .. أخى.. هكذا يقولها بملء فيه، ومن قلب يفيض حسرة وندما! «فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ» أي أنه لم يكن يجد شيئا من الندم، قبل أن يرى ما فعل الغراب، ثم أصبح بعد ذلك من النادمين، إذ رأى نفسه أضأل من هذا الحيوان شأنا، وأعمى بصيرة، وأضلّ سبيلا.. وهكذا الإنسان، إذا غلبه الهوى، وركبه الضلال، كان أحط مرتبة فى عالم الحيوان، والله سبحانه وتعالى يقول: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ..» (4- 6 التين) .

الآية: (32) [سورة المائدة (5) : آية 32]

الآية: (32) [سورة المائدة (5) : آية 32] مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) التفسير: قوله تعالى: «مِنْ أَجْلِ ذلِكَ» الإشارة هنا إلى محتوى هذه الحادثة كلّه، وما تضمنته من تسلط الحسد على بعض النفوس، ذلك الدّاء الذي يقطع أواصر المودة والأخوّة بين الناس، ويلقى بينهم العداوة والبغضاء، حتى يهلك بعضهم بعضا، ويذيق بعضهم بأس بعض.. ثم هذه الجريمة الشنعاء، التي ذهبت بحياة إنسان برىء، لم يبسط لسانه أو يده بعدوان على أحد.. ثم إن القتل عدوان بيّن على الله سبحانه، الذي بيده وحده الحياة والموت.. فإذا لم يكن الإنسان يملك من أمر الحياة شيئا، فليس له أن يملك من أمر الموت شيئا.. ومن هنا كانت غيرة الله سبحانه وتعالى على تلك الحرمة المقدسة.. حرمة الحياة الإنسانية، وقداسة الإنسان وكرامته على الله.. وقوله تعالى: «مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً» . أي بسبب حرمة الحياة الإنسانية وقداستها وكرامتها، فرض الله على بنى إسرائيل هذا الفرض، وأوجب عليهم هذا الحكم، وهو أنه من قتل نفسا،

عدوانا وظلما، أي من غير قصاص فى قتل، أو سعى بفساد فى الأرض- فكأنما قتل الناس جميعا، «وَمَنْ أَحْياها» أي أحيا نفسا إنسانية، بأن كفّ يده عن العدوان عليها، أو دفع عنها يدا معتدية عليها- فكأنه أحيا الناس جميعا.. ذلك أن الإنسان يمثّل الإنسانية كلها.. إذ كان خلقها جميعا من نفس واحدة، كما يقول الله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ» (1: النساء) .. وفى كل إنسان هذه النفخة المقدسة التي كانت منها الإنسانية كلها، فمن قتل إنسانا، فقد أخمد تلك الشعلة المقدسة التي هى أصل الحياة، ومن أحياها، أي تركها حيّة فلم يعرض لها بسوء، فكأنما أحيا الإنسانية كلها، وترك شعلتها المقدسة متّقدة.. وفى هذا الحكم الذي أوجبه الله سبحانه وتعالى على بنى إسرائيل، تغليظ لجريمة القتل، وتشنيع عليها، وتهويل لها، ووضع القاتل أو من تحدّثه نفسه بالقتل أمام تلك الجريمة المفزعة، التي يرى فيها الإنسانية كلها وهى جثث هامدة، وأشلاء ممزقة بين يديه.. حتى أهله وأقرب الأقربين إليه من آباء وأبناء.. إنهم جميعا من قتلاه.. بل إنه هو نفسه فيمن قتل بيده.. إذ كيف يحيا وحده فى هذا العالم الموحش، وقد خلا من وجه الإنسان؟ وفى هذا الموقف يطلّ علينا من بعيد هذا الشبح المخيف لابن آدم الذي قتل أخاه، فاستولت عليه الوحشة القاتلة بعده، وأصبح غريبا فى هذا العالم، لا يجد لحياته وجودا على هذه الأرض، حتى ليذهل عن كل شىء وتضيع من نفسه معالم المعرفة، التي لا تتحرك ولا تعمل إلا فى مواجهة الإنسان للإنسان.. ولهذا كان الغراب أقدر على الحياة منه، وأصلح للعمل فيها، لأنه يعيش بين جنسه، مع فطرته، التي تستجيب لحياة الجماعة وتعمل معها. والسؤال هنا: لم كان هذا الحكم واقعا على بنى إسرائيل وحدهم؟

الآيتان: (33 - 34) [سورة المائدة (5) : الآيات 33 إلى 34]

والجواب- والله أعلم- هو أن شريعتهم أقدم الشرائع السماوية، العاملة فى الحياة، والتي أدركها الإسلام، والتحم بها، وبأتباعها.. ولا يمنع من هذا أن يكون هذا الحكم قد كان مفروضا فى الشرائع السماوية السابقة على شريعة التوراة.. ثم إنه من جهة أخرى- تأديب خاص لبنى إسرائيل، وابتلاء لهم بهذا الحكم الذي يحمّل القاتل منهم دم الإنسانية كلها، إذ كانوا أكثر الناس استخفافا بدم الناس، حتى دم الأنبياء والقديسين.. وفى هذا يقول الله سبحانه وتعالى فيهم: «وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ» (85: البقرة) . وفى قوله تعالى: «وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ» .. إشارة إلى ما فى بنى إسرائيل من بغى وعدوان، وأنهم- وقد بعث الله إليهم رسله، بالبينات والهدى- لم يستقيموا على طريق الحق، ولم ينزعوا ما فى نفوسهم من حسد وبغى. الآيتان: (33- 34) [سورة المائدة (5) : الآيات 33 الى 34] إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (33) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34)

التفسير: فى الآية السابقة جاء قوله تعالى «مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً» وفى هذه الآية جاء قوله سبحانه: «إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا ... » بيانا شارحا لجزاء المفسدين الذين أباح الله دماءهم، ورفع عن قاتلهم تبعة الإثم الواقع على من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض. وفى الآية الكريمة إشارة إلى بنى إسرائيل، وإلى أنهم هم الوجه البارز فى الإنسانية، الذي تظهر فيه تلك المنكرات ظهورا واضحا، حتى لتكاد تكون الأصل الذي يقاس عليه كل منكر يظهر فى الناس. فهم يحادّون الله ورسوله.. والمحادة هى العدوان على حدود الله، والاستباحة لحرماته.. وهم الذين يسعون فى الأرض فسادا، بما يرتكبون من جرائم وآثام، لما يحملون فى صدورهم من غلّ وحسد.. وقد رصد الله سبحانه هذا العقاب الرادع لتلك الجرائم المنكرة، ليكون فيه تنكيل، وبلاء، وإهدار لآدميّة من يهدر آدميته، حين يضيّع حقوق الله، ويستخفّ بها، ويهدر حقوق الناس ويغتالها، ويستبيح دماءهم وأموالهم. وفى قوله تعالى: «أَوْ يُصَلَّبُوا» إشارة أخرى إلى اليهود، حيث أن هذا النوع من العقاب وهو الصلب، كان شريعة لهم، يأخذون به من يحادّ الله، ويكفر به.. وقد قدّموا المسيح بهذه التهمة، وحكموا عليه بالموت صلبا. وفى قوله تعالى: «أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ» إشارة ثالثة تشير إلى اليهود، وأنهم أولى الناس بهذه العقوبات، وأكثرهم تعرضا لها.. ولقد وقع عليهم هذا الحكم، فأجلاهم الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- من المدينة، ونفاهم من

الآية: (35) [سورة المائدة (5) : آية 35]

الأرض.. إذ كانوا مصدر فتنة وقلق واضطراب للمجتمع الإسلامى فى المدينة، يفتنون الناس عن دينهم، ويؤلفون مع المنافقين حلفا لمحاربة الإسلام والكيد له، ولقد كان منهم هذا الغدر اللئيم الذي جمع بينهم وبين مشركى قريش، حين جاءوا إلى المدينة بجموعهم يريدون القضاء على المهاجرين والأنصار فى غزوة الخندق.. وفى هذا يقول الله تعالى: «وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ» (3: التغابن) وقوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ» هو استثناء من هذا الحكم الواقع على أصحاب تلك الجرائم المنكرة.. فمن تاب منهم، ورجع عما هو عليه من منكر، وذلك قبل أن تناله يد المسلمين، وتمسك به متلبسا بجرمه- من تاب منهم قبل هذا فقد رفع الله عنه هذا الحكم، وفتح له بتوبته، الطريق إلى النجاة.. فليغفر لهم النبىّ والمسلمون، وليلقوهم بالصفح الجميل، وليعلموا «أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» . الآية: (35) [سورة المائدة (5) : آية 35] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35) التفسير: [الوسيلة.. والتوسل بأصحاب القبور] وبين يدى هذه العقوبة الراصدة للذين يحادّون الله ورسوله ويسعون فى لأرض فسادا، تجىء دعوة للمؤمنين أن يثبتوا على ما هم عليه من إيمان وتقوى، وأن يعملوا ما وسعهم العمل على الاقتراب من الله، بالعمل الصالح والجهاد فى

سبيله، حتى يبتعدوا أكثر ما يمكن عن هذه المهالك، التي تأخذ المفسدين بأنواع النّكال والبلاء.. والدعوة إلى السلامة والنجاة، فى الحال التي يشهد الإنسان فيها مصارع الظالمين والبغاة، هى دعوة مستحابة، تتلقاها النفوس حفية بها، حريصة عليها.. حيث هى الحبل الممدود لنجاة من يمسك به، فى هذه الريح العاصف، التي تنزع الناس، وتلقى بهم فى مهاوى الهلاك.. والوسيلة: هى ما يتوسل به إلى الله تعالى من الأعمال الصالحة التي ترضى الله، وتدنى الإنسان من ربه. فالوسيلة فى اللغة، ما يتوسل به إلى أي أمر ابتغاء تحقيقه، وجمعها وسائل، ولكل أمر وسائله وأدواته التي يتوسل بها إليه، فمن أخطأته الوسائل، لم يبلغ من أمره ما يريد.. وتقوى الله هى مطلوب كل مؤمن بالله، ورغيبة كل طامع فى رضا الله، ساع إلى مرضاته.. ولهذا فقد أمر الله تعالى الذين آمنوا، بالتقوى، فى قوله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ» .. فليس الإيمان- مجرد الإيمان- هو الذي يطلب من المؤمن، ليكون فى عباد الله المؤمنين، وإنما الذي يحقق الإيمان، وينضج ثمرته، هو «التقوى» . والتقوى هى اجتناب محارم الله، وامتثال أوامره، أو هى كما عرفها بعض العارفين: «ألّا يراك الله حيث نهاك وألا يفتقدك حيث أمرك» . والتقوى على تمامها مطلب صعب المنال، غالى الثمن، لا يقدر على الوفاء به إلّا من رزقه الله قوة الإيمان، وثبات اليقين، ووثاقة العزم.. تلك هى بعض

الوسائل التي يتوسّل بها إلى التقوى- ولهذا جاء قوله تعالى: «وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ» معطوفا على قوله تعالى: «اتَّقُوا اللَّهَ» - أي اتقوا الله بابتغاء الوسائل المؤدية إلى التقوى.. وهنا ما يسأل عنه: كيف جاء النظم القرآنى: «وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ» إذا كان المراد بالوسيلة ما تحقق به التقوى.. إذ لو كان الأمر كذلك لجاء النظم القرآنى كهذا: «وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ..» .. كيف هذا؟ والجواب على هذا، هو أن التقوى هى تقوى الله، ووسائلها التي تتحقق بها هى وسائل موصلة إلى الله، مدنية من رضاه ومغفرته.. فليست التقوى.. والأمر كذلك- مقصودة لذاتها، وإنما هى مرادة لما هو أولى بالمؤمن أن يتعلّق به، ويعمل له، وهو القرب من الله، والنزول فى رحاب رضوانه.. فابتغاء وسائل التقوى هو فى الحقيقة ابتغاء للوسائل المؤدية إلى رضى الله، ومن ثمّ كان عود الضمير إلى الله سبحانه وتعالى، لا إلى التقوى، التي هى بدورها وسيلة إلى التقرب من الله! وأمر آخر من أمر الوسيلة.. نريد أن نقف قليلا عنده.. فقد ذهب كثير من العلماء، وخاصة علماء الشيعة، إلى أن المراد بالوسيلة هنا هو التوسل بآل البيت- رضوان الله عليهم- والاستغاثة بهم، واللّجأ إليهم فى الملمّات.. وعن هذا المنزع ما يأخذ به بعض المسلمين أنفسهم من التوسل بالأموات، ممن يعتقد فى صلاحهم، واستقامة سلوكهم فى الحياة، فيلمّون بقبورهم وأضرحتهم، طالبين قضاء حوائجهم التي قصرت عنها أيديهم. والذي يأباه الدّين هنا هو ما يتخذه كثير من أولئك الذين يزورون قبور الصالحين وأضرحتهم، من التمسح بهذه المواطن، ومناجاة الراقدين فيها، وطلب

الغوث منهم، حتى ليكاد المسلم يذهل عن الله فى هذا الموقف، وحتى لكأن هذا الإنسان الصالح هو الذي يتصرف فى هذا الكون.. إن شاء أعطى، وإن أراد منع! أمّا أمر زيارة قبور الصالحين، فهو إن تجردّ من هذه المشاعر، وخلص من تلك التصورات، ووقف به الزائر عند حدّ العبرة والعظة، بذكر الموت الذي تذوقه كل نفس، ويرد مورده كل إنسان، فذلك مما لا بأس به، إذ يكون الإنسان- وهو فى معرض يذكّره بالموت- أمام صورة طيبة، لسيرة عبد من عباد الله الصالحين، الذين أصبحوا ذكرا طيبا على ألسنة العباد.. ولعلّ فى هذا ما يدعوه إلى الأسوة، والسّير على طريق الصالحين. ومع هذا، فإن الضعف البشرى، والجهل بما لله وما للعباد، قد يحمل بعض الناس ممن يلمّون بقبور الصالحين، على ألا يذكروا شيئا من هذا، وألا يستحضروا الموت فى هذا الموقف، إذ قد يتمثل لهم أن صاحب هذا «الضريح» لم يتحول بعد إلى تراب ضائع فى التراب، وأنه بكيانه كله لا يزال يلقى الناس ويلقونه، ويأخذ ويعطى.. ومن هنا كان الأولى بمن لا يعرف كيف يحمى نفسه من هذا المزلق، ويحرسها من هذا الضلال- أن يتجنّب زيارة الأضرحة، ليدفع عن إيمانه عوارض الضعف ودواعى الشرك. ولا بأس هنا من أن ننقل ما ذكره «الشّوكانى» عند تفسيره لهذه الآية، قال: «قد أكثر الناس من دعاء غير الله تعالى، من الأولياء، الأحياء منهم والأموات.. مثل يا سيدى فلان أغثنى.. وليس ذلك من التوسل المباح فى شىء، واللائق بحال المؤمن عدم التفوّه بذلك، وألّا يحوم حول حماه، وقد عدّه أناس من العلماء شركا، وإلّا يكنه فهو قريب منه.. ولا أرى أحدا ممن يقول ذلك إلا وهو يعتقد أن المدعوّ الحىّ الغائب، أو الميت المغيّب، يعلم

الغيب، أو يسمع النداء، ويقدر بالذات أو بالغير على جلب الخير ودفع الأذى، وإلا لما دعاه، ولا فتح فاه، وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم. «فالحزم، التجنب عن ذلك، وعدم الطلب إلا من الله القوىّ الغنىّ الفعّال لما يريد. ثم يقول: ومن وقف على سرّ ما رواه الطبراني فى معجمه، من أنه كان فى زمن النبىّ صلى الله عليه وسلم- منافق يؤذى المؤمنين، فقال الصديق- أبو بكر رضى الله عنه- هيّا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، فجاءوا إليه، فقال- صلى الله عليه وسلم-: «إنه لا يستغاث بي، إنما يستغاث بالله» .. من عرف سرّ ذلك لم يشك فى أن الاستغاثة بأصحاب القبور- الذين هم بين سعيد شغله نعيمه وتقلّبه فى الجنان عن الالتفات إلى ما فى هذا العالم، وبين شقى ألهاه عذابه وحبسه فى النيران عن إجابة مناديه، والإصاخة إلى أهل ناديه- أمر يجب اجتنابه، ولا يليق بأرباب العقول ارتكابه، ولا يغرّنك أن المستغيث بمخلوق، قد تقضى حاجته، وتنجح طلبته، فإن ذلك ابتلاء وفتنة من الله عزّ وجل، وقد يتمثل الشيطان للمستغيث فى صورة الذي استغاث به، فيظن أن ذلك كرامة ممن استغاث به.. هيهات هيهات، وإنما هو شيطان من أضلّه وأغواه، وزين له هواه..» . وهذا الذي يقوله الشوكانى هو الذي يجب أن يؤمن به كل مسلم، فى نظرته إلى أصحاب القبور، وإلى من يعدّه من الصالحين، وذوى الكرامات فيهم.. إنهم جميعا فى عالم وراء هذا العالم الذي نعيش فيه، شغلوا بما هم فيه من نعيم أو بلاء، وإنّهم لأشدّ حاجة إلينا منا إليهم، بالدعاء لهم بالرحمة والمغفرة.. حيث أننا- أعنى الأحياء- فى دار عمل وابتلاء، يتقبل الله منا أعمالنا، ويحصيها علينا، ويحاسبنا عليها، وهم قد صاروا إلى عالم قد انقطع عنهم كل عمل فيه، فلا يضاف

إلى أعمالهم التي عملوها فى الدنيا شيئا جديدا من كسب أيديهم فى عالمهم الأخروىّ.. فكيف والحال كذلك يكون لهم كسب يضاف إلى غيرهم، من قضاء الحوائج، وتفريج الكروب؟. ولا شك أن كثيرا ممّن يلمّون بمقابر من يعتقدون فى ولايتهم وصلاحهم، تستولى عليهم فى تلك الحال مشاعر، توحى إليهم بأنهم على مداناة وقرب من الله، وأن ما يدعون به مستجاب، وأن وراءهم من أمداد الصالحين والأولياء، ما يزكىّ دعاءهم عند الله، وينزله منازل القبول.. وهذا، وغيره من المشاعر المختلطة التي تستولى على الإنسان، فى تلك الحال- من شأنه أن يبعث الراحة والطمأنينة فى الإنسان، ويعلّله بالأمل والرجاء، وهذا بدوره عامل نفسىّ له أثره الإيحائى الذاتي، الذي تتغير به نفسية الإنسان، وتتبدل مشاعره، وفى ذلك شفاء له من كثير مما كان يكابده ويشقى به.. والعلاج بالإيحاء أمر معروف مشهود، وما يجده الذين يزورون أضرحة الأولياء والصالحين، من روح وراحة لا يعدو أن يكون ضربا من الإيحاء النفسىّ، سواء أكانت وارداته من خارج النفس أو داخلها.. ولعلّ فى قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ» ما يشير إلى شىء من هذا الذي يعرف بالإيحاء النفسي.. فالإنسان تتغير حاله، ويتبدّل سلوكه نحو شىء ما إذا تغيّرت مدركاته له، ومشاعره نحوه.. وكذلك شأنه فى جميع أحواله، حيث يقوم تعامله مع الأشياء على أساس من إدراكه لها، ومشاعره نحوها، فإذا تغيرت تلك المدركات تغيّرت تبعا لذلك مواقفه منها، وسلوكه معها.. وشأن الجماعات فى هذا، هو شأن الأفراد سواء بسواء.. على أن الذي نودّ أن ننّبه إليه هنا، هو ما يتطابر من شرر أو شرّ بين الذين

يلتقون على خلاف فى مجال التوسّل بالأنبياء، والأولياء والصالحين.. فهذا الشّرر كثيرا ما يمتدّ إلى هؤلاء، الذين اختلف المختلفون فى التوسل إليهم، بين مغال فى التوسل، وبين مبالغ فى تحريمه وفى تكفير من يتوسلون!. ففى الطرف المغالى فى التوسل يرمى دعاته وأنصاره بالقول جزافا، يكيدون به للطرف المقابل، الذي ينازعهم فيه، ويتهمهم بمرض قلوبهم، وفساد دينهم.. وإذا هم يبالغون ويبالغون فيما هم فيه، حتى ليبلغ بهم ذلك إلى حد الشرك الصّراح بالله. وفى الطرف الآخر، الذي يحارب التوسل ويعاديه، يجد المرء نفسه أنه فى حرب حقيقية، وأن عليه أن ينتصر فيها بأى ثمن، وأن يضرب فى الجبهة المعادية له بأى سلاح، وإذا هو من حيث لا يدرى يضرب فى وجوه الأنبياء والأولياء والصالحين أنفسهم، ولا يسأل نفسه ماذا جنى هؤلاء الكرام من عباد الله من جناية، حتى يرميهم بما يرميهم به.. من استخفاف بهم، وتطاول على مقامهم الكريم.. إن الدعوة بالرفق والحسنى فى هذا المقام، أليق بالإنسان، وأنجح لدعوته، وأسلم لدينه، إن كان أمره فى هذا قائما على النصح لله ولرسوله وللمؤمنين، فلا خير فى داع يدعو إلى الخير، ثم يعود آخر المطاف بمحصول وفير من الوزر والإثم!. وأيّا كان الأمر، فإن الذي ينبغى أن يكون فى يقين المسلم دائما هو التوقير والولاء لأنبياء الله، وأوليائه، والصالحين من عباده، وألا يدخل شىء من الضيم على ولائه وتوقيره لهم، ما يجنيه عليهم غيرهم، والله سبحانه وتعالى يقول: «وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى» وقد عبد النصارى المسيح بن مريم، واتخذوه إلها من دون الله، ومع هذا فمقامه عند الله عظيم، لم ينله شىء مما جنى أتباعه

الآيتان: (36 - 37) [سورة المائدة (5) : الآيات 36 إلى 37]

من ضلال وكفر.. وكذلك ينبغى أن يكون ولاؤنا له على قدر تلك المنزلة العظيمة التي جعلها الله له بين عباده المكرمين. فإذا بالغ المبالغون منا، وغلا المغالون فينا، ونظروا إلى الأنبياء والأولياء والصالحين، تلك النظرة التي يأخذها عليهم المقتصدون، ويتهمهم بها فى دينهم المتهمون- فذلك كله ينبغى أن يكون بمعزل عن مقام هؤلاء المكرمين من عباد الله، من رسله، وأنبيائه، وأوليائه.. والله يقول الحق، وهو يهدى السبيل. الآيتان: (36- 37) [سورة المائدة (5) : الآيات 36 الى 37] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (37) التفسير: وهذه لفتة أخرى للمؤمنين، إذ يرون فيها أهل الكفر والنفاق والفساد وما أعدّ لهم من عذاب أليم فى الآخرة، بعد أن رأوا ما حلّ بهم من نكال فى الدنيا.. فإذا أفلت منهم أحد من عقاب الدنيا، لم يكن له من سبيل إلى الإفلات من عذاب الآخرة، وأنه إذا دفع عن نفسه عذاب الدنيا بمال، أو حيلة، أو نحو هذا، فإنه لا دافع لعذاب الله الراصد له فى الآخرة.. وقوله تعالى: «لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ» هو تيئيس للكافرين من أن يخلصوا

الآيتان: (38 - 40) [سورة المائدة (5) : الآيات 38 إلى 40]

من عذاب الآخرة، ولو كان لهم ما فى هذه الدنيا، وما فى دنيا مثلها.. وفى وصف العذاب بأنه «أليم» ثم وصفه بأنه «مقيم» استكمال لصورة هذا العذاب، وأنه يجمع بين الألم، واستمرار هذا الألم، الذي يقيمون فيه إقامة دائمة لا نهاية لها.. الآيتان: (38- 40) [سورة المائدة (5) : الآيات 38 الى 40] وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40) التفسير: وإذ جاء فى الآيات السابقة حكم الله فيمن يحادّون الله ورسوله، ويسعون فى الأرض فسادا، فقد كان من المناسب أن يرد بعد ذلك حكم السرقة، وجزاء مقترفها، إذ هى ضرب من ضروب الفساد فى الأرض.. ثم لأنها لم تبلغ من غلظ الجرم ما بلغت الجرائم السابقة، فقد خرجت من هذا الحكم العام لتلك الجرائم، وأفرد لها هذا الحكم الخاص بها.. والمرأة والرجل سيّان فى الحدّ الواجب على السارق، وهو قطع يده اليمنى، من مفصل الرسغ، وذلك لأن اليمنى غالبا هى التي يستخدمها السارق فى السرقة، فكان قطعها عقوبة له، وكأنه فى نفس الوقت عقوبة لليد التي سرقت! وشرط إقامة الحدّ فى السرقة، أن يكوون المسروق مالا مقوّما شرعا.. فسرقة الخمر والخنزير لا قطع فيها، وأن يكون هذا المال محروزا فى حرز مالكه

وحفظه، فسرقة المال المتروك من غير حرز، ولا حراسة.. لا قطع فيه، ويشترط كذلك أن يكون المال ذا قيمة معتبرة.. وقد قدرها بعض الفقهاء بعشرة دراهم كما قدرها بعضهم بربع دينار. هذا، وليس ذلك التغليظ فى عقوبة السرقة قسوة من الإسلام، واستخفافا بالإنسان، واسترخاصا لوجوده كما يقول ذلك- زورا وبهتانا- من يكيدون للإسلام، ويبيّتون له مالا يرضى من القول.. وإنما ذلك العقاب هو الجزاء العادل الرحيم، إزاء هذا الجرم الشنيع، الذي يعدّه الإسلام من أشنع الجرائم، إذ هو اعتداء على حرمة الإنسان، فى أعزّ ما يحرص عليه، وهو المال. ولا بأس من أن نلفت أولئك الذين يتهمون الإسلام بالوحشية والحيوانية إلى ما جهلوه أو تجاهلوه من حكمة الإسلام، وتقديره السليم العادل لجريمة السرقة، ووزنها بالعدل والقسطاس.. بين السارق والمسروق منه.. فأولا: السرقة اعتداء خفىّ على حرمة الإنسان، واستباحة لماله الذي هو بمنزلة النفس عند صاحبه! وإذا كانت المدنيّة الحديثة قد استخفّت بهذه الجريمة، حتى استباحت سرقة الأمم والشعوب، فإن الإسلام الذي يحترم الإنسان- من حيث هو إنسان، ويرعى حرمته فى دمه، وماله وعرضة، كما يقول نبى الإسلام: «كل المسلم على المسلم حرام.. دمه، وماله، وعرضه» - فإن الإسلام لا يستخفّ بهذه الجريمة، بل يضعها موضعها بين الجرائم الغليظة، ولا تأخذه رحمة فيمن لا يرحم الناس، والله سبحانه وتعالى يقول: «وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ» (252: البقرة) . وهذا الحدّ الذي فرضه الإسلام لقطع يد السارق، هو بعض ما يدفع الله به

الناس، بعضهم بعض، وهو بعض فضله على عباده. وثانيا- ليس القطع فى السرقة فى مطلق السرقة، أىّ سرقة، بل لا بد من توافر شروط تتم بها أركان هذه الجريمة الموجبة للقطع، وهذه الأركان هى: (1) أن يكون المسروق شيئا ذا قيمة- أي له اعتبار فى حياة الناس الاقتصادية.. وكانت هذه القيمة تقدر فى عهد النبي صلى الله عليه وسلم بربع دينار- أي ثلاثة دراهم-. وهذا النصاب الموجب للقطع، يقدّر فى كل زمان ومكان بحسب قوته الشرائية بالنسبة لعصر النبوة. والمعتبر فى هذا هو أنه مال له قيمته، وله أثره، سواء أكان نقدا أو ما يقوّم بالنقد. (2) أن تقع السرقة فى مال محروز، أي أن السارق يسرقه من حرز، فالمال الضائع، والثمر الذي يكون على الشجر بلا حائط يحيط به، والماشية التي لا راعى عندها، ونحو هذا، لا يقام على السارق حد فيه، ولكن يعزّر ويضاعف عليه العرم. (3) ما أخذ بالفم من ثمر على شجر، وأكل، ولم يحمل منه شىء- لا قطع فيه، ولا تعزير. ومن احتمل شيئا غير ما أكل فعليه ضعف ثمنه، ويضرب نكالا له، وزجرا لغيره. (4) السرقة فى أوقات المجاعات ليس فيها قطع. (5) هناك ظروف وأحوال يراها ولىّ الأمر، ويقدّرها، فى حال السارق، وظروفه، فيعزّره ولا يقطع يده، حيث تلوح له أية شبهة يدفع بها الحدّ، فقد روى عن أميّة المخزومي رضى الله عنه، قال: «أتى النبي صلى الله عليه وسلم بلصّ قد اعترف اعترافا، ولم يوجد معه متاع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ما إخالك سرقت؟» قال «بلى» (أي سرقت) فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا، فأمر به فقطع، وجىء به، فقال له النبي الكريم: «استغفر الله وتب إليه» فقال: أستغفر الله وأتوب إلى الله.. فقال نبىّ الرحمة: «اللهم تب عليه» ثلاثا.. أي قال النبىّ ذلك الدعاء ثلاث مرات. (5) يجوز لصاحب المال المسروق إذا ضبط السارق أن يعفو عنه قبل أن يصل الأمر إلى القضاء، فقد روى أن النبىّ صلى الله عليه وسلم، قال لصفوان ابن أميّة وقد جاء ليشفع فيمن سرق رداءه- أي رداء صفوان-: «هلّا كان ذلك قبل أن تأتينى به؟» . وقوله تعالى: «فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ» هو عزاء لهؤلاء الذين اقترفوا جريمة السّرقة، سواء أقيم عليهم الحدّ فيها، أو أفلتوا من إقامة الحدّ.. وليس عزاء كهذا العزاء الذي يقدمه الله إليهم، وقد أفسدوا إنسانيتهم بهذا الجرم الذي ارتكبوه، فجاءهم هذا العزاء فى صورة دعوة كريمة من رب كريم، يدعوهم فيها إلى جناب رحمته ومغفرته، إذا هم أرادوا أن يلوذوا بهذا الجناب الكريم، وأن يستظلوا به، وذلك بأن يستشعروا الندم عن جرمهم، وأن يبرءوا إلى الله منه بالتوبة والإنابة والاستغفار، فإنهم إن فعلوا قبل الله توبتهم وغفر لهم ذنبهم: «ومن يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً» . وقوله تعالى: «أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» هو إلفات للطائعين والعاصين جميعا، وأنهم كلهم فى قبضة الله، يعذب من يشاء منهم جزاء ما ارتكب من إثم، وقارف من ذنب، ويغفر لمن يشاء، فضلا منه وكرما.. فهو القادر على كل شىء، والمالك لكل شىء!

وفى تقديم العذاب هنا على المغفرة- نظر.. إذ كانت رحمة الله تسبق غضبه وعذابه أبدا: ولكن إذ كان الموقف هنا موقف محاسبة للمذنبين، ثم مغفرة ورحمة لمن تاب ورجع إلى الله منهم- كان ذكر العذاب مقدّما على ذكر المغفرة بالنسبة لهم، ولو تقدمت المغفرة على العذاب هنا لما كان لعقاب المذنبين- مع سبق الرحمة- مكان، ولشملتهم الرحمة قبل أن يؤخذوا بجرمهم، ويقام الحدّ عليهم، وإلا لسقطت الحدود، واضطرب نظام المجتمع! فكان تقديم العقاب أخذا لحق الله وحق العباد أولا، ثم تجىء مغفرة الله ورحمته، فتمحو آثار هذا العقاب وتعفّى عليه، لمن وجّه وجهه إلى الله، وطلب الصفح والمغفرة. وقدّم السارق على السارقة.. لأن الرّجل أجرأ من المرأة على السرقة، وأكثر تمرسا بها.. كما قدّمت المرأة على الرجل فى جريمة الزنا، فى قول الله تعالى: «الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ» - لأن هذه الجريمة لا تتم إلا بالرجل والمرأة معا، والمرأة هى صاحبة الموقف هنا، وبيدها الأمر فيه، لأن الرجل طالب وهى مطلوبة، فإذا لم تعطه نفسها، ولم تمكنه منها فاته مطلوبه ولم تقع الجريمة..

الآية: (41) [سورة المائدة (5) : آية 41]

الآية: (41) [سورة المائدة (5) : آية 41] يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (41) التفسير: هذا عزاء وتسرية للرّسول الكريم، عن هذا الحزن الذي كان يقع فى نفسه من أولئك الذين يتخذون دين الله لعبا ولهوا، يلبسه أحدهم كما يلبس الثوب، يستر به جسده من لفح الزمهرير، أو وهج الحرور، فإذا أمن الحرّ أو البرد، طرحه، وبدا للناس عاريا. إن هؤلاء المتلاعبين بالدين لم يعرفوا حقيقة الإيمان، ولم يعتقدوه عقيدة، تستولى على قلوبهم، وتختلط بمشاعرهم.. ومن هنا كان استخفافهم به، وتحولهم عنه، إذا أوذوا فى أموالهم أو فى أنفسهم، أو إذا لاح لهم فى أفق آخر لمعة سراب لعرض زائل من عروض الدنيا. ومثل هذا الإيمان لا وزن له، والمؤمنون إيمانا كهذا الإيمان لا حساب لهم فى المؤمنين.. إن ضررهم أكثر من نفعهم، وخروجهم من الإيمان خير من دخولهم فيه.. وقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ» هو كما قلنا عزاء وتسريه للرسول، كما أنه تهوين لشأن هؤلاء الذين دخلوا فى الإسلام بكلمة ألقوها على أفواههم، ثم خرجوا منه بكلمة قذفوا بها من أفواههم.. فخسارة الإسلام فيهم- إن بدت فى ظاهر الأمر خسارة- ليست فى حقيقتها إلا كسبا للإسلام وللمسلمين، إذ قطعت هذه الأعضاء الفاسدة من جسد المجتمع الإسلامى، وعزلت عنه هذا

الداء الخبيث الذي يندسّ فى كيانه، ويعمل على إضعافه وإفساده. وفى قوله تعالى: «وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا» هو عطف على قوله تعالى: «مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ» .. فالذين يسارعون فى الكفر فريقان: فريق من غير اليهود.. من جفاة الأعراب، الذين وصفهم الله بقوله سبحانه: «وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ... » (101: التوبة» واليهود، وهم الذين أشار إليهم الله سبحانه وتعالى هنا بقوله: «وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا» ومسارعة الذين هادوا إلى الكفر، إما أن تكون بعد دخول بعضهم فى الإسلام ثم نفاقهم فيه، أو أن تكون مسارعتهم بالكفر بما فى أيديهم من الكتاب، إذ أنكروا ما فيه من آيات تحدّث عن الرسول الكريم، وتبشر به، وتدعو إلى مؤازرته والإيمان به.. فقد حملهم العناد على أن يكفروا بهذا الذي يحدثهم به كتابهم عن؟؟؟ وعن الأمارات التي يجدونها دالة عليه فى كتابهم.. وكان ذلك إسراعا منهم فى الكفر، وخروجا من الدين جملة. وقوله تعالى: «سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ» هو صفة لهؤلاء الذين يسارعون فى الكفر من الفريقين.. والأعراب، وأشباههم من ضعاف الإيمان من غير اليهود، يلقون أسماعهم إلى الأكاذيب التي يذيعها المنافقون عن الإسلام والمسلمين، وعامّة اليهود يعطون زمامهم لأهل العلم فيهم، ويتحدثون إلى النبي وإلى المؤمنين بما يلقيه علماؤهم فى آذانهم، دون أن يجرؤ هؤلاء العلماء على لقاء النبي ومواجهته بهذه الأكاذيب وتلك الأباطيل، لأنهم يعلمون كذبها، وأنهم مفضوحون إن واجهوا النبىّ بها. وقوله سبحانه «يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ» هؤلاء هم العلماء من أحبار اليهود، يحرّفون كلمات التوراة من بعد أن استقرت فى أماكنها، ولم يكن ثمة

سبيل إلى تبديلها. والتحريف هنا هو فى فساد التأويل والتخريج، وكتمان بعض، وعرض بعض. وقوله تعالى: «يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا» هو بيان لضرب من ضروب التحريف، والفساد فى التأويل. إذ يقيم علماء اليهود عامتهم على رأى خاص محرّف، ويقولون لهم إن قبله محمد منكم فاقبلوه منه، ووافقوه عليه، وإن لم يقبله فاحذروا أن تأخذوا بما يدعوكم إليه، مخالفا لهذا الرأى الذي أنتم عليه. وقوله سبحانه: «وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً» هو تعقب فاضح لهذا الموقف اللئيم الذي يقفه علماء اليهود من دينهم الذي يدينون به، فقد فتنوا هم فيه وأفسدوا على أتباعهم دينهم، بهذه التأويلات الفاسدة المنكرة.. وإن هؤلاء الفاتنين والمفتونين معا صائرون إلى هذا المصير المشئوم، إذ كان موافقا لطبيعتهم، مستجيبا لأهوائهم.. فأخلى الله بينهم وبين أهوائهم، فلم يمد إليهم يد الهداية والتوفيق.. «وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى» (8- 9- 10: الليل) .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: فى خاتمة هذه الآية: «أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ» . وفى الإشارة إليهم بقوله تعالى: «أُولئِكَ» عرض كاشف لهم فى هذا الوضع السيّء، مطرودين من رحمة الله، واقعين تحت نقمته، «لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ» ، حيث يشهد الناس كذبهم، ونفاقهم، «وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ» .. فإن كان فى وجوههم صفافة تحتمل هذا الخزي، ولا تبتلّ بقطرة من عرق الخجل والحياء، فى الدنيا، فإن جلودهم- ولو كانت فى بلادة الحجر،

الآية: (42 - 43) [سورة المائدة (5) : الآيات 42 إلى 43]

أو صلابة الحديد، فلن تدفع عنهم حريق جهنم أن ينفذ إلى ما وراءها من لحم وعظم، وأن يجعلهم كتلا من جمر، وحمم. الآية: (42- 43) [سورة المائدة (5) : الآيات 42 الى 43] سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) التفسير: هاتان الآيتان تستكملان الصفات الذميمة التي دمغ الله بها اليهود، وجعلها طبيعة قائمة فيهم، ولم يذكرهم القرآن هنا، بل جاء بالوصف الدال عليهم، هكذا: «سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ» فما أحد أكثر من اليهود كذبا، ولا أجرأ منهم عليه.. وحسبهم أن يكذبوا على الله، وأن يحرفوا كلماته، وأن يقولوا على الله ما لم يقله الله.. وما أحد آكل من اليهود للسّحت، وهو الحرام الذي يلبسونه وجه الحلال كذبا وافتراء وبغيا وعدوانا. وقوله تعالى: «فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ» . قيل فى سبب نزول هذه الآية إنه وقعت فى اليهود جريمة زنا بين كبيرين من كبرائهم، وكان حد الزنا فى الإسلام يومئذ هو ما جاء فى قوله تعالى: «الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ» ولم يكن جاء بعد ما جاء

فى عمل الرسول من رجم المحصنة والمحصن.. فأراد اليهود أن يفيدوا من هذا الحكم الذي جاء فى الإسلام، وأن يأخذوا صاحبيهما- الزانية والزاني- بالحدّ الذي شرعه الإسلام، وهو الجلد، وأن يحموا الزانية والزاني من الرجم، لما لهما من منزلة عندهم. ولا شك أن هذا تلفيق فى الدين، فإما أن يكونوا يهودا على شريعة اليهود، فيقيموا حكم التوراة- وهو الرجم هنا- على صاحبيهما، مهما كانت منزلتهما، وإما أن يكونوا مسلمين فيقام عليهما حكم الإسلام وهو الجلد. ولكن هكذا اليهود.. يأخذون من الأحكام الشرعية ما يرضى هواءهم، فإن لم يكن بالتحريف والتبديل، كان بالتحول من شريعة إلى شريعة، ومن دين إلى دين، حسب الحال الداعية إليه. وقد جاءوا إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- يسألونه الحكم فى هذين الزانيين، فسألهم الرسول: ما حكم التوراة فيهما؟ فقالوا: الجلد بحبل مطلىّ بالقار، وعرض الزانيين على الناس، يطاف بهما وهما على حمار بن، فى وضع مقلوب. فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: «كذبتم، الحكم فى التوراة هو الرجم» فأنكروا.. ثم فضحهم الله، فشهد شاهد من علمائهم: أنه الرجم.. فأمر الرسول بإمضاء حكم التوراة فيهما، ورجمهما. وقوله تعالى: «وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ» استنكار لموقف اليهود، وتحكيمهم النبي صلى الله عليه وسلم فى أمر هو من شئون دينهم الذين هم عليه- وحكم التوراة واضح فى هذا الأمر.. ثم كيف يحكمون النبىّ وهم لا يؤمنون به، ولا يعترفون برسالته، ولا بالكتاب الذي فى يده؟ إن ذلك لم يكن لطلب حق، ولا ابتغاء هدى، وإنما كان إشباعا لأهواء، وإرضاء لشهوات، وتحللا من حكم شرعى قائم

الآية: (44) [سورة المائدة (5) : آية 44]

بهذا التأويل الفاسد الذي ذهبوا إليه، بالانتقال- فى هذه الحالة- من دين إلى دين.. وقوله تعالى: «ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ» هو فضح لما عليه اليهود من ضلال ورياء فى الدين- إنهم لا يقبلون من النبىّ إلا ما وافق أهواءهم، وهم ليسوا بالمؤمنين، بما يأخذون أو يدعون من شريعة النبي،.. ثم إنهم ليسوا بالمؤمنين إطلاقا، لا بدين محمد، ولا بالشريعة التي هم عليها.. وفى الإشارة إليهم بقوله تعالى: «وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ» تشنيع عليهم، واستدعاء لكل ذى نظر أن يمسك بهم، وهم على هذا الكفر الذي يعيش معهم. الآية: (44) [سورة المائدة (5) : آية 44] إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (44) التفسير: فى هذه الآية تعريض بأحبار اليهود وعلمائهم، الذين عاصروا النبوة، وكتموا ما معهم من التوراة وأحكامها.. وقوله تعالى: «إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ» هكذا أنزلنا التوراة، تحمل شريعة الله، وضيئة مشرقة بالهدى والحق.. وهكذا حكم بها النبيون الذين جاءوا بعد موسى، يأخذون بها، ويبينون لليهود أحكام الشريعة فيها. ووصف النبيين بالذين أسلموا إشارة إلى أنهم على دين الله، الذي ارتضاه الله لعباده، وهو الإسلام، الذي كانت خاتمة دعوته، وتمام رسالته، الدعوة

الإسلامية، ورسالة رسولها محمد بن عبد الله.. وفى هذا دعوة لليهود أن يلتقوا مع رسالة الإسلام، وأن يؤمنوا كما آمن الناس، وإلا فهم على غير دين الله، إذا كان ما معهم من شرع لا يلتقى من شريعة الإسلام، فى الإيمان بالله، وما شرع الله. وقوله تعالى: «وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ» هو عطف على قوله سبحانه «يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ» أي ويحكم بها- أي بالتوراة- الربانيون والأحبار، مشهدين بما تلقوا على يد الرسل والأنبياء من شريعة التوراة، وكانوا هم أنفسهم شهودا على ما تلقوا.. وفى هذا تحريض لأحبار اليهود وعلمائهم الذين عاصروا النبوة والذين جاءوا بعدهم أن يكونوا على ما كان عليه أنبياؤهم، وحواريّو هؤلاء الأنبياء، من الحكم بما أنزل الله، دون تحريف، أو تبديل.. وإلا فهم ليسوا ربانيين ولا أحبارا. وقوله سبحانه: «فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا» توكيد للدعوة التي دعى إليها هؤلاء الربانيون والأحبار، وهو أن يرقبوا الله ويتقوه فيما فى أيديهم من كتاب الله، وألا تغلبهم شهوة المال على الوفاء بعهد الله، وأداء الأمانة التي اؤتمنوا عليها.. والميثاق هو الذي واثقهم الله عليه فى قوله تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ» (187: آل عمران) . وقوله تعالى: «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ» تهديد ووعيد لهؤلاء الرّبّانيين والأحبار، وحكم عليهم بالكفر الصريح، إذا هم لم يحكموا بما أنزل الله، ولم يلقوا الناس بما فى أيديهم من كتاب الله.

الآية: (45) [سورة المائدة (5) : آية 45]

والربيون: جمع ربّىّ، وهو العالم الزاهد، المنقطع للعلم والعبادة. والأحبار: جمع حبر، وهو العالم الفقيه، المتمكن من تعاليم الشريعة. الآية: (45) [سورة المائدة (5) : آية 45] وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) التفسير: قوله تعالى: «وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها» أي فرضنا عليهم فى التوراة أحكام القصاص، على هذا الوجه الذي بيّنه الله فى قوله تعالى: «أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ» . فكل عدوان على الإنسان، فى أية جارحة من جوارحه، أو عضو من أعضائه، جزاؤه عدوان مثله على المعتدى.. إن قتل قتل، وإن فقأ عينا فقئت عينه، وإن جدع أنفا جدع أنفه، وإن صلم أذنا صلمت أذنه، وإن كسر سنّا كسرت سنّه! وقوله تعالى: «وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ» هو عطف على قوله تعالى: «أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» والجروح هى ما دون تلف هذه الأعضاء التي بينتها الآية الكريمة، مثل قطع إصبع، أو كفّ، أو قدم، ونحو هذا. وقوله تعالى: «فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ» هو خطاب للمعتدى عليه،

الآيتان: (46 - 47) [سورة المائدة (5) : الآيات 46 إلى 47]

أو وليّه فى القصاص، وهو أن يتصدق بالعفو على من اعتدى عليه، فهذا التصدق كفارة له، وحطّ من سيئاته بقدر ما تصدق به، والضمير فى «به» يعود إلى القصاص.. أي: ومن تصدق بالقصاص فلم يقتص من خصمه فهو كفارة له. وقوله تعالى «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» هو تحذير ووعيد لمن غيّر أو بدّل فى أحكام الله، فإن هذا عدوان على الله، وظلم للنفس، إذا أوقعها تحت غضب الله ونقمته، بالعدوان على ما شرع من أحكام. وقد وصف الذين يحكمون بما أنزل بوصفين، وصفوا أولا بأنهم «هم الكافرون» ، ووصفوا ثانيا بأنهم «هم الظالمون» .. فهم كافرون ظالمون.. قد جاوز كفرهم كل حدود الكفر، فكان كفرا وظلما معا. الآيتان: (46- 47) [سورة المائدة (5) : الآيات 46 الى 47] وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (47) التفسير: التقفيه: المجيء من الخلف، أو القفا، ومعناه هنا: مجىء عيسى، بعد هؤلاء الأنبياء الذين أشار إليهم الله سبحانه وتعالى بقوله: «يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا» . فقوله تعالى: «وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ» أي بعثنا بعد هؤلاء

الأنبياء عيسى بن مريم، فجاء على آثارهم، متبعا خطوهم فى طريقهم الذي سلكوه، من دعوة الناس إلى الحق والهدى.. وقوله تعالى: «مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ» أي مؤيّدا لها، بإيمانه بها، وأخذه بشريعتها. وقوله سبحانه: «وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ» هو عطف على قوله تعالى «وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ» وقوله تعالى «فِيهِ هُدىً وَنُورٌ» هو حال من الإنجيل، تكشف عن مضمون هذا الكتاب الكريم، وهو أنه يحمل الهدى والنور فى آياته وكلماته.. وقوله تعالى: «وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ» هو حال أيضا من الإنجيل، يبين أن الإنجيل مصدّق لما فى التوراة، لأنه حقّ مثلها، منّزل من عند الله، كما أنها منزلة من عند الله، فالمسيح عليه السلام، مصدق للتوراة بإيمانه بها قبل أن يكون معه كتاب من عند الله، ثم لما تلقى كتابه من الله سبحانه وتعالى، جاء هذا الكتاب وهو «الإنجيل» مصدقا للتوراة، مؤيدا لما جاء فيها. قوله تعالى: «وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ» بيان لهذا الهدى والنور الذي يحمله الإنجيل، وأنه لا يفيد منه، ولا يهتدى به، إلا المتقون الذين تلقّوه بقلوب مطمئنة، ونفوس سليمة، لا تحرّف كلماته، ولا تبدّل آياته.. إنه أشبه بالدواء المرصود لداء ما.. إذا تغيرت معالمه بعناصر غريبة دخلت عليه، فسدت طبيعته، ولم يفد منه صاحب الداء، بل ربما أصابه منه ضرر، فكان داء إلى الداء! وقوله تعالى: «وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ» هو دعوة إلى أتباع الإنجيل أن يأخذوا أنفسهم

الآية: (48) [سورة المائدة (5) : آية 48]

بأحكامه وآدابه كما جاء بها، ثم هو وعيد لهم إذا هم انحرفوا عن الأخذ بما أنزل الله فيه، فتأوّلوه على غير وجهه، أو حرّفوا الكلم عن مواضعه.. إنهم حينئذ يحكمون بغير ما أنزل الله.. «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ» أي الخارجون على دين الله، وما تلقى المسيح من ربه.. فلينظروا أي دين هم عليه بعد هذا الدين؟ .. وقد وصف الذين يحكمون بغير ما أنزل الله بثلاثة أوصاف.. الظالمون.. الكافرون.. الفاسقون.. فجمعوا الشر من جميع أطرافه. الآية: (48) [سورة المائدة (5) : آية 48] وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) التفسير: بعد أن بيّن الله سبحانه وتعالى، التوراة وما أنزل فيها من شريعة، والإنجيل وما حمل من آيات الله، وبعد أن دعا أصحاب التوراة والإنجيل أن يحكموا بما أنزل الله فيهما، وأن يقيموهما على ما نزلا به من الحق والهدى- بعد ذلك ذكر الله- سبحانه- القرآن الكريم، والنبىّ الذي تلقاه من ربه. فقال تعالى: «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ» .. وفى هذا أمور: 1- توجيه الخطاب للنبىّ من الله سبحانه وتعالى، وفى هذا تكريم للنبى الكريم، وتشريف لمقامه العظيم، وقربه من ربه جلّ وعلا..

2- العدول عن ذكر القرآن وتسميته بالكتاب، إشارة إلى أنه الأصل الذي ترجع إليه الكتب السماوية التي نزلت على الأنبياء من قبل، والتي هى جميعها كتاب واحد. 3- فى وصف الكتاب بالحق- مع أن نزوله من عند الله، يخلع عليه هذه الصفة من غير وصف- هو توكيد لما يحمل من الحق، وصيانة لهذا الحق من أن يقع تحت تحريف أو تبديل، إذ كان منزلا بيد الله.. «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ» .. إنه غرس من غرس الله، ولن يتعرض هذا الغرس الإلهى لأية آفة من الآفات التي تعرّض لها غيره.. وهذا ما يشير إليه قوله سبحانه: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» . وفى قوله تعالى: «مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ» أمور أيضا: 1- أن هذا الكتاب مصدق لما بين يديه من الكتاب.. والكتاب الأول هو القرآن، والكتاب الثاني هو جميع الكتب السابقة، أي هو مستول عليها، ومشتمل على أصولها، التي تنضبط عليه، وترجع عند تأويلها إليه.. وقوله تعالى: «فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ» هو خطاب للنبى أن يحكم بين المحتكمين إليه من اليهود والنصارى، بما أنزل الله، وأن يكون القرآن الذي بين يديه هو عمدة الأحكام، يرجع إليه، وتضبط أحكام الكتب السابقة على أحكامه، فما وافقه منها أخذ به، وما خالفه اعتبر محرفا ومبدلا، ليس من كتاب الله، ولا من شريعة الله. وقوله سبحانه: «وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ» هو تنبيه للنبىّ ألّا يمدّ بصره إلى تحريفات أهل الكتاب، وإلى الشرائع التي أحدثوها.. وحسبه ما بين يديه من الحق الذي يجده فى القرآن الكريم.

وقوله سبحانه: «لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً» هو بيان للحكمة فى تعدد الشرائع السماوية، وتعدد الكتب التي جاءت بها، والرسل الذين حملوها.. إذ كان لكل أمة زمانها ومكانها، وللزمان والمكان، أثره فى الأمم، وفى اختلاف مناهجها فى الحياة، وأساليبها فى العمل.. فكان أن حمل رسل الله إلى كل أمة قبسا من شريعة الله، مقدورا بقدرها، محسوبا بحسابها، وما يلائم طبيعتها، وظروف زمانها ومكانها.. وهى جميعها (أي الشرائع) تستقى من شريعة واحدة، وتورد أتباعها على مورد من مواردها.. وفى قوله تعالى: «شِرْعَةً» ما يشير إلى أنها مقطع من مقاطع الشريعة العامة، التي جاء بها القرآن الكريم، وأن تلك الشرعة ما هى إلا مورد ترده الأمة على نهر الشريعة العامة، فتستقى منه، وتحمل بقدر ما تحتمل.. وفى قوله تعالى: «وَمِنْهاجاً» إشارة أخرى إلى اختلاف الأمم والشعوب، وأنها لا يمكن أن ترد موردا واحدا، على الشريعة العامة، وأن تحشر حشرا على مورد واحد منها.. لاختلاف الطبيعة، واللغة، وغيرها مما يجعل لكل أمة وجهها الذي تظهر به فى. الحياة، فاقتضت حكمة الحكيم العليم أن يقيم كل أمة على مورد من شريعته. وقوله تعالى: «وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً» أي لو أراد الله سبحانه أن يجعل الناس أمة واحدة، تلتقى على مشاعر واحدة، ولغة واحدة، لفعل، فما لمشيئته من معقّب، أو معترض، ولكنه سبحانه حكيم عليم، اقتضت حكمته، وشاءت إرادته أن يجعل الناس أمما وشعوبا، كما جعلهم أفرادا، وكما جعلهم ذكرا وأنثى.. وقوله سبحانه: «وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ» أي ولكنه سبحانه وتعالى لم يجعلكم أمة واحدة، كما لم يجعلكم كائنا واحدا، ليكون لكل أمة حسابها،

الآية: (49) [سورة المائدة (5) : آية 49]

كما يكون لكل فرد حسابه، وفى مجال العمل والخير والحق تتسابق الأمم، كما يتسابق الأفراد. وقوله تعالى: «فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ» والاستباق: هو السبق والإدراك.. أي أدركوا الخيرات التي دعيتم إليها فى كتب الله التي بين أيديكم وبادروا إلى تحصيلها، قبل أن تفلت منكم، فلا يبقى فى أيديكم إلا الحسرة، وإلا الندم، وسوء العاقبة. وقوله سبحانه: «إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ» تحذير لهؤلاء المختلفين فى كتب الله، المحرفين لها، وأنهم سيرجعون إلى الله يوما، وسيحاسبون على ما كان منهم من عبث بالشرائع التي فى أيديهم، وحملها على ما تشتهى أنفسهم.. فما جرى منها مع أهوائهم قبلوه، وما لم يجر منها على ما يشتهون حرفوه وبدّلوه.. ولهذه الأفعال المنكرة، جزاؤها المرصود لأصحابها. الآية: (49) [سورة المائدة (5) : آية 49] وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (49) التفسير: قوله تعالى: «وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ» دعوة أخرى للنبى الكريم أن يلتزم فى حكمه بين أهل الكتاب ما أنزل الله إليه، وألا يلتفت إلى ما تمليه أهواؤهم، وما يسوقون إلى النبي من كيد ومكر، ليفتنوه، ويفتنوا

الآية: (50) [سورة المائدة (5) : آية 50]

المؤمنين معه.. «وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ» وذلك بالأخذ ببعض الأحكام التي يقولون- كذبا- أن شريعة التوراة جاءت بها، وهى جلد المحصن الزاني، وليس الرجم كما جاءت به التوراة. وقوله سبحانه: «فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ» أي فإن حكمت بين هؤلاء اليهود بما أنزل الله إليك، وأبوا أن ينزلوا على هذا الحكم وأن يأخذوا به، فإن عقاب الله راصد لهم، يأخذهم ببعض ما اكتسبوا.. ولو أخذهم بكل ما اكتسبوا لخسف بهم الأرض، أو لأطبق عليهم السماء، ولكنه سبحانه رحيم إذ يؤدّبهم بهذا العقاب، الذي هو قليل من كثير، مما كانوا أهلا لأن ينزل بهم. وقوله سبحانه: «وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ» .. الناس هنا هم اليهود، وعدم ذكرهم هو إبعاد لهم من هذا الشرف بأن يكونوا محمل كلمة من كلمات الله، حتى فى مقام الهوان والعذاب، فما أشقى هؤلاء الأشقياء، وما أبخس صفقتهم بين عباد الله، وما أرذل منزلتهم بين الناس. الآية: (50) [سورة المائدة (5) : آية 50] أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) التفسير: فى هذا الاستفهام إنكار على أهل الكتاب هذا الموقف الذي يقفونه من شرع الله، وأنهم لا يأخذون منه إلا ما يستجيب لأهوائهم، فهم- والحال كذلك- يريدون أن يتحللوا من كل شرع، ويفلتوا من كل قانون، شأن الحياة الجاهلية التي تحكمها الأهواء، وتسيّرها النزعات الذاتية السائدة فيها، حيث لا مرجع إلى شرع أو قانون.

الآيتان: (51 - 53) [سورة المائدة (5) : الآيات 51 إلى 53]

وقوله تعالى: «وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ» هو تسفيه لأهل الكتاب، وفضح لجهلهم وضلالهم، إذ يعدلون عن شرع الله، ويخرجون عن حكمه، إلى شريعة الجاهلية، وأحكام السفاهة والضلال.. وذلك من حماقة عقولهم، وسفه أحلامهم، إذ أنه لا يعرف فرق ما بين أحكام الله، وأحكام غير الله، إلا من أخلى قلبه من نزعات الهوى، وصفّى مشاعره من وساوس النفاق، ونظر إلى الله بقلب سليم، فعرفه حق معرفته، وقدره حقّ قدره، ورأى أن هدى الله هو الهدى، وأن من اتبع غير سبيله ضل وهلك، ومن سلك سبيله رشد وسعد. الآيتان: (51- 53) [سورة المائدة (5) : الآيات 51 الى 53] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ (53) التفسير: الأولياء: جمع ولىّ، والولي هو النصير، والظهير، والمعين.. وقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ» هو للنهى عن موالاة اليهود والنصارى، وليس دعوة إلى عداوة أو قطيعة،

وإنما هو نهى عن مناصرتهم ومعاضدتهم، والوقوف إلى جانبهم، وهم على موقفهم من الإسلام ومحاربتهم له، فذلك خيانة للمسلمين، وعدوان على الإسلام.. إذ كيف يكونون هم حربا على الإسلام، ثم يكون فى المسلمين من هو على ولاء لهم، ومودة معهم؟ وقوله تعالى: «بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ» أي أن اليهود أولياء لليهود، والنصارى أولياء للنصارى.. وهذا أوّل ما فيه أن يجعل المسلمين أولياء للمسلمين، فلا يكون ولاء المسلم، ومناصرته ومناصحته، لغير المسلمين، فإذا لم يكن هذا الولاء، وتلك المناصحة من المسلم للمسلمين فلا أقّلّ من أن يقف عند هذا الحدّ السلبي- وهو موقف آثم- فلا يتحول إلى جبهة معادية للإسلام وأهله، فيكون لها مساندا مناصحا.. إن ذلك- كما قلنا- نفاق ظاهر، وكفر خفى! وقوله تعالى: «وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» هو بيان للوصف الذي يكون عليه من يجعل ولاءه لغير المسلمين من أهل الكتاب المحادّين لله ورسوله، المحاربين للإسلام والمسلمين، وهو أنه من هؤلاء الظالمين، المعتدين على حق دينه، وحق أتباع دينه، بخذلانهما، ومناصرة أعدائهما.. والظلم هنا شبيه بالظلم فى قوله تعالى: «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» .. لأن المسلم الذي يوالى أهل الكتاب، ويترك موالاة المؤمنين قد حكم بغير ما أنزل الله واتبع ما يرضى هواه، ويحقق نفعا ذاتيا له، على حساب دينه. قوله سبحانه: «فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ» .. «الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» هم المنافقون، الذين ستروا نفاقهم بالدخول فى الإسلام، والانضواء تحت لواء المسلمين، ليتخذوا من الإسلام تجارة يتجرون بها فى سوق السحت والاختلاس.. وهذا لا يكون إلا من قلب مريض، يستقبل كل ضلال، دون أن يغصّ به، أو يزورّ عنه..

والمسارعة فيهم أي فى أهل الكتاب: الانغماس فيهم، ولهذا جاء اللفظ القرآنى بتعدية الفعل سارع بحرف الجرّ «فى» ، بدلا من تعديته بحرف الجر «إلى» الذي يتعدى به هذا الفعل غالبا.. كقوله تعالى: «وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ» (133) آل عمران. وفى تعدية الفعل بحرف الجر «فى» ما يكشف عن أن هؤلاء المنافقين ينغمسون فى أهل الكتاب، ويدخلون فيهم دخولا كاملا، حيث يحتويهم ظرف واحد، إذ هم كيان واحد يألف بعضه بعضا. وفى قوله تعالى: «فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ» تشهير بهؤلاء المنافقين، وفضح لهم، وأنهم وإن لبسوا كل أثواب التخفّى، لا يلبث أمرهم أن ينفضح وينكشف، وأنهم بمرأى من النبي والمؤمنين، ولهذا جاء الفعل «ترى» وكأنه يشير إليهم، ويحدّد موقفهم الذي هم فيه فى الجبهة الأخرى، جبهة أهل الكتاب.. وهكذا المنافق دائما، إن لم يلتفت إليه أحد، دلّ هو الناس عليه، بكثرة التفاته إليهم وحذره منهم، وصدق المثل الذي يقول: «يكاد المريب يقول خذونى!» وقوله تعالى: «يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ» هو ترجمة لهذه التصوّرات المريضة، التي يعيش فيها المنافقون.. فهم أبدا على خوف وقلق، لا يسكنون إلى أمر، ولا يقيمون على رأى، بل تراهم وأعينهم تدور هنا وهناك، يريدون أن يجمعوا بين الشيء ونقيضه، حتى إذا فاتهم هذا لم يفتهم ذاك.. فهم مع المؤمنين، يخشون أن تكون الكرّة لأهل الكتاب.. وهم مع أهل الكتاب يخشون أن تكون الدولة للمؤمنين.. ولهذا فهم يلبسون الإيمان ظاهرا، ثم يوادّون أهل الكتاب باطنا.. وبهذا- كما تصور لهم نفوسهم المريضة- يحمون أنفسهم من أىّ أذى يصيبهم من أية جبهة غلبت، إذ سرعان ما يتحولون إلى الجبهة الأخرى التي كانوا قد احتفظوا بمكان لهم فيها..

فهؤلاء الذين يوادّون غير المؤمنين، ويلقون بأنفسهم فى أهل الكتاب، ويوثقّون صلاتهم بهم، إنما يفعلون هذا ليكون لهم منه شفيع عند أهل الكتاب، إذا كان لهم الغلب يوما على المؤمنين، فلا يصيبهم من الدائرة- وهى الهزيمة وما يلحق أصحابها من أذى- ما يصيب المؤمنين، إذا هم أصابتهم الدائرة التي يتوقعها المنافقون لهم. وقوله تعالى: «فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ» هو وعيد للمنافقين بما يملأ قلوبهم حسرة وندما، إذ جاء تدبيرهم وبالا عليهم وخسرانا لهم، حين قدّروا أن الدائرة ستدور على المؤمنين، فأخلوا مكانهم من بينهم، واتخذوا أهل الكتاب أولياءهم- ثم هو وعد كريم من الله، يجىء بتلك البشريات المسعدة للمؤمنين، وبأنهم هم المنتصرون، وأن الخزي والخذلان لأعدائهم، ولمن انضوى إليهم من منافقين.. «فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ» الذي يمكّن للمؤمنين من أعدائهم، وقد جاء نصر الله والفتح، ودخل الناس فى دين الله أفواجا فدالت دولة الشرك، وذهبت ريح النفاق والمنافقين. وقوله تعالى: «أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ» أي تدبير من عند الله، يجىء على غير انتظار، وعلى غير عمل من المؤمنين، كأن يوقع الشقاق والخلاف بين أحلاف السوء ومجتمع الضلال، فيفضح بعضهم بعضا، ويخذل بعضهم بعضا، فإذا أولياء الأمس أعداء اليوم، يبرأ بعضهم من بعض. وحمل هذا الوعد الكريم من الله للمؤمنين على يدى فعل الرجاء «عسى» إنما ليقيم المسلمين على رجاء وأمل فى رحمة الله بهم، وفضله عليهم، فتظل قلوبهم شاخصة إلى الله، ذاكرة له، ترقب غيوث رحمته، وفواضل نعمه.. ولو جاء هذا الوعد الكريم قاطعا منجزا لما بعث فى القلوب المؤمنة تلك

المشاعر المتجددة، ولما أمسك بها هذا الزمن الطويل، متشوّفة بأبصارها وقلوبها إلى غيوث رحمة الله، ومواطر أفضاله ونعمه. وقوله تعالى: «فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ» هو عرض لتلك النهاية التي ينتهى إليها أمر هؤلاء المنافقين، وما يؤول إليه عاقبة مكرهم وتدبيرهم.. إنه الندم والحسرة والخسران. قوله تعالى: «وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ» .. هو عرض لهؤلاء المنافقين فى معرض آخر من معارض الخزي والفضيحة، فبعد أن دعا الله سبحانه وتعالى كل ذى نظر أن ينظر إلى هؤلاء المنافقين، ويشهد كيف يتهالكون على أهل الكتاب، ويرتمون فى أحضانهم، خوفا من أوهام متسلطة عليهم- بعد أن عرضهم الله سبحانه فى هذا المعرض الفاضح، وتوعدهم بالخزي والخسران، بنصر الله المؤمنين، وبخذلان الكافرين والمنافقين- جاءت هذه الآية الكريمة، تدعو المؤمنين إلى أن يديروا النظر مرة أخرى إلى هؤلاء المنافقين، وأن يقلّبوا صفحات تاريخهم فى الإسلام، ويتتبعوا مسيرتهم معه.. ثم ليصدروا حكمهم عليهم.. وهنا يكثر حديث المؤمنين عن هؤلاء المنافقين، ويلقى بعضهم بعضا بما اطلعوا عليه من نفاقهم، فتكثر فيهم القالة، ويكثر العجب والدهش من أمرهم، وإذا الفضيحة تجلجل بصوتها فى كل أفق، وتتحرك بأشباحها فى كل مكان. وليس ما حكاه القرآن من مقولة المسلمين فيهم: «أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ» ليس هذا هو كل ما قيل فيهم.. وإنما هو مضمون ما قيل، وصميم ما ينبغى أن يقال فى هؤلاء المنافقين.. إذ أنهم كانوا يحلفون بالله للمؤمنين جهد أيمانهم- أي بأغلظ أيمانهم وآكدها- إنهم لمع المؤمنين، ولن يتخلّوا عنهم فى حرب أو سلم..

الآيات: (54 - 56) [سورة المائدة (5) : الآيات 54 إلى 56]

وهذا الحلف نفسه، والمبالغة فيه هو الذي يكشف المستور من أمرهم، ويعطى الدليل على أنّهم على غير الإسلام.. إذ أنهم لو كانوا مسلمين حقّا لما حلفوا وأكّدوا الحلف أنهم مؤمنون، ومع المؤمنين.. فما دعاهم أحد أن يحلفوا، ولكنّ كائن النفاق الذي يعيش فى كيانهم هو الذي حملهم على أن يستروا كذبهم ونفاقهم بهذه الأيمان المؤكدة، حتى لا يفتضح ما فى قلوبهم.. وهكذا المجرم، يحوم حول جريمته، يريد أن يخفى معالمها حتى ولو لم تكن هناك معالم لها.. لأنه لخوفه يتصور أن كل ما كان فى مكان الجريمة من كائنات، شاهد عليه، ينادى فى الناس بالإمساك به قبل أن يفلت. وقوله تعالى: «حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ» أي فسد تدبيرهم، وخاب ظنّهم، وبطل سعيهم، فكان ذلك خسران لهم أي خسران.. خسروا المؤمنين الذين أصبحوا فيهم وقد افتضح أمرهم لهم، وخسروا أولياءهم من أهل الكتاب بعد أن أصابتهم الهزيمة، وعلت راية الإسلام، وعزّت كلمته.. الآيات: (54- 56) [سورة المائدة (5) : الآيات 54 الى 56] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ (56) التفسير: بعد هذه المراقبة التي اطلع منها المسلمون على هؤلاء المنافقين الذين ارتدّوا على أدبارهم، وألقوا بأنفسهم فى مجتمع اليهود وغيرهم، ممن يكيدون

للإسلام، ويبيّتون الشرّ للمسلمين، وبعد أن عاين المسلمون ما وقع أو ما سيقع للمنافقين من سوء حال وشر منقلب، وخسران للدنيا والآخرة- بعد هذا كان على المسلمين أن يراقبوا أنفسهم، وأن يأخذوا حذرهم من أن يردوا هذا المورد الآسن الآثم.. فجاء قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ» منبها لهم ومحذّرا، أن من يرتدّ منهم عن دينه كما ارتدّ هؤلاء المنافقون الذين عرفوا أمرهم ومصيرهم، فستكون عاقبة المرتد منهم هى نفس عاقبة أولئك المنافقين: النّدم والحسرة والخزي والخسران المبين.. والارتداد، معناه الرجوع إلى وراء، والعودة من المكان الذي كان قد تحرك منه المرتدّ إلى الأمام.. وهذا يعنى أنه يهدم ما بنى، وينقض ما غزل ولا يفعل ذلك إلا سفيه أحمق! وفى إضافة الدّين إلى المؤمن، وبلفظ المفرد. هكذا: «عَنْ دِينِهِ» ما يلفت المؤمن إلى هذا الدين الذي دخل فيه، وأصبح من أهله، وأنه دينه هو، وثمرته عائدة عليه وحده، وأنه الدّين الذي ينبغى أن يعيش فيه، ويشتدّ حرصه عليه. إذ هو الدين الذي يدين به كل عاقل.. إنه دينه، إن كان من أهل العقل والرشاد. وقوله تعالى: «فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ» هو معطوف على جواب الشرط، وليس جوابا للشرط، وإن كانت الفاء الواقعة فى جواب الشرط تشير إلى هذا الجواب.. ويكون معنى الآية هكذا: يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسيلقى مالقى هؤلاء المنافقون الذين ارتدوا، من نكال وبلاء وسوء مصير، ثم إنّه لن يضرّ الله شيئا، ولن يضير المسلمين فى شىء، لأنه سيخلى مكانه، الذي كان له

فى الإسلام، ليأخذه من هو أولى به منه، وأكرم عند الله، وأكثر نفعا للمسلمين، وأعظم غناء فى الإسلام.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ... » الآية. وهؤلاء القوم الذين سيأتى الله بهم، ويدخلهم فى دينه، قد وصفوا بأوصاف أربعة: أولا: يحبهم الله ويحبونه.. وحبّ الله لهم: دعوتهم إلى الإسلام، وشرح صدورهم له، وثثبيت أقدامهم فيه.. لأنه سبحانه وتعالى هو الذي أحبّهم، وهو الذي اختارهم ودعاهم.. وهذا فضل عظيم، ودرجة من الرضا، لا ينالها إلا من أكرمه الله، واستضافه، وخلع عليه حلل السعادة والرضوان.. جعلنا الله من أهل محبته، وضيافته. أما حبّهم هم لله، فهو فى استجابة دعوته، وامتثال أمره، والولاء له، ولرسوله وللمؤمنين.. ثانيا: «أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ» . إجماع المفسّرين على أن هذا الوصف، هو وصف لهؤلاء القوم بعد أن دخلوا فى الإسلام، فكانت تلك صفتهم، وهذا سلوكهم فيه.. «أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» أي متخاضعين للمؤمنين، لا يلقونهم إلا باللّين والتواضع.. «أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ» أي أشدّاء وأقوياء، لا يلقى منهم أهل الكفر إلا بلاء فى القتال، واستبسالا فى الحرب.. أما فى السّلم فهم جبال راسخة فى الإيمان.. لا ينال أحد منهم نيلا فى دينه، ولا يطمع أحد من أعداء الإسلام فى موالاتهم أو فى تعاطفهم معه.

هذا هو إجماع المفسّرين فى فهم هذا المقطع من الآية، ويشهدون لذلك بقوله تعالى: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ» (29: الفتح) ومع هذا، فإنى أستريح لفهم آخر، غير هذا الفهم.. أرى أنه يفتح لهذا المقطع آفاقا أرحب من هذا الأفق الذي حصره المفسرون فيه، وأطلعوه منه. فأقول- والله أعلم- إن هذا الوصف هو وصف لهؤلاء القوم الذين سوف يدعوهم الله سبحانه وتعالى إليه، وييسّر لهم الطريق إلى دينه. وفى قوله تعالى «أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ» - نرى: 1- أن هؤلاء القوم المدعوّين إلى ضيافة الله هم من الذين كانوا يستخفّ بهم مؤمنون، ويحقرونهم، لأنهم كانوا على عداوة ظاهرة للإسلام، وعلى كيد عظيم للمسلمين.. فهم- والحال كذلك- ميئوس من دخولهم فى الإسلام، لا يطمع المسلمون فى أن يكونوا معهم فى يوم ما، وعلى هذا، فهم لا حساب لهم فى الإسلام عند المسلمين، ثم هم فى الوقت نفسه «أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ» إذ كانوا سندا قويا لهم فى مواجهة الإسلام والمسلمين. وحسبنا أن نذكر هنا خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبى سفيان، وقد كانا هما للّذين كسبا معركة أحد لقريش، بعد أن كادت الدائرة تدور عليهم. ثم دخلا بعد ذلك فى الإسلام فكانا درعين حصينين للإسلام، وقوة من القوى التي استند عليها فى هزيمة الكفر، وإعلاء كلمة الله.. كانا أذلة على المؤمنين أعزّة على الكافرين.. هكذا كانا قبل أن يدخلا فى الإسلام. 2- أن فى هذا العرض لهؤلاء القوم الذين لم يكن أحد ينتظر منهم خيرا

للإسلام، ثم إذا هم خير كثير له بعد أن دخلوا فيه- فى هذا ما يغرى أولئك المسلمين الذين تتلجلج فى صدورهم دواعى النفاق، أن يستمسكوا بمكانهم فى الإسلام، وأن يرسّخوا أقدامهم فيه، حتى لا يأخذ مكانهم أولئك القوم، الذين ينظرون إليهم نظر اتهام وازدراء، إذا كانوا حربا على الإسلام والمسلمين.. 3- حين ينظر المنافقون إلى هذا المقطع من الآية الكريمة- على هذا الفهم- ويرون أن رؤوس الكافرين، وأهل العزّة فيهم سيكونون يوما فى جانب المسلمين- حين يرون هذا يفكرون أكثر من مرة قبل أن يلوذوا بحمى هؤلاء الأعزة الأقوياء، ويرون أن من الخير لهم أن ينتظروهم على الطريق وهم متجهون إلى دين الله! 4- فى هذا الفهم تبدو هناك طريق مفتوحة دائما لمن يكيدون للإسلام- وهم غالبا أصحاب دولة وصولة فى مجتمع الكفر والضلال- ينفذون منها إلى الإسلام، ويعطون من قوتهم له، ما أعطوه من قبل فى حربه، وعداوته.. وفى عمر بن الخطاب شاهد مبين لهذا. وهكذا، يصبح من كان عدوا لله ولرسوله وللمؤمنين، وليّا لله، متابعا لرسول الله، مجاهدا فى سبيل الله، على حين يتحول من كان- فى ظاهره- مواليا لله، ولرسوله، ولدينه، عدوا الله، ولرسوله، وحربا على دينه.. فهناك طريقان: طريق.. يستقبل منه الإسلام، أقواما كانوا أعداء له وحربا عليه.. وطريق.. يتسلل منه جماعات من المسلمين، إلى حيث الكفر والضلال.. ثالثا: «يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . هذه صفة ثالثة من صفات أولئك الداخلين فى الإسلام، المدعوين إلى

ضيافة الله فيه، بعد أن طرد من ضيافته أولئك المنافقين ومن فى قلوبهم مرض. فهؤلاء المسلمون الجدد: «يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ويدفعون عن الإسلام والمسلمين يد البغي والعدوان، ويعطون ولاءهم كله لدينهم الذي دعاهم الله إليه، وارتضاهم له.. لا يضنّون عليه بأموالهم ولا بأرواحهم. رابعا: «لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ» . ومن صفاتهم أنهم فى إيمانهم، وفى جهادهم فى سبيل الله، لا ينظرون إلى غير الله، ولا يلتفتون إلّا إلى نصرة دين الله، لا يثنيهم عن ذلك لوم لائم، من قريب أو صديق، ممن بقي على الكفر من أقاربهم وأصدقائهم.. إنهم باعوا كل شىء، وتخلّو عن كل شىء، إلا إيمانهم بالله، ونصرتهم لدين الله. وفى قوله تعالى: «ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» إشارة إلى أن هذا الذي يجرى فى حياة الناس، من تحول وتبدل، فيتحول أهل الكفر والضلال إلى الهدى والإيمان، هو من فضل الله، الذي استنقذ به أولئك الضالين الذين كانوا على شفا حفرة من النار.. وهذا الفضل هو بيد الله، لا يملك أحد منه شيئا «يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ» ويصرفه عمن يشاء.. «وَاللَّهُ واسِعٌ» لا يضيق فضله بأحد، ولا تنفذ خزائنه بالإنفاق.. «عليم» بمن هم أهل لهذا الفضل، فخصّهم به، واجتباهم له.. «يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» . قوله تعالى: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ» .. هو دعوة للمؤمنين جميعا، من دخل فى الإسلام، ومن لم يدخل بعد، أن تكون ولايتهم ونصحهم لله ولرسوله وللمؤمنين..

وفى قوله تعالى: «الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ» هو صفة للمؤمنين الذين يطمئن إليهم المؤمن، ويعطيهم ولاءه ونصحه، ومحبته. وفى هذا تحذير للمؤمنين أن ينخدعوا لمن آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه.. ومن آثار الإيمان بالقلب أن يقيم المؤمن الصلاة، وأن يؤتى الزكاة.. يقيم الصلاة خاشعا، ويؤدى الزكاة راضيا، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَهُمْ راكِعُونَ» أي خاشعون، فى غير رياء، أو استعلاء.. لأنهم فى صلاتهم وزكاتهم على عبادة لله، وفى حضور بين يديه، فينبغى أن يعطوا هذا المقام حقّه من الخشوع لله، والخضوع بين يديه، حتى يكونوا فى معرض القبول من الله، لصلاتهم وزكاتهم. قوله تعالى: «وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ» بيان لما تثمره الموالاة لله ورسوله والمؤمنين، فإن من يوالى الله يكون من حزب الله، ومن كان فى حزب الله فهو من الفائزين، لأنه فى ضمان الله، وفى جنده الذين لا يغلب أبدا.. «كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ» (21: المجادلة) . هذا، وقد ذهب كثير من المفسّرين إلى أن قوله تعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ» مراد به «علىّ بن أبى طالب» كرّم الله وجهه.. ويروون لهذا أحاديث، تفيد أن هذه الآية نزلت فى «علىّ» رضى الله عنه، وأنّه تصدق على فقير سأله وهو راكع فى الصلاة، فنزع خاتما كان فى يده، وألقاه إليه، وهو فى صلاته..! وفى هذا الخبر أمور.. منها: أولا: أن الخطاب عام، بلفظ الجمع: «الَّذِينَ آمَنُوا..» والوقوف

بالآية عند صريح لفظها خير من التأويل والتخريج، إذ لا يعدل عن صريح اللفظ، إلا إذا كان ما يخفيه وراءه أولى مما يبديه ظاهره. والعكس هنا صحيح، إذ ظاهر الآية وصريح لفظها أولى من حمله على غير هذا المحمل، كما سترى. وثانيا: هذا السائل الذي يسأل مؤمنا قائما بين يدى الله يؤدى الصلاة.. ألا ينتظر حتى يفرغ المصلّى من صلاته؟ أهو غريق مشرف على الهلاك، حتى يستنجد بمن هو قائم بين يدى الله، عابدا خاشعا؟ ثالثا: الإمام «على» كرم الله وجهه، وهو فى استغراقه فى صلاته بين يدى ربه.. أيقطع هذا الموقف، وجلاله، وروعته، ليتصدق على فقير؟ وماذا لو انتظر حتى يفرغ من الصلاة؟ أيموت هذا الفقير جوعا؟ إن ذلك كان يمكن أن يقع لو أن نارا علقت بهذا الإنسان الفقير، وكادت تلتهمه، ولا منقذ له إلا على بن أبى طالب! وعلى هذا فالآية الكريمة خطاب عام للمؤمنين جميعا.. وإنما صرفها إلى هذا الوجه من التأويل، ما جاء فيها من «الولاية» التي يستخرج منها بعض الشيعة دليلا على أحقّية علىّ بالخلافة، وأن هذه الآية تؤيد حديثا يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أخذ بيد علىّ كرم الله وجهه، ثم قال: «من كنت مولاه فعلىّ مولاه.. اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه.» ! والموالاة هنا معناها الحبّ، والمودة، لا الخلافة، فمن أحبّ النبىّ صلى الله عليه وسلم وجب عليه- دينا- أن يحبّ آل بيته، ومنهم علىّ كرم الله وجهه، بل ووجب عليه دينا أن يحبّ كل مؤمن.. «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا» .

الآيتان: (57 - 58) [سورة المائدة (5) : الآيات 57 إلى 58]

الآيتان: (57- 58) [سورة المائدة (5) : الآيات 57 الى 58] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (58) التفسير: دعوة أخرى من الله- سبحانه- إلى المؤمنين أن يجتنبوا هؤلاء المنافقين والكافرين، الذين يهزءون بهم وبدينهم، ويتخذون من أحاديثهم فى المجالس معرضا للسخرية بالمسلمين والزراية بدينهم.. وهذا أقل ما فيه هو أن يغار المسلم على دينه، وأنه إن لم يستطع قطع هذه الألسنة التي تهزأ بدينه وتسخر منه، فإن أضعف الإيمان فى هذا الموقف هو أن يتجنب هؤلاء الساخرين المستهزئين، وأن ينظر إليهم نظرة العدوّ المتربص به، فلا يأمن له، ولا يركن إليه. قوله تعالى: «وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» إشارة إلى أن الغيرة على الدين، والانتصار له ممن ينتهك حرمته، هو من تقوى الله، وأن موالاة أعداء الإسلام، والكائدين له، والمستهزئين به، هو مما يبعد عن التقوى، ويحجز المؤمن عن أن يكون من المتقين.. فإذا كان المؤمن مؤمنا حقّا، فليتق الله.. وأول مداخل التقوى إلى الله، هو توقير الله، وتوقير دينه، والغيرة على حرماته، والدفاع عنها، واعتبار كل عدوان عليها منكرا، يدفعه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.. كما يقول ذلك النبىّ الكريم فى حديثه الشريف.

الآيتان: (59 - 60) [سورة المائدة (5) : الآيات 59 إلى 60]

وقوله تعالى: «وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً» هو استحضار لصورة من صور الهزء والسخرية التي يحارب بها الإسلام، فى محيط الكافرين، والمنافقين، ومن فى قلوبهم مرض.. وفى عرض هذه الصورة ما يثير مشاعر المسلمين، ويلفتهم إلى هذا العدوان الذي يرميهم به أعداؤهم، وهم فى هذا الموقف العظيم، بين يدى رب العالمين.. فإن كل مسلم ينتظم فى صفوف المسلمين للصلاة يصيبه رشاش من هذا الأذى الذي يرمى به أعداؤهم فى أعقاب المسلمين، وهم ركّع وسجود.. ولن يطهّر هذا الأذى، ويذهب بهذا الرجس، إلا بأن يأخذ المسلم بحقّه من هؤلاء الذين اعتدوا عليه، وآذوه فى دينه! وقوله تعالى: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ» هو تسفيه لهؤلاء الذين يحادّون الله ورسوله، ويهزءون ممن يولّى وجهه إلى الله، راكعا وساجدا.. ولو عقلوا لعلموا أنهم بعملهم هذا، يحاربون الله ويصدّون الناس عن أداء حقّه عليهم من الولاء لجلاله، والشكران لنعمه إنهم ظلموا أنفسهم ظلما فوق ظلم.. ظلموها (أولا) إذ لم يؤدّوا حق الله عليهم، وظلموها (ثانيا) إذ يصدّون الناس عن عبادة الله، بهذا الاستهزاء الذي يلقونه إليهم وهم بين يدى الله. الآيتان: (59- 60) [سورة المائدة (5) : الآيات 59 الى 60] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ (59) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (60)

التفسير: قوله تعالى: «قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ» هو نداء مطلق لأهل الكتاب، وخاصة اليهود، وليس المراد بهذا القول أن يلقاهم النبىّ به، وأن يبلغهم إيّاه، وإنما هو قول موجّه إلى النبىّ وإلى المؤمنين. تنكشف به حال أهل الكتاب، وموقفهم العنادىّ من المؤمنين.. وليس يمنع من هذا أن يستمع اليهود إلى هذا القول، وأن يعرفوا رأى القرآن فيهم، إذ كانوا دائما يتتبعون أخبار النبىّ وما ينزل عليه من كلمات ربّه، ليبحثوا فيها عن شبهة، يضلّون بها المؤمنين، ويفتنونهم فى دينهم.. وفى هذه الآية يرى المؤمنين أن هذا الموقف العنادىّ من أهل الكتاب الذي يقفونه منهم، لا سبب له، إلا إيمان المؤمنين بالله، وما أنزل عليهم من قرآن، وما أنزل على النبيين قبلهم من كتب الله.. ذلك فى حين أن أكثر أهل الكتاب «فاسقون» أي خارجون على دين الله، منكرين أو متنكرين لرسل الله وكتب الله.. تلك إذن هى أسباب هذه الحرب الخبيثة التي يعلنها اليهود على المؤمنين.. إنها عداوة بين المؤمنين وغير المؤمنين، بين من استجاب لله ورسله، ومن حادّ الله ورسله. وقوله تعالى: «قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ» الإشارة هنا إلى موقف أهل الكتاب هؤلاء، ونقمتهم على المؤمنين، لا لشىء إلا لأنهم مؤمنون.. وهذا موقف يورد صاحبه موارد البوار والهلاك، وهذا هو المصير الذي سيصير إليه المعاندون من أهل الكتاب، الذين وقفوا من النبىّ ومن دعوته إلى الإيمان بالله، هذا الموقف.. ثم إذ يعرض القرآن اليهود المعاصرين للنبوة فى هذا المعرض، ينتقل بهم فى لمحة خاطفة تردّهم إلى الماضي البعيد، وتشرف بهم على آبائهم وأجدادهم، الذين كان لهم موقف من رسل الله كهذا

الآيات: (61 - 63) [سورة المائدة (5) : الآيات 61 إلى 63]

الموقف الذي يقفونه هم من رسول الله، ومن المكر بآيات الله، فكان عقابهم أليما شديدا، إذ جعل الله منهم القردة والخنازير وعبدة الطاغوت، بهذه اللعنة التي رماهم الله بها، فمسخت آدميتهم، ونسخت طبيعتهم، فإذا هم قردة وخنازير فى صور آدمية، يعبدون الطاغوت، ويوالون الشيطان.. والأبناء يعرفون عن يقين خبر هذا البلاء الذي حلّ بآبائهم، فكانوا مثلة فى الناس. فإذا كان هؤلاء الأبناء لم يمسخوا بعد قردة وخنازير وعبدة للطاغوت، فإنهم على الطريق الذي يقودهم إلى هذا البلاء، إذا هم ظلّوا على هذا الموقف من النبىّ، ومن دعوته، ولم يفيئوا إلى السلامة والعافية، بموادعة النبىّ أو متابعته على دينه. وفى التعبير عن العقاب الأليم هنا بلفظ المثوبة، التي يعبّر بها فى مقام الجزاء الحسن- فى هذا ما يشير إلى أن هذا العقاب هو الجزاء الحسن الذي يحلّ باليهود، إذا هو قيس بما وراءه من ألوان العقاب والنّكال، الراصد لهم! الآيات: (61- 63) [سورة المائدة (5) : الآيات 61 الى 63] وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (61) وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (63) التفسير: النفاق هو الصفة الغالبة على اليهود، فهو توأم الحسد الذي يملأ قلوبهم ضغينة وحقدا على الناس.. فهم إذا التقوا بالمؤمنين لأمر ما بيّتوه فى صدورهم، أظهروا الإيمان،

حتى يطمئن إليهم المؤمنون، ويأمنوا جانبهم.. وهم على الحقيقة ليسوا من الإيمان فى شىء.. وفى قوله تعالى: «وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ» تغليظ لكفرهم، وتجسيم له، لكثافته، وإطباقه عليهم، حتى لكأنه يكاد يكون كائنا محسوسا، يعيش معهم كما يعيش بعضهم مع بعض.. «وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ» .. إنه أشبه بالوليد تحمله أمّه على صدرها، حتى لكأنه قطعة منها، تغدو به، وتروح به، لا تدعه بعيدا عنها لحظة واحدة.. وقد حسبوا أنهم أخفوا هذا الكفر الذي يحملونه فى صدورهم، ولكن الله أعلم بما يكتمون، لا تخفى على الله منهم خافية. قوله تعالى: «وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ» أي أن كثيرا من هؤلاء اليهود، يأتون المنكرات فى غير تحرّج أو تأثّم، بل يفعلونها وكأنها قربات يتقربون بها إلى الله.. فهم يلقون بالكلمات الكاذبة، الآثمة وكأنّهم يرتّلون مزمارا من مزامير داود، وهم يعتدون على حرمات الله، ويستبيحون محارمه، وكأنهم يتناولون طعاما شهيا، على جوع وحرمان، وهم يأكلون أموال الناس بالباطل، وكأنها مائدة عيسى المنزلة عليهم من السماء! وهذا كله يكشف عن ضمائر ميتة، ومشاعر متبلّدة، لا تتأثّم من إثم، ولا تعفّ عن محرّم. وفى قوله تعالى: «لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» حكم يدين أفعالهم تلك، ويدمغها بالسوء، الذي يردى أهله، ويهلك المتلبّسين به. وقوله تعالى: «لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ» هو تشنيع على علماء اليهود، وأهل الرأى فيهم، وأنّهم لا ينكرون

الآية: (64) [سورة المائدة (5) : آية 64]

هذا المنكر الذي يعيش فيه أتباعهم، ويموج فيه عامتهم، وهم الأعين المبصرة فيهم، ولكنها أعين ترى الحق فتصدّ عنه، وترى النور فتعشى به. وقوله تعالى: «لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ» هو توبيخ لهؤلاء العلماء، ووعيد لهم، إذ عرفوا الحق وكتموه، ورأوا المنكر وسكتوا عنه أو أجازوه.. ولهذا وصف الله عملهم هذا بأنه ليس مجرد عمل، بل هو صنعة، أي عمل مع علم، على حين وصف عمل أتباعهم بأنه «عمل» لأنه عمل لا يستند إلى علم، وإنما مستنده أوهام وأباطيل.. «لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» الآية: (64) [سورة المائدة (5) : آية 64] وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) التفسير: لم تقف جرائم اليهود عند حدّ التطاول على الأنبياء، والاعتداء على أموال الناس وأكلها سحتا وعدوانا، بل لقد تطاولوا على الله سبحانه وتعالى، وتعاملوا معه كما يتعاملون مع النّاس، فقالوا فيه سبحانه تلك القولة المنكرة: «يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ» أي ممسكة، بخيلة، حتى لكأن غلّا يمسكها، وقيدا يقيّدها عن البذل والعطاء!. إنهم لا يرضون بما فى أيديهم من هذا المال الكثير الذي سلبوه من الناس، وجمعوه من كل وجه حرام.. بل هم يريدون أن تتحول الجبال ذهبا، يكون لهم وحدهم، لا ينال أحد غيرهم ذرة منه..

إنهم يريدون الله أن يكون مترضيّا لأهوائهم، مستجيبا لهذا الجشع الذي لا يشبع أبدا.. فإن لم يفعل ذلك كان عندهم إلها بخيلا ممسكا، لا يستحق أن يحمد أو يعبد!. وقد أخذهم الله سبحانه بهذه القولة العظيمة، فجعل عقابهم من جنس عملهم: «غلّت أيديهم» .. فهذا هو حكم الله عليهم بما جدّفوا هم عليه به.. فجعل أيديهم شحيحة ممسكة، لا تنضح بخير أبدا، ولا تجود بمعروف أبدا.. يجمعون المال، ويشقون فى جمعه، ثم لا ينعمون بهذا المال، ولا ينالون منه ما ينال أصحاب المال من أموالهم من متع الحياة ونعيمها.. فهم هكذا أبدا.. كائنات مشتتة فى كل وجه من وجوه الأرض، تجمع المال، وترد موارد الهلاك فى سبيله، وأيد شحيحة لا تنفق من هذا المال، ولا تنتفع به.. «كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» . وليس هذا وحده هو حكم الله فيهم، وعقابه لهم، على تلك الكلمة الفاجرة، بل لقد رماهم الله بعقوبة أخرى، هى آلم وأنكى.. إذ صبّ عليهم لعنته: «وَلُعِنُوا بِما قالُوا» .. فهم لعنة تمشى على الأرض، لا يراهم النّاس إلا كانوا منهم فى وجه عداوة وبغضه، وإلّا موضع بلاء وانتقام.. «مَلْعُونِينَ.. أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا» (61: الأحزاب) . وقوله تعالى: «بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ» .. تلك هى يد الله، عطاؤها جزل، ومواهبها تفيض على الأرض والسماء.. له ملك السموات والأرض.. ينفق كيف يشاء، حسب ما يقضى علمه، وكما تقدّر حكمته. وفى قوله سبحانه: «وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً» إشارة إلى أن هذا الذي نزل على «محمد» من هدى ونور، هو مما بسطته يد الله لعباده من رزق، وإنه لرزق كريم، فيه الغنى كلّه، والسعادة كلها..

وهؤلاء القوم مدعوّون فيمن دعوا.. إلى هذا الرزق الكريم، وإلى هذا العطاء الجزل، ولكنّهم لم يستقبلوا هذا الخير استقبال النعم، بالحمد والشكر، بل زادهم ذلك طغيانا إلى طغيان وكفرا إلى كفر.. ولن يكون حالهم أحسن من هذا الحال، لو بسط الله لهم فى الرزق، من مال وغيره.. إنهم لن يزدادوا به إلا طغيانا وكفرا.. فهذا شأنهم مع كل نعمة من نعم الله. قوله تعالى: «وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ» هو لعنة من لعنات الله على هؤلاء القوم، تقطع معهم مسيرتهم فى الحياة، متنقلة بهم من جيل إلى جيل، إلى أن تقوم الساعة.. فالعداوة قائمة بينهم، يطعمون منها طعاما خبيثا، يملأ كيانهم حقدا وبغضا، لا يطمئن لهم قلب، ولا يستريح لهم بال، فهم فى حرب مستعرة فيما بينهم، وهم فى حرب متصلة بينهم وبين الناس جميعا.. يبغضون الناس، ويبغضهم الناس، وتلك هى اللعنة التي تأخذ الملعونين بالبأساء والضرّاء، مع كل نفس يتنفسونه، من الميلاد إلى الممات.. وفى قوله تعالى: «إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ» تأبيد لهذه اللعنة التي لا ترفع عن الملعونين أبدا، حتى بعد موتهم.. فتصحبهم إلى قبورهم. وتبعث معهم يوم يبعثون. قوم تعالى: «كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ» النار التي يوقدها اليهود هنا، هى كيدهم لدين الله، ولرسول الله.. كلّما نزلت آية من آيات القرآن. الكريم، نظروا فيها، وتأوّلوها تأويلا فاسدا، وعرضوها على ما عندهم من مقولات باطلة مضللة، ليفسدوا بها على الناس دينهم.. وفى كل مرة يفعل اليهود هذا تفضحهم آيات الله على الملأ، فلا يرجعون إلا بالخزي وسوء المنقلب وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «أَطْفَأَهَا اللَّهُ» أي أنه تعالى بما ينزل من آيات القرآن الكريم على النبي، يبطل ما دبّر اليهود، ويتبّر ما كانوا يعملون،

الآية: (65 - 66) [سورة المائدة (5) : الآيات 65 إلى 66]

فإذا نارهم التي أوقدوها قد أصبحت رمادا، لم يبق منها إلّا ما اصطبغت به وجوههم وجلودهم، من سواد دخانها، وذرور شررها. قوله تعالى: «وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً» العطف هنا هو على قوله تعالى: «وَلُعِنُوا بِما قالُوا..» وعلى هذا يكون قوله تعالى «وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً» حكم من أحكام الله عليهم، وأنه بعض معطيات اللعنة التي صبّها الله عليهم.. فهم أبدا مأخوذون بهذا الحكم، لا يتحولون عنه أبدا.. أي أن سعيهم فى الأرض فسادا هو طبيعة فيهم، لا يتحولون عنها أبدا. قوله تعالى: «وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» هو حكم على اليهود، يتناولهم هم أولا، ثم يمتدّ إلى كل مفسد غيرهم ثانيا، فقد وصفهم الله سبحانه قبل ذلك بأنهم يسعون فى الأرض فسادا.. أي أنهم مفسدون، ثم حكم سبحانه بأنه لا يحبّ المفسدين.. أي لا يحبّ هؤلاء الذين وصفوا بالفساد، ولم يذكرهم الله تعالى بقوله والله «لا يحبهم» ليقيم الوصف الملازم لهم- وهو الفساد- مقامهم، فهم والفساد كائن واحد. الآية: (65- 66) [سورة المائدة (5) : الآيات 65 الى 66] وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ (66) التفسير: العقوبات التي أخذ الله سبحانه وتعالى بها بنى إسرائيل لم تكن

إلا جزاء لما كسبت أيديهم من سوء، وما اكتسبت ألسنتهم من إثم.. وإلا فهم خلق من خلق الله، وعباد من عبيده، لم يخصّهم بهذه اللعنات التي مسخت وجودهم وغيّرت خلقهم، إلّا لما كان منهم من محادّة الله ورسله، ومكر بآياته وكتبه. ولو أنهم آمنوا كما آمن المؤمنون، واتقوا الله كما اتقى المتقون، لكفّر الله عنهم سيئاتهم، ولمسّهم برحمته، وأفاض عليهم من رضوانه، ولسلك بهم مسالك الحق والهدى.. ثم كان جزاؤهم فى الآخرة أن ينعموا بجناته التي أعدّها للمؤمنين المتقين من عباده. فهذا مشهد يراه «اليهود» وكان من حقهم- لو عملوا له- أن ينالوه ويسعدوا به.. ولكنهم- وقد نكصوا على أعقابهم- لن ينالوه أبدا، ولن يأخذوا نصيبهم منه أبدا. وقوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ» - هو إشارة إلى ما بين أيديهم من خير ضيّعوه، وما معهم من نور أطفئوه! فهذه التوراة.. يقول الله فيها.. «إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ» (44: المائدة) وهذا الإنجيل.. يقول الله فيه.. «وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ» (46: المائدة) . وهذا القرآن.. يقول الله فيه.. «ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ» (2: البقرة) . هذه الكتب المنزلة من عند الله، تحمل الهدى والنور.. هى بين يدى

الآية: (67) [سورة المائدة (5) : آية 67]

أهل الكتاب- وخاصة اليهود- فلو أنهم أقاموا هذه الكتب على وجهها وأخذوا عنها بعض ما فيها، واستقاموا على أمرها ونهيها، لا استقام طريقهم فى الحياة، ولملأ الله قلوبهم غنى ورضى، ولوجدوا فيما أنزل الله من رزق. هو خير كثير، يسع الناس جميعا، ويسعد به الناس جميعا. ولكنّهم كفروا بآيات الله، واتبعوا أهواءهم، وجروا على ما تمليه عليهم أنفسهم من حقد وحسد، وشره، وتكالب على المال.. فكان الجري اللاهث فى الحياة نصيبهم، وكان الجوع النفسي، والجدب لوجدانى، خاتمة مطافهم وسعيهم. إنهم لم يتوكلّوا على الله، ولم يعطوه أيديهم ليقودهم إلى الخير، ولو فعلوا لكفل لهم رزقا حسنا، وحياة طيبة، كما يقول الرسول الكريم: «لو توكلتم على الله حق التوكل لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خمصا (أي جياعا) وتروح بطانا (أي شبعى) » . وقوله سبحانه: «مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ» . الأمة: الجماعة، والاقتصاد: هو المتوسط فى الأمر، وعدم المبالغة فى مجاوزة حدوده.. والمعنى، أن من هؤلاء اليهود جماعة مقتصدة، أي معتدلة فى زيغها وانحرافها، لم تبالغ فى الزيغ والانحراف، ولم تبعد كثيرا عن طريق الحق.. أما كثرتهم ففى ضلال مبين، وكفر غليظ. الآية: (67) [سورة المائدة (5) : آية 67] يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (67)

التفسير: بعد أن عرض الله سبحانه وتعالى أهل الكتاب فى هذه المعارض المختلفة، فى زيفهم وطغيانهم، وفيما أخذوا به من نقمة وبلاء، وفى غفلتهم عما بين أيديهم من حق وخير، واتّباعهم لما فى نفوسهم من سراب الأهواء والأباطيل- بعد هذا كان من الله- سبحانه- هذا النداء الكريم، لنبيه الكريم: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» - فهو أمر ملزم للرسول أن يؤذّن فى الناس بما يتلقّى من آيات ربّه.. «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» .. فتلك هى مناط رسالة الرسول، وفحوى الحكمة من رسالته.. إنه وصلة بين الله والنّاس، وفى هذا يقول الله تعالى: «يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ» (1: المدثر) ويقول سبحانه: «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ» (94: الحجر) وقوله تعالى: «وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ» هو تنبيه للرّسول، وإلفات له إلى الأمر الذي دعاه الله إليه، وأنه إن لم يفعل فقد حبس هذا الخير المرسل من الله إلى عباده دون أن يصل إليهم.. وانظر إلى قوله تعالى: «وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ» وقف خاشعا بين يدى هذا الأدب السماوي، وأقصر الطرف عن النظر إلى جلال هذا الإنسان العظيم الذي يخلع الله عليه خلعا وضيئة من فيوض رحمته، وغيوث رضوانه، فلا يلقاه ربّه إلا بهذا اللطف العظيم، فى أمر لو وقع لكان داعية للّوم، أو الوعيد بالعقاب الشديد! ولكنه- سبحانه سبحانه- يرفع نبيّه الكريم، عن موطن العتاب، أو اللوم.. فيقول له- جل شأنه- «وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ» ! ولم يقل سبحانه: «وإن لم تفعل فأنت ملوم، أو مؤاخذ» ..

هكذا أدب السماء مع الأصفياء من عباد الله، وهكذا ألطاف الله مع رسول الله. ورسول الله خير من يلقى هذا اللطف بما هو أهل له من حمد وشكر، وسيّد من يقوم لهذه الإشارة بما تقتضيه من جدّ وعزم.. فما وهن الرسول الكريم، وما ضعف عن حمل الرسالة، واحتمال ما تنوء به الجبال من أعبائها.. فلكم لقى من السفهاء، والحمقى، والطغاة، من بغى وعدوان؟ حتى لقد خرج مهاجرا من البلد الحرام، الذي عاش فيه شبابه، وقضى فيه أيام صباه، بين أهله وعشيرته، وألقى بنفسه فى أحضان الغربة، فرارا بالرسالة التي بين يديه أن يمسكها المشركون عن أن تبلغ غايتها، وتملأ أسماع العالمين بهديها، وتفتح مغالق القلوب بنورها. وقوله تعالى: «وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» هو من تمام نعمة الله سبحانه وتعالى على نبيّه الكريم، فهو- سبحانه- قد اصطفاه ليكون رسولا للعالمين، حاملا مختتم رسالات السماء إلى الناس.. ثم لم يدعه سبحانه- يحمل أعباء الرسالة، ويلقى الضرّ والأذى فى سبيلها دون أن تكون أمداد سماوية تعينه، وتحمل عنه بعض ما يحمل من أعباء، وكلّا.. فقد أمده الله بأمداد من الصبر واليقين، والعزم، وإذا هو- صلوات الله وسلامه عليه- يواجه قريشا كلها بصلفها وكبرها، وبجبروتها وعتوّها، فلا يلين لها، ولا يحفل بتهديدها ووعيدها.. ثم إذا هو- صلوات الله وسلامه عليه- يخوض غمرات الحرب، ويتقدم صفوف الأبطال والفرسان، ثم إذا هو- صلوات الله وسلامه عليه- يلقى كيد اليهود ومكرهم، ملاطفا وموادعا، حتى إذا لجّوا فى الضلال، وتمادوا فى الكيد والبغي، صدمهم صدمة ألقت بهم خارج الجزيرة العربية كلها.

ومع هذا كله، مما فضل الله به على نبيّه الكريم، من قوة الاحتمال، وثبات الجنان، ووثاقة العزم- يجىء هذا المدد العظيم، من ربّ عظيم، إلى نبى كريم، تحمله كلمات الله إلى رسول الله: «وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» .. فأى نعمة مع هذه النعمة؟ وأي تكريم مع هذا التكريم؟ فالله سبحانه وتعالى هو الذي يأخذ إلى جنابه الكريم، عبده ورسوله محمدا، صلوات الله وسلامه عليه، وإذا هو فى حمى ربّ العالمين، لا يناله سوء من أحد، ولا يصيبه أذى من إنسان! .. «وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» .. وإنه لو اجتمع الناس جميعا لما نالوا من محمد نيلا.. هكذا كان وعد الله، وهكذا استيقن رسول الله من وعد ربّه.. ولا شك أن هذا من أنباء الغيب، ومن تحدّيات القرآن للكافرين والملحدين والمنافقين.. فلو أن الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- أصيب بأذى بعد هذه الآية الكريمة لكان ذلك دليلا- أي دليل- على أن ما يتقوله الكافرون والمنافقون على القرآن الكريم، وأنه قول بشر، وتلفيقات إنسان.. وإذا علمنا أن هذه الآية فى سورة المائدة، وأن هذه السورة كانت آخر سور القرآن نزولا، على أصح الأقوال، أو أنها من آخر سور القرآن نزولا، بلا خلاف- إذا علمنا هذا أدركنا السرّ فى تأخر هذا الوعد الكريم إلى أخريات أيام الرسول، وإلى مختتم رسالته، وذلك حتى لا ينكشف للرسول وهو قائم على طريق الدعوة، أنّه فى ضمان هذه الحراسة الربانية، وفى ظلّ تلك العصمة التي عصمه الله بها من الناس، وذلك ليكون له بلاؤه، وجهده، وعزمه، فى ملاقاة الشدائد، واحتمال المحن، مستقبلا كل ما يمكن أن تتمخض عنه الأحداث، ولو كان فى ذلك ذهاب نفسه..

أمّا لو كان الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- قد تلقّى هذا الوعد الكريم من ربّه من أول خطواته على طريق رسالته، لما كان له فضل فى مكابدة الأهوال، ومصادمة الشدائد، والتعرض للأخطار، ولا سوى فى هذا أوهى الناس عزما، وأقلّهم صبرا، وأجبنهم قلبا، مع أقواهم عزما، وأكثرهم صبرا، وأشجعهم قلبا.. إذ كان كلّ منهما يلقى الموت وهو فى أمان وثيق من أنه لن يموت بيد إنسان. وقد يسأل سائل هنا: إذا كان ما تلقّاه الرسول من قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ.. الآية» - قد كان فى مختتم رسالة النبىّ، فما محصّل هذا الأمر بالتبليغ، وقد بلّغ الرسول فعلا ما أنزل إليه من ربّه؟ ثم ما محصّل هذه العصمة، وقد استقرّ أمر الإسلام، وانطفأت جذوة أصحاب الشوكة والبغي! والجواب على هذا: أولا: أن الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- إذ يتلقى هذا الخبر المسعد من الله، يراجع خط سيره على طريق دعوته، من أول يوم دعاه الله فيه بقوله: «قُمْ فَأَنْذِرْ» إلى هذا اليوم الذي كادت الدعوة تنتهى فيه إلى غايتها- فيرى أنه كان فى ضمان هذه الرعاية الكريمة من رب كريم، وأن عناية الله لم تتخلّ عنه لحظة، وأنه كان فى عصمة من الله من أن تناله يد بسوء، يقطع عليه طريق دعوته، ويعجزه عن الوفاء بها.. فها هو ذا- صلوات الله وسلامه عليه- قد بلّغ رسالة ربّه، وجاهد فى سبيلها، حتى اجتمع الناس عليها، ودخلوا فى دين الله أفواجا.. وهذا كله من فضل الله عليه، ورعايته له. ففى هذه المراجعة يرى الرسول مكانته عند ربّه، ومنزلته فى المصطفين

الأخيار من عباده.. فينشرح لذلك صدره، وتنتعش روحه، ويجد فى هذا جزاء طيبا يستقبله من عند الله، وهو يوشك أن يحطّ رحاله بعد هذه الرحلة الطويلة المضنية. ثانيا: أن انكشاف عواقب الأمور قبل أن تقع، يقطع على الإنسان طريقه إلى العمل والكفاح، ويسلمه إلى استسلام أشبه باليأس، انتظارا للمقدور الذي يسعى إليه، كما ينتظر راكب القطار مجيئه فى موعده المحدد. إن فى انتظار المجهول إيقاظا للمشاعر، وحفزا للهمم، وتشوّقا إلى ما تكشف عنه الأيام.. فمن يعمل لغاية لا يدرى ما عاقبة أمره فيها، باذلا جهده فى التمرس بالأسباب، هو ممسك بوجوده كله، ينتظر ثمرة عمله، وغاية سعيه الموصلة لها.. إنه إن بلغ الغاية حمد وسعد، وإن لم يبلغها فقد أعذر لنفسه، ورضى عن مسعاه، وإن لم يحصّل منه ما يريد.. فكيف بالرسول، وقد حمل الرسالة، وواجه بها النّاس جميعا، متحدّيا عقائد فاسدة، ومتصديا لقلوب مريضة، وعقول مظلمة، وطبائع صلدة متحجرة؟ كيف به وقد بلغ بصبره، وجهاده، وعزمه، ما أراد الله لدعوته أن تبلغ؟ إنها سعادة ورضى، وحمد وشكر.. كل أولئك لو قسم فى الناس جميعا لوسعهم واشتمل عليهم. وفى قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ» إشارة إلى تلك العصمة التي عصم الله بها النبي من الناس، وأنه سبحانه لا يهدى الكافرين إلى طريق الحق، كما أنه سبحانه لا يهديهم إلى الطريق الذي يخلص منه إلى النبي أذى على أيديهم.. فقد سدّ الله عليهم المنافذ التي يبلغون بها ما يريدون به من أذى.. «إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً» (3: الطلاق) .

الآية: (68) [سورة المائدة (5) : آية 68]

الآية: (68) [سورة المائدة (5) : آية 68] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (68) التفسير: صلة هذه الآية بما قبلها، هى أن الرسول الكريم، وقد بلّغ رسالة ربّه، وأدّاها إلى عباد الله فاستجاب لها الناس، ودخلوا فى دين الله أفواجا.. وأن أهل الكتاب- من اليهود والنصارى- ما زاوا على موقفهم من تلك الدعوة، لم يستجيبوا لها- فى جملتهم- ولم ينتفعوا بما حملت إليهم من إلفاتهم إلى الكتب التي بين أيديهم، وتنبيههم إلى ما أدخلوه عليها من تحريف وتبديل، وما كتموه من حق فيها، وما تأوّلوه من أحكامها حسب أهوائهم- أما وذلك هو حال أهل الكتاب إلى هذا اليوم الأخير من أيام الدعوة الإسلامية، فقد جاء أمر الله سبحانه إلى النبي الكريم يدعوهم دعوة أخيرة، إلى أن يصححوا موقفهم من التوراة والإنجيل، وما أنزل إليهم من ربّهم على يد أنبيائهم، من أسفار ضمّوها إلى التوراة، وجعلوها جميعا كتابهم المقدس.. ذلك أنهم إذا لم يستجيبوا للنبىّ، ولم ينتفعوا بما بين يديه من كتاب كريم، فلا أقلّ من أن يستجيبوا لما فى أيديهم هم، وأن يقيموه على وجهه الصحيح، من غير تحريف، أو تأويل هو أشد خطرا من التحريف- فإن لم يفعلوا فهم ليسوا على شىء من الدين.. إنهم- والحال كذلك- أسوأ حالا، وشرّ مكانا، من الكفار والمشركين، إذ كانوا أهل كتاب فضيعوه، وأصحاب

الآية: (69) [سورة المائدة (5) : آية 69]

دين فأفسدوه.. وعلى هذا فهم يحسبون أنهم أهل كتاب وأهل دين، وما هم- فى الواقع- بأهل كتاب، ولا بأصحاب دين. وقوله تعالى: «وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً» هو حكم قاطع مؤكدّ، بأنهم لن يصلحوا ما أفسدوا، ولن يستقيموا على التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربّهم، وإلّا لكانت لهم رجعة إلى الدعوة الإسلامية، والتصالح معها ومع النبىّ الذي حملها.. ولكن أمرهم على غير هذا.. إنهم لن يزدادوا بما يسمعون من آيات الله التي تنزل على «محمد» إلا كفرا، وإلا عنادا وطغيانا.. وقوله تعالى: «فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ» هو استخفاف بأمر أهل الكتاب- وصرف النظر عنهم، وتركهم فى ضلالهم يعمهون، ليلقوا المصير السيّء الذي يلقّاه المحادّون لله، الكافرون به، غير مأسوف عليهم.. إذ كان ذلك من صنع أيديهم، وما جنته عليهم أنفسهم، وقد نصحوا فلم ينتصحوا، وأنذروا فلم تغنهم النّذر.. ومن كان هذا شأنه فلا يستحق أن يأسى (أي يحزن) عليه أحد. الآية: (69) [سورة المائدة (5) : آية 69] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) التفسير: الصابئون: هم الذين عبدوا غير الله.. يقال صبأ فلان أي مال. فالصائبون، قد مالوا عن دعوة الفطرة التي فطر الله الناس عليها، واتبعوا أهواءهم..

وفى قوله تعالى: «وَالصَّابِئُونَ» بالرفع. بعد قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا» ما يشعر باختلاف النسق فى النظم، إذ عطف المرفوع على المنصوب.. وكان نسق النظم يقضى بأن يجىء هكذا: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى» .. كما تقرر ذلك قواعد النحو، ومقولات النحاة. وهذا أمر قد وقف عنده المفسّرون، وأكثروا وجوه القول فيه، والتخريج له، ليقيموا الآية الكريمة على أصول النحو وقواعده. فقال قائل: إنه بعد أن طال الفصل بين إنّ وواو العطف فى «والصابئون» ضعف عمل إن فيما بعد الواو، وصارت الواو أشبه بواو استئناف..!! وقال آخر: إن «الواو» واو استئناف فعلا، وذلك باعتبار أنها متأخرة على قوله تعالى: «وَالنَّصارى» .. أي أن المعنى هكذا: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم، والصابئون كذلك.!! وهذه التخريجات، وإن أرضت النحاة، وسوّت حسابهم مع قواعد النحو، إلا أنها تذهب بكثير من روعة النظم القرآنى، وتخفت كثيرا من أضواء إعجازه. والذي نراه فى الآية الكريمة، ونطمئن إليه، هو أن «والصابئون» معطوفة على الذين آمنوا، والذين هادوا، كما أن لفظ «النصارى» معطوف عليها، وأنها جميعا واقعة تحت حكم إنّ المؤكدة للخبر، الواقع على هؤلاء المذكورين جميعا! ولكن كيف هذا؟ وعلى أي وجه كان؟

نقرأ الآية الكريمة مرة أخرى، فنرى أربع طوائف من الناس، يقع عليها حكم واحد.. أولا: الذين آمنوا.. ثانيا: والذين هادوا.. ثالثا: والذين صبئوا.. رابعا: والذين تنصّروا ولا يظهر الإعراب فى أية لفظة من هذه الألفاظ الأربع إلا فى لفظة «الصابئون» .. وقد ذكر القرآن الكريم الذين آمنوا والذين هادوا، فى صيغة الموصول وصلته، ولو ذكر «الذين صبئوا» بهذه الصيغة لوقع التكرار الذي يثير اضطرابا فى النظم، الأمر الذي يترفع عنه كلام الله.. ولهذا، عدل النظم القرآنى عن الذين «صبئوا» إلى قوله تعالى: «وَالصَّابِئُونَ» .. و «ال» فى «وَالصَّابِئُونَ» يحتمل معنى الاسم الموصول، «الذين» وصابئون خبر لمبتدأ محذوف تقديره هم، أي والذين هم «صابئون» ومثلها «والنصارى» أي وكذلك الذين هم نصارى.. وقد كثر استعمال «ال» بمعنى الاسم الموصول، إذا اتصلت باسم مشتق، وهذا الاستعمال عربى فصيح.. يقول ابن هشام صاحب «مغنى اللبيب» فى «ال» إنها تأتى على ثلاثة أوجه.. أحدها: أن تكون اسما موصولا، بمعنى الذي وفروعه، وهى الداخلة على أسماء الفاعلين والمفعولين» ومن هذا قوله تعالى: «الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ» فقد دخلت الفاء فى الخبر، على تقدير: الذي يزنى والتي تزنى، فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة.. فذلك الشأن فى خبر الاسم الموصول دائما، مثل

الآيتان: (70 - 71) [سورة المائدة (5) : الآيات 70 إلى 71]

قوله تعالى: «وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما» . ومعنى الآية الكريمة: أن الذين آمنوا، والذين اختلط إيمانهم بضلال أو فسق وهم الذين هادوا، والذين هم شرك ظاهر وهم «الصابئون» و «النصارى» - هؤلاء جميعا هم عباد الله، وصنعة يده، وأنهم مدعوون إلى الإيمان به، والاستقامة على أوامره ونواهيه، فمن استجاب منهم لله، وآمن به وعمل صالحا، فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.. فالإيمان بالله والعمل الصالح هو الذي يقرب الإنسان من ربه، ويدنيه من رحمته، ويؤهله لجناته، وليس شىء غير ذلك يتوسل به إلى الله، وإلى مرضاته.. من جاه أو حسب أو سلطان.. «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ» (13: الحجرات) . الآيتان: (70- 71) [سورة المائدة (5) : الآيات 70 الى 71] لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ (70) وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (71) التفسير: ذكر الله سبحانه فى الآية السابقة أن الناس جميعا، مؤمنهم وكافرهم، مدعوون إلى الإيمان بالله، والعمل الصالح الذي يرضى الله، ويستقيم مع ما أمر به ونهى، وأن من قبل ذلك فقد فاز برضوان الله. ثم جاءت هذه الآية: «لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ

رُسُلًا» - جاءت لتسجل على اليهود، أنهم غير معذورين، بخروجهم عن طاعة الله، وبإفسادهم لدينه الذي فى أيديهم.. إذ أخذ الله عليهم ميثاقا بعد خروجهم من مصر، وأنقذهم من العذاب المهين الذي كانوا فيه، وأراهم آياته عيانا، ففرق بهم البحر، وأغرق آل فرعون.. وأنزل عليهم المنّ والسلوى، ونتق الجبل فوقهم كأنه ظلة، وظلل عليهم الغمام، وأجرى لهم من صميم الحجر عيونا- بين يدى هذه الآيات الناطقة أخذ الله العهد عليهم أن يؤمنوا به، وأن يعملوا بأحكام التوراة، بقلوب سليمة، وعزائم وثيقة، فإن القلوب لتخشع، ولو كانت أقسى من الحجارة، وهى فى مواجهة هذه الآيات البينات، فتتقبل الخير وتستجب له، وفى هذا يقول الله تعالى: «وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» (50- 57: البقرة) ثم يقول سبحانه: «وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ

مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ» (64- 65: البقرة) . لقد نقض بنو إسرائيل ميثاقهم مع الله، الذي أخذه عليهم وهم على بساط هذه النعم الغامرة، فكفروا وعبدوا العجل، فعفا الله عنهم، وأرسل إليهم رسله، يجمعونهم من أشتات الطرق التي شردوا فيها.. فما تبدلت حالهم، ولا تغير ما بنفوسهم، فمكروا يرسل الله، وأخذوهم بالعنت والعذاب.. كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كفروا به، وبسطوا فيه ألسنتهم بقالة السوء ومدوا إليه أيديهم بالأذى.. فريقا كذبوا وفريقا يقتلون. وقوله تعالى: «وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ» إشارة إلى أنهم- وقد رأوا نعم الله تتظاهر عليهم- أنهم بمأمن من الفتن، وأن لهم أن يفعلوا ما تشتهى أنفسهم، وترتضى أهواؤهم، ولم يعلموا أن هذه النعم هى إبتلاء من الله لهم، وأنها ستكون نقمة عليهم إن لم يشكروا الله ويحمدوا له، شأن من يتلقى نعم الله من عباده المتقين، كما فعل سليمان مثلا، والذي يقول الله سبحانه على لسانه: «فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي- أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ» (40: النمل) . ولكنهم عموا وصموا عن نعم الله، فجعلوها أسلحة يحاربون الله ورسله بها، ويسعون فى الأرض فسادا.. ومع هذا فقد تاب الله عليهم، وبسط لهم يد المغفرة، فلم يزدهم ذلك إلا ضلالا وكفرا ثم عموا وصموا كثير «منهم» أي أن كثرتهم الغالبة لم ترجع إلى الله، بل ظلت شاردة فى طرق الضلالة والغواية، وقليل منهم هم الذين كانت لهم من إلى رجعة.. وهذه القلة منهم هم شهود عليهم بالضلال والعصيان..

الآيات: (72 - 77) [سورة المائدة (5) : الآيات 72 إلى 77]

الآيات: (72- 77) [سورة المائدة (5) : الآيات 72 الى 77] لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (77) التفسير: وهؤلاء هم النصارى- بعد اليهود- قد كفروا بالله، إذ تصوروه فى هذه الصورة المجسدة، التي رأوا فيها عيسى عليه السلام، فجعلوه الله رب العالمين.. «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ..» وهى قولة منكرة، أملتها أهواء مضللة، وتأويلات نضحت بها مشاعر فاسدة. أما المسيح عليه السلام فإنه لم يقل إلا ما قاله القرآن عنه: «يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ» فما جاء المسيح صلوات الله وسلامه عليه، إلا ليصحح معتقدات اليهود الفاسدة، وإلّا ليقيمهم على شريعة التوراة التي أفسدوها، وبعدوا عنها..

ومن عجب أن الأناجيل الأربعة التي يدين بها المسيحيون، ليست فيها لفظة واحدة يؤخذ منها أن المسيح إله أو ابن إله!. وما عرف المسيح بألوهية فى حياته، ولا عرف أن أحدا من أتباعه ادّعى له هذه الدعوة، ولا عبده كما يعبد الإله. ومن طوائف المسيحيين من جعل الإله ثلاثة آلهة: الأب والابن وروح القدس، وهى فى مجموعها إله واحد، ولكن لكل من هؤلاء الثلاثة عمل واختصاص فى داخل الإله الواحد.. وهذا كفر بالله.. «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ» .. «وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ» .. وقوله تعالى: «وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» هو وعيد للقائلين بهذه القولة، المعتقدين بها، العابدين الله عليها، وليس المراد بقوله تعالى: «وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ» مجرد الانتهاء عن القول والكفّ عنه، وإنما لأن هذا القول هو ترجمان العقيدة، وعنوانها.. فإذا أمسكوا عن هذا القول، تحوّلوا عن المعتقد القائم عليه، وكان لهم قول غيره، ومعتقد غير معتقدهم.. وقوله تعالى: «أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» هو نداء كريم، من ربّ رحيم، يدعو به هؤلاء الضالين عنه، ليتوبوا إليه، وليستغفروا لذنبهم العظيم، بتصورهم الإله هذا التصوّر الخاطئ.. فإذا عادوا إلى الله، وعرفوه حقّ معرفته، واستغفروا لذنبهم وجدوا ربّا رحيما غفورا، يقبل التائبين، ويتجاوز عن سيئات المسيئين.. قوله تعالى: «مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ» .. هو عرض للمسيح، يكشف عن حقيقته، وأنه رسول من رسل الله، وأمّه خلق مما خلق الله، وناس من الناس، وأنهما يجوعان

كما يجوع الناس، ويأكلان مما يأكل النّاس، ويخضعان للضرورات التي يخضع لها الناس.. ومن كان هذا شأنه، فكيف يكون إلها مع الله؟. كيف ومن خلق الله من يستعلى على تلك الضرورات المتحكمة على المسيح وأمّه، كالملائكة مثلا؟ فإنهم لا يأكلون، ولا يشربون، ولا ينامون، ولا يمرضون! وقوله سبحانه: «انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ» تعجّب من موقف هؤلاء الذين يرون المسيح إلها أو ابن إله، وأنهم مع هذه الآيات البينات، التي تكشف لهم عن المسيح، وتريهم مكانه عيانا بين الناس- إنهم مع هذا لا يزالون على ما هم عليه من إفك وافتراء على الله، إذ يقولون فيه هذا القول الشنيع الآثم. وقوله سبحانه: «قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً» هو تسفيه لعقول أولئك الذين يعبدون من دون الله أربابا من حيوان أو جماد، ثم يرجون عندها النفع والضرّ، وهى فى قيد العجز، لا تملك من أمر وجودها شيئا، فكيف يكون لها فى هذا الوجود سلطان على العباد؟ ذلك هو الضلال البعيد، والبلاء المبين.. وقد اتخذ المسيحيون المسيح إلها، وأضافوا إليه أنفسهم، بل أضافوا إليه الوجود كلّه.. وما فكّروا أن «المسيح» عيسى بن مريم مخلوق عاجز ضعيف أمام قدرة الله وسلطان الله.. لقد كان المسيح جنينا فى أحشاء أمّه تسعة أشهر، ثم ولد طفلا، ترضعه أمه وتغذوه، وتحمله قبل أن تحمله رجلاه. أفهذا يكون إلها يملك الضرّ والنفع، ويدبرّ أمر السموات والأرض؟ ذلك مالا يقبله عقل، ولو كان به مسّ أو خبل! .. إذ أن مسافة الخلف بين الإله والإنسان أوسع من أن يملأها تصوّر، أو يصل بين طرفيها خيال.

وفى تقديم الضرّ على النفع، هو مما يجرى مع طبيعة الإنسان، ويلتقى مع مطالبه- فدفع الضرّ مقدّم عند الكائن الحىّ على جلب النفع.. إذ أن الكائن الحىّ يطلب السلام لنفسه أولا، كى يضمن وجوده وبقاءه، ولا بقاء لحىّ مع وجود الخطر الذي يتهدّد حياته.. فإذا تمكن الكائن الحىّ من استخلاص نفسه من بين الأخطار التي تترصده، وتريد القضاء عليه، كان له بعد ذلك أن يطلب ما ينفع فى إمساك حياته، واستمرار وجوده، مما يتصل بمعاشه، من طعام، ولباس، وسكن، وغير هذا.. وقوله سبحانه: «وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» هو إلفات إلى ذات الله سبحانه وتعالى، وإلى جلال الذات وعظمتها، التي يختفى أمام بهائها وسلطانها كل ذى جاه وسلطان.. وأنه هو وحده- سبحانه- السميع العليم، لا سمع لأحد مع سمعه، ولا علم لعالم مع علمه.. سبحانه وتعالى عما يشركون. وقوله تعالى: «قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ» المراد بأهل الكتاب هنا- هم النصارى، والدعوة إليهم هى ألا يغلو فى دينهم، أي يبالغوا فى الصورة التي ارتسمت لهم من المسيح، فى ميلاده وفى المعجزات التي جاءت على يديه.. وأن هذه المبالغة قد أرتهم فى المسيح ما ليس له، فما هو إلا إنسان، ولد كما يولد الناس، من رحم امرأة، ربّى فى حجرها، ورضع من ثديها. وقوله تعالى: «غَيْرَ الْحَقِّ» هو قيد للنّهى عن المغالاة، إذ هى مبالغة فى طريق الضلال، وغلوّ فى متابعة الهوى.. ويجوز أن يكون «غير الحق» مفعول به لقوله تعالى: «لا تَغْلُوا» بمعنى لا تتجاوزوا بدينكم حدود الحق، بل التزموا هذه الحدود، وقفوا

الآيات: (78 - 81) [سورة المائدة (5) : الآيات 78 إلى 81]

عندها، فإن ما بعدها هو الضلال والكفر.. «فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ» . (32: يونس) الآيات: (78- 81) [سورة المائدة (5) : الآيات 78 الى 81] لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (78) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (80) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ (81) التفسير: الذين كفروا من بنى إسرائيل هم عامّة بنى إسرائيل ومعظمهم، ولم يجىء النصّ القرآنى عامّا شاملا بلعن بنى إسرائيل جميعا حتى لا يدخل الذين سلم لهم دينهم منهم، تحت هذا الحكم، فيكون ذلك مدعاة إلى سوء ظنّهم بأنفسهم.. أولا، وبالله.. ثانيا. ومن جهة أخرى فإن النصّ القرآنى قد حمل- معه إلى جانب اللعنة التي رمى الله بها هؤلاء القوم- حمل وصفا كاشفا لهم، وهو أنهم كفروا، ولو جاء النظم القرآنى هكذا: «لعن بنوا إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم» لدخل معهم فى هذه اللعنة الذين آمنوا منهم، ثم لم يكن هذا الوصف بالكفر مصاحبا لتلك اللعنة صبّت عليهم. وقوله تعالى: «عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ» أي أن الله وجّه حكمه باللعنة على الذين كفروا من بنى إسرائيل، محمولا على لسان داود وعيسى

ابن مريم.. فقد لعنهم الله سبحانه مرتين.. مرة على لسان «داود» ، ومرة على لسان «عيسى» عليهما السلام. ولا نسأل ماذا كانت لعنة داود لهم، ولا عن أي شىء كانت تلك اللعنة التي رماهم الله بها على لسان داود، وكذلك الشأن فى اللعنة التي جاءتهم على لسان المسيح.. فقد غيّر القوم وبدّلوا فى زبور داود، وفى إنجيل عيسى. والذي علينا أن نؤمن به، هو أن الله لعن اليهود هذه اللعنات على لسان هذين النبيين الكريمين. قوله تعالى: «كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ» هو بيان لسبب آخر من أسباب اللعنة التي لعن الله بها بنى إسرائيل، وهى أنهم مع عدوانهم على حرمات الله، وتطاولهم على أنبيائه بالتكذيب وبالقتل، فإنه لم يكن فيهم من رشيد ينكر عليهم هذا المنكر، ويردّهم عن هذا الضلال.. «كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ» أي لا ينهى محسنهم مسيئهم، ولا يأخذ عالمهم بيد جاهلهم، فلا تناصح بينهم على معروف، ولا تناهى عن منكر.. وليس هذا شأن الجماعة السليمة، المتنبهة لكل آفة تعرض لأى عضو من أعضائها. فجماعة اليهود جماعة يعيش كل فرد فيها فى ذات نفسه، لا يعنيه إلا ما يتصل به اتصالا مباشرا، ولا عليه أن يهلك الناس جميعا.. وليس هذا شأن عامتهم وحسب، بل هو شأن رؤسائهم وأصحاب السلطة الروحية فيهم، وقد نصّ الله عليهم ذلك بقوله: «لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ» (63: المائدة) . وقوله تعالى: «لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ» هو تجريم لأفعال اليهود جميعا، عامتهم وخاصتهم، علماؤهم وجهلاؤهم.. أفعالهم كلها منكرة، لا تتحرّى الحق، ولا تستقيم عليه.

وقوله تعالى: «تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا» الضمير فى «منهم» يعود إلى علماء اليهود، وخاصتهم، وأنّهم يعطون ولاءهم ومودتهم للذين كفروا من مشركى العرب، ومن كافرى اليهود أنفسهم، ليظاهروهم على الدعوة الإسلامية، وليقودوا جبهة الكفر المتصدّية لها.. وهذا منهم هو كفر فوق كفر، وضلال فوق ضلال.. إذ لم يكفهم أنهم عرفوا الحق وكتموه، بل أجلبوا عليه الأعداء، وكانوا لهم فى حربه سندا وظهيرا.. فاستحقوا لهذا سخط الله عليهم، وأن يصلوا النار التي أعدّها للعصاة المحادّين لله ورسوله.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ» .. وقوله تعالى: «أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ» هو مصدر مؤول، وهو المخصوص بالذم أي بئس شيئا قدمته لهم أنفسهم، وأعدته ليوم الجزاء، سخط الله ولعنته لهم فى الدنيا، والعذاب الشديد يوم القيامة فى جهنم خالدين فيها أبدا. قوله تعالى: «وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ» هو بيان لهذا المرض الخبيث المستكنّ فى قلوب هؤلاء العلماء من بنى إسرائيل، وهو أنهم قد أعمى بصائرهم بالحسد، فألقوا بأنفسهم إلى التهلكة، وكفروا بالله، إذ كفروا بالنبيّ وما أنزل إليه من ربه، وكان ما بأيديهم من دلائل تدل على نبوته، وما عندهم من علم به وبرسالته- جديرا بأن يجعلهم أسبق الناس إلى لقاء هذا النبىّ، والإيمان به، والوقوف من ورائه، والجهاد تحت رايته.. ولكنهم تخلّوا عن مكانهم هذا، الذي كان ينبغى أن يأخذوه مع النبي، وانحازوا إلى جهة الكافرين والمنافقين.. حسدا وبغيا. وفى قوله تعالى: «وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ» هو حكم على الكثرة

الغالبة من علماء اليهود بالفسق، والخروج عن الطريق القويم، طريق الحق والنور، إلى طريق العماية والضلال.. وإن قليلا منهم هو الذي سلم فلم يقع تحت طائلة هذا الحكم. ولسائل أن يسأل: كيف يحكم على اليهود بالكفر، مع أنهم أهل كتاب، وأنهم يؤمنون بالله، وأن الإسلام قد وضعهم وضعا خاصا فى أحكامه، فجعلهم أهل ذمّة، وسمح لهم أن يعيشوا فى المجتمع الإسلامى، وألا تهدم بيوت عبادتهم، وألا يحال بينهم وبين أن يؤدوا شعائر دينهم فيها.. كيف هذا؟ والجواب من وجوه: فأولا: هم كافرون- لا شك فى هذا- لأنهم اجترءوا الله، فنبذوا كتاب الله الذي فى أيديهم، وحرّفوه، ثم ما بقي بأيديهم منه لم يستقيموا عليه، بل تأولوه تأويلا فاسدا، يجرى مع أهوائهم وما يشتهون.. فهم- وإن لم ينكروا الله- قد حاربوا الله، واستخفّوا بكلماته، وجعلوها تبعا لأهوائهم، ولم يجعلوا أهواءهم تبعا لها. والكافر بالله، والمنكر له، وإن غلظ جرمه. وعظم إثمه- هو أخفّ جرما، وأقل إثما، ممن عرف الله واستخفّ به، وأعلن الحرب عليه، فشوّه وجه كلماته، وأراق دم أنبيائه. وثانيا: هم كافرون- لا شك فى هذا أيضا- لأنهم أنكروا نبوّة النبىّ، وبهتوه، وكفروا بما أنزل عليه، وهم يعلمون- بما فى أيديهم من كتب الله- أنه رسول من عند الله، وأن الآيات التي بين يديه هى كلمات الله.. وفى هذا يقول الله تعالى: «وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا

جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ» (89- 90: البقرة) فلقد دمغهم الله- سبحانه- بالكفر أكثر من مرة.. «كَفَرُوا بِهِ» .. «فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ» .. «بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ» .. «وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ» . فهذا بعض ما وصفهم الله به فى هاتين الآيتين، وقد توعدهم الله سبحانه باللعنة، ورماهم بالغضب بعد الغضب، ورصد لهم العذاب المهين يوم القيامة» .. وثانيا: إن تصوّر اليهود لله هو تصور خاطئ فاسد، إذ يرون الله هو إله اليهود وحدهم لا يتعامل مع غيرهم، ولا يعمل لأحد سواهم، ولا يشغل إلّا بهم وبمشكلاتهم.. فهو «رب الجنود» يقودهم فى ميادين القتال، بل ويقاتل لهم وهم ينظرون، كما قالوا لموسى: «فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ» (24: المائدة) . وهذا تصور خاطئ لله رب العالمين.. إنهم لا يرونه إلا أشبه بإنسان يملك قوى خارقة لا يملكونها، أشبه بآلهة الأساطير التي تولدت فى خيال الوثنيين لتحقق لهم أحلاما قصرت أيديهم عن تحقيقها.. ولهذا، فقد طلبوا إلى موسى أن يريهم الله جهرة، أي عيانا، فقالوا ما حكاه القرآن عنهم: «لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً» (55 البقرة) .. هذا هو إله اليهود الذي يؤمنون به.. إنه إلههم وحدهم.. أما هذا الوجود فله إله أو آلهته.. وذلك كفر، أو شرك، أو فسق.. وقد صف صف اليهود بهذه الصفات جميعا..

ورابعا: جعل الإسلام أهل الكتاب أهل ذمّة ولم يأخذهم بما أخذ به غيرهم ممن لا كتاب لهم من المشركين والكافرين، كالصائبين والمجوس، ومشركى العرب وغيرهم، لأنهم على شبهة من دين، ولهذا لم يقم عليهم حدّ القتل، إذ كان من أصول الإسلام: «درء الحدود بالشبهات» .. فهم- أي أهل الكتاب- كافرون، ولكن كفرهم مشوب بإيمان باهت.. وهذا الإيمان على ما فيه، لا يرفع عنهم الحكم- ديانة- بأنهم كافرون، ولكنه يرفع عنهم إقامة حدّ الكفر عليهم بقتلهم، إذا وقعوا فى حوزة المسلمين وصاروا إلى أيديهم، وأبوا أن يدخلوا فى الإسلام.. فهذا الكفر المشوب بالإيمان، أو الإيمان المختلط بالكفر، يعصم دماءهم، وأموالهم، ويجعلهم ذمة فى يد المسلمين.. وفى هذا يقول الله تعالى: «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ» (29: التوبة) .. فهذه الجزية التي تؤخذ منهم، وهذا الصّغار الذي ينضح عليهم من الجزية التي يؤدونها- هو تعزير لهم على جناية الكفر الذي حالت دون إقامة الحدّ عليهم فيه، شبهة الإيمان المختلط بكفرهم. تم الكتاب الثالث، ويليه الكتاب الرابع فى تفسير الجزءين السابع والثامن.. إن شاء الله؟ المؤلف

الآيات (82 - 86) [سورة المائدة (5) : الآيات 82 إلى 86]

[الجزء الرابع] [تتمة سورة المائدة] الآيات (82- 86) [سورة المائدة (5) : الآيات 82 الى 86] لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (86) التفسير: الخطاب فى قوله تعالى: «لَتَجِدَنَّ» موجّه إلى النبىّ صلّى الله عليه وسلم، ثم هو خطاب من بعده لكل من هو أهل لأن يخاطب، من المؤمنين، وغير المؤمنين. فاليهود والنصارى، هم فيمن دخل فى هذا الخطاب. وفى قوله تعالى: «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا» هو كشف لهذا الموقف العدائى، الذي يقفه اليهود من الدعوة الإسلامية وأهلها.. فهم.. كما يقول الله تعالى: «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ ... » ثم يأتى من بعدهم فى العداوة للمؤمنين، الذين أشركوا..

وهذا وضع مقلوب بالنسبة لليهود، إذ كانوا- وهم أهل كتاب- أولى الناس بأن يناصروا أهل الكتاب ويوادّوهم، لا أن يكونوا فى الجبهة الأولى من الجبهات المعادية للمؤمنين، إذ يتقدمون فى هذا الموقف اللئيم أهل الكفر والشرك، فيكونون قادة الحملة الموجهة لحرب الله والمؤمنين بالله! وفى قوله تعالى «لَتَجِدَنَّ» إشارة إلى أن هذا الحكم الذي فضح الله به اليهود، ليس حكما معلّقا على أي شرط، بحيث يقع إذا وقع هذا الشرط، أو هو حكم خفىّ لا تظهر آثاره للعيان.. وإنما هو حكم مطلق، واقع دائما، ظاهر لا خفاء فيه، ولهذا جاء التعبير عنه بلفظ «تجد» بمعنى ترى، وتبصر، وتتحقق، ثم جاء هذا اللفظ مؤكدا بالقسم، وبنون التوكيد «لتجدنّ» .. فهو أمر واقع، مؤكد الوقوع، لا احتمال فيه لشك أو ريب. هذه هى وجهة اليهود فى الحياة، وهذا هو حكم الله عليهم.. فماذا يرى الراءون منهم؟ وما مدى انطباق هذا الحكم عليهم؟ إن مسيرتهم فى الحياة تشهد شهادة ناطقة بأنهم حرب على الأديان وعلى المؤمنين.. بل هم حرب على الإنسانية كلّها، قبل أن يكونوا حربا على الأديان التي يدين بها الناس. ولكن لمّا كان الدّين هو ملاك أمر المجتمعات الإنسانية، ومنطلق خياتها الرّوحية والاجتماعية- كان الميدان الذي يعمل فيه اليهود، لإفساد المجتمعات، وإصابتها فى مقاتلها، هو ميدان الدين، فإذا تحلّل الناس من الدّين، وتقطعت بينهم وبينه الأسباب، تحوّلوا إلى حيوانات ضارية، يقتل بعضها بعضها، بلا حساب من عقل أو ضمير.. وهذا ما يفعله اليهود فى كل مجتمع يعيشون فيه.. لقد دخلت الدعوة المسيحية أو ربّا، فأحيت كثيرا من معالم الإنسانية التي

كانت قد افتقدتها زمنا طويلا، ولكن ما إن كادت هذه الصحوة الإنسانية تسفر عن وجهها، حتى تصدّى لها اليهود، فدخل كثير منهم فى المسيحية كذبا، واجتهد كثير منهم فى الدعوة، زورا وبهتانا، حتى إذا بلغ مكانة بين المسيحيين، لعب بالدين، ومسخ تعاليمه، وجاء إلى الناس بالمفتريات والأباطيل، حتى كانت تلك الحروب التي اشتعلت فى أوربا بين العلم والدين، وإذا العلم فى مواجهته للدّين يجد الطريق مهيأة له، للنّيل منه، بل والقضاء عليه، فأجلاه عن موطنة من القلوب التي كانت تجد فيما احتفظت به من دين، شيئا تمسك به، وتحرص عليه! ومن هنا كان هذا الإلحاد الذي طغى على المجتمع الغربي كله فى أوربا وأمريكا.. وإذا الحياة هناك حياة ماديّة طاغية، تعصف بالناس عصفا، وتسوقهم سوقا عنيفا إلى هذا الصراع المرير، الذي أشعل نار الحرب، فشملت العالم كلّه، ودارت دورتها مرتين فى أقل من ربع قرن من مطلع هذا القرن الذي نعيش فيه- القرن العشرين الميلادى- دون أن يكون هناك وازع من الدّين يحمى الناس من هذا الضّياع المستولى عليهم، ودون أن يكون لدعوة المسيح عليه السلام أي أثر فى إقامة الناس على الأمن والسلام اللذين جاء مبشرا بهما. واليهود، هم تجار هذه الحروب الدائرة فى كل صقع من هذا العالم، يجنون منها مكاسبها، ويجمعون من مخلّفات رمادها الشيء الكثير! فهم- أولا- يشبعون نقمتهم من الإنسانية، بهذه الأنهار المتدفقة من الدماء المراقة من الناس، على اختلاف أجناسهم وأديانهم! وهم- ثانيا- يقطعون علائق المودة والإخاء بين الناس، بهذه الحروب التي لا تنقطع أبدا. وهم- ثالثا- يشترون الذّمم والضمائر، التي تروج سوقها أعظم رواج،

فى هذه الأجواء العاصفة، التي تشتمل على الناس، وتستولى على عقولهم وقلوبهم.. فلا ثمن لضمير- حيث لا ضمير- ولا حساب لشرف، حيث الموت راصد يخطف النفوس! «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ» .. ففتش وراء كلّ شر يهبّ على المجتمعات الإنسانية من أي أفق، تجد أن مطلعه اليهود.. قديما وحديثا.. اليوم، وما بعد اليوم.. ونكاد نقف عند قوله تعالى: «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ» .. أما «الَّذِينَ أَشْرَكُوا» فهم من صنع اليهود، إذ هم الذين أفسدوا على كثير من المؤمنين دينهم، وساقوهم إلى الشرك، كما أنهم- وقد سبقوا إلى الإيمان بالله، بما أرسل الله إليهم من رسل، وما أنزل عليهم من كتب- لم يفتحوا للمشركين طريقا إلى الإيمان بالله، ولم يدعوهم إليه، بل ضنّوا بما فى أيديهم، وحجبوه عن كل عين.. بل وأكثر من هذا، فإنهم زيّنوا الشرك للمشركين، ويسّروا لهم سبله، بما أذاعوا فى المجتمعات الإنسانية من مفاسد وشرور. وقوله تعالى: «وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى» هو وجه مشرق من وجوه الدّين وما يفعله فى المتدينين، يقابل هذا الوجه الكريه الذي بدا من بعض أصحاب الدين، وهم اليهود.. ففى دعوة المسيح التي يدين بها النصارى دعوة كريمة إلى التواضع، والتسامح، والإخاء.. مع الإنسانية كلها، بل والتآلف مع الوجود كلّه، ناطقه وصامته! وإذا كانت المسيحية اليوم قد تغيّر وجهها عند المتدينين بها، فذلك من جناية اليهود عليها، وعلى المتدينين بها. والنصرانىّ المتمسك بنصرانيته، الموالي لعقيدته. هو إنسان وديع رقيق، يتأسّى بالسيد المسيح فى وداعته، ورقته، ورحمته، وإنسانيته.

وأىّ نصرانى يستمع إلى قولة المسيح: «أحبّوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم» - أي نصرانى يستمع إلى تلك القولة الكريمة، ثم لا يمسّ قلبه شعاعة من نورها الألق، أو قبسة من نفحاتها المباركة؟ ولكن اليهود أدخلوا على المسيحية ما غيّر وجهها، وأفسد طبيعتها.. وحسبنا أن نذكر هنا «بولس الرسول» وما كان له- هو اليهودي- من شأن فى هذا المقام! وقوله سبحانه: «ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً» إشارة إلى أن علماء النصارى، وأصحاب الرياسة والتوجيه الديني فيهم، هم جماعة يمثلون الوجه المشرق للمسيحية، فى وداعتهم، ولطفهم، وحبهم للإنسانية.. على حين يقابل هذا: الربانيون والأحبار، الذين هم قادة اليهود وأصحاب الرياسة الدينية عندهم، والذين هم العقل المفكر واليد العاملة للمجتمع اليهودي، وما يرمى به الناس من شر وبلاء بأيديهم! .. فالقسيسون والرهبان.. رأس سليم، معافى من الأمراض الخبيثة.. يقوم على جسد المسيحية، ويعمل على حمايته من الآفات، التي يرمى بها اليهود فى كيانه.. والربانيون والأحبار.. رأس فاسد، تدور فيه عواصف الشر والبغي.. يقوم على جسد اليهود، فيغذى بذور الشر والبغي الكامنة فيه! وشتان بين رأس ورأس، وجسد وجسد! وقوله تعالى: «وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ» إشارة أخرى إلى ما بين رؤساء المسيحيين ورؤساء اليهود، وبين المسيحيين وبين اليهود، من تفاوت بعيد! فهؤلاء- أي النصارى- لا يستكبرون، ولا يعزلون أنفسهم عن المجتمع الإنسانى، ولا يرون ما يراه اليهود فى أنفسهم من أنهم شعب الله المختار.. ولهذا اختلط المسيحيون بالعالم كله، ودعوا الناس جميعا إلى ما معهم من دين الله..

أما اليهود، فقد عزلهم الكبر والغرور عن أن يختلطوا بالناس، وأن يدعوهم إلى دين الله الذي معهم.. وقوله تعالى: «وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ» .. هو شاهد ثالث على الإنسانية المنطلقة التي تنشد الخير، وتطلب الحق، وأنها حين تستمع إلى كلمات الله، تستمع إليها فى غير كبر أو استعلاء، فإذا اهتدت إلى طريق الحق، استقامت عليه، ولزمته.. وإن لم تهتد، توقفت وأمسكت فى رفق ولطف. ولهذا دخل كثير من أتباع المسيح فى الإسلام عن اعتقاد صحيح، وإيمان وثيق: «تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ» أي اجعلنا من الذين شهدوا النبي واستمعوا إليه وآمنوا به. وليس كذلك شأن اليهود، قد أعماهم التعصب، وأصمّهم الكبر، عن أن يستمعوا لكلمة حق، أو يستجيبوا لدعوة رسول..! وقوله تعالى: «وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ» .. إنه لسان الحال، لكل طالب حق، حين تبدو له أماراته، وتلوح لعينيه دلائله، لا يتردد أبدا فى قبوله، والأخذ به، ليرشد وليكون فى عباد الله الصالحين.. وقوله تعالى: «فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ» .. هو الجواب المسعد لهذا التساؤل المتعاطف مع الحق، المستجيب له.. فقد تلقاهم الله- سبحانه- بهذا اللطف الكريم، وملأ أيديهم من هذا

(الآيات: 87 - 88) [سورة المائدة (5) : الآيات 87 إلى 88]

الرزق الطيب.. «جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ» .. وفى قوله تعالى: «بِما قالُوا» إشارة إلى أن قولهم هذا لم يكن مجرد قول، وإنما هو ترجمة عن إيمان صادق، خفق به القلب، واهتزت له المشاعر، وفاضت به العيون، دمعا خاشعا.. لو ظفرت الأرض بقطرة منه لاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج وقوله تعالى: «وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ» يطلع على الناس فى الموقف بصورة ذات دلالتين: دلالة يرى منها أولئك الذين كفروا وكذبوا بآيات الله، ما أعد لهم من نكال وعذاب، جزاء كفرهم وتكذيبهم بآيات الله، ورسل الله، وعداوتهم للمؤمنين بالله وبرسل الله.. والوجه البارز فى هذه الصورة هم اليهود ومن ورائهم كل كافر، وكل مكذب.. والدلالة الأخرى يراها المؤمنون الذين أضافهم الله فى رحابه، وأنزلهم منازل إكرامه، وعافاهم من هذا البلاء، الذي يتقلب فيه الكافرون المكذبون- فيضاعف بهذا نعيم المؤمنين، وتردّد ألسنتهم قول الحق جل وعلا: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ» . (35: فاطر) (الآيات: 87- 88) [سورة المائدة (5) : الآيات 87 الى 88] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88)

التفسير: هؤلاء المؤمنون الذين يستجيبون لله ولرسوله، ويدخلون فى دين الله، سيجدون دينا سمحا، وشريعة رفيقة رحيمة، تأسو جراح الإنسانية، وتطبّ لأدوائها، وتقوم على أمنها وسلامتها.. فهذه طيبات الحياة مما أحلّ الله، هى مباحة للمؤمنين، ينالون منها ما تبلغه أيديهم، وتشتهيه أنفسهم، غير مضيّق عليهم فى شىء منها.. «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ» (32: الأعراف) . والله سبحانه ينهى عباده أن يحرموا شيئا مما أحل الله لهم.. إذ أن ذلك- وإن كان منهم مبالغة فى تأديب النفس بالحرمان- هو اجتراء على الله، وتبديل فى شرعه، وخروج على أحكامه.. وللإنسان أن يقتصد فى الطيّب الحلال، أو أن يؤدب نفسه بالحرمان من بعض الطيبات، ولكن على اعتقاد أن ذلك الذي حرم نفسه منه، هو حلال مباح.. فذلك مما لا بأس به، فهو أشبه شىء بالإمساك عن الطعام والشراب، بالصيام. وكما نهى الله المؤمنين عن الجوز على أنفسهم بتحريم ما أحل الله لهم من طيبات- نهاهم عن متابعة أهواء النفس، باستباحة ما حرم الله. فذلك عدوان على شريعة الله، ونسخ لأحكامه. والذي تغلبه نفسه، فتحمله على ارتكاب مأثم من المآثم، وهو على علم من أنّ ما يفعله هو منكر، حرّمه الله على المؤمنين، ورصد لمقترفه العقاب الأليم- هذا الإنسان هو خير من ذلك الذي يتأوّل فى شرع الله، فيحل الحرام، ويفتح له من التأويل بابا يدخله منه إلى ما أحل الله من طيبات. إن الأول مؤمن عاص، يعلم من أمر نفسه أنه منحرف عن الطريق القويم، خارج على أوامر الله ونواهيه.. وهذا العلم من شأنه أن يزعج مرتكب المنكر، وينخس ضميره، فلا يستمرىء هذا المنكر، ولا يستسيغه على إطلاقه.. وقد

يجىء اليوم الذي يرجع فيه إلى الله، وينتهى عما نهى الله عنه.. أما الآخر- وقد تأول للحرام، وأدخله مداخل الحلال- فإنه لن يجد لهذا الحرام مرارة فى نفسه، ولا وخزا فى ضميره.. ومن هنا فلن تكون له إلى الله رجعة عن هذا المنكر، الذي خادع به نفسه، وخدع به عقله، وخالف ربه، وأفسدو وجدانه ومشاعره. «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» .. والمعتدون هم من يخرجون على شريعة الله، بتحريم ما أحل الله من طيبات، وإباحة ما حرم من خبائث ومنكرات. وقوله تعالى: «وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ» هو دعوة إلى الإقبال على الحياة، وترك الزهد فيها، والعزوف عنها.. فما قام الإنسان خليفة لله على هذه الأرض، إلا ليعمرها، ويفتح مغالقها، ويستخرج الطيب الكريم منها، ثم يكون له من هذا الثمر الذي غرسه ما ينعم به، من رزق الله الذي بثّه فى كل مكان فى هذه الدنيا.. فى أرضها وسمائها، وبحرها وجوّها.. وقوله تعالى: «وَاتَّقُوا اللَّهَ» هو الميزان الذي تنضبط عليه تصرفات المؤمنين، فيما بين أيديهم من رزق، وفيما حصّلوه من ثمرات سعيهم وجدّهم.. فما دام معهم هذا الميزان- وهو تقوى الله- وما دامت تصرفاتهم قائمة على هذا الميزان، فإنه لا جناح عليهم فى أي شىء يعملونه أو يطعمونه. وفى قوله تعالى: «الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ» هو تذكير للمؤمنين، بالله الذي آمنوا به، واتقوه، وجعلوا تقواه وخشيته ملاك أمرهم فيما يأخذون أو يدعون من أمور..

الآية (89) [سورة المائدة (5) : آية 89]

فالتقوى إذا لم تسكن إلى قلب مؤمن بالله، ذاكر له، كانت عرضة لأن يهتز ميزانها إذا طلعت عليها أهواء النفس، ونزغات الشيطان.. وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة فى قوله تعالى: «لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» (93: المائدة) فقد رفع الله عن المؤمنين الحرج فى كل ما يطعمون، بعد أن شدّهم إليه بالتقوى، ثم ربط التقوى بالإيمان، والعمل الصالح، والإحسان. الآية (89) [سورة المائدة (5) : آية 89] لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89) التفسير: مناسبة هذه الآية لما قبلها، هو أن ما قبلها كان بيانا لحدود الله، وأن فى هذه الحدود سعة تسمح للإنسان أن يتحرك فيها كيف شاء، غير مضيّق عليه فى شىء، مادام قائما على تقوى الله.. هنالك يجد المؤمن دينا سمحا، وشريعة ميسّرة، تفتح له أبواب العمل فى كل مجال، وتملأ يديه من كل خير.. وهنا فى هذه الآية باب من أبواب اليسر والسماحة فى دين الله، الذي يؤمن به المؤمنون..

فما أكثر ما يجرى ذكر الله على ألسنة المؤمنين، وما أكثر ما يستحضرونه فى كل أمر يعرض لهم، ثم ما أكثر ما يزكّون هذه الأمور بالقسم عليها باسم الله، دون أن يكون ذلك بقصد الحلف لإجازتها، وعقد اليمين بها.. فهناك فرق بين القسم، والحلف.. إذ القسم لتعظيم الشيء وتزكيته، ورفع قدره، وقد أقسم الله سبحانه ببعض مخلوقاته.. من شمس، وقمر، ونجم، وليل، وضحى. أما الحلف فهو إقرار يشهد به الإنسان على نفسه، أو غيره. وقد جعل الله كفيلا عليه، بالحلف به.. ومن هنا كان لزاما عليه- ديانة- أن يحترم هذه الكفالة، ويقوم على الوفاء بما التزم به، وإلا أثم، بجرأته على الله، والاستخفاف بكفالته له، والله تعالى يقول: «وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ» (91: النحل) . وكان من رحمة الله بعباده، ورفقه بهم، وإسباغ نعمه عليهم، فى تعاملهم مع اسمه الكريم- ما حملته هذه الآية الكريمة من لطف، ورحمة، وحكمة: فأولا: قد عفا الله سبحانه عن الأيمان التي لا يقصد بها الحلف، والتي تجرى على الألسنة خارجة عن هذا القصد.. «لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ» وتسمية هذه الأيمان لغوا، لأنّها لا تحلّ حراما، ولا تحرّم حلالا، ولا تجلب خيرا، ولا تدفع ضرّا.. والأيمان جمع يمين، وقد سمّى اليمين يمينا، لأنه مشتق من اليمن والبركة، إذ كان الذي يقسم به- عادة- اسم كريم عزيز، عند من أقسم به،

وهو عند المؤمنين اسم الله جلّ وعلا.. فما أكرم هذا الاسم الكريم، وما أيمنه. وثانيا: الأيمان التي يراد بها الحلف، وينعقد بها أمر من الأمور، بين الإنسان ونفسه، أو بينه وبين غيره- هذه الأيمان كما قلنا- هى أيمان وثّقت عهدا، وجعلت الله- سبحانه- شاهدا على هذا العهد وكفيلا له.. فإذا حنث الحالف بيمين الله هنا، فإنه يكون قد اقترف ذنبا عظيما فى حق الله سبحانه وتعالى، وفى حقّ الناس، بما استباح من حقوقهم، بنقض العهد معهم. أما حقّ الله المتعلق بالحانث فى يمينه، فقد جعل فيه للحانث ما يكفّر به ذنبه، ويغسل به حوبته، وهو أن يطعم عشرة مساكين، من أوسط ما يطعم هو وأهله، أي مما يغلب أن يكون طعامهم، فى حياتهم، فى غير أيام السّعة أو الضيق.. فإن لم يكن طعام، فكسوة عشرة مساكين، مقدرة هذه الكسوة بحال الحانث فى يمينه.. فإن لم يكن طعام أو كسوة، فتحرير رقبة، أي عتق رقبة من الرّق.. فإن كان الحانث معسرا، لا يستطيع أن يطعم أو يكسو أو يعتق، فصيام ثلاثة أيام. وقد اختلف فى تتابع هذه الأيام، وفى إفرادها، فرأى بعضهم الأخذ بما أطلقه القرآن، حيث لم يقيد الصوم بالتتابع، ولا حجة عنده فى قراءة من قرأ «ثلاثة أيام متتابعات» .. لأن الإطلاق هنا والتقييد فى قوله تعالى: «فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ» يقوّى الأخذ بمنطوق الآية، وعدم التعويل على هذه القراءة التي لم تتأكد بالتواتر.. على حين يرى البعض الأخذ بالقراءة «ثلاثة أيام متتابعات» حيث وجدت مثبتة فى مصحف السيدة عائشة رضى الله عنها، فيوجب التتابع فى الصوم. ويقوّى هذا الرأى عندنا: أن صيام ثلاثة الأيام هذه فى تتابعها، هى التي تعدل إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، مع أن إطعام مسكين واحد،

يجزى عن إفطار أي يوم من أيام رمضان لمن لا يقدر على الصوم، كما يقول الله تعالى: «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ» فتتابع أيام الصوم هو الذي يجعل صيام الأيام الثلاثة على هذا الوجه، موازنا لإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم. والتكفير عن الحنث فى اليمين يجزى بأيّ من هذه الكفارات الثلاث: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة.. فمن كفّر بأى منها أجزأه ذلك، دون نظر إلى ترتيب فيها، حيث كان الحكم بالتخيير بينها بحرف العطف «أو» .. ولا يصار إلى الصيام إلا عند فقد القدرة على الوفاء بالإطعام، أو الكسوة، أو تحرير الرقبة. وقد اختلف فى صفة الرقبة التي تحرّر هنا، وهل يلزم أن تكون مؤمنة، أم أن تحرير أي رقبة أعتقها الحانث يجزىء فى التكفير عن اليمين؟ يرى بعض الفقهاء أن يكون العتق لرقبة مؤمنة، وكونها لم توصف هنا بأنها مؤمنة، ولم يجعل الإيمان شرطا لعتقها- إحالة على ما وصفت به فى قوله تعالى: «وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ» (92: النساء) . ونرى- كما يرى بعض الفقهاء- الوقوف عند منطوق الآية، والأخذ بالحكم على إطلاقه، دون قيد للرقبة بأنها مؤمنة أو غير مؤمنة. ففى فكّ الرقبة وعتقها إحياء لنفس ميتة، أيّا كانت تلك النفس، مؤمنة أو كافرة.. وإحياء النفس- أي نفس- شىء عظيم، لا يحتاج إلى وصف آخر يرفعه ويعلى من قدره.. وكيف والله سبحانه وتعالى يقول: «وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً» ؟ (32: المائدة) .

وأما قيد الرقبة بوصف الإيمان فى دية القتل الخطأ، فهو لموافقة النفس المؤمنة التي قتلت خطأ.. «وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ..» (92: النساء) .. وذلك مما يوجبه القصاص.. النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسنّ بالسنّ.. وقياسا على هذا يكون من دبة المؤمن فى القتل الخطأ إحياء نفس مؤمنة.. أما هنا فهو إحياء لنفس أيّا كانت هذه النفس، ففى إحيائها كفارة لأى ذنب وإن عظم، إنه إحياء للإنسانية كلها.. ومع هذا، فإن المسلم حين ينظر فى أي الرقاب يعتق، فإنه يتجه أول ما يتجه إلى الرقبة المؤمنة، امتثالا لقول الله تعالى: «لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ» ولا شك أن الرقبة المؤمنة أحب إلى مالكها من الرقبة غير المؤمنة.. وقد روى مسلم أن أبا ذر رضى الله عنه، سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الرقاب أفضل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنا» .. والرقبة المؤمنة أنفس عند المسلم وأكثر ثمنا. وفى قوله تعالى: «فَكَفَّارَتُهُ» إشارة إلى اليمين بلفظ المفرد، لأن هذه الكفارة هى كفّارة عن اليمين الواحد.. فإذا حنث الإنسان فى أكثر من يمين كان لكل يمين كفارته، على هذا النحو.. وهذا هو السرّ فى إفراد الضمير.. وكان النظم يقضى بأن يجىء هكذا: «فكفارتها» إذ كان الحديث عن الأيمان.. وقوله تعالى: «وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ» إشارة إلى أن هذه الكفارة هى دواء الداء، جلبه الإنسان إلى نفسه، وكان أحرى به أن يتجنب هذا الداء، وأن يظل سليما معافى.. إذ أن الوقاية دائما خير من العلاج.. أما إذا كان

(الآيات: (90 - 92) [سورة المائدة (5) : الآيات 90 إلى 92]

الحلف على منكر، فإن الحنث فيه واجب، ولا كفارة فيه، كمن حلف أن يشرب خمرا.. مثلا، فعليه أن يحنث فى يمينه، ولا كفّارة عليه. أما من حلف على غير منكر، ثم بان له أن الحنث فى اليمين يترتب عليه إلحاق ضرر به أو بغيره، فإن الحنث خير له من البرّ بيمينه، ولكن عليه كفارة الحنث.. كمن حلف على ألا يسافر إلى جهة ما، ثم بدا له أن فى السفر خيرا يعود عليه منه، وكمن حلف ألا يتعامل فى تجارة مع فلان.. ثم ظهر له أن هذا يعود عليه أو عليهما بالخسارة والضرر- فالحنث هنا خير من البرّ باليمين، وفى ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه» . أما حقوق الناس فيما ترتب على الحنث باليمين، فلن تشفع لها هذه الكفارة، ولن تدفع عن الحانث ما نجم عن هذا الحنث من ضرر وقع على الغير بسببه. فذلك له حسابه عند الله، وله العقاب الراصد له. وقوله تعالى: «كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» إشارة إلى ما تحمل آيات الله إلى عباده، من رحمة، ولطف، إذ تقيلهم من عثراتهم، وتقيمهم على طريقه القويم.. وهذا من شأنه أن يستقبله العباد بالحمد والشكر لله رب العالمين. (الآيات: (90- 92) [سورة المائدة (5) : الآيات 90 الى 92] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92)

التفسير: الخمر: ما خامر العقل، وستره، كما يستر الخمار وجه المرأة.. فكلّ ما ستر العقل، وحجب عنه الرؤية الصحيحة التي يرى بها الأشياء، ويتصور حقائقها- هو خمر، سواء أكان شرابا أو طعاما، وسنعرض لهذا، بعد قليل. والميسر: هو القمار، والمخاطرة بالمال. والأنصاب: هى حجارة كانت تنصب حول الأصنام، لتذبح عليها الذبائح، تقربا إليها. والأزلام: جمع زلم، وهى قداح الميسر، يلعب بها على الذبائح، مقامرة. وقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» هو خطاب عام للمؤمنين، واستدعاء لما فى قلوبهم من إيمان، ليكون هذا الإيمان بمحضر من تلك المنكرات التي يدعون إلى اجتنابها.. إذ لا يجتمع الإيمان وهذه المنكرات فى قلب مؤمن.. حيث أن من شأن الإيمان أن يقيم فى كيان المؤمن وازعا يزع كل منكر، ويدفع كل ضلال. وقوله تعالى: «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ» هو عرض لبعض المنكرات التي تغتال إيمان المؤمن، وتقطع الصلة بينه وبين ربّه.. وهى: الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام.. وقد وصفها الله سبحانه بصفتين: أنها رجس.. والرجس ما تعافه النفس بفطرتها وتتقذّره بطبيعتها، من غير حاجة إلى من يلفتها إليه، ويحذّرها منه، إذ كان أمره من القذارة والفساد بحيث لا يخفى إلّا على من فسدت طبيعته، وشاهت فطرته.. والصفة الأخرى لهذه المنكرات: أنها من عمل الشيطان.. وإضافة

هذه المنكرات إلى الشيطان يجعلها منكرا إلى منكر.. فالرجس فى ذاته، على أي وجه ظهر، ومن أي أفق طلع، هو شر وبلاء على من يقبل عليه ويتعامل معه، فإذا كان هذا الرجس هو من عمل الشيطان، ومن صنعة يده، ومن الطعام الممدود على مائدته، لم يكن فيه مظنّة لخير أبدا.. إذ يكفى الخير شناعة وسوءا أن يجىء من قبل الشيطان، وعلى يده.. فكيف إذا كان ما يحمله الشيطان ويدعو إليه هو «الرجس» ؟ أرأيت إلى طعام طيب هنىء تحمله إلى آكليه يد إنسان رعى الجذام وجهه وقضم يديه؟ .. أفتجد نفس لهذا الطعام مساغا، أو يمدّ إليه إنسان يدا ولو هلك جوعا؟ فكيف إذا كان ما يحمله هذا الإنسان المجذوم طعاما فاسدا متعفنا تعافه الكلاب؟ ذلك أقرب شىء شبها إلى الرجس الذي يكون من عمل الشيطان وصنعته. فالرجس- وتلك صفته من السوء- فى غير حاجه إلى أمر بحظر يضرب عليه، ويحال بين الناس وبينه. والرجس الذي هو من عمل الشيطان، أمره أظهر وأبين من أن ينبّه على اجتنابه، إشارة أو عبارة.. ومع هذا فإن بعض الناس تضيع إنسانيتهم، وتنطمس معالم فطرتهم، وتفسد طبيعتهم، فلا تزكم أنوفهم رائحة كريهة، ولا تلفظ أفواههم طعاما خبيثا. ولهذا كان من فضل الله على الناس ورحمته بهم، أن بعث فيهم رسله مبشرين ومنذرين، ليصلحوا ما فسد منهم، ويصححوا عمل أجهزتهم التي عطبت أو فسدت. ومن أجل هذا جاء قوله تعالى هنا «فَاجْتَنِبُوهُ» تعقيبا على ما كشف من أمر الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، ووصفها بأنها رجس، وأنها من

عمل الشيطان.. فهذا الأمر باجتناب هذه المنكرات، هو فى الواقع توكيد لما تحمل فى أوصافها من أكثر من نهى ضمنىّ باجتنابها. وذلك زيادة عناية بالإنسان، وحراسة مضاعفة له من الموبقات والمهلكات.. وضمير الغائب فى «فاجتنبوه» يعود إلى الرجس الذي جمع هذه المنكرات كلها فى كيانه. أما الأنصاب- وإن كان الإسلام قد حطم الأصنام التي كانت مشرفة عليها-، فإن الإبقاء على عادة الذبح على هذه النّصب، مما يثير غبار الشرك، ويحرّك ريح الوثنية الكريهة.. فضلا عن أن هذه الذبائح التي تذبح على النصب كانت مجالا للمقامرة، إذ تقسّم لحومها بين المقامرين عليها، فيربح من يربح، ويخسر من يخسر. وفى قوله تعالى: «لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» ترغيب فى الاستجابة لهذا الأمر، الذي فى الامتثال له مدخل إلى الفلاح والسلامة، وإنه لا فلاح ولا سلامة مع صحبة هذه المنكرات، والولاء لها. وقوله تعالى: «إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ» هو بيان لما يبغيه الشيطان من وراء هذه المنكرات التي عرضها للناس، فى معارض مغوياته، ومفسداته.. إنه يريد؟؟؟ أن يوقع العداوة والبغضاء بين الناس فى مواطن الخمر والميسر، حيث يفقد الإنسان عقله بالخمر، فلا يدارى قولة سوء، ولا يمسك كلمة شر، وحيث يستنزف الميسر أموال الناس، ويريهم أن بعضهم أكل بعضا، وهم- فى الواقع- مأكولون جميعا، فيقع بينهم الشر، وتشتعل نار العداوة والبغضاء.. وبهذا تتمزق وحدة المجتمع، ويصبح الإنسان فى مجتمعه إما طالبا أو مطلوبا، لا يبيت على أمن، ولا يستقرّ على حال.. ثم إن هذه المنكرات من خمر وميسر وأنصاب وأزلام، مع ما تزرع

بين الناس من أشواك العداوة والبغضاء.. تصدّ عن ذكر الله، وعن الصلاة، حيث تلهى أصحابها، وتمسك بهم فى مجالها، فلا يخطر ببال أحدهم ذكر الله، وقد استولى عليه هذا الرجس، ولا يجيب داعى الله إلى الصلاة، إن هو وجد أذنا تستمع إلى هذا الداعي. وقوله تعالى: «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» يحمل تحريضا قويا على الانخلاع عن هذه المنكرات، ومجاهدة النفس فى اجتنابها، ومغالبة الأهواء الداعية إليها.. فهذه المنكرات لها سلطانها المتسلط على النفوس، بما فيها من مغويات تدعو الإنسان إلى التحلل من سلطان العقل، وما يدعو إليه من وقار، وجدّ، لتحمله على أجنحة الخلاعة والعبث والمجون.. ومن وراء ذلك شيطان يستحثّ أهواء النفس، ويثير غرائزها الحيوانية الخسيسة.. فإذا لم يأخذ الإنسان حذره ويتجرد لحرب هذه المغويات المتسلطة عليه، ويلقاها بإيمان وثيق وعزم ثابت، غلبته على أمره، وأخذته من مقوده، وأقامته على هذا المرعى الوبيل، ليطعم منه، ويعيش عليه.. ففى قوله تعالى «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» استفهام مطلوب الجواب عليه، ولن يعطى الجواب الذي ينبغى أن يجيب به المؤمن إلّا من نظر إلى نفسه، وإلى موقفه من ربه الذي يدعوه إليه، فإن استجاب لله، وانتهى عن هذه المنكرات واجتنبها، كان له أن يلقى الله بوجهه، وأن يدخل فى عباده المؤمنين، وإلا اختطفه الشيطان، وألقى به بين ضحاياه وصرعاه! قوله تعالى: «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا» هو دعوة مجدّدة إلى المؤمنين، إلى طاعة الله ورسوله، والحذر من هذا الرجس، الذي بين يدى الشيطان.. يدعوهم إليه، ويغريهم به..

الخمر.. مادتها، وصفتها، وحكم شاربها

وليس للمؤمنين بعد هذا البلاغ بلاغ، فإن تولّوا، ولم يستجيبوا لأمر الله، فلهم ما اختاروا، وليس لأحد سلطان عليهم إلا وازع ضمائرهم.. «فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ» .. وقد بلّغ الرسول هذا البلاغ المبين، الذي تلقاه من ربّه، «فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها» (108: يونس) . الخمر.. مادتها، وصفتها، وحكم شاربها ونودّ أن نشير هنا إلى أمرين. أولهما: الخمر.. ماهى؟ وثانيهما: الخمر.. ومكانها بين المحرمات.. أما الخمر، فأمرها معروف، ولم تكن بنا حاجة إلى الكشف عن وجهها، لولا أن كثر كلام الفقهاء فيها، وفى المادة التي تصنع منها، والطريقة التي تصنع بها، حتى تكون خمرا.. أما المادة التي تصنع منها الخمر، فقد اختلف فيها الفقهاء اختلافا بينا، فوقف بها بعضهم عند التمر والعنب، مستدلّين على هذا بما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الخمر من هاتين الشجرتين» وأشار إلى النخلة والعنبة.. بل لقد ذهب بعضهم إلى أن الخمر ما كان من العنب وحده، مستدلا على ذلك بقوله تعالى: «إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً» ومؤولا الحديث: «الخمر من هاتين الشجرتين» على أن المراد به شجرة العنب.. كما فى قوله تعالى: «يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ» والمراد أحد البحرين. وواضح أن هذا التأويل فاسد، لا يلتفت إليه، ولا يوقف عنده.

أما الوقوف بالخمر عند ما أخذ من العنب والنخل، فهو محمول على قوله تعالى: «وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً» (67: النحل) .. ولكن الحديث، وإن أشار إلى أن الخمر من النخل والعنب، فإنه لم يحصره فيهما، وكذلك الآية الكريمة.. وإن دل ذلك على أن أكثر ما كان معروفا متداولا عند العرب من خمر، هو ما كان من هاتين الشجرتين. إذ كانت النخيل والأعناب أكثر أشجار الفواكه، وأهمّها عند العرب، ولذلك كان وصف الجنات الدنيوية والأخروية، أبرز ألوانه النخيل والأعناب كقوله تعالى: «وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ» (32: الكهف) .. وقوله سبحانه: «أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ» (244: البقرة) .. وقوله: «وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً» (90- 91: الإسراء) . وإشارة النبي صلى الله عليه وسلم إلى النخل والعنب، تعنى أنه لم يكن من بين الأشجار القائمة بين يديه، والماثلة أمام عينيه، ما يتخذ منه الخمر غير هاتين الشجرتين.. يومئذ.. ولهذا، فإنه صلى الله عليه وسلم فى موقف آخر، لم يكن بين يديه أشجار، قال: «إن من العنب خمرا، وإنّ من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا، وإن البرّ خمرا، وإنّ من الشعير خمرا» .. وحصر النبي صلى الله عليه وسلم الخمر فيما صنع من هذه الأشياء، هو تقرير للواقع، ولو كان هناك مواد أخرى متخذ منها العرب الخمر لذكرها.

قال الخطابىّ فى تعليقه على هذا الحديث: «ليس معناه أن الخمر لا يكون إلا من هذه الأشياء الخمسة بأعيانها، وإنما جرى ذكرها خصوصا، لكونها معهودة فى ذلك الزمان، فكل ما كان فى معناها.. من ذرة، وسلت «1» ، ولبّ ثمرة، وعصارة شجرة، فحكمه حكمها» . وفى صحيح مسلم عن أنس قال: «لقد أنزل الله الآية التي حرّم فيها الخمر، وما بالمدينة شراب يشرب إلّا من تمر» . وفى صحيح البخاري عن أنس قال: «حرمت علينا الخمر حين حرّمت وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا، وعامة خمرنا البسر والتمر» وعلى هذا، فمادّة الخمر لا معتبر لها فى تحريمه، وإنما المعتبر فى أية مادة هنا هو لبوسها لباس الخمر. أي أنها تسكر من يتعاطاها، وينال منها.. فكل ما أسكر فهو خمر، لأنه يخامر العقل، ويستره. وفى الحديث: «إن الخمر من العصير، والزبيب، والتمر، والحنطة، والشعير، والذرة، وإنى أنهاكم عن كل مسكر» (مختصر سنن أبى داود: للمنذرى حديث 332) .. وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال وهو يخطب: «نزل تحريم الخمر يوم نزل، وهى من خمسة أشياء: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير.. والخمر، ما خامر العقل..» . وقد اختلف الفقهاء فى صنعة الخمر كما اختلفوا فى مادتها، فقال بعضهم: الخمر ما خمّر، دون أن تمسّه النار، وأن ما طبخ بالنار فليس خمرا.. كذلك اختلفوا فى «النبيذ» وهو ما ينقع، فقال بعضهم: إذا تخمر وغلا ورمى بالزبد فهو خمر، قليله وكثيره حرام، وإذ لم يتخمر ويرمى بالزّبد، فإذا أسكر فهو مكروه، وإذا لم يسكر فلا شىء فيه.

_ (1) السلت: الشعير.

ومن هذه المقولات قول أبى حنيفة فى النبيذ: «الأنبذة كلها حلال إلا أربعة أشياء: الخمر، والمطبوخ إذا لم يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، ونقيع التمر فإنه السّكر، ونقيع الزبيب» .. ويعلّق ابن حزم على هذا بقوله: «ولا خلاف عن أبى حنيفة فى أن نقيع «الدوشاب «1» » عنده حلال وإن أسكر، وكذلك نقيع الرّبّ، وإن أسكر» . وقال أبو يوسف- صاحب أبى حنيفة-: كل شراب من الأنبذة يزداد جودة على الترك فهو مكروه، ولا أجيز بيعه، ووقته عشرة أيام، فإذا بقي أكثر من عشرة أيام فهو مكروه، فإن كان فى عشرة أيام فأقل، فلا بأس.» وقال محمد بن الحسن- صاحب أبى حنيفة-: ما أسكر كثيره مما عدا الخمر أكرهه ولا أحرمه. «فإن صلّى إنسان وفى ثوبه منه أكثر من قدر الدرهم البغلىّ بطلت صلاته وأعادها أبدا» ويعلّق ابن حزم على هذا بقوله: فاعجبوا لهذه السخافات، لئن كانت تعاد منه الصلاة أبدا، فهو نجس، فكيف يبيح شرب النجس، ولئن كان حلالا فلم تعاد الصلاة من الحلال؟ ونعوذ بالله من الخذلان!! ثم يعلق ابن حزم على هذه الآراء جميعها- رأى أبى حنيفة وصاحبيه، فيقول: «فأول فساد هذه الأقوال أنها كلها أقوال ليس فى القرآن شىء يوافقها ولا شىء من السنن، ولا فى شىء من الروايات الضعيفة، ولا عن أحد من الصحابة رضى الله عنهم، ولا عن أحد من التابعين ولا عن أحد من خلق الله، قبل أبى حنيفة، ولا أحد قبل أبى يوسف فى تحديده عشرة أيام.. «فيالعظم مصيبة هؤلاء القوم فى أنفسهم، إذ يشرّعون الشرائع، فى الإيجاب

_ (1) الدوشاب: نقيع من الشعير، والرب: خثارة كل ثمرة بعد اعتصارها.

والتحريم والتحليل، من ذوات أنفسهم، ثم بأسخف قول وأبعده عن المعقول» «1» . وقد تتبع ابن حزم جميع الأدلة والأسانيد التي استند إليها أبو حنيفة وصاحباه فى رأيهم فى النبيذ، وفندها، فرد ضعيف أخبارها، أو تأولها على وجهها الذي يدعم وجهة نظره، فى دفع هذه المقولات، ودحضها. وفى هذا الجدل بين أصحاب تلك الآراء المختلفة، متعة ذهنية، ورياضة عقلية، لا شك فيها، ولكنها متعة تذهل الإنسان كثيرا عن الحقيقة التي بين يديه، وتفتح لذوى القلوب المريضة طريقا إلى الجمع بين المتناقضات من الآراء، فيأخذ من كل رأى ما يرضيه ويوافق هواه، فإذا دينه رقع مختلفة الألوان.. رقعة من هنا، ورقعة من هناك، وكلها- حسب رأيه- من الدّين ومن مقولات الأئمة الأعلام فى الشريعة!! وفى هذه القضية بالذات، أخذ قوم بهذا المذهب الذي يجمع بين متناقضات الآراء، ويتتبع ما يرضى هواه منها، دون نظر إلى حلال أو حرام.. وفى هذا يقول الشاعر متهكما بهذا التضارب فى شأن الخمر، التي ليس فيها إلا قولا واحدا، هو أنها الخمر، وأنها الحرام، قليلها وكثيرها سواء.. يقول الشاعر متهكما. أحلّ العراقىّ النبيذ وشربه ... وقال الحرامان: المدامة والسّكر «2» وقال الشآمى النبيذ محرّم ... فحلت لنا من بين قوليهما الخمر ويعنى الشاعر بهذا أن أبا حنيفة ومن تابعه (وهو عراقىّ) قد قال فى

_ (1) المحلى: لابن حزم- الجزء السابع. ص 562 وما بعدها. (2) المدامة هى الخمر، أي ما خمر من العنب وحده. على ما ذهب إليه بعض أصحاب أبى حنيفة، والسكر: نقيع التمر.

فى النبيذ قولا يخرجه به من الخمر، ويرفع عنه الحرمة المضروبة على الخمر، وأن أقصى ما يكون على شاربه أنه أتى فعلا مكروها إذا شرب حتى سكر. أما الحرامان عند أبى حنيفة ومن تابعه فهما المدامة (أي الخمر المصنوعة من العنب) والسّكر، وهى الخمر المصنوعة من التمر، فما خمّر من تمر وعنب فهو الخمر، وهو الحرام قليله وكثيره، أسكر أو لم يسكر، أما ما خمّر من غير العنب والتمر، فهو نبيذ- وقد عرفنا رأيه فيه. وأما الشآمى الذي يشير إليه الشاعر، فهو مالك وأصحابه، ومالك يحرّم النبيذ من أي شىء كان، إذا أسكر كثيره فقليله حرام، وهى الخمر التي حرمها الله.. والشاعر يرى بين يديه رأيين مختلفين فى النبيذ.. وكل رأى هو قول لإمام من أئمة الشريعة.. ولا على الشاعر أن يأخذ برأى أبى حنيفة فى النبيذ!! وهذه كلها مما حكات، تفسد على المرء رأيه، وتشرّد مجتمع عزيمته، وتقيمه من هذا المنكر بين الشك واليقين.. إذ ينظر فيرى وجوها من الخلاف فى أمر لا خلاف فى أنه منكر، وقد جاء القرآن الكريم صريحا قاطعا بتحريمه: «إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه» وجاءت السنة المطهرة تحكم هذا الحكم المحكم، فيقول النبي الكريم: «كل مخمّر خمر، وكلّ مسكر حرام، ومن شرب مسكرا بخست «1» صلاته أربعين صباحا.. فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة كان حقّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال، قيل وما طينة الخبال؟ قال: صديد أهل النار»

_ (1) ومعنى بخست صلاته: أي كانت ناقصة، ولم يؤت أجرها كاملا.

وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» . فكيف يزاغ عن هذا الحكم القاطع فى الخمر وحرمتها، أيّا كان الوجه الذي تظهر به، وأيّا كان لونها وطعمها؟ إن كل ما أسكر فهو خمر، قليله وكثيره حرام.. هذا هو حكم الله، والحلال بيّن والحرام بيّن.. والمرء مؤتمن على دينه، فما عرف أنه مؤثّر على عقله من شراب أو طعام، كان حراما عليه أن يذوق قطرة منه، أو يطعم أقل القليل منه. هذا هو فيصل الأمر فى الخمر.. وإذن فلا قول بعد هذا، ولا بحث فى مادتها، ولونها. فالعلة فى تحريم الخمر هى الإسكار والتأثير على العقل، تأثيرا يغيّر طبيعته، ويفقده توازنه، والعلة تدور مع المعلول وجودا وعدما.. وليست علة تحريم الخمر قلتها وكثرتها، وإنما علتها أنها الخمر، وأنها الحرام، وليس فى الحرام قليل وكثير.. فما حرم كثيره فقليله حرام، سدّا للذرائع.. حيث لا حجاز بين القليل والكثير، فقد يسكر بعض الناس من قطرات من الخمر بينما لا يسكر بعضهم إلا بما يملأ بطنه منها!! وأما مكان الخمر بين المحرمات، فأشهر من أن يدلّ عليه، فهى كبيرة الكبائر، وأم المحرمات. ولكن الذي دعانا إلى بحث هذا الأمر ما نسمعه يجرى اليوم على أفواه بعض المثقفين من الشبان، الذين لقّنوا تأويلات فاسدة، دخلت عليهم مدخل الدين، من مقولات الملحدين، الذين يكيدون للإسلام، ويثيرون فى وجهه

العواصف، التي انتزعت أديانا كثيرة من مواطنها، فى الغرب والشرق! وهيهات أن تنال العواصف والزوابع من دين هو أرسخ من الجبال الراسيات! يقول بعض المتأولين: إن تحريم القرآن للخمر لم يكن تحريما قاطعا ملزما، وإنما هو تحريم أشبه بالكراهية، الأمر الذي يجعلها لا تدخل فى باب الكبائر من المحرّمات! وحجة القائلين بهذا القول، هى أن الله سبحانه وتعالى لم يقرنها بالمحرمات التي ورد فى القرآن الكريم النصّ على تحريمها بصريح اللفظ: «حرّم» أو «حرمت» مثل قوله تعالى: «وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً» (96: المائدة) وقوله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ» (3: المائدة) وقوله سبحانه: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ» .. الآية (23: النساء) . هكذا يجى النصّ القرآنى بلفظ التحريم صريحا، فيما أراد الله تحريمه، من منكرات.. تحريما قاطعا جازما!! أما فى الخمر، فقد جاء النصّ فى معرض الحكم عليها بقوله تعالى: «رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ.، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» .. ولو كان من تدبير الشريعة تحريم الخمر تحريما قاطعا لجاء النصّ صريحا بلفظ التحريم هكذا: «حرمت عليكم الخمر» ! هكذا يهوّن هؤلاء المتألون من شناعة الخمر، ويستخفّون بجريمتها، ويجدون فى الإقدام على شربها ما يرفع عنهم كثيرا من آثامها.. فما شربها

عندهم- وأمرها على هذا الوصف- إلا من قبيل الصغائر من الذنوب، أو إلّا من اللّمم المعفوّ عنه من الآثام! وكذبوا على الشريعة، وافتروا على كلمات الله! وقد بينا من قبل أن الأوصاف التي وصفت بها الخمر، بأنها رجس، وأنها من عمل الشيطان، وأنها توقع العداوة والبغضاء، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة- بيّنا أن هذه الأوصاف تضع الخمر على رأس المنكرات كلها، وتقيمها فوق كل كبيرة.. فالميتة والدم ولحم الخنزير، وغيرها مما حرم الله من طعام، وجاء تحريمها نصا بلفظ التحريم «حرمت» - لم توصف إلا بأنها فسق ولم تلحق بها تلك الأوصاف التي وصفت بها الخمر، بأنها رجس، وبأنها من عمل الشيطان، وأنها توقع العداوة والبغضاء، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة! .. ونقول لهؤلاء المتأولين لكلمات الله على هذا الوجه الجريء الفاسد: ألا تقوم تلك الصفات التي وصفت بها الخمر شهادة على أنها أشنع المحرمات، وأغلظ المنكرات؟ ثم ألا يكون أمر الله باجتنابها، ولو لم توصف بما وصفت به، حكما ملزما لكل مؤمن بالله أن يجتنبها اجتنابه للعدوّ المتربص به، الراصد لاغتياله والقضاء عليه؟ إن حكم الله على شىء، بأمر المؤمنين باجتنابه، هو حكم عليه بأكثر من الحكم بتحريمه.. إذ الأمر باجتناب الشيء يجعله تحت حكم مؤبد بحرمته، بحيث لا يحل أبدا بوجه من الوجوه، أو فى حال من الأحوال، وذلك بخلاف الأمور التي حكم الله بتحريمها ابتداء بصريح لفظ التحريم، حيث تجدّ ظروف وأحوال تغيّر من صفتها، وتنقلها من الحرمة إلى الحلّ أو الإباحة.. فالمطاعم التي حرمّها الله، من الميتة والدم ولحم الخنزير، وغيرها قد أبيح

للمضطر أن ينال منها ما يحفظ عليه حياته، ولا إثم عليها فيما طعم منها.. وصيد البرّ، الذي حرّم على المحرم، يصبح مباحا بعد أن يتحلل المحرم من إحرامه.. والمرأة المحصنة- أي المتزوجة- محرمّة على غير زوجها، فإذا طلقت منه، وانتهت عدتها كانت حلّا لأى رجل مسلم، من غير محارمها، إذا هو تزوجها. أما ما أمر الله باجتنابه من منكرات، فلم يرفع عنه هذا الحظر بحال أبدا.. ففى قوله تعالى: «فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ» (30: الحج) أمر ملزم لكل مؤمن باجتناب هذين المنكرين ما دام على الإيمان: عبادة الأوثان، وقول الزور. وقوله تعالى: «وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ» (26: النحل) هو ملاك دعوة الرسل.. الإيمان بالله، وترك عبادة الأوثان.. فلا يكون فى المؤمنين أبدا من لم يجتنب عبادة الأوثان.. إنه مشرك بالله بلا ريب. وكانت دعوة إبراهيم إلى ربه قوله: «وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ» (35: إبراهيم) . فتجنب الشيء واجتنابه هو الابتعاد عنه، اتقاء للخطر المتوقع منه، إذا داناه الإنسان، فكيف إذا اختلط به، وسكن إليه؟ فالأمر باجتناب الخمر، وما أمرنا باجتنابه من منكرات، هو أمر ملزم مؤبد لافكاك منه أبدا، إلا فى حال الاضطرار الذي يشمل الخمر وغيرها من المحرمات. وهذا هو وجه من وجوه إعجاز القرآن، فى إلباس المعنى المراد، اللفظ المناسب له، والذي لا يصلح له غيره من ألفاظ اللغة العربية كلها.

الآية (93) [سورة المائدة (5) : آية 93]

والدّين- كما قلنا- هو أمانة بين العبد وربّه، والحلال بيّن والحرام بيّن، وخير للمرء أن يلقى الله عاصيا من أن يلقاه منافقا، يمكر به وبآياته، فذلك منكر إلى منكر وبلاء إلى بلاء، إذ هو إلى جانب ارتكاب المنكر، استخفاف بالله، وإنكار لعلمه به، وقدرته عليه.. الآية (93) [سورة المائدة (5) : آية 93] لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93) التفسير: الجناح: هو اللّوم، والمؤاخذة، على أمر فيه حرج وضيق. وفى قوله تعالى: «لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا» بيان لسعة فضل الله على المؤمنين، وأنّه وقد أحل لهم الطيبات، وحرّم عليهم الخبائث، فإنهم فى سعة من أمرهم فيما يطعمون، حيث لا تطلب أنفسهم إلا الطيب، على حين تعاف الخبيث وتنفر منه.. فهم- والأمر كذلك- لا يجدون حظرا على أي طعام يشتهونه، ولا يستشعرون حرجا إزاء أي طعام حرّم عليهم.. إذ كان فى الطيب ما يصرفهم عن الخبيث الذي لا تشتهيه إلّا نفس خبيثة.. وقوله تعالى: «إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» هو قيد وارد على رفع الحرج عن المؤمنين فيما يطعمون، وفى استغنائهم عن الحرام بالحلال، وعن الخبيث بالطيب.. فالمؤمن إذا ما اتقى الله وعمل الصالحات.. صلحت نفسه، وطابت طبيعته

فلا يجد فيما حرّم الله عليه من خبائث، تضييقا عليه، ولا حرجا على أي طعام يشتهيه، إذ كان إيمانه وتقواه، وملازمته لتقوى الله وطاعته- إذ كان كل ذلك قد عزل نفسه، وغضّ بصره عن النظر إلى هذه المحرّمات، وحسابها فيما يطعمه الناس. ولا شك أن هذه منزلة لا يبلغها الإنسان إلا بعد أن يروض نفسه على التقوى، ويذلّلها بالعبادات والأعمال الصالحة، التي تقيمها على الصبر، والتعفّف والقناعة.. إذ كانت شهوات النفس غالبة، وأهواؤها متسلطة، والخبائث محمولة إليها على يد شيطان يزين الخبيث ويغرى به.. «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ.. فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ» .. فالمؤمنون الذين تخلو أنفسهم من التلفّت إلى تلك المحرمات، ولا يجدون لها فى صدورهم وسواسا يوسوس بها، أو داعيا يدعوهم إليها- هؤلاء المؤمنون هم قلّة فى المؤمنين.. هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم إزدادوا إيمانا بالتقوى والأعمال الصالحة، ثم لزموا طريق التقوى والإيمان، ثم انتهوا إلى التقوى والإحسان- فهؤلاء هم الذين يبلغون تلك المنزلة التي تطمئن فيها قلوبهم إلى الطيبات، وتنقطع فيها وساوس الشيطان لهم بالمحرمات، حيث ييأس من أن يلتفتوا إليه، أو ينزع بهم منزع إلى شىء مما فى يديه، من خبيث كل مطعوم ومشروب. فالآية الكريمة تكشف عن حقيقة الإيمان وأثره فى إقامة النفس على طريق تلتقى فيه لقاء مصافحا لما أحلّ الله من طيبات، حيث تجد فى ذلك

راحتها، وسعادتها، ولا تستشعر ضيقا عليها، ولا حرجا فى إقامتها على حدود هذا الحلال الطيب المباح لها.. وهذا هو السرّ فى التكرار الذي جاء عليه النظم القرآنى فى تلك الآية الكريمة، والذي اضطرب فيه المفسّرون اضطرابا مزعجا، وذهبوا فى تأويله مذاهب تدور لها الرءوس.. فقد وصف المؤمنون وصفا مكررا بالإيمان والتقوى، والعمل الصالح، والإحسان.. «الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. ... اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات.. ... ثم اتقوا وآمنوا ... ... ثم اتقوا وأحسنوا ... » والسبب فى هذا الذي وقع فيه المفسرون من اضطراب هنا، هو أنهم نظروا جميعا إلى «الحرج» على أنه رفع الإثم والمؤاخذة على ما يناله المؤمنون بالله من أطعمة، بعد أن يتّصفوا بتلك الصفات. ولو أنهم نظروا- كما نظرنا بتوفيق الله- إلى «الحرج» على أنه ما يقع فى صدور المؤمنين من ضيق، إذا هم واجهوا المحرمات من المطعومات والمشروبات، حين يدعوهم إيمانهم وامتثالهم لأمر الله إلى التعفف عنها، والإمساك بأنفسهم عن الإلمام بها- لو أنهم نظروا تلك النظرة- لرأوا أن المؤمنين ليسوا على درجة واحدة فى موقفهم إزاء هذه المحرمات، وأنهم على منازل مختلفة منها.. فبعضهم ينتهى عنها، وفى صدره حرج وضيق، وفى كيانه مكابدة ومجاهدة..

وبعضهم ينتهى عنها وفى نفسه ميل إليها، ورغبة فيها، ولكنّ خوف الله يغلّ يده، وخشية الله تكسر حدة مشاعره.. وبعضهم تراوده نفسه عليها، وتؤامره على الإلمام بها، ثم التوبة عنها.. وهكذا تتغاير منازل المؤمنين، وتتعدد مواقفهم، إزاء هذه المنكرات، بعدا وقربا، وصبرا، وجزعا، واطمئنانا وقلقا، واجتنابا ومقارفة. أما المنزلة التي يكون فيها المؤمن، وقد انعزلت مشاعره، وسكنت بلابله، فلم يكن لهذه المنكرات من المطاعم والمشارب نخسة فى نفسه، أو همسة فى صدره- فلن يبلغها المؤمن إلا بعد مجاهدة ومصابرة، وبعد طريق شاق طويل يقطعه مع الإيمان والتقوى والعمل الصالح، متنقلا من حال إلى حال، مرتفعا من منزلة إلى منزلة، حتى يكون المؤمن الرّبانى الذي يكون على الوصف الذي ورد فى الحديث القدسي: «ما يزال العبد يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشى بها، وإن سألنى أعطيته، وإن استعاذنى لأعيذنّه» . ففى هذا الإنسان الرباني تموت كل نوازع الهوى، وتسكن كل دواعى الشهوة إلى محرم أو مكروه. وفى الفاصلة التي ختمت بها الآية الكريمة: «وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» فى هذه الفاصلة ما يكشف عن هذه المنزلة التي تهتف الآية الكريمة بالمؤمنين أن يسعوا إليها، وأن يعملوا على بلوغها.. وتلك هى منزلة الإحسان، تلك المنزلة التي ذكرها الرسول الكريم فى قوله، وقد جاءه جبريل عليه السلام، وهو مع أصحابه فى صورة رجل يسأله عن الإيمان والإحسان.. فقال جبريل يا رسول الله: «ما الإسلام؟ قال ألّا تشرك بالله

الآية (94) [سورة المائدة (5) : آية 94]

شيئا، وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة وتصوم رمضان.. قال: صدقت.. ثم قال يا رسول الله: «ما الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث، وتؤمن بالقدر كله» قال صدقت.. قال يا رسول الله.. ما الإحسان قال: «أن تخشى الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك....» الحديث كما رواه مسلم. فالإحسان هو أعلى درجات الإيمان: «أن تخشى الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه براك» . وتلك منزلة لا ينالها إلا المصطفين من عباد الله. ولهذا ضمهم الله إليه، وجعلهم من أصفائه وأحبابه فقال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ» . الآية (94) [سورة المائدة (5) : آية 94] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (94) التفسير: مناسبة هذه الآية للآية التي قبلها، أنها تعرض للمؤمنين امتحانا يمتحن به إيمانهم، وتختبر به تقواهم، فيما هو من طعامهم، الذي بيّنت لهم حدود ما بين الحلال والحرام منه.. وأنه ليس على هذه الحدود وازع يزع المؤمنين عن الوقوف عندها إلا ما فى قلوبهم من إيمان وتقوى وإحسان. والمؤمنون المخاطبون هنا هم الذين فى حال إحرامهم بالحج أو العمرة. والصيد المبتلون به، والممتحنون فيه، هو صيد البر، لا صيد البحر.

وقد يراد بالمؤمنين من هم فى البيت الحرام.. ويكون المراد بالصيد ما احتمى بالبيت الحرام من طير، وحوّم فى سمائه. وقوله تعالى: «تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ» أي تطوله وتبلغه أيديكم ورماحكم، أي هو صيد واقع تحت قدرتكم على صيده من غير معاناة، أو بحث عنه، إذ هو قريب دان، يغرى بصيده. ومعنى الآية: أن الله- سبحانه وتعالى- سيضع المؤمنين موضع امتحان وابتلاء، فى هذا الصيد الذي يدنو منهم، ويعرض لهم، ويقع فى متناول أيديهم، ورماحهم، وهو لائذ بالحرم، ساكن إليه أو هو فى غير هذا الحمى، وهم محرمون بالحج أو العمرة. وقد حرّم الله على المؤمنين صيد هذا الحيوان المتعرّض لهم، الواقع لأيديهم مباشرة، أو على قيد رمح منهم- وهو لائذ بالحرم، أو هو خارج الحرم وهم محرمون، فمن صاد شيئا من هذا الحيوان، وهو فى حاله تلك، أو هم فى حالهم هذه، فقد أثم، وخان الله على ما أتمنه عليه من أحكام شرعه. وقوله تعالى: «لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ» إشارة إلى أن هذا الامتحان هو امتحان لما فى القلوب من إيمان وتقوى وإحسان.. حيث لا وازع يزع الإنسان هنا إلا إيمانه وتقواه.. فلا سلطان يحول بين المؤمن وبين هذا الصيد الذي بين يديه.. فمن غفل فى كيانه وازع إيمانه وتقواه كان له أن ينال من هذا الصيد ما يشاء، وعليه أن يلقى العقاب وأصوله. ومعنى علم الله هنا، هو العلم المسلط على الواقع بعد أن يقع، أما علمه سبحانه، فهو علم شامل محيط بكل ما كان وما سيكون، وما وقع أو سيقع..

الآيات (95 - 96) [سورة المائدة (5) : الآيات 95 إلى 96]

وفى هذا العلم المتسلط على الواقع يؤخذ الإنسان متلبسا بعمله، من خير أو شر، ومن هنا تصح محاسبته، ويكون ثوابه أو عقابه. وقوله تعالى: «فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ» .. الإشارة هنا فى «ذلك» واقعة على ما نصبه الله سبحانه وتعالى للمؤمنين من معالم الهدى، وما رسم لهم من حدود.. فمن اعتدى منهم بعد هذا البيان المبين فلا عذر له، وعليه جزاء المتعدى، وهو العذاب الأليم. الآيات (95- 96) [سورة المائدة (5) : الآيات 95 الى 96] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (95) أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96) التفسير: ما زالت الآيات، تتحدث إلى المؤمنين، ويناديهم الحق سبحانه وتعالى بهذه الصفة، صفة الإيمان، فيما يشرّع لهم من حدود ما يطعمون من طيبات، وما يتجنبون من خبائث. وواضح من هذا، عناية الشريعة الإسلامية بهذا الأمر، والتفاتها إليه، والتقاؤها بالمسلمين على كل طريق يكون لهم فيه داع يدعوهم إلى مطعوم أو مشروب.

ذلك أن أكثر ما يبتلى به المؤمنون فى دينهم ما كان مورده من جهة طعامهم.. إذ الطعام قوام الحياة، وإليه ينصرف أكثر جهد الإنسان وعمله، فإذا لم يتحرّ الحلال فيما يأكل، لم يتحرّ الحق فيما يعمل ويكسب.. ولهذا أعطى الله سبحانه وتعالى صفة الأكل لكل مال يقع ليد الإنسان من حرام، فقال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً» (10: النساء) وقال سبحانه: «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ» (275: البقرة) وقال: «وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (188: البقرة) . من أجل هذا كانت عناية الشريعة تلك العناية البالغة ببيان الحلال والحرام، من طعام الإنسان وشرابه، ليقيم وجهه على ما أحلّ الله له من طيبات. وليعرض عما حرّم عليه من خبائث.. وفى هاتين الآيتين يبيّن الله سبحانه وتعالى للمؤمنين حكم الصيد، وما لهم منه، وما عليهم فيه، وهم محرمون. فيقول سبحانه وتعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ» والخطاب للمؤمنين، لأنهم أهل لأن يستمعوا لهذا النداء الكريم، وأن يستجيبوا له، وهم متحلّون بهذه الصفة، صفة الإيمان، وإلا فقد آذنوا أنفسهم بأن يتخلّوا عنها، وأن يكونوا من غير جماعة المؤمنين. والمراد بالصيد المنهي عن صيده هنا، هو صيد البرّ، ويكشف عن هذا المراد قوله تعالى «لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ» لأن صيد البحر لا يقتل، وإنما الذي يقتل هو صيد البر، كما يكشف عنه قوله تعالى بعد ذلك: «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ

وَطَعامُهُ ... » فهو استثناء وارد على تحريم الصيد، وبهذا يعرف المراد من الصيد المنهي عن صيده، وهو صيد البر. والنهى عن صيد حيوان البر مقيد بحال الإحرام فقط، أما بعد أن يتحلل المسلم من إحرامه فالصيد مباح له. وقوله تعالى: «وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ» وهو بيان للكفارة الواجبة، والدية المطلوبة من كل من قتل صيدا متعمدا وهو محرم.. وهذه الدية لا تفى بالمطلوب إلا إذا كانت مثل الحيوان المقتول، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ» أي فجزاء القاتل أن يغرم حيوانا مثل هذا الحيوان الذي قتله، إن لم يكن مثله عينا كان مثله قيمة وثمنا. وقوله تعالى: «يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ» هو بيان للعملية التي يتم بها تقويم الحيوان الذي قتل، وتحديد قيمته.. وذلك يكون بالرجوع إلى رجلين عدلين لهما نظر وخبرة، يحتكم إليهما فى تقدير قيمة هذا الحيوان.. وقوله تعالى: «هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ» هو حال من الضمير فى «به» الذي يعود إلى قوله تعالى: «فَجَزاءٌ» .. أي أن ما يحكم به الحكمان يساق هديا إلى إلى البيت الحرام «بالغ الكعبة» أي مساقا إلى الكعبة. وقوله تعالى: «أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً» هو تخيير فيما يجبر به هذا الذنب، ويقع كفارة له.. فالكفارة إما أن تكون هدايا يساق إلى الكعبة أي البيت الحرام، مقدّرا قيمته بقيمة الحيوان الذي قتل، وإما أن يكون بإطعام مساكين بقدر هذه القيمة، وإما بصيام يعدل ما كان يمكن أن يطعم من مساكين، من قيمة هذا الصيد المقتول. وهل يكون حساب الصوم باعتبار اليوم الواحد مقابلا لإطعام مسكين

واحد، كما فى قوله تعالى: «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ» ، أو أن يكون الحساب قائما على أن يكون صوم كل ثلاثة أيام مقابلا لإطعام عشرة مساكين، كما قوله تعالى: «إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ، أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ» ؟ وهل يكون الصوم هنا متتابعا متصلا، أو مفرّقا غير متصل؟ والذي عليه أكثر المفسرين والفقهاء أن يكون الصوم يوما واحدا، فى مقابل كل مسكين يمكن أن يطعم من قيمة الحيوان المقتول. كما أنّ الذي عليه الرأى فى إفراد الصيام أو تتابعه، أن يكون باختيار الصائم، إن شاء أفرد أو إن شاء تابع ووصل. كذلك اتفق رأى المفسرين والفقهاء على أن قتل الصيد خطأ من المحرم، يلحق بقتله عمدا منه، حيث ثبت عندهم أن السّنة ألحقت قتل الخطأ بالقتل العمد فى هذا المقام. وأمر آخر.. لم اختلف النظم فى قوله تعالى: «هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً» ؟ ولم لم يكن العطف عطف نسق بين قوله تعالى: «هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ» وبين ما بعده.. «أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً» ؟ أو بمعنى آخر.. لم كان العطف على القطع، ولم يكن على النسق. مع أن الأمر على التخيير فيها جميعا بحيث يجزىء أىّ منها.. الهدى، أو الإطعام، أو الصيام؟ والجواب على هذا: أولا: أن تقويم قيمة الصّيد المقتول يكون منظورا فيه إلى حيوان آخر مثله، قيمة وقدرا، وأن ذلك الحيوان هو الأصل فى الموازنة بينه وبين

الحيوان المقتول، فكان من الحكمة استحضاره فى تلك الحال، وجعله حالا قائمة فى نظر الحكمين اللذين يرجع إليهما فى الحكم فى هذا الأمر.. وذلك من شأنه أن يجعل الحيوان المقتول، والحيوان المنظور إلى إحلاله محله فى مجال نظر الحكمين، مما يجعل حكمهما أقرب إلى الصحة والسلامة. وثانيا: تأسيسا على هذا يصبح الحيوان الذي يساق هديا إلى الكعبة أصلا يقاس عليه، عند العدول إلى غيره، مما يساوى قيمته، من إطعام مساكين، أو صيام أيام تعادل ما يطعم من مساكين. ويكون تقدير النظم القرآنى على هذا الوجه «يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة، أو ما يقوم مقامه من إطعام مساكين، أو ما يعدل إطعامهم من صيام. ومن هنا كان القطع لازما، بعد تقرير الحكم، وتقدير الحيوان الذي يحلّ محلّ الصيد المقتول. وفى قوله تعالى: «لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ» الفاعل هنا هو المحرم الذي قتل الصيد، والوبال: هو السوء والضرّ، ومنه قولهم طعام وبيل، وماء وبيل، إذا كانا فاسدين لم تسفهما النفس، ومن ذلك قوله تعالى فى فرعون: «فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا» (16: المزمل) . وفى قوله تعالى: «لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ» تشنيع على الاعتداء على حرمات الله، وعلى العدوان على من لاذبحماه، ولو كان حيوانا أحل الله ذبحه وأكله، فمن فعل ذلك فقد عرّض نفسه لبلاء شديد يلقاه من عذاب الله. وتظهر بشاعة هذا الفعل، وشناعته من وجوه: فأولا: هذه الكفارة التي تقدّم بها قاتل الصيد فى الحرم، أو وهو محرم- هذه الكفارة عن تقديم هدى مثله إلى الكعبة أو إطعام مساكين أو صيام-

لم تكن لتغسل هذا الدّم الذي أريق، فمازال عالقا بمن أراقه بعض الإثم، ولهذا جاء التعبير القرآنى- فى أعقاب تقديم هذه القربات- بهذا اللفظ المؤذن بأن تلك القربات كانت ضربا من العقاب والنكال لمن قدمها: «لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ..» . وثانيا: أن الشريعة هنا لم تعف القتل الخطأ من إلحاقه بالعمد، وأخذ القاتل خطأ بما أخذ به القاتل عمدا.. وفى ذلك ما يشعر بأن القاتل عمدا هنا أشبه بمن قتل نفسا مؤمنة عمدا، وأنه إذا كان قد أخذ بما أخذ به القاتل خطأ، فذلك من فضل الله ورحمته بعباده.. فالشريعة الإسلامية قد رفعت الإثم عمّا وقع من المسلم خطأ من المنكرات. ولكنها فى باب الدماء، قد جعلت للخطأ وضعا خاصا، فلم تعف الذي قتل نفسا خطأ من الأخذ بشىء من العقاب، صيانة لدم الإنسان، وتكريما له أن أن يذهب هدرا من غير حساب.. «وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا» (91: النساء) وقد ألحق الحيوان اللائذ بحمى الله، بالإنسان.. وفى ذلك ما يوقع فى نفس المسلم كثيرا من التأثم والتحرج لأيّة قطرة دم تراق بغير حقّ، ولو كانت دم حيوان! ثالثا: فى التعبير عن صيد الحيوان «بالقتل» فى قوله تعالى: «لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ» -- فى هذا ما يشعر بأن عملية الصيد فى هذا الموطن، وفى تلك الحال هى عملية «قتل» .. تلك الكلمة التي تثير فى النفس مشاعر القتل الذي يقع على

الإنسان، والذي يكاد يكون لفظا خاصا به. وإذا ذكرنا أن الأمة العربية- فى جاهليتها- كانت مستخفة بالدماء، مستبيحة لحرماتها، مستهينة بإزهاق الأرواح وإراقة الدماء- إذا عرفنا ذلك- لم نستغرب، ولم ندهش لهذا التدبير الحكيم فى أخذ النّاس بتلك الأحكام فى قتل الحيوان، فى حال ما، وهو الذي أبيح ذبحه وأكله، فى غير هذه الحال، فما كان لمجتمع ألف الولوغ فى دم الإنسان، أن تنتزع منه هذه المشاعر المتحجرة إلا بمثل هذا الأدب السماوي الحكيم. ثم إن هذا الأدب، لن يبطل حكمه، ولن تفتقد حكمته فى أي مجتمع، وفى أي زمان أو مكان.. فالناس هم الناس، فى عدوان بعضهم على بعض، وفى إراقة بعضهم دم بعض.. وحسب هذه الحروب المشبوبة اليوم، فى كل آفاق الأرض، وما يراق فيها من دماء، وما يزهق فيها من أرواح- شاهدا على أن الناس هم اليوم أشد حاجة إلى هذا الأدب السماوي من حاجة العرب الجاهليين إليه. وقوله تعالى: «عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ» هو رفع للحرج، وغسل الإثم الذي وقع لبعض المسلمين من قتل الصيد عمدا أو خطأ، قبل أن ينزل هذا الحكم، ويصبح أمرا ملزما، بعد أن بلّغه الرسول، وعرفه المسلمون.. قوله تعالى: «وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ» هو وعيد لمن تجاوز الله سبحانه وتعالى له، عما كان منه من هذا الأمر، قبل أن يأتى حكم الله فيه، ثم وقع منه هذا المحظور بعد النهى عنه.. فهو حينئذ معرّض لنقمة الله، واقع تحت عقابه.. «وَاللَّهُ عَزِيزٌ» لا يفلت من سلطانه أحد «ذُو انْتِقامٍ» يأخذ بمن اعتدى على حرماته، بنقمته، وعذابه.

الآيات (100 - 97) [سورة المائدة (5) : الآيات 97 إلى 100]

قوله تعالى: «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ» هو بيان من الله سبحانه وتعالى، يفرّق به بين حكم صيد البرّ وصيد البحر.. فإذا كان صيد البر قد أقيم عليه هذا الحظر فى حال الإحرام، فإن صيد البحر حلّ مباح، لا حرج على المحرم أن ينال منه ما يشاء، فيصطاده، ويبيعه، ويأكل منه.. «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ» أي والأكل منه.. «مَتاعاً لَكُمْ» أي زادا لكم تتزودن به، وتطعمون منه.. «وَلِلسَّيَّارَةِ» أي وللسائرين الذين ليسوا فى حال إحرام.. أي أن صيد حيوان البحر يستوى فيه المحرم وغير المحرم، حيث لم يكن للإحرام أثر فى هذا النوع مما يصاد من حيوان. وقوله تعالى: «وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً» هو توكيد لحرمة صيد البر فى حال الإحرام، واحتراس من أن يكون رفع الحظر عن صيد البحر مؤذنا يرفع الحظر عن صيد البر، الذي تقرر حكمه من قبل، وفى هذا مزيد عناية بتقرير هذا الحكم الواقع على صيد البر وحراسة له من أن يقع فيه لبس، أو شك، ولو على سبيل الاحتمال البعيد. وقوله تعالى: «وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» هو حراسة مشدّدة على الحدّ الذي أقامه الله سبحانه وتعالى على حرمة صيد البرّ فى حال الإحرام أو فى الحرم.. وتلك الحراسة هى الخوف من الله، والتحذير من عقابه للخارجين على حدوده، والمعتدين على حرماته.. الآيات (100- 97) [سورة المائدة (5) : الآيات 97 الى 100] جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (99) قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100)

التفسير: مناسبة هذه الآيات لما قبلها، أنها تحدّث عن مواطن حرمات الله، التي بينت الآيات السابقة بعضا منها. وقوله تعالى: «جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ» . القيام: التقويم، والإصلاح. أي أن الله سبحانه وتعالى جعل الكعبة، والبيت الحرام، المقام عليها- جعلها موطن إصلاح وهداية ورشاد للناس، حيث جعلها حرما آمنا، يفيض الأمن منها على كل كائن، من إنسان أو حيوان أو نبات.. بل لقد شمل هذا البلد كله الذي أقيم حول الكعبة، واحتمى بحماها، فكان هذا البلد أيضا حمى لكل من لاذبه، واحتمى فيه، وسكن إليه، استجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام: «رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً» . وقوله: «وَالشَّهْرَ الْحَرامَ» أي والشهر الحرام كذلك جعله الله ظرف أمن وسلام، وإصلاح لأمر الناس، حيث لا قتال فيه، والمراد بالشهر الحرام، الأشهر الحرم.. ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم ورجب، والتعبير عنها، بالشهر الحرام باعتبارها كيانا واحدا فى حرمة القتال فيها، وإن تفرقت أزمانا، واختلفت أسماء.. فهى بمنزلة شهر واحد.. وفى هذا ما يقيم شعور المسلم على حال واحدة فيها، وألا ينعزل عن هذا الشعور بانتقاله من شهر إلى شهر.. بل إن من الخير له أن يصل بعيدها بقريبها.. فشهر رجب وإن سبق الأشهر الثلاثة بشهرين،

وتأخر عنها بستة أشهر، جدير به أن يوصل بها من طرفيه، وبهذا يكون العام كله شهر حرام، لا قتال فيه، وإن كانت الأشهر الحرم قد أفردت بهذا الحكم، فهو حكم واجب فيها، مستحبّ فى غيرها.. قوله تعالى: «وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ» معطوف على الشهر الحرام، الذي هو معطوف على الكعبة.. أي أن الحيوان المساق إلى البيت الحرام هديا له، والقلائد التي يقلّدها ويعلّم بها، هى من حرمات الله، التي ينبغى ألا يتعرض لها أحد بأذى أو عدوان، وفى هذا تأديب للناس، وتهذيب لهم، وإصلاح لأمرهم.. حيث يعفّ الإنسان عن الاعتداء على حرمات الناس، إذا هو امتثل أمر الله وكفّ يده عن العدوان على حرماته.. فى رعاية كل حرمة من هذه الحرمات هداية للناس، وتقويم لانحراف المنحرفين منهم، وتدريب لهم على الامتثال والطاعة، ورعاية الحرمات فيما بينهم. وبهذا تكون كل تلك الحرمات: «الكعبة البيت الحرام والشهر الحرام والهدى والقلائد» - قياما للناس وتسديدا لسلوكهم فى الحياة. قوله تعالى: «ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» .. الإشارة هنا إلى هذه الحرمات، التي جعلها الله قياما للناس، وإصلاحا لهم.. وقوله تعالى «لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» تعليل للحكمة التي تختفى وراء هذه الحرمات التي بيّن الله سبحانه وتعالى معالمها، وحدد حدودها، وأنها منصوبة للمؤمنين لتكون امتحانا لإيمانهم، وابتلاء لما فى قلوبهم من توقير لله، واحترام لحرماته، وذلك لا يكون إلا لمن آمن بالله، واستيقن من أنه سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عن علمه شىء.. فمن لم يؤمن بالله هذا الإيمان

لم يقم فى كيانه شعور بمراقبة الله، أو التوقي من العدوان على حرماته، والتعدي على حدوده.. فهذه الحرمات التي نصبها الله لأعين المؤمنين هى تدريب لهم على التعرف على الله، حيث ينتهى بهم الوقوف إزاءها، وتحريم حرماتها إلى العلم بالله، وأنه سبحانه يعلم ما فى السموات وما فى الأرض، وأنه بكل شىء عليم.. وإذن فليس ثمرة هذه الحرمات فيما يجنى منها من إشاعة الأمن والطمأنينة بين الناس، بل إنها- مع هذا- تفتح فى قلب المؤمن طريقا إلى الله، يشهد منه سعة علمه، ونفوذ سلطانه، إلى ما تكن الضمائر، وما تخفى الصدور. وقوله: «اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» هو تعقيب على هذا الحظر الذي أقامه الله تعالى على حرماته، وحذّر الناس من العدوان عليها.. فهناك عقاب شديد راصد لمن اعتدى على حرمات الله.. وهناك غفران ورحمة لمن تاب ورجع إلى الله من قريب، واستغفر لذنبه، وندم على ما فرط منه. وقدّم عقاب الله هنا على مغفرته، لأن ذلك فى مواجهة حدود أقامها الله، وحذّر من مجاوزتها والاعتداء عليها، فناسب ذلك أن يجىء العقاب أولا لمن اعتدى على هذه الحدود، ثم تجىء الرحمة والمغفرة لمن أثم وأذنب ثم تاب واستغفر.. وقوله تعالى: «ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ» هو تنبيه للناس إلى أنه لا سلطان لأحد عليهم فيما يأتون من طاعات، أو يرتكبون من آثام، إلا أنفسهم، وما فى قلوبهم من إيمان، وما فى كيانهم من عزائم.. إذ ليس مع أوامر الله ونواهيه قوى مادية تقهر الناس على امتثال الأوامر واجتناب النواهي، وإنما كل ما هنالك، هو دستور سماوى، وقانون إلهى، يحمله رسول من

الله إلى عباد الله، ويبيّن لهم ما حمل إليهم من ربّه.. ثم يتركهم لأنفسهم.. فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.. ومن شاء فليستقم، ومن شاء فلينحرف: «ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ» وليس من رسالته أن يقهر الناس على الخير الذي يحمله إليهم: «أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» (99: يونس) . وقوله تعالى: «وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ» هو بيان لما بعد البلاغ الذي هو من عمل الرسول.. فهناك بعد أن يبلغ الرسول ما أنزل إليه من ربّه، يتولى الله سبحانه وتعالى مراقبة الناس فيما بلغهم إياه رسوله، واطلاعه سبحانه على ما يكون منهم من طاعة أو عصيان.. «وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ» .. لا تخفى عليه منكم خافية، «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى» (31: النجم) «فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ» (40: الرعد) . وقوله تعالى: «قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ» هو إلفات للناس إلى ما بين الطيب والخبيث، من بعد بعيد. واختلاف شديد، فى الآثار التي تتبع كل منهما، وفى الثمار التي يجنيها الزارعون لهما.. من خير أو شر، ومن طيّب أو خبيث. فالطيب وإن بدا قليلا فى كمّه، هو كثير فى كيفه.. إنه نبتة من نبّات الحق، يزكو مع الزمن، ويعلو مع الأيام. إنه أشبه بالكلمة الطيبة، والشجرة الطيبة، لا تغرب شمسه، ولا تنقطع موارد الخير منه.. «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها» (54- 25: إبراهيم) . والخبيث وإن زها وازدهر، وانداح وامتدّ، هو كثير فى كونه، ضئيل

فى قدره.. لا ظلّ له ولا ثمر فيه.. «وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ» (26: إبراهيم) . هكذا الطيب والخبيث، فى كل شىء، ومن كل شىء.. فى الناس، وفى الحيوان، والنبات والجماد، وفى المعاني والمحسوسات.. وفى القول وفى العمل.. الطيب حياة دائمة متجددة لا تموت أبدا.. والخبيث موات لا يمسك ماء ولا يطلع نبتا.. فالذين يستخفّون بالطيّب، لضمور شخصه، أو خفوت صوته، أو احتجاب ضوئه- إنما هم مخدوعون فى أبصارهم، مصابون فى بصائرهم، لا يرون من الأشياء إلا ظاهرها، ولا يعلمون من الأمور إلا قشورها، أما الصميم فهم فى عمّى عنه، وأما اللّباب فهم على جهل به.. «يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ» (7: الروم) . وقوله تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» هو دعوة إلى أصحاب العقول أن يستعملوا عقولهم، وأن يفيدوا منها فى التعرف على الحق والخير، والتعامل مع الطيب والحسن، ففى ذلك يكون الفلاح، ونجاح المسعى. ودعوة ذوى الألباب إلى التقوى، هى الدعوة المرجوّ لها القبول والنجاح، حيث لا تحصّل التقوى إلا بالعمل الطيب، وحيث لا يتهدّى إلى الطيب، ولا يعمل له، ويتعامل معه، إلا أصحاب العقول السليمة، الذين احترموا عقولهم، وأخذوا بما تكشف لهم بصائرهم من معالم الحق والخير..

الآيات (102 - 101) [سورة المائدة (5) : الآيات 101 إلى 102]

الآيات (102- 101) [سورة المائدة (5) : الآيات 101 الى 102] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ (102) التفسير: مناسبة هذه الآية لما قبلها، هو أن التعرف على الحلال والحرام، والتهدّى إلى تمييز الطيب من الخبيث، يكون عن نظر وتقدير، كما يكون عن مدارسة، ومساءلة لأهل العلم والذكر، كما يقول الله تعالى: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (7: الأنبياء) . وقد أشارت الآية السابقة إلى التفرقة بين الخبيث والطيب، وأن الخبيث خسيس لا قيمة له، ولو لبس ثوبا من البريق الزائف الذي يخدع الحمقى والسفهاء.. وكان من هذا أن أكثر المسلمون من التنقيب والبحث، وتقليب الأمور على وجوهها، ليتعرفوا على ما ينكشف منها من طيب أو خبيث، ومن خير أو شر، ومن حق أو باطل.. وقد أغراهم بهذا أن الرسول الكريم قائم فيهم، مقام الشمس فى وضاءتها وامتداد سلطانها على الآفاق، فكانوا يلقونه- صلوات الله وسلامه عليه- بكل عارض يعرض لهم، وبكل شبهة تقع لأبصارهم، فيلقاهم الرسول الكريم بما يجلو الشّبه، ويكشف معالم الطريق إلى الحق والخير.. وقد تجاوز بعض المسلمين هذه الحدود فيما يعنيهم من أمر دينهم أو دنياهم، فجعلوا يسألون عن أمور لم تقع، قد افترضوا وقوعها، واستعجلوا الحكم الشرعي فيها.. وهذا من شأنه أن يجعل الرسول بين أمرين إما أن يجيبهم إلى ما سألوا، وإما أن يدعهم يسألون ولا يجيب. والأمر الثاني: إن أخذ به الرسول، ووقف عنده، أقام السائلين على قلق،

وحيرة، فتذهب بهم الظنون كل مذهب، وتتشعب بهم الآراء فى كل وجه.. فكان لا بد- والحال كذلك- أن يلقى الرسول كلّ سائل بالجواب عما سأل، قبولا أو ردّا، وموافقة أو مخالفة ... وإذا علمنا أن القرآن الكريم كان ينزل منجّما، وأن التشريع الإسلامى جاء متدرجا، شيئا فشيئا، وحالا بعد حال، حسب تقدير العزيز العليم، وحكمة الحكيم الخبير، حتى تتأصل أصول الشريعة، وترسخ أحكامها، وتنزل من النفوس منزلة الاطمئنان والقرار.. فالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وهى أركان الإسلام، بعد الإيمان بالله- هذه العبادات لم تفرض على المسلمين مرة واحدة.. بل فرض بعضها فى مكة، قبل الهجرة، كالصلاة التي فرضت بعد الإسراء، ثم فرضت الزكاة، والصوم- فى السنة الثانية بعد الهجرة، ثم الحج، الذي كان آخر ما فرض من العبادات!. - إذا علمنا هذا، كان لنا أن نسأل: ماذا يكون الأمر لو سأل سائل من المسلمين النبىّ صلى الله عليه وسلم وهو فى مكة لم يهاجر بعد- عن الزكاة، أو عن الصوم مثلا؟ أكان الجواب بأن الزكاة فرض على المسلمين، أو أن الصوم المفروض عليهم هو صوم رمضان؟ كان لا بد إذن أن ينزل قرآن فى هذا، وأن يعجّل بأمر لم يرد الله تعجيله، لحكمة أرادها، ولتقدير قدره. إذن، فإن من الخير للمسلمين أن يسكتوا عما سكتت السريعة عنه، إلى

أن تقول كلمتها فيه، أو تدعه فلا تقول شيئا عنه.. وفى هذا وذاك خير للمسلمين، ورحمة بهم، وإحسان إليهم. ولهذا جاء قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ» والأشياء المنهىّ عن السؤال عنها ليست الأشياء جميعها على إطلاقها، وإنما هى الأشياء التي يترتب على إقرار الشريعة لها، وأخذ المسلمين بها إضافة تكاليف وأعباء، كتحريم أمر كان غير محرم، وحظر طعام كان مباحا.. ونحو هذا.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ» أي إن انكشف لكم حكم الشريعة فيها ساءكم، وشق عليكم، وأعنتكم.. وفى هذا يقول الرسول الكريم: «ذرونى ما تركتكم.. فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شىء فدعوه» . واستمع إلى قوله تعالى: «وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ... » (25 محمد) .. فقد سأل المسلمون النبىّ أن تنزل عليهم كلمة الله فى القتال، وحكمة فيه، فلما نزلت سورة محكمة، أي جلية واضحة، لا تحتمل تأويلا، وجاء أمر القتال فيها واجبا ملزما- ساء ذلك كثيرا من النفوس، وثقل عليها احتماله، أما الذين احتملوه فاحتملوه على جهد ومشقة.. واستمع بعد ذلك إلى قوله سبحانه: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ

الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ» (77: النساء) فالذى كان مطلوبا أولا من المسلمين أن يكفّوا أيديهم عن الإثم والعدوان وأن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.. وكان ذلك أول الإسلام، وعلى الخطوات الأولى من مسيرة المسلمين فيه.. ثم كان بعد ذلك أن فرض الله عليهم القتال، فرضه عليهم بعد أن قطع بهم على طريق الإسلام تلك المرحلة التي دربوا فيها على الطاعات، وتوثقت فيها صلتهم بالله فماذا كان بعد أن كتب عليهم القتال؟ لقد تمنى كثير منهم ألا يكون هذا الحكم فريضة واجبة عليهم.. لقد ضاقت به نفوس، ووجفت منه قلوب.. فكيف كان الحال لو أن الأمر بالقتال جاءهم ابتداء، فكان فرضا لازما من أول يوم الإسلام؟ كان من الخير إذن للمسلمين ألا يسألوا عن مثل هذه الأشياء، وألا يفتحوا على أنفسهم أبوابا من الأعباء، سدّها الله دونهم، وعافاهم مما يجيئهم منها من تكاليف وواجبات.. لا عن نسيان منه، سبحانه، وتعالى عن ذلك علوّا كبيرا، ولكن كان ذلك رحمة وفضلا وإحسانا.. يقول الرسول الكريم: «إن الله تعالى فرض فرائض فلا تصيّعوها، وحدّ حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء، فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تسألوا عنها» .. وفى الحديث، أنه لما نزلت آية الحج، نادى النبي صلّى الله عليه وسلم فى الناس فقال: «أيها الناس.. إن الله قد كتب عليكم الحج فحجّوا» فقالوا يا رسول الله: أعاما واحدا أم كل عام؟

فقال: «لا، بل عاما واحدا، ولو قلت كلّ عام لوجبت، ولو وجبت لكفرتم!» أي لم تستطيعوا الوفاء بما فرض عليكم، وفى هذا مخالفة لحكم من أحكام الله، وتضييع لفريضة من فرائضه، وذلك هو كفر بالله. وقوله تعالى: «وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ» . المراد بقوله تعالى: «حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ» أي حين تجىء آيات الله فى الوقت المقدور لنزولها، بما تنزل به من أحكام، حتى يتم نزول القرآن الكريم كله.. فإن بقي فى نفوسهم شىء بعدها سألوا عنه.. وفى هذا إشارة إلى أن أحكام الشريعة كانت تتنزل بقدر مقدور لها، وبتوقيت محدد لنزولها.. فإذا جاء القرآن بحكم من الأحكام، كان السؤال مطلوبا من المسلمين عما خفى عليهم من هذا الحكم الذي جاء به، على أن يكون ذلك موقوفا به عند حدود الحكم، وفى بيان محتواه.. أما مجاوزة هذه الحدود فهى مما نهى عنه. وهى من التنطع والتكلف الذي لا يجرّ وراءه إلا الحسرة والندم، كهذا السؤال الذي سئله الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وهو يدعو الناس إلى أداء فريضة الحج.. فقد كان أمر الرسول واضحا محددا، وكذلك ما نزل به القرآن فى أمر الحج «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» فالسؤال بعد هذا عن الحج، وهل هو كل عام، أو مرة واحدة- فيه تكلف لا مبرر له، ولا حاجة إليه. وقوله تعالى: «عَفَا اللَّهُ عَنْها» الضمير هنا يعود إلى تلك الأشياء التي كانت مباحة للمسلمين فى أول الإسلام، ثم جاء الإسلام، فى زمن متراخ فحرمها عليهم.. كالخمر، والربا، والزواج من زوجات الأبناء من الأصلاب وكثير غير هذا، مما حرمته الشريعة، من أمور كان يأتيها الجاهليون وجرى عليها المسلمون فى أول الإسلام..

فهذه الأشياء قد عفا الله عنها، فلا يؤاخذهم عليها، وإن كانوا قد فعلوها وهم مسلمون، إذ لم يكن قد جاء حكم الشريعة فيها.. وفى قوله تعالى: «وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ» إشارة إلى أنّ فى مغفرته ما يسع هذه المنكرات التي أتاها المسلمون، وهم مسلمون، ووجدوا فى أنفسهم حرجا منها، وضيقا بها، وإن كانوا لم يتلقوا حكم- الله فيها.. فهذه مغفرة الله تدفع عنهم هذا الحرج، وتذهب بما فى صدورهم من ضيق.. وهذا حلم الله يأخذهم بالأناة واللطف، فيما يشرّع لهم من أحكام.. إنه- سبحانه- يقبلهم مسلمين بما كانوا عليه، وبما فعلوه مما لم ينههم عنه من قبل.. فليرفقوا بأنفسهم، ولا يعجلوا بالسؤال عن حلّ هذا الشيء أو حرمته، حتى يأتيهم أمر الله فيه.. وقوله تعالى: «قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ» . الضمير فى «سألها» يعود إلى تلك الأشياء التي لم تقل الشريعة قولا فيها، بحلّ أو حرمة. والقوم هنا، هم بنو إسرائيل.. والمعنى أن بنى إسرائيل سألوا رسلهم عن كثير من أمور لم يأتهم الرسل بحكم الله فيها، فلما جاءهم الحكم فيما سألوا عنه، كفروا به، ولم يمتثلوا حكم الله فيه. وما كان أغناهم عن أن يسكتوا.. ولكن القوم بما ركّب فيهم من لجاج وعناد وخلاف، لا يدعون لرسول من رسل الله فيهم، سبيلا، إلا أخذوه عليه، يسألون ويلحفون فى السؤال، فى كل صغير وكبير، وقريب وبعيد! ثم ما كان أولاهم إذا لم يسكتوا أن يتقبلوا جواب ما سألوه عنه، وأن ينزلوا على مقرراته، ويقفوا عند حدوده.. ولكنهم لم يسألوا ليهتدوا من ضلال، وليبصروا من عمى، ولكن كانت أسئلتهم مماراة، ومماحكة، وإعناتا!

الآيات (104 - 103) [سورة المائدة (5) : الآيات 103 إلى 104]

الآيات (104- 103) [سورة المائدة (5) : الآيات 103 الى 104] ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (103) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (104) التفسير: البحيرة: الناقة التي بحرت أذنها أي شقت ليكون ذلك معلما لها وكان الجاهليون يفعلون ذلك بالناقة إذا نتجت خمسة أبطن وكان آخرها ذكرا.. فيشقّون أذنها، ويحرمون ركوبها، وأكل لحمها، والتعرض لها إذا وردت ماء أو كلأ. والسائبة: وهى الناقة التي تسيّب، وتترك، وفاء لنذر ينذره صاحبها، إذا برأ من علة، أو نجا من مهلكة: أو سلم من قتال.. مثلا. والوصيلة: وهى من الغنم، وذلك أن الشاة كانت إذا ولدت ولدا ذكرا جعلوه لآلهتهم، وإذا ولدت أنثى جعلوها لهم، وإذا ولدت ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم..! والحامى: هو الذكر من الإبل، إذا نتجت من صلبه عشرة أبطن، قالوا قد حمى ظهره، فلا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا كلأ.. وهذه الآية كأنها جواب لسؤال كان من الأسئلة التي تتوارد على خواطر المسلمين، حين نهوا عن أن يسألوا عن أشياء إن تبد لهم تسؤهم، وأن يدعوا السؤال عن تلك الأشياء التي تدور فى خواطرهم، أو تتحرك على شفاههم، حتى

ينزل القرآن، أي حتى يتمّ نزوله، فإن بقي فى أنفسهم شىء لم يبينه القرآن لهم، كان لهم أن يسألوا. فقوله تعالى: «ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ» هو بيان لحكم شرعىّ، جاء فى مرحلة متأخرة من حياة الدعوة الإسلامية، وقد عاش المسلمون زمنا وهم متلبسون بهذه الأشياء، لم ينكروها على من أخذ بها منهم، إذ لم يكن قد جاء حكم شرعىّ فيها بعد.. فهذه السوائم، قد عقد العرب فى جاهليتهم معها روابط وصلات، أشبه بالعهود والمواثيق.. قد ألزموا أنفسهم حيالها أمورا اتخذت صبغة عقائدية، لا يمكن أن يتحلّلوا منها.. فإذا ولدت الناقة كذا، أو الشاة كذا، أو علق من الفحل كذا وكذا من النّوق.. أو نحو هذا- كان أمرا لازما أن يمضى الرجل منهم ما جرت به تلك العادة التي اعتادوها، فإن لم يمضها توقّع أن يحلّ به البلاء، وتنزل به المكاره، فى نفسه، أو ولده وأهله، أو ماله.. كأنّ قوى خفيّة وراء هذه السوائم، تقتصّ لها، وتأخذ بحقها ممن نقض ميثاقه معها.. وهذا مدخل كبير من مداخل الشرك بالله، وذريعة من الذرائع المؤدية إليه. وقوله تعالى: «ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ.. الآية» نفى لهذه المعتقدات السيئة القائمة بين الناس، وأنها لم تكن مما شرع الله، ولكنها ممّا ولدته الأهواء المضلّة، وأملته العقول المظلمة.. وفى قوله تعالى: «وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ» بيان لموقع هذه المنكرات من الحق، وأنها أبعد ما تكون منه، إذ هى من مفتريات الكافرين وأباطيلهم، يضيفونها كذبا إلى الله، وينسبونها زورا إلى دينه.. «وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» .

وقوله تعالى: «وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ» هو كشف لحقيقة هؤلاء الكافرين، وما فى أيديهم من مفتريات وأباطيل.. فإن أكثر هؤلاء الضالين لا يعقلون، لأنهم لو عقلوا لما حملوا فى نفوسهم هذا التوقير لتلك الأباطيل، ولرأوا أنهم قد أذلّوا أنفسهم، واسترخصوا عقولهم، فأعطوا ولاءهم لتلك الحيوانات، وجعلوا لها سلطانا عليهم، لا ينازعونها فيه، ولا يخرجون عن حدوده معها. وقوله تعالى: «وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا» .. هو تسفيه لأحلام هؤلاء الضالين.. فقد أطبق عليهم الجهل، واشتمل عليهم السّفه والضلال. فليس مصيبة الإنسان فى أن يضلّ عن جهل، أو يتعثّر من عشى أو عمى، ولكن المصيبة كلها فى أن ينبّه من ضلاله ثم لا ينتبه، ويقاد من يده فيأبى أن يتبع قائده.. إن ذلك هو الضلال المبين، والتّيه الذي لا عودة منه، ولا أمل فى نجاة وراءه. فهؤلاء الضالون إذا دعاهم داعى الحق إلى أن يردّوا من شرودهم، وإلى أن يعودوا إلى كتاب الله، وما تحمل آياته البينات من هدى ونور، وإلى رسول الله، وما يحمل بين يديه وعلى شفتيه من أقباس الحق وأضوائه- إذا دعوا إلى هذا الهدى، لوّوا رءوسهم، ولووا وجوههم، وقالوا «حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا» أي أن هذا الذي نحن فيه هو الخير لنا، والسلامة لأنفسنا ولأهلينا.. إننا نحيا حياة آبائنا، ونسعى سعيهم، ونقفو آثارهم.. إننا- والحال كذلك- نسير على طريق معلوم، مأنوس بخطو آبائنا وأجدادنا، فكيف ندعى إلى السّير فى طريق لم يسلكه أحد قبلنا؟ وكيف نغامر هذه المغامرة بالدخول فى تلك التجربة الجديدة، التي لا ندرى ما وراءها؟. وقد ردّ القرآن الكريم على هذا السفه، وهذا الجمود الغبيّ، بما يفحم ويخرس. «أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون؟» .. أفهذا منطق

الآية (105) [سورة المائدة (5) : آية 105]

يأخذون به أنفسهم؟ وتلك حجة يقيمونها بين يدى ضلالهم وغيّهم؟ إنه لو أخذت الحياة بهذا المنطق، وقبلت هذه الحجة، لكان على الناس أن يمسكوا بالزمن أن يتحرك، وبالأشياء أن تظل على حال واحدة، لا تتحول عنها أبدا. ولكن أنّى للناس أن يفعلوا هذا؟ وأنّى للحياة أن تستجيب لهم لو أرادوا؟ إن الحياة وأشياءها فى تحول وتطور.. وفى كل لحظة تلبس الحياة ثوبا جديدا، وتبلى قديما.. وهكذا تبلى وتجدّد: وتخلع وتلبس.. وماذا يبقى للإنسان من عقله، بل ماذا يبقى له من وجوده، إذا لم يكن له حرية التحرك فى الحياة، والنظر فى كل جديد يطلع عليه منها، ثم الأخذ بما يقضى به العقل المتحرر من قيود التقاليد، ممّا يراه حقا وخيرا؟ وإنه لبالغ من ذلك ما فيه خيره وسعادته، إذ لا يغيب عن نظر العاقل وجه الخير، ولا تخفى عليه سمته.. فالحلال بين والحرام بيّن.. «وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ» (19- 22: فاطر) «وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ» (12: فاطر) . الآية (105) [سورة المائدة (5) : آية 105] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) التفسير: وإذا كان الحلال بيّنا والحرام بيّنا، وإذ قد دعى الضالون، إلى الهدى، فلم يسمعوا، ونودوا من قريب إلى الرشاد فلم يرشدوا. «وقالوا حسبنا

ما وجدنا عليه آباءنا» - إذ كان ذلك فلا يشغل المؤمنون أنفسهم بهم، ولا يقفوا طويلا معهم على هذا المرعى الوبيل، الذي يرعون فيه، فلربما غفل المؤمنون عن أنفسهم وهم على هذا الموقف، وفاتهم ما كان ينبغى أن يحصلوه لأنفسهم من خير.. وفى قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ» دعوة للمؤمنين أن يلتفتوا إلى أنفسهم أولا، وأن يعملوا على تحصينها من مسارب الضلال، وتزويدها بالمزيد من البر والتقوى.. فإنهم إن أنقذوا أنفسهم أولا كان ذلك كسبا لهم، وللحياة الإنسانية.. وذلك ما ينبغى أن يكون موضع نظرهم، ومحل اهتمامهم أولا، فإن بقي عندهم بعد هذا فضل من قوة لاستنقاذ من إذا مدوا إليه أيديهم استجاب لهم، فعلوا، وإلا كان عليهم أن ينجوا بأنفسهم، وألّا يكونوا كمن يمد يده إلى غريق يأبى إلا أن يموت غرقا، فيهلك ويهلك من أعطاه يده. وهذا، لا يمنع المؤمن أن يكون رسول خير وهدى إلى الناس، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، فهذا من دعوة الإسلام له، ومن حق العباد عليه. ولكن لن يكون ذلك بالذي يذهله عن نفسه، ويشغله عن مطلوبها منه، فى تحصيل ما يقدر عليه من البر والتقوى. فالآية لا تعنى أبدا أن يعتزل المسلم الناس، وأن يعيش لنفسه وفى داخل نفسه، ومن فهمها على هذا الوجه فقد أخطأ الفهم، وجانب الصواب.. وإنما الآية دعوة إلى النّجاة بالنفس فى الحال التي يواجه الإنسان فيها سرّا صارحا، وضلالا، متكاثفا، بحيث لا يصل إلى الآذان صدى من كلمة حق تقال، ولا ينفذ إلى العيون لمعة من مصباح هدى يضىء.. روى أن أبا ثعلبة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية، فقال

صلوات الله وسلامه عليه: «ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت دنيا مؤثرة، وشحّا مطاعا، وهوى متّبعا، وإعجاب كلّ ذى رأى برأيه، فعليك بخويصة نفسك، ودع الناس وعوامّهم» .. وتجد فى قول الرسول الكريم، وفى تلك الكلمات الموجزة، أوضح بيان وأبلغ بلاغ فى الدلالة على مفهوم الآية الكريمة.. ففى قول رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: «ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر» هكذا بخطاب الجمع، هو دعوة عامة للمسلمين جميعا، أن يكون أمرهم بينهم قائما على هذا الدستور: الائتمار بالمعروف، والتناهى عن المنكر.. وفى قوله صلوات الله وسلامه عليه: «حتى إذا رأيت دنيا مؤثرة وشحّا مطاعا وهوى متّبعا، وإعجاب كل ذى رأى برأيه فعليك بخويصّة نفسك ودع الناس وعوامهم» . فى هذا بيان لموقف آخر من موقف المسلم فيما هو مطلوب منه، من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وفى كلمة «حتى» إشارة إلى تلك الغاية التي يصل إليها المسلم، ويقف عندها على النظر إلى خاصة نفسه، وذلك حين يستشرى الفساد، ويطبق الظلام، ويتلفت إلى الناس من حوله، فإذا هم على طريق وإذا هو على طريق.. ولهذا جاء الخطاب بلفظ المفرد، «حتى إذا رأيت» الذي يشعر بأنه يقف وحده، جبهة مواجهة لهذا البلاء لجارف، الذي إن لم يأخذ فيه لنفسه حذرها، جرفه التيار، وغرق مع المغرقين.

الآيات: (106 - 108) [سورة المائدة (5) : الآيات 106 إلى 108]

الآيات: (106- 108) [سورة المائدة (5) : الآيات 106 الى 108] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (106) فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (108) التفسير: هذه الآيات الثلاث تعرض لأمر كان يقع كثيرا فى حياة المسلمين وهم على سفر، لغزو أو تجارة، وبمنقطع عن أهليهم وذوى قرابتهم.. فيمرض أحدهم، ويجد ريح الموت دانية منه، وبين يديه مال أو متاع، يريد أن يصل إلى ولده وأهله.. تلك هى المشكلة التي عرضت لها هذه الآيات، وجاءت لتضع العلاج السليم لها، حتى تصل الحقوق إلى أهلها، وحتى يموت الميت وهو مطمئن إلى أنه لن يعتدى على ماله، وهو لا يملك أن يدفع هذا الاعتداء، وقد أصبح فى عالم الموتى! والملاحظ فى هذه الآيات أنها جاءت على نظم خاص، وأسلوب يكاد يكون فريدا فى القرآن الكريم.. فقد كثر فيها الخروج على مألوف النظم القرآنى، خروجا متعمّدا..

فهناك تقديم وتأخير.. بحيث تبدو الجمل، وكأنما يدفع بعضها بعضا، ليزيله عن موضعه قسرا.. وهناك جمل اعتراضية، تكاد تعزل المبتدأ عن خبره، والفعل عن فاعله.. بحيث لا يهتدى إلى الجمع بينهما إلا بعد نظر دقيق، وبحث شامل.. وهناك ضمائر يتجاذبها أكثر من عائد يريدها أن تعود إليه، وتلتقى به.. ثم هناك هذا العسر الشديد فى التقاط الكلمات، وشدّها إلى اللسان، وجمعها عليه.. هذا وذاك كلّه، مما يجعلنا نقف بين يدى هذه الآيات، ونملأ العين والقلب من بعض ما يفيض من أضوائها، لعلّنا نمسك بشىء من الحكمة فى قيام بنائها على هذه الصورة الفريدة فى النظم القرآنى! ونقرأ الآيات مرة ومرة، فإذا هى كعهدنا بها تتأبّى على اللسان، وتكاد تمسك به.. ثم نعود فنقرؤها قرآنا مرتلا، ونجيئها مستصحبين قوله تعالى: «وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا» ، فإذا هى كلمات متناغمة، يأنس بعضها إلى بعض، ويتجاوب بعضها مع بعض، وإذا هى على اللسان ليّنة المسّ، عذبة المذاق، وإذا هى على الأذن لحن موسيقى، علوىّ النغم، يهزّ القلب، ويمسك بمجامعه! وننظر فى وجه الآيات مرة أخرى، فإذا هى مسفرة مشرقة، تتلألأ بأضواء الحكمة والموعظة الحسنة، وإذا بنا منها بين يدى دعوة قاهرة، وسلطان غالب، يلزمنا أن نقف عند حدوده، ويمسكنا أن نفلت من بين يديه، إذا نحن حاولنا ذلك، واستجبنا لداعى أنفسنا للإفلات منه.. ونسأل: ما حكمة هذا التدبير فى النظم الذي جاءت عليه تلك الآيات؟

ولم هذا الخروج الذي جاء عن عمد، على غير المألوف من النظم القرآنى؟ والجواب: أولا: أن هذه الآيات تضبط حالا من أحوال الناس، تقع على صورة غير مألوفة لما تجرى عليه حياتهم، فى الغالب الأعمّ منها.. فالناس أكثر ما يموتون، يموتون وهم بين أهليهم، وذوى قرابتهم.. حيث يجد من يحضره الموت منهم، الوجوه التي ألفها، وعاش معها، وأودعها سرّه وما ملكت يمينه.. فلا يجد- والحال هذه- من الوحشة للموت، أو الفزع منه، والخوف الكارب من الضياع له، ولماله ومتاعه الذي بين يديه، ما يجده ذلك الذي يموت غريبا، فى طريق سفر، أو دار غربة.. ومن هنا جاءت كلمات الآية متزاحمة، متراكبة، أشبه بتلك الحال القلقة المضطربة، المستولية على هذا الغريب الذي يحضره الموت، وفى صدره كثير من الأسرار، يريد أن يفضى بها إلى أهله، ويكشف مستورها لهم. هذه واحدة! وثانيا: الذين حضروا هذا الميت الغريب، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة من الحياة، قد شهدوا منه هذا الاضطراب المستولى عليه، وتلك الوحشة التي تمسك لسانه، وتردّ الأسرار التي تضطرب فى صدره.. ثم إذ هم يطلّون عليه بنظرات حزينة، مواسية، يرى أنهم أهل لأن يفضى لهم ببعض ما عنده.. إذ كان ما لا بد أن يكون.. وهنا شدّ وجذب، وأخذ وعطاء، وخواطر متناثرة، وكلمات حذرة قلقة، ملفّفّة فى دخان من الريبة والشك، وأسرار تمشى على استحياء، يعرّف بعضها ويعرض عن يعض.. ومن هنا أمسك النظم القرآنى بهذه المشاعر المختلطة المضطربة، وعرضها

فى هذه الصورة، التي تكاد تكون وعاء حاملا لتلك المشاعر، بحيث ترى وتحسّ. وتلك أخرى.. وثالثا: هذا المتاع الذي بين يدى هذا الإنسان المحتضر.. إنه متعلق بأكثر من جهة.. فهناك صاحب هذا المتاع الذي يريده أن يبلغ أهله، وهو فى شك من أن يصل إليهم سالما.. وهناك الشاهدان اللذان أشهدهما المحتضر على وصيّته، ووضع فى أيديهما كل ما فى يده.. إنهما يحملان أمانة ليس وراءها من يطالبهم بها، إلا ما معهما من إيمان وتقوى.. وما أكثر وساوس النفس فى تلك الحال، وما أكثر نداءها الصارخ لاغتيال هذا المال الذي غاب عنه صاحبه.. إن لم يكن كله، فالخيار الكريم منه. وهناك ورثة صاحب هذا المال، ومن أوصى لهم بشىء منه.. إنهم مهما حرص الشاهدان على أداء الأمانة كاملة فيما اؤتمنا عليه، ومهما تحرّيا الصدق فى قولهما، وفيما أدى إليهما هذا الميت من اعترافات وأسرار وأموال- فلن يقع هذا كله من أهل الميت موقع اليقين والطمأنينة.. من أجل هذا أيضا كان تنازع الكلمات القرآنية فيما بينها، حتى لكأنها هذه الجهات المتنازعة المتخاصمة، فى مسارب نفوسها، وفى مجرى خواطرها، حتى وإن لم يتخذ هذا النزاع وذلك التخاصم صورة عملية فى واقع الحياة..! وقد آن لنا- بعد هذا- أن ننظر فى معنى هذه الآيات، على هذا الوجه الذي فهمناها عليه، ونظرنا إليها منه.. فقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ.» هو تشريع للمؤمنين، فيما يواجهون به موقفا كهذا

الموقف، وهو موت أحدهم، وهو يضرب فى الأرض، بعيدا عن أهله، وذوى قرابته. ففى تلك الحال ينبغى أن يتخيّر المحتضر شاهدين، يتوسم فيها الأمانة والاستقامة، ثم يدعوهما إليه، ويفضى إليهما بما يريد أن يوصى به أهله فيما خلّفه وراءه من شون تتصل بماله وأهله، وماله، وما عليه.. ثم يسلّم إليهما ما يريد أن يحملاه إلى أهله، من ماله ومتاعه. فقوله تعالى: «شَهادَةُ بَيْنِكُمْ» مبتدأ، خبره «اثنان» . والجملة الخبرية هنا مراد بها الأمر والإلزام.. والتقدير، إذا حضر أحدكم الموت فشهادة قائمة بينكم لهذا المحتضر، يشهدها اثنان ذوا عدل منكم.. أي من المؤمنين. «أو آخران من غيركم» أي غير المؤمنين، عند الضرورة. وقوله تعالى: «فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ» إشارة إلى أن هذا الموت الذي يقع فى الغرية هو شىء أكثر من الموت، لما يبعث من حسرة مضاعفة.. فى المحتضر الذي لم يشهده أهله، وفى أهله الذين لم يحضروا موته، ولم يؤدّوا ما يجب للميت على الحىّ.. ومن هنا جاء التعبير عن الموت بالمصيبة، الذي هو فى واقعه شىء طبيعى، فى غير تلك الحال التي وقع فيها. «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ» . فإذا أدّى الشاهدان ما حمّلهما الميت إلى أهله، من قول، ومن مال ومتاع، ورضى أهله بما أدّى إليهما الشاهدان، فقد انتهى الأمر عند هذا الحدّ، ولا متعلّق لأحد عند هذين الشاهدين. أما إذا وقع فى نفس الورثة وأولياء الميت شىء من الريبة والشك، فيما

جاءهم به الشاهدان من عند صاحبهم، ثم ارتقى هذا الشك والارتياب إلى التهمة، ثم النزاع والخصام، فإن للقضية وجها آخر.. بل وجهين آخرين: والوجه الأول، هو أن يدعى الشاهدان إلى الحلف على ما أشهدهما عليه الميت، وما حملهما من مال ومتاع.. وحلف الشاهدين مشروط بشرط، وهو أن يدعيا بعد الصلاة مباشرة، وهما خارجان من بين يدى الله، قبل أن يتلبّسا بشىء من أمور الدنيا، وذلك ليكون لهذا الموقف أثره فى إقامة شهادتهما على الحق والعدل، أو على ما هو أقرب إلى الحق والعدل.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ» . فحبسهما من بعد الصلاة، هو إمساكهما قبل أن يتّصلا بالحياة العامة، ويباشرا شئونا مختلفة فيها.. حتى يكونا أقرب إلى الخير، وأبعد من الضلال. وقد اختلف فى الصلاة التي يحبسان بعدها، أهي صلاة العصر، أو صلاة الظهر؟ .. والرأى، أنها أي صلاة، حيث أطلق القرآن ذلك، ولم يقيده. وقوله تعالى: «إِنِ ارْتَبْتُمْ» هو جملة اعتراضية، أريد بها بيان الحال الدّاعية إلى حلف الشاهدين، وهى الشك والريبة فى شهادتهما.. وقوله تعالى: «لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ» هو بيان لنصّ الحلفة التي يحلف بها الشاهدان.. وفيها من التوكيد والتحذير والتخويف، ما يجعل لهذه الحلفة أثرا واقعا فى نفس الشاهدين..

والضمير فى قوله تعالى «به» يعود إلى هذا القسم الذي يقسمان به، وأنهما لا يحنثان فى هذا القسم، ولا يبيعانه بهذا الثمن وإن كثر، لأنه حطام من حطام الدنيا، لا يساوى شيئا إزاء جلال الله وعظمته، وقد أقسما به، وأشهداه على ما يقولان. هذا، وقد أثار بعض الفقهاء والمفسرين اعتراضا على حلف الشاهدين.. وأنهما حين ردّ ورثة الميت شهادتهما، أصبحا متهمين بالنسبة لهم، على حين أصبح أهل الميت أصحاب دعوى عليهما.. وإذ لم يكن لأهل الميت بينة على دعواهم، كان على المدعى عليهما الحلف، عملا بالمبدأ الشرعي: «البينة على من ادّعى واليمين على من أنكر» . فهما على هذا الرأى متهمان، وليسا شاهدين. فإذا وجد أهل الميت مقنعا بعد حلف الشاهدين، انتهى الأمر، وإلا سارت القضية إلى الوجه الآخر من وجهيها.. وفى هذا الوجه يندب أهل الميت اثنين منهما، فيشهدان بما يعلمان من أمر الميت، مما لم يشهد به الشاهدان من قبل.. على أنه لا يصار إلى هذا الموقف إلا بعد أن يثبت بالبيّنة القاطعة، والبرهان الواضح، أن الشاهدين لم يقولا الحق، ولم يؤدّيا الأمانة.. وفى هذا يقول الله تعالى: «فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ» . والمعنى: فإن ظهر، أو تبين أن الشاهدين قد اقترفا إثما بسبب تلك الشهادة التي أدّياها على غير وجهها، فليقم آخران مقامهما بتلك الشهادة، من أهل الميت الدين فرض عليهم الشاهدان السابقان، واللذان كانا أولى منهم بالحكم فى

الآية: (109) [سورة المائدة (5) : آية 109]

شئون قريبهم الميت، لأنهما شاهدان، رأيا، وسمعا، على حين أن أهله غائبون عنه، لم يروا ولم يسمعوا.. وفى قوله تعالى: «فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ» تحريض للشاهدين على أن يؤدّيا الشهادة على وجهها، وأنهما بما احتملا من أمانة الشهادة، أصبحا بهذه المنزلة من الميت، وأنهما أقرب من قرابته وأولى منهم بكلمة الفصل فى شئونه، ولكنهما إذا خانا الأمانة، ولم يؤديا الشهادة على وجهها، زحزحا عن هذا الموقف، وانتقلا من منصّة الحكم، إلى موقف الاتهام.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى «ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ» .. أي فى هذا التدبير الحكيم بإقامة شاهدين من أولياء الميت مقام هذين الشاهدين، عند العثور على خيانتهما- فى هذا ما يدعوهما إلى الحرص على أداء الشهادة، أقرب ما تكون إلى الحق، إن لم يكن ذلك عن ديانة وإيمان، كان عن خوف من الفضيحة والاتهام والخزي أمام الناس. وقوله تعالى: «وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ» هو دعوة للشاهدين، ولأولياء الميت، ثم لكل مؤمن، بتقوى الله، والامتثال لأمره ونهيه، فمن خرج عن شريعة الله، فهو فى ضلال دائم، لا يهتدى إلى خير أبدا.. «وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ» (35: الرعد) . الآية: (109) [سورة المائدة (5) : آية 109] يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (109)

التفسير: الظرف فى قوله تعالى: «يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ» متعلق بقوله تعالى فى الآية السابقة: «وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ» أي أن الله لا يهدى الفاسقين، إلى رضوانه، ونعيم جناته، يوم القيامة، يوم يجمع الله الرسل.. وسؤال الرسل يوم القيامة، يكون فى مواجهة من أرسلوا إليهم، ومن دانوا بشريعتهم، حيث يقول الله تعالى: «فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ» (5: الأعراف) . وفى هذا الجمع بين الرسل وبين من أرسلوا إليهم، وفى هذه المساءلة فى مواجهتهم، تحذير من هذا الموقف، الذي يجزى فيه من وقف من رسل الله موقف المحادّة والعناد، حيث لا يجد الضالّون والمعاندون ما يقولونه، وحيث لا يكون قول الرسل فيهم إلا وبالا عليهم، وخزيا وفضحا لهم.. وقوله تعالى: «ماذا أُجِبْتُمْ» أي ماذا أجبتم به ممن دعوتموهم إلى الإيمان؟ وهل استجابوا أم أبوا؟ ومن استجاب منهم ومن أبى؟ وفى قوله تعالى: «قالُوا لا عِلْمَ لَنا» وفى التعبير بلفظ الماضي عن إجابتهم، ما يشير إلى أن ذلك هو قول الرسل دائما، إذا سئلوا من قبل الله عن شىء! إن علمهم بهذا الشيء لا يعتبر علما إلى علم الله، الذي يعلم الشيء ظاهرا وباطنا، وحقيقة وكونا. وقوله تعالى: «إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» .. الغيوب جمع غيب، وهو بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى شىء واحد، واقع تحت علمه، أما بالنسبة للرسل وغيرهم، فهو غيب وغيوب.

الآية: (110 - 111) [سورة المائدة (5) : الآيات 110 إلى 111]

الآية: (110- 111) [سورة المائدة (5) : الآيات 110 الى 111] إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (110) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (111) التفسير: يوم يجمع الله الرسل، يوم القيامة، ويسألهم الحقّ سبحانه وتعالى: «ماذا أُجِبْتُمْ» - فى هذا اليوم يستدعى سبحانه وتعالى عيسى عليه السلام بين يديه، ويذكره بأفضاله ونعمه، وما أجرى على يديه من معجزات.. وفى إلفات عيسى، عليه السلام، إلى هذه النعم، وفى تذكيره بالمعجزات التي طلع بها على بنى إسرائيل- فى هذا تسفيه لبنى إسرائيل، السابقين منهم واللاحقين، إذ كفروا بتلك المعجزات الناطقة، التي لا ينكرها إلا مكابر ومعاند، ولا يمارى فيها إلا غوىّ ضال، أحمق جهول. فقد كان كلام عيسى فى المهد، وخلقه من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيرا، وإبراؤه الأكمه والأبرص، وإحياؤه الموتى، وبعثهم من القبور- كان هذا، بل بعض هذا جديرا به أن يبعث الطمأنينة والإيمان، فى قلب أي إنسان له مسكة من عقل، أو أثارة من إدراك، حيث يرى وليدا يخرج من رحم أمه ليومه، ينطق بلسان مبين، ومنطق مستقيم، وهو مع هذا لا يملك من أمر نفسه شيئا، إذ هو مازال فى صورة الوليد ليومه.. فى كل شىء، إلا هذا اللسان الذي نطق به..!

فمن أنطقه؟ ومن أعطاه تلك الكلمات البيّنات؟ ومن منح لسانه هذه القدرة على النطق بها فصيحة مبينة؟ أليس ذلك برهانا مبينا على أن ما نطق به هذا الوليد، هو إشارة إلى أنه آية من آيات الله، ومعجزة من معجزاته، تشهد بأنه رسول من الله رب العالمين؟ وإذا لم يكن فى هذا النطق آية متحدّية، يشهدها بنو إسرائيل، أفلم يكن إحياؤه الموتى، وإبراؤه الأكمه والأبرص، وخلقه من الطين طيرا.. أفلم يكن فى هذه الآيات المتظاهرة ما يقيم لبنى إسرائيل طريقا إلى الإيمان بهذا الإنسان الذي أجرى الله على يديه تلك المعجزات، وإلى أنه رسول الله، يحمل إليهم كلمات الله وآياته؟ وبأى شىء يؤمن الناس إذا لم يؤمنوا بتلك الشموس الطالعة، لا يحجبها سحاب أو ضباب؟ وبأى داع يدعوهم الله سبحانه إليه، إن لم يكن فى هذا الداعي مقنعا لهم، وهاديا يهديهم إلى الله؟ إنه ليس بعد هذا إلا أن يروا الله جهرة..! وقد فعلها بنو إسرائيل من قبل، فقالوا لموسى: «لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً» (55: البقرة) . ألا ما أشدّ غباء القوم، وما أقسى قلوبهم، وما أنكد حظهم من البصيرة والأبصار! «وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً» (44: المائدة) . هذا، وقد توسعنا فى معنى هذه المعجزات فى الآيات الواردة فى سورة آل عمران (48- 50: آل عمران) .. فليرجع إليها من شاء. وفى قوله تعالى: «وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ» إشارة إلى ما أبطل الله سبحانه

الآيات: (112 - 115) [سورة المائدة (5) : الآيات 112 إلى 115]

وتعالى به مكر بنى إسرائيل، حين مكروا بعيسى، وأرادوا صلبه، مدّعين عليه كذبا وبهتانا أنه ساحر مشعوذ، يدّعى على الله كذبا أنه «المسيح» ، فنجّاه الله منهم، وأوقعهم فى سوء أعمالهم، وكتب عليهم عقوبة دم نبىّ، أيقنوا أنهم قتلوه: «وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ» (56: النساء) . وقوله: «وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ» معطوف على قوله تعالى: «إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ» وما بعده.. أي واذكر يا عيسى من نعمتى عليك أنى أوحيت إلى الحواريين وألهمتهم أن يتبعوك، ويكونوا أنصارا لك، وقوة إلى جوارك، فى مواجهة القوى الضالّة من بنى إسرائيل.. فآمن هؤلاء الحواريون بك، وصدّقوك، وكانوا ردءا لك، وأنسا لو حشتك فى هذا الظلام الكثيف المنعقد حولك. والحواريون: جمع حوارىّ، والحوارى: هو الناصر والمعين على الخير، وأصله اللّباب من كل شىء، ومنه الحوارى، وهو لباب الدقيق. الآيات: (112- 115) [سورة المائدة (5) : الآيات 112 الى 115] إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (115)

التفسير: وقع بين المفسرين اختلاف شديد فى مائدة بنى إسرائيل هذه، وفى الحواريّين الذين طلبوا هذا الطلب.. فأنكر بعضهم أن يكون من الحواريين هذا الطلب المتحدّى، الأمر الذي لا يكون إلا من إنسان لم يؤمن بالله.. وكيف وهم قد دعاهم الله إليه فاستجابوا من غير تردد، وتبعوا المسيح، وساروا مسيرته خطوة خطوة، كأنهم بعض ظلّه على الأرض؟ وقد كان للمنكرين على الحواريين أن يكون منهم هذا الطلب، تأويلان لهذا الاعتراض.. التأويل الأول: أن هؤلاء الحواريين، لم يكونوا مؤمنين إيمانا صادقا، وأنهم حين دعوا إلى الإيمان فقالوا «آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ» - لم يكن هذا القول إلا بأفواههم، ولم تؤمن قلوبهم فلا يستغرب منهم- وهذا إيمانهم- أن يطلبوا هذا الطلب، الذي لا يكون ممن آمن بالله إيمانا صادقا! وهذا التأويل فاسد، ظاهر الفساد. فالحواريون مدعوّون من الله، ملهمون إلى الإيمان به.. فكيف يكون إيمانهم على تلك الصفة الهزيلة المنافقة؟ إن من يدعى من الله هذه الدعوة، ويلهم هذا الإلهام إلى الإيمان به، لا بدّ أن يكون أشدّ الناس إيمانا، وأوثقهم يقينا واطمئنانا. وإن غير ذلك هو اتهام لله، ولعلمه، وقدرته.. ولقد كان الحواريون على إيمان وثيق بالله، أقرب إلى إيمان أنبياء الله ورسله، كما يشهد لذلك قول الله تعالى فيهم: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ

نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ ... » (14: الصفّ) .. فهم القدوة فى وثاقة الإيمان، وفى نصرة دين الله. ونصرة رسول الله.. ولهذا دعا الله المؤمنين أن يكونوا أنصار الله ورسول الله «محمد» صلوات الله وسلامه عليه.. كما كان هؤلاء الحواريون أنصار الله، وأنصار رسول الله عيسى، عليه السلام. فكيف يلتقى هذا القول بنفاقهم وضعف إيمانهم مع هذا الذي يقوله الله سبحانه وتعالى فيهم؟ إن مثل ذلك القول فى الحواريين هو تكذيب صريح لكلام الله! أما التأويل الآخر لهذا الطلب الذي كان من الحواريين بإنزال مائدة من السماء عليهم، فقد اعتمد فيه القائلون به، على قراءة من قرأ قوله تعالى: «هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ» على هذا الوجه: «هل تستطيع ربّك» أي هل تستطيع أنت يا عيسى أن تطلب من ربّك أن ينزل علينا مائدة من السماء.. فتكون الاستطاعة هنا مضافة إلى عيسى عليه السلام، لا إلى الله سبحانه وتعالى.. وعلى هذا، فإنه لا بأس من أن يطلب الحواريّون إلى عيسى هذا الطلب، ويراودوه عليه! وهذا تأويل مقبول على هذه القراءة.. ولكن ما تأويل طلب الحواريين على القراءة المشهورة: «هل يستطيع ربّك أن ينزل علينا مائدة من السماء» ؟ نقول- والله أعلم- إن الاستطاعة هنا لا يراد بها القدرة على إجابة الطلب، وإنما المراد بها الرضا والقبول له، بمعنى: هل يرضى ربّك، أو يقبل ربّك أن ينزّل علينا مائدة من السماء؟ فهذا أمر لم تجر به العادة، ولم يقع فى حياة الناس.. والحواريون إذ يطلبون

هذا الطلب الغريب، لا يتوقعون استجابته، وإنما كان طلبهم له من قبيل الاستطراد للمعجزات الخارقة، التي كانت تقع تحت حواسّهم، من إحياء الموتى، وخلق طير من الطين، وبعث الحياة فيه، وإبراء الأكمه والأبرص.. فماذا لو طلبوا هذا الطلب الغريب؟ هل يقبله الله؟ وهل يجيبهم إليه؟ إنهم لا يشكّون فى قدرة الله، ولكنهم يشكون فى أن يستجاب لهم فيما طلبوا.. ومن هنا أخذ هذا الطلب صورة الاستدعاء بالقدرة والاستطاعة.. لا بالإضافة إلى من طلب إليه، ولكن بالنسبة لمن طلب له.. كمن يقول لمن هو أعلى منه منزلة: هل تستطيع أن تعطينى هذا الكتاب الذي معك؟ إنه لا شك مستطيع، إذ لا شىء يمسكه عن ذلك.. ولكن الأمر متروك لتقديره هو.. وهل يرى هذا الشخص مستحقا لهذه المكرمة أو غير مستحق لها؟ وليس فى قول الحواريين: «هل يستطيع ربّك» إنكار لربوبية الله لهم، ولكنه استصغار لشأنهم، وإخفاء لذاتهم، وهم يطلبون هذا الطلب، الذي لا يصح أن يكون طالبه من الله إلا إنسانا له عنده من المنزلة مثل ما لعيسى عليه السلام، فهو ربّه الذي أفاض عليه هذه المكرمات، وهو ربّه الذي يطلب منه هذه المكرمة.. ولهذا أضافوا عيسى إلى الربّ، ولم يضيفوا هم أنفسهم إليه، استصغارا لمكانهم فى هذا المقام. وفى قول عيسى عليه السلام للحواريين: «اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» تأديب لهم، ودعوة إلى ما هو أولى بالمؤمنين أن يكونوه مع الله، كما يقول السيد المسيح فى بعض تعاليمه: «لا تجرّب الربّ إلهك» .. فذلك هو الكمال كلّه، والإيمان كلّه. ولكن- كما قلنا- للمؤمنين المقربين إلى الله، المشاهدين لعظمة جلاله، المحفوفين بخفىّ ألطافه- لهؤلاء المؤمنين أنس بروح الله، وانتشاء بنسائم قربه،

وأنفاس مودته، وذلك ممّا يحملهم على هذا الدّلال فى طلب ما لا يطلب الناس، ولا يطمعون فيه.. وفى إبراهيم عليه السلام مثل لهذا.. فقد طلب من الله- سبحانه- أن يريه كيف يحيى الموتى! وقد أجابه مولاه- كرما ولطفا- إلى ما طلب.. وكذلك ما كان من موسى- عليه السلام- حيث طلب أكثر من هذا، فقال: «ربّ أرنى أنظر إليك» ! وموسى يعلم يقينا أن الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يرى، إذ لو رؤى لتحدّد، ولو تحدّد لتحيّز، ولو تحيّز لكان مخلوقا.. لا خالقا! وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.. ومع هذا فقد طلب موسى هذا الطلب، الذي لا تدركه الأبصار.. فكان جواب الحق جلّ وعلا: «لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي.. فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً.. فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ.. تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ» (142: الأعراف) . فمثل هذا الطلب من الحواريين، لا يدلّ بحال على ضعف إيمان، أو شك فى الله، ولكنه طلب المزيد من الإيمان، والرضوان من الله! ولهذا كان جوابهم على عيسى عليه السلام: «نريد أن نأكل منها وتطمئنّ قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين» فهم يريدون المائدة لأمور.. منها: أولا: أن يأكلوا منها.. فهى فى هذا لا تختلف كثيرا عن المنّ والسّلوى الذي أطعمه الله سبحانه وتعالى آباءهم، حين نجّاهم من فرعون على يد موسى.. فلما كفروا بهذه النعم لعنهم الله، وضرب عليهم الذلة والمسكنة. وثانيا: أن تطمئن قلوبهم إلى رحمة الله بهم، وألطافه عليهم، باستجابة طلبهم.. وفى هذا ما يفتح لهم إلي الله طريقا يرون منه إشارات السماء

بحواسّهم، بعد أن أدركوها بعقولهم.. وهذا ما يبعث فى قلوبهم الطمأنينة التي تثبّت الإيمان، فلا يهتزّ لعارض يعرض له من ريبة أو شك. وثالثا: أن يزداد علمهم بصدق عيسى، وبصدق هذه الآيات التي تجرى على يديه، فلا يطوف بأنفسهم منها طائف من الشك والوسوسة، التي كان يثيرها اليهود حولها. ورابعا: أن تكون هذه المائدة المنزلة من السماء شهادة بين أيديهم فى دعوتهم الناس إلى الإيمان.. إذ كانوا ممن طعموا منها، ومثل هذا الطعام السماوي لا بدّ أن يترك آثارا فيمن طعم منه.. وربما كانت آثاره مادية ومعنوية معا، يراها الناس ظاهرة عليهم، فيكون منها شهادة للحواريين، أنهم ممن لبسوا تلك النعمة الإلهية، وفى هذا ما يجعل القلوب مطمئنة إليهم، وإلى ما يدعون إليه. وأمر آخر من تلك المائدة، أثار اختلافا بين المفسّرين، حتى لقد رأى بعضهم أن المائدة لم تنزل، وأن الحواريين حين سمعوا قول الله تعالى: «إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ، فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ» قالوا: لا حاجة لنا.. فلم تنزل عليهم!! وهذا قول مردود، ورأى فاسد.. وذلك: أولا: أن عيسى عليه السلام، دعا ربّه، وضرع إليه، أن ينزّل هذه المائدة، كما طلبها الحواريون ولم يكتف بهذا، بل لقد جعل لطلبها أسبابا ومبررات من عنده، حتى لكأن هذا الطلب كان منه ابتداء، لما حمّل هذا الطلب من ثمرات طيبة تجىء معه، كما يقول الله سبحانه وتعالى على لسانه: «قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ»

أفبعد هذا لا يستجيب الله لعيسى بن مريم، ولا يحقق له ما دعا به إليه؟ إن عيسى يقول: «اللهمّ ربّنا أنزل علينا» ولم يقل عليهم.. ويقول: «تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا» ولم يقل: تكون لهم عيدا لأولهم وآخرهم» وقال «وارزقنا» ولم يقل: وارزقهم.. فهى عيد وبهجة ومسرّة للمسيح، ولمن يطعم من تلك المائدة من أتباعه. ثم هى آية من آيات الله وشاهد من شهود قدرته وجلاله. وهى رزق كريم طيب.. وليست لعنة، ولا عقوبة.. وثانيا: أن الله سبحانه وتعالى استجاب لعيسى، فقال سبحانه: «قالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ» .. وفى هذا: أن القائل ليس أيّ قائل، بل هو الله سبحانه وتعالى.. «قالَ اللَّهُ» .. وأنه سبحانه قد حكم هذا الحكم القاطع المؤكد: «إنى منزلها عليكم» .. هكذا: «إنى منزّلها عليكم» .. وذلك التوكيد. ليرفع أىّ احتمال للشك عند أقلّ المؤمنين إيمانا بالله، بأن المائدة لم تنزل. فكيف يقع لعقل عاقل أن كلمة الله لا تنفذ، وأن قضاءه لا يمضى؟ ولا ندرى كيف نظر شيخ المفسّرين «الطبري» إلى هذه الآية، ولا كيف طوّع له قلمه أن يجعل لهذا الرأى مكانا فى تفسيره؟ وقوله تعالى: «فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ» إنما هو حراسة لهذه النعمة العظيمة، من أن يعبث بها العابثون، أو يلحد بها الملحدون.. إنها شمس طالعة فى وجه صبح مشرق.. فمن عمى عنها، ولم يهتد بها، فهو فى حرب سافرة مع الله.. لا جزاء له إلا أن يلقى أشد العذاب! وليس فى هذا تهديد للحواريين، ولا وعيد لما سيكون منهم من كفر

بهذه الآية، ومكر بها.. بل هو استبعاد لأن يقع شىء من هذا منهم، وإن جاز أن يقع من غيرهم.. وأنه لو جاز أن يكفر أحد من الحواريين بهذه الآية فإنه سيلقى هذا العذاب.. فكيف يكون العذاب لمن كفر من غيرهم؟ وهذا أسلوب من أساليب القرآن فى مخاطبة من يستبعد منهم فعل منكر، ليكون ذلك تخويفا لغيرهم، وزجرا لهم عن إتيان هذا الإثم.. يقول تعالى مخاطبا نبيّه الكريم: «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ» (65: الزمر) . ويقول سبحانه وتعالى مشيرا إليه صلى الله عليه وسلم: «وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ» (44- 47: الحاقة) . والنبي الكريم أبعد من أن يطوف به طائف من الشرك، وأبعد من أن يتقوّل على الله قولا.. إن ذلك كان أمرا مستحيلا بالنسبة لذاته الكريمة.. ولكنّ المقام مقام تحريم الشرك والتشنيع عليه، فناسب أن يبرز فى تلك الصورة المفزعة التي تحبط كل عمل، ولو كان نبيّا كريما من أنبياء الله، ورسولا مجتبى من رسله.. فكيف غير النبىّ وغير الرسول! وكذلك الأمر فى التقول على الله والافتراء عليه. وفى قوله تعالى على لسان السيد المسيح: «تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا» أي ينال منها، ويسعد بها كلّ من اتبعه، وآمن به، واجتمع إليه، لا الحواريون وحدهم الذين كان منهم هذا الطلب ابتداء- فهى رحمة منزلة من السماء، ونعمة محمولة على جناح الرحمة، ينال منها كل من صدّق بصاحب هذه الدعوة، واتبع سبيله، من أقرب المقربين إليه، إلى من هم أبعد منهم صلة به.

الآيات: (116 - 118) [سورة المائدة (5) : الآيات 116 إلى 118]

الآيات: (116- 118) [سورة المائدة (5) : الآيات 116 الى 118] وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116) ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) التفسير: قوله تعالى: «إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ» معطوف على ما قبله مما عطف على قوله تعالى: «يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ» .. فهذه المساءلة لعيسى من الله تعالى، تكون يوم القيامة.. يوم يجمع الله الرسل.. وفى قوله تعالى: «يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ» إنما يراد به إقامة الحجة على أتباعه، الذين غيّروا معالم رسالته، وقلبوا حقائقها، واتخذوا من المسيح وأمه إلهين.. المسيح ابن الله، وأمه مريم زوجا لله! وفى خطاب المسيح بقوله تعالى: «يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ» إشارة إلى الصفة

التي هى له ولأمه.. فهو ابن مريم لا ابن الله، وأمّه أمة من إماء الله، لها ولد كما للنساء أولاد. وفى سؤال المسيح: «أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ» أخذ اعترافه وإقراره على هؤلاء الذين ألبسوه وأمه هذا الثوب الإلهى، وعبدوهما من دون الله. وفى هذا الإقرار خزى بعد خزى وإذلال بعد إذلال لهم، حيث يكشف المسيح عن وجهه ووجهه أمّه أمام هؤلاء الذين ضلّوا، ورأوا فيه وفى أمّه غير الحق.. ويواجه المسيح هؤلاء الذين كفروا بالله، وجعلوا المسيح وأمه إلهين- يواجههم بما يخزيهم ويبهتهم، ويملأ قلوبهم حسرة وندما: «سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ» والذي ليس لى بحق هو أنى لست إلها ولا ابن إله، والذي هو لى بحق أنى عبد الله ورسوله.. فإن كنت قلت ما ليس لى بحق فقد علمته، وعلىّ تبعة هذا القول المنكر العظيم.. إن يكن قد كان منىّ.. وفى قوله: «تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» توكيد لما بين المسيح وبين الألوهية من بعد بعيد.. فلو أنه كان إلها لعلم ما يعلم الله، ولكنه لا يعلم حتى ما اشتملت عليه ذاته، وسكن فى كيانه.. أمّا الله سبحانه فهو يعلم كل شىء.. لا يعزب عنه مثقال ذرّة فى السموات ولا فى الأرض.. هذا وسنعرض لألوهية المسيح، ودعوى الذين يدعونها له فى مبحث خاص، بعد ختام هذه السورة.. وفى جواب المسيح: «ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ» إشارة إلى أن المسيح مأمور، وأنه لا يقول شيئا من عنده، وإنما هو

رسول يبلغ ما أمره به ربّه، وقد بلّغ رسالة ربّه، كما أمره بها: «أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ» .. فالمسيح عبد لله، كما أنهم عبيد له.. ومن كان عبدا لله فليس له إلى الألوهية سبيل. وقوله: «وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» هو توكيد لبراءة عيسى مما تقوّله عليه أتباعه، وأنه كان عليهم شهيدا مدّة وجوده معهم، يقوّم انحرافهم، ويصحح معتقدهم، فلما قبضه الله إليه، انقطع اتصاله بهم، وبما أحدثوا بعده من هذه المعتقدات الفاسدة فيه، وفى أمّه.. وأنه إذا كان المسيح لم يعلم شيئا مما أحدثوا من بعده، فذلك ما لا يغيب عن علم الله، فقد علمه الله منهم، وأحصاه عليهم، وهاهم أولاء بين يديه يلقون جزاء ما صنعوا.. والشهيد: من يرى ما يقع فى محيط حواسه.. مما يدانيه ويختلط به.. والرقيب: من يرى من مكان عال، وهو المرقب، حيث ينكشف له ما لا ينكشف لغيره.. ولهذا كان التعبير فى جانب المسيح، بالشهيد، والتعبير فى جانب الله، بالرقيب.. وهذا تمثيل، ولله سبحانه وتعالى المثل الأعلى. ثم كان من تمام هذا التمثيل قوله: «وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» أي تطلع على كل شىء قريب وبعيد، ظاهر وخفى، اطلاع شهادة وحضور. وقوله: «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» هو تفويض لله سبحانه وتعالى للقضاء فى أمر هؤلاء، الذين حملوا أوزارهم على ظهورهم، وأحاطت بهم خطيئتهم.. فإلى الله سبحانه وتعالى أمرهم، لا شفاعة لأحد فيهم.

(الآيتان: 119 - 120) [سورة المائدة (5) : الآيات 119 إلى 120]

«إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ» وصنعة يديك، وربائب نعمتك، وغرس فضلك.. وليس لأحد أن يشارك المالك فى تصرفه فيما ملك. «وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» لا يسألك أحد لم غفرت لهؤلاء العصاة الظالمين.. فما غفرانك لهم عن عجز أو قصور أن تنالهم يدك، ويأخذهم عقابك، وإنما هو حلم الحليم، وحكمة الحكيم.. فعن قدرة عفا وغفر، وعن حكمة كان هذا العفو وتلك المغفرة.. سمع أعرابى قارئا يقرأ: «إن تعذبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم» فأنكر ما سمع، وقال ما هذا كلام الله، إذ ينقض آخره أوله.. فأعاد القارئ قراءة الآية على وجهها: «إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم» فقال الأعرابى: نعم هذا كلام الله.. عزّ فحكم، فإن شاء عفا وغفر!! (الآيتان: 119- 120) [سورة المائدة (5) : الآيات 119 الى 120] قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120) التفسير: هذا ختام الموقف، وتلك كلمة الفصل من رب العزة جلّ وعلا، فى مجمع الرسل والأمم يوم القيامة.. ففى هذا اليوم العظيم يجد الصادقون الذين أخلصوا دينهم لله، ولم يحرّفوا ولم يبدلوا فى دين الله- يجدون عاقبة هذا الصدق، مغفرة ورحمة ورضوانا فى جنات

تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا.. لا يتحولون عنها، ولا ينتقلون إلا من نعيم إلى نعيم فيها. «رضى الله عنهم» بما كان منهم من صدق فى القول والعمل، «ورضوا عنه» بما أحسن إليهم من جزاء، وأفاض عليهم من نعيم.. و «ذلك هو الفوز العظيم» الذي تعدل اللحظة منه عمر الدنيا كلها، وما لقى المنعّمون فيها من نعيم، وما ذاق السعداء فيها من طعوم السعادة. فكل هذا، لا يعدّ شيئا إلى نظرة رضى من الله إلى من رضى الله عنهم، جعلنا الله منهم وأدخلنا فى زمرتهم، وأرضانا بما أرضاهم، بما تبلغه بنا سوابغ رحمته، وتؤهلنا له أمداد مننه وأفضاله. وفى قوله تعالى «وَرَضُوا عَنْهُ» لفتة كريمة من ربّ كريم، إلى عباده المكرمين، حيث يرضى عنهم وبرضون عنه، حتى لكأنه رضى متبادل بين الخالق والمخلوقين، والمعبود والعابدين، فسبحانه من ربّ كريم، برّ رحيم.. شاهت وجوه من يتجهون إلى وجه غير وجهه، وخسئ وخسر من يلوذون بجناب غير جنابه. ويطوفون بحمى غير حماه. وقوله سبحانه: «لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» قولة حق ينطق بها الوجود كله فى هذا اليوم، ويشهد تصريفها الناس عيانا فى هذا اليوم المشهود، حيث تخشع الوجوه للحىّ القيوم، وتخفت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا، وحيث تذلّ جباه الجبابرة، وتغبر وجوه الظالمين، وحيث ينادى منادى الحق: «لمن الملك اليوم؟» فإذا رجع هذا النداء، هو هذا الوجود كله لسان بسبّح بكلمة الحق: «لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ» .

مبحث فى المسيح الإله والمسيح الإنسان

مبحث فى المسيح الإله والمسيح الإنسان نعرض فى هذا البحث قضية الألوهية، التي ادّعاها المدّعون للمسيح، وآمنوا عليها، وأقاموا لها منطقا استساغوه، وغذّوا منه مشاعرهم، وترضّوا به عواطفهم.. وسبيلنا فى عرض هذه القضية، هى أن نلقاها لقاء بعيدا عن النصوص الدينية، التي يقيمها أصحاب هذه الدعوى شاهدا على ما يدّعون، وبمنأى كذلك عن النصوص الدينية التي جاء بها القرآن الكريم لدحض هذه الدعوى. وإسقاط كل حجة لمدعيها. ذلك لأن تعارض هذه النصوص حول تلك القضية فى جانبى الإثبات والنفي، لا يتيح لمن يقف موقفا محايدا من هذه القضية سبيلا إلى الحكم فيها، إذا هو أخذ بتلك النصوص المتعارضة، وجعل لها عنده الاحترام والولاء، الذي يمسكها عليه أصحابها. من طرفى الخصومة فى هذه القضية.. إذن، فالعقل، والعقل وحده هو الحكومة التي يرجع إليها للقضاء فى هذه القضية، أولا.. ثم إذا كان للنصوص الدينية بعد هذا التقاء مع العقل والمنطق أخذ بها كشاهد يؤيد العقل ويزكّى منطقه، وإلّا انفرد العقل بالحكم الذي يطمئن إليه، ويعيش معه فى تلك القضية على وفاق ووئام، وبهذا يحتفظ الإنسان بوحدته، فلا يكون شعوره الديني فى ناحية، واتجاهه العقلي فى ناحية أخرى.. فذلك أشأم بلاء يبتلى به الإنسان فى مسيرة الحياة.

العقل فى مواجهة المسيح: وإن العقل إذ يواجه المسيح، فإنما يواجه منه شخصية تاريخية، لها وجود مادى محقق، رآها الناس رأى العين، كما يرون أنفسهم.. فالمسيح هو «يسوع» الذي ولد فى قرية الناصرة من مقاطعة الجليل، بأرض اليهودية، من بلاد الشام، وأمه «مريم» ، وأبوه الذي ولد على فراشه، ونسب إليه، هو «يوسف» .. وكان مولده إبان حكم الرومان لبلاد الشام فى السنة الثالثة أو الرابعة أو السابعة قبل الميلاد، على خلاف فى تحديد السنة التي ولد فيها. والتاريخ يتحدث عن «يسوع» أنه ولد ميلادا طبيعيا، حملت به أمّه مدة الحمل المعتاد للناس، فاحتواه رحمها تسعة أشهر، وأرضعته من ثدبيها، وكفلته كفالة الأمهات لأطفالهن. ثم كان له صبى، وشباب، وكهولة، وطريق فى الحياة يسلكه، ورسالة يقوم عليها، وأنه فى سبيل هذه الرسالة- شأنه شأن أصحاب الرسالات- قد دخل فى صراع مع القائمين فى طريقه، والمتصدين لرسالته، حتى انتهى به الأمر إلى الموت صلبا! هذا هو مجمل الصورة التي تقع لعينى من يطالع حياة يسوع «المسيح» ويقرأ ما سطر التاريخ من سيرته! إنه إنسان قبل كل شىء، وفى كل شىء؟ لم تفكر أمّه التي امتزج دمها بدمه، ولحمها بلحمه، وخالطت روحها روحه، وأنفاسه، لم تنكر شيئا من أمره، ولم تر فيه غير ما ترى الأمهات من أبنائهن، وإن كانت مخايل النبل، والطهر والحكمة تفوحان من أردانه! إنه بكرها، وواحد من أولادها، الذين استقبلتهم بعده «1» ! .. ولو أنها

_ (1) كان للمسيح إخوة من أمّه «مريم» ومن زوجها يوسف بن هالى، كما تحدث بذلك الأناجيل، بقول صريح قاطع.

رأت فيه شيئا لم تعرفه الأمهات فى أبنائهن لأنكرته، أو لأنكرت نفسها، ثم لكانت منها نفرة من الاتصال برجلها «يوسف» ومعاودة الحمل والولادة! فهو- أي عيسى- إن يكن إلها فقد ولدته، ولا يعقل أن تلد إلها أو آلهة غيره.. وإن يكن خلقا آخر، غير الإله، وغير البشر. فلن تطاوعها نفسها على الدخول فى تجربة جديدة، تلد بها أعجوبة أخرى! ولكنها إذ لم تنكر من وليدها «يسوع» شيئا، ولم تر فيه غير ما ترى الأمهات فى أطفالهن، مضت فى طريقها، طريق الأمومة، الذي تسلكه الأمهات! واتصلت برجلها «يوسف» فولدت منه بنين وبنات!! أين يضع العقل المسيح؟ والعقل إذ يواجه المسيح، وإذ يلقاه على هذا الوجه الذي عرفته الحياة منه، وسجله التاريخ له- لا يمكن أن يخرجه عن دائرة البشرية، أو يعزله عن عالم الإنسان.. والمسألة هنا هى: أين يأخذ المسيح مكانه من الناس، وأين المكان الذي ينزله العقل فيه؟ وهنا نرى «المسيح» يأخذ أوضاعا مختلفة، وينزل منازل متباينة.. حسب وزن العقول له، وتقديرها لشخصيته، وحسابها لمقومات تلك الشخصية! وإذن فلا نستبعد أن نرى «المسيح» يأخذ مكان القمة من الإنسانية، كما لا نستغرب إذا رأيناه ينزله منزلة الحضيض فيها.. ففى هذا الفراغ الهائل، بين السطح والقاع، يتحرك الناس، وفيه يتقلّبون، بحيث يملأ بهم هذا الفراغ كلّه! والمسيح- فى هذه النظرة- واحد من آحاد الناس، وللناس أن ينزلوه

فيهم بالمكان الذي يرونه.. صعودا، ونزولا.. مغالين، أو مقتصدين، أو ظالمين.. دون أن يخرج فى هذا كلّه عن دائرة الإنسانية، أو يتعدّى حدودها! فكل قول يقال فى «المسيح» ، مما يقع فى محيط الإنسانية، يمكن أن يوضع موضع البحث والنظر، وأن يعتبر فى معرض القبول والتسليم.. فإذا قال فيه قوم إنه نبىّ أو صدّيق.. لم يكن هذا القول مستحيلا.. إذ فى الناس الأنبياء والصدّيقون! وإذا قال قوم إنه فارس مغوار، أو فيلسوف عظيم، أو عالم كبير.. لم يكن هذا القول مستحيلا أيضا، إذ فى الناس الفرسان والفلاسفة والعلماء! وإذا قال قوم إنه مشعوذ محتال.. لم يكن هذا القول مستحيلا كذلك، لأن فى الناس المشعوذين والمحتالين! وهكذا كل قول يقال فيه، مدحا أو ذمّا، مما هو واقع فى عالم البشر، لم يكن مستحيلا، ولا مستغربا.. والبحث، والنظر، هو الذي يكشف عن صدق أو كذب كل ما يقال فيه، ويمخض ما فيه من حق أو باطل.. ماذا عن المسيح الله؟ فإذا جاء إلى الناس من يقول لهم: إن «يسوع» هذا الذي رأيتموه أو سمعتم أخباره، والذي عرفتم من أمره أنه لم يكن إلا بشرا سويا.. فى هيأته وملامحه، وفى طعامه وشرابه، ويقظته ونومه، وفرحه وحزنه، ورضاه، وسخطه، وفى كل ما تعرفون من شئونكم، وما تتقلّبون فيه من حياتكم- «يسوع» هذا، هو الله رب العالمين! عاش تلك الفترة المحدودة من الزمان وفى هذا الوضع المحدود من المكان فى مسلاخ الإنسان «يسوع» وفى جسده.. ثم ترك هذا الجلد، وزايل ذلك الجسد، وارتفع إلى ملكوته- نقول إذا

جاء أحد يقول للناس هذا القول، فى شأن المسيح، أو فى أي إنسان غيره من الناس على طول الإنسانية وعرضها، فبأى آذان يستمع الناس إلى هذا القول، وبأى عقول يلقونه؟ ولنذكر أننا بمعزل عن مقولات الكتب المقدسة فى أمر «المسيح» وأننا إنما نواجه «المسيح» من خارج الدائرة العقيدية، وأننا إنما ننظر إليه كظاهرة إنسانية، كان لها فى حياة الناس- ولا يزال- دور كبير، دارت وتدور حوله شئون لهم وشئون! .. ونعيد سؤالنا مرة أخرى: بأى آذان يستمع الناس إلى هذا القول الذي يقال فى المسيح الإله، وبأى عقول يلقونه؟ ولا نتكلّف لهذا السؤال جوابا، فالجواب حاضر، نأخذه من فم التاريخ الذي يحدّث عن أعداد كثيرة من الناس قد لبسوا أثواب الآلهة، أو ألبسوا هذه الأثواب.. ويحدث التاريخ- قبل المسيح وبعده- أن الناس انخدعوا لهذه الآلهة، وآمنوا بها، وأنزلوها من قلوبهم وعقولهم منزلة الإله الذي يؤمن به المؤمنون بالله! ففى مصر، والهند، وفارس، وفى بلاد اليونان والرومان، دان الناس أحقابا طويلة للالهة البشرية.. من فراعنة، وقياصرة وأباطرة، وهراقلة، وعبدوهم عبادة المؤمنين لله رب العالمين.. ولا زالت بقايا هذه الظاهرة باقية ممتدة فى القرن العشرين إلى الحرب العالمية الثانية، حيث كان امبراطور اليابان «الإله» المعبود من دون الله، فى أمة بلغت من الحضارة والمدنية حظّا كاد يجعلها على رأس العالم المتحضر فى هذا العصر! وفى التاريخ الإسلامى ادّعى المدعون ألوهية «علىّ» رضى الله.. وكادت تكون فتنة، لولا أن صدمتها العقيدة الإسلامية صدمة قاتلة، بيد «علىّ» نفسه، الذي أرادوا أن يلبسوه ثوب الإله.!

ويحدث التاريخ الإسلامى أيضا أن «المقنّع» الخراسانى، - واسمه عطاء- كان صاحب فرقة من فرق الشيعة، وكان مشعوذا، قد بلغ به الأمر أن ادعى الألوهية لنفسه، وكان لا يسفر عن وجهه، وقد اصطنع لذلك وجها من ذهب، تقنع به، فسمى المقنع.. وكانت له شعوذات خدع بها الأغرار من الناس، فتبعه خلق كثير، مما وراء النهر، وآمنوا بألوهيته، وكادت تكون فتنة. «ولما اشتهر أمره ثاروا عليه، وقصدوه الناس فى قلعته التي اعتصم بها، فلما أيقن بالهلاك جمع نساءه وسقاهن سما، فمتن منه، ثم تناول شربة من ذلك السم فمات أيضا، وذلك فى سنة ثلاث وستين ومئة هجرية «1» » . ويحدّث التاريخ الإسلامى كذلك عن بعض الفرق المنحرفة من الشيعة، وعن تأليههم للخليفة الحاكم بأمر الله، الذي لا زالت بقايا هذه الفرقة المارقة تتعبد له، فى جهات منعزلة من بلاد الشام! وليس ببعيد خبر «سليمان المرشد» الذي ظهر فى بلاد الشام منذ سنوات وادّعى الألوهية، ووجد فى الناس من يستجيب له ويؤمن به! وتستند دعوى الألوهية لإنسان من الناس على قوة غيبية احتوت هذا الإنسان الإلهى، أو احتواها هو.. وبهذه القوة الغيبيّة المقدسة فيه، صار فوق مستوى الناس، ونزل منازل الآلهة! وقد كان الناس قبل عصر العلم التجربي، يفتحون آذانهم وعقولهم وقلوبهم للقوى الغيبية هذه، ويتشوّفون إليها، فيما وراء المادة، وكانت حياتهم موصوله بها، مشدودة إليها.. فإذا جاءهم من يحمل إليهم- إن صدقا وإن كذبا- خبرا من تلقائها، أو حديثا من عندها، وجد من يصغى إليه، ويلهث جريّا

_ (1) وفيات الأعيان، لابن خلكان: جزء أول ص 402. [.....]

وراءه! وبهذا الشعور خلق الفنانون الأساطير، ونسجوا الخرافات، التي كانت المورد الذي تتزاحم عليه الإنسانية، وتروى منه أشواقها ومواجدها، وتغذّى به آمالها وأحلامها.. وإذ طلع عصر العلم التجريبى على الناس واستقامت العقول على منطق التجربة، وحكم الواقع المادىّ- لم يعد للقوى الغيبية هذا السلطان المتسلط على العقول والقلوب، ولم يعد فى الناس من تستهويه هذه القوى، أو تحمله على الوقوف طويلا عندها.. فإن يكن للناس مع هذه القوى وقفة فى هذا العصر، فهى وقفة اللاهي العابث، الذي يلتمس التخفف من ضغوط المادة، وثقل الواقع.. ثم لا يلبث أن يأخذ طريقه إلى عالم المادة والواقع، الذي يتقلب فيه، ويتعامل معه! ولهذا، فإن أي لباس يلبسه الإنسان اليوم غير جلده البشرىّ، وثوبه الإنسانى، لا يمكن أن يحجب أعين الناس عن حقيقته، أو أن يخيّل إليهم منه أنه غير إنسان!! فقد يلبس الناس على المسارح جلود الحيوانات، وأثواب الشياطين، والجن والآلهة.. ثم هم مع هذا فى أعين المتفرجين أناس كسائر الناس.. وأن هذه الأثواب، وتلك الأصباغ أشياء مستعارة.. لا تغير ولا تبدّل من الحقيقة الواقعة شيئا. ولا يخرج الحال بأولئك الذين يدّعون لأنفسهم، أو يدّعى لهم أنهم من طينة غير طينة الناس، ومن جلود غير جلود الناس- لا يخرج بهم الحال عن تلك الصّور المتغايرة التي يلبسها الممثلون والمهرجون! إن الناس قد استقلّوا اليوم بعالمهم الأرضى، وأجلوا عنه كل قوى غيبية كانت تعيش مع أسلافهم فيه، وتتحكم فى مصائرهم، وتبدل من أحوالهم!

وأنهم إذا شاقهم لقاء تلك القوى الغيبية أطلعوها بقدر، للتسلية والترفيه، ثم أرسلوها لتعود من حيث جاءت! والسؤال هنا هو: ترى لو جاء «الله» إلى الناس اليوم فى صورة إنسان من الناس، يعرفون وجهه، وليدا وطفلا، وصبيا، وشابا، وكهلا.. ثم دعاهم هو، أو دعاهم داع غيره إلى الإيمان به إلها، والتعبد له ربا- أكان يجد من الناس أذنا صاغية، وقلبا واعيا، لتلك الدعوة؟ ربما كان بعض الأغرار، وأصحاب الأهواء والبدع، ممن تستهويهم المواقف الشاذة، وتروقهم الانحرافات والشطحات- ربما كان بعض هؤلاء وأولئك يلتفتون إلى هذه الدعوة، ويستجيبون لها.. ولكنهم مهما بلغ عددهم، يظلون فى عزلة عقلية واجتماعية عن المجتمع الإنسانى العصرى.. لا ينظر إليهم الناس إلا نظره الشذاذ الخارجين على الجماعة الإنسانية! ينكرهم الناس أينما التقوا بهم.. ثم لا يلبث أمرهم أن ينتهى إلى ما ينتهى إليه كل أمر لا يقوم اليوم على واقع التجربة، ولا يستند إلى برهانها! والصورة التي ظهر بها «يسوع» المسيح وإن تشابهت مع هذا التصور فى بعض ملامحه، إلا أنها تخالفه من وجهين: (الوجه الأول) هو أن «المسيح» ظهر فى عصر غير هذا العصر.. فى عصر كانت فيه صور الآلهة البشرية تعيش فى تفكير الناس، وفى أحلامهم، لا ينكرونها إذا هى التقت بهم، وتحدثت إليهم.. فلطالما التقى آباؤهم بالآلهة، وتحدثوا إليهم وتعبّدوا لهم، ولا تزال وجوه هذه الآلهة وأشباحها تطلّ عليهم من قريب! (والوجه الثاني) هو أن ألوهية المسيح لم تعلن إلى الناس وهو حىّ قائم فيهم، حتى كان يمكنهم أن يعيدوا النظر إليه، ويملئوا عيونهم منه، وهم يلتقون به

على تلك الصفة.. وإنما كان ذلك بعد أن انتهي المسيح تلك النهاية المعروفة.. فقيل للناس بعد هذا: إنه بعد أن صلب عاد إلى الحياة.. وصعد بعد أربعين يوما إلى ملكوته السماوي الذي نزل منه! وهنا تكثر الأحاديث عن «المسيح» وعن شخصيته! إنه ليس مجرد إنسان! وشاهد ذلك معجزاته الكثيرة التي عرفها الناس منه فى حياته.. وإنه ابن الله! .. وشاهد هذا أنه ولد من عذراء! فليس «يوسف النجار» أباه، وإنما هو زوج أمه! وإنه هو الله ذاته! شاهد ذلك أنه أمات نفسه ثم أحياها.. والله وحده هو الذي يحيى ويميت، ويميت ويحيى! «يخرج الحىّ من الميت، ويخرج الميت من الحىّ» ! وهكذا استدبر الناس حياة «المسيح» إلها، بعد أن استقبلوا حياة المسيح إنسانا بشرا! وبهذا لم يكن للشاهد أكثر مما للغائب فى شأن البحث عن ألوهية المسيح والتحقق منها.. إذ أن الذين شاهدوا المسيح لم يكن يقع لتفكيرهم أنهم يعيشون مع إله، ويتحدثون أو يستمعون إلى إله.. وإنما هم مع إنسان، وإن عظم فى الناس أمره، وسما قدره.. فهم والذين لم يروه على سواء، فى التحقق من الصفة الجديدة التي كان عليهم أن يروه من خلالها.. إنهم يستعيدون ذكريات، ويتذكرون أحداثا، على حين يطالع غيرهم- ممن غاب عنهم شخص المسيح- تلك الذكريات، وهذه الأحداث، مسطورة فى كتب، مصورة فى رسائل! وأين الإله إذن فى هذا الإنسان «يسوع» ؟ إن أحدا لم يره إلها، ولم يتعامل معه كإله، وإلّا كانت قد دارت الرءوس وجنّ جنون الناس!

فالأمر لا يعدو أن يكون مجرد تخريجات وتأويلات، لذكريات وأحداث، وأخبار، عن تلك الذكريات وهذه الأحداث! فالله الذي تجسد فى «يسوع» المسيح لم يعلن نفسه للناس الذين ظهر فيهم وولد وعاش، وصلب، وقام من الأموات بينهم! وإنما كان هذا الإعلان بعد أن ترك «الله» هذا الجسد، وزايل هذا المكان الذي كان فيه! هذه واحدة! وأخرى، يقف العقل إزاءها متسائلا: لماذا ظهر الله فى هذا الجسد المحدود؟ فى هذا الزمن المحدود؟ فى هذا المكان المحدود؟ إنه لو كان يريد أن يكشف ذاته للناس لكان غير ذلك أولى به وأجدى!! كان ينبغى مثلا أن يظهر ظهورا متجددا متكررا.. فى أجساد كثيرة، وفى أمكنة متعددة، وفى أزمنة متجددة، حتى يستطيع الناس أن يأخذوا جميعا حظهم من هذا الإعلان.. إن كان لهذا الإعلان حكمة، وكان له أثر! ولا بد أن يكون له حكمة وأثر، وإلا لما كان هناك داعية له. إن مثل هذه الاعتراضات قد دارت فى كثير من الرءوس التي واجهت تلك المقولات التي تقال فى المسيح، وفى تجسد الله فى الجسد الذي اتخذه من عذراء! وقد أجاب عليها الذين آمنوا بهذه المقولات، ورضوا بها واطمأنوا إليها.. وإنه لا بأس من أن نعرض هنا نماذج من تلك الاعتراضات، ودفع المعترضين عليها، ثم تعليقنا على هذه الدفوع. اعتراض: - «إن الأنبياء كانوا يقومون بإعلان الله للبشر وهدايتهم

إليه.. لذلك لم يكن هناك داع لأن يقوم الله تعالى بمهمة كان يقوم بها نفر من عبيده! فما تأويل هذا؟» . وجواب: «إن الأنبياء لم يعلنوا للبشر ذات الله، بل قاموا فقط بتبليغ أقواله لهم.. إذ فضلا عن أنهم مثل غيرهم من الناس، غير معصومين من الخطيئة، الأمر الذي لا يجعلهم أهلا لإعلان ذات الله، فهم أيضا محدودون فى ذواتهم، والمحدودون لا يستطيعون أن يعلنوا غير المحدود.. فإذا أضفنا إلى ذلك أن غرض التجسّد لم يكن مجرد إعلان ذاته لليشر، بل الظهور بينهم بحالة مدركة لهم، لكى يستطيعوا معرفته والاقتراب منه، والتوافق معه- اتضح لنا أن هذا الاعتراض لا مجال له إطلاقا» «1» .. والذي يرد على هذا الاعتراض هو رجل من رجال الدين المسيحي! وعالم من علماء المسيحية «2» . وتعليق: وندع مقولته فى عصمة الأنبياء، وأنهم لهذا ليسوا أهلا لإعلان ذات الله.. ونسأل ما الغاية من إعلان ذات الله؟ وما أثر هذا لإعلان؟ ألا يكفى الإعلان عن آثاره، وأعماله، لتكون عند الناس شاهدا على وجوده، وعلى ماله من صفات الجلال والكمال؟ إن الناس يتمثلون ذوات القادة، والزعماء، والعلماء فى آثارهم وأعمالهم، دون أن يروهم أو يتصلوا بهم.. ومع هذا يحبّون منهم من يحبون، ويطيعون من يطيعون، وينقادون لمن ينقادون، بقدر ما يقع فى نفوسهم مما لهم من آثار وأعمال! .. ثم ألا يكون هذا الوجود كله، بما فيه من آيات، وما يشتمل عليه من عجائب وأسرار تقف أمامها العقول مشدوهة، وتنظر إليها الأبصار خاشعة-

_ (1- 2) الله- طرق إعلانه عن ذاته للأستاذ عوض سمعان ص 82 وما بعدها.

ألا يكون هذا إعلانا واضحا عن الله؟ ثم ألا يكون فيما يجىء به رسل الله وأنبياؤه من دعوات تكشف عن هذا الوجود، وتجلّى للأبصار والعقول ما غشّى عليها الجهل والضلال منه- ألا يكون فى هذا ما يكشف للناس عن وجود الله، وعظمة الله، وجلال الله، حتى يجىء الله نفسه للناس ليقول لهم: ها أنا ذا؟ اعتراض آخر.. يقول: إن التوافق مع الله لا يتوقف على رؤيته بالعين، بل على إدراك النفس لمحبته، وكماله، وجماله، ولذلك لم يكن هناك داع لأن يتجسد الله.. إذ أنه موجود فى كل مكان.. وفى أقواله لنا ما يكفى نفوسنا لإدراك كل شىء عنه وبالتالى للتوافق معه! وجواب: «حقا إن التوافق مع الله لا يتوقف على رؤية العين، بل على إدراك النفس لمحبته، وكماله، وجماله.. لكن هل تستطيع النفس أن تدرك شيئا عن الله من مجرد السمع أو القراءة عنه؟ الجواب: طبعا لا، لأن النفس كما قلنا محدودة، والله غير محدود، والمحدود لا يدرك من تلقاء ذاته غير المحدود، لذلك كان من البديهي أنه إذا أراد الله أن يجعل ذاته مدركا لنفوسنا- وعمل مثل هذا يتفق مع ذاته وصفاته كل الاتفاق- أن يظهر لنابهيئة محسوسة، نستطيع عن طريقها الاتصال به، وهذه هى الهيئة التي تنازل واتخذها، له المجد!» «1» . وتعليق: هذا الجواب ليس بالذي يسدّ هذه الثغرة التي أوجدها الاعتراض، الذي يجاب عليه بهذا الجواب! فإذا كان الإيمان بالله لا يكمل ولا يتم بمجرد السمع أو القراءة عن الله، بل لا بد من رؤيته مجسسدا، فمعنى هذا أن جميع الذين لم يروا الله مجسدا فى المسيح هم على تلك الصفة.. إيمانهم ناقص، لا يتم إلا برؤية الله مجسدا فى المسيح،

_ (1) المصدر السابق.

ومعنى هذا أيضا أن إيمان جميع الذين سبقوا المسيح من الأنبياء والرسل وأتباعهم إيمان ناقص، وكذلك إيمان أتباع المسيح جميعا الذين لم يروه رأى العين! فما الجواب؟ وأظن لا جواب! اعتراض ثالث: «إن كان ولا بد من تجسّد الله.. فلماذا لم يظهر بالهيئة التي تليق بمجده وبهائه، حتى تهابه الناس وتخضع له؟» وجواب: «إن غرض الله من التجسد، لم يكن لإظهار عظمته، أو إثارة وإعجاب الناس به (لأن تصرفا كهذا لا يصدر إلا من الناقص، الراغب فى تعظيم الناس له) بل هو جمعهم حوله لكى يمتّعهم بحبّه وعطفه، ويخلصهم من خطاياهم وضعفتهم، حتى تكون لهم معه حياة روحية سعيدة، وبما أنه لو كان تعالى قد ظهر لهم بهيئة تناسب مجده الأزلى لارتعب الناس منه، ولما استطاع واحد منهم أن يدنو إليه- كان البديهي أن يظهر لهم بالهيئة المألوفة لديهم، وهى الهيئة البشرية، لكى تتحقق أغراضه هذه، كما أنه لو كان قد تجنب الظهور بمجده الخاص الذي يرعب الناس، وظهر فقط بإحدى مظاهر العظمة الأرضية، لحرم متوسطو الحال والفقراء من التمتع به، وهؤلاء- كما نعلم- هم السواد الأعظم من البشر، وهم فى جملتهم أكثر من الأغنياء استعدادا لمعرفته والسير فى سبيله، لذلك كان من البديهي أيضا ألا يظهر بأى مظهر من مظاهر العظمة الدنيوية كذلك، بل يظهر بالمظهر العادي، الذي ظهر به فعلا، لأنه هو الذي يفسح المجال أمام جميع الناس للاقتراب إليه والاتصال به، والإفادة منه «1» . وتعليق وهذا الجواب أيضا أبعد من أن يدفع الاعتراض المعترض به.. فالله إذ ظهر هذا الظهور الذي هو أقرب إلى الخفاء والتستر، منه إلى أي

_ (1) المصدر السابق ص 85.

شىء آخر، إذ لم ير الناس- الذين رأوه شيئا منه.. إنهم لم يروا إلا إنسانا.. مجرد إنسان يقال عنه، أو قيل عنه- فيما بعد- إنه هو الله! فأين الله الذي رآه الناس على أنه الله- وأين الناس الذين رأوه على تلك الصورة؟ لا جواب!. ثم إن الذين رأوه، هم قلّة فى الناس، لا يكادون يذكرون إلى تلك الأعداد التي لا حصر لها من الذين لم يروا المسيح، ولم يضمهم إليه، ويمتعهم بمحبته! واعتراض رابع: إذا كان المسيح هو الله.. فلماذا لم يعلن ذلك صراحة أمام الناس، حتى يؤمنوا جميعا به؟» . وجواب: «لا يخفى لدى العاقل أنه لو كان المسيح قد أعلن للناس عن حقيقة ذاته قبل أن يختبروها بأنفسهم، لكانوا قد اعتبروه محترفا ومدعيا، ولما كانوا قد آمنوا به إطلاقا.. لكن شاء أن يستنتجوا هم حقيقة ذاته، من حياته، وأعماله، لكى لا يكون إيمانهم به نظريا أو سماعيا، بل إيمانا اختباريا عمليا ... «ومع كل فقد أعلن السيد المسيح عن حقيقة ذاته بكل صراحة للذين كانوا يشكّون فى شخصيته، أو لا يستطيعون الكشف عنها.. فقد قال مرة لأعمى كان- له المجد- قد شفاه: «أتؤمن بابن الله؟» فلما سأله هذا: «من هو يا سيد لأومن به؟ أجاب- له المجد: قد رأيته، والذي يتكلم معك هو هو» فقال له الأعمى: أو من يا سيد، وسجد له «1» » . وتعليق: المسيح، كما هو ظاهر من هذا القول، لم يعلن أنه هو الله، بل قال إنه «ابن الله» . وللبنوة هذه معنى كان معروفا عند الناس إذ ذاك فى

_ (1) المصدر السابق ص 88.

الكتب المقدسة.. وطبيعى أن هذا الأعمى لم يكن عنده علم بالأقانيم الثلاثة التي يمثل الابن وجها من وجوه الله بها.. والتي عرفت بعد ذلك بزمن طويل. فإذا اعترف بأن المسيح ابن الله، كان اعترافه بأن المسيح ذات مستقلة عن الله.. فالمسيح ابن، والله أب.. والأب غير الابن.. أما القول بأن المسيح لم يعلن عن ألوهيته حتى يختبرها الناس فى أعماله وآثاره، فقد كانت نتيجة هذا الاختبار هو صلب المسيح كما يؤمن بذلك الذين آمنوا بألوهيته.. وهى نتيجة ناطقة ببطلان هذا القول.. واعتراض خامس: «إن كان ولا بد من تجسد الله، فلماذا لم يظهر فى العالم رجلا كامل النمو، بدلا من ولادته من امرأة، ومروره فى أدوار الطفولة والصبا، التي لم يفعل فيها شيئا مذكورا؟» . وجواب: «إن السنّة التي وضعها الله للأفراد والجماعات هى النمو والتقدم، وبناء على ذلك كان من البديهي أن يظهر المسيح- وقد رضى أن يكون إنسانا- طفلا، يتدرج فى النمو، قامة وعقلا، وتتدرج معه الجماعة المحيطة به يقظة ووعيا، تتهيأ بسببه لقبول المسيح والاستماع إليه.. كما أننا إذا وضعنا قبلة أنظارنا أن غرض الله من التجسد لم يكن مجرد إعلان ذاته لنا، بل الاتحاد الجوهري بنا، لكى يكون الرأس الفعلى أو الحقيقي لجنسنا (عوضا عن آدم الأرضىّ الذي بانتسابنا إليه، وتوالدنا منه قد ورثنا الطبيعة الخاطئة، وورثنا معها قضاء الموت الأبدى) حتى نستطيع بدورنا أن نتحد بالله اتحادا عمليا حقيقيا- اتضح لنا أنه لو كان قد ظهر كامل النمو، أو بتعبير آخر ظهر دون أن يأخذ جسدا من جنسنا، لكان قد ظل غريبا عنا، ومفارقا لنا، وبالتبعية لما كان رأسا لنا، ولما كان لنا نحن صلة فعلية به، لكن بتفضله بالولادة من جنسنا، قد اتحد بنا، وأصبح لنا بدورنا أن نتحد به، اتحاد

الأغصان بالكرمة، وبذلك تحققت أغراضه السامية بالتجسد «1» » . وتعليق: لقد انحرف هنا الجواب أيضا عن الرد المباشر على الاعتراض.. وهو لماذا لم يظهر «الله» حين تجسد، رجلا كامل النمو، بدلا من أن يمر فى تلك الأدوار التي مرّ فيها.؟ وقد أجاب المجيب إجابة متهافتة، وإذ شعر بهذا، فقد اتجه اتجاها آخر بالإجابة على هذا الاعتراض، وهو أن الله قد اتحد بجنسنا لكى نتحد نحن به، لأن الجنس أشكل بجنسه! وكان على المتصدّى للرد على هذا الاعتراض أن يعلل لتجسد الله- لا فى جسد إنسانى وحسب- بل وبمرور هذا التجسد فى جميع أدوار الحياة الإنسانية من الميلاد إلى الممات.! ولو أنه فعل لوجد أن المسيح الذي تجسد الله فيه قد مات شابا، فلم يمرّ فى أدوار الكهولة، والشيخوخة! وكان منطق الردّ يقضى بأن يمر المسيح أو الله المتجسد فى المسيح، فى جميع هذه الأدوار، حتى يلبس الإنسانية كلها، وبهذا يمكن أن يكون رأسا لها! ثم ماذا يقول المجيب على هذا الاعتراض، عن حياة المسيح فى رحم أمه، ثم فى دور طفولته، وهو فى قيد الضعف والعجز، لا يملك من أمر نفسه شيئا ... ؟ واعتراض سادس: «إذا كان المسيح هو الله.. فلماذا ظهر فى أماكن محدّدة، ولم يظهر فى جميع الأمكنة، حتى يراه جميع الناس، ويؤمنوا به؟ وجوابه: إذا رجعنا إلى العصر الذي عاش فيه المسيح على الأرض، وجدنا أن الشعب الوحيد الذي كان يؤمن بالله إيمانا خالصا من كل زيغ، هو الشعب

_ (1) المصدر نفسه ص 100.

اليهودي، ولذلك كان من البديهي أن يظهر المسيح بوصفه «الله المتأنّس» ، بين اليهود لأنهم أقرب الناس إلى الإيمان به «1» ! .. وكان من البديهي أيضا أن يظل بينهم حتى يعرفوه حق المعرفة، ويؤمنوا به كل الإيمان، ولكن لما رفضوه على الرغم من الأدلة الكتابية والاختبارية التي تثبت حقيقة ذاته «2» - اختار من بينهم أشخاصا كانوا أكثر استعدادا من غيرهم لمعرفته والتوافق معه، وقضى مدة طويلة فى تدريبهم وتعليمهم «3» ، حتى عرفوا بعد قيامته من بين الأموات حقيقة ذاته كل المعرفة «4» ، ثم كلفهم بعد ذلك أن يحملوا رسالته، ليس إلى اليهود وحدهم، بل إلى كل الأمم (متى 28: 18) [وهذا يناقض ما نطق به المسيح: «إلى أمم لا تمضوا: [متى 10: 5] «وإذا أضفنا إلى هذا: (أولا) أن فلسطين التي ظهر فيها المسيح لم يره كل شخص من سكانها، بل إن كثيرين لم يروه إطلاقا، وأنه لو كان قد انتقل إلى كل بلاد العالم لكان كثيرون أيضا من سكانها لا يرونه. و (ثانيا) أن معرفة الله فى المسيح لا تتوقف على رؤية العين، بل على الإيمان به بالقلب، وفى هذه الحالة يستوى الذين رأوه والذين لم يروه، إذا كانوا قد

_ (1) وشاهد هذا أنهم كذبوه، وبهتوه، وطعنوه فى شرف مولده، وفى عفة أمه.. ثم ساقوه إلى الصلب، فصلبوه!! كما يقولون. (2) ومفهوم هذا أن الله قدر فلم يحسن التقدير، واختار فلم يحسن الاختيار، وهل يكون «الله» الذي يلبس ثوب الإنسان، ويضع نفسه فى إهابه منزها عن هذا النقص؟ (3) انظر إلى «الله» هذا الذي يعانى ما يعانى فى تعليم الناس وتدريبهم.. أهو يخرج عن طبيعة البشر العاجزين الضعفاء؟ (4) انظر كيف عجز «الله» هذا، عن أن يعرف نفسه للخاصة الذين اختارهم من بين البشر إنه لم يستطع أن يعرفهم به إلا بعد أن مثل أمامهم عملية الموت فى نفسه، فمات، وقبر، ثم قام من الأموات!

آمنوا به!! ويستوى الذين رأوه والذين لم يروه إذا كانوا لم يؤمنوا به!» . وتعليق: ونقف عند هذا المقطع الأخير من الجواب.. ونسأل: إذا كانت معرفة الله لا تتوقف على رؤيته بالعين، بل على الإيمان به بالقلب- وفى هذه الحالة يستوى الذين رأوه والذين لم يروه من المؤمنين به وغير المؤمنين- فلماذا إذن هذا التجسد لله؟ وما حكمته، إذا كان يستوى فى ذلك الذين رأوه والذين لم يروه؟ ثم لم هذه البلبلة وهذا الاضطراب، وهذه الفتن التي تجىء من وراء القول بتجسد الله؟ وإن أقلّ ما فيه أنه يفتح باب الادعاء على مصراعيه، لكل من يدّعى أنه الله، وأن الله قد تجسّد فيه! وفى هذا ما فيه من التعمية على الناس، والتشويش على المؤمنين بالله!؟ واعتراض سابع: «إن تجسد الله، إما أن يظل إلى آخر الدهور، فتدوم فوائده، وإما أن يكون مؤقتا، وحينئذ لا يكون هناك مبرر لتمتع جيل خاص برؤيته فى الجسد، دون غيره من الأجيال» . وجوابه: «بما أنه مع ظهور الله فى الجسد فى العالم، ورؤية الناس لأعماله ومعجزاته، استمر معظمهم فى شرورهم وآثامهم. وبما أنه تعالى يريد أن يكون الإيمان به مقترنا كل الاقتران بحياة القداسة.. وبما أن حياة القداسة لا تتأتّى بواسطة الاقتناع النظري بحقيقة الله، بل بواسطة الاتصال الروحي به.. وبما أن هذا الاتصال لا يتولد عن النظر إليه بعين الجسد الخارجية، بل عن النظر إليه بعين الإيمان الباطنية- إذن كان من البديهي أن يقتصر الرب فى أمر ظهوره بالجسد على المدة التي قضاها فى العالم (وهذه والحمد لله-

يقول المؤلف- كانت كافية كل الكفاية لإثبات شخصيته، وإظهار محبته للبشر أجمعين، حتى تكون علاقتهم به ليس العلاقة الجسدية، بل العلاقة الروحية ... ) «1» . والتعليق: وإذن فقد كان ظهور الله متجسدا فى تلك المدة المحدودة، فى الزمان والمكان- كان ذلك لمجرد إثبات شخصيته! ولكن لمن؟ لجماعة معدودة من الناس.. فى جيل محدود من أجيالهم، وفى رقعة محدودة من أوطانهم.. وإذن فقد كان على الله أن يقدّم «بطاقة» شخصية إلى كل إنسان، فى كل زمان، وفى كل مكان.. وإلا كان من حق الناس أن يجهلوه ولا يعترفوا به! مشكلات كثيرة أثارها تجسّد الله فى المسيح.. فى إنسان معروف للناس، رأوه رأى العين، يعالج من شئون الحياة ما يعالجون، ويأتى ما يأتون، ويذر ما يذرون.. ثم يعود فيطلع عليهم من عالم الأموات، فإذا هو الله «رب العالمين!!» كان يمكن أن تكون هذه الدعوى أكثر احتمالا، وأقرب إلى الواقعية لو أن الناس قد التقوا بدعوى ألوهية المسيح حال حياته، حيث يتاح لهم النظر إليه من قرب، واختبار أحواله عن واقع.. وأدخل من هذا فى باب الاحتمال والواقعية لو أن المسيح لم يلتق بالناس ولم يلتق به الناس إلا رجلا كاملا، لم يروا فيه ضعف الطفولة، وعجزها، وتحكّم الضرورات الإنسانية فيها، وخضوعه خضوعا مطلقا ليد من يرعاه ويقوم بأموره!

_ (1) الله- طرق إعلانه عن ذاته ص- 104.

وقد رأينا الدفوع التي دفعت بها هذه الاعتراضات وأشباهها، وأنها كانت دفوعا هزيلة متهافته، لا تغنى من الحق شيئا، ولا تزيد الأمر إلا غموضا على غموض، وشبها فوق شبه! حلّ أضاف إلى المشكلة مشكلات: وأمر آخر من أمر المسيح «الإله» زاد العقدة عقدا، وأضاف إلى المشكلة مشكلات.. وهو هذا الفهم الجديد للألوهية، ذلك الفهم الذي لم تعرفه الدعوات السماوية من أمر الإله، فى هذا الوصف الكاشف لذاته، والتشريح المكيّف لتلك الذات.. حيث ظهر القول بتلك الأقانيم أو التعيّنات الثلاثة «لله» واعتباره ثلاثة فى واحد، وواحدا فى ثلاثة.. هم: الأب، والابن، وروح القدس! هذه المقولة قد وضعت المسيح «الله» وضعا جانبيا فى الذات الإلهية.. فلم يكن هو «الله» «كلّ الله» وإنما هو «الابن» ظاهرا، ثم هو فى الوقت نفسه الأب والروح القدس، قائما وراء هذا الظاهر! إنها عملية معقدة! وحلقة مفرغة لا يدرى أحد أين طرفاها!! فالمسيح إنسان، وإله.. إنسان كامل.. وإله كامل.. وانظر كيف يجتمع الإنسان والإله فى كيان واحد! .. شخصية مزدوجة، وجهها إله، وظهرها إنسان! والمسيح.. ابن، وأب، وروح قدس! والابن هو الله..! والأب هو الله..!

وروح القدس هو الله! والأب، والابن، وروح القدس، وهم الله! إنها ألغاز وطلاسم، لا يمكن أن يتصورها العقل إلا إذا اصطنع لها التشبيهات، والتخيلات! ولعل أقرب صورة تمثل هذا المفهوم لله، هو القمر، ومنازله المختلفة.. فالقمر يكون هلالا.. فبدرا.. فمحاقا.. وهو هو القمر.! فإذا كان هلالا ففى كيانه البدر والمحاق! وإذا كان بدرا فمن ورائه المحاق والهلال! وإذا كان محاقا.. فبين يديه الهلال والبدر! ومع هذا فإن الناس لا يقولون عن الهلال إنه بدر أو محاق. ولا يقولون عن البدر إنه محاق أو هلال.. إن لكل وجه من هذه الوجوه مفهوما خاصّا عند الناس! ولكن لو كان لله تعينات، ووجوه كوجوه القمر، فإن معنى هذا أن «الله» متحول متغيّر.. يلبس أثوابا مختلفة، ويبدو فى وجوه متعددة! والمؤمنون بالله- ومنهم أتباع المسيح- مؤمنون بأن الله لا يتغيّر ولا يتبدّل، ولا يتحول من حال إلى حال أبدا! ثم من جهة أخرى ... لا يرى الذي يؤمن بألوهية المسيح- على هذا المفهوم- إلا وجها واحدا من «الله» وهو وجه «الابن» أو أقنوم الابن.. ولهذا فإنه يحدّق دائما فى هذا الوجه، ويتعامل معه، دون أن يكون للوجهين الآخرين حساب أو تقدير، فى مجال الشعور والوجدان، وإن كان لهما فى مجال

البحث والدرس حساب وتقدير عند من لهم قدرة على البحث والدرس! إن «المسيح» الذي يمثل أقنوم «الابن» فى «الله» هو وحده الذي يتعامل معه أتباع المسيح.. فهو الله المسيح! وهو الله الابن! أما «بقية» الله، أو الجوانب الأخرى من الله، فهى شىء وراء هذا الحساب، وهذا التقدير!! والشعور الذي يقوم فى كيان «المؤمن» بالله على هذا الوجه، شعور يتسلط عليه إحساس منه، بإيثار بعض «الله» على بعض، وأن الله أبعاضا.. هذا التصور، لا يمكن أن يتخلّص من الإحساس به أي مؤمن بالله المسيح، ولو حاول ذلك وأجهد نفسه فى المحاولة! فالمؤمن بالله المسيح، إنما يعنيه من الله هذا الوجه المطل عليه فى شخص المسيح، وهو أقنوم «الابن» الذي تجسد الله به فى هذا الجسد! ألم نقل إن الحلّ الذي أريد به إيجاد تسوية لألوهية «المسيح» قد أضاف إلى المشكلة مشكلات، وزاد عقدها عقدا؟ وبلى! فإن القول بأن المسيح هو «الله» .. كلّ الله.. بجميع صفاته وأقانيمه، وتعيّناته- هذا القول أقرب إلى العقل من القول بأن «المسيح» هو الله متجسدا فى أقنوم «الابن» دون الأقنومين الآخرين اللذين يقال إنهما لله، وهما الأب وروح القدس! إن القول بتجسد «الله» فى أقنوم الابن، الذي منه كان المسيح، ثم القول بأن المسيح هو الله- يجعل المسيح ذا صور ثلاث: إنسانا، وإلها وبعض إله.

وهذه الصور الثلاث تتخايل دائما- مجتمعة ومتفرقة- فى عينى من يعتقد فى ألوهية المسيح.. فكلما ذكر المرء «المسيح» وقعت فى تصوره هذه الصور الثلاث.. تجتمع، وتتفرق، ويختلط بعضها ببعض، فتتشكل منها صور وأشكال..! العقل.. والمسيح الإنسان: الوجه الإنسانى فى المسيح، هو أبرز هذه الوجوه الثلاثة، التي تتخايل منه، لمن ينظر إليه على اعتبار أنه «الله» «مصمتا» مجملا، أو الله «مفككا» مفصلا.! فالمسيح الإنسان قد رآه الناس رأى العين، وقد وصفه الواصفون وصف رؤية وعيان.. فهو حقيقة ماثلة فى عين من يؤمنون بألوهيته.. فضلا عن الذين لا يؤمنون به إلها!! وقد استجاب المؤمنون بالمسيح الإله، لهذا المعطيات التي أعطاها الشهود الحسّى لهم منه، فتمثلوه- وهو الله- حاضرا معهم فى جسده، الذي رأوه رؤية بصرية، أو خبرية.. فصوروه. وصنعوا له التماثيل، وليدا، ومصلوبا، وصاعدا إلى السماء. بعد قيامته من الأموات! إن المسيح الإنسان هو الذي يملأ قلوب المؤمنين بأنه هو الله، وإنهم- مهما جهدوا- لن يستطيعوا أن يتمثلوا الله فى حال من الأحوال، إلا فى صورة المسيح الإنسان الذي رأوه فى صوره المختلفة التي تمثلوها له، وصوروه، أو مثلوه عليها! ولهذا فقد غلبت صورة المسيح الإنسان على كلّ تصور لله، ولهذا أيضا كانت صورة «المسيح» الإنسان فى عينى، وفى قلب كل مؤمن بأنه «الله» .

ونسأل: وماذا لو استقام المسيح على وجه واحد.. فكان إنسانا لم يخالطه شىء من الألوهية، أو كان إلها لم تشبه شائبة من البشرية؟ إن أعدل صورة للإنسان هو أن يكون إنسانا فى كل شىء.. فى ظاهر أمره وباطنه جميعا. فأعضاؤه، وحواسّه، إذا خرج منها شىء عن حدود البشرية، ومألوفها.. فسد أمره، واضطرب وجوده بين الناس! وانظر كيف يكون حال إنسان له رجل واحدة بدل اثنتين، أو كان له أربع عيون بدلا من عينين، أو أن عينيه ركبتا فوق رأسه، أو أن حاسة بصره كانت أشبه بالمجهر، أو أن حاسة سمعه كانت كمكبرات الأصوات.. أترى مثل هذا الإنسان يهنؤه طعام، أو يستقيم له أمر؟ وقل مثل هذا فى كيانه الداخلى.. فى عواطفه ونوازعه، وفى أفكاره وخواطره.. إنه إن خرج فى شىء من ذلك عن حدود البشرية، فى أعلا ذراها، أو أدنى مستوياتها، تعس وشقى! إن الغراب الذي يلبس جلد الطاووس.. ليس غرابا، وليس طاووسا.. بل ليس من عالم الطير إطلاقا! والمسيح- صلوات الله وسلامه عليه- تحدّث سيرته عن إنسان كرم فى الإنسانية غرسه، وطاب ثمره، فكان غرّة فى جبينها، ودرة فى تاجها، ونجما لامعا فى سمائها، ومصباحا هاديا فى أرضها.. هيهات أن تلد الأمهات من يدانيه، نبلا، وطهرا، واستقامة وعفّة.. إلا من كان من الصفوة المتخيّرة من رسل الله وأنبيائه! فالمسيح- الإنسان- أمل من آمال الإنسانية، ومنزع من منازعها،

وحلم من أحلامها.. قد ظفرت به حقيقة واقعة، فرأت فيه الإنسان كيف يستعلى على شهواته، وكيف يقهر هواه، وكيف يبلغ به خلقه فى العالم الأرضى ما لا تبلغ الملائكة فى عالمها العلوي! وإنه لكسب عظيم للإنسانية أن يكون «المسيح» الإنسان واحدا منها، إذ به وبمن شابهه أو داناه، من الأنبياء، والحكماء، والقادة، والمصلحين- تثقل موازين الإنسانية، ويرتفع قدرها، ويستقيم خطوها، وتثبت أقدامها على طريق الحق، والخير، والسلام! وانظر كيف يكون حال الإنسانية من الجدب والعقم، فى خلقها، وفى تفكيرها، لو أن هؤلاء العباقرة، وأولئك الرءوس الشوامخ الذين تلدهم الحياة بين الحين والحين- أضيفوا إلى عالم غير عالم البشر، فكانوا من الجن، أو الملائكة، أو الآلهة.. أو أي خلق آخر مما يكبر فى صدور الناس؟ إن هذه الفتوح العظيمة التي حققتها الإنسانية على هذه الأرض، فى ميادين العلم والفنّ، وما أخرج العلم والفن من ثمرات عمرت بها الحياة، وقامت بها تلك الحضارة التي تملأ وجوه الأرض، حياة وعمرانا- هذه الفتوح العظيمة هى من صنع الإنسان، ومن وحي العباقرة والملهمين من الناس! فلو أن الإنسانية لم تلد هؤلاء العباقرة والملهمين من أبنائها، لظلت تحبو فى طفولتها، وتعيش فى هذا المستوي الطفولىّ، الذي لا يرتفع بها كثيرا عن مرتبة الحيوان! وحول الإنسانية، وفى محيطها قوى غيبية لا حدّ لقدرتها، ولا نفاد لحولها وقوتها.. كالجن والملائكة مثلا.. ومع هذا فإن الإنسان لم يفد منها شيئا، فى صراعه مع الحياة، ولا فى غزواته لكشف أسرارها!. ولقد تتعلق عيون الناس وآمالهم قرونا وأجيالا طويلة بهذه القوى الغيبية

تريد عونها ومساندتها، فى الإمساك بسفينتها المضطربة بين متلاطم الأمواج.. ولكن الذي كان يطلع على الإنسانية دائما، هو واحد من أبنائها، يستجيب لندائها، ويحقق ما اتجهت إليه أنظارها، وتفتحت له آمالها.. ولو ارتفع المسيح إلى مرتبة الألوهية، وخرج من حساب الإنسانية، لخفّ ميزان النّاس، ولحرموا هذا الخير الكثير الذي يجدونه فى تلك الكلمات المشرقة المسعدة، التي تطلع عليهم من فم إنسان، ومن قلب إنسان، ومن تفكير إنسان ... ثم لمّا نزعت بهم نازعة إلى تمثّل سيرته، واقتفاء أثره، إلا إذا حسبوه فى سجلّ الإنسانية، وعدوّه إنسانا من الناس.. أما إذا أضيف إلى الآلهة، وحسب فى عدادها، فلا يقع فى نفس إنسان أن يتشبه به، أو يحذو حذوه.. فذاك إله، وهذا إنسان.. وأين الإنسان من الإله؟ لذلك طريق ولهذا طريق!. والأمر أكثر من هذا خسارة على الإنسانية وتفويتا لما يرجى لها من خير.. لو أن «المسيح» كان هو «الله» الذي يؤمن به المؤمنون، ويتعبّد له المتعبّدون! وانظر كيف يكون هذا الحساب! إنّ «الله» الذي يؤمن به المؤمنون.. أزلىّ أبدى.! فهو هو لم يتغيّر ولم يتبدّل، ولن يتغيّر أو يتبدل، ولم يزد ولم ينقص، ولن يزيد ولن ينقص! و «المسيح» الذي ظهر فى فترة ما، لأعين الناس الذين رأوه، ليس إلا «الله» الأزلى الأبدى.. على ما يؤمن المؤمنون بألوهيته.. وظهور الله فى هذا «الجسد» لم يغيّر من ذات الله شيئا!

فالله هو الله- فى جسد المسيح، وفى غير جسد المسيح.. أو فى أي جسد آخر.. بشرى، أو غير بشرى!. وإذن فليس هنا «الله» و «المسيح» .. وإذن- أيضا- فلا ذات إلا ذات واحدة، تمثلّ الألوهية، هى: الله أو المسيح!. فالله- كما قلنا- ذات واحدة، لم ولن تتبدل أو تتغيّر، ولم ولن تزيد أو تنقص، وهذا هو ما يقول به أتباع المسيح.. كما يقول به المؤمنون بالله. فالقول بألوهية المسيح، وبأنه الله، قول لا يدخل منه على الألوهية شىء، فلا يضيف إلى ذات الله بهاء، ولا جلالا، بل إن العكس هو الصحيح، إذ نزل بقدر الله، وعفّر ذاته بتراب الأرض، وعرض وجهه للبصق والصّفع، وأقام جسده على الصليب مشدودا، تدقّ يداه وقدماه بالمسامير، ويستسقى فيسقى المرّ المذاب، ويصرخ صرخات ضارعة مستيئسة، ولا راحم، ولا مجيب! وتعالى الله عند ذلك علوّا كبيرا. إن «الله» المسيح، قد كشف فى هذه الأحوال عن إله لا حول له ولا قوة، يصارع الخطيئة التي غرسها بيده فى كيان الإنسان.. (ونعم غرسها بيده، إذ كان الشيطان هو الذي ساقه إليها، أو ساقها إليه، والشيطان من صنعة يد الله، بلا شك) ثم يحتال الله لذلك، فلا تسعفه الحيل إلا بأن يتخلّق فى رحم امرأة، ويولد منها، ويرضع من ثديها، حتى يشبّ ويكون رجلا، فيتخذ له تلاميذ وأتباعا، يدعوهم إلى ما يدعوهم إليه.. ثم ينتهى أمره إلى الموت صلبا، ليكون بهذا الموت ذبيحة، لغفران الخطيئة التي أخطأها آدم فى عصيانه أمر الله!.

أرأيت أعجب من هذا العجب! إنسان يخطىء فى حق الله، ويخرج عن طاعته.. فلا يعاقبه الله، ولا يأخذه بجريرته! ولو وقف الأمر عند هذا الحد، لكان مفهوما مقبولا.. إنسان أخطأ، ورب غفور رحيم! ولكن الذي لا يفهم، ولا يقبل، هو أن يجىء الله، لكى يغفر جريمة هذا الإنسان، فيربّى نفسه فى حجر الإنسانية، ثم إذا أصبح «حملا» صالحا للذبح، ذبح نفسه، ليكون كفارة لهذا الذنب الذي ارتكبه فى حقه عبد من عبيده! وندع هذا الحساب المغلوط، شكلا وموضوعا.. لمن يقيم خلله، إن كان فى الناس من يحسن البناء على خواء، ويقيم صرحا فى الهواء. ونسأل: أين «المسيح» الإنسان؟ أين ذلك الوجه المشرق الوضيء الذي طالع فيه الناس سمات الإنسانية، فى نبلها، وطهرها، وعفتها، ورحمتها، وحكمتها؟ أين ذلك الإنسان الذي عاش فى الناس فآنس وحشتهم، وفتح لهم طرقا مستقيمة إلى معالم الخير، والنور، والسلام؟ إنه لا وجود له فى عالم الناس..! إنه لم يكن إلا «الله» .. ولم تكن تلك الفترة التي رآه الناس فيها فى صورة إنسان- إلا حلما من تلك الأحلام المسعدة، التي يصحون بعدها على الواقع الذي يعيشون فيه! هكذا هو فى زى الإله الذي ألبسوه إياه.

إن المسيح «الله» .. لا حساب له في عالم الناس.! وإنها لخسارة فادحة محققة للإنسانية، إذ تفتقد المسيح إنسانا، حين تراه إلها.. ثم تتطلع إليه مقام الألوهية، فلا ترى له وجودا.. لأنه عاش على الأرض وصلب، ودفن فى الأرض.. وأن من كان هذا شأنه، فلن يعود إلى مقام الألوهية أبدا، على فرض أنه كان الإله، وكان الله رب العالمين.. إن مخايل الإنسانية وصفاتها، ومشخصاتها لن تفارقه بحال، ولن تزايل أنظار الناظرين إليه، والمؤمنين به على تلك الصفة.. أما الله سبحانه وتعالى، فهو الله الذي تنزّه عن التجسد والتشكل. الله وحده.. لا شريك له! الله فى عظمته وجلاله.. قبل المسيح.. وبعد المسيح! الله الذي آمن به آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وجميع أنبياء الله، ورسله، ومن استجاب لهم، وسلك سبيلهم!

6 - سورة الأنعام

6- سورة الأنعام أسماؤها: أشهر أسمائها: الأنعام، لكثرة ما ذكر فيها من لفظ «أنعام» وتسمى الحجّة، لأنها اشتملت علما كثيرا من دلائل حجة النبوة. نزولها: ملكية.. إلا ست آيات نزلت بالمدينة.. وقيل إن السورة نزلت دفعة واحدة، ما عدا هذه الآيات الست. عدد آياتها: مائة وخمس وستون آية. عدد كلماتها: ثلاثة آلاف واثنتان وخمسون كلمة. عدد حروفها: اثنا عشر ألفا ومئتان وأربعون حرفا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الآية: (1) [سورة الأنعام (6) : آية 1] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) التفسير: تفتتح هذه السورة الكريمة، بالحمد، لمستحقّ الحمد، سبحانه وتعالى، ذى القدرة والطول، الذي له ملك السموات والأرض وما فيهن وهو على كل شىء قدير، فتلك صفته- سبحانه وتعالى- التي كانت مختم السورة السابقة، والتي أضيف بها هذا الوجود كله إليه، لا شريك له فيه، ملكه بسلطانه، واستولى عليه بقدرته.. ومن كان هذا شأنه، وتلك صفته، فلا متوجّه إلا إليه، ولا حمد إلّا له. فقوله سبحانه: «الْحَمْدُ لِلَّهِ» قصر للحمد عليه وحده، وهو حمد مطلوب

من كل كائن أن يسبّح لله به، إذ هو الذي خلقه وأوجده من عدم.. والوجود بالإضافة إلى العدم نعمة تستأهل الشكر، وتستوجب الحمد.. فأى موجود- على أية صفة، وعلى أي حال- هو نفحة من نفحات الله سبحانه، وعطاء من عطائه، وصنعة من صنعته، وليس كذلك العدم، الذي هو فناء مطلق، وتيه وضياع أبدىّ.. إنه لا شىء، وشىء خير من لا شىء! إن أي موجود- على أية صفة وعلى أي حال- هو مجلى قدرة الله، وآية من آيات تلك القدرة الخالقة المبدعة المصوّرة، وإشارة دالة على وجود الخالق، إذ لا يعرف الخالق إلا بما خلق.. وفى أول ما تلقّى النبىّ الكريم من ربّه: «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ» فكانت صفة الربوبية والخلق أول ما صافح أذن النبىّ، ومسّ شغاف قلبه من صفات الحق جلّ وعلا.. فالربوبية والخلق صفتان متلازمتان ... إذ لا ربوبية إلا لمربوبين، ولا خلق بغير ربوبية، تمسك الخلق، وتحفظ عليهم وجودهم.. ومن هنا ندرك بعض السرّ فى أن كانت فاتحة الكتاب، مفتتحا لرسالة الإسلام وكتابها الكريم، وأن كانت صلاتنا- وهى عماد ديننا- وتسبيحا بالفاتحة، وأن كان الحمد مفتتح الفاتحة. وقوله سبحانه: «الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ» هو صفة الله، المحمود بما خلق من السموات والأرض، وما أبدع فى خلقه، وخالف بين مخلوقاته، فجعل الظلمات وجعل النور.. وهنا أمور يجب الوقوف عندها: فأولا: جمع السموات وإفراد الأرض.. وفى القرآن الكريم، جاءت السموات بلفظ الجمع، كما جاءت بلفظ المفرد: هكذا «السماء» .. ولم تجىء الأرض إلا بلفظ المفرد هكذا: «الأرض» .

فما سر هذا؟ ومدلول اللغة يقضى بأن الجمع أكثر من المفرد عددا.. فالجمع، أكثر من اثنين، إلى ما تنتهى إليه المعدودات من عدد.. والمفرد واحد، لا يزيد.. هذا فى الأشياء المتفقة نوعا أو جنسا.. فهل يكون ذلك فى المختلف من الأنواع والأجناس؟ وهل إذا كان الجمع أكثر عددا، هل يكون أكبر جرما وقدرا؟ والجواب: أن ذلك ليس بالحتم اللازم، فقد يكون الجمع مع كثرته عددا، أقلّ من المفرد، جرما وقدرا.. فألوف الألوف من النمل مثلا، لا تعدل الفيل جرما.. وألوف الألوف من الحصا، لا تعدل حصاة من ذهب. والسؤال الوارد هنا: هل جمع السموات وإفراد الأرض، يقضى بأن تكون السموات أكبر جرما وأعظم قدرا من الأرض؟ وللإجابة على هذا، ننظر فى القرآن الكريم، فنجد أن السموات ذكرت جمعا، فى أكثر من مائة وخمسين موضعا، كما ذكرت بلفظ المفرد فى نحو مئة وعشرين موضعا..! وأنها حين تذكر جمعا يكون فى مقابلها الأرض بلفظ المفرد.. هكذا: «السموات والأرض» .. يكاد ذلك يكون مطردا فى معظم القرآن.. مثل قوله تعالى: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ» (190: آل عمران) . وقوله سبحانه: «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ» (255: البقرة) وقوله: «وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ

وَالْأَرْضِ» (77: النحل) .. «قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» (86: المؤمنون) «لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ» (3: سبأ) وهكذا تجمع السموات، وتفرد الأرض فى كل مقام يراد فيه عرض جلال الله، وعظمة قدرته، وسعة ملكه، ليكون فى ذلك العرض ما يدعو إلى التأمل والنظر، وتوجيه البصائر والأبصار إلى ماوراء هذا الأفق المحدود الذي يعيش فيه من لا يمدون أبصارهم إلى أكثر من مواقع أقدامهم. وأما حين تذكر السماء مفردة، فتارة يكون فى مقابلها الأرض، وتارة تذكر وحدها، غير مقترنة بالأرض، وهى فى كلا الحالين لا يراد بها جرمها وبناؤها الكونى، وإنما يراد بها أنها جهة علوّ بالنسبة للأرض، وما على الأرض.. مثل قوله تعالى: «وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ» .. وقوله سبحانه: «وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ» (11: الطارق) والرجع: هو المطر، والصدع: تشقق الأرض حين يخرج منها النبات. وقوله: «وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ» (7: الذاريات) والحبك: الطرائق الحسنة بين النجوم. وقوله تعالى: «وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها» (24: الروم) وقوله سبحانه: «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ» (5: السجدة) وقوله: «اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً» (64: غافر) وقوله: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً» (22: البقرة) .

ومن هذا نرى أن التعبير القرآنى عن السموات بلفظ الجمع يرد دائما حيث يراد المقابلة بينها وبين الأرض، لا من حيث الوضع علوا وسفلا، وإنما من حيث البناء التركيبى لكل منهما، وأن السموات عوالم متعددة، والأرض بالنسبة لها أشبه بالمفرد بالنسبة لجمعه، وأنهما إن اختلفتا اسما، فقد اتفقتا صفة، بأنهما آيتان من آيات الله الدالة على علمه، وقدرته، وحكمته.. وحين ينظر الناظر إلى السماء نظرا مباشرا، غير معتمد على كشوفات العلم ومقرراته، فإنه يرى فى السماء من دلائل القدرة الإلهية والإبداع الرباني ما لا يراه فى الأرض، ولهذا كان أول مالفت إبراهيم- عليه السلام- إلى الله، ما راعه من ملكوت السموات، فى بنائها وارتفاعها، سقفا محفوظا بغير عمد، وما زينت به من كواكب.. «فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ» (76- 78: الأنعام) . هذا ما يبدو للنظر المجرد، البعيد عن معطيات العلم ومقرراته.. السماء أكبر جرما من الأرض، وأوسع مدى، وأكثر محتوى للعجائب والغرائب.. فإذا ووزنت بالأرض من تلك الجهة، فهى جمع والأرض مفرد.. هى سماوات والأرض أرض أو سماء! ثم إذا كشف العلم أن الأرض ليست إلا ذرّة سابحة فى فضاء هذا الكون العظيم، لا تعدو أن تكون قطرة من محيط- إذا كشف العلم هذا كان للمسلم العالم أن يرى «السموات» جمعا يدخل فى محتواه كل حقيقة يقررها العلم، وتبلغها مقاييسه، وتنكشف لرؤيته أو لرؤاه.. من اتساع وبسطة، وامتداد، بحيث لا يرى الأرض إلا أرضا، هى ذرة من رمال الصحارى

أو شواطىء البحار، بالإضافة إلى هذا الكون العظيم.! فالسموات بصيغة الجمع صالحة لأن يدخل فيها من أعداد السماء ما لا حصر له.. بلا قيود ولا حدود آية واحدة، جاءت فى القرآن الكريم فجمعت بين السموات والأرض بما يشعر بالمساواة بينهما، وهى قوله تعالى: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ» (12: الطلاق) . فالمثليّة هنا قد حملها المفسرون على المثلية فى العدد، وأنه كما أن هناك سبع سموات، فهناك سبع أرضين.. وقد أكثروا من القول فى هذه الأرضين، وفى اسم كل أرض، كما قالوا ذلك فى السموات السبع، واسم كل سماء.. وتحديد السموات بأنها سبع، يعنى أنها سبعة أكوان، ولا يدرى كنه هذا الكون، ولا العوالم التي يحتويها إلا الله سبحانه وتعالى، وأما ما بلغه علمنا من أكوان السموات، فلا يعدو أن يكون أفقا محدودا من آفاق هذه الأكوان، أو موجة على صدر محيطه الغمر الرحيب. وأما المثلية بين السموات والأرض فى قوله تعالى: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ» فليس من الحتم أن تكون مثلية فى العدد، كما فهمها عليه المفسرون، ولعله من الصواب أن يكون المراد هو المثلية فى الإبداع والقدرة التي تظهر فيها عظمة الصانع، وقدرته، وحكمته، وعلمه.. فليس الأمر أمر جرم عظيم، وآخر صغير.. وإنما هو ما يتجلى فى أي جرم- مهما صغر- من دقة الصنعة، وإحكام البناء، وروعة التكوين.. فليس الجبل فى ضخامة جرمه بأعظم من الذرة قدرا، ولا أظهر منها بيانا، للدلالة على قدرة الصانع، وروعة إبداعه، وسلطان علمه، وذلك فى نظر من له بصيرة نافذة، وإدراك سليم..

الفيل فى ضخامة جسمه، وقوة احتماله، ليس أبلغ من النملة فى الدلالة على قدرة الله، وعلمه، وحكمته.. بل ربما كانت النملة فى جرمها الصغير تحمل من الأجهزة العاملة، مالا يحمله الفيل فى كيانه الضخم العظيم.. وإذن فلكى تكون الأرض فى صغرها مثل السموات فى كبرها، وامتداد آفاقها، ينبغى أن يكون النظر إليها بعين المستبصر الباحث، الخبير.. فإنه حينئذ تصغر السموات، وتصبح أي رقعة من الأرض أكثر من سماء، وأكبر من سماوات.. إذ كان سلطان الإنسان على الأرض، وعمله فيها، على حين لا سلطان له على السماء، ليكشف أسرارها، ويقف على عوالمها التي لا تنتهى حدودها.. وإذن- مرة أحرى- فهذه المناظرة التي بين السموات والأرض، فى قوله تعالى: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ» هى إشارة سماوية إلى الإنسان أن يكشف مجاهل هذه الأرض التي يعيش عليها، وأن يفتش فى الكشف عن أسرارها، فإنه إن فعل لم يستصغر الكوكب الذي يعيش فيه، ولوجد فيه ما يذهل ويروع من آيات الله. وثانيا: قوله تعالى: «وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ» مع قوله تعالى فى السموات والأرض «خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ» .. فهل ثمة فرق بين الخلق والجعل؟ أم أن الخلق هو الجعل، والجعل هو الخلق؟ وأن اختلاف اللفظ مع اتفاق المعنى هو أسلوب من أساليب القرآن، تحاشيا للتكرار وثقله، كما يقول بذلك المفسرون؟ والقول بأن اختلاف اللفظ مع اتفاق المعنى، إنما داعيته هى أن ينأى القرآن به عن الرتّابة والثقل بتكرار اللفظ- هو قول إن قيل به فى أساليب

البلغاء، فلن يقبل فى نظم القرآن، الذي يعلو ببلاغته عن هذا المعيار الإنسانى.. فإذا كرر القرآن الكريم اللفظ مرة ومرة ومرات، لم ينزله ذلك قيد شعرة عن مكانه السامي من الفصاحة والبيان، وجاء التكرار كلا تكرار، فى روعة الأداء، وتجاوب النغم، وحلاوة الجرس.. وكم كرّر القرآن من ألفاظ، وحروف، فكان اجتماعها إعجازا من إعجاز القرآن، وآية من آيات رب العالمين! وسنعرص لهذا فى بحث خاص به إن شاء الله. فلا بد إذن أن يكون لهذا الاختلاف فى النظم بين «خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ» «وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ» داعية، استدعته وغاية أربد به تحقيقها. والقرآن الكريم قد فرق بين الخلق والجعل فى المعنى، كما هما مفترقان فى اللفظ.. «فالخلق» فى القرآن- فى كل موضع ورد فيه- هو الإيجاد، إيحاد غير الموجود، وإظهاره للوجود.. «خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ» .. «خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ» .. «يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ» .. «اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ» .. فالخلق، وهو الإيجاد من عدم، هو مما انفرد به الله سبحانه وتعالى، ولهذا كان من صفاته الكريمة: «الخالق» . أما «الجعل» فهو إضافة تلحق المخلوق، وتكشف عن صفته، وتبرز طبيعته.. هو توجيه الخالق للمخلوق، ليعطى وظيفته، ويحقق وجوده.. «إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها» (7: الكهف) .. «وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً. وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً. وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً» (9- 11: النبأ) .. «وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا» ، (24: السجدة) .. «وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً» (143: البقرة) .

بل إن «الجعل» يضاف إلى الإنسان، ويحسب له، أو عليه، كما يقول سبحانه وتعالى: «وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً» (19 الزخرف) ويقول سبحانه: «أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (19: التوبة) ويقول: «وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ» (النحل 57) . وننظر فى قوله تعالى: «خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ» فنجد أن السموات والأرض، قد خلقنا بيد القدرة القادرة، فكان فعل الخلق «خلق» مطلوبا لتحقيق هذا المعنى المراد هنا.. ونجد أن الظلمات والنور، وإن كانا مخلوقين لله، إلا أن الخلق غير مراد هنا، وإنما المراد وظيفة هذين المخلوقين، وأنهما الثّوبان اللذان يلبسان المخلوقات، أو يلبسان الكوكب الأرضى الذي نعيش عليه، ونشهد آثارهما فيه. وثالثا: جمع الظلمات، وإفراد النور. ماذا وراء الجمع هناك والإفراد هنا؟ إن الظلام كثيف ثقيل، والنور شفيف رقيق.. هكذا موقعهما على العين.. الظلام كأنه ظلمات بعضها فوق بعض.. إذا أقبل عليها النور أزاحها طبقة طبقة.. هذا فى واقع الحسّ.. ومن جهة أخرى، فإن الظلام وحشة وعمى وضلال، ومن هنا تتشعب طرقه، وتتعدد مسالك الهائمين فيه.. أما النور فهو أمن وهدى وحق.. وجه

واحد، وطريق واحد.. من قصد وجها غير وجهه ضل، ومن سلك طريقا غير طريقه هلك. هذا بعض ما ينكشف من قدرة الله، وعلمه وحكمته، فيما تعرضه كلمات الله: «خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ» . وقد كان جديرا بالإنسان، وقد منحه الله نظرا يبصر، وأذنا تسمع، وعقلا يعقل ويدرك، ومشاعر تتأثر وتنفعل- كان جديرا به أن يرى الخالق فى هذه الأكوان التي أبدعها، وفى هذا الوجود الذي أقامه، ولكن كثيرا من الناس يذهله اشتغاله بنفسه، وبدواعى نزعاته وأهوائه، عن أن يفتح قلبه لهذا الوجود، ولذلك فهو يعيش مغلقا على نفسه، مقوقعا فى ظلمات جهله وسفهه.. «وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ» (105: يوسف) . وكثير من الناس أيضا، يرى، ويبصر، ويعقل، ثم يركبه شيطانه، فيغمض عينه عما رأى، ويصمّ أذنه عما سمع، ويتهم عقله فيما عقل، وإذا هو ممن يمكرون بآيات الله، ويولّون وجوههم عن الله إلى آلهة اتخذوها، وأرباب صطنعوها وعبدوها.. «ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ» أي ثمّ بعد هذه الآيات البينات، يكون فى الناس من يكفر بالله، ويجعلون له أندادا، يسوّون بينهم وبينه، ويجعلونهم عدلا له وندا؟ وفى العطف بحرف «ثمّ» ما يشير إلى التهديد والوعيد لهؤلاء الذين كفروا بالله، بعد أن ملأ الله عليهم هذا الوجود بالآيات الناطقة بوجوده، الدالّة على كمال قدرته، وشمول علمه، وبسطة سلطانه.. ففى هذا العطف

الآيات: (2 - 5) [سورة الأنعام (6) : الآيات 2 إلى 5]

تعقيب على المعطوف، وهو تعقيب فيه تراخ وامتداد فى مسافات الزمان والمكان بين المعطوف والمعطوف عليه، وهذا يؤذن بالمفارقة البعيدة بين المتعاطفين اللذين كان من شأنهما التشاكل والتلاحم.. ولكن كفر الكافرين بالله يجعلهم أبعد من أن يتعاطفوا مع آيات الله، وأن ينتفعوا بها، ويهتدوا بهديها: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ.. ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ» .. ولو كان ما أعقب هذه الآيات هو التعرف على الله والإيمان به، لجاء النظم القرآنى عطفا بالفاء، على هذا النحو مثلا: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ» .. فعرفه وآمن به أصحاب الأبصار، وذوو البصائر.. من عباده.. الآيات: (2- 5) [سورة الأنعام (6) : الآيات 2 الى 5] هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (3) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (5) التفسير: الذين كفروا بربهم، وعموا عن آياته التي تملأ الوجود فى سمائه وأرضه.. عموا كذلك عن النظر فى أنفسهم، فلم يروا أنفسهم، وهم على تلك الصورة البالغة العاقلة. ماذا كانوا قبل أن يكونوا؟ ومن أي شىء كان كونهم؟. إنهم من طين

هذه الأرض التي يطئونها بأقدامهم، ويمشون عليها اختيالا، ويقومون فوقها آلهة يطاولون الله ربّ العالمين، ويحادّونه، ويأبون الولاء له، والخضوع لسلطانه.. هكذا الإنسان كما وصفه خالقه: «إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ» (34: إبراهيم) . وقوله تعالى: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ» هو إشارة إلى قدرة الله سبحانه وتعالى، وأنه خلق من هذا الطين كائنا، عاقلا، ناطقا، متصرفا، سميعا، بصيرا.. ثم هو إشارة أخرى إلى ضالة قدر الإنسان، وصغاره.. ومهانته، بالنسبة لجلال قدرة الله وكماله وعظمته.. وأن الله الذي خلق من هذا الطين المهين كائنا كريما، قادر على أن يعيد هذا الكائن إلى مكانه الذي جاء منه، وهو الطين، أو ما هو دون الطّين قذارة ومهانة! وقوله سبحانه: «ثُمَّ قَضى أَجَلًا» . قضى: أي مكث حتى وفّى الزمن المقدور له، مثل قوله تعالى: «فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ» وقوله: «أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ» . وفاعل الفعل «قضى» ضمير يعود إلى الطين. والمعنى أن الله سبحانه وتعالى بدأ خلق الإنسان من طين، وأن هذا الطين مكث زمنا، ينتقل من حال إلى حال، ومن صورة إلى صورة، حتى كان منه هذا الإنسان. وفى العطف بالحرف «ثمّ» ما يشعر بامتداد الزمن وتطاوله، فى تلك الدورة الطويلة التي انتقل بها الإنسان من عالم الطين إلى عالم البشر.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا

لِآدَمَ» فالخلق مرحلة من مراحل تطور الكائن البشرى.. خلق أولا، أي بدئ فى خلقه، ثم صوّر، أي تنقل من حال إلى حال، متصاعدا نحو الكمال، حتى إذا استكمل وجوده البشرى وصار إنسانا، كان خلقا آخر، وعالما غير العالم الذي جاء منه.. وهذا ما يدل عليه قوله سبحانه «يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ» .. فهناك خلق، أي بدء خلق، فتعديل فى هذا الخلق، أي تطور وتنقل من حال إلى حال.. حتى بلغ الصورة التي شاء الله سبحانه وتعالى الوقوف بالإنسان عندها، وإخراجه عليها. وقوله تعالى: «وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ» هو إشارة إلى الأجل الذي يعيشه الإنسان، كإنسان فى هذه الحياة.. والتقدير: وهناك أجل مسمى يقضيه الإنسان، هو مكتوب عند الله. وهذا الأجل هو المحسوب على الإنسان، إذ فيه يكون أهلا للتكليف، والحساب والجزاء.. ومن هنا أضيف هذا الأجل إلى الله سبحانه وتعالى، وحسب أنه أجل مقضىّ عند الله، فيه يعرف الإنسان ربّه، ويتعامل معه.. وفى إضافة هذا الأجل إلى الله سبحانه، إشارة إلى أن الإنسان كائن مضاف إلى الله، إضافة تكريم، اختص بها من بين كثير من الكائنات، وهذا من شأنه أن يحمل الإنسان على أن يحثّ الخطا إلى الله، وأن يدنو منه، ويتعرف إليه، ويتعامل معه.. ليكون أهلا للإضافة إلى الله.. كما يقول سبحانه: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ» . وقوله تعالى: «ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ» إشارة إلى ما فى الإنسان من ضلال وعمى عن الله، وأنه مع هذه الآيات البينات، وتلك النعم والألطاف التي يسوقها

سبحانه إلى النّاس، فإنهم يمترون فى الله، ويشكّون فى وجوده، أو فى قدرته، أو فى البعث والجزاء.. إلى غير ذلك مما هم فيه مختلفون. وقوله سبحانه: «وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ» هو استعراض لقدرة الله وعلمه، وأنه هو الإله الخالق للسموات والأرض، والمالك لهما، والمتصرف فيهما، لا يملك أحد معه شيئا، ولا لأحد معه تصريف فى هذا الوجود.. وإذ كان الله على تلك الصفة، فإنّه يعلم بعلمه كل شىء فى هذا الوجود، ظاهره وباطنه، جليّه وخفيّه.. «أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» (14: الملك) . والإنسان صنعة الله.. خلقه من طين، وتنقل به من خلق إلى خلق، حتى صار هذا الكائن البشرى، العاقل، المدرك- أفيخفى على الله من أمره شىء؟ وكيف وقد صنعه بيده، ورباه ونشّأه، وأمسك عليه حياته، وعدّ عليه أنفاسه، وأحصى نبضات قلبه؟ ألا يعلم الإنسان كل خافية من صنعة صنعها، أو مخترع اخترعه؟ فكيف بعلم الله الذي علّم الإنسان ما لم يعلم؟ وفى هذا الاستعراض لعلم الله وقدرته استدعاء للإنسان الشارد عن الله، الغافل عن ذكره، المستخفّ بشرائعه- أن يعود إلى الله، وأن يخشاه، ويتقى محارمه، حيث يرى الله كلّ ما يعمل، ويعلم ما يخفى وما يعلن.. وقوله تعالى: «وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ» هو تشنيع على الكافرين، وإعراض عنهم، حيث أعرضوا عن الله، واستخفّوا بآياته، ومكروا بها.. ولهذا لم يخاطبهم الله خطاب حضور، بل أنذرهم إنذار غيبة، لأنهم مبعدون من رحمة الله، غائبون بوجودهم عنه، مشغولون بأهوائهم وضلالاتهم عن ذكره.

الآية (6) [سورة الأنعام (6) : آية 6]

وفى قوله تعالى: «فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» - ما يكشف عن وجه هؤلاء الذين أعرضوا عن آيات الله، الله، وكفروا بها.. وأن القرآن الكريم وهو الحق من الله، والآية المشرقة من آياته، لم يلقه هؤلاء الضالون إلا بالتكذيب والإعراض والاستهزاء.. فصبرا، فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون، يوم يعرضون على الله بهذا الإثم العظيم الذي حملوه، من التكذيب لكتاب الله، والاستهزاء بآياته.. وفى قوله تعالى: «فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» جاء الفعل «يستهزئون» بدلا من الفعل الذي يطلبه النظم وهو «يكذبون» .. إذ جاء وصفهم بأنهم كذبوا، فكان مقتضى هذا الوصف أن تجىء المجازاة عن التكذيب، لا عن الاستهزاء. وهذا من القرآن الكريم آية من آيات إعجازه، إذ يحمّل بهذا النظم المعجز فعل التكذيب، معنى التكذيب والاستهزاء معا.. فهم لم يكذبوا وحسب، بل أتبعوا التكذيب سخرية واستهزاء! وهذا ما يكشف عنه قوله تعالى: «فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» . الآية (6) [سورة الأنعام (6) : آية 6] أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (6)

التفسير: القرن مائة سنة من الزمان، والمراد به هنا أهل هذا القرن، الذي ولدوا وعاشوا، وماتوا، فيه.. والمدرار: المطر الغزير المتتابع.. وهذه شواهد محسوسة ونذر قائمة بين يدى الناس، يرفعها الله سبحانه وتعالى لهم، بعد أن رفع لعقولهم ومدركاتهم كثيرا من الشواهد والنذر، فلم يبصروها ولم ينتفعوا بها.. فأين تلك الأمم التي كانت أكثر أموالا وأولادا، وأعزّ قوة وسلطانا من أهل مكة، بما ساق الله إليهم من نعم، وما مكنّ لهم فى الأرض، وما بسط لهم من سلطان عليها، فعمروها أكثر مما عمرها هؤلاء المشركون، ولكنهم حين مكروا بآيات وكفروا بنعمه، لم يكن لهم من أموالهم وأولادهم، وسلطانهم- عاصم يعصمهم من نقمة الله، فصبّ عليهم المهلكات، فأصبحوا كهشيم تذروه الرياح..؟ فأين عاد؟ وأين ثمود؟ تلك بيوتهم خاوية بما ظلموا.. يراها المشركون وهم يمرون عليها، فى غدوهم ورواحهم مع تجارتهم الغادية الرائحة بين مكة والشام.. وأين سبأ؟ وأين ما كان فيها من جنات وعيون، ونعمة كانوا فيها فاكهين؟ لقد صارت يبابا خرابا.. يرى المشركون أطلالها فى رحلتهم شتاء إلى اليمن تجارا، قد ألهتهم أموالهم وتجارتهم عن النظر فيها، وأخذ العبرة منها. لقد هلكت عاد وهلكت ثمود، وذهبت سبأ.. وخلفهم آخرون.. وسيهلك هؤلاء المشركون من أهل مكة.. وسيخلفهم غيرهم ... إنهم لن يخلّدوا بما جمعوا من مال، وما استكثروا من بنين، وما بلغوا من جاه وسلطان..

الآيات: (7 - 11) [سورة الأنعام (6) : الآيات 7 إلى 11]

إنهم سيهلكون كما هلك غيرهم، وإنهم لن يعمّروا عمر الزمان، فما هم إلا جيل من أجيال الناس، وقرن من قرون الزمان، ولن يمضى هذا القرن الذي هم فيه حتى يكونوا ترابا فى التراب، ليس معهم مما جمعوا إلا هذا الشرك الذي هم فيه.. والذي سيوردهم موارد العذاب المهين.. وفى لفظ «قرن» فى قوله تعالى: «كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ» إشارة إلى مدى عمر الإنسان فى هذه الحياة، وأنه محصور فى هذا الإطار من الزمن.. يزيد قليلا أو ينقص قليلا، بل إن ذلك هو عمر الجماعة الإنسانية كلها.. تمر بها القرون قرنا قرنا، وفى كل قرن زرع جديد، قائم على الزرع الذي تم حصاده، مما كان زرعا للقرن الماضي.. وهكذا الدنيا زرع وحصاد، وحصاد وزرع! الآيات: (7- 11) [سورة الأنعام (6) : الآيات 7 الى 11] وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ (9) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) التفسير: تعرض هذه الآيات ما كان عليه مشركو مكة من ضلال وعناد، فى لقائهم للدعوة الإسلامية، ووقوفهم منها هذا الموقف العنادىّ، الممعن فى

العناد والتحدّى.. فقد ركبوا رءوسهم، واتبعوا أهواءهم، واعتصموا بما هم فيه من شرك وضلال.. وهكذا كل من يلقى الأمور بظهره، وينظر إلى الأشياء بعين هواه، لا يرى الحقّ أبدا، حيث لا يستمع لكلمة ناصح، أو يستجيب لدعوة داع.. وهؤلاء المشركون.. لن تتغيّر حالهم أبدا، ولن يتحولوا عمّا ركبهم من شرك وضلال، ولو جاءهم النبىّ بكل آية. وقوله تعالى: «وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ» يكشف عن هذا العناد الذي انعقدت عليهم قلوب الكافرين من أهل مكة، وأنهم لن يؤمنوا أبدا، ولو نزّل عليهم كتاب من السماء، مكتوب فى قرطاس يرونه، ويلمسونه بأيديهم.. والمراد بالذين كفروا هنا، هم الذين كتب الله عليهم الشرك من مشركى مكة، الذين لم يدخلوا فى الإسلام، وماتوا على الكفر.. وهم الذين أشارت إليهم الآية الكريمة فى قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» (6: البقرة) فالخطاب فى قوله تعالى: «وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ» لا يراد به جميع المشركين من أهل مكة، الذين ووجهوا بهذا الحكم، وإنما يراد به تلك الجماعة التي ظلت سادرة فى غيها وضلالها، إلى أن ماتت على كفرها وشركها. وقوله تعالى: «وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ» هو من مقترحات هؤلاء الكافرين الذين ماتوا على كفرهم.. إنهم يأبون أن يقبلوا إنسانا بشرا يحدّثهم عن الله، ويجىء إليهم بكلماته.. وقد قالها من قبل أهل ثمود، قوم صالح عليه السلام، كما أخبر القرآن الكريم عنهم: «كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ فَقالُوا

أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ» (23- 25: القمر) وهذا الذي يلقى به المشركون النبىّ من تحدّ وعناد، باقتراحهم أن يجىء معه ملك من السماء، يزكّيه عندهم- هو من بعض ما كانوا يقترحون، مما تمليه أهواؤهم، ويدعوهم إليه ضلالهم.. وفى هذا يقول الله تعالى: «وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا» (90- 93: الإسراء) . وقد ردّ الله سبحانه وتعالى على مقترحهم هذا بقوله: «وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ» فنزول الملك يعنى أنه آية محسوسة، ظاهرة قاهرة، لا مجال للابتلاء والاختيار فيها، فمن أنكرها فهو منكر لوجوده كله، ظاهرا وباطنا، ومن كان هذا شأنه فقد استحق أن يؤخذ بجريرته، دون مهل لابتلاء أو اختبار بعد هذا.. ومن أجل ذلك، كانت المعجزات الحسيّة التي يحملها الأنبياء إلى أقوامهم، تحمل معها نذر الإهلاك لهم، إذا هم كذبوا بها، كما كان ذلك فى عصى موسى، التي كان الغرق جزاء كل من كفر بها، وكناقة صالح، التي هلك بها قومه، ثمود.. وفى قوله تعالى: «ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ» إشارة إلى أن العقاب سيقع بالمكذبين من غير مهل، لو نزل الملك من السماء، كما اقترحوا.. ثم كذبوا!

ولكن الله سبحانه وتعالى، لم يستجب لمقترحهم هذا، تكريما للنبىّ الكريم، وتحقيقا لوعده الذي وعده فى قوله: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ» (33: الأنفال) . وقوله تعالى: «وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ» أي لو جعلنا الرسول المرسل إليهم ملكا- كما يقترحون- لجعلناه فى أعينهم رجلا، أي لأنكروا وجود الملك بينهم، وتعذّر عليهم الحياة معه.. إنهم والملك طبيعتان مختلفتان، لا يقع الانسجام والاطمئنان بينهما، وإلى هذا أشار الله سبحانه وتعالى بقوله: «قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا» (95: الإسراء) . فقوله تعالى: «وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا» يشير إلى اختلاف الطبيعة البشرية والطبيعة الملكية، وأنه سبحانه وتعالى لو أراد أن يبعث إلى البشر ملكا رسولا إليهم لاقتضت حكمته أن يلبس هذا الملك صورة البشر، حتى يسكن إليه الناس، ويكون بينه وبينهم لقاء وإلف.. فالجنس لا يألف غير جنسه، ولا يسكن إلا إليه. وقوله تعالى: «وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ» أي ولو جاءهم الملك فى صورة إنسان، لما ارتفع هذا اللّبس، وهذا الشك والوسواس، ولبقى حالهم مع الملك فى صورة إنسان، هو حالهم مع الإنسان، يحمل رسالة من الله رب العالمين. فالقضية بالنسبة لهؤلاء المعاندين، هى هكذا.. يطلبون أن يكون رسول الله إليهم ملكا من ملائكة الرحمن. والملك غير ممكن أن يلقوه على صورته.. بل لا بد أن يكون على صورة إنسان..

والإنسان فى نظرهم هو الإنسان.. سواء أكان ملكا تحوّل إلى إنسان أم كان إنسانا أصلا.. وإذن فالمشكلة قائمة عندهم، والشك منعقد عليهم.. لا يؤمنون برسول إنسان، ولن يكون الرسول إلا إنسانا منهم. وقوله تعالى: «وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» هو مواساة للنبىّ الكريم، وعزاء له، مما يلقى من المشركين من عناد، وما يساق إليه منهم من ضر وأذى.. فتلك هى سبيل حملة الهدى من عباد الله.. فكم لقى رسل الله من أقوامهم من عنت وبلاء، حتى لقد قتل بعضهم، ومثّل به أشنع تمثيل.. ولكن العاقبة للحق والخير، والنصر لدعوة الحق والخير.. والويل والخذلان والخزي لأولئك الذين كذّبوا برسل الله وسخروا منهم واستهزءوا بهم.. «فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» أي أحاط بهم واشتمل عليهم استهزاؤهم وسخريتهم، فهذا الاستهزاء هو الذي أوردهم موارد الهالكين فى الدنيا، وأنزلهم منازل أصحاب النار فى الآخرة. فإن شك هؤلاء المكذبون، المستهزءون بآيات الله وبرسول الله.. إن شك هؤلاء فى المصير الذي هم صائرون إليه، فلينظروا فيما كان لأمثالهم، الذين كذبوا بآيات الله وبرسل الله، «قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ» لقد أخذهم الله بكفرهم وعنادهم، وأرسل عليهم الصواعق، وصبّ عليهم البلاء، وإذا هم فى لحظة خاطفة جثث هامدة، وأشلاء ممزقة.. وإذا هم صائرون إلى مصير يلقون فيه العذاب الأليم.. «وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» .

الآيتان: (12 - 13) [سورة الأنعام (6) : الآيات 12 إلى 13]

الآيتان: (12- 13) [سورة الأنعام (6) : الآيات 12 الى 13] قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (12) وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) التفسير: قوله تعالى: «قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» هو سؤال من الحق جلّ وعلا، على لسان نبيّه الكريم، وهو سؤال وارد على خاطر كل ذى لبّ.. فهذا الوجود بما فيه من عجائب وغرائب، لا يمر عاقل على آية من آياته، إلّا وقف عندها، ونظر فيها، واجتهد فى التعرف على أسرارها.. ثم سأل نفسه أو سألته نفسه، عن صانعها: من هو؟ وأين هو؟ وكيف هو؟ وما تزال هذه الأسئلة تلحّ عليه حتى ينسب هذا الوجود إلى صانع عظيم قدير، ليس كمثله شىء، لا يسأل عنه: بأين؟ ولا كيف؟ .. إذ هو فوق كل أين، وغير كل كيف.. وقوله تعالى: «قُلْ لِلَّهِ» هو جواب قاطع، لا جواب غيره، عن هذا السؤال، الذي مطلوب من كل عاقل أن يسأله نفسه، وأن يجيب عليه.. وسيهديه نظره وعقله إلى هذا الجواب الذي أجاب به الحق سبحانه وتعالى: «قُلْ لِلَّهِ» - فالمالك لهذا الوجود، القائم على كل موجود، هو الله رب العالمين، لا شريك له فى سلطانه. وقوله تعالى: «كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» أي الذي كتب على نفسه الرحمة، - وتلك صفة من صفات الله- هو الذي له ما فى السموات وما فى الأرض..

ومعنى كتب على نفسه الرحمة، أي أوجبها سبحانه وتعالى على نفسه، حيث اقتضتها حكمته، واستدعاها فضله.. فالملك الذي بين يدى المالك سبحانه وتعالى، هو من آثار رحمة الله.. تلك الرحمة العامة الشاملة التي تمسّ كل مخلوق، وتنال البرّ والفاجر، والمؤمن والكافر.. ولولا هذه الرحمة لما تنفس الكافر نفسا فى هذه الحياة، ولما أمهل فى محادّته لله، وعدوانه على رسله، ولكن رحمة الله التي وسعت كل شىء، لم يحرم الكافر نصيبه منها، فأفسح الله له فى الحياة، ليرجع إليه، ويصلح من أمره ما أفسده. فإذا مضى الكافر على كفره، ثم أخذ بذنبه، كان من رحمة الله أن يؤدب وأن يعاقب، ففى هذا العقاب إصلاح لنفسه التي فسدت، وصقل لمعدنه الذي أكله الصدأ! وقوله تعالى: «لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ» فى توكيد الفعل «ليجمعنكم» بالقسم وبنون التوكيد، إشارة إلى أن البعث أمر كتبه الله سبحانه وتعالى على نفسه، كما كتب الرحمة، وأن البعث هو رحمة من رحمة الله، إذ هو إعادة الحياة التي ذهب بها الموت، والحياة نعمة من نعم الله، ورحمة من رحمته.. إنها نعمة تستوجب الشكر، والحمد لله رب العالمين: «كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ، وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» (28: البقرة) . وفى تعدية الفعل «ليجمعنكم» بحرف الجرّ «إلى» إشارة إلى أن الجمع هو استدعاء من جهات شتى، ودعوة قاهرة إلى مكان معلوم، تصبّ فيه وفود المدعوين، وتجتمع إليه.. فمعنى الجمع، هو السّوق، أي ليسوقنكم إلى يوم القيامة، إذ كان يوم القيامة هو موعد اللقاء الذي يلتقى عنده الموتى، المبعوثون

من القبور.. «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ» (51: يس) . وقوله تعالى: «الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» أي أن الفساد الذي اشتملت عليه نفوس أهل الضلال، هو الذي حجبهم عن الإيمان، وصار بهم إلى طريق الكفر والضلال.. وهذا يعنى أن فى الكافرين- قبل كفرهم- نفوسا مهيأة لهذا الكفر، مستعدة له، لما فيها من فساد، وهذا الفساد من شأنه أن يرفض الطيّب، ويقبل الخبيث الفاسد، الذي يلائمه، ويتفاعل معه.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً» (10: البقرة) . وقوله تعالى: «وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ» فهذه قلوب لا تقبل خيرا، ولا تمسك به، ولهذا ختم الله عليها، فلم يسمعها كلماته، ولو أنها سمعت كلمات الله ما قبلتها ولا استجابت لها. وقوله تعالى: «وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» هو استكمال للجواب الذي أجيب به على قوله تعالى: «قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» فكأنه قيل: قل لله ما فى السموات وما فى الأرض، وله كذلك ما سكن فى اللّيل والنهار، أي ما اشتمل عليه الليل والنهار من موجودات.. فكل ما طلع عليه النهار، واستولى عليه سلطان الضوء، وكل ما غشيه الليل، واستولى عليه سلطان الظلام، هو فى ملك الله، وتحت سلطان علمه وسمعه.

الآيات: (14 - 16) [سورة الأنعام (6) : الآيات 14 إلى 16]

الآيات: (14- 16) [سورة الأنعام (6) : الآيات 14 الى 16] قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) التفسير: الولىّ: السيد، والمعين.. فاطر السموات والأرض: أي خالقهما ابتداء. وقوله تعالى: «قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا» استفهام إنكارى، وكأنه ينكر على نفسه أن تدعوه إلى أن يتخذ من دون الله وليّا ومعينا، أو ينكر على غيره أن يدعوه إلى تلك الدعوة المنكرة.. والمعنى: إنى لا أتخذ وليّا ومعتمدا أعتمد عليه، وأستعين به، غير الله، ذى الحول والطول، وذى القدرة التي لا يعجزها شى.. تلك القدرة التي كان من صنعتها هذا الوجود كلّه، فى سماواته وأرضه، أوجدهما- سبحانه- ابتداء على غير مثال «فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» . وهذا الاستفهام الإنكارىّ، أقوى قوة، فى إظهار الولاء الخالص لله، والثبات عليه- من الخبر التقريرىّ بالولاء، إذ فيه إنكار لموالاة غير الله أولا، ثم إقبال على موالاته سبحانه، ثانيا، وفى هذه العملية إثارة للعقل وتحريك للوجدان، ومواجهة لمن يدعوهم الدّاعون أن يتخذوا أولياء من دون الله.. حتى إذا أنكرهم العقل ولفظهم الشعور، أقبل المرء على الله، وقد صفّى حسابه مع هذه الضلالات القائمة على طريقه إلى الله، فيلقى ربّه بكيانه كله، ويلقى إليه بولائه خالصا.. وقوله تعالى: «وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ» أي فالله المستحقّ لأن يتخذه الناس وليّا، ومعتمدا، هو الذي فطر السموات والأرض، وهو الذي يقوت

المخلوقات ويطعمها، ويمدّها بما يحفظ وجودها، دون أن يكون لهذا مقابل.. وإنما هو فضل وكرم من ربّ العالمين، المستغنى عن كلّ عون، الغنىّ عن كل مخلوق.. وكيف لمن كان مصدر العطاء أن يكون محتاجا إلى عطاء؟ وكيف لمن يستمدّ منه العون أن يكون محتاجا إلى معين؟ تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا. وقوله سبحانه: «قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ» هذا ما أمر به النبىّ من ربّه، وهو أن يكون أول من أسلم وجهه لله، وأول من ألقى بنفسه بين يديه، ووالاه.. إذ كان صلى الله عليه وسلم- هو مفتتح دعوة الإسلام، وحامل رسالتها إلى المسلمين، فكان أول من آمن بها، واستقام على هديها.. وذلك بعد أن استدلّ على خالقه بتفكيره فى خلقه، وأنكر أن يتحذ وليّا من دونه، وهو الذي فطر السموات والأرض.. وهو الذي يطعم ولا يطعم، فإذا جاءت دعوة الله تعالى إليه صادفت تلك الدعوة قلبا مستقبلا لها.. والأمر هنا، هو الدعوة إلى الإيمان بالله، من الله، وإلى نبى الله، وليس فى هذا الأمر إلزام ولا قهر، ولكن النبىّ الكريم فى استجابته لربّه، وفى مبادرته إلى الاستجابة، واحتفائه بها، وشدّ نفسه إليها، وعقد قلبه عليها كل أولئك قد جعل الدّعوة الإلهية أمرا يتلقّاه النبىّ بكيانه كله، ويعطيه كل ما قدر عليه من قوة وعزم. وقوله تعالى: «وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» هو عطف على الأمر المفهوم من قوله تعالى: «أُمِرْتُ» أي أن الله سبحانه وتعالى أمرنى بأن أكون أول من أسلم، فقال لى: كن أول من أسلم، ونهانى عن أن أشرك به فقال لى: ولا تكوننّ من المشركين.. وقوله تعالى: «قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ»

الآيات: (17 - 19) [سورة الأنعام (6) : الآيات 17 إلى 19]

هو بيان لبعض دواعى الإيمان بالله فى نفس النبىّ، وفى نفس كل مؤمن بالله، وهو أن الخوف من عذاب الله يوم القيامة، وطلب النجاة من هول هذا اليوم، هو داع صارخ يدعو الإنسان إلى أن يهرب من هذا البلاء، إلى الإيمان بالله، واستجابة دعوته التي يدعو بها عباد الله.. فمن أبى، وعصى أن يستجيب لله ويؤمن بالله، فهذا يوم الحساب أمامه، والنار مثواه. وقوله سبحانه: «مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ» أي أن من ينجو من عذاب هذا اليوم، ويسلم من الوقوع تحت وطأته- فهذا من فضل الله عليه، ورحمته به، وذلك بتوفيقه إلى الإيمان بالله، والولاء له، والامتثال لأمره.. «وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ» إذ لا فوز بعد هذا الفوز، ولا ربح أعظم من هذا الربح.. حيث خلص الإنسان بنفسه من العذاب، ثم لم يقف به الأمر عند هذا الحدّ من الفوز والفلاح، بل أخذ بيده بعد هذا إلى جنات النعيم، وإذا هو فيمن رضى الله عنهم، وأفاض عليهم الجزيل من عطاياه ومننه.. «وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ» .! الآيات: (17- 19) [سورة الأنعام (6) : الآيات 17 الى 19] وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)

التفسير: المسّ: لمس الشيء برفق.. وقوله تعالى «وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» عرض لقدرة الله سبحانه وتعالى، وأنه سبحانه هو الذي بيده النفع والضرّ، وأن أقسى ما يصيب الإنسان من ضرّ هو لمسة خفيفة، محفوفة برحمة الله ولطفه، ولولا ذلك لما احتملها بشر.. وكذلك ما ينال الإنسان من خير، هو قطرة من فضل الله، محفوفة بحكمته وتقديره، ولولا ذلك لفاضت فملأت على الإنسان دنياه، ولما وجد لنفسه متنفّسا فيها.. فإذا مسّ الإنسان ضرّ فهو من الله سبحانه، ولا يرجى لكشف هذا الضرّ غيره.. لأنه مما قضى به، ولا رادّ لقضائه الذي قضاه، إلا ما كان من لطفه ورحمته اللذين يحفّان بقضائه، فيمضى على ما قضاه، ولكن تقوم إلى جانب ذلك فى كيان الإنسان مشاعر تستقبل هذا القضاء برضى، وتحتمله فى صبر، حتى يأذن الله برفع هذا الضرّ، وكشفه.. وهذا هو بعض اللطف فى القضاء. وإذا مسّ الإنسان خير، فهو كذلك مما قضى الله به، وأراده، ويسرّ الإنسان له.. وفى تقديم الشر على الخير هنا ما يملأ مشاعر الإنسان خوفا من الله، وتعلقا به، واتجاها إليه، فإن الإنسان فى الخير كثيرا ما يذهل عن الله، ويغفل عن ذكره.. ولكنه فى حال الشدّة والضرّ يذكر الله ويهتف به، ويمدّ يده إليه كما يقول سبحانه: «وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ» (8: الزمر) . وكما يقول: «وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً» (83: الإسراء) .. فما أقلّ أولئك الذين يجدون فى

نعم الله طريقا يصلهم إلى الله، ويقرّبهم منه، ويقيمهم على الشكر والحمد، والله سبحانه وتعالى يقول: «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ» (13: سبأ) أما فى البلاء، وأما فى الشدة، فإن الناس جميعا، مؤمنهم وكافرهم، يذكرون الله، ويهتفون به، حتى فرعون، فإنه حين أدركه الغرق، قال آمنت! .. وهكذا الناس.. تدنيهم الشدائد من الله، وتقربهم منه.. وإنها لنعمة تلك الشدائد، التي توجّه الإنسان إلى الله، لو أنه استقام على طريقه إلى الله، ولم يكن من الخائنين لنفسه، الذين يمكرون بآيات الله.. قوله تعالى: «وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ» أي أنه ذو السلطان القائم فوق عباده، يملكهم ولا يملكونه، ويقضى عليهم ولا يقضون عليه، ويعطى ويمنع، ويعزّ ويذل: «قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (26: آل عمران) . وليس سلطان الله سبحانه، القائم فوق عباده، الآخذ على جوارحهم ومشاعرهم ومدركاتهم- ليس بالسلطان المستبدّ الجهول، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا.. وإنما هو سلطان قائم بالعدل، والحكمة، والعلم والقدرة، وما كان كذلك، فهو سلطان الرحمة والإحسان.. وفى قوله تعالى: «وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ» إشارة إلى هذا السلطان القاهر الغالب، وأنه بيد حكيم خبير، يضع كل شىء موضعه، بحكمة الحكيم، وخبرة الخبير، فيأخذ مكانه الذي هو له، فى أحسن وضع، وأكمل صورة، فى ملك الله: «الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ.. الْبَصَرَ.. هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ؟» (3: الملك) .

وقوله تعالى: «قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً» هو استدعاء لهؤلاء المكابرين المعاندين، الذين ينظرون إلى هذا الوجود على أنه لهم وحدهم، وأن كل ما فيه تبع لأهوائهم: «وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ» (71: المؤمنون) .. فإذا سمع هؤلاء المكابرون هذا النّداء، وقيل لهم: «أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً» عندكم، تأخذون بشهادتهم عليكم، فى الحكم بينى وبينكم فيما أدعوكم إليه، من الإيمان بالله، وأنى رسول الله إليكم، أحمل إليكم كلمته، وأوجه وجوهكم وقلوبكم إليه؟ ما الشاهد الذي تكبرون شهادته، وتنزلون على ما يشهد به؟ ولا يمهلهم الله أن يجيبوا، لأنهم لا يجيبون إلّا ضلالا، ولا يقولون إلا زورا وبهتانا، بل يلقاهم بالشاهد الذي إن لم يقبلوا شهادته اختيارا قبلوها قسرا واضطرارا، لأنه الشاهد الذي يحكم ولا معقب لحكمه، والقاضي الذي يقضى ولا راد لقضائه.. إنه هو الله ربّ العالمين. «قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ» . هذا هو الشاهد، والحكم بينى وبينكم، فردّوا عليه شهادته إن استطعتم! وقوله تعالى: «وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ» تلك هى القضية التي بينى وبينكم، وقد أدليت بشهادتى فيها، بين يدى أحكم الحاكمين.. «وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ» من ربّ العالمين «لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ» وأحذركم من عذاب يوم عظيم، إن أنتم لم تصدقوا برسالتى، ولم تؤمنوا بما بين يدىّ مما أوحى إلىّ، ولست رسولا إليكم وحدكم، بل إن رسالتى إليكم وإلى كل من تبلغه، وتصل إليه بلساني، أو بلسان من يدعو بها، فهى رسالة عامة للناس جميعا، فمن بلغته ولم يؤمن بها، فقد حقّ عليه ما حقّ على الكافرين منكم «لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ» وفى عطف قوله تعالى: «وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ» على قوله تعالى: «اللَّهُ

شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ» تفويت على أولئك المكابرين المعاندين أن يجدوا فسحة من الوقت يردّون بها الشاهد الذي أشهده الرسول عليهم، وإلغاء لكل شاهد يقيمونه فى هذا الموقف غير الله سبحانه وتعالى، وقطع للجاجهم وعنادهم، وإمساك بآذانهم أن تنحرف عن هذا الموقف الذي هم فيه. وقوله تعالى: «أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى» هو تقرير لهم من الرسول، وهم فى هذا الموقف، بعد أن أوقفهم بين يدى الله، وأشهده عليهم.. ومع هذا، فإن العناد لا يزال مستوليا عليهم، وإن اللجاج لا يزال يضرب بأمواجه فوقهم.. ولهذا، فإن الرسول الكريم، لا ينتظر جوابهم، إذ كان جوابا منحرفا عن الحق، بعيدا عن الهدى.. فليتركهم وشأنهم، وبين أيديهم دعوة الحق، وأمامهم طريق الهدى، فإن أطاعوا فقد اهتدوا، وإن تولّوا فإنما هم فى ضلال وخسران.. أما الرسول الكريم، فعلى الطريق الذي أقامه الله عليه.. «قُلْ لا أَشْهَدُ» أن مع الله آلهة أخرى. «قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ» . وفى قوله تعالى: «قُلْ» تثبيت للنبى من ربّه، ووضع للكلمة التي ينبغى أن يقولها، على لسانه وفى قلبه.. يتلقاها من الله، فتلتقى مع الكلمة التي يريد أن يقولها، فإذا هى نور فى قلبه، وقوة فى عزمه، وطمأنينة فى صدره، ولطف عظم من ألطاف ربه.. وفى تكرار «قل» مع كل قول من الله تعالى لهم، كمال عناية، وتمام رعاية من الله سبحانه «للنبى» حيث يجد مع كل نفس يتنفّسه، وحي السماء يقول له: قل.. قل.. قل.. وبهذا يشتدّ عزمه، وتثبت فى لقاء الكافرين قدمه.

الآيتان: (20 - 21) [سورة الأنعام (6) : الآيات 20 إلى 21]

الآيتان: (20- 21) [سورة الأنعام (6) : الآيات 20 الى 21] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) التفسير: قوله تعالى: «الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ» هو استدعاء لأهل الكتاب، من اليهود والنصارى، لأخذ شهادتهم فى هذا الكتاب الذي بين يدىّ النبىّ، والذي يواجه به المشركين من العرب، فيلقونه بالتكذيب والاستهزاء.. وأهل الكتاب هؤلاء يعرفون صدق الرسول، وصدق ما جاء به، معرفة محققة مستيقنة، كما يعرفون أبناءهم، حيث لا تختلط على أحدهم وجوه أبنائه بغيرهم.. ولو أنهم كانوا مؤمنين بالله، وبالكتاب الذي معهم، لآمنوا بمحمد وبالكتاب الذي معه، ولكنهم كتموا شهادة الحقّ.. بغيا وحسدا.. فخرسوا، ولم ينطقوا، أو نطقوا كذبا وبهتانا.. إنهم «الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» بالرسول وبما معه من كلمات الله، ولا يؤمنون بكتابهم الذي فى أيديهم، وذلك خسران بعد خسران، وضلال فوق ضلال. وقوله سبحانه: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ» ، هو تهديد ووعيد للكافرين من أهل الكتاب هؤلاء، الذين افتروا على الله الكذب، فحرّفوا كلماته، وبدّلوا آياته، وقالوا فى محمد وفى كتابه، غير ما عرفوه من كتاب الله عندهم، فإن لم يكن منهم فى هذا تحريف ولا تبديل، فقد كان منهم تكذيب لآيات الله، بتأويلها تأويلا فاسدا، وحملها على مفاهيم منكرة، تحجب وجه الحق فيما فى كتابهم من دلائل تدلّ على النبىّ، وتحدد صفته، وصفة رسالته. وقوله تعالى: «إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ» حكم على أهل الكتاب، الذين ظلموا الحقّ، وظلموا أنفسهم، فضلوا وأضلوا.. وذلك هو الخسران المبين.

الآيات: (22 - 24) [سورة الأنعام (6) : الآيات 22 إلى 24]

الآيات: (22- 24) [سورة الأنعام (6) : الآيات 22 الى 24] وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (24) التفسير: ومن هذا الموقف الذي دعى إليه المشركون وأهل الكتاب إلى مواجهة الرسول الكريم، وأخذ شهادتهم فيه، وفى الكتاب الذي بين يديه- من هذا الموقف ينتقل هؤلاء جميعا انتقالا سريعا إلى موقف آخر، هو موقف الحشر يوم القيامة.. وإذا هم يلقون الجزاء الذي يستحقونه، لكفرهم بالله، وتكذيبهم لرسول الله. «وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ» ؟ ويتلفت القوم إلى هؤلاء الشركاء الذين يسألهم الحقّ جلّ وعلا عنهم، فلا يجدون لهم أثرا، ويخيّل إليهم من ضلالهم أن جسم الجريمة قد اختفى، وأنهم لن يؤخذوا بهذا الجرم الذي لا يقوم شاهد على وجوده.. فيقولون كذبا، وبهتانا: «وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ» .. يقسمون بالله ويؤمنون به، ويدعونه ربّهم، إمعانا فى الكذب، وتعلقا بالوهم، للفرار من هذا الموقف الرهيب! وفى قوله تعالى: «ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ» إشارة إلى أن هذا القول الذي قالوه هو فتنة أخرى، إذ ما زالوا على ضلالهم القديم، وتصورهم الفاسد، وأنه تعالى لا يعلم ما قدّموا وما أخّروا، وما أسرّوا وما أعلنوا.. فسمّى سبحانه وتعالى هذا القول منهم فتنة.. ولم يقل سبحانه: ثم لم يكن قولهم، أو جوابهم.. إذ كان قولهم هذا، هو فتنة لهم وضلال مبين.

الآيات: (25 - 26) [سورة الأنعام (6) : الآيات 25 إلى 26]

وفى قوله تعالى: «انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ» تشنيع عليهم، وفضح لسوء معتقدهم فى الله، ودعوة للناس أن يروهم وهم متلبسون بهذا الضلال المبين.. وإنهم إذ قالوا هذا القول المفضوح، قد كذبوا على أنفسهم، وغذّوها بالخداع والضلال، أما الحقيقة فهى قائمة عليهم، ممسكة بهم، «يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ» (4: البقرة) . وقوله تعالى: «وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ» إشارة إلى أن ما كانوا يعبدونهم من دون الله، قد أخلوا أيديهم منهم، وتبرءوا من الصلة التي أقامها هؤلاء المشركون معهم. «وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ» قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ» (40- 41 سبأ) ... «إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ» (166: البقرة) . الآيات: (25- 26) [سورة الأنعام (6) : الآيات 25 الى 26] وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (26) التفسير: ومن هذا الموقف الذي سيقوا فيه إلى يوم القيامة، وإلى الحساب والمساءلة، وقطع الحجة عليهم- من هذا الموقف ردّوا إلى موقفهم الأول، حين كانوا فى مواجهة النبىّ، وفى عنادهم له، وتصدّيهم لدعوته..

وكان الجدير بهم- لو عقلوا- أن تتأثر وجداناتهم بهذه الإثارات التي تتغيّر بها معالم الوجود فى أعينهم، حين ينقلون من الدنيا إلى الآخرة، ثم يردّون من الآخرة إلى الدنيا.. ولكنهم ظلوا على حال واحدة، حتى لكأنهم أحجار لا تحسّ ولا تعقل. وفى قوله تعالى: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ» استحضار لهؤلاء المشركين الضالين من موقف الحشر، الذي نقلتهم إليه الآيات القرآنية السابقة نقلا قاهرا، وأحضرتهم مشاهد المحاكمة والمساءلة- إلى ما كانوا فيه من مواجهة النبىّ، وتحدّيه، وتكذيبه، والاستهزاء به.. فمن هؤلاء المشركين الضالين من يستمع إلى النبىّ، وما يرتّل من كلمات الله، ولكنه استماع لا يحدث فيهم أثرا.. فلا تنفذ كلمات الله إلى آذانهم، ولا تبلغ مواطن الإحساس من قلوبهم، فقد أصمّ الله آذانهم، وأعمى قلوبهم.. «إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً» . (57: الكهف) والأكنّة جمع كنان، مثل قناع وأقنعة، وزنا ومعنى، أي أنه ضرب على قلوبهم حجاز يقطع ما بينها وبين موارد العالم الخارجي، فلا تحسّ شيئا، ولا تنفعل لشىء. والوقر: الصمم يصيب حاسة السّمع. فقد ختم الله على قلوب هؤلاء القوم، وعلى سمعهم، فلا يسمعون خيرا، ولا يعقلونه، فهم- والحال كذلك- لن يهتدوا أبدا، «وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها» .. «وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ» (41: المائدة) . وختم الله على القلوب، هو تركها على ما هى عليه من ضلال وعمى.. دون أن يمدّها بأمداد لطفه، وعونه، إذ كانت هى لا تستجيب لخير، ولا تتقبل هدى: «وَلَوْ عَلِمَ

اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ» (23: الأنفال) . وقوله تعالى: «حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ» يكشف عن طبيعة هؤلاء القوم. وأنهم لا يتحركون إلا إلى الشرّ، ولا يعملون إلا لما هو شرّ.. فهم إذا جاءوا إلى النبىّ، لم يجيئوا لطلب حق، أو تعرّف على خير، وإنما هم يجيئون للمجادلة، والسّفاهة، والاستهزاء.. إن الحال التي تتلبس بهم، وتستولى عليهم، وهم يسعون إلى لقاء النبي، والاستماع إليه- هى المجادلة، والمماحكة، ولا شىء غير هذا.. وقوله تعالى: «يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» هو بيان لما تكشفت عنه حالهم، وانتهى إليه أمرهم، من هذا الموقف الذي جاءوا فيه إلى النبي، مستمعين مجادلين، لا طلاب علم واستفادة.. والأساطير جمع أسطورة، وهى ما كان من واردات الخيالات والأوهام، وملفقات الأحاديث.. فهذا هو حكمهم على ما استمعوا إليه من كلام الله: «إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» وتلك هى أسلحة المكابرين المعاندين فى معركتهم الخاسرة مع الحق.. فحين تسقط من أيديهم كل حجة، يلقون بهذه الترهات وتلك الأباطيل، لتكون وقاية لهم مما لبسهم من خزى وما لحقهم من هزيمة.. وفى وصفهم بالكفر، هكذا: «يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا» بدلا من أن يقال: «يقولون» هو حكم عليهم بالكفر، وإدانة لهم به، إذ قالوا عن القرآن الكريم: «إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» . وقوله سبحانه: «وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ» .. الضمير فى «عنه» يعود إلى القرآن الكريم، الملحوظ فى قوله تعالى: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ» . وجناية هؤلاء المشركين هنا جناية غليظة، وجرمهم فظيع شنيع.. إذ لم

الآيات: (27 - 29) [سورة الأنعام (6) : الآيات 27 إلى 29]

يكتفوا بأن يكفروا بالقرآن، ويقولوا فيه ما يقولون، من زور وبهتان، وإنما وقفوا فى وجه من يطلبون الهدى منه، وحالوا بينهم وبين النبىّ أن يلقوه وأن يسمعوا كلمات الله منه.. وفدّم نهيهم الناس وصدّهم عن لقاء النبىّ والاستماع إليه، على نأيهم هم بأنفسهم عنه، وعزل عقولهم وقلوبهم عن لقائه، وهم إنما صدّوا أولا وكفروا، ثم كانت فعلتهم بعد هذا هى نهى غيرهم، وضمهم إلى جانبهم- ولكن لما كان صدّهم الناس عن رسول الله أمرا واقعا، وحكما قاطعا، ولم يكن أمرا مستحدثا منهم، وإنما الذي استحدثوه بعد أن أخذوا هذا الموقف لأنفسهم، هو أنهم جاءوا إلى غيرهم ليأخذوا معهم هذا الموقف الذي هم فيه- فكان من الحكمة فى لقاء المجرمين بجرمهم، أن يواجهوا أولا بما أحدثوا من جرم وهو صدّ الناس، ثم يساق إليهم بعد ذلك ما كان لهم من سابقة فى هذا الباب، وهو صدّ أنفسهم. وقوله تعالى: «وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ» كشف للمصير السيّء الذي صيّرهم إليه هذا الموقف الذي ارتضوه لأنفسهم، من الصدود عن دعوة الإسلام، وصدّ الناس عنها.. إنهم أهلكوا بذلك أنفسهم، وأوردوها موارد البوار والخسران، وإن كانوا لا يشعرون أنهم إلى هذا المصير هم صائرون، لما استولى عليهم من غفلة، وما غشيهم من ضلال. وإن فى قوله تعالى: «وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ» نافية، بمعنى ما. الآيات: (27- 29) [سورة الأنعام (6) : الآيات 27 الى 29] وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (28) وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29)

التفسير: قوله تعالى: «وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» . هو ردّة أخرى لهؤلاء المكذبين الضالين، إلى موقف الحساب والجزاء فى الآخرة.. وفى كل مرّة يواجهون فى الآخرة، التي حشروا إليها حشرا وهم أحياء فى ديارهم وبين أهليهم- يواجهون مرحلة من مراحل الحساب فى هذا اليوم العظيم.. ففى المرّة الأولى ووجهوا بشركهم: «وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ» .. ففى هذه المواجهة كشف لهم عن التهمة، وعن تلبّسهم بها، دون أن يستمعوا إلى الحكم وإلى العقوبة التي يؤخذون بها.. ثم ردّوا إلى الدنيا مرّة أخرى، ليواجهوا النبىّ من جديد بكفرهم وعنادهم وليصلوا ما انقطع، بهذه الرحلة التي حشروا فيها للحساب والمساءلة، وليلقوا النبي بما كانوا يلقونه به من تكذيب واستهزاء.. ثم هؤلاء هم يردّون مرة ثانية إلى موقف الحساب يوم القيامة، ولكن لا ليحاسبوا من جديد، فقد حوسبوا من قبل، وأسقط فى أيديهم، وقامت الحجة عليهم، وإنما ليستمعوا إلى الحكم فى جنايتهم التي جنوها على أنفسهم.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ» .. فهاهم أولاء على حفير جهنم، يساقون إليها سوقا عنيفا.. ولكنهم ما إن يعاينوا هذا البلاء الذي يفتح فاه ليبتلعهم، حتى يضطربوا ويفزعوا. ويقولون: «يا لَيْتَنا نُرَدُّ» ؟ وأنّى لهم أن يردّوا؟ ثم ماذا تنفعهم الرّدّة إلى الحياة مرة أخرى؟ ألم يكن فيما عرض الله عليهم من موقف الحساب والجزاء، وهم فى دنياهم التي كانوا

فيها- ألم يكن فى هذا تجربة لهم، لو أنهم أحسنوا النظر إليها، وانتفعوا بمعطياتها؟ إنهم لن يرجعوا أبدا عما هم فيه من ضلال.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى فى الآية الواردة بعد هذا فى قوله سبحانه: «وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» . وفى قوله تعالى: «يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا» ما يسأل عنه.. وهو: ما وجه النصب للفعل «ولا نكذب» مع عطفه على الفعل المرفوع قبله: «يا لَيْتَنا نُرَدُّ» ؟ القراءة المشهورة: «ولا نكذب بالنصب» وقد قرئ «ولا نكذب» بالرفع عطفا على «نردّ» . ووجه النصب أن «ليت» تفيد التمني، بمعنى نتمنى أن نردّ، ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين.. فسلّطت على الفعل «نردّ» باعتبار، لفظها، ثم سلطت على الفعل «نكذب» باعتبار معناها! وقوله تعالى: «بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ» هو إضراب على أمانيّهم التي تمنوها، وتيئيس لهم منها، لأنها أمان لم تجىء إلا عن خوف وهلع من هذا الموقف الذي هم فيه، حين انكشف لهم ما كانوا يخفون من شرك بالله، وما يجرّهم إليه هذا الشرك من مصير مشئوم، وعذاب أليم.. وقوله تعالى: «وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» هو فضح لكلماتهم الكاذبة، التي أجراها على ألسنتهم سوء الموقف، ولفح السعير!! وقوله تعالى: «وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ» . هكذا كان دينهم فى الحياة الدنيا، دين يقطع أصحابه عن النظر فيما وراء هذه الحياة الدنيا التي استغواهم فيها الغىّ، وركبهم الضلال، فأضافوا وجودهم كله

الآيات: (30 - 32) [سورة الأنعام (6) : الآيات 30 إلى 32]

إلى هذه الأيام التي يعيشونها من مولدهم إلى موتهم.. ومن هنا أخذوا كل ما قدروا على أخذه فى الحياة، بحق أو باطل، وأغرقوا أنفسهم فيما وقع لأيديهم من مطعوم أو مشروب، حلالا كان أو حراما.. إنهم أشبه بالجنود ليلة الحرب.. يقضونها ليلة صاخبة معربدة، ينفقون فيها كل درهم معهم، ثم يغدون إلى الحرب مفلسين، إذ لا ينتظرون حياة بعد يومهم هذا! الآيات: (30- 32) [سورة الأنعام (6) : الآيات 30 الى 32] وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (31) وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (32) التفسير: وهذا مشهد آخر من مشاهد القيامة، يساق إليه المشركون، وهم أحياء فى دنياهم التي آمنوا بها وأنكروا ما وراءها.. من بعث، وحساب وجزاء.. وهم فى هذا المشهد يتقلّبون فى النار، التي حكم عليهم بها، فى المشهد السابق، حيث قال تعالى: «وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ ... الآية» وحيث كان لهم قبل مشهد الحكم مشهد آخر، هو مشهد المحاكمة، فى قوله تعالى: «وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ» .

فهم وقد انتهى بهم المطاف إلى النار، يصلون سعيرها، ويذوقون عذابها- لن يتركوا هكذا وما هم فيه من بلاء، بل يسألون سؤال تأنيب، وتعذيب: «أليس هذا بالحق؟» أي أليس هذا اليوم وما تلقون فيه، قد جاءكم بالحق الذي كنتم تكذبون به؟ وفى حسرة قاتلة، وفى أنفاس لاهثة مبهورة، وفى كلمات حزينة متقطعة دامية، تتحرك شفاههم بها فى إعياء وتثاقل- يجىء منهم هذا الصوت الخفيض فى أنين ذليل: «بلى وربنا» .. هذا هو جوابهم، وهذا هو ما استطاعوا أن يحركوا شفاههم به.. كلمتان من أخف الكلمات، وأقلها حروفا، ولو استطاعوا النطق لأكثروا من القول والاعتذار فى هذا المقام، ولو جدوها فرصة فى إظهار النّدم، والاستعطاف! ولكن أنّى لهم ذلك وهم فى هذا البلاء العظيم؟ «بلى وربنا» هكذا جوابهم.. نبرتان هامستان، يخطفانهما من كيانهم خطفا، ثم يعودون إلى أنفسهم فى لهفة، حتى لكأنهم يحاولون إطفاء النار المشتملة عليهم..! ولكنهم ما يكادون ينصرفون إلى أنفسهم، يعالجون الهمّ الذي هم فيه، حتى يقرعهم صوت الحق: «فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» ، وإذا النار تشتد سعيرا، وتعلوا لهيبا، لتذيقهم العذاب الذي آذنها به الله سبحانه وتعالى أن تذيقهم إياه!! وفى قوله تعالى: «وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ» هو مقابل لقوله تعالى: «وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ» فالمراد بالوقوف هنا الحبس المقيم، يقال وقف فلان نفسه على هذا الأمر، أي لزمه، ولم يتحوّل عنه- ومنه قول إمرئ القيس: وقوفا بها صحبى علىّ مطيّهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل

وقوله تعالى: «قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها» هو تقرير عن هذا الموقف، الذي انكشف فيه للكافرين ما كانوا فيه من غفلة وضلال، وفى هذا التقرير، يرى كل ضال غافل، المصير الذي ينتهى به ضلاله وغفلته إليه، وهو الخسران والضياع والهلاك.. «حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً» أي فجأة على غير انتظار، إذ كانوا على تكذيب قاطع بهذا اليوم، فإذا طلع عليهم كان ذلك مباغتا لهم ومفاجئا.. «قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها» وإنها لحسرة تطول، لا نهاية لها، حيث أفلت من أيديهم ما كان يمكن أن يعدّوه لهذا اليوم الذي أنكروه، ولم يعملوا له حسابا.. والتفريط: التقصير، بخلاف الإفراط، الذي هو المبالغة فى المطلوب، وتجاوز الحدّ فيه. والضمير فى قوله تعالى: «فِيها» يعود إلى الساعة، وهى يوم القيامة قوله تعالى: «وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ» . الأوزار: جمع وزر، وهو الحمل الثقيل.. أي أنهم يجيئون إلى يوم القيامة محملين بأحمال ثقيلة، من الآثام، تنوء بها ظهورهم.. «أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ» فما أشأم ذلك الحمل، وما أسوأه، إذ كان هو الجريمة التي تدين حامله، والشهادة التي تشهد عليه، وتجرّه إلى النار.. وقوله تعالى: «وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ» هو تعقيب على هذا الحكم الذي حكم به سبحانه على أهل الضلال والكفر.. فقد غرّتهم الحياة الدنيا، وألهتهم عن الآخرة، فلم يعملوا لها ولم يقدموا ليومها، زادا ينفعهم فى هذا الموقف العصيب..

الآيات: (33 - 34) [سورة الأنعام (6) : الآيات 33 إلى 34]

وهكذا هى الدنيا، لعب ولهو، إذا وقف الإنسان نفسه عليها، وحبس وجوده على مظاهرها، دون أن يلتفت إلى ما بعدها، من لقاء الله، وموقف الحساب بين يديه.. ولكنه إن التفت إلى الآخرة التي وراء هذه الحياة الدنيا، لم تكن هذه الحياة الدنيا لعبا ولهوا، وإنما تكون حياة جادّة عاملة، تجمع الدنيا والآخرة معا، وبهذا تتفتح أمام الإنسان آفاق فسيحة للعمل الطيب المثمر، الذي إن فاته حظّه منه فى الدنيا، فلن يفوته ثوابه العظيم منه فى الآخرة.. ومن هنا كانت حياة المؤمنين بالله واليوم الآخر، حياة عامرة بالعمل والكفاح والجهاد.. إذ كان على المؤمن أن يملأ بوجوده وكفاحه دنياه وآخرته جميعا.. أما الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، فإن حياتهم فراغ فى فراغ، يدورون فيه حول أنفسهم، كما يدور الأطفال فى لهوهم ولعبهم. قوله تعالى: «وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ» إذ عملوا لها، وآثروها على الدنيا، وقدّموا ما يبقى على ما يفنى، فكانت عاقبتهم السلامة والعافية، والخلود فى جنّات النعيم.. وفى قوله تعالى: «أَفَلا تَعْقِلُونَ» إثارة لذوى العقول أن ينظروا لأنفسهم، وأن يزنوا أمرهم مع الدنيا على ميزان سليم.. فإنهم لو فعلوا لعرفوا أن الدار الآخرة خير وأبقى! الآيات: (33- 34) [سورة الأنعام (6) : الآيات 33 الى 34] قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34)

التفسير: بعد أن عرض الله للنبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- هذا العرض الكاشف للمشركين، وما يلقون فى موقف الحساب من خزى وهوان، وما يذوقون فى جهنم من نكال وعذاب- بعد هذا العرض الذي يرى فيه النبىّ عاقبة المكذبين به- يلقى الله سبحانه النبىّ الكريم بهذه المواساة الكريمة، وهذا العزاء الجميل، لما يلقاه من قومه من تكذيب له، واستهزاء به.. وفى قوله تعالى: «قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ» استجابة لسكاة النبىّ قبل أن يشكو، وفى هذا تطمين لقلبه، وتثبيت لقدمه، وأن الله يرعاه، ويعلم ما يجد فى نفسه من حزن وألم، لما يرميه به قومه من باطل القول، وزور الكلم.. وهم يعلمون أنه الإنسان الذي لا يكذب أبدا.. وفى قوله تعالى: «فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» ردّ اعتبار للنبىّ عند هؤلاء الذين اتهموه بالكذب زورا وبهتانا.. وقد كشف الله ما فى نفوسهم عن النبي ورأيهم فيه.. فهم فى دخيلة أنفسهم لا يكذبون «محمدا» .. إنهم يعلمون عن يقين أنه ما قال ولن يقول كلمة الكذب. بل هو عندهم فوق مستوى الشبهة فيما يشين الناس، وينزل من قدرهم.. «وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» .. إنهم لظلمهم، وعنادهم يرون الحق ويستيقنونه، ثم لا تطاوعهم أنفسهم على الإقرار به، والولاء له.. ولو جاءتهم كل آية لا يؤمنون بها.. وهكذا يفعل العناد بأهله، ويقطع عليهم الطريق إلى الحق والهدى، ويحجزهم عنه الخبر والفلاح. وفى قوله تعالى: «وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» تهديد ووعيد لهؤلاء المشركين.. إنهم لا يكذبون محمدا ولكنّهم يكذبون بآيات الله التي بين يديه.. فانظر كيف هذا التناقض العجيب منهم.. يؤمنون بمحمد وبصدقه

كإنسان، ويأخذون شهادته على كل ما يقول فيما هو من شئون دنياهم.. فإذا جاءهم بآيات ناطقة من عند الله، وقال لهم إنها كلام الله، وأنه رسول الله بها إليهم، أنكروا عليه هذا القول بنسبتها إلى الله، وقالوا: إنها سحر ساحر، وتلقيات ممسوس! ولو عقلوا لما وجدوا لهذا القول مستندا من عقل أو منطق.. إذ كيف لا يتّهم إنسان بالكذب فى حال، ثم يتهم به فى حال أخرى؟ إن الإنسان وحدة متكاملة، فى خلقه، فإمّا أن يكون صادقا لا يكذب، وإما أن يكون ممن لا يتحرّى الصدق فى كلّ قول.. وقد عرفوا «محمدا» أنه صادق على وجه واحد، مدة حياته معهم، من مولده إلى مبعثه.. لم تجرب عليه كذبة قط.. فكيف يكذب بعد الأربعين؟ وكيف يكذب أشنع الكذب، وأفحشه، بتلك الدعوى التي يدعيها على الله ربّ العالمين؟ ذلك محال، بل وأكثر من محال، لأن شواهد الصّدق ودلائله ناطقة فى كلام الله، مستغنية عن صدق من يجىء إلى الناس بها ويعرضهم عليها.. فكيف إذا كان من يجيئهم بها ويعرضها عليهم، غير متّهم بكذب، أو مجرب عليه شهادة زور عندهم؟ قوله تعالى: «وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا» (34: الأنعام) هو عزاء بعد عزاء للنبىّ الكريم، ورحمات من ربّ رحيم تتنزّل عليه، وهو فى مواجهة هذا العناد والعنت الذي يلقاه من قومه.. وفى هذا العزاء يرى النبي- صلوات الله وسلامه عليه- مشاهد كثيرة لهذا المشهد الذي يعيش فيه.. فهناك رسل كثيرون من رسل الله قد كذّبوا من أقوامهم، وأوذوا فى أنفسهم من سفهاء قومهم، ولكنهم اعتصموا بالصبر، واحتملوا الأذى فى سبيل الرسالة الكريمة التي شرفّهم الله بها.. فهذا نوح عليه السلام- يلقاه قومه بالنكير والاستهزاء، ويلاحقونه بالأذى والضرّ- وفى هذا يقول الله على لسانه: «أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ

إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ» (35: هود) . وقد أخذهم الله بهذا المنكر.. فأغرقهم ونجّى نوحا ومن معه: «فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ» (119- 120: الشعراء) . وهذا هود- عليه السلام- يلقى قومه داعيا إلى الله، مبشرا ومنذرا بآياته، فتكون قولتهم له: «يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ» (53- 54: هود) .. ثم كانت عاقبتهم عاقبة كل ظالم.. فأهلكهم الله بريح صرصر عاتية: «وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ» (6- 8: الحاقة) . وهكذا كان الشأن مع صالح، ولوط، ومع كلّ نبى أعنته قومه، وكذبوا بآيات الله التي بين يديه.. النجاة والسلامة للنبىّ والمؤمنين به، والهلاك والدّمار لمن كذبوا به، وبآيات ربه.. وفى هذا أسوة للنبىّ، وللمؤمنين معه.. فليحتمل الأذى، وليصبر على الضرّ، وليحتمل المؤمنون الأذى وليصبروا على الضرّ، فإنّ العاقبة له ولهم، وإن النصر للحق ولمن ينصرون الحق.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا، وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ» فتلك هى سنّة فى الذين خلوا، ولن تتخلّف آثارها فى حاضر أو مستقبل.. فإن أحكام الله لا تنقض وكلماته لن تتبدّل..

الآية: (35) [سورة الأنعام (6) : آية 35]

وقوله تعالى: «وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ» تذكير للنبىّ بما قصّ الله- سبحانه- عليه من قصص الأولين، فليعد النبىّ إلى هذا القصص، ولينظر إلى ما فيه من عبر وعظات.. والله سبحانه وتعالى يقول: «وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ» (120: هود) . ويقول: «لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ» (111: يوسف) . الآية: (35) [سورة الأنعام (6) : آية 35] وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (35) التفسير: وإذ استمع النبي إلى كلمات ربه، وما تحمل إليه من مواساة كريمة، وعزاء جميل، فقد وجب على النبي أن يطمئن قلبه، وتسكن نفسه ويذهب حزنه وحسرته، على ما يلقى من قومه.. فإذا كان قد بقي فى نفس النبي شىء من تلك العوارض التي عرضت له من قومه، وإن كانت لا تزال به توازع الحزن والحسرة عليهم، فإن السماء ليس عندها ما تقدمه لهم من وسائل الإقناع، بعد أن قدمت لهم ما قدمت من آيات، وما ساقت إليهم من نذر! فإن وجد النبي القدرة من نفسه على أن يأتيهم بما يقنعهم، ويحملهم على التصديق به، وبما يدعوهم إليه، فليفعل!! وهذه هى الأرض تحت قدميه، والسماء فوق رأسه، فإن استطاع أن يشق الأرض أو يرقى السماء بسلّم ليأتيهم بآية مقنعة، فليفعل وهيهات هيهات!!

«وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ؟» أي إن شقّ عليك إعراض قومك عنك، فحاول- إن استطعت- أن تشق الأرض، أو ترقى فى السّماء، لتأتيهم بما يقترحون عليك من آيات! وليس هذا دعوة من الله سبحانه للنبىّ أن يفعل هذا، وإنما هو صرف له عن هذا اللغو الذي يلغوا به قومه، من مقترحات يقترحونها عليه، وتيئيس لهم من أن يكون لهذا اللّغو قبول عنده.. وفى قوله تعالى: «وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى» إشارة إلى أن ما قدمته السّماء من آيات هو القدر المطلوب لهداية من فيه استعداد لقبول الحق، حين تلوح أماراته، وتظهر له دلائله.. وليس من حكمة السّماء أن تقهر الناس قهرا على الإيمان، ولا أن تحملهم حملا على الهدى، فإن مثل هذا الإيمان الذي يجىء إليه الإنسان قهرا وقسرا، هو إيمان لا دخل لكسب الإنسان فيه، ولا جزاء له عليه، إذ أنه ليس من سعيه وكسبه، والله سبحانه وتعالى يقول: «وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى» (39- 41: النجم) .. ولو أراد سبحانه وتعالى أن يدخل الناس جميعا فى الإيمان لفعل، ولوضع بين يدى المعاندين والكافرين والمشركين من الآيات القاهرة ما يحملهم على الإيمان، حيث لا يجدون معها سبيلا إلى الإنكار والجحد.. ولكنّه سبحانه أراد أن يكون للإنسان تقديره وتفكيره، فيما يحمل إليه رسل الله من آيات، يرى فيها العقلاء دلائل الحق، وأمارات الهدى، ولا يرى فيها الضّالون والمعاندون شيئا يفتح لهم الطريق إلى الله.. وفى هذا ابتلاء وامتحان، «لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ» .. «وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى» فما قوة فى هذا الوجود تردّ مشيئة الله، ونفاذ ما يشاء.. ولكنّه سبحانه وضع

الآيات: (36 - 38) [سورة الأنعام (6) : الآيات 36 إلى 38]

الإنسان بهذا الوضع الذي يكون له فيه مجال للاختيار، «فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ، وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ» . وفى هذا يقول الله تعالى: «وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» (99: يونس) . قوله تعالى: «فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ» هو عزل للنبىّ عن أن يكون ممن يجهلون حكمة الله هذه، وسنّته فى خلقه، وفى هذا وقاية للنبىّ من أن تطرقه طوارق الأسى والحسرة على من تخلّف عن الدعوة التي يدعو بها، ولوى وجهه عن الحق الذي بين يديه، من ذوى قرابته، ومن يريد لهم الخير ممن يحبّهم.. «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ» (56: القصص) . الآيات: (36- 38) [سورة الأنعام (6) : الآيات 36 الى 38] إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (37) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) التفسير: فى قوله تعالى فى الآية (35) «وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى» إشارة إلى أن هؤلاء الكافرين المعاندين، قد أضلّهم الله لعنادهم وكفرهم، وتركهم وما اختاروا من ضلال وشرك.. ذلك لأنهم عموا عن آيات الله، وأبوا أن يفتحوا عقولهم وقلوبهم لها.. وفى قوله تعالى: «إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ» بيان لحال هؤلاء

الكافرين المعاندين، وأنهم لن يسمعوا كلمة الحق، ولن يعطوها آذانا واعية، ولهذا كان من الحكمة ألا يلحّ عليهم أحد بما يدعوهم إليه من حقّ وهدى، فإنهم لن يسمعوا، ولو سمعوا ما استجابوا.. «إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ» أي الذين يسمعون سمعا عاقلا متدبرا.. يصغى، ويفكر، ويعقل.. أما هؤلاء وإن كانت لهم آذان يسمعون بها فإنها تصبح ثقيلة عند سماع الحق، كأن بها وقرا، لأن قلوبهم مريضة، وعقولهم سفيهة، «وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ» (23: الأنفال) . وقوله تعالى: «وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ» معطوف على قوله سبحانه: «إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ» أي أن هذين الأمرين من واد واحد، إذ هما ممكنان واقعان فى قدرة الله: استجابة الذين يسمعون ويعقلون، لما يسمعونه ويعقلونه، وبعث لأموات من قبورهم يوم القيامة. وفى الجمع بين الأمرين دلالتان: أولاهما: أن الناس لهم كسب ولهم إرادة، وقدرة، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ» وأن الله سبحانه وتعالى لم يكلّف الناس إلّا ما هو ملائم لطبيعتهم، مناسب لقدرتهم، أما ما فوق ذلك فلم يكلّفوا به، ولم يحاسبوا عليه، كبعث الموتى، الذي هو مما لله وحده «والموتى يبعثهم الله» . وثانيتهما: أن الضّالين المعاندين من الناس، الذين لم يستمعوا للحق، ولم يستجيبوا له، قد وضعوا بذلك أنفسهم موضع العجز المطلق، أمام هذا الأمر الممكن الذي دعوا إليه، فكأنهم والأموات سواء.. فكما يستحيل على الأموات أن يبعثوا من تلقاء أنفسهم، كذلك يستحيل على هؤلاء الضالين المعاندين أن يستمعوا للهدى وأن يستجيبوا له بطبيعتهم.. والأموات يبعثون حين يريد الله بعثهم ودعوتهم إليه، والضالون الشاردون عن الله، يهديهم الله، إذا أراد لهم

الهداية، ودعاهم إلى طريقه.. ولكن هؤلاء الضالين المعاندين لن يدعوهم الله إليه، ولن يهديهم إلى الحق، كما يقول سبحانه: «أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ» .. فهم وقد كان الإيمان بالله من الممكنات لهم، قد جعلوه بعنادهم وضلالهم مستحيلا يحتاج إلى قدرة فوق قدرتهم، هى قدرة الله تعالى، وإذ تخلّى الله عنهم وأخلاهم لقدرتهم، فلن يهتدوا إذن أبدا.. وإن الله- سبحانه- يبعث الموتى، ولكنه لا يهدى هؤلاء الضالين العاندين. وفى هذا تيئيس لهم، وخذلان مبين، وخزى فاضح، ووعيد بالحساب الشديد، والعذاب الأليم. وقوله تعالى: «ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ» الضمير فى «يرجعون» ، يعود إلى هؤلاء المعاندين، الذين لن يهتدوا أبدا، إلى أن يموتوا، ثم يبعثوا مع الموتى.. ثم يرجعون إلى الله، للحساب والجزاء.. وهذا هو سرّ العطف «بثم» الذي يفيد التراخي الزمنيّ.. فهم إذ خوطبوا كانوا أحياء.. ثم يبعثون، ثم يحشرون» قوله تعالى: «وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» هو بيان لموقف هؤلاء الضالين المعاندين، الذين أبوا أن يستجيبوا لله ولرسوله، وأصبح قبولهم الإيمان أمرا مستحيلا فى مواجهة ما جاءهم به النبىّ، ولن يكون لهم نظر وكسب فيما كان يدعوهم إليه من إيمان، بعد أن تأتيهم الآيات التي يقترحونها.. «وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ» والآية التي يقترحونها هى معجزة مادية، يرونها بأعينهم. كما يقول الله تعالى: «وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ

كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا» (الإسراء: 90- 91- 92) وفى قولهم «من ربّه» كفر صريح بالله، واتهام للنبىّ بأن له ربّا غير الرّبّ الذي يعرفونه، ويتقربون بالأوثان إليه. وفى قوله تعالى «نُزِّلَ» إشارة إلى أن الآية التي يطلبونها هى آية حسّية، تتحرك بين الناس، ويتحرك الناس بين يديها.. فهى- والأمر كذلك- شىء مغاير للآيات القرآنية التي تنزل على النبىّ، فلا يكون لها هذا الأثر الحسّى، الذي يبعث فى الحياة هزّة، وثورة ظاهرتين للعيان! وقوله تعالى: «قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً» فليس أمام قدرة الله ما يعجز، وقد نزّل الله كثيرا من الآيات الحسّية كهذه الآيات التي يقترحونها، ولكن كثيرا من الناس كفر بها، وخادع حواسه وخان عقله فيها.. وفى قوله تعالى: «وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» إشارة إلى جهل هؤلاء المكذبين، فوق ما هم فيه من ضلال وكفر.. ولو علموا لرأوا أن هذا المقترح الذي يقترحونه. فيه هلاكهم ودمارهم.. حيث ذلك هو الجزاء الذي يعقب التكذيب بالمعجزات الحسيّة، التي هلك المكذبون بها، حين جاءتهم على يد الأنبياء.. نوح، وهود، وصالح، ولوط، وموسى، وعيسى. قوله تعالى: «وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ» إشارة إلى أن عالم الأحياء، من إنسان، وحيوان، وطير، يرجع إلى أصل واحد، كانت منه جميع هذه المخلوقات، فى أنواعها وأجناسها.. وفى قوله تعالى: «إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ» تسوية بين عالم الإنسان، وعالم الحيوان، فى إقامة كل جنس من أجناس الحيوان، على نظام فى حياته، وفى

أسلوب معيشته، وتوالده، وصلات أفراده بعضها ببعض أو صلاته بالقريب والبعيد منه من أجناس الحيوان- أشبه بنظام المجتمع الإنسانى. فكما أن الناس يمسكهم نظام، ويضبط حياتهم سلوك، وتربط بينهم عادات، وتحكمهم قوانين، فكذلك كل جنس من أجناس الحيوان، وكل نوع من أنواعه.. له عالمه الذي يعيش فيه، وله تقاليده، وعادانه، ولغته التي يتفاهم بها، وله سلطانه الذي يأخذ به الخارجين على نظام الجماعة، المتمردين على أوضاعها المستقرة فيها.. وفى قوله تعالى: «وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ» - ما يسأل عنه: لماذا كان ذكر الجناحين هنا، مع أن الطائر لا يطير إلا بجناحيه؟ وهل هناك طائر يطير بغير جناحين؟ وإذا كان من الطير ما يطير بلا جناحين، فهل يخرج من هذا الحكم الذي قضى الله به على الدواب والطير؟ والجواب على هذا، هو أن أجناس الطير كثيرة، متفاوتة القدر، مختلفة الحجم والصورة، من النّسر، والصقر، إلى البعوضة، والذرّة.. وكلها ذات جناحين تطير بهما، ومن هذه الطيور ما لا ترى العين جناحيه، ولا يكاد يتصور العقل أنه يحمل أجنحة، وفى ذكر القرآن للأجنحة التي لكل طائر، ما يدعو الإنسان إلى إعادة النظر وإمعانه فى هذه المخلوقات الضئيلة، وفى دقة تركيبها، وروعة بنائها، وأنها- على صغر جرمها- عالم متكامل، فى تكوينه، قد أودعت يد القدرة فيه من الأجهزة، والحواس، ما أودعته فى أرقى الكائنات الحية، من قوى، ومشاعر، ومدركات.. وفى القرآن الكريم كشوف رائدة، رائعة، عن عالم الحيوان، وما أودع الخالق العظيم فيه من قوّى وأسرار، لا تقلّ روعة وإحكاما، عما فى الإنسان،

الذي ينظر إلى وجوده بين هذه المخلوقات وكأنه إله، وكأنها هى من نافلة الحياة، أو من نفاياتها بالنسبة له!! فهذه النملة- على صغر جرمها، وضآلة شأنها.. تقف من سليمان موقف الندّ للندّ، وتتصدى له، وهو فى بهاء ملكه، ومظاهر عظمته، وقد حشر له الجنّ والإنس والطير، فى مظاهرة ولاء، واستعراض انقياد وخضوع، وإذا النملة التي يمرّ بها سليمان، فلا يأبه لها، ولا يحفل بها، بل ولا يكاد يذكر عن أمرها شيئا، وهو متخم بهذا السلطان العظيم الذي بين يديه- إذا هذه النملة تلقى سليمان لقاء مثيرا، وتحاجّه فى منطق قاهر، لا يقلّ عن منطق سلطانه القوى المبين، فيعجب لهذا الذي يأتيه من قبل أضعف المخلوقات شأنا، وأهونها قدرا، وإذا سلطانه الذي بين يديه يهتزّ، ثم يتهاوى، وإذا هو والنملة على سواء.. إنها تقوم على دولة لا تقلّ عن دولته، نظاما وإحكاما وروعة، وإنها لتقوم على رعية تسوسها بالرأفة والحكمة، وتحوطها بالرّعاية والعناية، وتوفر لها الأمن والسلامة، بما لا يكون إلا من القلّة القليلة من أصحاب الحكم والسلطان..! ونستمع إلى قوله تعالى: «وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ» (17- 19: النمل) وإذا نستمع إلى كلمات الله هذه، نكاد ننصرف بأبصارنا ومشاعرنا عن سليمان، عليه السلام، وحشوده الحاشدة، من الجنّ والإنس والطير، إلى هذا

المجتمع الضئيل من النمل، وإلى هذه النملة التي تقوم على سياسته، وتدبير أمره.. بل إن سليمان نفسه، لينصرف عن حشوده تلك، حين تلقاه النملة هذا اللقاء المثير، وإذا هو منها بين يدى قدرة القدير، وحكمة الحكيم، فلا يملك إلا أن يتوجه بكيانه كله إلى الله، ضارعا بالحمد والشكر: «رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ» .. وليس ببعيد أن تكون النملة- فيما رأى سليمان- ممن عدّهم من عباد الله الصالحين، الذين دعا الله أن يلحقه بهم، ويدخله فى زمرتهم! والهدهد، وقصته مع سليمان، لا تقل روعة وعجبا من قصة النملة، فقد جاء إلى سليمان، وهو فى أبّهة ملكه، وعظمة سلطانه، وبين يديه ما سخّر الله له من الجن والإنس والطير- جاءه وهو فى هذا السلطان العظيم، ليلقاه بهذا الخبر، وليلقى به إليه فى صورة من هو أكثر منه علما، وأكبر سلطانا، وإن كان- فيما يظهر منه- ضئيل الشأن، باهت القدر، فيقول لسليمان: «أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ» !! هكذا المتمكّن من نفسه الواثق من وجوده، يقول قولة الحق، فى غير خوف أو تردد! وكأن الهدهد إنما يثأر بهذا لنفسه، وللجماعة المسخرة لسليمان، حين توعّد الهدهد على ملأ منها بقوله: «لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ» .. فجاءه بهذا الجواب القوىّ المبين! ففى هذه النملة التي تمثّل الدوابّ على الأرض، وهذا الهدهد الذي يمثل ما طار بجناحيه فى السماء، شاهدان يشهدان بأن هذه الكائنات التي تعيش معنا على هذا الكوكب الأرضى، من دواب الأرض، وطير السماء، هى أمم مثل الأمة الإنسانية، فى وحدة التكوين والتنظيم، والمشاعر، والمدارك،

وغيرها، من تلك التي لا تكون الأمة أمة إلا بها.. فالأمة لا تسمى أمة، إلا إذا كان بناؤها الذي تقوم عليه ينتظم جميع الأفراد الذين يدخلون فى حسابها، وينتسبون إليها، بمعنى أن يكون بين أفراد الأمة من قوى التلاحم والترابط ما يجمع بعضهم إلى بعض، ويؤلّف منهم جسدا اجتماعيا أشبه بجسد الكائن الحىّ وما بين أعضائه، من ترابط، وتساند، وانسجام! ومن هنا يمكن أن تتغير نظرة الإنسان إلى عالم الحيوان، وأن يفتح له العلم الحديث آفاقا جديدة فى دراسة علم الحيوان، فلا يقف عند حدود دراسة جسدية له، تدور حول الوظائف العضوية وما يتصل بها، بل ينبغى أن يتجاوز العلم هذه الدراسة إلى دراسات نفسية، وعقلية أيضا.. بحيث يكون من موضوعات هذه الدراسات: لغة الحيوان.. بجميع أجناسه وأنواعه، وعن طريق التعرف إلى هذه اللغة يمكن التعرّف على معارف عالم الحيوان، ونظرته إلى الكون، وصراعه مع الطبيعة، ووسائله التي بلغها فى التغلب عليها.. ولربما يقع للعلم فى هذه الدراسات، من أسرار وعجائب، ما لم يقع له إلى اليوم من أسرار وعجائب!. وإنّ عجزا من الإنسان، وقصورا فى علمه، هو الذي وقف به على شاطىء هذا المحيط العظيم من عالم الحيوان، فلم يعرف كيف يتفاهم مع الحيوانات، ويترجم مشاعرها وإحساسها، ويفسّر حركاتها وسكناتها.. وليس بغير العلم تنفتح مغالق هذه العوالم.. ويوم يبلغ الإنسان من العلم ما يستطيع به الالتحام مع عالم الحيوان والتفاهم معه، يومئذ يكون الإنسان بحق هو سيد هذا العالم الأرضى، وخليفة الله فيه، وإلا فهو ليس بالسيد ولا بالخليفة، إذ لا سيادة لمن لا يعرف كيف يخاطب المسودين له، ولا خلافة لمن لا يحسن الفهم

عمن هو خليفة عليهم.. وإنه ما انقادت تلك الجماعات من الجن والإنس والطير لسليمان، إلا بعد أن أوتى من العلم ما أقدره على فهم هذه الجماعات، والتفاهم معها.. وقوله تعالى: «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ» . اختلف فى الكتاب هنا: أهو اللوح المحفوظ، أم هو القرآن الكريم..؟ ولعل الأقرب إلى مفهوم الآية الكريمة هنا، هو «القرآن الكريم» حيث يبيّن فى آياته هذه أصولا، وأحكاما، ومقررات تندرج تحتها جميع المعارف الإنسانية، التي بلغها العقل، والتي فى مقدوره أن يبلغها يوما ما.. وإذا لم يكن القرآن الكريم قد كشف الغطاء عن هذه المعارف، فإنما ذلك ليثير فى الإنسان دوافع النظر والبحث، وليترك لعقله مجال الحركة والصراع، فينتصر حينا، وينهزم حينا، وهو فى انتصاراته وهزائمه، سيّد نفسه، وقائد سفينة حياته، وحسب القرآن الكريم فى هذا أن يومىء إليه من بعيد إلى مواطن الصيد، التي يلقى بشباكه فيها، فتجىء إليه بصيد وفير. وقوله تعالى: «ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ» الضمير فى ربهم يعود إلى هذه المخلوقات كلها، من دواب الأرض، وطيور السماء.. وقد اختلف فى حشر هذه الكائنات من حيوان ووحش وطير.. وهل تحاسب؟ وإذا حوسبت فهل تعذّب أو تنعّم، كما يحاسب الإنسان ويعذب أو ينعم؟ ولا شك فى أنها ستحشر إلى الله، فهذا صريح بنص القرآن فى هذه الآية، وفى قوله تعالى: «وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ» (5: التكرير) .. أما ما وراء هذا فأمره إلى الله، وعلمه عند علام الغيوب.

الآيات: (39 - 41) [سورة الأنعام (6) : الآيات 39 إلى 41]

الآيات: (39- 41) [سورة الأنعام (6) : الآيات 39 الى 41] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (39) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ (41) التفسير: «وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ» استدعاء لهؤلاء المكذبين الضّالين، من بين عوالم الأحياء كلها، التي عرضها الله سبحانه وتعالى فى الآية السابقة، فى قوله تعالى: «وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ» . وفى هذا الاستدعاء، ينعزل الضالون المكذبون بالله وآياته، عن هذا الوجود، كما يعزل المرضى بأمراض خبيثة عن الأصحاء! وهؤلاء الضالون المكذبون، هم فى حقيقتهم مصابون بأمراض خبيثة، لا فى أبدانهم، ولكن فى عقولهم.. إنهم كما وصفهم الحق جلّ وعلا: «صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ» . وانظر إلى هذا الإنسان الأصم الأبكم الذي يحتويه الظلام ويشتمل عليه! إنه أصمّ لا يسمع.. أي لا يصل إليه من العالم الخارجي مسموع. وإنه أبكم، لا ينطق.. أي لا يصل منه إلى العالم الخارجي منطوق.

فهو- والحال كذلك- مصمت مغلق، لا يتصل بشىء، ولا يتصل به شىء. ثم إنه- بعد هذا كله- أعمى، لا يرى شيئا، حتى جوارحه التي معه، من يد أو رجل!! هذا هو حال الذين كفروا بآيات الله.. إنهم كائنات ميّتة، وإن بدت حيّة، فى صورة الأحياء.. فقد تعطلت حواسّهم، وأظلمت قلوبهم وعقولهم، وبهذا لم يكن بينهم وبين آيات الله تعامل، بسمع، أو نظر، أو عقل! وقوله تعالى: «مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» هو عرض لمشيئة الله، وقدرته، وحكمته.. وأنه سبحانه وتعالى هو مالك الملك، إليه يرجع الأمر كلّه.. وهؤلاء اللذين عصوا الله، وضلّوا عن سبيله، لا يظنون أنّهم أصحاب قوة وسلطان.. إنهم أذلّاء ضعفاء لا يملكون شيئا.. حتى هذا الضلال الذي هم فيه.. إنه ليس لهم، وليس من واردات حولهم وقوّتهم.. إن هناك سلطانا فوق سلطانهم، وقدرة فوق قدرتهم، وبذلك السلطان وبتلك القدرة هم محكومون، وهم صائرون إلى هذا المصير المشئوم الذي هم فيه.. فليموتوا كمدا وحسرة.. إنهم ممن شاء الله أن يضلّهم، لأنهم أهل لما أراده الله بهم! وهؤلاء الذين استجابوا لله، وآمنوا، واستقاموا على طريقه القويم، إنما كانت استجابتهم، يدعوة من الله، وتوفيق لهم منه، إلى الإيمان، وأن الله سبحانه وتعالى، هو الذي أخذ بأيديهم إليه، وأدخلهم فى عباده الصالحين، ولولا ذلك لكان شأنهم شأن هؤلاء الضالين، الذين لم يرد الله أن يطهّر قلوبهم،

وأن ينزلهم منازل الإكرام عنده.. فليهنئهم هذا الرضوان، وليسعدوا بما آتاهم الله من فضله.. وفى مشيئة الله، ومشيئة العباد، كثر القول، واختلفت المقولات، وتعدّدت الآراء، وتشعبت مذاهب الرأى، فكان من ذلك مقولات كثيرة: فى الجبر والاختيار، وفى القضاء والقدر، وفى الثواب والعقاب، إلى غير ذلك مما يتّصل بمشيئة الله، ومشيئة عباده.. وهل للعباد مع مشيئة الله مشيئة؟ وهل إذا كانت لهم مشيئة أفلا ينقص ذلك من كمال الله وقدرته؟ وإذا لم يكن لهم مشيئة فكيف يثابون ويعاقبون على ما لا مشيئة لهم فيه؟ إنهم مسيّرون لا مخيّرون.. وعدل الله يقضى ألا يحاسب إنسان على ما ليس من كسبه؟ وهكذا تتشعب مذاهب القول، وتختلف وجوه الرأى، ويحتدم الصراع بين أصحاب المقولات، ويلتحم القتال زمنا طويلا، يترامى فيه المقاتلون بكل ما يقع لأيديهم من أسلحة، فى مجال الرأى حينا، وفى ميدان الحرب بالرماح والسيوف حينا.. هذا، وسنعرض لهذا الموضوع، فى بحث خاص إن شاء الله. وقوله تعالى: «قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» تسفية وتجريم لهؤلاء الذين أشركوا بالله، وضلّوا عن سبيله.. فإن هؤلاء الضالّين المشركين، إذا كربتهم الكروب، وأحاط بهم البلاء، وعاينوا الموت، تنبهت فيهم قوى الإدراك التي كانوا قد عطلوها، ووضحت لهم الحقيقة التي ضلّوا الطريق إليها، فرأوا أنه لا إله إلا الله وحده، وأنه هو الذي يملك دفع هذه الشدائد، ويقدر عليها.. هنالك يدعون الله، ويضرعون إليه، أن يكشف الضرّ، ويرفع البلاء!

وتلك هى حال الإنسان، فى الشدائد يجتمع رأيه، وتتفتح ملكاته، فيرى الواقع على حقيقته، فإذا زالت الشدة، وانفسح الأمل، أعطى زمامه لهواه، وأسلم وجوده لشيطانه، وعاد إلى ما كان فيه من ضلال وكفر.. «وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ» (8: الزمر) وقوله تعالى: «أَرَأَيْتَكُمْ» .. الاستفهام يراد به التقرير.. أي أجيبوا على هذا السؤال الذي أنا سائلكم عنه.. وأصل هذا الفعل «أرأيتم» مخاطبا به هؤلاء المشركين خطابا مباشرا.. ولكن لما كان بين هؤلاء المشركين وبين عقولهم حواجز من الضلالات والمنكرات، فقد جاء خطابهم على تلك الصورة، الفريدة، التي تجمع بين مخاطبين، والمخاطب واحد، حتى لكأنه ذاتان، أو ذات منقسمة على نفسها. وفى قوله تعالى: «إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ» .. المراد بالعذاب هنا هو ما يأخذهم به لله من عقاب شديد فى الدنيا، كما أخذ به الضالين المكذبين من قبلهم.. وعطف قوله تعالى: «أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ» على قوله تعالى: «عَذابُ اللَّهِ» لبيان أن هذا العذاب الذي يندرون به، هو عذاب شديد، أشبه بأهوال يوم القيامة.. ومن أجل هذا، كان وقوع المشركين تحت وطأة هذا العذاب داعية لهم إلى أن ينخلعوا عما كانوا فيه من غفلة، واستخفاف، بما يشغلهم من مطالب الحياة الجسدية، التي أعطوها وجودهم كله..، وأن يولّوا وجوههم إلى الله. ففى مواجهة الشدائد القاسية التي تتهدد وجود الإنسان، وتشرف به على

الهلاك، تنحلّ قوى الجسد، وتتبخر الأهواء المتسلطة عليه، وهنا يجد العقل سماء صافية تسطع فيها أنواره، كما تجد الروح مجالا للحركة والعمل، وإذا الإنسان بعقله وقد تخلص من الضباب الذي انعقد عليه، وبروحه التي انطلقت من قيود هذا الجسد المعربد، وإذا الإنسان هنا، يعاين الحقيقة، ويرى الحق، فيؤمن، إن كان كافرا، ويستيقن، إن كان مؤمنا. وهذا أشبه بحال من يعالج سكرات الموت، فإنه يرى ماوراء المادة من شواهد الحياة الآخرة، فيؤمن إن كان كافرا، حيث لا ينفعه إيمانه، ويتوب إن كان عاصيا، حين لا تنفعه التوبة.. وفى هذا يقول الله سبحانه وتعالى لفرعون، وقد آمن بعد أن أدركه الغرق، وأشرف على الموت: «آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ» (91: يونس) ويقول سبحانه فيمن يتوب وهو فى مواجهة الموت: «وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ» (18: النساء) . وقوله: «أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ» هو استفهام تقريرى، يراد به أخذ اعتراف هؤلاء المشركين بالله. وجوابهم فى تلك الحال التي يسألون فيها، وهم فى أمن عافية، لا يذكرون معها تلك الحال التي يكونون فيها تحت قهر البلاء والشدة، أو فى مواجهة أهوال القيامة- جوابهم فى تلك الحال، لا يكون إلا جحودا لله، وكفرا به، واستغناء عنه. وقوله تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» إشارة إلى هذا الجواب الذي سيعطونه فى تلك الحال، وأنه ليس الجواب الذي يعطونه لو كانوا فى مواجهة المحنة

الآيات: (42 - 45) [سورة الأنعام (6) : الآيات 42 إلى 45]

والبلاء، ولهذا جاء قوله تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» كاشفا عن حالهم تلك، وأنهم لو صدقوا أنفسهم، وتدبروا الموقف وتصوّروه على حقيقته، لكان جوابهم: لن ندعو غير الله، ولن نشرك به أحدا.. ولكنهم لم يفعلوا ولن يفعلوا.. ولهذا ضرب الله على الجواب المنتظر منهم، وتولّى سبحانه الجواب عنهم، وألزمهم به إلزام من يؤمنون بالله، ويقدرونه حق قدره، فقال تعالى: «بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ» أي إنكم مع ما تقولون الآن من كذب وشرك، وأنتم فى سعة من أمركم، ستقولون هذا القول الحق، وأنتم فى يد البلاء والمحنة.. وقوله تعالى: «فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ» أي أنه سبحانه هو الذي سيكشف الضرّ الذي نزل بكم، وصرعتم به إليه، على حين هرب من وجوهكم، وفرّ من بين أيديكم، تلك الآلهة الباطلة التي كنتم تتعاملون معها، وتركنون فى أموركم إليها، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ» لأنها تفاهات لا تذكر فى ساعة الجدّ، ولا يتعامل معها سفيه حين يثوب إليه عازب عقله. الآيات: (42- 45) [سورة الأنعام (6) : الآيات 42 الى 45] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (45)

التفسير: فى هذه الآيات عرض لمقطع من مقاطع الحياة، قبل عصر النبوّة، وفيه تتمثل مواقف المعاندين والملحدين بالله، والمكذبين برسله، وما أخذهم به من نكال وعذاب. وفى قوله تعالى: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ» عزاء للنبىّ الكريم، ومواساة له، فيما يلقى من سفاهة السفهاء، وتطاول الحمقى.. فقد كان قبل النبىّ الكريم رسل كرام، بعثهم الله بالرحمة والهدى لأقوامهم، فكذبوهم، وبهتوهم ومدّوا أيديهم إليهم بالضرّ والأذى.. وقوله تعالى: «فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ» هو تعقيب على كلام محذوف دل عليه سياق النظم، أي فكذبوا بآيات الله، ومكروا برسل الله «فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ» أي فأخذهم الله «بالبأساء» أي بالمحن والشدائد، كتسليط العدوّ عليهم، ووقوعهم ليده، يقتل ويسلب، «والضراء» أي الفقر والجدب، ونقص الأموال والأنفس والثمرات.. وذلك لتتفتح قلوبهم إلى الله، وترفع أكفّهم بالضراعة إليه، ومن ثمّ يكون لهم إلى الله عودة، لو عقلوا، وتدبّروا. إذ أن من شأن الشدائد أن تصفّى النفوس من شوائب الضلال العالقة بها، وتنقّى القلوب من الوساوس المستولية عليها، وتكشف عن العقول الظلام المحيط بها.. هذا إذا كان كيان الإنسان سليما، وكانت تلك الأمور عللا عارضة، تقبل الدواء المرّ وتنتفع به، وتجد فيه الشفاء والعافية.. أما إذا كان الكيان فاسدا بطبيعته، فلا دواء ولا شفاء.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ» أي لعلّهم حين ترهقهم الشدة، ويكربهم الضرّ، يتذلّلون لله، ويضرعون إليه. وفى هذا الترجي «لعلّ» إشارة إلى المطلوب منهم فى تلك الحال، إذ هى

حال من شأنها أن تقيم الضالّين والمنحرفين على رجاء من رحمة الله، فتخبت له قلوبهم، وتلهج بالضراعة إليه ألسنتهم. وقوله تعالى: «فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا» تحريض لهؤلاء الضالين أن يتداركوا أنفسهم، وأن يعودا بها إلى الله من قريب، تائبين ضارعين.. ولم يذكر الضرّ هنا مع البأس، لأن البأس أعمّ من الضرّ، إذ هو ضر، وأكثر من ضر.. وقوله سبحانه: «وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ» فلم يتضرّعوا، ولم يعودوا إلى الله، مع ما أخذهم به من بأساء وضراء، بل ظلوا على ما هم فيه من عمّى وضلال.. «وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» أي حبّب إليهم الشيطان، بغوايته، وخداعه، هذه المنكرات التي يعيشون فيها، فلزموها، وتعلقوا بها.. وقوله تعالى: «فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ» بيان للوجه الآخر الذي أراهم الله من آياته، وأخذهم به من عبر وعظات، لتتفتح مغالق قلوبهم إليه، ويؤمنوا به.. والذي ذكّروا به ونسوه، هو «البأساء والضراء» وقد أخذهم الله بهما ليكون لهم منهما عبرة وعظة، ولكنهم لم يعتبروا، ولم يتعظوا.. ولكن الله سبحانه- مع هذا- لم يعجّل لهم العقاب، بل أخذهم بحلمه، وقدّم لهم الدواء الحلو السائغ، بدلا من هذا الدواء المرّ، الذي لم يستسيغوه، ولم ينتفعوا به.. فساق إليهم النعم، وأغدق عليهم العطاء، «فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ» مما تشتهى أنفسهم، وتهوى أفئدتهم.. ومع

ذلك فما نفعهم هذا الدواء، ولا ذهب بما بهم من داء.. بل زادهم هذا الرزق الكريم، كفرا بالله، ومحادّة له.. وإنه إذ لم يكن فى البأساء والضراء، ولا فى النعمة والرخاء، ما يصحح معتقد هؤلاء القوم فى الله، ويقيمهم على طريقه- كانت الثالثة، وهى القاضية، التي فيها الهلاك والدمار.. وهذا هو حكم الله فيهم، وأخذه لهم: «حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ» وإنه لأخذ أليم شديد.. إذ كانوا على حال من البهجة والمسرّة، وفى مقام من الأمل المزهر والرجاء العريض، فتهبّ عليهم عاصفة جائحة، تنتزعهم انتزاعا على حين غفلة، وهم على تلك المائدة الحافلة بشهىّ الطعام والشراب، وإذا الأيدى الممدودة إلى المائدة تتجمد فى طريقها إليها، وإذا الشّفاه المترشفة للكئوس المترعة تيبس عليها، وإذا العيون السارحة بين ألوان الطعام والشراب تجمد حدقاتها، وينطفىء بريقها.. «وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ.. إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ» (102: هود) .. فلو أن هؤلاء المشركين، أخذوا وهم فى لباس البأساء والضرّاء لخفّف عليهم مرارة الموت، ما هم فيه من مرارة الحياة التي يحيونها، ولكنهم تجرعوا كأس المنية مرّا مترعا، وفى أفواههم، وعلى ألسنتهم، طعوم وطعوم، من كل حلو وشهىّ! والإبلاس: الحسرة الشديدة، والمبلس: الذي وقع فى معصية ولا حجة له، ولا عذر بين يدى العقاب الذي وقع به. وقوله تعالى: «فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» هو آخر ما يشيّع به هؤلاء الهالكون، وما يتبعهم من دنياهم إلى المصير الذي هم صائرون إليه.. لقد قطع دابرهم، أي اجتثّ كل شىء لهم، ومحيت آثارهم، ولم تبق منهم باقية.. إنهم وباء وبيل، ومرض خطير، يتهدد الإنسانية بالفساد

الآيات: (46 - 47) [سورة الأنعام (6) : الآيات 46 إلى 47]

والضلال، فكان خلاص الإنسانية منهم نعمة من نعم الله، تستوجب الحمد والشكران.. «فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا» ، أي لم تبق منهم باقية، من أصول وفروع «وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» الذي وقى النّاس هذا الشرّ المستطير، وعافاهم من هذا البلاء المبين! الآيات: (46- 47) [سورة الأنعام (6) : الآيات 46 الى 47] قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47) التفسير: بعد أن عرض الله سبحانه وتعالى فى الآيات السابقة (42- 45) مصارع القوم الظالمين، بعد أن جاءتهم رسل الله، فكذّبوهم، وأخذوهم بالضرّ والأذى- أمر الله سبحانه وتعالى نبيّه الكريم أن يلقى المشركين المعاندين من قومه بقوله تعالى: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ؟» . والضمير فى «به» يعود إلى المأخوذ، المفهوم من قوله تعالى: «أَخَذَ» والمعنى: أجيبوا أيها المكابرون المعاندون، والمشركون بالله- أجيبوا عن هذا السؤال: إذا أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم، أي ضرب عليها سدّا، وعطّل وظيفتها، فلم يكن لها ما للقلوب من مشاعر ومدارك- فهل

هناك إله غير الله يأتيكم بهذا الذي أخذه الله منكم؟ وفى التعبير بالفعل «أخذ» إشارة إلى أن هذه النعم هى منحة لهم من عند الله، وفضل من أفضاله على عباده، ولله- سبحانه وتعالى- أن يأخذ منهم ما أعطى، ويستردّ ما منح، ولا اعتراض لهم عليه.. وإذا كانوا لا يحيون بغير هذه الحواس من سمع وبصر، ولا يكونون من عالم البشر إلا بهذه القلوب، فإن عليهم أن يبحثوا عن جهة تعيد إليهم ما أخذ منهم، أو مثل هذا الذي أخذ منهم، إن كان بهم حاجة إلى وجودهم فى عالم البشر. وإنهم مهما جدّوا فى البحث، واجتهدوا فى السعى، لن يجدوا غير الله لهذا الذي يطلبونه.. فما لهم لا يؤمنون به؟ وما لهم يعبدون من دونه ما لا يملك لهم ضرا ولا نفعا؟ أليس ذلك ضلالا وسفها؟ وبلى إنه الضلال والسّفه والخسران المبين.. وفى إفراد السّمع، وجمع الأبصار والقلوب، إعجاز من إعجاز القرآن، وآية من آياته، على علوّ متنزّله، وأنه تنزيل من ربّ العالمين. فالسّمع من وظيفته أن يتلقى الأصوات، وأن يميز بينها، ويمسك بالواضح المميز منها، وإنه لن يحقق هذا، أو يتحقق له هذا، إلا إذا عزل الصوت الذي يريد استقباله، عن كل ما يتصل به من أخلاط الأصوات الأخرى.. وهذا يعنى أن السّمع وإن اتسع لمئات الأصوات المختلطة، فإنه لا يميز إلا واحدا منها، بالإصغاء إليه، وعزل ما سواه عنه، وإلا كان المسموع له، أصواتا لا مفهوم لها، إلا على أنها دوىّ كدوىّ النحل مثلا! ومن هنا كانت الحكمة فى إفراد السّمع، فى القرآن، وفى جميع الآيات التي ذكر فيها، وذلك من القرآن، هو توجيه لوظيفة السمع، وإقامتها على الوجه

الذي ينتفع به صاحبه، فالكلمة التي تدخل على الإنسان من طريق سمعه، لا تثير تفكيرا، ولا تحرك وجدانا، ولا تهزّ شعورا، إلا إذا كانت ذات مدلول محدّد واضح.. وهذا لا يكون إلا إذا استقلّت بذاتها، واتخذت طريقها من السمع إلى مواطن الإدراك والشعور من الإنسان، غير مختلطة بغيرها، مما يسبقها أو يلحقها من كلام. ومن هنا أيضا ندرك السّرّ فى قوله تعالى: «وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا» .. فإن أبرز ما فى هذا الأمر من حكمة، هو نقل كلمات الله، من اللسان، إلى الأذن، ثم إلى العقل والقلب، فى صورة سويّة واضحة، ليكون مفهومها سويّا واضحا.. فالإنسان له سمع، وإن بدا أن هذا السمع هو أسماع، فى استقباله لعشرات الأصوات ومئاتها، دفعة واحدة.. والمطلوب من الإنسان أن يستعمل سمعا واحدا، ليكون لما يسمعه معقول، ومفهوم، وثمر! أما حاسّة البصر، فهى على خلاف حاسّة السمع.. إذ أن العين تستطيع أن تضبط كثيرا من صور المرئيات فى نظرة واحدة، كما أنها تستطيع أن تعاود النظر فى الشيء المرئي لها، مرّة ومرة، ومرات كثيرة، حتى تتحققه وتستيقنه.. ومن هنا كانت العين مجموعة من الأعين، بتردّدها على الشيء، ومعاودتها النظر إليه، حالا بعد حال، وليس كذلك الأذن التي إن أفلت منها الصوت الملقى إليها، لم يكن فى الإمكان ردّه، فقد ذهب أدراج الرياح، ولا يمكن أن يعود، وإن أمكن استدعاء مثله، من مصدره الذي جاء منه.. والقلب، فى تأثّره بالمحسوس، من مرئى، ومسموع، ومشموم، وملموس، هو أشبه بالعين، فى قدرته على معاودة النظر إلى تلك الصور التي تلقى بها الحواس إليه، فيعيش معها زمنا، على هيئة خواطر ومشاعر ووجدانات، يشكّل منها جميعا عالمه الذي يعيش فيه، ويستملى منه نزعاته وسلوكه.

وقوله تعالى: «انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ» . تصريف الآيات: تنويعها، وبسطها، لتنكشف وتتضح. ومعنى يصدفون: أي ينصرفون، ويميلون عن الحق الذي تحمله آيات الله- إلى ما يشتهون من الباطل والضلال. وفى هذا المقطع من الآية الكريمة تشنيع على هؤلاء الضالّين، وفضح لسفاهتهم، على أعين الناس، ودعوة لكل ذى عقل أن يرى ويحكم. وقوله سبحانه: «قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ» استحضار لهؤلاء المشركين فى موقف آخر من مواقف المساءلة، ومواجهة العذاب المعدّ لمن يدينهم الحساب فى هذا الموقف، بعد أن ذكّروا بنعم الله التي تلبسهم ويلبسونها، والتي إن سلبها الله إياهم لم يكن لقوة فى الوجود أن تأتيهم بها.. وهنا فى هذا الموقف، هم مجرمون، قد حكم بتجريمهم من قبل، وها هم أولاء يهدّدون بعذاب الله، الذي يؤخذ به كل متكبر جبار، وأن هذا العذاب غير موقوت بوقت لديهم، وإنما أمر ذلك إلى الله، فقد يأتيهم على حين غفلة، من حيث لا يشعرون أو يتوقعون، كما فعل ذلك بقوم لوط وقوم عاد، أو قد يأتيهم العذاب بعد أن ينذروا به، ويحدّد لهم وقته، تلميحا، كما فى قوم نوح، أو تصريحا، كما فى قوم صالح، إذ يقول الله تعالى: «فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ» (65: هود) . وفى قوله تعالى: «هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ» دفع بهم إلى يد الهلاك، ليلحقوا بالظالمين، الذي أهلكهم الله من قبل، ودمدم عليهم بذنبهم.. فتلك سنّة الله فى الذين خلوا من قبل.. وأنه إذا كان سبحانه وتعالى لم يعجّل لهم الهلاك، ولم يوردهم موارد الظالمين، فذلك إملاء لهم، ومظاهرة لحجة الله عليهم،

الآية: (48 - 49) [سورة الأنعام (6) : الآيات 48 إلى 49]

ليذوقوا العذاب ضعفين يوم القيامة «وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ» (16: فصلت) . الآية: (48- 49) [سورة الأنعام (6) : الآيات 48 الى 49] وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (49) التفسير: فى قوله تعالى: «وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ» تعقيب على ما فى الآيات السابقة، من دعوة الناس إلى الله على لسان رسله، وأمهل الله- سبحانه- للمكذبون منهم، وأخذهم بالبأساء والضراء حينا، وبالنّعماء والسراء حينا آخر. وذلك ليكون لهم فى أنفسهم نظر، ولهم إلى الله رجعة، حتى إذا بلغ بهم الكتاب أجله، ولم تنفعهم الآيات والنّذر، أخذهم الله بعذاب بئيس، وأوردهم موارد الهالكين. وفى هذه الآية، بيان لموقف الرسل ممن أرسلوا إليهم.. فما للرسل سلطان على الناس، أن يؤمنوا أو يضلّوا، وإنما هم دعاة إلى الخير والهدى، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها.. وليس الرسل كذلك، هم الذين يملكون العفو والمغفرة، أو يسوقون العذاب والهلاك للمعاندين والمشركين، فذلك إلى الله وحده، لا يملكه أحد غيره، وما على الرسل إلا البلاغ. وقوله تعالى: «فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» هو بيان لأثر من آثار الرسل فى الناس، وأن هناك فى الناس من يهتدى بهم، ويؤمن

بالله عن طريقهم.. وهؤلاء الذين اتبعوا الرسل وآمنوا بالله، وعملوا الصالحات، قد فازوا وسعدوا، وأمنوا من هول يوم القيامة، ولم يقع فى نفوسهم حزن وحسرة على فائت فاتهم من حظوظ لدنيا، وخير الآخرة.. فما فاتهم فى الدنيا مما كان يعدّه المشركون بالله نعيما استهلكوا فيه أنفسهم، هو رذل خسيس إلى جانب النعيم المقيم المعدّ لهم فى جنات الخلد، أما خير الآخرة فلم يفتهم منه شىء. فقد آمنوا بالله، وهذا هو رأس كل خير.. ثم هداهم الإيمان إلى الأعمال الصالحة، التي ترضى الله الذي آمنوا به، وتدخلهم فى جنّاته. وقوله تعالى: «وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ» هو كشف للوجه الآخر من دعوة الرسل، وأنه إذا آمن بهم كثير من الناس، فقد كفر بهم كثير من الناس أيضا.. ولكل من المؤمنين والكافرين حسابه وجزاؤه.. وقد بينت الآية السابقة عاقبة المؤمنين وجزاءهم، وأنه لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون.. وأما الذين كفروا وكذبوا بآيات الله، فأولئك «يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ» . والفسوق، هو الخروج، يقال فسق الفرخ من البيضة: إذا خرج منها، والفاسق هو من يخرج عن حدود الله، وفى هذا يقول الله تعالى عن إبليس «إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ» . وفى قوله تعالى: «يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ» إشارة إلى أن عذاب الله شديد لا يطاق، وأن مسّة من هذا العذاب، تحيل حياة من تصيبه إلى شقاء دائم، وبلاء متصل.. نعوذ بالله من عذاب الله.

الآيات: (50 - 52) [سورة الأنعام (6) : الآيات 50 إلى 52]

الآيات: (50- 52) [سورة الأنعام (6) : الآيات 50 الى 52] قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (50) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) التفسير: وإذ بيّن الله سبحانه وتعالى فى الآيات السابقة، محامل الرسالة التي يحملها رسله إلى عباده، وأنها رسالة قائمة على البلاغ بما يؤمر الرسول بتبليغه إلى قومه.. وأن من استجاب منهم فقد فاز، ومن أبى واستكبر فقد خاب وخسر. إذ بين الله سبحانه وتعالى هذا الذي كان بين الرسل وأقوامهم، فقد بيّن سبحانه وتعالى موقف النبىّ الكريم من قومه، وأنّه ليس بدعا من الرسل، فما هو إلا بشير ونذير، وأن هذه المقترحات التي يقترحها عليه السفهاء من المشركين، ليست من وظيفة الرسول، ولا من محامل رسالته.. فالرسول مبلّغ وليس منشئا لرسالته.. فما جاءه من عند الله بلّغه، وما لم يجئه أمسك عنه، وإلا كان متجاوزا الحدود المرسومة له.. وقوله تعالى: «قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ» هو إقرار على لسان الرسول نفسه، يواجه به الذين يرون فى الرسول قوى لا يراها الرسول نفسه..

ومن شأن الإنسان أن يستكثر من الفضائل التي تضاف إليه، فإذا لم يتحدث بها هو عن نفسه دعا الناس إلى أن يتحدثوا بها عنه، فإذا تحرّج من هذا، لم يتحرج مما يراه الناس فيه ابتداء، من غير أن يحملهم عليه.. وهنا نجد الرسول الكريم يعرض نفسه على قومه، نازعا عنه كل تلك الأثواب الفضفاضة، التي يلبسونها إياه، من نسج خيالاتهم وأوهامهم، مجرّدا من كل قوة إلا قوة إيمانه بالله، واستقامته على الحق الذي يدعو إليه. فالنبىّ لا يملك للناس سعة فى الرزق، لأنّه يرزق مثلهم، ولا يرزق غيره: «لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ» فخزائن الله الله، يعطى منها ما يشاء لمن يشاء!. والنبىّ لا يعلم الغيب، ولا يدرى ما يطلع به يومه، أو غده، عليه أو على الناس، مما يحمد أو يسوء.. فعالم الغيب والشهادة هو الله وحده. والنبىّ.. بشر من البشر، وإنسان من الناس، هو مثلهم، مقيّد بقيود هذا الجسد البشرى، وليس هو ملك من ملائكة الرحمن يستطيع أن يفعل مالا يفعله الإنسان، من خوارق ومعجزات. والنبىّ ملزم بالوقوف عند حدود رسالته، يبلغها كما أنزلت إليه، لا يزيد عليها شيئا، ولا ينقص منها شيئا.. «إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ» . وهذا الإقرار من النبي، والاعتراف على نفسه هذا الاعتراف الواضح الصريح، هو دليل من أدلة النبوة، وآية من آيات صدق النبىّ، وأنه مأمور بأن ينقل إلى النّاس ما يوحى إليه من ربّه، ولو كان أمرا متعلقا به، فى خاصة نفسه، أو أهله.. وقوله تعالى: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ» هو تعقيب على هذا

الاعتراف من النبىّ، يلقى به إلى أسماع من يستمعون إلى هذا الاعتراف، وأن هؤلاء المستمعين، بين أعمى لا يرى مواقع الخير، ولا يهتدى إلى طريق الحق، وبصير، يتهدّى إلى الخير، ويستقيم على طريق الهدى.. وأنه لا يستوى الجاهل والعالم، ولا الأعمى ولا البصير، ولا الضال ولا المهتدى.. وفى الاستفهام الإنكارى تنبيه للغافلين من غفلتهم، وإيقاظ للنائمين من نومهم، ليستقبلوا هذا النور الذي بين يدى النبىّ، وليفتحوا عيونهم عليه، وليسيروا على هديه، إن أرادوا لأنفسهم النجاة والسلامة والخير. قوله سبحانه: «وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ» هو توجيه للنبىّ الكريم أن يتّجه بدعوته إلى حيث تجد آذانا تسمع، وقلوبا تعى، فإنه حينئذ يرجو لدعوته استجابة ونجحا فى نفوس مهيأة للاستماع والتعقل.. والضمير فى «به» يعود إلى القرآن الكريم. والنبي- صلوات الله وسلامه عليه- وإن كان مأمورا بأن يدعو النّاس جميعا إلى الله، وأن يقوم فيهم بشيرا ونذيرا، إلّا أن الفاته إلى من فيهم الاستعداد للاستماع والاستجابة، أولى ممن لا يسمع ولا يعقل، ولا يجيب.. أو قل إن دعوته وما تحمل من هدى ونور- وإن كانت موجهة إلى الناس جميعا- إنّما يفيد منها، وينتفع بهديها، هم أولئك الذين يخشون ربهم، ويخافون عذابه، وبهذا يبدو غيرهم وكأنه غير مدعوّ إلى هذا الخير المساق إلى الناس كلّهم، وفى هذا ما فيه من تضييع لهؤلاء الصادّين عن سبيل الله، وإهدار لوجودهم بين الناس..! وقوله تعالى: «لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ» جملة حالية، وصاحب الحال هو الضمير فى «يحشروا» .. أي أن هؤلاء الذين يخافون أن يحشروا

إلى ربهم، فى حال لبس معهم فيها ولىّ يتولى أمرهم عند الله، أو شفيع يشفع لهم، فيخلصهم من عذابه- هؤلاء هم الذين يعملون للقاء الله حسابا، ومن ثمّ فإنهم يستمعون لكلمات الله، ويستجيبون لرسول الله، فيكونون ممن رضى الله عنهم، ووقاهم عذاب الجحيم. وقوله سبحانه «لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» الرجاء هنا معلق بهؤلاء الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم غير مصحوبين بولىّ أو شفيع، فهذا الخوف من شأنه أن يبعث الإيمان والتقوى فى أصحابه.. فهم- والحال كذلك- على رجاء من التقوى، وعلى مداناة منها، إن هم استقاموا على هذا الطريق، واحتملوا ما يلقاهم عليه من مشقة وأذى. قوله تعالى: «وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» . هنا سؤال: هل طرد النبىّ من يدعون ربهم بالغداة والعشىّ يريدون وجهه؟ أو هل همّ بطردهم؟ وإلا فما معنى هذا النهى من الله تعالى للنبىّ الكريم؟ والجواب: أن النبىّ صلى الله عليه وسلم لم يكن منه طرد لجماعة مؤمنة تدعو ربها بالغداة والعشى، بل ولم يكن منه همّ بهذا الأمر.. وكيف يساغ هذا؟ ورسالته- عليه الصلاة والسلام- قائمة على دعوة النّاس أن يدعو ربهم بالغداة والعشى؟ فكيف يدعو إلى أمر، ثم يقف هذا الموقف ممن يأتون هذا الأمر؟ وإذن فما معنى هذا النهى الموجه من الله سبحانه إلى النبي الكريم؟ الواقع أن هذا النهى، وإن كان فى ظاهره موجها إلى النبي- هو ردّ على

المشركين من زعماء قريش، الذين كانوا يأخذون على النبىّ أنه لا يألف إلا هؤلاء الفقراء المستضعفين، ولا يألفه إلا هؤلاء.. وأن مجلسا يضم مثل تلك الجماعة فى فقرها، وضعفها، ليأنف زعماء قريش أن يكون لهم مكان فيه.. ولهذا جاء النهى إلى النبىّ الكريم، ليقرع أسماع المشركين، وليريهم أن محمدا لن يتخلى أبدا عن هؤلاء الفقراء الذين تزدرى أعينهم، وأنه إذا كان ألف صحبة هؤلاء الفقراء وأنس بهم قبل أن يتلقى أمر ربه بشأنهم- فإنه الآن وقد جاءه من ربّه هذا النهى الذي يلبس صورة الأمر بالحفاظ على تلك الجماعة الفقيرة المؤمنة، وملء يده منها، وإعطائها وجهه كله- إنه لن يتخلّى أبدا عن تلك الجماعة، ولو وقعت السماء على الأرض.. إنه لن يعصى أمر ربّه، ولن يخرج عنه بحال أبدا.. هذا ما تعرفه قريش فيما عرفت من محمد، وأخذه بكل كلمة جاءته من ربه، أو يقول أنها جاءته من ربه، كما تزعم قريش. إذن، فهذا النهى هو كبت لقريش، ولزعمائها خاصة، واستخفاف بهم، وأنهم أقلّ شأنا، وأخفّ ميزانا عند الله الذي يدعوهم محمد إليه، وأن حساب النّاس فى هذا الدين الذي يدعو إليه، ليس بجاههم وسلطانهم، وأنسابهم، وأحسابهم، وإنما هو مائدة ممدودة من الله لعباد الله، فمن أخذ مكانه منها، لم يكن لأحد أن يزحزحه عنه.. إنه فى ساحة الله، وعلى مائدة الله.. وعلى ما تطول يد الإنسان من هذه المائدة يكون حظه من الخير، ومكانه من الله.. وفى قوله تعالى: «ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ» - فى هذا بيان كاشف لحساب الناس عند الله، وأنهم عنده بأعمالهم، لا بأحسابهم وأموالهم.. وهذا هو النبىّ الكريم، حامل رسالة السماء، ومبعوث ربّ العالمين،

هو والناس عند الله فى ميزان العمل على سواء.. كلّ مجزىّ بعمله، من إحسان أو إساءة.. فهؤلاء الفقراء المستضعفون الذين يدعون ربهم بالغداة والعشىّ، يرجون رحمته، ويخشون عذابه- إنما يعملون لأنفسهم، كلّ يطلب لها السلامة والنجاة، فكيف يطردهم النبىّ- كما تتوهم قريش- من هذا الميدان الذي اختاروا العمل فيه، طالبين النجاة من عذاب الله، والفوز برضوانه؟ إن النبىّ لا يحمل عنهم ما يكون منهم من تقصير فى جانب الله، إذا هم طردوا من هذا المورد العذب الذي يتزودون منه فى طريقهم إلى الله.. فكيف يطردهم؟ أيحمل عنهم وزرهم يوم القيامة؟ إنهم محاسبون على أعمالهم، وإنهم لمجزيّون عنها.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ» أي إن النبىّ لن يضارّ بما يحملون من سيئات، إذ أن كلّ نفس تحمل ما كسبت.. والله سبحانه يقول: «وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى» (18: فاطر) .. «وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ» أي إنك لن تحمّلهم شيئا من حسابك.. وإذن، فدع هؤلاء يعملون لأنفسهم، كما تعمل أنت لنفسك، وإنه لمن الظلم أن يرفع أحد يدهم عن العمل الذي يريدون به وجه الله، وحسن المآب إليه.. ولهذا جاء قوله تعالى: «فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ» - حكما قاطعا بالظلم على من يتصدّى لمن يؤمن بالله، ويشغل قلبه ولسانه وجوارحه بذكره. ولا شك أن المشركين من زعماء قريش إذ يرون هذا الحساب الذي بين النبىّ- صاحب الرسالة- وبين أضعف الناس شأنا، وأنزلهم منزلة فى نظرهم- إنهم إذ يرون هذا الحساب، يجدون أنه قائم على العدل والإحسان، وأن الناس عند الله- حتى الأنبياء- بأعمالهم، وليس بمالهم من رياسات دينية

الآيات: (53 - 55) [سورة الأنعام (6) : الآيات 53 إلى 55]

أو مادية.. إنهم ليرون ذلك لو عقلوا.. وقد عقل كثير منهم، وأسرع إلى الإسلام، يأخذ لنفسه مكانا مع السابقين الأولين إليه. الآيات: (53- 55) [سورة الأنعام (6) : الآيات 53 الى 55] وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55) التفسير: كان أكثر ما دخل على زعماء قريش وسادتها الذين آثروا الكفر على الإيمان، واستحبّوا العمى على الهدى- كان أكثر ما دخل عليهم من دعوة الإسلام، وصدّهم عنها، أن سبقهم إليها جماعات ممن لم يكونوا أصحاب سيادة أو رياسة فيهم- بل كانوا من الفقراء والمستضعفين والأرقّاء من الرجال والنساء- فأنف هؤلاء السادة أن ينضموا إلى ركب العبيد، وحسبوا أن الدين والدنيا على سواء، وأن من كان عزيزا فى الدنيا، فهو سيد وعزيز فى الدّين، وبدا لهؤلاء السادة أن ما جاء به محمد ليس فيه ما يرفع من مقام السادة، أو حتى يحتفظ لهم بمكانهم الذي هم فيه- وإذن فزهدهم فى هذا الدين، وصرف وجوههم عنه هو الموقف، الذي ينبغى عليهم أن يلتزموه، وأن يدعو هذا الدين للعبيد والإماء، ومن هو مثلهم ضعفا وفقرا، فلن يزيدهم هذا الدين، إلا فقرا وضعفا.. هكذا كان تقدير السادة والزعماء من مشركى قريش، وهكذا كان تصورهم للرسالة الإسلامية، وما تحمل من هدى ونور.. وهذا ما حكاه القرآن عنهم

فى قوله تعالى: «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ» (11: الأحقاف) . وقوله تعالى: «وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ» هو بيان لهذا الموقف الذي وقفه سادة قريش وكبراؤها من دعوة الإسلام، وأنهم إنما ضلّوا الطريق إلى الإيمان بالله بسبب أنّ جماعة من المستضعفين والفقراء قد سبقوهم إليه، فقد كان ذلك فتنة لهم، وكان لسان حالهم يقول ما حكاه القرآن عنهم: «أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا؟» يقولونها تهكما وسخرية.. إذ كيف يختار الله لدينه منهم من هم أنزل الناس منزلة فيهم؟ وقد ردّ الله عليهم بقوله: «أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ» .. فالله سبحانه وتعالى هو الذي اختار هؤلاء الذين سبقوا إلى الإسلام، ودعاهم إلى مائدته، وأقامهم فى الصفوف الأولى منها، لما علم سبحانه وتعالى من قبولهم لدعوته، وشكرهم لفضله ونعمته. أما هؤلاء السادة المتكبرون، فليسوا أهلا لأن يدعوا من الله، ولا أن يكونوا فى السابقين إلى مائدة الإسلام، والله سبحانه وتعالى يقول: «وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ» . (23: الأنفال) . قوله تعالى: «وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» - هو بيان لوجه كريم من وجوه الدعوة الإسلامية، وأنها لا تصدّ أحدا يرد شريعتها، ويريد الارتواء منها.. وهؤلاء الذين وقفوا من النبىّ ومن أصحابه هذا الموقف العنادىّ العنيف- هؤلاء لن يغلق الإسلام بابه دونهم، ولن يقبض الله يد رحمته عنهم.. بل هم حيث طرقوا باب الإسلام فتح لهم على مصراعيه، واستقبلتهم على عتباته رحمة الله ومغفرته، فمحت كل ما علق بهم من آثام وسيئات، وإذا هم مواليد جدد فى الإسلام، يدخلونه وصفحات

كتابهم بيضاء لم يمسسها سوء.. وأنهم منذ اليوم هم الذين يملون ما يكتب فى هذه الصفحات، من خير أو شر. وفى قوله تعالى: «وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا» استدعاء لأولئك الذين تخلّفوا عن الإسلام، وحثّ لخطاهم على أن يسبقوا حتى لا يكونوا فى مؤخرة الركب.. وهذا هو السرّ فى التعبير بقوله تعالى «يُؤْمِنُونَ» الذي يدل على الحال المتجددة فى المستقبل الممتدّ.. وفى قوله تعالى: «فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ» هو التحية الطيبة المباركة التي يلقاهم بها الله على لسان رسوله، وهم على عتبة الإسلام.. وفى هذا الترحيب بهم أنس لهم، وطمأنينة لمستقبلهم، فهم فى أمن وسلام، وفى خير وعافية: «سلام عليكم» .. أي سلام يشتمل عليكم، ظاهرا وباطنا. فإذا أنسوا لهذه التحية الكريمة، تلقّوا تحية أعظم وأكرم.. «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» فهذه الرحمة التي أوجبها الله على نفسه، رحمة منه وكرما وفضلا، هى التي تضفى على الداخلين فى الإسلام، لأمن والسلام، بالتجاوز عمّا قترفوا من قبل من آثام.. فهم أبناء لإسلام منذ اليوم الذي دخلوا فيه، ولا شىء عليهم مما اقترفوه من قبل.. «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» وهذا السوء الذي فعلوه بجهالة، هو ما كان منهم من حرب على الإسلام، وأذى للمسلمين، الأمر الذي جعلهم يدخلون الإسلام وأشباح هذه المنكرات تقضّ مضاجعهم، وتكاد تفسد عليهم حياتهم مع الدين الذي دخلوا فيه.. فكان قوله تعالى: «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» - كان هذا ردّا لاعتبارهم، وتصحيحا لوجودهم، وسكنا لنفوسهم، وبردا وسلاما على قلوبهم.

الآيات: (56 - 58) [سورة الأنعام (6) : الآيات 56 إلى 58]

قوله تعالى: «وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ» هو بيان لما تحمله دعوة الإسلام من آيات بينات، وبيان مبين، بحيث ينفضح على أضوائها أولئك الذين يسلكون طريقا غير طريقها، إذ يرى كل عاقل أنهم يمشون فى ظلام، ويعيشون فى ضلال. الآيات: (56- 58) [سورة الأنعام (6) : الآيات 56 الى 58] قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (57) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58) التفسير: قوله تعالى: «قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» التفات إلى هؤلاء المشركين، الذين أرادوا النبىّ على أن يطرد من اجتمع إليه من الفقراء والمستضعفين، ثم ليتحدث بعد هذا إليهم هم، إن كان له معهم حديث! وقد أمر الله النبىّ أن يلقى هؤلاء المشركين بهذا القول الفصل فيما بينهم وبينه: «إِنِّي نُهِيتُ» أي تلقيت نهيا من ربى «أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» من أصنام، أو ملائكة أو جنّ، أو كواكب، وما أشبه ذلك.. وقوله تعالى: «قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ» بيان لضلال هؤلاء المشركين، وأنهم إنما يعبدون آلهة من صنعة أهوائهم، ونزغات شياطينهم، لا يقلبها عقل، ولا يتعامل

معها عاقل.. وتكرار الأمر «قل» هو- كما قلنا- مزيد من عناية الله- سبحانه- بالرسول الكريم، وإشعار له بأنه مأنوس برحمة الله، إذ يضع سبحانه وتعالى على فمه كلماته، وآياته، ليلقى بها المشركين، ويفضح باطلهم، ويكشف ضلالهم. وقوله تعالى: «قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ» هو تتمة مقول القول، فى قوله تعالى: «قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ» لأن من يتبع أصحاب الهوى يضلّ ولا يهتدى أبدا. وأنتم أيها المشركون أصحاب هوى وضلال، فلو اتبعتكم كنتم مثلكم من الضالين، وحاشا لله أن أفعل هذا، وأن ألقى بنفسي إلى التهلكة. وقوله تعالى: «قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي» أي على أمر واضح مشرق من صلتى بربّى ومعرفتى به، تلك المعرفة التي لا يدخل عليها شك أو ريب، ولا يلحقها وهن أو ضعف.. وحرف «على» هنا يفيد الاستعلاء والتمكن، وهذا يعنى أن معرفة النبىّ بربّه معرفة كاملة، تملأ القلب يقينا واطمئنانا، فلا يتحول عنها أبدا. وقوله سبحانه: «وَكَذَّبْتُمْ بِهِ» هو عطف على قوله تعالى: «إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي» من عطف الجمل.. أي إنى على معرفة بربّى وقد آمنت به، وأنتم على ضلال وعمى فكذبتم به، ولم تتخذوه إلها واحدا تعبدونه. وقوله تعالى: «ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ» أي ليس فى يدىّ العذاب الذي تستعجلونه، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ» (53: النمل) .. وما حكاه سبحانه وتعالى على لسانهم فى قوله: «وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» (32: الأنفال)

وقوله سبحانه «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ» أي أن إلى الله سبحانه مرجع هذا الذي تستعجلون به من عذاب، إن شاء عجّل لكم العذاب، وإن شاء أخره، وإن شاء رحمكم وأخذ بكم إلى طريق الهدى.. أما أنا فلا أملك من هذا كله شيئا.. «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ..» «يَقُصُّ الْحَقَّ» أي يقضى به، «وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ» فما قضى به فهو الخير كله، وهو العدل كله. وقوله تعالى: «قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ» إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان فى يده هذا المقترح الذي يقترحونه عليه، ليكون آية صدقه عندهم، لجاءهم به، ولأرسل عليهم العذاب الذي طلبوه، ولقضى الأمر بينه وبينهم، ولم يعد ثمّة جدال، أو خلاف.. ولكن الأمر بيد الله، وهو حكيم حليم، لا يعجّل لكم ما تطلبون، مما فيه هلاككم، وقد اقتضت حكمته أن يمهلكم، فلعل فى امتداد الزمن بكم ما يفسح المجال أمام الكثير منكم، ليهتدى، ويؤمن بالله، ويفوز برضوانه.. فكل يوم يمر بكم دون أن يأتيكم هذا العذاب الذي تطلبونه، هو رحمة من الله بكم، ودعوة مجدّدة منه سبحانه إليكم، أن ترجعوا إليه، وتؤمنوا به، وتكونوا فى عباده المخلصين.. وهذه فرصتكم.. إن أفلتت منكم فلن تعود أبدا. وقوله تعالى: «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ» تهديد ووعيد لهؤلاء الذين أمهلهم الله، ولم يعجل لهم العذاب، ليصححوا عقيدتهم، ويرجعوا إلى ربهم.. ولكن الظالمين ظلوا على عتوّهم، وكفرهم، وعنادهم.. والله عليم بهم، وسيأخذهم بذنوبهم: «يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا» ..

الآيات: (59 - 62) [سورة الأنعام (6) : الآيات 59 إلى 62]

الآيات: (59- 62) [سورة الأنعام (6) : الآيات 59 الى 62] وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (59) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ (62) التفسير: بدأت السورة بآيات فيها عرض لجلال الله، وعظمة ملكه، وبسطة سلطانه، وسعة علمه، ثم جاءت بعد ذلك بمواجهة النبي وقومه، وخاصة المشركين منهم، الذين أنفوا أن يستجيبوا للرسول، لأنه بشر مثلهم، وأبوا أن يدخلوا فى دين يجعلهم والأرقاء والفقراء على سواء.. ثم تجىء الآيات بعد ذلك، لتعرض جانبا من جلال الله وعظمته، ليكون فى ذلك ذكرى لمن غفل عن الله، ونسى ما ذكّر به من قبل. وقوله تعالى: «وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ» الضمير فى «وعنده» يعود إلى الله سبحانه وتعالى، حيث جاء لفظ الجلالة فى قوله تعالى: «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ» .. الآية (58) .

ومفاتح الغيب: مفاتيحه التي تفتح بها خزائنه المودع فيها الغيب.. والغيب: ما غاب عنا إدراكه بحواسنا أو بعقولنا. والمعنى: أن الغيب المحجب عنا فى أطواء الزمان أو المكان، هو مما استأثر الله- سبحانه- بعلمه وأن ما يضمره هؤلاء الظالمون، من شر، وما يبيتونه من سوء، هو واقع فى علم الله، وسيحاسبون على كل صغيرة وكبيرة منه والتعبير عن الغيب بأنه مودع فى خزائن، وأن هذه الخزائن لها مفاتيح، وأن هذه المفاتيح لا يعلمها إلا الله- فى هذا إشارة إلى أن الغيب الذي استأثر الله بعلمه، أبعد من أن ينال، أو أن يطلع عليه أحد، إلا لمن أذن له الرحمن، ممن اصطفاه من خلقه. وفى هذا يقول سبحانه: «عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ» (26- 27: الجن) . وإظهار الرسول على الغيب، هو إعلامه به من قبل الله تعالى، بما يوحى إليه من أنباء الغيب، كما يقول سبحانه: «تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا» (49: هود) . وقوله تعالى: «وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ» هو بيان لبعض علم الله.. وتخصيص البر والبحر، لأنهما مما يقعان تحت حواسنا، وقوعا دائما متصلا.. ومع هذا فإنهما مما هو غيب عنا، إذ أن كل ما نعلم من أمرهما هو قليل قليل إلى ما لا نعلم.. ثم إن هذا العلم الذي نعلمه هو جهل بالنسبة لعلم الله، الذي يعلم حقائق الأشياء، وما أودع فيها من أسرار، أما علمنا فهو واقف عند ظواهرها، لا ينفذ إلى الصميم من أعماقها.

وقوله سبحانه: «وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ» هو تفصيل، بعد تفصيل، بعد إجمال.. فقد جاء علم الله عاما شاملا: «وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ» ثم جاء مفصلا.. «وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ» ثم فصل هذا المفصل «وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ» إلا يعلمها، وإلا هى «فِي كِتابٍ مُبِينٍ» أي أن كل شىء وجد أو سيوجد، هو فى علمه منذ الأزل، مسجل فى كتاب محفوظ، لا يتغير ولا يتبدل: «وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ» (34: الأنعام) والكتاب المبين، هو الواضح، المحكم، المتمكن من كل شىء ... «وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً» (29: النبأ) . قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ» إشارة إلى نعمة النوم، واليقظة، وأن النوم أشبه بالموت، حيث تسكن فيه الحواس، وتتعطل ملكات الإنسان.. ونوم الإنسان ويقظته كل يوم، فيه تذكير له بالموت والبعث، إن كان مؤمنا، وتصوير لهما إن كان شاكا، ومظاهرة للحجة عليه، إن كان منكرا كافرا.. وفى قوله تعالى: «وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ» بعد قوله تعالى «وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ» إمساك بالإنسان وهو فى حال النوم، كميّت بين الأموات، ووضعه أمام ما كسب فى حال يقظته، قبل أن يحتويه النوم أو يمسكه الموت.. وتلك عملية يرى فيها الإنسان صورة مصغرة لما يكون عليه حسابه يوم القيامة، وأنه ما هى إلا نومة كهذه النومة، حتى يجد نفسه هو وما عمل، بين يدى الله، للحساب والجزاء، وللجنة أو النار..

وفى هذا ما يحمل الإنسان على أن يتدبر أمره، ويراجع حسابه، ويستعد لليوم العظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين.. وفى التعبير عن أعمال الناس (بالجرح) «وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ» إشارة إلى الأعمال السيئة، وأنها عدوان على حرمات الله، وجرح لها، حتى لكأنها كائن حىّ، يصاب بطعنة رمح، أو ضربة سيف.. وإذ كانت كذلك فإنه لا بد من قصاص، كما يقول سبحانه: «وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ» . والسؤال الوارد هنا: إذا كان علم الله عامّا شاملا لكل ما يعمل الإنسان من خير وشر، فلم اقتصر به هنا على ما اكتسب الإنسان من سيئات، وما اجترح من حرمات؟. والجواب على هذا، هو أن سلامة الإنسان قائمة على تجنبه المعاثر، ووقوفه على حدود الله.. فإذا كفّ يده عن اجتراح المحارم، فقد فاز ونجا.. ذلك أنه إذا خلّص نفسه من دواعى الإثم والشر، استقامت طريقه على الحق والهدى، وانطلق فى حرية إلى حيث أمر الله من خير وإحسان. وقوله تعالى: «ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ» الضمير المجرور بحرف الجر «فى» يعود إلى النهار.. «وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ.. ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ» والمراد بالنهار ليس نهارا بعينه، وإنما هو مطلق النهار، حيث تكون فيه يقظة الإنسان والكائنات الحية.. وحيث تقع فيه كل أعمال الإنسان من خير أو شر. وقوله: «لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى» أي أن هذا البعث الذي يكون باليقظة من النوم إنما هو لاستيفاء الأجل الذي قدره الله للإنسان فى حياته الدنيا.. وقوله تعالى: «ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» أي أنه بعد استيفاء الأجل المقدور لكم، يرجعكم الله إليه بالموت، ثم يبعثكم بعد الموت لتروا أعمالكم، وتحاسبوا عليها..

الآيات: (63 - 65) [سورة الأنعام (6) : الآيات 63 إلى 65]

قوله تعالى: «هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً» بيان لقدرة، وهو أنه- سبحانه- بهذه القدرة، قائم على عباده، آخذ بنواصيهم، لا يملكون شيئا معه من أنفسهم، وأن عليهم حفظة من عنده، يكتبون ما يفعلون، ويحصون عليهم ما يعملون.. «وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ. كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ» . (10- 12: الانفطار) وقوله تعالى: «حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ» مجىء الموت: هو حلول وقته، بانتهاء عمر الإنسان.. فإذا انتهى أجل الإنسان، أدّى رسل الله مهمتهم معه، بانتزاع روحه، دون إمهال أو تفريط.. وقوله سبحانه: «ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ.. أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ» إمارة إلى أن الموت ليس هو نهاية الإنسان، وإنما هو بداية مرحلة جديدة، ونقلة إلى عالم آخر، حيث يبعث الناس، ويردون إلى الله مولاهم الحق، كما هو حق سبحانه فى ذاته، وكما يراه المؤمنون والكافرون يومئذ.. حيث ينادى منادى الحق: «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟» فيكون جواب المخلوقات جميعها بصوت واحد: «لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ» . الآيات: (63- 65) [سورة الأنعام (6) : الآيات 63 الى 65] قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64) قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)

التفسير: وهذا مظهر آخر من مظاهر جلال الله وقدرته، وبسطة سلطانه، وسعة علمه.. فهو سبحانه، هو الذي يرجى لكشف الملمّات، ويدعى عند الشدائد. حيث تضل عن العقول كل تلك الخرافات التي يعبدها الضالون، ويتعامل معها المشركون.. وقوله تعالى: «مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ» ؟. استفهام تقريرى، مطلوب الجواب عليه، ممن يدخلون فى مثل هذه التجربة القاسية، التي لا يسلم منها إنسان، فى جميع أحواله وظروفه.. وفى قوله تعالى: «مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ» إشارة إلى أن الشدائد التي تصيب الإنسان فى البر والبحر، هى ظلمات تحجب عنه الرؤية، وتعمّى عليه طريق النجاة، فلا يجد إلا الاستسلام، واللّجأ إلى الله. والتضرع: التذلل والمسكنة.. والخفية: التخافت، والهمس.. وهذا ما يفعله الكافرون والمشركون، خوفا من أن يفتضح حالهم، وذلك حين تكون الشدة الممسكة بهم غير قاهرة، فإذا كانت الشدة مطبقة ضاغطة، كان منهم الضّراعة والتذلل.. علانية وصراخا.. وفى قوله تعالى: «لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ» ما يكشف عن تلك الطبائع المنكرة، وهذه القلوب القاسية، التي تأبى أن تخلص الإيمان، حتى وهى فى مواجهة الموت، فلا يدعون الله دعاء من هو حاضر فى نفوسهم، مستول على كيانهم، بل يدعونه دعاء الغائب، البعيد عنهم.. «لَئِنْ أَنْجانا» ولم يقولوا لئن أنجيتنا.. لأنهم لا يعرفونه، ولا يعلمون أنه قريب منهم، يسمع سرّهم ونجواهم.

ومع هذا، فقد أوسع الله لهم فى باب رحمته، فكشف عنهم الضرّ، ودفع عنهم البلاء.. فلما اطمأنوا، عادوا إلى ما كانوا عليه من شرك وكفر.. «قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ» . وقوله سبحانه: «قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ» . فالله الرحمن الرحيم، هو منتقم شديد العقاب.. قادر على أن يبعث على هؤلاء المشركين المحادّين لله ورسوله، صواعق مهلكة من السماء، أو بحارا مغرقة من الأرض، أو أن يلبسهم شيعا، أي يجعلهم أهواء متفرقة، ومذاهب متقاتلة، يضرب بعضهم بعضا، ويذيق بعضهم بأس بعض.. وقوله تعالى: «أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً» أي يخلطكم شيعا وفرقا، حتى ليكاد يلبس بعضكم بعضا، كما يلبس الجسد الثوب، مع تفرقكم مشاعر وعواطف ونزعات.. وهذا هو البلاء، أعظم البلاء، يصاب به مجتمع، يحويه مكان واحد، وحياة واحدة.. وإنه لا نعمة أعظم من نعمة الألفة بين قلوب الجماعة، تلك الألفة التي تجمعها على الحب والمودة والرحمة، وفى هذا يقول الله تعالى: «وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً» . وقوله تعالى: «انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ» . إلفات لكل ذى عقل أن ينظر إلى هذه الآيات التي تكشف عن جلال الله، وقدرته، وعلمه وحكمته، والتي يجلّيها فى معارض شتّى، بحيث يرى منها كل ذى نظر، وجه الحق، ويتعرف طريقه إلى الله.. وما ذلك إلا ليتنبه هؤلاء

الآيات: (66 - 67) [سورة الأنعام (6) : الآيات 66 إلى 67]

الغافلون، ويفقه أولئك الجاهلون.. لعلّ لمعة من لمعات الهدى والإيمان، تضىء ظلام عقولهم، وتكشف ضلال قلوبهم.. الآيات: (66- 67) [سورة الأنعام (6) : الآيات 66 الى 67] وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) التفسير: ومع هذه الآيات البينات، وتلك المعارض المشرقة التي ترفعها لأعين الناس، فإن كثيرا من الناس ضلّوا عنها، وكفروا بها، وأنكروا الواقع المحسوس الذي يجابه حواسّهم من نورها السنىّ، وأريجها العطر. وفى قوله تعالى: «وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ» تشنيع على هؤلاء المعاندين من زعماء قريش وساداتها.. وأنّهم إذ جحدوا الحقّ، فقد جحدوا كذلك معه عاطفة القرابة والرحم.. وأنهم بدلا من أن يكونوا إلى جانب النبىّ المبعوث منهم، ينصرونه ويشدّون أزره- كانوا حربا عليه، وعلى من ظاهره، وآمن به. وفى كلمة «قومك» تسفيه لهؤلاء القوم الذين لم يستنّوا مع النبىّ سنّتهم فى الحياة التي يحيونها، بل لقد خرجوا عليها خروجا فاضحا.. ذلك أن من عاداتهم التي تكاد تكون طبيعة فيهم، الانتصار للقريب، والاستجابة لدعوته.. ومن مأثور أقوالهم فى هذا: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» ومنه قول شاعرهم: لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... فى النائبات على ما قال برهانا فكيف وداعيهم هو هذا النبىّ، الذي يدعوهم إلى ما فيه خيرهم

الآيات: (68 - 70) [سورة الأنعام (6) : الآيات 68 إلى 70]

وسعادتهم.. «يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ، وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ» . وقبل هذا وذاك، هو يدعوهم إلى أن يرفعوا وجوههم إلى السماء، وأن يرتفعوا بأنفسهم عن هذا الامتهان المهين، وهم عاكفون على قطعة حجر، أو خشب، يعبدونها، ويعفّرون وجوههم بالتراب بين يديها؟ وقوله تعالى: «قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ» هو تهديد لهؤلاء المشركين بأن يتركوا ليد الضياع والهلاك، بعد أن أدّى النبىّ رسالة الله إليهم، فهم الذين جنوا على أنفسهم تلك الجناية التي أمسكت بهم على مواقع الشرك والضلال.. والنبىّ ليس وكيلا عنهم، بل هم راشدون يتولّون أمر أنفسهم، ويحاسبون على ما يقع منهم. وقوله سبحانه: «لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ» إما أن يكون من مقول القول الذي قاله النبىّ لهم، وأسمعه إياهم، وإما أن يكون من الله سبحانه ابتداء.. والمعنى أن لكل أمر عاقبة ونهاية، وسوف تعلمون أيها المشركون عاقبة أمركم، وسوء مصيركم..! الآيات: (68- 70) [سورة الأنعام (6) : الآيات 68 الى 70] وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (70)

التفسير: بعد أن صرّف الله الآيات للنّاس، وأبان لهم فيها معالم الطريق إليه، فآمن من آمن، وكفر من كفر، أمر سبحانه النبىّ الكريم، أن يخلص بنفسه وبدينه من المشركين، وألا يتحكك بهم، حتى لا يسمع منهم ما يكره، أو يرى منهم ما يسوء. وإذ كان النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- حريصا على هداية قومه، وإذ كان بينه وبينهم هذه الرابطة من صلات القربى والمخالطة فى الحياة، الأمر الذي يشق على النبىّ ويعنته، إذا هو اعتزلهم عزلة كاملة، وقطع ما بينه وبينهم من صلات- فإن الله سبحانه وتعالى قد قصر هذا الأمر للنبىّ باعتزال قومه والإعراض عنهم، على الحال التي يخوضون فيها فى آيات الله، ويتخذونها هزوا وسخرية، ففى تلك الحال ينبغى على النبىّ ألّا يخوض معهم فى هذا الحديث، وألا يجادلهم فيما يخوضون فيه، بل يترك هذا المجلس الذي هم فيه، لأنهم على منكر، وهو لا يستطيع أن يغيّر هذا المنكر بيده، أو لسانه، فليغيّره بقلبه. بتلك الصورة التي يريهم منها منطقا عمليا لما ينكره عليهم.. «وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ» .. والخوض فى الحديث، معناه إرسال القول جزافا، بلا حساب ولا تقدير، وذلك لا يكون إلا فى مجال الاستهزاء والاستخفاف بالحديث الذي يدار. وليس الإعراض الذي يكون من النبىّ فى تلك الحالة، هو إعراض دائم متصل أبدا، وإنما هو إعراض موقوت بهذا المجلس، وبكل مجلس يكون فيه

مثل هذا الخوض فى آيات الله من المشركين.. فإذا كان منهم بعد هذا مجلس يجرى فيه حديث جدّ، ووقار، والتزام عقل ومنطق، فلا بأس على النبىّ من أن يعود إلى الجلوس معهم، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ» أي فى حديث غير حديث الدّين الذي يدعون إليه، أو الدّين الذي هم فيه.. فإذا خاضوا فى أمور غير أمور الدّين، مما يتصل بحياتهم الخاصة، من تجارة، وحرب، وسلم، وغير ذلك، فإن الخوض هنا لا يمسّ الدّين، ولا يجرح مشاعر النبىّ.. وإنه لا بأس على النبي من الجلوس معهم. وقوله تعالى: «وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» هو تنبيه للنبىّ، وتحذير له من تلك المجالس، التي تدور فيها أحاديث المشركين، هازئة عابثة بالدين، وأنه إذا كان النبىّ فى مجلس مع هؤلاء المشركين، ثم جرى الحديث بينهم فى هذا الاتجاه، ثم كان من النبىّ أناة واستماع، طلبا لكلمة حق تجرى على لسان أحدهم، أو التماسا لمدخل يدخل به إلى الحديث معهم فيما هو حق وخير، فإن هذا الموقف من النبىّ هو مما يدخل فى أمر الحظر الذي جاء فى قوله تعالى «وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ» وأن هذا أيضا مما يغفره الله للنبى، ويتجاوز له عنه، إذ كان ذلك عن سهو ونسيان، لما وقع فى نفسه من رجاء فى هداية القوم.. ولكن إذا ذكر النبىّ فى تلك الحال ما أمره الله به من الإعراض عنهم، فليعرض عنهم فى الحال، وليأخذ نفسه من بينهم بلا مهل، حتى لكأنه وقع تحت خطر يتهدّده، ويطلب النجاة منه.. وفى هذا إشعار للنبىّ بأن مجالسة القوم- وهم فى تلك الحال- شر مستطير، يجب أن يكون على ذكر منه دائما، وعلى حذر منه أبدا.. وفى قوله تعالى: «وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ» إلفات قوىّ للنبىّ، لحراسة نفسه من هذا الخطر، وتحريض شديد له على أن يكون على حذر دائما من

هؤلاء القوم، ومن مجالسهم، التي لا تنضح بغير الشر والسوء.. والشيطان لا سلطان له على النبىّ، بل لا سلطان له على أىّ مؤمن صادق الإيمان، كما يقول الله سبحانه: «إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (99- 100 النحل) . والباء فى «به» هنا للسببية، أي أنهم أصبحوا مشركين بسبب متابعتهم للشيطان، واستسلامهم لغوآياته. وفى نسبة هذا النسيان من النبىّ إلى الشيطان، وإضافته إليه، زيادة فى تقبيح هذه المجالس التي يخوض فيها المشركون فى آيات الله، وأنها تحت سلطان الشيطان، يمسك فيها زمام الموقف، ويجرى على ألسنة القوم ما يتساقط منها من هزء وسخرية.. ومجلس هكذا يحضره الشيطان، ويدبر الحديث فيه، لا ينبغى للنبىّ أن يكون من شهوده، فإن كان فيه لحظة- تحت أي ظرف- وجب أن ينتزع نفسه منه انتزاعا. وقوله تعالى: «وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» إشارة إلى أن ما يقع من المشركين فى تلك المجالس الهازئة الهازلة من منكر، لا يمسّ المتقين بسوء، ولا يحمّلهم شيئا من أوزار هؤلاء القوم. ولكن تجنّب هذه المجالس هو حماية للمؤمنين من أن تصيبهم عدوى هذه الأحاديث، وإن من الخير لهم، والسلامة لدينهم، أن يتّقوا هذه المجالس، ويحذروها.. وهكذا فى كل شر، من قول أو عمل.. إنه واقع بأهله أولا وقبل كل شىء، وما يصيب غيرهم منه، لا يخفف من آثاره السيئة الواقعة بهم، بل إنه ليضاعف من إثمهم، ويضيف إلى جرمهم جرما.. وما يجب على المؤمنين فى تلك الحال

هو أن يعزلوا أنفسهم عن تلك المآثم، وأن يتقوا الخطر الذي قد يصيبهم من مداناتها.. وهذا الأمر المتوجّه به إلى النبىّ، هو أمر عام، متوجّه به إلى كلّ مؤمن، وأنه إذا كان النبىّ- وهو من هو فى وثاقه إيمانه، وقوة يقينه، وعصمة ربّه له- مدعوا إلى تجنب هذه المجالس الآثمة، خوفا عليه فى نفسه ودينه، فإن غيره من المؤمنين أولى بمحاذرة هذه المجالس، واجتنابها.. وقوله تعالى: «وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا» هو توكيد لهذا الأمر الذي أمر به النبيّ، من اجتناب المشركين، وقطع كل ما فى نفسه من أمل أو طمع فى هدايتهم، بهذه اللقاءات التي يحرص على لقائهم فيها.. فإنهم ليسوا من أهل الدين، ولا يرجى أن يكون لهم دين، لأن دينهم الذي يملك عليهم نفوسهم، هو اللعب واللهو، والعكوف على هذه الحياة الدنيا، التي أعطوها كل وجودهم، بحيث لا تتسع نفوسهم لشىء آخر غير هذه الدنيا، وما فيها من لهو ولعب! وليس معنى هذا أن يطوى النبىّ كتاب دعوته، وأن يعتزل الناس والحياة، إنما المطلوب منه هو أن يذكّر بدعوته، وأن يبشر وينذر، وأن يسمع النّاس جميعا كلمات ربّه.. «وذكر به» أي بالقرآن الذي معك، مجرّد تذكير، وليس للنبىّ أن يحمل الناس حملا عليه، وأن يقطع أنفاسه بالجري وراء من لا يستمع إليه، ولا يستجيب له.. وقوله تعالى: «وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها» أي أن دعوة النبىّ هى البلاغ، والتذكير بيوم الحساب، والتخويف من هذا الموقف الذي تبسل فيه كل نفس بما كسبت، أي تعزل وتفرد، ليس معها إلا ما كسبت من خير

أو شر.. والأصل فى الباسل، أنه الكريه، المخيف، الذي يتجنبه الناس، ومنه سمىّ الفارس الشجاع: باسلا، لأن المحاربين يتجنبونه، ويصدّون عن لقائه، وفى هذا يقول عنترة: فإذا ظلمت فإن ظلمى باسل ... مرّ مذاقته كطعم العلقم وقوله تعالى: «وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها» أي أن النفس- كل نفس- لا ينفعها إيمان، ولا عمل يوم القيامة، فهى فى دار حساب وجزاء، وليست فى دار إيمان وعمل.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً» (158: الأنعام) والمراد ببعض آيات ربك، هو ما يكون بين يدى الساعة من علامات وإرهاصات. وقوله تعالى: «أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ» هو إمساك بمخانق هؤلاء الذين أشركوا بالله، وعرض لهم فى هذا الموقف العظيم على رؤوس الأشهاد، والإشارة إليهم وهم فى قفص الاتهام: «أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا» من سيئات، لا شىء معهم غيرها.. والباء هنا للإلصاق، مثل قوله تعالى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ» (21: الطور) هؤلاء الذين أشركوا بالله، وأفردوا، بما كسبت أيديهم من آثام، ووضعوا موضع المساءلة والحساب- ما تكاد العيون تأخذهم، وترى ما على وجوههم من غبرة ترهقها قترة، حتى يؤذّن مؤذّن الحق، بالحكم الذي حكم عليهم به أحكم الحاكمين: «لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون» لا شىء لهم غير هذا، فليذقوه حميما وغسّاقا.. فتلك هى عاقبة الكافرين. والحميم: هو الماء الحار الذي اشتدّ غليانه، ومنه الحمم، وهى القطع الملتهبة من النار.

الآيات: (71 - 73) [سورة الأنعام (6) : الآيات 71 إلى 73]

الآيات: (71- 73) [سورة الأنعام (6) : الآيات 71 الى 73] قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (71) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73) التفسير: فى هذا المعرض الذي يؤخذ فيه المشركون بشركهم، حيث يلقون فى جهنم، ويصلون نارها، ويشربون حميمها- يتلفت المؤمنون إلى أنفسهم، ويتلمسون طريق الخلاص من هذا المصير المشئوم، فيلقاهم على أول الطريق، النبىّ الكريم، بقول الله تعالى: «أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا» . والاستفهام هنا إنكارى، ينكر فيه المؤمنون على أنفسهم أن يأخذوا طريق هؤلاء القوم الضالين، الذين ساقهم الضلال إلى هذا المصير المشئوم، وأن يتخلّوا عن هذا الطريق المستقيم الذي أقامهم الرسول عليه، ليأخذوا وجهتهم فيه إلى رضوان الله، وإلى جنات لهم فيها نعيم مقيم. وإنه لخسران مبين، وسفه جهول، أن يرى المؤمن هذا الذي يلقاه المكذبون

بالله، من بلاء ونكال ثم يسلك طريقهم، ويتبع سبيلهم.. إنه بهذا يردّ إلى الوراء، على وضع مقلوب: «وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا» .. وليس ثمة عذر يقوم لهذه العودة إلى القهقرى، «بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ» وأرانا الهدى مشرقا وضيئا، وأقامنا على الصراط المستقيم.. أفبعد هذا ينتظم المؤمنين ركب مع هؤلاء الضالين، الذين لم يعرفوا غير الظلام لونا، ولا غير الضلال طريقا؟ أنردّ على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، ونكون كالذى استهوته الشياطين فى الأرض حيران، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى، ويمدّون إليه أيديهم بحبل النجاة، فلا يستجيب لهم، ولا تعلق يده بحبالهم؟. وفى قوله تعالى: «لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا» إشارة إلى أن المؤمنين هم دعاة هدى مع النبىّ، يحملون إلى الناس هذا الخير الذي بين أيديهم، ويطعمونهم مما طعموا منه.. إن ذلك أشبه بالزكاة المفروضة على المسلمين للفقراء والمساكين.. وهؤلاء المشركون هم فقراء ومساكين، يستحقون العطف والإحسان.. ولكن كثيرا منهم يموت على ضلاله وكفره، دون أن يمد يده إلى تلك اليد التي تقدم له مركب النجاة! وقوله سبحانه: «قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى» يحتمل وجهين: الوجه الأول: هو أنه وصف للقرآن الكريم، ولما حمل من شريعة، وأنه هو هدى الله، وكل ما سواه باطل وضلال.. وهذا الوصف الذي وصف به القرآن هو وصف لكل كتاب سماوىّ، ولكل شريعة سماوية.. والوجه الآخر هو أن الهدى الذي يؤثّر أثره فى النفوس، فيستجيب المدعوون إليه- هو ما وقع فى نفوس أراد الله لها الخير، ويسر لها السبيل إليه.. أما من لم يرد الله أن يهديه فلا هادى له أبدا.. وفى هذا يقول الله تعالى:

«فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ» (125: الأنعام) ويقول سبحانه: «مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً» (17: الكهف) ويقول سبحانه: «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ» (56: القصص) وقوله تعالى: «وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» معطوف على مقول القول: «قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» . ووجه آخر.. وهو أن يكون المراد بالواو فى قوله تعالى: «وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» واو الحال، والجملة بعدها حال.. وهذا الوجه يؤيد ما ذهبنا إليه فى فهمنا لقوله تعالى: «قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ» على الوجه الآخر، بمعنى أن من أراد الله له الهدى اهتدى.. ومع هذا فإن الله قد كلفنا أن نهتدى بهداه الذي ندعى إليه، وأنّ كون الأمر كله لله لا يرفع عنا هذا التكليف، ولا يعفينا من مسئولية الجمود على ما كنّا فيه من ضلال، فهذا الإيمان الذي دخل قلوبنا هو من هدى الله لنا، ومع هذا فهو من كسبنا. إذا استجبنا لأمر الله، واستقمنا على ما دعانا إليه. وقوله تعالى: «وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ» معطوف على جملة «لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» .. أي أمرنا بأن نسلم لرب العالمين، ونستجيب لدعوته، وأن نقيم الصلاة، وأن نتقيه، ونتجنب محارمه، ونلتزم حدوده.. وفى عطف الأمر فى قوله تعالى: «وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ» على الخبر فى قوله تعالى: «وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» إشارة إلى أن الخبر يتضمن الأمر والإلزام، وأن قوله تعالى: «وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ» معناه: أسلموا لله رب العالمين.

والحكمة فى المخالفة بين المطلبين، مطلب الإسلام لله والإيمان به، ومطلب إقامة الصلاة وتقوى الله، إذ جاء المطلب الأول بصيغة المتكلم، على حين جاء المطلب الثاني فى صيغة المخاطب- هى أن الإيمان بالله مطلوب من الإنسان أولا أن يبحث عنه بنفسه، وأن يهتدى إليه بعقله، فإذا هو أصبح فى المؤمنين، كان مهيأ لأن يتلقى شريعة هذا الدين الذي آمن به، وأن يتعرف على ما ينبغى أن يؤديه لله الذي عرفه، وأسلم له.. من عبادات، وطاعات.. فكانت الصلاة بعينها، هى المطلوب الأول من المؤمن أن يؤديه لله، ويتصل به عن طريقه.. ثم كانت «التقوى» على إطلاقها، هى المطلوب الذي يجمع جميع الطاعات والعبادات، ومنها الصلاة، التي أفردت بالذكر، لعظم شأنها فى تحقيق التقوى. وقوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» هو تذكير بالله، وبالموقف الذي يقفه الناس بين يديه يوم القيامة. وقوله سبحانه: «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ» عرض لقدرة الله وجلال عظمته، وأنه قادر على أن يبعث الناس بعد موتهم، ويحشرهم إليه، ويوفّيهم حسابهم عنده.. وفى قوله تعالى: «بِالْحَقِّ» إشارة إلى أن هذا الخلق الذي خلقه الله من سماوات وأرض، وما فى السموات والأرض، وما هو غير السموات والأرض- كله خلق بالحق، أي متلبسا بالحق.. كل ذرة فيه عن تقدير وعلم، وحكمة، وليس عن مصادفة عابثة أو هوى لاه.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ» (38- 39: الدخان) وقوله سبحانه «أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ..» (115- 116 المؤمنون) .

الآيات: (74 - 79) [سورة الأنعام (6) : الآيات 74 إلى 79]

وقوله تعالى: «وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ» إشارة إلى أن هذا الخلق الذي خلقه الله سبحانه، كان عن أمره وتقديره، وأن لا شىء يعجزه، وأن تقدير المخلوقات، ومجيئها على صفاتها وأحوالها وأزمانها، كل ذلك كان بالحق، وبالحساب، وبالتقدير. وقوله سبحانه: «قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ» تقرير لهذه الحقيقة، وأنه سبحانه حين ينفخ فى الصور لم يكن هذا النفخ إلا عن أمره، وقوله الحق لنافخ الصور: «أن انفخ فيه» وليس عن مصادفة عمياء. وقوله تعالى: «عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ» عرض آخر لسعة علم الله، وسلطان قدرته، فهو «الحكيم» الذي لا يصدر عنه إلا ما كان متلبسا بالحكمة، قائما على الحق، «الْخَبِيرُ» الذي تقوم حكمته على علم شامل بما هو حق وخير. الآيات: (74- 79) [سورة الأنعام (6) : الآيات 74 الى 79] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)

التفسير: فى هذه الآيات أمور: أولا: صلتها بالآيات التي قبلها. فهنا قضية، يعرض فيها موقف الإنسان من الإيمان بالله، وأن النّاس ليسوا سواء فى الانتفاع بما أودع الخالق فيهم من قوى العقل والإدراك، للتهدّى إلى الخالق والبحث عنه، والإيمان به.. وهناك فى الآيات السابقة مواقف للمشركين من الدعوة الإسلامية، وتأبّيهم عليها، وإعراضهم عنها، بعد أن جاءتهم بآياتها المشرقة، وأقامت بين أيديهم شواهد ناطقة تشهد بوجود الله، وتوقظ قلوبهم النائمة، وتنبه عقولهم الغافلة، إلى النظر إليه فى ضوء تلك الآيات البينات.. فما أبعد الشّقة بين الموقفين، وما أشد التباين بين الحالين! وهنا إبراهيم، الذي هو الأب الأكبر لهؤلاء المشركين من قريش، والذين يدّعون- كذبا- أنهم على دينه، يطوفون بالبيت الذي طاف به، ويعبدون الإله عبده أبوهم الأول، إبراهيم عليه السلام. وهناك هؤلاء المشركون من أبناء إبراهيم، وتلك أصنامهم التي شوّهوا بها معالم البيت العتيق، وأفسدوا بها الدّين الحنيف، الذي عبد الله عليه فى هذا البيت، الذي لا يزال قائما يشهد هذا السفه الذي هم فيه. وهنا داع يدعو إلى الله، هو إبراهيم عليه السلام، ويقف من الأصنام وعبّادها هذا الموقف الذي تتهاوى فيه الأصنام، حين يفضحها بمنطقه، قولا، وعملا. وهناك داع يدعو إلى الله، بدعوة إبراهيم، هو محمد، صلوات الله وسلامه عليه، ويقف من تلك الأصنام وقفة إبراهيم، فيفضحها ويكشف ضعفها وعجزها، ثم يدعها لتدفن فى غياهب الضّياع.

ثانيا: «آزر» .. ومن يكون هذا الإنسان؟. القرآن الكريم يقول: «وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ» . ولكن المفسّرين يذهبون فى هذا الأب مذاهب شتّى. فمن قائل: إن اسمه «تارح» ومن قائل: إن آزر اسم جدّه، أو عمّه، والعمّ والجدّ يسميان أبا مجازا!! وذهب بعضهم أن «آزر» اسم صنم، وهذا القول ينسب إلى ابن عباس، وقد فسّره الزمخشري: أتعبد آزر! منكرا عليه ذلك! (أي أن إبراهيم ينكر على أبيه أن يعبد هذا الصنم آزر) . وذهب آخرون إلى أنه وصف فى لغة قومه، ومعناه المخطئ، وقيل بل معناه: الأعوج. وقيل معنى «آزر» الشيخ الهرم. ويقول الزجاج: ليس بين النسّابين اختلاف أن اسم أبى إبراهيم «تارح» ! والذي دعا المفسرين إلى تلك المقولات، هو ما جاء فى التوراة من نسبة إبراهيم إلى أبيه الذي تسميه التوراة «تارحا» وقد اعتمد المفسرون هذه النسبة وأخذوا بها، وتأولوا لها ما جاء فى القرآن.. ولم تحدثهم أنفسهم بأن يتأولوا هذه النسبة التي جاءت فى التوراة كما تأولوها فى القرآن.. ولم تحدثهم أنفسهم بأن فى التوراة تحريفا وتبديلا تناول كل شىء، حتى العقيدة..! والذي ينبغى أن يكون عليه الأمر فى هذا الموقف، هو الوقوف عند ما جاء به القرآن الكريم، الذي يقول الله سبحانه وتعالى فيه: «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ» (48 المائدة) فالقرآن هو الذي يهيمن على ما سبقه من كتب، ولا تهيمن عليه، ويقضى عليها، ولا تقضى عليه..

وقد جاء القرآن الكريم فى الحديث عن إبراهيم منسوبا إلى أبيه، باسم هذا الأب، وهو «آزر» : هكذا: «وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ» . فكيف يجوز لقائل أن يقول فى هذه النسبة، وفى مسمى هذا الاسم قولا؟ إنه أبو إبراهيم بلا شك، وإنّ اسمه «آزر» بلا ريب.. هكذا قال القرآن، وهكذا يجب أن نقول. وليس هذا فحسب، فإن القرآن قد ذكر مواقف بين إبراهيم وأبيه هذا، فقال تعالى: «وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً» (41- 42 مريم) . وقال سبحان على لسان إبراهيم: «وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ» وقال جلّ شأنه: «وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ» (114: التوبة) فالجدل والحوار كان دائما بين إبراهيم وأبيه، وفى مواجهته، وليس مع جده، أو مع صنم! وقد أثرنا هذه المسألة، لأنها تمس الصميم من القرآن الكريم، وتنبىء عن مدى صدقه، وأنه تنزيل من العالمين، كما يقول هو عن نفسه، أو أنه من عمل «محمد» ومن تلقياته التي أخذها من أهل الكتاب وغيرهم، كما يتخرص المتخرصون. وهنا اختبار عملى لهذه القضية، ومقطع من مقاطع القول فيها.. فإما أن يكون آرز هو الاسم المعروف به أبو إبراهيم، وفى ذلك حكم قاطع بأن القرآن هو كلام الله، يقول الحق، ويأتى بأنباء الغيب، وإما ألا يكون «آزر» على غير هذا الوصف، فيكون القرآن كما يقول فيه المكذبون به، والكائدون له.. وهذا أمر يمكن أن يحقّق تاريخيا.. ولا أحسب أن اليهود تركوا هذه

المسألة دون أن يحققوها، ولا أن المتربصين بالقرآن غفلوا عن هذا الخلاف الذي بينه وبين التوراة.. ولو أنهم وجدوا فى هذا مطعنا على القرآن لكان ذلك من أقوى حججهم عليه. وطعناتهم له، الأمر الذي لم يقله اليهود، الذين لم يتركوا قولا يقولونه فيه. ويفترونه عليه، ولم يقله أحد من غير اليهود، الذين رصدوا للقرآن، وجعلوا يتصيدون كل سانحة من وهم أو خيال تسنح لهم فيه.. ثالثا: الطريق سلكه إبراهيم فى التعرف على الله.. وهو الطريق الاستدلالي بالنظر فى ملكوت السموات والأرض.. وهو نفس الطريق الذي جاءت الرسالة لإسلامية به، فى دعوتها إلى التعرف على الله والإيمان به.. وقد سلك القرآن المنهج نفسه، الذي تعرف به إبراهيم على الله، فى دعوة المشركين إلى التعرف عليه.. فكان أول ما لفت القرآن نظر المشركين إليه، هو النظر إلى آلهتهم تلك التي يعبدونها، من أصنام وأوثان، وأن يعيدوا النظر إليها مرة بعد مرة، ليروا إن كانت تدفع عن نفسها ضرا، أو إن كانت تسمع أو تعقل ما يناجيها به العابدون لها، أو تستجيب لما يرجى منها من دفع ضر أو جلب خير..! وفى هذا يقول الله تعالى على لسان نبيه الكريم مخاطبا المشركين: «وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ» (73: النحل) ويقول سبحانه: «وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً» (22: العنكبوت) ويقول سبحانه على لسان المشركين: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى» (3: الزمر)

وهكذا يلقاهم القرآن فى كل سبيل مع هذه الآلهة، حتى ينفضح أمرها لهم، وتزول مشاعر الهيبة والتوقير لها فى نفوسهم.. وهذا ما فعله إبراهيم إذ يقول لأبيه: «أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً؟ إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» وإذ يقول: «يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ» . فإذا وهت هذه المشاعر، وتقطعت تلك الأسباب التي بين المشركين وبين آلهتهم تلك- جاء القرآن إلى هؤلاء المشركين ليجيب على هذا السؤال الذي فرضه هذا الفراغ الذي أصبحت فيه قلوبهم، بعد أن تبخرت منها سحب الأصنام التي كانت مخيمة عليها.. وكان السّؤال المفروض هو: وأين الإله الذي نعبده إذن، إذا كانت أصنامنا هذه ليست آلهة أو شبه آلهة؟ .. ويجىء الجواب من القرآن الكريم بأن الله قريب منهم، وما عليهم لكى- يروه- إلا أن ينظروا فى هذا الوجود، وفيما فيه من مبدعات تدلّ على قدرة الخالق، وتحدّث عن سعة علمه، وبسطة سلطانه، وروعة حكمته. والقرآن المكىّ يكاد يكون كلّه معرضا لآيات الله، ودعوة مثيرة للعقول، مغرية لها بالنظر فى ملكوت السموات والأرض.. ولا نستشهد لهذا حيث آيات القرآن أكثر من أن تحصى فى هذا الأمر.. وفى سورة الأنعام هذه التي نحن بين يديها، عشرات الآيات. وقد كانت نظرة إبراهيم إلى الله قائمة على هذا الوجه الاستدلالىّ، للتعرف على ربّه، والإيمان به. «وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ» أي نفتح نظره، وعقله، وقلبه، على هذا الوجود، ليتعرف إلى الله.. والملكوت، هو الملك الخاضع لسلطان الله. وقد وجّه إبراهيم نظره، وعقله وقلبه، إلى ملكوت السموات والأرض..

فماذا رأى؟ «فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً» أي كوكبا من تلك الكواكب السيارة، كالزهرة مثلا.. وقد رصد إبراهيم هذا الكوكب منذ أطلّ على هذا العالم من الأفق الشرقي، وتبعه فى مسيره، وكان كلما علا فى السماء وازداد ألقا وإشراقا، ازداد إبراهيم به تعلقا وشغفا، إذ حسبه أنه الكائن الأعلى، القائم على هذا الوجود.. فلمّا هوى إلى الأفق الغربي خفق قلب إبراهيم خفقة الخوف على هذا الذي تصوّره إلها، أن يهوى وراء هذا الأفق، فلمّا هوى أخلى إبراهيم بصره، وعقله، وقلبه منه، ونفض يديه من هذا الإله، كما ينفض الحىّ يديه من ميت عزيز، أودعه القبر، وهال عليه التراب.. وقال: «لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ» ..! «فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي» .. وتبعه فى مسيرته من الأفق إلى الأفق.. حتى إذا هوى إلى المغيب، ودفن وراء الأفق الغربي، كاد يؤرقه اليأس من أن يعثر على الإله المنشود، وقال: «لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ» . والسؤال هنا: كيف يطلب إبراهيم الهداية من ربّه، وهو يبحث عنه؟ والجواب: أن إبراهيم كان على يقين بأن لهذا الوجود ربّا، وأن لتلك المصنوعات صانعا، قادرا، مدبّرا.. ولكن من هو؟ وأين هو؟ وكيف هو؟ هذا ما يبحث عنه إبراهيم.. وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: «وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ» فهو يؤمن بحدسه ومشاعره أن لهذا الوجود إلها، وهو فى بحثه هنا إنما ليعرف هذا الإله، ويستيقنه.. وذلك قبل أن يختاره الله لرسالته.. وسؤال آخر: لماذا كان أوّل ما نظر إليه إبراهيم من ملكوت الله، هو الكوكب،

أي النجم، ثم القمر، ثم الشمس؟ ولم لم يتجه نظره أولا إلى الشمس إذ كانت أعظم ما يواجه الإنسان من هذه المخلوقات؟ والجواب.. أن وحشة الليل، ورهبة ظلامه، تجعل لأى لمعة من لمعات الأنوار، وقعا على النفس، وتأثيرا على المشاعر، وليست كذلك النظرة إلى الشمس التي تكاد سطوة أضوائها، تذهب بكل إحساس بوجودها! وهذا ما نراه فى نظر إبراهيم إلى هذا الكوكب أولا، ثم إلى القمر ثانيا.. ذلك أن هذا الكوكب، وهو نجم من تلك النجوم التي يتلألأ ضوؤها كلّما اشتدّ ظلام الليل، وأطبقت حلكته، هو فى تلك الحال أفعل فى النفس، وأكثر إلفاتا للنظر من القمر، الذي يغمر نوره ما احتواه الليل كله.. وإذ لم ير إبراهيم فى ملكوت الليل وما يبزغ فيه من نجم أو قمر- إذ لم ير فى هذا الملكوت إلهه الذي ينشده، شخص ببصره إلى ملكوت النهار، فرأى الشمس تبسط سلطانها عليه، فعلق بها نظره، واحتواها عقله وقلبه، وقال: «هذا ربى.. هذا أكبر!!» .. ولكن الرّب الكبير لم يكن إلّا خدعة خدع لها إبراهيم، حتى إذا أفلت ودّعها غير آسف، وأشرق قلبه بنور الإله الحق، الإله الذي يسيّر هذه الكائنات ويصرّفها كيف شاءت إرادته، واقتضت حكمته.. «فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ.. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» . وهكذا عرف إبراهيم ربّه، وهكذا يعرف كل ذى عقل ربّه، إذا هو نظر، وفكّر، وعقل..!

الآيات: (80 - 82) [سورة الأنعام (6) : الآيات 80 إلى 82]

الآيات: (80- 82) [سورة الأنعام (6) : الآيات 80 الى 82] وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) التفسير: وإذ يعرف إبراهيم ربّه، ويملأ قلبه من الإيمان به، يقف من قومه مسفّها أحلامهم، زاريا عليهم عبادتهم لهذه الأحجار التي ينحتونها بأيديهم، ثم يعبدونها، ويذلّون بين يديها.. «أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ؟» (95: الصافات) . «وَحاجَّهُ قَوْمُهُ» أي جادلوه فيما يقول فى شأن آلهتهم، وفى الإله الذي يدعوهم إليه.. هو يريدهم على أن يدعوا هذه الأصنام، ويعبدوا ربّ السموات والأرض، وهم يريدونه على أن يعبد آلهتهم، ويدع الإله الذي يعبده، ويحذّرونه أن يتخذ غير هذه المعبودات معبودا، وإلّا مسّه منها ضرّ، وأصابه سوء.. فكان جوابه: «أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ؟» . إنه قد عرف الحق واستيقنه، فكيف تقوم لهم حجة عنده، تصرفه عن هذا الإله، الذي شهد آياته، وعرف ما عرف، من علمه، وقدرته وحكمته..؟ ثم كيف يخاف هذه الأحجار الصّماء أن تصيبه بسوء.. إنها لا تملك شيئا، وإن شرّا لن يصيبه منها، إلّا أن يكون ما يصيبه هو مما أراد الله له، وما أراد الله له فكلّه خير.. وكيف يخاف إبراهيم أحجارا صمّاء، على حين أنهم لا يخافون إلها خالقا رازقا، له ملك السماوات والأرض؟ «وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً؟ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟»

الآيات: (83 - 87) [سورة الأنعام (6) : الآيات 83 إلى 87]

ويجىء قول الحق جلّ وعلا بالحكم الفصل فى هذه القضية.. «الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ» . ولبس الإيمان بالظلم، هو خلطه به.. والظلم هو الشرك بالله، كما يقول سبحانه: «إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» : فالإيمان المصفّى من الشرك، هو الإيمان الذي يقبله الله من أهله، ويجزيهم عليه الجزاء الأوفى، ويجعلهم فى أمن وسلام، يوم يكون الكافرون فى فزع وكرب وبلاء.. الآيات: (83- 87) [سورة الأنعام (6) : الآيات 83 الى 87] وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (86) وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) التفسير: قوله تعالى «وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ» .. الإشارة هنا إلى الحجة، أي هذه حجتنا، والمراد بالحجة ماملأ الله به قلب إبراهيم من إيمان، بما أراه- سبحانه- فى ملكوت السموات والأرض، من دلائل القدرة الإلهية، وسلطانها القوىّ الممسك بكل ذرة فى هذا الوجود.. وبهذا الإيمان وقف إبراهيم وحده، فى وجه هذا الكفر الذي طوى تحت جناحيه مجتمعه كلّه الذي يعيش فيه.. ومع هذا فإنه بالحق الذي يملأ كيانه، قد أخرس كل

ناطق، وأفحم كل منطيق، وسقطت بين يدى حجته الدامغة كل مقولة لملحد، وكل حجة لمشرك، وبهذا استحق إبراهيم أن يلقى من ربّه هذا التكريم، وأن ينعته هذا النعت العظيم بقوله سبحانه: «إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (120: النحل) . فهو أمة وحده، ومجتمعه أشبه بفرد واحد إزاء هذه الأمة العظيمة، أو هو الأمة، وقومه لا شىء، إذ كان هو الإنسان الوحيد فيها، الذي يحمل عقل الإنسان وينتفع به. وقوله تعالى: «نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ» هو تنبيه إلى أن هذا الذي كان عليه إبراهيم من قوة الإيمان، ووثاقة اليقين، هو من فضل الله، يضعه حيث يشاء. وفى قوله سبحانه: «إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ» التفات من رب كريم إلى النبىّ الكريم، وقد نازعته نفسه، وهفت به أشواقه إلى فضل الله وإحسانه، الذي رأى آثاره فى إبراهيم عليه السلام.. فجاء قوله سبحانه: «إِنَّ رَبَّكَ» ليشعر النبي أنه فى ضيافة ربه، وكفى ما يلقاه الضيف الذي ينزل فى ضيافة ربّ العالمين.. «الحكيم» فى تقدير الأمور «العليم» بعباده، وبمن هم أهل لمزيد فضله، وعظيم إحسانه. ومن فضل الله على إبراهيم- عليه السلام- أن بارك عليه فى ذريته، وجعل من نسله الأنبياء والمرسلين.. «وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا، وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ، وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» .. فهذا هو جزاء المحسنين، وتلك هى عاقبة الإحسان، تمتد آثاره

إلى صاحبه، وإلى من يتصل بصاحبه، من أهل وولد.. كالشجرة الطيبة تؤتى أكلها كل حين بإذن ربّها، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى على لسان العبد الصالح لموسى، عليهما السلام: «وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ» (82: الكهف) . وفى الجمع بين نوح وإبراهيم إشارة إلى أنهما الأبوان لهؤلاء الأنبياء، كما يقول سبحانه: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ» (26: الحديد) . وقوله تعالى: «وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ» .. معطوف على قوله تعالى: «وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ» أي أن هؤلاء المصطفين من عباد الله، هم من ذريّة هذين النبيين الكريمين: نوح وإبراهيم، إذ كان من هؤلاء الأنبياء من ليس من ذرية إبراهيم كلوط مثلا. وقوله تعالى: «وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ» أي كلّ واحد من هؤلاء فضّل على عالمه الذي كان يعيش فيه، إذ كان رسول الله المبعوث لهداية عالمه هذا، وهو بهذه الصفة صفوة هذا العالم، والإنسان المتخيّر لرسالة السماء. وقوله تعالى: «وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ» إشارة إلى أن هؤلاء الذين اختصهم الله بهذا الذكر، ليسواهم وحدهم الذين شملهم فضل الله، ومسّتهم رحمته، بل إن من آباء هؤلاء وأبنائهم وإخوانهم من شمله هذا الفضل، ومسّته تلك الرحمة.. سواء من كان منهم نبيّا أو رسولا، أو عبدا من عباد الله الصالحين.. وحسب ذريّة هؤلاء الذين لم يذكروا هنا- حسبهم شرفا وذكرا أن يكون منهم خاتم النبيين، محمد صلوات الله وسلامه عليه.. فهو من ذرية إسماعيل، ومن حفدة إبراهيم.

وقوله سبحانه وتعالى: «وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» هو معطوف على محذوف، يفهم من سياق النظم فى قوله تعالى: «وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ» والتقدير: ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم من ألحقناهم بهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم. وأمر هنا نحب أن نقف عنده ونلتفت إليه: وهو أن الترتيب الزمنى لم يكن هو الأساس الذي قام عليه النظم القرآنى فى ذكر هؤلاء الأنبياء، من ذرية نوح وإبراهيم. والملحظ الذي نود أن نشير إليه، هو أن إسماعيل لم يذكر مع إسحق، مع أنهما ولدا إبراهيم، لم يكن له ولد غيرهما، ومنهما كانت جميع ذريته، وإسماعيل هو البكر، وولد له بعده إسحق. هذه حقيقة لا خلاف عليها عند أهل الكتاب، من يهود ونصارى، كما أنها حقيقة مقررة فى القرآن الكريم.. فلم لم يجىء النظم القرآنى هكذا: «ووهبنا له إسماعيل وإسحاق ويعقوب..» ؟ ولا جواب لهذا إلّا أنه كلام رب العالمين، وأنه لو كان من عمل بشر لما جاء هكذا فى النظم القرآنى، بل لالتزم فيه واضعه الترتيب الزمنيّ.. أما «محمد» فلو أن هذا الكلام كان من وضعه، لكان أول ما يعمله هو أن يبدأ بإسماعيل، لأنه أبوه.. أولا، ولأنه أسبق ميلادا من إسحق.. ثانيا! أليس فى هذا عبرة لمعتبر؟ أليس فى هذا إخراس لكل مقولة تقال فى القرآن الكريم، إنه من قول بشر؟ وبلى، ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده..!

الآيات: (88 - 90) [سورة الأنعام (6) : الآيات 88 إلى 90]

الآيات: (88- 90) [سورة الأنعام (6) : الآيات 88 الى 90] ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (89) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ (90) التفسير: قوله تعالى: «ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ» الإشارة هنا إلى هذا الفضل الذي فضل الله به تعالى على إبراهيم، ومن اجتباهم الله من ذريته، وأن ذلك لم يكن إلا من هداية الله لهم، وشرح صدورهم للإيمان به، ولولا ذلك لما كانوا من المهتدين. وقوله سبحانه: «وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» إنكار للشرك، ووعيد للمشركين، وأنه مما يجب على الإنسان العاقل أن يحذره كما يحذر النار التي تمد ألسنتها لتعلق به، وأن هؤلاء المكرمين من عباد الله لم ينالوا هذه المنزلة إلا بالإيمان بالله، ولو أنهم كانوا من المشركين لما نالوا شيئا من هذا، ولكانوا من الخاسرين. وهذا يعنى أن الهدى وإن كان من الله الذي يهدى به من يشاء من عباده، فإن ذلك لا يعفى الإنسان من أن يطلب الهدى، ويلتمس مواقعه، كما يطلب تحصيل الرزق ويلتمس وجوهه، وألّا يسلم نفسه إلى التواكل والاستنامة، الأمر الذي لا ترضاه البهائم لنفسها، ولا تتخذه موقفا لها فى الحياة، وإلا هلكت، وماتت جوعا، مع أن الله سبحانه وتعالى، كفل لها رزقها، وضمن لها

معاشها، إذ يقول جل شأنه: «وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها» (6: هود) فالموقف السلبي أو العنادىّ من سنن الله، هو الذي يخرج الكائن الحىّ- بل وغير الحىّ- عن طبيعته، وفى هذا ضياعه، وفساد أمره. وهؤلاء رسل الله، والمصطفون من عباده.. إنهم لو أهملوا عقولهم، وعطّلوا ملكاتهم، لما فتح الله لهم طريق الهداية، ولما يسّر لهم التعرف إليه، ولكنهم أخذوا بالوسائل الموصلة إلى الهدى، فأخذ الله بنواصيهم إليه، ومكّن لهم من الإيمان.. ولو أنهم كانوا على مثل هذا الموقف الذي وقفه ويقفه المشركون والكافرون، لكانوا فى مربط الشرك والكفر، ولضلوا وضل عنهم الطريق إلى الله، وإلى صراطه المستقيم. وفى قوله تعالى: «وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» ، وفى تعدية الفعل «حبط» بحرف الجرّ «عن» وهو فعل لازم لا يتعدى- فى هذا إشارة إلى أن الأعمال التي يعملها الإنسان من شأنها أن تكون درعا يحميه، ووقاية يتقى بها ضربات الحياة، أمّا أعمال المشركين فإنها سراب خادع، يتخلّى عنهم وقت الحاجة والشدة، وهذا هو السرّ فى تضمين الفعل «حبط» معنى الفعل: تخلى، أو ذهب، أو غاب.. ونحو هذا. وقوله تعالى: «أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ» .. الإشارة هنا إلى هؤلاء الأنبياء والرسل الذين ذكروا فى الآيات السابقة، فبعضهم آتاه الله الكتاب، فكان رسولا بهذا الكتاب الذي بعثه الله به، وبيّن فيه أحكام شريعته.. وبعضهم أوتى الملك والحكم، وهو نعمة من نعم الله، وسلطان مبين يقيم به- من وفّقه الله- ميزان العدل والحق بين الناس، فيهدى ضالّهم ويقوّم سفيههم، ويحفظ أمنهم وسلامتهم.. وتلك رسالة لها خطرها

وأثرها فى إصلاح المجتمع الإنسانى، الأمر الذي جاءت به وله رسالات السماء.. ولهذا كان ذلك مما وصّى به الله سبحانه وتعالى نبيّه داود عليه السلام فى قوله: «يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.. إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ» (26: ص) .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى فى اصطفائه طالوت ملكا، إذ يقول سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ» (247: البقرة) . وبعض هؤلاء المصطفين آتاه الله النبوة، بلا كتاب، ولا ملك، وإنما هى نور سماوى تشرق به نفس النبىّ، فيكون فى الناس منارة هدى، ومعلما من معالم الخير، يتمثله الناس، ويتأسّون به. وفى ترتيب هذه النعم على هذا الوجه: الكتاب.. والحكم.. والنبوة، إشارة إلى ما بينها من تفاوت وتفاضل.. فالرسول، صاحب رسالة سماوية، يعالج بها أرواح الناس، ويطبّ لعلهم النفسية.. والملك صاحب رسالة دنيوية، يعالج بها شئون الناس فى الحياة، ويقيمهم على صراط مستقيم، فهو بهذا الوصف- مكمل لرسالة الرسول، ومطبّق للقانون السماوي الذي جاء به الرسول.. والنبىّ- بلا رسالة، ولا حكم- هو «صيدلية» يأخذ منها من يشاء الدواء لروحه وجسده، معا، بالعبرة والعظة، فيما يرى من هذا المثل الكريم للإنسان الكريم.. وقوله تعالى: «فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ» ..

الإشارة هنا بهؤلاء مراد بها مشركو قريش.. والضمير فى «بها» يعود إلى تلك الآيات والنعم التي حملها أنبياء الله، والتي حمل مثلها محمد صلوات الله وسلامه عليه إلى هؤلاء المشركين.. والمعنى، فإن يكفر هؤلاء المشركون بمحمد وبما بين يديه من آيات الله، فقد وكّل الله بها قوما، يؤمنون بها، ويدافعون عنها، ويحرسونها من كل عدوان.. فهم وكلاء الله وأمناؤه عليها- وهؤلاء هم الطليعة الأولى من المؤمنين، من المهاجرين والأنصار، ثم هم كل من يدخل فى الإسلام إلى يوم القيامة. وقوله تعالى: «أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ» والذين هدى الله: هم الذين سبقوا إلى الإسلام، وكانوا درعا حصينة له.. والأمر فى قوله تعالى: «فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ» متوجه إلى كل من لم يستجب لدعوة الإسلام، ولم يكن فى هذا الركب الميمون الذي استقبل فجر الإسلام، واكتحل بنور الله.. وهم الذين أشار إليهم الله سبحانه بقوله «فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ» ، فمطلوب من كل إنسان يريد الخير، أن يهتدى بهؤلاء الذين هداهم الله. وهذا الفهم الذي فهمنا عليه الآية الكريمة، هو الذي وقع فى إدراكنا الشخصي، وهو فهم لم نجد من المفسرين من التفت إليه! والذي عليه إجماع المفسّرين، هو أن الأمر فى قوله تعالى: «فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ» موجّه إلى النبي الكريم، وأن الذين هداهم الله فى قوله تعالى. «أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ» هم من ذكرهم الله من الأنبياء والرسل فى الآيات السابقة. ولهذا كان خروج هؤلاء المفسّرين من الاعتراض الذي استقبلهم به من يقول: كيف يدعى النبىّ إلى الاقتداء بمن سبقه من أنبياء ورسل، وهو إمامهم وقدوتهم؟ - كان خروجهم من هذا ضيّقا حرجا، ومقولاتهم فيه متهافتة مضطربة.. وقوله تعالى: «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً» هو التفات للنبى الكريم من الله سبحانه وتعالى، ودعوة له أن يلقى قومه الذين دعوا إلى الاقتداء بمن سبقهم

الآيتان: (91 - 92) [سورة الأنعام (6) : الآيات 91 إلى 92]

من إخوانهم إلى الإسلام، وأن يحثّهم على أن يسرعوا ليلحقوا بهم، وليدخلوا فى دين الله مع الداخلين فيه، وذلك أمر لا يتكلّفون له مالا، لأن ما مع النبىّ من كتاب، لا يباع، وإنما هو ذكرى وموعظة للعالمين، أي للناس جميعا.. قريبهم وبعيدهم، على السواء «إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ» . الآيتان: (91- 92) [سورة الأنعام (6) : الآيات 91 الى 92] وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (92) التفسير: وهنا لا نلتقى مع المفسرين أيضا فيما ذهبوا إليه من أن قوله تعالى: «وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ» هو موجه إلى اليهود.. ويحكون لذلك قصة، مضمونها: أن النبىّ صلى الله عليه وسلم، سأل حبرا من أحبار اليهود، يقال له مالك بن الصّيف، فقال: «أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين؟ فأنت الحبر السمين! قد سمنت مما يطعمك اليهود!» فغضب اليهودي، وقال: «ما أنزل الله على بشر من شىء» ! فكان قوله تعالى: «وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ» ردّا على هذا القول المنكر.. ونستبعد هذا الخبر من وجوه: أولا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن قد التقى باليهود لقاء مواجها

وقت نزول هذه السورة، المجمع على أنها مكية.. ويقوّى من هذا الإجماع على مكيتها، أن اليهود لم يواجهوا فيها مواجهة صريحة متحدّية. وثانيا: أن النبىّ أعفّ وأكرم من أن يجابه حبرا، هذه المجابهة، التي لا تكشف عن غرض إلا سبّ هذا الحبر، وحقره، وما كان النبىّ سبّابا ولا لعّانا، ولا فاحشا، ولا متفحشا، بل كان فى جميع أحواله على هذا الوصف الكريم الذي وصفه الله به: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» . ثالثا: جاء فى الآية: «وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ» .. واليهود الذين عاصروا النبىّ لم يعلّموا ما لم يعلموا هم ولا آباؤهم.. بل كانوا أسوأ حالا، وأكثر غباء وجهلا مما كان عليه آباؤهم، حين واجههم القرآن. ورابعا: غير مستساغ عقلا أن يقول اليهود مثل هذا القول، وأن يقوله حبر منهم، وبين أيديهم التوراة التي لا يختلفون أنها نزلت على موسى، بل وبين أيديهم أسفار أنبياء كثيرين ضمتها التوراة، والتي أطلق عليها «العهد القديم» .. ثم كيف يقول الحبر هذا القول والرسول الكريم يسأله بحق الذي أنزل التوراة على موسى؟ والذي نطمئن إليه فى فهم هذه الآية، أن المخاطبين بها هم هؤلاء المشركون من أهل مكة. وأن الله سبحانه وتعالى ينكر عليهم قولهم: «ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ» إذا كان ذلك من مقولاتهم التي يعذرون بها لأنفسهم فى انصرافهم عن النبىّ وتكذيبهم له، كما يقول الله تعالى عنهم: «أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ؟ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ» (24: القمر) وقوله سبحانه: «وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا؟» (94: الإسراء) .

فهؤلاء المشركون الذين ينكرون أن ينزّل الله على بشر هديا من السماء يهديهم إلى الحق وإلى طريق مستقيم- هؤلاء لم يقدروا الله حق قدره، ولم ينظروا إلى آثار رحمته، فيما يسوق الله سبحانه إلى عباده من نعم وما يحفّهم به من ألطاف، ينعمون فيها، ويتمتعون بها، فكيف ينكرون على الله أن يسوق إلى عقولهم وقلوبهم، من رحماته، ما يضىء ظلامها ويغسل أدرانها..؟ وفى قوله تعالى: «قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ» تحريض للمشركين أن يكونوا أهل كتاب، مثل هؤلاء اليهود الذين كانوا يحسدونهم على أنهم أهل كتاب، وأصحاب شريعة، وأنهم كانوا يتمنّون قبل بعثة النبىّ أن يكون لهم كتاب سماوى، كما يقول تعالى على لسانهم: «لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ» (157: الأنعام) أي لكنا أهدى من هؤلاء اليهود. وفى قوله تعالى: «تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً» هو إشارة من بعيد إلى اليهود، بهذا الالتفات إليهم فى هذه المناسبة، وإرهاص بما سيلقاهم به النبىّ بعد هذا من آيات الله، التي تفضح مخازيهم، وتكشف فساد عقيدتهم.. وقد قرئ: «يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا» . والقراطيس جمع قرطاس، وهو الورقة.. إذ كان اليهود لا يتعاملون ولا يعملون بالكتاب الذي بين أيديهم، ولا يعرضونه على الناس كما هو، بل يعرضون منه قراطيس، فيها ما يوافق أهواءهم، ويخفون الكثير مما لا يشتهون.. وقوله تعالى: «وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ» هو خطاب لهؤلاء المشركين من العرب، فقد جاءهم الرسول الكريم بعلم جديد، أذاعه فيهم، ونشره عليهم، فيما يتصل بالألوهية وما ينبغى لها من جلال وتفرد بالوجود.. وقد عرف المشركون هذا، وكانوا يسمعونه ويردّدونه، وإن كانوا لا يؤمنون به..

فهم- مع هذا العلم- لا عذر لهم فى أن لم يؤمنوا بالله، بعد أن أراهم الرسول الكريم الطريق إليه، وهذا علم جديد قد جاء إلى العرب، ولم يكن لآبائهم شىء منه. وقوله تعالى: «قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ» هو دعوة للنبىّ أن يحدّث هؤلاء المشركين عن الله، وأن يكشف لهم الطريق إليه.. أي قل: «هذا هو الله الذي أدعوكم إليه، فإن آمنوا فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما هم فى ضلال، يخوضون فيه خوضا.. فذرهم فى خوضهم يلعبون. وقوله تعالى: «وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ» هو ردّ على القائلين: «ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ» فجاء تكذيب الله لهم، وردّه عليهم بقوله: «وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ» أي القرآن وهو كتاب «مبارك» فيه رحمة وهدى وخير لمن آمن به، واهتدى بهديه.. وهو «مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ» من كتب سبقته، وهما التوراة والإنجيل. وقوله تعالى: «لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها» أم القرى هى مكة، وهى منارة الإسلام، ومتوجه كل مسلم فى صلاته وحجّه.. وهى بهذه المثابة أمّ بلاد الإسلام كلها، ومركز دائرتها، وهكذا تكون على هذا الوصف أبدا. وقوله تعالى: «وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ» . الضمير فى به، يعود إلى هذا الكتاب المبارك الذي أنزله الله، وهو القرآن. وخصّ الذين يؤمنون بالآخرة، بالإيمان به، لأن من لا يؤمن بالآخرة، وما بعد هذه الدنيا من بعث وحساب، وثواب وعقاب، لا يؤمن بالله، ولا بكتاب الله، ولا يوقّر حرماته، ولا يقع فى قلبه خشية من منكر..

الآيات: (93 - 94) [سورة الأنعام (6) : الآيات 93 إلى 94]

وخصّت الصلاة والمحافظة عليها بالذكر، لأنها أبرز ملامح المؤمنين، وأوثقها صلة بين المؤمن وربه. الآيات: (93- 94) [سورة الأنعام (6) : الآيات 93 الى 94] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94) التفسير: فى قوله تعالى: «وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ» اتهام للقائلين بهذه المقولة، فى تصورهم للألوهية، وفى فهمهم القاصر لها، كما أنه تقرير ضمنى بأن بعث الرسل، وإنزال كلمات الله عليهم، هو مما اقتضته حكمة الله ورحمته بعباده. وهنا فى قوله سبحانه: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ» حماية للرسل- عليهم الصلاة والسلام- من أن يكونوا مظنّة تهمة فى صدقهم، وصدق ما جاءوا به من عند الله.. إذ أن الافتراء على الله، والتلبيس على الناس باسمه، وادعاء النبوة واختلاق ما يكون بين يديها من كلمات الله وآياته- كل هذا عدوان على

الله، وتطاول على ما تفرد به سبحانه من قدرة وعظمة، وفى هذا مهلكة وضياع لكل من يتلبّس بمنكر من هذه المنكرات.. وليس ثمة عاقل تسول له نفسه أن يقف هذا الموقف المفضوح، ويعرّض نفسه للفضيحة الفاضحة، والخزي المبين بين الناس! فكيف بأنبياء الله ورسله، وهم دعاة هدى، لا يبغون عليه من أحد أجرا- كيف يكون منهم الكذب على الله والتقوّل عليه بما لم يقل؟ وإذن فالذين يصطفيهم الله لحمل رسالته، ويضع بين أيديهم وعلى ألسنتهم كلماته وآياته- لا يختلط أمرهم على ذى عقل، ولا تلتبس دعوتهم بدعوة أدعياء النبوة، لما بين النبىّ والدعىّ من مفارقات بعيدة، سواء فى ذات النبىّ والدعىّ، أو فى محامل دعوة النبىّ ودعوة الدعىّ. ففى سلوك النبىّ، استقامة، وصدق، وعفّة، وكمال، فى كل أموره، ظاهرها وباطنها جميعا، مما لا يكون موضع شك أو إنكار عند أعدائه، فضلا عن أوليائه.. وليس كذلك الدعىّ الذي لا يمكن أن يقف هذا الموقف المخزى إلّا إذا كان على قدر كبير من الوقاحة، والتجرد من الحياء، وعدم المبالاة باتهام الناس له، وتشنيعهم عليه.. وفى محامل رسالة النبي.. النور والهدى، والخير، والعدل، والإحسان.. للناس جميعا.. لا لطائفة من الطوائف، ولا لطبقة من الطبقات.. أما ما تحمل رسالة المدعى- إن كان له رسالة- فهو الملق والرياء، والاستجابة للعواطف الخسيسة فى الناس، وإباحة المنكرات لهم، ودعوتهم إلى تلك المنكرات باسم هذا الدين الكاذب، الذي يباركها ويبارك أهلها.. وفى قوله تعالى: «وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ، الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ. تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ» عرض لهؤلاء الظالمين الذي افتروا على الله الكذب، وقالوا بما لم يقبله الله.

وفى هذا العرض يبدو المصير الذي يصير إليه كل ظالم، حين تنتهى أيامه القصيرة فى هذه الدنيا، بحلوها ومرها، وبلهوها وعبثها، وإذ هو على مشارف الحياة الآخرة، وملائكة الرحمن يمدّون أيديهم لانتزاع ثوب الحياة الذي يلبسه هذا الجسد، الذي كان يمشى فى الأرض مختالا فخورا، يحسب أن ماله أخلده.. وما هى إلا لحظات، يعالج فيها سكرات الموت، حتى يكون جثة هامدة، كأنه لقى ملقى على الطريق، بل إنه يصبح سوأة يجب أن تختفى وتتوارى عن الأنظار، وتغيّب فى باطن الأرض.. وليس هذا فحسب، بل إن ذلك هو بدء لمرحلة جديدة، لحياة أخرى غير الحياة التي كان فيها.. إنه سيبعث من جديد، ويلبس ثوب الحياة مرة أخرى، ولكن لا ليكون مطلق السّراح، يلهو ويعبث، بل ليلقى به فى جهنم، وليكون وقودا لجحيمها المتسعر! وفى قوله تعالى: «أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ» إشارة إلى هذا الأمر الملزم، الذي يحمله الملائكة، لقبض أرواح الظالمين، وأن الملائكة، وهم الموكلون بقبض هذه الأرواح، يحملون هؤلاء الظالمين حملا على انتزاعها بأنفسهم، وإعطائها لهم بأيديهم، وفى هذا تنكيل بهم، وإذلال وقهر لهم، بأن يحملوا حملا على انتزاع حياتهم بأيديهم.. هكذا «أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ» .. وهل يعطى الإنسان نفسه بيده؟ إنه لأهون عليه كثيرا أن ينتزعها أحد منه قهرا وقسرا، من أن يكون هو الذي يقدّم بيديه أعزّ شىء يملكه، بل كل شىء يملكه.. قوله تعالى: «وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ» هكذا يجد الظالمون أنفسهم يوم القيامة.. فى وحشة قاتلة، لا يلتفت أحد إلى أحد، ولا يفكر إنسان فى إنسان. «لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» ، عن أن يشغل بغيره، أو ينظر إليه نظرة. «وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ» فليس مع الإنسان فى هذا اليوم شىء

مما جمع فى الحياة الدنيا، من مال، وما استكثر من متاع، وما اتخذ من أخدان وخلّان.. وفى قوله تعالى: «خَوَّلْناكُمْ» تذكير لهم بأن كل ما كان لهم فى هذه الدنيا هو مما لله عندهم، فهو الذي خوّلهم أي أعطاهم هذا الذي كان لهم، وهم يحسبون أن ذلك كان من صنع أيديهم، ومن معطيات حولهم وحيلتهم. وقوله تعالى: «وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ» هو تنبيه لهؤلاء الغافلين، وإلفات لهم أن يخرجوا من هذا الوجوم الذي هم فيه، ومن تلك السّكرة المستولية عليهم، حتى يديروا أنظارهم إلى ما حولهم، ليبحثوا عن معبوداتهم التي كانوا على ولاء لها، واطمئنان بها.. يفزعون إليها فى كل شدّة، ويهرعون إليها عند كلّ ملمّة. وهذه هى ملمة الملمات، وشدة الشدائد.. فأين هؤلاء الشفعاء؟ وأين ما كان يرجى منهم عند كل بلاء؟ .. فليدعوهم. فليجيئوا لهم.. إن كانوا صادقين! إنه لا شىء هنا، إلا الوحشة المطبقة، والحسرة القاتلة، والخسران المبين..! فهذه الأبصار الزائغة، التي تدور هنا وهناك تبحث عن هؤلاء الشفعاء، لا تلبث أن تغيم الرؤية عليها، فلا ترى شيئا مما حولها من شفعاء أو غير شفعاء.. وهنا يدخل على الظالمين من أسماعهم، صوت الحق، يجيئهم بجواب ما كانوا يبحثون عنه: «لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ» . وفاعل الفعل «تقطع» محذوف دلّ عليه السياق.. ومن السرّ فى حذفه أنه أكثر من فاعل.. فالذى «تقطع» بين الظالمين وبين ما كان لهم، هو أكثر من أمر.. لقد تقطع ما بينهم وبين ما كان لهم من مال وبنين، وتقطع ما بينهم وبين ما كان لهم من آلهة اتخذوهم شفعاء لهم عند الله. وتقطع ما بينهم وبين كل

الآيتان: (95 - 96) [سورة الأنعام (6) : الآيات 95 إلى 96]

وسيلة يتوسلون بها إلى الخلاص من هذا البلاء الذي هم فيه. وهكذا: لقد تقطعت الأسباب بينهم وبين كل ولىّ من أوليائهم، أو قوة من قواهم. الآيتان: (95- 96) [سورة الأنعام (6) : الآيات 95 الى 96] إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) التفسير: بعد أن شهد الظالمون المشركون هذا المشهد الذي تقطت له أنفاسهم، من مشاهد يوم القيامة، ردّوا إلى ما كانوا فيه من تلك الحياة التي كانوا يحيونها، مع أموالهم وأولادهم وأصنامهم، وما كانوا عليه من عناد وخلاف مع النبىّ، وما كان يدعوهم إليه من التعرف إلى الله والإيمان به.. وهنا تلقاهم كلمات الله وآياته، يرتّلها المؤمنون، تمجيدا لله وتسبيحا بحمده، وإذا هذه الآيات، وتلك الكلمات، هى استعراض لجلال الله، الذي كانوا منذ لحظات بين يديه، فى هذا الموقف العظيم، الذي طلع عليهم منه ما لم يكونوا يحتسبون، من شدة وبلاء.. «إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ» .. ذلكم هو الله، وتلك هى بعض آثار قدرته.. فلينظروا فى هذا الذي أبدعته القدرة القادرة، التي قام سلطانها على كل شىء، ونفذ علمها إلى كل شىء..! فهذه الحبة الصغيرة، التي لا تكاد تمسك بها العين، يفلقها الخالق العظيم

فيخرج من كيانها الضعيف، وجرمها الصغير، شجرة عظيمة مورقة مزهرة مثمرة..! وهذه النواة اليابسة، التي لا يتجاوز جرمها جرم حصاة صغيرة، يفتّقها الخلّاق العليم، فيخرج من أطوائها نخلة باسقة، تطاول السماء، وتناطح السحاب.. «إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ» وفلق الحبّ والنوى.. شقّه، حين يغرس فى مغارس الإنبات، فيفتّق كما تفتّق الأرحام عند الولادة لتخرج ما فيها من أجنّة.. ومن بين هذا الحبّ والنوى.. الميت الهامد.. تخرج الحياة ممثلة فى شجيرة صغيرة، أو نخلة باسقة، أو دوحة عظيمة. وقوله تعالى: «يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ» هو خبر ثان ل (إنّ) فى قوله سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى» . وقوله سبحانه: «وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ» عرض لصورة أخرى من صور الإبداع فى الخلق.. وهو أنه سبحانه إذ يخرج الحىّ من الميت، فإنه سبحانه يخرج الميت من الحىّ، كهذا الحبّ وذلك النوى فإنهما من مواليد النبات الحىّ النامي.. وفى هذا العرض للإحياء والإماتة، والإماتة والإحياء، مثل ظاهر يرى فيه الإنسان العاقل صورة لحياته هو.. وأنه كان فى عالم الموات، ثم إذا هو كائن حىّ عاقل.. ثم إذا هو مردود إلى عالم الموات مرة أخرى.. فهل تعجز القدرة الإلهية عن ردّه مرة ثانية إلى الحياة؟ إن ذلك- فى تقدير الإنسانية- أمر أهون مما سبقه من إيجاد الحياة من العدم!! «كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» (28: البقرة)

وقوله تعالى: «ذلِكُمُ اللَّهُ» إشارة إلى الله، سبحانه، وأنه هو الإله الحق الذي لا ينبغى لعاقل أن يتخذ إلها غيره.. فذلكم هو الله، وتلك هى بعض آثار قدرته. وقوله سبحانه: «فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ» إنكار على هؤلاء الضالين، أن يكون لهم متجه غير الله، ثم هو دعوة مجدّدة لهم أن يتركوا هذا الطريق الآثم الذي هم فيه، وإلا كانوا فى الهالكين. والإفك، هو الباطل والبهتان، والميل عن طريق الحق إلى الضلال. قوله تعالى: «فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً» هو استمرار لعرض آيات من قدرة الله، حتى إذا كان هناك من تنبّه من غفلته من هؤلاء الضالين، بعد أن رأى ما رأى من آيات الله فى خلق الحب والنوى، وخلق الحىّ من الميت، والميت من الحىّ، وبعد أن نبهه صوت الحقّ إلى ما هو فيه من ضلال وغفلة- إذا كان هناك من تنبّه لهذا، وجد بين يديه هذا النور الذي يكشف له معالم الطريق إلى الله، فيما يشهد من آثار صنعته فى هذا الوجود.. «فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً» فذلك مما خلق، الخالق، وأبدع البدع.. وفى قوله تعالى: «فالِقُ الْإِصْباحِ» مقابلة بين فلق النواة التي تخرج منها أجنّة الحياة ومواليدها، من عالم النبات، وبين فلق الإصباح، أي الصبح الذي يتفتق من تفتّقه الحياة، التي يستولى عليها سلطان النهار، ويغذيها ضوء الإصباح.. فهذه الكائنات المتحركة فى ضوء الإصباح، والمنتشرة على بساط ضوئه فى النهار، هى المواليد التي تفتح عنها الضوء، وبعث فيها الدفء والحياة، كما يتفق الحبّ والنوى عن هذه الحياة التي تتمثل فى عالم النبات. وقوله تعالى: «وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً» هو فى مقابل: «وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ»

الآيات: (97 - 99) [سورة الأنعام (6) : الآيات 97 إلى 99]

حيث يكون الليل همودا وسكونا أشبه بالموت الذي يسبق الحياة.. وقوله سبحانه: «وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً» أي وجعل الشمس والقمر ليتعرف بهما على حساب الأيام والشهور، إلى جانب ما لهما من آثار كثيرة أخرى فى الحياة.. فالحسبان، هو الحساب والتقدير. وقوله تعالى: «ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ» إشارة إلى أن وضع هذه المخلوقات بموضعها الذي هى فيه، وتسخيرها على هذا الوجه الذي تقوم به فى الحياة- هو من تدبير الله، ومن تقدير حكمته وسلطان علمه وعزته. الآيات: (97- 99) [سورة الأنعام (6) : الآيات 97 الى 99] وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99) التفسير: تتابع الآيات فى عرض مبدعات القدرة الإلهية وتدبيرها أمر هذا الوجود، والهيمنة على نظامه البديع.. فمن مبدعات القدرة الإلهية، هذه النجوم التي هى زينة للناظرين فى هذا

السقف المرفوع، وهى علامات للسائرين ليلا فى البر أو البحر. وفى إضافة الظلمات إلى البر والبحر إشارة إلى أن الظلام هو الذي يلبسهما ويستولى عليهما، فكأن السائر فى الليل، يقطع قطعا من الظلام، سواء أكان فى البر أو البحر. والمراد بالظلمات هنا، ليس هو الظلام الذي يلبس الوجود فى الليل، وإنما هى هذا التيه الذي يستولى على راكب البحر، أو راكب الصحراء أو نحوها، فى الليل، حيث لا يعرف الإنسان أين يتجه، وهو فى هذا الكون الفسيح الذي لا معلم فيه.. والنجوم هى المعالم التي تكشف لراكب البحر أو الصحراء طريقه، وتشير له إلى متجهه، نحو الشرق أو الغرب، أو الشمال أو الجنوب وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ» (16: النحل) ومن مبدعات القدرة الإلهية أن عالم الإنسان- وهو واحد من عوالم كثيرة لا تحصى- هو ثمرة نفس واحدة، كان منها هذا العالم الإنسانى كله، فى أممه، وشعوبه، المنتشرة فى آفاق الأرض كلها. «وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ» . وقوله تعالى: «فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ» أي فمستقر ومستودع هو الذي تتوالدون منه وتتكاثرون، والمستقر هو النطفة فى صلب الرجل، والمستودع هو النطفة تستودع فى رحم المرأة.. ومن المستقر والمستودع يكون التناسل والتوالد.. أو فمستقر على الأرض مدة حياتكم، ومستودع فى باطنها بعد موتكم.. وفى فاصلة الآية هنا: «قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ» ، وفى الفاصلة قبلها «قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» توافق كلّ فاصلة مع الحال الداعية إليها فى آيتها.. فعملية الخلق، والتوالد، والتناسل، عملية تحتاج إلى دقة نظر، ومزيد علم،

ولهذا كان مطلوبها أن ينظر فيها من يعلم، ويتدبر ما لا يعلم، وهو الفقيه.. «لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ» . أما النجوم وما يأخذ النظر منها من هداية فى الظلام، فلا يحتاج من يريد التعرف على هذه الخاصة منها إلى أكثر من نظر يفيد علما بالواقع كما هو: «لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» . ومن مبدعات هذه القدرة، هذا الماء المنزل من السماء، أي من جهة عالية، تعلو وجه الأرض، فكل ما علا الأرض فهو سماء.. فمن هذا الماء يخرج كل حىّ، من إنسان وحيوان ونبات.. كما يقول سبحانه وتعالى: «وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ» (30: الأنبياء) ثم خصّ الله سبحانه بالذكر هنا عالم النبات، إذ كان أكثر الكائنات الحية تفاعلا مع الماء واعتمادا عليه.. إذ هو غذاؤه وحياته، لا شىء له غيره، به يحيا، وبفقده يذيل ويموت.. أما الكائنات الأخرى، وإن كان الماء حياتها كالنبات تماما، إلا أنها تعتمد على أشياء أخرى تقوم إلى جانب الماء لتمسك عليها الحياة، وهو ما يتغذّى من طعام.. وقوله تعالى: «فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً» أي نباتا ذا خضرة، حيث الخضرة هى الروح السارية فى حياة النبات، وبغير تلك الخضرة لا ينبض فيه عرق الحياة أبدا. وقوله سبحانه: «نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً» أي من هذه الخضرة التي تمسك حياة النبات وتمده بالقوة والنماء- من هذه الخضرة يبلغ النبات غايته من النماء، فيزهو، ويثمر، ويخرج حبا متراكبا، أي يركب بعضه بعضا، كما هو الشأن فى سنابل القمح، وعناقيد العنب ونحوهما.

وقوله سبحانه: «وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ» أي كما أخرجنا من الخضر حبا متراكبا، كذلك كان شأن النخل، الذي نخلق من طلعه قنوانا دانية.. والطلع، لقاح النخل، والقنوان: جمع قنو، وهو العذق، أي سباطة البلح أو الكباسة. وفى هذا الذي بين طلع النخل، وما يتخلق منه من قنوان دانية الثمر، ما يلفتنا إلى الخضر الذي فى النبات وما ينشأ عنه من حبّ متراكب.. وكأن هذه الخضرة هى اللقاح الذي لولاه ما أثمر نبات. وفى وصف القنوان بأنها قنوان دانية، مع أنها قد تكون والنخلة سابحة فى السماء- فى هذا الوصف ما يشير إلى اشتهاء النفس لهذا الثمر الذي يحمله النخل، وتطلعها إليه، ورغبتها فيه- الأمر الذي يجعل بعيده قريبا، وكلّ صعب فى الوصول إليه هينا.. هكذا المحبوب المشتهى أبدا. وقوله سبحانه: «وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ» معطوف على قوله تعالى: «فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ» أي وأخرجنا به- أي بالماء- جنات من أعناب وقوله تعالى: «وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ» معطوف على جنات من أعناب. وقوله سبحانه: «مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ» أي أن الزيتون والرمان، منه ما يشبه بعضه بعضا، ومنه ما يختلف بعضه عن بعض.. فى اللون، أو الحجم، أو الطعم. ويمكن أن يفهم قوله تعالى: «مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ» على وجه آخر.. وهو أن هذه الأشجار من الزيتون والرمان، وإن بدت أفراد كل جنس منها متشابهة فى هيئتها وثمارها، إلا أنها فى حقيقة أمرها غير متشابهة، فبين كل شجرة وأخرى فروق دقيقة، فى هيئنها، وفى ثمارها.. وهذا من بديع

صنع الله، ومن كمال قدرته.. حيث تتنوع أفراد الجنس الواحد.. شجرة شجرة، وتختلف ثمرات الشجرة.. ثمرة ثمرة.. وعلى هذا تكون «الواو» فى قوله تعالى: «وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ» وهى واو الحال، والجملة بعدها حالية. وذلك فى قراءة من قرأ وغير بالرفع، أي يبدو مشتبها، والحال أنه غير متشابه، وهذا هو السرّ فى اختلاف النظم بين مشتبه ومتشابه!! وقوله تعالى: «انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ» إغراء بتوجيه النظر، وإعمال الفكر فى هذه المخلوقات، وما يجىء منها إلى الناظر إليها وهى فى حال إزهارها وإثمارها، من جمال رائع، وحسن فتّان، يشيع فى النفس البهجة والمسرّة، ويثير فى العقل أشواقا وتطلعات إلى التعرف على أسرار هذا الجمال واستكشاف ينابيعه ومصادره الأولى التي يجىء منها. والإنسان إذ يلقى الطبيعة وهى فى نضارة شبابها، وروعة حسنها، إنما يتيح له ذلك مجالا فسيحا للاندماج بها، والتعايش معها، الأمر الذي يسمح للطبيعة أن تبوح له بكثير من أسرارها، وتأتمنه على الكثير مما احتفظت به فى كيانها، وضنّت به على من لا يدنون منها، ولا يتعاطفون معها. أليس هذا شأن كل أمر يريد الإنسان أن ينتفع منه، ويملأ يديه من الخير الذي فيه؟. إنه لن ينال شيئا من أي أمر يعالجه، ويريد فتح مغالقه، إلا إذا تألّفه وأحبّه وأنس به، وأقبل عليه فى حبّ وشوق! ومن هنا كانت دعوة القرآن بالنظر إلى الطبيعة وهى فى حلل جمالها وبهائها- هى فى الواقع دعوة ضمنية إلى التزود من العلم والمعرفة، إذ يكون النظر إليها فى تلك الحال نظرا جادّا، باحثا، مستلهما، لا نظرا عابثا، لاهيا، متفكها بألوانها، وأصباغها. وانظر إلى معارض هذه الآيات الكريمة، وما يحمل كل معرض منها

الآيات: (100 - 103) [سورة الأنعام (6) : الآيات 100 إلى 103]

من دعوة إلى أناس كلّهم طلاب علم، ولكنّهم درجات متفاوتة، فيما يعلمون!. النجوم ... «لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» . وخلق الناس من نفس واحدة ... «لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ» . والماء وأثره فى الحياة، وفى عالم النبات.. «لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» . فهذه النظرات المردّدة فى الكون.. تجىء أول ما تجىء بالعلم، فإذا كان لصاحب هذا العلم نظرة تجمع الحقائق الجزئية، وتقيم منها حقائق كلية.. كان علمه هذا فقها. فإذا اتخذ من هذه الفقه مادة لجمع الحقائق الكلية ودرجها تحت حقيقة كليّة كبرى، كان فقهه هذا هو الإيمان.. الإيمان القائم على النظر الاستدلالي، والبحث الاستقصائى، لا على الإيمان التقليدى، الذي يعتمد على مشاعر غامضة، ووجدانات باهتة، لا تصل الإنسان بالله إلا بخيط واه ضعيف ينقطع عند أول هزّه تمرّ به. الآيات: (100- 103) [سورة الأنعام (6) : الآيات 100 الى 103] وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (100) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) التفسير: وإذ انتهت المعارض التي عرضها الله سبحانه وتعالى فى الآيات السابقة، شاهدا يشهد لوجوده، ودليلا يدل على قدرته وعلمه وحكمته- إذ

انتهت هذه المعارض بأرباب العقول إلى أن يهتدوا بها، ويؤمنوا بالله على هديها- فإن كثيرا من الناس قد عموا عن هذه الآيات، فلم يروا فيها بصيصا من النور يقودهم إلى الله، ويفتح قلوبهم وعقولهم للإيمان به، ولهذا جاءت الآيات بعد هذا تنعى على هؤلاء موقفهم، وتفضح على الملأ حمقهم وجهلهم.. فقال تعالى: «وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ» .. ويلاحظ أنه لم يجر لهؤلاء الذي تحدّث عنهم الآية الكريمة، ذكر من قبل، بل جىء بهم هكذا فى هذا الموقف، حتى لكأنهم كانوا قد أعدّوا من قبل لهذا الذي هم فيه الآن فى موضع التجريم، والاتهام.. وهذا ما يشير إلى أن هؤلاء المشركين بالله كاوا على حال ظاهرة من الشرك، بحيث يعرفهم كل أحد، ويستدل عليهم كل من يريد أن يمسك بأهل الشرك، ويضع يده عليهم، دون بحث أو معاناة. وفى اتخاذهم الجنّ شركاء، إشارة إلى أن الجنّ هم الذين زينوا لهم الشرود عن الله، وعبادة كل من عبدوه من دون الله. وفى قوله تعالى: «وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ» .. التعبير بخرقوا فى مقابل «خلق» إشارة إلى أن هذا الذي نسبه المشركون إلى الله من بنين وبنات، حين قالوا عن الملائكة إنهم بنات الله، كما قال الله، تعالى عنهم: «وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً» (19: الزخرف) - هذا الذي نسبوه إلى الله، هو من تلقيات أوهامهم الضالة، وأهوائهم الفاسدة، وأنه خرق واختلاق، لا يقوم على علم، ولا يستند إلى معرفة.. إنه خرق لناموس الحقّ، وسلطان العقل. قوله تعالى: «بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ

صاحِبَةٌ» هو ردّ على هذا الافتراء الذي افتراه المشركون على الله، بنسبة الولد إليه.. إذ كيف يكون له ولد، وهو سبحانه الخالق لكل شىء، مبدع السموات والأرض وما فيهن، أوجدهما من عدم، على غير مثال سبق..؟ فكيف يصح فى عقل ذى عقل أن يتخذ الله ولدا، والولد إنما يطلبه الوالد ليكون سندا له، وامتدادا لحياته من بعده..؟ والله سبحانه وتعالى قوىّ لا يحتاج إلى سند، حىّ حياة أبدية سرمدية لا تنقطع.. فما الداعي لطلب الولد؟ وما الحاجة إليه؟ .. ثم كيف يكون له سبحانه ولد، ولم تكن له صاحبة- أي زوج-؟ ولو كانت له صاحبة لكانت إلهة مثله.. إذ أن التوالد لا يكون إلا بين المتماثلين.. والله- سبحانه- منزّه عن المثل والشبيه! وقوله تعالى: «وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» تقرير لهذا الحكم، وتوكيد له.. إذ أن الخالق لكل شىء، لا يناسبه ولا يماثله شىء من مخلوقاته، وإذن فلا يكون له من تلك المخلوقات صاحبة ولا ولد.. وقوله سبحانه: «ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ» الإشارة إلى الله سبحانه وتعالى هنا إشارة إلى المعبود الذي ينبغى أن تتجه إليه وجوه العابدين جميعا، فهو ربّهم الذي أوجدهم من عدم، وأمسك عليهم وجودهم بمقدرته، وأفضاله عليهم، وليس إله غيره كان له هذا الأثر فيهم، فهو خالقهم، وخالق كل شىء عبدوه. أو لم يعبدوه.. فهو المستحق لأن يمجّد وأن يحمد، ويعبد.. وهو سبحانه قائم على كل شىء وكيل على ما يجرى فى ملكه، وما يقع من مخلوقاته، من استقامة أو انحراف، ومن ولاء له، أو كفر به.. وسيجزى كلّ حسب عمله. ووكالة الله سبحانه على هذا الوجود ليست كوكالة الوكيل عن الأصيل، وإنما هو وكيل عن هذه المخلوقات كلها، حيث وكلت إليه أمرها، وفوّضت إليه

الآيات: (104 - 107) [سورة الأنعام (6) : الآيات 104 إلى 107]

تصريف وجودها كيف يشاء، إذ كان كل موجود- أيّا كان سلطانه، وأيّا كانت قوته- عاجزا عن أن يملك لنفسه نفعا، أو ضرا. وقوله سبحانه: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» إشارة أنه سبحانه لطيف لا يرى، إذ لو رؤى لتحدّد، ولو تحدّد لتجسّم، ولو تجسّم لكان مركبا، ولو كان مركبا لكان مخلوقا.. سئل الإمام علىّ: هل رأيت ربّك؟ فقال: «نور أنّى أراه؟» أي هو نور يملأ الوجود، ترى فى نور أنواره الموجودات.. أما النور فلا تمسك به عين، ولا يحدّه نظر.. فكيف يرى هذا النور؟ أما الله سبحانه وتعالى، فهو يرى كل موجود، ويبصر كل مبصر، فهو سبحانه يملأ عين المبصرين بنوره، ولكنهم لا يبصرونه.. «وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» الذي جلّ بلطفه عن أن يرى، وعلا بعلمه أن يغيب شىء عنه.. الآيات: (104- 107) [سورة الأنعام (6) : الآيات 104 الى 107] قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105) اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107) التفسير: البصائر: جمع بصيرة، والبصيرة الآية التي يتكشف للناظرين فيها عبرة وعظة، ويقع لهم من الوقوف إزاءها علم ومعرفة..

وقوله تعالى: «قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها» أي قد جاءتكم آيات بينات، فيها تبصرة وعظة لأولى الألباب.. «فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ» حيث يرى طريقه، ويعرف الاتجاه السليم الذي يسير فيه «وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها» حيث يضل الطريق، ويتخبط فى متاهات الضلال، وتكون عاقبته الهلاك والضياع.. وقوله سبحانه: «وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ» أي ليس على النبىّ إلا أن يعرض هذه البصائر التي تلقاها من ربه، ثم إنه ليس عليه بعد هذا أن يتولى حراسة الناس وحمايتهم من أهوائهم الغالبة، ونزعاتهم المستبدة.. فهذا نور الله بين أيديهم، وفى مواجهة أبصارهم.. فمن أبصر فلنفسه، ومن عمى فعليها.. والله سبحانه وتعالى يقول: «أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ» (43: يونس) قوله سبحانه: «وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» .. تصريف الآيات، تنويعها، وتعدد وجوهها، بحيث يرى الناظر فيها مشاهد متعددة الألوان، مختلفة الأشكال.. لجلال الله، وكمال علمه، وسلطان قدرته، وبحيث من أخطأه التهدّى إلى الله من واحدة منها لم يخطئه ذلك فى كثير غيرها.. وفى قوله تعالى «وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ» إشارة إلى معطوف محذوف يدل عليه سياق النظم، وتقديره، «وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ» ونعدّد وجوهها لتلقاهم فى كل متّجه، ولتأخذ عليهم كل سبيل «وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ» أي وليقولوا جهلا وسفاهة: إن هذا العلم الكثير الذي تحمله تلك الآيات إنما هو مما درسه «محمد» وتلقّاه من علماء أهل الكتاب، وأنه ما كان له وهو الأمىّ، أن يجىء إليهم بهذا العلم الذي لم يكن لهم هم ولا آباؤهم.. وفى هذا تشنيع على هؤلاء الضالين المشاغبين،

وتسفيه لعقولهم، إذ لو عقلوا لكان أقرب إلى العقول أن يضيفوا هذا العلم إلى الله، وأن يروا فى أميّة «محمد» وفى هذا العلم الغزير الذي حمله إليهم شاهدا على أن هذا القرآن هو من عند الله، لا من تلقّيات محمد عن غيره.. وقد كان فيهم كثيرون اتصلوا بأهل الكتاب، ولم يكن لهم شىء من هذا العلم الذي جاءهم به هذا الأمىّ الذي لم ينقطع للعلم، ولم يجلس إلى أهل العلم.. وقوله تعالى: «وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» تعليل آخر لمجىء آيات الله مفصّلة هذا التفصيل، ومبيّنة هذا التبيين.. وذلك ليكون فيها مزيد بيان ومعرفة وعلم «لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» أي لقوم من شأنهم أن يتعلموا ويعلموا.. والضمير فى قوله تعالى: «وَلِنُبَيِّنَهُ» يعود إلى القرآن الكريم، الذي هو مجمع هذه الآيات كلها، والكتاب الذي احتواها، واشتمل عليها جميعا، وفى تفصيل هذه الآيات، وتعدد وجوهها بيان وتوضيح لقوم يعلمون، وبلاء وفتنة للضالين. وقوله سبحانه: «اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ» التفات من الله سبحانه للنبىّ الكريم، وتثبيت له على الكتاب الذي تلقّاه من ربّه، دون أن يلتفت إلى شىء من تخرصات المشركين، واستهزاء المستهزئين. وفى إضافة النبي الكريم إلى ربّه- سبحانه وتعالى- تكريم للنبى الكريم، واحتفاء به، واستدعاء له من بين هؤلاء الضالين إلى حيث ينزل هذا المنزل الكريم، من رحمة الله ورضوانه. وفى قوله تعالى: «وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا» إخلاء لمشاعر الأسى والحزن التي يعالجها النبىّ، وهو يدعو قومه إلى الهدى والخير، وهم يتفلّتون من بين يديه إلى الضلال والهلاك.. فهذا الضلال الذي هم فيه هم أهل له، وهو أشكل بطبيعتهم النكدة، وقلوبهم المريضة.. ولو شاء الله لهم الهداية

الآيات: (108 - 110) [سورة الأنعام (6) : الآيات 108 إلى 110]

لهداهم، ولما كانوا من المشركين.. فذلك إلى قدرة الله ومشيئته، وليس لك- أيها النبي- من الأمر شىء.. «وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ» إذ لست مرسلا من عند الله لتقهرهم على الإيمان، ولتدفع عنهم بالقوّة هذا الضلال الذي هم فيه.. وما أنت عليهم بوكيل، إذ هم راشدون مسئولون عن أنفسهم، وعن اختيار الطريق الذي يسلكونه.. «إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ» فتنبّه الشارد، وتهتف بالضال.. فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضلّ فإنما يضل عليها، وما أنت عليهم بوكيل. الآيات: (108- 110) [سورة الأنعام (6) : الآيات 108 الى 110] وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (108) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) التفسير: أمر الله سبحانه نبيّه الكريم فى الآيات السابقة أن يقف على حدود ما أنزل إليه من ربّه، وأن يدع المشركين وشأنهم، بعد أن بلغهم رسالة ربّه، وأن ليس للنبىّ أن يكرههم على الإيمان، إن عليه إلا البلاغ.. وهنا فى قوله تعالى: «وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ» يحذر الله النبىّ والمسلمين معه، أن يدخلوا فى معارك جدليّة مع المشركين، تنتهى بهم إلى التراشق بالكلمات الجارحة، فيشتم بعضهم

بعضا، ويسبّ بعضهم بعضا.. وهنا يجدها المشركون فرصة للتعدّى على الله، والتطاول على ذاته الكريمة، وكان ذلك أشدّ ما يصيبون به المسلمين فى مشاعرهم، لما لله سبحانه وتعالى فى أنفسهم من تعظيم وتوقير، ولما يعلمه المشركون من تعلّق المسلمين بالله، وحبّهم له، ورعايتهم لأوامره ونواهيه.. وليس كذلك شأن المشركين مع آلهتهم التي لا ينظرون إليها تلك النظرة الخاشعة، التي ينظر بها المسلمون إلى الله، ولا يرون فى آلهتهم ما يرى المسلمون فى الله، من قدسية، وعظمة، وجلال. وقد تنبّه العقلاء إلى مثل هذه الحال، فبعدوا بأنفسهم عن تلك المواطن التي يقفون فيها مع السفهاء موقف الخصومة والتلاحي، لأن السفيه الساقط المروءة، يجد فى التطاول على أهل الحكمة وأصحاب الشأن فى الناس فرصته، فى الاستعلاء بنفسه، حين يكون هو ومن فوقه فى منزلة سواء.. وفى هذا يقول الشاعر: بلاء ليس يعد له بلاء ... عداوة غير ذى حسب ودين يبيعك منه عرضا لم يصنه ... ليرتع منك فى عرض مصون فإذا سبّ المشركون الله فى مجلس من مجالسهم مع المسلمين، شعروا أنهم أصابوا من المسلمين مقتلا، وإذا سبّ المسلمون آلهتهم لم يكن فى ذلك ما يزعجهم أو يقلقهم، وإن يكن شىء من ذلك فهو شىء قليل لا يكاد يحسّ له أثر! شأن الخسيس يتطاول على الكريم، فإذا ناله الكريم بأذى لم يتأثر له. «وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ» والعدو: العدوان والبغي. فى حمق وسفاهة وطيش. أي ولا تتعرضوا للآلهة الذين يدعوهم المشركون من دون الله، فيسبّوا الله عدوا، أي أنهم يسرعون إلى سبّ الله، ويجدونها فرصة لهم لينالوا منكم بالتعرض بالسبّ لأقدس المقدسات، وأكرم الحرمات عندكم..

وفى قوله تعالى: «عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ» إشارة إلى أن هؤلاء المشركين لا يقدرون الله حق قدره، ولا يعلمون ما تعلمون أنتم أيها المؤمنون من جلاله وقدسيته وعظمته. فلا يتوقفون عند أية سانحة تسنح لهم للتطاول على الله. وقوله تعالى: «كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ» هو عزاء للمسلمين لما ينالهم من تطاول المشركين على الله، واستخفافهم به.. فذلك لأنهم لم يعرفوا الله حق المعرفة، وأنهم مشغولون عنه بآلهتهم تلك، وأنها- على ما هى عليه ضعف وهوان- ذات شأن عند المشركين، الذين آمنوا بها وعبدوها.. وهكذا الناس وما يحبّون ويبغضون.. هم فى هذا مذاهب شتّى.. من يحبه قوم، يبغضه آخرون، ومن يبغضه أناس، يحبّه أناس غيرهم.. «كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ» . وقوله تعالى «ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ» الضمير فى «ربهم» يعود إلى الناس الذين تضمهم هذه الأمم.. أي أن الناس جميعا على اختلاف معتقداتهم ومذاهبهم وأعمالهم سيردّون إلى الله.. وهنا يعرف كل إنسان حقيقة ما كان عليه.. من حق أو باطل، وصفة ما كان يعمل.. من خير أو شر.. قوله سبحانه: «وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها» . الآية التي أقسم المشركون على أنهم يؤمنون بها لو جاءتهم، ووقعت تحت حواسّهم- هى التي كانوا يقترحونها على النبىّ، فيما حكاه القرآن عنهم فى قوله تعالى: «فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ» (5: الأنعام) وقوله سبحانه: «لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً، أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها» (7- 8: الفرقان) .. وقوله تعالى:

«وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا (90- 92: الإسراء) . هذه هى بعض الآيات التي أقسموا بالله جهد أيمانهم- أي قسما مؤكدا بكل المؤكدات- لو جاءتهم آية منها ليؤمننّ بها، ويتخذونها دليلا على صدق النبىّ! وقوله تعالى: «قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ» هو ردّ من الله تعالى عليهم، أمر النبىّ الكريم أن يلقاهم به.. فإنه- أي النبىّ- لا يملك من تلك الآيات شيئا، وإنما هى من الله سبحانه وتعالى، ينزّلها بقدر، وتدبير وحكمة، على من يشاء، متى يشاء. وقوله سبحانه: «وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ» هو التفات للمؤمنين الذين سمعوا الجواب الذي أجاب به النبىّ على ما يقترحه المشركون عليه من آيات.. وفى هذا الالتفات ردّ على تطلّعات بعض المسلمين الذين كانوا يتوقعون أن يجىء النبىّ بمثل هذه الآيات، ليقطع على المشركين حجتهم، ولينهى الخصومة التي بينه وبينهم، وبهذا تنطفىء نار الشرّ المحتدم بينهم وبين المؤمنين، حين تدخلهم تلك الآية فى دين الله، ويكونون من المؤمنين. وقد كشف الله سبحانه وتعالى فى هذا الردّ عن طبيعة هؤلاء المشركين، وأنهم ليسوا طلاب هدى يملأ صدورهم طمأنينة وإيمانا، ولكنهم أصحاب هوى، وأتباع ضلال، لا يريدون بهذه المقترحات التي يقترحونها إلّا اللجاج فى العناد، والضلال. وفى قوله تعالى: «وَما يُشْعِرُكُمْ» إشارة إلى أن ما بالمسلمين من أمر هؤلاء المشركين فى هذا الموقف، هو مجرد مشاعر وأحاسيس، وليس إدراكا،

ولا علما.. إذ أن المسلمين كانوا يعلمون من عناد هؤلاء المشركين أنهم لن يؤمنوا بأية آية، ولكن ما كان يجده المسلمون منهم من عنت وإرهاق ألقى فى شعورهم شيئا من الأمل، يتعلّلون به، فى مجىء تلك الآية المقترحة، التي إن لم يؤمن بها هؤلاء المشركون، فلا أقلّ من أن تخفف من عداوتهم للمؤمنين وعدوانهم عليهم. وقوله تعالى: «وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ» . هو توكيد لعدم إيمان المشركين بهذه الآيات التي تتنزل عليهم حسب مقترحاتهم، وأنهم إذا التقوا بها، فإنما يلقونها بقلوب مريضه، وأبصار زائغة، وألسنة تردد كلمات الزور والبهتان، كما كان ذلك شأنهم مع آيات القرآن الكريم التي التقوا بها، وقالوا فيها ما قالوا من زور وبهتان.. ثم ينتهى موقفهم مع الآيات التي اقترحوها كما انتهى مع الآيات التي جاءهم بها النبىّ.. طغيان، وعناد. وكفر وضلال.. «وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً» (41: الإسراء)

الآية: (111) [سورة الأنعام (6) : آية 111]

الآية: (111) [سورة الأنعام (6) : آية 111] وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111) التفسير: فى هذه الآية يكشف الله سبحانه وتعالى عن هذا المدى البعيد الذي بلغه أولئك المشركون من إمعان فى الضلال والطغيان، وأنهم إن يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها.. فلو أن الله- سبحانه- أنزل عليهم الملائكة، يمشون بينهم، ويتحدثون إليهم لقالوا فيهم مقالا، ولو جدوا للزور والبهتان علّة يعتلّون بها.. ولو أن الله سبحانه بعث الموتى من قبورهم يكلمونهم، كما كانوا يكلمونهم وهم أحياء، لكان لهم فيهم لغط وجدل. ولو أن الله- سبحانه- بعث إليهم كل شىء يقترحونه، وجاءهم به عيانا ومواجهة «قبلا» ، ما كانوا ليؤمنوا، ولقالوا من الزور والبهتان ما حكاه الله عنهم فى قوله تعالى: «وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ» (14- 15: الحجر) وفى قوله تعالى: «إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ» هو استثناء من جميع الأحوال، أي أنهم لا يؤمنون فى أي حال إلا فى تلك الحال التي يشاء الله لهم فيها أن يؤمنوا، وهى حال تتعلق بمشيئة الله، ولا تتعلق بما يساق إليهم من آيات ومعجزات، فإيمانهم معلق بمشيئة الله، لا بتلك الآيات التي يقترحونها.. «وَلكِنَّ

مبحث: فى مشيئة الله ومشيئة العباد

أَكْثَرَهُمْ» أي أكثر النّاس، وهم هؤلاء المشركون جميعا، ومعهم كثير من أولئك المؤمنين الذين طمعوا فى إيمانهم، واستشعروا أنهم قد يؤمنون إذا جاءهم النبي بما يقترحون عليه من آيات- أكثر هؤلاء لا يعلمون مشيئة الله المتسلطة على هذا الوجود، القائمة على تصريفه وتدبيره.. فلا يقع شىء إلا على الوجه الذي شاءه الله- سبحانه وتعالى- وقدّره. مبحث: فى مشيئة الله ومشيئة العباد وهنا نودّ أن نقف وقفة قصيرة، مع هذه القضية، التي شغلت الناس منذ عرفوا الله فآمنوا به.. من علماء، وفلاسفة، وفقهاء، ومتدينين بل وملحدين.. هل للإنسان إرادة؟ هذا سؤال لا يكاد يتردد أحد فى الإجابة عليه «بنعم» !! فكل إنسان يعلم من نفسه، ومن تصرفات الناس حوله، أن للإنسان إرادة.. بها يتحرك ويعمل، وبها يأخذ ويدع. ولكن حين يصبح السؤال هكذا: هل للإنسان إرادة مع إرادة الله؟ هنا تأخذ المسألة وضعا آخر، وتدخل القضية فى مجال النزاع والخلاف.. إنها قضية القضايا.. فهى ليست من القضايا ذات الصبغة «المحلّية» كما يقولون.. بين الإنسان والإنسان، أو بين الإنسان والطبيعة.. ولكنها بين الإنسان وبين الله.. بين العبد والرب.. بين المخلوق والخالق!

وما ظنّك بقضية يكون العبد فيها خصما لربّه، أو محاجّا لخالقه؟ إنها حينئذ تكون قصية شائكة محرجة.. فيها لجاجة وخروج على مقتضى العبودية.. فيها تجديف وضلال، وفيها مزالق وعثرات! ونعم.. الطريق شائك، ملىء بالمزالق والعثرات.. ولكن هيهات أن يمسك الإنسان نفسه عن السير فيه.. فإن استطاع أن يمسك قلمه، أو لسانه، فإنه ليس بمستطيع أن يمسك زمام خواطره ووساوسه.. بحال أبدا.. أما والأمر كذلك، فخير للمرء أن يواجه المشكلة، وأن يقتحم عليها موطنها، قبل أن تفجأه على غرّة، وتهجم عليه على حين غفلة، فتنال منه، وتفسد عليه رأيه، أو تدخل الشك والوسوسة على عقيدته. وأما وقد رضينا أن نواجه المشكلة، ونقتحم عليها حماها، فإنه يجب علينا أن نأخذ لها حذرنا وأسلحتنا.. شأن من يتهيأ لصراع عنيف، ويدخل فى معركة حاسمة..! وزادنا فى هذه المعركة، هو إيمان بالله.. إيمان وثيق، لا تزعزعه الأعاصير العاتية، ولا تنال منه الأحداث المزلزلة.. وأمّا سلاحنا فهو عقل يقظ، وقلب سليم، ننظر بهما فى كتاب الله، وفى سنّة رسول الله، فى حدود ما وهبنا الله من استعداد فطرى، دون التطويح بالعقل، والشرود به فى مجال غير مجاله الذي خلق له.. ذلك هو زادى، وهذا هو سلاحى.. فإن أردت أن تصحبنى على هذا الطريق، فخذ من الزاد والسّلاح ما أخذت.. وإلا فأنصح لك أن تكون حيث أنت، ولا تصاحبنى.. وحسبك أن تعود أدراجك ونحن على أول الطريق، وأن تطوى هذه الصفحات، لتستقبل ما بعدها مما نحن بسبيله

من الوقوف بين يدى الله، وكلماته، على ما عهدت منا، قبل أن نأخذ فى هذا الحديث.. فإن كنت قد رضيت صحبتى على ما اشترطت عليك فهيّا بنا إلى غايتنا.. ولكن مهلا.. هل اختبرت إيمانك؟ وهل أيقظت عقلك، وأحليت قلبك من كل شك ووسواس؟ لا بأس من أن تعيد النظر.. فإننا- كما قلت لك- لا نزال على الشاطئ، وقد يكون العود أحمد لك..! وبعد، فإن كنت على عزيمة أن تسير معى، فلى عليك ما اشترط العبد الصالح على موسى، عليهما السلام: «فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً» .. أنتحرك إذن؟ ليكن.. وعلى بركة الله. هل للعبد إرادة مع الله؟ سنجيب على هذا السؤال بالجوابين المحتملين له.. فنقول: «نعم» مرة، ونقول: «لا» .. مرة أخرى.. وننظر. القول بأن للعبد إرادة مع الله وهذا القول قالت به القدريّة من المعتزلة.. ويبنى على هذا القول أمران: أولا: أن العبد خالق لأفعاله، مسئول عنها مسئولية كاملة.. وثانيا: أن ما يناله العبد من نعيم أو عذاب فى الآخرة هو بسبب عمله الحسن، أو السيّء.. وقد بنى هذان الأمران عند القدرية على ما يأتى:

أولا: أن العبد لو لم يكن خالقا لأفعاله، وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقها، وأضافها إلى الإنسان، ثم عذّبه عليها- مع أنه لم يفعلها- لكان ظالما له، والظلم نقصان، لا يليق بالله الموصوف بالكمال المطلق. وكيف يفعل الله شيئا، ثم يلوم الإنسان عليه، ويقول له: كيف فعلته؟ ولم فعلته؟ وهو لم يكن له كيف، ولا فعل؟ إن الله عادل، وعدله يقضى بأن يحاسب العبد على ما فعل.. وإذن، فأفعال العبد مخلوقة له، ومحسوبة عليه.. وثانيا: أوجب القدريّة على الله أن يثيب الطائعين، كى لا يظلمهم، فإن الظلم نقصان لا يليق بربّ الأرباب! هذه هى حجة أو حجج من يقولون إن للعبد إرادة خالقة، مع إرادة الخالق.. القول بألا إرادة للعبد مع إرادة الرب وأهل السنة، هم أصحاب هذا القول.. وقد بنوه على أمرين كذلك: أولا: أن كمال الإله هو فى التفرد بكل شىء.. ونفى القدرة عيب، ونقصان.. والكمال يقتضى أن يكون كل شىء خاضعا لقدرة الله، جاريا على ما تقضى به حكمته ومشيئته.. وثانيا: إثابة المحسن، ليس لإحسانه وحده، وإنما ذلك من فضل الله عليه. وتعذيب من يعذبهم الله، ليس لذنوبهم وحدها، وإنما ذلك لحكمة يعلمها الله، وحسب نظام قدّره، وليس فى هذا ظلم.. لأن الظلم إنما ينسب لمن يتصرف فى غير ملكه، والله سبحانه إنما يتصرف فيما خلق.. وأهل السّنة- مع هذا- لا ينفون إرادة العبد أصلا، كما سنرى بعد، ولكن يرونها إرادة خاضعة لإرادة الله، جارية على تقديرها.. وهناك فريق ثالث- وهم الجبرية- لا يرون للعبد إرادة مطلقا، فيقولون

إن أفعال الإنسان اضطرارية، وأن كل ما يفعله لا إرادة له فيه، وإنما هو أشبه بآلة تعمل بلا وعى ولا عقل.. وأن المأمورات والمنهيات ليست موصوفة بالحسن والقبح، وإنما هى أوامر ونواه صادرة من جهة عليا، وعلى الإنسان أن يمتثل من غير أن يفكر فى حسن المأمور به أو قبح المنهىّ عنه.. فالإنسان لا يقدر على شىء، ولا يوصف بالاستطاعة، وإنما هو مجبور على أفعاله، لا قدرة له، ولا إرادة، ولا اختيار، بل يخلق الله تعالى الأفعال فيه، كما يخلقها فى سائر الكائنات، وتنسب إليه الأفعال مجازا كما ننسبها إلى الجمادات، كما يقال: أثمرت الشجرة، وجرى الماء، وتحرك الحجر، وطلعت الشمس.. والثواب والعقاب جبر، كما أن الأفعال جبر. هذا هو مجمل القول فى إرادة العبد وإرادة الله، بين أطراف الخصومة عند جماعات المسلمين. وأنت ترى بعد الشّقة بينهم.. فبينا يقول القدرية: إن العبد خالق لكل أفعاله، وأن إرادته مطلقة من كل قيد- إذ يقول الجبرية: إن العبد لا يفعل شيئا، وإنما الله سبحانه هو الذي يخلق ما يفعل العبد، وأن الإنسان والجماد فى هذا سواء، كلاهما مسيرّ إلى غاية لا يملك من أمره معها شيئا. أما أهل السنة، فقد ذهبوا بين الفريقين مذهبا وسطا.. قالوا بإرادة الله العامة الشاملة، وقالوا بإرادة العبد المحدودة الواقعة فى محيط الإرادة العامة. وقد دخلت هذه الآراء فى مجال للصراع العنيف، واجتمع على كل رأى أنصار يدافعون عنه، ويحتجون له.. وكان الفلاسفة والمتكلمون فرسان الحلبة فى هذا الصراع، يصولون ويجولون، ويحومون حول الكتاب والسنة، يأخذون منهما الحجة على خصومهم، فخلطوا فى هذا بين فطرة الإسلام، وفلسفة اليونان، وما وصل إليهم من معتقدات فارس والهند وغيرهما.. وكان من هذا أن

تفصيل بعد إجمال

اتسعت شقّة الخلاف بين المتخاصمين، وانقسمت الفرق المختلفة على نفسها، فكان لكل فريق مقولات تدور حول الأصل الذي قام عليه الرأى فى المذهب. تفصيل بعد إجمال ولكى نتعرف إلى وجه الحق فى هذه القضية، يجب أن ننظر فى آراء هذه الفرق، وفى الأدلة التي قدموها بين يدى هذه الآراء، ثم إن لنا بعد هذا رأينا، الذي نفقهه من ديننا، بعيدا عن التعصب المذهبى، أو التحزّب الطائفي، وخالصا من كل غرض، إلا ابتغاء الحق، وإلا إقامة العقيدة على الحق الذي نزل به الكتاب، وبيّنه الرسول.. كلّ هذا فى إيجاز شديد، لأننا نعالج قضية شغل بها العقل الإنسانى منذ كان، وإلى أن يخلى مكانه من هذا العالم، وقد خلّف وراءه محصولا من الآراء والمقولات لا حصر لها. آراء القدرية برز من المعتزلة عدد غير قليل من ذوى اللّسن والرأى.. قالوا بالقدر، وسمّوا بالقدرية، لأنهم يقولون إن العبد قادر على خلق أفعاله، مختارا غير مضطر.. وقد استطاعوا بما لهم من فصاحة وعقل أن يصوروا آراءهم فى منطق، وأن يصوغوها فى قوالب من الفصاحة والبلاغة، بما كان لهم من نظر فى كتب الفلسفة والمنطق، وبما اطلعوا عليه من المعتقدات الدينية الوافدة مع الداخلين فى الإسلام من كل أمة.. فكانت لهم فلسفة، وكان لهم أدب.. وحسبك أن يكون من رجال هذه الطائفة.. واصل بن عطاء، والنّظّام، وأبو الهزيل العلّاف، والجاحظ، وجميعهم أئمة فى الأدب، كما أنهم أئمة فى الرأى..

وهذه مقولات لبعض رجالهم رأى واصل بن عطاء:

وهذه مقولات لبعض رجالهم رأى واصل بن عطاء: يقول واصل بن عطاء: «إن الله تعالى حكيم عادل، ولا يجوز أن يضاف إليه شر وظلم، ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر به، وأن يحكم عليهم شيئا ثم يحازيهم عليه» ! وهذا الذي يقوله واصل، حق لا شك فيه.. فالله حكيم عادل، ولكن مع حكمة الله وعدله، قدرته وإرادته، والقدرة والإرادة يقضيان بألا يقع فى ملكه غير ما يشاء ويريد.. والسؤال هنا: هل الإنسان من القدرة والاستطاعة بحيث يتحكم فى الأسباب الخارجة، التي تصادم القوى التي أودعها الله فيه.. من عقل وإرادة..؟ يقول واصل: «فالعبد هو الفاعل للخير والشر، والإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، وهو المجازى على فعله، والرب أقدره على ذلك كله» . ونقول: إذا كان الله أقدر العبد على كل ما يفعل من خير وشر، وإيمان وكفر، وطاعة ومعصية- فماذا بقي للعبد إذن؟ وكيف يضاف إليه كل ما يفعل، وهو إنما يفعل بالقدرة التي أقدره الله بها على فعل ما يفعل؟ كيف يتفق هذا مع ذك.؟ ويقول واصل أيضا: «ويستحيل أن يخاطب الله العبد «بافعل» وهو لا يمكنه أن يفعل..؟

«وهو- أي العبد- يحسّ من نفسه الاقتدار والفعل.. ومن أنكره فقد أنكر الضرورة» ! ونقول: إن مفهوم هذا القول يقتضى أن يقوم إزاءه قول آخر.. وهو: إنه يستحيل أن يخاطب الله العبد بألا تفعل ثم لا يمكّنه من ألّا يفعل! وإذن، فيكون الوضع الصحيح للمسألة على مقتضى هذا الرأى، هو: أولا: أن الله يأمر العبد بأن يفعل، ويمكنّه من أن يفعل.. وهذا فى باب الخير والمعروف، فيفعل كل ما هو خير ومعروف. وثانيا: أن الله ينهى العبد ألا يفعل المنكر، ويمكّنه من ألا يفعله.. وهذا يشمل المنهيات جميعا، فلا يفعل العبد ما هو شر ومنكر أبدا.. وهذا غير واقع.. فما أكثر ما يأتى الإنسان ما نهى الله عنه من فواحش وعلى هذا، فالعبد إنما يفعل ما يفعل من خير أو شر بما أودع الله فيه من قدرة، فإذا فعل العبد خيرا فبما أودع الله فيه من قدرة على فعل الخير، وإذا فعل شرّا فبما فيه من قوة لا تستطع أن تدفع الشرّ الذي فعل. ما ذنب العبد إذن؟ أهذا يتفق مع العدل الذي يقوم عليه مذهب المعتزلة؟ ألا ينتهى هذا الرأى إلى القول بالجبر؟ «ويكاد واصل» يقول هذا.. ولكنه يردّه عن ذلك ما يرى من عدل الله وحكمته، فهو يريد أن يدفع عن عدل الله تبعة الأعمال السيئة التي يجازى عليها المسيئون، كما يدفع عن حكمة الله هذه الشرور التي تقع فى محيط الناس. أترى أن واصلا كان عادلا فى هذا الحكم؟ إنه نظر إلى المسألة من جانب واحد.. جانب الإنسان العاجز الضعيف، وعلّق فى عنقه كل هذه الشرور والآثام..

رأى النظام

رأى أبى علىّ الجبّائى وابنه أبى هاشم يقولان: «إن الله تعالى لم يدّخر عن عباده شيئا يعلم أنه إذا فعل بهم أتوا بالطاعة والتقوى.. من الصلاح والأصلح، واللطف، لأنه- تعالى- قادر، عالم، جواد، حكيم، لا يضرّه الإعطاء، ولا ينقص من خزائنه المنح، ولا يزيد فى ملكه الادخار.. ولا يقال إن الله تعالى يقدر على شىء هو أصلح مما فعله بعبده ثم لم يفعله.. والتكاليف كلها ألطاف!!» وواضح أن هذا القول يجعل أفعال العبد كلها مرضيّة عند الله، خيرها وشرها، لأن الله لم يدخر عن عباده شيئا من الصلاح والأصلح واللطف.. وإذن.. فلا خير ولا شر.. فالتكاليف- كما يقولان- كلها ألطاف، وما يأتى العبد منها وما يدع، إنما هو غاية ما أعطى الله العبد من قوى، وليس وراء هذا شىء يمكن أن يمنحه الله العبد غير الذي منح. ونقول: هل على هذا يقال: إن العبد حرّ مختار، يفعل ما يشاء؟ نعم: إنه يفعل ما يشاء فى حدود هذه الطاقة التي أمدّه الله بها، والتي هى كل ما عند الله له.. كما يقولان! وإذن فلم يحاسب العبد ويعذّب على الشرّ الذي يفعله، وهو لم يفعل إلا بما مكن الله له منه، وأقدره عليه..؟ رأى النّظام يرى النظام أن القدر خيره وشرّه منّا، وأن الله تعالى لا يوصف بالقدرة على الشرور والمعاصي، وليست هى مقدورة للبارىء تعالى.. ويرى النظام أن الله لا يقدر أن يخلق أكثر مما خلق بالفعل، وإلا فمن ذا الذي يستطيع أن يحول بينه وبين أن يظهر كلّ ما عنده من الجود والجمال؟» .

ونقول: كيف يقف شىء أمام قدرة الله؟ وهل تقع هذه الأمور التي نراها شرّا إن لم تكن من تقدير الله؟ وهل يدخل على نظام هذا الملك شىء لا يريده الله؟ لقد ردّ أصحاب «النظام» أنفسهم على هذا، فقالوا: إن الله قادر على الشرور والمعاصي، ولكنه لا يفعلها لأنها قبيحة. ونقول: إذا كانت تلك الأمور التي يصفونها بأنها قبيحة، هى قبيحة فعلا.. فلم يدعها الله سبحانه تدخل فى نظام ملكه الذي أقامه؟ هذا قول متهافت، لا يستقيم أوله مع آخره.. ونستطيع بعد هذا أن نقول: إن أقوال المعتزلة فى قدرة الإنسان لم تقم على منطق سليم، ولم نستقم على طريق واضح. الله عادل.. ما فى ذلك شك. ومقتضى هذا العدل أن تجزى كل نفس بما كسبت.. فالعبد كاسب لأفعاله، أي أنها جرت على يديه. وبمحض إرادته.. ولكنه مع هذا واقع تحت إرادة الله، خاضع لمشيئته. وللنظام رأى فى إرادة الله، وأن معنى الإرادة عنده ليس هو معنى المشيئة، لأن الإرادة بمعنى المشيئة تستلزم حاجة من جانب المريد، ولهذا يقول: «إن الله إذا وصف بأنه مريد لأفعاله، فمعنى ذلك أنه خالقها ومنشئها، وإذا وصف بأنه مريد لأفعال عباده أو وقوع أمر، فمعنى ذلك أنه حاكم بذلك، أو آمر، أو مخبر» . وهذا الفهم للإرادة بأنها تستلزم حاجة من جانب المريد، إنما هو فهم مقيس على المستوي الإنسانى، حيث إرادتنا محصورة فى دائرة حاجاتنا ومطالبنا..

فلا نريد إلا ما نحن فى حاجة إليه.. ذلك فهم يتفق مع عالم النقص الذي نحن فيه، فتكون إرادتنا متحركة فى هذا العالم حسب حاجتنا، ساعية إلى سدّ ما نشعر به من نقص.. إننا نريد كذا، لأجل كذا.. أما عالم الكمال، فما يصدر عنه لا يصدر لحاجة، وإن صدر بإرادة ومشيئة، ولن يصدر بغير إرادة ومشيئة.. إنه يجرى مع الحكمة التي يطلبها الكمال.. مما تقدم يمكن أن نقول: أولا: إن المعتزلة قد بالغوا فى رفع قيمة الإنسان، وكادوا يجعلون منه إلها مستقلا بسلطان وجوده، لا يلتفت إلى ماوراء وجوده فى صراعه مع الحياة، وفى تقلبه بين خيرها وشرها. ولا شك أن هذه «الانعزالية» عن العالم العلوي، تحرم الإنسان كثيرا من أمداد الاستعانة بالخالق جلّ وعلا، كما أنها تدفع داعية التوكل على الله، والرضا بقضائه وقدره، بعد أن ينفذ القضاء، ويقع المقدور، فيكون فى هذا عزاء جميلا عما وقع للإنسان مما يكره ويسوء. ثانيا: أن المعتزلة فى دفعهم للإنسان إلى هذا الحدّ، قد جاروا على الإنسان نفسه، وخلّوا بينه وبين ذاته، وألزموه أمورا وحمّلوه أوزارا يلقى بها ربه فى غير رجاء، كما جعلوا صوالح أعماله حقّا ملزما لله، يطالبه به العبد فى غير حياء! وتلك حال يدخل فيها الضيم على الإنسان من كل وجه.. فإن أي إنسان مهما بلغ من التقوى والكمال، ومهما قدّم من خير وبرّ، فهو فى حاجة أبدا إلى فضل الله، وإنّه لن يدخل الجنة بعمله، لأن أعماله مهما عظمت لن تفى بالقليل من بعض نعم الله وفضله عليه.. وفى هذا يقول الرسول الكريم.. «إنكم لن تدخلوا الجنة بأعمالكم» .. قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلّا أن يتغمّدنى الله برحمته»

ولهذا وجد كثير من أنصار المعتزلة حرجا فى الأخذ بقولهم هنا، من إطلاق قدرة الإنسان وإرادته.. فهذا إمام من أئمتهم، وهو «الجاحظ» لا يرضى أن يقرر مذهب المعتزلة فى هذه المسألة على هذا الوجه.. بل إنه ليصل إرادة العبد بإرادة الله.. يقول الجاحظ: «لا فضل للإنسان إلا بالإرادة» . ومعنى هذا أن للإنسان إرادة، وأنه بغيرها لا يكون أحسن من الحيوان حالا، ولا أكرم منزلة.. ولكن هذه الإرادة التي يحملها الإنسان فى كيانه لا تعمل وحدها، هكذا مطلقة من كل قيد، فهى متصلة أولا بكيان الإنسان كله، وهى ثمرة من ثمرات التفاعل الذي يجرى فى هذا الكيان، الذي هو متصل بهذا الوجود كلّه، مقيد به، ومؤثر فيه، ومتأثر به.. وفى هذا يقول الجاحظ: «لأن أفعال الإنسان كلها داخلة فى نسيج حوادث الطبيعة من جهة، ولأن علم الإنسان كلّه اضطراري يأتيه من أعلى.. من جهة أخرى» . ومعنى هذا أن الإرادة التي يعمل بها الإنسان ليست كلها له، لأنها فرع العلم الذي يحصّله اضطرارا، والذي يأتيه من أعلى.. ونسأل: وأين إرادة الإنسان إذن؟ نكاد نقول إن الجاحظ يقول بالجبر والاختيار معا..! ثالثا: إن المعتزلة وهم يحاولون أن يدافعوا عن «عدل الله» بإضافة أقوال الإنسان كلها- خيرها وشرها- إلى الإنسان- أقول: إنهم بهذا الدفاع قد أنكروا على الله أن يكون قادرا ومريدا، مطلق القدرة، ومطلق الإرادة، أي ذا قدرة وإرادة شاملتين.. والقدرة والإرادة بهذا الوصف- من صفات الكمال. فكيف لا يتصف الخالق بهما؟ تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا..

ثورة على المعتزلة

ثورة على المعتزلة لهذا لم يرتض كثير من المسلمين آراء المعتزلة، وإن حمدوا للكثير منهم دفاعهم عن الدّين، وكسرهم من حدّة السلبيّة، التي استولت على المجتمع الإسلامى، بعد تلك الفتن الكثيرة، والجراحات القاتلة، التي أصابت الصميم من الجسد الاجتماعى الإسلامى، التي أصابت المسلمين، بعد مقتل الإمام علىّ- كرم الله وجهه- ومصارع أهل البيت- رضوان الله عليهم- وامتحان كثير من صحابة رسول الله، والتابعين، على يد الخلفاء الأمويين والعباسيين على السواء.. فكان الاستسلام للأحداث، والتسليم بالهزيمة هو العزاء لكثير من النفوس، حتى لقد كان لسان حال الناس فى كل أمر هو: هذا ما قضى الله وقدّره! وكان هذا القول- وهو قول حق- يقال فى كل حال داعية إليه، أو غير داعية، يتعزّى به الناس عند كل مصيبة، ويستدعونه عند كل نازلة، دون استحضار هممهم، وبذل جهدهم.. والقول بأن هذا قضاء الله وقدر الله، هو قول حق، ولكن الاستنامة فى ظل هذا القول، وإلقاء كل أخطائنا على القدر، هو الذي لا يرضاه، عقل، ولا يقرّه دين «1» . من أجل هذا قام المعتزلة فى وجه هذه الظاهرة، وتصدّوا لتلك الدّعوة المريضة، ولكن بدلا من أن يقتصدوا فى تقرير مسئولية الإنسان، وفى إبراز شخصيته، وإثبات وجوده مع أحداث الحياة- بالغوا أيّما مبالغة فى هذا الأمر، فبعد أن كان القول الذائع بأن إرادة الله فوق كل شىء، وإرادة العبد لا شىء- أصبح القول عند المعتزلة هو: إن إرادة العبد هى كل شىء، وإن إرادة الله لا شىء!.

_ (1) انظر بحثنا فى القضاء والقدر فى كتابنا «القضاء والقدر بين الفلسفة والدين» .

رأى أهل السنة

وهكذا اندفع المعتزلة زمنا وراء هذه الدعوة، وجروا بها أشواطا بعيدة، حتى وقع الخلاف بينهم، وقام فيهم من يردّ عليهم، ويوقف انطلاق دعوتهم.. وكان «الأشعري» فارس هذه الحلبة، ورجل هذا الميدان!. رأى أهل السنة الأشعري: هو تلميذ أبى علىّ الجبّائى- أحد ائمة المعتزلة. ولكنّه لم يرتض قول المعتزلة فى إطلاق إرادة الإنسان واختياره،.. فكان له رأيه الذي أصبح- فيما بعد- الرأى الذي تقول به الجماعة، (أي أهل السنّة) . يقول «دى بور» فى كتابه تاريخ الفلسفة الإسلامية: «وظهر من بين صفوف المعتزلة رجل كانت رسالته أن يتوسط بين مختلف الآراء، ويقيم بناء المذهب الذي عرف فى الشرق، ثم فى بلاد العالم الإسلامى، بأنه مذهب السنّة.. «استطاع الأشعري أن يجعل لله ما يليق به، دون أن يتحيّف حق الإنسان.. فالإنسان عنده يمتاز بأنه يستطيع أن يضيف إلى نفسه ما يخلقه الله فيه من الأفعال، وأن يعتبر ذلك من كسبه» .. وليست مكانة الأشعري عند جمهور المسلمين فى هذا الرأى الذي قرّره.. كما يقول «دى بور» - فإن هذا الرأى فى ذاته غير واضح المعالم، وغير مقنع فى قضية القدر- كما سنرى- ولكن قيمة الأشعري ومكانته، إنما هى فى خروجه على المعتزلة، ووقوفه فى وجههم، وتصدّيه لهم وهم أوج قوتهم. يقول «طاش كبرى زاده» فى كتابه: «مفتاح السعادة» : «ودفع- أي الأشعري- الكتب التي ألّفها على مذهب أهل السنة، وكانت المعتزلة قبل ذلك قد رفعوا رءوسهم، فجحرهم الأشعري، حتى دخلوا فى أقماع السمسم» !!

[كسب الإنسان]

ويعلّق المرحوم الشيخ مصطفى عبد الرازق على هذا بقوله: «إذا كان مذهب الأشعري فى محاربة المعتزلة بمثل سلاحهم، من أساليب النظر العقلي- قد أضعف الاعتزال، وأذلّ سلطانه، فإن السياسة كان لها كبير الأثر فيما ناله الاعتزال من القوة والسيادة أولا، وكان لها أثرها فى نزوله عن عرشه أخيرا» . إن الأشعري، قد وقف فى وجه المعتزلة، فانتزع منهم الإنسان الذي جعلوه فى بعض أحواله خالقا، منفردا بخلق أفعاله وتدبير وجوده، حتى لكأنه يطاول إله العالمين، وينازعه سلطانه- انتزع الأشعري هذا الإنسان الإلهى، ونزل به إلى واقع الحياة البشرية، فجعله «كاسبا» لأفعاله، لا خالقا لها، عاملا بإرادته، ولكن فى ظلّ من إرادة الله ومشيئته.. [كسب الإنسان] فتح الأشعري بنظرية «الكسب» التي أحلها محل «الخلق» الذي تقول به المعتزلة- نقول: فتح بابا دخل منه كثير من الفلاسفة والمتكلمين على هذا الشيء الذي سماه الأشعري كسبا، والذي يراه فى الإنسان، متلبسا بإرادته، معلقا بمشيئته.. وقد عدّ كثير من العلماء والباحثين قول الأشعري لغزا تندّروا به، ووضعوه موضع العقد التي لا يعرف لها حلّ، وذلك أنهم لم يروا فارقا واضحا بين «الخلق» الذي تقول به المعتزلة، وبين «الكسب» الذي يقول به الأشعري، ويراه مناقضا للقول بالخلق. يقول ابن تيمية فى تفنيد نظرية الكسب: «ولا يقول الأشعري: إن العبد فاعل فى الحقيقة، بل كاسب، ولم يذكر بين الكسب والفعل فرقا معقولا، بل حقيقة قولهم- أي الأشعرية- قول جهم: (هو جهم بن معبد، رأس الجبرية) إن العبد لا قدرة له، ولا فعل ولا كسب.

وقد نظم بعضهم هذا شعرا، وقرن نظرية القول «بالكسب» إلى نظرية القول «بالطّفرة» عند النظام، والقول «بالحال» عندهم أبى هاشم: فقال: مما يقال ولا حقيقة عنده ... معقولة تدنو إلى الأفهام الكسب عند الأشعري والحال ... عند البهشمىّ وطفرة النظام «1» والذي جعل الأشعري يقول «بالكسب» هو ما رآه فى الإنسان من إرادة وقدرة على الفعل أو الترك، ثم ما يراه من جهة أخرى من قدرة الله المطلقة الشاملة، وعلمه المحيط بكل شىء، فلم يرتض أن يقول إن العبد خالق لأفعاله، لأن الخلق لله، ولم يقبل أن يجعل العبد آلة مسخرة، لأنه يراه يعمل بإرادة، ويتحرك بقدرة، ويقدم أو يحجم عن تقدير وتفكير.. فلا بد- والأمر كذلك- أن يضيف إلى الإنسان شيئا مما يعمل، لا كل ما يعمل، وسمّى هذا «كسبا» . يقول الأشعري: «والعبد قادر على أفعال العباد.. إذ الإنسان يجد من نفسه تفرقة ضرورية، بين حركات الرّعدة والرعشة، - التي هى حركات اضطرارية- وحركات الاختيار والإرادة.. إن الحركات الاختيارية حاصلة من اختيار القادر.. والمكتسب هو المقدور بالقدرة الحادثة» . وعلى أىّ، فإن نظرية «الكسب» هذه، قد أثارت جوّا من التفكير عند الباحثين فى هذه المشكلة، وكانت معتمد الذين لا يقولون بقول المعتزلة، من أن للإنسان اختيارا مطلقا فى أفعاله، وإنّما للإنسان نوع من الاختيار، ودرجة من الإرادة، حيث يضعون الإنسان فى منزلة بين الاختيار والجبر،

_ (1) البهشمى: هو أبو هاشم ووالده أبو على الجبائي من شيوخ المعتزلة.. وقد ركب اسمه «أبو هاشم» تركيبا مزجيا «بهشمى» .

حركة الأشاعرة

فلا هو مختار مطلق، ولا هو مجبر ملزم.. إن له إرادة، ولكنها إرادة مقيدة بأكثر من قيد. ولقد صار الأشعري بقوله هذا زعيما لحركة أطلق عليها لفظ «الأشاعرة» نسبة إليه، ثم أصبحت هذه الحركة معبرة عن رأى أهل السنة. وقد ظاهر هذه الحركة كثير من علماء السنّة وفقهائها.. منهم إمام الحرمين.. أبو المعالي الجويني، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وفخر الدين الرازي، والإمام الغزالي، ولسان الدين بن الخطيب.. وكثير غيرهم. حركة الأشاعرة يدور رأى الأشاعرة- كما أشرنا من قبل- على القول بأن الإنسان فى «منطقة» حرام، بين الجبر والاختيار.. فالإنسان مختار فى قالب مجبر، وأنه أشبه براكب سفينة تمخر عباب المحيط، فهو حرّ مختار يسير كيف يشاء، وأين يشاء، داخل هذه السفينة، ولكنه مجبر مسيّر هو وسفينته بعوامل خارجية تحيط به وبالسفينة.. كالأنواء، والعواصف وغيرها.. مما يتصل بسلامة السفينة وقوة احتمالها.. كذلك الإنسان فى سفينة الوجود! هو حرّ مطلق، ولكنه مقيد بالنظام العام للوجود! فالأشاعرة هنا قريبون من الفلاسفة الغربيين القائلين بنظرية الاتفاقية، أو الظروف والمناسبات.. ومعناها أن كل فعل إنما هو فى الحقيقة لله، ولكنه يظهر على النحو الذي يظهر فيه، إذا تحققت ظروف خاصة: إنسانية، أو غير إنسانية، حتى لكأنّما يخيل للإنسان أن الظروف هى التي أوجدت هذا الفعل.. والأشعري، يرى ألا تأثير للقدرة الحادثة فى الأحداث، وإنما جرت سنّة

لسان الدين بن الخطيب ورأيه فى الكسب

الله بأن يلازم بين الفعل المحدث وبين القدرة المحدثة له، ويسمّى هذا الفعل كسبا، فيكون خلقا من الله تعالى، وكسبا من العبد، فى متناول قدرته واستطاعته.. هذا هو المحتوى الإجمالى لمذهب «الأشاعرة» غير أن لكل صاحب قول فى هذا المذهب اتجاها خاصا فى تقرير هذه القضية، وتحريرها.. كما سنرى فى عرض هذه النماذج من المقولات. لسان الدين بن الخطيب ورأيه فى الكسب يرى لسان الدين بن الخطيب، أن الكسب فعل يخلقه الله فى العبد، كما يخلق فيه القدرة، والإرادة، والعلم.. فيضاف الفعل إلى الله «خلقا» لأنه خالقه، وإلى العبد «كسبا» لأنه محلّه الذي قام به.. يقول ابن الخطيب: «وإذا كانت العرب تقول: حرّكت القضيب فتحرك، فتجعل الحركة بين فاعلين، حركة للمتحرك، وفعلا للمحرّك، فذلك- أي ما يصدر عن الإنسان- أقرب، لوجود القصد، والعلم، والقدرة.. فى محيط الإنسان.. ثم إن الطاعة والمعصية للعبد من حيث الكسب. ولا طاعة ولا معصية- أي للعبد- من حيث الخلق! «والخلق لا يصح أن يضاف إلى العبد، لأنه إيجاد من عدم، والفعل موجود بالقدرة القديمة، لعموم تعلق القدرة الحادثة بها.. فالقدرة الحادثة تتعلق ولا تؤثر.. وهذه- أي القدرة الحادثة- تصلح للتأثير لولا المانع، وهو وجود القدرة القديمة، لأنهما إذا تواردا- أي اجتمعا: القدرة القديمة والحادثة- لم يكن للقدرة الحادثة تأثير!!» فابن الخطيب، يرى للإنسان قصدا، وعلما، يلقى بهما ضروب الأمور

إمام الحرمين ورأيه فى الكسب

فى الحياة.. فهذا جانب حر، أو منطقة حرّة فى كيان الإنسان.. ولكنه يرى من جهة أخرى أن الأفعال كلها مخلوقة لله، بإرادة أزلية سابقة شاملة، وأن إرادة الإنسان لا تؤثر فى القدرة القديمة.. فالإنسان محكوم عليه أن ينفّذ ما وقع فى إرادة الله، وأن إرادة الإنسان، وقصده، وعلمه- كل هذا، لا يغيّر من المقدّر عليه شيئا.. فالإنسان حر إلى أن يفرغ من الفعل الذي قدّر عليه بإرادة سابقة أن يقع على يديه. وتسأل: ما قيمة هذه الحرّية مع ما سبق من إرادة الله وقدرته؟ إن الإنسان فى ظاهر الأمر يبدو حرّا طليقا، ولكن قوة غير ظاهرة هى التي تقوده إلى ما سبق به علم الله، وقضت به إرادته.. ومرة أخرى: ما قيمة هذه الحريّة؟ أتراها تدفع شيئا مما قضى به الله وقدّره؟ والجواب: كلا.. إنها لا تدفع قضاء ولا تردّ قدرا.. ولكنها حرية تتيح للإنسان أن يبرز ذاته، وأن يعمل قواه كلها، وأن يفرض وجوده على الحياة، وأن يبسط سلطانه على الأشياء، وإن تفلّتث منه وخرجت من يديه! وذلك شىء ليس بالقليل فى وجود الإنسان الذي لا قيمة له بغير هذه الحرية التي تمنحه الاستعلاء على الأشياء، وتريه من نفسه أنه قادر، مستطيع، عالم، مريد.. وإن لم يكن قادرا، ولا مستطيعا، ولا عالما، ولا مريدا. إمام الحرمين ورأيه فى الكسب هو أبو المعالي، عبد الملك بن عبد الله الجويني، المعروف بإمام الحرمين (توفى سنة 478 هجرية) . وقد نزع بنظرية الكسب منزعا آخر.. إنه يطلق حرّية الإنسان من

جانب، ويربطه بالأسباب الخارجة عن محيطه من جانب آخر.. ثم يجعل أفعال الإنسان- تبعا لهذا- قسمة بين إرادته وبين الأسباب الملازمة. يقول: «نفى القدرة والاستطاعة عن الإنسان، مما يأباه العقل والحسّ.. فلا بدّ إذن من نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة، لا على وجه الإحداث والخلق.. فإن الخلق يشعر باستقلال فى إيجاد الفعل من العدم، وذلك من شأن الله وحده.. «والإنسان كما يحسّ من نفسه الاقتدار، يحسّ من نفسه أيضا عدم الاستقلال.. فالفعل يستند وجودا إلى القدرة- أي القدرة الإنسانية. «والقدرة تستند وجودا إلى سبب آخر يكون نسبة القدرة إلى ذلك السبب كنسبة الفعل إلى القدرة! «وكذلك يستند سبب إلى سبب، حتى ينتهى إلى مسبب الأسباب.. فهو- أي الله- الخالق للأسباب ومسبباتها، المستغنى على الإطلاق.. على خلاف الأسباب، فإن كل سبب مستغن من وجه، محتاج من وجه، والباري تعالى، هو المطلق الذي لا حاجة له ولا افتقار.» ورأى إمام الحرمين- كما ترى- غير صريح فى حرّية الإنسان واضطراره، إنه يضع الإنسان فى منطقة الذبذبات الاختيارية المقيدة فى مجال الاضطرار.. انظر: الفعل يستند وجودا إلى القدرة، أي القدرة التي تحمل الإنسان على اختيار فعل دون فعل.. وهذا واضح.

رأى الغزالى في الكسب

والقدرة تستند وجودا إلى سبب! ومعنى هذا أن القدرة التي يواجه بها الإنسان أىّ أمر هى وليدة سبب، وهذا السبب الذي به أصبح الإنسان ذا قدرة، يتولد من أسباب كثيرة، بعضها وراثي، وبعضها كسبى، وهى فى الواقع كل كيان الإنسان، الذي ليس للإنسان- فى الواقع- أثر كبير فى تكييفه. فهذه الأسباب التي توجد القدرة، هى موضع النظر فى هذه القضية.. فمن أوجدها وقدّرها؟ هذا هو أساس المشكلة التي يطلب علاجها.. ثم أليس هذا هو رأى «الجاحظ» المعتزلي، الذي يقول: إن أفعال الإنسان كلها داخلة فى نسيج حوادث الطبيعة، وإن إرادة الإنسان هى القوة العاملة فيه، وإن هذه الإرادة هى فرع العلم، وثمرة من ثمراته، وإن العلم اضطراري يأتى من أعلى؟ فالإنسان بمقتضى هذا القول، عند إمام الحرمين، مجبر فى صورة مختار، أو مختار فى حال مقيد! رأى الغزالىّ في الكسب يذهب الغزالي فى قضية القدر مذهب التسليم، فيأخذ بظاهر آيات الكتاب، ولا يرضى لعقله الفلسفي أن يتناول هذه القضية. يقول الغزالي: «الله تعالى خلق القدرة والمقدور جميعا، وخلق الاختيار والمختار جميعا.. فأما القدرة فوصف للعبد، وخلق للرب، وأما الحركة، فخلق للربّ، ووصف للعبد وكسب له» . ومعنى هذا- كما يقول الغزالي- أن الله خالق كل شىء.. القدرة والمقدور

رأى الفارابي فى الكسب

جميعا.. فليس للعبد شىء إذن، إن له بالعمل نوعا من الصلة، وهو الكسب الذي يقول به الأشعري! ثم يقول الغزالي: «واعلم أن من ظنّ أن الله تعالى أنزل الكتاب، وأرسل الرسل، وأمر ونهى ووعد وتوعّد، لغير قادر مختار- فهو مختلّ المزاج، محتاج إلى علاج» !! وهذه حجة اعتمد فيها الغزالي على النقل، أكثر من اعتماده على العقل.. رأى الفارابي فى الكسب يقول الفارابي: «وللنفس بطبيعتها نزوع، ولمّا كانت تحسّ وتتخيّل فلها إرادة كسائر الحيوان، غير أن الاختيار للإنسان فقط.. لأن الاختيار يقوم على الرويّة، وميدانه ميدان العقل الخالص.. فالاختيار متوقف على أسباب من الفكر.. فكان الاختيار والاضطرار فى وقت واحد.. لأنه- أي العقل- بحسب أصله الأول، مقدّر فى علم الله. ثم يقول: «والاختيار الإنسانى، إذا فهم على هذا النحو لا يستطيع أن يقهر الشهوة إلا قهرا ناقصا، لأن المادة تقف فى سبيله، وعلى هذا لا تكتمل حرّية النفس الناطقة إلا إذا تحررت من قيود المادة، أعنى إذا صارت النفس عقلا!» وواضح أن رأى الفارابي يتفق مع رأى إمام الحرمين.. لأن الاختيار الذي يقول به، متوقف على أسباب من الفكر.. والعقل مقدّر فى علم الله، والإنسان إنما يعمل بما وهبه الله من عقل..

رأى الفيلسوف محمد إقبال

رأى الفيلسوف محمد إقبال ويقول الفيلسوف الباكستانى محمد إقبال فى هذا الموضوع: «ولا شكّ أن ظهور ذوات لها القدرة على الفعل التلقائى، ومن ثمّ يكون فعلها غير متلبّأ به- يتضمن تحديدا لحرية الذات المحيطة بكل شىء» يريد إقبال أن يقول: إن إرادة الإنسان التي تخلق من تلقاء نفسها، فيها تحديد لإرادة الله المطلقة، إذ كانت هناك إرادات تعمل مستقلّة عن تلك الإرادة الشاملة.. ثم يقول إقبال: «ولكنّ هذا التحديد لم يفرض على الذات الأولى- ذات الله- من خارج، بل نشأ عن حريتها الخالقة التي شاءت أن تصطفى بعض الذوات المتناهية- أي ذوات البشر- لتقاسمه.. فى الحياة، والقوة، والاختيار!» . ومعنى هذا- كما يقول إقبال- أنه لا تعارض بين إرادة الله وإرادة الإنسان، فالله سبحانه بإرادته الشاملة خلق إرادات تعمل فى حدود معينة، هى حدود الإمكان البشرى. ثم يقول إقبال: «وربّ سائل يقول: ولكن كيف يكون فى الإمكان التوفاق بين التحديد، وبين القدرة المطلقة؟ ويجيب على هذا بقوله: «وكل فعل، سواء أكان متصلا بالخالق، أم غير متصل به، هو نوع من التحديد، يستحيل بغيره أن نتصوّر الله ذاتا فعّالة متحققة الوجود فى الخارج.. ولو أننا تصورنا القدرة المطلقة تصورا مجردا، لكانت مجرد نوع من قوة عمياء، متقلبة الأهواء، ولا حدّ لها..

«والقرآن يصوّر الطبيعة تصويرا واضحا محددا، بوصفها عالما يتألف من قوّى يتعلق بعضها ببعض، وعلى هذا، فهو- أي القرآن- يعتبر قدرة الله المطلقة وثيقة الصلة بحكمته الإلهية، ويرى أن قدرة الله غير المتناهية، تتجلّى لا فيما هو متعسف صادر عن الهوى، وإنما فى المتواتر، المطرد، المنظم» . يريد إقبال أن يقول: إن كل الحوادث الواقعة فى الوجود، هى فى الواقع تحديد لقدرة الله، لأنها- أي القدرة- تجرى بما قتضته الحكمة الإلهية التي أودعت فى الوجود نظاما مطردا، والنظام فى ذاته قيد من غير شك! ثم يقول إقبال فى موضع آخر: «فالمعصية الأولى للإنسان- معصية آدم- كانت أول فعل- أي للإنسان- تتمثل فيه حرّية الاختيار، ولهذا تاب الله على آدم، وغفر له.. «وعمل الخير لا يمكن أن يكون قسرا، بل هو خضوع عن طواعيّة للمثل الأخلاقى الأعلى، خضوعا ينشأ عن تعاون الذوات الحرة المختارة، عن رغبة ورضى. «والكائن الذي قدّرت عليه حركاته كلها، كما قدرت حركات الآلة، لا يقدر على فعل الخير.. وعلى هذا فإن الحرية شرط فى عمل الخير.. «ولكن السّماح بظهور ذات متناهية لها القدرة على أن تختار ما تفعل بعد تقدير القيم النسبية للأفعال الممكنة لها- هو فى الحق مغامرة كبرى، لأن حريّة اختيار الخير، تتضمن حرية اختيار عكسه.. «وكون المشيئة الإلهية اقتضت ذلك، دليل على ما لله من ثقة فى الإنسان..» (ولقد بقي على الإنسان أن يبرهان على أنه أهل لهذه الثقة!)

«وربما كانت مغامرة كهذه، هى وحدها التي تيسّر الابتلاء، والتنبيه للقوى الممكنة لوجود «خلق» «فى أحسن تقويم» ثم ردّ إلى «أسفل سافلين» وكما يقول القرآن: «وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً» .. وهذا- فى رأينا- أعدل رأى فى هذه القضية!! ويعجبنى فى هذا المقام رأى للفيلسوف الأمريكى «رويس» يصوّر به الصلة بين الله الإنسان، وهى صلة- كما يراها الفيلسوف، تجعل لله- سبحانه- القدرة المطلقة، كما تجعل للإنسان قدرة عاملة داخل قدرة الله.. ويضرب الفيلسوف لهذا مثلا محكما من الرياضيات، التي تعتبر أكثر المعارف دقة وانضباطا.. والمثل الذي ضربه «رويس» هو أنه وضع لله سبحانه وتعالى دلالة من الأعداد، هى سلسلة- تبدأ بالواحد، ولا تنتهى.. هكذا: 1، 2، 4، 5، 6، 7 ... إلى ما لا نهاية.. وهو الله سبحانه فهذا هو المطلق الذي يشتمل كل شىء.. أما الموجودات، فقد صورها «رويس» فى سلاسل عددية على هذا النحو الآتي: - 2- 4- 8- 16 ... إلى ما لا نهاية. 3- 9- 27- 81 ... إلى ما لا نهاية. 5- 25- 125- 625 ... إلى ما لا نهاية. 7- 49- 343- 2401 ... إلى ما لا نهاية. وهكذا تتولى سلاسل الأعداد إلى ما لا نهاية أيضا.. وكل عدد من هذه الأعداد يمثل فرادا من أفراد الناس.. ويلاحظ فى هذه الأعداد الإنسانية:

أولا: أنها داخلة جميعها فى السلسلة الأولى، إذ جميع ما فيها من أعداد تشتمل عليه السلسلة الأولى «المطلق» . وثانيا: أنها تتميز بطابع فريد، يجعلها وحدة قائمة بذاتها، ليس بينها وبين غيرها اتفاق مطلق. هذا المثل يعطينا تصورا واضحا للصلة التي بين الإنسان وبين الله، من جهة، وبين الإنسان وبين غيره من الناس من جهة أخرى. ففى كل سلسلة إنسانية شىء من السلسلة الأولى «الله» أو المطلق، وهى واقعة فى مضمونها.. وهذا يعنى أن للإنسان ذاتية خاصة، وإن كانت تلك الذاتية ضمن مشتملات الذات الأولى، ومعنى هذا أيضا أن الإنسان مطلق من جهة، ومقيد من جهة أخرى.. ثم إن الاختلاف بين هذه السلاسل يعنى أن الناس لا بد أن يكونوا مختلفين فيما بينهم.. كل إنسان كون مستقل بذاته، داخل هذا الكون العظيم «المطلق» . والفيلسوف «وليم چيمس» يحقق ذاتية الإنسان، مع وجود الله.. فلا يلغى إرادة الإنسان مع إرادة الله، ويرسم لهذا صورة قريبة من الصورة التي رسمها «رويس» .. ولكنها صورة كلامية، وليست عددية. يقول «چيمس» : «الإله الذي هو عقل، يشمل سائر العقول، وليس منفصلا عن الكون انفصال الخالق عن خلقه، كما تصورت الديانات التقليدية، كلا، ولا هو حالّ فى الوجود كله، كما تصورت فلسفة وحدة الوجود.

الله والإنسان.. مرة أخرى

«ولكن إله بينه وبين سائر العقول الفردية قسط مشترك، هو الاشتراك فى إدراكات بعينها، لكنه فى الوقت نفسه يتميز بفردية مستقلة، كما يتميز كل فرد من الأفراد الصغرى بفرديته المستقلّة.. فالصورة، أقرب إلى سلّم متدرج من عقول.. فعقل أكبر من عقل، لأنه يدرك إدراكات هذا العقل ثم يزيد عليها، ثم عقل ثالث أكبر من هذا العقل، فرابع أكبر.. وهكذا دواليك صعودا، دون أن يتحتم أن يكون هناك عقل مطلق يسع كل شىء.. فالعقل الأعلى فيه كل ما فى الأدنى مع الاحتمال دائما بأن يكون هناك ما هو أعلى» . ومنطق هذا القول يقضى بأن لا تنتهى درجات السلّم العقلي عند نهاية ليس بعدها شىء، بل هناك احتمال دائما بأن يكون هناك ما هو أعلى.. ومع وجود هذا الاحتمال، فإن الواقع المحقق هو أن هناك عقلا أعلى يسع العقول جميعا، وهو الذي يمكن أن يطلق عليه العقل المطلق، مادام ليس هناك ما هو فوقه. فإذا وقع الاحتمال المتوقع، وهو ظهور عقل أعلى، كان هو العقل المطلق.. وهكذا. ولعل ماحدا بوليم چيمس إلى هذه الفكرة التي تجعل العقول متصاعدة، دون أن تضيع فى ذلك شخصية العقل الأدنى فى العقل الأعلى- هو أنه أراد أن يحتفظ لكل فرد بإرادته المستقلة، لتقع عليه مسئوليته الخلقية.. وهذا ما يجعل لكفاح الأفراد نحو الخير معنى، لأنه يجعل فى مستطاع الأفراد تغيير ما هو كائن، إذا كان ذلك الكائن شرا، ليصبح أفضل مما هو وأكمل.. الله والإنسان.. مرة أخرى لا يستطيع عاقل أن ينكر إرادة الإنسان المستقرة فى كيانه، والتي بها

يتعامل مع الحياة، فيقبل على الشيء أو يعرض عنه، حسب تقديره وإرادته.. ولا يستطيع مؤمن بالله أن ينكر قدرة الله الشاملة، وإرادته النافذة، وأن كل شىء بيد الله، وتحت مشيئته.. هذان الأمران يكاد يتفق عليهما جميع المؤمنين بالله، وهما: أن لله إرادة وقدرة، وأن للإنسان إرادة وقدرة.. ولكن الخلاف يقع ويشتد بين المؤمنين بالله، حين ينظر الناظرون منهم إلى الإرادتين معا، وإلى القدرتين معا، فى مجال التصريف والعمل.. وقد رأينا ألوانا مختلفة من التفكير، ومذاهب متعددة من الرأى، فى تقدير إرادة الإنسان وقدرته، إلى جانب إرادة الله وقدرته.. فذهب قوم إلى أن إرادة الإنسان وقدرته لا أثر لهما إزاء إرادة الله وقدرته، بينما ذهب أقوام إلى عكس هذا، فقالوا: إن إرادة الإنسان لا تلغيها إرادة الله، ولا تعطّل عملها.. فالإنسان حرّ مختار يفعل ما يشاء، كيف يشاء. وقد كان يمكن أن يمضى القول بهذا الرأى أو ذاك، أو بالرأيين معا، دون أن يبدو أثر ظاهر فى واقع الحياة إذا انتقلت من رأى إلى رأى.. فسيّان أن يكون الإنسان فى واقعه يعمل فى أمور مطلقة يخلقها كيف يشاء، ويدبّرها حيث يريد، أو فى أمور قدّرت من قبل، وأخذت صورتها كاملة قبل أن يلتقى بها- مادام الإنسان لم يؤت قدرة على كشف الغيب والتحقق من نتائج الأعمال قبل معالجتها ووقوعها.. إن الإنسان يعالج أمور الحياة حسب تقديره، ويمضيها حسب إرادته، ثم تجىء نتائجها التي لا يعلم علمها إلا بعد أن تقع.. وكون الإنسان يعمل فى أمور قدّرت، أو فى أمور لم تقدّر، فإن ذلك لا يؤثر على إرادته العاملة، ولا يتدخل تدخلا محسوسا فى تدبيره أموره.

أقول: إن القول بأن الإنسان مختار أو مجبر، والقول بأنه يعمل فى أمور مقدرة أو غير مقدرة- إن هذا القول أو ذاك لا يظهر لهما أثر إلا إذا نزلت أعمال الإنسان منزل الحساب والجزاء، حين يحاسب على عمله، فيجزى عن الخير خيرا، وعن الشر شرا. هنا يتغير الموقف، ويصبح للقول باختيار الإنسان أو جبره، وللقول بالقدر أو بألّا قدر- نتائج خطيرة، يتعلق بها مصير الإنسان، وتتقرر بها سعادته أو شقاؤه فى الدار الآخرة.. فإذا قيل إن الإنسان حر مختار، كان معنى هذا أنه مسئول عن عمله الحسن أو السيّء، وأنه سينال ثوابه وعقابه على ما قدم من عمل، ولا حجة له أمام الله.... وإذا قيل إنه مجبر مكره، وإنه يعمل بإرادة غالبة، وبقدر سابق، كان معنى هذا ألّا تبعة عليه، وبالتالى ألا ثواب على حسن، ولا عقاب على سيىء! ولكن الذي يقال هو غير هذا.. فهناك دار الآخرة، وفيها ثواب وعقاب، وجنة للمؤمنين المتقين، ونار للعصاة المذنبين. وهنا تجىء التساؤلات والاعتراضات.. ما ذنب الإنسان؟ وكيف يسأل عن أعمال مقدورة، محكوم عليه أن يعملها؟ .. وهنا تبرز مشكلة القضاء والقدر، وتصبح هذه المشكلة فى مجال النظر والامتحان. وهنا تتفتح للكثير من الناس أبواب المنازعة فى تدبير الله وفى حكمته،

وفى قضائه وقدره.. فمن مستسلم لحكمة الله وتدبيره، وقضائه فيه، مؤمن بأن ما أصابه من خير أو شر فهو بقضاء الله وقدره، راض بما قسم الله.. ومن متخبط متسخّط، يضيف إلى نفسه الأعمال الطيبة الناجحة، ويرمى القدر بما لا يرضيه وما لا يرضى عنه من الأعمال.. وقد كان إبليس- لعنه الله- أول من احتج «بالقدر» بعد أن عصى أمر ربه، فلم يسجد لآدم كما أمره، فلما حل غضب الله عليه، لم يرجع على نفسه باللأئمة، ولم يستشعر الندم فيتوب كما تاب آدم، بل غلبت عليه شقوته، فقال: «رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ» . وقد تلقى كثير ممن غلب عليهم الشقاء من بنى آدم، هذه الحجة الضالة، عن إبليس، فتخلّوا عن كل خير، وغرقوا فى كل ضلال، وبين أيديهم هذه الحجة الخادعة، التي يرددونها عند كل قولة ناصح، ينصح لهم، ويدعوهم إلى الإيمان والهدى، فيقولون ما حكاه الله عنهم فى قوله تعالى: «لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ» (35: النحل) وقوله: «سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا» (148: الأنعام) وقوله سبحانه: «وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ» (47 يس) انظر كيف يفترون على الله الكذب؟ يؤمنون بقضائه وقدره، ويحتجون بمشيئته، ثم يكفرون به؟ فالذين يحتجون بالقدر هذا الاحتجاج، لا يؤمنون بالله، ولو آمنوا بالله لآمنوا بقضائه وقدره، ولامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه..

أباطيل بعض المتصوفة

فالقول بأن لو شاء الله ما أشركوا قول حق، ولكنه لا يصدر عن القائلين به لتقرير عموم إرادة الله وشمول مشيئته، ولو كان هذا متوجّه قولهم لكان ذلك إيمانا خالصا.. فالله سبحانه وتعالى يقول: «وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً» (99: يونس) ولكنهم يقولون هذا القول فى سفسطة خبيثة، تهوى بهم إلى مهاوى الهالكين.. ولهذا أنكر الله عليهم قولهم الذي قالوه فى مشيئته، لأنهم- كما يقول ابن القيم- «لم يذكروا ما ذكروا إثباتا لقدرة الله وربوبيته ووحدانيته، وافتقارا إليه، وتوكلا عليه، ولو قالوا ذلك لكانوا مصيبين، وإنما قالوه معارضين لشرعه، ودافعين لأمره، فعارضوا أمره وشرعه ودفعوه بقضائه وقدره.. أباطيل بعض المتصوفة ولبعض المتصوفة فلسفة مريضة، تذهب بهم هذا المذهب الأعوج الأهوج، الذي يقود إلى الضلال والهلاك.. إنهم ينسبون إلى الله كل شىء من طاعات وسخافات معا.. إن كل ما يفعلونه حسن، لأنهم- حسب تصورهم المخبول- لا يعملون شيئا، وإنما هم ينفذون إرادة الله ومشيئته.. فكل أعمالهم طاعات، وكل سخافاتهم قربات، حتى ليقول قائلهم مخاطبا ربه فى غير حياء: أصبحت منفعلا لما تختاره ... منىّ، ففعلى كله طاعات! فهذا الغبي الأحمق، هو منفعل- كما يقول- وليس فاعلا.. وليته انفعل بالطاعات.. وإنما هو منفعل بما يمليه عليه شيطانه الذي يوسوس له حين يفطر رمضان! وهو منفعل بمشيئة الله، حين يترك الصلاة عمدا، أو حين يشرب الخمر، ويأتى كل فاحشة جهارا فى غير حياء!

طريق المؤمنين

هو فى تلك الأحوال- كما زيّن له الشيطان- قائم فى محراب العبادة، لأنه ينفذ إرادة الله ويحقق مشيئته! «كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» (12 يونس) طريق المؤمنين أما المؤمنون حقا فمدعّوون إلى الإيمان بقضاء الله وقدره.. فالله خالق كل شىء، وهو على كل شىء قدير، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.. عن أبى هريرة- رضى الله عنه قال: لما نزل قوله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم: «إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ» قالوا- أي المؤمنون «الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن لم نشأ لم نستقم» فأنزل الله عز وجل: «وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» . وعن ابن عباس- رضى الله عنهما- فى قوله تعالى: «كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ، فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ» .. قال: «وكذلك خلقهم حين خلقهم: مؤمنا وكافرا، وسعيدا وشقيا، وكذلك يعودون يوم القيامة، مهتدين وضلّالا» . وقال مالك بن أنس: «ما أضلّ من كذب بالقدر، لو لم يكن عليهم حجة إلا قوله تعالى: ( «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ» لكفى بها حجة) . وعن أبى حازم، قال: قال الله عز وجل «فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها» .. أي فالتقىّ ألهمه التقوى، والفاجر ألهمه الفجور» . وفوق هذا كله، وقبل هذا كله، قول الرسول الكريم: «لا يؤمن

أحدكم حتى يؤمن بالقدر خيره وشرّ، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه» . وكان الحسن البصارى- رضى الله عنه- يقول: «من كذّب بالقدر فقد كذّب بالحق، إن الله عز وجلّ، قدّر خلقا، وقدّر أجلا، وقدّر بلاء، وقدّر مصيبة، وقدّر معافاة.. من كذب بالقدر فقد كذّب بالقرآن» . فالإيمان بالقدر، والتسليم بالمقدور والرضا به، هو الصميم من الإيمان، وهو دعوة الإسلام، وهو سبيل المؤمنين، وبغير هذا لا ينعقد إيمان، ولا يكمل دين. يقول ابن تيمية: «وما قدّر من المصائب يجب الاستسلام له، لأنه من تمام الرضا بالله ربّا.. وأما الذنوب، فليس للعبد أن يذنب، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب.. فيتوب من المعايب، ويصبر على المصائب.. «فإذا عمل العبد بطاعة الله عزّ وجل علم أنها بتوفاق الله، فيشكره على ذلك ويحمده، وإذا عمل بمعصية ندم على ذلك، وعلم أنها بمقدور جرى عليه، فذمّ نفسه، واستغفر ربه.. وليس لأحد على الله حجة، بل لله الحجة على خلقه: «قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ، فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ» .. فالله سبحانه وتعالى خلق الخلق كما شاء، فجعلهم شقيا وسعيدا، قبل أن يخرجهم إلى الدنيا: «لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ» (23: الأنبياء) . وعلى هذا، فمطلوب من العبد أن يقول فى كل ما يقع له، أو يقع منه: هذا بقضاء الله، ومشيئة الله.. يقول ذلك عن يقين لا شك فيه، فذلك هو الإيمان الذي يشدّ عزمات الإنسان فى الشدائد، ويعينه على الحق، ويجعل منه إنسانا غير ضائع فى الحياة.. إن زلّ فذلك بقدر سابق، ولكن يجب أن يرى نفسه فى هذه الحال فى موقف لا يرضى الله، فيبادر بالانسحاب من هذا الموقف بكل ما لديه

من قوة وعزم وإيمان، مستعينا بالله، تائبا إليه، نادما على ما وقع منه، فتلك هى سبيل المؤمنين، الذين يقول الله فيهم: «وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ» . (135: آل عمران) . يقول ابن تيمية: «كل من احتجّ بالقدر فإنه متناقض.. فإنه لا يمكن أن يدع كل آدمىّ يفعل به ما يشاء.. فلا بد إذا ظلمه ظالم أن يدفع هذا القدر، وأن يعاقب الظالم بما يكفّ من عدوانه، وعدوان أمثاله، فيقال له- أي للمحتج بالقدر-: إن كان القدر حجة، فدع كل أحد يفعل بك ما يشاء، وإن لم يكن حجّة، فبطل قولك: إن القدر حجة..» . ثم يقول: وأصحاب هذا القول الذين يحتجون بالحقيقة الكونية (أي القدر) لا يطردون هذا القول ولا يلتزمونه، إنما هم يتبعون آراءهم وأهواءهم، كما قال فيهم بعض العلماء: «أنت عند الطاعات قدرىّ، وعند المعصية جبرىّ» اه إن الأخذ بالأسباب، ودفع الأقدار، هو مما يقوم عليه نظام الحياة، وتشير به الحكمة، ويقضى به العقل، ومن ترك الأسباب فقد ألغى عقله، وأفسد وجوده، وأدخل الخلل على حياته.. إن الحيوان الأعجم لا يرضى هذه المنزلة التي صار إليها من يحتج بالقدر.. إن الحيوان يدفع الجوع بالأكل الذي يطلبه ويسعى إليه، وينال منه، ويدفع الظمأ بالماء، برد موارده، ويلتمس مواطنه، ويمدّ فمه إليه، وبتقى العدوّ المتربص به، بكل سلاح يقدر عليه، فيقاتل بقرونه، وأنيابه، ومخالبه، وأظفاره.. وبكيانه كله. وإن هو رأى من نفسه العجز عن لقاء عدوّه ومدافعته، طلب النجاة.. فرارا، وهربا. فالإنسان الذي يعطّل جوارحه، ويميت مشاعره، ويلقى بنفسه فى منامة

الآيات: (112 - 113) [سورة الأنعام (6) : الآيات 112 إلى 113]

العجز والتواكل، محتجا بأن ما قدّر له سيقع، سواء سعى أم لم يسع- هذا الإنسان ليس أهلا لأن يعيش فى الناس، أو يحسب فى الأحياء.. ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجرى على اليبس سأل بعض الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله: أرأيت أدوية لتداوى بها، ورُقى نسترقى بها، وتقى نتقى بها.. هل تردّ من قدر الله شيئا؟ فقال الرسول صلوات الله وسلامه عليه: «هى من قدر الله» . فالأسباب من قدر الله، كما أن المسببات من قدر الله.. فمن لم يأخذ بالأسباب إلى مسبباتها فقد آمن وكفر، وذلك نفاق أشد من الكفر. يقول جعفر الصادق: «إن الله تعالى أراد بنا شيئا، وأراد منّا شيئا، فما أراده بنا طواه عنّا، وما أراده منا أظهره لنا، فما بالنا نشتغل بما أراده بنا عما أراده منا؟» وذلك هو مقطع القول فى تلك القضية الشائكة! الآيات: (112- 113) [سورة الأنعام (6) : الآيات 112 الى 113] وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) التفسير: «وكذلك» أي ممّا قضت به مشيئة الخالق جل وعلا، أن جعل لكل نبىّ عدوا من شياطين الإنس والجنّ، أي من فسقة الإنس والجنّ، وأهل الفساد منهم، فهؤلاء هم الظلام الذي يتصدى لنور النبوّة، ويزحمها، ويقيم فى وجه الذين يتجهون إليها ستارا من دخان الضلال، يحجب الرؤية

عنهم، ويعمّى سبل الهداية والإيمان عليهم، إلا من عصمه الله، وثبّت قدمه على طريق الحق. وهكذا الحق دائما، لا تخلص طريقه من المزالق والعثرات التي يقيمها الضّلال على مسالكه، وهذا مما يزيد الحق قوة فى تمرّسه مع الضلال وصراعه معه، ثم صرعه له آخر الأمر. وفى قوله تعالى: «يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً» إشارة إلى التفاهم والتلاحم القائم بين شياطين الإنس وشياطين الجن، وإن كانا من عالمين مختلفين.. إلا أنهما يجتمعان على الباطل، ويغتذيان من الضلال. والإيحاء هو الوسوسة من شياطين الجن، والقبول لهذه الإيحاءات من شياطين الإنس. و «زخرف القول» باطله، وزائفه.. إذ الباطل قبيح المنظر، شائه الوجه، كريه الريح، لا يقبل أحد عليه إلا إذا موّه ببريق خادع، وطلى بطلاء لامع زائف، يخدع به الأغرار، ويغوى به السّفهاء. وقوله تعالى: «وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ» الضمير فى قوله تعالى: «ما فعلوه» يعود إلى هذا الزخرف من القول الذي يوحى به شياطين الإنس والجن بعضهم إلى بعض، وهو محض باطل وزور وافتراء.. وقوله تعالى: «وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ» إشارة إلى أن هذا الباطل الذي يوحى به شياطين الإنس بعضهم إلى بعض- إنما زخرفه هؤلاء الشياطين، وزينوه، وألبسوه تلك الصورة المموهة، لتصفى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، أي لتميل إليه قلوبهم بما استهواها به بريقه ولمعانه «وليرضوه» ويقبلوا عليه، ويأنسوا به «وليقترفوا» بهذا الباطل «ما هم مقترفون» من شرك وكفر، وما يزيّن لهم به الشرك والكفر..

الآيات: (114 - 117) [سورة الأنعام (6) : الآيات 114 إلى 117]

الآيات: (114- 117) [سورة الأنعام (6) : الآيات 114 الى 117] أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117) التفسير: قوله تعالى: «أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا» هو مما أمر الله سبحانه وتعالى النبىّ أن يلقى به الكافرين والمشركين، منكرا أن يتخذ غير الله حكما يتلقّى منه الهدى والإيمان، على حين أنهم يتلقون الكفر والضلال مما يوحى به إليهم شياطين الانس والجنّ.. فهؤلاء الشياطين هم الحكم الذي يحتكمون إليه. ويلاحظ هنا أن هذا القول الذي يقوله النبىّ فى هذا المقام لم يصدّر بأمر الله «قل» الذي اعتاد النبىّ أن يؤمر به فى كلّ قول يقوله من قبل الله سبحانه وتعالى.. فما السرّ فى أن جاء مقول القول هنا مجردا عن القول؟. والجواب- والله أعلم- أن هذا القول- وإن كان من عند الله سبحانه وتعالى، هو جدير بكل إنسان عاقل أن يقوله، فهو من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى أمر سماوى به، يلفت إليه، وينبّه له.

قوله تعالى: «وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ» أي أن أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، يعلمون أن هذا القرآن هو من عند الله، وأنه هو حق منزّل من رب العالمين.. وقوله تعالى: «فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ» استبعاد للنبى الكريم أن يكون من هؤلاء الذين يشكّون فى آيات الله فيجادلون فيها، ولا ينزلون على أحكامها. والمراء، والامتراء: الجدل العقيم، القائم على الهوى. قوله تعالى: «وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا» .. كلمة الله هى كلمات الله، وآياته المنزلة على النبىّ، وتمت، أي استوفت غاية الكمال والتمام من الصدق والعدل.. أي أن آيات الله التي تلقاها النبىّ من ربّه، هى الغاية فيما هو صدق، وفيما هو عدل.. فكل ما جاءت به كلمات الله هو الصدق المطلق، الذي لا يشوبه كذب أبدا، ولا يأتيه باطل أبدا، وكل ما جاءت به كلمات الله هو العدل.. العدل المطلق، الذي لا يخالطه ظلم، ولا يعلق به جور.. وهى إذ استوفت الحقّ كله، واستولت على العدل جميعه، فلن يلحقها تبديل، ولا يصيبها عارض من عوارض التحريف، لأن تلك العوارض إنما تجد لها طريقا إلى ما كان فى أصله نقص أو خلل، أما ما على الصحة التامة، والسلامة المطلقة، فلن تسكن إليه آفة، أو تمسه علّة.. وإذا كانت آيات الله على هذا التمام والكمال، فهى قائمة بسلطانها على الحياة، لا تنقضها المعارف التي تجدّ، ولا تنسخها الكشوف العلمية التي تقع. قوله تعالى: «وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» أي الذي يسمع كل ما يقول المتقوّلون على كلمات الله، فى سر أو جهر، ويعلم ما يخفون وما يعلنون من المآثم والمنكرات. وقوله سبحانه: «وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا

الآيات: (118 - 121) [سورة الأنعام (6) : الآيات 118 إلى 121]

الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ..» هو إشارة إلى أن أكثر الناس فى هذه الدنيا تغلب عليهم أهواؤهم، وتستولى عليهم نزعات الشر والضلال، وأن أصحاب الهدى وأهل التقوى، هم قلة فى هذه الدنيا، وأنهم لو اتبعوا الكثرة لكثرتها لهلكوا مع الهالكين، وضلّوا مع الضالين.. وهكذا الخير قليل فى أهله، كثير فى مضمونه، وأن الشرّ كثير فى أهله، قليل فى محتواه.. وكذلك كل نفيس أو كريم، هو قليل الكمّ كثير الكيف، وكل خبيث وتافه، هو كثير الكمّ قليل القدر، بخس القيمة، وإلى هذا يشير الله سبحانه وتعالى بقوله: «قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (103: المائدة) . فهذه الكثرة الغالبة من الضالين، لا يقوم ضلالهم إلا على أوهام وترّهات، ولا يستند إلا على أهواء ونزوات: «إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ» والخرص، والتخرص: هو الحكم على الشيء بلا علم، والأخذ به بلا برهان ولا دليل، ومنه خرص النحلة، وهو تقدير ما تعطى من ثمر قبل أن ينضج ويكتمل، وهو ضرب من المقامرة، قد نهى الشرع عنه.. وفى هذا يقول سبحانه وتعالى: «قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ» . (10: الذاريات) قوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» بيان لما ينكشف عنه حال الناس عند الله، وأنهم ضالون ومهتدون، وعند الله علم من يضل ومن يهتدى.. ولكل حسابه وجزاؤه عند الله. الآيات: (118- 121) [سورة الأنعام (6) : الآيات 118 الى 121] فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)

التفسير: لما كانت المطاعم هى الأمر المتحكم فى حياة الناس، وكانت حياتهم لا تقوم أبدا بغير طعام، وكان سعيهم قائما فى أساسه على تحصيل الطعام- فقد جاءت دعوة الإسلام لتلقى بالناس على هذا المورد الذي يتزاحمون عليه، ولتدعوهم إلى الله عن هذا الطريق.. فالمؤمنون بالله مأمورون بأن يأكلوا مما ذكر اسم الله عليه.. وبغير هذا لا يكونون مؤمنين: «فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين» .. فهذه أول سمة من سمات المؤمنين، وأول تجربة لهم مع الإيمان بالله. وفيما ذكر اسم الله عليه من مطاعم سعة للمؤمنين! وهى كثيرة مغنية، وفى عزل ما حرّم من المطاعم الخبيثة عليهم، حماية للطيب الذي أحلّ لهم أن بخبث ويفسد.. وهذه المطاعم الخبيثة قد بينها الله وفصلها، فى قوله سبحانه: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ.. ذلِكُمْ فِسْقٌ» (3: المائدة) .. وهى محرمة على المؤمنين، إلا أن يضطروا إليها..

فكيف لا يتسع هذا الطيب للمؤمنين؟ وكيف يمدون أبصارهم إلى غيره من تلك الخبائث التي هى طعام أهل الرجس والفسق..؟ «وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ؟» وفى هذا الاستفهام إنكار على من كان مؤمنا ألّا يستغنى بالطيب عن الخبيث.. إلا فى حال. الاضطرار، الذي هو ظرف استثنائى تباح فيه المحظورات، رحمة بالمؤمنين. وقوله سبحانه: «وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ» إشارة إلى أهل البدع والضلالات، وأنهم هم الشياطين الذين يزينون للناس الشر والغواية بحملهم على ذلك، وأن هوى فاسدا، هو الذي يملى عليهم تلك المفتريات التي يضلون بها الناس، بعد أن غرقوا هم فى لجج الضلال. قوله تعالى: «وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ» هو تحذير للمؤمنين من أن ينخدعوا لتلك الأهواء المضلّة التي تأتيهم من أهل الضلال، بما يزينون لهم منها، فيتأولون الحرام ويلبسونه ثوب الحلال، حتى يجدوا له مساغا.. وهذا هو الإثم أعظم الإثم أشنعه.. فهو إثم خفىّ يتدسس إلى الإنسان، ويغتال إيمانه دون أن يأخذ حذره منه، ويعمل على تجنبه وتوقيه.. فظاهر الإثم، هو الجلىّ الواضح، الذي لا يخطئه نظر، أو فهم.. وباطن الإثم، هو الذي يمكن أن يحجب وجهه بشىء من الخداع، والتمويه، وبقليل من غفلة العقل ووازع الإيمان.. والاقتراف: المداناة والمقاربة. قوله تعالى: «وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ» هو

الآيات: (122 - 124) [سورة الأنعام (6) : الآيات 122 إلى 124]

نهى عن كل طعام لم يذكر اسم الله عليه، بعد الأمر بالأكل من كل ما ذكر اسم الله عليه.. وقد وقع الأمر والنهى على كل شىء لا يستغنى الإنسان عنه، من المؤمنين وغير المؤمنين على السّواء.. والمؤمنون مطالبون بامتثال أمر الله واجتناب نهيه، حتى يحققوا صفة الإيمان فيهم. وبهذا ينعزلون عن المشركين، وإلا كانوا من المشركين، ولو حسبوا فى المؤمنين.. لأن الإيمان بالله يقتضى امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وتلك هى حقيقة الإيمان، وفيصل ما بين المؤمنين وغير المؤمنين. وفى قوله تعالى: «وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ» تجريم لما لم يذكر اسم عليه من مطاعم، وإن استباحة هذا الحرام الذي حرمه الله هو فسق، أي خروج من الدين، وانسلاخ من الإيمان بالله. وفى قوله سبحانه: «وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ» تحذير للمؤمنين، مما يراودهم عليه أهل الضلال، ويجادلونهم به فى حلّ هذا وحرمة هذا، فذلك مما ألقى به إليهم الشياطين.. أما الحلال وأما الحرام فهما ما بيّنه الله، وليس لأحد أن يحل أو يحرم غير ما أحل الله وحرّم الله. الآيات: (122- 124) [سورة الأنعام (6) : الآيات 122 الى 124] أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (122) وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ (123) وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ (124)

التفسير: الإيمان والكفر، طريقان مختلفان.. الإيمان طريق خير، وهدى ونور.. والكفر طريق شر، وضلال، وظلام.. ومع هذا فقليل هم أولئك الذين يأخذون طريق الخير والهدى والنور، وكثير أولئك الذين يركبون طريق الشر والضلال والظلام. وشتان بين هؤلاء وهؤلاء. فالمؤمنون قد بعثوا بالإيمان، وخلقوا خلقا جديدا به، وعرفوا وجودهم فيه.. فهم أشبه بشموع مضيئة وسط ظلام مطبق.. هم نجوم لا معة فى ظلام ليل بهيم، لا يحجزهم هذا الظلام المتكاثف حولهم، عن رؤية الطريق المستقيم، والسير فيه. والكافرون جثث وأشباح، يلفّها ظلام، ويحتويها ضلال، لا نخرج منه أبدا.. ومع هذا فهم لا يرفعون، أبصارهم إلى النور، ولا يحركون أشباحهم إلى الهدى.. «كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» . قوله تعالى: «وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ» . الجعل: التقدير، وإقامة الشيء على الوجه المراد منه وتوجيهه الوجهة المناسبة له. وهذا فى كل أمر يجعله الله.. «وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ» ..

«جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً» .. «خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً» .. ومعنى الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى كما هدى المؤمنين إلى الإيمان، وجعل لهم نورا يمشون به فى الناس، جعل فى كل قرية أئمة للضلال والكفر، يمكرون فيها، ويفسدون وجوه الخير منها، ويسدّون منافذ الهدى فيها.. وهم فى واقع الأمر إنما يمكرون بأنفسهم، ويوردونها موارد الهلاك، دون أن يشعروا أنهم على طريق الضلال والضياع.. والله سبحانه وتعالى يقول: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً» (103- 104: الكهف) . وفى قوله تعالى: «وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ» فضح لبعض ما يعتمل فى نفوس المشركين من مكر وضلال، وأنّهم إذ كانوا أصحاب سلطان ونفوذ فى قومهم، فقد أبوا أن ينقادوا للحق، وأنفوا أن يقبسوا من النور ليضيئوا به ظلام قلوبهم، وقالوا: «لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ» .. حتى لكأن رسالة الله عندهم شىء من هذا الحطام الدنيوي الذي يتنافسون فيه، ويستكثرون منه، وما دروا أنها سفارة بين الله وبين عباده، لا يصلح لها إلا من هم على شىء غير قليل من صفاء النفس، وإشراق الروح.. ثم هى قبل هذا كله وبعد هذا كله، رزق من رزق الله، ونعمة من نعمه، يضعها حيث يشاء: «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ» .. وقوله سبحانه: «سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ» - هو الجزاء الذي سيقع بهؤلاء المستكبرين، المتعالين.. صغار

الآيات: (25 - 27) [سورة الأنعام (6) : الآيات 125 إلى 127]

عند الله، وذلة ومهانة.. بعد هذا العلو وهذا الشموخ الذي كان لهم فى دنياهم ... وهؤلاء هم أكابر قريش، ومن كان على شاكلتهم.. وهم رءوس المجرمين الذين تصدّوا لدعوة الرسول، وأبوا أن يقبلوا من يديه الهدى الذي جاءهم به، استكبارا وعلوا.. فكان جزاؤهم الصغار والمهانة عند الله يوم القيامة، والعذاب الشديد يوم يعرضون على ربّهم، ويوفون حسابهم.. وهكذا كل من أخذته العزة بالإثم، فأبى أن ينقاد للحق، وأن يتقبّل الخير من أي طريق أتاه. الآيات: (25- 27) [سورة الأنعام (6) : الآيات 125 الى 127] فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (125) وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (127) التفسير: هذا هو حكم الله فى عباده، وتلك مشيئته فيهم: «فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ» فيقبل عليه، ويتقبله.. «وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ» لا يقبل على خير، ولا يتقبل هدى، فكل كلمة حق يزور بها هذا الصدر الضيق، ويكاد يختنق منها. والضّيّق الحرج: هو الذي كان ضيقه عن علة وداء. والرجس: الدنس، والقذر. وفى قوله تعالى: «كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ» أي

الآيات: (128 - 129) [سورة الأنعام (6) : الآيات 128 إلى 129]

يلقيه عليهم، ويجعله بعضا منهم، فلا يتطهرون منه بالإيمان أبدا.. لأنهم لن يؤمنوا أبدا. قوله تعالى: «وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ» .. والصراط المستقيم هو كتاب الله، وقد جاءت آياته بيّنة مفصّلة، ولكن لا ينتفع بها إلا من أرادهم الله للإيمان، وهيأهم له، وأعانهم عليه.. فهؤلاء الذين دعوا إلى الإيمان فأجابوا، ورأوا الهدى فاهتدوا، هؤلاء «لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ» أي دار الأمن والعافية من كل سوء وبلاء يحل بالكافرين «وَهُوَ وَلِيُّهُمْ» أي يجعلهم أهل ولايته، وكرمه، وإحسانه «بِما كانُوا يَعْمَلُونَ» أي بما قدموا من أعمال صالحة، نالوا بها رضا الله، وفازوا بجنات النعيم. وانظر إلى عظيم فضل الله، وإلى واسع رحمته، بالمؤمنين من عباده.. لقد دعاهم إلى الإيمان، وأعانهم عليه.. فآمنوا، ودعاهم إلى العمل، ووفقهم له.. فعملوا، ومع هذا فقد أضاف إليهم هذا العمل، وجزاهم عليه، ليذوقوا ثمرة عملهم الذي هو من مغارس فضل الله، وتوفيقه «ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» . الآيات: (128- 129) [سورة الأنعام (6) : الآيات 128 الى 129] وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128) وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (129)

التفسير: بعد أن يستوفى الناس أعمارهم فى الحياة، ينقلون إلى الدار الآخرة بما قدموا من خير أو شر، وبما كانوا عليه من هدى أو ضلال.. وهناك تكون المساءلة ويكون الحساب والجواب.. وفى قوله تعالى: «وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً» إخبار بهذا الأمر الذي لا بد أن يكون، وهو الحشر، بعد الموت.. وإن كان الكافرون ينكرون هذا اليوم فلا يعملون له حسابا.. وفى الحديث عن الله تعالى: «بضمير الغيبة «يحشرهم» بدلا من «نحشرهم» إشارة إلى أن هذا الحشر معلوم مقرر عند المؤمنين، وأنهم مستيقنون أن الله سيحشر الخلائق جميعا، ولهذا صح أن يكون الحديث عن الحشر بين الله والمؤمنين إذ كان غير خاف عليهم، على حين أنه خفى على المشركين.. وقوله تعالى: «يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ» ، هو نداء من قبل الحق سبحانه وتعالى لطائفة من تلك الطوائف التي حشرت فى هذا اليوم، وهى طائفة الجن، ليلقى إليهم بهذا الذي كان منهم، من جذب الكثير من الناس إليهم، وتحويلهم من طبائعهم لانسانية إلى طبيعة الجن. «قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ» أي قد جمعتم أعدادا كثيرة منهم، واستحوذتم عليهم.. ولا يجيب الجن، إذ كان الواقع يغنى عن الجواب، بل يأخذ المبادرة بالجواب أولئك الذين انضموا إليهم من الناس، وصاروا حزبا لهم.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا» أي قد انتفع بعضنا ببعض، فأخذ وأعطى.. فهؤلاء الضالون قد أخذوا من الجن ما سوّلوا لهم به وما عرضوه عليهم من متاع الحياة، وضلالاتها.. على حين أعطوا الجن ولاءهم وطاعتهم، وذلك إلى أن بلغوا الأجل الّذى

أجّله الله، وهو عمرهم المقدور لهم فى الحياة.. وفى مبادرة المشركين بالجواب دلالة على أنهم هم المتهمون أصلا، وأنهم هم الذين استجابوا لدعوة الجنّ لهم، وأنهم لو أبوا عليهم ذلك ولم ينقادوا لما دعوهم إليه، لما كانوا فى هذا الموقف.. فزمام الأمر هو فى يد النّاس، وما الجنّ أو غيرهم من المغريات إلا داع يدعوهم إليه، فمن أجاب فعليه وزر عمله.. كالخمر مثلا، فإنها فى مواطنها التي تباع فيها أو تشرب، هى فى ذاتها داع تدعوا الناس إليها، وتغريهم بها، وللناس وحدهم أن يستجيبوا أو يمتنعوا.. وليست الخمر موضع مؤاخذة أو لوم.. كذلك دعاة السوء من الإنس والجنّ.. لا يحملون شيئا من إثم من دعوه فاستجاب لهم، وإن كان عليهم إثم هذه الدعوة المنكرة التي دعوا بها.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ» . (22: إبراهيم) وقوله تعالى: «قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ» هو الحكم الذي يلقّاه المشركون بعد اعتذارهم بما اعتذروا به.. «النَّارُ مَثْواكُمْ» أي داركم ومقرّكم «خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ» أي أن هذا الخلود فى النار مرهون بمشيئة الله، إن شاء جعلها دار خلد لكم، وإن شاء جعلها عذابا موقوتا.. وذلك إلى الله وحده، لا يملك معه أحد شيئا فى مصيركم الذي أنتم صائرون إليه. «إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ» يقوم أمره كلّه على الحكمة والعلم.. الحكمة

الآيات: (130 - 132) [سورة الأنعام (6) : الآيات 130 إلى 132]

التي تحكم كل أمر وتضبطه على موازين العلم، والعلم الذي يحيط بكل شىء، ويعلم ما ظهر وما بطن منه.. قوله تعالى: «وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» .. أي نسلّط بعض الظالمين على بعض، ونجمع بعضهم إلى بعض، كما تسلّط الجنّ على أشباههم من الإنس، وصاروا جميعا إلى هذا المصير المشئوم.. وهكذا يجتمع الشر إلى الشر، وينجذب الأشرار إلى الأشرار، فيكونون جميعا جبهة واحدة.. بعضهم أولياء بعض. الآيات: (130- 132) [سورة الأنعام (6) : الآيات 130 الى 132] يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (130) ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ (131) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) التفسير: وفى موقف الحساب يقوم القيامة، يسأل الخلق من جنّ وإنس هذا السؤال التقريرى من ربّ العالمين: َ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ؟» أي من جنسكم، فللجن رسل من الجن، وللإنس رسل من الإنس..َقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي» أي يسمعونكم آياتي، ويعرضون عليكم دلائل قدرتى، ويدعونكم إلى الإيمان بي؟ َ يُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا» أي يحذرونكم لقاء هذا اليوم الذي أنتم فيه فى موقف الحساب والجزاء؟

ويجىء الجواب من الجن والإنس: َهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا» أي أقررنا بأن رسل الله قد جاءوا إلينا بآيات الله، وأنذرونا لقاء هذا اليوم.. وما كان للمسئولين أن ينكروا، حيث كل شىء ينطق هذا اليوم بالحق.. ثم يجىء التعقيب على هذه الشهادة: َ غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ» .. وتلك هى شهادة أهل الموقف عليهم، بعد أن شهدوا هم على أنفسهم.. إنها تعليقات المؤمنين على موقف هؤلاء الضالين، وما كانوا عليه من كفر وعناد، واستخفاف بهذا اليوم الذي هم فيه. وواضح أن المسئولين هنا من معشر الجن والإنس، هم الغواة الضالون منهم، الذين أنكروا رسل الله، وكفروا بما جاءوهم به من عند الله.. وقوله تعالى: «ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ» الإشارة هنا إلى ما كان من رحمة بعباده، من إنس وجنّ، وذلك بإرسال الرسل إليهم، ودعوتهم إلى الله، وكشف معالم الطريق إليه.. فإنه سبحانه وتعالى لا يؤاخذ عباده إلا بعد أن يعذر إليهم بإرسال رسله، مبشرين ومنذرين، حتى ينتبهوا من غفلتهم، فلا يكون لهم عذر إذا أخذهم الله بالعقاب الذي يستحقونه على كفرهم وضلالهم.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» (15: الإسراء) وقوله سبحانه: «وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا (59: القصص) وفى قوله تعالى: «بِظُلْمٍ» إشارة إلى أن عدل الله يقضى بألا يعاقب أحدا من خلقه، حتى ينذره ويقيم الحجة عليه. وقوله سبحانه: «وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا» أي لكل إنسان مكانته ودرجته من عمله، أي تهيّأ له هذه الدرجة من عمله، فإن كان عمله سيئا

الآيات: (133 - 135) [سورة الأنعام (6) : الآيات 133 إلى 135]

كانت مكانته من السوء بحسب عمله.. «وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ» . فلا يختلط عنده عمل المحسن بعمل المسيء، بل لكل عمله وحسابه، وجزاؤه. الآيات: (133- 135) [سورة الأنعام (6) : الآيات 133 الى 135] وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133) إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135) التفسير: الخطاب للنبى الكريم، وإضافته إلى ربّه الغنىّ ذو الرحمة، تكريم له، ورفع لقدره ومنزلته عند ربّه، لاختصاصه بتلك الإضافة، وإن كان الله سبحانه وتعالى هو ربّ العالمين جميعا. فإضافة النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- منفردا بهذه الإضافة إلى ربّه، غاية فى التكريم، واللطف والرعاية.. وفى وصف الله سبحانه وتعالى بالغنى والرحمة، مناسبة لما بعد هذين الوصفين الكريمين، من أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يذهب الناس جميعا، لأنه فى غنى عنهم ولكنه ذو رحمة واسعة، فلا يعجل بعقوبة هؤلاء المشركين، ولا يؤاخذ الناس بما كسبوا، بل يمهلهم، ويقيم بين أيديهم دلائل الحق والهدى، لعلهم يرجعون عما هم فيه من ضلال وكفران. وقوله تعالى: «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ» بيان لقدرة الله، وأنه سبحانه قادر على أن يذهب

المشركين، ويقضى عليهم، ويقيم من بعدهم من يخلفهم على ما فى أيديهم من نعم الله وعطاياه، وأن إمهاله هو رحمة من رحمته وإحسان من إحسانه، ليكون فى هذا مظاهرة للحجة عليهم، وقطع الأعذار دونهم.. قوله تعالى: «إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ» هو خطاب للمشركين وما يتوعدهم الله به، وهو انتقالهم مما هم فيه، وقيام من يخلفهم على ما فى أيديهم. فهو أمر كائن، لا بد منه، إن لم يكن اليوم فغدا أو بعد غد، وإنهم مهما استطالوا وبغوا فلن يعجزوا الله، ولن يفتلوا من سلطانه القائم عليهم، وعلى كل موجود فى هذا الوجود. وقوله سبحانه: «قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ» أمر للنبى الكريم أن يلقى قومه بهذا الموقف الصريح، وأن يقطع ما بينه وبينهم من أسباب الجدل والشقاق، وأن يدعهم وما هم فيه.. ليقبل على ما هو فيه من دعوة الناس إلى الله، وليستقم على الطريق الذي هداه الله إليه.. وفى قوله تعالى: «يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ» تهديد ووعيد لهم، بتركهم وما هم فيه من ضلال.. والمكانة: المنزلة التي فيها الإنسان، أيا كانت تلك المنزلة. وفى قوله سبحانه: «إِنِّي عامِلٌ» مع حذف متعلق الخبر «عامل» - إشارة إلى أن للنبى عملا غير عملهم، وطريقا غير طريقهم. وقوله تعالى: «فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ» تهديد آخر، ووعيد لهؤلاء المشركين، وما سينتهى به عملهم إليه، من البلاء وسوء المصير، و «مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ» .. أهم الذين أسلموا لله، وآمنوا به وبرسوله، وبالكتاب الذي بين يديه؟ أم أنتم أيها المكذبون الضالون؟ فسوف تعلمون لمن عقبى الدار.

الآيات: (136 - 137) [سورة الأنعام (6) : الآيات 136 إلى 137]

والحكم معلوم مقدّما.. «إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ» والمشركون ظالمون من غير جدال، إذ ردّوا نعمة الله المرسلة إليهم، وآذوا اليد التي حملتها لهم، والتي لا تطلب منهم أجرا، ولا تريد منهم على ذلك جزاء ولا شكورا.. فأى ظلم أبشع وجها، وأقبح صورة من هذا الظلم؟ فهم إذن المحكوم عليهم بعدم الفلاح، ومن لم يفلح فقد خاب وخسر، وكان من أصحاب الجحيم. الآيات: (136- 137) [سورة الأنعام (6) : الآيات 136 الى 137] وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (136) وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (137) التفسير: وإذ أنهى النبىّ صلى الله عليه وسلم موقفه مع المشركين من قومه على هذا الوجه الذي أنذرهم فيه بأنه معتزلهم وما يعبدون من دون الله، وأنه سيفرغ لنفسه ولدعوته ولمن يستجيبون له، ولا عليه أن يغرقوا فيما هم فيه من ضلال، بعد أن بلغهم رسالة ربّه، وبعد أن بالغ فى هذا الإبلاغ- إذ أنهى النبي موقفه مع المشركين على هذا الوجه، بحيث لا يلقاهم لقاء مواجها بعد هذا الموقف، فإنه صلوات الله وسلامه عليه لم يقطع ما بينه وبينهم من لقاء غير مباشر، أو مواجه، فما زالت آيات الله تتنزل بفضح المشركين، والتشنيع عليهم، وكشف ما هم فيه من جهالة وعمى وضلال.. وفى هذا التدبير السماوي الحكيم يتحقق أمران:

أولهما: إلفات المشركين إلى أنفسهم، حتى يعيدوا النظر إلى تلك الحال التي تركهم النبىّ عليها.. وذلك فى حال هم فيها فى غير مواجهة صريحة مع النبىّ، الذي يكشف أدواءهم، ويقدّم لهم الدواء، الأمر الذي كثيرا ما تتأباه النفوس المريضة، وتزورّ به العقول السقيمة، على خلاف ما إذا خلا أمثال هؤلاء بأنفسهم، واطمأنوا إلى أن أحدا لن يطلع عليهم، فإنهم عندئذ قد يتعرّون مما ركبهم من ظلام وضلال، وقد يجد أحدهم الجرأة أمام نفسه فيفضحها ويهتك سترها، وينخلع مما هو فيه، ثم ينطلق إلى مطالع النور، ومواقع الهدى.. وثانيهما: أن المسلمين إذ يرون ما تكشف آيات الله من سوء حال المشركين، وما ينتظرهم من مصير مشئوم، يزداد إيمانهم إشراقا وألقا، ويبدو لهم أنهم أثقل ميزانا، وأكرم مقاما من هؤلاء المشركين الذين يسومونهم العذاب، ويأخذونهم بالبأساء والضراء.. وفى هذا عزاء جميل «للمسلمين» وتثبيت لأقدامهم على الطريق المستقيم. وفى قوله تعالى: «وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً» اتهام للمشركين بما افتروا على الله، وما شرعوا لأنفسهم من شريعة، استملوها من أهوائهم الباطلة، وتصوراتهم الفاسدة.. ومن هذا أنهم جعلوا لله نصيبا مما «ذرأ» أي خلق «من الحرث» أي الزرع، «والأنعام» .. فقالوا «هذا لله بزعمهم» أي بما زعموه هم، لا عن أمر سماوىّ من الله.. «وقالوا: «هذا لشركائنا» أي لآلهتهم التي عبدوها، وجعلوها شركاء لله، يقدمون لها القرابين مما رزقهم الله! وقوله تعالى: «فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ» أي فما جعلوه لله جحدوه، ولم يحرصوا على الوفاء

به، ولم يكن له فى أنفسهم حساب أو توقير، وما جعلوه لأوثانهم وأصنامهم لم يترخّصوا فيه، بل أدّوه لهم كاملا. خوفا من أن تحبس عنهم هذه المعبودات الباطلة أسباب الخير، أو تدفع إليهم نذر البلاء والنقمة. وقوله سبحانه: «ساءَ ما يَحْكُمُونَ» تسفيه لهذه الأحكام الخاطئة التي لم يتزموا فيها جانب العدل حتى فيما شرعوه هم بأنفسهم، فلم يسوّوا فى هذه القسمة الجائرة بين الله وبين تلك المعبودات.. من أصنام وأوثان. وقوله سبحانه: «وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ» أي مما افتراه المشركون على الله هذا المنكر الذي زيّنه لهم شركاؤهم، وهو قتل أولادهم ظلما وعدوانا، بل سفها وضلالا. إذ أنهم بهذا العمل المنكر قد نزلوا عن مرتبة الحيوان الذي تأتى عليه طبيعته أن يمدّ يده بأذى إلى صغاره، بل إنه ليجعل نفسه دريئة لهم من كل سوء، ويقدّم حياته دفاعا عنهم من كل عدوّ.. فكيف طوعت لهؤلاء الحمقى السفهاء من الآدميين أنفسهم أن يقتلوا أولادهم بأيديهم؟ إن ذلك لا يكون إلا من إنسان فقد عقله، فلم يدر ما يفعل، حتى ولو قتل نفسه بيده! فليس بعد هذا ضلال، أو خسران.. والله سبحانه يقول: «قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ» (140: الأنعام) . وفى كشف هذه الجريمة الشنعاء، كشف لما وصل إليه هؤلاء المشركون من سفه وحمق، لا فى شركهم بالله، وعبادتهم الأحجار، وحسب، بل فى هذا الأمر الذي صاروا به من عالم الجماد الذي لا يعقل، ولا يحس.. وفى إضافة التزيين بقتل الأولاد إلى الشركاء من أصنام وأوثان، إشارة إلى أن هؤلاء المشركين قد صاروا لعبة فى يد هذه الجمادات، يتلفّون من صمتها المطبق دلالات وإشارات، يؤولونها هذا التأويل الفاسد، الذي ينتهى بهم إلى

عبادتها، وتقديم أبنائهم قربانا لها.. وفى هذا ما يكشف لهم- إن كان فيهم بقية من عقل- أنهم خدعوا وضلّلوا، وأن هذه الأصنام هى التي ضللتهم، وخدعتهم، وقتلت أولادهم وفلذات أكبادهم.. وأنهم إذا كانوا قد فعلوا فعلتهم فى أولادهم وهم فى سكرة من الضلال، فإن هذا الدم الذي لطخت به أيديهم من أبنائهم، جدير به أن يملأ قلوبهم ألما وحسرة، وأن يوقع العداوة والبغضاء بينهم وبين واتريهم فى أبنائهم.. وإن أقلّ ما يثأرون به لقتلاهم هو اعتزال هؤلاء القتلة وإجلاؤهم من عالمهم، بل وتحطيمهم، إن كان هذا التحطيم يشفى غليلا، أو يخفف كمدا وحسرة.. وقوله تعالى: «لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ» أي أن ما فعله الشركاء- من أصنام وأوثان- بهؤلاء المشركين، إنما كانت عاقبته إهلاكهم، وإفساد دينهم عليهم.. فإهلاك أبنائهم هو إهلاك لهم، ثم هو إغراق لهم فى الضلال والبعد بهم عن الدين الصحيح. والسؤال هنا: هل لهؤلاء المشركين دين حتى يعلق به فساد كما يقول الله تعالى: «وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ» ؟ والجواب: أنه كان ينبغى أن يكون للمشركين دين صحيح، لو بقيت معهم عقولهم، ولم يفسدها عليهم شركاؤهم، وأن ما زينه لهم الشركاء من قتل أولادهم هو غاية ما يمكن أن يصل إليه معتقد الإنسان، من فساد لا يرجى له صلاح أبدا.. فهؤلاء الشركاء قد أفسدوا على أتباعهم هؤلاء فطرتهم، وغيّروا معالم إنسانيتهم، ومن كان حاله تلك الحال، فلا صلاح يرجى لشىء فيه أبدا، من دين أو غيره.. فأى دين يدين به هؤلاء القوم، وهم على تلك الحال من السّفه، هو دين سقيم بسقام عقولهم، وفساد فطرتهم. وقوله سبحانه: «وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ» إشارة إلى أن الله سبحانه

الآيات: (138 - 140) [سورة الأنعام (6) : الآيات 138 إلى 140]

وتعالى لم يرد أن يدفع عنهم هذا البلاء الذي حلّ بهم، لأنهم أهل له.. وأن الله سبحانه لو علم فيهم خيرا لدفع عنهم هذا البلاء، ولما كان للشيطان أن يصل إليهم.. ويفسد عليهم وجودهم! وقوله سبحانه: «فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ» تهديد لهؤلاء المشركين، ومبالغة فى إهمالهم، وتركهم لأهوائهم المضلّة، تغتالهم وتهلكهم، دون أن يخفّ أحد لنجدتهم. الآيات: (138- 140) [سورة الأنعام (6) : الآيات 138 الى 140] وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (138) وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (140) التفسير: ومن مفتريات هؤلاء المشركين صنيعهم بما فى أيديهم من أنعام وزروع.. فقد جعلوا فيها نصيبا لله، ونصيبا لشركائهم.. دون أن يؤدوا لله ما جعلوه فيها، بل قالوا ذلك قولا وجحدوه فعلا.. ثم إنهم من جهة أخرى قد جعلوا لهذه الأنعام وتلك الزروع مراسم معيّنة، ومعالم خاصة، اخترعوها لها من عند أنفسهم.. فهناك أنعام وزروع جعلوها «حجرا» أي محجورة لا يباح طعامها لكلّ طاعم، فمن شاءوا أطعموا منها، ومن شاءوا حرّموها عليه.

وهناك أنعام حرّموا ظهورها، وحموها من أن تركب أو يحمل عليها، إذا جاءت على صفات خاصة عندهم، كما أشار الله سبحانه وتعالى إلى ذلك فى قوله تعالى: «ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ» . (106: المائدة) وقد شرحنا ذلك من قبل عند شرح هذه الآية. وهناك أنعام يذبحونها على مذابح أصنامهم.. لا يذكرون اسم الله عليها.. وكلّ هذا افتراء على الله، والله سبحانه سيجزيهم بهذا الافتراء الذي افتروه، نكالا وعذابا أليما.. ومن مفتريات هؤلاء المفترين، وضلالات أولئك الضالّين، هذا الذي أخذوا به أنفسهم، فيما فى بطون أنعامهم من أجنّة يجدونها عند ذبحها.. فكانوا إذا خرج الجنين حيّا جعلوا لحمه طعاما للذكور منهم دون زوجاتهم، وإن خرج الجنين ميتا أباحوا أكله لذكورهم ونسائهم جميعا. «وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ» . ولا معقول لهذه التفرقة، ولا منطق لها، فيما بين الجنين الذي يخرج من بطن أمه حيّا، وهذا الذي يخرج ميتا، ماداموا قد استباحوا أكلهما جميعا، اللهم إلا أن يكون ذلك عن وهم تسلط على عقولهم، فأراهم فى هذا الحىّ غير هذا الذي فى الميت. وقل فى واردات هذا الوهم ما تشاء. فقد يكون ذلك عن شعور بأن الجنين الذي خرج حيّا يحمل معه روحا تتسلّط على المرأة المتزوجة، فتفسد حملها، أو تختلط به فيجىء الولد منها على صورة غير صورة الإنسان السوىّ.. أو نحو هذا. وذلك كله ضلال فى ضلال. وقوله سبحانه: «سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ» أي أنه سبحانه

وتعالى سيحاسبهم على هذا الوصف الباطل الذي يلحقونه بتلك الأشياء التي يقولون فى حلّها وحرمتها ما تمليه عليهم أهواؤهم، دون أن يكون ذلك مستندا إلى دين أو معتمدا على عقل.. والله سبحانه وتعالى «حكيم» لا يدخل فى شريعته مثل هذا الضلال «عليم» بما يعمل الظالمون، المفترون، الضالون.. وفى عرض أباطيل هؤلاء الضالين ومفترياتهم بلفظ: «قالوا» .. و «قالوا» مع أنهم فعلوا هذه الأشياء فعلا، إشارة إلى أن هذه الأفعال هى وليدة أقوال تقال، وهى أوهام وظنون، لا تلبث حتى تستولى على عقول سامعيها فتتشكل منها أفعال، ويقوم عليها سلوك.. وهذا ما يشير أيضا إلى ما للكلمة من أثر فى تقويم سلوك المرء أو اعوجاجه.. فالكلمة ليست مجرد صوت يطرق السمع، ثم يذهب أدراج الرياح، وإنما هى- فى حقيقتها- رسول هدى، وداعية خير، أو هى قذيفة مدمرة، وجرثومة مهلكة. وقوله سبحانه: «قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ» هو تعقيب على تلك الشناعات التي تلبس المشركين، وتستولى على وجودهم، وهو حكم بالخسران واقع عليهم من الله سبحانه جزاء لما اقترفوا من سيئات، وما ارتكبوا من آثام.. ومن أبرز هذه الآثام وأشنعها قتلهم أولادهم «سفها بغير علم» أي عن ضلال، وسفه، وجهالة، ولهذا قدّم قتل الأولاد على كل جناية غيرها.. وقوله تعالى: «وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ» معطوف على قوله تعالى: «قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ» أي أن هذا الخسران الذي حكم الله به عليهم، هو لجنايتهم الغليظة فى قتل أبنائهم، ثم لتحريم ما حرموا مما رزقهم الله من أنعام وحرث، افتراء على الله، وادعاء عليه بأن هذا مما شرعه الله

الآيات: (141 - 144) [سورة الأنعام (6) : الآيات 141 إلى 144]

لهم، وهو مما وكّدته خيالاتهم المريضة، ومدركاتهم السقيمة.. تماما كما قتلوا أولادهم سفها بغير علم. وقوله تعالى: «قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ» هو حكم عليهم بالضلال والسفه بعد الحكم عليهم بالخسران والضياع. فإن كان لهم إلى أنفسهم حاجة، فيبادروا إلى استنفاذها من هذا الضلال، وإقامتها على طريق الحق والعدل والإحسان.. الآيات: (141- 144) [سورة الأنعام (6) : الآيات 141 الى 144] وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142) ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144) التفسير: فى هذه الآيات، يعرض الله سبحانه وتعالى مشاهد من آيات قدرته، وروائع علمه وحكمته فيما أبدع وصوّر فى هذا الوجود، من نعم سابغة

وعطايا جزيلة، كان لكثير من الناس مكر فيها، وكفر بها.. وهى التي كان من شأنها أن تقابل منهم بالولاء لله، والتمجيد له، والتسبيح بحمده.. فهذه الجنات المعروشات، أي القائمة على عروش: وهى العنب الذي يفترش سقوفا تتدلّى منها ثماره المهدّلة، وهذه الجنّات غير المعروشات التي تظلل الأرض بأغصانها، وأوراقها وثمارها، وهذه النخيل السابحة فى أعنان السماء، تحمل على رءوسها ثمرا مختلف الألوان، متشاكل الطعوم، وهذه الزروع التي تفترش الأرض، وتكسو أديمها ببساط سندسى يحمل على ظهره الحبّ والثمر، وهذه الأشجار من الزيتون والرّمان، فى صوره المختلفة، وأشكاله المتعددة- كل هذا الذي يملأ الأرض من حياة، وجمال، ومن خير عميم ورزق كريم، هو من صنع الخالق العظيم، ومن فيض كرمه وإحسانه.. وهو مائدة ممدودة لعباده جميعا.. وربّ المائدة يضيفهم إليه، ويدعوهم إلى مدّ أيديهم إلى هذا الرزق الكريم.. «كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» . وفى قوله تعالى: «كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ» تذكير للناس بهذه النعم التي أفاضها الله عليهم، وإلفات للغافلين منهم إلى ما لله سبحانه وتعالى عليهم من فضل وإحسان، وإلا فإن الناس فى غير حاجة إلى دعوة للأخذ من هذا الثمر والأكل منه.. ولكن فى دعوة الله سبحانه وتعالى تذكير لهم بأنهم فى ضيافة صاحب هذا الثمر، وأنهم لن يأكلوا منه إلا بعد أن يأذن لهم، إذن تكريم وتفضّل وإحسان.. وفى القيد الوارد على الأكل من الثمر بقوله تعالى: «إِذا أَثْمَرَ» تقييد للأنظار بهذه الجنات وتلك الزروع، وملاحظة أطوار الحياة التي تتنقل فيها، وأنها لم تصل إلى هذا الطور الذي تحمل فيه الثمر الذي يصلح للأكل إلا بعد أن قطعت طريقا طويلا، فى نموّها وتطورها، شأنها شأن الإنسان يكون

بذرة فى بطن أمه، ثم ينشق عنه الرحم وليدا، فطفلا، فغلاما، فصبيّا، فشابا، فكهلا، فشيخا.. وبهذه الملاحظة لتلك الجنات وهذه الزروع تتجلى قدرة الله، وتتكشف آيات إبداعه وخلقه، فيكون من ذلك كله عبرة لأولى الألباب، وتبصرة وذكرى لقوم يؤمنون. وقوله سبحانه «وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ» أمر بأداء الحق المفروض على هذه النعم التي يعيش فيها أهلها.. وحق هذه النعم هو شكر الله عليها، إذ هو المنعم بها، ومن شكر الله عليها، مشاركة الفقراء والمحتاجين لهم فيها، وإعطاؤهم ما أوجب الله على الأغنياء للفقراء فى أموالهم فى قوله تعالى «وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ» (24- 25: المعارج) وفى إضافة الحقّ إلى الله سبحانه وتعالى هكذا: «حقّه» إشعار بأن هذا الحق هو لله، صاحب هذه النعم، وأنه سبحانه قد جعل هذا الحقّ الذي له، لهؤلاء الفقراء من عباده.. وإذن فليس لأحد من الأغنياء منّة على هؤلاء الفقراء، ولا فضل له عليهم، إذا هو أعطاهم مما لله عنده.. فذلك من حقّ الله عليه، والله سبحانه وتعالى يجزيه عما أعطى، فضلا منه سبحانه وكرما.. لأنه تعالى يأخذ مما له، ويجزى الثواب الجزيل عليه، أضعافا مضاعفة.. فسبحانه سبحانه، ما أعظم فضله، وما أوسع رحمته، وأكثر مننه على عباده.. وفى قوله سبحانه: «وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» ذهب أكثر المفسّرين إلى أنّ النهى هنا وارد على إتيان حق الله فى هذا الثمر، وجعلوا الحقّ مضافا إلى الزرع على معنى: وآتوا حقّ الثمر يوم حصاده بالصدقة

على الفقراء فى قصد دون إسراف. وهذا- فى رأينا- مردود من وجوه: فأولا: إضافة الحق إلى الله سبحانه وتعالى أولى من إضافته إلى الثمر، لأنه بالنسبة إلى الله حق أصيل، وهو بالنسبة للثمر حق تبعىّ، بعد تعلق حق الله به. وثانيا: أنه ليس من طبيعة الناس الإسراف فى الإحسان، وإنما الغالب عليهم هو البخل والشحّ فى هذا الباب، ولهذا كانت دعوة الله إليهم دائما متجهة إلى التحريض على الإنفاق، والإغراء به، بما وعد الله المحسنين من الخير العظيم على إحسانهم فى الدنيا، بنماء أموالهم، وفى الآخرة، بحسن المثوبة وعظيم الجزاء. مثل قوله تعالى «فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى» (5- 10 الليل) .. وقوله سبحانه: «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» (261: البقرة) . فالشحّ هو الغالب على الناس، وليس السّخاء، ولا الإسراف فى هذا المقام، مقام التصدّق على الفقراء.. وعلى هذا، فإنه من غير المتفق مع دعوة القرآن، أن تحمل آياته دعوة إلى التحذير من الإسراف فى البذل والعطاء، للفقراء والمساكين. وثالثا: إذا كان فى المؤمنين من يبالغ فى الإحسان، ويسرف فى البذل، فإن ذلك زيادة فى الخير، ومبالغة فى الإحسان، فلا تجىء دعوة سماوية

بالتحذير للمؤمن أن يعلى مقامه عند الله بالمبالغة فى الإحسان، وبذل العطاء للفقراء والمحتاجين.. ورابعا: إذا فرض أن الإسراف مكروه حتى فى باب الإحسان، فإن المسرفين هنا قلّة قليلة جدا، لا يحمل التحذير لها بهذه الصيغة العامّة المطلقة، التي تنسحب آثارها على المسرفين، والمعتدلين، بل وعلى الأشحّاء جميعا.. حيث يجد الشحيح مدخلا إلى المبالغة فى شحّه، حين يسمع دعوة تقول: «وَلا تُسْرِفُوا» . وخامسا: إذا كان من الحكمة التحذير من الإسراف فى جميع الأحوال، فإنه مما يجانب الحكمة فى تلك الحال التي يطعم فيها الطاعمون من هذا الثمر الذي ملأ الله أيديهم منه- أن يدعوا إلى ترك الإسراف هنا- الذي يحمل فى مضامينه دعوة إلى الإمساك- وهم يطعمون، ويتخيّرون ألوانا مما يطعمون، وعيون الفقراء ترقبهم، ببطون خاوية، ولعاب يسيل!! وعلى هذا فإن الفهم الذي نستريح إليه لقوله تعالى: «وَلا تُسْرِفُوا» هو أنه قيد وارد على قوله سبحانه: «كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ» .. أي كلوا من ثمره فى غير إسراف، حتى يكون فى أيديكم فضلة تؤدون فيها حق الله فى هذا الثمر الذي تطعمون منه، وحتى لا تمتلىء البطون، وتبلغ حدّ التخمة، فلا يذكر المرء حينئذ شهوة جائع إلى هذا الثمر. أما قوله تعالى: «وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ» فهو معطوف على قوله تعالى: «كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ» .. معترضا بين صاحب الحال وهو الفاعل فى الفعل «كلوا» وبين جملة الحال وهى قوله تعالى: «وَلا تُسْرِفُوا» .. ويكون المعنى: كلوا من ثمر هذه الجنات وتلك الزروع عند ما ينضج ثمرها،

وآتوا حق الله فى هذا الثمر الذين تأكلون منه، غير مسرفين فى الأكل.. والسرّ فى اقتران الأمر بالأكل من الثمر والأمر بإتيان حق الله منه، ذلك الاقتران الذي يفصل بين صاحب الحال والحال.. السرّ فى هذا هو- والله أعلم- تذكير بحق الله، وشغل النفس به، وهى تتذوق بواكير ثمر هذه الجنات وتلك الزروع، وذلك قبل أن تشبع وتتخم.. وهذا من شأنه أن يقيم فى كيان الإنسان عزيمة صادقة موثّقة على الوفاء به عند حصاد هذا الثمر، فى حين أن ذلك يدعو أيضا إلى المبادرة بإعطاء شىء من حق الله فيه قبل الحصاد، ومشاركة الفقراء، للآكلين من بواكيره، حتى لا يطول بهم الحرمان والانتظار إلى يوم الحصاد.. «كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ» .. فإذا جاء الحال بعد ذلك مقيّدا للأكل، وناهيا عن الإسراف فيه جاء هذا شاملا لجميع الأحوال التي يؤكل فيها هذا الثمر- فى حال نضجه، وصلاحيته للأكل وفى حال حصاده وجمعه، وما بعد حصاده وجمعه. «وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ» فى أي حال من الأحوال. وقوله تعالى: «وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً» معطوف على قوله سبحانه: «جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ» أي أنه سبحانه أنشأ كذلك حمولة وفرشا من الأنعام، كما أنشأ جنات معروشات وغير معروشات من الزروع. والمراد بالإنشاء هنا تيسير هذه النعم وتذليلها للإنسان، وهدايته إلى تسخيرها والانتفاع بها على هذه الوجوه.. فتلك نعم أخرى إلى نعمة إيجادها.. فالله سبحانه وتعالى، هو الذي أوجدها، ثم هو سبحانه الذي مكّن للإنسان من أن ينتفع بها، بما منحه من قوى عاقلة، تقدّر وتدبر، وتعرف كيف تسوس هذه النعم، وتستخرج بعض ما ضمت عليه من خير.

والحمولة من الأنعام: ما يحمل عليه من إبل، وخيل، وحمير.. والفرش: ما يتخذ من هذه الأنعام من جلد وصوف، ليفترش.. وقوله تعالى: «كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ» أي كلوا مما رزقكم الله من هذه الأنعام التي تتخذون منها حمولة وفرشا، «وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ» فيما يملى عليكم من أباطيل تحرّمون بها ما أحلّ الله لكم «إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ» يحرّم عليكم نعم الله، ويقيم بينكم وبينها حواجز باطلة، تفسد عليكم هذه النعم، فلا ترون فيها كمال النعمة، وسعة الإحسان.. وقوله سبحانه: «ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ» بدل من «حمولة وفرشا» أي «وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً.. ثمانية أزواج» .. أو هو مفعول به لقوله تعالى: «كُلُوا» أي كلوا من هذا الذي رزقكم الله من الأنعام ثمانية أزواج، وقوله سبحانه: «مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» هو بيان لهذه الأنعام التي سخّرها الله للناس، وأباح لهم أكلها، وما كان للمشركين من ادعاءات وافتراءات على الله فيها. فهذه الأنعام التي أحلّ الله أكلها، هى ثمانية أزواج، أي ثمانية متزاوجة، أي هى أزواج.. ذكر وأنثى.. من الضأن اثنين: ذكر وأنثى، ومن المعز اثنين: ذكر وأنثى، ومن الإبل اثنين: ذكر وأنثى، ومن البقر اثنين: ذكر وأنثى.. فهى أربعة ذكور، وأربع إناث.. الضأن، والمعز، والإبل، والبقر. وما يندرج معها من فصائلها.. وهى التي أحل أكلها دون غيرها من الأنعام..

الآيات: (145 - 147) [سورة الأنعام (6) : الآيات 145 إلى 147]

وفى قوله تعالى: «قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ» إنكار على المشركين هذا الذي شرعوه من حلّ بعضها وحرمة بعضها، كما ذكر الله سبحانه وتعالى عنهم ذلك فى قوله سبحانه: «وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ» .. وقوله سبحانه: «وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا» .. فهذا هو حكم الله فيها.. الإباحة المطلقة. فمن أين جاءهم هذا القول الذي يقولونه فيها؟ «نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» .. وإنه لا علم عندهم، ولكنها أوهام وأباطيل.. وقوله سبحانه: «أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا؟» هو إنكار بعد إنكار.. فبعد أن أنكر الله عليهم أنهم ليس معهم علم من كتاب سماوى بهذا الذي يقولونه، أنكر عليهم أنهم كانوا ممن تلقوا هذا العلم من الله أو كانوا شهودا وحضورا عند تلقّيه! وإذن فلا حجة معهم على هذه المفتريات التي يفترونها على الله.. وإذن فهم مبطلون فيما يقولون فى هذه الأنعام، وهم بهذا الباطل ظالمون معتدون، يضلون أنفسهم، ويضلون غيرهم.. وإذن فليحملوا أوزارهم وأوزارا مع أوزارهم. «فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» . الآيات: (145- 147) [سورة الأنعام (6) : الآيات 145 الى 147] قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاَّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (146) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)

التفسير: بعد أن أبطل الله سبحانه وتعالى مفتريات المشركين وما يقولونه فى مطاعمهم عن الأنعام، أمر النبىّ الكريم أن يلقاهم بما بين يديه من شريعة الله فى هذه المطاعم: «قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ..» .. فالمطاعم من هذه الأنعام كلها مباح لا حرمة فيه، إلا ما كان ميتا غير مزكّى بالذبح، وإلا ما كان دما مسفوحا أي سائلا مراقا، أو ما كان من لحم الخنزير، فإنه رجس، أي دنس وقذر، أو كان مما لم يذكر اسم الله عليه. وأهلّ- أي ذكر- اسم غير اسم الله عند ذبحه، فإنه فسق وخروج به عن الإيمان بالله، وتلطيخ له بالشرك.. فهذه كلها محرمات مستثناة من عموم الحلّ، لما تلبّس بها من أوضار وأقذار، ما عدا الخنزير فإنه رجس فى أصله. وفى قوله سبحانه «مَسْفُوحاً» قيد وارد على حرمة الدم، وهو أن يكون دما سائلا، مما يجرى فى عروق الحيوان.. فذلك هو الدم الحرام، على خلاف الدم المتجمد أصلا كالكبد والطحال، فهما حلالان، كما جاء فى الحديث الشريف: «أحلت لكم ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال..»

وقوله تعالى: «أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ» معطوف على قوله تعالى: «إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ» أي أو فسقا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ» .. وقوله تعالى «فَإِنَّهُ رِجْسٌ» هو بيان للعلة فى حرمة لحم الخنزير. أي فإن لحم الخنزير رجس، أي قذر أصلا، بخلاف المحرمات السابقة فإنها حلال أصلا، ولكن دخل عليها ما أفسدها وجعلها فسقا خارجا عن دائرة الحلال.. وقوله تعالى: «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» هو استثناء من حرمة المحرّمات السابقة التي حرم الله على المسلمين أن يطعموا منها فى حياتهم المألوفة.. أما إذا وقع المسلم فى حال لا يجد فيها ما يأكله وخاف على نفسه التلف، فإنه قد أبيح له أن يتناول من تلك المحرمات ما يسد جوعته، ويحفظ حياته.. «غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ» أي غير متجاوز الحدّ الذي يدفع عنه ضراوة الجوع، وغير معرض نفسه لمثل هذا الموقف قصدا، ليستبيح لحم الخنزير مثلا.. وقوله تعالى: «فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» إشارة إلى سعة رحمة الله ومغفرته لعباده، وما لهما من أثر فى ضبط هذا الموقف الذي يضطر فيه الإنسان إلى الإلمام بهذه المحرمات.. فمن رحمة الله أنه عمل على صيانة النفس الإنسانية من التلف، فأباح لها المحظور عند الاضطرار والحاجة، بعد أن صانها من الدنس فحرم عليها الخبيث. ومن واسع مغفرته أنه شمل هذه المحظورات فى حال الاضطرار، بالمغفرة. وفى تقديم المغفرة على الرحمة كرم ولطف من رب العالمين، حيث جعل المغفرة إذنا يصحبه معه من يأكل من هذه المحظورات عند الاضطرار فلا يتأثم ولا يتحرّج قوله تعالى: «وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ» ..

بعد أن بين الله سبحانه وتعالى ما أحل للمسلمين من طيبات، وما حرّم عليهم من خبائث- بين سبحانه ما حرم على اليهود من طيبات أحلها للمسلمين، وقد كانت حلّا لليهود من قبل أن تنزل التوراة، فحرمها الله عليهم، عقابا لهم ونكالا، إذ مكروا بآيات الله، وكفروا نعمه.. فحرّم الله عليهم كل ذى ظفر من الأنعام، أي كل ما كان منفرج الأصابع، كالإبل والنعام والدجاج والبط، كما حرم عليهم شحوم البقر والعنم، إلا الشحم الذي علق بظهورها، وما اشتملت عليه من الحوايا الشحم.. وهى الأمعاء، والكرش أو الشحم الذي اختلط بعظم كشحم الإلية. وقوله تعالى: «ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ» هو تعليل لهذه العقوبة التي أخذهم الله بها، وضيق عليهم ما وسّعه على غيرهم من عباده، وذلك لأنهم بغوا واعتدوا، ولم يقفوا عند الحدود التي حددها الله لهم، فكان عقابهم أن أخذهم الله بالضيق، إذ طلبوا السعة من غير ما شرع الله.. وفى قوله تعالى: «وَإِنَّا لَصادِقُونَ» إشارة إلى أن ما تلقاه النبىّ من آيات ربه، وفيما أخبر به عن اليهود هنا، هو من الصدق الذي لا افتراء فيه، لأنه تنزيل من رب العالمين.. ونلمح فى قوله تعالى: «وَإِنَّا» وهى ضمير الجمع، المراد به الله سبحانه وتعالى فى جلاله وعظمته، نلمح فيه الرسول الكريم، مضافا إلى الله فى هذا الخطاب الموجه إلى اليهود، مؤكدا صدق الله وصدق الرسول.. «وَإِنَّا لَصادِقُونَ» .. وفى هذا تكريم للرسول أي تكريم.. وفى قوله سبحانه: «فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ» التفات إلى النبىّ الكريم، وتلقين له بكلمات الله التي يردّ بها على اليهود الذين يكذبون بما أخبر القرآن الكريم من تحريم ما حرّم الله

عليهم من طيبات، فإنهم سيزعمون مزاعم كثيرة، ويقولون فيما يقولون من زور وبهتان: إن الله لم يحرّم علينا هذا الذي يذكره محمد عنا فى قرآنه! وقد علم الله سبحانه منهم أنهم لن يسلّموا بما أخبر به النبىّ عنهم، ولهذا جاء قوله تعالى مؤكدا هذا الخبر بقوله سبحانه: «وَإِنَّا لَصادِقُونَ» وذلك ليكون لهم من هذا التوكيد رادع يردعهم عن التكذيب بخبر يعلمون صدقه.. فإن أبوا إلا لجاحا وعنادا، لقيهم الرسول بقوله تعالى: «رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ» وفى هذا وعيد لليهود، وتجريم لهم، وأنهم- مع سعة رحمة الله- لا ينالون هذه الرحمة، ولا يدخلون فيمن يرحمهم الله من عباده، لأنهم أجرموا فى حق الله، «وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ» . هذا، ويلاحظ أن الآية الكريمة لم تلقهم بالتجريم لقاء مباشرا، بل جاء الحكم على المجرمين حكما عاما، يشملهم ويشمل غيرهم من المجرمين- وذلك أن الآية مكية، والسورة كلها مكية، ولم يكن الرسول قد التقى باليهود التقاء مباشرا، وإنما هذه الإشارات البعيدة هى إرهاص بما سيكون بينهم وبين الرسول من لقاء مباشر، وأنهم لن يلقوا الرسول، بالسلام، والتسليم، بل سيلقونه- بما عرف عنهم- بالبهت والتكذيب.. وهذا من شأنه: أولا: أن يهيىء نفس النبىّ للمعركة المنتظرة بينه وبين اليهود، وأنها معركة ستكون أسلحة اليهود فيها هى البهت والتكذيب، والافتراء والدس. وثانيا: أن يلفت اليهود إلى النبىّ، وإلى ما سيكون له من شأن معهم، وأنه ليس رسولا إلى العرب وحدهم، بل هو رسول إلى كل من تبلغه رسالته، من عرب وغير عرب، من مشركين وأهل كتاب على السواء.

الآيات: (148 - 150) [سورة الأنعام (6) : الآيات 148 إلى 150]

الآيات: (148- 150) [سورة الأنعام (6) : الآيات 148 الى 150] سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150) التفسير: من مفتريات المشركين أنهم يمكرون بأنفسهم، ويسوّغون لها الباطل والضلال بمثل هذه الأقوال التي يقولونها عن مشيئة الله، ويعلقون بها كل آثامهم.. وذلك كقولهم حين يدعون إلى الإيمان، وترك ما هم فيه من شرك: «لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ» .. وفى عطف آبائهم عليهم إشارة إلى أنّهم إنما يتبعون دين آبائهم، وأنهم إذا كانوا هم وآباؤهم على شرك، فذلك مما أراده الله لهم، ولو شاء الله لهم ألّا يشركوا ما أشركوا..» .. هكذا يمكرون بآيات الله، وهكذا يتعلّلون بمشيئة الله، ويسترون شركهم بها.. وهم فى هذا القول كاذبون حتى مع أنفسهم.. فلو أنّهم كانوا مؤمنين بالله على تلك الصفة التي يؤمنون فيها بمشيئته، ويرون أنها المشيئة الغالبة التي يردّ إليها كل شىء- لو أنّهم آمنوا بالله على تلك الصفة لما كانوا مشركين، بل كان إيمانهم بالله إيمانا خالصا مبرأ من الشرك، إذ أضافوا إليه كلّ شىء،

وردّوا إلى إرادته ومشيئته كل شىء، ولو أنهم فعلوا ذلك لما كان لهم إلى هذه المعبودات التي عبدوها من دون الله وسيلة، ولكانوا هم وهذه المعبودات سواء عند الله، لا يملكون لأنفسهم ضرّا ولا نفعا.. ولكنهم إذ يقولون فى مشيئة الله هذا القول الذي يحسبون أنه يخليهم من مسئولية الشرك، بل ويعفيهم من كل إثم- لا يؤمنون بالله هذا الإيمان، ولا يرونه الإله المتفرد بكل شىء! وقد تحدثنا من قبل عن فساد هذا القول فى بحثنا الذي قدمناه، عن مشيئة الله، ومشيئة الإنسان، عند تفسير قوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ..» (الآية: 111) من هذه السورة. وقوله تعالى: «كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا» إشارة إلى ما بين أصحاب القلوب المريضة، والنفوس الفاسدة، من تشابه فى التداعي إلى الشرّ، والتجاوب مع الضلال.. وأنه كما كذّب هؤلاء المشركون وقالوا «لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا» قال كثير ممن سبقوهم إلى الشرك هذا القول، فكان كفرهم وضلالهم ضربا من هذا المنطق الفاسد. وفى قوله تعالى: «حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا» تهديد ووعيد لهؤلاء المشركين إذا هم ظلّوا على ما هم فيه من شرك وضلال، وأنهم سيلاقون ما لاقى أسلافهم الذين أشركوا، ولم تنفعهم العبر والمثلات، فأخذهم الله بذنوبهم، وصبّ عليهم العذاب فى الدنيا، وسيلقون العذاب الأليم فى الآخرة.. وقوله تعالى: «قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا» مواجهة للمشركين بتهمة الشرك الذي تلبّسوا به متذرّعين بتلك الحجة الفاسدة التي يلقون بها كل دعوة تدعوهم إلى ترك الشرك.. «لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا» . وهم مطالبون هنا بأن يقيموا هذا القول على علم من كتاب سماوى، أو من عقل سليم..

وإنه لا علم عندهم من هذا أو ذاك. وإذ خرسوا فلم يردوا على هذا السؤال، فقد تولّى الله سبحانه وتعالى، الجواب المفحم لهم، الفاضح لسفههم وضلالهم: «إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ» وهو جواب يواجههم بالتهمة التي تدينهم، وتلقى بهم فى مهاوى الهالكين. «والخرص» الأخذ بالشيء من غير علم محقق، يقال خرص النخلة. أي قدّر ما عليها من ثمر قبل أن ينضج، وهذا لا يكون إلا عن حدس وتوهّم، أشبه بالرجم بالغيب. قوله تعالى: «قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ» هو ردّ زاجر على المشركين، وإدحاض لافترائهم على الله، والتعلل لشركهم بقولهم: «لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا» .. وكأنهم بهذا القول إنما يقيمون لهم حجّة على الله، فلا يؤاخذهم على ما يقع منهم من شرك أو غيره من الآثام، بحجة أن الله هو الذي أراد لهم الشرك، كما أراد لهم كل فعل منكر، إذ بيده كل شىء، وإليه يردّ كلّ شىء.. أليس هذا هو قول المؤمنين بالله عن الله.؟ فكيف يراد من المشركين أن يخرجوا من شركهم؟ ألهم إرادة مع الله، أو مشيئة مع مشيئته.. هكذا يقولون!؟ وهذا من المشركين ضلال فى ضلال، إذ لو كانوا مؤمنين بالله- كما قلنا- على تلك الصّفة لكان لهم أن يقولوا فى مشيئته هذا القول.. ولكنهم إذ يجعلون لله شركاء يعبدونهم من دونه، لا يجعلون لمشيئته من يشاركه فيها، بل يجعلونها مطلقة، فلا مشيئة لأحد مع مشيئته.. وهذا تناقض مفضوح.. فإمّا إله متفرد بألوهيته، ومشيئته، وإذن فلا يشاركه أحد فى ألوهيته ومشيئته، وإما إله مع آلهة، يشاركونه المشيئة، كما يشاركونه الألوهية، وإذن

فلا يصحّ لهؤلاء المشركين أن يضيفوا إلى مشيئة الله ما يقع لهم من شر وشرك.. وقد ردّ الله عليهم حجتهم الفاسدة بقوله تعالى: «قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ» أي إن حجتكم التي تحتجون بها لشرككم بالله، وإضافة هذا الشرك إلى مشيئته هى حجة باطلة، لا تقيم لكم عند الله عذرا، ولا تدفع عنكم مغبة هذا الإثم الذي غرقتم فيه، ولا تزال حجّة الله قائمة عليكم، آخذة بنواصيكم إلى المصير المشئوم الذي أعدّ لكم.. «فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ» التي لا تنقض أبدا.. وقد أقام الله عليكم الحجة، بأن جعل لكم سمعا وأبصارا وأفئدة، ثم أرسل إليكم رسله مبشرين ومنذرين.. فلم يغن عنكم سمعكم ولا أبصاركم ولا أفئدتكم، ولم تستقبلوا بتلك الجوارح هذا النور المرسل لكم هدى ورحمة.. فحقّ عليكم العذاب، بما كنتم تكسبون.. وقوله تعالى: «فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ» إشارة إلى أن مشيئة الله عامة شاملة، فلا يقع فى الوجود شىء إلا بمشيئته، حتى شرك هؤلاء المشركين، هو واقع بمشيئة الله، كما يقول هؤلاء المشركون، الذين يقولون هذا القول هزؤا وسخرية، ومكرا وتخابثا. ونعم: لو شاء الله ما أشركوا هم ولا آباؤهم.. ولكن قد طردهم الله من مواقع فضله وإحسانه، وعزلهم عن مجتمع أحبابه وأوليائه، لأنهم ليسوا أهلا لإحسانه، ولا موضعا لكرامته.. والله سبحانه وتعالى يقول: «إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ» (22- 23: الأنفال) . قوله تعالى: «قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا» . هلمّ: اسم فعل أمر، بمعنى هات، أو أحضر.

والخطاب هنا للمشركين، الذين يقولون: «لو شاء ما أشركنا نحن ولا آباؤنا ولا حرّمنا من شىء» .. فهم مطالبون بأن يأتوا بمن يشهد لهم على هذا الزّور الذي يقولونه على الله، ويضيفونه إلى مشيئته.. فهل عندهم من يشهد لهم بأن الله حرّم هذه المطاعم، التي يقولون إنها حرّمت عليهم بمشيئة الله وتقديره؟ إن الله- سبحانه- لم يحرّم شيئا من هذا الذي حرموه هم.. وإذن فهم الذين شاءوا بمشيئتهم أن يكون لهم موقف مع هذه الأشياء، وأن يصدروا حكمهم عليها بالتحريم، فكيف ينكرون- بعد هذا- مشيئتهم العاملة معهم فى الحياة، فتحلّ لهم الخبائث، وتحرم عليهم الطيبات؟ أليس ذلك عن مشيئة وإرادة منهم؟ إنهم لو كانوا- كما يقولون- بلا مشيئة متحركة عاملة، لما كان لهم أن يبدّلوا ويغيروا شيئا وجدوه قائما على ما أوجده الله، ولكانوا كالحيوان الأعجم، الذي يحرى على طبيعته، ويأخذ الأشياء على ما بها.. فهم- والحال كذلك- أصحاب مشيئة، ولكنها مشيئة فاسدة ملتوية، يعترضون بها سنن الله، ويغيّرون بها شريعة الله، ومن ثمّ فهم معتدون آثمون، قد حقّ عليهم أن يؤخذوا باعتدائهم، وأن يعذبوا بآثامهم. وقوله سبحانه: «فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ» تثبيت للنبى الكريم على طريقه المستقيم، الذي أقامه الله عليه، وألا يأخذ بشهادة من يشهدون على هذا الزور، فإن أهل الضلال الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، لا يتحرجون من الكذب والافتراء، ولا يتورّعون أن يدّعوا على الله الكذب والبهتان. وقوله تعالى: «وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ» أي يشركون بربهم، ويجعلون

الآيات: (151 - 153) [سورة الأنعام (6) : الآيات 151 إلى 153]

له أندادا، وأعدالا يساوونه، ويتوازنون معه عندهم. وفى إضافتهم إلى «ربهم» توبيخ لهم، وتسفيه لعقولهم، إذ يسوّون ربهم الذي خلقهم، وسوّاهم، ورزقهم، ببعض مخلوقاته، من حيوان وجماد. وهذا لا يكون إلا ممن سفه نفسه، وزهد فى عقله، واستسلم لهواه، واتبع شيطانه.. الآيات: (151- 153) [سورة الأنعام (6) : الآيات 151 الى 153] قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) التفسير: بعد أن فضح الله سبحانه وتعالى حجة هؤلاء المشركين التي أجازوا بها هذا الضلال الذي هم فيه، من شرك بالله، وتحريم ما حرموا من الطيبات التي أحلّها الله لعباده- أمر الرسول الكريم أن يؤذّن فى الناس-

ومن بينهم هؤلاء المشركين- بما شرع الله لهم من دين، وما حرّم عليهم من محرّمات، وما أحلّ لهم من طيبات، وتلك هى شهادة الرسول عليهم، بعد أن دعوا إلى أن يأتوا بمن يشهد لهم على هذه المفتريات التي افتروها على الله.. وشهادة الرسول، هى مما تلقاه وحيا من ربّه، وليس منها شىء من عنده: «قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ» . وسواء جاء هؤلاء المدعوون للاستماع إلى تلك الشهادة السماوية أم لم يجيئوا، فإن الرسول مأمور بأن يؤذن بشهادته فى الناس، وأن يبلغ ما أنزل إليه من ربه.. فمن كانت له أذنان فليسمع..! «أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» هذا هو رأس المحرمات التي حرّمها الله على عباده: الشرك به، إذ هو كفران بمن خلق ورزق، وعدوان على صاحب الحق فى الولاء والخضوع له، من عباده. وقد اضطرب المفسرون اضطرابا شديدا، واختلفت بهم مذاهب الرأى فى توجيه الآية الكريمة وجها يستقيم على فهم يوفق بين أمور تبدو فى ظاهر النظم متعارضة، إن هى جرت على قواعد اللغة والنحو.. فأولا: الجمع بين التحريم فى قوله سبحانه: «ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ» ثم وقوع هذا التحريم على النهى عن الشرك فى قوله تعالى: «أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» .. وذلك أنه إذا أخذ بظاهر النظم كان معناه: «ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» أي أن الذي حرمه ربكم عليكم هو أن تتركوا الشرك.. وهذا أمر بالشرك ودعوة إليه، وذلك ما ينزه كلام الله عنه.. وثانيا: مما وقع تحت حكم التحريم أمور واجبة شرعا، يرغّب الإسلام فيها، ويدعو إليها، وقد جاءت بصيغة الأمر فى قوله تعالى: «وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً» .

وقوله سبحانه: «وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ» .. وقوله جل شأنه: «وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا» .. «وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا» .. وهذه الأشياء المأمور بها، على سبيل الوجوب، فى آيات كثيرة من كتاب الله- تبدو هنا فى ظاهر النظم كأنها دعوة إلى ترك هذه الواجبات، وإلباسها لباس المحرمات.. وهذا ما لا يستقيم أبدا.. وقد ذهب المفسرون- كما قلنا- مذاهب كثيرة مختلفة، من التأويل المتعسف، ومن افتراض الحذف والإضافة، والتقديم، والتأخير، وغير ذلك، مما يدخل على الآية الكريمة أجساما غريبة فيها، تفسد نظمها، وتحجب وجوه إعجازها.. ولا نعرض هنا لتلك المقولات، فهى مبثوثة فى كتب التفاسير ولا محصل منها لفهم سليم نستريح إليه.. وحسبنا أن ندلى بما عندنا من فهم للآية الكريمة وما فى نظمها الذي جاءت عليه، من إعجاز، لا يتحقق إلا بالنظر إليها، نظرا مباشرا، من غير أن يدخل عليها ما يغير من صورة نظمها، بحذف أو إضافة، أو تقديم أو تأخير.. فنقول- والله أعلم- إن الآية الكريمة والآيتان بعدها تضمنت مجموعة من النواهي والأوامر.. فمن النواهي: «أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» .. «وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ» «وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ» .. «وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ» .. «وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» .. ومن الأوامر: «وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً» .. «وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ» .. «وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا» .. «وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا» .

ثانيا: إذا لاحظنا أنّ الأمر والنهى هما الصميم من الشريعة الإسلامية، وعليهما تدور أحكام الشريعة ووصاياها- إذا لاحظنا ذلك وجدنا أن لهذا الجمع بين النواهي والأوامر التي حملتها تلك الآيات الثلاث، حكمته، إذ كان الرسول الكريم هنا فى مواجهة الناس جميعا، وخاصة المشركين، وهو فى هذا الموقف مطالب بأن يكشف أصول الشريعة التي جاء بها، وما أحلّ الله للناس وما حرّم عليهم.. وقد جاءت الآيات الثلاث بالأصول العامة لأحكام الشريعة كلها، فيما حرّمت وأحلّت. عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيكم يبايعنى على ثلاث..» ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم..» حتى فرغ من الآيات قال: «فمن وفى فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله به فى الدنيا كانت عقوبته (أي كانت العقوبة كفارة له) ومن أخر إلى الآخرة، فأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه» . وعن ابن عباس رضى الله عنهما، أن هذه الآيات محكمات، لم ينسخهن شىء من جميع الكتب، وأنهن أم الكتاب، من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار. ثالثا: إذا لاحظنا أيضا أن الرسول الكريم لم يكن فى هذا الموقف يواجه الناس بأحكام جديدة، يكشف بها عن وجه رسالته، وإنما كانت تلك الأحكام قد تقررت من قبل، فيما جاء به القرآن، وقد كان ذلك معلوما كلّه هؤلاء المخاطبين، من مؤمنين ومشركين. - إذا لاحظنا ذلك وجدنا أنه لم يكن عمل الرسول هنا إلا تلاوة لنصوص أحكام كانت مقررة من قبل، ولهذا فقد أمر الرسول الكريم بأن يدعو الناس إليه، «قُلْ تَعالَوْا» .. ثم يستحضر الدستور

الذي بين يديه من كتاب الله، ويتلو هذه الأحكام المقررة فيه، من أوامر ونواه: «قُلْ تَعالَوْا.. أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ» .. خامسا: وإذ كان المشركون قد شرعوا لأنفسهم شريعة مفتراة، حرّموا بها ما أحلّ الله من طيبات، فقد كانت المواجهة لهم أولا بما حرّم الله من منكرات، وما نهى عنه من خبائث.. وننظر فى الآيات الكريمة فنرى: أولا: قوله تعالى: «قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ» يمثّل الرسول الكريم وقد جاء، وبين يديه، وعلى لسانه، كتاب الله الذي معه، يتلو منه ما حرّم الله على عباده من منكرات.. ثم ها هو ذا رسول الله يتلو عليهم ما حرم الله من منكرات، فيبدأ بقوله تعالى: «أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» . فهذا أول ما يجده الرسول الكريم من منكر نهى الله عنه فى آيات كثيرة أنزلها الله عليه، واستودعها قلبه.. مثل قوله تعالى: «وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً» . وقوله سبحانه: «فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً» . فهذا هو أول ما يتلوه الرسول من كتاب ربه: «أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» .. والرسول فى هذه التلاوة غير ملتفت إلى تلك الدعوة التي دعا فيها الناس إلى أن يستمعوا إليه، وهو يتلو ما حرّم ربهم عليهم.. فتلك دعوة موجهة منه للناس أن يجتمعوا إليه، فإذا اجتمعوا، استقبلهم بما أنزل الله عليه من آياته، من منهيّات.. وإذن فلا اتصال فى النظم من جهة اللغة والنحو بين قوله تعالى: «قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ» وبين قوله سبحانه: «أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» .

فالأول عمل من أعمال الرسول لدعوة الناس إليه، والثاني تلاوة من كتاب الله الذي بين يديه.. ومن هنا نجد أكثر من فاصل يفصل بين المقطعين من الآية: فهناك فاصل زمنىّ- حسىّ ومعنوى- بين الدعوة، وحضور المدعوّين، وبين إسماعهم ما حرّم الله عليهم فى كتابه.. وهناك فاصل اعتباري، حيث أن المقطع الأول هو- فى ظاهره- من كلام الرسول، ومن عمله، على حين أن الثاني من كتاب الله نصّا، يتلوه الرسول من مستودعات الله فى قلبه.. وثانيا: قوله تعالى «وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً» بالعطف على النهى قبله: «أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» هو من لوازم هذا النهى ومن مقتضياته.. فإن النهى فى حقيقته أمر سلبىّ، يقتضى الوقوف من المنهىّ عنه موقفا مجانبا له، أو منسحبا منه.. ومن تمام الحكمة أن يعقب تجنّب المنهىّ عنه، الخروج به من هذا الموقف السلبىّ إلى ما يقابله من عمل إيجابىّ.. فإذا امتثل الإنسان النهى عن الشرك بالله، وانخلع عن عبادة من عبدهم من دون الله، كان عليه أن يؤمن بالله، وأن يتقبل أوامره ويعمل بها.. ومن إعجاز القرآن الكريم هنا أن يجىء الأمر بالإحسان إلى الوالدين عقب النهى عن الشرك بالله، ليملأ هذا الفراغ الذي وجد بإجلاء الشرك عن قلوب المشركين، أو بغروب شخصه من آفاق المؤمنين.. فالأمر بالإحسان إلى الوالدين هنا، هو فى المكان الذي كان من المنتظر أن يحلّ فيه الإيمان بالله، محلّ الشرك، بعد أخلى مكانه، وزال شخصه.. وفى هذا ما فيه من تعظيم حق الوالدين، وجعل برهما والإحسان إليهما، أشبه بالإيمان بالله.. أما الإيمان بالله هنا فهو واقع لا شك فيه بعد أن جلا الشرك، الذي كان هو الحاجز الذي يحول بين المشركين وبين الإيمان بالله.. ثالثا: قوله تعالى: «وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ

وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» هو استكمال لما حرّمه الله من منكرات، مما يتلوا الرسول الكريم على الناس من كتاب ربه.. وفى النهى عن قتل الأولاد خشية الفقر، بعد أمر الأبناء ببرّ الآباء- فى هذا ما يكشف عن تلك المفارقة البعيدة بين ما يكون من الأبناء من برهم بآبائهم، وبين ما يأتيه هؤلاء الآباء من قتل أولئك الأبناء.. وفى هذا ما فيه ضلال وسفه، وخروج على مألوف الطبيعة، فيما بين الكائن الحىّ ومواليده.. من حيوان ونبات!! وفى قوله تعالى: «وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ» قدّم رزق الآباء على الأبناء، لأن الآباء هنا فى فقر واقع بهم، وفى ضيق استولى عليهم، فقتل فيهم مشاعر الإنسانية، حتى طوعت لهم أنفسهم قتل أولادهم، شفقة عليهم، وإراحة لهم من آلام الجوع، وقسوة المسغبة، فجاء قوله تعالى: «نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ» ليشعر الآباء بأن الله متكفل برزقهم ورزق أبنائهم معا، وأن هذا الضيق الذي هم فيه سوف يعقبه فرج، وأن هذا الرزق الضيّق الذي هم فيه فعلا، هو قسمة بينهم وبين أبنائهم، فهم فيه سواء، وأنه ليس للآباء أن يقتلوا أولادهم وهم شركاؤهم فى هذا الرزق المحدود الذي فى أيديهم.. وقد جاء قوله تعالى فى سورة الإسراء: «وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ» بتقديم رزق الأبناء على الآباء، لأن الآباء فى تلك الحال ليسوا فى حال ضيق وفقر، وإنما هم على شعور الخوف من الفقر مستقبلا، فهم يقتلون أولادهم فى تلك الحال لا لفقر وقع، وإنما لخشية الفقر المتوقّع، الذي قد يكون وجود الأبناء سببا فى التعجيل به- فجاء قوله تعالى: «نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ» ليدفع هذا الشعور، وليقيم مكانه شعورا مضادا له، وهو أن

الأبناء لهم رزقهم عند الله، وأن هذا الرزق مقدم على رزق الآباء، وأن قتلهم حينئذ يكون عدوانا عليهم، وحبسا لهذا الرزق لذى سيرزقهم الله إياه.. وفى قوله تعالى: «وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ» نهى عن الفواحش، وهى المنكرات، وعلى رأسها لزنا، إذ كانت الصفة الملازمة له فى القرآن هى الفحش.. وما ظهر من الفواحش هو المعالن به منها، وهو فاحشة إلى فاحشة.. إذ كان الزنا فى أصله فاحشة، وكان الإعلان به فاحشة أخرى، لما فى لمعالنة من إذاعة الفاحشة، والتحريض عليها، والله سبحانه وتعالى يقول: «لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ» فكيف بالجهر بالسوء من الفعل؟ .. وما بطن من الفواحش، هو ما كان فى ستر وخفاء، فهو منكر فى ذاته، ولا يرفع عنه هذا المنكر إتيانه فى خفاء، إذ لا تخفى على الله خافية، وإن خفيت على الناس. رابعا: قوله تعالى: «وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ» . هو نهى عن العدوان على مال اليتيم الذي فى يد الأوصياء عليه، وفى النهى عن قربانه تحذير من الدنوّ منه بقصد السوء والعدوان، وفى قوله تعالى: «إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» استثناء من النهى العام بالاقتراب من مال اليتيم، إلا أن يكون ذلك لإصلاحه، واستثماره، أو الأخذ منه بالحق والإحسان، دون جور أو عدوان.. وفى قوله تعالى: «حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ» هو بيان للغاية التي يمتد إليها النهى عن الاقتراب من مال اليتيم، لأنه إلى تلك الحال يكون فى يد الوصىّ، فإذا بلغ اليتيم أشده صار المال إلى يده، وخرج من يد الوصىّ، فلا سلطان له حينئذ للتسلط عليه كيتيم.. ويكون العدوان على ماله بعد هذا، هو عدوان على الإنسان من حيث هو إنسان لا ولاية لأحد عليه، الأمر الذي نهى الله عنه. خامسا: قوله تعالى: «وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً

إِلَّا وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» . هو أمر بعد النهى عن العدوان على مال اليتيم، وفى هذا الأمر تكتمل صورة النهى، ويتمّ المقصود منه.. فإذا امتنع الوصىّ عن العدوان على مال اليتيم، وكفّ يده عن الأخذ منه بغير حق، كان عليه أن يتبع هذا السلوك فى كل ما بينه وبين الناس من معاملات.. فإذا كان الشيء مكيلا أو موزونا، أوفى الكيل والميزان فيما يكيل أو يزن «بالقسط» أي بالعدل.. فإذا نقص المكيل أو الموزون شيئا ما، من غير قصد، فذلك مما عفى الله عنه، ورفع الحرج عن صاحبه.. «لا نكلف نفسا إلا وسعها» إذ ليس مما تتسع له النفس ويقدر عليه الإنسان أن يضبط الكيل والميزان ضبطا مطلقا، بل المطلوب هو تحرّى الحق، وعدم القصد إلى خيانة أو خسران فى الكيل والميزان.. وهذا الأمر وإن كان فى مواجهة الأوصياء، هو أمر عام لكل من يؤمن بالله، وإن كان الأوصياء أولى الناس بالاستجابة له، بعد تلك التجربة التي كانوا فيها مع اليتيم ومال اليتيم. ومما هو من قبيل الأمانة، وتجنب الخيانة، الحكم بالعدل بين الناس، وقول كلمة الحق فى أداء الشهادة، وكذلك الوفاء بالعهود والمواثيق التي بين الإنسان وخالقه، أو بينه وبين العباد.. سادسا- قوله تعالى: «وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ» هو تعقيب على تلك النواهي والأوامر التي أمر الله سبحانه النبىّ الكريم أن يتلوها على الناس. فهذه المأمورات وتلك المنهيّات هى شريعة لله، وهى الصراط المستقيم الذي دعا لله عباده إلى الاستقامة عليه، فمن اجتنب المنهيات، وأنى المأمورات، فهو على صراط الله، وعلى شريعة الله، ومن

الآيات: (154 - 157) [سورة الأنعام (6) : الآيات 154 إلى 157]

انحرف عن هذا الصراط، فقد ضلّ وغوى، وكان من الهالكين.. وفى قوله تعالى: «فَاتَّبِعُوهُ» أمر بإتيان الأوامر.. وفى قوله تعالى: «وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ» نهى عن إتيان المنهيات.. وفى التعبير عن سبيل الله «بالصراط» والتعبير عن الطرق الخارجة عنه بالسبل- إشارة إلى أن طريق الله «صراط» أي طريق معدّ ومهيأ للسالكين، تقوم عليه منارات هدى، وإشارات هداية.. أما هذه السبل التي لا نستقيم على هذا الصراط، فهى طرق لا معلم فيها، ولا شارة عليها، يركبها الراكب فيتخبط، ويتعثر، ويضلّ.. ولهذا جاء التعبير عن صراط الله بلفظ المفرد، لأنه واحد لا غير، إذ الحقّ حقّ.. وجهه واحد، وطريقه واحدة، وأما الباطل، فهو أباطيل.. متعدد الوجوه، مختلف السبل.. عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: «خطّ رسول الله خطا بيده ثم قال: «هذا سبيل الله تعالى مستقيما، ثم خط خطوطا عن يمين ذلك الخط وعن شماله، ثم قال: «وهذه السبل ليس فيها سبيل إلا وعليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: «وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله» . الآيات: (154- 157) [سورة الأنعام (6) : الآيات 154 الى 157] ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (157)

التفسير: فى العطف بثمّ هنا على الآيات السابقة ما يشير إلى أن هذا الخبر الذي تضمنته، متأخر زمنا عن الأحكام الواردة فى تلك الآيات.. وهذا يخالف الظاهر.. فإن ما نزل على النبىّ من آيات تلاها على الناس، هو متأخر زمنا عن الكتاب الذي نزل على موسى، وهو التوراة.. فما تأويل هذا؟ والجواب: أن هذا الذي يتلوه الرسول الكريم من كلمات ربه هو متقدم حكما على كتاب موسى، وإن جاء متأخرا زمنا.. ذلك أن القرآن الكريم هو أصل الكتب السماوية، وأنه جمع ما تفرق منها. وقد أشرنا إلى ذلك عند تفسير قوله تعالى: «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ» (48: المائدة) . فإن ما أنزل الله على موسى، هو مما شرع الله من قبل للأمم السابقة، فيما جاء على لسان نوح وإبراهيم، وغيرهما من الأنبياء.. إذ أن شرع الله واحد، وهذا الذي تلاه النبىّ من كتاب الله هو أصل كل شريعة، وقوام كل دعوة سماوية، سبقت شريعة موسى، أو جاءت بعدها. وقوله تعالى: «تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ» هو وصف للحال الذي نزل عليها الكتاب الذي جاء به موسى، وهو أنه جاء تاما على أحسن ما يكون عليه التمام، كما جاء مفصلا لكل شىء.. ففى التوراة بيان مفصل لكل جزئية جاءت بها الشريعة الموسوية، فيما يتصل بالعقيدة، أو بالأمور

الدنيوية، حيث لم تدع مجالا لتأويل أو تفسير، ولا مكانا لعقل ينظر ويجتهد.. وذلك: أولا: ليسدّ على بنى إسرائيل الطريق إلى التأويلات الفاسدة، وإلقاء أهوائهم كلها على كلمات الله، إذا جاءتهم مجملة، تحمل أكثر من محمل.. وذلك لما عرف عنهم من المكر بايات الله والاستخفاف بحرماته.. وثانيا: ليلغى عقول هؤلاء القوم، وليمسك بهم فى دور الطفولة، جزاء لما استولى عليهم من طبائع خبيثة، لا تؤمن إلا بما يقع لأيديهم من محسوسات، فكانت التوراة بهذا التفصيل الذي جاءت به، أشبه بالمحسوسات فى وضوحها، وتحديد دلالاتها.. ومع هذا فقد خرجوا على حدودها، بما أدخلوا عليها من حذف وإضافة ومن تبديل وتحريف. وقوله تعالى: «لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ» هو تعليل لهذا التفصيل الذي جاءت عليه التوراة، الأمر الذي لا يدع لهم سبيلا إلى التأويل والتخريج، والذي من شأنه أن يكشف لهم الطريق إلى الله، وإلى الإيمان به، وبالدار الآخرة، التي هم فى ذهول عنها، لما يشغلهم من أمور الدنيا، ويحبس عقولهم وقلوبهم عليها.. هذا، وفى خطاب اليهود بضمير الغائب، دون أن يجرى لهم ذكر يعود إليه هذا الضمير- استخفاف بهم، وإهمال لشأنهم، إذ كانوا فى هذا الشرود وذلك الذهول عن الله، وعن كلماته المفصّلة التي بين أيديهم.. قوله تعالى: «وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» هو دعوة للمسلمين، إلى الله، وإلفات لهم إلى هذا الكتاب الذي جاءهم به رسول الله

من ربّه، يحمل البركة والخير والرحمة، لمن اتّصل به، وأخذ عنه.. وقوله سبحانه: «أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ» .. بيان للحكمة من إنزال هذا الكتاب على الأمة العربية، بلسانها العربي، وعلى يد رسول عربى، دون إحالة لهم على ما عند غيرهم من أهل الكتاب.. وفى هذا فضل عظيم من الله على هؤلاء القوم، الذين خصهم الله برحمته، ومسهم بفضله، فجعلهم أهلا لخطابه، وموضعا لمغارس السماء فيهم.. فلا حجّة لهم بعد هذا، ولا مكان لقول يقولونه إذا هم حوسبوا على هذا الشرك وذلك الضلال الذي هم فيه، حيث يقولون: إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا، ولم ندرس ما عندهم، ولم نتلق عنهم، لأننا أمة لنا كيان واعتبار، وتأبى علينا أنفسنا أن نجىء إليهم متطفلين على ما فى أيديهم.. فها هو ذا الكتاب الذي كانوا يتطلعون إليه، قد جاءهم.. فما حجتهم إذا لم يتبعوه ويؤمنوا به؟. والطائفتان اللتان سبقتا الأمة العربية بالكتب المنزلة، هما: اليهود والنصارى.. وقد خصّا بالذكر لأنهما كانا من المساكنين للأمة العربية، والمتصلين بها، زمانا ومكانا. وقوله تعالى: «أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ» هو من المقولات التي كان يمكن أن يقولها مشركو العرب، لو لم ينزل عليهم القرآن الكريم.. وها هو ذا الكتاب المبارك قد نزل عليهم.. فماذا هم فاعلون به؟ وما حجتهم على الله إذا زهدوا فيه، أو وقفوا منه موقف العداوة، ونصبوا له الحرب، كما هم يفعلون الآن والنبي معهم؟. وقوله تعالى: «فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها» هو وعيد لهؤلاء المشركين الذين استقبلوا آيات الله بالتكذيب بها، وبالصدّ عنها، فإنهم

الآيات: (158 - 160) [سورة الأنعام (6) : الآيات 158 إلى 160]

قد ظلموا أنفسهم، وحرموها هذا الخير المرسل إليهم، وحجبوها عن تلك الرحمة المهداة لهم.. وقوله سبحانه: «سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ» هو حكم بالعقوبة الرادعة، والجزاء الأليم، لأولئك الذين كذّبوا بآيات الله وصدّوا عنها.. والصّدوف عن الشيء: التولي عنه، والمجانية له. الآيات: (158- 160) [سورة الأنعام (6) : الآيات 158 الى 160] هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158) إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (159) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (160) التفسير: بعد أن أعذر الله للمشركين من قريش ومن حولهم، بما بعث فيهم من رسول منهم، وبما أنزل إليهم من كتاب كانوا يتمنونه من قبل ليكونوا أهل كتاب كاليهود والنصارى، وبعد أن كان منهم هذا الذي استقبلوا به الكتاب والنبىّ الذي حمل إليهم الكتاب، من مشاقّة وعناد، وتكذيب- بعد هذا كله لم يكن لهم أن ينتظروا إلا أن يصيروا إلى هذا المصير الذي يقودهم إليه كفرهم وضلالهم، إذ لا هدى لهم بعد هذا الهدى، ولا كتاب بعد هذا الكتاب.. ولهذا جاء قوله تعالى: «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ

أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ» لينكر عليهم هذا العناد الذي هم فيه، وليدخل اليأس عليهم من أن ينتظروا جديدا، يطلع فى أفقهم بدعوة تدعوهم إلى الله، إذ ليس هناك دعوة أبلغ ولا أبين من هذه الدعوة التي بين أيديهم.. وأنهم إن كانوا ينتظرون أن تأتيهم الملائكة، أو يأتيهم الله، أو تأتيهم بعض آيات الله.. فلينتظروا.. أما الملائكة فلن يأتوا أبدا.. والله سبحانه وتعالى يقول: «قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا» (95: الإسراء) . وأما الله سبحانه وتعالى، فهو معهم أينما كانوا، ولكنهم لن يروه عيانا، لأنه سبحانه منزّه عن أن يحدّ، ولو رؤى لكان محدودا.. وأما بعض آيات الله، وهى نذر الهلاك المرسل إليهم، أو علامات الساعة التي تكون بين يديها- فإنها إذا جاءت لم تكن من تلك المعجزات التي تكشف للناس طريق الإيمان إلى الله، وإنما هى آيات تطلع عليهم بالمهلكات، حيث لا فائدة للإيمان بعدها، ولا أثر له فى حياة صاحبها، لأنها تأتى لتنهى حياة الناس، لا لتجدّد لهم حياة طيبة فى الحياة.... وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ» فالإيمان عند استقبال الموت لا ينفع صاحبه، فهو كإيمان فرعون حين أدركه الغرق. وقوله تعالى: «أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً» .. الضمير فى إيمانها يعود إلى النفس التي آمنت عن مجىء نذر الله، ثم تراخى الموت قليلا عنها حتى ملكت أمرها، واستطاعت أن تتصرف فى الحياة- وهى مؤمنة- تصرفا

يجرى مع الإيمان فى طريق الخير والإحسان.. وهذا من رحمة الله بالناس وفضله عليهم، إذ لم يحرمهم ثمرة الإيمان الذي دخلوا فيه، وهم بين إرهاصات الموت ونذره.. وقوله تعالى: «قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ» هو وعيد للمشركين، وإبعاد لهم من الإيمان الذي دعوا إليه فصدّوا عنه، وتركهم وما هم فيه من ضلال، ينتظرون ما ينجلى عنه كفرهم وعنادهم، وما ينجلى عنه موقف النبي وأصحابه.. معهم! قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ» هو إشارة إلى اليهود والنصارى، وما انتهى إليه أمرهم من تفرق واختلاف فى دينهم الذي بين أيديهم، وقد تفرقوا شيعا وأحزابا.. كلها على غير طريق الحق، لأن الحق طريق واحد، ومن استقام عليه قليل من كثير، وفرقة واحدة من جميع هذه الفرق.. وقد نبّه الله سبحانه وتعالى النبىّ إلى هذا الخلاف الذي بين اليهود واليهود، وبين النصارى والنصارى، ثم بين اليهود والنصارى، وأنه ليس للنبى أن يدخل معهم فى جدال، «إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ» أي يفصل بينهم فيما اختلفوا فيه، ويجزى كلّا بما كسب، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى بعد هذا: «مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» - هكذا رحمة الله، وكذلك عدله.. يجزى الحسنة بعشر أمثالها.. فضلا وكرما، ويجزى السيئة بمثلها.. عدلا وصدقا..

الآيات: (161 - 164) [سورة الأنعام (6) : الآيات 161 إلى 164]

الآيات: (161- 164) [سورة الأنعام (6) : الآيات 161 الى 164] قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) التفسير: بهذه الآيات، والآية التي بعدها تختم هذه السورة، التي كانت كلها دعوة إلى الله، ومعارض مختلفة للكشف عن قدرته، وعلمه، وحكمته.. فهى- وإن اختلفت مواقف الدعوة فيها إلى الله- تمثل جميعا موقفا واحدا، ينتهى النظر بعد ترداده فيها، وتطوافه حولها إلى التسليم بأن لهذا الوجود ربا، وأن لهذه الموجودات خالقا مبدعا، قائما على كل كبير وصغير منها.. هكذا ينتهى النظر فى هذه المعارض الكثيرة المختلفة التي عرضتها السورة هذا العرض المعجز المبين- ينتهى النظر وقد امتلأت قلوب المؤمنين إيمانا بالله، وخشية لجلاله وولاء لعظمته وقدرته.. أما المشركون، والكافرون، ومن فى قلوبهم مرض، فلا على المؤمنين من أمرهم شىء.. فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.. والرسول الكريم هو إمام المؤمنين، وقدوة المهتدين، ولهذا فقد كان من فضل الله عليه، ورعايته له أن لقيه- سبحانه- بعد هذه المواقف المتزاحمة

بينه وبين المشركين- لقيه ربه بهذا الهدى السماوي، ليثبت به فؤاده، ويشرح به صدره.. «قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» .. فعلى هذا الصراط المستقيم أقام الله نبيه الكريم من أول خطوه فى الحياة. وقوله تعالى: «دِيناً قِيَماً» هو بدل من «صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» على اعتبار أنه منصوب محلّا.. أي هدانى ربى صراطا مستقيما: «دِيناً قِيَماً.. مِلَّةَ إِبْراهِيمَ» وقوله تعالى: «مِلَّةَ إِبْراهِيمَ» بدل من قوله: تعالى «دِيناً قِيَماً» و «حَنِيفاً» حال من إبراهيم، «وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» حال أخرى ... وقوله تعالى: «قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ» هو بيان لهذا الصراط المستقيم الذي هو الدين القيم، والذي هو ملة إبراهيم، والذي من شأن من يستقيم على هذا الصراط، ويتبع هذا الدّين أن يكون ولاؤه كله لله، وعمله كله لله.. فلا يصلى إلّا له، ولا يتقرب بالطاعات والقربات إلا إليه وحده، وأن تكون حياته كلها لله، مسلما له وجهه، مفوضا إليه أمره، حتى إذا مات كان إلى الله مصيره، وبين يديه موقفه وحسابه.. تلك هى عقيدة من أقامه الله على صراطه المستقيم، وذلك هو ولاؤه لله رب العالمين.. وهكذا كان النبىّ، وهكذا ينبغى أن يقتدى به كل مؤمن بالله وبرسوله.. وقوله تعالى: «وَبِذلِكَ أُمِرْتُ» إشارة إلى أن هذا الذي عليه النبي، من إيمان بالله، وولاء له، ليس من عند ذاته، وإنما هو مما أمره الله به، وأمره أن يبلغ الناس إياه..

وقوله تعالى: «وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ» أي أول من استجاب لدعوة الله التي دعى إليها، وأمر أن يؤذّن بالناس فيها.. فالنبىّ هو صاحب الدعوة الإسلامية، فكان أول من لبس ثوبها، وتوّج بتاجها.. والسؤال هنا: هل كان النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- أول المسلمين عامة، أي أول الإنسانية كلها إسلاما.. أم هو أول المسلمين من أمة محمد وحدها؟. والجواب على هذا- والله أعلم- أنّه- صلى الله عليه وسلم- أول المسلمين فى أمته، إذ أن «الإسلام» هو سمة الرسالة المحمدية وحدها، من بين الرسالات السماوية كلها، وأن «الإسلام» وإن كان هو دين الله، الذي جاءت به رسالاته كلها، إلا أنه لم يأخذ هذا الوصف إلا فى رسالة محمد، التي كانت مجتمع الرسالات، وخاتمتها، وأن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قد دعوا الله بأن يجعل منهما أمة مسلمة، هى أمة محمد عليه الصلاة والسلام.. وفى هذا يقول الله على لسانيهما: «رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ» .. (128: البقرة) : ويقول سبحانه «مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ» (78: الحج) وقوله تعالى: «قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ» أمر من الله- سبحانه- للنبىّ أن ينكر على المشركين ما هم فيه من ضلال وشرك بالله، وأنهم إذا ابتغوا غير الله ربّا، فلن يبتغى هو غير الله ربّا، فالله هو ربّ كل شىء، واتخاذ غيره إلها، هو شرود عن الحق الذي استقام عليه الوجود كله..

الآية: (165) [سورة الأنعام (6) : آية 165]

وقوله سبحانه: «وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى» هو تقرير لهذه الحقيقة التي استقام عليها النبىّ ومن تبعه من المؤمنين، إذ أن كل إنسان محاسب على ما عمل، ومجزيّ به، وما تكسبه كل نفس فهو محسوب عليها: «وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى» أي لا تحمل نفس ذنب نفس أخرى. إذ كل نفس بما كسبت رهينة. والوزر: الحمل الثقيل، ومنه قوله تعالى: «وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ» . وقوله تعالى: «ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ» هو تذكير للناس جميعا بربهم الذي أنشأهم، وربّاهم، وأنهم سيعرضون عليه بأعمالهم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. الآية: (165) [سورة الأنعام (6) : آية 165] وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165) التفسير: بهذه الآية الكريمة تختم سورة الأنعام.. وهى سورة كلها نعم وأفضال، تحدّث كلماتها وآياتها بما لا يحصى من آلاء الله ونعمه المبثوثة فى الوجود، والتي من شأنها أن تطلع ذوى الأبصار والبصائر على ما فى ملكوت الله من آيات القدرة، وروائع الحكمة، فيخبتوا لله ويخشعوا.. وقوله تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ» بيان لنعمة من نعم الله الكبرى على بنى آدم خاصة، إذ جعلهم «خلائف الأرض» وفى هذا ما فيه من تكريم لهم، وإحسان إليهم..

وفى قوله تعالى: «خَلائِفَ» إشارة إلى مكانة الإنسان، وسموّ قدره، وأنه ليس مكرّما فى جنسه وحسب، بل هو مكرّم فى كل فرد من أفراده.. فكل إنسان هو خليفة الله فى هذه الأرض، وأنه- وإن كان عضوا فى المجتمع الإنسانى- فليس ذلك بالذي يذهب بشىء من مقومات شخصيته، أو يجور على هذا الوضع الكريم الذي وضعه الله فيه.. فهو خليفة الله، أيّا كان مكانه فى المجتمع.. غنيا أو فقيرا، عالما أو جاهلا، قويا أو ضعيفا.. إنه خليفة الله فى الأرض، ومن واجبه أن يعمل بمقتضى هذه الخلافة، ويجمع إلى يديه أسبابها ومقوّماتها.. هذا هو الإنسان كما تنظر إليه شريعة الإسلام.. إنسان كريم على الله، خلع عليه خلع الخلافة، وتوجه بتاجها، وجعل درة هذا التاج هو عقله الذي يستطيع به أن يبلغ من السموّ ما يشاء. وإنه لمن ظلم الإنسان لنفسه، ومن استصغاره لوجوده، أن يسفّ وينحدر عن هذا المستوي الكريم الذي رفعه الله إليه، فيتحول إلى كائن حيوانىّ ذليل، يقاد فينقاد، ويستذل فيذلّ، حتى لينعزل عن العالم الإنسانى، ويصبح على غير الخلق السوىّ الذي خلقه الله عليه.. «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ..» وفى قوله تعالى: «وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ» إشارة إلى أن هذا المستوي الكريم الذي وضع الله سبحانه الإنسان فيه- ليس على درجة واحدة، وإنما هو درجات، بعضها فوق بعض، وإن كان أدنى هذه الدرجات لا ينزل بالإنسان عن درجة الخلافة التي أعده الله لها. فإن نزل الإنسان عن هذه الدرجة فقد نزل عن إنسانيته، وتحلّى عن مكانه بين الناس.. أما هذا التفاوت الذي بين الناس فهو فى مراتب الفضل، ابتداء من

درجة الخلافة، إلى جميع الكمالات التي تمكّن من أسبابها وتؤكد من سلطانها. وفى هذا التفاوت الذي بين الناس، وفى درجات التفاضل المقسومة بينهم، يتحرك الناس، فيلحق المتأخر بالمتقدم، ويسعى المتقدم ليلحق بمن تقدم عليه وفضله، أو ينزل عن مكانه الذي هو فيه ليأخذه غيره.. وهكذا يتحرك الناس فى الحياة صعودا وهبوطا، ويتبادلون المواقف، ويتنازعون منازل الفضل، وبهذا تظل ريح الحياة فى حركة دائمة مجدّدة. يتنفس فيها الناس أنفاس الأمل، والقوة، والحياة.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ» أي ليمتحنكم فيما أودع فى كل منكم من قوى، هى رصيد كل منكم فى سوق الحياة، وفى هذه السوق يكون العمل، فيربح من يربح، ويخسر من يخسر.. وفى قوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ» إشارة إلى أن كل عمل يحمل جزاءه معه، جزاء معجّلا، يجده الإنسان فى الدنيا، قبل أن يلقى الجزاء عليه فى الآخرة. فالأعمال الطيبة تفوح منها ريح طيبة على صاحبها، فيجد فيها رضى النفس، وراحة الضمير، وحسن الأحدوثة، وسلامة العاقبة.. والأعمال الخبيثة تهب منها على صاحبها ريح خبيثة تزكم أنفه، وتخنق صدره، وتفسد حياته، وتضلّ سعيه.. هذا هو الجزاء السريع العاجل فى الدنيا لكل عمل.. «إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ» . أما فى الآخرة، فهناك الحساب والجزاء، لأعمال الإنسان جميعها، حيث تسوّى أعماله خيرها وشرها، ويوفىّ الجزاء العادل عليها. وهذا الجزاء المعجل والمؤجّل معا، تحفّه مغفرة الله، وتمسه رحمته، ولولا

ذلك لهلك الناس جميعا، ولما نجا منهم أحد.. «وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ، وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ» : (61: النحل) وكون الله بصيرا بعباده، يقتضى أنه عالم بما فيهم من ضعف إنسانىّ، إن لم تمسسهم رحمة الله، وتحفّ بهم مغفرته لم يكن للناس جميعا سبيل إلى الخلاص والنجاة، وهذا ما يكشف عنه سرّ الجمع بين ما عند الله من عقاب سريع، وما عنده من مغفرة ورحمة: «إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ» .

7 - سورة الأعراف

7- سورة الأعراف نزولها: نزلت بمكة إجماعا.. عدد آياتها: مائتان وست آيات. عدد كلماتها: ثلاثة آلاف وثلاث مئة وخمس وعشرون كلمة. عدد حروفها: أربعة عشر ألف حرف وثلاثمائة وعشرة أحرف.. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الآيتان (1- 2) [سورة الأعراف (7) : الآيات 1 الى 2] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ المص (1) كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) التفسير: «المص» .. ذكرنا فى أول سورة البقرة الأقوال التي قيلت فى تأويل الحروف التي بدئت بها بعض سورة القرآن الكريم.. وقلنا رأينا الذي ارتضيناه فيها، وأنها من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، والراسخون فى العلم، الذين آتاهم الله من فضله علما وحكمة. «كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ» .. قوله تعالى: «كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ» خبر لمحذوف دل عليه النظم، وتقديره: هذا الكتاب.. أي هذا الكتاب.. كتاب أنزل إليك. ويجوز أن يكون كتاب مبتدأ، وخبره قوله تعالى: «أُنْزِلَ إِلَيْكَ» .. وفى تنكير الكتاب مبالغة فى التعريف به، وبأنه بذاته مستغن عن كل تعريف، وهذا هو الرأى الذي نميل إليه. وفى إسناد الفعل للمفعول «أنزل إليك» بدلا من أنزلناه، أو أنزله الله

إليك- فى هذا توافق بين المبتدأ والخبر، من حيث التنكير والتجهيل، اللذان هما- فى تنكيرهما وتجهيلهما- أعرف وأظهر من كل معروف ومن كل ظاهر.. «كتاب أنزل إليك» أيها النبىّ، فلا تتلّبث فى شأنه، ولا تقف لتقول: ما هذا الكتاب؟ ومن أين جاء؟ .. هو كتاب أنزل إليك وكفى! إنه واضح الدلالة، بيّن القصد.. فى كل كلمة من كلماته، وفى كل آية من آياته، شاهد يشهد له، ويشير إلى متنزّله.. «فلا يكن فى صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين» أي إذا كان هذا الكتاب الذي أنزل إليك على ما ترى من هذا السلطان الذي له، ومن هذا الإعجاز الذي بين يديه، فلا يكن فى صدرك ضيق، أو خشية من لقاء المشركين به، ودعوتهم إليه، وكشف ما يكشف من ضلالاتهم، وسفاهاتهم، ولو ساءهم ذلك فى أنفسهم وفى آلهتهم.. فإنه الحقّ الذي تصدم به الباطل، وإنه النور الذي تجلى به غياهب الشرك والضلال.. فيا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك.. ولا يكن فى صدرك حرج مما يسوء قومك من هذا الحق الذي تكشفه لهم.. لتنذر به المشركين منهم، وتذكّر به المؤمنين الذين اتبعوك.. ولقد كان النبىّ الكريم- صلوات الله وسلامه عليه- كريما مع قومه، محبا لهم، حريصا على أن يلقاهم- كما اعتادوا منه- بالمودة والإحسان.. فلما أكرمه الله بالرسالة، ليحرر قومه من ضلالاتهم، ويجلو العمى عن أبصارهم، بدأ يتلمس طريقه إليهم فى رفق وحذر، حرصا على ألا تنقطع بينه وبينهم وشائج القربى، وصلات المودة.. ولكن سفهاء قومه لم يستقبلوه بالحسنى، بل علا صراخهم فى وجهه، وتطاولت ألسنتهم بقول السوء فيه، ثم سعوا إليه بالأذى المادي، حتى لقد همّوا بقتله.. وهو- مع هذا- حريص على أن يمسك قومه على هذا الخير الذي بين يديه، وأن يفيض عليهم منه، ثم هو من جهة مطالب

بأن يجهر بدعوته، وأن يملأ بها أسماع الدنيا، ولو تقطعت بينه وبين أهله الأسباب. ومن أجل هذا كان صلوات الله وسلامه عليه واقعا فى هذا الحرج، أول الأمر من دعوته، يريد أن يجعل من الزمن جزءا من العلاج، لحلّ هذه العقد التي بينه وبين قومه.. ولهذا كانت آيات الله تتنزل عليه كلما ألمت به حال من تلك الأحوال، التي تدعوه إلى أن يتلبث ويستأنى: فتجىء تلك الآيات لتقطع عليه هذا الشعور الذي يطرقه، ولتدفع به إلى ملاقاة المشركين لقاء مواجها متحديا: «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ» (94: الحجر) ... «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ» (67: المائدة) . وقد صدع النبىّ بأمر ربه، وواجه قومه مواجهة صريحة بكل ما أوحى إليه من ربه، غير ملتفت إلى ما يصيبه من ضر وأذى، وغير عابىء بما ينكشف عنه الحال بينه وبين أهله، ولو كانت الحرب وكان القتال، والقتل.. وقد كانت الحرب، وكان القتال والقتل! ومع هذا فقد ظلّ النبىّ الكريم- فيما يتصل بخاصة نفسه- على ما عوّد قومه، وما اعتاد الناس منه.. لا يمس شعور أحد من أصحابه، ولا يجرح حياء أحد من معاشريه ومخالطيه، إلا أن يجار على حق من حقوق الله، أو تنتهك حرمة من حرماته، فإن حق الله فوق كل شىء، وحرمته فوق كل حرمة.. كان بيت الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- مجمع صحابته وملتقى المسلمين من كل أفق.. يجلسون إليه فيطيلون الجلوس، فى ظل هذا النور الهادي، وفى محضر هذا الخير العميم، ويطرقون بيته فى أيّة ساعة من ساعات

الليل أو النهار.. يستخبرون ويخبرون، ويقولون ويقال لهم، غير مقدّرين حاجة الرسول- كإنسان- إلى أن يسكن إلى بيت، أو يفىء إلى راحة.. وكان من هذا أن تولىّ الله سبحانه وتعالى التخفيف عن النبىّ من هذا الحمل الذي ينوء به، ولا يجد من نفسه القدرة على أن يواجه أحدا بكلمة تردّه عن بيته، أو تنزعه من مجلسه.. وفى هذا يقول الله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ» (53: الأحزاب) . ويقول سبحانه فيما أدب به المؤمنين فى حديثهم مع الرسول: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ» .. لقد قالتها السماء، ولم يقلها الرسول الكريم.. هكذا كان الرسول مع الناس- فى خاصة نفسه- يحتمل الجهل والسفه من الجاهلين والسفهاء.. وعلى هذا يفهم الحديث الشريف: «إنا لنهشّ فى وجوه قوم وقلوبنا تلعنهم» ففى هذا الأدب النبوي دعوة إلى مداراة الناس، وعدم مجابهتهم بما نكره منهم، فإن فى هذا تأليفا بين القلوب وتواصلا بين الناس، ولو أننا لقينا الناس أو لقينا الناس بما نكره منهم وما يكرهون منّا لما التقى إنسان بإنسان إلا على عداوة وبغضاء، ثم مشاحنة وخصام.. وفرق بين هذا الموقف وموقف الملق والريا، الذي يتخذ منه صاحبه وسيلة للخداع والتمويه، بتزييف الحقائق، وطمس معالم الأمور.. أما هذا الموقف فلا يعدو أن يكون صورة كريمة من صور دفع السيئة بالحسنة، مع ما يصحب ذلك من كظم الغيظ، ودفن الألم.. وأما اللعنة التي يشير إليها الرسول الكريم فى قوله: «وقلوبنا تلعنهم» فهى كناية عن هذا الغيظ المكظوم،

الآيات: (3 - 9) [سورة الأعراف (7) : الآيات 3 إلى 9]

أو هذا الألم الدفين، الذي يحبسه لإنسان فى نفسه، ويحملها عليه من غير أن يظهر شىء من ذلك على وجهه أو لسانه.. كما يقول سبحانه: «وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ» . الآيات: (3- 9) [سورة الأعراف (7) : الآيات 3 الى 9] اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ (3) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ (4) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاَّ أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (5) فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ (7) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ (9) التفسير: بعد أن بيّن الله سبحانه وتعالى لنبيّه الكريم الموقف الذي ينبغى عليه أن يقفه من الناس فى تبليغ دعوته، وأنه موقف لا حساب فيه لمشاعر القربى، ولا مدخل فيه لما يسوء المكابرين والمعاندين منه- بعد هذا جاء أمر الله سبحانه إلى الناس أن يتبعوا هذا الذي أنزل إليهم من ربّهم، والذي يعرضه الرسول عليهم، ويبلغهم إياه: «اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ» فما يبلّغه الرسول إليهم ليس من عند هذا الرسول، وإنما هو من كلام رب العالمين.. فها هو ذا لرسول يدعوهم إلى الله بكلمات الله، وها هو ذا الشيطان يدعوهم إلى الغواية والضلال، بالزور من القول، والزّيف من الأمانى.. «اتَّبِعُوا

ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ» .. فهما دعوتان.. دعوة إلى حق وهدى، ودعوة إلى باطل وضلال.. وقليل من الناس أولئك الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وكثير أولئك الذين لا يسمعون، ولا يعقلون.. «قليلا ما تذكرون» إذ استولى الفساد على الناس، وصرفهم عن الحق، إلا قليلا ممن هدى الله. وهذه الثلاث وتلك النذر قائمة بين الناس، تريهم منها ما حلّ بالظالمين من بلاء، وما وقع بهم من سوء.. «وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ..» فما أكثر الأقوام الذين أخذهم الله بظلمهم، وما أكثر القرى العامرة التي دمّرها الله ودمدم على أهلها، فأصبحوا ترابا فى ترابها!. والبأس، هو البلاء المسلط من قوة قادرة لا تدفع. وفى هذه الآية ما يسأل عنه، وهو: كيف قدّم الإهلاك على مجىء البأس: «أهلكناها فجاءها بأسنا» مع أن البأس هو عامل الإهلاك وأداته؟. والجواب، أن الإهلاك حكم واقع مقرر قبل مجىء البأس، وأن هذه القرى الظالمة كانت تحت حكم لإهلاك قبل أن تهلك بزمن طويل، لما كان عليه أهلها من ضلال، وعناد، وإفساد فى الأرض وأن الله سبحانه وتعالى أمهلهم، وبعث فيهم الرسل، مبشرين ومنذين، فلم يلتفتوا إلى هدى الله، ولم يقبلوا على دعوته، بل صدّوا عنه، وازدادوا كفرا إلى كفر وضلالا إلى ضلال.. حتى إذا بلغ الكتاب أجله، جاءهم بأس الله، فأخذهم العذاب وهم ظالمون.. وفى قوله تعالى: «فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ» إشارة إلى أن هذا البلاء قد وقع على تلك القرى الظالمة حين كانت فى غفلة من أمرها، لا تتوقع

شرّا، حيث لفّها الليل فى سكونه، واشتمل عليها النعاس بسلطانه، أو حيث هجعت فى قيلولة، وفاءت إلى ظلّ ظليل.. فالضربة هنا ضربة مفاجئة لا تدع لأحد سبيلا إلى استجماع نفسه، أو لمّ شمله، أو إلقاء نظرة إلى ماله وأهله وولده.. «وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ» . وقوله تعالى: «فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ» إشارة إلى أن الكلمة التي استقبل بها القوم هذا البلاء، لم تكن إلا إدانة لأنفسهم، وحجة يقيمها بعضهم على بعض، بأن ما حلّ بهم لم يكن إلا بما ساقهم إليه سفهاؤهم من كفر بالله، وصدّ عن سبيله.. والدعوى هنا بمعنى الدّعاء، الذي يدعو به بعضهم بعضا.. فيقول كل منهم: هذه فعلة فلان وفلان بنا!! وإذا كانت دعوى أهل السلامة والعافية فى الجنة هى الحمد لله رب العالمين، كما يقول الله تعالى: «وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» - فإن دعوى أهل العطب والضياع.. «يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ» .. ولكن هيهات.. فلن يقبل منهم عذر، ولا يسمع لهم قول: «فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ» . قوله تعالى: «فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ» .. فها هو ذا يوم القيامة، وها هم أولاء الناس جميعا فى موقف الحساب والجزاء.. يسألون: ماذا كان منهم فى دنياهم التي خلفوها وراءهم؟ وماذا كان موقفم من رسل الله؟ .. وهاهم أولاء رسل الله يسألون: «ماذا أجبتم؟» وماذا لقيتم من أقوامكم؟ ومن الذي آمن بكم وآزركم ومن صدّ عنكم وتصدّى لكم؟ .. وتخشع الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا، وتنشر صحف العباد، ويرى كل إنسان ما عمل من خير أو شرّ، «فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنَّا غائِبِينَ» فما سئل الناس، وما استشهد الرسل

عليهم ليقولوا شيئا غاب عن الله سبحانه وتعالى أمره، ولكن ليستحضرواهم وجودهم كله، حتى يشهدوا هذا الذي كان كثير منهم فى شك منه، من قدرة الله، وسعة علمه الذي لا تخفى عليه خافية.. «ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا..» قوله تعالى: «وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ» . فى هذا إشارة إلى أن أعمال الناس التي عرضت عليهم، لم تكن لمجرد عرضها، والعلم بها، وإنما لتكون موضع حساب ومناقشة، فتوزن أعمال كل إنسان بميزان الحق والعدل.. فمن ثقلت موازينه، ورجحت حسناته على سيئاته، فقد نجا وأفلح، وكان من الفائزين برضوان الله وجنات النعيم، ومن خفت موازينه فرجحت سيئاته على حسناته، فقد خاب وخسر، وكان العذاب جزاءه والنار مثواه.. والباءان فى قوله تعالى: «بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ» : الأولى للسببية، والثانية للاستصحاب، بمعنى أنهم خسروا أنفسهم بسبب كونهم كانوا ظالمين مع استصحاب آياتنا، ووجودها بين أيديهم، وفى مواجهة حواسّهم ومدركاتهم لها.. والآيات هنا، هى آيات الله المنزلة على أنبيائه، والآيات الكونية التي تبدو فى كل ما أبدع الخالق وصوّر.

الآيات: (10 - 13) [سورة الأعراف (7) : الآيات 10 إلى 13]

الآيات: (10- 13) [سورة الأعراف (7) : الآيات 10 الى 13] وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (10) وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قالَ ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) التفسير: بعد أن عرض الله سبحانه وتعالى الناس على مشاهد القيامة، وما سيكون لهم فيها من مواقف، بين سعداء وأشقياء- بعد هذا العرض استقبلهم سبحانه- بتلك الآيات الكريمة التي تذكرهم بما كانوا فى غفلة عنه من أمرهم، ومالله من فضل عليهم، فيما مكن لهم من أسباب الحياة فى هذه الأرض، وفيما كان قبل ذلك من إيجادهم من عدم، وخلقهم على تلك الصورة الكريمة، التي صار بها الإنسان أهلا ليكون خليفة الله فى الأرض.. وهذا من شأنه أن يلفت الإنسان إلى هذه النعم، وإلى أداء حق المنعم بها، وذلك بحمده، والولاء له، وخاصة بعد هذه المشاهد المثيرة التي طلعت على الناس من مشاهد يوم الحساب.. وقوله تعالى: «وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ» هو عرض لبعض تلك النعم التي أنعم الله بها على الناس، فقد مكن لهم سبحانه وتعالى فى الأرض، وجعل لهم سلطانا على كائناتها، من حيوان ونبات وجماد، بما منحهم من عقل، يفكر، ويقدّر، ويسخر قوى الحيوان والطبيعة لخدمتهم، ولتوفير أسباب الحياة الطيبة لهم.. ولكن أكثر الناس لا يشكرون لله فضله، ولا يقدرونه حق قدره، بل إن كثيرا منهم ليحارب الله

بهذه النعم، ويتخذ من دونه شركاء، يتعبّد لهم، ويجعل ولاءه إليهم، دون خالقه، ورازقه، ومالك الملك كله. وقوله تعالى: «وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ» . هو بيان لخلق الإنسان وتقلّبه فى أطوار الخلق.. ومن أين جاء؟ وكيف نشأ؟ وإلى أين يصير؟ كان الخلق أولا، ثم التصوير ثانيا.. والخلق عملية ذات مراحل طويلة، تنقل فيها الإنسان من طور إلى طور، ومن خلق إلى خلق، حتى دخل طور الإنسان الذي فيه كان التصوير على تلك الصورة الإنسانية الكاملة.. وفى العطف بثمّ بين الخلق والتصوير، ما يشير إلى هذا الفاصل الزمنيّ الطويل، الذي قد يبلغ ملايين السنين، بين بدء بذرة الخلق للكائن الحي، وبين الثمرة التي أعطتها شجرة الحياة.. فى صورة هذا الإنسان..! ثم إن هذا الإنسان حين أطل برأسه إلى هذا العالم، لم يكن إلا إشارة باهتة إلى هذا الإنسان العاقل المدرك، الذي يحمل أمانة التكاليف، ويناط به عبء خلافة الله على هذه الأرض.. ولهذا جاء العطف بثم فى قوله تعالى: «ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ» .. فهذا الآدم الذي أمر الله سبحانه الملائكة أن يسجدوا له، هو الإنسان العاقل الرشيد، لا الإنسان فى طفولة الإنسانية التي لم تنسلخ من جلد الحيوان بعد.. وهذا ما يؤيد الرأى الذي ذهبنا إليه من قبل فى خلق آدم وتطوره «1» .

_ (1) انظر هذا البحث فى الجزء الأول من «التفسير القرآنى» : الآية: 34: سورة البقرة) ص: 54

وفى قوله تعالى: «ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ» موضع لسؤال.. هو: كيف يكون الإنكار على إبليس بترك السجود، بهذا الاستفهام عن السبب الذي منعه من عدم السجود.. وهو على خلاف المراد من الاستفهام الذي يطلب إليه فيه أن يجيب عن سبب المنع عن السجود، لا عن سبب المنع من عدم السجود.. كيف يكون هذا؟ يجيب المفسّرون على هذا بأجوبة كثيرة.. منها القول بأن «لا» النافية زائدة.. وهو أرجح الآراء عندهم..! والقول بزيادة اللام لا معقول له إلا- عند القائلين به- أنه يسوّى النظم القرآنى، ويمنع اضطراب المعنى، أو فساده! ولا يشفع لهذا القول ما جاءوا به من شواهد من الشعر العربي بزيادة حرف النفي «لا» . فالقرآن حجة على الشعر، وليس الشعر حجة على القرآن.. ثم إن القرآن ليس شعرا حتى تباح فيه الضرورات التي تباح فى الشعر.. ثم إن القرآن ليس من قول بشر حتى تحكمه الضرورة، وتلتمس لقائله المعاذير.. ولكنه كلام ربّ العالمين.. «لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَلا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ» .. وإذن فحرف النفي «لا» حرف أصيل، هو من صميم النظم القرآنى فى الآية الكريمة، له مكانه من الإعجاز الذي تحمله الآية الكريمة، ولو حذف لحذف معه بعض ما فى الآية من إعجاز.

هذا ما يجب أن يتقرر ويتأكد أولا، قبل أن نجد لهذا الحرف «لا» مفهوما. إذ لا بد من أن يكون له مفهومه فى الآية الكريمة، حيث هو، وكما هو، سواء اهتدينا إليه أو لم تهتد، فإنه لا بد أن يهتدى إليه الباحثون، بالكثير أو القليل من البحث والنظر.. أما القول بزيادة حرف أو كلمة فى القرآن الكريم، فهو- على أقل تقدير- هروب من مواجهة كلمات الله وآياته. وننظر، فنجد: أولا: أن «لا» إذ قيل بزيادتها كان المعنى حسب منطوق النظم بعد الحذف، هكذا: «ما منعك أن تسجد» ؟ وهذا يعنى أن مع إبليس حجة على منعه من السجود! ولقد أجاب إبليس على هذا، وقدّم الحجة التي معه، فقال: «أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ» . ولكن.. أية حجة لمخلوق أمام الخالق؟ لقد أمره الله سبحانه وتعالى بالسجود.. وكان عليه أن يمتثل لهذا الأمر وأن يسجد كما سجد الملائكة كلهم أجمعون.. أما التردد فى الامتثال لهذا الأمر، أو النكوص عنه، فهو عصيان صريح لله، وتحدّ وقاح لأمره، لا تقوم لصاحبه حجة، ولا يقبل منه قول.. وثانيا: إذا بقيت «لا» بمكانها من النظم- وهى باقية أبد الدهر- مؤدية وظيفة النفي- وهى مؤدية له إلى ما شاء الله- فإن المعنى حينئذ يكون هكذا حسب منطوق النظم: ما منعك من ألا تسجد إذ أمرتك؟ أي ما حملك على ألا تسجد؟ وبهذا يكون النظر إلى كلمة «المنع» لا إلى الحرف «لا» .. وهل هو

منع قائم على حواجز وحوائل، تمنع من امتثال الأمر، وتحول بين المأمور وبين إتيان ما أمر به، أم أنه منع قائم على أوهام وضلالات، ومستند على محامل وعلل من الوهم والضلال؟ والجواب، أنه ليس هناك منع على الحقيقة، وإنما هى علل فاسدة، ومحامل باطلة، اتخذ منها هذا الشقىّ ذريعة يتذرع بها إلى عصيان ربّه، وعذرا يعتذر به إليه. ولهذا كان النفي للمنع مطلوبا هنا، حيث لا سبب للمنع على الحقيقة. ثالثا: فى مساءلة الله سبحانه وتعالى لإبليس، فى غير هذا الوضع، جاء قوله تعالى: «قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ» (32: الحجر) فقوله تعالى: «ما لَكَ» هو بمعنى «ما منعك» ؟ حيث لا منع، وإنما هو- كما قلنا- ضلالات وأوهام من قبل إبليس، لا وزن لها، ولا معتبر فى ميزان الحق.. هذا، وقد جاء فى موقف آخر قوله تعالى: «قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ» (75: ص) - جاء من غير حرف النفي «لا» ولكن جاء بعده، ما يكشف عن تعلّات إبليس وأوهامه المندسّة فى صدره، فقال تعالى: «أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ» ؟ فهو الاستكبار والتعالي، وتلك موانع اصطنعها إبليس، وأقامها من ضلاله وجهله.. رابعا: فى النظم القرآنى جاءت مساءلة إبليس فى ثلاث مواضع.. هكذا.. 1- «ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ» .. (11: الأعراف)

2- «يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ» .... (75: ص) 3- «يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ» ... (3: الحجر) وهذه المواضع الثلاث، لم يكن تكرارها لمجرد التكرار، وإنما لتعطى الصورة الكاملة لموقف الاتهام الذي وقفه إبليس بين يدى الله.. وأنه تلقى هذه الأسئلة جميعا فى تبلّد ووجوم، وكان جوابه عليها فى وقاحة فاجرة.. هكذا: «ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ؟» ... «لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ» . «ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك؟ ... أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين» .. «ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدىّ؟ .. أستكبرت أم كنت من العالين؟» ... «أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين» .. وتتردد هذه الإجابات فى صدر إبليس، وتضطرب على لسانه، وإذا هى كما انتزعها الله سبحانه وتعالى من صدره، وضبطها على لسانه.. وقد تكررت إجابته: «أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين» إذ كان هذا الاختلاف فيما بين النار والطين، هو الذي أضلّ إبليس وأغواه، حين قدّر أن النار خير من الطين.. وأن الأعلى لا يسجد للأدنى.. من هذا نستطيع أن نخلص إلى القول بأن قوله تعالى: «ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ» هو بمعنى قوله تعالى: «ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ» .. وأن فعل المنع هنا بمعنى الدافع الذي دفع إلى ترك الفعل المأمور به، والتقدير: ما حملك أو ما دفعك على أن يكون منك هذا الموقف الفاجر الذي وقفته، وهو أنك لم تكن من الساجدين..؟

وأما قوله تعالى: «ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ» فهو مطالبة لإبليس ببيان المانع الذي منعه، إن كان هناك مانع.. فلما لم يجد المانع طولب بأن يبيّن الدافع الذي تولّد فى نفسه وحمله على ألا يسجد.. ثم لما اضطرب وتلجلج فى الكشف عن هذا الذي ضلّ عنه وهو يحاول الإمساك به، قيل له: مالك- إذن- ألّا تكون مع الساجدين؟. وهكذا يؤخذ بمخانقه، ويسقط فى يده، فينهار ويهوى، ثم يتخبط فى هذا الهذيان المحموم، وقد عرف ألا نجاة له، وأنه من الهالكين..! قوله تعالى: «قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ» . الضمير فى منها يعود إلى المنزلة التي كان فيها إبليس قبل هذه المعصية، وكذلك الضمير فى قوله تعالى: «فِيها» .. والهبوط هنا هبوط معنوى.. والمعنى: اخرج أيها الشيطان المريد من هذه النعمة التي خولتك إياها، ورفعت بها منزلتك حتى اتخذت منها حجة على هذا العصيان الوقاح لأمرى، فتأبى أن تسجد لمن دعوتك إلى السجود له.. فما يكون لك أن تتكبر فى هذه النعمة، وتختال بها.. وها أنت ذا قد أصبحت من الصاغرين، قد نزع عنك ما كنت تدّعيه لنفسك من منزلة تعاليت بها على هذا المخلوق الآدمي، الذي خلق من طين..! وهكذا كل من ألبسه الله نعمة من نعمه فلم يرعها، ولم يؤدّ حق شكرها لله، من الطاعة والولاء- إنها تنزع منه، ويلبس بدلها ثوب النقمة والبلاء..

الآيات: (14 - 18) [سورة الأعراف (7) : الآيات 14 إلى 18]

وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ» (53: الأنفال) الآيات: (14- 18) [سورة الأعراف (7) : الآيات 14 الى 18] قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (17) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18) التفسير: وقع الحكم بالإدانة على المجرم. فلم يستسلم، ولم يتقبل الأمر بالهبوط على إطلاقه هكذا! فطلب من الله سبحانه أن ينظره أي يؤخر هلاكه إلى نهاية الحياة الإنسانية على هذه الأرض، ليكون فى صحبة الإنسان.. بتحدّاه، وينتقم منه، إذ كان سببا فى هذه اللعنة التي وقعت عليه. ولقد سوّلت لهذا الرجيم نفسه أن يتحدى الله بهذه التجربة التي بينه وبين الإنسان، والتي قدّر أنه سينتصر فيها على الإنسان، ويقيم من ذلك حجة على الله فى امتناعه عن السجود لآدم، لأنه خير منه، وأن بيده سلطانا متمكنا عليه، حين يأمره فيطيع، ويدعوه إلى الإثم فيجيب، وبهذا تنكشف التجربة عن كائن بشرى يتمرغ فى الوحل والطين، متمردا على الله محاربا له! .. لا يستحق من الله هذا التكريم، وسجود الملائكة له. وهذا موقف يدعو الإنسان أن ينتصر فيه لنفسه، وأن يجزى إبليس، ويتحدّى سفاهته، ويقف منه موقف العدوّ لعدوّه، فى ميدان القتال..

«قال أنظرنى إلى يوم يبعثون.. «قال إنك من المنظرين.. «قال فبما أغويتنى لأقعدن لهم صراطك المستقيم.. إن هذا اللعين يتحدى الله، ويثأر لنفسه فى شخص هذا الإنسان الذي أراده الله ليكون خليفته فى أرضه، فيفسد عليه أمره، ويشوّه وجه خلافته.. وها هو ذا يقعد على صراط الله المستقيم، الذي أقام الله الإنسان عليه، ثم يترصد الإنسان، وبنحرف به عن سواء السبيل.. «ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ» . هكذا يتربص الشيطان بالإنسان، يلقاه فى كل وجه، ويأتيه من كل طريق، ويدخل عليه من كل باب، ليضله عن سبيل الله، فيشرك بربه، ويكفر به، ويتخذ الشيطان وليا له من دونه. «قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً» . المذءوم: المطرود، والمذموم، والمعيب، يقال: ذأمه يذأمه ذآما، وذأما، إذا عابه. والمدحور: المنهزم المغلوب. «لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ» . اللام هنا فى «لمن تبعك» موطئة للقسم، و «لأملأن جهنم منكم أجمعين» جواب القسم.. وفى هذا استخفاف بأمر الشيطان، وبما معه من كيد وغواية، كما يقول

الآيات: (19 - 25) [سورة الأعراف (7) : الآيات 19 إلى 25]

الله سبحانه: «إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً» بالإضافة إلى ما مع الإنسان من عقل، وعزم.. فمن أعطى الشيطان زمامه، واتخذه وليا، فهو من حزب الشيطان، يضاف إليه، ويصير إلى المصير الذي هو صائر إليه، وهو بهذا غير جدير بأن يكون فى ضيافة الله، ومن حزب الله. الآيات: (19- 25) [سورة الأعراف (7) : الآيات 19 الى 25] وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (20) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (23) قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (24) قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (25) التفسير: وفى مواجهة إبليس، وفى مقابل تحدّيه لله فى شخص آدم- يدعو الله آدم إلى أن يسكن فى تلك الجنة التي هو فيها، وهى جنة أرضية (كما

أشرنا إلى ذلك من قبل) «1» . وفى الجنة رزق موفور وخير كثير.. ولآدم وزوجه أن يأكلا من كل فاكهة فيها، إلا تلك الشجرة التي أشار الله سبحانه إليها، ونهاهما عن الأكل منها. ولم تكن هذه الشجرة إلا واحدة من أشجار الجنة، ولم يكن النهى عن الأكل منها إلا ابتلاء لآدم وزوجه، وإلا تحريكا لأشواقه إليها، وإلا تعجيلا بإظهار إرادته، وترددها بين امتثال أمر الله وعصيانه.. وفى هذا الموقف الذي يتأرجح فيه آدم بين الإقدام والإحجام، تجيئه دفعة مغرية بيد الشيطان، تدفعه إلى الخروج عن أمر ربه، فيأكل من الشجرة التي نهى عن الاقتراب منها!! وهنا يبدأ آدم وزوجه يعرفان أن لهما إرادة، وأنهما قادران بتلك الإرادة على أن يتصرفا كيف يشاءان، ولو كان فى ذلك عصيان ربهما. ومن هنا يولد آدم ميلادا جديدا.. فإذا هو الإنسان العاقل، المدرك، المريد.. وإذ يفتح هذا المولود الجديد عينيه على الوجود، يرى كل شىء على غير ما كان يراه من قبل.. وها هو ذا يرى أنه عريان لا يستره شىء كسائر الحيوان، فيخجل من نفسه، ويرى سوأته- وكأنه يراها لأول مرة- فيحاول سترها بما يقع ليده..

_ (1) انظر الكتاب الأول من: «التفسير القرآنى للقرآن» فى بحثنا: «آدم، مادة خلقه، وجنته» ص: 54 [.....]

وليس بين يديه، ولا فى ملك قدرته إلا ورق الشجر، فيتخذ منه ساترا يستر به سوأته- تماما كما يفعل الإنسان البدائى، الذي لم يخرج من عالم الغابة أو «الجنة» التي هى كل دنياه! ونقرأ الآيات: «فوسوس لهما الشيطان ليبدى لهما ما وورى عنهما من سوآتهما وقال ما نها كما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين» .. فالملائكة عالم لا يعرف الشر، بل قل إنه لا يعرف الخير أيضا.. فمن لا يعرف الشر لا يعرف الخير.. وإلى اللحظة التي لم يأكل فيها آدم من الشجرة كان أشبه بالملائكة، لا يعرف خيرا ولا شرا.. أما إبليس فقد عرف الشر وواقع المعصية، وبهذا خرج من عالم الملائكة، وكان عليه أن يضم آدم إلى عالمه هذا الذي تحول إليه.. ولا يتم هذا إلا إذا كانت لآدم إرادة تعمل فى مواجهة الإرادة الإلهية.. «وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ» أي أقسم لهما أنه ناصح، لا يبغى إلا الخير لهم.. وهكذا كل منافق، يتكثّر من الحلف، ولو لم يشك فيه أحد.. إنه يشعر بما فى قلبه، وما على لسانه، من كذب وزور، فيحاول جاهدا أن يؤكده ويقويه بالأيمان.. وفى قوله تعالى: «وَقاسَمَهُما» إشارة إلى تنازع الأقسام بينه وبينهما، وكأنّ فى سكوتهما عنه قسما منهما باتهامه والحذر منه، ولهذا صح أن تكون المقاسمة شركة بينهما وبينه.. «فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ» .

دلّاهما أي أنزلهما من مرتبهما، التي كانا فيها على السلامة والبراءة، إلى حيث كانت منهما مواقعة الخطيئة وارتكاب المعصية.. والتدلية: السقوط من عل، يقال: دلّى الدلو وأدلاه إذا ألقى به فى البئر.. والغرور: الخديعة والاحتيال.. والباء فى قوله تعالى: «بِغُرُورٍ» باء الاستعانة أي أنزلهما مستعينا بالتغرير والخديعة.. والسوأة: العورة، وما يسوء الإنسان أن يطلع عليه أحد.. وفى قوله تعالى: «وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ» إشارة إلى موالاة الخصف من ورق الشجر.. والخصف جمع الشيء إلى الشيء، وخياطته به. «قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ» ذلك هو جوابهما واعتذارهما، لما كان منهما.. إنهما ظلما أنفسهما بما فرط منهما بارتكاب المعصية، والخروج عن أمر ربهما، فهما فى معرض الهلاك والخسران، إن لم يغفر لهما ربهما ويرحمهما.. والخطيئة التي وقع فيها آدم هى التي اكتمل بها وجوده كإنسان، ولولا هذه الخطيئة لظل- كما قلنا- فى عالم الحيوان، الذي هو ليس أهلا للتكليف وحمل الأمانة.. ولعل هذا المعنى هو ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا» (72: الأحزاب) وهذا الوصف للإنسان بأنه ظلوم جهول، يلتقى مع قول آدم فيما ذكره الله تعالى عنه: «رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا» فقد ظلم آدم نفسه، وظلم ذريته معه بحمل هذه الأمانة التي أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها..

وأحب أن أفهم قول الرسول الكريم: «كل ابن آدم خطّاء» فهما متسقا مع هذا المعنى الذي أشرنا إليه، وهو أن لإنسان خلق خلقا مشوبا بالمعصية والخطيئة.. هكذا أراد الله له، وهكذا خلقه.. فالمعصية من آدم لم تلبسه ثوب للعنة، هو وذريته- كما تقول بذلك بعض الديانات- وإنما ألبسته لباس الإنسان، الذي أراده الله، ليكون خليفة له فى الأرض.. ولقد عرف الملائكة- بما أخبرهم الله- أن الإنسان سيكون على هذا الخلق الذي يجتمع فيه الخير والشر، والطاعة والمعصية.. عرفوا هذا قبل أن يخلق آدم، وذلك حين قال الله تعالى لهم: «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.. قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ....» قوله تعالى: «قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ» .. وقد هبط إبليس من قبل، هذا الهبوط المعنوي، حين نزل عن رتبته فى العالم العلوي إلى هذا العالم السفلى.. فلما عصى آدم ربه ألحق بإبليس فى أن عوقب على هذه المعصية بخروجه من عالمه الذي كان فيه.. فخرج من عالم اللاشعور إلى عالم الوعى والشعور، وهو عالم امتحان وابتلاء.. ولكن شتان بين هبوط آدم، وهبوط إبليس، فهبوط آدم، فى حقيقته صعود، ولكنه صعود يحمّله أعباء ثقالا، تبهظه، وتنقض ظهره.. إنه يحمل بهذا الهبوط- أو هذا الصعود- أمانة عرضت على السموات والأرض والجبال «فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا» . أما هبوط إبليس فهو هبوط مطلق إلى عالم الإثم والمعصية، لا يتحول عنه أبدا.. والمستقر والمتاع إلى حين: هو الحياة الإنسانية على هذه الأرض إلى أن

الآيات: (26 - 30) [سورة الأعراف (7) : الآيات 26 إلى 30]

ينفخ فى الصور، ويقوم الناس لرب العالمين.. وقد بيّن هذا قوله تعالى: بعد ذلك: «قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ» .. فعلى هذه الأرض يحيا آدم وأبناؤه، وفى هذه الأرض يموت ويدفن آدم وذريته، ومن هذه الأرض يبعث الموتى، ويعرضون على رب العالمين.. للحساب والجزاء.. الآيات: (26- 30) [سورة الأعراف (7) : الآيات 26 الى 30] يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (27) وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) التفسير: وإذ هبط الإنسان أو قل صعد، وأخذ مكانه على هذه لأرض، فقد كان عليه أن يتعرف على الدستور الذي يسوس به خلافة الله فى الأرض.. وها هو ذا يتلقى من السماء المواد الأولى لهذا الدستور..

1- «يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ، لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ» . فأول ما ينظر فيه هذا الخليفة، هو أن ينظر إلى نفسه، وأن يخرج من عالم الحيوان العاري، إلى هذا الإنسان الذي ينبغى أن يبدأ بستر عورته أولا، ثم يتجمل بما يقدر عليه مما بين يديه، من هذا الخير الكثير الذي بثّه الله فى الأرض.. ثانيا. وإذن فعلى الإنسان أن ينسج له من خيوط هذه الموجودات المبثوثة فى الأرض، حياة غير حياة الحيوان، وأن يصنع بعقله وبيده وجودا كريما، وبهذا يحق له أن يجلس على كرسى الخلافة، ويمسك بيده، زمام الكائنات التي تعيش معه. والريش هو الزينة، وكذلك الرياش، وهو شىء إضافى، فوق الحاجة الضرورية، ولهذا جاء بعد اللباس الساتر للعورة.. فهو مأخوذ من الريش الذي يكسو الطائر ويزينه. ثم بعد أن يأخذ الإنسان لجسده ما يستره ويجمّله، عليه أن يحصّل لكيانه الداخلى، من المشاعر والأحاسيس والوجدانات والمدركات- ما يستره ويجمّله، وذلك هو لباس التقوى، وهو خير لباس يتزيا به الإنسان، ويتجمل.. وفى قوله تعالى: «وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ» إشارة إلى أن هذا اللباس إنما هو مما ينسجه الإنسان من ذات نفسه، إذ لا وجود له فى العالم الخارجي، ولهذا لم يعطفه الله سبحانه وتعالى على قوله: «أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ» حيث مادة هذا اللباس هى مما يراه الإنسان ويلمسه بحواسه فى النبات أو الحيوان، على حين أن مادة التقوى شىء مطوى فى ضمير الإنسان، مدسوس فى كيانه.

وقوله تعالى: «ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ» لإشارة هنا إلى هذه النعم التي يجمّل بها الإنسان وجوده الخارجي ولداخلى، أي الجسدى والروحي معا، وهذه النعم هى من الآيات الدالة على قدرة الله، الناطقة بجلاله وعظمته.. بها يصبح الإنسان إنسانا كريما على الله، عظيما فى الناس.. وقوله تعالى: «لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ» فى العدول عن الخطاب من «لعلكم تذكرون» إلى الغيبة «لعلهم يذّكرون» إشارة إلى ما فى الناس من غفلة، وأنهم وهم بمحضر من هذا المعرض الذي تعرض فيه آيات الله، وتتحدث فيه نعمه- هم غافلون، لا تصفى منهم الأفئدة، ولا تستيقظ منهم العقول. فلعلّ هؤلاء النائمون يستيقظون، ولعل هؤلاء الغافلون ينتبهون..! 2- والمادة الثانية من مواد هذا الدستور، هى أن يحذر أبناء آدم هذا العدوّ المبين المتربص بهم، وأن يكونوا على يقظة دائمة من أباطيله وضلالاته التي يغريهم بها، ويزينها لهم، ليفتنهم فى دينهم، وليخرجهم من الإيمان بالله والاستقامة على طاعته، إلى الشرك به، والتعدّى على حرماته، فيعيد معهم سيرته مع أبويهم اللذين أخرجهما من الجنة، بما زين لهما من ضلال، وبما أغراهما من غرور. وفى هذا يقول الله تعالى: «يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ.. الآية» . وفى قوله تعالى: «إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ» تحذير بعد تحذير، من وساوس الشيطان ومغرياته، وأنه عدوّ خفىّ يرى الإنسان، ويرصد حركاته وسكناته، ويطلع منه على مواطن الضعف، فينفذ إليه منها.. ومن هنا كان خطره داهما، وشره مستطيرا، ومن هنا أيضا كانت حاجة الإنسان إلى اليقظة الدائمة، والمراقبة المستمرة، من هذا العدو الخفىّ المتربص، الذي لا يعرف الإنسان متى يهجم عليه، ويجعل منه صيدا يقع ليده.. وقوله تعالى: «إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ» إشارة إلى

أن الإيمان بالله هو القلعة التي يتحصن فيها الإنسان من الشيطان، وليس عليه بعد ذلك إلّا إغلاق أبوايها وإحكام غلقها، حتى لا يكون للشيطان سبيل إليه.. أما من لا يؤمن بالله، فهو شيطان مع الشيطان. لا يريد الشيطان منه أكثر مما هو فيه من فتنة وضلال، وهو بهذا قد سبق الشيطان إلى الغاية التي يريدها منه، ولهذا كان الشيطان وليّه، وهو تابعه.. وهذا ما يكشف عنه قوله تعالى: «إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ» .. قوله سبحانه: «وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» .. الخطاب هنا للضالين والمشركين، الذين إذا جاءهم من يدعوهم إلى الهدى أبوا أن يستجيبوا له، واستمسكوا بما هم فيه من ضلال وشرك، وليس بين أيديهم من حجة على هذا الذي هم فيه إلا أن ذلك مما كان عليه آباؤهم، وأنهم على آثارهم مقتدون، وأن ذلك الذي كان عند آبائهم هو مما أمر الله به، لأن آباءهم لم يجيئوا بهذا من عند أنفسهم، بل هو مما شرع الله لهم.. هكذا يقولون، وهكذا يفترون.. وقد ردّ الله عليهم هذا الافتراء بقوله: «إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ.. أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» .. وفى هذا لردّ حكم على ما هم فيه بأنه فاحشة، لا يخفى على عاقل أمرها من السوء والفحش، ومحال على الله أن يأمر بالفاحشة.. وإذن فهذا الضلال الذي هم فيه ليس من الله قطعا، بحكم العقل، ولو كان هؤلاء على شىء من العقل لما قالوا على الله هذا القول المنكر: «وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها» ، ولهذا كان هذا الإنكار عليهم والفضح لجهلهم بقوله تعالى: «أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» .. إنهم لا يعلمون ما لله من جلال وكمال، ولو كانوا يعلمون شيئا من هذا لما نسبوا إلى الله الأمر بهذه المنكرات، فإن الكامل لا يصدر منه هذا النقص المعيب.

قوله سبحانه: «قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ» - هو بيان لما أمر به من طيب وجميل. فقد أمر الله بالقسط، وهو العدل، وإقامة موازين الحق، حتى لا يظلم الناس بعضهم بعضا، ولا يعتدى بعضهم على حق بعض.. الأمر الذي لو استقام عليه الناس لا استقام أمرهم جميعا، ولجرت سفينة الحياة بهم فى ريح رخاء.. ومما أمر الله سبحانه به بعد هذا، إقامة الصلاة، إذ هى أكثر العبادات توثيقا للصلة بين العبد وربّه. حيث يمكن أن يأتيها كل إنسان.. فقير أو غنى، كبير أو صغير، فى أي وقت، وعلى أي حال.. ومن هنا كان من الإمكان أن يكون العبد على صلة دائمة، مع الله، بالصّلاة، فى الليل والنهار، فى السّر والجهر، خاليا مع نفسه، أو منتظما فى جماعة. وقوله تعالى: «وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» معطوف على ما قبله: «أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ» .. إذ كان معنى: «أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ» أقسطوا.. فصحّ أن يعطف عليه: «وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» .. أي أفسطوا، وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد. وإقامة الوجوه عند كل مسجد، إخلاص العبادة لله، وإقامة الوجوه إليه وحده، دون التفات إلى أحد غيره، وهذا هو الذي يعطى الصلاة ثمرتها المطلوبة منها، إذا هى أقيمت على هذا الوجه، من الولاء لله، واستحضار القلب لجلاله وعظمته. وقوله تعالى: «وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» معطوف على «وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ» .. والدعاء صلاة، وعبادة، بل هو مخّ العبادة، كما يقول العابدون.. إذ هو التطبيق العملي للإيمان بالله، والإقرار بالعبودية له، وتعلق الرجاء فيه، والتماس الخير منه وحده، والانقطاع عما

الآيات: (31 - 34) [سورة الأعراف (7) : الآيات 31 إلى 34]

سواه.. وهذا هو التوحيد الخالص، والإيمان المصفّى، ولهذا اقترن الدعاء بالصلاة، وجاء بعدها، ليكون التطبيق العملىّ، لما تركت الصلاة فى نفس المصلّى من ولاء لله، وقرب منه. وقوله سبحانه: «كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ» تذكير بالبعث والجزاء والحساب، حتى يعمل الإنسان لهذا اليوم حسابا، وحتى يكون هذا الحساب دافعا قويّا يدفعه إلى العمل.. كما أن فى هذا تقريرا للبعث، وأنه أمر ممكن، وإذا وقع فى نظر بعض الغافلين أنه مستحيل، فلينظروا إلى المصدر الذي جاءوا منه، وليذكروا أنهم كانوا بعد أن لم يكونوا شيئا، وأن إعادة الكائن إلى ما كان عليه، أيسر- فى تقديرنا نحن البشر- من خلق الكائن من العدم. وقوله سبحانه: «فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ» هو بيان للحال التي يعود عليها الناس يوم القيامة، إنهم يعودون فريقين: فريقا هداه الله ووفقه للإيمان والعمل الصالح، وفريقا ضلّوا، وأغواهم الشيطان.. «إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ» .. وهكذا كل ضالّ، يزيّن له ضلاله الفتنة والغواية، ويريه أنه على الصراط المستقيم، والله سبحانه وتعالى يقول: «أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً؟» (8: فاطر) . الآيات: (31- 34) [سورة الأعراف (7) : الآيات 31 الى 34] يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (33) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (34)

التفسير: فى الآيات السابقة جاء قوله تعالى: «يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ» ليلفت الناس- وهم فى أول لقائهم بهذه الحياة- إلى ما فى الأرض وما عليها من خير كثير، بثّه الله فيها، وأن أول ما ينبغى أن يحصّلوه من هذا الخير، أن يستروا سوآتهم، ليخرجوا من عالم الحيوان، وليكونوا الإنسان الذي جعله الله خليفة له فى الأرض. ثم ليتجملوا بعد هذا، ويتزينوا بما شاءوا، ثم ليستروا كيانهم الداخلى ويجملوه بالتقوى. وفى هذه الآيات يدعو الله النّاس- بعد أن استوفوا حظوظهم من زينة الحياة، وصار إلى أيديهم الكثير منها- يدعوهم إلى ألّا تكون هذه الزينة التي اتخذوها حلى يتحلّون بها فى أوقات لهوهم، أو فى محافلهم وأنديتهم، وحسب، وإنما الذي ينبغى أن يتزينوا له، ويحتفوا بلقائه قبل كل شىء، هو بيت الله الذي يقفون فيه بين يدى الله، يناجونه ويوجهون وجوههم إليه. فهذا الاحتفاء ببيوت الله، وهذا الإعداد والتجمّل للقاء الله فيها، هو مما يقيم فى كيان المؤمن مشاعر التوقير والإجلال لهذا اللقاء، وممّا يهيئ كيان الإنسان الداخلى لمناجاة ربّه، بعد أن تطهّر وتزيّن لهذا اللقاء العظيم.. وقوله تعالى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ»

هو دعوة إلى أن يأخذ الناس حظّهم من طيبات الحياة، وأن يذوقوا من نعم الله التي وضعها بين أيديهم، ولكن فى غير إسراف، بل فى قصد واعتدال، فإن الإسراف يفسد النعمة، ويفقدها طعمها الطيّب، حين يمتلىء الإنسان منها، ويلحّ على جسده بها.. إنها لا تلبث- حينئذ- أن تتحول إلى شىء تزهد فيه النفس، بل وتعافه. وهذا هو بعض الحكمة من النهى عن الإسراف. وقوله تعالى: «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ؟» هو إغراء بالتنعم بنعم الله، والتجمل بها، وأخذ حاجة النفس منها.. ثم هو إنكار على من يأخذون على أنفسهم أو على الناس الطريق إلى نعم الله، ويزهدونهم فيها، أو يحرمونهم منها.. فلمن إذن هذه النعم؟ والله سبحانه وتعالى يقول: «إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» .. ويقول سبحانه هنا فى هذه الآية: «هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ» أي زينة الله هذه التي أخرج لعباده، وهذه الطيبات من الرزق، هى للذين آمنوا فى الحياة الدنيا، ينعمون بها، ويرون فضل الله عليهم فيها، فيزداد حمدهم له، ويقوى إيمانهم به.. ثم إن هذه النعم سينعمون بها يوم القيامة، تأتيهم من غير أن يبذلوا لها جهدا، خالصة من كل شائبة مما كان يشوبها فى الدنيا.. فلا تزهد فيها نفس من شبع، ولا تملّها عين من نظر.. «كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً» . وتخصيص المؤمنين بالذكر هنا: «قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ» إشارة إلى أن المؤمنين هم الذين يتعرفون على الطيبات من الرزق وينعمون بها، أما غير المؤمنين فلا يفرّقون بين طيب وخبيث،

إذ لا دين لهم يحجزهم عن الخبيث، ويحول بينهم وبينه، فالطيب والخبيث على سواء عندهم. قوله تعالى: «قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» . هذه هى المحرمات التي حرّمها الله على عباده، وكلها خبائث، تفسد الطيّب إذا دخلت عليه. والفواحش هنا، يراد بها الزّنا خاصّة، وما اتصل به من شهوة الفرج. والإثم: المحرّمات التي حرّمها الله، من مأكولات، والتي توقع مقترفها فى عداد الآثمين.. والبغي بغير الحق: العدوان على حدود الله، والتعدّى على حقوق العباد.. كالقتل، والسرقة، والخيانة للأمانة، وغيرها. وفى وصف البغي «بغير الحق» على أن البغي لا يكون إلا بغير الحقّ أبدا- إشارة إلى هذا الوصف الملازم له، وتذكير به، وأنه عمل مجاف للحق، خارج عليه.. وقوله تعالى: «وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً» هو مما نهى الله عنه، بل هو أول المنهيات، لأن الشرك بالله رأس الكبائر، حيث لا يقبل عمل من مشرك.. وأخّر النهى عن الشرك هنا لأن الخطاب فى مواجهة المؤمنين الذين دعوا إلى أخذ زينتهم عند كل مسجد، وإلى عدم التحرّج من أن ينالوا من طيبات ما أخرج الله لعباده من رزق، ثم بيّن الله سبحانه وتعالى لهم بعد ذلك ما حرّمه عليهم بعد أن رفع الحظر عن جميع المطعومات، ودعاهم إلى التمتع بها- فكان أول هذه المحرمات الفواحش، وهى شهوة غالبة من الشهوات المتمكنة فى

الإنسان، والتي كثيرا ما تفسد عليه دينه، ثم الإثم والبغي بغير الحق، وهما آفتان من الآفات المتسلطة على الناس فى الحياة، حيث تدفع أهواء النفس وشهواتها بالناس إلى مقارفة الآثام، وإلى عدوان بعضهم على بعض، لإشباع تلك الشهوات، واسترضاء هذه الأهواء.. ثم الشرك بالله، والمراد هنا هو ليس الشرك الصريح، القائم على عبادة غير الله، والإقرار بألوهية إله أو آلهة غيره، فذلك كفر بالله، لا يعدّ صاحبه فى المؤمنين أبدا، وإنما المراد بالشرك هنا الشرك الخفىّ الذي يتدسّس إلى الإنسان من غير أن يشعر به، وذلك كالاستدلال للناس استذلالا يقرب من العبادة، والنظر إليهم نظرة من يملكون التصرف فى ملك الله، بما صار إلى أيديهم من سلطان أو بسطة فى المال وسعة فى الرزق، وكالاستظلال بظلّ ولىّ أو دعىّ، يدّعى الولاية أو تدّعى له لولاية، حيث يذهل المستظل به، عن إقامة وجهه خالصا لله.. فهذا ونحوه هو من قبيل الشرك بالله، وإن لم يكن شركا صريحا.. ولهذا وصف الشرك هنا بقوله تعالى: «ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً» أي هو شرك لا حجة عليه، ولا دليل بين يديه، وإنما هو وهم وضلال.. وكل شرك لا حجة له، ولا دليل عليه، وإنما وصف الشرك هنا هذا الوصف ليلفت المؤمنين إليه، وليحذروا منه، لأنه شرك خفىّ، والمؤمن حريص على أن يتجنب الشرك كلّه، جليّه وخفيّه، فإذا قيل له احذر الشرك الذي لا حجة، له جعل يقلب وجوه الأمور التي بين يديه إذ ربما يكون فيها ما هو من هذا الشرك الخفي، وحاول أن يزن هؤلاء الأشخاص الذين استذل لهم، أو استظل بهم، بميزان الحق والعقل، وهل لهم مع الله ما يملكون به ضرّ أو نفعا، وهنا ينكشف له الأمر، ويرى أن كل شىء لله، وأنه ليس لأى مخلوق- مهما بلغ من جاه أو سلطان- سبيل إلى شىء من ملك الله.. أما المشركون شركا صريحا فإنهم يجعلون لمن أشركوا به سلطانا، لأنهم

الآيات: (35 - 39) [سورة الأعراف (7) : الآيات 35 إلى 39]

لا يعرفون الله حق معرفته، ولا يقدرونه حق قدره.. وقوله تعالى: «وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» هو إلفات إلى مالله سبحانه وتعالى من كمال مطلق فى صفاته، وأفعاله، وأن على المؤمن بالله أن يتعرّف إلى الله سبحانه، وأن يعرفه حق معرفته، فإن من شأن هذا التعرف، وتلك المعرفة أن يصلاه بالله، وأن يعزلاه عن مظان الشرك الخفي به، فلا يجعل لمخلوق مكانا مع الله فى قلبه.. وبهذا الإيمان يستغنى بالله، ويستعلى بوجوده عن الاستذلال أو الاستظلال بأى مخلوق، وإن عظم قدرا، وعلا فى الناس شأنا.. والقول على الله بغير علم، هو من قبيل الفهم الخاطئ لله، ومن هما يجىء الالتفات إلى غيره، والاعتماد على سواه. الآيات: (35- 39) [سورة الأعراف (7) : الآيات 35 الى 39] يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (36) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (37) قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (38) وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39)

التفسير: قوله تعالى: «يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» . تكرار المناداة بقوله تعالى: «يا بَنِي آدَمَ» لاختلاف المنادون من بنى آدم: من بين مؤمن، وكافر، ومشرك، وبين منتبه وغافل، وراغب فى الهوى وزاهد فيه.. فهم أنماط شتى، وطوائف مختلفة، وكأن كل طائفة منهم تنادى نداء خاصا، وإن كان النداء عاما موجها للجميع.. وفى مخاطبة الناس بأبناء آدم تذكير لهم بأصل وجودهم، وأنهم كانوا فى عالم التراب، وأن من هذا التراب جاء هذا الإنسان العاقل، السميع، البصير، وفى هذا ذكرى وموعظة لأولى الألباب. وفى قوله تعالى: «إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ» أصل إمّا: إن، وما، وهما شرطيتان، للتوكيد. وفى قوله تعالى: «يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي» قصّ الآيات: حكايتها كما هى، دون تبديل أو تحريف فيها، ومنه قصّ الأثر وهو تتبعه. وفى هذا إشارة إلى أن الرسل إنّما يبلغون ما أنزل إليهم من ربهم، وأنهم لا يأتون بشىء من عند أنفسهم. والناس فيما يلقاهم به الرسل من آيات الله وكلماته- فريقان: مصدّق ومكذب.. مؤمن وكافر.. فمن صدّق وآمن، وعمل بمقتضى صدقه وإيمانه، فاتّقى الله، واستقام على شريعته، فأنى ما تأمر به، وانتهى عما تنهى عنه، فقد سلم، ونجا، وأمن

الخوف والحزن، يوم يخاف المكذبون، ويحزنون.. يخافون من عذاب الله الراصد لهم، ويحزنون على ما فاتهم من استجابة لرسل الله، واستقامة على شريعة الله. ومن كذّب وأبى فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.. فقد ظلموا أنفسهم بافترائهم على الله، وقولهم إذا فعلوا فاحشة: وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ» . وقوله تعالى: «أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ» .. المراد بالكتاب هنا الكتاب الذي خطّت فيه أعمال الناس وأرزاقهم.. والمعنى أن هؤلاء الظالمين لن يحرمهم الله بسبب ظلمهم ما قدّر لهم فى كتابه من أعمار وأرزاق، فهم سيوفّون ما قدّر لهم فى هذه الدنيا. «حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ» أي حتى إذا انتهت أعمارهم وجاءتهم رسل الموت من عند الله ليقبضوا أرواحهم: «قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ» . أي أنهم إذا حضرهم الموت، انكشف لهم ما كانوا فيه من ضلال، واطلعوا على هذا المصير السيّء، الذي هم صائرون إليه، وهنا يتلفتون إلى من أشركوا بهم فلم يجدوا لهم وجودا معهم: «ضلّوا عنّا» ! .. إنهم يبحثون عنهم فى هذا المزدحم، فلا يرون لهم ظلّا.. لقد تركوهم ليلاقوا مصيرهم المشئوم..! وقوله تعالى: «وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ» الشهادة هنا هى استيقانهم بواقع أمرهم، وأنهم كانوا على ضلال وكفر.. وتلك هى الشهادة التي شهدوا بها على أنفسهم، فكان حكما عليهم أدانوا أنفسهم به، قبل أن يدينهم الديّان.

قوله تعالى: «قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ» . إشارة إلى الرحلة الجديدة التي سيأخذ فيها هؤلاء الظالمون طريقهم إلى جهنم.. فمنذ اللحظة التي تنتزع فيها أرواحهم، يدخلون فى عالم جديد، ويأخذون مكانهم بين من سبقهم من الظالمين، من الجنّ والإنس.. وهذه الأمم من ظلمة الجنّ والإنس، يعيش بعضها مع بعض فى شقاق واختلاف، إذ لا تفاهم بينها، لما اشتملت عليه نفوسهم من أمراض خبيثة، تزعج أصحابها، وتزعج من يتصل بها.. «كلّما دخلت أمة لعنت أختها» فهم يتلاعنون، ويتشاتمون، كما يفعل المجرمون، تضمهم جدران السجن.. ثم لا يقف أمر هذه الجماعات عند هذا، بل إنهم حينما تجتمع جموعهم للحساب والجزاء، يتراشقون بالتهم، ويلقى بعضهم على بعض جريمته التي يحملها بين يديه: «حتّى إذا أدركوا فيها جميعا» أي إذا أدرك بعضهم بعضا، ولحق آخرهم بأولهم فى ساحة الحساب والجزاء: «قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ» وإضلال الأولين للآخرين هو بسبب متابعة الآخرين للأولين، وجريهم على ما كانوا فيه من ضلال، كما كانوا يقولون فى الدنيا إذا جاءهم الهدى: «إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ» . وفى طلب الآخرين للأولين مضاعفة العذاب لهم، محاولة يائسة لدفع العذاب الواقع بهم هم، وإلقاء ذنوبهم على آبائهم وأجدادهم الذين اقتفوا آثارهم، وكانوا بهذا من أصحاب السعير.. وفى قوله تعالى: «قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ» ردّ على أوهام أولئك الذين تابعوا آباءهم وجروا على آثارهم، فإن لهم ضعفا من العذاب

الآيات: (40 - 43) [سورة الأعراف (7) : الآيات 40 إلى 43]

كما لآبائهم وأجداهم العذاب المضاعف، لأن كلّا منهم ضلّ وأضلّ.. فالأبناء الذين ضلوا بمتابعة آبائهم، قد ضلّوا، إذ لم يستعملوا عقولهم، كما أنّهم أضلّوا أبناءهم من بعدهم.. وهكذا السابق منهم يضلّ اللاحق، واللاحق يضلّ من بعده. وقوله تعالى: «وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ» هو دفع لهذا الاتهام الذي اتهم به اللاحقون السابقين.. وأنه إذا كان السابقون قد ضلّوا فإن اللاحقين قد ضلوا أيضا، ولم يكن لهم من عقولهم ما يحجزهم عن هذا الضلال، فهم إذن جميعا على سواء فى الضلال.. فلم يضاعف العذاب للسابقين ولا يضاعف للاحقين؟ إنهم- سابقهم ولا حقهم- ضالون مجرمون.. ولكلّ ضعف من العذاب. وفى قوله تعالى: «فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ» هو من مقول القول الذي قاله السابقون للاحقين.. وأن هؤلاء اللاحقين إنما يذوقون العذاب بما كسبت أيديهم، ولن يحمل عنهم وزرهم أحد. وهذا الخصام الذي بين أهل النار هو عذاب إلى عذاب، حيث يتبرأ بعضهم من بعضهم، ويتمنّى بعضهم لبعض مضاعفة البلاء والعذاب، وقد كانوا فى دنياهم أصدقاء، وأحباء، وأقارب.. وفى هذا يقول الله تعالى: «الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ» (67: الزخرف) . الآيات: (40- 43) [سورة الأعراف (7) : الآيات 40 الى 43] إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (42) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)

التفسير: وإذ يساق أهل النار إلى النار، ويدخل أهل الجنة الجنة، يكون بين هؤلاء وهؤلاء ما بين الأشقياء والسعداء فى الدنيا، من مشاعر مختلفة، ونظرات متصادمة! وفى هذا ما فيه من الكشف عن حال كل منهما، فيعرف أهل النار ما يجد أهل الجنة من نعيم، فتشتدّ حسرتهم وتتضاعف آلامهم، على حين يطّلع أهل الجنة على ما يلقى أهل النار من شدة وبلاء، فيزداد نعيمهم، ويتضاعف رضوانهم.. وفى قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ» تيئيس لأصحاب النار، وقطع لكل خيط من خيوط الأمل الواهية التي ينسجونها من الأوهام ليخلصوا من هذا البلاء الذي هم فيه.. وإنهم لن يخلصوا أبدا، ولن يخرجوا من النار أبدا.. ولقد سدّت عليهم منافذ السماء، فلا يقبل لهم عمل، ولا يسمع لهم دعاء: «لا تفتح لهم أبواب السماء» وأنهم لن يدخلوا الجنة التي ينظرون إليها وإلى أهلها، وما يلقون فيها من نعيم، وأنه إذا دخل الجمل فى سم الخياط، دخلوا هم الجنة، وهذا تعليق بمستحيل، حسب

طبيعة الأشياء، فلن يدخل الجمل فى ثقب الإبرة أبدا، ولن يدخلوا هم الجنة أبدا.. «وكذلك نجزى المجرمين» . وقد قرىء «الجمّل» وهو الحبل المجدول، الذي جمع عدّة حبال، فكان حبلا واحدا فى جملته.. والسمّ: الثقب، ومنه سمى السّمّ لأنه ينفذ إلى جسم الإنسان من ثقب تثقبه حمة النحلة أو زنابى العقرب فى جسد اللديغ. وقوله تعالى: «لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ» . المهاد: الفراش، يمهد ويعدّ للنوم عليه، ومنه: المهد، وهو فراش المولود.. والغواشي: جمع غاشية، وهى ما يغشى الإنسان ويظلله، حتى يكسر عنه حدّة الضوء أو يحجبه، ومنه الغاشية بمعنى الداهية التي تهجم على الإنسان، وقد همه. فهؤلاء الأشقياء الذين ألقوا فى جهنم، سيكون لهم مهاد، كما لأهل الجنة مهاد، ولكن هذا المهاد من النار! وسيكون فوقهم ظلّة تظلهم، كما لأهل الجنة ظلال تظللهم، ولكنها ظلة من لهيب جهنم ودخانها..! وفى قوله تعالى: «وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ» تعليل لهذا التنكيل بهؤلاء المجرمين، لأنهم فوق أنهم مجرمون، قد جاوزوا حدود الإجرام، وبالغوا فيه، فبجرمهم دخلوا النار، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى فى الآية السابقة «كَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ» وبظلمهم ومجاوزتهم الحدّ فى الجرم نكلّ بهم فى جهنم، وضوعف لهم العذاب «وكذلك نجزى الظالمين» أي نبالغ فى عذابهم كما بالغوا هم فى إجرامهم.

ومما يضاعف فى عذاب أهل النار، هذا النعيم الذي ينعم به أهل الجنة فى مواجهتهم، فإذا هم أغمضوا أعينهم عن أن ينظروا إلى هذا النعيم، حسدا لأهله، امتلأت أسماعهم بكلمات تناجى أهل الجنة بنعيمهم، وتدعوهم إلى التمتع به كما يشاءون، غير مضيق عليهم فى شىء منه، ولا محظور عليهم منه شىء، فهو ملك خالص لهم، وفى هذا يقول الله تعالى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» . فهذا هو شأن أهل الجنة، وما يلقون فيها من تكريم وتنعيم.. إنهم أصحاب الجنة، وملّاكها، لا ينازعهم فيها أحد، شأن المالك فيما يملك.. وإذا كان أصحاب النار فى خصام وشقاق، وفى تراشق بالسب واللعن، فإن أصحاب الجنة فى مودة وسلام، وفى أنس وإخاء.. «ونزعنا ما فى صدورهم من غل» فلا أضغان ولا أحقاد، ولا حسد، ولا بغضة.. وفيم يتحاسدون؟ وعلام يتباغضون؟ والخير يملأ كل ما حولهم، ليس لأحد منهم حاجة فى شىء إلا وجدها بين يديه.. فليس فيهم غنى وفقير، وشقى وسعيد، إذ كلهم أغنياء من فضل الله، سعداء برحمته ورضوانه.. لا يجرى على ألسنتهم إلا الحمد والشكران، لله رب العالمين، الذي هداهم إلى الإيمان، ووفقهم لمرضاة الله، والفوز بهذا النعيم الذي هم فيه. «إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ» يشغلهم حمد الله والثناء عليه والتقلب بالنعيم الذي هم فيه، عن النظر إلى ما خلفوا وراءهم فى الدنيا، وما أصابهم فيها من خير أو بلاء.. وفى قوله تعالى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ- لا نُكَلِّفُ

نَفْساً إِلَّا وُسْعَها- أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» ما يكشف عن فضل الله، ورحمته بعباده، وأن ما يكلّفه المؤمنون من أعمال صالحة، من طاعات وعبادات، هو مما تحتمله النفس، ويطيقه كل إنسان.. فلكل إنسان عمل على قدر طافته، وما تسع نفسه، إذا هو آمن وأخلص الإيمان لله.. فقد رفع الله الحرج عن عباده، وأخذهم بلطفه فيما فرض عليهم من تكاليف.. فليس العمل الصالح المطلوب من لنؤمن عملا على إطلاقه، وإنما هو مقدور بقدر كلّ نفس وما تحتمل. فالمريض.. غير المعافى، والأعمى.. غير المبصر، والمقيد.. غير المطلق.. وهكذا.. فقوله تعالى: «لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» - اعتراض بين المبتدأ والخبر، وهو بهذه الصفة قيد وارد على الإطلاق المفهوم من قوله تعالى: «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» .. فما أوسع رحمة الله، وما أعظم فضله وكرمه!. وفى قوله تعالى: «وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» هو نداء من قبل الحقّ سبحانه وتعالى، يدعو به عباده المؤمنين إلى رحاب جناته، ثم يخلى بينهم وبينها، ويجعلها ميراثا لهم، يرثونه بسبب ما قدموا من أعمال صالحة، كما يرث الولد ما خلّف ولده، وما ثمّر له من مال.. فهذه أعمالهم التي عملوها فى دنياهم قد ثمّرت لهم هذا الميراث، وإنه لميراث عظيم.. جنات تجرى من تحتها الأنهار.. وذلك فضل من فضل الله، ورحمة من رحماته، وما تلك الأعمال التي عملها المؤمنون إلا أسباب موصلة إلى مرضاة الله، أما هى فى ذاتها، فلا تعدّ شيئا إلى جانب هذا النعيم المقيم..

الآيات: (44 - 51) [سورة الأعراف (7) : الآيات 44 إلى 51]

الآيات: (44- 51) [سورة الأعراف (7) : الآيات 44 الى 51] وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (45) وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49) وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (51) التفسير: تعرض هذه الآيات مشهدا من مشاهد المناظرة والمحاورة، بين أصحاب الجنة وأصحاب النار، كما كان ذلك الشأن بين المؤمنين والكافرين، فى الدنيا.. وفى هذا المشهد نرى: أولا: أصحاب الجنّة ينادون أصحاب النار، ويذكّرونهم بما كانوا يجادلونهم به فى الدنيا.. حيث كان المؤمنون يقولون: إننا نعمل على وعد من ربنا، بأن من آمن وعمل صالحا، فله جزاء الحسنى، وأن من كفر وصدّ عن سبيل الله، فقد حبط عمله، وهو فى الآخرة من الخاسرين.

وها هم أولاء جميعا- المؤمنون والكافرون- فى يوم الحساب، والجزاء، ولقاء ما وعد الله.. وها هم أولاء المؤمنون قد أنجز الله لهم وعده، وأدخلهم جنته، وها هم أولاء الكافرون، قد أخذهم الله بوعيده، فألقى بهم فى جهنّم.. وفى سؤال أهل الجنة أصحاب النّار هذا السؤال: «قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟» خرى لأصحاب النار، وتقريع لهم، وعذاب فوق العذاب الذي هم فيه.. وفى قوله تعالى على لسان أهل الجنة: «فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا» بلفظ الوعد مطلقا من غير ذكر الموعودين- إلفات لأهل النار إلى ما وعد الله المؤمنين به، من رضوان، وليحققوا ما تم فى هذا الموعد.. وإنه لنعيم عظيم، يراه أصحاب النار، ولا يدنون منه.. وفى جواب أصحاب النار بقولهم: «نعم» - يقولونها فى ذلة واستخزاء- فى هذا ما يكشف عن مضاعفة آلامهم وإذلالهم.. وإنهم ليقولون هذه الكلمة فى حشرجة أشبه بحشرجة الموت، من هول ما يلاقون من عذاب. ثم ما يكادون ينطقون بهذا الجواب الذي يشهدون به على أنفسهم ويدينونها بما هم فيه من عذاب، حتى يقرع آذانهم هذا الصوت الذي يملأ الآفاق من حولهم: «أن لعنة الله على الظالمين» .. إنه صوت الوجود كله، يلعن الظالمين ويخزيهم، ويفضح ما كان منهم من كفر بالله، وصدّ عن سبيله: «الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ» لقد كانوا هكذا فى دنياهم، يصدّون أنفسهم ويصدّون الناس عن طريق الحق المستقيم، ويريدونها طريقا معوجّة، قائمة على الضلال، والبغي والعدوان.. إذ كانوا يكفرون بالآخرة، ولا يرجون لقاء الله. ثانيا: بين أهل الجنة وأصحاب النّار حجاب، يعزل كل فريق عن

الآخر، عزلة، لا ينفذ منها شىء من نعيم الجنة، إلى أصحاب النار، كما لا ينفذ منها شىء من لفح جهنم، إلى أهل الجنة، ولكنهم- مع هذا- بمرأى ومسمع من بعض.. وبين الفريقين سور يشفّ عما وراءه وأمامه.. وعلى هذا السور رجال، ليسوا من أهل الجنة، ولا من أصحاب النار.. إنهم لم يتقرر مصيرهم بعد، إذ لم تكن سيئاتهم بالتي تدفع بهم إلى النار، ولم تكن حسناتهم بالتي تفتح لهم أبواب الجنة، فأوقفوا هكذا «على الأعراف» . والأعراف: ما ارتفع من الأمكنة، ومنه عرف الديك الذي هو أعلى شىء فيه، ومنه المعرفة بالشيء، حيث تكشفه، وتستولى على حقيقته.. وهؤلاء «الرجال» أشبه بالنظّارة الذين يشهدون موقفا بين فريقين متناقضين.. ينظرون إلى هؤلاء نظرة، وإلى هؤلاء نظرة أخرى، فيكون لهم فى ذلك حال من العجب والدهش، ومن المسرّة والغم، ومن الرجاء والخوف.. إنه نوع من العقاب الذي يمسّه لطف الله، وتحفّ به رحمته.. وليس يخفى على هؤلاء «الرجال» من هم أهل الجنة، ومن هم أصحاب النار، فلكلّ من الفريقين سمات ظاهرة تدل عليه، وتكشف عن حاله.. وشتّان بين وجوه يجرى عليها ماء النعيم، وتسفر فيها شموس الأمن والسلامة والرضا، وبين وجوه عليها غبرة ترهقها قترة.. قد كربها الكرب، واستولى عليها البلاء.. ومن هؤلاء الرجال، أو النظارة، تنطلق كلمات الإعجاب بتلك التحية الطيبة إلى أهل الجنة: «سلام عليكم» .. تماما كما يفعل النظارة على مسارح الحياة.. يحيّون الفائزين، ويرجمون المنهزمين!! وإذ يلتفت أهل الجنة إلى هذه الأصوات التي تجيئهم من بعيد، وإذ يرون أنها صادرة من أناس ليسوا من أهل النار، وليسوا كذلك من أهل الجنة-

إذ ذاك يتساءلون: ما بال هؤلاء القوم؟ وما شأنهم فى هذا الوضع؟ وإذا كانوا قد نجوا من عذاب جهنم، فلم لم يدخلوا الجنة مع من دخلوها؟. وعلى هذه الأسئلة وأشباهها يجىء الجواب من قبل الحق سبحانه وتعالى: «لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ» أي لم يدخل هؤلاء الجنة بعد، ولكنهم على طمع من دخولها، وعلى رجاء من رحمة الله بأن يصيروا إليها، ولن يخيّب الله رجاءهم فيه.. ولكن صبرا.. وثالثا: ما يكاد هؤلاء الرجال «النظارة» يرفعون أبصارهم عن أهل الجنة، ويلقون بها إلى أصحاب النّار، ليروا كيف يفعل الزمن بهم، وكيف تستمسك حياتهم وهم فى هذا البلاء- ما يكادون يلقون بهذه النظرة حتى تضطرب قلوبهم فزعا ورعبا، وحتى تنطلق ألسنتهم بهذا الصوت المكروب: «رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» ! وفى قوله تعالى: «وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ» إشارة إلى أن هذه النظرة التي ألقوا بأبصارهم إليها نحو أصحاب النار، لم تكن إلا عن قهر وقسر، بداعي حبّ الاستطلاع، الكامن فى طبيعة الإنسان.. فهم قد صرفوا أبصارهم صرفا، وحوّلوها بقوة عن مكانها الذي كانت فيه، من النظر إلى أهل الجنة.. رابعا: وإذ يفزع رجال الأعراف- أو النظارة- إلى الله سبحانه، ألّا يجعلهم مع هؤلاء القوم الظالمين من أصحاب النار- إذ ذاك يذكرون أهل الجنة وما هم فيه من نعيم، وكيف كان استهزاء هؤلاء الظالمين بهم فى الدنيا، وأنهم لم يكونوا أهلا لكرامة الله، إذ لو كانوا أهلا لتلك الكرامة لما وضعهم بهذا الوضع الذليل من الحاجة والفقر والضعف.. هكذا كان المشركون والكافرون يلقون المؤمنين بمثل هذه المقولات- وعندئذ يسأل هؤلاء «النظارة» أصحاب النار فى سخرية واستهزاء، مشيرين لهم إلى أهل الجنة:

«أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ؟» انظروا كيف أورثهم الله جنات النعيم، وكيف ألقى بكم فى أفواه جهنم؟ «ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ» . وخامسا: وفى كلب البلاء، وكظمة العذاب، يتلفت أصحاب النار إلى هؤلاء النظارة الذين يرشقونهم بسهام الاستهزاء والسخرية، ويفتحون عليهم هذه الأبواب المغلقة، من ذلك الماضي الأسود الذي كانوا فيه على طريق الشرك والضلال- وتحدثهم أنفسهم أن ينتقموا من هؤلاء الذين يهزءون بهم ويسخرون، وأن يجذبوهم إليهم ليكونوا معهم فى هذا البلاء، وليذوقوا ما يذوقون من عذاب السعير!! وما يكاد هذا الإحساس يجتمع فى كيانهم، ويتحول إلى رغبة متحركة تسعى إلى الغاية التي يريدونها، حتى يفجؤهم هذا الصوت السماوي المنطلق إلى هؤلاء النظارة، يحملهم فى سرعة خاطفة إلى الجنة، وقد فتحت لهم أبوابها، ومدت إليهم يد الرحمة من تلقائها، وإذا هم وقد أخلوا هذا المكان الذي كانوا فيه، وإذا هم فى جنات النعيم: «ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ» .. وإذن فكل الناس فى الجنة، إلا هؤلاء الظلمة.. حتى هؤلاء النظارة الذين كانوا على مشارف جهنم.. قد نجوا من هذا العذاب، وصاروا إلى جنات النعيم.. أما هم فباقون فى هذه الوحشة القاتلة، ومع هذا اليأس المطبق، ومع هذا العذاب الأليم.. وهكذا تتغاير صور العذاب، وتتنوع وجوهه وأشكاله.. كلما تجرع منه الظالمون كأسا، وكادوا يستمرئون مرارتها، سقوا كأسا أخرى غيرها، أمرّ مرارة وأشنع طعما.. وهكذا يتقلبون فى العذاب، على حين كما يتقلب أهل الجنة فى ألوان النعيم..

وسادسا: إذ يخلو الموقف إلا من أصحاب النار فى النار، وأهل الجنة فى الجنة، وإذ يصير أصحاب النار إلى هذا اليأس القاتل، بعد أن يخلى رجال الأعراف مواقفهم التي كانوا فيها- إذ ذاك لا يجد أصحاب النار إلا أهل الجنة، يشخصون إليهم بأبصارهم ويمدّون إليهم أيديهم، طالبين النجدة والغوث: «وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ» ! .. هكذا تبدلت بهم الحال، وقد كانوا من قبل فى دنياهم بأنفون أن ينظروا إلى الناس إلا من آفاق عالية، حتى لكأنهم آلهة، والناس عبيد أذلاء لهم.. وها هم أولاء اليوم، يمدون أيديهم فى ذلة وانكسار إلى هؤلاء الذين كانوا عبيدا أو أشبه بالعبيد لهم، يطلبون شيئا من تلك الموائد الحافلة التي بين أيديهم.. «أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله!» ويجيئهم الجواب مفحما مخرسا موئسا.. «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ..» ولا يكاد هذا الجواب يبلغ أسماعهم، ويملأ قلوبهم يأسا، وهما وكمدا.. حتى يصادق على هذا الجواب من عند الله، فتجىء كلمات الله مكملة لهذا الحكم، مصدقة عليه، شارحة لأسبابه: «الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ» .. وهكذا يدل الستار على هذا المشهد العظيم من مشاهد القيامة.. لقد انتهى الحساب وفضّت المحاكمة، ووقع الجزاء.. وصار أصحاب النار إلى دارهم التي أعدت لهم، يلقون فيها الويل والبلاء، وصار أهل الجنة إلى دارهم ينعمون فيها، بما أعد الله لهم من نعيم ورضوان مقيم.. والمشاهد لهذه المشاهد من خارج، يرى فى كلمات الله التي صورتها، ما لا يراه على مسرح الحياة، ولو أتيح لهذه المشاهد من أبرع المخرجين من يخرجها ويتخير لها كل ما فى الحياة من إمكانيات.. فى الممثلين وأدوات التمثيل!

الآيات: (52 - 53) [سورة الأعراف (7) : الآيات 52 إلى 53]

الآيات: (52- 53) [سورة الأعراف (7) : الآيات 52 الى 53] وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (53) التفسير: وفى الانتقال من مشاهد القيامة إلى الحياة الدنيا، يقوم طريق يصل بين هذين العالمين.. عالم الحياة، وعالم ما بعد هذه الحياة.. وعلى امتداد هذا الطريق، وفى نهايته، يرى المشركون مصائرا لجبابرة والمتجبرين، وكيف تزلوا منازل الهون والعذاب.. يستغيثون فلا يغاثون، ويستجدون فلا يجود عليهم أحد ولو بقطرة ماء.. لقد سمع المشركون آيات الله تلك التي صورت لهم مشاهد القيامة، وشهدوا منها تلك المشاهد التي تنخلع لها القلوب، مما نزل بأمثالهم من المعاندين والمتجبرين، وأنهم إذا كانوا اليوم مجرد نظارة ومشاهدين، فإنهم فى غد على موعد مع هذا المكان الذي أطبق على أمثالهم، ولن يفلتوهم منه أبدا.. وإذ يخرج المشركون من بين يدى آيات الله، التي صورت تلك المشاهد، وإذ لا تزال صور هذه المشاهد تملك عليهم مشاعرهم، وتستولى على أفكارهم- وإذ هم فى تلك الحال يلقاهم قوله تعالى: «وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» فماذا هم فاعلون بهذا الكتاب، الذي أنزله الله عليهم مفصلا مبينا، على علم.. من لدن حكيم عليم؟ فلم يكن بيانه وتفصيله من عمل بشر.. هكذا تنطق آياته، وتتحدث وتتحدّى كلماته.. فيه هدى ورحمة لقوم يتقبلون

الحقّ، وينتفعون بالخير الذي يساق إليهم.. أما من أعرض وتولى، فقد حرم حظّه من الحق والخير.. فما موقف هؤلاء المشركين مع هذا الكتاب المعين؟ قوله تعالى: «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ» .. الاستفهام هنا إنكارى، ينكر على أهل الشرك والضلال توفّقهم فى الاستجابة لهذا الكتاب، والإيمان به، والعمل بما فيه.. فماذا ينظرون؟ أو ماذا ينتظرون؟ أينتظرون تأويل هذا الكتاب، ووقوع ما أخبر به من وعد ووعيد؟ إن تأويله- أي ما تؤول إليه أخباره- لا تكون إلا يوم القيامة.. فهل إذا جاء هذا اليوم، ووقع بهم الوعيد الذي أوعدهم الله به، أينفعهم إيمان أو يقبل منهم عمل؟ وكلّا.. فإن الله سبحانه وتعالى يقول: «يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً» (158: الأنعام) .. إنّهم فى هذا اليوم لا يملكون إلا أن يردّدوا الأمانىّ الباطلة: «فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ؟» .. وكلّا.. فلا شفعاء، ولا رجعة إلى الحياة مرة أخرى. لقد رفعت الأقلام، وجفت الصحف، وطوى الكتاب على ما عمل العاملون من خير أو شرّ.. وهؤلاء المشركون لم يسجّل لهم فى كتابهم إلا الشرّ، وإذن فهم: «قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ» .. لقد ذهبت مفترياتهم أدراج الرّياح، إذ كانت كلها من واردات الخيال والأوهام..

الآيات: (54 - 58) [سورة الأعراف (7) : الآيات 54 إلى 58]

الآيات: (54- 58) [سورة الأعراف (7) : الآيات 54 الى 58] إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (54) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58) التفسير: ويترك المشركون فى موقفهم مع أنفسهم، من هذا النداء الكريم الذي يدعوهم به الله سبحانه إلى كتابه، وإلى الإيمان به، قبل أن تنقضى آجالهم ويختم على أعمالهم، ويأتيهم تأويل ما فى الكتاب من وعيد، وعذاب شديد- يتركون هكذا ليتدبروا أمرهم وليأخذوا الطريق الذي يشاءون.. ثم إن لهم بعد هذا أن يستمعوا إلى آيات الله، وما يتنزل فيها من هدى ونور، يهدى إلى الله، ويكشف الطريق إليه، بما يتجلّى فيها من سلطان الله، وقدرته، وحكمته، ورحمته.. وفى هذا يقول الله تعالى: «إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» فهذه بعض مظاهر قدرة القدير، وحكمة الحكيم.. «خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ» .. وقد أشرنا من قبل إلى هذه الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض، وقلنا إنها ليست بيانا للزمن الذي عملت فيه القدرة هذا الخلق للسموات والأرض-

كما يذهب إلى ذلك أكثر المفسّرين- فذلك فهم خاطئ لقدرة الله، التي تحكم الزمن ولا يحكمها.. «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» . فهذه الأيام الستة، هى المدة التي ينضح فيها خلق السموات والأرض، وهى الوعاء الحاوي لخلق السموات والأرض، وتسويتهما على الصورة التي أرادها الله وذلك كما يتخلّق الجنين فى بطن أمّه، ويتم خلقه فى تسعة أشهر.. وهكذا الشأن فى كل مخلوق.. له وعاء زمنى يتخلق فيه، وأجل محدود ينتهى إليه.. وقوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» .. اختلف المفسرون فى العرش وفى صفته، وفى وظيفته.. كما اختلفوا فى الاستواء.. ما هو؟ وكيف يتصور؟ أما العرش، فقد ذكر فى القرآن أكثر من مرة.. مثل قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ» (7: هود) . فالعرش هنا موجود قبل خلق السموات والأرض، فكيف يجىء فى الآية السابقة معطوفا على خلق السموات والأرض بحرف العطف «ثم» ؟. جاء ذكر العرش فى قوله تعالى: «قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» (86: المؤمنون) وفى قوله سبحانه: «وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ» (75: الزمر) وفى قوله تعالى: «وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ» (15: 16- البروج) . فالعرش إذن كون من هذه الأكوان التي خلقها الله سبحانه، كما خلق السموات والأرض وغيرهما.. إنه مربوب لربّ الأرباب. ولكن ما صفة هذا العرش؟ وما وظيفته؟. جاء فى قوله تعالى عن عرش ملكة سبأ: «قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي

بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ» (38: النمل) وجاء فى قوله سبحانه: «فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ» (42: النمل) . فالعرش هنا هو مقصورة الملكة، أو مجلس الملك، حيث تتخذ منه الملكة مجلسا تتولّى فيه إدارة ملكها، هى وأعوانها.. فهل العرش الذي خلقه الله هو شىء من هذا القبيل، على بعد بعيد، فيما هو لله، وفيما هو لعباد الله؟ ليس ببعيد أن يكون لهذا الوجود فلك يدور فيه، وأن يكون لهذا الفلك مركز، وأن يكون العرش هو مركز هذا الوجود، وهى جميعها من خلق الله، وفى يد القدرة القادرة.. بقي معنى استواء الله على العرش.. وهذا أمر يتعلق بذات الله، فكما لا يمكن تصور ذاته، لا يمكن تصور أفعاله.. وقد سئل الإمام مالك رضى عنه- عن معنى الاستواء، فقال قولته المشهورة: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة» .. قوله تعالى: «يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ» أي يجلّل الليل بالنهار، أي يجعله جلالا له، وساترا، وغطاء، حيث يحجب ظلامه نور النهار.. ومنه قوله تعالى: «إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ» أي يلبسكم النعاس، وكذلك قوله سبحانه: «وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ» أي دخلوا فيها، وأخفوا أنفسهم. قوله تعالى: «يَطْلُبُهُ حَثِيثاً» جملة حالية من اللّيل، أي أن اللّيل يتبع النهار ويقتفى أثره، فينسخ نوره بظلامه. وهكذا النهار والليل فى دورة الفلك، حيث تدور الأرض حول نفسها،

تحت سلطان الشمس مرة كل يوم، من الغرب إلى الشرق.. وفى تلك الدورة اليومية بتناسخ كل من الليل والنهار، أي ينسخ كل منهما الآخر، وذلك بتحرك الأرض شيئا فشيئا، بحيث يكون دائما نصفها المقابل للشمس نهارا، والنصف الآخر ليلا، ففى كل لحظة، ضوء ينسخ ظلاما، ويلبسه، ويغشيه.. فالظلام الذي يخيم على الأرض شىء أصيل، والضوء الذي يلبسها كائن جديد داخل عليها.. الظلام منسوخ، والضوء ناسخ له. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً» (12: الإسراء) . وهناك حقيقة علمية مقررة، تتكشف من النظر فى قوله تعالى «يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً» وذلك بعد أن أصبحت كروية الأرض ودورتها حول الشمس من الغرب إلى الشرق من الحقائق المسلّمة، التي لم تعد موضع بحث أو خلاف.. تلك الحقيقة، هى أن الليل، أي الظلام، كان مستوليا على الأرض كلها، فلما أخذت الأرض مكانها من الشمس مع المجموعة الشمسية، انتسخ نصف الظلام الذي كان يغطى هذه الأرض، أو هذه الكرة، فكان نهارا، وبقي النصف الآخر ليلا.. وفى الحركة التي تتحركها الأرض فى مواجهة الشمس من الغرب إلى الشرق- يتناسخ الليل والنهار، فما يكون ليلا يتحول إلى نهار، وما يكون نهارا يتحول إلى ليل.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ» (37: يس) . وسلخ النهار من الليل، تعريته منه، كما يتعرى الحيوان من جلده الذي يكسوه.. فالنهار إذ يكسو وجه الأرض بضوئه يكون أشبه بالغشاء الجلدى الذي يكسو الجسد، فإذا انسلخ النهار، انكشف الليل بظلامه الكثيف. وفى الحساب الزمنى بتقدم النهار الليل أبدا، حيث كان الشرق هو مطلع

الشمس، فحيث تشرق الشمس يكون أبدا وراءها ظلام، أو ليل، هو متخلف زمنا عن النهار.. فالنهار فى الشرق هو ناسخ لليل لذى كان فى الغرب، والليل الذي يستولى على الشرق، هو فى مقابل النهار الذي انسحب منه.. أو بمعنى جغرافى آخر.. أننا إذا فرضنا أن الوقت الآن نهار فى نصف الكرة الشرقي، كان معنى هذا أن وراء هذا النهار ليل هو قائم فى النصف الغربىّ من الأرض، وأنه بحكم دورة الأرض حول نفسها من الغرب إلى الشرق، سيأخذ كل من النهار والليل مكان صاحبه بعد نصف دورة كاملة من دورة الأرض.. فبين الشرق والغرب فرق زمنى هو مدة نهار كامل، وهذا ما يمكن أن يفهم عليه قوله تعالى: «لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» (40: يس) .. فالنهار يسبق الليل أبدا، والعكس لا ينبغى أن يكون، لأن سلطان الشمس قائم على الأرض مسلط عليها، أو بمعنى أصح على النصف المواجه للشمس منها دائما.. وقوله تعالى: «وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ» معطوف على قوله سبحانه: «خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ» أي وخلق الشمس والقمر والنجوم، وهى كائنات مسخرات لأمره، لا سلطان لها، ولا فعل لها من ذاتها.. ومن هنا لا تصح عبادتها، ولا ينبغى أن يتعلق مخلوق بمخلوق مثله، وينشد الرزق منه. فقوله تعالى: «مُسَخَّراتٍ» حال من الشمس والقمر والنجوم. وقوله سبحانه: «أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» الخلق: خلق الكائنات جميعها، العلوىّ منها والسفلىّ.. «والأمر» التدبير والتسخير وإجراء كل مخلوق على التقدير الذي قدّره الله له.. فالمخلوقات جميعها صنعة الخالق، وحركاتها وسكناتها كلها بتقدير الله،

وبأمره.. «تبارك» أي علا وتقدّس وتمجّد وعظم.. «الله ربّ العالمين» .. هذا لسان حال الوجود كله، يسبح بحمد الله، ويمجده ويقدسه ويعظمه. قوله سبحانه «ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» أي إذا كان هذا الوجود كله هو صنعة الله، وكل حركة وسكون فيه هى بتقدير الله وبتدبيره وأمره، فإنه ينبغى ألا يكون لمخلوق متوجه إلا إلى الله وحده إليه تتجه لوجوه، وله ترفع الأكفّ وتبسط لأيدى.. «ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً» أي ادعوه فى تذلل وخضوع، وفى همس وخفوت، فهذا أجمع للجوارح، وأدعى إلى سكن النفس وطمأنينة القلب، وليس كذلك.. الصراخ والهتاف، حيث تتوزع المشاعر، وتتفرق الجوارح، ويدخل على الإنسان شعور يبعد الله عنه، وبأنه يملأ هذا الفراغ الذي بينه وبين الله، بهذا الهتاف والصراخ. وقوله تعالى: «إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» الاعتداء هنا هو الالتفات إلى غير الله، وللجأ إلى وجه غير وجهه.. فذلك عدوان على الله، وما له من حق على العباد فى الولاء له، والطلب منه.. قوله تعالى: «وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها» .. الإفساد فى الأرض هو اتخاذ الطرق المعوجة فيها، بعد أن أقامها الله على السلامة والفطرة.. فمن الإفساد العظيم فى الأرض، الشرك بالله، أو الكفر به، أو الانحراف عن شرائعه.. والله سبحانه وتعالى يقول: «أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً» . قوله سبحانه: «وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ» أي إذا انتهيتم عما نهاكم الله عنه، وهو الإفساد فى الأرض، فوجهوا وجوهكم إلى الله، وادعوه وأنتم على إشفاق وطمع.. إشفاق من عذابه، وطمع فى مغفرته.. هكذا هو شأن المؤمنين بالله.. حالهم أبدا معه على خوف منه، ورجاء فيه.. فالخوف

يدفع الإنسان إلى العمل والاجتهاد فى الطاعات.. والرجاء يشدّ عزمه، ويقوّى يقينه، ويثبت خطوه.. يقول بعض الصالحين: «لو أنزل الله كتابا بأنه معذب رجلا واحدا لخفت أن أكونه، أو أنه راحم رجلا واحدا لرجوت أن أكونه» .. وهذا أعدل موقف يقفه الإنسان، بين خوفه من ربّه وطمعه فى رحمته. قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» . فى الآية الكريمة عرض لمظهر من مظاهر قدرة الله، وما تحمل هذه القدرة إلى الناس من رحمة.. فهذه الرياح، يرسلها الله رسل رحمة إلى الناس، حيث تحمل السحاب مثقّلا بالماء، فتسوقه إلى الأرض الجديب والبلد الميت، ثم تنزل ما حملت من ماء، فتسيل به الوديان، وتجرى منه العيون، وإذا هذا الجدب، وذلك الموات، حياة تدبّ فى أوصال الكائنات، من جماد، ونبات، وحيوان.. تلك بعض مظاهر القدرة.. القادرة تلبس الجماد ثوب الحياة، وتخرج من الأرض الجديب زروعا ناضرة، وثمارا دانية القطوف، مختلفة الطعوم.. فهل تعجز هذه القدرة عن إحياء الموتى، ونشر الهامدين من القبور؟ ذلك ما لا يقول به عاقل إذا نظر نظرة هناك، ثم نظر نظرة هنا: «كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون» .. ولكن أين من يعقل ويتذكر؟. قوله تعالى: «وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً» .. وهكذا الناس، يصوبهم الغيث الإلهى من آياته وكلماته بين يدى الرسل، فيكون منهم ما يكون من الأرض الجديب يصوبها المطر، فبعضها طيب كريم، يقبل

الآيات: (59 - 64) [سورة الأعراف (7) : الآيات 59 إلى 64]

الماء ويتفاعل معه، فيخرج الثمر الطيب، والعطر الزكىّ، وبعضها لا يخرج شيئا، أو ينبت الحسك والشوك والمرار!. والنكد: السيء الرديء، الذي يتأذى الناس منه، طعما أو ريحا.. الآيات: (59- 64) [سورة الأعراف (7) : الآيات 59 الى 64] لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (60) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (62) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ (64) التفسير: بعد هذا العرض الذي تتجلى فيه قدرة الله وسلطانه المتمكن فى هذا الوجود، ورحمته المبثوثة فى كل أفق- بعد هذا جاءت آيات الله لتحدّث عن مشاهد من الكفر والضلال والمكر، بآيات الله، ولتقيم منها عبرة وعظة لهؤلاء المشركين الذين كذبوا رسول الله وبهتوه، وأخذوه ومن آمن معه بالبأساء والضراء.. وفى هذا عزاء للنبىّ وللمؤمنين معه، ووعيد للمشركين والضالين أن يحلّ بهم ما حلّ بأقوام سالفين، كذبوا رسل الله، ومدّوا إليهم ألسنتهم وأيديهم بالضر والأذى.. فهذا نوح- عليه السلام- يدعو قومه إلى الله، ويحذرهم من عذاب

يوم عظيم، إذا هم لم يستجيبوا له، ويستقيموا على الطريق الذي يدعوهم بآيات الله إليه.. والقوم فى عمى وضلال.. يلقون هذا الدّاعى الكريم بالتكذيب والسفه: «إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» .. أهكذا يجزى المحسنون على ما يقدمون من إحسان؟ ذلك ظلم مبين، وعدوان آثم على البر والإحسان..! والرسول الكريم حريص على سلامة قومه، ضنين بهم أن تغتالهم الضلالة ويفتك بهم الكفر، فيلقى سوءهم بإحسان، ويدفع الشر بالخير: «يا قوم ليس بي ضلالة ولكنى رسول من رب العالمين، أبلغكم رسالات ربىّ وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون.» ولا تبلغ كلمات الرسول منهم أذنا واعية، ولا تصادف قلبا متفتحا للخير.. إنهم يحسدون نوحا أن يكون الرجل الذي يتولى مكان القيادة والتوجيه، ولو كانت قيادته لهم ستفتح عليهم كنوز الأرض، وأبواب السماء.. «أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون» فذلك هو الداء المتمكن فيهم، والذي يعزلهم عن نوح، ويقطع بينهم وبينه الطريق إلى اللقاء، ويسد بينهم وبينه منافذ التفاهم والفهم. «فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ» .. فهذا هو الجزاء العادل، لمن انقاد لهواه، وأبى أن يفتح عينيه على هذا النور الذي يملأ الآفاق من حوله.. إن تلك هى جنايته على نفسه، وذلك هو مصيره الذي اختاره وارتضاه.. والملأ: الجماعة من الرجال خاصة. و «عمين» جمع عم، وهو الأعمى، يقال: عمى عمّى فهو أعمى، وعم.. وأصل «عم» عام، صيغة مبالغة من اسم الفاعل، مثل: حاذر وحذر، وهذا يعنى أن العمى الذي عليه القوم، ليس عمى طبيعيا، وإنما هو تعام عن

الآيات: (65 - 72) [سورة الأعراف (7) : الآيات 65 إلى 72]

الحق، ومبالغة فى هذا التعامي.. فهو عمى البصيرة، وليس عمى البصر. الآيات: (65- 72) [سورة الأعراف (7) : الآيات 65 الى 72] وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (65) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (66) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (68) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69) قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71) فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (72) التفسير: وهذا رسول آخر من رسل الله الكرام، هو «هود» عليه السلام، يجىء بعد نوح إلى قومه «عاد» فيدعوهم دعوة نوح إلى الله، ويلقى منهم ما لقى نوح من قومه من تكذيب وتسفيه، ولكنه يمضى معهم- كما مضى نوح مع قومه- ناصحا، متلطفا، يلقى السيئة بالحسنة، والشر بالخير، وهم- مع هذا- لا يزدادون إلا عنادا وإصرارا على ما هم فيه من عمى وضلال.. وتجىء الخاتمة التي لا تختلف أبدا.. نجاة للمؤمنين، وهلاك للمكذبين المعاندين..

الآيات: (73 - 79) [سورة الأعراف (7) : الآيات 73 إلى 79]

«سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا» (62: الأحزاب) والسفاهة. خفة الحلم والطيش. والبسطة فى الخلق: الزيادة فى بناء الجسد، وقوته. ذلك نعمة من نعم الله، إذا صادفت عقلا راشدا، وقلبا سليما.. والآلاء: النعم، وهى جمع: إلى، على وزن معى، وألى على وزن قفا.. والرجس: القذر والنجس.. ووقع عليهم: أي حلّ بهم، وأصابهم. والدابر: ظهر الشيء وخلفه.. ودابر القوم: آخرهم.. والمراد أنهم أخذوا عن آخرهم، فلم تبق منهم باقية. والقطع: الاستئصال من الجذر.. وفى قوله تعالى: «وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ» إشارة إلى أنهم لن يكونوا أبدا من المؤمنين، ولو جاءتهم كل آية.. حتى يروا العذاب الأليم. الآيات: (73- 79) [سورة الأعراف (7) : الآيات 73 الى 79] وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (73) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (78) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79)

التفسير: وبعد «هود» جاء «صالح» إلى قومه «ثمود» . وتتكرر الأحداث، ويشهد صالح ما شهد النبيّان الكريمان من قبله، نوح، وهود.. من البهت والتكذيب، والإصرار على الضلال والكفر.. وتجىء الخاتمة المنتظرة.. غضب الله وعذابه للقوم المجرمين، ورحمته وإحسانه للرسول ولمن اتبعه من المؤمنين.. ولدعوة التي يحملها الأنبياء إلى أقوامهم دائما، هى الإيمان بالله، والانخلاع عن عبادة لأوثان والأصنام: «اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ» . تلك هى رأس دعوتهم. ويجىء صالح إلى قومه بآية محسوسة يضعها بين أيديهم: «هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» . والناقة التي جاءهم بها صالح- عليه السلام- هى البينة، وهى الآية، التي تشهد له بأنه رسول الله، وقد اختلف فى أوصاف هذه الناقة، وفى الوجه الذي جاءت منه، فقيل إنهم اقترحوا عليه ناقة تخرج من صخرة أشاروا له إليها، فخرجت منها الناقة. وقيل إنها كانت على شىء عظيم من بسطة الجسم، حتى لقد كانت تشرب الماء الذي كان يشربه القوم كلهم فى يوم.. وقد حملوا هذا

المعنى على قوله تعالى: «هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ» . (155: الشعراء) . وليست العبرة فى خلق الناقة، ولا فى أوصافها التي كانت عليها، وإنما العبرة فيما ابتلوا به منها.. إنها ناقة الله.. وربما لا يكون فيها شىء يختلف عن جنسها من النياق، ولكن هكذا أضافها الله إليه تكريما وتشريفا، لتكون معلما من معالم الحق، له احترامه، وتوقيره.. والبلوى فيها هو ألا يمسوها بسوء.. فإن هم مسوها بسوء أخذهم العذاب.. وهذا هو وجه التحدي من تلك الآية، وتلك هى المعجزة المتحدية منها. ولم يصبر القوم على هذا البلاء، ولم يدعوا الناقة تأكل فى أرض الله كما تأكل جميع النياق، ولكنهم تحدوا هذه المعجزة، واستعجلوا العذاب الذي يأتيهم من جهتها، فمقروها. وقد أغراهم على ذلك ما أغرى أباهم آدم بالأكل من الشجرة التي نهى عن أكلها.. وإنه لو لم ينه عنها فلربما لم يلتفت إليها ولم يأكل منها.. وكذلك هم، كان نهيهم عن ترك الناقة تأكل فى أرض الله إلفاتا لهم إليها، وابتلاء لهم بعدم الامتثال لما أمروا به فى شأنها.. «فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ» أي مقلوبين على وجوههم، كما يجثم الطائر على الأرض والرجفة التي أخذتهم هى الزلزلة.. وقد وصفت بالطاغية فى قوله تعالى: «فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ» (5: الحاقة) ووصفت بالصيحة فى قوله تعالى: «وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ» (68: هود) وفى قوله تعالى: «قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ» إشارة إلى أن صالحا كان ذا جاه فى قومه، وأن سفاءهم لم يواجهوه مواجهة بالتجريح والتكذيب، بل

الآيات: (80 - 84) [سورة الأعراف (7) : الآيات 80 إلى 84]

كان ذلك منهم للذين آمنوا من مستضعفيهم.. وإلى هذا يشير قوله تعالى: «قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا» (62: هود) فهو قد كان فى مكانة ظاهرة فى قومه، وفى منزلة عالية من الاحترام والتقدير.. فلما جاءهم يدعوهم إلى الله، تغيّرت نظرتهم إليه، وساءت حاله عندهم.. وذلك لسابق ما أراد الله لهم من فتنة! وفى قوله تعالى: «فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ» - وذلك بعد أن أخذتهم الرجفة فأصبحوا فى ديارهم جاثمين- فى هذا ما يكشف عما كان فى نفس صالح من أسى وحسرة على هلاك قومه، وأن عزاءه عند نفسه أنه أبلغهم رسالة ربه ونصح لهم ولكنهم لم ينتصحوا.. فأخذهم الله بذنبهم: َ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» . وفى التعبير بلفظ التولّى الذي يدل على الإعراض- إشارة إلى أنه أعطاهم ظهره، غير آسف عليهم، بعد أن عزّى نفسه هذا العزاء.. ثم مضى فى طريقه مع من آمن به، وترك هؤلاء جثوما هامدين. الآيات: (80- 84) [سورة الأعراف (7) : الآيات 80 الى 84] وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84)

التفسير: وهذا لوط وقومه.. ولكل قوم داؤهم الذي جاء الرسول ليطبّ لهم منه.. وداء هؤلاء القوم هو أنهم يأتون الرجال شهوة من دون النساء، وقد كانوا فى هذا الفعل المنكر أول أناس فعلوه.. فهم أئمة فى هذا الضلال، عليهم وزر هذا الإثم ووزر من عمل به إلى يوم القيامة! والقوم- شأنهم شأن كل معتد أثيم- يستمرئون هذا الضلال، ويقيمون له منطقا يقع من نفوسهم موقع اليقين والاطمئنان، وبهذا عدّوا أنفسهم أصحاب دعوة راشدة، ودعاة فلسفة حكيمة، وأن لوطا ومن معه قوم منحرفون، متجمدون على القديم، لا يتحولون عنه.. ومن هنا سوّل لهم منطقهم هذا أن يؤذنوا لوطا ورهطه بالخروج من بينهم: «فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ» . وتجىء الخاتمة، كخاتمة كل صراع بين حق وباطل، وهدى وضلال.. «فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ» أي كانت من هؤلاء القوم الذين هلكوا ومضوا.. فالغابر، هو الماضي، إذ كان من شأنه أن تعلوه الغبرة بفعل الزمن.. وقد أصبح هؤلاء القوم فى حكم الغابرين، إذ قضى الله بإهلاكهم وليس لقضائه من مردّ. وهذا لوط وأهله إلا امرأته قد نجوا، وسلموا من هذا البلاء. وأما قومه فقد أمطروا مطر السّوء.. مطرا من نوع لم يعرفه أحد.. ولهذا جاء النظم القرآنى: «وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً» .. هكذا مطرا منكرا على غير مألوف الحياة.. إنه حجارة من سجيل، قلبت المدينة وما فيها ظهرا لبطن، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى فى سورة هود: «فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ» فهو، مطر ولكنه من حجارة، وهى حجارة ولكنها

الآيات: (85 - 87) [سورة الأعراف (7) : الآيات 85 إلى 87]

من سجّيل (أي من صوّان) وهى سجّيل ولكنها منضودة (أي مهيّأة ومعدّة لهم، فى أحجام منتظمة) وهى منضودة، ولكنها مسوّمة (أي معلّمة، يعرف كل حجر منها المكان الذي يقع عليه والأثر الذي يحدثه) . وقوله تعالى: «فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ» دعوة إلى النظر المتأمل المتفحص، الذي يأخذ العبرة من الأحداث ... ففى هذا الذي حدث لقوم لوط عبرة وعظة. الآيات: (85- 87) [سورة الأعراف (7) : الآيات 85 الى 87] وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (87) التفسير: وهؤلاء قوم شعيب، وداؤهم أنهم يختانون فى الكيل والميزان، فإذا كالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون. وقد جاء شعيب يدعو قومه دعوة الحق، ويقيمهم على طريق العدل فيما بينهم.. وها هو ذا يقول لهم: «يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ»

فمن آمن بالله كان من شأنه ألا يظلم، ولا يعتدى، «قد جاءتكم بينة من ربّكم» .. والبينة هى الآية والمعجزة المتحدية، ولم يذكر القرآن الكريم نوع هذه المعجزة، ولكن الذي ينبغى التصديق به أنه كان بين يديه معجزة ما، تحدّى بها القوم، وأراهم قدرة الله منها.. «فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ» والبخس هو الغمط، والنقص، والخيانة.. «وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» أي إن كنتم مؤمنين بالله، ومؤمنين بالحق والعدل الذي يدعو إليه الإيمان.. «وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ» والقعود بكل صراط: هو التصدي لمن يريدون الحق، ويطلبون الهدى، والإبعاد: الوعيد بالشرّ والتهديد به. «وتبغونها عوجا» أي تريدون أن تكون هذه السبيل- سبيل الله- معوجّة، أي ينحرف الناس عنها إلى سبيل الضلال والغىّ.. فهكذا أهل السوء والضلال، يحرصون دائما على أن يكون الناس جميعا على شاكلتهم، حتى لا يظهر سوؤهم، ولا ينكشف ضلالهم.. وهكذا الشرّ دائما موكّل بالخير، يريد أن يشوّه معالمه، ويفسد طبيعته، ليتوازى معه على كفتى ميزان. ولكن الله بالغ أمره.. فما كان قائما على الشرّ والفساد، مستنبتا فى منابت الضلال، فلا بقاء له، وما كان قائما على الحق والخير، مغروسا فى مغارس الهدى والنور، فهو شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء، تؤتى أكلها كلّ حين بإذن ربّها.. «كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ.. كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ» .

تم هذا الكتاب، ويليه- إن شاء الله- الكتاب الخامس فى تفسير الجزءين التاسع والعاشر.. وعلى الله قصد السبيل

الآيات: (88 - 93) [سورة الأعراف (7) : الآيات 88 إلى 93]

[الجزء الخامس] [تتمة سورة الأعراف] الآيات: (88- 93) [سورة الأعراف (7) : الآيات 88 الى 93] قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (89) وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ (93) التفسير: بلّغ شعيب قومه رسالة ربّه، ونصح لهم، واستقبل إساءاتهم بالحسنى، وسفاهاتهم بالصفح والمغفرة- هكذا الأنبياء والمرسلون، ينظرون إلى من أرسلوا إليهم نظرة الطبيب الحكيم إلى مريض، استبدّ به مرضه، فأفقده صوابه أو أفسد تفكيره ... وإن مهمة الرسل لهى أشقّ من هذا، وأكثر حاجة إلى الرفق والملاطفة، وإلى الحكمة والكياسة فى اتصالهم بأقوامهم، وفى تألّفهم واستئناسهم، حتى يسمعوا لهم، ويقبلوا منهم، إن كان فيهم بقيّة من خير، أو إثارة من عقل ... وفى هذا يقول الله تعالى لنبيّه

الكريم: «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (125: النحل) . وها هم أولاء سادة القوم، وأصحاب الكلمة فيهم، والسلطان عليهم، يتصدّون لشعيب، ويقفون لدعوته بالمرصاد، إذ كانت هذه الدعوة تنزلهم من النّاس منزلة الآدميين، لا الآلهة المتسلطين، وتغلّ أيديهم عن هذا الكسب الحرام الذي يغتالون به حقوق الضعفاء، ويمتصون به دماء الفقراء ... وإنه لو قدّر لشعيب أن يمضى بدعوته إلى غايتها، لسدّ على هؤلاء السّادة منافذ البغي والعدوان، ولما بقي لهم في الناس هذا السلطان المبسوط لهم على رقاب العباد. ولا يكتفى هؤلاء السادة أن يعرضوا عن شعيب وعن دعوته، بل إنهم يجاوزون هذا إلى تهديده ووعيده بأن يخرجوه من بينهم، هو ومن آمن معه، إن لم يرجع عمّا هو فيه، وإن لم يعد إلى حاله الأولى قبل أن يطلع عليهم بتلك الدعوة التي يدعوهم إليها.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا» .. إنها لقريتهم! هكذا يقولونها صريحة في غير مواربة.. «قريتنا» بحالها التي هى عليها، وبكل ما كان يموج فيها من ظلم وفساد.. أما شعيب والذين آمنوا معه، فهم شىء غريب، دخل على هذا الكيان الفاسد، وهم دواء مرّ يأبى أن يقبله هذا الجسد العليل.. وينكر شعيب على هؤلاء السفهاء من قومه أن يدعوه إلى تلك الدعوة المنكرة.. إنه يدعوهم إلى الحق والخير، وهم يدعونه إلى الضلال والهلاك،

وشتّان بين دعوته ودعوتهم.. وإنه إذا لم تكن منهم استجابة له، فلا أقلّ من أن يدعوه وشأنه، وأن يدعوا النّاس وما يختارون لأنفسهم من موقف إزاء دعوته ودعوتهم، وألا يحولوا بينه وبين من يستجيب له منهم، وألا يتسلطوا على الذين آمنوا معه، ويحملوهم على السير معهم في هذا الطريق الذي ارتضوه، وأبوا أن يتحولوا عنه.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى على لسان شعيب: «أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ؟» أي أيكون هذا موقفكم منّا، ووعيدكم لنا بالإخراج من القرية، إن كنا مصرّين على موقفنا، متمسّكين بعقيدتنا، كارهين لما تدعوننا إليه من العودة إلى ملّتكم؟ إنّ الدّين لا يكون عن إكراه، وإن العقيدة لا تقوم على التسلط والقهر.. فكيف تكرهوننا إكراها على دين لم نقبله، وعلى عقيدة لم نرضها؟ إنّه لا إكراه فى الدين، وإننا لن نكرهكم على ما ندعوكم إليه، فكيف تكرهوننا على ما تدعوننا إليه؟ ثم تهددوننا بالطرد من قريتنا إن لم نستجب لكم؟ ذلك ظلم مبين، وعدوان آثم. «قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها» .. أي إننا وقد عرفنا الحق، وآمنا به عن فهم واقتناع، فإن الحيدة- بعد هذا- عن طريق الحق، هى افتراء على الله، وكذب صراح في وجه تلك الحقيقة المشرقة.. «وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا» . إذ كيف يقبل عاقل أن يرد موارد الهلاك بعد أن خلص منها، وسلك مسالك النجاة؟ «وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً» . إنّنا لن نعود أبدا إلى ملتكم بعد أن نجانا الله منها، إلّا أن يكون ذلك عن مشيئة سابقة لله فينا، وعن قدر قدّره علينا، فذلك من شأن الله وحده،

هو الذي يملك من أنفسنا ما لا نملك، فإذا كان الله قد شاء لنا أن نعود القهقرى إليكم، ونردّ على أعقابنا معكم، فنحن مستسلمون لأمر الله، راضون بحكمه، أما نحن فى ذات أنفسنا، فعلى عزم صادق ألّا نعود فى ملتكم أبدا، إلا أن ينحلّ هذا العزم بيد الله، لأمر أراده الله، وقضاء قضى به.. «وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً» .. فهو- سبحانه- وحده الذي يعلم مصائر الأمور، ولا يدرى أحد قدره المقدور له، ولا مصيره الذي هو صائر إليه، فذلك علمه عند علام الغيوب.. أما نحن فمطالبون بأن نستقيم على الحق، وأن نفوّض الأمر لمالك الأمر.. «عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ» .. والفتح هو الحكم، وتلك قضية بين شعيب وقومه، هو يدعوهم إلى الهدى، وهم يدعونه إلى الضلال، وهو يلقاهم بالحسنى، وهم يتهدّدونه بالبغي والعدوان، والله سبحانه وتعالى هو الذي يحكم بين الفريقين، ويدين من هو أهل للإدانة، ويأخذه بما يستحق من عقاب. وقول شعيب: «رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ» - مع أن فتح الله أو حكمه لا يكون إلا بالحق- هو تقرير للواقع، وإشعار للخصوم بأنهم لا يؤخذون بغير الحق، وأنهم وشعيب على سواء بين يدى من يفصل بينه وبينهم فيما هم مختلفون فيه. ومع هذا الموقف العادل الذي يقفه شعيب من قومه، وفى موقفه معهم فى ساحة القضاء الذي يقول كلمة الحق بينه وبينهم- فإنهم لم يقبلوا هذا منه، ولم ينتظروا ما ينجلى عنه هذا الموقف، بل جعلوا إلى أنفسهم أمر القضاء فى هذا الخلاف، وأعطوا لأنفسهم كلمة الفصل فيه، وأنهم هم وحدهم أصحاب الحق.. فأدانوا شعيبا، وحكموا عليه بالخروج من القرية هو ومن آمن معه، واستعجلوا إنفاذ هذا الحكم فيه وفيهم..

«وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ» . هذا هو محتوى الحكم الذي حكموا به. من اتبع شعيبا فهو من الخاسرين، لأن شعيبا على باطل، وهم على حق، وإذن فلن يخلص من أيديهم إلا بأن يخرج من القرية، ويمضى حيث يشاء.. هكذا قدّروا، وهكذا حكموا. وما أن همّوا بإنفاذ هذا الحكم، حتى جاء الحكم الذي لا يردّ، الحكم الذي حكم به أحكم الحاكمين.. «فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ» . إنه الحكم الذي أدين به من قبل أشباه لهم، كذبوا رسول الله، وعقروا ناقة الله.. إنهم قوم «صالح» ، الذين أخذتهم الرجفة من قبلهم فأصبحوا فى دارهم جاثمين.. والرجفة هى الاضطراب والزلزلة ... فلقد زلزلت بهم الأرض، ودمدم عليهم ربهم بذنبهم، فأصبحوا فى ديارهم جاثمين، أي جثثا هامدة، لاحراك بها.. «الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ» تلك هى عاقبة المكذبين.. لقد أقفرت منهم الديار، حتى كأنهم لم يكونوا من عمّارها يوما. يقال: غنى بالمكان، أي أقام فيه، وسكن إليه، بما اجتمع له من وسائل تغنيه عن التحول عنه.. ويتلفّت شعيب إلى ما حلّ بقومه، وما صار إليه أمرهم بعد أن أصبحوا جثثا هامدة وأشلاء مبعثرة، فيأسى عليهم، ويحزن لهم، ولكن سرعان ما يدفع عنه مشاعر الأسى والحزن، حين يراجع حسابه مع قومه، وما كان منه ومنهم، فيجد أنهم ليسوا أهلا لدمعة رثاء تدمعها عينه عليهم..

الآيات: (94 - 99) [سورة الأعراف (7) : الآيات 94 إلى 99]

«يا قَوْمِ ... لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ» ؟. إنه ليس أرحم من الله بهم، ولقد أرسل الله إليهم غيوث رحمته على يد رسول كريم، فأبوا أن يقبلوها، وتهدّدوا من حملها إليهم، وآذنوه ومن آمن معه بالطرد من القرية، فكان ما أخذهم الله به، هو الجزاء العادل الرحيم.. الآيات: (94- 99) [سورة الأعراف (7) : الآيات 94 الى 99] وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (95) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ (99) التفسير: بعد أن عرضت الآيات السابقة بعضا من قصص الأنبياء مع أقوامهم، وما كان من هؤلاء الأقوام من كفر وضلال، ومن تطاول على رسول الله، وتحدّ وقاح لهم، ثم ما أخذ الله به هؤلاء الأقوام من نكال وبلاء فى الدنيا، وما أعدّ لهم من عذاب شديد فى الآخرة- بعد هذا جاءت آيات الكتاب لتقرر هذا الحكم العام، الذي يجريه الله على الظالمين، الذين يقفون

فى وجه الحقّ ويتصدّون لدعاة الخير، وهذا الحكم هو الخذلان للظالمين، والتنكيل بهم، حيث لا يردّ عنهم بأس الله ما لهم من جاه وسلطان، وما بين أيديهم من بأس وقوة. «وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ» . فتلك هى سنة الله فى الأمم الخالية، قبل بعثة النبي «محمد» خاتم الأنبياء، عليه وعليهم الصّلاة والسلام. فما كان يبعث نبى إلى قرية من القرى، أو جماعة من الجماعات إلا كذّبوه، وبغوا عليه، وأنكروا مقامه فيهم، وهمّوا بإخراجه من بينهم، أو قتله، إن هو ظلّ على موقفه منهم.. وهنا تجىء الخاتمة، ويقع بهم ما أنذروا به من قبل إن هم أبوا إلا كفرا، وإلا عنادا وإصرارا على الكفر، وما هى إلا عشية أو ضحاها حتى يصبح القوم أثرا بعد عين، «فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها وَلا يَخافُ عُقْباها» وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ» (5: غافر) وقوله تعالى: «لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ» تعليل لهذا العقاب الذي أخذهم الله به، من بأساء وضراء ... والبأساء ما يقع على الأموال من ضرّ، والضراء ما يصيب النفوس من بلاء ... والتضرّع: الخضوع، والتذلل والاستسلام. والسؤال هنا: كيف يتضرّعون، وقد أصبحوا فى الهالكين، بهذا الأخذ المستأصل الذي أخذهم الله به؟ والجواب: أن هؤلاء الذين هلكوا، هم عبرة ومثل لمن بعدهم ... والتضرّع

واللّجأ إلى الله إنما هو ممن يجىء بعدهم ويخلفهم من ذريتهم.. إذ أن هلاك الهالكين وإن كان عامّا شاملا، إلا أن هناك بقية باقية، من حواشى القوم، المنتشرين هنا وهناك بعيدا عن المجتمع، كما أن هناك أعدادا قليلة من المؤمنين، الذين نجاهم الله من هذا البلاء ... فهؤلاء وهؤلاء هم البقية الباقية من القوم، وهم الذين ينبت منهم وينمو، هذا الجيل الذي يخلفهم.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ» .. أي أن الله سبحانه وتعالى قد رفع هذا البلاء الذي نزل بالسّلف، وجعل مكانه نعمة وعافية تلبس الخلف، ليكون فى نعمة الله عليهم، حجة بين يدى الرسول الذي يجيئهم ليدعوهم إلى الله، وليلفتهم إلى فضله عليهم كما قال هود لقومه، وهو يدعوهم إلى الله: «وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» وكما قال صالح لقومه: «وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» .. فهذه النعم التي يلبسها الخلف، بعد النقم التي حلّت بالسلف، هى حجّة بين يدى الرسول، يذكرّ بها قومه، ليذكروا ما كان لله عليهم من فضل، وأنه لم يأخذهم بما جنى آباؤهم.. وقوله تعالى: «حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ» إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى قد أمهل هذه البقية الباقية من القوم الهالكين- أمهلهم حتى «عفوا» أي نموا، وكثروا، ومسّتهم العافية.. فالعفو أصله من العافية، التي يتبعها النماء والزيادة، كما جاء في قوله تعالى: «وَيَسْئَلُونَكَ ماذا

يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ» ومنه قوله صلى الله عليه وسلّم «احفوا الشوارب واعفوا اللّحى» أي قصّروا الشوارب، وأطيلوا اللّحى، أي اتركوها حتى تنمو أصول الشعر، وتطول. وفى قوله تعالى: «وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ» إشارة إلى أنهم أدركوا ورشدوا، وعرفوا ما حلّ بآبائهم من شر وخير.. وفى هذا إشارة أيضا إلى أن الله قد أمهلهم حتى تتابعت أجيم، وكثرت مواليدهم، ونمت أموالهم، وكان لهم بعد الآباء آباء.. وهذا هو السرّ فى تقديم الضّراء على السّرّاء هنا.. فالضراء هى ما أصيب به القوم الهالكون من آبائهم الأولين، والسرّاء هى النعم التي أفاضها الله على آبائهم الأقربين.. فهم فى نظرتهم إلى الوراء يرون على مسيرة الماضي وجهين من وجوه الحياة، تغايرا على موطنهم الذي هم فيه.. يرون آباء لهم كانوا فى نعمة من الله، وعافية من البلاء، فكفروا بأنعم، وعصوا رسله، فأخذهم الله بالبأساء والضرّاء، وآباء خلفوا هؤلاء الآباء فألبسهم الله لباس النعمة والأمن ولم يبلهم بعد حتى يعلم ما عندهم من إيمان أو كفر.. وهؤلاء الآباء، هم وأبناؤهم هؤلاء، لم ينتفعوا بهذه المثلات التي حلّت بآبائهم الأولين، إذ حين ابتلاهم الله، وبعث فيهم رسله، كفروا بنعم الله، ومكروا بها، وأخذوا الطريق الذي أخذه أسلافهم مع رسل الله الذين بعثهم الله فيهم. وهذه هى سنّة الله فيهم، كما هى فى آبائهم.. الهلاك والدمار للقوم الظالمين.. وفى هذا يقول الله تعالى: «فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ..» وفي النظم القرآنى إعجاز الحذف، الذي دل عليه ما سبق.. والتقدير: «حَتَّى (إذا) عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ» (أرسلنا إليهم رسولا كما أرسلنا إلى آبائهم رسولا، فكذبوه، وسخروا منه، وتوعدوه) «فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ» .

وفى قوله تعالى: «وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ» إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى أمهلهم حتى كانت لهم فسحة من الوقت ينظرون فيها، ويتأملون فيما بين أيديهم وما خلفهم، ويرون ما حل بآبائهم.. وقد بسطنا القول فى شرح هذه الآية، إذ لم نر أحدا من المفسرين أقامها على وجه نرضاه ونطمئن إليه. قوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» . هو تعقيب على ما حل بالظالمين من بلاء ونكال.. ثم هو وعيد المشركين من أهل مكة وما حولها من القرى.. فهؤلاء الذين أخذوا بظلمهم، لو أنهم آمنوا بالله، وصدقوا رسله، واتقوا محارم الله، وأقاموا شريعته، لكانوا فى عافية من أمرهم، وفى سعة من رزقهم، ولفتح الله عليهم بركات من السماء التي رمتهم بالصواعق، وبركات من الأرض التي زلزلت بهم، ورجفت، وفغرت أفواهها لابتلاعهم.. أفلا يكون فى هؤلاء القوم عبرة لمعتبر، وذكرى لمن يتذكر؟ وماذا تنتظر أمّ القرى ومن حولها، وقد استغلظ فيها الشرك، وعاث فيها المشركون؟ والسؤال هنا: هل من مقتضى الإيمان والتقوى أن تفتح على المؤمن التقىّ بركات من السماء والأرض؟ أو بمعنى آخر: هل المؤمنون الأتقياء هم أكثر الناس رزقا وأوفرهم مالا؟ وكيف؟ والمشاهد أن الذين يجتمع إلى أيديهم الغنى والجاه والسلطان، هم الذين لا يؤمنون بالله، أو الذين يؤمنون به ولكن لا يتقونه ولا يوقرون حرماته؟

فما تأويل قوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ..؟» والجواب: أن المؤمن بالله، المتقى لحرماته، هو أكثر الناس غنى فى قلبه، وقناعة فى نفسه، ورضى بقدره ... فالقليل فى يد المؤمن التقىّ هو كثير مبارك فيه، يسدّ حاجته، ويجلّى عن نفسه هموم الدنيا، ويقيمه على رضى دائم، واطمئنان متصل، وسلام مقيم مع نفسه، ومع الناس، ومع الوجود كله.. وهذا هو السرّ فى وصف الرزق المنزل من السماء، والنابت من الأرض- بالبركة.. فهو رزق ممسوس بنفحات البركة التي تجعل القليل كثيرا، ينمو على الإنفاق، كما تنمو النبتة المباركة فى الأرض الطيبة. فالمجتمع المؤمن التقىّ، مجتمع مثالىّ فى حياته، وما يرفّ عليها من أرواح السلام، والأمن، والاستقرار، حيث لا ظلم، ولا بغى، ولا عدوان، وحيث الناس إخوان على طريق الله، وعلى التناصح والتواصي بالحق والخير.. فأى بركة أعظم من تلك البركة وأي حياة أطيب وأكرم من هذه الحياة، التي يجتمع فيها الإنسان إلى الإنسان، بقلب سليم، ونفس مطمئنة، لا يحمل لأحد شرا، ولا يتربص له أحد بسوء؟ وفى هذا يقول الشاعر العربي: لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكن أخلاق الرجال تضيق فحيث كان الإيمان والتّقى، كان الإخاء، والأمن والسلام، والعافية.. قوله تعالى: «أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ» .

إنه نذير للمشركين من أهل مكة ومن حولهم.. إنهم قد أشركوا بالله، وبغوا فى الأرض، ولم يكن لهم نظر ينظرون به إلى ما حل بالبغاة الظالمين.. وها هو ذا رسول الله يدعوهم إلى الله، ويمدّ يده إليهم بالهدى.. وها هم أولاء يكذبونه، ويسخرون منه، ويأتمرون به.. فماذا ينتظرون غير سنّة الأولين؟ .. وفى هذا يقول الله تعالى عنهم: «وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ» (15: ص) . وعلام يعوّل هؤلاء القوم فى تماديهم فى الضلال، واطمئنانهم إلى ما هم فيه؟ أهناك من يدفع عنهم عذاب الله، ويردّ عنهم بأسه؟ ذلك ضلال إلى ضلال، وعمى بعد عمى، وفتنة مع فتنة.. وكيف يأمنون مكر الله، ومعاجلتهم بالعذاب من حيث لم يحتسبوا؟ «أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ؟ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ» .. وأي خسارة أكثر من أن يرى الإنسان نذر الشر والهلاك مقبلة إليه، ثم يخدع نفسه، ويخيّل إليها أن هذه النذر لن تتجه إليه، ولا تنال منه.. ثم يظل هكذا يرتوى من هذا السراب الخادع حتى تقع به الواقعة، وينزل بساحته البلاء.. فلا يجد له مهربا.. ولو أنه تنبه لهذا الخطر المشير إليه، وأخذ حذره منه، واتخذ له طريقا غير هذا المؤدى به إلى مواقع الهلاك والتلف- لو أنه فعل ذلك فلربما سلم ونجا، فإن لم يسلم ولم ينج، كان قد أعذر لنفسه، وأدّى المطلوب منه نحو ذاته.. وفى توقيت العذاب الواقع بهؤلاء الظالمين من أهل القرى.. بالبيات، وهو الليل، وبالضحى، وهو ضحوة النهار وشبابه- فى التوقيت بهذين الوقتين إشارة إلى أن بلاء الله ينزل فى أي وقت.. فى غفلة من الناس وهم نيام، قد استولى عليهم النعاس، ولفّهم الليل بردائه الأسود الكثيف.. أو فى ضحوة

النهار- عند الضحى- وقد اكتملت أسباب الحياة، واليقظة للناس، وللحياة من حولهم، وعندئذ يشهدون الهلاك عيانا، وهم في أحسن أحوالهم من الاتصال بالحياة، والأخذ بكل قواهم، مما يطلبون ويشتهون منها.. وكلا الضربتين من ضربات النقمة والبلاء، تجىء فى وقت يجعل أثرها مضاعفا، ووقعها مزعجا، بالغ الغاية في الإزعاج. إن النائم الذي استغرق فى النعاس، لتزعجه الهمسة تطوف به، حتى ليخيل إليه منها أنها صوت رعد قاصف، أو هدير إعصار ثائر.. فكيف إذا كان ذلك بلاء نازلا من السماء يرمى بحجارة من سجيل، أو عذابا فائرا من الأرض يرمى باللهب، ويقذف بالحمم. وإن الإنسان الذي لبس ثوب النهار، واستروح أنسام الصباح، واستحضر كل وجوده ليتصل بالحياة، وليقيم وجهه على ما يشتهى منها، ويمسك بكلتا يديه على ما يقدر عليه من لهوها وجدّها- إن مثل هذا الإنسان ليكرب أشدّ الكرب أن يعرض له فى تلك الحال ما يقطع عليه حبل اتصاله بالحياة، أو يلفته عن طريقه الذي أخذه معها- فكيف إذا كان ذلك بلاء مدمرا يهلك الحرث والنسل، ويطوى السهل والوعر، ويأتى على كل ما جمع الجامعون، وملك المالكون؟ واستمع مرة أخرى إلى قوله تعالى: «أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ» . وانظر إلى أهل القرى، وهم نائمون.. ثم انظر إليهم وقد جاءتهم الضربة القاضية، فإذا هم بين يديها قيام ينظرون، وكأنهم أصحاب القبور، يوم ينفخ فى الصور فيقولون: يا ويلنا.. من بعثنا من مرقدنا؟

الآيات: (100 - 102) [سورة الأعراف (7) : الآيات 100 إلى 102]

وانظر إلى أهل القرى، وهم فى ضحوة النهار يلعبون.. ثم انظر إليهم وقد جاءهم أمر ربك على حين غفلة، فقطع عليهم ما هم فيه من لهو ولعب، وقلب بين أيديهم مائدة الحياة وما عليها من أدوات اللعب واللهو! وصدق الله العظيم: «وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ» (102: هود) . الآيات: (100- 102) [سورة الأعراف (7) : الآيات 100 الى 102] أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (100) تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (101) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ (102) التفسير: هذه الآيات والآيات التي قبلها هى تعقيب على ما حلّ بالقوم الظالمين، الذين عصوا رسل الله، واسترهبوهم بصور مختلفة من الوعيد. وهذه التعقيبات هى مما يمكن أن يرد على الخواطر، ويتردد على الألسنة ممن يمرّ من عقلاء الناس بمصارع القوم الظالمين، ويجوس خلال الديار التي عمروها، أو يقصّ عليه خبرها، وتكشف له أنباؤها، ففيها العبرة، وفيها العظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.. وقوله تعالى: «أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ

وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ» .. إنه يكشف عن وجه من وجوه العظة والاعتبار.. فهؤلاء الذين سكنوا مساكن القوم الظالمين الذين هلكوا، وورثوا أرضهم وديارهم وأموالهم.. ألم يهد لهم وينكشف لأبصارهم أو بصائرهم أن الله سبحانه وتعالى لو شاء لأخذهم بذنوبهم كما أخذ القوم الظالمين قبلهم بذنوبهم؟ ولساق إليهم نذر الدّمار والهلاك كما ساقها إلى الهالكين من قبلهم؟ فما حجتهم على الله حتى يدفع عنهم هذا البلاء الذي هم جديرون بأن يؤخذوا به؟ وما وجه فضلهم على من أهلكوا قبلهم حتى لا يصيروا إلى مثل مصيرهم، وقد فعلوا فعلهم، وأخذوا طريقهم؟ إنه لا لحجة لهم على الله، ولا لفضل ظاهر فيهم، أن عافاهم الله من هذا البلاء، وأن صرف عنهم عذابه، ولكن لمقام رسول الله بينهم، ولفضل الله على نبيه الكريم ألا يعذب قومه وهو فيهم، كما وعده ربّه هذا الوعد الكريم: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» (33: الأنفال) وهذه خصيّصة لمحمد صلوات الله وسلامه عليه، من بين رسل الله جميعا، ألّا يرى عذاب السّماء ينزل على قوم هو منهم، أو يصيب بلادا هو فيها.. وفى قوله تعالى: «وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ» إشارة إلى أن العذاب الذي سيقع بهؤلاء الظالمين ليس عذابا ظاهرا، ينزل من السماء، أو يخرج من الأرض، ولكنه بلاء خفىّ، يغشى قلوب الظالمين، فيحجب عنها الهدى، فلا تتهدّى إليه، ويصرف عنها الخير، فلا تعرف له وجها.. وفى النظم القرآنى حذف دلّ عليه المقام، والتقدير: «أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ» (وأخذناهم بما أخذنا به القوم الظالمين قبلهم من بلاء ونكال، ولكنا لا نفعل بهم هذا، تكريما للنبي الكريم، «وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ» كلام الله، ولا ينتفعون به)

وهذا عقاب خفىّ، لا يراه الرسول، حتى لا يحزن ولا يأسى.. وفى قوله تعالى: «فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ» إشارة إلى أن المعجزة التي بين يدى هؤلاء القوم، والتي تكشف لهم الطريق إلى تصديق الرسول والإيمان بما جاء به- ليست معجزة منظورة تراها العين، ولكنها معجزة مقروءة تسمعها الأذن، ويعيها القلب.. وتلك المعجزة هى القرآن الكريم، والمستمعون لها هم هؤلاء القوم المشركون، ولكنهم لا يسمعون السمع الذي ينفذ إلى القلب، ويتصل بالعقل.. قوله تعالى: «تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ» . القرى المشار إليها للنبىّ، هى تلك القرى التي قصّ الله سبحانه وتعالى أخبارها من قبل، وما حلّ بأهلها، بعد أن كذّبوا الرّسل.. وهؤلاء مشركوا أمّ القرى ومن حولها، قد سمعوا ما قصّ الله من أنباء القرى التي أهلكها الله حين كذبوا رسل الله، وهاهم أولاء يكذبون النبيّ ويمثّلون معه الموقف نفسه الذي وقفه من سبقهم من أهل القرى التي أهلكها الله- هؤلاء المشركون وتلك حالهم، هم بين أمرين: إما أن ينتظروا البلاء الذي حلّ بمن سبقهم، وإما أن يؤمنوا بالله، ويستجيبوا للرسول. أما البلاء، فلن يقع بهم والنبيّ فيهم.. وأما الإيمان، فلن يؤمنوا، لأن الله قد طبع على قلوبهم.. وإذن فليس لهم إلا الخزي فى الدنيا، وعذاب السعير في الآخرة..

والمراد بهؤلاء القوم هو رءوس الكفر، من مشركى مكة، الذين علم الله أنهم لن يؤمنوا، كما يقول سبحانه وتعالى فيهم: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا. (57- 58: الكهف) . فقوله تعالى: «فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ» مراد به هؤلاء العتاة من رءوس المشركين من قريش.. إنهم لا يؤمنون أبدا بهذا الرسول الذي كذّبوا به، وبما أنزل إليه من آيات ربّه، فما ينزل من آيات الله بعد هذا، وما يساق إليهم فيها من عبر وعظات فى قصص الأولين- كل هذا لن يزيدهم إلا نفورا.. «كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ» ذلك الطبع الذي لا ينفذ منه إلى القلب لمعة من نور الحق أبدا. وقوله تعالى: «وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ» هو وصف كاشف لهؤلاء الرءوس من أهل الشرك فى قريش. وأمّا العهد الذي نقضوه مع الله فهو قولهم الذي حكاه القرآن عنهم: «أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ» (156- 157: الأنعام) فهم قد عاهدوا أنفسهم أن لو جاءهم كتاب كما جاء أهل الكتاب كتاب، لآمنوا بالله، وكانوا أهدى سبيلا من أهل الكتب السابقة. وقوله تعالى: «وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ» ..: «إن» هنا هى المخففة من إنّ الثقيلة المؤكدة، واللام فى قوله تعالى: «لفاسقين» هى اللام

الآيات: (103 - 116) [سورة الأعراف (7) : الآيات 103 إلى 116]

المؤكدة، الداخلة على الخبر، والمعنى، وإنّا وجدنا أكثرهم لفاسقين، ينقضون العهد الذي وثقوه مع أنفسهم، وذلك خيانة منهم لوجودهم. الآيات: (103- 116) [سورة الأعراف (7) : الآيات 103 الى 116] ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (105) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108) قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ (110) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (112) وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (113) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) التفسير: فى الآيات التي مضت، ذكر فيها قصص الأنبياء: نوح، وهود، وصالح، وشعيب عليهم السلام، وقد تخللت هذه القصص لمحات وإشارات إلى مشركى

مكة، تلفتهم إلى مصارع القوم الظالمين، الذين كذبوا رسل الله وأعنتوهم، وأن هؤلاء المشركين من قريش إذا أصروا على ما هم عليه من عناد وشرك، بعد هذا الهدى الذي جاءهم من عند الله، على يد رسول الله- فلن يكونوا بمأمن من هذا المصير المشئوم الذي صار إليه الظالمون من قبلهم. ولم تذكر الآيات السابقة قصة موسى، مع فرعون، ثم قصته مع قومه بنى إسرائيل.. وهذا ما عرضت له تلك الآيات التي نحن بين يديها الآن.. «ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ» .. أي ثم بعث الله سبحانه وتعالى، من بعد هؤلاء الرسل الذين ذكرتهم الآيات السابقة- بعث موسى بآيات معجزات إلى فرعون وملائه، أي الوجوه البارزة من قومه، من وزرائه وقواده، وأصحاب الرأى والكلمة عنده، فلم ينتفع هو ولا قومه بهذه الآيات، ولم يروا فيها طريقا يصلهم إلى الله ويدعوهم إليه، بل ظلوا على ما هم عليه من ظلم ومن بغى، بل لقد كانت تلك الآيات باعثة لهم على المبالغة فى الظلم والبغي، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «فَظَلَمُوا بِها» أي اتخذوها أداة من أدوات الظلم، وذريعة من ذرائعه، كما سنرى ذلك فى موقف فرعون بعد أن التقى به موسى، وعرض عليه ما بين يديه من معجزات. وفى قوله تعالى: «فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ» .. فى هذا ما يسأل عنه وهو: كيف يجىء الأمر بالنظر إلى ما صارت إليه حال القوم المفسدين، ولم تأت عاقبتهم بعد؟ وماذا ينظر الآن من عاقبة هؤلاء المفسدين؟ والجواب: أن المبادرة إلى هذه الدعوة بالنظر إلى مصير المفسدين، هى لإثارة التطلعات إلى تلك الخاتمة المثيرة التي ستختم بها هذه القصة، وما ينتهى

إليه الصراع بين الحق والباطل، ففى هذه المبادرة إعداد للنفس، وإثارة لأشواقها، وإخلاء لها من الشواغل، حتى تلتقى بتلك الخاتمة وهى على حال تامة من الوعى واليقظة، فلا تفوتها من مواقع العبرة والعظة فائتة. ومن جهة أخرى، فإن فى المبادرة بهذا الحكم، على هؤلاء القوم بأنهم مفسدون- إشعارا بأن القضية هنا قضية صراع بين حق وباطل، وبين دعاة إصلاح وأهل فساد، وفى هذا ما يقيم شعور المستمع لهذه القضية على هذا الموقف منها، وهو موقف بين المحقين والمبطلين. «وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ» . فهذا هو مبدأ القصة.. يلتقى موسى بفرعون لقاء مباشرا ... ثم يبدؤه بهذا الخبر: «يا فِرْعَوْنُ ... إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» .. ويفعل هذا الخبر فعله فى نفس فرعون، ومن حوله.. ثم لا يكاد فرعون يفيق من صدمة هذا الخبر غير المتوقع، حتى يسد عليه موسى منافذ القول بالتكذيب أو الاتهام، فيتبع الخبر بخبر آخر، يؤكده ويوثقه: «حقيق على ألا أقول على الله إلا الحق» فإن من كان رسولا لربّ العالمين، لا ينبغى له أن يقول غير الحق، إذ الرسول وجه كاشف عن وجه من أرسله.. والله سبحانه وتعالى منزه عن كل نقص، فكذلك ينبغى أن يكون الرسول الذي يرسله، على حظ موفور من الكمال البشرى، فلا يكذب، ولا يخون.. فهو أحق الناس وأجدرهم ألا يقول غير الحق.. وتثور فى نفس فرعون تساؤلات، لا يكاد يمسك بواحدة منها حتى يلقاه

موسى بالجواب لما تفرق أو اجتمع فى خاطره من تلك التساؤلات: «قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ» . فالأسئلة التي تواردت على خاطر فرعون كثيرة، كان منها وأهمها: ماذا يريد موسى بهذه الدعوى التي يدعيها؟ وما شأن فرعون به وبرسالته؟ ليكن رسولا من عند الله أو من عند غير الله.. فما لفرعون وهذا الذي يقتحم عليه مجلسه، ويلقى إليه بمثل هذه المقولات؟ وجواب موسى على هذه الأسئلة: «قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ» وكان الجواب المنتظر هو: أرسل معى بنى إسرائيل.. فهذه هى رسالة ربه، المطلوب منه أن يبلغها فرعون.. فإن أبى فرعون أن أن يصدقه، عرض عليه من آيات ربه ما يقيم الدليل على صدقه، ويؤكده.. ولكن جبروت فرعون وتسلطه يحدّثان بأنه لن يقبل من موسى قولا، ولن يسلّم له بشىء مما يقول، بل سيجبهه بالزجر، ويتوعده بالعقاب، ويرميه بالكذب.. ولهذا كان من الحكمة- لكى يطفىء بعضا من غضب فرعون وثورته عليه- أن يلقاه أولا بالدليل الذي يسند دعواه، ويدل على صدقه، وأن يدير تفكيره- ولو مؤقتا- إلى تلك للمعجزات التي يحملها موسى بين يديه من ربّه، وأن يثير فيه غريزة حب التطلع إلى هذا المجهول الذي يخفيه موسى عنه.. ولهذا كان ردّ فرعون: «إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ» .. ولم يعرض فرعون لما طلبه موسى فى شأن بنى إسرائيل، وإرسالهم معه، بعد إطلاقهم من يده.. وهو المطلب الأول، بل هو كل ما طلب من فرعون فى هذا الموقف. وإنّما كان همّه كله هو الاطلاع على ما عند موسى من آيات!

ولم يمهل موسى فرعون، بل طلع عليه فجأة بما ملأ عليه وجوده كله، هولا، وفزعا ودهشا!! لقد كان فرعون ينتظر من موسى شيئا من الحوار والجدل، والأخذ والردّ، فيما سيعرضه عليه من معجزات.. كأن يستحضرها أولا، ويتخير لها الزمان والمكان ثانيا.. فما كان مع موسى شىء يتوقع أن تخرج منه معجزة، وإلا فأين أدوات هذه المعجزة؟ وأين أجهزتها ومعداتها والأيدى التي تعمل فيها؟ .. ولكن هكذا كان تدبير الحكيم العليم وتقديره! «فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ، وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ» .. هكذا تقع المعجزة، وتكون المفاجأة!! العصا التي يمسكها موسى بيده.. يلقى بها إلى الأرض فإذا هى ثعبان مبين.. يفغر فاه حتى ليكاد يبتلع فرعون ومن حوله! ويد موسى التي أدخلها فى جيبه (أي فى فتحة قميصه على صدره) يخرجها، فإذا هي بيضاء من غير سوء، لم يتغير شىء من خلقها، إلا أنها ترسل ضوءا مشرقا كضوء الكوكب الدرىّ فى فحمة الليل.. لقد ألقى موسى بكل ما معه دفعة واحدة، حتى يضرب فرعون الضربة القاضية، التي لا تدع له فرصة يلتقط فيها أنفاسه.. وواحدة من هاتين الضربتين تكفى لكى يستسلم لها كل جبار عنيد.. ولكن فرعون كان أكثر من جبار عنيد..! ولا يذكر القرآن هنا ما وقع فى نفس فرعون من فزع، وذعر، بل يدع ذلك لتصورات الناس، يأخذ كل إنسان ما يقدر عليه الخيال من الصور المرعبة المفزعة، لهذا الهول الذي وقع.. وإذ يفيق القوم من هذا الهول العظيم، بعد أن يدعو موسى الثعبان إليه

فيكون عصا فى يده، ويردّ يده إلى مكانها الذي كانت عليه- إذ ذاك يأخذون فى التفكير لمواجهة هذا التحدّى الذي جاءهم به موسى، ويجدّون فى التماس السبل للوقوف فى وجهه، قبل أن يتصل خبره بالناس، فتكون الفتنة، ويكون البلاء ... كما وقع فى ظنونهم وأوهامهم. «قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ» .. أي ساحر يقوم سحره على علم ومعرفة، وهو من أجل هذا مصدر خطر عظيم على فرعون وعلى مكانته فى قومه. «يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ» .. فمثل هذا الإنسان الذي يملك تلك القوة، وهذه البراعة، لا يعجز عن أن يفعل ما هو أكثر مما فعل، وليس ببعيد أن يحيل الناس إلى أحجار ودمى، كما أحال العصا ثعبانا مبينا.. وليس ببعيد أن يطوّح بفرعون، ويلقى به فى مكان خارج ملكه، ويستولى هو على هذا الملك! ويدور بين القوم حديث طويل متصل، تتوارد فيه الآراء، وتكثر وجوه العروض والحلول.. ثم ينتهى فرعون إلى موقف يسأل فيه الملأ: ماذا عندهم من قول فى موسى، وفى هذا الذي شهدوه منه..؟. «فَماذا تَأْمُرُونَ» ؟ إن فرعون يريد منهم موقفا حاسما، ورأيا قاطعا، وأمرا نافذا فى هذا الموقف، الذي لا يحتمل غير المواجهة الحازمة الحاسمة.. وفى قول فرعون لقومه: «فَماذا تَأْمُرُونَ» خروج على المألوف بينه وبينهم، فما اعتادوا أن يسمعوا منه غير كلمة واحدة، هى «الأمر» منه، والطاعة والتنفيذ منهم.. أمّا هنا فى هذا الموقف، فهو متخاذل متهالك، قد هزّته الصدمة، وأذلّت

من كبريائه، فذهل عن نفسه، ونسى أنه «فرعون» الذي يأمر ... ولا يؤمر، ويقول ... ولا يقال له. إنه هنا فى معرض الهلاك، وفى مواجهة البلاء الذي يتهدّده، ويتهدّد ملكه ... وإنه هنا ليواجه الضعف الإنسانىّ الذي يتعرّى فيه من كل مظاهر العظمة الكاذبة، والاستعلاء المصطنع، حين يصطدم بواقع الحياة، ويواجه أهوالها وشدائدها ... إنه هنا، هو هذا الإنسان الذليل الضعيف المستكين، الذي يقبل الصدقة من أي يد تمتدّ إليه..! ويجىء جواب القوم أمرا حاسما.. لقد نسواهم كذلك أنهم فى مجلس فرعون، وبين يدى جبروته وكبريائه، إنهم لا يرون منه الآن إلّا إنسانا مثلهم، قد أدركه الفزع، واستولى عليه الذعر، وأنهم وهو على سواء فى هذا الموقف الأليم.. وهل حين تغرق السفين، ويلقى براكبيها فى لجة البحر، يكون هناك ملك وسوقة؟ وسيد ومسود؟ إنهم جميعا فى يد الهلاك سواء! «قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ» . «أرجه» أي أنظره وأخّر الأمر فيه إلى أن نجمع ما فى المدن من السحرة، أصحاب العلم، والتخصص فى هذا الباب، وبهذا نلقى سحره بسحر مثله، يستند إلى علم ومعرفة. والحاشرون: هم الذين يتولّون جمع السحرة وحشدهم، وحشرهم إلى ساحة فرعون.. والتعبير بالحشر هنا، يشير إلى أن الأمر عظيم، وأنه لا بد له من حشر الناس إليه، وبعثهم سراعا من كل أفق، ليلقوا موسى، ويقفوا فى وجه هذا الخطر الذي دهمهم به.

وحشر السحرة على عجل، وأقبلوا من كل أفق، وغصّت بهم ساحة فرعون.. وما كانوا قد رأوا رأى العين ما كان من فعل موسى بعصاه ويده، مع فرعون، وإن كانوا قد سمعوا به، وتصوروه على ما روى لهم.. ومن هنا وقع فى أنفسهم أنه ساحر مثلهم، وأنّه إذا كان على شىء من القوة بالنسبة لهم، فإن فى جمعهم هذا ما يتغلب على كل قوة.. ومن هنا أيضا وقع فى أنفسهم أنهم أصحاب الموقف المنتظر بينهم وبين موسى، فكانت لهم بذلك دالّة على فرعون، وقد أطمعهم فيه، ما وجدوه عليه من ذلّة وانكسار، فجاءوا إليه يسألونه الأجر مقدّما، ويسألونه الجزاء الذي لهم عنده، بعد أن يكون لهم الغلب!! «وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ» !. ولا يملك فرعون فى هذا الموقف إلا أن يستجيب لهم، ويترضّى مشاعرهم، حتى يبذلوا كل ما يملكون من حول وحيلة.. إنهم الآن لا يعملون إلا بأجر، وقد كانوا من قبل هذا الموقف عبيدا مسخّرين! «قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ» . فليس الأجر وحده، ولا المال وحده، هو الذي سيبذله لهم، إن هم انتصروا على موسى، وأبطلوا كيده، وأفسدوا تدبيره، ولكن لهم إلى هذا المال الوفير الذي سيغدقه عليهم- أن يقرّبهم إليه، ويدنيهم منه، ويجعلهم أعوانه، وأصحاب الكلمة والرأى عنده. ولا يذكر القرآن هنا اجتماع السحرة بموسى، والاتفاق معه على موقع المعركة وزمانها.. فذلك متروك لتقدير من يتلو هذه القصة، وتصوره لملء هذا الفراغ الذي لا يغيب عن فطنته، فإن لم يسعف الإنسان ذكاؤه هنا،

وجد القرآن الكريم فى معرض آخر من معارض هذه القصة، يعرض الصورة المثلى التي تملأ هذا الفراغ وتغطيه!. ومن أجل هذا جاء اللقاء المواجه بين السحرة وموسى هكذا. «قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ» . إن المعركة قد بدأت، وإنها الآن فى أول جولة من جولاتها.. ولقد خيّر السحرة موسى، بين أن يبدأ هو الجولة، أو هم الذين يبدءونها.؟ وأجابهم موسى أن يكونوا هم البادئين.. وهذا أدب من أدب الحرب.. أعطوه الفرصة، فأعطاهم هو إياها.. ولقد جاءوا بأدوات كأدوات موسى.. عصىّ وحبال أشبه بالعصىّ، كما جاء هو بعصاه.. فتلك هى أصول منازلة الخصم لخصمه.. أن يحاربه بمثل سلاحه.. وقد أعطاهم موسى الفرصة ليظهروا كل ما عندهم، وكان ذلك عن حكمة وتدبير وتقدير.. فلو بدأ موسى- وقد جعلوا هم الأمر إليه فى اختيار من يأخذ المبادرة- لكان غير عادل معهم، إذ بدءوه بالإحسان.. ولهذا فقد ردّ إليهم إحسانهم بإحسان، وأعطاهم حقّ المبادرة التي كان له أن يأخذها لنفسه. ثم- من جهة أخرى- إن موسى كان واثقا من تأييد الله له، ومن نصره فى هذا الموقف.. ولو بدأ هو الجولة، وضرب السحرة ضربته، وأوقع بهم الهزيمة من قبل أن يعطوا ما عندهم، لكان فى نصره هذا الذي أحرزه مقال لقائل أن يقول: إنهم لو أظهروا السّحر الذي فى أيديهم أولا، لشلّوا حركة موسى، وضربوه الضربة القاضية.. ولكنه عاجلهم فكانت الضربة له، ولم تكن لهم!! هذا قول يقال، فى مثل تلك الحال، وفيه يجد أصحاب الضلال

الآيات: (117 - 122) [سورة الأعراف (7) : الآيات 117 إلى 122]

وأهل العناد متعلقا يتعلقون به، ويتخذون منه مثارا للشغب على موسى حين ينتصر بالضربة القاضية.. ويلقى السحرة حبالهم وعصيتهم، ويأنون منها بألوان من السّحر، وضروب من الشعوذة، فيها مهارة وبراعة، أخذت بألباب الناس، وسحرت عقولهم، وألقت الرعب فى قلوبهم.. ويأخذ موسى شىء من هذا الذي يأخذ الناس، من خوف واضطراب، فى مواجهة الغرائب من الأحداث، ويكاد يفلت زمام الموقف من يده.. وهنا تتدخل السماء، ويجىء وعد الله.. وتبدأ الجولة الثانية، وفيها تتبدل الأحوال وتنقلب موازين الأمور.! الآيات: (117- 122) [سورة الأعراف (7) : الآيات 117 الى 122] وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (120) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (122) التفسير: ويبدأ موسى الجولة الثانية، بعد أن يتلقى أمر ربّه بأن يلقى عصاه! ويلقى موسى عصاه «فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ» أي تبتلع كلّ هذا الافتراء، وتبطل كل هذا الباطل، فإذا هو هباء فى الهباء. وينجلى غبار المعركة عن حق وقع، وباطل بطل.. وفي التعبير عن ظهور الحق بأنه وقع، إشارة إلى علوّ متنزّله، وأنه جاء من

السماء، فوقع على الأرض، كما يقع ضوء الشمس على معالم الكون الأرضىّ، فيبدّد الظلام، وينسخ معالمه.. أو كما تقع الصواعق بالرجوم، فتهلك القوم الظالمين.. ورأى السّحرة شيئا لم يكن من واردات السّحر الذي معهم، واستيقنوا أن ما مع موسى ليس من السحر فى شىء، وأنه ليس فى مقدور بشر أن يأتى به.. فهو إذن عمل من أعمال السّماء، وقدر من أقدارها، وضعته إلى يد موسى، ليكون شاهد صدق على أنه رسول من ربّ العالمين.. تلك هى شهادة أهل الخبرة، وأصحاب الكلمة فى هذا الأمر.. وليس لأحد قول بعد الذي قالوه.. «فَغُلِبُوا هُنالِكَ» أي فى ميدان المعركة، وكان غلبهم تسليما وإذعانا، كما يستسلم الأسير لآسره. «وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ» أي رجعوا أذلّاء، يواكبهم الخزي والصّغار، وتصحبهم الذلّة والمهانة. والضمير هنا يعود إلى فرعون والملأ الذين معه، إذ كان الأمر أمرهم، والمعركة معركتهم. وفى التعجيل بهذا الحكم، تلخيص لما وقع فى نفوس الناس ساعتئذ.. لقد خسروا المعركة. ما فى ذلك شك.. وإن كان هناك جيوب فى المعركة لم يصفّ حسابها بعد، فإنها لا تؤثر أي أثر فى الحكم الواقع على المعركة، وهو أن الهزيمة قد حلّت بفرعون وملائه «فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ» .. هذا هو شعار الموكب الذي يسبق القوم إلى المدينة، ليذيع فى أهلها هذا النبأ المثير المخيف، وليبعث فى النّاس المشاعر التي يستقبلون بها هذا الموكب المهزوم.

الآيات: (123 - 126) [سورة الأعراف (7) : الآيات 123 إلى 126]

وبين يدى موسى يقع السحرة ساجدين. مؤمنين بالله، معلنين ولاءهم له، بعد أن كان ولاؤهم وسجودهم لفرعون الذي كان يقول لهم: «يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي» . «وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ» . وهكذا تنجلى المعركة، وقد وقع الحق وبطل ما كانوا يعملون.. وفى التعبير عن استسلام السحرة بالإلقاء ما يكشف عن القوة القاهرة التي استولت عليهم. ثم يجىء الحساب الختامى للمعركة، فيمسك فرعون بمخانق السحرة، متهددا متوعدا.. كما سنرى فى الآيات التالية. الآيات: (123- 126) [سورة الأعراف (7) : الآيات 123 الى 126] قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (125) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (126) التفسير: «قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ» ؟ يعجب فرعون أشد العجب، وينكر غاية الإنكار، أن يتصرف أحد من قومه فى أي شىء من شئونه، ولو كان فيما يتصل بكيانه الروحىّ، وبعقيدته التي يعتقدها، وبالدّين الذي يرتضيه- إلا أن يكون ذلك ممّا يأذن به فرعون ويرضاه.. وأما وفرعون لم يرض عن الدّين الذي جاء به موسى، ولم يأذن لأحد

به، فكيف يجرؤ هؤلاء السحرة على أن يعلنوا إيمانهم بموسى، ومتابعتهم له؟ ذلك عدوان على حق فرعون الذي له فى رقاب العباد! وسرعان ما يأخذ فرعون السحرة بتهمة الخيانة له وللوطن: «إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ» .. إذن فالسحرة متّهمون بالتواطؤ مع موسى على إخراج الناس من المدينة، ليشهدوا هذا الذي مع موسى من سحر يتحدّي به سحر الساحرين، ويبطل ما معهم من كيد يكيدون له به، وذلك بما وقع بين السحرة وبينه من اتفاق، حتى تكون الفضيحة مدوّية، يشهدها الناس جميعا، ويتحدث بها القوم كلّهم.. هكذا صاغ فرعون التهمة، ورمى بها فى وجه السحرة.. تم ها هو ذا يقضى قضاءه فيهم.. إنه يخلق التهمة،، ويحكم بالإدانة فيها، ويقدر العقوبة المناسبة لها. «لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ» . إنها قتلة شنعاء، يجد فيها فرعون بعض الشفاء، لما فجعه به هؤلاء السحرة، الذين خذلوه فى موقفه من موسى، ثم خانوه فى متابعتهم لموسى، واستسلامهم له. وتقطيع الأيدى والأرجل من خلاف، لا يقضى على الكائن الحىّ فورا، بل تظل الحياة ممسكة به زمنا يعالج فيه آلام الموت وسكراته، فقطع اليد اليمنى، مع الرجل اليمنى، أو العكس، من شأنه أن يقضى على الإنسان فى الحال، وليس كذلك إذا قطعت اليد اليمنى مع الرجل اليسرى أو اليد اليسرى مع الرجل اليمنى، فإن الإنسان يظل على الحياة وقتا أطول، حيث يحتفظ الإنسان بنصف

نصفه العلوي، ونصف نصفه السفلى المخالف له، وبهذا الخلاف تتم الحركة الدموية، ويظل القلب عاملا بشريان واحد من شريانى الحياة.. ولهذا أتبع فرعون هذه العملية الشنيعة بالصّلب، حتى يظل المصلوب قائما على خشبة الصلب زمنا يعالج فيه آلام الموت وسكراته.. ولا يأخذ هذا الوعيد شيئا من إيمان السحرة، ومن انعقاد قلوبهم على ما انعقدت عليه من تسليم لموسى، وإيمان بالإله الذي يدعو إليه، إذ كان إيمانهم قائما على علم، وبعد بلاء وتمحيص. «قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ. وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا» . هذا هو عزاء المؤمنين فى ساعة العسرة، وفى مواجهة البلاء وتحدّيه.. إنهم منقلبون إلى الله، راجعون إليه، نازلون فى ضيافته.. فليس يفزعهم الموت، ولا ترهبهم المثلات التي يأخذهم بها الظالمون.. إن حياتهم إذا انتهت بتلك النهاية، فإنها ستبدأ مرحلة جديدة، فى عالم أرحب، وفى رحاب ربّ كريم، عرفوه، وآمنوا به، فلا ينكرهم يوم لقائه، ولا يحجب عنهم فضله ورحمته، بل يلقاهم برحمة منه ورضوان، وجنات لهم فيها نعيم مقيم.. إن هذا الانتقام الذي يأخذهم به فرعون، لم يكن عن جناية جنوها عليه، وإنما كل ذنبهم أنهم رأوا النور فاهتدوا به، وعرفوا الحق فاتبعوه.. إنهم قد اختاروا لأنفسهم الخير، وليس لأحد سلطان عليهم فى أن ينزع الإيمان من قلوبهم، وإن كان لسلطانه أن ينزع أرواحهم من أجسادهم،

الآيات: (127 - 129) [سورة الأعراف (7) : الآيات 127 إلى 129]

فذلك شىء لا يلتفتون إليه، بعد أن أخذوا خير ما في هذه الدنيا، وهو الإيمان.. فليكن الموت، وليكن التمثيل والتنكيل بهم، إنهم لصابرون على المحنة، موطنون النفس على البلاء، يرجون من الله أن يمدهم بأمداد من الصبر والعزم: «رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ» . وإفراغ الصبر: صبّه صبّا عليهم، حتى يمتلىء كيانهم به.. فإن المحنة قاسية، والبلاء شديد، وذلك أمر يحتاج إلى كثير من أمداد الصبر من ربّ العالمين. الآيات: (127- 129) [سورة الأعراف (7) : الآيات 127 الى 129] وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (127) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) التفسير: وإذ يحذل فرعون في معركة المنطق والعقل، وإذ تفحمه الآيات التي طلع بها عليه موسى، فإنه يلجأ إلى منطق القوة، ويعمد إلى سلاح البغي والعدوان، فيسلطه على خصمه، ويضرب به في غير مبالاة..

وانظر كيف يعمى البغي أهله عن مواقع الحق، وكيف يزيّن لهم الضلال فيرونه هدى. «قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ» . موسى إذن هو الذي يفسد في الأرض؟ وهو الذي ما جاء إلا ليخلّص أناسا استذلّهم فرعون، وسامهم سوء العذاب؟ إنه ما جاء ليشارك فرعون في ملكه، ولا لينازعه سلطانه.. وإنما جاء ليستنقذ أناسا من العبودية، ويرفع عنهم يد التسلط والبغي.. فكيف تصح تلك الدعوى التي يدعونها عليه؟ وفي قول الملأ من قوم فرعون: «وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ» تحريض قوى لفرعون على أن يضرب ضربته، وأن يعجّل بها قبل أن يتابع الناس موسى، ويدخلوا في دعوته، ويؤمنوا بالله كما آمن السحرة، فلا يبقى إلا فرعون وتلك المعبودات التي يعبدها..! وينظر فرعون في هذا القول، وترتسم له الصورة التي يطل بها عليه، لو أنّه ترك موسى وشأنه.. إن فرعون إذا صبر على تلك الحال، فسوف يتخلّى عنه كل شىء، حتى هذ الملأ الذين حوله من أعوان ووزراء.. إنه وحده الذي سيظل على دينه.. هذا إذا لم ترغمه الظروف وتقهره على أن ينقاد لموسى ويصبح من أتباعه!! وتغيم الدنيا في وجه فرعون، ويستبدّ به جنون الكبر والسلطان، فيصدر حكمه على موسى وقومه جميعا: «قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ» .. إنه استئصال لهؤلاء القوم، وقتل بطيء لهم بقتل أولادهم، وإذلال شديد

لهم، باستباحة نسائهم، وبهذا تظل يد فرعون عليهم قاهرة متسلطة.. وفي هذا نذير لمن تسوّل له نفسه أن يتابع موسى أو يتصل به. واستحياء المرأة، هو تعرّضها لما يخدش حياءها أو يجرحه.. وذلك باستدعاء حيائها، حين تواجه بما تنكره الحرّة وتأباه العفيفة. ويقع البلاء بقوم موسى وتنزل الضربات عليهم من كل وجه، فى أنفسهم، وفي أبنائهم، وفي نسائهم.. ونذكر هنا قول الله سبحانه في الآيات السابقة: «ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا بِها» أي فظلموا ومعهم هذه الآيات التي جاءهم بها موسى، فكانت تلك الآيات في أيديهم أداة من أدوات الظلم والبغي. ويدعو موسى قومه إلى الصبر والاحتمال في مواجهة هذه المحنة: «قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» وتكون العاقبة دائما للمتقين.. ويجزع القوم- قوم موسى- ولا يصبرون على هذا البلاء الذي أخذهم فرعون به ويلقون موسى لائمين ساخطين «قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا» .. ويجيبهم موسى متلطفا مترفقا: «عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» . أي اصبروا، فلعل الله يرفع عنكم هذا البلاء، ويهلك عدوكم، ويجعلكم أصحاب جاه وسلطان، ليبلوكم فيما آتاكم، فينظر كيف تعملون وأنتم في لباس الجاه والسلطان.. هل ترعون حق الله، وتؤدّون بعض ما لفضله عليكم من

الآيات: (130 - 133) [سورة الأعراف (7) : الآيات 130 إلى 133]

حق؟ أم تكفرون بالله، وتفسدون في الأرض كما يفسد كثير من أصحاب الجاه والسلطان؟ ذلك ما تكشف عنه الأيام منكم.. وإنها لتكشف عن أسوأ عباد الله، وأكثرهم بغيا وفسادا، إذا لبستهم نعمة، ووقع ليدهم سلطان! الآيات: (130- 133) [سورة الأعراف (7) : الآيات 130 الى 133] وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (131) وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ (133) التفسير: ويقيم بنو إسرائيل على ضربات الذل والاستبداد، يرميهم بها فرعون.. وموسى يدعوهم إلى الصبر، حتى يحكم الله بينهم وبين فرعون.. ويتلقى فرعون وآله ضربات السماء، ضربة بعد ضربة، وكل واحدة منها تحمل شارة من شارات السماء، بأنها آية من عند الله، وعقاب واقع بالقوم لهذا الموقف المتحدّى الذي وقفوه من موسى، بعد أن جاءهم بآيات الله. وأول ضربة نزلت بالقوم كانت بلاء حلّ بأقواتهم، فيما تجىء به الزروع من غلات وثمرات.

«وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ» . والمراد بالسنين هنا، هو الجدب الذي يجىء من نقصان النيل، وقلة الماء الذي يجىء به، الأمر الذي يترتب عليه جفاف الزرع، وقلة الثمر.. يقال أسنت القوم أي دخلوا في سنة جدباء. وهذه ضربة ربما لم ينكشف للقوم فيها وجه العبرة سافرا، إذ كثيرا ما كان يفعل النيل شيئا من هذا معهم، وإن كانت فعلاته في تلك المرّة أمرّ وأقسى. وقد عرفت مصر سبع سنين عجافا كما ذكر القرآن الكريم ذلك في زمن يوسف عليه السلام، وكان ذلك من قلة ماء النيل في هذه السنين. فإذا فاض النيل في سنة قالوا هذا مما هو من حظنا ورزقنا، وإذا أمسك النيل في سنة أخرى تشاءموا بموسى ومن معه، وعدوّا ذلك من شؤم موسى وجماعته. «فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ» . والحسنة هنا هى السنة المعاطاة للخير ووفرة الثمر، والسيئة، هى السنة الجديب التي لا يحيا فيها زرع، ولا يجىء ثمر.. والتطير: هو التشاؤم على عادة العرب من زجر الطير، فكانوا إذا أطلقوا طائرا، فطار إلى اليمين.. تيامنوا به، واستبشروا، وسمّوه «سانحا» فإذا طار إلى اليسار تشاءموا به وسمّوه «بارحا» . وقوله تعالى: «أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ» إشارة إلى أن ما ينزل بهم من خير أو سر، وما يحل بهم من بلاء أو عافية، هو من عند الله، وأن ليس

لموسى ولا لقومه شىء في هذا الأمر كله.. وأن الطائر الذي تتعلق به الأبصار، وتتعرف على وجه الخير أو الشرّ منه، ليس هو هذا الطائر السابح في السماء، ولكنه طائر من عند الله، إن شاء أرسله عليهم رزقا وخيرا، وإن شاء أرسله نحسا وبلاء. وفي التعبير عنه بالطائر، إشارة إلى أنه يتنزّل من عل. والصورة كلها قائمة على «المجاز» جريا على عادة العرب.. وإن كان لكل قوم أسلوبهم في التفاؤل والتشاؤم. ويمضى فرعون وقومه في العناد والتحدي، على رغم هذه النّذر التي تطلع عليهم «لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ» ولكنهم لا يتذكرون، ولا يتعظون! «وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ» . وتجىء الضّربات بعد هذا: «فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ» . والطوفان هنا هو فيضان النيل، وتدفق مياهه في غزارة وجنون، حتى ليغرق السّهل والوعر، وبكاد ينتزع البلاد والعباد، ويهلك الحرث والنسل.. ومن هنا يمكن أن ندرك أن «الطوفان» الذي كان في عهد نوح عليه السلام، لم يكن طوفانا عاما شاملا العالم كله، وإنما كان طوفانا محدودا فى هذه الرقعة من الأرض، التي كان يعيش فيها هو وقومه.. والجراد: آفة مهلكة إذا طلعت أسرابه على الزرع أتت عليه، فلم تبق منه ثمرا ولا ورقا.. والقمّل: حشرة صغيرة، تسكن الأجساد القدرة، وتعيش على ما تمتصه

من الدم.. وقيل هى صغار الجراد، وهى أشدّ فتكا وأكثر بلاء من كباره. والضفادع: جمع ضفدع، وهى حيوان مائى، برّى.. بشع المنظر، مزعج الصوت. والدم: سائل يجرى في عروق الكائن الحىّ، إذا خرج من العروق تجمّد.. وقد سلّط الله هذه الآفات على فرعون وملائه، واحدة بعد أخرى، فكانوا إذا نزل بهم البلاء طلبوا إلى موسى أن يسأل ربّه رفع هذا البلاء، وأنه إذا استجاب له ربّه فيهم، وعافاهم مما نزل بهم، آمنوا به، وصدقوا رسالته، واستجابوا لدعوته فى إرسال بنى إسرائيل معه.. حتى إذا رفع عنهم البلاء نكثوا العهد، وساروا سيرتهم في بني إسرائيل، فيرسل الله عليهم آفة أخرى. وهكذا.. تأخذهم الشدة، فيفزعون ويؤمنون، فإذا مستهم العافية، تمردوا على الله، وكفروا.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ.. آياتٍ مُفَصَّلاتٍ» أي آيات ظاهرة واضحة بينة، كل آية منفصلة عن الأخرى زمنا، ومختلفة أثرا.. حتى يكون في الانفصال الزمنى فرصة للمراجعة والرجوع إلى الله، وحتى يكون في اختلاف الأثر، وفي تذوّق تلك الطعوم المرّة المختلفة لهذه المحن، ما يجعل البلاء شاملا لهم جميعا، على اختلاف معايشهم، وتنوع أحوالهم، وتباين طبائعهم.. فمن لم يصبه الطوفان في ماله، أو نفسه، أصابه الجراد أو القمّل، أو الضفادع، أو الدم.. وهكذا لا يسلم أحد منهم من أن تلبسه المحنة، وتشتمل عليه. وهذه الآفات.. من طوفان، وجراد، وقمّل، وضفادع، ودم- إنما تكون بلاء حين تجاوز الحدّ، وتخرج على غير المألوف، بحيث تغطى وجه

الآيات: (134 - 137) [سورة الأعراف (7) : الآيات 134 إلى 137]

الحياة على الإنسان، وتسدّ عليه منافذ التحرك إلى أي اتجاه.. إنها حينئذ تكون نقمة من أقسى النقم، ولو كانت في أصلها مما يطلبه الإنسان ويحرص عليه..! وقد قيل عن الضفادع مثلا، إنها كانت من الكثرة بحيث لا يجد الإنسان مكانا يضع عليه قدمه ... فكيف إذا أراد النوم، أو الطعام، أو نحو هذا؟. وقالوا في الدم، إنه كان مسلطا على أي طعام أو شراب لهم.. فإذا مدّ الإنسان يده إلى الطعام، ثم رفعه إلى فمه تحول إلى مادة ملطخة بالدم، منغمسة فيه، وإذا تناول شربه من ماء، وأراد شربها استحالت دما مسفوحا..! فما أعظم هذه البلاء، وما أشد هذا الكرب.! الآيات: (134- 137) [سورة الأعراف (7) : الآيات 134 الى 137] وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (136) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (137)

التفسير: الرجز ما يسوء وجهه، وأثره.. من الأمور، وهو مقلوب كلمة «زجر» فكأنه رجز ينقلب زجرا لمن يحلّ به. وقوله تعالى: «وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ» أي لما نزل بهم البلاء، وحلّ بهم العذاب. «قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ» أي لجئوا إلى موسى، ومدوا أيديهم إلى مصافحة عدوّهم، يسألونه العون والنّجدة.. ولكن في كبر وعناد.. «يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ» .. فهم ما زالوا على كفرهم، لا يؤمنون بالإله الذي آمن به موسى ودعاهم إليه، فهو رب موسى لا ربهم: «ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ» أي بما بينك وبينه من صلة، ومالك عنده من عهد باستجابة ما تدعوه به. «لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ» أي لئن استطعت بما بينك وبين ربك من صلة، أن تكشف عنا هذا البلاء لنؤمنن لك ولنرسلنّ معك بنى إسرائيل، ونطلقهم من أيدينا، لينطلقوا إلى حيث تشاء. والقوم مبيتون النية على الغدر بهذا العهد والنكوص عنه، وفي كلماتهم ما يفضح هذا الغدر الذي ضمّت عليه صدورهم.. فهم- أولا- ينسبون إلى موسى أنه هو الذي يكشف عنهم البلاء، بحيلة أو بأخرى من حيله، «فيقولون لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ» ولم يقولوا «لئن كشف ربّك عنّا الرجز» .. إنهم لا يعترفون- فى قرارة أنفسهم- بأن هناك ربّا غير الأرباب التي يعبدونها.. وهم- ثانيا- لا يؤمنون بالله إذا انكشف عنهم البلاء، بل يؤمنون

بموسى، فيقولون: «لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ» ولم يقولوا: لنؤمننّ بإلهك!. «فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ» .. فلقد كشف الله عنهم الرجز إلى أجل، أي كشفا مؤقّتا، لينكشف ما هم عليه من غدر ومكر.. وقد انكشف غدرهم ومكرهم، فنكثوا هذا العهد، ولم يؤمنوا بموسى، ولم يرسلوا معه بنى إسرائيل.. بل عادوا معهم سيرتهم الأولى، فى صورة أشدّ وأنكى. «فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ» وتلك هى عقبى الدين ظلموا.. لقد أغرقهم الله بذنوبهم، بسبب تكذيبهم بآيات الله، وغفلتهم عن مواقع العبرة والعظة منها.. «وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ: مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها» .. القوم الذين كانوا يستضعفون هم قوم موسى، وقد منّ الله عليهم بالخلاص من يد فرعون بعد أن أهلكه. وفي قوله تعالى: «وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها» إشارة إلى أن فرعون هذا الذي كان يحسب أنه من الخالدين، قد أهلكه الله، وأن هؤلاء القوم الذين كانوا شيئا مرذولا في الحياة لعين فرعون ولآل فرعون، قد ورثوا هم الحياة بعده، وها هم أولاء على الأرض أحياء، على حين أصبح فرعون وملأه في الهالكين. والمراد بمشارق الأرض ومغاربها: سعة هذه الأرض، وقدرتهم على التحرك فيها، والتنقّل بين شرقها وغربها، غير مضيّق عليهم من أحد.. فهى أرض ذات آفاق متعددة، كل أفق منها مشرق ومغرب، فهى بهذا الاتساع، مشارق ومغارب. والمراد بالأرض التي بارك الله فيها، هى الأرض المقدّسة التي دعاهم

موسى بعد ذلك إلى دخولها، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى على لسان موسى: «يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ» . والمراد بالكلمة الحسنى في قوله تعالى: «وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا» هى الكلمة التي وعد الله بها بنى إسرائيل على لسان موسى، وهو أنهم سيخلصون من هذا البلاء كما قال الله تعالى: «قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» .. فهم إذا استعانوا بالله وصبروا كانت العاقبة لهم. وتمام الكلمة، إنجاز ما فيها من وعد كريم.. وكون الكلمة حسنى لأنها تحمل إلى بنى إسرائيل الرحمة والنعمة، لا البلاء والنقمة، وكلمات الله كلها حسنى، ما حمل منها الرحمة، وما حمل البلاء.. ولكن حين تكون كلمة الله مبشرة هى غيرها حين تكون منذرة ... وذلك في واقع حياة الناس، وفي حسابهم.. أما كلمات الله فكلها الحسن والكمال. وقوله تعالى: «وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ» إشارة إلى ما حلّ بدولة فرعون، وما وقع فيها من اضطراب وفساد بعد أن هلك، وهلك رءوس القوم معه، فقد صار أمر الناس إلى فوضى واضطراب، ففسد كل شىء كان صالحا، وخرب كل مكان كان عامرا، من ديار وزروع.. معروشات وغير معروشات.

الآيات: (138 - 141) [سورة الأعراف (7) : الآيات 138 إلى 141]

الآيات: (138- 141) [سورة الأعراف (7) : الآيات 138 الى 141] وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (139) قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (140) وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141) التفسير: ما كاد بنو إسرائيل يخلصون من يد فرعون وتزايلهم مشاعر الخوف والفزع التي كانت مستولية عليهم- حتى تنبّهت فيهم غريزة المكر واللؤم، وحتّى تحرك فيهم داء اللّجاج والعناد.. فإنهم ما إن رأوا أناسا يتعبدون لأوثان وأصنام، حتى سألوا موسى أن يأخذ لهم نصيبهم من هذا الباطل الذي بين يدى هؤلاء النّاس! إنهم يحسدون الناس على أي شىء يقع لهم حتى ولو كان بلاء وشرّا! وقوله تعالى: «وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ» أي نقلناهم من شاطئه الغربي إلى الشاطئ الشرقي، فجاوزوه وخلّفوه وراءهم.. «فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ» أي فمروا بقوم منهمكين فى عبادة الأصنام التي اتخذوها آلهة لهم. «قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ» .. إنهم مع إيمانهم بأن الله واحد لا شريك له، فإنهم لن يعبدوه، بل ولن يؤمنوا به حتى يتجسّد لهم ويروه رأى العين.. فهم يطلبون إلى موسى أن يجسّد لهم الله، وأن يصوره لهم على أية صورة محسوسة مجسّده. وذلك ضلال مبين، وجهل جهول.. فكيف تكون لله صورة؟ وكيف يحويه شىء؟ إنه لو تصوّر لتحدّد، ولو تحدّد لاحتواه المكان

والزمان، وهذا يعنى أنه دون المكان والزمان، إذ اشتملاه واحتويا عليه!! ولهذا كان جواب موسى: «إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ» إذ لا يقول هذا القول فى الله إلا من جهل قدر الله، ولم يعرف ما لله من كمال وجلال.. «إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» .. ثم زاد موسى القوم علما وبيانا، فكشف لهم عن عبدة الأصنام هؤلاء، وأن هذا الذي هم فيه من عبادة الأصنام ليس إلا غيّا وضلالا، وإلا عبثا ولعبا.. والمتبّر: الهالك الضائع، والتبار: الهلاك والفساد.. وهذا هم فيه ضلال وبوار.. لا يثمر إلا ضلالا وبوارا.. «قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ» أعاد موسى القول هنا لأنه في مواجهة مباشرة لبنى إسرائيل، بعد أن كان الخطاب متجها إلى عبدة الأصنام.. وقوله: «أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً» أي أأطلب لكم إلها غير الله الذي رأيتم آياته فيكم، وكيف فعل بعدوّكم؟ وقوله: «وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ» المراد بالعالمين، الجماعات التي كانت معروفة لهم يومئذ، وقد فضلهم الله عليهم لأنهم كانوا أهل كتاب، وعلى إيمان بالله، على حين كانت الأمم المتصلة بهم أمما وثنية، تدين بعبادة معبودين غير الله. «وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ» أي إذا لم تعرفوا الله في جلال ذاته، وفي عظمة ملكه، فاعرفوه بما أنعم به عليكم، وبما له من آثار واضحة فيكم.. فقد كنتم في بلاء يصبّ عليكم صبّا من آل فرعون.. «يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ» أي

الآيات: (142 - 144) [سورة الأعراف (7) : الآيات 142 إلى 144]

يكرهونكم إكراها على هذا العذاب الأليم، الذي يسوقونكم سوقا إليه، كما تساق السائمة، لا تملك من أمرها شيئا.. «يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ» أي في هذا الذي كنتم فيه، وفى هذا الذي صرتم إليه، بلاء من ربكم واختبار لكم.. ففى الحال الأولى اختبار لصبركم على الضرّ، وفي الحال الثانية اختبار لقيامكم بالشكر. الآيات: (142- 144) [سورة الأعراف (7) : الآيات 142 الى 144] وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) التفسير: الواو في قوله تعالى: «وَواعَدْنا» ، للاستئناف، حيث بدأت الآيات تعرض وجها آخر من وجوه قصة موسى مع بني إسرائيل.. وقوله تعالى: «وَواعَدْنا» المواعدة لا تكون إلا بين طرفين، والله سبحانه وتعالى هو الذي جعل لموسى هذا الموعد للقائه. ولكن لما كان موسى هو الذي تلقّى هذا الموعد وامتثله دون مراجعة، فكأنه كان عن اتفاق ورضى بينه وبين ربه على هذا الموعد، فصح أن يكون طرفا فيه. وفي هذا تكريم لموسى، واحتفاء به!

وفي قوله تعالى: «ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» - فى هذا ما يسأل عنه، وهو: -لماذا جاء النظم هكذا: «وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» ولو جاء من أول الأمر: «وواعدنا موسى أربعين ليلة» لكان ذلك مؤديا المعنى، مع الإيجاز، الذي هو أسلوب القرآن الغالب فيه؟. والجواب: أن الله سبحانه وتعالى ذكر ذلك الموعد في سورة البقرة بقوله تعالى: «وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (51: البقرة) وسورة البقرة مدنية، وسورة الأعراف مكية.. أي أن ما ذكر هنا في سورة الأعراف هو الذي نزل به القرآن أولا، فجاء به مفصلا.. «ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ» .. ثم لما جاء ذكر هذا الموعد مرة أخرى جاء مجملا: «وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» وذلك بإحالة المجمل على المفصّل.. وإذن فلا بد أن يكون لهذا التفصيل حكمة.. فما هى هذه الحكمة؟. ونقرأ النصّ القرآنى: «وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ» فنجد أن الثلاثين ليلة لم تكتمل لتكون موعدا تاما حتى أضيفت إليها الليالى العشر، فتمت حينئذ، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَأَتْمَمْناها» . والإتمام في مقام الفضل والإحسان، هو زيادة على المطلوب من الفضل والإحسان.. فضلا وكرما.. وهذا يعنى أن موسى- عليه السلام- كان على موعد ليكون فى ضيافة ربّه ثلاثين ليلة.. وهذا ما أذن به لموسى في أول الأمر، فلمّا أنس بألطاف ربّه، ووصل نفسه بأنوار السماء، وأضاف وجوده إلى العالم العلوي- عزّ عليه أن تنقطع رحلته بعد هذه المدة، وأن يعود إلى عالم التراب والظلام، ولكن لمّا لم يكن بدّ من أن يعود إلى قومه، ويتمم رسالته التي بدأها معهم، فقد كان من لطف الله به، ومن تمام نعمته عليه أن مدّ ضيافته عشر ليال أخرى..! فكانت ضيافته أربعين ليلة.! وكان ذلك من تمام النعمة.. حيث أن هناك نعمة، وتمام نعمة!

والله سبحانه وتعالى قدّر هذا الموعد بأربعين ليلة في علمه الأزلى، ولكنه سبحانه أعطى منها موسى أولا ثلاثين ليلة، ثم أتمّ عليه وعده، بما كشف له من سوابغ فضله، ومزيد نعمائه، بهذه الليالى العشر، التي وقعت من نفس موسى أكثر مما كان للثلاثين ليلة من وقع في نفسه، إذا أنها جاءت على شوق ولهفة، ووقعت على غير انتظار وتوقع.. وهكذا يكشف الله لأوليائه، وأصفائه، من ألطافه التي قدّرها لهم في علمه، على هذا الأسلوب الذي يضاعف من آثارها، حين تجىء في أنسب الأحوال الداعية لها.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى للنبى الكريم: «إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً» .. وقوله سبحانه ليوسف على لسان يعقوب: «وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ (6: يوسف) فإتمام النعمة هو البلوغ بها إلى غايتها، من التمام والكمال.. فهذه الليالى العشر، هى إحسان، ونعمة إلى نعمة.. فإنها وإن بدت أنها نافلة هى أوقع من الأصل، لأنها- كما قلنا- جاءت على غير انتظار، ووقعت أكثر مما كان يؤمّل ويرجى..! ففى بشارة الله سبحانه وتعالى لامرأة إبراهيم بالولد، بعد اليأس منه، جاءت إليها البشرى، لا بالولد وحده، بل بالولد، وولد الولد، حيث يقول الله تعالى: «فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ» .. ومع أن مولودها هو «إسحق» وهو غاية ما كانت تتمنىّ على الله.. فإنّ مما يضاعف من فرحتها أن ترى لإسحق ولدا.. وهذا الولد هو- فى الواقع- الذي وجدت فيه ريح الولد، الذي تنسى به أنها عاقر، وأنها قد بلغت من الكبر عتيّا.. فهى بهذا الولد الذي يولد لإسحق، يردّ إليها اعتبارها بأنها أنثى كاملة، وأنها تستقبل أول حياتها كأنثى ولود، يكون لها أولاد وحفدة!.

وهذا الذي كان من الله سبحانه لامرأة إبراهيم كان لإبراهيم، إذ يقول الله سبحانه: «وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً» (72: الأنبياء) .. أي زيادة في الفضل والإحسان. فكلمة «نافلة» حال من يعقوب قوله تعالى: «وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ» هو بيان لما كان عليه الموقف في بنى إسرائيل بعد أن ذهب موسى لموعده مع ربّه.. فلقد جعل موسى أخاه هرون خليفة عليهم من بعده: إذ يقول له «اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي» ووصّاه بما ينبغى أن تكون عليه سيرته فيهم، فقال «وأصلح» وهرون عليه السلام، نبىّ كريم، لا يكون منه إلا ما هو صالح، ولكنه توكيد لرسالته، وتحذير له مما يقع من القوم من مفاسد وشرور، فالقوم- كما يعرفهم موسى- لا يستقيمون على حقّ، ولا يصبرون عليه، ومن هنا كان تحذيره لأخيه بقوله: «وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ» . قوله تعالى: «وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي» . الميقات: الموعد الذي أقّت له وقت، فهو مكان وزمان معا.. مكان معلوم، ووقت محدود.. وحين سمع موسى كلام ربّه، كلاما مباشرا من غير واسطة، اشتاقت نفسه أن يرى ربّه الذي أسمعه صوته، وأطمعه ذلك في أن يطلب مالا يطلب، وذلك حين قدّر أن الذي يسمعه بأذنه يمكن أن يراه بعينه، على أيّة حال تكون هذه الرؤية..! ولهذا لم يطلب موسى الرؤية إلا بعد أن سمع الكلام.. فقال: «رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» وهذا ما يشير إلى أن موسى لم يكن يطلب رؤية كتلك الرؤية التي تقع له من عالم الأشياء.. وإنما هى رؤية من نوع فريد، كما أن الكلام الّذى سمعه

كان على صورة لم يعهدها فيما يسمع من أصوات.. فمعنى قوله «رَبِّ أَرِنِي» أي بيّن لى طريق النظر إليك، فإن بيّنت لى أنظر إليك، وإلّا فلا سبيل إلى النظر.. ومثل هذا قول إبراهيم عليه السلام: «رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى» . وقد أجاب الله موسى بقوله: «لَنْ تَرانِي» .. هكذا حكما قاطعا مؤبدا.. إذ أن ذلك أمر مستحيل.. ثم كشف الله- سبحانه- لموسى عن وجه الاستحالة هذه فقال له: «وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي» .. وينظر موسى إلى الجبل.. «فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً» . وهكذا يرى موسى بعينيه، الشاهد الذي يكشف له وجه الاستحالة في رؤية ربّه.. إن الجبل، فى ضخامة كونه، وشدة أسره، لم يتحمّل لمحة من لمحات تجلّى الذات الإلهية له.. لقد استشعر هذا الحجر الأصمّ جلال الله وعظمته، فتهاوى، وتفتت، وصار حطاما.. فكيف بالإنسان وضالة جسمه، وما فيه من مشاعر وأحاسيس؟ أيحتمل شيئا من هذا الجلال وتلك الخشية التي تصدّع لها الجبل، وتشقق، ثم هوى؟ لقد صعق موسى مما رأى من الجبل، ومن تصدعه وتشققه وتهاويه.. فكيف لو كان ما نزل بالجبل نزل به؟. وهنا يدرك موسى أن ما طلبه كان أمرا فوق المستحيل.. فيفزع إلى الله تائبا من تلك الجرأة التي دعته إلى هذا الطلب. «فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ» بك، وبجلالك وعظمتك.. قوله تعالى: «قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ» .

الآيات: (145 - 147) [سورة الأعراف (7) : الآيات 145 إلى 147]

وهكذا يرجع موسى بهذا العطاء الجزيل، وهذا الفضل الكبير.. لقد اصطفاء الله واختاره من بين قومه، وجعله رسولا إليهم برسالاته، وهى ما ضمت عليه التوراة من أسفار ... وأسمعه كلامه من غير واسطة.. وكلها نعم وأفضال، لا يفى بها شكر الشاكرين، وحمد الحامدين، ومع هذا فإن الله يقبل شكر الشاكرين، ويرضاه لهم. الآيات: (145- 147) [سورة الأعراف (7) : الآيات 145 الى 147] وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (145) سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (146) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (147) التفسير: ثم بيّن الله سبحانه وتعالى محتوى ما حمله موسى من رسالات ربّه، فقال تعالى: «وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ» فهذه الألواح التي أنزلها الله على موسى، هى التوراة، وفيها مواعظ وعبر، بما تقصّ من أنباء السابقين، وبما تحدّث به من قدرة الله، وكيف خلق الخلق وأقام هذا الوجود، على ذلك النظام البديع، بعد أن كان عدما لا وجود له.. ثم لقد جاءت التوراة فى أحكامها، وتشريعها وآدابها، على صورة مبسوطة

مفصلة تفصيلا، يتناول الكلّيات والجزئيات، وجزئيات الجزئيات، بحيث يكون كل شىء فيها واضحا مفهوما لكل إنسان، أيّا كان حظه من الفهم والإدراك. وهذا التفصيل الذي جاءت عليه التوراة إنما يكشف عن طبيعة بنى إسرائيل، وأنهم على شىء غير قليل من بلادة الحسّ وجفاء الطبع، وسوء الفهم، بحيث يعاملون كما يعامل الأطفال فى كشف معالم الأشياء لهم، كشفا لا يحتاجون معه إلى عقل يفكر.. كما أن هذا التفصيل يراد لغاية أخرى، وهى حصر هؤلاء القوم فى حدود ما ترسم لهم الكلمات من حقائق، رسما محددا واضحا، يتناول أدق التفاصيل، حتى لا يكون لأهواء القوم ونزعاتهم سبيلا إلى التأويل الفاسد لمضامين الكلمات ومحتوياتها، الأمر الذي لا يعين عليه هذا التفصيل المبيّن لكل شىء.. ومن هنا جاء بنو إسرائيل إلى التوراة بالتحريف، والمسخ فحذفوا وأضافوا، وغيروا وبدّلوا، ليبلغوا بذلك ما لم يكن لهم إليه سبيل بالتأويل والتخريج. وقوله تعالى: «فَخُذْها بِقُوَّةٍ» .. الضمير هنا للألواح، وهى التي كتبت فيها التوراة.. وأخذها بقوة، هو شدّ العزم على القيام لها، والعمل بها، والوفاء بما فيها من أمر ونهى.. فليست الشرائع والأحكام فى نصوصها وعباراتها، وإنما هى بالعمل بما تحمل هذه النصوص وتلك العبارات، من شرائع وأحكام، وبتحويل هذه الشرائع وتلك الأحكام إلى واقع الحياة، فتكون سلوكا تظهر فى الناس آثاره وشواهده. وقوله تعالى: «وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها» أي بأحسن ما فى هذه الألواح، والمراد بأحسن ما فى الألواح المثل الطيبة للناس، وهى التي تعرضها التوراة لأهل الإيمان، والاستقامة والتقوى.. فهؤلاء هم الذين ينبغى

أن يقتدى بهم، كما يقول الله تعالى: «أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ» .. وفى التوراة غير هذه المثل الطيّبة من الناس، مثل للقوم الظالمين، الذين يفسدون فى الأرض ولا يصلحون، وتلك المثل هى التي ينبغى للعاقل أن يحذرها، ويتجنب الأخذ بها، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى بعد ذلك: «سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ» ففى تلك الديار التي ضمّت الفاسقين مثل ظاهرة، تحدّث بما حلّ بأهلها من بلاء ونكال.. فليحذر بنو إسرائيل أن يحلّ بهم ما حلّ بمن فسق عن أمر ربّه، واعتدى على حدوده، واستباح حرماته. وقوله تعالى: «سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ» . فى هذا تحذير لبنى إسرائيل وتهديد لهم، إن هم سلكوا سبيل الظالمين، واستكبروا فى الأرض بغير الحق، ومكروا بآيات الله، وعصوا رسله، وتنكبوا طريق الخير، وركبوا طرق الغىّ والضلال. فهؤلاء الذين يتخذون هذا الموقف اللئيم مع آيات الله، سيصرفها الله عنهم، كما انصرفوا هم عنها، فلا ينالون منها خيرا، ولا يجدون فيها هدى، كما يقول الله تعالى: «وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ» (127: التوبة) لقد حجبهم الله عن مواقع رحمته، بعد أن أخذوا من آياته هذا الموقف، فأغمضوا أعينهم عنها، وجعلوا أصابعهم فى آذانهم فلم يستمعوا لها..

الآيات: (148 - 150) [سورة الأعراف (7) : الآيات 148 إلى 150]

إذ كذبوا بها قبل أن ينظروا فيها ويعرفوا وجهها.. «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ» . وقوله تعالى: «وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ» تهديد بعد تهديد، لمن كذّب بآيات الله، ولم يرج لقاء الله.. فمن كان هذا شأنه، فقد حبط عمله، وساء مصيره، وذلك جزاء الظالمين: «هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ» ؟ وإنهم لم يعملوا إلا شرّا، ولم يقدموا إلّا سوءا، فلم يكن جزاؤهم إلا ما يسوؤهم ويفسد عليهم وجودهم. الآيات: (148- 150) [سورة الأعراف (7) : الآيات 148 الى 150] وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ (148) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (149) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) التفسير: لم يكد بنو إسرائيل يفلتون من يد فرعون، بتلك المعجزة القاهرة التي رأوها وعاشوها، حتى غلبت عليهم طبيعتهم.. من كفر النعم، ومحاربة

المنعم، وإذا هم يأتمرون فيما بينهم، فيما كانوا قد طلبوه من موسى من قبل فردّهم عنه، ونصح لهم.. فقد سألوا موسى حين رأوا قوما يعكفون على أصنام لهم، أن يجعل لهم إلها كما لهؤلاء القوم آلهة.. فأجابهم موسى: «إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.» ثم قال لهم: «أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ؟» . فلما ذهب موسى لميقات ربّه، انتهزوها فرصة، فأخرجوا هذه الضلالات التي كانت تدور فى رءوسهم، إلى واقع الحياة.. فصنعوا عجلا من ذهب على يد رجل منهم، قد أعدّ نفسه لهذه الفعلة، وأخذ لها وسائلها، وقد ذكر القرآن الكريم اسمه فى موقف آخر فى قوله تعالى: «قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً» (85- 86: طه) .. فهذا الرجل هو «السامري» ، وقد فعل ما سنرى بعد. وقوله تعالى: «وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ» هو خبر عن تلك الفعلة النكراء التي كانت من هؤلاء القوم.. وقد أضافهم الله إلى موسى هكذا: «قَوْمُ مُوسى» تذكيرا لهم بتلك الآيات التي أجراها الله على يديه، تلك الآيات التي لم يكن لهم منها عبرة أو عظة.. وفى هذا توبيخ لهم، واسترذال لعقولهم، وأنه ما كان لقوم ينتسبون إلى موسى الذي جاءهم بهذا الخير الكثير، وبتلك الآيات المشرقة، أن يفعلوا هذا الفعل المنكر الذي فعلوه.. وفى قوله تعالى: «مِنْ حُلِيِّهِمْ» إشارة إلى المادة التي صنع منها العجل، وهى مما يتحلى به القوم ويتزينون، وهو الذهب، والفضة ونحوها. وكان بنو إسرائيل عند خروجهم من مصر قد عملوا على أن يخفوا أمرهم على المصريين، فتخيّروا يوم عيد من أعيادهم كانوا قد رصدوه لخروجهم من

مصر خفية.. ثم إنهم لكى يضلوا المصريين عنهم، طلبوا إلى نسائهم أن يستعيروا من جاراتهن المصريات ما يقدرن على استعارته من الحلىّ، على ما جرت به العادة من التزين فى الأعياد.. ثم حين خرج بهم موسى، وجاوز بهم البحر، ونجاهم من فرعون، ذكر لهم ما كان منهم من سلب ما سلبوا من حلىّ، وأراهم أن ذلك خيانة للأمانة، وعدوان على غيرهم، وأنه لا يجوز لهم وقد خلصهم الله من البغي، أن يكونوا من الباغين.. وقد تحرّج كثير منهم من هذا الحلىّ المسلوب، ولكنهم ظلّوا ممسكين به، لا تطاوعهم أنفسهم على أن يفلت من أيديهم.. إنّه الذهب والفضة، يبيع اليهودىّ عمره من أجل قبضة منهما! ثم إنه لمّا أخلى موسى مكانه فيهم إلى مناجاة ربّه، تناجوا هم مع شياطينهم، وانتهى الرأى بينهم إلى أن يقيموا لهم معبودا، وجعلوا هذا المعبود عجلا مصنوعا من ذهب، وهان فى أعينهم هذا الذهب الذي سلبوه وأمسكوه، حين جعلوه مادة لهذا الإله الذي تصوروه.. فصوروه وجسّدوه! وهذا ما يشير إليه قوله تعالى فى سورة طه: «قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ» (86- 88) .. ففى قولهم «حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ» إشارة إلى أن هذا الذي كانوا يحملونه من زينة المصريين هو أوزار تثقلهم، وأنهم انتهزوا هذه الفرصة

فتخلصوا منها على هذا الوجه الغبي.. إنّها- كما علموا- أوزار، وسيئات، ومع هذا فقد صاغوا منها إلها يعبدونه!! فما أغبى غباءهم، وما أضلّ ضلالهم. يسرقون، ويتصدقون.. كالزانية تزنى وتتصدق!! ولكن التوراة تحكى قصة هذا الحلىّ الذي أخذه بنو إسرائيل من المصريين ليلة خروجهم من مصر- تحكى هذه القصة على وجه غريب، فتنسب هذا الفعل إلى الله، وتجعله أمرا من عنده إلى بنى إسرائيل، لينتقموا من المصريين بهذا الفعل الدنيء، الذي تأباه النفس الكريمة، فكيف يجوز أن يكون هذا أمرا من أمر الله، ووصاة من وصاياه؟ تقول التوراة على لسان الرب: «وأعطى نعمة لهذا الشعب فى عيون المصريين، فيكون حينما تمضون أنكم لا تمضون فارغين، بل تطلب كل امرأت من جارتها ومن نزيلة بيتها أمتعة فضة وأمتعة ذهب وثيابا تضعونها على بنيكم وبناتكم، فتسلبون المصريين!!» (3: خروج) . وهكذا تبلغ الجرأة بالقوم على الله، فيحرفوا كلمه عن مواضعه، ويغيروا ويبدلوا فى كلماته، حتى تستقيم مع أهوائهم المريضة، وتجرى مع نزعاتهم الفاسدة، وحتى ليضيفوا إلى الله كل إثم لهم، ويجعلوا شريعته مغرسا لكل فسق منهم.. فهم إذا سرقوا غيرهم أو نهبوه كان ذلك عن أمر الله، إذ أباح لهم دماء الناس وأموالهم.. حسب ما أدخلوه على التوراة من تحريف. وفى قوله تعالى: «لَهُ خُوارٌ» أي صوت كصوت البقر.. وذلك أن «السامري» .. كان قبض قبضة من أثر الملك الذي كان يخاطب موسى، ثم قذف بهذه القبضة على هذا العجل الذي صوره من الحلىّ الذي قذفه القوم فى النّار، فإذا هو عجل له حياة، وله خوار!!

وسنعرض لهذه القصة فى موضعها من سورة «طه» إن شاء الله.. وقوله تعالى: «أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا» إشارة إلى غفلة القوم، وإلى إغراقهم فى الجهل والضلال.. ذلك أنه إذا كان قد أخذ «السامري» على عقولهم بهذا الذي فعله، فإنه لم يزد على أن جاء بعجل كسائر العجول التي تملأ السّهل والوعر.. فكيف يصح أن يكون هذا العجل بالذات إلها لهم يعبدونه من دون الله؟ إنه لا أكثر من حيوان، فكيف يعبد الإنسان ما هو أقل منه شأنا؟ «أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا؟» . وقوله تعالى: «اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ» هو جواب لسؤال مقدر هو: «وهل اتخذ القوم هذا العجل إلها مع أنه لم يكلمهم، ولم يكشف لهم طريقا إلى الحق؟» فكان الجواب: نعم، اتخذوه، وهم فى اتخاذهم إياه ظالمون، معتدون على الله، ملقون بأنفسهم فى البوار والهلاك.. قوله تعالى: «وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ» أي حين وقعت الواقعة، وظهر العجل بينهم، ووقفوا منه موقف العابدين، بان لهم ضلالهم، وانكشف لهم سوء فعلتهم، ولكنهم لم يدروا ماذا يصنعون بهذا الإله القائم بينهم..! وقوله تعالى: «وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ» . كان موسى قد علم- وهو فى مناجاة ربّه- أن قومه قد فتنوا من بعده، وضلوا، وذلك كما أعلمه الله تعالى بقوله: «وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى

قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ» (83- 85: طه) . وقوله تعالى: «بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي» زجر لهم، وتشنيع لفعلهم، وما أحدثوه من بعده، وقد كانوا خلفاءه على شريعة الله التي تركها فى أيديهم. وقوله: «وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى» إشارة إلى أنهم لم ينتظروا حتى يجيئهم موسى من الميقات، حاملا لهم شريعة الله إليهم، كما وعدهم من قبل. وقوله: «وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ» إشارة لمظاهر الغضب والأسف التي نفّس بها موسى عن نفسه، لما رأى ما عليه قومه من كفر وضلال.. فلم يجد إلا هرون، الذي أقامه على القوم، وقال له: «اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ» فأمسك به من رأسه يجرّه إليه فى عنف، ويؤنبه فى غضب. وقوله: «قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» هو استعطاف من هرون لأخيه الذي ثار عليه ثورته تلك، وأخذه من ناصيته يجرّه إليه.. وفى نسبته إليه بأمّه زيادة فى الاستعطاف، إذ يذكر موسى بهذا النسب، فترة الطفولة التي كانت تضمه هو وهرون تحت جناح أمهما، فيرقّ له وتأخذه الشفقة به. ومن عجب أن التوراة تنسب إلى هرون عليه السلام، أنه هو الذي صنع العجل لبنى إسرائيل ودعاهم إلى عبادته!! ولا تعجب لهذا، فإن فى التوراة أمورا منكرة، أدخلها اليهود عليها لحاجات فى أنفسهم.. ولا أدعك لتذهب بك الظنون كل مذهب.. وها ذا هو بين يديك ما تقول التوراة هنا:

الآيات: (151 - 152) [سورة الأعراف (7) : الآيات 151 إلى 153]

«ولما رأى الشعب أن موسى أبطأ فى النزول من الجبل اجتمع الشعب على هارون، وقالوا له: قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا، لأن هذا موسى الرجل الذي أصعدنا من أرض مصر لا نعلم ماذا أصابه.. فقال لهم هارون: انزعوا أقراط الذهب التي فى آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وآتوني بها، فنزع كل الشعب أقراط الذهب التي فى آذانهم وأتوا بها إلى هارون، فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالإزميل وجعله عجلا مسبوكا» (22: سفر الخروج) .. فيا لله من هذا الافتراء على رسول كريم من رسل الله! الآيات: (151- 152) [سورة الأعراف (7) : الآيات 151 الى 153] قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153) التفسير: وتقع كلمات هرون موقعها من نفس موسى، فيرقّ له، ويأسف لما أخذه به، فيدعو الله له ولأخيه بالمغفرة: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» ولم يدخل أحدا من بنى إسرائيل معهما فى هذا الخير الذي طلبه من ربّه، لأنهم على حال ليسوا هم فيها أهلا لرحمة أو مغفرة، لهذا الإثم العظيم الذي أغرقوا أنفسهم فيه، والذي استحقوا به أن يتوعدهم الله تعالى بقوله: «إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ» .. فهكذا يجزى البغاة الظالمون،

الآيات: (154 - 155) [سورة الأعراف (7) : الآيات 154 إلى 155]

الذين يتخذون العجل إلها معبودا.. وهكذا يقع هؤلاء الذين عبدوا العجل تحت غضب الله، ولعنته، فتضرب عليهم الذلّة والمسكنة فى هذه الدنيا، فهذا حكم واقع عليهم لا يرفع عنهم أبدا بتوبة أو استغفار، وقد كان من غضب الله عليهم أن أمرهم بأن يقتل بعضهم بعضا، كما قال تعالى: «وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ، فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ» (54: البقرة) فليس غير القتل سبيلا إلى إصلاح ما أفسدوا.. إنهم بهذا الإثم الذي تلبسوا به قد أصبحوا كيانا فاسدا، لا يصلح للحياة، ومن الخير للإنسانية القضاء على هذا الداء الخبيث الذي نجم فيها؟ أما فى الآخرة فأمرهم إلى الله، فإن تابوا ورجعوا إلى الله- وليست توبتهم إلا بأن يقتلوا أنفسهم- كانوا فى معرض رحمته ومغفرته، وإن ظلوا على ما هم عليه من ضلال وكفر، فإن الله أعدّ للكافرين عذابا مهينا.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ» . والضمير فى «مِنْ بَعْدِها» يعود إلى السيئات، أي تابوا وآمنوا من بعد فعل هذه السيئات، وقد جعل الله توبتهم بأن يقتلوا أنفسهم، بعد أن يؤمنوا بالله، ويبرءوا من عبادة العجل الذي عبدوه! الآيات: (154- 155) [سورة الأعراف (7) : الآيات 154 الى 155] وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154) وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (155)

التفسير: فى التعبير عن ذهاب الغضب عن موسى بالسكوت هكذا: «وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ» إشارة إلى أنه كان غضبا عارما، مجسّدا، حتى لكأنه كائن حىّ، له صوت مسموع، يهتف بموسى: أن اغضب! وفى قوله تعالى: «لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ» توكيد للرهبة وإضافتها إلى الله،، وقصرها عليه وحده.. والرهبة: الخوف من الله، والخشية له.. وقوله تعالى: «وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا» أي تخيّر موسى من قومه سبعين رجلا ليكونوا معه فى ميقاته مع الله، وليروا معه الله الذي طلبوا إليه أن يريهم إياه، فلما تجلى الله سبحانه وتعالى للجبل وجعله دكّا، وخرّ موسى صعقا- صعق معه هؤلاء السبعون الذين اختارهم من رءوس بنى إسرائيل.. وحين أفاق موسى، ورأى القوم صرعى حوله، هاله الأمر، وخشى أن يلقى قومه وبين يديه هذا الخبر بمصرع رؤسائهم.. وهنا يناجى موسى ربه: «رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ» إنه يتمنى لو أن الله كان أهلكهم وأهلكه معهم، وهم بين القوم، حتى لا ينظر إليه القوم نظرة الجاني على هؤلاء الصرعى. وقوله: «أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا» هو استفهام استعطافى، يفيد الدعاء، أي ربّ لا تهلكنا بما فعل السّفهاء منّا. وقوله: «إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ» .. الفتنة: الابتلاء والاختبار، أي ما يبتلى الناس به من خير أو شر، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً» .. فما يبتلى به الناس من نعم

الآيات: (156 - 159) [سورة الأعراف (7) : الآيات 156 إلى 159]

ونقم، ومن عافية وبلاء، هو امتحان لإيمانهم، وابتلاء لحمدهم للخير أو كفرهم به، ولصبرهم على الضرّ أو جزعهم منه.. فالذى ابتلى به بنو إسرائيل بعد خروجهم من مصر هو نعمة وعافية، ولكنهم كفروا بهذه النعمة، وتمردوا على الله بتلك العافية، فابتلوا بالبلاء والنقمة. وقوله: «أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ» هو تضرع من موسى إلى الله أن يغفر لهم ويرحمهم، «وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ» ؟ .. إنه هو ولىّ من يتوب إليه، ويلجأ إلى حماه.. وفى النظم القرآنى تقديم وتأخير.. فاختيار موسى لمن اختارهم من بنى إسرائيل لميقاته مع ربه، كان قبل أن تقع هذه الأحداث التي وقعت فى بنى إسرائيل، من عبادة العجل، وما كان بين موسى وهرون، من لوم، ومؤاخذة، وفى هذا إلفات إلى ما ينبغى الالتفات إليه من أمر القوم، على حسب ما يقع للناظر إليهم، وما يطلع عليه من منكراتهم وآثامهم..! الآيات: (156- 159) [سورة الأعراف (7) : الآيات 156 الى 159] وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)

التفسير: هنا يدعو موسى ربّه أن يكتب له ولقومه فى هذه الدنيا حسنة، وفى الآخرة حسنة، أي يجعل لهم حظّا من رحمته فى الدنيا والآخرة، بعد أن تابوا إليه وقالوا: «إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ» أي رجعنا إليك بعد أن فارقناك بعبادة غيرك.. والمراد بالحسنة فى الدنيا: النعم، وسعة الرزق، وعبّر عنها بالحسنة، لأنها مما يحسن وقعه وأثره فى النفوس. وقوله تعالى: «قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» .. هو بيان لحكم الله تعالى فى عباده.. فعذابه واقع على من يشآء من عباده، وليس على كل عباده، وإنما هو نازل بأهل الكفر والضلال.. وأما رحمته فهى عامة شاملة، تسع الوجود كلّه، وهى على سعتها، وعمومها وشمولها، لا ينالها إلا أهل طاعته الذين آمنوا واتقوا.. وقوله تعالى: «فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ» هو ردّ على طلب موسى فى قوله مخاطبا ربّه: «وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ» .. المراد بالكتابة التقدير والوقوع، والجعل، والشمول، وعبّر عن ذلك بالكتابة لأنها أوثق وأثبت. والمعنى: إن رحمة الله مع أنها عامة شاملة، تسع الوجود كلّه- لا تنال إلّا الذين آمنوا بالله، وأخلصوا دينهم لله. والذي ينبغى الالتفات إليه هنا، هو أن الله سبحانه وتعالى لم يستجب

لموسى ما سأل فى قومه أن يكتب لهم فى الدنيا حسنة، وفى الآخرة حسنة، إذ كان قول الله لموسى: «عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» حكما عاما يقع على الناس جميعا، ولا يتعلق بهذا الدعاء الذي دعا به موسى ربّه. وفى هذا ما يدلّ على أن الله سبحانه لم يشمل بنى إسرائيل بتحقيق هذا الدعاء فيهم، بل وضعهم جميعا تحت الحكم العام الذي يأخذ الله به عباده، وهذا يعنى أن الله سبحانه وتعالى يعلم من هؤلاء القوم أنهم لن يستأهلوا هذه النعمة التي لو استجاب الله لموسى فيها، لكانت بركة تحفّ بهم إلى يوم القيامة.. ذلك أن القوم قد مسّتهم لعنة الله قبل ذلك، ونزل بهم غضبه، فكان ذلك هو الثوب الذي يلبسونه، وتلبسه أجيالهم المتتابعة أبد الدهر.. وانظر.. إن الله سبحانه وتعالى استجاب لجميع أنبيائه فيما سألوه لأقوامهم من خير أو شر. فهذا نوح عليه السلام يدعو ربه بهلاك قومه: «رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً» (26- 26: نوح) . فيهلكهم الله بالطوفان. وإبراهيم- عليه السلام- يقول: «رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ» فيكون جواب الله له: «فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ» (100- 101: الصافات) ويقول: «رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ..» فيجىء حكم الله: «قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» (136: البقرة) وموسى عليه السلام، يدعو ربّه ليأخذ فرعون وملأه، وهرون- عليه السلام- يردد معه الدعاء: «رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ

عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ» فيلقاهما الله سبحانه بقوله: «قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما» (88- 89: يونس) . أما هنا، إذ يدعو موسى ربه له ولأخيه ولقومه، فلا يقبل الله هذا الدعاء على إطلاقه، بل يقبله فى المؤمنين، الذين يستقيمون على طريق الإيمان والخير: «عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» وفى تقديم العذاب إشارة إلى أن العذاب هو الجزاء المرصود لبنى إسرائيل، وأن الرحمة التي تنالهم، هى الرحمة العامة التي تسع الوجود كله، حتى أهل النار فى النار! والسؤال هنا: ما معنى «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» إذا كانت لا تنال العصاة والضالين والكافرين؟، أليس هؤلاء العصاة الضالون الكافرون من أشياء هذا الوجود؟. فكيف لا تسعهم رحمة الله التي وسعت كل شىء؟. والجواب على هذا: أن كتابة الرحمة شيء، وسعتها للناس شىء آخر. فالكتابة لمن كتبت لهم الرحمة تعنى- كما قلنا- تقريرها ووقوعها، وشمولها، فمن كتبت لهم الرحمة- جعلنا الله منهم- فهم السعداء، الذين تفتح لهم أبواب الجنة، ويلقّون فيها تحيّة وسلاما.. وأما سعة الرحمة فإن الوجود جميعه- علوه وسفله- والناس جميعا- برّهم وفاجرهم- داخلون فى رحمة الله، التي وسعت كل شىء.. وقد قلنا من قبل إن الوجود فى ذاته- على أسوأ وجه يراه الإنسان- هو فى ذاته نعمة، ورحمة، لأنه خير من العدم.. ثم إن العصاة- فى الدنيا- لم يحجب الله عنهم نعمه، ولم يحرمهم رزقه، ولم يصبهم فى جوارحهم التي يعيشون بها مثل سائر الناس. وأصحاب النار وهم فى النار، هم ممن وسعتهم رحمة الله، إذ هناك عذاب فوق هذا العذاب، وبلاء أكبر من هذا البلاء، وقد وقف الله بهم عند هذا

الحدّ من العذاب الذي هم فيه، وذلك رحمة من رحمته، ولولا ذلك لضاعف لهم هذا العذاب الذي هم أهل له بما ارتكبوا من آثام. وقوله تعالى: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ» . فى هذه الآية أمور.. منها: أولا: أنها بيان لمن يستجيب الله لموسى فيهم من قومه، ويكتب لهم فى هذه الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة، وأنهم هم الذين يتقون الله ويؤتون الزكاة، ويؤمنون بآياته، ويعملون بها ويستقيمون عليها.. وذلك فى عهد موسى، وإلى أن يأتى النبيّ الأمى الذي يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل. وثانيا: إذ جاء هذا النبىّ الأمىّ الذي يجدون صفته عندهم فى التوراة والإنجيل. فإن الله لا يكتب لهم الرحمة ولا يدخلهم مداخل المؤمنين، حتى يتبعوا هذا النبىّ ويؤمنوا به.. «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ» فهؤلاء هم اليهود والنصارى، وقد عرف الفريقان صفة هذا النبىّ فى كتبهم التي بين أيديهم، وأمروا بالإيمان به عند ظهوره.. وثالثا: من صفات هذا النبيّ.. أنه رسول، ونبىّ، وأمي، وأنه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحلّ لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم، أي العهود التي أخذها الله عليهم، وهى الأحكام التأديبية التي أدّبهم بها، وفرض عليهم التزامها، كتحريم كل ظفر، وكتحريم شحوم الغنم والبقر إلا ما حملت ظهورها، أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، وكتحريم

رسالة الإسلام ونسخها للرسالات السابقة

العمل فى يوم السبت.. وهذه كلّها قيود وأغلال قيدهم الله بها، وغلّ أهواءهم الجامحة عن الحركة.. وهذا فى شأن اليهود، أما النصارى- وهم يهود أصلا- فقد كان فى شرع المسيح لهم ما هو أقسى من هذا قسوة وأشدّ تنكيلا، ويكفى ما جاء فى وصاة المسيح لهم فى قوله: «من لطمك على خدّك الأيمن، فحوّل له خدّك الآخر أيضا، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا» (5: إنجيل متى) ! رسالة الإسلام ونسخها للرسالات السابقة فالنبى الأمّىّ هو الذي جاء رحمة عامة شاملة للناس جميعا، قد جعل الله محامل دعوته عامة إلى جميع الأمم والشعوب ... ومن هنا كان مبعثه إيذانا برفع هذه القيود التي قيّد الله بها أولئك الذين جعل سبحانه من شريعته لهم، هذا التأديب الشرعىّ، الذي لا يرفع عنهم ثقله أبدا، إلا إذا ظهر النبي الأمّى، وإلا إذا اتبعوا هذا النبىّ الأمى، وعندئذ فقط يسقط عنهم هذا الحمل الذي وضعه الله على ظهورهم، ويرفع هذا العهد الذي أخذه الله عليهم، وتوعّدهم بالعذاب الأليم إن هم نقضوه، قبل ظهور هذا النبي الأمى، والإيمان بهذا النبىّ الأمّىّ، والأخذ بشريعته.. «فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» .. ومعنى عزّروه: منعوه من أعدائه، وكانوا سندا له ووقاية، والمراد بالنور الذي أنزل معه، القرآن الكريم.. وهو نور وهدى لمن طلبه، وفتح عينه وقلبه له. وهذه الآية تقرر فى صراحة صريحة أن رسالة الإسلام رسالة عامة شاملة، وأن اليهود والنّصارى لن تكتب لهم رحمة الله، ولن يكونوا من المؤمنين، إلا إذا تابعوا النبىّ الأمىّ، واستجابوا لدعوته، ودخلوا فى دين الله، وهو الإسلام.

ويتقرر هذا الحكم من وجهين: أولهما: ما نصّ عليه القرآن فى هذه الآية، وما أسمعه الله تعالى موسى، وهو يطلب إلى الله أن يكتب له ولقومه فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة.. فإن الله سبحانه وتعالى ما استجاب هذه الدعوة على إطلاقها، بل استجابها للمتقين الذين يؤمنون بآيات الله التي نزلت على موسى، وعلى من جاء إلى بنى إسرائيل بعده من أنبياء، وخاصة عيسى عليه السلام، حتى إذا جاء النبي الأمىّ- محمد صلوات الله وسلامه عليه- لم يكتب لأتباع التوراة والإنجيل حسنة فى الدنيا ولا فى الآخرة حتى يؤمنوا به.. وهذا هو بعض السرّ فى وصل قوله تعالى: «فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ» بقوله سبحانه بعد هذا: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ ... » فالذين يتبعون الرسول النبي الأمى، بدل من قوله تعالى: «فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ» .. ومعنى هذا أن حكم كتابة الحسنة مشروط بشرطين: يتحقق أحدهما فى عهد موسى، ومن جاء بعده من أنبياء بنى إسرائيل، إلى عيسى. والشرط هو تقوى الله والإيمان بآياته التي يحملها رسله.: وهذا الشرط وحده يكفى لتقرير الحكم إلى أن يبعث النبي الأمى، فإذا بعث هذا النبىّ، أضيف إلى هذا الشرط الشرط الآخر، وهو الإيمان بهذا النبي الأمى، الذي لا يتحقق الشرط الأول، وهو التقوى والإيمان بآيات الله إلا بالإيمان به، وبالكتاب الذي معه! وثانيهما. أن هذين الشرطين قد حملتهما التوراة، التي هى شريعة أتباع موسى وأتباع عيسى معا، وأن الإيمان بعد ظهور محمد لا يتم إلا إذا تحقق الشرطان معا، وإلا إذا آمن اليهود والنصارى بما فى كتابيهما اللذين

دعواهم إلى الإيمان بهذا النبي، فإذا لم يؤمنوا به، فقد كفروا بالكتاب الذي فى أيديهم، وبهذا لم يكونوا من المؤمنين.. وفى قوله تعالى: «قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» توكيد لعموم رسالة النبيّ الأمىّ، وأنه مبعوث للناس جميعا، ولهذا أمر الله نبيه الكريم أن يؤذّن فى الناس، بما أمره الله أن يؤذن به فيهم: «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً» . وهذا القول ليس من قول النبىّ الذي حكاه القرآن عنه، وإنما هو مما أمره الله به، فقال تعالى: «قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً..» ثم أتبع هذه الدعوة بعرض بعض ما لله الذي يدعو إلى الإيمان به، من صفات: «الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ» .. فالله سبحانه له ملك السموات والأرض، لا شريك له فى ملكه، ولا إله معه- بيده الحياة والموت، «فَآمِنُوا بِاللَّهِ» الذي هذا ملكه، وذلك سلطانه، «وَرَسُولِهِ» الذي يحمل رسالته إلى الناس جميعا.. «النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ» فهذا الرسول، من صفاته أنه نبىّ أمي، لا يقرأ ولا يكتب، وأنه يؤمن بالله، ويؤمن بكلمات الله التي نزلت عليه، وعلى رسل الله من قبله.. «وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» فإن فى الإيمان بالله ورسوله، وفى اتباع هذا النبىّ والاستجابة له- الهداية والرشاد، ولن يكون لمخالفه والمتأبّى عليه، والمحادّ له، رجاء فى هدى أو مطمع فى نجاة. وقوله تعالى: «وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ» هو تحريض لليهود على متابعة النبي والاستجابة له، والانتصار لدعوته، وذلك أن

الآيات: (160 - 162) [سورة الأعراف (7) : الآيات 160 إلى 162]

هؤلاء القوم، وإن كانوا كما عرفتهم الحياة، وكما سيكشف القرآن الذي سينزل فيهم بعد هذا، كثيرا من وجوه بغيهم وضلالهم- فإن فيهم قلة قليلة تحتفظ فى كيانها بمعالم الإنسانية السليمة، قد عرفت الحق واستقامت عليه، وحكمت به حكما عادلا بعيدا عن الهوى.. والمراد بهؤلاء، هم بعض علماء اليهود والنصارى وأحبارهم ورهبانهم، وقد دخل كثير منهم فى الإسلام وأصبحوا فى عداد المسلمين.. وإذا عرفنا أن هذه السورة مكية، وأن النبي صلوات الله وسلامه عليه، لم يكن قد واجه اليهود بعد، ولم يكن بينه وبينهم لقاء مباشر بدعوته- إذا عرفنا هذا أدركنا سرّ هذه الإشارات البعيدة التي كان يشير بها القرآن إلى اليهود، حيث كانت هذه الإشارات إرصاصا بالمواجهة الصريحة التي ستكون بين النبي واليهود، بعد أن يهاجر النبي إلى المدينة، ويلتقى باليهود، ويقع بينه وبينهم هذا الصراع العنيف الذي عرضه القرآن الكريم، والذي انتهى بإجلاء اليهود من المدينة، فى عهد النبي، ثم بإجلائهم من الجزيرة العربية كلها فى خلافة عمر بن الخطاب.. رضى الله عنه، وأرضاه. الآيات: (160- 162) [سورة الأعراف (7) : الآيات 160 الى 162] وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (162)

التفسير: الأسباط: جمع سبط، وهو الحفيد، والمراد بالأسباط هنا هم الذرية التي ولدت لأبناء يعقوب الاثني عشر، الذين دخلوا مصر فى عهد أخيهم يوسف، والذين كان منهم بنو إسرائيل الذين أخرجهم موسى من مصر.. ويظهر من هذا أن القوم لم ينزعوا عنهم عصبية البداوة، التي دخلوا بها مصر، بل ظلت متحكمة فيهم طوال تلك الأجيال التي عاشوها بين المصريين، فاحتفظ كلّ ولد من أبناء يعقوب الاثني عشر بنسب ذريته إليه من بعده، فكما كانوا اثنى عشر ولدا، صاروا فيما بعد اثنتي عشرة قبيلة! وفى قوله تعالى: «وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً» إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى ابتلاهم بهذا التمزق فى عواطف المودة والإخاء بينهم، فقطّع أوصال هذه الأخوّة، التي كان من شأنها أن تجمع بعضهم إلى بعض، وأن تجعل منهم كيانا واحدا، خاصة وهم فى دار غرية، وليس هذا فحسب، بل هم فى وجه محنة قاسية بما رماهم به فرعون من بلاء.. وفى قوله تعالى: «أَسْباطاً أُمَماً» إشارتان: الأولى: أن أعدادهم المقطعة إلى اثنتي عشرة قطعة، كانت أعدادا كثيرة، وأن كل قطعة منها هى أمة، فى كثرة عددها.. أولا، وفى تمايزها عن غيرها..

ثانيا. ولهذا كان الملاحظ فى العدد هو الأمة لأ الأسباط، لذلك أنّث العدد بجزئيه، كأنه قال: «وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً» .. فأمة هى التمييز لهذا العدد لا الأسباط، وقد جاء التمييز جمعا ولم يجىء مفردا كما هو الشأن فى تمييز الأعداد المركبة، للدلالة على أن الأمة الواحدة من هؤلاء القوم هى أمم، فى مختلف مشارب أفرادها، وتنازع أهوائهم.. فكل جماعة فى داخل هذه الأمة هى أمة، فى اتجاه أهوائها، واختلاف مشاربها. ثانيا: أن ذكر الأسباط، يشير إلى أن هذا التقطيع لتلك الجماعة قام على أسلوب خاص، وهو أن كل قطعة ترجع فى أصلها إلى أبيها الأول من أبناء يعقوب.. وقوله تعالى: «وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ» . استسقاه قومه: طلبوا السّقيا منه، حيث كانوا فى الصحراء، ولا ماء هناك.. وقد ثارت ثائرتهم فى وجه موسى، وكادوا يكونون عليه لبدا، فأوحى الله إليه أن يضرب بعصاه الحجر، فيخرج منه الماء الذي يشربون منه.. وقد ضرب موسى بعصاه الحجر، فانبجست منه اثنتا عشرة عينا، بعدد أسباطهم، أو أممهم. والانبجاس: تدفق الماء من محبسه فى رفق ولين.. ثم كان التدفق الهادر بعد أن أخذ الماء مجراه، وقد جاء قوله تعالى: «فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً» (60: البقرة) - جاء بالوصف الذي يضبط هذه الصورة كلها.. وقوله تعالى: «قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ» إشارة إلى أن كل جماعة من تلك الجماعات الاثنتى عشرة قد علمت المشرب الذي لها من تلك العيون التي

انبجست، فلا تشرب جماعة إلا من المشرب الذي هو لها.. وهكذا يظل القوم فى عزلة مادية، إلى جانب تلك العزلة النفسية التي اشتملت عليهم. وفى قوله: تعالى «وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى.. كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ» .. عرض لنعم الله عليهم، وإلفات لهم إليها، حتى يوجّهوا وجوههم إلى الله وحده، ويستقيموا على صراط مستقيم. وقوله تعالى: «وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» كشف لمساوىء هؤلاء القوم، وما فيهم من ضلال وعناد ومكر بآيات الله.. فإنهم لم يرعوا هذه النعم المرسلة عليهم من السماء، ولم يلتفتوا إلى تلك الألطاف التي تحفّهم من كل جانب، وتطلع عليهم من كل أفق، بل كفروا بالله، وعاثوا فى الأرض فسادا.. وهم بهذا إنما يظلمون أنفسهم، ويوردونها مورد الهلاك والضياع، حين يعرضونها لسخط الله ونقمته، ولن يضرّ الله شىء من هذه المآثم التي يغرقون فيها، ويغرقون فيها أنفسهم، بل إن فى هذا البلاء العظيم الذي يشتمل عليهم. وقوله تعالى: «وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ» هو بيان لوجه من وجوه بنى إسرائيل المنكرة، التي كانوا يتعاملون بها مع الله، حيث يلبسهم النعمة، فتزيدهم بالله كفرا وضلالا.. ولقد دعاهم الله سبحانه أن يدخلوا القرية، وأن يسكنوها، حتى ينتقلوا من الصحراء الجديب، إلى حياة الاستقرار والسّكن، وأن ينعموا بما تخرج أرضها من جنات وزروع.. وأوصاهم الله حين يدخلون هذه القرية أن يكونوا على حال خاصة، هى أن يدخلوا بابها ساجدين لله، قائلين «حطّة» أي مغفرة

لذنوبنا، وتكفير لسيئاتنا.. ولكنّهم حين دخلوا القرية أبوا إلا أن يغيّروا ويبدلوا فى هذا الأمر الذي أمرهم الله به، ولم يدخلوها على تلك الصورة التي رسمها الله لهم، ولم يكن ذلك بالذي يعنتهم أو يثقل عليهم، ولكن هكذا الطباع اللئيمة، والنفوس المريضة، لا تقبل الخير ولو كان الهواء الذي تتنفسه وتعيش عليه.. إنها طباع أطفال، تأبى إلّا الخلاف والشرود. وفى قوله تعالى: «فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ» وصف فاضح مخز لهؤلاء القوم، فقد دمغهم الله بالظلم، وأدخلهم مداخل الظالمين، ولهذا جاء النظم القرآنى مصرحا بهم هكذا: «فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ» ولم يقل: «فبدلوا» .. وقد أخذهم الله بظلمهم، وعجّل لهم العذاب، بأن أنزل عليهم رجزا من السماء، أي لعنة ومقتا، «فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ» بدلا- مما كان ينزل عليهم من المنّ والسلوى، وما كان يظللهم من غمام. فالسماء التي كانت تتنزل منها الرحمة عليهم، هى السماء التي تصبّ عليهم البلاء والنقم.. والمراد بالسماء هنا الإشارة إلى متنزل الأقدار التي تنزل بالناس، من خير وشر، وأنها من مصدر عال متمكن، يشرف على الوجود كله، ويمسك به. و «الْقَرْيَةَ» التي أمر بنو إسرائيل بالسّكن فيها لم يذكر القرآن اسمها، ولم يبيّن صفتها، ومع هذا، فقد كانت معروفة لبنى إسرائيل، مشارا لهم إليها هكذا: «هذِهِ الْقَرْيَةَ» .. وقد تكلف المفسرون البحث عنها، واختلفوا فيها.. ونحن نحترم سكوت القرآن عنها، وحسبها أنها قرية يسكن الناس فيها، ويجدون مطالب الحياة ميسرة فى أرضها، إذ لا متعلّق لاسم هذه القرية، ولا لصفتها فيما أمر به بنو إسرائيل عند دخولها.. وغاية ما يمكن أن يقال فى

الآيات: (163 - 167) [سورة الأعراف (7) : الآيات 163 إلى 167]

تحديد مكان القرية- لا اسمها- هو أنها فى الأرض المقدسة من فلسطين، حيث أشار الله سبحانه إلى هذا بقوله تعالى فى سورة المائدة على لسان موسى: «يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ» (الآية: 21) . الآيات: (163- 167) [سورة الأعراف (7) : الآيات 163 الى 167] وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (166) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167) التفسير: لم تكن قصة موسى وبني إسرائيل هنا حديثا مباشرا لليهود الذين عاصروا البعثة النبوية، إذ كانت الدعوة لا تزال فى مواجهة قريش، لم تحدد مكانها من اليهود بعد، ولم تنتقل إلى مطلعها الجديد فى المدينة التي سيهاجر إليها الرسول، ويواجه فيها اليهود مواجهة مباشرة. ومع هذا، فإن الدّعوة الإسلامية- وهى فى مكة- كانت تشير إلى أهل الكتاب، وإلى اليهود خاصة، إشارات تنبىء عن أن للرسالة الإسلامية شأنا

معهم، وأن عليهم أن يهيئوا أنفسهم لها منذ اليوم، وأن ينظروا فيها، ويحدّدوا موقفهم منها.. وهذا من أنباء الغيب التي حملها القرآن، وأخبر بها قبل أن تقع. وإذ انتهت قصة موسى وقومه، وإذ تكشف الآيات القرآنية عن القوم وعما فى قلوبهم من مرض، وما فى طباعهم من لؤم ومكر- فقد ناسب ذلك أن تأتى آيات أخرى تكشف عن طبيعة القوم، وتعرض صورا من كفرهم بنعم الله، ومكرهم بآياته، وفى هذا نذير لمشركى مكة إن هم جروا على سنّة هؤلاء القوم مع رسل الله، وإن هم أخذوا عنهم ما يلقون به إليهم من زيف القول، يكيدون به للرسول الكريم. وقوله تعالى: «وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ» .. هو سؤال إلى اليهود لم يلقهم به النبي لقاء مباشرا، وإنما نقل إليهم من كفار قريش الذين كانوا يتعاملون مع اليهود فى التّصدّي للنبىّ، وفى نصب المزالق والعثرات له.. إذ كان اليهود يلتقطون أخبار النبىّ وما ينزل عليه من قرآن، أولا بأول، فيجدون القرآن يحدّث عنهم، ويفضح تاريخهم الأسود مع أنبيائهم دون أن يلتفت إليهم النبىّ الكريم، وأن يلقاهم بوجهه.. وهذا مما يثير القلق والاضطراب فى نفوسهم، ويجعلهم والقرآن وجها لوجه، من غير أن يكون للرسول موقف معهم، يمكنهم من أن ينالوا منه منالا..!! والقرية التي كانت حاضرة البحر، هى إحدى القرى التي كانت لبنى إسرائيل، على شاطىء بحيرة طبرية، أو شاطىء البحر المتوسط.. وكونها حاضرة البحر، أي قائمة عليه، وبمحضر منه، أي ليست بعيدة عنه، بل هى مشرفة عليه. «إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ» ..

وذلك أنهم كانوا قد ابتلوا بيوم السبت، فلا يعملون فيه عملا، وإلا وقعوا تحت لعنة الله.. وفى هذا تقول التوراة: «اذكر يوم السبت لتقدّسه، ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك، وأما اليوم السابع ففيه سبت للربّ إلهك، لا تصنع عملا ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك لأن فى ستة أيام صنع الربّ السماء والأرض والبحر وكل ما فيها واستراح فى اليوم السابع لذلك بارك الربّ يوم السبت وقدّسه» [سفر الخروج.. الإصحاح العشرون] . وقد مكر أصحاب هذه القرية بهذا اليوم، فكانوا يحتالون على العمل فيه، وخاصة فيما يتصل بصيد السمك الذي كان العمل الغالب عليهم.. ولهذا فقد ابتلاهم الله فى هذا اليوم بابتلاء آخر، وهو أن الحيتان كانت لا تظهر فى شاطىء البحر طوال أيام الأسبوع إلا يوم يسبتون، أي يوم السبت. فإذا كان يوم السبت جاءت الحيتان من كل صوب، تتراقص أمام أعينهم، حتى لتكاد تلقى بنفسها إلى اليابسة.. وفى ذلك ابتلاء لهم أىّ ابتلاء.. فإما أن يصبروا على حكم الله فيهم، فلا يمدّوا أيديهم إليها، وإما أن يأخذوا منها ما يشاءون، وفى هذا هلاكهم، فلا تبقى منهم باقية.. وقد وقف القوم موقفا وسطا، خيّل إليهم فيه أنهم يخدعون الله، وأن الله سينخدع لهم، فجعلوا ينصبون شباكهم يوم الجمعة بالليل ليقع فيها السمك نهار السبت، حتى إذا كان آخر النهار، ومضى يوم السبت، أخرجوا شباكهم وقد امتلأت صيدا! ولهذا فقد صيّر الله- سبحانه- السبت لعنة عليهم، فحرّم عليهم فيه أي عمل،

ومن خرج منهم عن هذا الأمر فقد حلّ قتله، كما تقول التوراة، فى الإصحاح الخامس والثلاثين من سفر الخروج. «ستة أيام يعمل عمل، وأما اليوم السابع ففيه يكون لكم سبت عطلة مقدس للربّ، كل من يعمل فيه عملا يقتل، لا تشعلوا نارا فى جميع مساكنكم يوم السبت» . وهكذا كان الأمر إليهم أولا أن يقدسوا يوم السبت، وألا يباشروا فيه عملا من أعمال الدنيا.. فلما خرجوا عن هذا الأمر أوجب الله عليهم القتل إذا عملوا أي عمل فى هذا اليوم.. وهكذا انقلبت تلك النعمة شرّا ووبالا عليهم. فوقعوا منها تحت هذا الإصر الذي لا يحتمل!! وقوله تعالى: «يَوْمَ سَبْتِهِمْ» أي يوم يدخلون فى السبت، وقوله: «وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ» أي يوم لا يكون السّبت، وذلك بقية أيام الأسبوع. وأصل «السبت» السكون، وعدم الحركة. وقوله تعالى: «شُرَّعاً» أي شارعة ظاهرة، ومنه شراع السفينة.. سمّى بذلك لظهوره، ومنه الشّرع، والشريعة، لظهورهما، ووضوح أمرهما.. وقوله تعالى: «كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ» الإشارة هنا إلى ما ابتلاهم الله به من يوم السبت، ثم ما ابتلاهم به فى يوم السبت نفسه، بما يتعرض لهم فيه من حيتان، لا تظهر لهم إلا فى هذا اليوم.. وذلك الابتلاء إنما هو بسبب فسقهم، وخروجهم على أحكام الله، واحتيالهم على التفلّت منها. قوله تعالى: «وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» . لم يكن أهل القرية كلّهم على سواء فى الخروج على يوم السبت،

والاحتيال على التخلص من هذه البلوى التي ابتلاهم الله بها.. فهناك أمّة منهم، أي جماعة أرادت أن تنصح للقوم وتدعوهم إلى الصبر على حكم الله فيهم، فقامت جماعة أخرى تحاجّ تلك الجماعة، وتدعوها إلى أن تترك القوم وشأنهم، ليلقوا المصير الذي أعدّه الله لهم، وقالوا: «لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ» فى الدنيا «أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً» في الآخرة؟ وقد ردّت عليهم الجماعة التي أرادت أن تنصح وترشد بقولها: «مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» أي إنما ننصح لهم لئلا يكون لهم على الله حجة، ولعلّ فى هذا النصح ما يذكرهم بالله، وبانتقامه من المعتدين، فيفيئوا إلى الرشد والهدى.. وانظر كيف يمكر القوم بعضهم ببعض؟ وكيف يضنّ بعضهم على بعض حتى بالكلمة التي تنبّه إلى الخطر، وتوجّه إلى السلامة؟ إن هذا الجدل الذي ذكره القرآن هنا، إنما هو بين أهل العلم والرأى فيهم، فقد انقسم هؤلاء إلى فريقين: فريق يريد أن ينصح ويرشد، وفريق يعترض هذا العمل، ويقول بعدم جدواه، وأن يترك القوم لمصيرهم المشئوم! «فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ» . وقد مضى الناصحون فى طريقهم ينصحون ويدعون إلى التزام أمر الله فى حرمة السبت، ولكن القوم ظلّوا على ما هم فيه من بغى وعدوان. أما الذين نصحوا، وكانوا ينهون عن السوء فقد نجاهم الله، وأما الذين ظلموا واعتدوا فأخذهم الله بعذاب بئيس، أي قاهر مذلّ.. بما كانوا يفسقون.. «فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ» . العتوّ: مجاوزة الحدّ فى البغي والعدوان، والخروج عن حدود الله فى غير تحرّج. فقد بغى القوم أولا، فاعتدوا على حرمات الله، فى خوف وحذر.. فأخذهم

الله بالعذاب البئيس، أي المذلّ، المهين.. فى الدنيا، ورصد لهم هذا العذاب ليوم القيامة.. ثم لما استمرأ القوم هذا البغي، وصاروا يأتونه فى غير تحرّج أو تأثم- أخذهم الله بعذاب عاجل فى هذه الدنيا، مع هذا العذاب الذي أعدّه لهم فى الآخرة: «قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ» .. فقد ردهم الله إلى عالم الحيوان، ومسخهم فى طبائع القردة، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «خاسِئِينَ» أي مطرودين إلى الوراء، مزجورين من هذا الموقف الإنسانى الذي كانوا فيه، إلى حيث ينزلون إلى عالم القردة.. تقول: خسأت الكلب، أي زجرته، فرجع إلى الوراء.. وفى قوله تعالى: «قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً» أمر بخلق جديد لهؤلاء القوم، «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» . فالقوم لم يلبسوا خلقة القردة، وإنما لبسوا أخلاقها وطباعها.. وفى ردّة القوم إلى طبائع القردة إشارة إلى النسب الذي بين الإنسان وبين القردة فى سلسلة التطور، وأن القردة درجة نازله فى الخلق المتطور للإنسان.. وهكذا يعود القوم إلى الوراء ملايين السنين، ويكون بينهم وبين عالم الناس هذا الحاجز الزمنى الطويل.. فهم خلق فى طبائع القردة، وفى أجسام الآدميين.. وهكذا يعيشون فى الناس، يمثلون حركات القردة وإشاراتها، حتى ليخيّل لمن يراهم أنهم كائنات مدركة عاقلة، وما هم فى الواقع إلا قرود تمثل أفعال الآدميين. قوله تعالى: «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ» .

«تَأَذَّنَ رَبُّكَ» أي قضى وحكم.. والواو واو القسم، تأكيدا لهذا الحكم الذي أوقعه الله عليهم.. «لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ» جواب القسم، أي أن الله حكم حكما قاطعا بأن يبعث عليهم من عباده، ويسلط عليهم من خلقه، من يأخذهم بالعذاب الأليم، والهوان والذلة، وذلك فى أجيالهم المتعاقبة.. إلى يوم القيامة!! وهنا سؤال: هذا عقاب استحقه القوم بأفعالهم.. فما بال أبنائهم من بعدهم، جيلا بعد جيل إلى يوم القيامة؟. والجواب: أن الله سبحانه قد ردّ هؤلاء القوم إلى عالم القردة، ونكسّهم فى الخلق، فهم- بهذا- خلق آخر غير خلق الإنسان السّوىّ- فما تناسل منهم لا يكون إلا على هذا الخلق إلى يوم القيامة.. فإذا ذهبت تسأل: ما ذنب هذه الذّرية التي نتجت من هؤلاء القوم؟ فاسأل: ما ذنب القردة أن تكون قردة؟ وما ذنب ذريتها أن تجىء على صورتها؟. إن هذا من ذاك.. سواء بسوء..!! فالله- سبحانه- يخلق ما يشاء: «أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» . وانظر إلى «اليهود» فى مسرح الحياة.. إنهم لم ينزع عنهم أبدا هذ الثوب الذي ألبسهم الله إياه، ثوب القردة.. إنهم بين الناس عالم آخر، فى طباعه، وفى تدبير شئون حياته.. إنهم لعبة فى يد الناس، يحركونهم

الآيات: (168 - 171) [سورة الأعراف (7) : الآيات 168 إلى 171]

لكل مأرب يبغونه.. للتسلية حينا، وللعضّ أحيانا، وللسّرقة والخطف فى أكثر الأحيان..! «إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ» فهو- سبحانه- سريع العقاب لمن حادّه، وحاربه، ونقض عهوده، واستباح حرماته، وهو- سبحانه- غفور رحيم لمن أذنب، ثم تاب، ولمن عصى، ثم أناب. الآيات: (168- 171) [سورة الأعراف (7) : الآيات 168 الى 171] وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (169) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170) وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171) التفسير: من عقاب الله- سبحانه- لليهود الذين مسخهم قردة، إذ قال لهم: «كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ» فكانوا- أن قطّعهم فى الأرض أمما، حيث لا يحتويهم مكان واحد، ولا يشتمل عليهم وطن واحد، كبقية الأمم والشعوب، وإنما هم مبعثرون فى الأرض، شأن القرود التي يجدها الناس حيث كانوا، فى شرق الأرض وغربها..!

وهذا التقطيع هو حكم من أحكام الله فيهم. «مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ» أي منهم من كان فى هذا الخلق الجديد- خلق القردة- مستقيما مع خلقته تلك، أو منحرفا عنها، كما هو الشأن فى كل صنف من أصناف الخلق.. فيه السليم، وفيه المنحرف الشرس.. «وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ» أي ومنهم من ليس صالحا حتى فى مسلاخه الجديد، الذي لبسه.. مسلاخ القردة! «وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» . أي أن الله سبحانه وتعالى قد ابتلاهم بالخير والشرّ، وأذاقهم الحلو والمرّ، ليروا العافية بعد البلاء، والبلاء بعد العافية، لعلّهم يذكرون الله، ويرجعون إليه. «فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ» . خلف: أي جاء من بعد السّلف خلف. و «الخلف» السيء من الخلف، والرذل الرديء من الذريّة. والكتاب الذي ورثه هؤلاء الخلف، هو التوراة، ومعنى ميراثهم له أخذهم به، وجعله شريعة لهم، كما هو شريعة لآبائهم.. «يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا» . أي أنهم يأخذون الخبيث الحرام من متاع هذه الحياة الدنيا، متأوّلين ذلك بأن الله سيغفر لهم ما وقعوا فيه من حرام، وقد زيّن لهم الشيطان أعمالهم، فجعلوا لهم إلى الله نسبا، إذ قالوا ما قال القرآن على لسانهم: «نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ» (20: المائدة) . وبهذا النسب الذي ادّعوه- كذبا وبهتانا- استباحوا كل حرام، وركبوا كل منكر، والله سبحانه وتعالى يقول فيهم: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا

لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ» (24: آل عمران) . والعرض: المتاع الزائل.. و «الْأَدْنى» الخسيس من المتاع.. والإشارة إلى هذا المتاع الذي أخذوه. «وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ» أي أنهم يستمرئون الخبيث، ويجعلونه الطعام الدائم لهم، والحياة التي يحيون عليها.. فهم يدخلون إلى الحرام أولا بهذا الشعور الخبيث، وهو أنهم لا يتناولون منه إلا هذا القليل، وفى تلك المرّة.. ثم إذا هم- مع الزمن- قد جعلوا هذا الخبيث أصلا، لا يستسيغون غيره.. «أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ» .. فالميثاق الذي أخذه الله على أتباع شريعته هو أأن يحفظوها، وألا يبدّلوا وجهها، ويحرفوا كلماتها.. وقد حرّف هؤلاء القوم كلمات الله، وبدلوا شريعته، فاستحلّوا ما حرّم الله، وقالوا: «سَيُغْفَرُ لَنا» . «وَدَرَسُوا ما فِيهِ» أي درسوا ما فى هذا الكتاب، وعرفوا ما جاء فيه من حرام وحلال. «وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ» حرمات الله.. ولكن القوم لا يتقون الله، ولا يعملون للدار الآخرة حسابا.. «أَفَلا تَعْقِلُونَ» انتقال من الغيبة إلى الخطاب والمواجهة، ليلتفت هؤلاء الغافلون إلى ما هم فيه من ضلال وعمى. «وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ» .

فهذا حكم الله فيمن يرعون عهده، ويحفظون شريعته، ويتمسّكون بكتابه.. إنهم محسنون، والله لا يضيع أجر المحسنين، فقد عملوا وأحسنوا، وعند الله حسن الجزاء لمن عمل وأحسن.. وقد سمّى الله سبحانه الجزاء أجرا، فضلا منه وكرما، حتى لكأن العامل فى مجال الخير، وهو يعمل لنفسه، إنما يعمل لله، وعن هذا العمل يستحق الأجر من ربّه.. فسبحانه من ربّ كريم. «وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ» . وهذا من نعم الله التي يبتلى بها عباده، وقد ابتلى الله هؤلاء القوم بأن جعل لهم من الجبل وقاية من الشمس، والمطر، والعواصف، وغيرها، فهو سكن لم يعملوا له، ولم يجهدوا أنفسهم فيه، بل أقامه الله لهم.. لقد نتقه الله فوقهم، أي شقّه، ورفعه. ومن قدرة الله أن رفع هذا الجبل فوقهم كأنه سقف، ولكن بغير عمد، حتى لقد ظنّوا أنه واقع بهم.. وفى قوله تعالى: «واقِعٌ بِهِمْ» إشارة إلى شعور الخوف الذي كان مستوليا عليهم أول الأمر من هذا الجبل الذي قام فوقهم، وأنه إذا وقع لم يقع عليهم وحسب، بل إنه سيحملهم معه، ويهوى بهم إلى الأرض.. «خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» .. وهذه دعوة من الله إلى هؤلاء القوم، حين نتق الله بهم الجبل، ووضعهم أمام هذه الآية المتحدية.. فليؤمنوا بالله، وليأخذوا هذا الكتاب الذي فى أيديهم بقوة، أي يمسكوا به، ويشدّوا أيديهم عليه، وألا يخرجوا عنه، ويترخّصوا فى أحكامه، ففى هذا داعية لهم إلى أن يكونوا من المتقين.. وإلى هنا تنتهى الآيات التي عرضت قصة موسى، وقومه.. وهى- فيما

الآيات: (172 - 174) [سورة الأعراف (7) : الآيات 172 إلى 174]

نقدّر- أول ما ذكر القرآن عن بنى إسرائيل، فى سوره المكيّة.. ثم جاءت بعد ذلك موارد أخرى لهذه القصة فى كثير من السّور المدنية، تحدّث عن موسى، وفرعون، وعن السحرة وإيمانهم، وعن فرعون وغرقه، وعن نجاة بنى إسرائيل من يد فرعون، وما كان منهم من مكر بآيات الله، وكفر به.. وهذا ما دعا كثيرا من الذين يشنئون الإسلام، أولا يعرفون اللغة العربية وأسرارها، إلى الطعن فى كتاب الله، وإلى اعتبار هذا التكرار قصورا فى الأداء، وعجزا فى البيان. ومن أجل هذا، كان علينا أن نقف وقفة، مع التكرار فى القصص القرآنى عامة، ومع قصة موسى خاصة.. وسنرى وجها مشرقا من وجوه المعجزة الكبرى لآيات الله، التي سجد أهل الفصاحة والبيان بين يدى إعجازها المبين. ونرجو أن نحقق هذا فى موضع آخر.. إن شاء الله. الآيات: (172- 174) [سورة الأعراف (7) : الآيات 172 الى 174] وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174) التفسير: فى الناس فطرة تدعوهم إلى الإيمان بالله، حيث يتهدّون بهذه الفطرة إلى التعرّف على الله، وإفراده بالألوهية، ولكن هذه الفطرة تتعرض

لآفات كثيرة، فيصيبها الفساد والعطب، فتتعطل منها القوى المدركة لآلاء الله، القادرة على الاتصال به، فيكون الضلال والتّيه فى عوالم الشرك والكفر.. وفى الحديث: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، وينصرانه، ويمجّسانه» فقد خلق الله عباده حنفاء، ولكن شياطين الإنس والجنّ دخلوا عليهم بالغواية والضلال، فأغووهم وأضلوهم.. وهذا ما أحبّ أن أفهم عليه قول الله تعالى عن إبليس لعنه الله «.. وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ..» (117- 119: النساء» .. ففى قول إبليس- لعنه الله- «وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ» إشارة إلى أن من دعوته إلى من يستمعون إليه، ويستجيبون له- أن يغيروا فطرتهم التي فطرهم الله عليها، وأن يدخلوا عليها من الأباطيل والضلالات ما يفسدها. وفى قوله تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا» - فى هذا إشارة إلى أن الله- سبحانه وتعالى- قد أخذ أي أخرج من أبناء آدم، أي من ظهورهم ذريتهم، وأنه- سبحانه- أشهدهم على أنفسهم، وهم فى عالم الأرواح- حيث تشعر كل روح بذاتها ووجودها- أليس الله سبحانه وتعالى هو ربكم وخالقكم؟ فشهدوا جميعا وقالوا: بلى أنت ربّنا وخالقنا. والله سبحانه وتعالى، يخاطب عالم الخلق جميعا، من حىّ وغير حىّ.. «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ» (11: فصلت) .

فليس بعجيب أن يكون بيننا وبين الله- سبحانه- هذا الموقف الذي شهدته أرواحنا، ولم تشهده أجسادنا.. كما شهدته المخلوقات جميعا، من حىّ وغير حىّ. وهذه الشهادة إقرار سابق بولائنا جميعا لله، وإيماننا بوحدانيته. وإن من شأن هذا الإقرار أن يقيم وجوهنا إلى الله، بعد أن نلبس هذه الأجساد التي نعيش فيها.. فهذا الإقرار رصيد من الإيمان نستقبل به الحياة، ونتلاقى به على طريق الإيمان مع دعوة العقل الذي أوجده الله فينا، ومع دعوة الرسل الذين أرسلهم الله إلينا.. ولهذا جاء قوله تعالى: «أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ» أي ليقطع عليكم العذر أن تقولوا يوم القيامة إنا كنّا عن الإيمان بالله والتعرف عليه غافلين، فذلك عذر غير مقبول.. إذ كيف تغفلون وفيكم داع يدعوكم إلى الإيمان بالله، وهى تلك الفطرة التي أشهدها الله عليكم.. «أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ» . وهذا العذر أيضا غير مقبول منكم، فلا يحمل عنكم تبعة شرككم بالله شرك آبائكم من قبلكم، إذ كنتم ومعكم فطرتكم، وكنتم ومعكم عقولكم، ثم كنتم ومعكم دعوة الرسل الذين يدعونكم إلى الله! فإذا أهلككم الله فإنما يهلككم بأفعالكم لا بأفعال آبائكم. «وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» . أي بمثل هذا التفصيل، وذلك البيان المبين، يفصّل الله الآيات، ويبينها للناس، ويكشف لهم عن ذخائر الإيمان المطموسة فى كيانهم، والتي أهملوها،

الآيات: (175 - 179) [سورة الأعراف (7) : الآيات 175 إلى 179]

وغفلوا عنها، وذلك لعلّهم يرجعون إلى أنفسهم، ويحسنون الانتفاع بتلك القوى التي أودعها الله فيهم، فيكون لهم إلى الله عودة من قريب، إذا هم خرجوا عن جادّة الطريق، وحادوا عن الصراط المستقيم. الآيات: (175- 179) [سورة الأعراف (7) : الآيات 175 الى 179] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (177) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (178) وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (179) التفسير: فى هذه الآيات: أمور يسأل عنها: فأولا: من هو هذا الذي آتاه الله آياته؟ وما هى تلك الآيات؟ وكيف كان انسلاخه منها؟ وثانيا: ماذا يتلو الرسول من أخبار هذا الإنسان؟ وثالثا: على من يتلو الرسول هذه الأخبار؟

والجواب- والله أعلم-: أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه كان يعرف هذا الإنسان، ويعرف إشارة القرآن إليه، كما كانت قريش تعرفه، وكما كان هو يعرف نفسه، وأنه المقصود بهذا الحديث.. ومعنى هذا أنه من كفار قريش ومن رءوسهم البارزة، التي كانت تقف فى وجه الدعوة الإسلامية، وتكيد للنبىّ، وتؤذيه فى نفسه، وفى أصحابه. وأقرب رجل يدعى هنا ليكون بهذا المكان الذي يطلع منه على الناس، فيرون فيه ما يقصّه الرسول عليهم من حاله تلك التي رسمها القرآن الكريم له- أقرب رجل يدعى هنا، هو «الوليد بن المغيرة» الذي انتدبته قريش ليلقى محمدا، وليكون سفيرها عنده، وليقول له كلمتها إليه، وليبلغه وعدها له بالملك والمال، وما أحبّ مما يطلب من جاه، ومال وسلطان.. فإن لم يستجب «محمد» لهذا، فليسمع وعيدها، ونصبها الحرب له، ولأهله الأدنين، ولكل من اتصل به. وقد جاء «الوليد» إلى النبىّ، وعرض عليه ما عرض من وعود، فرفضها، لأنه- صلوات الله وسلامه عليه- ما بعثه الله ملكا على الناس، وإنما بعثه هدى ورحمة للعالمين، لا يسألهم أجرا عمّا يقدم إليهم من هدى ونور.. ثم عرض على النبىّ وعيده، وما تتهدّده به قريش من ضرّ وبلاء، فما وجد عند النبىّ إلا ثباتا على موقفه، وإلا رضى وصبرا على ما يلقى فى سبيل رسالة ربّه.. حتى يحكم الله بينه وبين قومه، وهو خير الحاكمين.. ثم دعاه النبي صلوات الله وسلامه عليه أن يسمع منه، كما سمع هو منه.. ثم تلا عليه الآيات الأولى من سورة «فصلت» . فلما سمع «الوليد» ما سمع من كلمات الله استخزى، ثم خنع، ثم خشع وضرع.. وركبته حال لا يدرى معها ماذا يقول فى هذا الكلام الذي

لم يقع لأذنه كلام مثله، فى جلاله، وبهائه، وامتلاكه زمام المشاعر، واستيلائه على مجامع القلوب. وقام الوليد متخاذلا، منكسرا ... لم يقل شيئا.. ومضى يجرّ شخصه جرّا إلى القوم، الذين كانوا ينظرون إليه من بعيد، ويرقبون ما يقع بينه وبين «محمد» .. وما كادوا يلمحونه، وقد اقترب منهم، حتى رأوا منه إنسانا غير هذا الذي خرج من بينهم آنفا.. لقد خرج متعاليا شامخا.. ثم ها هو ذا يعود إليهم حطام رجل، أو شبح إنسان.. وهنا يقول قائلهم: «لقد جاءكم الوليد بوجه غير الوجه الذي ذهب به!» . وأقبل الوليد على القوم، وكلهم أذن له، وعين على شفتيه، انتظارا لما يقول!. وجلس «الوليد» فى مكانه الذي أفسحه له القوم، وهو شارد، مذهول، لا يدرى من هو؟ ولا أين هو؟ ولا مع من هو؟ حتى دعاه داعيهم أن يأتيهم بما عنده من خبر محمد، وماذا وقع بينهما من حديث.. وهمهم «الوليد» ولم ينطق، والأصوات من حوله تهتف به: ما شأنك؟ وماذا عندك؟ .. وصحا «الوليد» ودار بعينيه يتفرس وجوه القوم، وكأنه يراهم لأول مرة، وإذا وجوه منكرة، تطل من شخوص أعماها الجهل، واستولى عليها الضلال، وركبها الشيطان.. وود «الوليد» لو أن به قوّة.. إذن للطم هذه الوجوه المنكرة، وحطّم تلك الرءوس الفارغة.. ولكن أنّى له القوّة، وقد تهدّم بناؤه المشمخرّ، وهربت عزيمته المتوثبة؟. ولم يكن بد أن يتكلم «الوليد» ليزيح عن نفسه هذا الهمّ الذي يعالجه،

ولينفث عن صدره هذه المشاعر المضطربة، فقال: «وماذا أقول؟ والله ما فيكم رجل أعلم بالشعر منّى، لا برجزه ولا بقصيده، ولا بأشعار الجنّ، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا.. وو الله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، ومغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى» . وصعق القوم لما سمعوا.. وهالهم أن ينفرط عقدهم، ويتبدّد جمعهم، إذا خرج الوليد من بينهم، ولم يأخذ مكانه فى المعركة التي نصبوها لمحمد ودعوته.. وقد رأوا أن يلاينوا «الوليد» ويلاطفوه، حتى لا يمضى فى طريق غير طريقهم، بعد أن سحره محمد بقرآنه، كما يقولون! فمن قائل لقد سحرك محمد! ومن قائل: لقد أخطأنا إذ جعلناه ينفرد بك، وينفث سمومه فيك! ومن قائل.. ومن قائل ... والوليد صامت واجم لا ينطق بكلمة ... وخشى القوم أن ينفضّ مجلسهم على تلك الحال، وأن يسمع الناس ما حدث، وأن تتناقل القبائل ما قال الوليد فى محمد.. وفى ذلك بلاء لا تحتمله قريش، ولا تصبر عليه ... فأبوا أن ينحلّ مجلس القوم حتى يقول الوليد فى محمد قولا ترضاه قريش، ويشيع أمره فى الناس، إذ يكون قوله الذي يقوله هنا فى محمد، قد جاء عن احتكاك به، واختبار له! فقال الوليد: تزعمون أن محمدا «مجنون» فهل رأيتموه يحمق؟ وتقولون إنه كاهن.. فهل رأيتموه قط يتكّهن؟ وتزعمون أنه شاعر.. فهل رأيتموه يتعاطى الشعر؟ وتزعمون أنه كذاب.. فهل جربتم عليه شيئا من الكذب؟ فقالوا فى كل ذلك: اللهم لا، ثم قالوا: فما هو؟ ففكر فقال: ما هو إلا ساحر؟ أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله، ومواليه، وما الذي يقوله إلا سحر يأثره عن سحرة بابل!!.

ورضيت قريش بما أخذت من الوليد، ومضى الوليد محموما إلى بيته، محمولا على رجلين لا تكاد ان تمسكان به.. ويغلق عليه بابه، ويخلو بنفسه ليلا طويلا مسهّدا، لا تغمض له عين.. وما تكاد تطلع الشمس، وتأخذ مسيرتها إلى الضحى، حتى يجىء إلى الوليد من بطرق على بابه فى طرقات صارخة، كأنها النذير العريان.. ويدخل الطارق، ويلقاه الوليد مستنبئا.. فيقول له: اجلس أسمعك: ويجلس الوليد، فيسمع: «ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا.. إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ» (11- 30: سورة المدّثّر) - ما هذا؟ يا هذا؟ يقولها الوليد مبهور الأنفاس، مختنق الصوت، ينتفض انتفاض الغصن تحت وابل منهمر! - إنه الذي يتحدث به محمد، ويتصايح به أصحابه، ويتغنّى به الصبيان فى طرقات مكة وشعابها.. من قرآن محمد! - أوقد فعلها محمد؟ أو أنا الذي من بين قريش كلّها الذي يجعلنى محمد هزأة وسخرية على الملأ؟ والله لأفعلنّ به ولأفعلنّ!! ويظل هكذا يهذى

هذيان المحموم، ترتعد فرائصه، وتختلج قدماه، ثم ينعقد لسانه، وتسكن حركته، فلا يلقى قريشا ولا قريشا تلقاه فى مجلس بعدها أبدا..! وقد ذكرنا هذه القصة، لنقول: إنّ الوليد بن المغيرة هو المشار إليه فى قوله تعالى: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها، فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ» . وهذا القول لم نجد أحدا من المفسّرين قال به، أو أشار إليه.. بل لقد تضاربت بهم مذاهب القول، فمن قائل: إنه «بلعم بن باعوراء» من الكنعانيين، وقيل إنه من بنى إسرائيل، ومن قائل إنه: «أمية بن الصلت» ، ومن قائل: إنه «النعمان بن صيفى الراهب» .. ولا نرى قولا من هذه الأقوال يعطى مفهوما للآية من قريب أو بعيد.. ولولا أننا استشعرنا أن القرآن لا يقول مخاطبا النبي: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا» إلا إذا كانت هناك قصة يتلوها النبىّ عليهم فى شأن هذا الرجل، فإن لم تكن هناك قصة يذكرها القرآن عن هذا الرجل فى هذا الموقف فلا بد أن تكون هناك قصة مذكورة مشهورة فى موضع آخر، يعلمها القوم عن يقين، ولا يحتاج الأمر إلى ذكرها مرة أخرى- لولا أننا استشعرنا هذا لما كان لنا قول نقوله فى رجل هذه القصة. ثم إذا نظرنا فى قوله تعالى: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها» وفى قوله تعالى عن الوليد بن المغيرة: «إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً» ثم ذكرنا مع هذا ما كان للآيات التي تلاها الرسول الكريم عليه، وأثرها فيه، واستيلاءها على كيانه، ثم نكوصه عنها بعد ذلك، وانسلاخه منها بعد أن لبسها-

- إذا نحن ذكرنا ذلك، رأينا أن هذا الرجل هو ذلك الإنسان عينه، بلحمه ودمه، وبكل مشخصاته، فى جميع أحواله.. ومعنى قوله تعالى: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها» أي اتل عليهم ما نقص عليك من خبر هذا الإنسان الذي أسمعناه آياتنا، فعرف وجه الحق فيها، واطلع على علو متنزلها، وأنها من الله ربّ العالمين.. فآمن بها، وسجد بين يديها، ولكن التوفيق لم يكن رفيقه، إذ سرعان ما نكص على عقبيه، وأسلم نفسه لشياطين قومه، فاستجاب لما دعوه إليه، وانسلخ من آيات الله بعد أن كانت مستولية عليه.. «فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ» أي جرى وراءه، يوسوس له بالضلال، ويزيّن له الباطل، ويغويه بالكفر.. «فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ» . «وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها» أي ما أراد الله له الخير، وما شاء سبحانه أنه يتمّ نعمته عليه، لأن طبعه نكد، وقلبه سقيم.. «ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه» .. أي لصق بالأرض، ونزل منزل الحشرات والهوام فيها، ولم يرد أن يسمو بنفسه، ويرتفع بوجوده ويعلو بإنسانيته.. ولو أنه فعل لأعانه الله على ذلك، وسدّد خطاه، وأمسك به على الطريق المستقيم، الذي وضع قدمه عليه. فمطلوب من الإنسان أن تكون له إرادة عاملة، تلتقى مع إرادة الله.. فإن أراد خيرا، وعمل له، وتمسك به، أراد له الخير، وأعانه عليه، ووفقه له.. «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ.. وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ» (11: الرعد) . «فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ» .. ذلك هو مثل أهل الزيغ والضلال.. لا يجىء منهم إلا ما هو شر وضلال.. إنهم على تلك الحال دائما.. لو لم يدعهم أحد إلى الضلال لدعواهم أنفسهم إليه.. فحالهم

كحال الكلب: يلهث دائما، ويدلق لسانه فى كل حال.. سواء أترك لشأنه فلم يعرض له أحد بسوء، أو طارده أحد وأجهده.. إنه كهذا.. يلهث دائما.. فى سكونه واستقراره، أو فى جريه وجهده.. والتشبيه للإنسان الضالّ بالكلب، تشبيه يصيب كبد الحقيقة منه.. ظاهرا وباطنا.. فهو كلب فى خسار سعيه، وضياع جهده، حيث يرى فى صورة الكلب يلهث دائما كأنه موكّل بعمل مثمر.. ولكنه يلهث، ولا عمل، ويعمل ولا ثمرة لعمل..! «ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا» أي ذلك المثل، هو مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، حيث كل ما يعملون إلى تباب وضياع.. والقوم هنا، هم قريش، وخاصة أصحاب الكلمة فيها، كالوليد بن المغيرة، ومن على شاكلته منهم.. ثم من كان على طريق هؤلاء القوم المكذبين بآيات الله.. «فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» ففى هذا القصص عبرة لمن تفكر واعتبر. وإذ تقرع آذان قريش هذه الآيات، وإذ يشوقهم نبأ هذا الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين- وإذ هم على تلك الحال، تتنزل آيات القرآن الكريم بنبإ هذا الإنسان، وإذا هو الوليد بن المغيرة، فيسمعهم الرسول الكريم قول الله تعالى فيه: «ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً.. الآيات» . والفاصل الزمنى بين قوله تعالى: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها» وبين قوله سبحانه: «ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً.. الآيات» -

هذا الفاصل- طال أو قصر- هو إثارة لأشواق القوم إلى هذه القصة التي لم تقصّ بعد، وتعليق لنفوسهم بها، حتى تطلع عليهم بهذا الإنسان العجيب الذي مثله كمثل الكلب.. إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث.. فمن هو هذا الإنسان يا ترى؟ إنه لا شك واحد من زعماء قريش، الذين نصبوا لرسول الله، وكادوا له.. قد يكون أبا لهب، أو أبا جهل، أو أبا سفيان أو الوليد بن عتبة، أو الوليد بن المغيرة.. وهكذا إلى من تضم هذه الجماعة من رءوس ورؤساء..! فإذا كانت حادثة الوليد بن المغيرة، وإذا كان القرآن الذي نزل فيه.. عرفت قريش من رجلها الذي علقت به حبالة محمد، وربطته مربط الكلب على رءوس الأشهاد.. فتهدأ نفوس، وتثور نفوس.. على أن الجميع يجدون شيئا من الرضا إذ لم يصبهم هذا الذي أصاب الوليد بن المغيرة، وجعله حديثا مخزيا يجرى على كل لسان.. وهكذا تأكل قريش بعضها بعضا، كما تأكل الذئاب ذئبها الجريح! «ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ» . ذلك تعقيب على هذه القصة، وربط لرءوس القوم كلّهم إلى هذا الكلب المربوط.. فكلهم مكذّب بآيات الله، وكلهم هذا الرجل العنيد المكابر المشئوم! «وساء» فعل ذم، عكس نعم، والقوم: هو اللفظ المخصوص بالذم. «مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» . وفى نسبة الهداية إلى الله تشنيع على القوم الضالين، وكبت لهم، بطردهم من هذا المقام الكريم، وأنهم ليسوا أهلا لأن يهديهم الله، بل هم أهل لهذا الضلال الذي أغرقهم الله فيه.

«وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ» . الذّرء: الخلق، والزرع. والمعنى أن الله سبحانه وتعالى قد خلق لجهنم خلقا كثيرا من الجنّ والإنس، جعلهم أهلا لها، ووقودا لجحيمها.. هكذا اقتضت إرادته، وشاءت مشيئته.. يخلق ما يشاء لما يشاء.. وفى الحديث عن عائشة رضى الله عنها قالت: أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلّم جنازة صبىّ من صبيان الأنصار، فقلت: يا رسول الله: طوبى له، عصفور من عصافير الجنة!! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما يدريك؟ إن الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم فى أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلا وهم فى أصلاب آبائهم» ! وهؤلاء الذين خلقهم الله للنار: «لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها» .. فهم فى صورة الناس، ولكنهم ليسوا مثل الناس.. إذ جعل الله لهم قلوبا لا تعقل، وأعينا لا تبصر، وآذانا لا تسمع.. فإن عقلت منهم القلوب عقلت الشرّ والضلال، وإن أبصرت منهم الأعين فإنها لا تبصر مواقع النور والهدى، وإن سمعت الآذان فإنها لا تسمع كلمات الحق والهدى «أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ» .. لها قلوب، ولها أعين، ولها آذان.. ولكنها لا تكون بهذه الأدوات كائنا بشريا، سوىّ الخلق، سليم الفطرة.. «بَلْ هُمْ أَضَلُّ» من هذه الأنعام، إذ الأنعام تستعمل هذه الأدوات فيما يصلح أمرها، ويحقق ذاتها، ويحفظ وجودها، وهؤلاء لا يستعملون هذه الأجهزة إلا فيما يضرهم،

الآيات: (180 - 185) [سورة الأعراف (7) : الآيات 180 إلى 185]

ويفسد وجودهم «أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ» الذين يسوقهم ضلالهم إلى الهلاك، وهم غير ملتفتين إلى هذا البلاء الذي هم صائرون إليه.. الآيات: (180- 185) [سورة الأعراف (7) : الآيات 180 الى 185] وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (180) وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) التفسير: يلحدون فى أسمائه: أي يحرفونها، ويميلون بها عن الوجه الذي يليق بجلال الله وكماله، ومنه الملحد، وهو الزائغ عن طريق الحق والهدى.. والله سبحانه وتعالى متصف بكل كمال، منزّه عن كل نقص، ولعباد الله أن يدعوا الله ويتعبّدوا له بكل اسم يفرد الله سبحانه وتعالى بالكمال، والعبودية.. فهو الله لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، الملك القدوس السلام المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور.. إلى غير ذلك من الأسماء التي ينفرد بها سبحانه عن المخلوقين.. فكل ما يدعو به العبد ربّه من أسمائه الحسنى، هو ولاء، وعبادة وتسبيح.. والله سبحانه وتعالى يقول: «قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى» (110: الإسراء) .

وقد وقف بعض العلماء بأسماء الله عند ما ذكره القرآن الكريم منها، وهذا لا شك أولى من الخروج عن هذه الأسماء، فهى كثيرة.. أحصاها المحصون تسعة وتسعين اسما.. فلا ضرورة للعدول عنها إلى غيرها لمن يعرف اللغة العربية، أما من لم يحسن العربية، فما يكون فى لغته مقابلا لهذه الأسماء محققا لمعانيها، فهو من الأسماء التي يصحّ أن يدعى الله بها، ويتعبّد بذكرها. «وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ» .. أي دعوهم وما سوّلت لهم أنفسهم من الزيغ والانحراف حتى فى أسماء الله الذي يؤمنون به.. «سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» وسمّى قولهم عملا، لأنه ليس مجرد قول، بل هو فى حقيقته عبادة، ولكنه فى عمل هؤلاء المنحرفين عبادة غير مقبولة، لا يعود منها على صاحبها إلا الإثم والخسران.. «وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ» . فى هذه الآية إشارة إلى أن أهل الحق والعدل، لا يخلو منهم زمان.. وأنهم شهادة قائمة على أهل الزيغ والضلال.. وهم وإن كانوا قلّة فى الناس إلى جانب الكثرة الكثيرة من أهل الضلال، فإنهم مجتمع الله فى هذه الأرض، وورثة أنبيائه على رسالة الإيمان، والحق، والعدل. وقوله تعالى: «وَبِهِ يَعْدِلُونَ» أي وبالحق يحكمون بين الناس، ويقيمون موازين العدل فيهم، كما أنهم يهدونهم بأنوار الحق، ويخرجونهم من الظلمات إلى النور.. بل إنهم قبل هذا يعدلون بالحقّ، ويحكمون به فى نظرتهم إلى الوجود، وفى تعرفهم على الخالق وإيمانهم به. «وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ» الاستدراج إلى الشيء: هو الإغراء به، وتيسير السبل إليه، حتى يقع فيه من استدرج إليه.. واستدراج الله سبحانه وتعالى لهؤلاء الذين كذبوا

بآيات الله هو تزيين هذا المنكر لهم، وتيسير سبلهم إليه، كما يقول سبحانه وتعالى: «وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى» . وهم فى هذا الطريق الذي ركبوه لا يدرون أنهم على شفا جرف هار، فقد أعماهم الضلال عن أن يروا وجه الحق أبدا، كما يقول سبحانه: «أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً» (8: سورة فاطر) .. إنهم بما زيّن لهم الشيطان، يرون الخير شرّا، والشّرّ خيرا، والحق باطلا، والباطل حقا. قوله تعالى: «وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ» . الإملاء: إرخاء الزمن، وامتداده.. والمراد به إمهالهم، وعدم تعجيل العقاب لهم، والملاوة: الفترة من الزمن. أي أن الله سبحانه وتعالى، إنما يملى لهؤلاء الضّالين، ويمدّ لهم فى أسباب الكفر والضلال، ليزدادوا كفرا وضلالا.. «إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ» أي تدبيرى، وتقديرى للأمور، محكم، لا ينقض أبدا.. وفى هذا تهديد للمشركين، الذين ركبوا رءوسهم، ووقفوا هذا الموقف العنادىّ اللئيم من آيات الله، ورسول الله. قوله تعالى: «أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ» الخطاب لمشركى قريش، وفى الآية التي قبل هذه الآية نذير لهم ووعيد.. أما فى هذه الآية فهو تسفيه لأحلام القوم، وفضح لمنطقهم السقيم.. فهم إذ يعجزون عن مواجهة الحق الذي فى يد «محمد» لا يجدون غير الكلمات الحمقى يرمونه بها، فيقولون فيما يقولون عنه: «إنه شاعر.. وإنه لمجنون» ! فهل عقلوا هذا القول الذي يقولونه؟ وهل رأوا فى محمد، وفى تصرفاته

الآيات: (186 - 188) [سورة الأعراف (7) : الآيات 186 إلى 188]

فى الحياة، أثرا من آثار الجنون الذي يرمونه به..؟ «إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ» بعثه الله بالحق بشيرا ونذيرا.. ولو أنهم فاءوا إلى عقولهم، وتصفحوا صحف هذا الوجود، لرأوا أن ما يدعوهم إليه «محمد» من الإيمان بالله، والانخلاع عن عبادة الأوثان، هو الذي يلتقى مع العقول السليمة، ويتجاوب مع معطياتها التي تقع لها من النظر فى ملكوت السموات والأرض. قوله تعالى: «أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ» أىّ شىء، ولو كان نواة، أو ورقة أو شجرة.. ففى كل ذرة من ذرات هذا الوجود، كون عظيم، يشهد لقدرة الخالق، وعلمه وحكمته. «وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ» هو معطوف على قوله تعالى: «أَوَلَمْ يَنْظُرُوا» والمعنى، أو لم ينظر فى ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شىء، فيروا وجه الحق ويبادروا إلى الإيمان بالله قبل فوات الأوان، فما يدريهم أية ساعة تنقضى فيها آجالهم؟ ومن يدرى فلعل أحدهم لا يبيت ليلته؟ فكيف يلقى الله وهو على تلك الحال المنكرة التي ليس وراءها إلا جهنم وبئس المصير؟ وماذا ينتظر هؤلاء الضالون من مطالع الهدى، وشواهد الإيمان وآياته؟ أحديث أبلغ من حديث الله إليهم، أو بيان أوضح من هذا البيان الذي تحمله آياته وكلماته؟ «فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ؟» الآيات: (186- 188) [سورة الأعراف (7) : الآيات 186 الى 188] مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (187) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)

التفسير: «مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ» .. فمن يهدى من أضلّ الله وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة؟. تلك مشيئة نافذة لله، لا معقّب عليها، وقضاء مبرم لا مردّ له. «وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ» أي يخلى بينهم وبين أنفسهم، يتخبطون فى ظلمات الشرك والضلال.. والعمه: التحيّر، والضرب فى الأرض على غير هدى. «يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها» ؟ أي يسألونك عن الساعة.. متى تجىء؟ والتعبير عن مجيئها بمرساها، إشارة إلى أنها غائب ينتظر مجيئه، حيث لا يدرى أحد متى تطلع، وتبلغ الغاية التي تصل إليها، وتلقى مراسيها عندها. ومن سفاهة السائلين أن يسألوا عن الساعة، ولم يعملوا لها، ولم يستعدوا للقائها.. فما سؤالهم عنها- والأمر كذلك- إلا من قبيل الجدل السفيه! ما عندهم للساعة حتى يسألوا عن ميقاتها، ويستعجلوا يومها؟

«قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ» .. إن أمرها عند الله، لا يكشفها، ولا يظهرها لوقتها الذي تظهر فيه، إلا ربّ العالمين.. فهى عند الله، سبحانه، فى مستودعات الغيب الذي لا يملك مفاتحه إلا هو وحده. «ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» أي عظم وقعها على السموات والأرض. أي أنها يوم تجىء تثقل على السموات والأرض، فكيف تحتملون أنتم مجيئها يوم تجىء؟ فلم تستعجلونها يومها؟ ولم تلحّون فى البحث عن ميقاتها؟ وثقل الساعة على السموات والأرض يشير إليه قوله تعالى: «يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ» وقوله سبحانه: «إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ» . ففى هذا اليوم تتغيّر معالم الوجود السماوي والأرضى، لما يقع فيه من أهوال، فكيف يستعجلون هذا الهول، وينادون به أن يطلع عليهم؟ .. ألا ما أشد جهلهم وغباءهم.. أما المؤمنون، فإنهم- مع إيمانهم بالله واستعدادهم للقائه- مشفقون من لقاء هذا اليوم العظيم، كما يقول سبحانه وتعالى: «يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها. وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ» (18: الشورى) . «لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً» . البغتة: الفجاءة، أي على غفلة.. أي أن الساعة لا تجىء على حسب موعد معلوم للناس، وإنما تقع فجأة وعلى حين غفلة.. إنها هؤل عظيم، يطلع على غير انتظار من هؤلاء المشركين، الذين يسألون عنها سؤال تهكم واستخفاف.. وفى هذا ما يضاعف بلاءها عليهم.

«يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها» . كأنك حفى عنها: أي كثير الطلب لها، والسؤال عن وقتها. وهذا يعنى أن النبي صلى الله عليه وسلّم لم يكن من شأنه أن يتطلع إلى معرفة وقتها المعلوم، وإن كان من دأبه أبدا ذكرها، والإعداد لها.. وفى هذا إنكار على هؤلاء الذين يسألون عن الساعة، ومتى يجىء يومها.. وكان الأولى لهم أن يعملوا لهذا اليوم، ويستعدوا للقاء الله فيه.. «قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» وهذا توكيد لما تقرر من قبل بأن علم الساعة مما استأثر الله به وحده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذه الحقيقة، ولا يرضون بالتسليم بها، بل يسألون ويلحفون فى السؤال عنها، ولو أنهم عقلوا ما سألوا. وفى التعبير هنا بقوله تعالى: «قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ» على حين كان النظم القرآنى فى هذه الآية نفسها: «قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي» .. مراعاة لاختلاف المقامين.. حيث كان التعبير بلفظ: «عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي» ردّا مباشرا على سؤال السائلين للنبيّ عن ميقات الساعة، وحيث كانوا يحسبون أن ذلك مما يعلمه النبىّ، فجاء الرد عليهم بإضافة العلم إلى ربّ محمد، لا إلى محمد. أما الرد عليهم بقوله تعالى: «عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ» فذلك بعد أن جاءهم العلم بأن علم الساعة ليس مما يطلع عليه «محمد» بل هو مما استأثر به ربّ محمد، وإذن فليعلموا بعد هذا أن الله ربّ العالمين، هو ربّ محمد، وربّ كل مخلوق.. «قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ» .

ومن الجهل الذي يستولى على العقول، فيضلّها عن سواء السبيل، أن يرى بعض الناس أن النبىّ إذ كان على صلة بالسّماء، قادر على أن يشارك الله فى سلطانه، وأن يكون بيده ما بيد الله أو بعض ما فى يد الله من قدرة وعلم وسلطان.. ولهذا كان من مقترحات مشركى قريش على النبيّ، أنهم لن يؤمنوا له حتى يأتيهم بما اقترحوا عليه، مما ذكره الله سبحانه وتعالى على لسانهم فى قوله: «وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا» (90- 93: الإسراء) . ومن واردات هذا الجهل ذلك السؤال الذي يلحّ به السائلون على النبيّ عن يوم القيامة، ظنّا منهم أن النبىّ غير بشر، وأنه يملك من قوى الغيب ما يجعله عالما بكل شىء، قادرا على كل شىء.. ولو كان النبىّ ممن يعمل لحسابه وممن يطلب المجد والسلطان لنفسه فى الناس- لحمد لهؤلاء الظانين به هذه الظنون رأيهم فيه، ونظرتهم إليه، بل لعمل على الترويج لهذه الظنون، وإذاعتها فى الناس، ليكبر فى أعينهم، ويعظم مقامه فيهم.. ولكنّ النبىّ لا يعمل إلا للحق، ولا يتعامل مع الناس إلا بالحق، ولهذا جاء قوله تعالى: «قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ» ليؤذّن به النبي فى الناس، وليريهم أنه بشر مثلهم، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فالنفع والضرّ بيد الله وحده.

وهذا لا يكون إلا من إنسان قام أمره على الصدق كلّه، فلا يقول إلا ما يوحى إليه من ربّه، ولو كان ذلك مما يشقّ عليه، ويزيد فيما بينه وبين قومه من شقاق. وفى عطف الضر على النفع إشارة إلى أن النبىّ لا يملك لنفسه أي شىء، ولو كان من السّلبيات.. بمعنى أنه لو صح منه العزم على أن يضرّ نفسه ما استطاع أن يصل إلى شىء من ذلك، إلا ما شاء الله له.. وهذا أبلغ فى وصف الإنسان- ولو كان نبيّا- بالعجز، وقصور يده عن أن يبلغ أي شىء إلا ما قدر الله له، ولو كان ذلك الشيء مما يحسب الإنسان أنه ملك خاص له، لا ينازعه فيه أحد، مما لا تنزع إليه النفوس ولا ترغب فيه، كطلب ما يضرّ من الأمور، وهو شيء مقدور عليه بأيسر جهد، بل بلا جهد أصلا.. وحسب من يريد إتلاف نفسه أو إلحاق ضرر بها ألا يتحرك أية حركة، فيجد الشرّ يهجم عليه من كل جهة!! «وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ» . وهذا مثل واضح، شاهد لا يدفع، على أن النبىّ لا يعلم الغيب، إذ لو كان عنده من علم الغيب شيء لعرف عواقب الأمور قبل أن تجىء، ولما اتجه إلى أمر تسوء عاقبته، ولكان كل متجهه دائما إلى ما تحمد عاقبته، وتعظم ثمرته. فمثلا، لو كان يعلم النبىّ من أمر الغيب شيئا لما عرض نفسه على ثقيف قبل الهجرة، ولما تعرض لهذه المواجهة المنكرة التي واجهوه بها، ولجنّب نفسه هذا الأذى الذي أصابه فى جسده وفى مشاعره جميعا! ولو كان يعلم الغيب لما أذن المنافقين الذين جاءوا إليه بأعذار كاذبة للتخلف عن غزوة تبوك. «إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» .. فتلك هى مهمة الرسول، أن يبلّغ ما أنزل إليه من ربّه، منذرا ومبشرا.

الآيات: (189 - 198) [سورة الأعراف (7) : الآيات 189 إلى 198]

وفى قوله تعالى: «لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» إشارة إلى أن رسالة الرسول إنما تؤثّر أثرها، وتعطى ثمرتها لمن كان على استعداد للتعامل معها والإيمان بها، والانتفاع بالخير الذي تحمله بين يديها.. فكأنّ الرسول- والأمر كذلك- رسول إلى هذا الصنف من الناس، الذين يسمعون، فيعقلون، فيؤمنون.. أما من سواهم من أهل السفاهة والضلال، فليس هو منهم فى شىء، إذ كانت بضاعته كاسدة عندهم، لا يأخذون منها شيئا.. كالأعمى.. ضوء الشمس عنده كظلمة الليل.. فآية الشمس عنده آية غير عاملة..! الآيات: (189- 198) [سورة الأعراف (7) : الآيات 189 الى 198] هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (193) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (195) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (198)

التفسير: هنا قضية، تعرضها تلك الآيات، وتقيم الحجة لها وتدحض مفتريات المفترين عليها، وتخرس ألسنة المتمارين فيها.. وهذه القضية، هى قضية الألوهية، وتفرّد الله سبحانه وتعالى بها، أمّا ما سواه، فهو من باطل المبطلين، ومفتريات المفترين. فالله- سبحانه وتعالى- هو الخالق المصور لكلّ مخلوق فى السموات أو فى الأرض.. والإنسان هو من بعض ما خلق الله.. «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها» .. فلينظر الإنسان مم خلق؟ ولينظر كيف كان خلقه، وعلى أية صورة صوّر؟ فهذا العالم البشرى كله، مخلوق من نفس واحدة! والمراد بالنفس الواحدة، الجرثومة أو السلالة التي تكاثر منها هذا النسل، وتوالد، كما تتكاثر وتتوالد حبّات السنبلة من حبّة واحدة، ثم تكون من تلك الحبّات سنابل، ومن تلك السنابلة حبات، ومن الحبات سنابل.. وهكذا.. وفى قوله تعالى: «وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها» إشارة إلى أنّ التزاوج الذي تمّ بين الجرثومة الأولى وأنثاها كان عن توافق بينهما، وتجانس فى الصفات، حتى يكون ذلك داعية إلى اجتماعهما وتآلفهما: «وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها» أي ليجتمع إليها، وليطمئن لها، ويستقر معها.. وقد أشرنا من قبل فى قصة آدم وخلقه «1» أن حواء التي قيل إنها خلقت

_ (1) انظر الكتاب الأول من هذا التفسير (سورة البقرة) .

من ضلعه، ولم تكن إلّا مرحلة من مراحل التطور فى خلق آدم، وأن عملية التكاثر فى تلك المرحلة كانت بانقسام الكائن الحىّ على نفسه، كما هو الشأن فى بعض المخلوقات الدنيا من الديدان. «فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ» . أي فلما اتصل بها زوجها، اتصال الرجل بالمرأة علقت منه بالجنين الذي ولدته بعد أن تم حمله فى بطنها.. وفى التعبير عن اتصال الرجل بالمرأة بقوله تعالى: «فَلَمَّا تَغَشَّاها» أدب من أدب القرآن، وإشارة لطيفة إلى ما يكون بين الزوجين، إذ يغشى الرجل المرأة، أي يكون لها غشاء ساترا، رقيقا، أشبه بالثوب يلبسه الإنسان، أو أشبه بالليل إذ يغشى النهار، ويدخل عليه، فيستر ما فيه من كائنات، ويحجب الأعين عنها. وفى قوله تعالى: حملت «حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ» إشارة إلى أول مراحل الحمل، وأنه يمرّ خفيفا لا نكاد تشعر به. «فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ» أي أنه كلما مرّ الزمن بالجنين فى بطن أمه، نما وكبر، وصار ذا أثر واضح فى حياتها، يتغير به تركيبها الجسدى، فتكبر بطنها، ويثقل خطوها، وهنا يذكر كل من المرأة والرجل أن لهما ولدا محجبا فى ستر الغيب، ستتمخض عنه الأيام، فيضرعان إلى الله أن يكون هذا الولد نبتة صالحة لهما فى هذه الحياة، يجدان فيه قرة العين، وثلج الفؤاد.. وقد قطعا على أنفسهما عهدا أن يحمدا الله ويشكرا له على تلك النعمة. «فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» .

وفى هذا إشارة إلى ما يقع بين المشركين بالله، الذين لا يقدرون الله حق قدره، فيضيفون أولادهم إلى غير الله، ويستمدون لهم أمداد الصحة، والسلامة من غير الله، بما يقدمون من قرابين وصلوات إلى من يتمسحون بهم من أصنام وأشباه أصنام! «فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» أي تنزه الله وعلا وتمجد عن أن يكون له شركاء، يعملون معه، ويشاركون فى تدبير ملكه. «أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ» ؟. فى هذا إنكار على المشركين أن يسوّوا بين الله سبحانه وتعالى وبين هذه المخلوقات، أو المصنوعات، ويتخذونها أربابا لهم. وكيف تسوغ لهم عقولهم أن يشركوا مع الله مخلوقا يخلق ولا يخلق؟ وكيف يرجون نصرا ممن لا يملك أن يدفع عن نفسه ضرّا، أو يجلب لها خيرا؟ ذلك هو الضلال البعيد! وكيف يتعبدون لمن لا يهتدى بنفسه إلى الهدى، ولا يستمع لداع يدعوه إليه.. وسواء إذا دعى إلى الهدى أم لم يدع، فإنه حجر صلد لا يسمع، ولا يجيب: «وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ» ؟. وفى قوله تعالى: «وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ» تشنيع على هؤلاء المشركين، وتسفيه لعقولهم، إذ يجعلون ولاءهم لهذه الدّمى، التي إذا دعاها عابدوها إلى الهدى لا تتبعهم.. وهذا يعنى أن تلك الآلهة قائمة على ضلال، وأنها إذا دعيت إلى الهدى لا تستجيب، لأنها لا تستطيع أن تتحول عن وضعها الذي هى فيه، إلا إذا امتدت إليها يدمن يحولها عن مكانها.

وانظر إلى آلهة ضالة يتعبد لها قوم ضالون، ثم يراد لهؤلاء الضالين أن يكونوا دعاة هدى لآلهتهم التي يعبدون؟. إنها أوضاع مقلوبة.. يصبح فيها العابدون قادة وهداة للعابدين.. فبئس العابد والمعبود!. «إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» . فهؤلاء الذين يعبدهم المشركون من دون الله- جمادا كانوا أم شياطين أم ملائكة- هم خلق مثلهم، مخلوقون لله، لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا فكيف يكون منهم لغيرهم نفع أو ضرّ؟. وها هو ذا الواقع يكشف عن هذه الحقيقة ويقررها.. فليدع المشركون آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، ثم لينظروا ماذا يبلغ هذا الدعاء منهم؟ هل يسمعون؟ وإذا سمعوا.. هل يعقلون؟ وإذا عقلوا.. هل يقدرون على تحقيق المطلوب منهم؟ وكيف وهم لا يستطيعون لأنفسهم جلب خير، أو دفع ضر؟. وفى قوله تعالى: «فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» هو تسفيه لعقول هؤلاء المشركين، الذين ركبهم الضلال، واستولى عليهم العمى، فاتخذوا هذه الدّمى آلهة لهم من دون الله.. إنهم يفترون الكذب، على أنفسهم، وعلى الله.. فهم المتهمون بهذا الضلال لا آلهتهم التي عبدوها.. ولهذا جاء قوله تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» مخاطبا المشركين ولم يجىء مخاطبا آلهتهم التي أشركوا بها.. ولو كان ذلك لجاء النظم القرآنى.. هكذا: «إن كانوا صادقين» . «أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها؟.

ومن عجب أن هذه الآلهة المعبودة من دون الله، أهون الكائنات شأنا، وأقلها غناء، وأضعفها أثرا.. إنها جماد صامت، ليس فيها حياة، ولا تملك فى وجودها جارحة تعمل، كما تعمل جوارح الكائنات الحية.. فليس لهم أيد يدفعون بها الأذى، ولا أرجل ينتقلون بها من حرور إلى ظل، أو من ظل إلى حرور.. وليس لهم أعين يرون بها ما يرى الكائن الحىّ من الوجود الذي يعيش فيه، ولا آذان يسمعون بها من يدعوهم، أو يلقى إليهم ثناء أو سبابا! فكيف يلقى الإنسان بوجوده بين يدى هذه الجمادات؟ وكيف يعطيها ولاءه وطاعته، وخضوعه؟ أليس ذلك غاية ما يمكن من بلادة الطبع، وسخافة العقل وصغار النفس؟ وقد يجد الإنسان فى مجال الوهم والجهل ما يبرر به عبوديته لكائن أقوى منه وأكثر قوة وسلطانا، ولكن عبوديته لجماد صامت، لا يتسع له عذر أبدا، فى أي باب من أبواب الوهم والجهل!. وقوله تعالى: «قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ» هو تحد من الرسول صلوات الله وسلامه عليه- لهذه الآلهة، وما يدّعى لها عابدوها من آثار عاملة فى الحياة.. فليدع هؤلاء المشركون آلهتهم تلك، وليوجهوها إلى النبىّ- صلى الله عليه وسلم- لترمى بكل كيدها إليه، ولتدفع بكل ما لديها من ألوان الضرّ نحوه، وذلك فى غير انتظار، أو مهل.. ولسوف تكشف هذه التجربة عما يخزى هؤلاء المشركين ويفضح آلهتهم التي يعبدون. «إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ» . فإذا كان هؤلاء المشركون لا يزالون مصرين على ولائهم لهذه الأحجار وتلك الدمى، بعد أن افتضح أمرها، وظهر عجزها- فإن رسول الله يجعل

ولاءه كله لله الذي نزل عليه هذا الكتاب الكريم الذي بين يديه، والله سبحانه وتعالى يتولى من يتولاه، وينصر من يستنصر به ويلوذ بحماه، «وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ» أي ينصرهم ويوفقهم للهدى، ويقويهم على مقاومة الشيطان ودفع كيده!. «وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ» . فهذه هى آلهتكم التي تدعون من دون الله، لا يستطيعون لكم نصرا، لأنهم أعجز من أن ينصروا أنفسهم، فكيف يكون منهم نصر لغيرهم؟ وشتان بين من يدعو الله، ويطلب نصره وعونه، وبين من يدعو هذه الأحجار وتلك الدمىّ. «وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا» . فهذه الآلهة التي يعبدونها من دون الله لا تعقل شيئا، ولا تفرق بين خير وشر فإذا دعاها داع إلى ما فيه خير لم تسمع، ولم تعقل، ولم تعرف ما هو هذا الخير الذي تدعى إليه.. إنها صورة مطابقة لهؤلاء الذين يعبدونهم، فكما لا تعقل هذه المعبودات خيرا، كذلك هؤلاء الذين يعبدونها، لا يعقلون شيئا، فإن دعوا إلى الهدى لا يسمعوه، ولا يستجيبون له، فهم والأصنام سواء بسواء.. «وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ» . قد يكون المشار إليهم بضمير الجمع هنا هم أولئك المشركون، أو تلك الأصنام التي يعبدونها، أو هم هؤلاء وأولئك جميعا.. فالمشركون وما يشركون بهم سواء فى أنهم لا يسمعون، ولا يبصرون، ولا يعقلون..

الآيات: (199 - 206) [سورة الأعراف (7) : الآيات 199 إلى 206]

أما الأصنام فلا تسمع ولا تبصر ولا تعقل شيئا أبدا.. إذ كانت جمادا لا حياة فيه، ولا شعور له. وأما المشركون، وإن كانت لهم آذان تسمع، وعيون تبصر، وعقول تعقل، فإنهم لا يسمعون إلا أصواتا، ولا يبصرون إلا صورا، ولا يعقلون إلا أوهاما، ومن هنا كانت حواسهم تلك، معطلة، أو شبه معطلة، لا يفيد أصحابها منها شيئا. الآيات: (199- 206) [سورة الأعراف (7) : الآيات 199 الى 206] خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (199) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (202) وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203) وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (205) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206) التفسير: بهذه الآيات تختم سورة الأعراف، كما بدأت، فتلتقى بالنبيّ الكريم لقاء مباشرا، بعد أن كان مفتتحها ذلك الخطاب الموجه إلى النبىّ بأن يلقى قومه، ويواجههم بآيات ربّه، وبالكتاب الذي نزّله عليه، وإن كان فى ذلك

القطيعة بينه وبين أهله، إذ لا مهادنة فى الحقّ، ولا حساب لصلات القرابة والصداقة فيه.. «كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ، فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ» .. هكذا بدأت السورة.. وبهذا تختتم.. وفيما بين هذين اللقاءين، فى مفتتح السورة ومختتمها، عرضت السورة الإنسان فى معارض الحياة كلها.. كيف خلق الإنسان، وكيف كان تحدّى الشيطان فيه لله، واعتراضه على هذا التكريم الذي كرّم الله الإنسان به، ثم كيف كان عصيان آدم لربّه، وخروجه عن طاعته، ثم ما كان من آدم من ندم وتوبة، وكيف عاد الله بفضله عليه، وقبل توبته، ثم حذّره من الشيطان، وتربصه به، لإغوائه هو وذريته، ودفعهما إلى عصيان الله، والخروج عن طاعته.. ثم جاءت الآيات بعد ذلك لتعرض على أنظار أبناء آدم مشاهد القيامة، وما يلقى الطائعون من نعيم، وما يؤخذ به العاصون من نكال وعذاب، وكيف يستجدى أهل النار أصحاب الجنة، ويمدّون إليهم أيديهم فى لهفة وذلة أن يفيضوا عليهم من الماء أو مما رزقهم الله.. ثم تجىء الآيات بعد هذا فتعرض صورا من مواقف الإنسان مع دعوات الهدى التي يحملها رسل الله إليه، فيلقاها معرضا مستكبرا، ثم كيف كان أخذ الله للظالمين الضالين، الذين عصوا رسل الله وأعنتوهم، ومدّوا ألسنتهم وأيديهم إليهم بالضر والأذى.. ثم تجىء الآيات بعد فضح هذا الشرك الذي هم فيه، وتريهم رأى العين ما عليه آلهتهم التي يعبدونها من ضعف ظاهر، لا تملك معه، أن تتحول من حال إلى حال، ولا أن تنجو بنفسها من أي أذى ترمى به.. وفى هذا العرض ينكشف ضلال المشركين وسفاهة أحلامهم، إذ يعطون وجودهم وولاءهم لهذه الدّمى الصماء.. بعد هذا كله، تجىء خاتمة السورة داعية النبىّ إلى النهج الذي يأخذه فى دعوته إلى الله، بعد أن كان متجه الدعوة إليه فى مفتتح السورة أن ينهض

للدعوة، وليلقى الناس بما أنزل إليه من ربّه- فجاءت الخاتمة هنا لترسم له الطريق الذي يلتزمه فى دعوته.. وهذا الفاصل الممتدّ بين مفتتح السورة وخاتمتها، والذي كان بطبيعة الحال فاصلا بين مادّة الدعوة، وبين المنهج الذي تقوم عليه- هذا الفاصل لم يكن جملة اعتراضية بين مادة الدعوة ومنهجها، وإنما هو- فى الواقع- منهج تطبيقى للدعوة، رأى فيه النبىّ، كما رأى فيه قوم النبىّ، صورا متعددة من الصدام بين الحق والباطل، وكيف كانت مصارع المبطلين، وعاقبة الظالمين. وهذا مما يعين النبىّ على الأخذ بهذا المنهج الذي رسمه الله للدعوة التي أقامه عليها. وقوله تعالى: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ» . هو المنهج الذي يسلكه النبىّ مع الناس فى أداء رسالته إليهم، من تبعه منهم ومن عصاه على السواء، وهذا المنهج ذو أصول ثلاثة، يقوم عليها: أولها: المياسرة والرفق، فى أخذ المؤمنين، بأحكام الشريعة، فلا إعنات، ولا إرهاق فى شريعة الله، التي جاءت رحمة لعباده، واستنقاذا لهم من الهلاك.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «خُذِ الْعَفْوَ» أي تقبل من الناس ما تسمح به أنفسهم، ويتسع له جهدهم، مما لا يشق عليهم من أمر أو نهى.. وهذا من شأنه أن يوثق العلاقة بين المؤمنين وبين دين الله الذي دخلوا فيه، حيث يجدون منه وجها سمحا مشرقا، يلقاهم بالصفح الجميل إذا هم أذنبوا، ويفتح لهم باب الرضا والقبول، إذا هم شردوا وضلوا، ثم تابوا، وأنابوا إلى الله من قريب.. وهكذا جاءت شريعة الإسلام، رفيقة بالناس، رحيمة بهم.. ليس فيها ما يعنتهم، أو ينكّل بهم، لأنها لم تجىء إليهم نكالا وانتقاما، وإنما جاءت

إليهم رحمة وإحسانا.. وفى هذا يقول الله تعالى: «كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ» (1: إبراهيم) ويقول سبحانه: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» (107: الأنبياء) ويقول جلّ شأنه: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» (2: الجمعة) .. فالرسالة التي بين يدى رسول الله، هى رسالة خير ورحمة، فلا يكون منها للناس جميعا إلا الخير والرحمة، حتى لأولئك المشركين الذين تصدوا للرسالة وأعنتوا صاحبها، حيث لم يأخذهم الله بما أخذ به الأمم السابقة الذين تحدّوا رسل الله، وكفروا بهم، وبما يدعونهم إليه. وثانيهما: ألا يخرج بالناس عن مألوف الحياة، وطبيعة البشر، وهذا يعنى أن أحكام الشريعة ليست غريبة على الناس، وإنما هى من صميم البناء السليم للحياة الإنسانية، وأنه لو ترك الناس وما تدعوهم إليه فطرتهم السليمة لكان ما تعارفوا عليه، وأخذوا أنفسهم به، هو والشريعة على سواء.. فالشريعة السماوية- فى حقيقتها- ليست شيئا زائدا على الحياة الإنسانية السليمة، وإنما هى تنظيم لها، وضبط لحدودها، وجمع لأصولها التي عرفها الناس فى الحياة.. عن تجربة، وممارسة واختبار.. إن الناس بفطرتهم، يعرفون ما يضرّهم وما ينفعهم، ويفرقون بين ما هو شر وما هو خير.. وهذا ما يشير إليه الحديث الشريف: «الحلال بيّن والحرام بيّن» .. ولكن ليس كل من عرف الشرّ توقّاه، وحرس نفسه منه، وليس كل من عرف الخير أقبل عليه، وأخذ نفسه به، إذ ما أكثر تلك الأهواء التي تتحكم فى الناس، وتغلبهم على ما يدعوهم إليه العقل، وتناديهم به الحكمة.

ولقد جاءت الشرائع- كما جاءت القوانين الوضعية- لترسم للناس الحدود، وتوضح المعالم، بين الخير والشر، والحق والباطل، ولترصد العقاب الرادع لمن استخفّ بهذه الحدود وعبث بتلك المعالم. فقوله تعالى: «وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ» هو كشف عن وجه من وجوه تلك الشريعة السمحاء، وأنها شريعة إنسانية فى صميمها، تحترم الوجود الإنسانى، وتلتقى بالناس وتتعاطف معهم، فيكون حسابهم عندها قائما على طبيعتهم، وما ركّب فيهم من غرائز، وما استقرّ فيهم من عواطف ومشاعر. فالمعروف، هو ما تتعرف إليه النفوس الطيبة، وتتفتح له الفطر، السليمة، فيقع منها موقع الرضا والقبول، ويصبح من المعروف لها، والمألوف عندها.. وفرق كبير بين ما يتعارف عليه الناس من أهواء، وبدع، ومنكرات، وبين ما يتعارفون عليه من حق، وبر، وخير.. فما كان من واردات الأهواء والبدع والضلال، فإنه وإن فشا فى الناس، وغلب على عامّتهم، هو قلق فى مكانه، غريب فى موضعه، حتى عند أهله المتعاملين به، والمتعاطفين معه.. ذلك أن من يركب الشرّ يعلم أنه على غير الطريق السوىّ، وأنه قائم على منكر، يتطلع إلى اليوم الذي يقهر فيه أهواء نفسه، ودواعى نزواته، ليأخذ طريقه مع الحق والخير، والإحسان.. ومن هنا، كان «الإجماع» فى الشريعة الإسلامية أصلا من أصول الشريعة، ومادة من مواد التشريع لهذه الأمة التي اصطفاها الله سبحانه، لتكون محمل الرسالة الخاتمة لرسالات السماء، إذ كانت كما أرادها الله، «خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» .. وهذا ما يشير إليه قول الرسول الكريم: «لا تجتمع أمتى على ضلالة» .

وليس الإجماع فى صميمه إلا ما رضيه أهل الحلّ والعقد من عقلاء الأمة، وأهل الرأى والنظر فيها، وذلك فيما جدّ من أمور لم يكن للشريعة رأى فيه. وهذا من الإسلام، اعتراف بالجماعة الإنسانية، وبحقّها فى المشاركة فى وضع دستور حياتها، الذي رسمت لها الشريعة حدوده.. وفرق كبير بين اعتراف الشريعة الإسلامية بالإجماع، وبين ما تعترف به الديانات الأخرى من سيادة الرئيس الديني لها وحقه فى التشريع.. حيث يقوم الإجماع فى الشريعة الإسلامية على الشورى، التي تعطى كل إنسان حقّه فى إبداء رأيه، وفى قبول ما يقبل، ورفض ما يرفض، على حين تقوم سيادة الرئيس الديني على الاستبداد بالرأى وحده، دون أن يكون لأحد معه حق المراجعة أو المعارضة!! وثالثهما: قوله تعالى: «وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ» . وهو من تمام هذا الأدب الربّاني، الذي أدّب الله سبحانه به نبيه صلى الله عليه وسلم، وجعله ملاك أمره فى سياسة الناس، وفى وصل المجتمع الإنسانىّ برسالة الإسلام.. فالإعراض عن السفهاء والجاهلين، تأديب حكيم لهم، وقطع لحبال الملاحاة واللّجاج معهم، وفلّ لأسلحتهم التي لا تحسن العمل إلا فى ميدان السفاهة والجهل.. إذ أنه ليس أرضى لنفوس السفهاء، ولا أهنأ لقلوبهم من أن يجدوا من يمدّ لهم فى حبال السفاهة والجهل، حين يلقى سفاهتهم بسفاهة وجهلهم بجهل.. إنها حينئذ فرصتهم التي تظهر فيها ملكاتهم، وتشحذ بها أسلحتهم، فى هذا الميدان، الذي يصولون فيه ويجولون. ثم إن فى إعراض النبىّ عن السفهاء والجاهلين- فوق أنه حماية له، وحراسة لمقامه الكريم من أن يصيبه رذاذ من هذا الشر المتطاير- إطلاقا للنبى بكل قوته للعمل فى آفاق أكرم وأولى بهذا الخير الذي فى يديه، حيث

يكون لقاؤه كاملا مع أولئك الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.. ولهذا عاتب الله- سبحانه- نبيّه الكريم، هذا العتاب الرقيق الجميل، حين أعطى وجهه لهؤلاء الجاهلين المتطاولين من رءوس القوم، طمعا فى هداهم، على حين صرف وجهه عن ابن أم مكتوم- الأعمى- وقد جاء يسأل النبي، ويستزيد من العلم بأحكام دينه، فقال تعالى معاتبا النبىّ هذا العتاب الموصول باللطف والرحمة والإحسان: «عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى كَلَّا.. إِنَّها تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ.» . قوله تعالى: «وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» النزغ: أدنى المسّ، والإلمام بالشيء دون الوصول إلى صميمه.. والمراد بالنزغ الذي يكون من الشيطان للنبىّ، هو أن يدخل على النبىّ فى صفائه وإشراقه، بشىء من ضبابه ودخانه، وهنا يتنبه النبىّ لما وقع فى سمائه الصافية المشرقة، فيعلم أن ذلك من كيد الشيطان، فيستعيذ بالله منه، وإذا الله سبحانه وتعالى معيذ له، صارف عنه كيد الشيطان: «إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» . قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ» . والمؤمنون هم الذين أخذوا بهذه السبيل التي أخذها النبىّ عند لمّة الشيطان به.. فهم «إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ» وكاد يستولى على حالهم التي هم فيها مع الله، تذكّروا العداوة التي بينهم وبين هذا الشيطان، وذكروا ما بينهم وبين الله، وعندئذ تنجلى هذه الغمّة عنهم، وينصرف هذا السحاب المتراكم الذي

لفّهم الشيطان به، وإذا نور الهدى يطل عليهم من بين هذا السحاب، وإذا حرارة الإيمان تتحرك فى صدورهم، فتبدّد غواشى هذه السحب، وإذا سماؤهم مشرقة بنور الله.. وإذا هم مبصرون طريقهم إلى الحق والخير.. وفى التعبير بالنزغ فى مقام النبىّ، وبالمسّ وبالطائف فى جانب المتقين، إشارة إلى أن ما يكيد به الشيطان للنبىّ هو شىء عارض، لا يكاد يجاوز اللحظة العابرة، واللمسة المذعورة.. أما ما يكيد به الشيطان للمؤمنين فهو مس يكاد يحتويهم، ويطوف بهم، ويشتمل عليهم.. وذلك لأن النبي الكريم فى مقامه العالي، من التقوى، ومن اليقظة، هو فى حصن حصين، بحيث لا يكاد يجد الشيطان منفذا، وإن وجده فهو أضيق من سمّ الخياط.. وهكذا المؤمنون وما فى قلوبهم من تقوى، فكلما كان رصيد المؤمن من التقوى عظيما، كلما أثر الشيطان فيه ضعيفا، لأن التقوى هى الحصن الذي يحتمى فيه المؤمن من أن يطوف الشيطان به، وكلما كان هذا الحصن متين الأركان، متماسك البنيان كلما ضاقت منافذ الشيطان وسدّت دون كيده الأبواب! قوله تعالى: «وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ» . فهم أكثر المفسرين هذه الآية على أن الإخوان هنا هم إخوان الشياطين، من المشركين وأهل الضلال، وأن الشياطين يمدونهم بالغيّ والضلال، فلا يقصرون، ولا يرجعون عن غيهم وضلالهم، بل يزدادون ضلالا إلى ضلال، وغيا إلى غىّ. والفهم الذي أطمئن إليه فى هذه الآية، هو أن المراد بإخوانهم، هم إخوان المؤمنين، من المنحرفين، وأصحاب الأهواء والبدع، ومن المشركين والضالين.. وأن هؤلاء جميعا هم شياطين مسلطون على المؤمنين، يحاولون جاهدين أن يمدوهم بالغي والضلال، والمؤمنون- مع هذا- فى إعراض عنهم، ولكنهم- مع

هذا- دائبون على هذا الكيد للمؤمنين.. لا يقصرون، ولا ينتهون.. وتسمية هؤلاء الغواة من المشركين والضالين إخوانا للمؤمنين، هو لما بينهم من صلات القرابة والنسب.. ومن جهة أخرى فإن هؤلاء المشركين الضالين، كان من شأنهم- لو عقلوا- أن يكونوا إخوانا لهؤلاء المؤمنين، أخوّة إيمان وتقوى، بعد أن كانوا إخوانا لهم، نسبا وقرابة، ولكن فرّق بينهم هذا الضلال الذي هم فيه.. وقوله تعالى: «وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» . هو عطف على قوله تعالى: «وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ» .. أي أن هؤلاء المشركين إذا لم تأتهم بآية مما يقترحون عليك من آيات، قالوا لك: هلا اجتبيتها، أي اخترتها أنت بنفسك من بين تلك الآيات التي كانت تتنزل على الرسل السابقين، كناقة صالح، وعصا موسى، ويده، ومعجزات عيسى فى إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص؟ فهذه الآيات وأمثالها هى التي نطلب إليك أن تأتينا بواحدة منها أو مثلها، ونحن لا نشق عليك بأن نطلب إليك آية بعينها، بل نترك ذلك لك، لتتخير الآية التي تقدر عليها!! وليس ذلك منهم عن صدق وجدّ، وإنما هو استهزاء، وسخرية، وتحدّ وقاح للنبىّ، وإظهاره بمظهر المغلوب على أمره فى تحدبهم له.. وقد أمر الله نبيّه الكريم أن يلقاهم بقوله تعالى: «قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ» أي أننى لست إلا رسولا من الله إليكم، أبلغكم ما أرسلت به، وأنه ليس ممّا لى أن آتى لكم بما لم ينزّله علىّ ربّى، ويأذن لى به.. «إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ» .. فلو أنكم أيها المشركون قدرتم الله حقّ قدره

لما جعلتم إلى عبد من عباد الله- ولو كان رسولا من رسله- أن يكون له شأن مع الله، وأن يأتى بآيات ومعجزات لم يضعها الله سبحانه فى يده، ولم يأذن له بها.. ثم ما لكم- أيها المشركون الضّالون- تطلبون الآيات، وتقترحون منها ما تمليه عليكم أهواؤكم؟ وهذا كتاب الله، وتلك آياته بين أيديكم لو أنها وجدت منكم آذانا صاغية، وقلوبا واعية، لاستغنيتم بها عما تطلبون من آيات ماديّة تلمسونها بأيديكم، فتبهر عقولكم بأفعالها القاهرة المعجزة؟ وفى كل آية من آيات الكتاب الكريم معجزة قاهرة متحدية، تخشع لجلالها القلوب، وتعنو لروعتها الوجوه، ولكن لا ينكشف منها هذا الجلال، ولا تتبيّن منها تلك الروعة إلا لأصحاب البصائر السليمة، التي تتهدّى إلى الحق، وتتّبع آثاره، وتستجيب لدعوته.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» فالبصائر: جمع بصيرة، والبصيرة بمعنى باصرة، أي أنها عيون مبصرة لمن ينظر بها إلى هذا الوجود، ويتخذها دليله وهاديه فى الحياة.. إنه لن يضلّ معها، ولن يجد فى صحبتها غير الهدى والرحمة.. هذا لمن يؤمنون بها، ويصحبونها على وفاق، لا لمن يمكرون بآيات الله، ويتخذونها لهوا ولعبا. وقوله تعالى: «وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» هو إشارة إلى ما ينبغى أن تكون عليه صحبة آيات الله، لمن يبغى الخير منها، ويطلب الهدى عندها.. إنها لا تعطيه من خيرها، ولا تمدّه من أضوائها، إلا إذا أعطاها حقّها من الاحترام والتوقير، فإذا استمع إليها، وهو يتلوها على نفسه، أو يتلوها عليه غيره، وأنصت لها، وأخلى حواسّه وجوارحه وكيانه كلّه من أي شاغل يشغله عنها- عندئذ يؤذن له

أن يفيد منها، وينتفع من الخير المخبوء فى كيانها، وفى هذا ما يدنيه من ربّه، ويقرّبه من رحمته. وقوله سبحانه: «وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ» .. هو خطاب للنبىّ الكريم، ينضوى تحته المؤمنون جميعا.. ومطلوب هذا الخطاب، هو ذكر الله، وشغل القلب به، فى صمت وخشوع، وفى ضراعة لكبرياء الله، وخوف ورهب لسطوته وجبروته. وهذا هو ذكر القلب، حيث تسكن كل جارحة، وحيث يكون الإنسان كله مشاعر خاشعة، تلين بها الجلود، وتفيض منها العيون، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ. مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ» (23: الزمر) . وهناك ذكر باللسان، هو فى درجة بعد هذه الدرجة، ومنزلة دون تلك المنزلة، التي هى من شأن القلب وحده.. وليس الذكر باللسان مجرد أصوات تردّد بكلمات الله وآياته، فإن مثل هذا الذكر لا محصّل له، ولا ثمرة وراءه.. وإنما يكون ذكر اللسان موردا من موارد الخير، وطريقا قاصدا إلى الحق والهدى، حين يستملى من قلب خاشع، ويتلقّى من مشاعر مجتمعة ساكنة، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ» .. فهو معطوف على قوله تعالى: «فِي نَفْسِكَ» أي اذكر ربّك فى نفسك تضرّعا وخيفة ودون الجهر من القول» .. بمعنى: واذكر ربّك بلسانك كما ذكرته بقلبك، ولكن بصوت خفيض ضارع تناجى فيه ربّك، فى غير ضوضاء أو جلبة، وفى هذا استجماع للقلب،

واستحضار لما عرب من سوانحه وخواطره، فكما فى ذكر الله بالقلب دون اللسان إتاحة الفرصة للقلب أن يصغى إلى نداءاته المنبعثة من داخله، كذلك فى ذكر الله باللسان هو إيقاظ للقلب بتلك الكلمات الرقيقة الهامسة التي تربت عليه فى رفق وتناد به فى عطف ولين. والغدوّ: جمع غدوة، وهى أول النهار، والآصال: جمع أصائل، والأصائل: جمع أصيل، وهو الساعة الأخيرة من النهار. والمراد بالغدو والآصال، ليس هو قصر ذكر الله فى هذين الوقتين، وإنما المراد هو شغل القلب واللسان بذكر الله، ذكرا دائما متجددا، بحيث يخلى الإنسان نفسه من الشواغل ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ليكون بينه وبين الله تلك اللقاءات المسعدة، التي يجدّد فيها إيمانه، ويقوّى بها صلته بخالقه.. ولهذا جاءت خاتمة الآية بهذا الأمر الكريم: «وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ» . وأما السر فى اختيار هذين الوقتين، فلأنهما أصلح الأوقات وأنسبها لذكر الله، واستحضار جلاله وعظمته. ففى أول النهار يتزود الإنسان بهذا الزاد الطيب، الذي يغذّى به مشاعره وأحاسيسه، ويشحن به عواطفه ونوازعه.. ثم يخرج إلى الحياة، ومعه هذا الرصيد العظيم من أمداد الله، ورحماته، فيواجه الحياة بقلب سليم، وعزم موثق، ولسان عفّ، ويد نقية.. فيكون من هذا كله فى حراسة أمينة يقظة، فلا يزلّ ولا ينحرف!. فإذا كان آخر النهار، كان له إلى نفسه عودة ومراجعة، فيعرضها على الله، ويصلح ما وقع لها من خلل أثناء رحلتها مع الحياة طوال اليوم.. وبهذا يظل المؤمن المتصل بالله هذا الاتصال- يظل على الصحة والسلامة أبدا، فيقطع العمر،

معافى فى دينه، سعيدا فى دنياه، طامعا فى رضى الله ورضوانه، يوم يقوم الناس لربّ العالمين.. وقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ» . هو بيان للصورة المثلى لعبادة الله، والتي ينبغى أن ينشدها المؤمن، ويعمل لها، ويستعين الله على بلوغها.. والصورة هنا هى لملائكة الرحمن الذين هم أقرب خلق الله إلى الله.. فهم مع هذا القرب، وفى تلك المنزلة التي هم فيها، لا يفترون عن عبادة الله، بل هم على عبادة دائمة، وذكر متصل، بين تسبيح، وسجود. وفى قوله تعالى: «لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ» إشارة إلى أن هذه المنزلة التي لهم عند الله، لم تدخل عليهم بشىء من الكبر والإدلال على الله، حيث لا متطلع لهم إلى منزلة غير تلك المنزلة، بل إن ذلك كان داعية لهم إلى دوام العبادة، ومواصلة التسبيح، حمدا لله على ما هم فيه، وشكرا له على ما أنعم به عليهم، واستدامة لتلك النعمة. وإذا كان هذا هو شأن هؤلاء العباد المكرمين، فأولى بمن هم دونهم درجة، أو درجات أن يجتهدوا فى العبادة، وأن يسعوا السعى الحثيث إلى الله، بالذكر والتسبيح، حيث لا يزال أمامهم مدى فسيح يسعون فيه إلى الله، لينالوا عنده درجات فوق درجات.. هذا، ويصح أن يكون المراد بالذين عند ربك، هم الذين اصطفاهم واختارهم من بين الناس، وهم المؤمنون الذين عرفوا الله حق معرفته، فأخلصوا له دينهم،

وأسلموا له وجودهم، فعبدوه فى ولاء وخشوع، لا يسبحون غيره ولا يسجدون سواه.. ومعنى أنهم عند الله، أي من أهل ودّه، ورضاه.. كما يقول سبحانه: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا..» . وهذا المعنى الذي ذهبنا إليه- مخالفين فى ذلك ما أجمع عليه المفسرون- هو المناسب لسياق النظم القرآنى، حيث كانت الآية السابقة على هذه الآية دعوة إلى ذكر الله، على تلك الصورة التي تؤهل الذاكر لأن يكون من أهل الله، ومن عباده المكرمين.. وهى قوله تعالى: «وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ» .. فهذا الذكر هو الذي يقرب الإنسان من ربه، ويرفعه إلى هذا المقام الكريم، وإنه لن يرتفع إلى هذا المقام إلا من ذكر الله هذا الذكر، فلا يستكبر عن عبادة الله، ولا يولّى وجهه إلى غيره فى تسبيح أو سجود.. ثم إن هذا المعنى يناسب مطلع السورة التي جاءت تالية لسورة الأعراف وقد جاء فى هذا المطلع قوله تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ» . (2- 4: الأنفال)

8 - سورة الأنفال

8- سورة الأنفال نزولها: نزلت بالمدينة فى أعقاب غزوة بدر فى السنة الثانية من الهجرة، وتسمى سورة «بدر» . عدد آياتها: سبع وسبعون آية. عدد كلماتها: ألف ومائة وخمس وتسعون كلمة. عدد حروفها: خمسة آلاف ومئتان وثمانون حرفا. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الآيات: (1- 4) [سورة الأنفال (8) : الآيات 1 الى 4] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) التفسير: كانت غزوة بدر أول موقف وقفه المسلمون إزاء الغنائم التي وقعت لأيديهم من يد أعدائهم فى ميدان القتال.. ولهذا اضطربت مشاعر المسلمين فيها، واختلفت أنظارهم عليها.. فمن قائل إنها لمن جمع الغنائم وحازها ليده، ومن قائل إنها لمن قائل والتحم بالعدو.. ومن قائل- إنها لمن شهد القتال، قاتل أو لم يقاتل، حاز غنيمة أو لم يحزها.. ومن قائل إنها للجماعة الإسلامية التي

كانت تضمها المدينة.. وهكذا توزعت مشاعر المسلمين وعواطفهم، فى مواجهة هذا الطارق الغريب، الذي أطلّ عليهم بوجهه، لأول مرة.. ولو ترك هذا الموقف للمسلمين يقضون فيه برأيهم، ويلتقون فيه على رأى، لما كان فى هذا ما يحسم الموقف، ويجمع هذا العواطف المشتتة، وتلك النوازع المختلفة.. فإن أي رأى يلتقى عنده المسلمون، لم يرض نفرا منهم أيّا كان عدده.. وتلك لا شك ثلمة فى بناء الجماعة التي لا تزال على أول الطريق، فى استكمال كيانها، ودعم بنائها، بل هو صدع فى هذا البناء، تزيده الأيام عمقا واتساعا، إن لم يكن فى الحساب توقّيه قبل أن يقع.. حتى يحفظ هذا الجسد سليما معافى من أيّة آفة، تندس إليه، وتنفث سمومها فيه. ولهذا جاءت كلمة الفصل من السماء، حتى لا يكون لقائل قول، ولو كان الرسول الكريم نفسه، والذي لو قال كلمة هنا لتلقاها المسلمون بالقبول والرضا، ولسكن عندها كل خاطر، ولماتت بعدها كل نازعة أو وسواس، لما للرسول فى نفوس المسلمين من حب وطاعة، وولاء.. إذ كانوا على يقين، بأنه- صلوات الله وسلامه عليه- لا يقضى إلا بالحق، ولا يقول إلا بما أراه الله: «وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى» . ومع هذا، فإن حكمة الحكيم العليم اقتضت أن تكون كلمة الله هى القضاء الفصل فيما اختلف فيه المسلمون، حتى يعودوا من هذه المعركة، وقد خلت نفوسهم من أي همّ من هموم الدنيا، وحتى يكونوا جندا خالصا لدين الله، لا يجاهدون إلا فى سبيل الله، وفى إعلاء كلمة الله، دون التفات إلى شىء من هذه الدنيا، وما يقع لأيديهم من مغانم الحرب.. فتلك المغانم- وإن كثرت- لا حساب لها فى هذا الوجه الكريم الذي يتجه إليه المجاهدون فى سبيل الله.. ومن أجل هذا، كان حكم الله قاضيا على المجاهدين بألّا شأن لهم بهذه الغنائم،

وأن أمرها إلى الله، ثم إلى رسول الله يضعها حيث يشاء، ويتصرف فيها كما يرى.. تلك هى كلمة الله، وهذا هو قضاؤه.. «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ.. قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ» . وانظر كيف كانت الحكمة فى هذا الحكم، وهذا التدبير الحكيم.. لقد كان ذلك أول الإسلام، ومع أول تجربة يقع للمسلمين فيها خير مادىّ، بعد أن احتملوا ما احتملوا من أذى وضر فى أموالهم وأنفسهم.. ولو كان الذي حدث فى بدر جاريا مع موقع النظر الإنسانى، لكان أول ما يتبادر إلى العقل هو التمكين للمسلمين الذين قاتلوا، أن يحوزوا هذه الغنائم، ليكون منها بعض العزاء لما ذهب منهم، سواء أكانوا مهاجرين أو أنصارا.. حيث هاجر المهاجرون تاركين وراءهم الديار والأموال، وحيث شاطرهم الأنصار ديارهم وأموالهم..! ولكن تدبير الله يعلو هذا التدبير، وحكمته تقضى بغير ما يقضى به هذا النظر البشرى المحدود.. فلو أن المسلمين شغلوا أنفسهم من أول خطوهم بهذه الغنائم، لكان فى ذلك جور على الدعوة التي دعاهم الله إليها، وندبهم لها، ولكان حسابهم معها قائما على الريح والخسارة فى جانب الدنيا، أكثر منه فى جانب الدين..! ولهذا، جاء أمر الله قاطعا على المسلمين هذا الطريق، آخذا على أيديهم أن تمتدّ إلى تلك الغنائم، التي جعلها الله سبحانه له، ثم وضعها بين يدى رسوله.. إنهم مجاهدون فى سبيل الله وحسب، باعوا أنفسهم لله، ورصدوها للجهاد فى سبيله..

أما الغنائم فأمرها خارج عن هذا العهد الذي عاهدوا الله عليه.. فإذا جاء بعد هذا قضاء من عند الله فى شأن ما يقع للمجاهدين من غنائم. وإذا جعل الله للمقاتلين نصيبا مفروضا فيها، فذلك فضل من الله، ومنّة منه على عباده، وبهذا يظل المجاهدون على هذا الشعور الأول الذي أقامهم الله عليه، وهو أن تلك الغنائم هى لله ولرسوله، وأن ما فرض لهم بعد ذلك هو استثناء من الحكم الأصلىّ، جاء برّا بهم، ورحمة لهم.. ومن أجل هذا، فإنه بعد أن انتهت معركة بدر، ومغانمها، وعاش المسلمون مع تلك التجربة زمنا كافيا، اطمأنوا فيه إلى ما تقرر من ألّا شىء لهم فيما يغنمون- جاء حكم الله بعد هذا مقررا لهم نصيبا مفروضا فيما يغنمون، وفى هذا يقول الله تعالى فى هذه السورة: «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ» . وقوله تعالى: «قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» . فقوله تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» هو تعقيب على هذا الحكم الذي تلقاه المسلمون من الله فى شأن غنائم بدر.. وفى دعوتهم إلى تقوى الله تذكير لهم بالله الذي استجابوا لدينه، ودخلوا فيه، وقاتلوا فى سبيله، فإذا ذكروا هذا، فاءوا إلى السّلامة والعافية، وأقاموا وجوههم على الوجه الذي استقبلوا به الإسلام من أول يوم.. موطنين الأنفس على احتمال الضرّ، والصبر على المكاره، ولم يقع فى نفوسهم

شىء من هذه المشاعر، التي وقعت لهم بين يدى تلك الغنائم، قبل أن يتلقوا حكم الله فيها.. ومن هنا جاء أمر الله إليهم بعد ذلك بقوله: «وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ» أي حيث أخليتم أنفسكم من هذا المتاع الذي كان سببا فى التنازع والاختلاف بينكم، فعودوا إلى ما كنتم عليه، إخوانا مجاهدين فى سبيل الله، لا تبتغون بذلك إلا رضا الله ورضوانه.. ثم جاء قوله تعالى بعد هذا: «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» أمرا بالطاعة المطلقة، والتسليم الخالص لله، ولرسوله.. فذلك هو شأن المؤمنين، إذ لا إيمان بغير طاعة وتسليم..! قوله تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» . هو كشف للصورة الكريمة للمؤمنين، يعرضها الله سبحانه، لأولئك الذين دعاهم الله إلى طاعته وطاعة رسوله، فى شأن هذه الغنائم ليدخلوا فى عداد المؤمنين، بما استقبلوا به أمر الله سبحانه من طاعة ورضى. فالمؤمن حقا، هو الذي يخشى الله ويتّقيه، فإذا ذكر الله، أو ذكّر به امتلأ قلبه خشية ووجلا- أي خوفا- من جلاله وسطوته، وإذا تلى آيات الله أو تليت عليه، خشع لها، وأشرق قلبه بنورها، فازداد بذلك إيمانا على إيمان، ثم انتهى به ذلك إلى أن يكون عبدا ربّانيا، يسلم أمره كله لمن بيده الأمر كلّه.. وقوله تعالى: «الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ» .. هو

استكمال لتلك الصورة الكريمة للمؤمن.. فلا يكتمل إيمان المؤمن حتى يقيم الصلاة على وجهها، ويؤديها فى خشوعها وخضوعها، ولا يكمل إيمانه حتى يكون- مع إقامة الصلاة- من المنفقين مما رزقه الله، فى وجوه البرّ والإحسان.. فإذا فعل المؤمن ذلك، فأطاع الله ورسوله، وذكر الله خاشعا متضرعا، وتلا آياته وجلا خائفا، وأقام الصلاة، وأنفق مما رزقه الله فى سبيل الله- إذا فعل ذلك كان من المؤمنين حقّا.. أي كان مؤمنا ظاهرا وباطنا.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ» . فالمؤمن إيمانا كاملا، ظاهرا وباطنا، هو فى مقام كريم عند ربه، يحفّه بمغفرته ورحمته، ويفيض عليه من إحسانه وفضله.. ويلاحظ هنا أن هذا العرض للمؤمنين، وما ينبغى أن يكون عليه إيمانهم بالله، هو- وإن كان مطلوبا لكل مؤمن بالله، فى جميع الأحوال والأزمان- هو من المطلوبات التي استدعتها تلك الحال التي كان عليها المؤمنون بعد معركة بدر، فى مواجهة الغنائم التي وقعت لأيديهم فى هذه المعركة. فلقد أثارت تلك الغنائم غبارا كثيرا فى آفاق المسلمين، فكان من تدبير الله لهم، وصنيعه بهم، أن أجلى هذا الغبار من سمائهم، وعرض عليهم تلك الصورة الكريمة للمؤمنين، وأراهم- سبحانه- أنه يدعوهم إليه، ويرسم لهم الصورة التي ينبغى أن يكونوا عليها، وهم يستجيبون له، ويقبلون عليه..

الآيات: (5 - 8) [سورة الأنفال (8) : الآيات 5 إلى 8]

الآيات: (5- 8) [سورة الأنفال (8) : الآيات 5 الى 8] كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (5) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8) التفسير: قوله تعالى: «كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ» - هو طرف من طرفى تشبيه، وقد تقدم المشبّه، والكاف هنا داخلة على المشبه به.. والصورة التي قام عليها التشبيه هنا، هى تشبيه حال بحال.. فالحال التي كان عليها المؤمنون، من اضطراب واختلاف، عند ما وقعت لأيديهم غنائم بدر، هى كالحال التي كانوا عليها حين خرجوا مع النبىّ لملاقاة قريش، وقد وعدهم الله إحدى الطائفتين: إما العير التي كان يقودها أبو سفيان وفيها أموال قريش وتجارتها المقبلة من الشام، وإما النفير، وهو الجيش الذي قاده أبو جهل لينقذ به العير من يد النبىّ وأصحابه، وليثأر لكرامة قريش، حيث كان التصدّي لقوافل تجارتها، امتهانا لها، وتحديّا لمكانتها العرب.. كما كانت تفكر وتقدّر! وقد خرج المؤمنون- من مهاجرين وأنصار- مع النبي على نية

للعير، وقطع الطريق على قريش فى تجارتها مع الشام، انتقاما لما فعلته مع المهاجرين، حين أخرجتهم من ديارهم وأموالهم. وكان خروج المسلمين على وجه المبادرة والاستعجال، حتى لا يفوتهم أبو سفيان والعير التي معه، ولهذا كان الذين خرجوا لهذا الوجه نحو ثلاث مئة، ليس فيهم إلا فارس واحد، وقيل فارسان، أما الباقون فكانوا رجّالة، لا يحمل أحدهم معه غير سيف أو رمح. وقد استطاع أبو سفيان أن ينجو بالعير، ويفلت من يد المسلمين، حين أخذ طريقا غير الطريق الذي اعتادت القوافل أن تسلكه بين مكة والشام.. وتلفّت المسلمون فإذا هم وجه لوجه مع قريش التي جاءت لتستنقذ عيرها، ولتنتقم لكرامتها ممن تصدّوا لها.. وكانت قريش فى أكثر من ألف مقاتل، بينهم أكثر من مائة فارس، والمسلمون- كما علمت- نحو ثلاث مئة ليس فيهم إلا فارس، أو فارسان!. ونظر المسلمون فإذا هم بين أمرين: إما الحرب، وهى تعنى بالنسبة لهم الفناء، والاستئصال.. وإما الفرار، وما معه من خزى وعار.. ولكن إلى أين يفرون؟ إلى المدينة؟ وهل يبعد على قريش أن تدخلها عليهم، وتهلك الحرث والنسل؟ وفى المدينة عدو يتربص بهم هم اليهود الذين يفتحون لقريش حصونهم، ويمدونهم بالعتاد والسلاح!؟ وإذ كان الموقف على هذين الاحتمالين، اللذين لا بد من أحدهما، فقد رأى النبىّ أن يستشير أصحابه، ويسألهم الرأى فيما يأخذون من أي هذين الأمرين..

فجمع- صلوات الله وسلامه عليه- أصحابه إليه، وقال: «أيها الناس أشيروا علىّ!» . وصمت الجميع.. لا يدرون ما يقولون.. وإن كان مع كل واحد منهم قولا يقوله.. إنهم خرجوا على غير أهبة واستعداد، ولم يكن الوقت الذي خرجوا فيه مسعفا للكثير منهم أن يخرج معهم.. لقد كان الموقف حرجا، اضطربت فيه القلوب، واختلطت معه المشاعر، وغامت فيه الرؤية الكاشفة حتى لم يعد أحد يدرى أين موقفه، وأين مجتمع رأيه! .. تماما كما كان ذلك بعد أن وقعت غنائم بدر لأيديهم..! وعاد النبيّ الكريم يسأل أصحابه: «أيها الناس أشيروا علىّ» .. وكانت عين الرسول صلوات الله وسلامه عليه تتطلع إلى الأنصار.. إذ كانوا هم كثرة الناس، وأصحاب البلد الذي يواجه الخطر، ويتلقى الضربة القاضية، كما أنهم حين بايعوا النبي قبل الهجرة، كانت بيعتهم أن يمنعوه فى بلادهم مما يمنعون منه أنفسهم وأبناءهم ونساءهم. ولم يكن فى البيعة أن يقاتلوا معه مهاجمين. وجاءت كلمة الأنصار، فقال سعد بن معاذ: «لكأنك تعنينا يا رسول الله؟ قال: «أجل» ، فقال: قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، على السمع الطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر، فخضته، لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد ... »

فاستبشر رسول الله بهذا القول الذي جاء على لسان الأنصار، ونطق به رجلها.. وبهذا كان الحسم لهذا الموقف المائج المضطرب.. تماما كما كان حكم الله فيما حكم به في شأن الغنائم التي وقعت للمسلمين بعد هذه المعركة.. حيث سكنت النفوس، واجتمع الرأى الشتيت. ومن هنا صح أن يقع التشبيه بين الحالين: حال المسلمين فى مواجهة العدو بعد أن دارت رءوسهم، واضطربت قلوبهم.. وحالهم فى الغنائم، بعد أن اختلفت آراؤهم فيها، واضطربت مشاعرهم حيالها.. وانظر كيف أمسكت كلمات الله، بكل خالجة كانت تختلج فى نفوس القوم هنا، وهناك.. فى مواجهة العدو، ثم فى مواجهة الغنائم.. ففى مواجهة العدو.. لم يكن المسلمون يتوقعون أن تقع حرب، أو يدور قتال بينهم وبين المشركين.. لقد خرجوا يطلبون العير، ويأخذون ما يقع لأيديهم مما تحمل من أموال ومتاع.. فكان أن جاء الأمر على غير ما قدّروا، فأفلتت من أيديهم العير، وفاتهم ما منّوا أنفسهم به منها.. فواجهوا المعركة، والتحموا فى القتال.. وفى مواجهة الغنائم والأنفال: كان المقاتلون يقدّرون أن ما وقع لأيديهم منها، هو خالص لهم، وأنه لن يخرج شىء منها إلى غيرهم.. فكان أن جاء الأمر على غير هذا التقدير الذي قدّروا، وخرجت الغنائم كلها من أيديهم، حيث وضعها الله سبحانه، فى يد الرسول صلوات الله وسلامه عليه..

وهكذا يصنع الله للإسلام، فيقيم وجه أنصاره على أمره وحده، لا يلتفتون معه إلى شىء آخر غيره.. فمن كان على نيّة الإيمان بالله والجهاد فى سبيله، فهذه هى سبيله: أن يصرف وجهه عن الدنيا، وأن يوطّن نفسه على الجهاد خالصا لله، لا يبغى به إلّا وجه الله، ولا يطلب إلا مثوبته ورضوانه.. ففى قوله تعالى: «كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ» إلفات للمسلمين الذين كسبوا المعركة، وحازوا ما كان مع قريش من سلاح، ومتاع ثم صرفهم الله عن هذا السلاح والمتاع- إلفات لهم إلى تلك الحال التي كانوا عليها، بعد أن صرف الله عنهم العير، وجعلهم وجها لوجه مع العدوّ فى ميدان القتال.. فهذه من تلك، سواء بسواء.. والبيت الذي خرج منه النبىّ هنا، هو المدينة.. فهى بيته- صلوات الله وسلامه عليه- الذي يأوى إليه، ويقرّ فيه. وخروجه- صلوات الله وسلامه عليه- بالحق، أي للحقّ، ومن أجل الدفاع عن قضيّة الحق.. وليست قضية الحق هى هذا المتاع الذي كانت تحمله العير، ولا هذه الأنفال التي خلصت لأيدى المسلمين، وإنما قضية الحق هى إعلاء كلمة الله، وإزاحة العقبات التي تقف فى وجه الدعوة إلى الله، بمحاربة أولئك الذين يحاربون الله، ويصدّون الناس عن سبيله. والحقّ دائما ثقيل الوطأة على الناس، إلّا من رزقهم الله الإيمان الوثيق، والعزم القوىّ، وأمدّهم بأمداد لا تنفد من الصبر على المكاره، والقدرة على احتمال الشدائد.. إذ الحق- فى حقيقته- مغالبة لأهواء النفس، وتصدّ لنزعاتها، وإيثار للآخرة على الدنيا، وذلك من شأنه أن يجعل الإنسان فى حرب متصلة مع نفسه، حتى إذا أقامها على الحق، وأسلم زمامها له، كان عليه

أن يواجه النّاس، وأن يجاهد فى سبيل الحقّ الذي عرفه، وآمن به، فيكون حربا على المنكر، بقلبه، ولسانه، ويده.. ومن هنا كان الصبر قرين الحقّ فى كل دعوة يدعو إليها الإسلام، فى مجال الخير، والإحسان، وفى كل ما من شأنه أن يقيم الإنسان، والإنسانية، على صراط مستقيم.. ففى الدعوة إلى الصفح والمغفرة ودفع السيئة بالحسنة، يكون الصبر هو عدّة من يمتثلون هذه الدعوة، ويقدرون على الوفاء بها، إذ يقول الله تعالى: «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ» ثم يقرن- سبحانه- تلك الدعوة بقوله تعالى: «وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ» (24- 25: السجدة) . وفى تنبيه الإنسان إلى الخطر الذي يتهدّده من تسلّط أهوائه، ووسوسة شيطانه، حيث يقول سبحانه: «وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ» لا يستثنى- سبحانه وتعالى- أحدا من الصيرورة إلى هذا المصير «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ» (سورة العصر) . وفى قوله تعالى: «كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ» - فى هذا إشارة إلى ما وقع فى نفوس فريق من المؤمنين- لا كل المؤمنين- من مشاعر الكراهية، حين عدل بهم عن وجهتهم التي اتجهوا إليها لاقتناص العير، والاستيلاء على ما تحمل من مال ومتاع، إلى حيث يلقون قريشا وجيشها الجرار فى ميدان القتال.. ولهذا كان منهم هذا الجدال الذي تعللوا به للنكوص عن لقاء العدوّ، فقال قائلهم: ما خرجنا للقتال، ولا أخذنا أهبتنا له، ولاصحبنا إخوانما الذين خلفناهم وراءنا إليه!

والسؤال هنا: كيف يجادلون فى الحق بعد ما تبين لهم؟ وكيف يكونون مؤمنين مع هذا؟ وهل من شأن المؤمن أن يجادل فى الحق إذا عرف وجهه، واستبان له طريقه؟ والجواب: أن الحقّ- وهو قتال المشركين- كان أمره ظاهرا لهم، بعد أن أفلتت منهم العير، إذ كان الله- سبحانه- قد وعدهم على لسان نبيّه الكريم بأنّهم سيظفرون بإحدى الطائفتين، إما العير، وإما النفير.. فلما أفلتت منهم العير، لم يبق إلا النفير والحرب.. فهذا حق مستيقن لهم، لاخفاء فيه. ولكن يقوم إلى هذا الحق، تلك الرغبة القوية التي كانت مستولية على المؤمنين من قبل، وهى الاستيلاء على العير، وذلك شأن النفس دائما حين يكون خيارها بين أمرين، أحدهما محبوب، والآخر مكروه.. فإنها حينئذ لا تلتفت إلى غير المحبوب، حتى ليصبح المكروه عندها كأنه غير مفترض أصلا، فتنساه، أو تتناساه.. فإذا فاجأها هذا المكروه الذي أخرجته من حسابها وتقديرها، كان وقعه شديدا عليها، حتى لكأنه حدث طارئ لم تكن تتوقعه.. ومن هنا يكون إنكارها أو تنكرها له. ولهذا جاء قوله تعالى: «كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ» - جاء كاشفا عن تلك الحال التي استولت على بعض المؤمنين، الذين وجدوا أمر القتال ثقيلا باهظا، حيث تمثلت لهم مصارعهم، وشهدوا الموت عيانا.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى بعد هذه الآية: «وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ» .

فالطائفتان: هما.. العير والنفير.. وقوله تعالى: «أَنَّها لَكُمْ» هو وعد للمؤمنين بأنه ستقع ليدهم إحدى هاتين الطائفتين: العير أو النفير.. وذات الشوكة: أي صاحبة الشدّة والبلاء، وهى «النفير» ووصف النفير بأنه ذو شوكة، لما يلقاه المسلمون فى لقاء النفير من أذى وضر.. إنه القتال والقتل!! وفى قوله تعالى: «وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ» - ما يسأل عنه.. وهو: ما هى كلمات الله التي يحقّ بها الحق، ويقطع بها دابر الكافرين؟ والجواب- والله أعلم- أن المراد بكلمات الله هى أحكامه التي يقضى بها فى خلقه، وأن تلك الأحكام تصدر بقوله- سبحانه- للشىء: كن فيكون، وكل قول لله تعالى، هو حقّ، يحق به حقّا، أي يقيمه، ويظهره.. فإذا قام الحقّ بطل الباطل.. ومعنى آخر لكلمات الله هنا، أحبّ أن أشير إليه، وهو أن المؤمنين الذين يعملون على إحقاق الحق، ويقاتلون فى سبيله، هم أنفسهم كلمات الله، قد جعل الله إليهم الانتصار للحق، وإعلاء كلمته، وإبطال الباطل، وإزهاق أنفاسه.. وفى هذا تكريم للمؤمنين، وإعلاء لقدرهم، ورفع لمنزلتهم، بحيث كانوا كلمات الله، وجند الله.. بهم يحقّ الحقّ ويبطل الباطل، ولو كره المجرمون.. وإرادة الله لا شك غالبة قاهرة. ومن هنا كان النصر دائما للحق، وكان الغلب دائما للمحقين، وفى هذا يقول الله تعالى: «كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ» . ودابر الكافرين: دابر الشيء آخره، والمراد به قطع آخرهم واستئصالهم جميعا، إذ كان أولهم هو الذي يتلقى الضربة، فإذا بلغت تلك الضربة آخرهم كان معنى ذلك القضاء عليهم جميعا.

الآيات: (9 - 11) [سورة الأنفال (8) : الآيات 9 إلى 11]

الآيات: (9- 11) [سورة الأنفال (8) : الآيات 9 الى 11] إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ (11) التفسير: يتعلق الظرف «إذ» بقوله تعالى: «وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ» أي إنّ إرادة الله بإحقاق الحق بكلماته، وقطع دابر الكافرين- قد رأيتم تحقيقها فى هذا الوقت الذي كنتم تستغيثون فيه ربكم، وقد التقيتم بالمشركين فى كثرتهم، وقلتكم.. وقوله تعالى: «فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ» أي حين واجهتم العدو، وأفزعتكم كثرته، وفزعتم إلى الله أن يمدكم بنصره- استجاب لكم ربكم، وأمدكم بألف من الملائكة مردفين، أي يردف بعضهم بعضا، ويجىء بعضهم إثر بعض. وقوله سبحانه: «وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» الضمير فى «جعله» يعود إلى هذا المدد السماوي.. أي ما جعل الله هذا المدد السماوي الذي أمدكم به إلا بشرى للنصر الذي وعدكم به، ولتطمئن به قلوبكم، فلا يهولنّكم العدو وكثرة عدده، بعد

أن علمتم أن الله معكم، وأن إشارات النصر وبشرياته قد جاءت إليكم، تحملها ملائكة الرحمن التي بعثها الله لتقاتل معكم.. فهل يغلب من كان الله معه؟ وهل يهزم من كانت جنود الرحمن تقاتل فى صفوفه، ولو كان فردا يقاتل الناس جميعا؟ وهذه الجند المرسلة من السماء، ليست إلا ألطافا من ألطاف الله بكم فى هذا الموقف الحرج، ترون منها بشائر النصر، وتجدون فيها ريح السكينة والطمأنينة- أما النصر فهو بيد الله وحده، فهو الذي كتب لكم النصر، وليست الملائكة التي قاتلت معكم.. «إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» له سبحانه، العزة، يعزّ بها من يشاء، ويذل من يشاء، وينصر بها من يشاء، ويخذل من يشاء، حسب ما اقتضت حكمته.. هذا، وقد جاء المفسرون بكثير من الأخبار المروية عن الملائكة وقتالهم فى بدر، حتى لقد ذكر فى بعض الروايات، الصورة التي كان عليها الملائكة، وهم يقاتلون، والعمائم البيضاء التي يلبسونها، والخيل البلق التي يمتطونها، كما ذكرت روايات أخرى بعض أفعال الملائكة بالمشركين، وكيف كان بعض المقاتلين من المسلمين يهمّ بأن يضرب بسيفه رأسا من رءوس المشركين، فإذا به يجد هذا الرأس قد سقط عن جسده قبل أن يناله سيفه.. إلى كثير من تلك الأخبار التي يكثر فيها الخيال، حيث وجد القصاص مادة خصبة فى هذا الميدان الذي لم تشهد الحياة مثالا له.. فما أن أمسك القصاص بهذا الخبر السماوي الذي يحدث عن المدد الملائكى للمسلمين، حتى أطلقوا لخيالهم العنان، فنسجوا حول هذه الحقيقة العجيبة ما شاء لهم الخيال أن ينسجوه من عجائب وغرائب!. وفى قوله تعالى: «وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ» ما يقطع بأن هذا المدد

الملائكى لم يكن- كما قلنا- إلا قوى من قوى الحق، تظاهر الذين آمنوا وتثبّت أقدامهم، وتربط على قلوبهم، وبهذا يصبح الواحد من المؤمنين برجح عشرة من المشركين، كما يقول الله تعالى: «إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ» (65: الأنفال) . فوجود الملائكة بين المؤمنين هو مما يشد أزرهم، ويريهم فى أنفسهم أنهم أكثر من المشركين عددا، وأقوى قوة.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى «وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا» (43: الأنفال) فالمسلمون بهذا المدد الروحي يرون المشركين فى كثرتهم قلة، وبهذا يطمعون فيهم، ويثبتون لهم، على حين يراهم المشركون قلة كما هم فى قلتهم، فلا يفرون من بين أيديهم، حتى تقع الواقعة بهم، ويقتل منهم من يقتل ويؤسر منهم من يؤسر: «لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا» . فلو أن الملائكة كانوا هم الذين قاتلوا دون المؤمنين- لما كان للمؤمنين فضل فى هذه المعركة، ولما كان لهم شرف هذا البلاء الذي أبلوه فى هذا اليوم، بل ولما كان من النبىّ هذا الحال الذي استولى عليه ساعة بدء القتال، وهو الذي تلقى وحي السماء بهذا المدد الملائكى.. فإنه عليه الصلاة والسلام- يعلم أن هذا المدد لا يخلى المؤمنين من مسئولية حمل العبء فى لقاء المشركين، وإن كان من ورائهم تلك القوة السماوية التي تظاهرهم.. والله سبحانه وتعالى يقول: «إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ» . وقد جاءت هذه الآية فى غزوة أحد هكذا:

«وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» . (126: آل عمران) وبين الآيتين اختلاف فى النظم اقتضته الحال هنا وهناك. ففى آية بدر، جاء قوله تعالى: «وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى» على حين جاء هذا المقطع فى آية أحد: «وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ» ، مقيدا هذه البشرى بأنها للمؤمنين، وقد جاءت مطلقة فى آية بدر!. وحكمة هذا- والله أعلم- أن إطلاق البشرى فى «بدر» كان حيث لا حساب لأحد غير المسلمين فى هذه البشرى، إذ هى خالصة لهم، إذ كانوا جميعا فى وجه العدوّ صفّا واحدا، ويدا واحدة. أما فى «أحد» فقد انقسم المسلمون على أنفسهم، وهمّت طائفتان منهم أن تفشلا، وانحاز عبد الله بن أبى بن سلول بشطر كبير من المسلمين، وكانت قولته هو وأصحابه: «لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ» .. فجاءت البشرى هنا على غير إطلاقها للمسلمين جميعا، وإنما هى للذين واجهوا العدوّ فى أحد، والتحموا معه فى القتال.. فكان قوله تعالى: «وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ» إشارة إلى هؤلاء المؤمنين الذين وجّهوا وجوههم إلى لقاء العدوّ، دون هؤلاء الذين نكصوا على أعقابهم. وفى آية بدر جاء قوله تعالى: «وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ» وفى آية أحد: «وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ» وذلك لأن حاجتهم فى بدر إلى مجرد الاطمئنان كانت هى مطلبهم الذي يطلبونه فى تلك الحال، وينتظرونه من الأفق الذي سيطلع منه.. فالمطلوب أولا هو هذا الذي يبعث فيهم الطمأنينة، وقد جاءهم فى هذا المدد السماوي من ملائكة الرحمن.. وفى آية أحد كانوا قد عرفوا هذا الذي يطمئنهم، وعرفوا الأفق الذي

يجىء منه، فلم يكن ثمّة داع يدعو إلى تقديمه فى النظم، ليفصل بين الفعل وفاعله، فجاء النظم على الأسلوب المألوف. وفى آية بدر جاء قوله تعالى: «وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» وجاءت آية أحد: «وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» حيث جاء الخبر مؤكدا، فى آية بدر، على حين جاء مطلقا من غير توكيد فى آية أحد.. وذلك أن المسلمين فى بدر كانوا يواجهون أول وعد لله سبحانه لهم بالنّصر، فحسن أن يؤكد لهم هذا الوعد.. أما فى أحد فقد كانوا على يقين ثابت بوعد الله، الذي رأوا عزّته، وحكمته، رأى العين، فيما تحقق لهم من نصر يوم بدر.. وقوله تعالى: «إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ» . الظرف «إذ» هنا متعلق بقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» أي من مظاهر عزّة الله وحكمته فى هذا اليوم أن أرسل عليكم النّعاس، فغشيكم، وطرق عيونكم، ولبس أجسادكم، فكان ذلك من بواعث الأمن والطمأنينة لكم.. إذ لا يطوف النوم إلا حيث تكون السكينة، ويكون الاطمئنان. والأمنة: بمعنى الأمن، ولكنها قطعة من الأمن، وليست كلّ الأمن والضمير فى «منه» يعود إلى الله سبحانه وتعالى. وفى الحديث عن النعاس الذي غشّى المؤمنين يومئذ بأنه كان نعاسا، ولم يكن نوما، أو استغراقا فى النوم- إشارة إلى واقع الحال الذي كان يشتمل جوّ المعركة، من اضطراب النفوس، وجزع القلوب، وحيرة العقول، وأن من نعم الله الجليلة فى هذه الحال أن يطوف بالإنسان طائف من الأمن، بحيث يطرقه

النعاس، الذي يذهب بكثير من خواطر الجزع والقلق، ويكسب على كيان الإنسان الجسدى، والنفسي راحة وروحا، يستقبل بهما العدوّ، وهو أكثر نشاطا، وأثبت قدما، مما لو كان قد بات ليلة الحرب يعالج الهموم، ويحارب فى غير حرب، حتى يبدّد قواه، ويستهلك نشاطه، فيلقى العدوّ مهدّما محطّما.. وهذا النعاس- الذي غشى المسلمين- إنما كان ليلة الحرب، لا فى ميدان القتال، كما يرى ذلك بعض المفسّرين.. فإن النعاس مطلوب قبل الالتحام فى القتال، لا ساعة الالتحام، لأنه إعداد «للمعركة» وزاد من الاستجمام والنشاط يتزود به المقاتل.. أما وقوعه والمعركة دائرة والقتال محتدم، فهو عامل من عوامل الخذلان، لا عدّة من عدد النّصر.. والذي يؤيد أن هذا النعاس كان ليلة الحرب، وأنه كان نعمة من النعم التي ساقها الله للمؤمنين فيما ساق إليهم من نعم- الذي يؤيد هذا، أنه وصل بنعمة أخرى، صحبته، أو جاءت بعده، وهو نزول المطر فى تلك الليلة، كما يقول الله تعالى: «إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ» . وقوله تعالى: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ» . هو بيان لما ساق الله إلى المسلمين يوم بدر من أمداد نصره وتأييده.. فإلى جانب الملائكة المرسلة إليهم، كان النعاس الذي غشّاهم الله به، فطرقهم جميعا.. ثم كان هذا المطر الذي نزل عليهم، فتطهروا به من الحدث الأكبر والأصغر، فكانوا على طهارة ظاهرة، تلتقى مع طهارة نفوسهم، وصفاء

الآيات: (12 - 19) [سورة الأنفال (8) : الآيات 12 إلى 19]

نيّاتهم لله، والموت فى سبيل الله.. وبهذا ذهب عنهم رجز الشيطان ووسواسه، الذي كان يلقى فى روعهم أنهم لو قتلوا لماتوا على غير طهارة، وهذا الشعور من شأنه أن يبعث فيهم شيئا من التخاذل والفتور، عند لقاء العدوّ.. ولهذا جاء قوله تعالى: «وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ» فيكشف عن أثر هذا الماء الذي أنزل الله عليهم فطهرهم به، وأذهب عنهم رجز الشيطان وثبت به أقدامهم، حيث اطمأنت قلوبهم بعد أن طهروا، فثبتت أقدامهم فى موطن القتال، وسعوا إلى لقاء الله طاهرين! ومن جهة أخرى، فإن هذا الماء الذي أنزله الله عليهم ليلة القتال قد كان له أثره فى تماسك الأرض من تحت أقدامهم، حيث اختلط الرمل بذرات التراب، فلما أمسك المطر، وجفت الأرض صار وجهها طبقة صلبة أشبه بالطين اللازب، فثبتت عليه أقدامهم، بعد أن طهرت أجسامهم، واطمأنت قلوبهم.. الآيات: (12- 19) [سورة الأنفال (8) : الآيات 12 الى 19] إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (12) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (13) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (14) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ (18) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)

التفسير: قوله تعالى: «إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا» هو عطف بيان على قوله تعالى: «إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ» ولم يعطف على ما قبله عطف نسق، إذ كان الأمران كأنهما أمر واحد، إذ وقعا جميعا مرة واحدة، فلم يكن هناك فاصل زمنى بينهما. وذلك دليل على قدرة الله، الذي لا يشغله حدث عن حدث، والذي لا يغيّر من قدرته امتلاء الزمان أو المكان بالأحداث. وقوله تعالى للملائكة: «أَنِّي مَعَكُمْ» إشارة إلى أن الملائكة، وإن كانوا على قوة لا حدود لها بالنسبة لقوة البشر، إلا أنهم مع ذلك يستمدّون القوة والعون من الله سبحانه وتعالى، شأنهم فى ذلك أضعف مخلوقات الله، وأقلها حولا وحيلة. وقوله سبحانه: «فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا» بيان لما كان من الملائكة يوم بدر، وأنهم كانوا قوة معنوية، تبعث الطمأنينة فى القلوب، أشبه بالدرع الواقي الذي يلبسه المحارب، وإن لم يكن له شأن معه فى المعركة.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ» .

وقوله تعالى: «سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ» إشارة إلى ما وقع فى قلوب المشركين يومئذ من رعب، اضطربت له صفوفهم، وزاغت به أبصارهم.. وبهذا وذاك تمكّن المسلمون من رقابهم، وأوقعوا الهزيمة بهم. وقوله سبحانه: «فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ» هو دعوة للمسلمين أن يحصدوا هذا الزرع الذي أصبحت قطوفه دانية لأيديهم، وبهذا يضاف هذا المحصول كله لهم، ويحسب من عمل أيديهم.. وهذا فضل من الله عليهم، ورحمة واسعة من رحمته بهم. ولو شاء الله سبحانه أن يهلك المشركين من غير أن يبتلى بهم المؤمنين لفعل.. ولكن أين بلاء المؤمنين؟ وأين العمل الذي يضاف إليهم، ويؤجرون عليه؟ إنه من تدبير الله تعالى وحكمته، أن يبتلى الناس بعضهم ببعض، وذلك ليظهر فى كلّ إنسان ما عنده من خير أو شر، وبهذا تنكشف للناس وجوههم، وتتحدد مواقفهم. وفى قوله تعالى: «فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ» إشارة إلى ما ينبغى أن يتجه إليه ضرب المؤمنين فى جبهة المشركين، وهو أن يكون فى المواطن التي تخمد بها أنفاسهم، أو تشل حركاتهم، وذلك بضرب الرءوس التي عشّش فيها الشرك، وأفرخ فيها الضلال، وضرب تلك الأيدى التي كانت تمتد بالأذى إلى المسلمين، وها هى ذى تريد القضاء عليهم. وقوله تعالى: لِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» هو بيان للسبب الذي من أجله أمر الله المسلمين بضرب هؤلاء المشركين هذا الضرب الذي مكنهم الله به من رءوس أعدائهم.. فهم قد شاقّوا الله ورسوله، أي خالفوهما، وعصوا أمرهما.. وليس جزاء من يشاقق

الله ورسوله إلّا أن يلقى جزاءه عند الله، والله شديد العقاب. قوله تعالى: «ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ» هو خطاب للمشركين، والإشارة هنا إلى هذا العذاب الذي صبّه الله عليهم، وجرّعهم كئوسه على أيدى المؤمنين.. وذلك هو جزاؤهم فى الدنيا.. أما فى الآخرة فلهم أنكى وأمرّ.. إنه عذاب النار. وقوله سبحانه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ» هو درس للمؤمنين، يتلقونه فى هذا الموقف، الذي شهدوا فيه آيات الله، ورأوا بأعينهم أمداد نصره وتأييده، فليكن ذلك درسّا لهم يتلقون منه العظة والعبرة، وليصحبهم هذا الدرس فى كل موقف بعد هذا، يكون فيه بينهم وبين المشركين والكافرين قتال.. فهو نداء عام للمؤمنين، المجاهدين فى سبيل الله، بأن يثبتوا للعدو، وأن يلقوه لقاء جادّا مصمما على النصر، أو الاستشهاد فى المعركة، دون أن يدخل على أحد منهم شعور بالفرار من وجه العدوّ، أيّا كان الموقف، وأيّا كانت قوة المشركين وشوكتهم.. وقوله تعالى: «وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» .. هو وعيد شديد لمن يدخل على نفسه من المؤمنين شعور بالهزيمة، فينكص على عقبه، ويعطى العدوّ دبره، فى أي موقف من مواقف القتال بين المؤمنين والمشركين.. وقوله تعالى: «يومئذ» هو أىّ كان، لا يراد به يوم بعينه، كما يذهب إلى ذلك بعض المفسّرين بجعل، هذا اليوم خاصّا بيوم بدر.. وهذا فوق أنه غير متفق مع الدعوة العامة التي حملها القرآن الكريم إلى المؤمنين فى آيات كثيرة بالثبات فى الجهاد- غير متفق كذلك مع ترتيب الأحداث إذ أن سورة الأنفال، نزلت بعد بدر وأحداثها، وذلك باتفاق.

وحال واحدة هى التي يحقّ للمؤمن فيها أن يعطى العدو ظهره، وهو أن يتحرّف لقتال، أي يرى تغيير موقفه الذي هو فيه، ويتخيّر موقفا آخر، أمكن له، وأصلح لموقفه فى القتال، أو أن يتحيز إلى فئة من المؤمنين، فينتقل من جماعة إلى جماعة، حيث يرى فى ذلك مصلحة فى النكاية بالعدوّ.. فهذا التولّى بالوجه عن مواجهة العدوّ هنا، هو لحساب المعركة، لا لحسابه، ولا للضنّ بنفسه عن أن يواجه العدوّ، ولو كان فيه الموت. وفى التعبير عن الصدّ عن العدوّ، والفرار منه بتولية الدّبر، تشنيع على من يأتى هذا الفعل، وفضح له، إذ كان كأنما يكشف سوأته لعدوّه أو يعطيه دبره! وقوله تعالى: «فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى» هو إشارة إلى أنّ الله سبحانه وتعالى هو الذي مكنّ للمسلمين يومئذ من عدوّهم، وأن يد الله هى التي ضربتهم تلك الضربة القاضية، وأن المسلمين لم يكونوا إلا أسبابا ظاهرة، أجرى الله على أيديهم ما أخذ به عدوهم من بلاء فى هذه المعركة.. وكذلك ما فعله النبىّ يومئذ حين قبض قبضة من تراب فرمى بها فى وجه الكافرين، داعيا الله سبحانه أن يعمى أبصارهم، ويطمس على قلوبهم، ويأخذ على أيديهم.. فإن ذلك الذي كان من النبىّ لم يكن ليحدث أثره، إلا لأن الله سبحانه هو الذي جعل لهذه الرمية تأثيرها وأثرها.. وإذن فإن فوق يد المسلمين كانت يد الله.. وفوق يد النبي كانت يد الله.. وإذن فلا يحسب المسلمون أنهم بغير هذا المدد السماوي قد غلبوا عدوهم وقهروه، ولا يحسب النبىّ أنه برميته تلك التي رمى بها فى وجوه المشركين قد فتح للمسلمين طريق النصر، لولا أن يد الله تقبلت رميته وباركتها.. وفى هذا وذلك ما يشعر بأن الله سبحانه مع نبيه ومع المجاهدين معه.

وإذا كان الله سبحانه هو الذي مكّن للمسلمين من عدوهم، ومنحهم هذا النصر، فما ذلك إلا «لِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً» حيث أعطاهم أجر هذا العمل العظيم، الذي هو فى حقيقة الأمر لم يكن لهم يد فيه، فلو جرت الأمور على ظاهرها لكانت الدائرة عليهم، ولكان القتل والبلاء فيهم.. فليذكروا هذا، وليتزودوا منه يزاد الإيمان بالله، وعقد العزم على الجهاد فى سبيله.. «وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ» (40: الحج) . وفى وصف البلاء بأنه حسن إشارة إلى الوجه الآخر من وجوه الابتلاء وأنه قد يكون غير حسن كما يقول الله: «وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً» (35: الأنبياء) . فقد عافى الله المؤمنين من أن يبلوا بالقتل، وأن يمتحنوا بالأسر، فذلك مما يبتلى الله به المؤمنين، ويجزيهم عليه.. ولكن رحمة الله بالمؤمنين فى هذا الموقف الذي يلقون فيه الشرك لأول مرة، وينتصرون فيه لأنفسهم- جعلت الابتلاء بالخير دون الشر، وبالعافية دون البلاء.. فظفروا وانتصروا، وسلموا، وغنموا.. ورجعوا بالحسنيين جميعا.. المغانم فى الدنيا، والجنة ونعيمها فى الآخرة. وقوله تعالى: «ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ» . الإشارة هنا إلى ما لله سبحانه وتعالى من رعاية لأوليائه، وتمكين لهم من أعدائهم.. فأولياؤه، المجاهدون فى سبيله، هم أبدا محفوفون بنصره وتأييده، وأن ما يكيده الكافرون لهم لا يصل إليهم، إلا واهيا، ضعيفا، متخاذلا.. وقوله سبحانه: «إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ» .

هو تهديد ووعيد للكافرين، الذين يدلّون بقوتهم، ويعتزّون بكثرتهم.. فهاهم أولاء يشهدون بأعينهم كيف كان فعل الله بهم، وكيف أخذهم الله بيد أوليائه، ورماهم بالبلاء والذلة والهوان..؟ والاستفتاح: طلب الفتح، وهو النصر والغلب. والخطاب فى قوله تعالى: «إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ» هو للمشركين، وهو بلاء فوق البلاء الذي أصيبوا به فى يوم بدر.. فقد جاءوا مستفتحين، أي طالبين النصر والغلب.. فهذا هو النصر الذي طلبوه، وذلك هو شأنهم أبدا مع المؤمنين.. إنهم لن يرجعوا إلا بنصر هكذا النصر الذي انقلبوا به، يحملون الخزي والعار، ويتركون فى ميدان المعركة سادتهم وأشرافهم، أشلاء ممرغة فى التراب! وفى قوله تعالى: «وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ» فى هذا ما يكشف عن المستقبل المظلم الذي ينتظر المشركين، إذا هم أصرّوا على موقفهم من المسلمين، ولم ينتهوا عماهم عليه من بغى وعدوان، فإن كثرة عددهم، وشوكة قوتهم، لن تغنى عنهم شيئا، ولن تدفع قضاء الله فيهم.. وفى قوله تعالى: «وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ» تيئيس للمشركين من أنهم لن ينالوا من المسلمين منالا، وأن العاقبة للمؤمنين، لأن الله معهم.. فلينظروا.. هل ينتصرون على جبهة يكون الله معها؟ فليجربوا!! وقد جربوا فعلا، فكان هذا الذي سجله التاريخ للدعوة الإسلامية، وما كتب الله لأهلها من النصر والفتح المبين.. وكان هذا الوعد من القرآن الكريم فى مطلع الدعوة الإسلامية معجزة من معجزاته، فيما كشف به عن حجب الغيب، وأنباء المستقبل..

الآيات: (20 - 26) [سورة الأنفال (8) : الآيات 20 إلى 26]

الآيات: (20- 26) [سورة الأنفال (8) : الآيات 20 الى 26] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) التفسير: قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ» .. هو إلفات منه سبحانه إلى المؤمنين، ودعوة لهم إلى طاعته وطاعة رسوله، بعد أن أراهم نصره وتأييده، وأطلعهم على ما لقى المشركون وما سيلقون من خزى وخزلان.. وقوله تعالى: «وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ» تحذير للمؤمنين من أن يخرجوا عن طاعة الله، وأن يخالفوا الرسول فيما يسمعون من آيات الله، التي يتلوها عليهم.. وأن يكونوا كالمشركين أو المنافقين الذين يقولون سمعنا «وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ»

أي لا يستجيبون للرسول، ولا يمتثلون لما يسمعون منه، من أمر أو نهى.. وفى قرن الإيمان بالطاعة «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ» .. إشارة إلى أن الإيمان لا تقوم حقيقته إلا على الطاعة لما تحمل دعوة الإيمان من أوامر ونواه.. فالإيمان ليس مجرد إقرار باللسان، فإن الإقرار باللسان إذا لم يصدّقه العمل، كان نفاقا.. والله سبحانه وتعالى يقول فى ذم المنافقين: «يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ» (167 آل عمران) ويقول سبحانه محذرا المؤمنين من هذا الموقف: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ..» كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ» (3: الصف) والرسول صلوات الله وسلامه عليه، يكشف عن حقيقة الإيمان فيقول: ليس الإيمان بالتّمنّى، ولكن ما وقر فى القلب وصدّقه العمل.. وإن قوما خدعتهم الأمانى وغرهم بالله الغرور.. يقولون: إنا نؤمن بالله!! وكذبوا.. لو صدقوا القول لصدقوا العمل» .. وقوله سبحانه: «إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ» هو عرض لتلك الصورة المنكرة التي عليها هؤلاء المشركون، الذين يسمعون كلمات الله تتلى عليهم ثم لا يزيدهم ذلك إلّا ظلما وبغيا وفسادا.. فهم شرّ ما يدبّ على هذه الأرض من أحياء.. إذ كان شأن كلّ دابّة أن تسمع لصوت داعيها، وتستجيب لنداء من يهتف بها، داعيا أو زاجرا.. أما هؤلاء فهم شرّ من الدوابّ.. إذ هم صمّ: لا يسمعون، بكم: لا ينطقون، بهائم لا يعقلون.. وفى هذا يقول الله تعالى: َيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ» (7- 8: الجاثية) ..

ويقول سبحانه: «وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ» (26: الأحقاف) وقوله تعالى: «وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ» .. أي أن هؤلاء المشركين ممن ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة.. هكذا خلقهم الله، لا يقبلون خيرا، ولا يهتدون إلى خير.. «وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ» أي لو علم سبحانه أنهم يتقبلون الخير وينتفعون به، ويستقيمون عليه، لفتح أسماعهم إلى كلمات الله، ولأمسك آذانهم الشاردة على مورد هذه الكلمات.. ولكنهم لا ينتفعون بشىء مما يسمعون من كلمات الله التي تتلى عليهم، إذ كانت تلك الكلمات لا تعرف طريقها إلى مواطن الوعى والإدراك من قلوبهم وعقولهم، بل ترتدّ عنها كما يرتد مسيل الماء يصطدم بسد منيع.. «وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ» أي لو سمعوا كلمات الله، ونفذت إلى آذانهم، لما استقبلوها إلّا بالجد فى مجانبتها، والتولي عنها والفرار من بين يديها.. فهم لا يلتقون بها إلا وهم معرضون عنها، فإذا صافحت آذانهم نفروا وتولوا معرضين.. وفى هذا يقول الله تعالى: «فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ» «1» (49- 51: المدثر) . وقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» - هو نداء بعد نداء للمؤمنين، أن يقبلوا على الله، ويستجيبوا لله ولرسوله، وقد رأوا

_ (1) الحمر المستنفرة: المذعورة، الفزعة. والقسورة، الأسد..

إعراض المشركين عن الله، ونفورهم من دعوته، فكانوا عند الله شر الدواب وأنكدها حظّا. فالمطلوب من المؤمنين أن يستجيبوا لأمر الله وأمر رسوله، فيما يدعوهم إليه الرسول من أمر ربه. وهذا يعنى التسليم للرسول بالطاعة والولاء، فى كل ما يجيئهم به، ويدعوهم إليه. وفى قوله تعالى: «إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ» إشارة إلى أن ما يدعو به الرسول هو حياة للناس، واستنقاذ لهم من الهلاك والضياع.. والسؤال هنا هو: ما معنى «إذا» وهل هى شرطية، بمعنى أن المؤمنين لا يستجيبون للنبي إلا على هذا الشرط، وهو أن يدعوهم للذى فيه حياة لهم؟ وهل يدعو الرسول بغير ما يحمل الحياة إلى الناس من أمر الله؟ وهل للمؤمن أن يتوقّف عند أي أمر يدعوه الرسول إليه حتى يختبره ويصدر حكمه عليه، بعد أن يرى: إن كان فيه حياة له، أو لم يكن؟ وكيف والله سبحانه وتعالى يقول: «وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ؟» (36: الأحزاب) .. فما تأويل هذا؟. والجواب- والله أعلم-: أن هذا القيد الوارد على دعوة الرسول، والأمر بالاستجابة لتلك الدعوة على هذا الوصف، وهى أن تكون دعوة فيها حياة وخير، يصيب الإنسان فى جانبيه الروحي والمادي معا- نقول إن هذا القيد يحقق أمرين: أولهما: الدعوة إلى إيقاظ العقل، وحمله على النظر فى كل أمر يواجهه، أو

يدعى إليه، ليزنه بميزان الحق والخير، حتى ولو كان هذا الأمر واردا من جهة لا يرد منها إلا الحق المشرق، والخير الخالص. فذلك لا يحول بين العقل وبين أن يتفحص الأمر، ويقلّبه على وجوهه، ليعرف مدى الخير الذي يحصله، إذا هو أخذ بهذا الأمر، وجعله معتقدا، له، يعمل فى ظله، ويسير على هواه.. فهذا من شأنه أن يجعل لهذا الأمر سلطانا متمكنا فى كيان الإنسان إذ أقامه بيده، ومكّن له بإرادته، ونزل على حكمه طائعا مختارا، يرجو منه الخير، ويتوقع السلامة والعافية. ومن أجل هذا كان الإيمان الذي آمن عليه المسلمون الأولون، إيمانا راسخا متمكنا، جعل منهم أوتاد هذا الدين، وعمده، التي قام عليها صرحه، وامتدّت عليها ظلال دوحته. وهذا يعنى احترام العقل الإنسانى، وإعطاءه الحق فى البحث والنظر حتى فيما يصدر إليه من أحكم الحاكمين، رب العالمين.. وليس بعد هذا عذر لإنسان يمتهن إنسانيته، ويبيع عقله، ويسلم مقوده لكل داع يدعوه، من غير أن يعمل فيه نظره، ويوجه إليه عقله، كما هو حال أولئك المشركين الذين لا يبصرون إلى ما يدعوهم إليه شياطينهم، أو تمليه عليهم أهواؤهم، وإن كان فيه هلاكهم. وثانى هذين الأمرين: أن ما تحمله أوامر الشريعة وأحكامها هو الخير المطلق الذي لا يزداد على البحث والنظر إلا وضوحا وألقا. فمن المطلوب إذن أن تتعلق الأنظار بهذه الأوامر وتلك الأحكام، وأن تتحكك بها العقول، وتتردد عليها الأفهام، حتى تتعرف إلى أسرارها، وتنشق العبير الطيب من أريجها، وبهذا تعرف قدرها، فيشتدّ حرصها عليها، وتمسكها

بها.. وهكذا كل شىء طيب كريم، تتغذّى الأنظار من ترداد النظر فيه، وتنتعش النفوس من كثرة لقاء العقل له.. يزيدك وجهه عجبا ... إذا ما زدته نظرا وفى قوله تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» .. إشارة إلى ما لله سبحانه وتعالى من قدرة وعلم، وأنه بقدرته قادر على كل شىء، وبعلمه محيط بكل شىء.. فالإنسان لا يملك من أمر نفسه شيئا مع ما لله عليه من سلطان، حتى إن قلبه الذي هو بين جنبيه، والذي هو الجهاز الممسك بزمام الحياة فيه، واقع تحت سلطان الله، يصرفه كيف يشاء، ويحوّله إلى حيث يريد.. وإذا الإنسان فى واد، وقلبه فى واد آخر.. وإذ كان ذلك كذلك، فإن من السّفه أن يتحدى الإنسان أمر الله، ولا يستجيب له إذا دعاه إليه، ولا يطيع رسول الله إذا بلغه رسالة ربه، فإنه بهذا يهلك نفسه، إذ يحول بينها وبين الخير الذي يدعوها الله ورسوله إليه، ويقطع عنها شريان الحياة، كما يقطع الله سبحانه وتعالى عنه أسباب الحياة، حين يمسك قلبه فلا يخفق أبدا.. وقوله تعالى: «وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» . هو دعوة إلى التناصح بين المؤمنين، وإلى التناهى فيما بينهم عن المنكر، وإلا فإن سكوت الساكتين منهم، عن ظلم الظالمين وبغى الباغين، هو اعتراف ضمنى بهذا الظلم، وذلك البغي، وإجازة لهما، ومن هنا لم يكن ما يحل بالظالمين من بلاء الله ونقمته واقعا بهم وحدهم، بل يصيبهم ويصيب من رآهم ولم ينكر

عليهم تلك المنكرات، ولهذا عمّ الله بنى إسرائيل جميعا باللعنة، لأنهم لم ينصحوا الظلمة فيهم، ولم ينكروا ظلمهم، وفى هذا يقول الله تعالى: «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ» (78- 79: المائدة) . وهنا سؤال: كيف يؤخذ المحسنون بظلم الظالمين، والله سبحانه وتعالى يقول: «وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى؟» (18: فاطر) ويقول سبحانه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ؟» (105: المائدة) .. ويقول فى هذه الآية: «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ» .. فكيف يكون مع المتقين ثم يأخذهم بما أخذ به الظالمين؟. والجواب- والله أعلم-: أولا: أن سكوت غير الظالمين عن الظالمين هو وزر، له عقابه، فهم وإن لم يظلموا أحدا، فقد ظلموا أنفسهم بحجزها عن هذا المنطلق الذي تنطلق منه إلى رضوان الله، وإلى حماية أنفسهم وحماية المجتمع الذي هم فيه مما يشيعه الظالمون من فساد وضلال، وشر مستطير. وثانيا: أن قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ» هو حماية للمؤمنين من أن يجرفهم تيار المفسدين، وأن يسلموا زمامهم لهم، ويسلكوا معهم الطريق الذين سلكوه حين يستشرى الفساد ويغلب المفسدون.. فهنا يكون واجب المؤمن حيال نفسه أن يحميها أولا من هذا الوباء، وأن يمسك عليه دينه حتى لا يفلت منه فى زحمة هذا الفساد الزاحف بخيله ورجله..

ومع هذا، فإنه لن يعفى المؤمنين استشراء الشرّ من أن يقوموا بما يجب عليهم فى تلك الحال، من النصح، والتوجيه، والدعوة إلى الله، فهم أساة المجتمع لهذا الوباء الذي نزل به.. فإذا قصّروا فى أداء هذا الواجب كانوا بمعرض المؤاخذة والجزاء.. وثالثا: قوله تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ» هو توكيد لما يجب على المؤمنين من التناصح، والتناهى عن المنكر فيما بينهم، وإلا لم يكونوا من المتقين، ولم يحسبوا فيهم.. إذ كيف يكون المؤمن ممن اتقى الله، وهو يرى المنكر ولا ينكره، ويرى الظلم ولا يقف فى وجهه؟ ورابعا: إن المجتمع الإنسانى جسد واحد، وما يصيب بعضه من فساد وانحلال، لا بد أن يتأثر به المجتمع كله، كما يتأثر الجسد بفساد عضو من أعضائه وإنه كما يعمل المجتمع على حماية نفسه من الأمراض المعدية والآفات الجائحة، فيحشد كل قواه لدفع هذا الوباء، بتطبيب المرضى أو عزلهم- كذلك ينبغى أن يعمل على إخماد نار الفتن المشبوبة فيه، والضرب على أيدى مثيريها. وإلا امتد إليهم لهيبها، والتهمتهم نارها.. فحيث كان شر، فإنه لا يصيب من تلبّس به وحده، بل لا بد أن ينضح منه شىء على من حوله.. فكان من الحكمة دفع الشر ومحاربته فى أي مكان يطل بوجهه منه. قوله تعالى: «وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» . هو تذكير للمؤمنين بنعم الله، وأفضاله عليهم، إذ ألبسهم لباس الأمن والعافية، بعد أن كانوا قلة مستضعفين، تنالهم يد أعدائهم بالضرّ

الآيات: (27 - 31) [سورة الأنفال (8) : الآيات 27 إلى 31]

والأذى، فآواهم، وأيدهم بنصره، ومكّن لهم من عدوهم، وملأ أيديهم من المغانم.. وفى هذا ما يدعو المسلمين إلى الدعوة إلى الله، وإلى إصلاح الفاسدين، وإقامة المنحرفين، وهداية الضالين، حتى يكثر جمعهم، ويصبحوا أصحاب الكلمة فى مجتمعهم، فقد عرفوا القلّة، وما فيها من ذلة وهوان.. وهذا هو السرّ- والله أعلم- فى عطف هذه الآية على قبلها، إذ كانت الآية السابقة تدعو إلى التناصح والتواصي بالخير فيما بين المؤمنين، وكانت هذه الآية تذكيرا بما كان فيه المسلمون وهم قلة، وكيف صار بهم الحال بعد أن كثروا، وتضاعفت أعدادهم.. وهكذا كلّما ازدادوا كثرة، وازدادوا صلاحا وتقوى، كلّما مكّن الله لهم فى الأرض، وملأ أيديهم من طيباتها.. الآيات: (27- 31) [سورة الأنفال (8) : الآيات 27 الى 31] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (30) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31)

التفسير: نبّه الله المؤمنين فى الآية السابقة، ولفتهم إلى ما كانوا فيه من قلّة وذلّة، وما أصبحوا فيه من كثرة ومنعة وعزّة.. وذلك ليذكروا فضل الله عليهم، وليجعلوا ولاءهم خالصا له.. وفى قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» دعوة للمؤمنين إلى القيام بأمر الله، والتزام طاعته وطاعة رسوله، والوقوف عند الحدود التي بينها الله تعالى، فيما أنزل على رسوله من آياته وكلماته.. فالخروج على أمر الله، والخلاف لرسوله، هو خيانة لله ولرسوله، بعد أن علموا، وتثبتوا مما أمرهم الله به، أو نهاهم عنه.. ثم هو خيانة للمرء نفسه، إذ نقض العهد، وخان الأمانة التي ائتمنه الله عليها.. وهذا مقابل لقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ» . ففى هذه الآية دعوة إلى طاعة الله ورسوله، والاستجابة لما يدعوهم الرسول إليه، ويندبهم له، متى بلغت أسماعهم دعوته.. فالموقف هنا هو فيما بين المؤمنين والنبىّ، حال حياته منهم.. أما ما فى قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» فهو امتثال لأوامر الله، وما بيّنه الرسول الكريم للمؤمنين فى أقواله وأفعاله من أمورهم، وذلك فيما بينهم وبين أنفسهم، حيث لا يكون الرسول معهم، أو يكون الرسول قد أخلى مكانه من هذه الدنيا.. وحينئذ تكون أوامر الشريعة، وأحكامها أمانة أؤتمن الإنسان عليها، فإذا ضيع تلك الأمانة بخروجه على أحكام الشريعة، والعدوان على حدودها، فقد

خان الأمانة، وخان الله ورسوله، وخان نفسه، التي هى أمانة عنده، والتي يكون قد ضيّعها، حين عرضها فى معرض التهلكة، إذ عصى الله ورسوله.. قوله تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ» هو تنبيه للمؤمنين إلى مكمن الخطر، الذي تهبّ منه عليهم ريح السّموم، التي تعصف بإيمانهم، وتنحرف بهم عن الصراط المستقيم.. وفى الأموال والأولاد يكمن هذا الداء، الذي يجور على إيمان المؤمن، ويحمله على مركب الفتنة والضلال، إن لم يأخذ حذره، ويحرس نفسه من هذا العدو المتربص به. فللمال سلطان على النفوس، وشهوة غالبة على القلوب.. حيث لا حدّ للمال الذي يبلغ عنده الإنسان مبلغ الرضا والشبع، بل إنه كلّما ازداد الإنسان جمعا للمال كلما ازداد نهمه وجوعه، بل ازداد سعاره وكلبه، بحيث يصبح جمع المال همّه وغايته، فلا يبغى المال لتحقيق رغبة، أو إشباع شهوة.. وإنما رغبته هو المال نفسه، وشهوته هو المال، لا شىء سواه.. ومن كان هذا شأنه فلن يملأ عينه مال الدنيا كلها، لو اجتمع ليده.. كالحوت لا يكفيه شىء يلقمه ... يصبح ظمآن وفى الماء فى فمه وهذا هو موطن الفتنة، ومهبّ الشر من جانب المال.. فإذا لم يأخذ الإنسان.. حذره، ويصحب المال على خوف ومحاذرة، جرفته شهوة المال إلى لحجج الفتنة والضلال، فلا يعرف شاطىء الأمن والسلامة بعد هذا أبدا..

وللأولاد مثل ما للمال، من سلطان على الوالد، ومن تمكّن فى قلبه، واستيلاء على مشاعره، بحيث يحمله ذلك على أن يؤثرهما على نفسه، وأن يسوق إليهما كل ما وسعه جهده وحيلته، من ألوان البرّ والخير.. وتلك غريزة طبيعية فى الإنسان، بل وفى الحيوان.. وليس مما يحمد فى الإنسان أن تخمد هذه الغريزة أو تضعف، ولكن الذي لا يحمد، هو أن تجنح هذه الغريزة إلى جانب المغالاة، وتعدل بالإنسان عن الطريق السّوىّ، فيحمله ذلك على أن يقتطع من حقوق الناس، ليملأ يد أبنائه مما يشاءون، أو يشاء هو لهم. ومن هنا كانت لفتة القرآن الكريم إلى هاتين الشهوتين: شهوة المال، وشهوة البنين، وإلفات الناس إلى الحذر منهما، ومن الوقوع تحت سلطانهما.. وفى سبيل هذا الجهاد الذي يجاهد به المرء نفسه، فى مغالبة هاتين الشهوتين، يلقى المثوبة والرضوان من الله فى الآخرة، عوضا عما فاته من إشباع شهواته، فى الدنيا «وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ» . قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» . الفرقان: ما يفرّق به بين الشيئين، والمراد به هنا، القوة التي يفرق بها بين الحق والباطل.. وهذه الفرقان، أو تلك القوة إنما يمدّ بها الله أولئك الذين يتقونه، ويحرسون أنفسهم ويراقبونها من أن تتعدى حدوده.. ومن تقوى الله، حراسة النّفس من الشهوات المسلطة عليها، كشهوة المال والبنين، التي نبّهت إليها الآية السابقة..

وفى تقوى الله قوّة يجد منها الإنسان العون على مغالبة الأهواء، ودفع الشهوات أو كسر حدّتها.. وفى تقوى الله نور يهتدى به الإنسان، إلى مواطن الحق والخير، حيث يبدو له وجه الحق واضحا وضيئا، يدعوه إليه، ويغريه بالإقبال عليه، على حين يرى وجه الباطل كاسفا كئيبا، فيعرض عنه، ويفرّ منه. ومن هنا كان مع تقوى الله دائما، الهدى والنور، والمغفرة والرحمة، والفضل العظيم من رب العالمين.. حيث يكون الإنسان فى صحبة التقوى، على نور من ربّه، يميز به الحق من الباطل، فلا تتفرق به السبل، ولا يضل الطريق إلى الله أبدا.. قوله تعالى: «وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ» . الواو، هنا للاستئناف.. والخبر الذي بعدها مستأنف.. ومناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن تقوى الله تعين الإنسان على اجتياز الصعاب، ومغالبة النزعات، واحتمال الأرزاء.. وقد كان هذا هو موضوع الآية السابقة. وفى هذه الآية، المثل الكامل فى التزام طريق الحق، حيث يتصدّى النبيّ- وهو سيد المتقين- لما يسوق إليه المشركون من ألوان البلاء، وما يرمونه به من صنوف الإعنات والكيد، فيلقى ذلك صامدا صابرا، لا يثنيه الإغراء، ولا ينهنه الوعيد، حتى ليلقى قومه بتلك الكلمة الحاسمة الفاصلة، حين عرضوا عليه ما عرضوا من مال وسلطان: «والله لو وضعوا الشمس فى يمينى والقمر فى يسارى على أن أترك هذا الأمر ما تركته، أو أهلك دونه» !! فقد صمد

النبىّ الكريم أمام تلك الفتن العاصفة، التي كانت تهب من آفاق المشركين، ولم ينحرف عن طريقه القويم قيد شعرة. ومن مكر الذين كفروا بالنبيّ ما كشفه الله تعالى فى تلك الآية، وهو أنهم أرادوا به أكثر من شر، فإمّا أن يثبثوه، أي يفسدوا عليه أمره، ويعجزوه عن القيام بدعوته. أو يقتلوه إن هو أبى إلا أن يمضى فى طريقه، ويستمر فى دعوته، وأعجزتهم الوسائل المتاحة لهم عن الإمساك به دون أن يتحرك.. وإما أن يحملوه على أن يخرج من بينهم، ويترك موطنه الذي نشأ فيه.. هذا كان مكرهم، وذلك كان كيدهم. وقد أبطل الله هذا المكر، وأفسد هذا الكيد.. فجاء أمر النبىّ على خلاف ما أرادوا وقدّروا.. لقد حملوه على أن يهاجر من بينهم، ففاتهم بذلك حظّهم من نور الله، الذي جعله الله إلى قوم هم أولى به وأحق منهم.. ثم إن من دخل منهم فى الإسلام من بعد هذا، لم يكن فى المنزلة التي أخذها الذين سبقوا إلى الإسلام وهاجروا، أو أولئك الأنصار، الذين آووا ونصروا.. وفى قوله تعالى: «وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ» إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى إنما أخذهم بمثل فعلهم، وقتلهم بالسلاح الذي حاربوا الله ورسوله به.. والمكر: التدبير للأمر، وأخذ الوسائل المحققة له.. وقد يكون المكر شرّا، حيث يراد للشر والضلال، وقد يكون حسنا، إذا أريد به إحقاق حق، أو إبطال باطل.. وفى هذا يقول الله تعالى: «وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ» .

فالمكر الذي مكره المشركون بالنبيّ، هو من المكر السيّء، ولا حاجة إلى وصفه بالسوء، لأنه مما أبطله الله، وقلب على أهله تدبيرهم الذي دبروه.. وكفى بهذا شناعة وسوءا له. وقوله تعالى: «وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» . أي إن هؤلاء الكافرين الذين يمكرون بالنبيّ هذا المكر، ويدبّرون له هذا التدبير، لا يستمعون لكلمات الله ولا يعقلونها، ولو أنهم سمعوها وعقلوها لما كان منهم هذا الضلال الذي هم فيه، ولرأوا أن النبىّ لا يحمل إليهم إلا الهدى، ولا يدعوهم إلا للخير.. فهؤلاء الكافرون، إذا تتلى عليهم آيات الله لم يعطوها آذانا صاغية، بل تقع الكلمات على آذانهم كأنها أصوات لا مفهوم لها، ولهذا إذا قيل لهم استمعوا إلى كلمات الله، قالوا: قد سمعنا ما يكفى، ولسنا فى حاجة إلى أن نسمع جديدا، فما هذا الذي نسمعه إلا كلام من كلامنا، ولو أردنا أن نقول مثله لقلنا، وما يقصّه علينا من قصص: إن هو إلا أساطير الأولين، وخرافات السابقين، وإن عندنا من هذا شيئا كثيرا.. فليس يعجزنا- والأمر كذلك- أن نقول مثل هذا الذي يسمعنا إيّاه محمد من هذا الكلام الذي يقول إنه من عند الله، أو إنه من كلام الله!. والأساطير: جمع أسطور، وأسطورة، وهو ما كان من واردات شتّى، للخيالات والخرافات، وأصلها مما سطّره الأولون، وخلّفوه وراءهم مكتوبا فى ألواح مسطورة.. ولأن الأولين كانت لهم نظرة إلى الحياة وإلى الوجود

غير نظرة من جاءوا بعدهم، والذين رأوا فيما كان للأولين من علوم ومعارف، أنها أوهام وخيالات، لا تثبت لتجربة، ولا تستقيم على منطق. وقد وقع فى تقديرهم الخاطئ أن الله سبحانه إذا خاطبهم بكلماته، جاءت هذه الكلمات على غير الكلام الذي ألفوه، حتى يكون كلام الله شيئا يخالف منطق البشر! ولو فكروا قليلا فى هذا المنطق السقيم، لعرفوا أن أبلغ الخطاب ما جاء مطابقا لمقتضى الحال، وأن من أولى مقتضيات الحال فى مخاطبة الإنسان، أن يجىء الكلام على مستوى فهمه ومدركاته، وعلى حدود تصوراته وتخيلاته، وقبل هذا كله أن يكون باللسان الذي يحسن الفهم والإفهام به. ولو أنهم فكروا قليلا فى هذا الكلام الذي خاطبهم الله به، لوجدوا أنه وإن صيغ من لغتهم، ونظم من كلماهم، فإنه ينفرد وحده من بين كل ما نطقوا به من كلام، وما تحدثوا به من لغة، وأنه- وهو كلام، وكلام معروف لهم وجهه، وجار على ألسنتهم التعامل به- هو معجز مفحم، يتحدّى على الزمن كلّه، أرباب البلاغة، وسادة البيان أن يأتوا بسورة من مثله.. وقد نازلهم القرآن فى هذا الميدان، ودعاهم مرة بعد مرة، أن يلقوه على هذا الطريق، وأن يجيئوا بسورة أو بعض سورة من تلك الأساطير التي يقولون إنها مادة هذا الكلام، ونظام عقده، وقد ردّ الله تعالى عليهم بقوله: «أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ» (33- 34: الطور) . وقد خرسوا، وخرس معهم كل بليغ منطبق إلى يوم القيامة!.

الآيات: (32 - 35) [سورة الأنفال (8) : الآيات 32 إلى 35]

الآيات: (32- 35) [سورة الأنفال (8) : الآيات 32 الى 35] وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (32) وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (34) وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35) التفسير: «الواو» فى قوله تعالى: «وإذ قالوا» للاستئناف. ومناسبة الآية لما قبلها أنها تعرض حالا من أحوال المشركين، وتكشف عن وجه كريه من وجوه ضلالهم وسفههم.. فإنهم بعد أن رموا النبىّ بالكذب على الله، وأن ما جاءهم به ليس إلّا من أساطير الأولين، استملاها من علماء أهل الكتاب، وأنهم لو شاءوا أن يجيئوا بمثل ما جاءهم به لما كان عليهم إلا أن يرجعوا إلى علماء أهل الكتاب، ويردوا المورد الذي ورده، فيجيئون بمثل هذا الذي معه- إنهم بعد هذا، لم يقفوا عند هذا الحدّ، بل أمعنوا فى الاتهام والتكذيب، بأن طلبوا إلى الله أن يمطر عليهم حجارة من السماء أو يأتيهم بعذاب أليم، إن كان هذا الذي جاء به محمد حقا من عند الله!؟ وليس أبعد فى الضلال، ولا أسفّ فى السفه، من أن يحملوا أنفسهم على هذا المركب المشحون بالبلاء، المحمول على صدر بحر متلاطم الأمواج، عاصف

الريح، وقد كان بين أيديهم أن يستقلّوا السفين القاصد إلى شاطىء الأمن والعافية، السابح فوق صفحة ماء رقراق، المسيّر بيد ريح رخاء!. فماذا يدعوهم إلى هذا اللّجاج فى العناد، وإلى هذا التحدي لمنازلة البلاء؟ إنه لا شىء إلا الجهل الذي يعمى البصائر، وإلا الضلال الذي يطمس على القلوب! وماذا عليهم لو جعلوا دعاءهم إلى الله أن يهديهم سواء السبيل، وأن يقيمهم على طريق الحق، إن كان هذا الذي جاءهم به «محمد» هو الحق؟ إنهم لن يخسروا شيئا، لو كان الذي جاءهم به «محمد» هو قول تقوّله، أو أساطير اكتتبها.. فلو استجاب الله لهم لعافاهم من البلاء، ولصرف عنهم السوء.. وإنهم ليربحون الربح أعظم الربح، لو كان الذي جاءهم به «محمد» على غير ما ظنوا وتوهموا.. فكان الحقّ من عند الله، والهدى المحمول فى كلماته، والرحمة المرسلة مع آياته..!! ولكن القوم عتوا عتوّا كبيرا، وضلوا ضلالا بعيدا، فسألوا الله أن يمطر عليهم حجارة من السماء، أو يسوق عليهم البلاء المبين والعذاب الأليم! «وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» . هكذا يقولونها بملء أفواههم.. وهكذا يفعل الجهل بأهله، ويلجّ الضلال بأرباب الضلال!.

ولو أنهم كانوا على شىء من الحكمة والروية، لأخذوا موقفا غير هذا الموقف المشرف بهم على مهاوى الهلاك، ولأخذوا بهذا الأسلوب الحكيم الذي رسمه ذلك الرجل المؤمن من آل فرعون، فى نصحه للضالين المعاندين من قومه، إذ يقول لهم هذا القول الذي حكاه القرآن عنه: «وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ» . (28: غافر) وقد استحق القوم أن يدانوا بما دانوا به أنفسهم، وأن يأخذوا بما شاء الله أن يأخذهم به، وهو أن يمطر عليهم حجارة من السماء، أو يأتيهم بعذاب أليم، إذا كان هذا الذي جاءهم به «محمد» هو الحق من عند الله.. فكيف يكون حكم الله فيهم بعد هذا؟ لقد كان الله سبحانه وتعالى حفيّا بنبيه، الذي أرسله هدى ورحمة للعالمين، فلم يشأ- سبحانه- أن يأخذهم بالعذاب، وأن يعجل لهم العقوبة، والنبي الكريم بين أظهرهم، حتى لا يسوءه الله فيهم، ولا يحزنه بمصرعهم على يديه.. وفى هذا يقول سبحانه: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» وهكذا يفلت القوم من هذا البلاء الذي عرّضوا أنفسهم عليه، وألقوا بأيديهم بين يديه، فلم يعجل الله لهم العذاب، إكراما لرسوله الكريم، وحماية لحمى موطن تعطّره أنفاسه، ولأرض وطئتها قدماه! وأكثر من هذا، فإن هذا الفضل العظيم من الله سبحانه لا يرفع عن هذه

الأمة، بعد أن رفع نبيها إلى الرفيق الأعلى، بل إنه قائم فيها إلى يوم القيامة، ما دامت كلمة الاستغفار تجرى على شفاههم، كلما بعد بهم الطريق عن الله، وتغشاهم الجهل والضلال.. فإن طريقهم إلى الله مفتوح أبدا، ووجهتهم إليه مستقيمة دائما، إذا هم ذكروه، واستغفروا لذنوبهم، وعرضوا أنفسهم عليه، تائبين نادمين. اقرأ قوله تعالى: «وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» - فإنك ستجد فيها أنسام الرحمة والرضوان تهب على هذه الأمة، فتدفع عنها كل بلاء، وتصرف عنها كل جائحة. وهذا هو السر فى تخالف النظم بين قوله تعالى: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ» وبين قوله سبحانه: «وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» . فإن الفعل «يعذب» مقيد بزمن معين، وهو حال حياة النبىّ فيهم. أما اسم الفاعل «معذّب» فهو غير محدود بزمن، والقيد الوارد عليه هو قيد الاستغفار، وهو عتيد حاضر مع هذه الأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وقوله تعالى: «وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ» . الاستفهام هنا تهديدى، فيه نذير لهؤلاء المشركين الضالين، الذين يمسكون بما هم فيه من شرك وضلال، لا يستجيبون لله، ولا يدعون المؤمنين

يلمّون بالمسجد الحرام، ويوجهون وجوههم إلى ربهم، بل يصدونهم عنه، ويحولون بينهم وبينه. ثم إنهم من جهة أخرى، ليسوا أولياء الله، حتى يتجاوز لهم عن آثامهم تلك، شأن الولىّ مع من يتولاه، ويغفر له زلاته، ويلقاه بفضله وإحسانه.. فالله سبحانه وتعالى، لا يتولى إلا المتقين، الذين جعلوا لله ولاءهم، فآمنوا به وتعبدوا له، واستقاموا على شريعته: «إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ» .. و «إن» هنا نافية، بمعنى «ما» أي ما أولياؤه إلا المتقون، كما يقول سبحانه: «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ» . هذا، ويرى أكثر المفسرين أن الضمير فى قوله تعالى: «أولياءه» يعود إلى المسجد الحرام، أي وما كان المشركون أولياء المسجد الحرام، وأهل القوامة عليه.. ذلك أنه بيت الله، بل أول بيت وضع للناس، ومن هنا فإنه لا يستحق أن يكون قائما على خدمته، وحراسته، إلا أهل الإيمان والتقوى.. فكيف يدّعى هؤلاء المشركون القوامة على أمر هذا المسجد الحرام، وهم حرب عليه، وعلى الطائفين به، والمصلّين فيه من عباد الله المؤمنين.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ» (17- 18: التوبة) . فهل يعمر مسجد الله هؤلاء المشركون الذين يأتون المنكرات، ويصدون الناس عن سبيل الله، ويجعلون صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية، كما يقول الله سبحانه وتعالى بعد هذه الآية؟ وهذا الرأى الذي يقول به أكثر المفسّرين يتسع له النظم الذي جاءت عليه الآية الكريمة، كما يتسع للمعنى الذي

ذهبنا إليه.. فالمشركون ليسوا أولياء الله، ولا أولياء بيت الله. قوله تعالى: «وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» . المكاء: الصفير، ومنه قول عنترة: وحليل غانية تركت مجدّلا ... تمسكوا فريصته كشدق الأعلم أي تضطرب فريصته بالدم المتفجر، ويحدث من اضطرابها صوت كهذا الصوت الذي ينبعث من شدق البعير حين يرغو، وذلك من أثر الضربة النافذة، التي تشبه شدق البعير فى سعتها وعمقها. والتصدية: التصفيق، الذي ينبعث له صدى. والمعنى أن صلاة هؤلاء المشركين التي يؤدونها لأصنامهم عند البيت الحرام- هذه الصلاة ليست إلا ضربا من اللهو والعبث، حيث لا يجدون ما يقولونه لهذه الأحجار المرصوصة، وتلك الخشب المسندة! وإذ يعوزهم القول فى هذا المقام، وتنهزم فى كيانهم مشاعر الجدّ والوقار لهذه المعبودات التي يتعبدون لها- فإنه لكى يكون لصلاتهم تلك، صوت يسمع، وأثر يحسّ، وواقع يرى- فقد استجلبوا لها هذه الأصوات المنكرة، وتلك الجلبة العمياء، حتى حتى يداروا بها عوار هذه المظاهر الكاذبة، التي تفضح المستور مما يدور فى خواطرهم من هزء وسخرية، بتلك الآلهة التي يؤدون لها هذا الولاء الزائف، والذي لو انكشف مستوره لكان صفعا وركلا، ولكنه جاء صفيرا وتصفيقا، أقرب شىء إلى الصفع والركل.. (الصفع بالأيدى، والركل بالأرجل) . وفى قوله تعالى: «فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» إشارة إلى أن

الآيات: (36 - 40) [سورة الأنفال (8) : الآيات 36 إلى 40]

هذا الذي يأتونه، هو كفر بالله، وصدود عن سبيله، بتولية وجوههم إلى هذه السخافات، وقطع عمرهم فى هذا العبث، الذي يحسبونه عبادة، ويعدونه صلاة، يجزون عليها جزاء العابدين المصلين..!! والعذاب الذي قدم إليهم هنا ليذوقوه، وليطعموا منه، هو ما نزل بهم من هزيمة منكرة يوم بدر، وما أريق فيه من دماء ساداتهم وكبرائهم.. وتلك جرعات عاجلة، فى هذه الدنيا، ولعذاب الآخرة أقسى قسوة، وأمرّ مرارة.. الآيات: (36- 40) [سورة الأنفال (8) : الآيات 36 الى 40] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (37) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (38) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) التفسير: ومن ضلالات هؤلاء المشركين أنهم ينفقون أموالهم فيما يكيدون به لأنفسهم، ويصرفونها به عن الخير، ويوردونها به موارد الهلكة والبوار. ومن عادة العقلاء ألا ينفقوا أموالهم ألا فيما يعود عليهم منه خير، يجدونه

فى أنفسهم، أو فى أهليهم، أو فى المجتمع الإنسانىّ، خاصة أو عامة. أما أن يشترى الإنسان بماله ما يفسد حياته، ويغتال إنسانيته، ويدمّر وجوده، فذلك هو الذي لا يرى إلا فى عالم المجانين والحمقى. وهؤلاء المشركون قد بذلوا أموالهم فى سخاء، وقدموها فى رضى وغبطة، ليطفئوا بها نور الله الذي أرسله إليهم، وليخفتوا بها صوت الحق الذي بعثه الله ليؤذّن فيهم بآياته، فاشتروا بهذا المال الرجال والعتاد، وجعلوا من هذا جيشا جرارا ساروا به إلى النبىّ الكريم يوم بدر، يريدون القضاء عليه، وعلى الجماعة التي استجابت له، وآمنت بالله وبرسوله.. «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» .. هكذا فعل المشركون، وهكذا وجهوا المال الذي جعله الله فى أيديهم.. «فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً» .. وفى التعبير بفعل المستقبل عما فعلوه فى الماضي، تهديد ووعيد لهم، بأن الأموال التي سينفقونها فيما بعد على هذا الوجه الذي أنفقوه فيها فى موقعة بدر- ستكون عليهم حسرة، وستجرّ عليهم الخزي والبلاء كما جرته عليهم أموالهم التي أنفقوها فى تلك الموقعة.. حيث تذهب هذه الأموال من أيديهم، ثم تعود إليهم على هيئة رزايا ونكبات.. «ثُمَّ يُغْلَبُونَ» هو نذير لهم بما يلقاهم من مصير مشئوم، من هذا المال الذي أنفقوه، وانتظروا الثمر الجنىّ الطيب منه، بالنصر على المسلمين، واستئصالهم، وهذا ما لا يكون أبدا، ولن يكون إلا الهزيمة، وسوء المنقلب للمشركين. «وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ» .. وليست الهزيمة وحدها هى التي تنتظر هؤلاء المشركين، بل سيكون العذاب الأليم فى الآخرة هو مصير

أولئك الذين يمضون فى طريقهم هذا إلى النهاية، فلا يرجعون إلى الله، ولا ويؤمنون به وبرسوله.. وفى العطف «بثم» التي تفيد التراخي فى قوله تعالى: «فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً» وفى قوله سبحانه: «ثُمَّ يُغْلَبُونَ» إشارة إلى أن الحسرة والهزيمة قد لا يكونان بعد كل مال ينفقونه، فقد يقع للمشركين فى بعض مواقفهم من المسلمين ما يحسبونه نصرا، ويرونه وجها نافعا مثمرا لهذا المال الذي أنفقوه، كما كان فى موقعة «أحد» .. ولكن العبرة فى هذا بالموقعة الفاصلة، التي تنكس فيها راية الشرك إلى الأبد، ويخفت صوت المشركين إلى يوم الدين.. وذلك ما انتهى إليه الأمر بين المسلمين والمشركين، فقد دخل رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- يقود جيش الإسلام- دخل على الشرك فى حصنه فاتحا مظفرا، فأجلى عن البيت الحرام ما احتشد فيه من أصنام وأنداد، وألقى بها فى مسالك مكة ودروبها، تدوسها الأقدام، وتحيلها أشلاء ممزقة، يمر بها الناس كما يمرون بالجثث المتعفنة، يتساقط عليها الذباب، وترعى فيها الهوام والحشرات.. قوله تعالى: «لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» . أي أن هذا الصراع الذي يقع بين الحق والباطل، ويدور بين المحقين والمبطلين، هو ابتلاء واختبار، تتبين به مواقف الناس، وتعرف به وجوههم، حيث يجتمع المؤمنون إلى المؤمنين، وينحاز المشركون إلى المشركين والضالين، ويوفى كلّ حسابه وجزاءه.. وفى قوله تعالى: «وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ

فِي جَهَنَّمَ» إشارة إلى أن مجتمع الكفر والضلال، مجتمع فاسد ليس لإنسان فيه ذاتية، يتميز فيها إنسان عن إنسان، بعقله، ومدركاته، ومشاعره، كما يتميز عقلاء الناس، كلّ بإدراكه وإحساسه وشعوره.. فهم أشبه بقطيع من الحيوان، ليس لأحدها فى حقيقته ما يميزه عن غيره، إلا باللون أو الحجم، أما ما وراء ذلك فهى جميعها سواء فيه.. ومن هنا كان التعبير القرآنى: «وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ» أي يخلط بعضه ببعض خلطا لا حساب فيه لشىء، ولا تقديم لشىء على شىء، وإنما حكمها جميعا حكم حزمة الحطب يحتويها حبل واحد.. ثم كان التعبير القرآن «فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ» أي أن غاية هذا الجمع لتلك الجماعات الضالة هو إعدادها للوقود، وإلقاؤها فى جهنم. هكذا يفعل بالحطب حين يجمع، وحين يقدّم للوقود! وهكذا الخبيث من الأشياء، والنفاية من كل شىء، يلقى به.. بلا حساب ولا تقدير!. وقوله تعالى: «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ» هو تهديد، ووعيد لهؤلاء المشركين الذين أخزاهم الله يوم بدر.. فإن يكن فيما حدث لهم يوم بدر موعظة وعبرة، فيؤمنوا بالله، ويصدّقوا برسوله، ويصحبوا مؤمنين مع المؤمنين- إن يفعلوا ذلك قبلهم الله، وغفر لهم ما كان منهم من منكرات وآثام، وإن يعودوا إلى ما هم فيه من كفر وعناد، ومحادّة لله ورسوله، فقد عرفوا ما سيحل بهم من عذاب الله لهم.. فتلك هى سنة الله فى خلقه، وذلك هو حكمه على الظالمين الآثمين: الخزي والخذلان فى الدنيا، والعذاب والنكال فى الآخرة.. ولقد فتح الله باب التوبة والقبول لمن كان له مع نفسه مراجعة، وله إلى الله عودة.. فماذا ينتظر هؤلاء المشركون الذين ركبوا رؤوسهم، وأوشكوا أن يصبحوا فى الهالكين؟.

وقوله تعالى: «وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» . هو أمر للمسلمين، وبيان لموقفهم الذي يقفونه من المشركين، وهو الجدّ فى قتالهم، وأخذهم بالبأساء والضراء حتى تنكسر شوكتهم، وتضعف قوتهم، فلا تكون لهم يد على المؤمنين، ولا قوة على الوقوف فى سبيل الله، وصدّ الناس عنه، وفتنتهم فى دينهم، وحتى يكون الدين كله لله، لا شريك له مما يشرك به المشركون.. وهذا الأمر الموجه للمسلمين هو احتراس من أن يهادنوا المشركين، ويدعوا أمرهم إلى الله، ليقضى فيهم قضاءه الذي قضاه فى الظالمين من قبلهم. فهذا القضاء وإن كان واقعا لا محالة من قبل الله بأهل المنكر والضلال، إلا أنه مطلوب من أولياء الله أن يعملوا له، وأن يأخذوا بالأسباب المنفّذة لقضاء الله النافذ، ولحكمه الذي لا يردّ.. فذلك هو البلاء الذي ابتلى به المؤمنون، ليكون لإيمانهم أثره وثمرته التي يحصّلونها منه، وينالون الجزاء الحسن عليه.. وقوله تعالى: «فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» تأكيد لهذا الأمر الذي أمر الله به المسلمين، من الجدّ فى جهاد المشركين، وأن الله مطلع على ما يكون منهم من بلاء فى الاستجابة لهذا الأمر، وصدق فى الوفاء به، حتى يكون من المشركين انتهاء عن محاربة الله، بعد أن يضربهم المسلمون الضربة القاضية.. وقوله سبحانه: «وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ» ..

هو تطمين للمؤمنين، وتقوية لعزائمهم على مواجهة الكافرين، ولقائهم تحت راية القتال، إذا هم أصروا على ما هم فيه من كفر، ومن محادّة لله ولرسوله وللمؤمنين.. فليثبت المؤمنون فى موقفهم هذا من الكافرين، وليقاتلوهم قتالا لا هوادة فيه، حتى لا تكون فتنة ويكون الدّين كله لله، والله سبحانه وتعالى يتولى المؤمنين، ويمدّهم بنصره وتأييده، ومن كان الله مولاه وناصره فلن يهن أبدا، ولن يخذل أبدا. وقوله تعالى: «نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ» إما أن يكون صفة لله سبحانه، وصف بها ذاته، وإما أن يكون مقولة للمؤمنين، يلقون بها هذا الفضل العظيم الذي فضل الله عليهم به، فيما آذنهم به فى قوله: «فاعلموا أن مولاكم» ويكون هذا تلقينا من الله لهم، ولسان شكر يؤدون به لله بعض ما وجب عليهم لله، إزاء هذا العطاء الكريم الجزيل.. وإما أن يكون ذلك مقولة للوجود كله، نطق بها كل موجود، إذ سمع قول الله تعالى للمؤمنين: «فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ» فسبح الوجود كله بحمد الله، ليكون له نصيبه من تلك الولاية، التي تولى بها الله المؤمنين من عباده.. «أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» .. فانضم الوجود كله إلى المؤمنين وشاركهم الاستماع إلى هذا الخطاب الكريم من رب كريم: «فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ» فقال الوجود كله: «نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ» ..

الآيات: (41 - 44) [سورة الأنفال (8) : الآيات 41 إلى 44]

الآيات: (41- 44) [سورة الأنفال (8) : الآيات 41 الى 44] وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44) التفسير: فى أول هذه السورة جاء قوله تعالى: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ» .. جاء هذا القول حكما فى شأن الأنفال التي وقعت لأيدى المسلمين فى غزوة بدر.، وقد بينا فى شرح هذه الآية أن المسلمين قد اختلفوا فى شأن هذه الأنفال، فكان أن انتزعها الله من أيديهم ووضعها فى يد الرسول، ليضعها حيث يرى. وقد سمّى القرآن الكريم هذه «الغنائم» أنفالا، لأنها جاءت للمسلمين على غير تقدير منهم، حيث كانوا قلة فى وجه العدوّ، الذي جاء بجيش جرار، يريد استئصالهم بضربة قاضية.

ولكن الله- سبحانه- صنع للمسلمين فى هذه المعركة، وأراهم نصره وتأييده لأوليائه.. فكانت يد الله هى التي ردّت عنهم هذا العدوّ، وهى التي أظفرتهم بقريش، وما خلّفت وراءها فى المعركة من عتاد ومتاع، وكان المنتظر أن يكون المسلمون غنيمة ليد المشركين يومئذ، لا أن يكون المشركون غنيمة لهم. إذن فهذه المغانم التي وقعت لأيدى المسلمين هى «أنفال» .. والأنفال: جمع نفل، وهو ما جاء زائدا عن المطلوب.. ومنه النوافل فى الطاعات والعبادات، وهو ما جاء زائدا عن المطلوب.. ومن هذا قوله تعالى للنبىّ الكريم: «وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً» (79: الإسراء) فتهجد النبي بالقرآن الكريم فى الليل هو تكليف خاص بالنبي، ليرفعه الله بهذه العبادة الواجبة عليه مقاما فوق مقامه.. أما المسلمون فلهم فى النبي الكريم الأسوة والقدوة.. وعلى هذا فالتهجد بالقرآن أمر مطلوب من المسلمين على سبيل الاستحباب لا الوجوب، وليس الشأن هكذا بالنسبة للنبى الذي اختصه الله بهذا التكليف، فجعل التهجد بالقرآن فرضا عليه. ومن ذلك قوله تعالى عن إبراهيم- عليه السلام-: «وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ» (72: الأنبياء) . فإسحق هو ابن إبراهيم، وقد جاءه على كبر، بعد أن بلغ هو وامرأته سنّ اليأس.. فهو أشبه بالنافلة، لأنه جاء على غير انتظار.. وكذلك «يعقوب» وهو ابن إسحق، وقد بشّر به إبراهيم كما بشر بإسحاق.. فهو نافلة النافلة، إذ لم يكن إبراهيم يرجو أكثر من أن يكون له ولد.. أما ولد الولد فهو أبعد ما يكون عن توقعه والتطلع إليه، بعد أن بلغ من الكبر عتيّا.

نقول هذا لنتبيّن الفرق بين «الأنفال» و «المغانم» .. إذ كانت «الأنفال» قد وقعت لأيدى المسلمين يوم بدر على غير ما يتوقعون.. أما المغانم التي سيغنمها المسلمون فيما بعد، فهى عن بلاء وعمل ظاهرين منهم، حيث يستقلّ المسلمون بأمرهم- بعد بدر- فى لقاء العدوّ، دون أن يلتفتوا إلى أمداد من الملائكة تقاتل معهم، كما رأوا ذلك فى «بدر» ، وإن كان تأييد الله وعونه لهم غير منقطع عنهم أبدا.. فهذه المغانم التي غنمها المسلمون يوم بدر أقرب إلى الأنفال منها إلى المغانم، ولهذا سمّاها الله سبحانه وتعالى «أنفالا» ليذكر المسلمون بهذه التسمية ما كان لله من فضل عليهم فيها. وإذن فقوله تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ» .. ليس ناسخا لما جاء فى أول السورة فى قوله تعالى: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ» .. كما يقول بذلك أكثر المفسّرين.. فهذه الآية تقرر حكما فى شأن الغنائم، أما آية أول الأنفال، فهى خاصة بحكم الأنفال.. وفرق بين الغنائم والأنفال.. وإذن فلا تناسخ بين الآيتين. والأنفال- كما قلنا- هى التي تقع ليد المسلمين من غير قتال، أو بقتال لم يكونوا فيه إلا مظهرا تختفى وراءه يد الله التي تكتب لهم النصر، وتمنحهم الغلب. ولهذا، فقد ظلّ حكم الأنفال قائما، إلى جوار الحكم الخاص بالغنائم.. فكان ما يقع للمسلمين من غير بلاء هو «أنفال» يكون أمرها لله ولرسول الله.. وما يقع لهم من غنائم فهو على الحكم الذي بينته الآية الكريمة: «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ.. الآية» والتي سنعرض لشرحها بعد قليل. ففى غزوة خيبر سلّم اليهود للنبىّ والمسلمين من غير قتال، وذلك بعد

أن سار إليهم النبىّ والمسلمون بعد صلح الحديبية، فلما استشعروا الهزيمة والهلاك أعطوا يدهم واستسلموا صاغرين.. وفى هذا نزل قوله تعالى: «إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً» .. وقد اعتبرت مغانم خيبر أنفالا، كلها ليد الرسول، ينفقها فيما أمره الله به أن ينفقها فيه.. وفى هذا يقول الله تعالى: «وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ «1» عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» .. ثم يقول سبحانه بعد هذا: «ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (6- 7: الحشر) . فقد جعل الله سبحانه الفيء هنا كلّه لله وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين، ولم يجعل فيه نصيبا مفروضا للمجاهدين، حيث لم تقع حرب، ولم يكن قتال.. نعود بعد هذا إلى شرح الآيات: فقوله تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ» هو بيان لحكم الله فى الغنائم التي يغنمها المجاهدون بسيوفهم فى القتال.. فهى ثمرة عاجلة من ثمرات جهادهم.. ولو كان القتال لحسابهم لكانت هذه المغانم كلها لأيديهم، وأمّا وهم إنما يقاتلون لحساب الإسلام، ولإعلاء كلمة الله، فقد وجب أن يكون لله حقّ فى هذه المغانم، بل وجب أن تكون هذه المغانم كلّها

_ (1) قوله تعالى: «فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ» أي فما هجمتم عليه بخيل ولا ركاب، أي إبل.. وأصل الوجيف الاضطراب، ومنه قوله تعالى: «قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ» . وهذا هو شأن الخيل والإبل وخفقها فى السير.

حقّا لله.. ولكن الله- سبحانه وتعالى- عاد بفضله على المجاهدين، فعجّل لهم هذه الثمرة من جهادهم، وجعلها حظّا مشاعا بينهم، بعد أن يخرج منها الخمس الذي هو لله ولرسوله ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. فالمغانم التي يغنمها المجاهدون فى القتال تقسمّ هكذا: الخمس: لله ولرسول.. ولذى القربى.. واليتامى.. والمساكين.. وابن السبيل.. فهذا الخمس من الغنائم موزع على خمسة أقسام: قسم لله.. وما كان لله فهو لرسول الله.. وقسم لذوى القربى من رسول الله.. من بنى عبد المطلب وبنى هاشم.. وثلاثة أقسام للفقراء والمساكين وابن السبيل.. أما أربعة الأخماس الباقية من المغانم بعد مخرج هذا الخمس منها، فهى للمجاهدين الذين قاتلوا على تلك الغنائم.. تقسم بالسويّة بينهم.. لكل مقاتل سهم.. وفى التسوية بين المجاهدين، مع اختلافهم فى القوة والضعف، حيث يكون فيهم من يرجح بعشرات الأبطال، على حين يكون فيهم من هو دون ذلك بكثير- فى هذه التسوية احتفاء بالجهاد من حيث هو جهاد، وتكريم للمجاهدين من حيث هم على نية الجهاد، وفى ميدان القتال، ومعرض الاستشهاد.. فهذا هو الذي يحكم النّاس فى هذا المجال.. أما فضل بعض المجاهدين على بعض فى البأس والقوة، والنكاية بالعدوّ، فذلك- وإن كان له حسابه وجزاؤه- إلا أنه لا يصحّ أن يكون بالمكان الذي يجعل من المجاهدين درجات، ومنازل.. فهم جميعا على درجة واحدة، مع تلك النيّات التي انعقدت منهم على الجهاد، ومع هذا الموقف الذي واجهوا فيه الاستشهاد فى سبيل الله..

وقد وقع فى نفس بعض المسلمين شىء من هذا، بل ربّما كان ذلك من أقويائهم وضعفائهم على السواء.. حين نظر بعض الأقوياء فرأوا أن فى التسوية بينهم وبين الضعفاء فى الغنائم غبنا لهم من الجانب المادىّ، الذي ربّما ينسحب على الأجر الأخروى.. على حين نظر الضعفاء إلى حظّهم المادىّ الذي تساووا فيه مع الأقوياء، فوقع فى أنفسهم أن ذلك ربّما لا ينسحب على حظهم الأخروى، فلا يكون لهم من الجزاء الأخروى ما لإخوانهم الأقوياء..! روى أحمد فى مسنده عن سعد بن أبى وقاص، قال: قلت: يا رسول الله.. الرجل يكون حامية القوم.. سهمه وسهم غيره سواء..؟ فقال: «ثكلتك أمّك ابن أمّ سعد! وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم؟» . ثم كان من عمل الرسول بعد أن اتصل التحام المسلمين بالمشركين أن جعل للفارس سهمين: له سهم، ولفرسه سهم.. أما الراجل فله سهم واحد.. وذلك ليستحثّ المسلمين على اقتناء الخيل، وإعدادها للقتال، لتكون سلاحا عاملا منهم فى الجهاد، ولهذا جاء قوله تعالى: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ» - جاء قوله تعالى هنا منبها إلى قيمة الخيل، وملفتا النظر إلى آثارها فى ميدان الحرب، وأنها- وعليها فرسانها- مصدر رهبة، ومثار فزع ورعب للعدوّ، الأمر الذي إن تحقق للمسلمين فى عدوّهم كان أول ضربة، يصيبون بها العدوّ فى مقاتله.. هذا، وقد اختلف فى الخمس الذي كان للرسول، مع الخمس الذي كان لقرابته، مما جعله الله لهما فى خمس الغنائم الذي توزع إلى خمسة أخماس.. وذلك بعد وفاة الرسول صلوات الله وسلامه عليه. أما خمس الرسول، فهو خمس الله الذي أضافه الله سبحانه إلى رسوله.. وعلى هذا يضاف هذا الخمس إلى ثلاثة الأخماس التي لليتامى والمساكين وابن السبيل..

وأما خمس ذوى القربى فقد أباه أبو بكر رضى الله عنه عليهم بعد وفاة النبىّ، واعتبره ميراثا.. فقد كان النبىّ ينفق منه على ذوى قرابته، فلما توفّى- صلوات الله وسلامه عليه- لم يكن لذوى قرابته حق فيه، عملا بقول الرسول الكريم: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث.. ما تركناه صدقة» . وقد أخذ عمر بهذا بعد أبى بكر، كما أخذ به عثمان، ثم علىّ.. رضى الله عنهم، وأبى علىّ كرم الله وجهه أن يخرج على ما سار عليه الخلفاء الراشدون قبله.. وإن كان من رأيه- كاجتهاد له- أن خمس ذوى القربى حقّ لهم بعد الرسول، كما هو حق لهم فى حياته. وبهذا الرأى أخذ الإمام الشافعي، وبعض الأئمة، كما أنه هو الرأى المعتمد عند الشيعة. وقوله تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» .. هو توكيد لتلك الدعوة التي دعى إليها المجاهدون من الله سبحانه، بأن يجعلوا مما يغنمون.. خمس هذه الغنائم، لله وللرسول، ولذى القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل.. فهذا الحكم الذي قضى به الله سبحانه، هو دعوة منه سبحانه إلى من آمن به.. فإن من شأن من آمن بالله أن يتقبل أحكامه راضيا مطمئنا، لا يطوف بنفسه طائف من الضيق أو الحرج.. والإسلام حريص أشدّ الحرص على سلامة نفوس المجاهدين، وتصفيتها من أية شائبة تعلّق بها فى هذا الموطن، الذي ينبغى أن يكون المسلم فيه، على ولاء مطلق للقضية التي يقاتل فى سبيلها، ويستشهد راضيا قرير العين من أجلها، الأمر الذي لا يتحقق إذا تسرب إلى النفوس شىء من دخان الضيق أو الشك. ولهذا، فإن من تدبير الحكيم العليم فى هذا، أنه بعد أن شدّ المؤمنين إلى الإيمان الذي وصلهم بالله، وأقامهم على الجهاد فى سبيله- ذكّرهم بما يمدّهم به من

أمداد عونه ونصره، وهم فى مواجهة العدوّ، وفى ملتحم القتال معه، وأنّهم إنما ينتصرون على أعدائهم بتلك الأمداد التي يمدّهم الله بها.. فإن نسوا هذا فليذكروا ما أنزل الله على عبده «يَوْمَ الْفُرْقانِ» أي يوم بدر، حيث كان يوما فارقا بين الحق والباطل.. بين الإيمان والكفر.. «يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ» جمع المسلمين، وجمع الكافرين.. فقد شهد المسلمون فى هذا اليوم كيف كانت أمداد السّماء تتنزل عليهم، وكيف كانت آثار هذه الأمداد فى عدوّهم، وفى دحره وهزيمته.. «وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» لا يعجزه شىء، فإن بيده- سبحانه وتعالى- مقاليد كل شىء: يعزّ من يشاء ويذل من يشاء، وينصر من يشاء، ويهزم من يشاء: «وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» .. فالذى أنزله الله على عبده يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان، هو هذا المدد السماوي من الملائكة.. وإيمان المسلمين بهذا المدد: هو التصديق بنزول الملائكة ومظاهرتهم لهم فى هذا اليوم.، فهذا خبر جاء به القرآن يجب على كل مؤمن أن يؤمن به! وقوله تعالى: «إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ» . «إذ» ظرف متعلق بقوله تعالى: «وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ» .. أي أن هذه الأمداد التي أمدّ الى بها «عبده» محمدا صلوات الله وسلامه عليه، كانت فى ذلك الوقت الذي واجهتكم فيه قريش بقوتها العارمة، تريد أن تضربكم الضربة القاضية.. وقد كنتم «بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا» أي على الجانب الأدنى من الوادي، وهو الجانب الذي يلى المدينة، على حين كان المشركون «بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى» أي بالجانب الآخر من الوادي، وهو الذي يلى مكة.. «وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ» أي العير التي كانت مع أبى سفيان، وقد أفلت بها من يد المسلمين

- كانت لا تزال وراء الوادي تحمى ظهر العدوّ، وتشدّ عزمه على الدّفاع عنها، والموت دونها.. هكذا كان الموقف يومئذ: المسلمون وظهرهم إلى المدينة، والمشركون وظهرهم إلى العير التي يقاتلون من أجلها، وإلى مكة التي تنتظرهم عائدين إليها بالعير وبالنصر معا.. قوله تعالى: «وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا» أي لو كان هذا الموقف عن مواعدة بينكم وبين قريش، لما وقع على تلك الصورة التي جاء عليها كما وقعت، ولما حدثتكم أنفسكم بالخروج للقاء العدوّ وأنتم فى هذا العدد القليل وتلك العدة الهزيلة، ولوقع بينكم الخلاف والتخاذل عن هذا الموقف.. وهكذا دفع الله بكم إلى لقاء العدوّ عن غير اختيار منكم، وذلك «لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا» أي لينفذ قضاؤه فيما أراد كما راد، وتقع هذه المعركة، ويمدّكم الله فيها بأمداد النصر، وأنتم أبعد ما تكونون عنه. قوله تعالى: «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» أي فى الصدام بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر، تتحدّد مواقف النّاس، وينزل كلّ منزلته التي يستحقها، وهو على بيّنة من أمره، سواء أكان فى موكب الحق، أو فى مربط الباطل والضلال.. «وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ» يسمع ما تتحرك به الألسنة، ويعلم ما تنطوى عليه الصدور. قوله سبحانه: «إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» . ومن تدبير الله فى إنجاز هذا اللقاء الذي بينكم وبين المشركين أنه سبحانه أرى النبىّ فى منامه جيش قريش فى أعداد قليلة، وبهذه الرؤيا أخبركم النبىّ،

وأطمعكم فى العدوّ، فسرتم إلى لقائه، ولولا هذا لانحلّت عزائمكم، وفترت همتكم و «لفشلتم» أي خفتم وجبنتم، «وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ» فقال بعضكم بقتالهم، وقال آخرون بألّا قبل لكم بقتالهم.. «وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ» إذ أطمعكم فى القوم بعد هذه الرؤيا التي أخبركم النبىّ بها، فلم يقع منكم ضعف عن لقاء العدوّ، ولا تنازع فى الالتحام معه فى ميدان القتال.. «إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» أي يعلم ما انطوت عليه الصدور، وما تلبّست به المشاعر. والسؤال هنا: هل كانت رؤيا النبي لجيش المشركين فى المنام على هذا الوجه الذي رآه عليها، من القلّة فى الرجال والعتاد- هل كانت هذه الرؤيا تمثل الواقع؟ وإذا لم تكن ممثلة له- كما هو الواضح- فكيف يرى الرسول الأمر على خلاف الواقع؟ ثم كيف يكون شأنه مع ذلك الذي رآه على خلاف واقعه إذا هو رآه رأى العين على ما هو عليه؟ ألا يحدث ذلك انفصالا عنده بين هذا الذي رآه فى منامه، وذلك رآه فى يقظته؟. والجواب على هذا: أن الرؤيا التي ترى فى المنام ليست هى الواقع فى ظاهره، وإنما هى- إذا كانت صادقة، كما هو الشأن فى رؤياء الأنبياء- هى الواقع فى مضمونه ومحتواه.. وإن كان بين الظاهر والمضمون ما بينهما من بعد بعيد فيما تراه العين منهما.. فالرؤيا الصادقة تمسك من الواقع بأعماقه وصميمه، دون أن تمسك بشىء من ظاهر هذا الواقع!. فقد رأى إبراهيم عليه السلام فى المنام أنه يذبح ابنه «إسماعيل» ، ومع هذا، فإنه لم يذبحه، بل الذي ذبحه فعلا هو ذبح عظيم، أي كبش، جعله الله فداء لذبح إسماعيل، ومع هذا، فقد صدّق إبراهيم الرؤيا وحقق مضمونها.. وذلك

لأنه قدّم ابنه للذبح فعلا، وأضجعه على وجهه، كما تضجع الشاه للذبح! فماذا بقي بعد هذا من دواعى الاستجابة لأمر الله، وإنفاذ ما كلّفه به؟ إنه لا شىء إلا صورة ظاهرية، يرى منها إبراهيم دم ابنه وقد أريق، وروحه وقد أزهق. وإن كان إبراهيم قد رأى ذلك الدم يراق، وهذا الروح يزهق، رأى ذلك بمشاعره وأحاسيسه، وبما وقع على هذه المشاعر وتلك الأحاسيس من ألم وحزن، تلقاهما إبراهيم بالصبر على المكروه، والرضا المطمئن بقضاء الله وقدره.. فهذه الرؤيا كما رآها إبراهيم مناما، هى الواقع كما وقع مضمونا، وإن لم يكن كما وقع ظاهرا وحسّا. كذلك رأى النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- أكثر من رؤيا منامية، يختلف واقعها الظاهر عن مضمونها الذي تقع عليه، وإن التقى الظاهر والمضمون آخر الأمر فى الدلالات والآثار.. فقد رأى النبي- صلوات الله وسلامه عليه- رؤيا منامية ليلة غزوة أحد، رأى ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنى قد رأيت والله خيرا..» رأيت بقرا لى تذبح، ورأيت فى ذباب «1» سيفى ثلما، ورأيت أنى أدخلت يدى فى درع حصينة.. فأما البقر فهى ناس من أصحابى تقتلون، وأما الثّلم الذي رأيت فى ذباب سيفى، فهو رجل من أهل بيتي يقتل.. وأما الدرع الحصينة فهى المدينة» . ورأى- صلوات الله وسلامه عليه- ما رواه أبو سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس على منبره، وهو يقول: «أيها الناس قد رأيت ليلة القدر ثم أنسيتها، ورأيت في ذراعى سوارين،

_ (1) ذباب السيف: حده الذي يضرب به. والثلم: العطب الذي يلحق حد السيف، والخلل يحدث لأى شىء.

فكرهتهما، فنفختهما فطارتا، فأوّلتهما هذين الكذابين» .. وهما مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي.. اللذان ادعيا النبوّة.. وهنا.. هذه الرؤيا التي رآها النبىّ، من قلّة جيش المشركين فى غزوة بدر، هى فى الواقع صورة صادقة لهذا الجيش، ودلالة ناطقة تحدث بجميع الدلالات التي يدل عليها.. فهو جيش كثير كثيف فى ظاهره، ولكنه قليل ضئيل فى مضمونه وصميمه.. هكذا كان تأويل هذه الرؤيا، وقد جاء الواقع ناطقا بأبلغ بيان وأروع وأسلوب بصدق هذا التأويل!. فلقد انهزم هذا الجيش الكثير الكثيف بيد تلك القلّة القليلة، ومنى منها بالخزي والخسران- بما لم يمن به جيش أقل منه عددا وعدّة! فهو جيش كثير كثيف فى كتلته، ولكنه هزيل ضئيل قليل فى محتواه ومضمونه.. وهكذا تصدق الرؤيا صدقا مطلقا، ويجىء تأويلها صبحا مشرقا، لا خفاء فيه.. وغاية ما فى الأمر أن تأويل الرؤيا يحتاج إلى بصر نافذ، وبصيرة مضيئة مشرقة بنور الله، حتى ترى ما وراء الرؤيا، وتكشف عن مضمونها الذي انطوت عليه، وهذا ما كان عليه النبىّ صلوات الله وسلامه عليه الذي كان يرى واقع رؤياه على الصورة التي سيقع عليها.. وبهذا تكون رؤياه دليلا هاديا له، لا يقع له منها فى تصوره، ما يفسد تدبيره، أو يمزّق وحدة رأيه.. قوله تعالى: «وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ» . هذه الرؤية الحسّيّة هى أشبه بالرؤيا المنامية، إذ كانت بحيث لا يرى

منها الرائي، الواقع كما هو، بل يراه كدلالة من دلالات الواقع، أو إشارة من إشاراته. وانظر كيف كان تدبير الله، لما أراد من إنفاذ ما أراده، وإيقاع ما قضى بوقوعه.. فلقد أراد- سبحانه- أن يلتحم الفريقان فى القتال، وأن يغرى كلّ من الفريقين بصاحبه، وأن يحمله الطمع فى الظفر به على خوض المعركة معه، وإبلاء بلائه فيها.. فالمسلمون يرون عدوّهم فى قلّة ظاهرة.. قلّة فى العدد، وقلّة فى البلاء والقدرة على احتمال صدمة المسلمين لهم.. وهذا ما يثبّت أقدام المسلمين فى القتال، ويربط على قلوبهم فى المواجهة، ويطمعهم فى عدوّهم ويغريهم به.. ولو أنهم رأوا المشركين على ما هم عليه فى ظاهرهم لزلزلت أقدامهم، واضطربت قلوبهم، ولربّما فرّوا من وجه عدوّهم، واستسلموا له من غير قتال.. «وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ» .. وأما المشركون فقد أراهم الله المسلمين على ما هم عليه من قلّة، وربّما رأوهم فى أعينهم أقلّ من هذه القلّة التي كانوا عليها.. وهذا من شأنه أن يبعث فى نفوس المشركين، أو فى كثير منهم، مشاعر الاستخفاف بالمسلمين، وعدم المبالاة بهم، وأخذ الحذر منهم.. وبهذا يفوتهم كثير من إحكام التدبير، كما تتخلّى عنهم كثير من مشاعر الخوف التي تحمل الإنسان على استجماع قواه، واستخراج كل رصيد فى كيانه لدفع الخطر الذي يتهدده! وهكذا يصنع الله لأوليائه، فيمكّن لهم من أسباب النّصر، ثم يضيف هذا النّصر إليهم، ويدخله فى حسابهم..: «إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ»

الآيات: (45 - 48) [سورة الأنفال (8) : الآيات 45 إلى 48]

فالمسلمون يعلمون عن يقين كثرة عدوّهم، وعن هذا اليقين وطّدوا العزم على لقائه، وأعطوا المعركة كل ما يملكون من قوة وتدبير.. ثم يدخل عليهم بعد هذا شعور- مجرد شعور- بأن عدوّهم ليس على ما استقرّ فى يقينهم من أنه بهذه الكثرة التي تؤيسهم من الوقوف له، والظفر به.. فإذا التقى هذا الشعور بذلك اليقين، كان منهما كائن جديد من المشاعر التي تجمع بين الخوف والرجاء، والإشفاق والطمع، وتلك أحسن حال، وأحسن موقف يقفه الإنسان فى الحياة، وفى معالجة ما يلقاه من ميسور أمورها ومعسورها على السواء.. هذا على حين رأى المشركون عدوهم فى قلّة ظاهرة، كما وقع ذلك فى حسابهم لهم من أول الأمر، فداخلهم من ذلك شعور بالاستخفاف بهم والتهوين من شأنهم، والقدرة على تناولهم من قريب.. فكان ذلك أسوأ حال يلقى عليه مقاتل عدوّه! الآيات: (45- 48) [سورة الأنفال (8) : الآيات 45 الى 48] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (48)

التفسير: شهد المسلمون فى موقعة بدر أمداد السّماء تتنزل عليهم، وتضع بين أيديهم هذا النصر المبين، الذي كان مفتتح انتصاراتهم التي ستجىء بعد هذا، فيما يدور بينهم وبين المشركين والكافرين من قتال.. ولئلا يغلب على المسلمين هذا الشعور الذي استولى عليهم يوم بدر، من عون الله لهم، وإمدادهم بالملائكة تقاتل معهم- لئلا يغلب هذا الشعور عليهم، ويسلمهم إلى التواكل والثقة بضمان النصر من غير إعداد وجهاد وبلاء، فقد أراهم الله فى قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» - أراهم الطريق الذي يأخذونه لتحقيق النصر الذي ينشدونه، ورسم لهم الدستور الذي يستقيمون عليه ليكون لهم الغلب الذي يرجونه.. فالثبات للعدوّ، والتصميم على لقائه فى عزم وإصرار، دون أن يقع فى النفس أي هاجس يهجس بها للفرار، أو التراجع، أو أخذ الجانب اللّين من مواقف القتال- هو السلاح العامل بمالا تعمله كثيرة العدد والعدد، لكسب المعركة، وتحقيق النصر.. ولن يكون ذلك الموقف متاحا للإنسان وهو يواجه وجوه الموت، إلا إذا شدّ عزمه بالإيمان بالله، وملأ قلبه يقينا بالجزاء الذي أعدّه الله له، ومن هنا كان ذكر الله، والإكثار من ذكره فى هذا الموطن، هو الزاد الذي يتزوّد به المجاهد، للصبر على الشدائد، والثبات فى وجه الموت الذي يراه رأى العين، فيما يقع بين يديه من جئت وأشلاء.. فذكر الله سبحانه وتعالى، فى هذا الموطن الذي تصرخ فيه فى كيان الإنسان دواعى الحرص على الحياة، وطلب السلامة، وحب البقاء- هو الذي يمسك الإنسان على البلاء، ويسوّغ له طعم الموت، والاستشهاد فى سبيل الله، ابتغاء

الفوز برضاه، ولقائه- جلّ شأنه- على الوعد الذي وعد به المجاهدين فى سبيله! ومن أجل هذا كان الفرسان والأبطال، يصحبون معهم من يؤثرون بالحبّ، من زوجات وخليلات، ليكون فى صحبتهم لهم تذكير حىّ بالموقف الذي يجب أن يأخذوه فى ميدان القتال، حتى يكونوا موضع إعجاب وتقدير، عند من يحبونهم ويفعلون الشيء الكثير الذي يرضيهم، وينزلهم من قلوبهم منزل الإعزاز والإكبار.. فإذا لم يكن فى صحبة البطل زوجه أو خليلته، استحضر صورتها فى خياله، وتمثل شخصها حاضرا معه، يشهد بلاءه واستبساله.. يقول عنترة لمحبوبته.. عبلة: ولقد ذكرتك والرّماح كأنها ... أشطان بئر فى لبات الأدهم ما زلت أرميهم بثغرة نحره ... ولباته حتى تسربل بالدّم ويقول أيضا: ولقد ذكرتك والرماح نواهل ... منّى، وبيض الهند تقطر من دم فوددت تقبيل السيوف لأنّها ... لمعت كبارق ثغرك المتبسم ويقول الحارث بن حلزّة أحد أصحاب المعلقات: على آثارنا بيض كرام ... نحاذر أن تفارق أو تهونا يقتن جيادنا ويقلن لستم ... بعولتنا إذا لم تمنعونا فكيف إذ ذكر المؤمن ربّه، واستحضر جلاله، وعظمته، فى هذا الموقف الذي ينتصر فيه لله، ويجاهد فى سبيله، ويعمل على مرضاته، ويطلب المثوبة من جزيل عطاياه؟ إن الذي يذكر الله فى هذا الموطن، ذكرا ينبعث من قلبه، ويتحرك من وجدانه- يستخفّ بالموت، ويلذّ له طعمه، ويجد أن حياته التي يقدمها لله ليست شيئا إلى جانب الحياة الأخرى التي هو صائر إليها، وواجد

ما قدّم لها.. وهذا هو الذي أمسك بالمجاهدين فى سبيل الله على حياض الموت، فكتبوا بدمائهم تلك الوثائق الخالدة على الزمن، فى التضحية والفداء. هذا عن المجاهد مع خاصة نفسه.. ولكن المسلم لا يقاتل وحده، وإنما هو واحد فى جماعة المجاهدين الذين يقاتل معهم، ويستند إليهم، ويستندون إليه.. ومن هنا كان من تمام البناء لتلك القوة التي يلقى بها المسلمون عدوّهم أن يكونوا صفّا واحدا، تمسك به مشاعر واحدة، فلا يتوزعهم الخلاف، ولا يمزق وحدة مشاعرهم النزاع، فذلك أمر إن وقع فى جماعة أذهب ريحها، وحلّ عزيمتها، وأفسد تدبيرها، ومكنّ للعدو منها، مهما كانت القوة التي عليها أفرادها، والبلاء الذي يعطيه كل فرد منها فى ميدان المعركة.. ولهذا جاء قوله تعالى: «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ» - جاء ليشدّ تلك الجماعة بعضها إلى بعض، بعد أن شدّ كلّ فرد فيها إلى موطن العزم والصبر، من نفسه. ثم إنه لكى يقوم للمسلمين شاهد حسّىّ، يشهد لهم بمفعول هذه الوصاة الكريمة التي وصاهم الله بها، أفرادا وجماعة- فقد أراهم الله ما حلّ بالمشركين من بلاء، وما أصيبوا به من خذلان، وأن ذلك كان لما وقع بينهم من تنازع فى الرأى واختلاف فى الحساب والتقدير.. وقد صحب المشركين هذا التنازع وذلك الخلاف منذ خرجوا من مكة إلى أن التقوا بالمسلمين فى بدر، فكانوا شيعا وأحزابا، لكل شيعة رأيها فى الموقف، وتقديرها له، ولكل حزب حسابه وتقديره.. فكثر فيهم القائلون، بألّا حاجة لهم فى القتال بعد أن سلمت العير، ومن قائل: لا بد من القتال.. ثأرا لكرامة قريش وهيبتها، كما يروى عن أبى جهل حين تنادى بعض المشركين

بالرجوع عن الحرب وقد سلمت لهم العير، فقال: «والله لا نرجع حتى نرد بدرا فنقيم ثلاثا، فننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدا!!» .. ومن بين هذين الرأيين طارت شرارات الشقاق والخصام، وتناثرت كلمات التلاحي والتنابز، فتحركت فى الصدور عداوات قديمة، وانبعثت من مرقدها فتن كانت نائمة.. وهكذا دخل القوم المعركة، وهم على تلك الحال، من تفرق الكلمة، وتمزق الوحدة، فى الرأى والمشاعر.. وفى هذا يقول الله سبحانه وتعالى محذّرا للمسلمين من أن يكون منهم مثل هذا الموقف، فى لقاء يكون بينهم وبين عدوهم.. يقول الله سبحانه: «وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» . فما خرج هؤلاء القوم دفاعا من حق، أو انتصارا لمبدأ، وإنما الذي أخرجهم هو البطر، أي الكبر، والكفر بنعمة الله، ثم ما يحدّث به الناس عنهم من أنهم أولو قوة وأولو بأس شديد، حين يرى الناس منهم ما جمعوا من مقاتلين، وما حملوا من سلاح وعتاد، ثم ما يقع لهم من هذا التدبير الذي دبروه، وهو الوقوف فى وجه تلك الدعوة التي كانت شجّى فى حلوقهم، وقذى فى أعينهم! هذا ما أخرج القوم للقتال، وهذا ما خرجوا له.. ومن أجل هذا كان الخلاف بينهم، والتفرق فى وحدتهم، والتمزق فى مشاعرهم.. كلّ يأخذ الموقف الذي يشبع غروره وكبره، ويشهد الناس منه منزلته فى قومه، وكلمته المسموعة فى رهطه.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ» فهذا هو الشعور الذي غلب على رؤساء القوم وأصحاب الكلمة فيهم.. أما عامتهم

فكانوا تبعا لأهواء سادتهم، لا يقوم فى كيان أحدهم شعور بمبدأ يقاتل عليه، وينتصر له.. أما قوله تعالى: «وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» فذلك هو الجرم الذي اشترك فيه القوم جميعا، رؤساء ومرءوسين.. فكانوا جميعا جيشا مقاتلا للدعوة الإسلامية، وحصرها فى أضيق الحدود.. أما البطر، ومراءاة الناس فكان لونا اصطبغ به بعضهم دون بعض، وغاية عمل لها أناس دون آخرين.. ولهذا اختلف النظم، لأن البطر والرياء شأنهم دائما فعبّر عنهما القرآن بالمصدر، الذي يفيد الثبوت والاستمرار، وأما الصدّ عن سبيل الله، فهو أمر جدّ عليهم بعد ظهور النبىّ فعبّر عنه بالفعل، الذي يفيد الحدوث والتجدد: «وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» . وقوله تعالى: «وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ» . الآية معطوفة على قوله تعالى: «وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ» أي لا تكونوا كهؤلاء القوم الذين خرجوا على تلك الصفة، ولهذا الوجه، ولا تكونوا كهؤلاء على تلك الحال التي خرجوا فيها وقد زين لهم الشيطان أعمالهم.. فهؤلاء إنما خرجوا متّبعين أهواءهم، منقادين للشيطان الذي دعاهم، فاستجابوا له، وأعطوه زمامهم، بعد أن ملأ صدورهم أملا كاذبا، بأنهم قوة لا تغلب، بما هم عليه من عدد وعدة! فكيف إذا كان هو جارا لهم، وسندا وظهيرا فى ميدان القتال معهم؟ «فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ» أي التقت الفئتان، ورأى بعضهم بعضا، والفئتان هما: المسلمون، والمشركون.. «نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ» أي رجع

الشيطان إلى الوراء، يمشى القهقرى، وهو ينظر إليهم كما ينظر الغريم إلى غريمه وقد أوقعه فى حفرة، وتركه لمصيره الذي ينتظره. «وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ» إنها أحجار يقذف بها الشيطان فى وجه القوم بعد أن ألقى بهم فى هذه الحفرة.. إنه برىء مما حلّ بهم، أو سيحلّ من بلاء، يراه قبل أن يروه.. فلقد رأى الملائكة تأخذ مكانها فى ميدان المعركة مع المسلمين، وإن ذلك ليعنى عنده أن القوم قد أصبحوا فى الهالكين..! وهكذا يتبرأ الشيطان منهم، كما يتبرأ من فعلته التي فعلها بهم.. إنه يخاف الله، ويخاف ما يحلّ به من عقاب الله، وإنه لعقاب شديد! والسؤال هنا: كيف يعلن الشيطان أنه يخاف الله، ويخشى عقابه الشديد، وهو قائم على عصيان الله ومحادّته، بفتنة الناس، وإغوائهم بالضّلال، وصدهم عن سبيل الله؟ أهذا يكون ممن يعترف بالله، ويخشى عقابه؟ والجواب: أن الشيطان معترف بوجود الله، مؤمن بسلطانه وسطوته، ولكنه مبتلى بعصيان الله فى بنى آدم وإغوائهم، وإفساد ما بينهم وبين الله.. هكذا كان قضاء الله، فيما بينه وبين آدم، وذرية آدم.. لقد عصى الله إذ أمره بالسجود لآدم.. فكان أن لعنه الله، وطرده من مواقع رحمته، ومواطن رضوانه.. ومن هنا بدأ إبليس ينتقم لنفسه من آدم وذريته، إذ كان بسببه، هذا الذي أنزله الله به من عقاب.

وقد طلب إبليس من الله أن ينظره إلى يوم يبعثون، ليفسد هذا الإنسان الذي فضّله الله عليه، وطرد إبليس من رحمته بسببه.. وكان هذا من إبليس تحدّيا لله، وإمعانا فى الضلال: «وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً» . وتزيين الشيطان للمشركين، وقوله لهم: «لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ» هو مما وسوس لهم به فى صدورهم من ضلال، وما ألقى إلى سفهائهم من غرور، حتى لقد تمثلت تلك الوسوسة خواطر تتحرك فى مشاعر القوم، وحتى لقد تخلّقت هذه الخواطر فكانت قولا، يجرى على ألسنة القوم، ويتنادون به.. وأنهم لن يغلبوا.. فموقف الشيطان وأعوانه فى صفوف المشركين، هو مقابل لموقف الملائكة فى صفوف المؤمنين.. ولكن شتان بين موقف وموقف.. فالشيطان يغرى بالباطل، ويمدّ بالضلال، ويعين بالأكاذيب.. أما الملائكة، فقد طلعت على المسلمين بريح القوة، وهبّت بأنسام النصر، فملأت قلوب المسلمين أمنا وطمأنينة، فثبتت من أقدامهم، وقوت من عزائمهم، وأطمعتهم فى عدوّهم.. فكان لهم الظفر بعدوّهم.. وفى هذا يقول الله تعالى: «قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ» (77: 85 ص)

وهكذا يقضى الله سبحانه وتعالى بين إبليس وبين أبناء آدم. يغريه بهم، ويسلطه عليهم، ليخزيه آخر الأمر، وليريه من أبناء آدم ما يزيده حسرة وحزنا، فيما يرى مما لله فى أبناء آدم من أصفياء وأولياء، أنزلهم منازل رضوانه، وفتح لهم أبواب جنّاته، يلقون فيها ما أعدّ لهم من نعيم مقيم.. وفى هذا يقول الله تعالى: «إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (42: الحجر) .. فإذا كان لإبليس أولياء من بنى آدم، يؤدّى فيهم رسالته الضالّة المفسدة، فإن فى أبناء آدم من يقف له بالمرصاد، ويلبسه لباس الذلة والخزي! وعلى هذا، فإن الشيطان إذ يغوى الغاوين من أبناء آدم، وإذ يدفع بهم إلى مواطن الضلال- إنما يؤدى رسالته التي تخيّرها لنفسه فيهم، وهو يعلم أنه على عصيان لله، فيما يأتيه مع أبناء آدم من إغواء وإضلال.. ولكنه- مع هذا- لا يملك من نفسه أن يردّها عن هذا الاتجاه الذي اتخذته، بحكم سابق، وقضاء نافذ.. فهو- والحال كذلك- يؤدّى رسالة الشرّ فى أبناء آدم، كما يؤدّى الأنبياء رسالة الخير فيهم، وللشيطان أولياؤه وأتباعه، كما للأنبياء أولياؤهم وأتباعهم.. ومن جهة أخرى، فإن الشيطان- لحكمة أرادها الله- مغطّى على بصره، لا يرى الشرّ الذي يزرعه فى أبناء آدم، حتى ينبت، ويزهر، ويثمر.. وهنا يدرك أنه اقترف الإثم، ووقع فى المعصية.. وهنا أيضا يري عقاب الله الراصد له، جزاء ما اقترف من آثام.. وفى هذا بلاء عظيم، وعذاب أليم، وتلك هى لعنة الله التي حلّت بإبليس.. يعمى عن الشرّ فيقع فيه، حتى إذا وقع فيه أبصره وتحقق منه، وجنى الحسرة والندامة مما غرس بيديه!

الآيات: (49 - 54) [سورة الأنفال (8) : الآيات 49 إلى 54]

الآيات: (49- 54) [سورة الأنفال (8) : الآيات 49 الى 54] إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49) وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (50) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (51) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (52) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (54) التفسير: الظرف «إذ» متعلق بالفعل «خرجوا» فى قوله تعالى: «وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ» . فالظرف هنا حال من تلك الأحوال التي تلبّس بها خروج المشركين لقتال المسلمين فى بدر.. ففى الحال التي خرج فيها المشركون بطرا ورثاء الناس.. كان هناك المنافقون والذين فى قلوبهم مرض يستصغرون شأن المسلمين، ويسلقونهم بألسنة حداد، ويرمونهم بالغرور.. إذ كيف- وهم فى هذا العدد القليل-

يتصدّون لقريش، ويتعرضون لعيرها، ثم لا يقفون عند هذا، بل يخفّون للقائها فى ميدان القتال! وقد ردّ الله سبحانه وتعالى على هؤلاء المنافقين والذين فى قلوبهم مرض، بما يكبتهم ويخرس ألسنتهم، ويملأ قلوبهم حسرة وكمدا.. فقال تعالى: «وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» فهؤلاء المسلمون- وإن كانوا قلة- قد كان لهم من التوكل على الله، والثقة فيه، ما يجعل من قلتهم كثرة، ومن ضعفهم قوة. فهم أعزّاء أقوياء، بعزّة العزيز الحكيم، وقوته.. والمنافقون والذين فى قلوبهم مرض: هم من كان فى المدينة من منافقى اليهود، وغيرهم. وقوله تعالى: «وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ» . إشارة إلى ما حلّ بالمشركين الذين خرجوا من ديارهم بطرا ورثاء الناس، من بلاء ونكال فى يوم بدر الذي خرجوا له، وهم على تلك الحال التي كانت تستولى عليهم من الزّهو والخيلاء.. فهاهم أولاء يتلقّون الصفعات على وجوههم، والضربات على أدبارهم، كما يفعل بعيدهم وإمائهم..! فأين العزّة والمنعة؟ وأين السطوة والجاه؟ لقد تعرّوا من هذا كلّه، ولبسوا ثوب الخزي والمهانة، ونزلوا إلى أسوأ مما كان عليه الأرقاء.. من عبيد وإماء! وإذا كانت تلك الأيدى التي تناولتهم بالصفع على وجوههم، وتلك الأرجل التي أخذتهم بالرّكل على أدبارهم، أيديا خفيّة لا ترى، لأنها يد القوى السماوية التي سلطها الله عليهم يومئذ- فإنّ هناك أيديا شوّهت هذه الوجوه

بضربات السيوف، وركلت هذه الأدبار بأزجّة الرّماح، وهى أيد رآها الناس رأى العين، وشهدوا آثارها وأفعالها فى هؤلاء السادة المتكبرين.. إنها أيدى أولئك المسلمين الذين استرهبهم المشركون بزهوهم وخيلائهم، وغمزهم المنافقون والذين فى قلوبهم مرض بقوارص الكلم، وسيىء القول. وقوله تعالى: «وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ» هو بيان للمصير الذي صار إليه أولئك المشركون الذين أذلّ الله كبرياءهم فى هذا اليوم، يوم بدر، وهو مصير مشئوم، يلقى بهم فى سواء الجحيم، حطبا لجهنم، ووقودا لسعيرها.. وذلك الذي حلّ بالمشركين من هوان فى الدنيا، وعذاب فى الآخرة، هو جزاء لما كان منهم، وما قدّمت أيديهم من سوء.. «ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» ! وقد اختلف فى المراد بالخطاب فى قوله تعالى: «وَلَوْ تَرى» أهو خطاب خاص للنبى؟ أم هو لكل من شهد المعركة؟ أم هو خطاب عام غير مقيد بشخص أو بوقت، بل هو لكل من يستمع إلى هذا الخطاب؟ والرأى، أنه خطاب عام لكل من استمع أو يستمع إليه. وفى قوله تعالى: «وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» - ما يسأل عنه؟ لماذا جاء التعبير بنفي الظلم عن الله بصيغة المبالغة «ظلّام» ؟ وهل إذا انتفت المبالغة فى الظلم أينتفى معها الظلم نفسه؟ والجواب- والله أعلم- أن صيغة المبالغة هنا إنما تكشف عن وجه البلاء الذي وقع بالمشركين، وأنه بلاء عظيم، وعذاب أعظم، وأن الذي ينظر إليه يجد ألا جريمة توازى هذا العقاب وتتوازن معه، فى شدّته، وشناعته، حتى ليخيّل للناظر أن القوم قد ظلموا، وأنه قد بولغ فى ظلمهم إلى أبعد حد، فجاء قوله تعالى: «وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» ليدفع هذا الوهم الذي يقع فى نفس

من يرى هذا البلاء الذي حلّ بهؤلاء القوم الضّالين، وهو بلاء فوق بلاء، فوق بلاء!! قوله تعالى: «كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ» . الدّأب: الحال والشأن.. أي أن ما فعله الله بهؤلاء المشركين، الذين علوا فى الأرض، وبغوا، قد فعله- سبحانه- بأمثالهم ممن علوا وبغوا.. ومن هؤلاء آل فرعون، ومن كان قبلهم من الطّغاة والظالمين- قد أخذهم الله بذنوبهم، ولم يعصمهم من عقاب الله، ما كانوا عليه من جبروت وقوة، فإن قوة الله لا تدفعها قوة، وبأسه لا يردّه بأس: «إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ» . هذا، ويرى بعض المفسرين أن قوله تعالى: «كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ» هو عائد إلى المشركين، لا إلى آل فرعون.. أي أن شأن المشركين كشأن آل فرعون.. قد كفروا مثل كفرهم.. والرأى عندنا أن هذا الوصف عائد على آل فرعون، حيث يبرز من هذا الوصف حال المشبّه به- وهم آل فرعون- على صورة كاملة، يستغنى بها عن وصف المشركين بأية صفة بعد أن ألحقوا بآل فرعون فى كل مالهم من صفات، كان الكفر أظهر ألوانها.. والسؤال هنا: لم كان حكم الله هذا واقعا على آل فرعون ومن كان قبلهم، مع أنه حكم واقع على كل جبار مفسد متكبر، سواء أكان قبل آل فرعون أو بعدهم؟ والجواب- والله أعلم- أنّ من كان قبل آل فرعون، قد وقعوا تحت هذا الحكم فعلا.. أما من بعدهم، فمنهم من أخذه الله بهذا العقاب، ومنهم من ينتظر دوره مع حركة الحياة، وسير الزّمن..

وهذا يعنى أن من بعد آل فرعون من الظّلمة والآثمين، وإن أخذ بعضهم بهذا العقاب، فإن آخرين- ومنهم المشركون والمنافقون الذين عاصروا النبوة- ينتظرون وقوع هذا الحكم بهم، وأن الباب قد فتح لهم ليدخلوا فيما دخل فيه الظالمون قبلهم.. وفى هذا تهديد، ووعيد لمن كان على هذا الطريق، أو سيكون عليه، لينجو بنفسه، ويأخذ سبيلا غير هذه السبيل التي هو عليها. وقوله سبحانه: «ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» . - هو دعوة عامة للناس جميعا، مؤمنهم وكافرهم، طائعهم وعاصيهم أن يوجهوا وجوههم إلى الله، وأن يستقيموا على طريق الحقّ والخير، فإنهم إن فعلوا هذا أمنوا تلك النوازل التي تنزل بأعداء الله، وتدمّر ما بنوا، وتخرّب ما عمروا.. فالله سبحانه لا يسلب عباده نعمة من نعمه التي فضل بها عليهم، إلا إذا أحدثوا من الأمور ما يعرضهم لانتقام الله منهم، بسلب ما منحهم من فضله: «ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ» وتغيير ما بأنفسهم، هو تحولهم من حال سيئة إلى حال أكثر سوءا.. «وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» يسمع ما تنطق به الألسنة، من خير أو شر، ويعلم ما تنطوى عليه القلوب، من إيمان أو كفر.. وهذه الآية إنما تعنى أولا وبالذات أهل الزيغ والضلال، وتحذّرهم من أن يقيموا على ما هم عليه من زيغ وضلال، فإن ذلك مؤذن بأن يبدّل الله نعمهم نقما، وأن بغير حالهم من سوء إلى أسوأ.. والسؤال هنا هو: كيف تقع غير الله بالظالمين والطغاة، وهم على ما عهدتهم الحياة من ظلم وطغيان.. لم يغيروا ما بأنفسهم من بغى، وظلم وعدوان؟ إن ما ينزل بهم من نقم

الله، هو فيما يبدو لم يكن عن تغيير لما فى أنفسهم من خير إلى شر، ومن إيمان إلى كفر.. فهم أبدا على الشر، وهم أبدا مع الكفر؟ فكيف هذا؟ والجواب: أن الظالمين، والطغاة، والمنحرفين عن طريق الحق، والخير، لا يظلّون على حال واحدة مما هم فيه، بل إنّهم مع الشرّ الذي صحبوه، لا يزدادون به مع الأيام إلّا شرّا.. ذلك أن الشرّ ينمو فى كيان صاحبه، كما تنمو الحبّة فى الطين.. إلا أن يقتلع نبتة الشر من جذورها، ويغرس فى نفسه نبتة الخير والإحسان.. وعلى هذا، فإن أهل السوء والضلال، إذا أمسكوا بماهم عليه من سوء وضلال ازدادوا مع الأيام سوءا وضلالا، وكانوا فى يومهم شرا من أمسهم، وهم فى غدهم أكثر شرّا من يومهم..! وإذن، فالمتوقّع- غالبا- من أهل البغي والضلال أن يقع منهم تغيير لما فى نفوسهم، وهو تغيير إلى أسوأ، إذا هم لم يراجعوا أنفسهم، ويرجعوا عماهم فيه، من بغى وضلال. هذا، وليس تغيير ما فى النفوس يكون دائما من خير إلى شر، أو من شر إلى ما هو شرّ منه.. بل ما أكثر ما يكون التغيير على عكس هذا، وهو التغيير من شر إلى خير، ومن سيىء إلى حسن.. فكلا هذين التغييرين واقع فى الحياة، حيث يصلح الفاسد، ويفسد الصالح.. وهكذا تتغير مواقف الناس وتتبدل أحوالهم.. والمطلوب من الإنسان أن ينشد التغيير الذي يبعده من الظلام ويدنيه من النور.. ففى ذلك رشده وصلاحه، وسعادته.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ» (11: الرعد) فهذا قضاء الله فى عباده.. لا يغير ما بهم، ولا يخرجهم عما هم فيه من نعمة وعافية،

أو من شدة وبلاء، حتى يحدثوا هم تغييرا فى أنفسهم، وتحوّلا فى منازعهم وسلوكهم، وهنا يغير الله أحوالهم حسب ما كان منهم من تغيير.. من اتجاه إلى الحق والخير، أو انحدار إلى الشر والضلال.. قوله تعالى: «كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ» . الجار والمجرور «كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ» متعلق بقوله تعالى: «حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ» أي أن الله سبحانه وتعالى لا يغيّر ما بقوم، ولا يحوّلهم عماهم فيه من عافية ونعمة، حتى يحدثوا هم تغييرا فى أنفسهم، من سيىء إلى أسوأ، ومن شر إلى ما هو أكثر شرا منه، كما فعل آل فرعون، الذين زادهم الهدى الذي جاءهم به موسى، ضلالا وكفرا وعتوّا، فكان هذا التغيير الذي حدث فى أنفسهم مؤذنا بما سيحلّ بهم من سوء وبلاء، إذ غيّروا ما بأنفسهم، حين ازدادوا ضلالا إلى ضلال فغير الله ما هم فيه من نعمة وعافية.. وفى قوله تعالى: «كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ» المعدول به عن القول الذي يقتضيه النظم: «كذبوا بآياتنا» فى هذا إشارة إلى مدى ما كان عليه القوم من عتو وعناد، مع ما لله عليهم من ألطاف ونعم، إذ ساق إليهم آياته، تحمل الهدى والخير، وقد أضافهم سبحانه وتعالى إليه هكذا: «رَبِّهِمْ» ليذكروا ربوبية الخالق لهم، الذي أخرجهم من عالم العدم إلى عالم الحياة، وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة، وأخرج لهم من الأرض أقواتهم، وجعل لهم فيها فجاجا سبلا، وأنهارا جارية، وعيونا سائلة.. ومع هذا وكثير غيره، فإن القوم لم تنفعهم هذه الذكرى، بل ازدادوا بها عتوا وضلالا. وفى قوله تعالى: «فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا

ظالِمِينَ» - إشارة إلى ما حلّ بهؤلاء الظالمين من آل فرعون، ومن كان على شاكلتهم فى البغي والعدوان.. لقد أهلكهم الله جميعا بذنوبهم، وجعل لكلّ جماعة من هؤلاء الظالمين مهلكهم الذي يهلكون به، كما يقول سبحانه: «فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» (40: العنكبوت) . وقد كان مما أخذ الله به فرعون وآله، هو الغرق، وكان ذلك جزاء وفاقا لكفرهم وعنادهم، وتغيير ما بأنفسهم.. وانظر.. لقد كان الذي فيه فرعون وقومه من نعمة وقوة وسلطان، هو من فيض النيل ونفحاته، إذ كان «النيل» هو مصدر الحياة لهذا الوادي ومن فيه، وفى هذا يقول فرعون معتزا بما بين يديه من قوّة: «أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي؟ أَفَلا تُبْصِرُونَ؟» . وقد كفر فرعون بهذه النعم، وجعل منها سياط عذاب يأخذ بها الناس، ويوردهم موارد الذلة والهوان، فكان أن قتله الله وآله، بتلك النعمة، وجعلها تجرى فى حلقه ملحا أجاجا، بعد أن كان يجرى ماء النيل فى هذا الحلق عذبا زلالا.. وهكذا يهلك بالماء، وقد كان يحيا على الماء وبالماء! وفى هذا الذي كان من فرعون وملائه نذير لهؤلاء المشركين، الذين كفروا بآيات ربهم، وكذبوا رسوله الذي حمل إليهم الهدى والنور.. وكما أخذ آل فرعون بعذاب الله، فإن هؤلاء المشركين، هم فى مواجهة عذاب الله، وفى معرض النقمة والبلاء.. غير أن آل فرعون قد فوّتوا على أنفسهم فرصة النجاة، فلم يرجعوا إلى

الآيات: (55 - 60) [سورة الأنفال (8) : الآيات 55 إلى 60]

الله، ولم ينتهوا عن غيّهم.. أما هؤلاء المشركون، فما زالت الفرصة سانحة لهم، وما زال طريق النجاة مفتوحا بين أيديهم.. فماذا هم فاعلون؟ الآيات: (55- 60) [سورة الأنفال (8) : الآيات 55 الى 60] إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (58) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (60) التفسير: قوله تعالى «إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» .. هو التعقيب المناسب لما أخذ به الظالمون من بلاء ونكال.. إنّ هذا الحكم هو الذي تشيّعهم به الحياة، وهم يعالجون سكرات الموت، إذ كانوا فى حرب مع الله، ومع أولياء الله.. فكيف يرحمهم قلب، أو تدمع عليهم عين؟ وفى قوله تعالى: «فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» بعد قوله سبحانه: «الَّذِينَ كَفَرُوا» - فى هذا ما يسأل عنه: إذ كيف يكون نفى الإيمان عنهم مسبّبا لكفرهم،

مع أن عدم الإيمان هو عين الكفر.. والسبب لا يكون عين المسبّب، وإن كان نتيجة لازمة من لوازمه؟ .. والجواب- والله أعلم-: أن كفر هؤلاء الكافرين الذين وصفوا بأنّهم شرّ الدّوابّ عند الله.. إنما يتلبس بنفوس خاصّة، من جماعة من الكافرين، لا بكلّ الكافرين.. وتلك الجماعة هى التي من شأنها ألا تخلع هذا الكفر أبدا، بل تشدّ قلوبها عليه، حتى تموت به! ومن هنا استحقت تلك الجماعة هذا الوصف الذي وصفها الله سبحانه وتعالى به، وهى أنها شرّ ما دبّ على الأرض من كائنات، وذلك لأنها لا تعقل كما يعقل الناس، ولا تسمع كما يسمع الناس، ولا تبصر كما يبصر الناس.. ثم هى ليست من دوابّ الحيوانات، تعيش، فى حدود الطبيعة المتاحة لتلك الدواب، وإنما هى خلق آخر.. مزيج من الإنسان والحيوان.. وذلك مسخ للإنسان، وللحيوان معا، وبهذا المسخ يكون هؤلاء الآدميّون الحيوانيّون شرّ الدّواب، طبيعة وخلقا. فقوله تعالى: «فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» حكم قاطع، قاض على هذا الصنف من الكافرين بأنه لن يدخل الإيمان قلبه أبدا.. وهذا الصنف هو الذي ذكره الله سبحانه وتعالى فى قوله: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ.. وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» (6- 7: البقرة) . وقوله تعالى: «الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ» . هو بدل من الذين كفروا، وهذا البدل يكشف عن صفة من صفات هؤلاء

الكافرين. وهى أنهم لا يحفظون عهدا، ولا يرعون ذمة، إذ لا وازع عندهم، من دين أو خلق.. وفى قوله تعالى: «عاهَدْتَ مِنْهُمْ» إشارة إلى أن النبىّ صلى الله عليه وسلم لم يدعهم إلى أن يعاهدهم بما عاهدوه عليه، بل إنهم هم الذين جاءوا إلى النبي يعرضون عليه عهدهم بالأمان والموادعة بينهم وبينه، وأن النبىّ صلوات الله وسلامه عليه أجابهم إلى ذلك، وقبل منهم العهد الذي أعطوه.. وفى نقضهم لهذا العهد الذي جاءوا هم به من تلقاء أنفسهم، وأعطوه عن رضى واختيار- فى نقضهم لهذا العهد، الذي هو فى الواقع عهدهم، خيانة لأنفسهم، فوق أنه خيانة للعهد من حيث هو عهد، يجب الوفاء به على أي حال. وفى قوله تعالى: «وَهُمْ لا يَتَّقُونَ» بعد وصفهم بقوله سبحانه: «ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ» فى هذا إشارة إلى أنّهم متحللون من كل قيد يمسك بهم على خلق فاضل، ويقيمهم على مبدأ كريم.. إنهم لا يتقون أي محظور تحظره الشرائع السماوية، أو تجرّمه القوانين الوضيعة والمواضعات الخلقية. والمراد بهؤلاء الذين ينقضون العهد الذي عاهدوا عليه الرسول، هم جماعات اليهود الذين كانوا بالمدينة، يثيرون الفتن، ويذيعون المنكر، ويحيكون الدسائس، وينتهزون الفرصة المواتية لينالوا من النبي والمؤمنين ما يريدون من شر. ثم إن هذا الحكم هو حكم عام، يقيمه المسلمون دائما فيما بينهم وبين الكافرين..

وقوله تعالى: «فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ» . هو الجزاء الذي أمر الله سبحانه وتعالى نبيّه الكريم أن يلقى به هؤلاء الكافرين، الذين لا يؤمنون بالله أبدا، والذين ينقضون عهدهم مع النبىّ، ويلقونه فى الجبهة المحاربة له كلما سنحت الفرصة لهم، سواء أكان ذلك بأشخاصهم، أم بأموالهم وأسلحتهم، يمدّون بها أعداء المسلمين.. فهؤلاء الذين يقفون من النبىّ ودعوته، هذا الموقف اللئيم المخادع، لا عهد لهم، ولا ذمة لهم عند النبىّ والمسلمين، ما داموا قد غدروا ونكثوا.. فليس لهم عند النبىّ والمسلمين إذا ظفروا بهم فى حرب، أو أمكنتهم أيديهم منهم فى أي موقف- ليس لهم إلا الضربة القاصمة القاضية، وإلا البلاء ينصب عليهم انصبابا، ينالهم فى أنفسهم، وأموالهم وأهليهم، وذلك ليكونوا عبرة لغيرهم، ومثلا سائرا فى الناس، لكل من ينقض العهد مع النبىّ والمسلمين.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ» . والتعبير بالظفر بهم، ووقوعهم ليد النبي بقوله تعالى «تَثْقَفَنَّهُمْ» إشارة إلى أن الحرب ليست كلّها انتقاما، واستئصالا للمغلوب، وإنما هى- فى صميمها- إصلاح له، وحيدة به عن طريق الضلال والغواية الذي يركبه، إلى طريق الحق والهدى، المدعوّ إليه.. إذ كثيرا ما تنتهى الحرب بين المسلمين وأعدائهم، وإذا أعداد وفيرة من هؤلاء الأعداء، قد تحوّلوا إلى أولياء، ودخلوا فى دين الله، وكانوا من عباده المؤمنين. وهذا هو السرّ فى التعبير بكلمة «تثقفنّهم» بدلا من كلمة تظفر بهم..

إذ الثّقاف هو من يتولّي إصلاح الرماح، وتقويمها، بما يقتطع من أجزائها، وأطرافها، وبما يسوّى من نتوئها.. فالحرب فى الإسلام أشبه بالثّقاف للرماح، غايتها الإصلاح، والتقويم، ولكن الحرب هنا مع هذا الصنف من الناس، الذين يغدرون بالنبيّ، وينصبون المكايد له بالخديعة والختل، إذ يجيئون إليه موادعين مسالمين، ثم ينقلبون ذئابا محاربين- هؤلاء، لا يرجى لهم إصلاح، ولا يتوقع منهم خير «فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ» أبدا.. وإذن فليس لهم إلا الضربة القاضية، التي لا تبقى منهم على دار ولا ديّار، حتى يكونوا فى ذلك عبرة لغيرهم.. «فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ» أي فرّق بهذا الذي تأخذهم به من بلاء ونكال، كلّ مجتمع للضلال وتبييت السوء للمسلمين، ممن ينتظرون ما وراء كيد هؤلاء الكافرين بالمؤمنين. فكلّ من تحدثه نفسه بخيانة عهد المسلمين من بعد تلك الضربة التي نزلت بهؤلاء الخائنين- سيجد أمام ناظرية مثلا حيّا لما ينتظره من بلاء ونكال فى هذا الذي أخذ به هؤلاء القوم، وبهذا تنحلّ عزائم الذين يدبرون الشرّ للمسلمين، ويتشتت جمعهم.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ» .. إذ الضمير فى كلّ من «لعلهم» و «يذكرون» راجع إلى هؤلاء الذين يأتون بعد هؤلاء الذي نكّل بهم النبىّ وضربهم الضربة القاضية.. ففى الضربة التي حلت بهؤلاء موعظة وذكرى لهؤلاء الذين لم يظهروا بعد على طريق الغدر والخيانة! قوله تعالى: «وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ» هذه الآية تكشف عن وجه مشرق وضيء من وجوه الإسلام- ووجوه الإسلام كلها مشرقة مضيئة- فى رعاية العهد وحفظه والوفاء به. لقد أشارت الآية السابقة إلى ما يدبر أعداء الإسلام للمسلمين من كيد،

ومكر، ونكث بالعهد، ونفاق فيما عاهدوهم عليه.. وأنهم ينقضون العهد الذي أعطوه من أنفسهم للنبىّ.. فى كل مرة يجيئون إليه فيها معاهدين.. وحتى لا يعامل المسلمون أعداءهم بمثل عملهم هذا، وحتى لا يدخل على نفوسهم شىء من هذا الداء الخبيث الذي استولى على نفوس أعدائهم، من نقض العهد، وخيانة الكلمة- حتى لا يكون شىء من هذا فى مجتمع المسلمين، جاءهم أمر الله، فيما أمر به نبيه، ورسم له فيه أسلوب العمل، الذي يعامل به هؤلاء الناكثين للعهد.. فقال سبحانه: «وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ» .. أي إن استشعرت خيانة من قوم بينك وبينهم عهد، وتوقعت أن ينكثوا هذا العهد على غرّة، دون أن يؤذنوك بنكثه، والتحلل منه، فلا تفعل فعلهم، ولا تنقض العهد منهم فى خفاء بينك وبين نفسك، كما يفعلون، بل أنذرهم بذلك، وأعلمهم إياه، «على سواء» أي على وضوح كامل، بصريح اللفظ، دون التلويح به.. وذلك ليكونوا على بيّنة من أمرهم، فلا يدخل فى حسابهم بعد هذا، العهد الذي بينك وبينهم، وبهذا يسقط العهد من هذا الحساب، ويعدّون أنفسهم للحرب، كما أعدّ النبي والمسلمون أنفسهم لها. قوله تعالى: «وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا.. إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ» هو تطمين لقلوب المسلمين، ودفع لوساوس الخوف، التي تطرقهم وهم يعطون من أنفسهم الوفاء لعدوهم بالعهد الذي بينهم وبينه، على حين أنه يغدر بهم، ويباغتهم بهذا الغدر، فكيف يحاربهم العدو بسلاح ثم يحرم عليهم محاربته بهذا السلاح؟ فليطمئن المسلمون، وليعلموا أن هؤلاء الذين خانوا العهد، لم يسبقوا بتلك الخيانة إلى أخذ فرصة فى المسلمين، لأنهم- وقد فعلوا ما فعلوا من خيانة- قد تعرضوا لبغض الله وغضبه. «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ» وحسبهم هذا خسرانا وبلاء!

قوله تعالى: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ» . لقد سلط الله النبىّ والمسلمين على هذا العدوّ المتربّص بهم، الكائد لهم، وأمرهم بأن يضربوهم الضربة القاضية التي تأنى عليهم، وتكون مثلا وعبرة لغيرهم. ولكن.. ما الذي يمكّن للنبى والمسلمين من أن يبسطوا يدهم على عدوّهم وينزلوه على حكمهم فيه؟ إنه لا شىء إلا القوة التي يكون عليها المسلمون فى الرجال والعتاد.. ومن هنا أتبع القرآن الكريم الأمر بتأديب العدوّ وبسط اليد عليه- أتبع ذلك بالأمر باتخاذ الوسائل المحققة لهذا الأمر، وذلك بالأخذ بكل أسباب القوة، التي ترجح بها كفة المسلمين فى ميادين القتال، ومصادمة العدوّ. وفى قوله تعالى: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ» ، أمر باتخاذ القوة، والعمل على بنائها، والتوسل إليها بوسائلها، ومن أهم تلك الوسائل «الخيل» .. إذ كانت فى هذا الوقت أقوى مظهر من مظاهر القوة والفروسية.. فحيث كانت الخيل، وكان فرسانها، كانت القوة والمنعة.. وفى التعبير عن «الخيل» بقوله تعالى: «وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ» إشارة إلى الإكثار من الخيل، وإعدادها للحرب، وتدريبها على القتال، وحبسها على هذا المجال، فلا تتخذ لغرض آخر، بل تكون دائما مرصودة للقاء العدوّ، مهيأة للاشتباك معه فى أية لحظة.. إنها مرابطة كما يرابط المجاهدون على الثغور لحماية المسلمين، وسد الثغور التي ينفذ منها العدو إليهم.!

وفى قوله تعالى: «تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ» الضمير فى «به» يعود إلى رباط الخيل، وأنه مصدر رهبة للعدوّ. إذا كان هذا الرباط من الكثرة والإعداد على صورة يهابها العدوّ ويعمل حسابها.. وهذا يعنى استعراض تلك القوة المعدّة من الخيل وفرسان الخيل، وإظهارها بحيث يراها العدوّ، ويرى فيها ما يرهبه، ويقتل فى نفسه كل داعية من دواعى الطمع فى المسلمين، وفى لقائهم على ميدان القتال.. وهذا يعنى أيضا أن يكون هذا الرباط على صورة محقّقة لإلقاء الرعب والفزع فى نفس العدوّ، وإلا كان ستر هذا الرباط وإخفائه أولى وأحكم من إظهاره. وهذا يعنى كذلك أن الإعداد للحرب ليس لإشباع شهوة الحرب، وإنما هو لإرهاب العدوّ أولا، حتى ينزجر، ولا تحدّثه نفسه بالحرب حين يرى القوّة الراصدة له. ومن هنا يرى أن الإسلام دين سلام، يعدّ للحرب، حتى تجتمع له القوة الممكنة له من النصر والغلب، ولكنه لا يبدأ الحرب، ولا يسعى إليها، وإنما يجىء إليها مكرها، ويدخل فيها مدافعا، لا مهاجما!! وفى قوله تعالى: «وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ» إشارة وتنبيه للمسلمين إلى ألّا يكون حسابهم فى إعداد القوة مقصورا على هذا العدوّ الظاهر لهم، ومقدورا بقدره، بل يجب أن يعملوا فى تقديرهم حسابا لأعداء آخرين، لم يظهروا لهم، ولم يواجهوهم بعداوة أو قتال.. وهذا يعنى أن يبذل المسلمون كثيرا لإعداد هذه القوة التي يحاربون بها أعداءهم الذين يرونهم، والتي يرصدونها للعدوّ الخفىّ الذي لم يظهر لهم بعد.. ولهذا جاء قوله تعالى بعد ذلك: «وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ» - جاء داعيا إلى البذل والإنفاق فى سبيل

الآيات: (61 - 63) [سورة الأنفال (8) : الآيات 61 إلى 63]

الله، فإنّ الله سبحانه وتعالى سيؤتى المنفقين أجرهم، ويجزل لهم العطاء، فلا يضيع شىء مما بذلوا وأنفقوا، لأن فى ضياعه ظلما لهم.. «وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً» . الآيات: (61- 63) [سورة الأنفال (8) : الآيات 61 الى 63] وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) التفسير: قوله تعالى: «وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها» أي إن مال الأعداء إلى السّلام والموادعة، ورغبوا فيهما فارغب فيهما أنت أيها النبي أيضا، فتلك دعوة إلى خير وأمن وعافية، لا ينبغى- حقّا وعدلا ومصلحة- رفضها والتأبّى عليها. وأصل «الجنح» و «الجنوح» من «الجناح» إذ كان هو الذي يميل بالطائر إلى الجهة التي يريدها، فهو أشبه بقلع المركب، إذا فرده، وضمّ الجناح الآخر امتلأ ذلك الجناح المفرود بالهواء، ودفع بالطائر إلى الاتجاه الذي يقصده.. فهما إذن جناحان، على جانبى الطائر، يعملهما حيث يشاء، فيتجه يمينا أو يسارا، أو إلى أي اتجاه يقصد.. وكذلك الإنسان فى دوافعه ونزعاته، له جانبان، أو جناحان يخفقان فى كيانه، مهيآن لدفعه إلى أي اتجاه يشاء.. إلى السلم، أو الحرب، مثلا.. فإن

هو أراد السلم، فرد جناح السّلم، فدفع به إلى جانب السلام والموادعة، وإن هو أراد الحرب، فرد جناح الحرب فألقى به فى ميدان القتال وساحة الدماء.. فهذا هو بعض سرّ التعبير القرآنى عن دعوة السلام، بالجنوح «وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ» .. ذلك أنهم كانوا بين داعيين، داع يدعو إلى الحرب، وداع آخر يدعو إلى السلم، ثم رجح فيهم الداعي الذي يدعو إلى السلام، وفى هذا إغراء وتحريض على قبول تلك الدعوة التي تدعو إلى السّلم، فهى وجه جميل طيب، فى مقابل الوجه الكريه الذميم، وجه الحرب.. قوله تعالى: «وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» تحريض آخر للنبى بقبول الدعوة إلى السّلم، إذ كان فى حراسة، من توكله على الله واعتماده عليه. قوله تعالى: «وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ» هو تحريض ثالث للنبىّ على الاستجابة إلى دعوة السّلم التي يعرضها عليه الأعداء، وألا يردّه عن قبول تلك الدعوة ما يكون عند القوم من نيّة للغدر، فالله سبحانه وتعالى سيكفى النبىّ والمسلمين سوء ما يفعلون.. ذلك أن هؤلاء الأعداء قد خانوا وغدروا، فتعرضوا لسخط الله وغضبه، فوق ما أخذهم الله به من سخط وغضب لكفرهم وشركهم بالله. أما النبىّ والمؤمنون، فقد اتقوا الله، ووفوا بالعهد الذي دعاهم الله إلى الوفاء به، فكان سبحانه وتعالى معهم، يؤيدهم، وينصرهم على عدوهم.. «فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ» أي يكفى أن يكون الله معك، يؤيدك، وينصرك.. «هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ» .. فلقد نصرك الله من قبل، وردّ عنك بأس القوم الظالمين، فلم تغنهم كثرتهم من الله شيئا.. وقد نصرك الله كذلك

[الحرب والسلام.. فى الإسلام]

بالمؤمنين، الذين لم ترهبهم كثرة العدوّ وقوته، بل لقد ألقوا بأنفسهم فى حومة القتال، وهم على نية الاستشهاد فى سبيل الله.. فكانوا جندا من جنود الله معك. وفى عطف «المؤمنين» على قوله تعالى «بنصره» تكريم لهؤلاء المؤمنين الذين اجتمعوا إلى النبىّ، وقاتلوا تحت رايته.. وأنهم قوة من قوى الحق، وجند من جنود الله، ينصر بهم من يشاء من عباده.. وقوله تعالى: «وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ» .. معطوف على قوله سبحانه: «أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ» أي إن من فضل الله عليك، ومن القوى التي أمدّك بها، أنه سبحانه أمدك بأسباب النصر والظفر على العدوّ، بما جمع لك من جند آمنوا بالله، وأخلصوا النية للجهاد فى سبيل الله.. وأن الله سبحانه قد نظر إليك وإليهم، فألف بين قلوب جندك هؤلاء، وجمعهم على الإيمان بالله، والإخاء فى الله، فكانوا كيانا واحدا، وجسدا واحدا، ومشاعر واحدة.. وذلك ما لا يكون إلا عن فضل من الله، وبهذا الفضل توحدت قلوب المؤمنين، واجتمعت على الولاء لله، ولدين الله، ولرسول الله.. الأمر الذي لا تستطيع قوة بشرية أن تحققه فى أي مجتمع إنسانى، على تلك الصورة، ولو أنفقت فى سبيل ذلك كل ما فى هذه الدنيا من مال ومتاع. [الحرب والسلام.. فى الإسلام] الإسلام دين رحمة وسلام، وليس كما يفترى عليه المفترون أنه دين سيف ودماء.. وكيف وظاهر الإسلام وباطنه جميعا، سلم، وسلام؟ فاسمه «الإسلام» مشتق من السلام، والسلامة، والسلم، وشارات التحية بين

أتباعه، ومن أتباعه، السلام، والرحمة، والبركة.. أما شريعته وأحكامه، فكلها قائمة على اليسر والرحمة، والسلام، بين الإنسان ونفسه، وبينه وبين الناس جميعا. وحقّا إن الإسلام قد دعا أتباعه إلى الحذر من العدوّ، والإعداد للحرب، والأخذ بأسباب القوة.. وذلك لأن الإسلام دين واقعىّ، يعايش الحياة فى أعدل أحوالها، ويستقى من أعذب عيونها، وأصفى مواردها، وليس مجرّد أحكام ومقررات نظرية، يتمثلها الناس ولا يحققونها، ويتصورونها ولا يتعاملون بها، أشبه بما يقع فى تصورات الفلاسفة وخيالات الشعراء، إن سعد بها أصحابها فى أحلام يقظتهم، فإنهم لم يمسكوا منها بشىء إذ هم فتحوا أعينهم على الحياة وواقعها. والإسلام يريد لأتباعه يكونوا قوة عاملة فى الحياة، وأن يعمروا الأرض، ويبسطوا سلطانهم على القوى الكامنة فى الطبيعة، ليحققوا قول الله تعالى لهم: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ..» ولن يكون ذلك إلا إذا أخذ المسلمون الحياة كما هى، بواقعها، وما يزخر فيها من خير وشر! فليست الحياة إلا مزيجا من الخير والشر، وليس الناس إلا عالما من الأخيار والأشرار.. ولن يسلم لإنسان وجوده، ولن ينتظم لجماعة شأنها إلا بصحبة الحياة والناس على هذا المفهوم، الذي يجمع الخير والشر، ويقابل بين الأخيار والأشرار.. فمن الحكمة ومن الواجب إذن، أن يقيم الإسلام أتباعه فى الحياة على طريق بين الخير والشر.. وهم فى هذا الطريق مدعوون إلى التعامل مع الخير، ثم هم فى الوقت نفسه مطالبون بتجنب الشر والأشرار، وأخذ حذرهم منه ومنهم جميعا..

والشر والأشرار دائما مسلّطون على الأخيار.. إن سالموهم فلن يسلموا منهم، وإن كفّوا أيديهم عنهم بسطوا هم أيديهم إليهم بالبغي والعدوان.. هكذا تجرى الحياة فيما بين الشر والخير، وفيما بين الأشرار والأخيار! كانت دعوة المسيح- عليه السلام- دعوة كلها سلام خالص، بل هى استسلام مطلق لكل ظلم وبغى وعدوان.. هكذا كانت دعوة المسيح، وهكذا كانت سيرته وسيرة حوارييه وأتباعه، تحكمهم جميعا دعوة المسيح المشهورة، والتي تكاد تكون عنوان الرسالة المسيحية: «سمعتم أنه قيل عين بعين، وسنّ بسن، وأما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشرّ، بل من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر أيضا، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا» (5: إنجيل متى) . فماذا كان نتاج هذه الدعوة؟ هل سلم أتباعها من الأشرار؟ وهل كان موقفهم السلبي من المعتدين الآثمين شفيعا يشفع لهم عند هؤلاء المعتدين، أو يخفف ممّا يرمونهم به من ضر وأذى؟ وهل سلم المسيح نفسه إذ سالم الناس، واستسلم لهم؟ الحق أنّ ذلك كان إغراء لأهل السوء بأهل الصلاح والتقوى.. إذ أنهم ما إن علموا بأن المسيح وأتباعه لا يقابلون الشرّ بالشرّ والعدوان بالعدوان، حتى تسابقوا إلى مدّ يديهم إلى هذه المائدة الممدودة، لكل من يريد إشباع شهوته إلى البغي والعدوان، أو إرواء ظمئه إلى التسلط والقهر وإذلال الناس.. فما أكثر الجياع فى الناس إلى البغي والعدوان، وما أكثر الظمأى فيهم إلى التسلط على الناس وقهرهم وإذلالهم..! فكم لقى المسيح ولقى أتباعه من ضرّ وأذى؟ وكم احتملوا من بلاء

وعذاب؟ لقد كانت خطوات المسيح وخطوات أتباعه معه، على طريق ملطخ بالدماء.. دمائه ودماء أتباعه وحدهم.. وليس قطرة دم مراقة من هؤلاء الذين أراقوا دماءهم.. ولحكمة ما أراد الله سبحانه للمسيح أن يأخذ هذا الطريق، وأن يحمل تلك الدعوة، ويجرى تلك التجربة فى الحياة.. إنها دعوة قاسية، تسير فى اتجاه مضاد لسير الحياة.. وقد أرادها الله سبحانه هكذا، لعنة من اللعنات التي صبّها على اليهود وأخذهم بها فى كل مرحلة من مراحل تاريخهم مع الأنبياء والرسل.. فالمسيح- عليه السلام- هو نبىّ إلى اليهود خاصة، ودعوته مقصورة عليهم لا تتعداهم إلى غيرهم «1» .. وقد جاءهم المسيح بتلك الدعوة التي إن استقاموا عليها، كان فيها إذلالهم، وجعلهم موطئا لأقدام الناس.. وإن هم أبوا أن يقبلوها، ويأخذوا أنفسهم بها كانوا كافرين بالله، مأخوذين بما أعدّ الله للكافرين من خزى فى الدنيا عذاب مهين فى الآخرة.. وقد أشرنا من قبل «2» إلى أن الله قد أخذ اليهود بأحكام دينية، غايتها تأديبهم وإعناتهم وإذلالهم، لا إصلاحهم، وتقويمهم.. فقد حرم عليهم العمل فى يوم السبت، كما حرم عليهم ما أحل لغيرهم من طيبات الطعام.. وذلك مما لا تحتمله النفس، أو تصبر عليه.. واليهودىّ من هذا بين أمرين: إما أن يمتثل أمر الله فيه فيهلك، أو لا يمتثله فيكفر.!

_ (1) انظر فى هذا كتابنا «المسيح فى القرآن والتوراة والإنجيل» . (2) انظر تفسير الآية: «وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ..» (146: الأنعام) .

نقول: إن تجربة السّلم أو الاستسلام تلك التي دعا إليها المسيح، وعاش فيها قد كشفت عن حقيقة لا شك فيها، وهى أن الحياة ترفض هذه التجربة، ولا تقبلها كمبدأ من المبادئ العاملة فيها.. والمسيح نفسه قد أنهى هذه التجربة فى الأيام الأخيرة من حياته، وردّ إلى أتباعه وحواريّيه حقهم فى الحياة فى الدفاع عن أنفسهم.. يقول المسيح فى آخر موقف له مع تلاميذه: «حين أرسلتكم بلا كيس ولا مزود ولا أحذية.. هل أعوزكم شىء؟ فقالوا: لا، فقال لهم: «ممكن الآن من له كيس فليأخذه. ومزود كذلك، ومن ليس له فليبع ثوبه ويشتر سيفا.» (22: لوقا) !! إن السيف أمر لا بد منه لدفع العدوان، ولردع المعتدين.. والله سبحانه وتعالى يقول: «وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ» .. تلك هى سنّة الله فى خلقه، وذلك هو واقع الناس فيما أخذهم الله به من سنن. فالقول بأن الإسلام دين قام على السيف، دعوى كاذبة مضلّة، يراد بها النيل من المسلمين ودولتهم، كما يراد بها النيل من الإسلام وشريعته.. إنها دعوة خبيثة مسمومة، يراد بها أن تنهزم فى نفس المسلم معانى العزة والقوة، لأنه إن أراد أن يسقط تلك الدعوى الباطلة، ويدفع هذه التهمة الظالمة، كان أقرب سبيل إليه هو أن يتجرد من كل سلاح، وأن يتعرّى من كل قوة.. وما حاجته إلى السلاح إن كان السّلاح سبّة تدين دينه، وتريه منه أنه دين بداوة وهمجية، وشريعة غاب، يحكم مجتمعها التناطح بالقرون، والتقاتل بالمخالب والأنياب؟ هذه هى الحركة النفسية التي تحدثها تلك الدعوى الماكرة فى نفوس المسلمين، حين يلقون آذانهم إلى هذه التخرصات الفاسدة، التي تجعل القوة التي يبعثها الإسلام فى مجتمعه، شارة دالّة على بدائية هذا الدين وتخلّفه..

وتلك الحركة النفسية من شأنها أن تفعل فعلها فى تفكير المسلمين، وفى سلوكهم، فتصرفهم صرفا حادا عن كل سبب من أسباب القوة، وبذلك يخلو الطريق للعدوّ المتربص بالإسلام والمسلمين، فتمكنه الفرصة من التسلط عليهم، والاستبداد بأوطانهم وأرزاقهم.. الأمر الذي وقع على أبشع صورة وأشنعها، إذ وقعت أوطان المسلمين جميعها فريسة للاستعمار، الذي سلط عليها سيف القوة، فسلبها كل مقومات حياتها المادية والخلقية، وكاد يسلبها حياتها الروحية، لولا وثاقة هذا الدين، الذي يجرى فى مشاعر أهله، جريان الدم فى العروق. والحق أن هذه الدعاوى الباطلة التي يدعيها المدّعون على الإسلام، وأنه دين بداوة وشريعة غاب، يتعامل مع الناس بالظّفر والناب- هذه الدعاوى لا يقف أمرها وخطرها عند حدّ تشكيك المسلمين فى الإسلام وانحلال الرابطة التي تربطهم به أو توهينها، أو فى صرف غير المسلمين عن الالتفات إلى الإسلام، بإثارة هذا الجوّ المريب حوله، حتى لا ينظر فيه أولئك الذين خلت نفوسهم من الدّين، من أهل أوربا وأمريكا، الذين اصطدمت معارفهم العلمية بقضايا الدّين الذي ورثوه ميراثا عن آبائهم وأجدادهم، والذي استبان لهم منه بعد أن عرضوه على أضواء العلم الحديث أنه لا يلتقى مع عقل، ولا يستقيم على منطق، فهجروه، وزهدوا فيه، وأصبحوا على غير دين، الأمر الذي لا يبصرون طويلا عليه، إذ لا بد أن يطلبوا دينا، تعيش فيه مشاعرهم، وتتغذى منه أرواحهم، حيث لا يمكن أن يعيش إنسان- أي إنسان- من غير دين.. وليست موجات الإلحاد التي تغزو أوربا وأمريكا الآن إلا عرضا طارئا، جاء نتيجة لازمة لما كشف عنه العقل الحديث، من مفارقات بعيدة، بين الدّين الذي كان فى أيديهم، وبين منطق العقل، وواقع الحياة.. إن أهل أوربا وأمريكا ينشدون اليوم دينا، يملأ هذا الفراغ الروحي

الذي يعيشون فيه، ولو أنهم التقوا بالإسلام على حقيقته، وتعرفوا على موارده الصافية، لما مدّوا أبصارهم إلى دين غيره، ولكانوا من المؤمنين بالله، إيمانا قائما على دعائم ثابتة، تملك عقولهم وقلوبهم على السواء.. وتلك حقيقة يعرفها عن الإسلام أولئك الذين يحاربون الإسلام، ويخشون منه هذا الغزو السلمى المكتسح، الّذى من شأنه- لو قدّر له أن يتصل بالنّاس اتصالا مباشرا من غير أن يثار فى وجهه غبار الضلال ودخان الإفك- أن يقوض سلطان المتسلطين على الناس هناك باسم الدين، وأن يسلبهم هذا الجاه العريض الذي يعيشون فيه.. تماما كما فعل مشركو قريش حين جاءهم الإسلام فأنكره سادتهم وحاربوه، وهم يعلمون أنه الحق من ربّهم، ولكنه الحق الذي يسلبهم منزلتهم فى الناس، ويسوّى بينهم وبين عامة الناس، فآثروا السلطان الذي فى أيديهم، مع العمى والضلال، على الحق الذي عرفوه وأنكروه!. ومن أجل هذا كانت تلك الحرب المسعورة التي يشنها أصحاب الرياسات الدينية ومن فى حكمهم، على الإسلام، حتى يسلم لهم ما فى أيديهم من جاه وسلطان، ولو هلك الناس، وغرقوا فى الضّلال، ودانوا بالكفر والإلحاد!. ومع هذا كله، فإن المستقبل للإسلام، وستكشف الأيام وجهه المشرق الوضيء للناس يوما، إن عاجلا أو آجلا، وسيصبح هذا العنوان الذي اتخذه «الإسلام» عنوانا له، وسمة دالة عليه- هو دين الإنسانية كلها، وبهذا يتحقق قول الحق جلّ وعلا: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ» ، وقوله سبحانه: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» . هذه حقيقة نؤمن بها إيماننا بالله، وبدين الله، وبكتاب الله.. وإن هذه

الرّميات العمياء التي يرمى بها الإسلام لن تنال منه، ولن تقف فى طريق أنواره أن تملأ الآفاق، وأن تبسط على الأرض سلطانها، لأنها نور من نور الله: «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» . ونعود إلى قضية السيف التي يدّعيها المدّعون على الإسلام، وأنه قام عليه، وفتح طريقه إلى القلوب به- فنقول: إنه لو كان أمر الإسلام أمر قوة، لما كان فى الحياة اليوم إنسان يدين بالإسلام، ولما كانت دعوة الإسلام أكثر من حدث من أحداث التاريخ، عاش فى الحياة زمنا، ثم طواه الزمن فيما طوى من وقائع وأحداث. فهل هذا هو واقع الإسلام؟ وهل هذا هو شأنه فى وقائع الحياة وأحداثها؟ إن الأمر لعلى عكس هذا تماما.. وإن شهادة الواقع لا تحتاج إلى بيان.. فهى ناطقة بأفصح لسان، بأن دولة الإسلام تزداد على الأيام امتدادا واتساعا، وأن زحفه السلمىّ المكتسح لم يتوقف لحظة واحدة، حتى فى أقسى الظروف وأحلكها، التي مرّت بالإسلام وألقت بكل ثقلها عليه.. لقد قطع الإسلام من حياته المباركة أربعة عشر قرنا.. وأنه إذا سلّمنا بالقول بأن الإسلام قام على السيف والقوة، فى أول حياته، فإنه محال أن يسلّم بالقول بأن ذلك السيف وتلك القوة قد صحبا الإسلام، وكانا مستندا له على امتداد هذا الزمن كلّه.. فما عرف الناس فى الحياة قوة تظل حارسة ساهرة لمبدأ من المبادئ أو نزعة من النزعات، أكثر من سنوات معدودات.. لجيل أو جيلين.. أما أن تظل هذه القوّة قرونا متطاولة من الزمن، قائمة على حراسة مذهب من المذاهب، أو نزعة

من النزعات، فذلك ما لم يكن ولن يكون أبدا.. فإن القوة إنما تخدم غرضا ذاتيا يعيش فى كيان إنسان من الناس، أو جماعة من الجماعات، ولن تتجاوز حياتها بحال حياة هذا الإنسان أو تلك الجماعة.. ثم يموت المبدأ أو المنزع، بموت القوة التي أقامته، وحرسته! ونفترض جدلا أن تقوم قوة ما لخدمة غاية من الغايات أجيالا متعاقبة، ونفترض جدلا كذلك، أن هذه الأجيال قد تواصت فيما بينها على اتخاذ هذه القوة حارسة على هذه الغاية التي تنشدها وتعيش فيها.. فهل حدث هذا فى المجتمع الإسلامى؟ وهل كانت القوة دائما إلى جانب الإسلام، تحرسه، وتدافع عنه؟ التاريخ يشهد شهادة لا شك فيها- وواقع المسلمين اليوم ينطق بها- بأن دولة المسلمين التي قامت فى صدر الإسلام، والتي كان لها ما كان من قوة وسطوة- هذه الدولة، قد تفككت وانحلت بعد ثلاثة قرون، وعراها الوهن والضعف، وأصبحت دولة الإسلام إمارات ودويلات متنابذة متخاصمة، وخضع كل صقع من أصقاع هذه الدولة، لقوى غاشمة طاغية، تضمر للمسلمين كل عداوة، وترصد للإسلام كل شر.. لقد وقع الإسلام والمسلمون فى وجه عواصف عاتية جائحة، للغزو البربري، الذي كان من شأنه أن يدمر كل شىء، ويأتى على كل شىء، لولا قوة هذا الدين، وما غرس فى أتباعه من معالم الحق والخير.. وحسبك أن تذكر هنا الغزو التترى، أو الغزو المغولى.. فما مرّ أحدهما بمواطن من المواطن إلا أحاله خرابا يبابا.. ثم حسبك أن تذكر الحروب الصليبية، ثم الاستعمار الغربي الذي تسلط على قارتى أفريقيا وآسيا، حتى لقد كانت مواطن الإسلام كلها

تحت يده.. فما حلّ الاستعمار بأرض إلا أجدبت من كل خير، وأصبحت مرعى خصبا لآفات الجهل والفقر والضعف.. ومع هذا كله، ومع ما أصاب المسلمين من بلاء، فقد بقي الإسلام فى قلوب أهله متمكنا قويّا، لا يتحولون عنه أبدا، ولو أخذوا بكل ألوان الضر والأذى، فى أموالهم وأنفسهم، أو جىء إليهم بكل مغريات الحياة من مال ونساء على يد المستعمرين والمبشرين.. فتاريخ الاستعمار للدول الإسلامية، يؤلف كتابا ضخما، أسود الصفحات، لما كان يأخذ به المستعمرون الأمم الإسلامية بصفة خاصة، والعربية بصفة أخص، من بغى وعدوان، وتسلط قاهر، على مقومات الحياة فى تلك الأمم، وخاصة ما يتصل بالعقيدة الدينية، وما تلقّاه عنها أهلها من لغة وعادات وتقاليد، وذلك ليضعفوا الصّلات التي تصل المسلمين بدينهم، وليوهنوا من الأسباب التي تربط بين جماعاتهم.. ومع هذا كله فقد بقي الإسلام متمكنا فى القلوب، راسخا فى الضمائر، مختلطا بالمشاعر، لم يسلم للمسلمين شىء غيره، مما كان لهم فى هذه الدنيا، التي سلبهم الاستعمار إياها، أو قتلها، حيث لم يكن له حاجة فيها.. وكان الإسلام دائما هو القوة التي يستند إليها المسلمون، كلّما خذلتهم قوى الحياة جميعا، من علم، ومال، ورجال.. وتاريخ التبشير فى المحيط الإسلامى يحدّث عن أكبر هزيمة، وأعظم خيبة منى بها عمل من الأعمال، أو أصيب بها حركة من الحركات، أو انتهت إليها دعوة من الدّعوات. فما استطاعت تلك الحملات التبشيرية التي رصدت لها دول أوربا وأمريكا الأموال الضخمة، وجنّدت لها العقول الجبارة- ما استطاعت هذه الحملات أن

تنال من الإسلام منالا، أو أن تحوّل مسلما واحدا عن دينه، أو تفتنه فيه، بل كان المسلم الأمّىّ الساذج، يفحم بفطرته السليمة، وبعقيدته السمحة الواضحة كلّ منطق، ويخرس كل ذى لسان، حتى يرفع بصره إلى السماء قائلا: «لا إله إلا الله» .! فإذا ادّعت حملة من حملات التبشير أنها استطاعت بحولها وحيلتها أن تخرج مسلما عن إسلامه، فقد كذبت وافترت، لتخدع أولئك الذين يمدونها بالمال، كى يدوم لها هذا المدد. فإنها- وقد فاتها الكسب الديني- حريصة على ألا يفوتها الكسب المادىّ من هذا المال الذي يتدفق إليها فى سخاء من كل جهة، وإنه لمال كثير، أثرى به عدد وفير من أدعياء الدين، الذين يتخذون التبشير تجارة لهم، ودعاية للاستعمار، وتمكينا للمستعمرين.. نريد من هذا أن نقول: إن الإسلام بقوته الذاتية، هو الذي حمى المسلمين فى ساعات العسرة، وأمسك بهم على ضربات الزمن القاتلة، وأمدهم بأمداد لا تنفد من القوى الروحية، التي لم تنل منها يد التسلط والبغي، ولم تنفذ إليها ضربات المتسلطين والباغين.. وإنه لولا الإسلام لما بقي لمواطن المسلمين معلم من معالم الحياة، يعرفون به مكانهم فى هذا التيه الذي رماهم الزمن به. فالمسلمون ليسوا هم الذين وسعوا رقعة الإسلام، ومكّنوا له فى الأرض، ودفعوا به إلى كل أفق من آفاقها، بل الإسلام نفسه هو الذي جعل للمسلمين دولة.. والإسلام نفسه هو الذي غذّى هذه الدولة بأسباب الحياة والنّماء.. والإسلام نفسه هو الذي كان الدرع الواقية والحصن الحصين لأهله، يلوذون به، ويستظلون بجناحه، كلما لفحهم هجير الحياة، وتعاوت حولهم الذئاب..

إن الذي كان يمكن أن يكون موضع طعن فى الإسلام لمن تسوّل له نفسه الطعن فيه، هو أن يتجه بذلك إلى مبادئه وأحكامه.. أهي حقّ أم باطل؟ أهي خير ورحمة للإنسانية أم هى شر ووبال عليها؟ وهل سعدت الإنسانية فى ظل الإسلام أم شقيت؟ وهل هذه الملايين التي تدين بالإسلام اليوم مكرهة عليه، وواقعة تحت قوة قاهرة، تحملها عليه، وتلجئها إلى التمسك به؟. هذا ما كان ينبغى أن يكون مدار هذه الدعوى، إن كان لا بد من دعوى يدعيها أعداء الإسلام على الإسلام.. أما تلك الدعوى الخبيثة التي تتجه اتجاها مباشرا إلى تجريد المسلمين من القوّة، وخلق عقدة نفسية بينهم وبينها، فذلك هو الغرض الذي تحاول تلك الدعوى أن تحقّقه فى المجتمع الإسلامى، ليتعرّى من القوة وأسبابها، وليظل أعزل من كل سلاح، على حين يعمل أعداء الإسلام والمسلمين جاهدين على الإعداد للقوة، والأخذ بكل أسبابها. ثم ما الإسلام؟ أهو مجرّد مبادئ وأحكام ملقاة فى العراء، لا يلتفت إليها أحد، ولا يتأثر بها إنسان، أم هو مبادئ وأحكام، يؤمن بها الناس، ويعيشون فى ظلها، ويعملون بوحيها؟ وقد يصح أن يكون الإسلام مجرد مبادئ وأحكام، وذلك فى معرض الدراسات النظرية التي تعنى بدراسة الأفكار وتمحيصها، دراسة فلسفية نظرية، بعيدة عن مجال التطبيق العملي لها. أما حين تصبح هذه المبادئ وتلك الأحكام فى مواطن العقول، وفى قرارة القلوب، وفى خلجات الضمائر، ومسرى المشاعر، فإنها إذا ذاك لا يمكن

أن تكون شيئا منفصلا، له حقيقة مستقلة، تقع عليها أحكام خاصة بها. فدعوى أن الإسلام قام على السيف، لا يمكن أن توجه إلى الإسلام فى مبادئه وأحكامه، وقد رأينا كيف عاش وسيعيش الإسلام بلا سيف ولا قوة، قرونا متطاولة، لا تنتهى إلا بانتهاء الحياة.. وإنما تتجه هذه الدعوى- قبل كل شىء- إلى المجتمع الذي يدين بالإسلام، ويعيش فى ظلّ أحكامه وتعاليمه.. ومع هذا نستطيع أن نقول إن وجه الدعوى يجب أن يكون على هذا الوضع: «المجتمع الإسلامى مجتمع قام على السيف..» وحينئذ يمكن أن تسمع هذه الدعوى، وتكون موضع نظر وبحث.. فالدعوة الإسلامية- فى ذاتها- لم تقم على السيف، وإنما الذي قام على السيف وكان لا بد أن يقوم عليه دائما، هو المجتمع البشرى الذي انضوى تحت لواء هذه الدعوة، ثم امتدّ وامتدّ حتى صار دولة عريضة طويلة، تنتظم شطر العالم أو أقلّ من شطره قليلا. وطبيعى أن مجتمعا كهذا المجتمع فى الامتداد والسّعة، لا يمكن أن يكون أعزل من السلاح، مجرّدا من القوة.. فإن طبيعة الحياة تأبى أن يعيش الضأن مع الذئاب.. بل لا بد أن يكون هناك توازن فى القوى، وإلّا، فالويل للضعيف! إن المجتمع الإسلامى- كأى مجتمع فى الحياة- له ذاتيته المتميزة، وله وجهته وفلسفته فى الحياة.. وطبيعى أن تقوم فى ظلّ هذه المعاني عصبية، هى التي تجتمع عليها الأمم والشعوب، وتقيم منها وحدة مميزة فى مشاعرها، ومنازع أفكارها، ومتجه سلوكها.. كما كان لا بد أيضا أن يتعصب على هذه الأمم وتلك الشعوب أعداء يخافون قوتها، أو يطمعون فى ضعفها، ومن هنا يكون الصراع الذي

لا بد منه فى الحياة، والذي لا بد له من قوة، ولا بد لهذه القوة من سيف، بل ومن سيوف! ونعود فنذكّر من نسى، فنقول: إن اليوم الذي تخلّى فيه المسلمون عن القوة، كان هو اليوم الذي فيه حينهم ومصرعهم، بأيدى من يملكون القوة.. ثم لم يكن للمسلمين من قوة يستندون إليها إلا الإسلام، الذي منحهم الإيمان، والصبر، والعزم، وعمر قلوبهم باليقين بأن شاطىء النجاة قريب منهم، إن هم تمسّكوا بدينهم، وقاموا على شريعته، وأخذوا بهديه، والتمسوا أسباب القوة المادية التي أمرهم الله بها فى قوله تعالى: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ» إلى جانب القوة الروحية التي عمر الإسلام قلوبهم بها.. ومن خلال هذه المشاعر كانت تنقدح فى صدور المسلمين شرارات الأمل والرجاء، فيشتدّ عزمهم، ويقوى إيمانهم، وتذهب وحشتهم، وهم فى صحبة دينهم، وفى ظلّ مما يفىء عليهم من خيره الكثير. فلنحذر إذن هذه الدعوى الخبيثة، التي تجعل من تهم الإسلام عندها، أنه قام على السيف، ولنعدّل موقفنا تجاه هذه الدعوى، فإننا- عن حسن نية- قد علمنا جاهدين على دفعها، وتبرئة ساحة الإسلام منها، كما أننا حمدنا لبعض المستشرقين- ونواياهم معروفة- ما كان منهم من دفاع فى تبرئة ساحة الإسلام من هذه التهمة!! فليكن الإسلام قام على السيف أو لم يكن، وإنما الحقيقة التي لا جدال فيها هو أننا الآن- أمم المسلمين- ندين بالإسلام.. دينا فى قلوبنا، ينير طريقنا فى الحياة، ويسدّد ويثبت خطانا على مواقع الحقّ، كما أننا ندين أو يجب أن ندين بالقوة، سلاحا فى أيدينا نحمى به مجتمعنا، ونصون بها مقدّساتنا، وندفع بها يد المعتدين على أوطاننا..

الآيات: (64 - 66) [سورة الأنفال (8) : الآيات 64 إلى 66]

الآيات: (64- 66) [سورة الأنفال (8) : الآيات 64 الى 66] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66) التفسير: المسلم.. وكم حسابه فى ميدان القتال؟ السلاح ليس هو كل شىء فى القتال، وتحقيق النصر.. وأعداد المقاتلين وكثرتهم، ليست هى الميزان الذي يرجح به جيش على جيش.. وإنما الذي يجعل للسلاح أثره وفاعليته، ويقيم للكثرة وزنا وقدرا، هو درجة الإيمان التي يكون عليها الطرفان المتقاتلان.. فالإيمان حين يعمر قلب المؤمن، ويملك عليه مشاعره- يجعل العصا التي فى يد المؤمن أكثر مضاء، وأقوى أثرا من السيف فى يد غير المؤمن، أو من هو أضعف إيمانا منه. ومن هنا كان من منن الله سبحانه وتعالى على نبيّه أن جعل أولياءه الذين يدفعون العدوّ عن دعوته، جندا مسلحين بالإيمان والتقوى، بعد أن تسلحوا بالسلاح، وأعدوا للعدو ما يرهبونه به، من القوة ومن رباط الخيل.. وفى قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»

إشارة إلى هؤلاء الجند الذين أقامهم الله سبحانه جنودا لنصرة النبىّ، ودفع يد الباغين عليه، المتسلطين على دعوته.. وإنه ليكفى النبىّ كفاية مطلقة أن يكون الله سبحانه وتعالى حسبه وكافيه، فهو فى ضمان وثيق من الحماية التي لا تغفل أبدا، ولا تقف لقوتها قوة أيّا كان بأسها، وكانت سطوتها.. وإذن فما تأويل قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» ؟ وما داعية عطف المؤمنين على لفظ الجلالة؟ وهل قوة الله سبحانه وتعالى تحتاج إلى قوة تسند وتعين؟ تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.. والجواب- والله أعلم- أن فى هذا العطف تشريفا وتكريما للمؤمنين، إذ أن في هذا العطف وصلا لهم بالله سبحانه وتعالى، وجعلهم نفحة من نفحات رحمته، وجندا من جنوده التي يدافع بها عن الحق، ويدفع بها فى وجه الباطل: «أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» . وقد ذهب كثير من المفسرين إلى إضافة المؤمنين إلى النبىّ، بمعنى: يا أيها النبىّ حسبك الله، وحسب المؤمنين، أي يكفى أن يكون الله ناصرا لك وللمؤمنين.. وهذا معنى لا نرضاه، إذ يدفع عن المؤمنين هذا التكريم الذي اختصهم الله به، بل ويذهب بما جاء فى قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ» ! وقوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ» هو تشريف للمؤمنين، ودفع لقدرهم، وأنهم- بما فى قلوبهم من إيمان- فى منزلة لا ينالها الكافرون والمشركون، وأن الواحد منهم يرجح عشرة من هؤلاء الذين لا يؤمنون بالله.

والأمر بتحريض النبىّ للمؤمنين على القتال، إنما جاء بعد أن أمروا بأن يعدّوا لقتال العدوّ ما استطاعوا من عدد الحرب ووسائل القتال، من سلاح، وعتاد، وخيل.. وذلك بعد أن أعدّوا الرّجال الذين راضوا أنفسهم على الجهاد فى سبيل الله، ووطنوها على الاستشهاد ابتغاء مرضاة الله.. فإذا جاء النبيّ بعد هذا يحرّض المؤمنين على القتال، ويستحثهم له، ويغريهم به، وجد قلوبا صاغية إليه، ونفوسا مستجيبة لما يندبهم له، إذ كان إنما يدعو مؤمنين استجابوا للحرب، ويستحث جنودا أعدوا أنفسهم للحرب، ورصدوها للدفاع عن دين الله، وملئوا أيديهم بالسلاح، كما ملئوا قلوبهم بالإيمان. وفى قوله تعالى: «فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ» - أمور.. منها: أولا: هل هذا الشرط خبر فى لفظه ومعناه.. بمعنى أن المراد به الكشف عن قدر المؤمنين، وما بينهم وبين الكافرين من بعد بعيد فى القوة.. أم أنه خبر أريد به الأمر والإلزام، بمعنى أنه مطلوب من المؤمنين ديانة وشرعا، أن يثبت فى ميدان القتال لعشرة من الكافرين.. فإن فرّ، أو نكل كان آثما..؟ أجمع المفسّرون على أن هذا الشرط خبر مراد به الأمر، وأن واجبا على المسلم أن يثبت للعشرة من العدوّ فى ميدان القتال، وأن يغلبهم، فإن فرّ أو نكث كان آثما، بل ذهب بعضهم إلى أكثر من هذا، فقال: إن المسلم إذا لم يقتل العشرة، بل قتل هو، كان آثما، لأنه لم يحقق ما أمره الله به، وهو أن يغلب العشرة، لا أن يثبت لقتالهم وحسب!

وهذا الرأى الذي أجمع عليه المفسّرون قائم على أن هذه الآية منسوخة بالآية التي بعدها، وهى قوله تعالى: «الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً..» . وسنعرض لقضية القول بالنسخ، بعد هذا.. والذي نراه- والله أعلم- أن هذا الشرط هو خبر فى مبناه، ومعناه، ومفاده.. وأن هذا الخبر قد جاء تعقيبا على أمر الله سبحانه وتعالى النبىّ، بتحريض المؤمنين على القتال، وإغرائهم به، ليهوّن على المسلمين أمر القتال، وليخفف عنهم بعض ما يقع فى نفوسهم من تكره له، حين يرون قلّتهم وكثرة العدوّ المتربص بهم.. فإذا علموا أنّهم بإيمانهم بالله، وبتأييد الله لهم، أن الواحد منهم يغلب عشرة من الكافرين، طمعوا فى أعدائهم، واستقبلوا الدعوة إلى لقائهم، على رجاء وأمل فى الظفر بهم. وثانيا: لم كان وزن المؤمنين فى هذه الآية بحيث يغلب الواحد منهم عشرة من الكافرين.. ثم كان وزنهم فى الآية التي بعدها، بحيث يغلب الواحد منهم اثنين من عدوّهم؟ يقول أكثر المفسّرين: إن ذلك كان والمسلمون قليلون، وذلك فى أول الإسلام، فكان فرضا عليهم أن يحملوا هذا العبء الثقيل، وأن يقف الواحد منهم لعشرة من العدو، ويتغلب عليهم.. فلما كثر المسلمون بعد هذا، خفف الله عن المسلمين الأولين ما فرضه عليهم أول الإسلام، فبدلا من أن يلقى الواحد منهم عشرة ويغلبهم، أصبح المطلوب منه أن يصمد لاثنين فقط ويتغلب عليهم.!!

وهذا يعنى أن الآية الثانية جاءت ناسخة للحكم الذي تضمنته الآية الأولى.. والذي نقول به- والله أعلم- أن الآيتين محكمتين، لا نسخ فيهما، ولا تناسخ بينهما.. وذلك أن الحكم الذي تضمنه الشرط فى الآيتين وارد فى صيغة الخبر، والمعروف عند الذين يقولون بالنسخ، أنه لا تناسخ بين الأخبار ولا يرد هذا قولهم: إن الخبر يراد به الأمر هنا، فهذا القول منهم لا حجة لهم عليه، إلا القول بأن الآيتين متناسختين، وذلك يقضى بأن يكون الحكم فيهما واردا فى غير خبر.. فلزم لذلك أن يخرج الخبر عن معناه إلى معنى الطلب.. فالحجة على النسخ، هى القول بالنسخ.. وإذن فلا حجة! ومن جهة أخرى.. فإن القول بالنسخ يقضى بأن يكون بين الآيتين- الناسخة والمنسوخة- مسافة زمنية، بحيث يكون لتغيّر الحكم ونسخه بحكم آخر مقتض اقتضاه تغيّر الحال بامتداد الزمن.. وليس هناك دليل يدل على أن فارقا زمنيا وقع بين نزول الآيتين.. بل ظاهر الآيتين ينبىء عن أنهما نزلتا معا فى وقت واحد.. وقد قيل إنهما نزلتا فى غزوة بدر، وقيل قبل بدء القتال.. وهذا قول يقول به القائلون بالتناسخ بين الآيتين ويقررونه! فالآية الأولى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ، إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ..» هذه الآية هى إخبار عن حال المؤمنين فى الوقت الذي خوطبوا فيه بها، وأنهم يحملون من طاقات القوى الروحية والنفسية بما فى قلوبهم من إيمان وتقوى، بحيث يغلب الواحد منهم عشرة من الكافرين.. إذا حقّق معنى «الصبر» الذي هو قيد للشرط. هذا ما سمعه المسلمون يؤمئذ من خطاب الله سبحانه وتعالى لهم، فانكشف لهم منه ما أودع الله فيهم- بسبب إيمانهم- من تلك القوى العظيمة التي

يجدونها معهم، وفى هذا ما يريهم فضل الله عليهم، وتكريمه لهم، وأنهم موضع لرحمة الله، ومغرس كريم لآلائه ونعمائه.. وتلك نعمة جليلة من نعم الله، وبشرى مسعدة مما يبشر الله به عباده المؤمنين.. ومن تمام هذه النعمة، وكمال هذه البشرى أن تتبع النعمة بنعمة، وأن ترفد البشرى ببشرى، وهذا ما جاءت به الآية الكريمة بعد هذا: «الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ» وهذا الخبر الذي تلّقّاه المسلمون من هذه الآية هو خبر على حقيقته، لم يقصد به الأمر، بأن يكلّف المسلم التغلب على اثنين من الكافرين بدلا من عشرة.. بل إن هذا الخبر يثير فى نفس المسلم شعورين: أولهما: الإحساس بأنه وإن كان فى كيانه من القوّة ما يقوم لعشرة من الكافرين، فقد عرضت له عوارض من خارج نفسه، قد أخذت من تلك القوة لحسابها، حتى تتوازن، وتحتفظ بأدنى مستوى من القوة يكون عليها المؤمن فى قتاله للكافرين.. ذلك أن هذا الضعف الذي ورد على المسلمين لم يكن مؤثّرا على تلك الجماعة التي التقى بها الإسلام على أول الطريق، والتي آمنت به إيمانا اشتمل على وجودها كلّه.. فهذه، الجماعة لم تزدها صحبتها للإسلام إلّا قوة إلى قوة، ويقينا إلى يقين.. وإنما جاء الضعف إليها مع أولئك الذين دخلوا فى دين الله أفواجا، فآمنوا كما آمن الناس، متابعة لرؤسائهم وأصحاب الكلمة فيهم، دون أن يتعرّفوا إلى الإسلام، وأن يخلطوا أنفسهم به، ويضيفوا وجودهم إليه..

وهؤلاء كانوا معظم الأعراب الذين يقول الله سبحانه فيهم: «قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا. وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ» (14: الحجرات) . ولهذا فقد ارتدّ كثير منهم عن الإسلام، بعد وفاة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، إذ لم يك الإيمان قد دخل قلوبهم وسكن إليها. فهؤلاء مسلمون قد دخلوا فى صفوف المسلمين، وحاربوا مع المؤمنين، فلم يكن فيهم من القوى الروحية ما يرفعهم كثيرا عن المشركين، ويجعل قوة الواحد منهم تعدل قوة رجلين من العدوّ، فضلا عن عشرة.. ولهذا أضيف حسابهم إلى حساب الصفوة المختارة من المسلمين، من صحابة رسول الله من المهاجرين والأنصار، الذين كانت ولا تزال قوة الواحد منهم تعدل عشرة من الكافرين.. وبهذا صار حساب المسلمين فى مجموعهم قائما على هذا التقدير: الواحد منهم باثنين من عدوّهم.. على حين أن أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما زال الواحد منهم يرجح فى نفسه عشرة من الكافرين.. بل وأكثر من هذا.. فإن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلّم لم يكونوا على درجة واحدة فى هذه القوة.. بل كان فيهم من يرجح العشرين، والثلاثين بل والمائة من العدوّ، على حين كان فيهم من يرجح الاثنين أو الثلاثة أو الأربعة، أو العشرة.. فإذا أضيف حساب بعضهم إلى بعض كانوا فى مجموعهم على هذا التقدير الذي أخبر القرآن الكريم به، وهو أن الواحد منهم يرجح عشرة من عدوهم.. وهذا هو السرّ فى أن المؤمنين قد لبسوا صفه واحدة، وحسبوا كيانا واحدا فى قوله تعالى: «إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ» ، ولم يجىء الخبر القرآنى عنهم بلفظ المفرد.. هكذا: الواحد منكم يغلب عشرة..!

وهذا هو السرّ أيضا فى أن حساب المؤمنين كان فى أول الأمر محصورا فى أعداد قليلة.. عشرين ومائة، على حين كان بعد ذلك مدلولا عليه بالمئة والألف.. إذ كانوا فى الأول أعدادا قليلة فى مجموعهم، ثم تضاعفت هذه الأعداد، فكانت ألوفا ألوفا.. وثانى الشعورين اللذين يجدهما المسلم من قوله تعالى: «الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ... » - أنّه على أية حال يكون عليها المسلمون- فى مجموعهم- من الضعف، فإنهم أرجح كفّة من عدوّهم فى مجموعه، وأن جماعتهم المقاتلة تغلب الجماعة المقاتلة لها ولو كانت مثليها فى العدد.. وهذا ميزان المسلمين المقاتلين دائما، فى أي حال، بل وفى أسوأ حال.. لأنهم إنما يقاتلون فى جبهة الحق، ومن أجل قضية الحقّ.. وهذا من شأنه أن يقيم فى كيانهم شعورا بأنهم إنما يقاتلون لله، وفى سبيل الله، لا لأنفسهم، ولا لدنيا يريدونها.. فهم- والحال كذلك- جند من جند الله ... يمدّهم الله بعونه، وتأييده، ونصره.. وهذا ما يشير إليه تعالى، فيما كان عليه المؤمنون والمشركون فى غزوة بدر، إذ يقول سبحانه: «قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ» (13: آل عمران) . وعلى هذا، فإن قوله تعالى: «الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ» ليس مرادا به رفع حكم كان واقعا على المؤمنين، ملزما لهم، حيث كان الواحد منهم مطالبا بقتال وقتل عشرة من العدو، ثم أصبح مطالبا بقتال وقتل اثنين- بل إنه إلفات للمسلمين إلى ما أمدهم الله سبحانه وتعالى به من أنصار وأعوان، حين كثّر أعدادهم، وأنهم الآن ليسوا هم وحدهم الذين يحملون عبء الدفاع عن الدعوة الإسلامية، فى وجه عدو يملأ وجه الأرض حولهم، فقد كثرت

أعداد المسلمين معهم، وإن كانوا أضعف منهم إيمانا، وصبرا على مكاره الحرب، واستبسالا فى لقاء العدوّ. فالآية الأولى خبر، يكشف عن حال، والآية الثانية، خبر آخر يكشف عن حال أخرى. وعلى هذا تظل الآيتين تحدثان عن حالين من أحوال المسلمين، حالهم حين يكون إيمانهم على هذا المستوي الذي كان عليه المسلمون الأولون السابقون من المهاجرين والأنصار.. وحالهم حين يضعف إيمانهم فتعرض لهم عوارض الضعف والوهن فى لقاء عدوّهم. وهذا من شأنه ألا يقطع الأمل فى نفوس المسلمين بأن ينشدوا القوة دائما، وأن يلتمسوها فى الإيمان والصبر، وأنه كلما قوى إيمانهم وصبرهم قويت شوكتهم، واشتدت على العدوّ وطأتهم، وكان حساب الواحد منهم راجحا بعشرة من العدو المقاتل لهم.. فإذا كانت جماعة من جماعات المسلمين فى صقع من أصقاع الأرض، تقاتل فى سبيل الله، وكانت فى قلة ظاهرة أمام عدوّ كثيف العدد، فإنّ لها أن تنشد المدد من الإيمان بالله، وأن تنظر إلى نفسها على ضوء قول الله تعالى: «إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ» فإن هم فعلوا ذلك، وأخلصوا النية والعمل لله، حققوا هذا الوصف الذي وصف الله سبحانه وتعالى به المؤمنين، الذين خلت نفوسهم من الضعف، والوهن.. وقد فعل المسلمون هذا فعلا، فى سيرتهم مع الإسلام، وفى انتصارهم على أعداد تكثرهم أكثر من عشرة أضعاف. فإن كنت فى شك من هذا فاسأل التاريخ.. بكم من المسلمين فتح

خالد بن الوليد مملكة فارس؟ وبكم من المسلمين فتح أبو عبيدة بن الجراح بلاد الروم؟ وكم كانت أعداد المسلمين الذين فتح بهم عمرو بن العاص مصر؟ وبكم من المسلمين اقتحم طارق بن زياد بلاد الأندلس، واستولى على زمام الأمر فيها؟ وجواب التاريخ هنا شهادة قاطعة بأن المسلم إذا استنجد بإيمانه بالله، كان وحده كتيبة تغلب العشرات، لا العشرة من جند العدوّ.. ونسأل: ترى لو فهم المسلمون هاتين الآيتين- الناسخة والمنسوخة- على أنهما حكمين، ملزمين لهما.. أكان هذا الذي كان منهم، فيما يحدّث به التاريخ عنهم فى ميدان القتال؟ وفيما حققوه من نصر مبين على أعدائهم الذين التقوا بهم فى أكثر من ميدان، وهم قلة قليلة فى وجه أعداد كثيرة، إذا أحصيت كان المسلم محسوبا فيها بحساب عشرات وعشرات؟. وفى قوله تعالى فى وصف العدو المقاتل للمؤمنين: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ» ما يكشف عن الفارق الذي فرق بينهم وبين المؤمنين، حتى كان المؤمن يغلب عشرة منهم، وقد يكون فى هؤلاء العشرة من هو أقوى قوة، وأمتن بناء، وأشدّ ساعدا.. ذلك أن المشركين، والكافرين من أعداء المؤمنين «قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ» أي لا يسكن إلى كيانهم إيمان بالله، وباليوم الآخر، فهم حين يقاتلون إنما يقاتلون على مخاطرة بحياتهم التي يحيونها فى الدنيا، ولا تخطر يبالهم خاطرة أن وراء هذه الحياة حياة أخرى أخلد وأبقى، وأطيب وأهنأ لمن آمن واتقى ... ومن هنا كان حرصهم على ما فى أيديهم من حياة حرص الشحيح على شربة ماء تقع ليده

الآيات: (67 - 71) [سورة الأنفال (8) : الآيات 67 إلى 71]

على ظمأ، فى صحراء.. ومن هنا أيضا كان جبنهم فى مواقف القتال، وانحلال عزائمهم، وزيغان أبصارهم، وتطاير قلوبهم هلعا وفزعا. هذا، على حين أن المؤمن يقاتل وهو على «فقه» بالموقف الذي يقفه، وأنه صائر به إلى إحدى الحسنيين، إما النصر الذي يكتب به للإسلام عزّا، وينال به عند الله أجرا، وإما الاستشهاد الذي ينتقل به إلى دار خير من داره، وإلى عالم أكرم وأطيب من عالمه، حيث ينطلق فى رحاب الله، ينعم بما تشتهى الأنفس وتلذ الأعين، فى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين. الآيات: (67- 71) [سورة الأنفال (8) : الآيات 67 الى 71] ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71) التفسير: قوله تعالى: «ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ» . نزلت هذه الآية فى غزوة بدر، وفى شأن الأسرى الذين وقعوا فى يد المسلمين من مشركى قريش، وكانت عدّتهم سبعين أسيرا..

وقد استشار النبىّ أصحابه فى شأنهم، إذ لم يكن قد جاءه أمر سماوى فيهم، فاختلف الصحابة فى المعاملة التي يعاملونهم بها.. فقال بعضهم بقتلهم، وذلك ليكونوا عبرة لغيرهم، وتوهينا لشوكة المشركين، بالقضاء على القوة العاملة فيهم، إذ كان هؤلاء الأسرى وجوه القوم وسادتهم.. وينسب هذا الرأى إلى عمر ابن الخطاب، وعبد الله بن رواحة- رضى الله عنهما.. وقال بعض الصحابة باستبقائهم وأخذ الفدية منهم، إبقاء على أواصر القربى، وإعانة للمسلمين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، بما يؤخذ منهم فدية.. وينسب هذا الرأى إلى أبى بكر الصديق.. رضى الله عنه. وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلّم بالرأى القائل باستبقاء الأسرى وقبول الفدية منهم.. ثم أخذ- صلوات الله وسلامه عليه- الفدية من بعض الأسرى، ثم كان لا يزال ينتظر ما فرض على بعضهم منها، حين نزل قوله تعالى: «ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ» .. والإثخان فى الأرض: التسلط عليها والتمكن منها بالقوة.. يقال أثخن فلان أي جرح فى القتال جرحا شلّ حركته، وأبطل عمله فى الحرب، ومنه قوله تعالى: «فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها» (4: محمد) وفى توجيه الخطاب إلى النبىّ توجيها غير مباشر فى قوله تعالى «ما كانَ لِنَبِيٍّ» تكريم ربانىّ للنبىّ الكريم، إذ لم يوجّه إليه سبحانه الخطاب فى صيغة محددّة، مباشرة هكذا.. «ما كان لك أيها النبي» مثلا..

وفى توجيه اللوم إلى المؤمنين بقبول الفدية فى قوله تعالى: «تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا» تكريم بعد تكريم لمقام النبىّ، وعدم مواجهته بما يسوؤه.. والعرض: خلاف الجوهر، وعرض الدنيا، متاعها الزّائل.. والدنيا كلّها عرض زائل بالنسبة للآخرة. وفى قوله تعالى: «لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» عتاب للنبىّ والمؤمنين، على ما كان منهم من قبول الفدية، وأنهم ما كان لهم أن يقبلوا فدية من هؤلاء الأسرى، بل كان ينبغى أن يكون حكمهم فيهم هو القتل.. لأنهم كانوا فى أول صدام لهم مع المشركين، وكان مكانهم فى الأرض لا يزال قلقا مهددا بقوى البغي المسلطة عليهم.. فكان من التدبير أن يضعفوا عدوّهم بقتلهم، ما أمكنتهم الفرصة فيهم، حتى تتراخى يد العدوّ عنهم، وتثبت أقدامهم على الأرض.. وعندئذ يجوز لهم أن يبقوا على الأسرى، وأن يقبلوا الفدية منهم.. ومن جهة أخرى، فإن المسلمين كانوا مع أول تجربة ذاقوا فيها طعم النصر على العدوّ، فلا ينبغى أن يكون أول ما يطعموه من هذا النصر هذا العرض الزائل، فذلك من شأنه أن يجعل للمغانم سلطانا على نفوسهم فى حربهم للعدوّ، الأمر الذي كان من تدبير الحكيم العليم معهم، أن يحرمهم منه أول الأمر، إذ جعل أنفال معركة بدر كلّها ليد النبىّ، يضعها حيث يشاء. والسؤال هنا: هل من إنسانية الإسلام أن يقتل الأسرى، ويعمل فيهم السيف، وقد صاروا ذمّة فى يد المسلمين؟ والجواب على هذا: أن ذلك كان فى أول معركة من معارك الإسلام،

وأن هؤلاء الأسرى كانوا- فى جملتهم- معروفين للنبىّ والمسلمين، بكيدهم للإسلام، وعدوانهم على المسلمين، وتنكيلهم بهم حتى أخرجوا من ديارهم وأموالهم.. فهم- والحال كذلك- واقعون تحت حكم المفسدين فى الأرض، المحاربين لله ورسوله، وفيهم يقول الله تعالى: «إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (33- 34: المائدة) وقد أهدر النبىّ دم بعض المشركين الذين كانوا على تلك الصفة، فقتل اثنين من الأسرى، صبرا، وهما عقبة بن أبى معيط، والنضر بن الحارث. والكتاب المشار إليه فى قوله تعالى: «لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» - هو ما قضى الله به سبحانه وتعالى فى سابق علمه، وهو العفو عن الذنب إذا لم يكن قد جاء حكم إلهى بتحريمه، وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ» (115: التوبة) . ولهذا جاء قوله تعالى بعد هذا العتاب، حاملا الصفح الجميل، مزكّيا ما فعله النبىّ والمؤمنون، فقال سبحانه: «فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً» فهو الحلال الذي لا حرمة فيه، الطيّب الذي لا خبث معه.. وكان هذا إيذانا للنبىّ صلى الله عليه وسلم بأن يمضى فيما قضى به فى شأن الأسرى، وأن يقبل فداء من لم يأخذ منه فدية بعد، وهذا ما يفهم من قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ

مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً..» الآية.. فهذا يعنى أنه إلى حين نزول هذه الآيات كان بعض الأسرى فى يد المسلمين لم يطلق سراحهم بعد.. وفى قوله تعالى: «إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» - فى هذا عزاء ومواساة من الله سبحانه وتعالى لهؤلاء الأسرى، الذي أصيبوا فى أهليهم، بمن قتل منهم فى بدر، وها هم أولاء يصابون فى أموالهم بما يؤخذ منهم من فدية.. وفى هذا العزاء ما يذهب بكثير مما فى نفوسهم من أسى ومرارة، وما فى قلوبهم من ضغينة وحقد على الإسلام والمسلمين، إذ يرون فى هذا العزاء الإلهى دعوة إلى التصالح والتفاهم والالتقاء بالإسلام، والمواخاة للمسلمين، وأن الله سبحانه وتعالى ليس ربّ المسلمين وحدهم، بل هو ربهم، وربّ العباد جميعا، وربّ كل شىء، وخالق كل شىء، وأن الإسلام ليس من حظ هؤلاء المسلمين الذين آمنوا بالله ورسوله، وكان لهم من الله هذا النصر الذي رأوه بأعينهم رأي العين فى بدر- بل إنه حظ مشاع بين الناس جميعا، من سبق منهم ومن لم يسبق، وأن الناس جميعا مدعوون إليه فى كل وقت إلى يوم القيامة! وعلى هذا التقدير، وبهذا الحساب- تكون معركة بدر ليست نصرا للمسلمين الذين قاتلوا فيها، وإنما هى نصر للإسلام، ونصر لكل مسلم دخل أو يدخل فى الإسلام، لأنها ليست لحساب شخص أو قبيلة، وإنما هى لحساب هذا الدّين الذي يرتفع بمبادئه فوق الأشخاص والقبائل، ويتخطّى بشريعته حدود المكان والزمان.. وفى قوله تعالى: «إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ..» .

فى هذا يسأل عنه وهو: كيف يعلّق علم الله تعالى بما فى قلوبهم، على شرط؟ وهو سبحانه وتعالى يعلم ما فى القلوب قبل أن توجد القلوب وأصحاب القلوب؟ والجواب- كما قلنا فى أكثر من مرة- أن تعليق علم الله بأفعال العباد لا يعنى بحال ما ماهو واقع فى علم الله مما سيفعله العباد، ولكن المراد بهذا التعليق هو العلم الواقع على الأفعال حال وقوع هذه الأفعال من المكلفين.. فعلم الله سبحانه بهذه الأفعال علم متصل بها فى جميع أحوالها وأزمانها، فهو عالم بها قبل أن تحدث وتقع من أصحابها، وعالم بها بعد أن تقع وتحدث، وتعليق علم الله سبحانه بحدوثها ووقوعها، هو إلفات لأصحابها، وإلى علم الله بهم وبأفعالهم وهم متلبسون بها، ومحاسبون عليها. وفى قوله تعالى: «يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» هو وعد كريم لمن ينظر لنفسه من هؤلاء الأسرى، ويخلص بها إلى الله، ويدخل فى دين الله، وعندئذ سيشارك المسلمين فيما سيفتح الله به عليهم، وما يقع لأيديهم من غنائم.. وأكثر من هذا، فإن الله سبحانه وتعالى سيقبلهم فى المقبولين من عباده، ويغفر لهم ما كان منهم من عداوة للإسلام، وأذى للمسلمين. قوله تعالى: «وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» هو وعيد لأولئك الذين لم يستجيبوا لهذا النداء الكريم، وهذا الصفح الجميل من رب العالمين، فأمسكوا على ما فى قلوبهم من عداوة وضغينة وطووا صدورهم على الثأر والانتقام- فهؤلاء إن يخونوا الرسول، فإنهم قد خانوا الله من قبل، بأن كفروا به، وهو ربهم، وخالقهم، ورازقهم، فإذا خانوا الرسول بعد هذا، فليس ذلك بالشيء الغريب عليهم، فكفرهم بنعم المنعم

الآيات: (72 - 75) [سورة الأنفال (8) : الآيات 72 إلى 75]

عليهم طبيعة فيهم.. وهم بهذه الخيانة لله قد جنوا على أنفسهم، فأمكن الله منهم، أي انتقم الله منهم، وساقهم إلى ما هم فيه من أسر. ولو أنهم لم يخونوا الله، واستجابوا لدعوة الإيمان لعافاهم الله من هذا البلاء.. فإن ظلوا على ما هم عليه من خيانة لله، وخيانة للرسول، فسيرون من البلاء والنكال أكثر مما رأوا «وَاللَّهُ عَلِيمٌ» بما فى قلوبهم «حكيم» فيما يقضى فيهم، وما يأخذهم به من عقاب. الآيات: (72- 75) [سورة الأنفال (8) : الآيات 72 الى 75] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ (73) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75) التفسير: مناسبة هذه الآيات للآيات التي قبلها، هى أن المؤمنين والمشركين كانوا بعد تلك المواجهة التي شهدوها فى بدر- كانوا قد تحددت معالمهم،

واستعلنت مواقفهم، وإذا هم جبهتان متقاتلتان، وفريقان متخاصمان، كل منهما يطلب الآخر، ويقتضيه ما يقتضى الغريم من غريمه.. وقد ذكرت الآيات السابقة مراحل هذا الصراع الذي كان قائما بين الفريقين، وعرضت أحداث بدر وما وقع فيها، وما أحرز المسلمون من نصر، وما منى به المشركون من هزيمة، ثم عرضت المغانم والأسرى وما قضى الله فيهما. فكان من المناسب أن تختم السورة بهذه الآيات التي تخطط الحدود، وترسم المواقع والمواقف التي يأخذها المؤمنون من الكافرين حتى يكونوا على بيّنة من أمرهم، فيما يأخذون أو يدعون من الجبهة المقاتلة لهم. وقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ» .. هو بيان لحكم الجماعة الإسلامية فيما بينها، فهم- المهاجرون والأنصار- جبهة واحدة، وكيان واحد، يجمعهم هذا النسب الكريم الذي انتسبوا له، وهو الإسلام، الذي يعلو كل نسب، ويفضل كل قرابة. فمن أجل الإسلام هاجر المهاجرون، ومن أجل الإسلام جاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله. وفى سبيل الله آوى الأنصار المهاجرين وشاركوهم أموالهم وديارهم، وفى سبيل الإسلام انتصروا لهم ونصروهم.. فهؤلاء جميعا- من مهاجرين وأنصار- بعضهم أولياء بعض، ينصر بعضهم بعضا، ويحامى بعضهم عن بعض، ولو حملهم ذلك على لقاء آبائهم وأبنائهم وقتالهم وقتلهم فى سبيل الله. وهناك مؤمنون، ولكنهم لم يهاجروا، قد حبستهم قريش، أو منعهم

مرض أو شيخوخة، أو حرص على الديار والأموال، أو إيثار للعافية والسلامة. فما حكم هؤلاء المؤمنون؟ وما وضعهم فى المؤمنين من المهاجرين والأنصار؟ إنهم لا شكّ أعضاء فى هذا الجسد الإسلامى الجديد، الذي تبرز سماته فى المهاجرين والأنصار. ولكن كان الإسلام فى دور البناء للمجتمع الإسلامى، وكان من أجل هذا فى مسيس الحاجة إلى كل يد عاملة لدعم هذا البناء، ورفع بنيانه- الأمر الذي جعل الهجرة إلى المدينة التي آوى إليها الرسول، واتخذ منها مركزا لدعوته، أمرا له قدره وأثره فى رفع درجة المؤمن، وتشريفه بهذا المقام الكريم الذي أفرد الله سبحانه وتعالى به المهاجرين، وجعل لهم وللأنصار ذكرا طيبا، جاء به القرآن الكريم أكثر من موضع.. من أجل هذا، فإن الذين آمنوا ولم يهاجروا- لعلّة أو لأكثر- لم يكن حسابهم قائما على هذا التقدير الذي يسوّى بينهم وبين المهاجرين، أو الأنصار.. إذ كان المهاجرون، مؤمنين، ومعهم مع إيمانهم هجرة، وكان الأنصار مؤمنين، ومعهم مع إيمانهم أنهم آووا ونصروا.. أما المؤمنون الذي حبستهم أعذارهم عن الهجرة، فإنهم لم يضيفوا إلى إيمانهم شيئا مما فعله المهاجرون أو الأنصار.. فهم والحال كذلك ليسوا بالّذين يدخلون فى ذمّة المؤمنين فى هذه المرحلة من مراحل الدعوة الإسلامية، بحيث يمنعونهم من عدوّهم، ويدفعون عنهم ما يعرض لهم من ظلم وبغى، وهم فى ديار الظالمين.. وحسب المهاجرين والأنصار فى هذه المرحلة من مسيرة الدعوة الإسلامية- حسبهم أن ينظروا لأنفسهم، وأن يدفعوا البغي المتسلط عليهم. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا» .. وفى هذا تخفيف عن الجماعة الإسلامية، وإعفاء لها من حمل عبء فوق أعبائها، وهو الدفاع عن الأفراد

أو الجماعات الذين آمنوا ولم يهاجروا، بل ظلّوا بين أهليهم وأقوامهم الذين ينظرون إليهم نظرات مغيظة حانقة، ترمى بالضر والأذى. ولو دخل هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا- لو دخلوا فى ذمة المؤمنين وفى ولائهم، لكان على المؤمنين الانتصار لهم من كل ظلم، والحماية لهم من كلّ عدوان، وهذا يجعل الجماعة الإسلامية- مع ما هى عليه من قلة عدد يومئذ- فى وجه حرب متصلة، مع قبائل العرب جميعا، حيث كان فى كل قبيلة فرد أو أفراد من الذين آمنوا، واستجابوا لله وللرسول.. وكان وضع هؤلاء الأفراد فى أقوامهم محفوفا بالمكاره، متصلّا بالضرّ والأذى، فلو دخلوا فى ذمة المسلمين لكان على المهاجرين والأنصار، نصرهم ودفع الضر عنهم. وفى قوله تعالى: «وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ» .. هو بيان للحال التي يجب على جماعة المسلمين أن ينتصروا فيها لمن يستنصر بهم من المؤمنين الذين لم يهاجروا، وتلك الحال هى أن يكون استنصار المستنصرين بهم من أجل الدّين، ولحساب الدّين، لا لعصبية نسب أو قرابة أو حلف. ومعنى الاستنصار فى الدين أن يجد هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا، فرصة سانحة لنصرة الدين، فى مواطنهم التي هم فيها، كأن تجد تلك الجماعة التي لم تهاجر، قدرة على دفع عدوان المعتدين عليها ولكنها تحتاج إلى مساندة عدد من المسلمين- عندئذ يجب على الجماعة الإسلامية أن تناصرها وتشدّ ظهرها بالرجال والسلاح.. ففى هذا انتصار لدعوة الإسلام، وتمكين لها فى هذا الموطن الجديد.. هذا، وقد ذهب أكثر المفسّرين أن الولاية هنا هى التوارث بينهم، وقالوا: إن المهاجرين والأنصار كانوا يتوارثون بالهجرة والنصرة، جاعلين

نسب الإسلام بينهم، أولى من نسب القرابة.. ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ» .. وقد كان رأينا على غير هذا، وهو أن المراد بالولاية: التناصر، والتعاطف، وتلاحم المشاعر، فى ظل الأخوة الإسلامية.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» (10: الحجرات) وفى هذا يقول الرسول الكريم كما رواه مسلم: «مثل فى توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمى» . وفى قوله تعالى: «فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ» إلزام للجماعة الإسلامية بأن تقوم بالانتصار لمن استنصر بها من أجل الدّين.. وفى قوله تعالى: «إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ» استثناء من الحكم الموجب على الجماعة الإسلامية الانتصار لمن يستنصر بهم من المؤمنين دفاعا عن الإسلام، ودعوة الإسلام.. وذلك أنه إذا كان هناك ميثاق وموادعة بين المسلمين وبين من دعاهم المؤمنون إلى حربهم، حينئذ يجب على المسلمين أن يحترموا هذا الميثاق، وأن يلتزموا حدوده، وأن يقوموا على الوفاء به، ولا يدخلوا فى حرب مع من دعوا إلى حربه، وهو موادع لهم بميثاق واثقهم عليه. قوله تعالى: «وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ» : هو تقرير لحكم واقع بين الكافرين وهو أنهم على ولاء فيما بينهم. وأنهم حزب واحد، مجتمع على عداوة المؤمنين، ناصب لحربهم، راصد للفرصة الممكنة له منهم.. وليس فى هذا الذي يقرره القرآن الكريم دعوة لجماعات الكافرين أن

يكونوا على هذا الولاء الذي بينهم، وإنما هو- كما قلنا- تقرير لأمر واقع، يرى منه المؤمنون كيف يجتمع أهل الضلال على الضلال، وكيف يقوم بينهم الولاء والتناصر.. فارنى للمؤمنين ثم أولى لهم، أن يجتمعوا على الإيمان، وأن يتناصروا على الحق والخير. وفى قوله تعالى: «إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ» إشارة إلى ما ينبغى أن يكون بين جماعة المؤمنين من تلاحم وتناصر. وأنهم إن لم يفعلوا هذا، فسد أمرهم، وتمكّن العدوّ منهم، وسقطت راية الحق التي يقاتلون عليها، وخلا وجه الأرض للفساد والمفسدين. والضمير فى «تفعلوه» يعود إلى الولاء الذي ينبغى أن يكون بين المؤمنين، بعد أن دعاهم الله إليه فى قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ» .. وبعد أن لفتهم سبحانه إلى ما بين أهل الكفر والضلال من ولاء والتقاء على البغي والعدوان. وقوله تعالى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ» . هو عرض للمهاجرين والأنصار، وإفراد لهم بتلك المنزلة الرفيعة من الإيمان الذي حقّقوا صفته فيهم على أكمل وجه وأروعه.. «أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا» أي المؤمنون إيمانا كاملا، لم تشبه شائبة من ضعف، ولم تعلق به خاطرة من شك أو ريب.. فهو الإيمان الخالص، وهو الحقّ حقّا.. «لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ» أي مغفرة عامة شاملة، تنال كلّ ذنوبهم، ولهم «رِزْقٌ كَرِيمٌ» طيّب، من كل شىء، فى الدنيا وفى الآخرة. وهذا من

بعض الأسرار التي جاء عليها النظم القرآنى فى تنكير المغفرة والرزق الكريم، حيث يراد بهما العموم والشمول.. قوله تعالى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ» . هذا إغراء لمن تحدّثه نفسه، وتنزع به همته أن يكون فى هذا الموكب الكريم الذي انتظم أولئك الذين وصفهم الله سبحانه وتعالى هذا الوصف الكريم، وحلّاهم بحلية الإيمان الكامل، وأنزلهم منازل مغفرته ورضوانه.. إغراء لكل من يطلب هذا المقام الكريم أن يستحثّ خطاه إليه، وأن يتخفف من كل ما يمسكه عن الهجرة، فيهاجر إلى من سبقوه إلى دار الهجرة، وهناك سيأخذ مكانه بينهم، وينزل حيث أنزلهم الله فى منازل فضله وإحسانه.. فإن الطريق إلى الله مفتوح دائما، ورحمة الله تسع كل شىء، وعطاؤه موصول لا ينقطع، ولا ينفد. وفى قوله تعالى بعد هذا: «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ» إشارة إلى ما بين المؤمنين- من سبق منهم ومن لحق- من نسب قريب، ورحم ماسّة.. فيهم جميعا أبناء أب واحد، هو الإسلام، الذي يولدون فيه حالا بعد حال، وجيلا بعد جيل. وقوله سبحانه: «فِي كِتابِ اللَّهِ» يحتمل وجهين: إما أن يكون متعلقا بقوله تعالى: «أولى» ويكون المعنى: وأولوا الأرحام- أي المؤمنون- بعضهم أولى ببعض فيما جاء فى كتاب الله، أي دين الله، الذي حمله كتاب الله وهو القرآن.. بمعنى أن ولاء المؤمنين بعضهم لبعض، إنما هو فيما هو حق وخير وإحسان، وهذا الخير والإحسان مما هو فى كتاب الله، الذي آمنوا به، ودانوا بشريعته.

وإما أن يكون استئنافا، هو جواب لسؤال مقدر، وتقديره: «من أين جاء هذا الحكم الذي قرّرته الآية فى قوله تعالى: «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ» ؟ فكان الجواب: «فِي كِتابِ اللَّهِ» أي فى علم الله، وفيما أقام العباد عليه، حيث جعل بين أولى الأرحام مودة، ورحمة، وولاء.. ومثل هذا ما جاء فى قوله: «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ» أي فى علمه وتقديره، وتدبيره.. «إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء. هذا، وقد ذهب أكثر المفسّرين إلى أن قوله تعالى:.. «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ» هو مراد به الولاية فى التوارث، بحكم القرابة بينهم، على ما جاء فى كتاب الله سبحانه، فى أحكام الميراث.. وعلى هذا تكون هذه الآية ناسخة لما قررته الآيات السابقة فى قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ.. إلى قوله تعالى: «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ» . وقد روى عن ابن عباس قال: «آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، وورّث بعضهم من بعض، حتى نزلت هذه الآية، فتركوا ذلك وتوارثوا بالنسب. ويروى عن ابن عباس أيضا، أنه استدل بقوله تعالى: «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ» على توريث ذوى الأرحام الذين ذكرهم الفرضيون، وذلك لأنها نسخ بها التوارث بالهجرة ولم يفرّق بين العصبيات وغيرهم، فيدخل من لا تسمية «1» لهم، ولا تعصب، وهم.. هم (أي ذوو الأرحام) ..

_ (1) أي من لم يذكروا فى آية المواريث.

والقول بنسخ هذه الآية لما قررته الآيات التي قبلها، من ولاء المسلمين بعضهم لبعض، وتناصرهم وتعاطفهم.. هذا القول مردود من وجوه: فأولا: أن الأحكام التي قررتها الآيات السابقة من وجوب قيام تلك الوحدة الشعورية بين المسلمين، بحيث تجعل منهم كيانا واحدا- هذه الأحكام، هى من صميم الدعوة الإسلامية، ومن الدعائم القويّة التي قام عليها بناء المجتمع الإسلامى، بحيث يؤثر المؤمن إخوانه فى الإيمان، على أهله وذوى قرابته.. كما يقول تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» (23: التوبة) - ويقول سبحانه: «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (22: المجادلة) . فهذه العزلة الشعورية التي تعزل المؤمن عن الذين يحادّون الله ورسوله، من أهله وأقرب المقربين إليه، يقابلها تلاحم فى المشاعر، وتزاوج فى العواطف، بين المؤمن وجماعة المؤمنين. فالإيمان عند المؤمن هو نسبه الذي ينتسب إليه، وعلى هذا النسب يصل الناس أو يقطعهم، ويوادّهم أو يجافيهم، ويسالمهم أو يحاربهم!. فكيف تجىء آية قرآنية تنسخ هذا المبدأ، الذي هو أقوى دعامة فى بناء المجتمع الإسلامى!

وثانيا: آيات المواريث التي ذكرها الله سبحانه وتعالى فى سورة النساء، تقرر فى صراحة واضحة أحكام الميراث بين ذوى القربى، بحيث لا تدع مجالا لغيرهم أن يشاركهم فى هذا الميراث، الذي فرض لهم فيها. فقوله تعالى: «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ» لا يضيف جديدا إلى ما قررته آيات المواريث: ولو كان لها مكان فى أحكام الميراث، لكان مكانها بين آيات الميراث، لا فى هذا الموضع الذي يقرر أسسا ومبادئ للعلاقات التي تقوم بين المؤمنين، ثم بينهم وبين غير المؤمنين.. وثالثا: ما يقال من أن هذه الآية نسخت التوارث الذي قام بين المهاجرين والأنصار بحكم التآخى الذي أقامه الرسول بينهم- متوجّه له، لأن آيات المواريث تغنى فى تطبيقها عن الاحتياج إلى نص صريح بتحريم التوارث على هذا النسب الذي أقامه النبىّ الكريم بين المهاجرين والأنصار.. بل إن آيات المواريث نفسها قد تقدمها النصّ القرآنى: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً» .. هذا إذا كانت الأحكام الواردة فى آيات المواريث تحتاج إلى بيان لعلة التوارث بين الأقارب. هذا، وقد جاء فى سورة الأحزاب قوله تعالى: «النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً» - جاء هذا مقررا الولاية بالقرابة والنسب، بعد أن أبطل التبنّي! وذلك مراعاة لمقتضى الحال.

9 - سورة التوبة

9- سورة التّوبة (أسماؤها:) حملت «التوبة» أكثر من اسم دال عليها، فمن ذلك: «براءة» لافتتاحها بتلك الكلمة.. و «التوبة» لكثرة ذكر التوبة فيها.. و «الفاضحة» لأنها فضحت المنافقين، وكشفت وجوههم للنبىّ والمؤمنين.. قال ابن عباس: التوبة: هى الفاضحة.. ما زالت تنزل: «ومنهم» ، «ومنهم» ، حتى ظننا أنه لا يبقى أحد منا إلا ذكر فيها. و «المبعثرة» لأنها تبعثر أسرار المنافقين، وتكشفها و «المقشقشة» لأنها تبرئ المؤمن، فتخلى قلبه من النفاق و «البحوث» لأنها تبحث عن نفاق المنافقين. نزولها: نزلت بالمدينة باتفاق.. وهى آخر سورة نزلت من القرآن الكريم، على أرجح الأقوال. عدد آياتها: مائة وتسع وعشرون آية عدد كلماتها: ألفان وأربعمائة وسبع وتسعون كلمة. عدد حروفها: عشرة آلاف وسبعمائة وسبعة وثمانون حرفا.

الآيات: (1 - 5) [سورة التوبة (9) : الآيات 1 إلى 5]

الآيات: (1- 5) [سورة التوبة (9) : الآيات 1 الى 5] بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (2) وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (3) إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) التفسير: المناسبة قريبة بين سورة التوبة، وسورة الأنفال قبلها.. بل إن بينهما لأكثر من وجه من الوجوه الجامعة بينهما على سبيل الوفاق، أو المقابلة. فأولا: ختمت سورة الأنفال بالكشف عن الحدود الفاصلة بين المؤمنين وغير المؤمنين، بحيث وضح موقف كل منهما من الآخر.. فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض، والكافرون بعضهم أولياء بعض.. وثانيا: بدئت سورة التوبة بهذا الإعلان العام الذي كان تطبيقا للأحكام التي تضمنتها الآيات الواردة فى آخر الأنفال، من عزل المؤمنين عن الكافرين،

حيث قضى هذا الإعلان ببراءة الله ورسوله من المشركين، ومن العهود المعقودة معهم. وثالثا: كانت سورة «الأنفال» أول ما نزل من القرآن بالمدينة، على حين كانت «التوبة» آخر سورة نزلت من سورة القرآن بالمدينة أيضا! لهذا وغيره من المناسبات الجامعة بين السورتين، كان جمعهما على هذا النسق، فجاءت الأنفال، ثم جاءت بعدها التوبة، حتى لكأنهما سورة واحدة، الأمر الذي اقتضى عدم تصدير سورة التوبة بالبسملة، كما صدرت جميع سور القرآن.. هذا ما ذهب إليه كثير من العلماء فى التعليل لعدم تصدير «التوبة» بالبسملة.. وذهب آخرون فى تعليل ذلك إلى أن سورة التوبة خطاب للكافرين والمشركين، وأنها إعلان حرب عليهم، ولا يناسب ذلك أن يصدّر الحديث إليهم باسم الله الرحمن الرحيم. وقد اعترض على هذا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ كتبه إلى من دعاهم إلى الإسلام من المشركين والكافرين بالبسملة. وردّ على هذا الاعتراض بأن الرسول صلوات الله وسلامه عليه كان فى كتبه إلى من كتب إليهم يدعو إلى الإسلام، والسلام، وإلى الخير والرحمة، فناسب أن يصدّر ذلك باسم الله الرحمن الرحيم.. وليس كذلك ما حملت «براءة» إلى الكافرين والمشركين، من نذر التهديد والوعيد. وقيل. إن التوبة مكملة لسورة الأنفال، فهما سورة واحدة، كلتاهما نزلت فى القتال، وتعدّان معا السابعة من الطّول (أي السبع الطوال) ، والطّول سبع سور، هى البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف- ثم الأنفال والتوبة، وما بعدها المئون.. (أي ما اشتملت السورة منها على مئة آية أو نحوها. وقوله تعالى: «بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» .

هو إعلان بقطع العلائق التي كانت تصل المؤمنين بالمشركين، من عهود ومواثيق.. وذلك لما أحدث المشركون من عبث بهذه العهود، واستخفاف بها، إذ أنهم كانوا لا يمسكون بها إلا إذا وجدوا فى ذلك مصلحة محققة لهم، فإذا أمكنتهم الفرصة فى المسلمين أنكروا هذه العهود، وألقوا بها كما تلقى نفايات الطعام بعد الشبع! وإذا كان أحد الطرفين المتعاقدين لا يوقّر ما تعاقد عليه، ولا ينزله من نفسه منزلة الاحترام والرعاية، ولا يستقيم عليه إلا إذا لم يكن له من ذلك مصلحة خاصة- كان ذلك العقد غبنا فاحشا على الطرف الآخر، الملتزم له، الحريص على الوفاء به، حيث تمكنه الفرصة فى عدوّه فلا يهتبلها، على حين لو أمكنت الفرصة خصمه لم يلتزم العقد الذي بينهما.. فكان نقض هذه العهود القائمة بين المسلمين والمشركين وضعا للأمر فى موضعه الصحيح، إذ هو إقرار لحقيقة واقعة، ونقض لعهود منقوضة من قبل أن يجفّ المداد الذي كتبت، ولا ينتظر المشركون لنقضها إلا الوقت المناسب، والفرصة السانحة.. وقد تولّى الله سبحانه وتعالى عن المسلمين نقض هذه العهود، وجعل سبحانه وتعالى ذلك إليه وإلى رسوله الكريم: «بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» وذلك ليدفع عن المسلمين الحرج الذي ربما وجدوه فى صدورهم لو أمروا بنقض هذه العهود.. وفى هذه ما فيه من لطف الله وإحسانه إلى المسلمين، ورعايته لهم، وبرّه بهم. والبراءة من الشيء، والتبرؤ منه، هو مجافاته، وقطع الصلة به، والله سبحانه وتعالى، إنما يبرأ من المشركين، لأنهم برئوا منه.. ومعنى براءته سبحانه وتعالى منهم، طردهم من رحمته، وتركهم للأهواء والضلالات المتسلطة عليهم.. أما براءة رسول الله منهم، فهى قطع العلاقة التي كانت قائمة بينه

وبينهم، بحكم العهود التي كانت معقودة بين النبىّ وبين المشركين.. فإذ قد برىء الله منهم، وطردهم من مواقع رحمته، فقد وجب على النبىّ أن يقطع كل صلة بهم.. إذ كانوا حربا على الله، وعلى دين الله، وعلى رسول الله، وعلى المؤمنين. قوله تعالى: «فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ» هو إطلاق من الله سبحانه وتعالى للمشركين من تلك العهود التي عقدوها مع المؤمنين، وإرسال لهم فى وجوه الأرض مدة أربعة أشهر، يتنقلون فيها حيث يشاءون، دون أن يعترضهم المسلمون، أو يلقوهم بأذى، إلا إذا بدءوهم ببغى أو عدوان.. وهذا هو السرّ فى قوله تعالى: «فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ» .: إذ لا تكون السياحة فى الأرض إلا حيث الأمن.. والمشركون فى هذه المدة التي أعطيت لهم، آمنون من كل عدوان. وفى هذه الأشهر الأربعة فسحة للمشركين، يعدّون فيها أنفسهم للوضع الذي يتخيرونه، بعد انقضاء هذه المدة، فإما أن يدخلوا فى الإسلام، وإما أن يدخلوا مع المسلمين فى حرب وقتال.. وهى مدة كافية كلّ الكفاية لكى يقلّب فيها المشركون وجوه النظر، وليتخيّروا لأنفسهم أعدل المواقف التي ينتهى إليها تفكيرهم وتقديرهم.. وهذا وجه من وجوه الإسلام السمحة، وآية من آياته المشرقة فى العدل والإحسان، حتى فى مواقف المواجهة للعدو.. وفى ميدان الخصومة معه! وما كان لشريعة الله أن تكون على غير هذا الوجه الذي يقيم موازين العدل بين عباد الله جميعا.. مؤمنهم وكافرهم على السواء.. فالمشركون خلال

هذه الأشهر الأربعة، فى عافية من أمرهم، وفى حراسة من كل قهر أدبى أو مادّىّ، يحملهم على الوجه الذي يأخذونه من الإسلام والمسلمين.. وقوله تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ» هو تحذير للمشركين، وتنبيه لهم أن يأخذوا حذرهم، وأن يقدّروا موقفهم فى الرأى الذي يرونه لأنفسهم، بعد هذه الأشهر الأربعة.. وليضعوا فى حسابهم هاتين الحقيقتين: أولاهما: أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يطلبهم، وأن يد الله لا تقصر عنهم فى أي متّجه اتجهوا إليه.. «وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ» .. وثانيتهما: أنّهم إذا انتهى بهم رأيهم إلى اختيار الشرك الذي هم عليه، فإنهم قد اختاروا الخزي والهوان، لأنهم حينئذ يكونون حربا على الله.. «وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ» . قوله تعالى: «وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» الأذان: الإعلام، والإظهار للأمر بصورة كليّة كاشفة.. ويوم الحج الأكبر، هو يوم عرفة، وقيل يوم النحر، وفى كلا اليومين تتم معظم أعمال الحج.. ووصف الحجّ بأنه الحج الأكبر، تعظيما له وإلفاتا إلى تلك الظاهرة الإنسانية التي تتجلى فيه، باجتماع هذه الحشود الحاشدة، التي تجمع الناس من كل أمة وقبيل.. يأتون من كل فج عميق.. فإذا احتوتهم دائرة الحرم كانوا

على هيئة واحدة فى ملابس الإحرام.. الأمر الذي لا تشهد العين مثله إلا فى هذا الموطن! وقد أعلن هذا الأذان على الحجيج فى موسم الحج، سنة تسع من الهجرة، فى يوم عرفة أو يوم النحر.. وكان أبو بكر رضى الله عنه هو الذي ندبه الرسول، صلى الله عليه وسلم، أميرا على الناس يومئذ ليقيم لهم حجّهم.. وكان موسم الحج هذا العام، مجتمعا للمسلمين والمشركين، حيث يقيم المؤمنون حجّهم على الوجه الذي بيّنه الإسلام لهم، على حين يقيم المشركون حجّهم على ما كانوا عليه فى الجاهلية، وكان من عادتهم أن يطوفوا بالبيت عراة.. وقد آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يشهد هذا المشهد الكريه من المشركين، فأقام أبا بكر مقامه فى هذا الموسم، وكان ذلك فى السنة التاسعة من الهجرة.. فلما كانت السنة العاشرة وطهّر الله المسجد الحرام من الشرك والمشركين، حجّ النبىّ حجة الوداع. وما كاد أبو بكر ينفصل عن المدينة، فى طريقه إلى البلد الحرام، حتى تلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربّه هذه الآيات الأولى من سورة براءة.. فجعل إلى علىّ بن أبى طالب أن يؤدى عنه هذا الأمر، وأن يؤذّن به فى الناس يوم الحجّ الأكبر.. فركب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم «العضباء» ولحق بأبى بكر فى بعض الطريق قبل أن يدخل مكة، فقال له أبو بكر: أأمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور..! فأقام أبو بكر للمسلمين حجّتهم.. وأذّن علىّ فى الناس بهذا الإعلان القرآنى من سورة براءة. والسؤال هنا:

لماذا لم يعهد الرسول صلوات الله وسلامه عليه، إلى أبى بكر وهو أمير الحج، أن يؤدى هذه المهمة؟ والجواب على هذا: أن ما كان بين المسلمين والمشركين من عهود، إنما كانت معقودة باسم الرسول صلوات الله وسلامه عليه، باعتباره ممثلا للمسلمين، وهو بهذا الاعتبار لم يكن عند المشركين أكثر من رئيس قبيلة، وليس لصفة النبوة حساب عندهم فى هذا الأمر، إذ لم يكونوا معترفين بنبوته، وإلّا لآمنوا به.. ومن هنا لم يكن- من وجهة نظر المشركين- من المقبول أن يتولّي نقض هذه العهود ونبذها إلى أصحابها إلا المتعاقد معهم عليها، أو من يمثله من عصبته، وذوى قرابته الأدنين، وذلك أن أهل البيت، أو القبيلة يحملون معا تبعات الالتزامات التي بينهم وبين غيرهم، وأنه إذا جنى أحدهم جناية كانت تبعتها على الجماعة كلّها.. ومن أجل هذا، فإن النبىّ صلى الله عليه وسلم حين تلقى من ربّه الأمر بنبذ العهود إلى المشركين، قال: «لا يبلّغ عنى إلّا أنا أو رجل من بيتي» .. فجعل ذلك إلى ابن عمّه علىّ بن أبى طالب.. وإن كان المسلمون جميعا- على اختلاف بيوتهم وقبائلهم- أهلا لأن يؤدوا هذه المهمة، ولكن عند من يعترف بنبوة النبىّ، ويعترف بالمسلمين كوحدة تدين بدين، وتجتمع على شريعة.. ولكن المشركين كانوا يتعاملون مع النبىّ كواحد من بنى هاشم، ولا ينظرون كثيرا إلى من استجاب له وتبعه من المسلمين.. ولهذا، فإنه حين يئست قريش من أن تمسك النبىّ عن القيام.. برسالته، عمدت إلى مقاطعة بنى هاشم، وفرض الحصار الاقتصادى والاجتماعى عليهم، فلا يزوجونهم ولا يتزوجون منهم، ولا يتعاملون معهم، أخذا أو إعطاء، وقد وقع بنو هاشم جميعا- مؤمنهم ومشركهم- تحت

هذا الحكم الظالم، ووقفوا له جميعا جبهة واحدة فى وجه قريش. وفى قوله تعالى: «أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ» - الواو فى «ورسوله» للعطف على المصدر المؤول من الجملة السابقة: «أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» أي ورسوله برىء منهم.. فهو عطف جملة على جملة.. وذلك لتكون براءة الله من المشركين هى الأصل، ثم تجىء براءة رسول الله منهم تبعا لتلك البراءة، ثم تجىء براءة المؤمنين منهم تبعا لبراءة الله ورسوله. وفى قوله تعالى: «فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» دعوة مجدّدة من الله- سبحانه- إلى المشركين، أن يستجيبوا لله وللرسول، فذلك هو الذي يحقق لهم الفوز والفلاح، ثم هو تهديد لهم بالخزي فى الدنيا والعذاب فى الآخرة، إذا هم لم يتوبوا إلى الله، ويخلّصوا أنفسهم من الشرك الذي استولى عليهم.. وقوله تعالى: «إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ» هو استثناء من الحكم العام الذي أنذر به المشركون، وهو أن العهود التي كانت بينهم وبين المسلمين لن يكون لها مفعول بعد الأربعة الأشهر التالية ليوم النحر، الذي أعلنوا فيه بنبذ العهود التي عقدوها مع المسلمين.. والمستثنون من هذا الحكم العام من المشركين، هم أولئك الذين عرف منهم المسلمون صدق نواياهم فى الوفاء بالعهود التي عقدوها معهم، حيث لم تظهر منهم بادرة تدلّ على خيانة، أو ممالأة عدوّ، أو تحريضه على المؤمنين- فهؤلاء

قد وفوا بالعهود، فينبغى أن يفى معهم المسلمون بعهودهم، إذ المسلمون أولى بهذا منهم، وما نقض المسلمون العهود التي آذنهم الله بنقضها مع المشركين إلّا لما هو ظاهر من حالهم الذي يكشف عن نيات سيئة، تدبّر الشر، وتبيت العدوان، وتتربص بالمسلمين الدوائر.. فهؤلاء المستثنون، يجب على المسلمين الوفاء لهم بالعهود التي عقدوها معهم، إلى الآجال المضروبة لها.. فهؤلاء لهم حساب.. ولعامة المشركين حساب آخر.. وقوله سبحانه: «فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» هو بيان لموقف المسلمين من المشركين، بعد انقضاء الأربعة الأشهر التي حرّم على المسلمين فيها قتال المشركين، وتبدأ من العاشر من ذى الحجة إلى العشرين من ربيع الآخر.. حيث أعطى المشركون فيها أمانا مطلقا، حتى تتاح لهم الفرصة لاختيار الموقف الذي يقفونه من المسلمين بعد انقضاء هذه المدة، التي وقتتها الآية بأربعة أشهر فى قوله تعالى: «فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ» . والأشهر الحرم هنا، هى غير الأشهر الحرم المعروفة، وهى ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب.. والتي أشار إليها الله سبحانه وتعالى بقوله «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ» .. فهذه الأشهر الحرم يحرم فيها القتال بدءا به، ولا يحرم فيها لدفع العدوان.. وهذا الحكم هو لها فى جميع الأزمان.. أما الأشهر الحرم التي ذكرت هنا فإن حرمة ما حرّم منها هو خاص بهذا العام، أي السنة التاسعة، وأول العاشرة من الهجرة..

والمشركون الذين أمر المسلمون بقتالهم بعد انسلاخ هذه الأشهر الأربعة هم مطلق المشركين، ما عدا الذين أمهلوا إلى أن تتم المدة المتعاهد معهم عليها. وقوله تعالى: «وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ» دعوة للمسلمين بالجد فى طلب المشركين، وأخذهم بكل قوّة، وملاحقتهم فى كل مكان، حتى لا يكون لهم مهرب.. وفى هذا إرهاص بما سيحلّ بالمشركين من بلاء واقع، لا وجه لهم من الإفلات منه.. بعد أن ينتهى الأجل المضروب لهم، وذلك من شأنه أن يلقى الرّعب فى قلوب المشركين، وأن يفتح للكثير منهم طريقا إلى الإسلام، حيث يجد العافية، والأمن والسلام.. وفى قوله تعالى: «فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» هو تحريض للمشركين على المبادرة بالتوبة، وخلع نير الشرك من رقابهم، وذلك قبل أن يقعوا ليد المسلمين، وتصل إليهم سيوفهم، فإنهم إن وصلوا إلى تلك الحال، فلن تكون لهم نجاة، ولن تقبل منهم توبة، شأنهم فى هذا شأن الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا، وفيهم يقول الله سبحانه وتعالى: «إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (33- 34: المائدة) وفى قوله تعالى: «أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» دعوة للمسلمين إلى التسامح والرفق، وأن يقبلوا هؤلاء الذين جاءوهم مسلمين، وأن يفسحوا لهم فى قلوبهم

الآيات: (6 - 15) [سورة التوبة (9) : الآيات 6 إلى 15]

مكانا مع إخوانهم المسلمين، وأن يغفروا لهم ما كان منهم من إساءات، فيما أصابوهم بهم فى أموالهم وأنفسهم، فإن الله غفور رحيم، ينال المؤمنين برحمته، ومغفرته، فليأخذوا هم المسيئين إليهم برحمتهم ومغفرتهم.. ثم هو إغراء للمشركين أن يدخلوا فى دين الله، فهذه رحمة الله ومغفرته مبسوطة لهم، وهؤلاء هم المؤمنون يلقونهم بالرحمة والمغفرة لما كان منهم، فى عدوانهم عليهم، وكيدهم لهم.. إنها فرصة مسعدة، والسعيد من أخذ بخطه منها. الآيات: (6- 15) [سورة التوبة (9) : الآيات 6 الى 15] وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (9) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)

التفسير: تمضى الآيات بعد هذا فى تقرير الأحكام التي تنتظم الصّلات التي بين المؤمنين وأعدائهم من المشركين والكافرين.. فبعد أن قضى الله بنقض العهود التي بين المشركين والمسلمين، وإمهالهم أربعة أشهر يتدبّرون فيها أمرهم، استثنى الله سبحانه وتعالى من هؤلاء المشركين من عرف المسلمون منهم الوفاء بالعهد، فأبقى على عهودهم إلى انتهاء أجلها المضروب لها، ثم أمر الله المسلمين بأن يأخذوا المشركين حيث وجدوهم، وأن يقتلوهم حيث ظفروا بهم، وذلك مع استثناء من بقي لهم مع المسلمين عهد. وهنا فى هذه الآيات استكمال لهذه الأحكام.. ففى قوله تعالى: «وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ» بيان لحكم من جاء من المشركين مستجيرا بالنبيّ، طالبا الأمان منه. ففى غير ميدان القتال، وفى حال السّلم، قد يرى بعض المشركين أن يلتقى بالنبيّ، ليعرف الدعوة الإسلامية، وليعرض على عقله وقلبه ما يدعو إليه الإسلام، وذلك حقّ له، يجب ألّا يحرم منه.. ليكون إيمانه على علم، وفى غير إكراه.. ولهذا أمر الله سبحانه النبىّ الكريم أن يستجيب لدعوة من يدعوه إلى طلب الأمان فى جواره، وذلك حتى يسمع كلام الله، أي حتى يسمع ما نزل على النبي من قرآن يقرر أصول الإسلام، وأحكام شريعته، ثم إن لهذا

المستأمن أن يطلب النّظرة إلى الوقت الذي يسمح له بالنظر والتدبر فيما سمع من كلام الله، وأن يجاب إلى هذا، حتى ينقطع عذره، وتقوم عليه الحجة.. فإن وجد فيما سمع ووعى من كلام الله ما يدعوه إلى الإيمان، ثم آمن.. فهو فى المؤمنين، له ما لهم وعليه ما عليهم.. وإن أصمّ الله سمعه، وأعمى بصره، وحجب بصيرته، فلم تنفذ شعاعات الهدى إلى قلبه، وآثر الضلال على الإيمان، واستحبّ العمى على الهدى، فإن له ما اختار.. لا سلطان لأحد عليه، ولا سبيل لأحد أن يناله بضرّ أو أذى، فهو الآن فى ذمة النبىّ، وذمة المؤمنين جميعا.. وعلى النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- أن يضمن سلامته، وأن يكفل له الأمن والطمأنينة ما دام فى رحاب المسلمين.. ثم إن أراد النبىّ، أو رغب هو فى أن يلحق بأهله، أجيب إلى هذا، ووكل به النبىّ من المسلمين من يقوم على حراسته، وسلامته، حتى يبلغ مأمنه، أي المكان الذي يجد فيه الأمن بين أهله وعشيرته.. ألا فلتخرس ألسنة الذين يقولون إن الإسلام دين قام على السيف وإراقة الدماء!! فهذا صنيع الإسلام مع أعدائه حين لا يكون منهم حرب معه، أو عدوان عليه.. إنه سلم خالص، وإنسانيّة فى أرفع منازلها.. فلا إكراه فى الدين، ولا عدوان على من يختلفون مع المسلمين اختلافا قائما على البحث والنظر. وليس فى الدعوات دعوة تحترم العقل، وتمنحه حقه المطلق فى النظر والاختيار- كدعوة الإسلام، التي لا تفرض سلطان الحق الذي بين يديها، على أي ذى عقل، ولو كان عقلا جهولا محمّقا! ذلك أن الإسلام ليس من همّه امتداد ظلّه على مساحات ممتدة من

الأرض، ولا التسلط على أعداد كثيرة من الناس، شأن الغزاة والفاتحين، فمثل هذا لا يقيم فى القلوب دينا، ولا يثبت فى الأرض عقيدة.. وإنما الذي يهمّ الإسلام أولا وأخيرا، هو أن يجد العقول التي تتقبّل دعوته، والنفوس التي تستجيب لها، والقلوب التي تعمر بها.. ولا عليه بعد هذا أن يقلّ أتباعه أو يكثروا، وأن تتسع دولته أو تضيق.. إذ ليست دعوة الإسلام لحساب فرد أو جماعة، وإنما هى خير ممدود للناس، فمن طعم منه، واستطابه، فذلك له، ومن أعرض عنه وتحاشى الأخذ منه فليس لأحد عليه سلطان: «وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ» .. وفى قوله تعالى: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ» إشارة داعية إلى الرفق بهؤلاء المشركين الذين جاءوا ليعرضوا الإسلام على عقولهم، فهم على جهل وجفاء، وفى ظلام جاهلية طال عليهم الأمد فيها.. وإذ كان هذا شأنهم، فإن من شأن من يتولّى الاستشفاء لهم من دائهم، أن يترفق بهم، حين يراهم يعشون عن النور، ويعمون على الهدى.. وفى قوله تعالى: «كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ» . هو عرض للوجه العام للمشركين، بعد هذا العرض لأفراد منهم، استجابوا للرسول، واستأمنوه، ليروا ما بين يديه من الدين الذي يدعوا إليه. وفى هذا العرض ينكشف ما عليه المشركون عامة، من غدر وخيانة، وتربّص بالمسلمين.. فهؤلاء لا عهد لهم ولا ذمة، عند المسلمين.. باستثناء أولئك الذين أمضى المسلمون عهودهم معهم إلى المدة المتفق عليها فيما بينهم وبين هؤلاء الجماعات من المشركين، وهم الذين استثناهم الله سبحانه وتعالى فى قوله سبحانه:

«إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ..» فهؤلاء المشركون سيظل المسلمون على عهدهم معهم، ما داموا هم على الوفاء بعهدهم، فإن بدا منهم ما يستشعر منه المسلمون غدرا أو خيانة، نقضوا هذا العهد، وقطعوا تلك المدة التي تضمنها العهد.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ» . وفى قوله تعالى: «كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ» تحذير للمؤمنين من أن يأمنوا جانب المشركين أيّا كانوا، حتى هؤلاء الذين لم يظهر للمسلمين منهم غدر أو خيانة.. فذلك إن يكن وجه مقبول من وجوههم، فإن وراء هذا الوجه وجوها كثيرة منكرة، وإنه ليس بالمستبعد منهم أن يغدروا وأن يخونوا فى أية فرصة تسنح لهم.. وإنه لو أمكنتهم الفرصة فى المسلمين لم يرقبوا فيهم إلّا ولا ذمة.. و «الإلّ» القرابة.. كأنها مشتقة من الآل التي بمعنى الأهل والأقارب.. «والذمة» : العهد الذي يصير به كل من المتعاهدين فى ذمة الآخر، أي فى ذمامه وحوطه، بحيث لا يجىء إليه منه أذّى. والاستفهام فى قوله تعالى: «كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ» استبعاد من أن يبقى المشركون على عهد بينهم وبين المسلمين.. وإن كانت بينهم وبين المشركين قرابة نسب أو عهود موثقة، والمستفهم عنده هنا محذوف، لدلالة الحال عليه، وهو: كيف يحفظون لكم عهدا، وهم عداوة تمتلىء بها صدورهم بغضة وشنانا لكم، حيث لا يجدون شفاءا لما فى صدورهم من هذا الداء إلا أن

يأخذوكم بالبأساء والضرّاء؟ ... فهم- والحال كذلك- لا يمسكون معكم بعهد إلا ربّما تمكنهم الفرصة فيكم، وإذن فاحذروهم، وكونوا منهم دائما على توقع الغدر بالعهد، والتحفز للوثوب عليكم. وفى قوله تعالى: «يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ» . هو كشف للمؤمنين عمّا فى نفوس المشركين من عداوة وبغضاء لهم، وأنهم إذا ألانوا الكلام مع المؤمنين، وأسمعوهم طيّب الكلم ومعسول القول، فإن ما فى صدورهم على خلاف هذا.. «وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ» أي خارجون عن الطبيعة السليمة للإنسان السليم. ومع هذا فإن قليلا منهم فبه بقيّة من خير، يمكن أن تكون طريقا هاديا له إلى الحق، والإيمان، إذا هو عرف كيف ينتفع بها، ولم يذهب بها، مذهب الضياع والفساد.. وقوله تعالى: «اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» . إشارة إلى أن هؤلاء الكافرين رغبوا عن آيات الله، وأعرضوا عن الهدى الذي تحمله إلى من يتصل بها، ورضوا بما هم فيه من حياة لاهية هازلة.. «يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ» .. لقد صدّوا عن سبيل الله، فساء عملهم، وضل سعيهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. وليس فى الأمر بيع ولا شراء.. ولكن لما كانت آيات الله فى معرض النظر لكل إنسان، وكان من شأن هؤلاء المشركين أن يؤمنوا بها، وأن يجعلوها بضاعتهم التي يتعاملون بها، وزادهم الذي ينزودون منه، فهم- والأمر كذلك- فى حكم من أخذوا آيات الله، وإذ لم ينتفعوا بها، ولم يأخذوا بحظهم منها، فكأنهم باعوها واشتروا بها هذه الحياة التي يحيونها، وهذا المتاع القليل

الذي يعيشون فيه! «أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ» . قوله تعالى: «لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ» .. هو توكيد لبيان ما يحمل المشركون للمسلمين من عداوة، وما يرصدون لهم من كيد، وما يدبّرون من بغى وعدوان.. وذلك أمر يجب أن يعلمه المسلمون، وأن يستيقنوه، وأن يأخذوا حذرهم منه، وإلّا استحوذ عليهم المشركون، وفتنوهم فى دينهم، وأوقعوهم فى بلاء عظيم. قوله تعالى: «فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» فى هذا ما يكشف عن سماحة الإسلام، وإنسانيته، وأنه ليس لحساب فرد، أو جماعة، أو أمة، وإنما هو حظ متاح للناس جميعا.. وأن هذه الحرب التي تدور بين أتباعه وأعدائه، والتي يحتمل فيها هؤلاء الأتباع ما يحتملون من ابتلاء فى أموالهم وأنفسهم- هذه الحرب ليست لحساب أحد، وإنما هى من أجل هذا الدين، ولحساب هذا الدين.. ومن هنا كان مطلب المسلمين المجاهدين أولا وقبل كل شىء، هو هداية الناس، وابتغاء الخير لهم.. فإذا اهتدى الضال، وآمن المشرك، ونزع الكافر عن كفره- كان ذلك هو الجزاء الحسن الذي يسعد به المسلم، والغنيمة العظيمة التي يجد فيها العزاء لكل ما أصيب به، فى نفسه، أو ماله. ولهذا، فإن هؤلاء المحاربين للمسلمين، والمعتدين على الإسلام، هم على تلك الصفة، والمسلمون على موقفهم العدائى معهم، ما داموا على حالهم تلك، فإذا هم تحولوا عن موقفهم هذا، ودخلوا فى دين الله- انقلبوا فى الحال أولياء

للمؤمنين، وإخوانا لهم، قد ذهب إيمانهم بالله بكل ما كان لهم فى نفوس المؤمنين من بغضة وعداوة.. وفى قوله تعالى: «وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» دعوة للمشركين أن يتدبروا أمرهم فيما بينهم وبين هذا الدين الذي يدعون إليه، وإنهم لو نظروا بقلوب سليمة، وعقول تنشد الحق، وتطلب الهدى، لعلموا أن دعوة الإسلام لا تقوم على عصبية قبليّة، أو طائفية، أو من أجل جاه أو سلطان، وأنه لو كان هذا شأنها لما كان دخولهم الإيمان شفيعا يشفع لهم عند المسلمين، ويعفى على ما اقترفوه فى حقهم من آثام، ولما قبل منهم المسلمون إلا الاستسلام لهم، واستباحة دمائهم وأموالهم، شأن الحروب التي تقع بين الناس والناس، من أجل أمور الدنيا المتنازع عليها بينهم أبدا. قوله تعالى: «وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ» هذا هو الوجه الآخر الذي يلقى به المؤمنون، المتمردين من المشركين، الناكثين للعهد، وهو أنه إذا لم يستقم المشركون على الوفاء بالعهد، ونكثوه، أو همّوا بنكثه، وأطلقوا ألسنتهم بقالة السوء فى الإسلام والمسلمين، أو مدّوا أيديهم إلى المسلمين بأذى- فعندئذ ينبغى على المسلمين أن يحلّوا أنفسهم من أي عقد عقدوه مع هؤلاء المشركين، وأن يضربوهم بيد باطشة قاهرة، لعلّ فى هذا ما يقطع ألسنتهم وأيديهم المتطاولة على الدين، ويقصّر من خطوهم إلى التمادي فى الشرك والضلال. وفى العدول عن الضمير إلى الظاهر فى قوله تعالى: «فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ» بدلا من أن يجىء النظم «فقاتلوهم» - فى هذا ما يكشف عن وجه هؤلاء المشركين،

ذلك الوجه، الذي لا يستحق غير الخزي والهوان.. إنه وجه يطلّ منه الكفر فى أنكر صورة وأبشعها.. وإنه، وجه تنعقد على جبينه أمارة الزعامة، والإمامة، لدولة الكفر والضلال. قوله تعالى: «أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» هو تحريض للمؤمنين على الجدّ فى قتال المشركين، وفى قتل كل المشاعر التي تدعو إلى مهادنتهم، والتراخي فى تأديبهم والانتقام منهم.. فإذا وقع فى نفس مسلم شىء من هذا المشاعر، فليذكر ما صنع هؤلاء المشركون به وبالنبيّ الكريم، وبجماعة المسلمين عامة، وما كان منهم من كيد وبغى وعدوان، على دين الله، وعلى المؤمنين بالله.. فهؤلاء المشركون، الذين نكثوا أيمانهم، ونقضوا عهودهم- لم يكونوا فى يوم ما على حال مستقيمة مع المسلمين.. وحسبهم أن كان منهم تلك المواجهة المنكرة التي واجهوا بها الرسول فى أول دعوته، وكيف آذوه وآذوا كل من استجاب له، حتى همّوا بإخراجه، وتآمروا على اغتياله، لولا أن ردّ الله كيدهم، وأخرج النبىّ سليما معافى من بينهم. ثم هاهم أولاء قد نكثوا أيمانهم، وتحللوا من كل عقد عقدوه مع المسلمين.. فكيف يرعى المسلم لهم عهدا..؟ وكيف تعطفه عليهم عاطفة؟ وفى التعبير بلفظ «همّوا بإخراج الرسول» إشارة إلى واقع أمرهم مع الرسول فعلا، فهم لم يخرجوه، بل كانوا يعملون على أن يمسكوه بينهم، ويحولوا بينه وبين أن يلقى الناس، وأن تلتقى دعوته بالناس- ولكن لما كان هذا الموقف المتعنت الذي وقفوه منه- صلوات الله وسلامه عليه- سببا فى أن يخرج من بلده

مهاجرا، فقد حسن أن يضاف إليهم إخراجه، نيّة لا عملا.. وفى التعبير بكلمة «همّوا» التي تفيد معنى النيّة المنعقدة على هذا الأمر- فى هذا ما يكشف عن مكنون ضمائرهم، من كراهية للنبىّ، واستثقال لمقامه فيهم، وأنهم يهمّون بإخراجه، ولكن يرون أن إخراجه أشدّ بلاء عليهم من إمساكه معهم.. فهم يمسكون بالنبيّ على مضض وتكرّه.. ومن فعلات المشركين بالمؤمنين أنهم هم الذين بدءوا بالعدوان، وجاءوا إلى بدر بجيوشهم، يمنّون أنفسهم بالقضاء عليهم، والتنكيل بهم. فهذه كلها أمور إذا ذكرها المسلمون أثارت حفيظتهم على المشركين، وأوقدت عزائمهم لجهادهم، وأخذهم بالبأساء والضراء، حتى يستجيبوا لله وللرسول.. وفى تنكير المشركين فى قوله تعالى: «أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً» تحقير لهؤلاء القوم، وتعرية لهم من كل صفة، إلا تلك الصفات التي دمغهم الله سبحانه وتعالى بها، وهى ما أشار إليه قوله تعالى: «نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ. وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ.. وقوله تعالى: «قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» . هو إغراء للمسلمين بلقاء المشركين وقتالهم، حتى يفيئوا إلى أمر الله.. فبعد أن أثار الله حميّة المسلمين، وملأ قلوبهم موجدة وسخطا على الكافرين- جاء وعده سبحانه وتعالى للمسلمين بالنصر على عدوّهم، وأنه سبحانه سيعذب هؤلاء المشركين بأيدى المؤمنين، بما يصيبهم فى أنفسهم من قتل وأسر، وما يصيبهم فى أموالهم، التي تقع غنيمة لأيدى المؤمنين فى ميدان القتال، أو فى فداء الأسرى منهم.. وليس هذا فحسب، فإن الذي لهم فى العرب من مكان

الرياسة والسيادة ستذهب به تلك الهزيمة المنكرة التي سيلقونها، ويلقون معها الخزي والعار.. وفى قوله تعالى: «وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ» انتقال من الخطاب إلى الغيبة، وفى ذلك تنويه بشأن المؤمنين، ورفع لقدرهم، بالنأى بهم عن هذا الموطن الذي ينزل فيه العذاب على المشركين، ويقع عليهم الخزي والهوان.. وفى العدول عن تعريف القوم إلى تنكيرهم، تفخيم لهؤلاء القوم، وأنهم ليسوا قوما بأعيانهم، وإنما هم المؤمنين حيث كانوا، سواء من قاتل هؤلاء المشركين أو من لم يقاتل، وسواء من شهد هذه الأحداث وعاصرها أو من جاء بعدها، حيث يرى المؤمن فى حديث التاريخ عنها ما نقرّ به عينه، وينشرح به صدره، حين يحدّثه التاريخ عن هزيمة الباطل وانتصار الحق، وامتداد ظلّ الإسلام، وانكماش دولة الكفر والضلال.. وفى قوله تعالى: «وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ» وفى عطف هذا الفعل على الأفعال قبله فى قوله تعالى: «يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ» .. إشارة إلى أن من تقدّر له التوبة من هؤلاء المشركين ويدخل فى دين الله يجد نفسه مشاركا للمؤمنين فيما آتاهم الله من فضله، ينصرهم وإعزازهم، وشفاء ما بصدورهم.. وبهذا يتحول فى لحظة واحدة من تلك الحال التي يلبس فيها لباس الهزيمة والخزي والعار، إلى الجبهة الأخرى، فيشاركها أفراحها ومسرّاتها، ويقاسمها ما بين أيديها من نصر، وما فى قلوبها من رضى وحبور، وفى هذا تحريض قوىّ للمشركين على ان يستجيبوا لله وللرسول، وأن يدخلوا فى دين الله، ويسلموا له مع المسلمين.. «وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» يمضى حكمه

الآيات: (16 - 18) [سورة التوبة (9) : الآيات 16 إلى 18]

بعلم العليم، وحكمة الحكيم، فما وقع شىء فى ملكه إلا على هذا التقدير الذي يقدّره العلم، وتحكمه الحكمة.. الآيات: (16- 18) [سورة التوبة (9) : الآيات 16 الى 18] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (16) ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (17) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18) التفسير: قوله تعالى: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ» هو تنبيه للمؤمنين إلى أن الإيمان ليس مجرد عقيدة يعتقدها المؤمن، فى الله وكتبه ورسله، ثم يعيش بهذه المعاني مضمرة فى كيانه، كما تضمر الحبة فى باطن الأرض، لا يصيبها وابل أو طلّ، ولا يحركها شوق إلى كشف وجهها، ومصافجة أضواء الوجود.. وإنما الإيمان هو وصل هذه الحقائق بالحياة، وصوغها فى صورة سلوك وأعمال، من عبادات ومعاملات، ومن جهاد فى سبيل الله، وحماية لراية الإيمان أن تسقطها يد البغاة المعتدين، من أهل الشرك والضلال.. فللإيمان أعباؤه وتكاليفه، وفى الوفاء بهذه الأعباء وتلك التكاليف، تتحد مواقف المؤمنين، وتكون منازلهم ودرجاتهم.

وقوله تعالى: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا» استبعاد لهذا الشعور الذي يداخل بعض المؤمنين من أن يكون حسبهم من إيمانهم ما تنطوى عليه صدورهم من حقائقه.. وكلّا فإنهم مبتلون بما يكشف عن معدن هذا الإيمان الذي فى قلوبهم.. وفى هذا يقول الله تعالى: «الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ» (1- 3: العنكبوت) .. ففى الإيمان شريعة، وفى الشريعة أوامر ونواه، والمؤمن مطالب بأن يمتثل الأوامر ويأتيها، ويتجنب النواهي ويحذر التلبس بها.. إن الإيمان عقيدة وعمل.. وإنه لا معتبر لعقيدة إذا لم يزكّها العمل، ويحقق المعاني المضمرة فيها. وفى وقوله سبحانه: «وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ» ما يكشف عن تبعات المؤمنين. أي أحسبتم أيها المؤمنون أن تتركوا هكذا من غير ابتلاء واختبار، حتى يكون ذلك موضع علم واقع منكم، من جهاد فى سبيل الله وابتلاء فى أموالكم وأنفسكم.. بمعنى أنه لم يظهر منهم بعد هذا العمل، ولم يدخلوا فى تلك التجربة، ويصبروا على ما يصيبهم منها.. أما علم الله سبحانه وتعالى فهو علم شامل لكل ما وقع وما لم يقع.. فالمراد بعلم الله هنا، هو علمه الواقع على حال المؤمنين فى هذا الوقت الذي يخاطبون فيه بهذا الخطاب. وفى قوله تعالى: «وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ» .. إشارة إلى أن علم الله وإن كان محيطا بكل شىء، قبل أن يقع.. من المكلفين» إلا أن المكلفين لا يحاسبون على ما يقع منهم إلا بعد أن يقع.. وبهذا يحاسب

المكلّف على ما وقع منه فعلا، وصار علما واقعا له، بعد أن كان فى علم الله.. وقوله تعالى: «وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً» معطوف على قوله تعالى: «وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ» .. والوليجة: الملجأ، والمعتمد، الذي يلجأ إليه الإنسان، ويتخذ منه جنّة ووقاية له.. والمعنى، أن المطلوب من المؤمن هو الجهاد فى سبيل الله، وموالاة الله ورسوله والمؤمنين، والاعتماد على كفاية الله ورسوله والمؤمنين له، دون أن يقوم بينه وبين المشركين ولاء، فلا يدخل معهم فى خلف، ولا يلج لهم أمرا يلتمس منه خيرا لنفسه، أو سلامة مما يتوقّع من بلاء.. فإذا لم يقع منه هذا، لم يكن أهلا لأن يدخل الجنّة التي وعدها الله المتقين من عباده.. وقوله تعالى: «وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ» تحذير للمؤمنين الذين فى صدورهم شىء من هذه المشاعر، التي تقيم بينهم وبين المشركين صلة على حساب دينهم، أو على حساب الجماعة الإسلامية، وأمنها وسلامتها.. قوله تعالى: «ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ» هو بيان لبعض الحكمة فيما أمر الله به المسلمين فى شأن المشركين، وقتالهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم.. كما جاء ذلك فى أول السورة.. ثم هو إيذان لما سيأتى بعد ذلك من أمر فى ألا يقرب المشركون المسجد الحرام بعد عامهم الذي أنذروا فيه، ببراءة الله ورسوله منهم، وفى هذا يقول الله تعالى: «إِنَّمَا

الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا» وهو العام التاسع من الهجرة، الذي شاء الله سبحانه لرسوله الكريم ألا يحج هذا العام الذي حج فيه المشركون، ثم حج حجّة الوداع فى العام الثاني، وقد طهر البيت من هذا الرجس. فالمشركون بما فى قلوبهم من كفر، ليسوا أهلا لأن يدخلوا بيوت الله ويعمروها.. إذ كيف يكفرون بالله، ثم يعمرون مساجده؟ وقوله تعالى: «شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ» هو حال من أحوالهم التي يدخلون بها المساجد، وهى أنهم يدخلونها وهم كافرون بالله.. وشهادتهم على أنفسهم ينطق بها حالهم وأفعالهم، وإن لم تنطق بها ألسنتهم، فهم يدخلون بيت الله، ثم يسجدون فيه لغير الله، مما يعبدون من أوثان وأصنام.. وهذا العمل منهم أبلغ شهادة عليهم بالكفر والضلال.. «أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ» أي بطل كل عمل لهم، وانقلب شرّا ووبالا عليهم «وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ» فتلك هى ثمرة ما كانوا يعملون.. النار، والخلود فى النار.. قوله تعالى: «إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ» تلك هى حقيقة الذين يعمرون مساجد الله، وهذه هى صفاتهم التي تؤهلهم لأن يكونوا من أهلها وعمّارها.. أن يكونوا مؤمنين بالله واليوم الآخر، وأن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وألا يكون فى قلوبهم خوف إلا من الله، ولا رجاء إلا فيه، ولا متعلّق إلّا به.. فهؤلاء فى معرض الهداية والتوفيق، وعلى طريق الاستقامة والتقوى. بهم تعمر بيوت الله، يذكر الله فيها، ذكرا خالصا من لزيغ، مبرأ من الشرك..

الآيات: (19 - 22) [سورة التوبة (9) : الآيات 19 إلى 22]

الآيات: (19- 22) [سورة التوبة (9) : الآيات 19 الى 22] أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22) التفسير: كان بعض مشركى مكة يقومون على خدمات فى المسجد الحرام، كالسقاية للحجيج، وإطعام الوافدين للحجّ، وتأمينهم، وعمارة المسجد، وفرشه، وغير هذا مما كانت تتقاسمه قريش بين بيوتها من أعمال البيت الحرام. فلما جاء الإسلام، وحرّم على المشركين الاتصال بالمسجد الحرام، والقيام بأى عمل فيه، أوله- وقع فى نفس هؤلاء الذين كانوا يقومون على تلك الأعمال، أنهم بعد أن دخلوا الإسلام، لا زالوا فى حاجة إلى ما يملأ هذا الفراغ، ويذهب بذلك القلق النفسي الذي استشعروه، حين زال سلطانهم الديني على المسجد الحرام، وقاصديه.. وفى قوله تعالى: «أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» .. موازنة بين تلك الأعمال التي كان يعدّها المشركون من القربات، وبين الإيمان الذي عمر قلوب المسلمين، ووصلهم بالله ربّ العالمين.

وفى هذه الموازنة، تبدو تلك الأعمال التي كانوا يعملونها وهم متلبسون بالشرك- تبدو ضئيلة تافهة، لا وزن لها إلى جانب الإيمان بالله وما يملأ كيان المؤمن من الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد فى سبيل الله.. «لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ» . وفى الموازنة بين سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، وبين من آمن بالله واليوم الآخر- فى هذه الموازنة ما يسأل عنه.. وهو: لماذا جاءت الموازنة بين أعمال، هى السقاية وعمارة المسجد الحرام، وبين أشخاص هم المؤمنون بالله واليوم الآخر؟ وكيف تقوم موازنة بين أعمال وأشخاص،؟ إن المتصور هو أن تقوم الموازنة بين أعمال وأعمال، أو بين أشخاص وأشخاص.. حتى يمكن أن يعرف الفاضل والمفضول، والطيب والخبيث، بالنظر فى المتجانسين والموازنة بينهما.. فكيف هذا؟ والجواب- والله أعلم- أن هؤلاء الأشخاص الذين كانوا يؤدّون تلك الأعمال، ويحسبون أنها قربات عند الله، وأنها تجعل لهم شأنا وذكرا عنده، هى أشياء لا حساب لها فى ميزان الأعمال، إذ كانت غير مستندة إلى إيمان، ولم يكن الذين يأتونها بالمؤمنين بالله.. والحديث عن هذه الأعمال، دون الحديث عن أصحابها، يشير إلى أن أصحابها لا معتبر لهم فى موازين الناس، ماداموا على غير الإيمان.. وعلى هذا التقدير جاء النظم القرآنى بأعمالهم، ولم يجىء بهم، إذ كانت الأعمال فى ظاهرها حسنة طيبة، ولكنها لا نعود بثمرة عليهم، ولا تضاف لحسابهم.. أما المؤمنون بالله، واليوم الآخر والمجاهدون فى سبيل الله، فإنهم بإيمانهم بالله وباليوم الآخر وبالجهاد فى سبيله، أصبحوا هم الصورة الكاملة للإنسان الكامل

الذي ينظر إليه وإلى أعماله، كأصل أصيل فى تقويم الناس وأعمال الناس. وقوله تعالى: «وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» إشارة إلى أن أصحاب هذه الأعمال الطيبة قد ظلموا هذه الأعمال، إذ لم يزكّوها بالإيمان، كما أنهم قد ظلموا أنفسهم، إذ لم يظهروها من الرجس والشرك. قوله تعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ» فى هذه الآيات عرض لمنازل المؤمنين فيما بينهم، بعد أن ميّز الإيمان بينهم وبين المشركين، وجعلهم جميعا فى مقام كريم عند الله، يتقبل أعمالهم الطيبة، ويتجاوز عن سيئاتهم، على حين لا يقبل من غير المؤمنين عملا، ولو كان مما يدخل فى باب الطيبات الصالحات من الأعمال. والمؤمنون الذين هاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله، أعظم درجة عند الله، من الذين آمنوا وجاهدوا ولم يهاجروا.. والذين آمنوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله، أعظم درجة عند الله من الذين آمنوا ولم يهاجروا ولم يجاهدوا.. وهكذا يتفاوت المؤمنون فى منازلهم ودرجاتهم عند الله. وأعلى درجة عند الله للمؤمنين، هى درجة المهاجرين الذين جاهدوا فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم بعد أن اجتمع لهم الإيمان والهجرة- وقد وعدهم الله سبحانه وتعالى بالفوز برضوانه وجناته، ينعمون فيها بنعيم مقيم، لا ينفد ولا ينقطع أبدا.. (خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ»

الآيتان: (23 - 24) [سورة التوبة (9) : الآيات 23 إلى 24]

الآيتان: (23- 24) [سورة التوبة (9) : الآيات 23 الى 24] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (24) التفسير: فرّق الإيمان بالله، بين المؤمنين والمشركين، وجعل ولاء المؤمن للمؤمنين عامّة، أيّا كان لونهم وجنسهم، وأيّا كانت درجة القرابة فى النسب بينهم وبينه، على حين قطع ولاءه لأهله، وأقرب المقربين إليه إذا لم يكونوا من المؤمنين بالله وبرسول الله. وقبل فتح مكة كان المهاجرون بعضا من أهليهم المشركين فى مكة.. فمنهم من آمن وهاجر، وترك وراءه أبا، أو أمّا، أو إخوة، ما زالوا على شركهم، وما زالت علائق القرابة تشدّه إليهم، وتذكره بهم، وتبعث أشواقه وحنينه نحوهم.. ثم بعد فتح مكة، دخل النّاس فى دين الله أفواجا، وأسلم أهل مكة ومن حولهم، ولكن لم يكن كثير منهم مؤمنا بقلبه، مطمئنا إلى الدين الجديد الذي دخل فيه، بل لقد ظل بعضهم يحمل الحقد والعداوة للإسلام، الأمر الذي دعا الرسول الكريم إلى أن يتألّفهم.. ولهذا جاء قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا

الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ» - جاء منبّها المسلمين إلى ما قد يدخل عليهم من مشاعر القرابة نحو أهليهم الذين خلّفوهم وراءهم من المشركين.. تلك المشاعر التي قد تبلغ حدّ الجور على حقّ المسلمين على المسلم، من إخاء وموالاة. وفى الآية الكريمة أمران، نحبّ أن نقف عندهما: أولهما: أن النهى ورد مقصورا على الآباء والإخوان، ولم يذكر غيرهم من ذوى القربى، وخاصة الأبناء، الذين هم أقرب قرابة من كل قريب.. فلم هذا؟ وما حكمته؟ والجواب على هذا- والله أعلم- أن المخاطبين بهذه الآية هم المهاجرون والأنصار، الذين سبقوا إلى الإسلام، وخلّفوا وراءهم أهلا وعشيرا.. وهؤلاء الذين سبقوا إلى الإسلام- من المهاجرين والأنصار- لم يتخلّف وراءهم غالبا إلا آباؤهم وإخوانهم.. إذ أبى الآباء أن يتابعوا أبناءهم، أنفا وكبرا، كما أبى الإخوة أن ينقادوا للسابقين من إخوانهم، حمية وحسدا.. أما الأبناء فقلّ منهم من أسلم آباؤهم ثم لم يتابعونهم ويقفوا أثرهم.. فلما دخل هؤلاء المتخلفون فى الإسلام، دخله كثير منهم بقلب مريض، ونفس متكرهة. وعلى هذا، فإن الصورة التي كان عليها المؤمنون يومئذ، هى: أن كثيرا منهم دخل فى الإسلام تاركا وراءه أبويه وإخوته، أو أحد أبويه وبعض إخوته، وقليل منهم من دخل فى الإسلام، ولم يدخل معه أبناؤه.. ومن أجل هذا كان النهى عن موالاة هؤلاء الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم- كان النهى متجها إلى هؤلاء الآباء والإخوة، دون الأبناء، الذين كانوا- بصفة عامة- مع آبائهم.. وثانى الأمرين: أن النهى لم يتناول المشاعر، والأحاسيس التي يجدها المسلمون نحو آبائهم وإخوانهم من المشركين، وإنما جاء واقعا على الولاء والإيثار، وتغليب مصلحتهم على مصالح المؤمنين، فهذا هو الذي نهى عنه

الإسلام، وذلك أن النهى عن المشاعر والأحاسيس أمر لا تحتمله النفوس، وإن كانت تحتمله بعض النفوس، فإن ذلك لم يكن إلا عن مشقة ومعاناة وحرج.. الأمر الذي برئت منه الشريعة الإسلامية السمحاء. هذا، وفى الآية إشارة على أن الشبان أقرب من الشيوخ استجابة للدعوات الجديدة، والتجاوب معها، حيث كان السابقون إلى الإسلام من الشبان غالبا. قوله تعالى: «قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ» فى هذه الآية وضع للمسلمين فى مواجهة التجربة والاختبار لإيمانهم، واختيار ما يحبون وما يؤثرون.. فالإيمان فى جانب.. والآباء والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة والأموال والديار.. فى جانب آخر.. وعلى المؤمن أن يختار بين الإيمان بالله ورسوله والجهاد فى سبيله، وبين أهله، وماله ودياره. والاختيار هنا يمكن أن يجرّ به الإنسان بينه وبين نفسه، حين يورد على مشاعره هذين الطرفين المتنازعين فى كيانه، وأن يستعرضهما واحدا بعد الآخر، وأن يفترض أنه إذا لم يكن من الممكن الجمع بينهما، فأيهما يؤثر أن يمسك به، ويعيش معه؟ فإذا آثر الإيمان على الولد والأهل والمال والموطن، كان على الصفة التي يتحقق بها الإيمان الذي يقبله الله منه، ويرضاه له.. وإن كان العكس، وآثر

الولد والأهل والمال والموطن، على الإيمان بالله ورسوله والولاء للمؤمنين، والجهاد فى سبيل الله، فهو أقرب إلى الجبهة المعادية للإسلام، منه إلى الجبهة الموالية له.. «والمرء مع من أحبّ» . وفى وصف الأموال، بأنها أموال مقترفة إشارة إلى أن المال غاد ورائح.. وأنه أشبه بالمنكر، إذ كان أكثر ما يجىء المال من حصيلة الصراع بين الناس والناس. وفى قوله تعالى: «وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها» إشارة إلى ما قد يصيب السّوق التجارية من كساد، حين تقوم القطيعة بين المؤمنين والمشركين. وفى قوله تعالى: «فتربصوا» تهديد ووعيد لأولئك الذين يؤثرون علاقاتهم الدنيوية، على الإيمان بالله ورسوله والجهاد فى سبيل الله.. والتربص: الانتظار.. ووراء هذا الانتظار ما يسوء أولئك الذين آثروا الآجلة على العاجلة حين يرون نصر الله للمؤمنين، وما فتح الله عليهم به من مغانم فى الدنيا، ورضوان فى الآخرة، وجنّات لهم فيها نعيم مقيم. ويلاحظ أن قوله تعالى: «قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ.. الآية» قد انتظم كل ما تتعلق به النفوس، وتحرص عليه.. وليس وراءه من أمور الدنيا ما يطلبه الإنسان، ويعلق به.. كما يلاحظ أيضا أن هذه الأمور قد جاءت فى النظم القرآنى مرتبة الدرجات.. الأهمّ، فالمهم، فما هو دونه.. وهذا ما يجعل المؤمن أمام تجربة ذات شعب، وأنه قد يؤثر إيمانه على بعضها دون بعض، أو يؤثرها جميعا عليه، أو يؤثر إيمانه عليها جميعا.. كما أن هذه التجربة تنتظم المسلمين جميعا، لا يكاد أحد منهم يفلت من الدخول فيها، فمن لم يكن له أب كان له ولد.. ومن لم يكن له ولد، ولا والد، كان له زوج.. ومن لم يكن له واحد من هؤلاء كان له مال،

الآيات: (25 - 27) [سورة التوبة (9) : الآيات 25 إلى 27]

ومن لم يكن له مال، ولا تجارة يخشى كسادها، كان له موطن يحنّ إليه، ودار يرنو ببصره إليها.. وهكذا، فى كلمات معدودة، تتحرك مشاعر المجتمع الإسلامى، وتتقلب القلوب، ويدور الصراع فى كيان كل مسلم، ثم تنجلى المعركة بعد صراع طويل أو قصير، عن سلام وعافية، أو شكّ وتردّد.. ثم يجىء قوله تعالى: «وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ» تعقيبا على هذا الصّراع، ممسكا بهؤلاء الشاكّين المترددين، لينتزعوا أنفسهم مما هم فيه من شك وتردد، فإمّا إلى اليمين، وإما إلى اليسار.. ولله سبحانه وتعالى فى هؤلاء المترددين الشاكّين، الذين ظلموا أنفسهم بهذا الموقف الذي وقفوه- لله فيهم أعداء لم يرد الله أن يهديهم، وأن يمضى لهم طريقهم إلى آخره مع الإيمان.. فليحذر كلّ من هؤلاء أن يكون فيمن خذلهم الله وجعلهم من أعدائه.. «وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ» الذين دخلوا فى دين الله، ثم مال بهم الطريق إلى ما لا يرضى الله! الآيات: (25- 27) [سورة التوبة (9) : الآيات 25 الى 27] لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (26) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (27) التفسير: التجربة التي وضع الله سبحانه وتعالى المسلمين إزاءها فى الآية

السابقة، هى تجربة قاسية، تعالج منها النفس الشيء الكثير، من الضيق والألم، إلّا من عصم الله من عباده المؤمنين.. ولهذا جاء قوله تعالى: «لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ» - جاء قوله سبحانه وتعالى فى هاتين الآيتين، مذكّرا المسلمين بعظمة الله وقدرته، وفضله على المؤمنين من عباده.. وفى هذا ما يخفّ به ميزان كل شىء يتعلّق به الإنسان، من أهل ومال وموطن.. وبذلك يشتدّ عزم المؤمن، ويقوى يقينه، فيجد القدرة من نفسه على أن يجلى عنها كل ما يطوف حول إيمانه بالله ورسوله والجهاد فى سبيل الله، من دواعى الوهن والضعف، حين تطلع عليه الذكريات لأهله وماله ووطنه. فلقد أيد الله المؤمنين، وأمدّهم بنصره فى مواطن كثيرة.. فى بدر، وفى الخندق، وفى فتح مكة.. وفى حرب اليهود، فى خيبر، وفى المدينة.. ثم فى يوم حنين.. وقد كان المسلمون في عدد عديد، وعدّة ظاهرة، حتى لقد قال قائلهم: «إننا لن نغلب اليوم من قلّة» فقد كانوا فى اثنى عشر ألفا، بين راجل وفارس.. ومع هذا، فإنه ما كاد المسلمون يلتقون بهوازن فى وادي حنين قرب مكة، حتى ولّوا مدبرين، وانكشف رسول الله للعدو، ولم يثبت معه إلا عدة من ذوى قرابته، منهم علىّ بن أبى طالب، والعباس بن عبد المطلب، ونفر قليل من المؤمنين..

والذي كان يرصد المعركة فى تلك اللحظة ما كان يشك أبدا فى أن الدائرة على المسلمين، وأن الهزيمة واقعة بهم، لا محالة.. لقد تبدّد جيش المسلمين، وتناثرت جموعهم، وذهبت ريحهم، وما كان لقوة فى الأرض أن تجمع هذا الكيان الممزق، وأن تبعث فيه الحياة والقوة من جديد.. ولكن أمداد السّماء، ونفحات الحق، جاءت فى وقتها، فأحالت الهزيمة نصرا حاسما.. «ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ» وفى هذا يرى المسلمون أن القوة لله، وأن النصر والعزّة للمؤمنين، وأن البلاء والخزي على الكافرين.. فمن أراد النصر والعزّة.. فلا مبتغى لهما، ولا سبيل إليهما، إلا بالإيمان، ومع المؤمنين. ومن رغب عن الإيمان، وآثر عليه الأهل والمال، فلن يلق إلا الذّلة والهوان.. وفى قوله تعالى: «ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» استدعاء لمن خذلتهم عزائمهم، وتخلى عنهم السداده والتوفيق، فمالوا إلى جانب الضالين والمشركين.. فهؤلاء لا يزال الطريق إلى الله مفتوحا لهم، ولا زالت رحمة الله ومغفرته تنتظرهم على أول الطريق، إن هم راجعوا أنفسهم، ونزعوا عما هم فيه من تردد وارتياب! وهنا وقفة لا بد منها مع «ثمّ» وهو حرف عطف للترتيب والتراخي..

وقد جاء مكررا ثلاث مرات فى الحديث عن يوم حنين.. هكذا.. «وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ.. ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ» «ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ... » «ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ..» والعطف يثم هنا فى هذه المواضع الثلاثة، أفاد أمرين: أولهما: الترتيب الزمنى فى وقوع هذه الأحداث.. فقد وقع المسلمون أولا فى اضطراب وذعر، والتمسوا الخلاص مما هم فيه من بلاء، ولم يكن ذلك بالميسور لهم.. ثم كان الفرار وتولية الأدبار هما طريق النجاة.. ثم كان من الله توبة ومغفرة لمن فرّ منهم وولىّ المشركين دبره فى القتال. وثانيهما: التغاير بين وجوه هذه الأحداث المتعاطفة، بحيث يبدو أن عنصر الزمن لا بد أن يكون عاملا هنا فى تحريك الأحداث، حتى تتغير وتبلغ الصورة التي جاءت عليها.. والذي ينظر إلى الموقعة- موقعة حنين- من الظاهر، يجد أنها حدثا واحدا، متلاحم النسج، وأن ليس هناك أي فاصل زمنى يفصل بين مجريات الأمور فى هذا الحدث.. فهى معركة واحدة، احتواها زمن واحد، لم يجاوز غدوة يوم.. ولكن الذي ينظر إلى المعركة نظرا أعمق وأرحب، يجد أنها لم تكن معركة واحدة، وإنما هى معارك متصلة، بدأت بمعركة هزم فيها المسلمون، ثم انتهت بمعركة كتب الله لهم فيها النصر.. فالمعركة الأولى، لها حسابها وتقديرها، وحكمها، وهى الهزيمة المطلقة للمسلمين.. فقد أحاط بهم العدوّ، وأوقع فى صفوفهم الفوضى والاضطراب.. الأمر الذي يسلم إلى الهزيمة التي لا مفرّ منها..

ومع هذا، فإنه ما كان للمسلمين أن يفرّوا بأيّ حال كانوا عليه، وعلى أي تقدير يقدّرونه لنتائج المعركة.. فلتكن الهزيمة واقعة بهم، ولكن الذي كان يجب ألا يكون منهم، هو الفرار.. فهذا أمر لا يصحّ أن يقع من المسلمين فى ميدان القتال، والله سبحانه وتعالى يقول: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» .. فأى مسلم هذا الذي تحدّثه نفسه بالفرار من المعركة، وهو يعلم حكم الله فيمن يفرّ ويولّى العدوّ دبره؟ ولكن الذي حدث، هو أن المسلمين فرّوا، وولّوا الأدبار..! ومن هنا كان هذا الأمر منهم حدثا غريبا، ما كان ينبغى أن يكون فى ميدان القتال..! وهذا هو بعض السرّ فى عطفه «بثم» على الحدث الذي قبله، وهو الضيق والكرب الذي ركب المسلمين فى أول القتال.. وفى هذا ما يشعر بأن هذا الحدث- حدث الفرار- وإن كان قد وقع فى ميدان القتال، هو حدث مستقلّ بنفسه، منقطع الصلة بما قبله، غير مترتب عليه.. وعطفه على ما قبله هو من عطف حدث على حدث، أو قصة على قصة، أو حال على حال! أما عطف قوله تعالى: «ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ» فهو كذلك عطف حال على حال، أو قصة على قصة.. وهذا ما يشعر بأن الحدث الأول، وهو الفرار والهزيمة، أمر قد وقع، وسوّى حسابه.. ثم بدأ أمر آخر، له حسابه الخاص به، وهو الممثل فى تلك المعركة الجديدة التي دخل فيها المسلمون القتال مع العدوّ، بنفوس جديدة ومشاعر جديدة، بل قل وبأشخاص غير الأشخاص ومقاتلين غير المقاتلين.. إذ أنزل الله سكينته عليهم، ونزع

الآيتان: (28 - 29) [سورة التوبة (9) : الآيات 28 إلى 29]

لو كان قد استولى على قلوبهم من خوف وهلع، وأمدّهم بجنود من عنده، كانوا ردءا لهم، ويدا قوية ضاربة معهم، فكان لهم النصر والظفر.. وأمّا عطف قوله تعالى: «ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ» فكان من عطف حال على حال، وقصّة على قصّة، وشأن على شأن، وأن الصّلة التي بينه وبين ما قبله ليست صلة سبب ومسبّب، أو علة ومعلول.. ذلك أن ما كان يتوقعه المسلمون بعد فرارهم وتولّيتهم الأدبار، هو وقوع غضب الله عليهم فى الدنيا، والعذاب الأليم فى الآخرة.. ولكن الذي حدث كان غير هذا، فقد عاد الله سبحانه وتعالى بفضله وإحسانه عليهم، وجاءهم برحمته ومغفرته، وتقبّل توبة التائبين منهم. وقد جاءت رحمة الله ومغفرته إلى الذين فروا وولوا الأدبار فى هذه الصورة المتراخية- وفى هذا ما يشعر بأن مغفرة الله ورحمته ما كانت لتنال هؤلاء الفارّين أبدا، وأنها إذ نالتهم فى تلك المرّة، فإنها قد لا تنالهم بعدها.. لأن الحكم المسلّط على الفارّين الذين يولّون الأدبار فى ميدان القتال هو الحكم المحكم الذي لا يردّ، وأن هذا الذي أصاب المسلمين الفارين من مغفرة ورحمة فى هذا اليوم هو استثناء من أصل، ليس من الحتم أن يقع فى كل حال تشبهه! الآيتان: (28- 29) [سورة التوبة (9) : الآيات 28 الى 29] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28) قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (29)

التفسير: النّجس: القذر، الذي تنفر منه النفوس السليمة، وتتحاشاه.. والعيلة: الفقر والحاجة، وأصله من العول، وهو الزّيادة فى النفقة على الأصل الذي ينفق منه.. وفى المأثور: لا عال من اقتصد» . والجزية: ما يفرض على أهل الذمة فى الإسلام، وهو قدر من المال يؤدونه فى مقابل الإبقاء على حياتهم، وقد أصبحوا ليد المسلمين بعد الغلب عليهم. وفى قوله تعالى: «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ» حكم على المشركين بفساد كيانهم الداخلى، وأنهم بشركهم بالله قد أفسدوا طبيعتهم، كما يقع ذلك فى الأمور المادية، حيث يختلط الخبيث بالطيب، فيفسده!. والمشرك نجس كلّه، باطنا وظاهرا.. ولهذا نهى الله سبحانه وتعالى المؤمنين عن نكاح المشركات، وإنكاح المشركين، كما نهى عن تناول المسلمين من طعامهم.. والمسجد الحرام، معلم من معالم الهدى، ومنارة من منارات الحق.. فهو بهذا كائن طيّب.. ظاهره وباطنه، ومورد عذب يستقى منه المؤمنون، ويروون ظمأهم الروحي من جوّه الطهور.. ومن هنا كان على المسلمين حراسته من أن يلمّ به خبث، فيفسده عليهم، ويعكر موارده.. والمشركون نجس، وإلمامهم، بالمسجد الحرام تقدير له، وإفساد لطبيعته.. ولهذا أمر الله المسلمين بأن يحولوا بين المشركين وبينه: «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا» وهو العام التاسع من الهجرة،

الذي أعلن الله- سبحانه- المشركين فيه، بأنه برىء منهم، وأن رسوله برىء منهم.. وأن المسلمين- موالاة لله ولرسوله- بريئون منهم.. وقوله تعالى: «وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ» هو تطمين لقلوب المؤمنين، وإغراء لهم بدفع المشركين عن البيت، ولو كان فى هذا ما قد يسبب لهم كسادا فى تجارتهم، وتبادل المنافع بينهم وبين المشركين فى موسم الحجّ.. فالأرزاق بيد الله، ويده سبحانه مبسوطة بالعطاء، وفضلة واسع عميم.. فليستقم المسلمون على أمر الله، وليبتغوا بذلك مرضاته، وهو سبحانه الذي يتكفّل بأرزاقهم، وبإعطائهم الجزيل من فضله.. وقوله تعالى: «إن شاء» ليس قيدا واردا على الحكم الذي حكم به فى قوله سبحانه: «وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» .. وإنما هو إشارة إلى أن مشيئة الله هى المسلطة على كل شىء، وأنها لا تتوقف فى نفاذها على أفعال العباد، إذ أن أفعال العباد كلها داخلة فى مشيئة الله، واقعة تحت سلطانها.. وقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» هو وصف كاشف لهذه المشيئة، وأنها مشيئة «عليم» لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء.. «حكيم» فلا تقع مشيئته إلا على ما يقضى به علمه وحكمته، فتقع إذ تقع على أكمل الكمال، وأحكم الحكمة.. قوله تعالى: «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ» الجزية: هى ما يفرض على أهل الذمّة من مال يؤدونه للمسلمين، وسمّيت

جزية لأنها إمّا من الجزاء، فى مقابل الذنب الذي ارتكبوه بإفساد عقيدتهم، وإمّا من المجازاة، فى مقابل حفظ نفوسهم، وصيانتهم من القتل. ويجىء الأمر هنا بقتال الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، بعد أن انكشف للمسلمين موقفهم من أعدائهم الذين يتربصون بهم الدوائر، وبعد أن نهاهم الله سبحانه وتعالى عن موالاة غير المؤمنين، حتى ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم.. ثم بعد أن ذكر الله سبحانه نصره لهم فى مواطن كثيرة، لم يكن بين أيديهم فيها من وسائل الغلب والنصر شىء.. وإذ يجىء الأمر بقتال الذين لا يؤمنون بالله، بعد هذا الموقف الذي أثار مشاعر المسلمين، وقوّى عزائمهم، ووثق إيمانهم- فإنه يقع موقعه من نفوسهم، ويثمر ثمرته الطيبة فيهم، إذ يقبلون على القتال، وقد خلت نفوسهم من مشاعر المودة بينهم وبين الذين لا يؤمنون بالله، ولو كانوا أقرب الناس.. فلا يلتفت المجاهد إلى أهل أو مال، ولا ينظر إلى نفسه أكثر مما ينظر إلى دينه، والانتصار له، ودفع يد العدوّ عنه.. وقد جاء الأمر بقتال الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر فى صيغة العموم هكذا: «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ.. الآية» . وهذه الآية من سورة التوبة كما ترى، وقد نزلت بعد أن فتح النبىّ مكة، وبعد أن هزمت هوازن فى حنين، وبعد أن بسط الإسلام سلطانه على الجزيرة العربية كلّها.. والسؤال هنا هو: إلى من يتّجه الأمر إلى المسلمين بقتالهم، بعد أن دخل العرب فى الإسلام؟. والجواب على هذا، هو ما تضمنه قوله تعالى: «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ

مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ» .. وقد أشارت الآية الكريمة إلى ثلاثة أصناف: فالذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر.. هم الكافرون كفرا صراحا، وهم الملحدون. والذين لا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله.. هم المشركون، الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانا تلبّست به الضلالات، واختلطت به البدع.. وذلك إيمان المشركين من العرب.. الذين كانوا على دين إبراهيم، فأفسدوه بما أدخلوا عليه من تلقّيات أهوائهم، ووساوس شياطينهم، حتى لقد عبدوا الأصنام وقالوا: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى» . والذين لا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب، هم اليهود النصارى، الذين أفسدوا دينهم بما حرّفوا من كتاب الله الذي فى أيديهم، وبما تأوّلوا من كلمات الله التي بقيت معهم.. فهؤلاء هم الذين أمر المسلمون بقتالهم.. بعد الإعذار إليهم، ودعوتهم إلى الإسلام، دعوة قائمة إلى العدل والإحسان، داعية إلى الإخوة الإنسانية فى ظلّ الإيمان بالله. أما الكافرون فهم الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وليس معهم كتاب سماوى. وأما المشركون، فهم الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر، إيمانا مشوبا بالضلال.. والمثل الواضح للشرك ما كان عليه مشركو العرب قبل الإسلام.. وأما أهل الكتاب، فإن فى كفرهم شبهة، إذ معهم كتاب موسوم بأنه من عند الله، وهو وإن حرّف، وبدّل، وتأوله المتأولون على غير وجهه، لا يزال يحتفظ بأصول صالحة، لأن تكون معتقدا سليما، لو أعيد النظر فيه، على ضوء القرآن

الكريم، الذي هو مصدق لهذا الكتاب الذي فى أيديهم، ومهيمن عليه.. ولشبهة الكفر، أو شبهة الإيمان عند أهل الكتاب، فقد أخذهم الله بحكم غير حكم الكافرين والمشركين.. فهم ليسوا مؤمنين، وإن لم يكن الإيمان بعيدا منهم. ومن هنا كان أمر الله فيهم أن يدعوا إلى الإيمان الحقّ، فإن استجابوا وآمنوا، كان لهم ما للمؤمنين، وعليهم ما عليهم.. وإن أبوا كان على المسلمين قتالهم، حتى يستسلموا، ويصبحوا فى يد المسلمين، يجرى عليهم حكمهم، وتبسط عليهم يدهم.. ثم إنه ليس للمسلمين قتلهم، كما يقتل الكافرون والمشركون.. ولكن إذا سلمت لهم أنفسهم، فلن تسلم لهم أموالهم، بل عليهم أن يؤدوا منها جزية للمسلمين، وأن يؤدوها صاغرين، أي مقهورين مغلوبين. وقد ألحقت السّنّة المجوس باليهود والنصارى فى أخذ الجزية منهم بدلا من القتل المضروب على المشركين والكافرين، وغيرهم، ممن لا كتاب لهم. يقول الإمام الشافعي- رضى الله عنه- «إنها (الجزية) تؤخذ من أهل الكتاب، عربا كانوا أو عجما، ولا تؤخذ من أهل الأوثان مطلقا، لثبوتها فى أهل الكتاب، بالكتاب، وفى المجوس، بالخبر» . وعند أبى حنيفة أنها تؤخذ من أهل الكتاب مطلقا، ومن مشركى العجم والمجوس لا من مشركى العرب» . وهذا الذي يراه أبو حنيفة هو الأولى بأن يؤخذ به، لأنه يجرى مع الحكمة فى أخذ الجزية من أهل الكتاب، وعدم أخذها من مشركى العرب.. وذلك لأن العرب قد شهدوا دلائل النبوة كاملة، واستمعوا إلى آيات الله، وعرفوا مواقع الإعجاز منها، وأن القرآن عندهم ليس بالذي يخفى عليهم علوّ متنزّله، وأنه

من كلام رب العالمين.. فلم يكن كفرهم بالله وتكذيبهم لرسول الله إلا عن عناد واستكبار، وإلا عن حمية جاهلية.. فكان أن أخذهم الإسلام بهذا الحكم إذا هم وقعوا ليد المسلمين: إما الإسلام، وإما القتل، ولا ثالث..! فمثل هؤلاء الذين يشهدون الحقّ، ويرون آياته رأى العين، ثم لا يتبعونه، ولا يفتحون عقولهم وقلوبهم له- مثل هؤلاء، ينبغى أن تهدر آدميتهم، وأن تقام عليهم هذه الوصاية، التي تأخذهم بهذا الحكم الملزم. أما مشركو العجم والمجوس، ممن لا كتاب معهم، فإنه لم يستبن لهم على وجه القطع من دلائل النبوة، وصدق الرسول ما استبان لمشركى العرب، فكانوا لهذا أقرب إلى أن يلحقوا بأهل الكتاب، وأن يدخلوا فى تلك التجربة التي يدخلها أهل الكتاب- من أن يلحقوا بمشركى العرب.. أما من يؤدون الجزية ممن يدخلون فى حكمها، فقد اختلف الأئمة فيهم.. فبينما يرى مالك والأوزاعى أنها تؤخذ من جميع الواقعين تحت حكمها فردا فردا، إذ يرى أو حنيفة أنها لا تؤخذ من امرأة، ولا صبّى، ولا زمن، ولا أعمى.. ورأى أبى حنيفة أقرب إلى سماحة الإسلام، وإلى مرامى أهدافه البعيدة. فى تأليف القلوب، ودعوتها إليه بالتي هى أحسن. وأخذ الجزية من أهل الكتاب، وأداؤهم لها على هذا الوجه الذي يؤدونها عليه فى ذلة وصغار هو فى الواقع ليس عن دافع من التعالي والكبر من المسلمين، وإنما هو إثارة لدوافع الإنسانية عند هؤلاء الذين يؤدون الجزية، ولتحريك الرغبة فيهم إلى الخلاص من هذا الوضع المشين، وذلك بمراجعة معتقدهم.. من جهة، والنظر فى وجه الدعوة التي يدعوهم الإسلام إليها.. من جهة أخرى.. وهذا إن فعلوه فإنه لا بد أن يصحح عقيدتهم، ويفتح عقولهم وقلوبهم

للدين الحق، دين الله، دين الإسلام. وهذا هو السرّ فى الإبقاء على أهل الكتاب حين يقعون ليد المسلمين، وصيانة دمهم من القتل، وقبول الدّية منهم.. فإن هذا التدبير إنما غايته هو وضع أهل الكتاب فى هذا الامتحان، وتلك التجربة.. ولقد أثمر هذا الامتحان ونجحت تلك التجربة، فإنه ما من أحد من أهل الكتاب، دخل فى هذا الامتحان وعاش تلك التجربة، وأخذ مكانه مع المسلمين على هذا الوضع، حتى وجد الفرصة سانحة، والوقت متسعا، للبحث والنظر فى معتقده، والمعتقد الذي يدعى إليه.. وكان من هذا أن دخل فى الإسلام، وآمن به عن اختيار واقتناع.. ومن بقي على دينه من أهل الكتاب- وهم قلة شاذة- فقد كانت آفة ذلك إلى تعصب أعمى، وانقياد لهوى جامح، لا يمسكه عقل، ولا يردّه رأى! فلم تكن الجزية التي فرضها الإسلام على أهل الكتاب ضربا من التحكم، ولا نزعة من نزعات القهر والتسلط، وإنما هى- كما رأينا- دعوة حكيمة من دعوات الإسلام إلى الإيمان بالله، وأسلوب من أساليبه المحكمة، فى فتح الأبصار المغلقة، إلى النور، ولفت العقول الشاردة، إلى الهدى، وإيقاظ القلوب الغافية، لاستقبال آيات الله وكلماته.. ولو كان من شأن الإسلام التسلط والقهر، والعدوان والبغي، لأخذ أهل الكتاب الذين وقعوا ليده، ونزلوا على حكمه، بما أخذ به الكافرين والمشركين، ولما قبل منهم إلّا الإيمان أو القتل، ولما استبقاهم ابتغاء إصلاحهم، وشفائهم ممّا ألمّ بهم، من زيغ فى العقيدة، وضلال فى الدين.. فالجزية التي فرضها الإسلام على أهل الكتاب، هى دواء لداء، واستطباب لعلّة، وعملية جراحيّة لاستئصال مرض قاتل.. وإنه لا بأس من أن يكون الدواء مرّا، إذا أنمر ثمرته فى شفاء الداء.

وفى قوله تعالى: «حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ» إشارة إلى علوّ يد المسلمين، وتمكنهم من عدوّهم، بما لهم من بأس، وقوة.. وهذا يعنى أن يحتفظ المسلمون دائما بتلك القوة التي مكّنت لهم، وإلا كان عليهم أن ينزلوا عن هذه المنزلة التي هم فيها، فإنهم إن لم ينزلوا عنها طائعين، نزلوا عنها مكرهين.. بل وربما تحولت الحال، فكانوا تحت يد من كانوا تحت يدهم! فالمراد باليد هنا، القوة والقدرة، التي يعلو بها المسلمون على غيرهم. والقوة التي يعتمد عليها المسلمون، تقوم دعائمها أولا وقبل كل شىء، على الإيمان بالله، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.. فإذا حقق المسلمون حقيقة الإيمان فى قلوبهم، مكّن الله لهم من كل أسباب العزة، والقوّة، وملأ أيديهم من خير الدنيا والآخرة جميعا، وأقامهم فى هذه الدنيا مقاما كريما، وجعل كلمتهم العليا، وكلمة الذين كفروا هى السفلى! فليس المراد بقوله تعالى: «وَهُمْ صاغِرُونَ» تحريضا للمسلمين على امتهان أهل الذمة وإذلالهم، بقدر ما هو تحريض للمسلمين على اكتساب القوة والاحتفاظ، بها حتى لا يكونوا يوما فى هذا المنزل الذليل المهين، الذي ينزله المغلوب على أمره بها، النازل على حكم غالبه.. فهذا هو واقع الحياة، وتلك هى سنة الله فى خلقه.. الغالب متحكم متسلط، والمغلوب مقهور مهين.. وإذا كان هناك من المبادئ الخلقية، أو المواضعات السياسية، ما يخفف من هذا المبدأ العامل فى الحياة، فإن سماحة الإسلام، وإنسانية شريعته، قد كان لهما فى هذا الباب ما لا يمكن أن يلحق بغباره القوانين الدولية، أو المنظمات الإنسانية.. ذلك أن دعوة الإسلام إلى التسامح، والرفق، والإخاء، دعوة مشدودة إلى ضمير الإنسان، موصوله بإيمانه بالله، بحيث لا يكمل إيمانه إلا بها.. أما ما تحمله القوانين الدولية، وما تنادى به المنظمات الإنسانية، فلا يعدو أن يكون مجرد نصائح ووصايا،

الآيات: (30 - 33) [سورة التوبة (9) : الآيات 30 إلى 33]

تخاطب أذن الإنسان، دون أن تبلغ مواطن الإدراك، أو الوجدان منه. فالقوة التي يملك بها المسلمون مصائر الأمور فى الناس، قوة رحيمة، عادلة.. ومن الخير للناس جميعا، أن تنمو هذه القوة، وأن يمتد سلطانها.. فحيث كانت فهى بر ورحمة، فإذا صارت تلك القوة إلى يد غير مؤمنة بالله، آخذة بشريعته، كانت قوّة ظالمة غشوما، تطلع على الناس كما تطلع العواصف العاتية، لا تذر من شىء أتت عليه إلا جعلته كالرميم. هذا وكثير من الفقهاء والمفسّرين على أن قوله تعالى: «قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ.. الآية» هو أمر ملزم للمسلمين بقتال غير المسلمين، قتالا عاما، فى أي حال يجد فيها المسلمون قدرة على القتال. بمعنى أنهم يكونون فى حرب دائمة مع غير المسلمين، حتى يدخلوا فى الإسلام، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.. على الوجه الذي أشرنا إليه.. وسنعرض لهذا الرأى الذي يجعل المسلمين فى حرب دائمة مع غير المسلمين عند شرح الآية (36) من هذه السورة.. وذلك إلى ما أشرنا إليه فى مبحث: «الحرب والسلام فى الإسلام» «1» . الآيات: (30- 33) [سورة التوبة (9) : الآيات 30 الى 33] وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)

_ (1) انظر ص 652 من هذا الكتاب.

(الإسلام.. دين المستقبل) التفسير: فى هذه الآيات يكشف الله سبحانه وتعالى عن الشبه التي وردت على أهل الكتاب، فأفسدت عليهم دينهم، وأدخلتهم فى مداخل المشركين، أو الكافرين.. فوصفوا بقوله تعالى: «وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ» . فاليهود يقولون- فيما يقولون من مفتريات على الله- «عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ» . وشبهتهم فى هذا، هى أن الله سبحانه وتعالى قد بعثه من بين الموتى، بعد أن أماته مئة عام.. وإلى هذا- والله أعلم- يشير الله سبحانه وتعالى بقوله: «أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها. فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ» (259: البقرة) . وقيل إن التوراة قد ضاعت أيام الأسر البابلىّ، وأن الألواح التي كانت كتبت فيها قد حملها بختنصر معه إلى بابل، وقيل أحرقها.. فلما عاد اليهود من الأشر، كانت الكلمات التي حفظوها من التوراة قد ذهب أكثرها من صدورهم.. وقد وقعوا فى حيرة وقلق، بعد أن أعادوا بناء الهيكل، ولم يعيدوا التوراة التي فقدت.. فكان الهيكل فى نظرهم أشبه بجسد لا روح فيه.. وفيما هم فى هذا الهمّ والحيرة، طلع عليهم «عزرا» أو «عزير» وقال لهم:

إن الله قد ملأ صدره نورا، فإذا التوراة محفوظة فى قلبه، تجرى كلماتها على لسانه! ثم جمع أحبارهم، وأملى عليهم التوراة، من حفظه ... ! وحدث بعد هذا أن عثروا على التوراة الضائعة، فقارنوا بها ما أملاه عليهم «عزرا» فإذا هى هى، لم ينخرم منها حرف، ولم تسقط منها كلمة..! فكان عندهم «عزرا» كائنا علويا سماويا، لهذا العمل العظيم الذي جاءهم به.. فرفعوا نسبه إلى الله، وجعلوه ابنا له!! والنصارى، قالوا فى المسيح عيسى بن مريم كما قالت اليهود فى «عزير» .. قالوا: «الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ» . وشبهتهم فى هذا، هى أن المسيح قد ولد من رحم امرأة، دون أن تتصل برجل.. وجهلوا أن هذا الميلاد وإن كان عجيبا، خارجا على مألوف الحياة، وغير مطّرد مع السنن المألوفة لنا، فإنه ليس خارجا عن قدرة الله، التي لا يعجزها شىء، ولا يقيّدها قيد من عادة أو مألوف، بل هى قادرة قدرة مطلقة، بلا حدود ولا قيود: «اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ» . وفى قوله تعالى: «ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ» توكيد لما يقولونه، من نسبة الابن إلى الله سبحانه وتعالى، وأنه قول لم يحكه أحد عنهم، أو ينطق به شاهد الحال عليهم، وإنما هو قول قالوه بأفواههم، لا يستطيعون دفعه، أو إنكاره، إذ كان ذلك مما نطقت به ألسنتهم، وسمعته آذانهم، فكيف السبيل إلى التنصّل منه؟ وكيف السبيل إلى جحده، وهم لا يزالون يرددونه بأفواههم؟ ويمكن أن يحمل قوله تعالى: «ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ» على معنى آخر، وهو أن قولهم هذا مجرد كلام، يلقى على عواهنه، من غير أن يحتكم فيه إلى عقل أو منطق.. إنه كلام.. لا أكثر! ليس بينه وبين الحق نسب!

قوله تعالى: «يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ» أي يشبهون فى قولهم هذا قول الذين كفروا من قبلهم، والمضاهاة المشابهة والمماثلة، والمحاكاة.. أي أنهم فيما يقولون من نسبة الولد إلى الله، لم يكونوا إلا مقلّدين ومحاكين، لمن قال هذا القول من الذين كفروا من قبلهم.. والذين كفروا من قبل.. من هم؟ يمكن أن يكون هؤلاء الذين كفروا من قبل، مرادا بهم آباؤهم الأولون، الذين غيّروا فى دين الله، وتأولوا آياته وكلماته هذا التأويل الذي صار بهم إلى الكفر.. فهؤلاء الكافرون من اليهود والنصارى الذي يخاطبهم القرآن هذا الخطاب، هم متابعون لآبائهم الأولين، محاكين لهم.. ويمكن أن يكون الذين كفروا من قبل، كلّ من سبق اليهود والنصارى، من الذين كانوا يدينون بهذا المعتقد الذي يجعل لله ابنا، يعبد من دون الله، أو يعبد مع الله، مثل تلك المعتقدات التي كان يعتقدها اليونان فى توليد الآلهة، بعضهم من بعض، وكما كان يعتقد الفراعنة فى آلهتهم، وإضافة ملوكهم إلى آلهة سماوية علوية، وكما يعتقد المعتقدون فى «بوذا» وأنه مولود إلهى.. وقوله تعالى: «قاتَلَهُمُ اللَّهُ» هو طرد من رحمة الله ورضوانه، لهؤلاء الذين يقولون هذا القول المنكر فى الله.. فإن «قاتَلَهُمُ اللَّهُ» يعنى أنهم نصبوا حربا لله، فحاربهم الله، وقاتلهم..! وانظر ماذا يكون من أمر من يحاربه الله ويقاتله؟ أتراه ينجو من البلاء والهلاك؟ أو يجد قدرة على احتمال ما يحلّ به من بلاء ونقمة؟ هيهات.. هيهات! وفى قوله سبحانه: «أَنَّى يُؤْفَكُونَ» إنكار عليهم هذا الإفك الذي هم فيه، وهذا الافتراء الذي يفترونه على الله.

«وأنّى» استفهام بمعنى كيف.. أي كيف يكون منهم هذا الإفك؟ وكيف يجدون له مساغا فى عقولهم؟ قوله تعالى: «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ» هو اتهام جديد لأهل الكتاب، وكشف عن وجه من وجوه الضلال الذي ركبوه، وهو أنهم انقادوا لأحبارهم ورهبانهم، وجعلوا لهم الكلمة فيهم، والعقل المدبّر لهم، فكلمة الأحبار والرهبان لهم، هى الكلمة التي لا معقّب عليها عندهم، حتى لكأنها كلمات الله عند المؤمنين بالله.. وقد تأول الأحبار والبرهبان كلمات الله، وأخرجوها عن مفهومها الذي لها، إلى المفهوم الذي يرونه.. ومن هنا كان للأحبار والرهبان هذا السلطان المبسوط على أتباعهم، بحيث جعلوا إلى أيديهم أمر هؤلاء الأتباع، فيما هو من صميم العقيدة.. فيغفرون لمن شاءوا من المذنبين، ويحرمون من شاءوا من هذا الغفران.. وقد أدّى ذلك إلى أن أصبح الأحبار والرهبان آلهة يطلب رضاها، ويتقرب إليها بالقربات، حتى تنال منهم المغفرة والرضوان.. وهذا وضع شبه بالوضع الذي يقوم بين المؤمن وربّه.. ومن هنا كان قوله تعالى: «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ» مصورا لهذه الحال القائمة بين عامة اليهود والنصارى وبين أحبارهم ورهبانهم، أدقّ تصوير وأئمّة.. والأحبار: جمع حبر، وهو عالم اليهود، ورجل الدين فيهم.. والرهبان: جمع راهب، وهو عالم المسيحيين، وصاحب الكلمة فى معتقدتهم وشريعتهم. وأما قوله سبحانه: «وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ» فهو معطوف على قوله سبحانه: «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ» أي واتخذوا المسيح ربّا من دون الله..

وفى عطف المسيح بعد الفصل بقوله تعالى «أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ» إشارة إلى أن المسيح فى ربوبيته عند أتباعه، يأخذ وضعا خاصا، غير الوضع الذي للأحبار عند اليهود، وللرهبان عند النصارى.. فهؤلاء الأحبار والرهبان ليسوا أربابا عند أتباعهم بصورة قاطعة، وإنما هم أشبه بالأرباب.. أما المسيح فهو عند أتباعه- النصارى- ربّ بكل معنى الكلمة للفظة ربّ.. وقوله تعالى: «وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» .. الضمير فى «أمروا» يعود إلى هؤلاء المخاطبين من أهل الكتاب- من يهود ونصارى- كما أنه يشمل الأرباب الذين اتخذوهم، من الأحبار والرهبان، والمسيح ابن مريم.. فهؤلاء وأولئك جميعا مطالبون بأن يعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو.. فهذا هو الإيمان الذي لا يدخل إنسان فى عداد المؤمنين إلا به، وهو الإيمان الذي أمر الله سبحانه وتعالى به رسله، وجاءت به كتبه التي أنزلها عليهم.. وقد تنزه الله تعالى عن الشرك الذي يدين به المشركون.. «سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» . وقوله تعالى: «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» فى هذه الآية الكريمة إشارة مضيئة إلى مستقبل الإسلام، وأنه «نور الله» الذي يريد المشركون، والكافرون، والمنافقون، أن يطفئوه بأفواههم.. وإضافة الإطفاء الذي يريده هؤلاء الضالون بنور الله- إضافته إلى أفواههم، لأن أفواههم هى التي تنطق بهذا الزور والبهتان، والافتراء على الله، ونسبة الولد إليه.. كما يقول سبحانه: «وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ» .. فهذه الأفواه التي تنطق بهذا الضلال،

وما أشبهه، هى مما يضلّ الناس، ويفتنهم فى دينهم، إذا كانوا مؤمنين، أو يمسك بهم على الكفر والضلال إذا كانوا كافرين ضالين.. وهذا من شأنه- لو مضى إلى غايته- أن يذهب بنور الحق، ويمحو معالم الهدى، ويقيم الناس فى ضلال وعمى وظلام.. ثم إن هذه الأفواه، هى التي تكيد للإسلام، وتدس له، وتسعى بقالة السوء فيه.. ولكن الله سبحانه وتعالى بالغ أمره، ومنجز وعده الذي وعده نبيّه فى قوله سبحانه: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» (9: الصف) وهذا ما يشير إليه قوله تعالى هنا: «وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» .. فهذا وعد مؤكّد من الله سبحانه، بأن يتمّ نوره، أي دينه.. وأن يبلغ به غاية الكمال والتمام.. وذلك يكون- وهو كائن لا شك فيه- حين يصبح الإسلام دين الإنسانية كلّها، يطلع عليها طلوع الشمس، فيغمر نوره كل صقع، ويتسرب شعاعه إلى كل قلب..! وانظر إلى قوله سبحانه. «وَيَأْبَى اللَّهُ» ، وإلى قوة الحقّ سبحانه وتعالى القائمة على نصرة دين الله، والتي تأبى أن يقف فى وجه هذا الدين ما يحجب ضوءه، أو يضلّ الناس عنه.. «وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ» وتمام النور وكماله، هو فى أن يبسط سلطانه على الوجود الإنسانى كله.. «وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» وذلك مما يسوء المشركين وأهل الضلال، وإنه لا حساب لهم، ولا لما يحلّ بهم من سوء.. فلترغم أنوفهم، ولتأكل الحسرة قلوبهم! وهذا المعنى الذي أخذناه من الآية الكريمة، من إطلاق نور الله على الإسلام، يشهد له قوله سبحانه فى سورة الصف: «وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ

يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» (6- 9: الصف) فهذه الآيات تكشف فى وضوح صريح، عن أن نور الله هو الإسلام، الذي أرسل الله به رسوله محمدا: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ» .. وإن هذا الدين سيظهر على كل دين، وينسخ كل معتقد! إنه نور الله، وإنه لدين الله.. «وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» . ويلاحظ أن قوله تعالى: «وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ» قد جاء فى سورة التوبة.. والكافرون هم من لم يكونوا على دين أصلا، أو كانوا على دين ولكنهم لا يؤمنون بالله إيمانا صحيحا، وهو ما عليه أهل الكتاب، الذين وصفهم الله سبحانه بقوله: «وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ» .. والمشركون هم الذين يدينون بدين يجمع بين الإيمان بالله، والإيمان بشركاء مع الله.. والكافرون والمشركون هم فى مجموعهم لا يؤمنون بالله، ولا يدينون دين الحق، وهو الدين الذي جاء به الإسلام على تمامه وكماله.. فإذا تحقق وعد الله بإتمام دينه- وهو متحقق حتما- وذلك على كره من غير المؤمنين جميعا، كان معنى هذا أن الإسلام سيصبح يوما ما دين الإنسانية كلها.. ولو كره الكافرون والمشركون.

وهنا شبهتان قد تندفعان فى صدور أولئك الذين يأخذون الأمور بما يلوح على ظاهرها، دون أن ينفذ نظرهم إلى ما وراء هذا الظاهر من حق وصدق.. والشبهة الأولى: هى ما يبدو على ظاهر الحياة اليوم من انكماش ظلّ الدين عموما فى النفوس، واستيلاء الإلحاد على مواقع الإيمان عند كثير من الشعوب والأفراد.. وهذا يعنى بظاهر واقعه، أن عصر الإيمان قد ولّى، وأن الناس فى طريقهم إلى إيمان آخر غير هذا الإيمان المستند إلى ما وراء المادة.. إيمان بالطبيعة وبالحياة فى صورها المادية المختلفة وما تولده منها العلوم والفنون.. وهذا يعنى أيضا أنه لا الإسلام ولا غير الإسلام من الأديان الأخرى، سيبقى على ما هو عليه الآن، فضلا عن أن يمتد ظله، ويقوى سلطانه! ونقول: إن هذه الظاهرة، هى مقدمة طبيعية لإقامة الإنسانية على دين صحيح، يتجاوب مع العقل ومنطقه، ويدخل إلى عقول الناس كما تدخل الحقائق العلمية. فالعقل الحديث الذي بعد عن الدّين، إنما بعد عن تلك المعتقدات التي لا تثبت لأدنى نظر ينظر به إليها، ثم يفرض عليه- مع هذا- أن يقبلها، وأن يتعامل معها، لأنه لا بد له من دين يعيش به، ويحيا معه.. فإذا وقف العقل من تلك المعتقدات، هذا الموقف، وإذا أبى أن يخضع خضوعا أعمى لسلطانها- فذلك حق مشروع له، وإلّا فما كان لهذا العقل الذي ميّز الله الإنسان به عن عالم الحيوان، وظيفة يؤديها للإنسان، أو عمل يعمله فى هدايته، وكشف معالم الطريق له، وخاصة فى أهم شأن حيوى من شئونه، وهو ما يمسّ الحياة الروحية منه. فليس إذن هذا الموقف المنحرف الذي يقفه العقل العصرى من الدين- ليس هذا الموقف عن آفة فى هذا العقل، أو عن استغناء منه عن الدين..

وإنما ذلك، لهذا الخلاف البعيد الذي بينه وبين الدّين الذي ينظر فيه، ويدعى إلى الإيمان به. ولا تحسبنّ أن هذا العقل «العصرى» الذي بعد عن الدين هذا البعد- قد اطمأنّ إلى تلك الحياة التي يحياها بلا دين.. وكلّا، فالإنسان متديّن بطبعه، والدين مطلب من مطالب الإنسان، على أي مستوى من مستويات الإنسانية، كان عقله، وكان علمه..! فالإنسان البدائى، وسقراط، وأفلاطون، وأرسطو، والفارابي، وابن سيناء، وابن رشد، هم سواء فى الحاجة إلى الدين، وإلى تصور المعتقد الديني، الذي يرضيهم، ويغذّى عاطفتهم، ويروى الجدب الروحي الذي يجده الإنسان- أي إنسان- إذا هو بات ليلة أو بعض ليلة على غير دين! والملحدون الذين تعجّ بهم الدنيا فى الغرب والشرق، هم أكثر الناس ظمأ إلى الدين، وتطلعا إليه، وبحثا عنه، ووسواسا به. وليست هذه المذاهب التي يعيش فيها الماديون، من طبيعية، ووجودية، وغيرها، إلا سعيا وراء الدين، وإلا ملأ لهذا الفراغ الديني الذي يجدونه فى كيانهم، ولا يجدون الدين الحقّ الذي يملؤه! وهم فى هذا معذورون.. وإلا فماذا يمنع الجائع الذي لا يجد الطعام الطيب الذي يسد جوعه، إذا هو مد يده إلى الخبيث الذي تعافه النفوس من الطعام وتستقذره؟ إن هذا من ذاك سواء بسواء! والشبهة الثانية، هى: هل الدين الإسلامى دين يحمل فى كيانه من الحقائق ما يتقبله العقل «العصرى» ، ويجد فيه شيئا يمسك به، ويقيمه على منطقه؟ وكيف تدّعى للإسلام هذه الدعوى، وهذه ثمراته ظاهرة فى أهله الذين

يدينون به، وهى ثمرات معطوبة، لا تشتهيها نفس، ولا يستريح إليها نظر!! فحال المسلمين- فى أفرادهم وجماعاتهم وأممهم- فى المستوي الذي لا يرضى أحد من الشعوب المتقدمة أن يكون عليه، من الفقر والضعف، فى ماديات الحياة ومعنوياتها جميعا.. فكيف يكون للإسلام وجه يطلع به على الحياة العصرية، ويدعو أهلها إليه؟ والحق أن الذي ينظر إلى الإسلام من خلال أهله، ويأخذه بحسابهم، يفرّ من الإسلام، ويصرف وجهه عنه، إن لم يكن هناك طريق آخر يصله بالإسلام، وبمبادئه اتصالا مباشرا، لا يمرّ به على طريق يطلع منه على العالم الإسلامى وأحوال المسلمين.. اليوم!. إن الدين بأهله.. ولقد صغرت نفوسنا- نحن المسلمين- وضمرت ذاتيتنا، فصغر فيها كل معنى كريم، وضمر فيها كل مثل فاضل. إن النفوس المريضة تتغير فيها حقائق الأشياء، كما تتغير حقائق المرئيات وصورها فى العين المريضة، وكما تنحرف مذاقات الطعوم فى الفم السقيم.. والواقع أننا قد أصبنا فى القرون الأخيرة بعلل وأوجاع، أفسدت حياتنا، وأنزلتنا منازل الهون فى دنيا الناس.. فاستعمرت أوطاننا بالدخلاء، وصار إلى غيرنا تدبير شئوننا، وتوجيه حياتنا.. وكان من خداع المستعمر ومكره بنا، وكيده لنا، أن جعل من همّه الأول، إفساد عقيدتنا، وعزلنا عن ديننا، وخلق جفوة بيننا وبينه.. إذ كان يعلم إن الدين هو الذي يقف عقبة فى سبيل إماتة مشاعر الحياة الإنسانية الكريمة فى الشعوب التي يحتلّها، وأنه ما دام للدين الإسلامى سلطان على النفوس، وتحكك بها، فإن الاستعمار لن يبلغ الغاية التي يريدها من استسلام الناس استسلاما مطلقا له، يتمكن به من تضييع معالمهم،

ومسخ إنسانيتهم، وتحويلهم إلى دمّى تتحرك حسب مشيئته، وتبع إشارته.. ومن هنا كانت حرب الاستعمار للدين الإسلامى فى نفوس أهله، وفى تصويره لنا بصورة الداء الذي أصابنا فى الصميم من حياتنا، فصار بنا إلى ما نحن فيه، من ضعف وفقر وتخلّف، وإنه لولا تمسكنا به، لما كانت تلك حالنا، ولما قامت علينا تلك الوصاية القاهرة الظالمة من الأمم التي استولت على مواطن الإسلام.. هكذا ألقى الاستعمار إلينا بهذا الضلال المسموم، فتلقّاه كثير منّا وكأنه نصيحة ناصح أمين، وتذكرة طبيب حاذق لمريض يشفق عليه، ويلتمس الدواء لعلته القاتلة!. ولقد عمل الاستعمار جاهدا على أن يمكّن لهذا الضلال من نفوسنا، وأن يغرى به الشباب، خاصة، بما أذاع بأساليبه وصنائعه من مفتريات على الإسلام، وتهجم عليه، وازدراء لأهله، واستخفاف بمكانهم فى الحياة، وحرمانهم من كل مكان كريم فيها.. بل، وأكثر من هذا.. فلقد أرانا الاستعمار صورة عملية تعيش بيننا، وتشهد لما يحدّثنا به عن الإسلام، وعن جنايته على المسلمين..! فالاستعمار، إذ وضع يده على أوطان الإسلام كلّها، ترك فى وسط العالم الإسلامى، بلادا غير مسلمة- كالحبشة مثلا- دون أن يمدّ إليها يدا، ليرى المسلمين من ذلك أن دينهم هو الذي جعل أوطانهم- دون سائر الأوطان- على هذه الحالة من الضعف، الذي أغرى المستعمرين بهم، ومكّن له منهم، وأقامه قيّما عليهم، حتى يرشدوا ويبلغوا مبلغ الرجال.. ولن يكون لهم ذلك إلا إذا تحللوا من هذا الدين، وتركوه وراءهم ظهريّا.

ولكن الإسلام شىء.. وأهله شىء آخر، فى هذا العصر الأقل.. وأنه إذا كانت قد عرضت للمسلمين عوارض الضعف والوهن فى فترة من فترات تاريخهم الطويل، فليس من الإنصاف للإسلام أن يقام ميزانه على حساب تلك الفترة العارضة.. وإن على الذي ينشد الحق للحق، أن ينظر إلى الإسلام أولا وقبل كل شىء.. فى مبادئه، وأحكامه، وفى تصوره للألوهية، وللحياة الآخرة، وفى دعوته الأخلاقية لبناء الكيان الإنسانى، وصلته بالمجتمع الإنسانىّ وبالحياة.. فإن وجد نظاما وضعيا أو دينيا عرفته الحياة، قديما أو حديثا، فى سياسة الأمم والشعوب، وفى إقامة موازين العدل بين الناس، وفى تنظيم العلاقات بينهم فى الحرب والسلم- إن وجد نظاما وضيعا أو دينيا يقارب نظام الإسلام، فى اعتداله وتوازنه، وتواقفه مع متطلبات الناس وواقع الحياة، فليقل فى الإسلام ما يقول، وليرمه بالسّهم القاتل، وهو أنه ليس من عند الله، إذ لا يكون من عند الله شىء يكون فيه خلل أو اضطراب..! ثم إن من ينشد الحقّ للحق، وينظر إلى الإسلام نظرا مباشرا، ينبغى ألّا يغفل عن تلك الفترة المشرقة من تاريخ المسلمين، يوم كان الإسلام قائد حياتهم، وراية دولتهم، ودستورهم العامل فى حياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فذلك من شأنه أن يعطى الإسلام فرصته، ليقيم بين عينى الناظر إليه، مجتمعا بشريا لم تعرف الحياة مثيلا له، فى ماضيها وحاضرها.. مجتمعا ملأ يديه من طيبات الحياة فى أصفى مواردها، وأكرم منازلها، دون أن ينسى نصيبه من معطيات الروح.. فكانت قدمه على الأرض، ورأسه فى السماء! والسؤال الذي نسأله هنا.. هو: إذا كانت بعض الأديان- بما دخل عليها من تبديل وتحريف- قد فضحها

العلم الحديث، وانكشف للمتدينين بها ما تلبس بها من أوهام وخرافات.. فهل وقع الإسلام تحت هذا الحكم الذي أصدره العلم الحديث على هذه الأديان؟ وهل امتحن الإسلام ومحّصت حقائقه على ضوء العلم، وفى مخابير الحياة، ثم ظهر منه ما لا يرضاه العلم وما لا تقبله الحياة؟ إن الإسلام- وثوقا منه بما ضمّ عليه من حق وخير- ليفتح ذراعيه للعلم الحديث، ويرحّب به كل الترحيب، ويسعد السعادة كلها بلقاء العقول الناضجة المستنيرة له، بكل ما وضعه العلم بين يديها من سائل التمييز بين الحق والباطل، والنافع والضار، والسليم والسقيم.. فتلك هى فرصة الإسلام التي يظهر فيها كرم معدنه، وتتجلّى فيها عظمة حقائقه، ويسفر بها وجهه المشرق الكريم.. إن هذا العصر- عصر العلم والشك.. عصر الامتحان لكل شىء.. عصر الإلحاد وغربلة الأديان- هو عصر الإسلام، وهو اللسان المجدّد لدعوته، حيث يجلّى حقائق هذا الدين، ويكشف عن الخير الكثير المخبوء للناس فيه.. ولا يريد الإسلام، ولا نريد له أن يتلقّى الناس دعوته قضية مسلّمة، بل إن ذلك لتأباه طبيعته، التي تدعو العقل دائما، وتأنس بصحبته، وتسعد بالحديث إليه، والاستماع له.. فالذى يريده الإسلام، ونريده له، هو أن يضع العلماء والفلاسفة والمفكرون هذه العقيدة موضع الشك أو الإنكار- إن شاءوا- ثم ليعاملوها معاملة القضايا التي ينكرونها أو يتشككون فيها، وليسلطوا عليها نظراتهم باحثة فاحصة، ثم ليقلّبوها فى أيديهم ظهرا لبطن، وبطنا لظهر، وليمتحنوها بكل ما فتح به عليهم العلم، من أساليب الامتحان.. ثم ليحكموا بعد هذا على الإسلام، بما يظهر لهم على محكّ الفحص والاختبار..

وإن الإسلام ليتقبّل هذا الحكم فى غبطة ورضى، لأنه لن يكون إلا شهادة بيّنة الحجة، ساطعة البرهان، على أن هذا الدين هو دين الحق، دين الله، الذي أراده لخير الإنسانية وإسعادها. إن العلم الحديث هو فرصة الإسلام، التي تتجلّى فيها معجزته، من جوانبها العلمية، والسياسية، والاجتماعية والاقتصادية، فيرى العقل الحديث منها أنه أمام معجزة قاهرة متحدّية، لا يملك إلا التسليم لها، والسجود بين يديها.. تماما كما تجلّت معجزته البيانية للأمة العربية، يوم كان سلطان البيان هو الذي يحكم هذه الأمة، ويستولى على مواطن الإدراك والشعور منها.. فآمنت به، وسجدت بين يديه.. وهذا هو كتاب الإسلام، وتلك هى حجته القائمة، ودستوره المسطور فى القرآن الكريم: إنه يقدّم نفسه لكل من يريد النظر فيه، والتعرف إليه.. غير مستند إلى تأويل أو تفسير.. فلسانه أفصح من كل لسان، وبيانه أوضح من كل بيان. فالذين يعرفون العربية، يعرفون طريقهم إليه فى غير عناء، ويضعون أيديهم على حقائقه من غير معاناة.. والذين لا يعرفون العربية، يمكن أن تترجم لهم حقائقه، كما تترجم الدساتير القانونية، والحقائق العلمية.. ولا عليهم إن فاتهم إعجاز الكلمة، ومعجزة البيان.. فإن الحقائق التي تصل إليهم من خلال الترجمة، كافية فى الكشف عن وجوه أخرى من الإعجاز، ممثلة فى محكم أحكامه، وروعة حقائقه، وخلود مقرراته.. والإسلام- فى يسره، وسماحته، ومواءمته للفطرة الإنسانية- قريب من كل نفس، واضح لكل ذى نظر، واقع فى فهم كل ذى فهم.. تلتقى عنده عقول

المتعلمين والعلماء، وتجتمع عليه أنظار العامة والفلاسفة، بحيث يجد فيه كل عقل ما يغنيه ويرضيه، ويأخذ منه كل نظر ما يرشده ويسعده.. هكذا دائما آيات الله المبثوثة فى هذا الوجود، ممّا يمسك على الناس حياتهم، ويحفظ وجودهم، لا تقصر عنها يد، ولا يستأثر بها إنسان دون إنسان، أو تختص بها جماعة دون جماعة، أو أمة دون أمة.. إنها من الله، ولعباد الله.. كالماء والهواء، والشمس، والقمر، والنجوم.. وإن كان لأحد أو لجماعة أو أمة نصيب أوفر، أو حظ أعظم، فهو مما زاد الحاجة التي لا تتطلبها ضرورات الحياة، وإن كان فيها متعة فوق متعة، ورضى فوق رضى.. فصاحب النظر الحديد يرى من جمال الوجود وروائع آياته ما لا يراه صاحب النظر الكليل، وصاحب الشمّ السليم، يجد من طيب الزهر وعبيره، ما لا يجده المزكوم.. ومثل هذا تماما، موقف الناس جميعا أمام القرآن الكريم، وما تحمل سوره من آيات الله البينات.. الناس كلهم بين يديه- على اختلاف حظوظهم من العلم والمعرفة- على مائدة طيبة، طعامها هنىء لكل عقل، وشرابها مرىء سائغ لكل قلب.. من طعم منها لا يجد الجوع العقلي أبدا، ومن روى منها لا يعرف الظمأ الروحي أبدا.. وتلك هى معجزة القرآن القائمة على الناس أبد الدهر، وتلك هى حجة الله على من أخلى عقله وقلبه من الدين، أو دان بغير دين الحق، دين الله، الذي ارتضاه لعباده.. كما يقول الحق جلّ وعلا: «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ» وكما يقول سبحانه: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً» . إن الأيام ستثبت صدق هذه الدعوى التي ندعيها لعالميّة الإسلام، لأننا لا نقيم هذه الدعوى على عاطفة دينية نحو الدّين الذي ندين به، وإنما نقيمها على

ما نستشفه من كلمات الله، بل على ما تكاد تصرح به كلمات الله، لمن أصغى إليها بأذن واعية، والتفت نحوها بقلب سليم، ونظر فيها بعقل متحرر من التعصب والهوى. وإنى لأدعوك دعوة مجدّدة إلى أن تتلو قوله تعالى: «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» ثم صل هذا بقوله سبحانه: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» (7- 9: الصف) اتل هذه الآيات، ولا تنظر فيما حدثتك به عن بعض مفاهيمها، وأقم لنفسك فهما خاصّا، معتمدا فيه على النظر المباشر فى قسمات وجهها السماوي الوضيء، فإنك ستجد ملء مشاعرك يقينا بأنك أمام معجزة من معجزات الكتاب الكريم، تكشف لك عن مستقبل الإسلام، وتشير إلى يوم قريب فى دورة الزمن، تصبح فيه الإنسانية كلها وقد دانت بهذا الدين، ورضيت ما ارتضاه الله لها فى قوله سبحانه: «وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً» . هذا، وقد استظهر بعض العلماء المشتغلين بالدراسات الإسلامية «1» -

_ (1) هو المغفور له الأستاذ محمد فريد وجدي.

استظهر من مسيرة الإسلام فى فلك النبوة، والذي كانت دورته فيها ثلاثا وعشرين سنة- أن للإسلام دورة فى فلك خارج فلك النبوّة، أشبه بهذه الدورة، مدتها ثلاثة وعشرون قرنا، أي أن كل سنة من عصر النبوّة، تمثل قرنا كاملا فى تلك الدورة الجديدة. كما استظهر أيضا، أن الثلاثة عشر عاما الأولى التي عاشتها الدعوة الإسلامية فى دائرتها الضيقة، وفى مواجهة الكيد لها، والمكر بها، والتضييق على أتباعها، قبل الهجرة النبوية- هذه المدة تمثل الثلاثة عشر قرنا التي انسلخت بعد عصر النبوة.. والتي تحرك فيها الإسلام تحركات محدودة خلال هذه الدورة، أشبه بما كان له من تحركات فى تلك الفترة، بالهجرة إلى الحبشة، وإلى المدينة قبل الهجرة النبوية.. وأن الإسلام بعد هذه القرون الثلاثة عشر، التي مضت، سينطلق من محبسه، كما انطلقت دعوته بعد الهجرة، وستكون له فتوحات فى آفاق الأرض كلها، كما كانت له فتوحاته فى الجزيرة العربية، التي دانت كلها بدين الإسلام، قبل أن يلحق النبىّ بالرفيق الأعلى، وقد تحقق له ما وعده الله سبحانه وتعالى به، فى قوله جلّ شأنه: «إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً..» فالقرون العشرة المقبلة- كما استظهر هذا العالم العليم- هى انطلاقة جديدة للإسلام، أشبه بانطلاقته التي كانت له بعد الهجرة فى سنواتها العشر.. وستكون هذه القرون العشرة، كما كانت تلك السنوات العشر، تمكينا للإسلام، وتثبيتا لقواعده، وامتدادا لدولته، حتى تدين به الجزيرة الأرضية جميعها، كما دانت له الجزيرة العربية كلها من قبل.. «لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ

الآيات: (34 - 35) [سورة التوبة (9) : الآيات 34 إلى 35]

وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» أما بعد هذه القرون العشرة، فقد تبدأ دورة جديدة، للحياة الإنسانية كلها، أو قد ينتهى عمر الإنسان على هذه الأرض.. وعلم ذلك عند علام الغيوب. الآيات: (34- 35) [سورة التوبة (9) : الآيات 34 الى 35] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35) التفسير: جاء فى الآية (31) قوله تعالى: «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ..» وهو يكشف عن الدور الذي يقوم به كثير من أحبار اليهود ورهبان النصارى، فى إفساد المعتقد الديني لأتباعهم، وخاصة ما يتصل بتصورهم للالوهية، ونسبة الولد إلى الله، كما قال الله سبحانه وتعالى عنهم: «وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ» (30) . وفى قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» .. فى هذا فضح لأولئك الأحبار والرهبان الذين أفسدوا على النّاس معتقدهم فى الله، فإنهم إنما فعلوا ذلك ليقوم لهم فى الناس سلطان دينىّ، يقوم فى ظله سلطان دنيوى لهم على أتباعهم.

ذلك أنهم إذ جعلوا لله سبحانه أن يتخذ ابنا، وإذ أقاموا فى معتقد أتباعهم هذا التصور، فإن ذلك يفسح لهم مجال القول بأنهم من الله بمنزلة الأبناء أو الأحفاد، ومن ثمّ ساغ لهم أن يفرضوا على الناس هذا السلطان الدينىّ يحكم صلتهم بالله، وأن لهم الكلمة عند الله فى قبول من يقبلونه، وفى ردّ من يردونه، وبهذا السلطان الذي جعلوه لهم عند الله كان فرضا لازما على أتباعهم أن يحكّموهم فى كل شىء لهم، من مال ومتاع، بعد أن حكموهم فى دينهم ومعتقدهم.. ومن هنا تسلّط كثير من الأحبار والرهبان على أكل أموال الناس بهذا الباطل، الذي زينوه لهم، ودخلوا عليهم منه.. وانظر إلى تلك الدعوة- دعوة الإسلام- التي تقوم على الإيمان بالله وحده إيمانا خالصا من الشرك، مبرأ من الوساطات، التي تقوم بين الإنسان وربّه- أتجد لإنسان- مهما يكن فى الناس- أن يتسلط على إنسان فى معتقده، أو يعترض طريقه إلى الله، أو أن يضع بين يديه صكّا يأذن له فيه بلقاء الله وطلب مغفرته ورضوانه؟ ذلك ما لا يكون فى دعوة تضع الناس جميعا أمام إله متفرد بالألوهية، لا شريك له، من صاحبة أو ولد، أو حبر أو راهب.. إن الحريّة الشخصية التي هى دين الإنسان العصرى اليوم، تنقضها تماما تلك الوصاية الدينية التي يفرضها عليه رجال الدين، ويحولون بينه وبين أن ينظر فى أمور عقيدته، وأن يعرضها على عقله.. والإسلام وحده، هو الذي يمنح الإنسان هذه الحرية المطلقة فى النظر فيه، وعرض كل حقائقه على عقله.. بل إن الإسلام لا يرضى ممن يؤمن به أن يأخذه عن طريق غير طريق عقله وإدراكه، وأن يتلقّاه متابعا مقلّدا. وقوله تعالى: «وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ» .. هو وعيد لهؤلاء الأحبار والرهبان،

الذين يجمعون ما يجمعون من مال، أخذوه بالباطل من أتباعهم، وجعلوه لأيديهم، لا ينفقون منه فى وجه من وجوه الخير العام، بل يجمعون هذا المال ويكدسونه، لا لغاية إلا حبّ التملك والاقتناء.. وفى قصر الاكتناز على الذهب والفضة، إشارة إلى أنهما النّقدان اللذان ترجع إليهما جميع العاملات، وتوزن بهما كلّ قيم الأشياء.. وقوله تعالى: «يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ» هو بيان لهذا المصير المشئوم الذي سيصير إليه هذا المال الكثير يمن اكتنزوه.. وأنهم إذ خلّفوه وراءهم، فلم ينفقوه فى سبيل الله، فإنه قد تبعهم إلى آخرتهم، ليلقاهم هناك فى يوم القيامة، حيث لا بيع ولا شراء.. ولكن لا بد أن يكون لهذا المال عمل، وقد صار إلى يد أصحابه.. وليس هناك إلا النار التي يعيشون فيها، ويتعاملون معها.. وحين يتصل هذا المال- من ذهب أو فضة- بالنار، سيتحول إلى كتل من الجمر، تكوى بها أجسامهم فى المواضع التي تشوّه معالمهم، وتزيد فى آلامهم.. جباههم، وجنوبهم، وظهورهم.. فإذا أنكروا هذا الذي يكوون به دون أهل النار جميعا، قيل لهم: «هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ» . وهكذا يكون الجزاء من جنس العمل.. فقد أخذوا هذا المال ظلما وعدوانا، ثم اكتنزوه شحا وبخلا، فكان جزاؤهم أن كان هو سوط العذاب الذي يعذبون به، من حيث كان يرجى أن يكون مصدر نفع وخير لهم. وسواء أكان عذاب الآخرة ماديا أو معنويا، فإن هذه الصور التي يعرضها القرآن من صور العذاب، لا بدّ أن تقع على الصورة التي صوّرت بها.. فإن كان العذاب ماديا جاءت تلك الصور المادية على صورتها التي صورها القرآن، وإن كانت معنوية جاءت معنوية على تلك الصورة أيضا، فالعالم

الآيات: (36 - 37) [سورة التوبة (9) : الآيات 36 إلى 37]

المحسوس إن هو إلا صورة مجسّدة ممثلة للعالم المعنوي المقابل له.. كالكلمة التي تصور المعنى، وكالجسد الذي يلبس الرّوح الذي له. الآيات: (36- 37) [سورة التوبة (9) : الآيات 36 الى 37] إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (37) التفسير: مناسبة هاتين الآيتين لما قبلهما هى أنهما تكشفان عن وجه من وجوه التأويلات الفاسدة، لشريعة الله، فتغير وتبدّل من صورتها التي أقامها الله عليها، وذلك أشبه بما عليه الأحبار والرهبان، من العبث بدين الله، وجعله وراء أهوائهم وما يشتهون.. فناسب أن تجتمع هاتان الصورتان فى هذا المقام. «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ» أي فى تقديره «اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ» أي هكذا عدّة شهور العام فى كتاب الله، الذي أودع فيه مقررات علمه، وذلك يوم خلق السموات والأرض، وربط بينهما بهذا النظام الفلكي، فكانت دورة الأرض حول الشمس التي تتم بها الفصول الأربعة- مقدرة باثنى عشر شهرا.. لا تزيد ولا تنقص..

«مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ» أي جعل الله سبحانه من هذه الشهور الاثني عشر، أربعة أشهر حرم، أي يحرم فيها القتال بين الناس.. فمن بدأ فيها بقتال كان معتديا على حدود الله، وكان الدم الذي يراق فى هذا القتال واقعا إثمه على من بدأ القتال.. «ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ» .. أي هذا هو الشّرع القويم الذي شرعه الله.. أو ذلك هو الحساب السليم الذي وضعه الله لعدة الشهور، ولبيان الأشهر الحرم منها.. لأن الدين يأتى بمعنى الشريعة، كما يأتى بمعنى «الحساب» ومنه قول الرسول الكريم: «الكيّس من دان نفسه» أي حاسبها.. «فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ» باستباحة حرمتها وإراقة الدماء فيها، ففى هذا ظلم لأنفسكم بالدخول فى هذه التجربة القاسية، وفى تعرضكم لهذا الامتحان الذي عافاكم الله منه، فجعل لكم هذه الأشهر الحرم سكنا آمنا، تفيئون فيها إلى العافية والسلام، وتستظلون فيها بظلّ الطمأنينة والأمن، فإنه ليس بكثير عليكم أيها الناس أن تعيشوا فى سلام مطلق، أربعة أشهر من كلّ عام، إذ كانت حياتكم قائمة على الشرّ والعدوان.. والأشهر الحرم، دعوة إلى السلام الذي ينبغى أن يقوم بين الناس، حتى تطيب لهم الحياة، وحتى يكون سعيهم كلّه متجها إلى العمل المثمر، الذي يعود عليهم جميعا بالخير والبركة، والنّماء لما فى أيديهم من عمل، فى غير مجال الحرب والقتال.. والأشهر الحرم كذلك، هدنة تقطع حبل القتال إذا كان واقعا بين جماعة وجماعة، وهذه الهدنة من شأنها أن تدعو المتقاتلين إلى مراجعة أنفسهم، وإلى العمل على الخلاص من هذا البلاء الذي حلّ بهم، فيطرقون باب السّلم، أو يفتحونه لمن يدعوهم إليه.. والأشهر الحرم هى: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب، وقد بينها الرسول صلوات الله وسلامه عليه فى خطبته فى حجة الوداع بقوله: «ألا وإن

الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض.. السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات، ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان» .. «وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ» أي أن هذه الدعوة التي تدعو إلى السلام وتجنّب القتال فى الأشهر الحرم، وإن كان حتما على المسلمين أن يمتثلوها، ويحققوها من جانبهم، إلا أنها لا تحمل المسلمين على التهاون فى قتال المشركين، وترك الإعداد لحربهم.. لأن المشركين لا يحترمون هذه الدعوة، ولا يستقيمون عليها، ولا يدعون المسلمين فى أمن وسلام، إذا هم قدروا على قتالهم، ووجدوا الفرصة السانحة لهم فيهم.. وهذا هو السرّ فى عطف هذا الأمر: «وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً» على النهى السابق فى قوله سبحانه: «فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ» .. إذ أن هذا النهى يقتضى الكفّ عن القتال فى هذه الأشهر الحرم، خاصة، وفى غيرها، عامة، إذا لم يكن من المشركين عدوان على المؤمنين.. وهذا من شأنه- لو أطلق- أن يحمل المسلمين على طلب المسالمة والموادعة، وترك الاستعداد للحرب، والانخلاع عن مشاعر القتال، فى حين أن المشركين على غير هذا الموقف، لأنهم أبدا على عداوة مضمرة أو ظاهرة للمؤمنين، وأنهم إذا وجدوا فرصة للنيل منهم فلن يمسكهم عن ذلك عهد أو قرابة: «لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً» .. فكان إتباع هذا النهى بذلك الأمر: «وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً» . كان وضعا للنهى بموضعه الصحيح، فيكون دعوة للسّلم، مع الحذر من خطر الحرب، ومع مراقبة العدوّ، والإعداد لدفع عدوانه إن حدثته نفسه بعدوان.. وقوله تعالى «كافّة» أي جميعا: وأصله من الكفّ عن الشيء.. بمعنى كفّ نفسه عن الأمر أي دفعها عنه، وكف العدوّ، أي دفعه وردّه..

وهذا لا يكون من الإنسان، إلا بنفس مجتمعة، وعزيمة غير موزعة، كما لا يكون من الجماعة المقاتلة إلا باجتماعهما جميعا، واستحضار كل ما لديها من قوى مادية ومعنوية. هذا، وقد عدّ كثير من الفقهاء والمفسّرين قوله تعالى: «وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً» - عدوّا ذلك أمرا يوجب على المسلمين، قتال المشركين قتالا دائما متّصلا، على أية حال يكون عليها المشركون إزاء المسلمين، سواء أكانوا محاربين أم مسالمين.. واعتبروا هذه الآية ناسخة لكل ما جاء فى القرآن من آيات تدعو إلى مهادنة غير المسلمين ومسالمتهم، إذا هم هادنوا المسلمين وسالموهم.. وسمّوا هذه الآية آية السيف، التي نسخت قوله تعالى: «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ» (194: البقرة) وقوله سبحانه: «فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ» (194: البقرة) وقوله سبحانه: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» (190: البقرة) إلى غير ذلك من الآيات التي تدعو المسلمين إلى القتال حين تقوم دواعيه، وهى ردّ عدوان المعتدين، أو الذين يقفون فى وجه الدعوة الإسلامية، ويصدون الناس عنها، أو يفتنونهم فيها.. أما فى غير هذا، فلا قتال ولا عدوان. وآية السيف هذه- كما يقول عنها القائلون- إنما هى دعوة للمؤمنين إلى جمع جماعتهم على أمر واحد فى المشركين، وهو أن يعدّوهم جميعا جبهة معادية، لا فرق بين مشرك ومشرك، فكما أن كل مشرك هو حرب على الإسلام والمؤمنين به، سواء كان ذلك بقلبه، أو لسانه، أو يده، وسواء أكان فى جماعة أو منفردا، فكذلك ينبغى أن يكون المؤمنون على تلك المشاعر، وهذه المواقف إزاء المشركين.. إن الذي ينبغى أن يكون من المؤمنين هو أن

يكونوا قلبا واحدا، ولسانا واحدا، ويدا واحدة.. لأنهم مهما كثر عددهم، هم قلّة فى هذه الدنيا، بالنسبة لأهل الشرك والضلال والكفر، كما يقول سبحانه وتعالى: «وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ» . فهذا من شأنه أن يدعو المسلمين إلى جمع كلمتهم، ووحدة صفّهم، فوق أن ذلك هو واجب المسلمين فى السّلم، فكيف وهم فى مواجهة العدوّ المتربّص بهم؟ «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ» هو دعوة إلى التقوى، وجعلها الميزان الذي يضبط عليه المسلمون موقفهم من المشركين.. فلا بغى ولا عدوان ولا ظلم.. لأن ذلك يخرج المسلمين عن صفة التقوى، ويقيمهم هم والمشركون على مقام واحد.. الأمر الذي من شأنه أن يفوّت عليهم أن يكون الله سبحانه معهم، يؤيدهم وينصرهم على عدوّهم.. لأنه سبحانه لا يكون إلّا مع المتقين.. وعن هذا الفهم لخاتمة هذه الآية كانت وصاة عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، حين كتب إلى قائده سعد بن أبى وقاص يقول له: «أما بعد، فإنى آمرك ومن معك من الأجناد، بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدّة على العدوّ، وأقوى المكيدة فى الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشدّ احتراسا من المعاصي منكم، من عدوّكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوّهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدّتنا كعدتهم، فإذا استوينا فى المعصية، كان لهم الفضل علينا فى القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا» .. أما موقف المسلمين مع غير المسلمين، فهو سلم مع من سالمهم، حرب مع من اعتدى عليهم، وحاربهم. وتاريخ الدعوة الإسلامية، وأسلوبها الذي قامت عليه منذ اليوم الأول على

يد صاحب الرسالة- صلوات الله وسلامه عليه- لم يخرج عن هذا الخط الذي حدّد مسيرتها قوله تعالى لنبيّه الكريم: «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (125: النحل) وقوله سبحانه: «وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (46: العنكبوت) .. وقوله تعالى: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ» (198: الأعراف) . وهذه الآيات، وأمثالها من الآيات المحكمات، التي قامت على أساسها صلات المسلمين فيما بينهم وبين المجتمعات الإنسانية التي لم تدخل فى الإسلام، سواء ما كان منها فى ذمة المسلمين، أو كان فى دار الحرب، أو خارج هذه الدار. وكيف يكون من مفاهيم الإسلام أن يكون حربا على الناس من غير أن يبدءوا أتباعه بحرب؟ ألا يكون هذا عدوانا مما نهى الله عنه، فى أكثر من آية من آيات الكتاب الكريم؟ وبأى تأويل يتأول القائلون بالحرب العامة على المجتمع الإنسانى، قوله تعالى: «وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» ؟ (190: البقرة) . إنه لا تأويل، ولكن القول بالنسخ، وإبطال حكم هذه الآية وغيرها، هو الحجة القاطعة عند القائلين بالحرب العامة الشاملة على كل من لا يدخل فى الإسلام!! ومع هذا فإن القول بنسخ الآيات التي تعارض آية السيف، أو آيات السيف- كما يسميها أصحاب هذا الرأى- ينقضه قوله تعالى. «حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ» .. فإن قبول الجزية ممن تقبل منهم الجزية بعد أن ينزلوا على حكم السيف- لا يجعل منهم مسلمين، بل هم مشركون أو كافرون، ولا تزال آيات السيف مسلطة عليهم.. فهل من أجل هذه الجزية، التي يحتفظ معها غير المسلم بدينه- تنسخ عشرات الآيات الداعية إلى السلام والموادعة، لتفسح المجال للسيف وآية السيف أو آيات السيف؟ ذلك لا معقول له!

ثمّ، أي دين هذا الدّين الذي يدخل فيه الناس قهرا وقسرا، تحت حكم السيف؟ وهل مثل هذا الدّين يعمر قلبا أو يمسّ وجدانا؟ وإذا ساغ أن يقبل مثل هذا فى دعوة سياسية أو اجتماعية، فلن يقبل فى دين تدعو إليه السماء، وإذا قبل فى دين سماوىّ لمجتمع من المجتمعات لفترة محدودة، ولمجتمع محدود، فلن يقبل فى الإسلام، دين الحياة الإنسانية كلها، فى امتداد أزمانها، وفى اختلاف أممها وشعوبها.. وذلك ما يكشف عنه قوله تعالى لنبيّه الكريم: «لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ» (256: البقرة) . ثم أين هى التقوى التي يدعو إليها الله سبحانه وتعالى فى قوله: «وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ» إذا كان المسلمون حربا على الناس من غير أن يؤذنهم أحد بحرب؟. قوله سبحانه: «إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ» تكشف هذه الآية عن عبث المشركين بحرمات الله، والاستخفاف بها، والاحتيال على خداع أنفسهم بتزيين الباطل، وإلباسه لباس الحق.. وهذا إنما كان منهم لتصورهم الفاسد للألوهية، وفهمهم السقيم لجلال الله وعظمته وعلمه، والنزول به- سبحانه وتعالى- إلى مستوى آلهتهم التي يعبدونها، ويتعاملون معها بالمكر والخداع! فقد كان المشركون فى الجاهلية يحرمون هذه الأشهر الحرم، التي هى بعض البقية الباقية لهم من شريعة إبراهيم، التي كانوا يدينون بها، ثم أدخلوا عليها من

أهوائهم ما أفسدها، حتى هذه الأشهر.. فقد استثقلوها، وضاقوا بأن تظلّهم ثلاثة أشهر متوالية دون قتال، هى ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.. فكانوا يعمدون إلى شهر المحرم فينسئونه، أي يؤخرونه إلى صفر، ويقيمون صفر مقامه، وبهذا يخلعون على المحرم اسم صفر، ويبيحون فيه القتال، ويسمّون صفر محرّما، ويحرمون فيه القتال.. وكأنهم بهذا قد أقاموا الشريعة التي يدينون بها!! أليسوا قد حرّموا أربعة أشهر؟ وماذا فى استبدال شهر بشهر؟ هكذا، يبدّلون فى شرع الله، ليرضوا أهواءهم، وليقيموا لهم شرعا يحلّونه عاما، ويحرمونه عاما!. والنسيء، والنّسأ: التأخير، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «من سرّه أن يبسط له فى رزقه، وينسأ له فى أثره فليصل رحمه» . والضمير فى قوله سبحانه: «يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً» يعود إلى هذا الشهر- شهر المحرم- الذي كانوا إذا اقتضت دواعيهم للحرب أنسئوه، وإذا لم تدع للقتال داعية عندهم، تركوه على حاله.. ويجوز أن يكون الضمير عائدا إلى «النسيء» بمعنى أنهم يعملون بالنسيء عاما، ولا يعملون به عاما، حسب ما تقتضى دواعى الحال عندهم.. وهنا يمكن أن يكون النسيء مرادا لكل شهر من الأشهر الحرم، فيقدمون ويؤخرون فيها حسب ما يشاءون.. وليس المراد بقوله تعالى: «يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً» أنهم يلتزمون ذلك عاما بعد عام.. وإنما المراد به عدم ثباتهم على وضع واحد مع هذه الأشهر، بل يتلاعبون بها حسب دواعى أحوالهم. وقوله سبحانه: «لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ» أي ليوافقوا فى عملهم هذا

الآيات: (38 - 41) [سورة التوبة (9) : الآيات 38 إلى 41]

بإحلال الشهر الحرام، وتحريم شهر مكانه- تحقيق أربعة أشهر فى العام، دون التقيّد بالأشهر الأربعة المحرمة.. أي أنهم يتقيدون بها عددا، ولا يتقيدون بها ذاتا، على ما جاء به حكم الله فى بيانها بأعيانها.. والمواطأة: الموافقة، يقال واطأه على هذا الأمر، فتواطأ: أي اتفق معه فيه. «زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ» أي أنهم اطمأنوا إلى هذا الزّيف الذي صنعوه، وساغ لهم هذا الباطل الذي جاءوا به.. والله سبحانه وتعالى يقول: «أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً» (8: فاطر) . «وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ» أي أنه سبحانه وتعالى يخلى الكافرين وكفرهم، فلا يمنحهم هدايته، ولا يعدل بهم عن طريق الضلال الذي ركبوه، لأنهم استحبّوا العمى على الهدى، والبلاء على العافية، والكفر على الإيمان.! الآيات: (38- 41) [سورة التوبة (9) : الآيات 38 الى 41] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38) إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41)

التفسير: بعد أن بينت الآيات السابقة حكم الله فى الأشهر الحرم، وموقف المشركين من حرمات الله عامة، ومن حرمة هذه الأشهر الحرم خاصة، وما ينبغى أن يكون عليه موقف المسلمين من رعاية حرمة هذه الأشهر، مع اليقظة والحذر من خيانة المشركين وغدرهم بحرمات الله، وحرمة العقود التي بينهم وبين المسلمين.. بعد هذا، جاءت هذه الآيات تستحثّ المسلمين على الجهاد فى سبيل الله، وتنكر على المترددين والمتلبّثين ترددهم وتلبثهم فى الاستجابة لدعوة الله، والنّفر إلى الجهاد فى سبيله، فى غير تراخ أو فتور، كما يقول الله سبحانه: «انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . وقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ» الاستفهام هنا إنكارى، إذ ينكر على من آمن بالله، ولبس لباس المؤمنين به، ألّا يكون فى المجاهدين فى سبيل الله.. والنّفر إلى الحرب: السّعى إليها فى جدّ وعزم ومضاء.. وأصل المادّة من النفور، وهو الصدّ عن الشيء، ومنه قوله تعالى: «وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً» (60: الفرقان)

وعلى هذا يكون المراد بقوله تعالى: «انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا، أي فرّوا خفافا وثقالا.. ولكن الفرار من أين؟ وإلى أين؟ الفرار من حبّ الحياة، والتعلق بما للإنسان فيها من هوى إلى المال والأهل والولد.. ثم اللّجأ إلى الله، وإلى الجهاد فى سبيل الله!! وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ» (50: الذاريات) . فالدعوة إلى الجهاد فى سبيل الله، الذي تحمله كلمة «الفرار» هى دعوة إلى أمرين معا: الأول: الانخلاع من سلطان الدنيا، المستولى على النفوس، وذلك لا يكون إلا بمغالبة أهواء النفس، والوقوف منها موقف العدوّ الذي يتربص للإنسان على طريق الخير، ليحول بينه وبين الوصول إليه، فيفرّ المؤمن من دواعى الحياة الدنيا، فراره من العدوّ، الذي إن تلبّث أو فتر فى الفرار منه، هلك!! والثاني: التماس السّبل التي تخلّص الإنسان من الوقوع ليد هذا العدوّ، الذي يحول بينه وبين الخير المدعوّ إليه من قبل ربّه، وهو الجهاد فى سبيل الله.. وذلك لا يكون إلا بالفرار من وجه هذا العدوّ، واتخاذ وجهة أخرى غير الوجهة القائمة على سمته.. وتلك هى وجهة الجهاد فى سبيل الله. وفى قوله تعالى: «اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ» كناية عمّا يستولى على الإنسان من مشاعر التحير والانهزام، حين يواجه امتحانا عسيرا، لم يكن مهيّأ له من قبل ولم يكن على نية صادقة، وعزيمة مجتمعة لخوض غماره.. وأصل «اثَّاقَلْتُمْ» تثاقلتم، فأدغمت التاء فى الثاء، لتقارب مخرجيهما، ثم جىء بهمزة الوصل، حتى لا يبدأ بحرف ساكن، الأمر الذي لا تستسغيه العربية..

و «التثاقل» : التباطؤ، والتحرك فى ثقل.. لأن شأن كل ثقيل أن يكون بطيء الحركة.. وفى التعبير بلفظ «التثاقل» الذي يدلّ على التصنع والادعاء، مثل «تباكى» أي ادعى البكاء، وتغافل أي ادّعى الغفلة- فى هذا ما يشير إلى أن هذا التثاقل من المتثاقلين، لا يستند إلى أسباب حقيقية تقوم فى نفس المؤمن بالله، وإنما هى تعلّات تقع فى بعض النفوس التي دخل على إيمانها شىء من الضعف والوهن.. فتتلمس المعاذير، وتصطاد الذرائع التي تثقل خطوها عن اللحاق بركب المجاهدين. وفى تعدية الفعل «اثّاقلتم» بحرف الجر «إلى» بدلا من حرف الجرّ «على» أو «فى» إذ يقال تثاقل على الأرض، أو تثاقل فى الأرض- فى هذه التعدية بإلى كما جاء عليه النظم القرآنى، ما يحقق أمرين: أولهما: إشارة إلى أن هؤلاء المتثاقلين إنما ينحدرون انحدارا إلى الأرض، ويهوون هويّا من عل إليها.. وذلك لأنهم وهم المؤمنون بالله، هم بهذا الإيمان فى مستوى عال فى هذه الحياة التي يحياها الناس.. وأنهم وهذا شأنهم، ينبغى أن تكون وجهتهم دائما إلى السماء، وأن يكون متعلّقهم بها، وآمالهم فيها.. وأن تلفّتهم إلى الأرض، وانحدارهم إليها، هو رجعة إلى الوراء، ونكوص على الأعقاب.. وثانى الأمرين: أن التثاقل إلى الأرض يفيد الاختلاط بها، والامتزاج بترابها.. وأن هذا الإنسان المؤمن الذي كان يحلّق بإيمانه فوق هذا العالم الترابي، قد أصبح بهذا التثاقل فى عداد هذه الكائنات التي تدبّ على الأرض، من هوامّ وحشرات! ومن هذه الصورة التي ترتسم للمؤمن من كلمة «اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ» ما يريه المصير الذي هو صائر إليه، إن هو أمسك بنفسه مع هؤلاء المتثاقلين على

الأرض، حين يدعو داعى الحق: أن حىّ على الجهاد فى سبيل الله.. وفى قوله تعالى: «أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ» إنكار على هؤلاء الذين يفاضلون بين الحياة الدنيا والآخرة، بل ويفضّلون الحياة الدنيا على الآخرة، بعد أن رأوا بأعينهم ما انكشف لهم من قوله تعالى: «اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ..» فذلك غبن فاحش لا يرضاه عاقل لنفسه، ولا يصبر عليه لحظة، إن هو وقع فيه. ثم يجىء قوله تعالى: «فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ» حقيقة كاشفة مقررّة، يجدها بين يديه من لم ينكشف لبصره أو لبصيرته ما حملت من كلمات الله إليه من عرض هذا الوضع السيء الذي هو فيه من تثاقل إلى الأرض، ومن إيثار الحياة الدنيا على الآخرة، وما على هذه الأرض على ما فى السماء! يجىء بعد هذا قوله تعالى: «إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» - يجىء حاملا مقارع من حديد، يوقظ بها هؤلاء النيام الذين لا توقظهم العبرة ولا الموعظة الحسنة.. إنهم إن لم ينتزعوا أنفسهم من هذه الأرض التي لصقوا بها، وإن لم يخفّوا إلى القتال مسرعين، أخذهم الله بعذابه، وأنزلهم منازل الهوان والنقمة، وأقام مقامهم قوما آخرين، يجاهدون فى سبيل الله، ويأخذون هذا المقام الكريم الذي كان مهيأ لهم من قبل، فتخلّوا عنهم مختارين، حين تثاقلوا عن الجهاد، واستحبّوا الحياة الدنيا على الآخرة.. وإنهم بهذا قد أوقعوا الضرر بأنفسهم، وأخذوا الطريق المؤدّى بهم إلى الهلاك، ولن يضروا الله شيئا.. فإن الله- سبحانه- غنىّ عن العالمين.. وإن له- سبحانه- أولياء كثيرين، ينصرون دينه، ويجاهدون فى سبيله: «وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ» (38: محمد) . فتلك هى سنّة الله فى عباده «لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ»

فهناك منحرفون ضالون يتحولون إلى طريق الحق والإيمان.. وهناك مستقيمون مؤمنون ينحرفون إلى طريق الغواية والضلال.. وذلك ليظل الناس فى حركة، وعمل.. فمن كان على طريق الحق والتقوى، كان عليه- لكى يحتفظ بمكانه على هذا الطريق- أن يحرس نفسه من أهوائها ونزعاتها ووساوس الشيطان لها.. ومن كان على شعاب الظلام والضلال، كان له- إذا شاء- أن يتحول إلى طريق النور والهدى.. «وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» .. ومن مظاهر قدرته، هذه الغير التي تقع بالناس، فتنقلهم من حال إلى حال، ومن أسفل إلى أعلا، ومن أعلا إلى أسفل.. فليحذر الإنسان- وخاصة إذا كان على الإيمان- أن يأخذ اتجاها منحرفا عما يدعوه إليه الإيمان.. فإن ذلك من شأنه أن يعرضه للخروج من الإيمان آخر الأمر، وليذكر دائما قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ» . قوله تعالى: «إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» . فى هذه الآية الكريمة أمور: أولا: صلتها بالآيات التي قبلها.. حيث تبدو الصلة غير واضحة فى ظاهر الأمر بين هذه الآية، وما جاءت به الآيات قبلها من مقررات وأحكام.. والذي يمعن النظر فى الآية الكريمة يرى أنها تطبيق مؤسس على مقررات الآيات السابقة، حيث جاء فى قوله تعالى: «إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» .. فقد قررت هذه الآية فيما قررت، أن الله إذا أراد نفاذ أمر فلن تقف دونه قوة فى هذا

الوجود، وأنه- سبحانه- قد أراد إعزاز دينه، وإظهاره على الدين كلّه، وأن المجاهدين الذين يجاهدون فى سبيل الله ما هم إلا أدوات عاملة فى مجال تلك الإرادة التي أرادها الله، ليكتب لهم عند الله الأجر العظيم، والمثوبة والرضوان، وأن إرادة نافذة على أي حال.. وفى قوله تعالى: «إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ» شاهد قائم، رآه المسلمون رأى العين.. وهو أن الله قد نصر النبىّ الكريم، وخلّصه من يد المشركين الذين كانوا له بمرصد، على كل ثنيّة، وعلى كل طريق ... ولم يكن مع النبىّ الكريم قوّة ظاهرة، لم يكن إلا هو وصاحبه أبو بكر.. وكانا أعزلين من كل سلاح، إلا سلاح الإيمان الذي يملأ قلبيهما، مجرّدين من كل قوة، إلا قوة الحقّ الذي فى يديهما، محرومين من كل نصير، إلا عون الله لهما، وحراسته القائمة عليهما. ثانيا: لم يذكر النبىّ الكريم ذكرا صريحا، وإنما جاءت الإشارة إليه مضمرة فى ضمير الغائب.. هكذا «إِلَّا تَنْصُرُوهُ» .. وفى هذا إشارة مضيئة تشير إلى النبي الكريم، وتحيطه بهالة من نور ربانىّ، بحيث تشخص الأبصار كلّها إلى هذا النور العلوىّ الذي يفاض على النبىّ، ويحفّ به.. فليس هناك من تخلّى عنه الأنصار والأعوان- فى هذا الموقف بالذات- غير النبىّ، وليس هناك أيضا من أحاطت به العناية الربانية، وحفّت به أمداد العون والنصر الإلهي- فى هذا الموطن بالذات أيضا- غير النبىّ.. فكانت الإشارة إليه- فى هذا الموقف بالذات- مغنية عن كل ذكر، وكانت الإماءة إليه أبلغ من كل تصريح.. ثالثا: لم يذكر اسم الصاحب الذي صحب النبىّ فى هذه الحال، بل جاء

على النسق الذي جاء عليه ذكر النبىّ.. «إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا» .. وفى هذا تشريف لمقام أبى بكر- رضوان الله عليه- وتمجيد لتلك الصحبة المباركة، التي جعلت منه صاحب نبىّ، ورفيق رسول، يأخذ بنصيب طيّب من رعاية الله لنبيّه، ويستظل بما استظل به النبىّ من نصر الله وتأييده. وأبو بكر فى هذا المقام هو القوة المادية الظاهرة، من الإنسانية كلها، التي كانت تسند النبىّ، وتشدّ أزره، وتؤنس وحدته، وتقتسم الضّراء- بل قل السّرّاء- معه! فقد كان النبىّ صلى الله عليه وسلم- فى هذا الموقف- جبهة يحاربها الشرك كلّه، ويكيد لها المشركون كلّهم.. وكان أبو بكر رضوان الله عليه، هو وحده كلمة الحقّ، والإيمان، التي أراد الله سبحانه وتعالى لها هذا المقام الكريم، إلى جانب النبىّ الكريم.. وإنه بحسب أبى بكر- رضوان الله عليه- من التكريم والتشريف أن يكون اليد الأخرى المباركة التي تحمل مع النبي الكريم رسالة السماء، ودعوة الحق، إلى حيث أراد الله لها أن تطلع بنورها، وتمنح الناس ما فيها من هدى ورحمة، وأمن وسلام.. ثالثا: فى قوله تعالى: «فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» . عاد الحديث عن النبي وحده، بضمير المفرد «فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها» ... كما بدأ الحديث عنه وحده: «إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ» .

وعدم ذكر أبى بكر فى هذين المقامين- البدء والختام- لا ينقص من قدر أبى بكر، ولا يزحزحه عن مقامه الكريم، الذي رفعه الله سبحانه وتعالى إليه بقوله: «إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا» .. إذ لا شك أن الموقف هو موقف الرسول، وأن الرسالة هو صاحبها، والمدعوّ إليها من ربه، وإنه ليكفى أبا بكر شرفا أن ينفرد بهذا المقام الكريم، فيكون للنبىّ ردءا وعضدا، فى وقت كان النبىّ الكريم يواجه فيه وحده المشركين جميعا.. والسكينة، هى الطمأنينة التي تحلّ بالقلب، فيجد الإنسان المكروب ريح الأمن، وبرد السلامة والعافية.. وهى مأخوذة من السكون، أو السكن، بمعنى القرار.. «وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها» .. هى قوى من قوى الحق، أمدّه الله بها، فكانت عينا تحرسه، ويدا تردّ من يريد السّوء به.. وفى التعبير عن حلول السكينة قلب النبىّ بإنزالها عليه، إشارة إلى أنها منزلة من السماء، وأنها من قوى الحقّ التي أمدّ الله نبيّه بها، وليست من القوى التي يملكها الناس، ويستندون إليها.. «وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى» أي أن الله أبطل كيدهم، وأفسد تدبيرهم.. والمراد بالكلمة هنا، الحال والشأن والأمر.. بمعنى أن المشركين وقد فوّت الله عليهم ما أرادوا بالنبيّ من سوء، وأبطل ما دبروا من كيد، وما بيّتوا له من عدوان.. فإن ذلك يحدّث عن ضعفهم وهوانهم، أمام تلك القوة القادرة القاهرة.. وإذا كانت الكلمة تعبيرا عن إرادة المتكلم بها، وتصويرا لمشيئته التي يريد إمضاءها، فإن إنفاذ هذه الإرادة، وإمضاء تلك المشيئة، إنما يكون بحسب ما عند المتكلم من رصيد من القوى التي يحشدها وراء كلمته، ليقيم لها مكانا فى عالم الواقع المحقق.. وإنه حين تبطل الكلمة، ولا تجد لها مكانا فى الواقع المحقق، يكون ذلك دليلا قائما على ضعف صاحبها،

وسقوط همته.. وأن كلماته التي ينطق بها ليست إلا أصواتا ضائعة فى الهواء!. وفى التعبير عن كلمة الله بالعلوّ، إشارة إلى أن كلمات الله سبحانه، هى فى المكان المتمكن، الذي تستولى به على كل شىء، بحيث لا تقف لها قوة، ولا يحول دونها حائل.. وفى وضع ضمير الفصل «هى» بين المبتدأ والخبر فى قوله سبحانه: «وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا» إشارة أخرى إلى كلمة الله، وإلى تحقيقها، وإفرادها بهذه المنزلة دون غيرها من الكلام البشرى على أي مستوى.. فهى وحدها هى العليا، المتفردة بهذا المقام المتمكن من العلوّ.. ولهذا جاء بعدها الوصف المناسب لله سبحانه وتعالى، صاحب هذه الكلمة: «وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» .. فهو العزيز الذي لا عزة لأحد مع عزّته، وهو الحكيم الذي- مع ماله من عزّة مطلقة، ومن سلطان لا ينازع- يضع الأمور مواضعها القائمة على ميزان الحكمة والعدل والإحسان.. أما هؤلاء المشركون، الذين يستشعرون العزّة والقوة من أنفسهم على غيرهم من الضعفاء، فإن عزّتهم عزة غاشمة جهولة، وقوتهم قوة عمياء حمقاء، تضرب بغير حساب، ولا تقدير! والغار الذي تشير إليه الآية الكريمة، هو غار ثور، فى أعلى جبل يقال له جبل ثور، على مسيرة ساعة من مكة، على يمين المتجه إلى المدينة. قوله تعالى: «انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» .

هو دعوة عامة للمسلمين جميعا إلى الجهاد فى سبيل الله، حين تدعو دواعيه وتقوم أسبابه. والخفاف: جمع خفيف، وهو الذي لا يعوّقه عن النّفر إلى الجهاد معوّق، مادىّ، أو نفسىّ، كالاشتغال بالحياة، وتثمير المال، ومعالجة التجارة، أو الزراعة ونحوها، أو كالحرص على الحياة، والخوف من الموت، أو الاستثقال لأعباء السّفر، ومشقّه الانتقال، والتعرض لمتاعب الطريق، وما يتعرض له المسافر من حر أو برد، أو جوع أو ظمأ.. والثقال: جمع ثقيل، وهو الذي تعرض له تلك العوارض التي تثقله، وتوهن عزمه على الجهاد، وتثقل خطوه فى السعى إليه.. والأمر بالنفر إلى الجهاد موجّه إلى الخفاف والثقال جميعا، من القادرين على حمل السلاح.. وليست هذه العوارض المادية أو المعنوية التي تعرض للمسلم بالتي تعفيه من أن يكون فى جبهة القتال مع إخوانه المجاهدين فى سبيل الله.. فهو آثم، خارج على أمر الله، إن هو لم يأخذ مكانه، ويؤدى الواجب المدعوّ إليه.. وفى قوله تعالى: «وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» توكيد لهذا الأمر بالنفرة إلى الجهاد.. لا بالنفس وحسب، بل وبالمال أيضا لمن يملك المال.. وقدّم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس، لأن المال عند من يحرص على المال، أحبّ إليه من نفسه، وهو القوة الغالبة التي تثقل الإنسان وتبطّئه عن الجهاد. فإذا سخا بالمال، وبذله فى سبيل الله، خفّت نفسه إلى الجهاد، وانطلق من القيد الذي كان يمسك به عن أن يكون فى المجاهدين..

أمّا من لا يقدر على القتال، لمرض، أو شيخوخة، أو نحو هذا، فإنه وإن رفع الله عنه الحرج إذا لم يجاهد بنفسه، فإن الحرج قائم عليه إذا هو لم يجاهد بماله، إن كان له مال.. فإذا بذل المال، وأمدّ به المجاهدين، كان مجاهدا، وحسب فى المجاهدين.. وفى الحديث الشريف: «من جهّز غازيا فقد غزا» . فليس لمسلم- أيّا كان حاله ووضعه فى المجتمع- أن يتخلّف عن الجهاد فى سبيل الله، فلكل إنسان مكانه فى المعركة.. إذ ليست المعركة معركة سيف وحسب، بل هى معركة، سلاح، وعتاد، ومئونة.. بل هى قبل ذلك كله معركة مشاعر وأحاسيس، بمعنى أن الأمة كلها ينبغى أن تكون فى مواجهة المعركة على شعور واحد، ينتظم جميع أفرادها، هو شعور مواجهة العدوّ، والتصدّى له، وطلب الغلب عليه.. فهذا الشعور هو الذي يجعل الأمة الإسلامية كلها جيشا واحدا يحمل السلاح، ويضرب فى وجه العدو.. ومناسبة هذا الآية لما قبلها أنها أشبه بالتطبيق العملي لما تكشف عنه الآيات السابقة من نصر الله سبحانه وتعالى لنبيّه الكريم، وأن من كان من حزب الله فلن يغلب أبدا، ولو كان وحده.. فليأخذ المسلمون مكانهم فى الجهاد فى سبيل الله، فيكونوا من حزب الله. هذا، ويلاحظ أن هذه الدعوة المشدّدة إلى القتال، واستنفار المسلمين جميعا للجهاد فى سبيل الله، إنما كانت إرهاصا بدعوة المسلمين إلى ابتلاء جديد، بلقاء عدو جديد، فى وطن جديد.. وذلك فى غزوة تبوك التي كانت آخر غزوة غزاها النبىّ.. كما سنعرض لها فيما بعد.. إن شاء الله..

الآيات: (42 - 45) [سورة التوبة (9) : الآيات 42 إلى 45]

الآيات: (42- 45) [سورة التوبة (9) : الآيات 42 الى 45] لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (42) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (43) لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45) التفسير: العرض: المتاع، وما يحصّله الإنسان فى سعيه لطلب الرزق.. والمراد بالعرض القريب: المتاع الذي ينال من قريب، بلا كبير عناء، ولا عظيم مجهود.. والسفر القاصد: هو السفر القريب، السّهل، المستقيم على وجه واحد لقرب غايته.. والشّقة: المسافة المكانية. مثل الأمد فى المسافة الزمانية. وقوله تعالى: «لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ» هو تعريض بأولئك الذين إذا دعوا إلى القتال، لم يخفوا له، بل تلبّثوا، وأخذوا يديرون أعينهم هنا وهناك، ليتعرفوا إلى وجوه الربح والخسارة فى الدعوة التي دعوا إليها.. فإن كان المغنم فيها دانيا، والسفر إليها قريبا، استجابوا، وخرجوا مع المجاهدين.. وإن كان المغنم عسير

الوقوع، بعيد المسافة تثاقلوا، وتباطئوا، وانتحلوا شتى العلل ومختلف المعاذير. ثم إنهم لا يكتفون بهذا، بل يزكّون هذه العلل، ويؤكدون تلك المعاذير بالحلف المؤكد أنهم لو استطاعوا الخروج لخرجوا.. وهذا الحلف نفسه هو دليل فاضح لكذبهم، إذ لم يطلب أحد إليهم أن يحلفوا.. ولكن هكذا الكاذب دائما.. يجد الكذب الذي يعرضه على أعين الناس، لا يقف على قدميه لضعفه وهزاله، فيعمد إلى تقويته بالحلف، ودعمه بتوكيد هذا الحلف. وقوله تعالى: «يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» إشارة إلى أن هذا الموقف الذي يقفه أولئك المتثاقلون على الجهاد، المتعللون لذلك بالعلل الكاذبة، إنما قد جنوا على أنفسهم، وأوردوها موارد الهلاك، بتخلفهم عن الجهاد، وعصيانهم لأمر الله، وهم قادرون على القتال.. فإنهم إن خفى أمرهم على الناس، فلن يخفى على الله «وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» . وقوله سبحانه: «عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ» فى هذه الآية عتاب رقيق للنبى الكريم من ربّ كريم.. وهو عتاب يحمل فى أطوائه نفحات الرضا والرضوان، بحيث يبدو هذا العتاب، وكأنه جزاء حسن عن عمل حسن! فقد قدّم العفو عن الأمر الذي يطلب العفو له، وجاء العفو من أجله.. وهذا على غير المألوف.. حيث يذكر الذنب.. أولا، ثم يكون اللوم، أو العفو.. ثانيا. ولكنّ لطف الله سبحانه بنبيّه الكريم، وتكريمه له قد جاءه بالعفو

مقدّما، حتى لا يقع تحت مشاعر الألم لحظة واحدة، إذا هو تلقّى اللّوم، ثم جاءه العفو: على هذا النحو: «لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ؟ .. عفا الله عنك!!» . وفى قوله تعالى: «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ» إشارة إلى أن أمر الكذب مفضوح، وأن الزّمن لا بد أن يكشف عن وجهه يوما ما.. فلو انتظر النبىّ بهؤلاء الذين جاءوا بأعذارهم إليه، ولم يقبل هذه الأعذار فى حينها، لانكشف له أمر ذوى الأعذار الكاذبة منهم، إمّا بما يظهر من حالهم، أو بما يكشف له أصحابه من أمرهم، أو بما ينزل عليه من قرآن يفضحهم. وقوله تعالى: «لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ» - هو بيان يفرّق به بين الصّادقين والكاذبين من ذوى الأعذار.. فالذين يؤمنون بالله واليوم الآخر إيمانا صادقا لا يطلبون الإذن لأنفسهم بالتخلف عن القتال.. ذلك أنهم- مع الأعذار القائمة معهم- لا يجعلون من تلك الأعذار حاجزا يحجزهم عن أخذ حظّهم من الجهاد فى سبيل الله، فإذا دعا الداعي إلى الجهاد كانوا فى مقدمة المستجيبين له. حتى إذا نطقت حالهم عن أنّهم- بهذه الأعذار التي معهم، من مرض، أو صغر، أو شيخوخة، أو نحو هذا- لن يمكّنوا من الانتظام فى صفوف المجاهدين، رحمة بهم، وتخفيفا من مئونتهم على المسلمين، كان ذلك مما يحزنهم، ويبعث الحسرة والأسى فى نفوسهم. وهذا

الآيات: (46 - 52) [سورة التوبة (9) : الآيات 46 إلى 52]

ما يشير إليه قوله تعالى: «وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ» . أما الذين فى قلوبهم مرض ونفاق، فإنهم لا يعجزهم العثور على العلل والمعاذير التي يقدّمونها للنبىّ والمسلمين، لتكون مبررا لتخلفهم عن الجهاد. فهؤلاء هم الذين يجيئون إلى النبىّ بأعذارهم الكاذبة، ويستأذنونه فى التخلف، كما يقول سبحانه «إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ» .. والريب، هو الشك والارتياب، ورابه الأمر، فارتاب فيه، أي شك، ووقع فى حيرة وتردد بين الإقدام والإحجام. الآيات: (46- 52) [سورة التوبة (9) : الآيات 46 الى 52] وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ (48) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (49) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50) قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52)

التفسير: فى هذه الآيات يفضح الله أولئك المنافقين ومن فى حكمهم، ممن تخلّفوا عن الجهاد فى غزوة «تبوك» التي جاءت الدعوة إليها عامة شاملة فى قوله تعالى: «انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .. لأنها كانت غزوة ذات طابع خاص على ما سنرى: فبعد أن فتح النبىّ مكة، ودخل الناس فى دين الله أفواجا، نظر إلى خارج الجزيرة العربية، فرأى على حدودها من جهة الشام قبائل عربية قد أقامت علاقات بينها وبين دولة الروم، كالعلاقة التي بين التابع والمتبوع.. ذلك أنه لكى يأمن الروم تسلل العرب إليهم، أو مفاجأتهم بالغارات على قراهم وزروعهم، أقاموا بعض القبائل العربية حرّاسا على تلك الحدود، وضمّنوهم سلامة هذه الحدود من كل مغير.. وكانت دولة الروم تنظر إلى الدعوة الإسلامية نظرة سياسية إلى جانب النظرة الدينية التي كانت تنظر بها إليها، وترى فيها أنها دعوة تهدد المسيحية التي تدين بها. وفى مجال النظرة السياسية، رأى الروم أن الأمة العربية قد أصبحت بهذه الدعوة أمة واحدة، بعد أن كانت قبائل متنازعة متقاتلة.. وهذا ما يجعل من العرب قوة يمكن أن تهدد الروم، وتفتح طريق الحدود الذي أقامت من العرب حرّاسا عليه. وقد تنبّه الروم إلى ذلك، وأخذوا يعدّون العدّة له، وجاءت الأنباء إلى النبىّ بذلك، وأن الروم يريدون أن يستميلوا القبائل العربية المتاخمة لهم إلى

دينهم، وأن يعقدوا معهم حلفا ضدّ دولة العرب الناشئة.. ولهذا بادر النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- إلى مبادأة القوم، وأخذ السبيل عليهم إلى الغاية التي أرادوها.. فدعا المسلمين إلى الجهاد، وأراهم الوجه الذي يقصده، والغاية التي يريدها، وقد كان- صلوات الله وسلامه عليه- إذا أراد الغزو لم يكشف عن الجهة التي يقصدها، ولا القوم الذين يقاتلهم.. أما فى هذه الغزوة، فقد كشف للمسلمين عنها، وأعلمهم أنه يريد حرب الروم.. وذلك حتى يأخذ المجاهدون الأمر عدّته، ويعملوا له حسابه، إذ كانت الشقّة بعيدة، والعدوّ كثير العدد والعدّة. وكانت دعوة النبىّ إلى لقاء الروم فى أعقاب سنة شديدة الجدب، تخلّف فيها المطر، فأضرّ بالناس، والزروع والأنعام، وقد حضر بين يدى الناس ما نضج من ثمار النخيل والأعناب، على قلته، وشدة الحاجة إليه.. فكان ذلك ابتلاء.. لأنهم يدعون إلى القتال بعد سنة قاسية مجدبة، وفى موجات عاتية من حرور وسموم.. على حين قد حضرهم شىء من نضيج الثمار، وفىء الظلال.. فليس بعد هذا الابتلاء ابتلاء، ولا وراء هذا الامتحان، امتحان.. وتعالت حكمة الله، الذي أراد أن يمحّص ما فى صدور المؤمنين من إيمان، وليبتلى ما فى قلوبهم من ولاء لله ولرسوله.. فإن قسوة هذا الامتحان، هى التي تكشف عن معدن الإيمان، حتى يرى المؤمنون حظوظهم منه، وذلك بعد أن تمت الرسالة، وبلغت الدعوة غايتها. وقد كشف هذا الامتحان فعلا عن أكثر من حقيقة: فهناك مؤمنون لا يعرفون غير السمع والطاعة لله ولرسوله.. ولا يؤثرون على ولائهم لله ولرسوله، نفسا أو مالا أو ولدا.. فهؤلاء السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار.. ما إن سمعوا دعوة

الرسول، حتى كانوا جميعا الجواب الحاضر لها.. لم يتخلّف منهم متخلّف، ولم يبطّىء منهم مبطّىء.. وقد أنفقوا فى سبيل الله كل ما يملكون.. وكان عثمان بن عفان رضى الله عنه أكثر الناس إنفاقا في تجهيز جيش العسرة، حتى لقد روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى ما رأى من عثمان قال: «اللهم ارض عن عثمان فإنّي عنه راض» . وهؤلاء معسرون يريدون الغزو والجهاد فى سبيل الله.. ولكن ليس هناك ما يحملون عليه إلى ميدان القتال.. فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه ما يحملون عليه، فلما أجابهم الرسول بقوله: «لا أجد ما أحملكم عليه» .. «تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ» .. وهؤلاء هم البكّاءون، كما سماهم المسلمون يومئذ.. ثم هناك أصحاب تعلّات كاذبة، ومعاذير واهية، جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بها ليستأذنوا فى التخلّف، فأذّن لهم النبىّ، أخذا بظاهر أمرهم ولكنّ الله سبحانه أخذهم بما أخفوا، فلم يقبل لهم عذرا.. فقال تعالى: «وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» .. وقد عاتب الله سبحانه وتعالى النبىّ فى قبول عذرهم والإذن لهم، فقال تعالى: «عَفَا اللَّهُ عَنْكَ.. لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ» . وهناك منافقون.. وأشباه منافقين.. اجتمعوا على الكيد للإسلام، وتوهين عزائم المسلمين الذين خفّوا للجهاد.. ومنهم عبد الله بن أبىّ بن سلول.. كان على رأس فريق من أصحابه، فى جانب من معسكر المسلمين الذين اجتمعوا ظاهر المدينة استعدادا للسير.. فلما تحرك النبىّ بركب المسلمين تخلّف عبد الله ابن أبىّ فيمن معه من المنافقين..

وهكذا.. تكشفت معادن المؤمنين، فكانوا فى منازلهم من الإيمان ظاهرا وباطنا، بعد أن كانوا على باطن لا يدرى إلا الله ما ينطوى عليه.. ثم سار النبي صلوات الله وسلامه عليه، بما اجتمع له من المسلمين، وكانت عدتهم ثلاثين ألفا، منهم عشرة آلاف فارس، كما يقول الرواة.. وقد وقعت فى الطريق أحداث.. منها: أن بعض الذين تخلّفوا عن الركب، قد راجعوا أنفسهم، فرجعوا إلى الله، وآثروا ما عنده، فلحقوا بركب النبىّ، وهو فى الطريق، قبل أن يبلغ تبوك.. ومن الأمثلة الرائعة للنفس المؤمنة اللّوامة، التي تلفظ الغريب الوارد عليها من وساوس الشيطان- ما كان من أبى خيثمة من بنى سالم بن عوف.. فإنه كان ممن اعتذر لرسول الله، وقبل الرسول الكريم عذره.. فتخلف مع المتخلفين.. ولكن كان معه فى هذا التخلف ضمير ينخسه، وقلب موزّع بين داعية نفسه إلى الدعة والظل، وبين داعى إيمانه إلى اللحاق برسول الله، ومشاركته مرارة السفر وقسوة الهجير.. قالوا إنه بعد أن سار النبي أياما، دخل أبو خيثمة فى يوم حار إلى حائط (أي حديقة له) فوجد امرأتين له فى عريشين لهما، قد رشّت كل واحدة منهما عريشها، وبرّدت له فيه ماء، وهيأت له فيه طعاما.. فلما دخل قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الضّحّ «1» والريح والحر، وأبو خيثمة فى ظل بارد، وطعام مهيأ، وامرأة

_ (1) الضح: بالكسر: الشمس وضوؤها، والمكشوف البارز من الأرض.. والمراد به هنا: التعرض للشمس فى العراء.

حسناء.. فى ماله مقيم؟ ما هذا بالنّصف «1» ! ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم.. ثم خرج فى طلب رسول الله، حتى أدركه حين نزل تبوك!! قالوا: وكان يرافق أبا خيثمة فى الطريق عمير بن وهب الجمحي، يطلب اللحاق برسول الله.. حتى إذا دنوا من تبوك، قال أبو خيثمة لرفيقه: إن لى ذنبا! فلا عليك أن تتخلّف عنى حتى آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففعل، حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو نازل تبوك، قال الناس، هذا راكب على الطريق مقبل! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أبا خيثمة» فقالوا يا رسول الله.. هو والله أبو خيثمة.. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أولى لك يا أبا خيثمة «2» » ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا، ودعا له بخير. هذا الموقف الرائع يقابله موقف منافق متخاذل كان من رجل يظهر الإيمان، ويضمر ما الله عالم به.. ذلكم هو الجدّ بن قيس من بنى سلمة.. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعاه إلى التجهز للغزو، وقال له: «يا جدّ.. «هل لك العام فى جلاد بنى الأصفر؟» (يعنى الروم) فقال: يا رسول الله: «أو تأذن لى ولا تفتنّى!! فو الله لقد عرف قومى أنه ما من رجل بأشدّ عجبا بالنّساء منى، وإنى أخشى إن رأيت نساء بنى الأصفر ألا أصبر!!» فأعرض عنه رسول الله، وقال «قد أذنت لك..» .. وفى الجدّ بن قيس

_ (1) النّصف: بفتح الصاد: الانصاف، والعدل. (2) قوله صلى الله عليه وسلم: أولى لك يا أبا خيثمة.. هو مدح لأبى خيثمة، وأن ما فعله هو الخير الذي هو أهل له، وجدير به.

نزل قوله تعالى: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ..» وحين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجيش، أقام على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري، وخلّف رسول الله على أهله علىّ بن أبى طالب- كرم الله وجهه- فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلّفه إلا استثقالا له، وتخفّفا من صحبته!! فلما بلغ عليا مقالة المنافقين فيه، أخذ سلاحه، ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله.. زعم المنافقون أنك إنما خلفتنى استثقالا وتخففا من صحبتى، فقال: «كذبوا، ولكنى خلّفتك لما تركت ورائي، فارجع واخلفني فى أهلى وأهلك.. أفلا ترضى يا علىّ أن تكون منى بمنزلة هرون من موسى.. إلّا أنه لا نبىّ بعدي؟ فرجع علىّ بهذه الخلعة التي خلعها الله ورسوله عليه، وكبت الله المنافقين، وملأ قلوبهم حسرة.. وفى الطريق إلى تبوك مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر من ديار ثمود، فأمر أصحابه ألا يشربوا من مائها، وألا يتوضئوا منه للصلاة.. ثم سجّى- صلى الله عليه وسلم- ثوبه على وجهه، وحثّ راحلته، ثم قال: «لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون، خوفا من أن يصيبكم مثل ما أصابهم» . وكان أبو ذر- رضى الله عنه- ممن تخلف عن ركب رسول الله، إذ لم يكن قد أتمّ جهازه، وأبطأ به بعيره عن اللحاق بالركب.. وكان الناس يذكرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا تخلفوا فى الطريق.. فيقولون فلان تخلف.. فيقول الرسول: «دعوه.. فإن يكن فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم الله منه.» .

وكان من أمر أبى ذرّ أن بعيره قد كلّ عن السير، فأخذ متاعه وحمله على ظهره، وسار يتبع الرسول.. ونزل الرسول فى بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين، فقال يا رسول الله إن هذا الرجل يمشى على الطريق وحده.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كن أباذرّ» فلما تأمله القوم، قالوا يا رسول الله: «هو والله أبو ذرّ» فقال صلى الله عليه وسلم: «رحم الله أباذر.. يمشى وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده» . وفى تبوك أقام النبي صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة، انجحر فيها الروم إلى مسالحهم وقراهم.. وفتح الرسول، دومة الجندل، فتحها له خالد بن الوليد، وجاء بصاحبها مستسلما لرسول الله، فحقن له دمه، وصالحه على الجزية.. وسنعرض بعض أحداث هذه الغزوة عند تفسير بعض الآيات التي نزلت فيها.. قوله تعالى: «وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ» . هذه الآية تكشف عن وجه من وجوه الذين تخلّفوا عن غزوة تبوك، وقدّموا بين يدى رسول الله أعذارهم الكاذبة.. فهؤلاء الذين تخلّفوا لم يكونوا على نيّة الجهاد فى سبيل الله، وأنهم لو كانوا على تلك النية لأعدّوا للجهاد عدّته، ولأخذوا له أهبته، حتى إذا دعا الداعي إليه، كانوا وكان بين أيديهم أدوات الجهاد وعدّته.. ولكنهم لم يكونوا أبدا على نية الجهاد، بل كانوا على كره قائم فى نفوسهم له، فكره الله انبعاثهم، وانطلاقهم مع المجاهدين، ولهذا ثبّطهم عنه، وحلّ

عزائمهم دون الجهاد، وإذا هم دعوة مستجابة لكل ناطق وصامت، يدعوهم بلسان المقال أو لسان الحال، ساخرا مستهزئا: «اقعدوا مع القاعدين» . والانبعاث: الانطلاق فى خفّة ونشاط، وفى التعبير عن كراهية الله سبحانه وتعالى لخروج هؤلاء المنافقين، للجهاد- فى التعبير عن ذلك بالانبعاث، وهو الانطلاق، إشارة إلى أن ذلك هو الذي ينبغى أن يكون من المجاهدين فى وجهتهم نحو العدوّ، وهؤلاء المنافقون لم يكن منهم مجرد الحركة، فضلا عن الانبعاث، ولو كان منهم ذلك لما رضيه الله منهم، ولا جعلهم فى المجاهدين، لفساد نياتهم، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ» . ففى هذه الآية ما يكشف عن الحكمة فيما كان لله من تدبير، فى تثبيط هؤلاء المتخلفين، وعزلهم عن جماعة المجاهدين.. فلو أنهم خرجوا مع المسلمين، وهم يحملون هذا الداء الخبيث المتمكن فيهم، لأفسدوا على المسلمين أمرهم، ولأدخلوا عليهم الوهن والضعف فى لقاء عدوهم: «لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا» أي اضطرابا وفسادا، «وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ» أي لسعوا سعيا حثيثا بينكم بالفتنة.. والإيضاع: ضرب من السير السريع للإبل، وخلال الشيء: الفجوات التي فى كيانه. وفى قوله تعالى: «ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا» إشارة إلى أن الجماعة الإسلامية التي ضم عليها ركب المجاهدين إلى تبوك، لم تكن كلها على السلامة والعافية فى إيمانها، وعزمها على الجهاد، بل كان فيها عدد غير قليل من المنافقين وأشباه المنافقين، ومن فى قلوبهم مرض.. خرجوا مع المجاهدين على كره..

فكانوا عبثا على المسلمين، وموطن ضعف فيهم.. فلو انضم إلى هؤلاء أعداد أخرى من المتخلفين الذين ثبّطهم الله عن الجهاد- لما فى قلوبهم من نفاق- لزادوا المؤمنين خبالا واضطرابا.. إلى ما كان ينبض به جيشهم من نبضات الخبال والاضطراب.. ويشهد لهذا قوله تعالى بعد ذلك: «وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ» إذ يشير هذا إلى ما فى صفوف المسلمين من خلخلة ومن فروج وفجوات، يمكن أن يتحرك فيها المنافقون كيف يشاءون، يلقون فى أسماع المسلمين بكلمات السوء، للوقيعة بينهم، وتثبيط عزائمهم عن لقاء العدو.. وفى قوله تعالى: «وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ» إشارة إلى ما كان فى جيش المسلمين من أصحاب النفوس المريضة، والقلوب الفاسدة، حيث يعطون أسماعهم لقالة السوء، ويمنحونهم الثقة والاطمئنان، وحيث يصادف نفاقهم هوى عندهم. وفى قوله سبحانه: «وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ» تهديد ووعيد لمن كان على نفاق ومكر بآيات الله.. حيث لا يخفى على الله ما تكنّ صدورهم من نفاق، وما تنعقد عليه نياتهم من سوء، وإنهم بهذا قد ظلموا أنفسهم، وأوردوها موارد الهالكين. قوله تعالى: «لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ» . إشارة إلى ماضى هؤلاء المنافقين، وأنهم لم يستقيموا على طريق الإسلام أبدا.. وأنهم فى كل موقف يتعرض فيه الإسلام لامتحان، كانوا حربا خفية عليه، إلى جانب الحرب الظاهرة التي يلقاه بها أعداؤه لقاء مباشرا.. فكانوا يضربون فى جبهة المسلمين بالفتنة، وتقليب الأحداث، وإثارة الدّفين من الثارات القديمة فى الجاهلية..

وفى كل مرة كانوا يرجعون بالخيبة والخسران، حيث يضلّ سعيهم، وتسوء عاقبة من يعملون لهم، ويكتب الله للنبى وللمسلمين النصر والغلب. وقوله سبحانه: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ» .. يكشف عن وجه من وجوه المنافقين، الذين دعوا إلى الجهاد فى سبيل الله، فقال قائلهم معتذرا بهذا العذر الصبيانى الكذوب: «لا تفتنّى» بالغزو فى بلاد الروم، وبما يقع تحت نظرى من نساء الروم.. «أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا» حين خرجوا بهذه القولة الكاذبة عن أمر الله، فحق عليهم غضب الله.. وتلك هى الفتنة، وذلك هو البلاء، الذي ليس لصاحبه من نجاة.. «وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ» .. وهؤلاء المنافقون هم كافرون، بل أشد كفرا من الكافرين.. والله سبحانه وتعالى يقول: «إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً» . قوله تعالى: «إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ» . وهذه حال من أحوال المنافقين مع المؤمنين.. إنهم يتربصون بالمؤمنين وهم على طريق الجهاد، فإذا عاد المسلمون بالنصر والغنيمة اغتمّوا، وحزنوا، وعلاهم الخزي والهوان.. وإن وقع بالمسلمين سوء فرحوا فرحتين: فرحة لأن المسلمين قد أصيبوا، وفرحة لأنهم هم لم يكونوا فى هذا الوجه الذي وقع للمسلمين فيه ما وقع من بلاء.. ثم يدعوهم هذا إلى أن يحمدوا لأنفسهم بعد نظرهم، وتقديرهم للأمور.. حيث سلموا وكان من شأنهم أن يعطبوا لو أنهم استجابوا لما دعوا إليه.. «وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ» .. أي أخذنا حذرنا، ونظرنا إلى عواقب الأمور، ورأينا بحسن تقديرنا ألا نشارك فى هذه الحرب التي يتجه إليها

الآيات: (53 - 57) [سورة التوبة (9) : الآيات 53 إلى 57]

المسلمون، والتي لا يلقون فيها إلا الهزيمة.. وهنا قد صحّ تقديرنا.. هكذا تقديرهم، وذلك هو حسابهم مع الإسلام والمسلمين..! وقد ردّ الله عليهم هذا الردّ الذي أمر المسلمين أن يلقوا المشركين به.. فقال تعالى: «قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ» أي إن الذي تنتظرونه فينا لا يخرج عن أمرين، كلاهما نعمة عندنا، ورحمة من الله ورضوان.. إما أن نظفر ونغنم، وإما أن نستشهد فى سبيل الله، وننال رضوانه، وننزل منازل الشهداء عنده.. وفى الحديث: «تكفل الله تعالى لمن جاهد فى سبيله، لا يخرجه من بيته إلا الجهاد فى سبيله، وتصديق كلمته، أن يدخله الجنة.. أو يرجعه إلى سكنه الذي خرج منه، مع ما ناله من أجر وغنيمة» . أما المسلمون فإنهم ينتظرون فى المنافقين العذاب الذي لا بدّ أنه واقع بهم، إما على أيدى المسلمين فى هذه الدنيا بأن يقتلوهم، ويستولوا على أموالهم وديارهم، وإما أن يموتوا على ما هم عليه من نفاق، فيلقاهم الله بالعذاب الأليم الذي أعدّه لهم.. «وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا.. فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ» . الآيات: (53- 57) [سورة التوبة (9) : الآيات 53 الى 57] قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (53) وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ (54) فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (55) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57)

التفسير: بعد أن دعا الله سبحانه وتعالى المسلمين إلى الجهاد بالنفس والمال فى قوله سبحانه: «انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» .. ردّ المنافقين، الذين أرادوا أن يدخلوا فى صفوف المسلمين، بما يقدمون من مال ومتاع- ولم يقبل سبحانه من أولئك المنافقين الذين فى قلوبهم مرض ما قدموا من مال أو متاع.. لأنهم لم ينفقوه فى سبيل الله وابتغاء مرضاته، وإنما أنفقوا ما أنفقوا مداراة لنفاقهم، وسترا لما فى قلوبهم من ضغينة وحقد على الإسلام، فهم بهذا المال الذي أنفقوه، يجدون وجها يعيشون به بين المسلمين، فيأخذون فرصتهم فى بث سمومهم بينهم.. وقد فضحهم الله، وردّ كيدهم، ورجمهم بالمال الذي قدموه!! وفى قوله تعالى: «قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ» تيئيس لهؤلاء المنافقين من أن يتقبل الله أعمالهم، وأن يجزيهم جزاء العاملين المحسنين.. لأنهم لا يؤمنون بالله إلا على حرف، ولا ينفقون ما ينفقون فى سبيل الله إلّا على خوف وتكره.. وحتى لو أنفقوا عن تطوع ورضى- وهذا غير واقع منهم- فلن يتقبل الله ما أنفقوا، «إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ» فكيف إذا كان إنفاقهم عن نفاق، لا يريدون به وجه الله؟ إنهم لن يكونوا من المقبولين أبدا.. إنهم كانوا قوما فاسقين. وقوله سبحانه: «وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ» - هو

بيان لما من أجله لم يتقبل الله من هؤلاء المنافقين أعمالهم، ولو كانت مما يعدّ فى الصالحات من الأعمال.. إنهم كفروا بالله وبرسوله.. فإيمانهم هذا الذي يراه الناس منهم هو إيمان يضمر وراءه كفرا وإلحادا.. وكلّ عمل لا يزكيّه الإيمان بالله وبرسوله، هو ردّ على أهله، والله سبحانه وتعالى يقول: «مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ» (18: إبراهيم) . وإذا كان المنافقون على هذا الكفر بالله وبرسوله، فإن ما يأتون من أعمال المؤمنين فى ظل هذا النفاق المتمكن من قلوبهم، إنما يأتونه رياء، ونفاقا، حتى لا يفتضح نفاقهم، وينكشف المستور من كفرهم.. فهم إذا اقتضاهم الحال أن يصلّوا لم تكن صلاتهم ولاء لله، واستجابة لأمره، وإنما هو ثوب من أثواب النفاق يلبسونه إلى حين.. ومن هنا كانت صلاتهم باردة فاترة، لا تتصل بها نبضة قلب، أو هزّة وجدان! «وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى» . وكذلك الشأن فيما ينفقون فى سبيل الله.. إنهم لا ينفقون عن إيمان بالله، وبرسوله، وبالجهاد فى سبيله.. ولكنهم ينفقون حين لا يكون بد من الإنفاق.. حتى لا ينفضح أمرهم، وينكشف نفاقهم.. «وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ» . وفى قوله تعالى: «وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ» تحريض لهؤلاء المنافقين على التخلص من هذا النفاق الذي يقف لهم بالمرصاد على طريق الوصول إلى الله بما يقدّمون من أعمال: «وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ..» فالمفروض فى كل من يعمل عملا أن يجنى ثمرته.. وهؤلاء المنافقون يعملون أعمالا كان من شأنها أن تثمر ثمرا طيبا.. ولكن هناك آفة خطيرة تتسلط على

هذه الأعمال، فتأتى عليها، قبل أن تزهر أو تثمر.. وهذه الآفة هى النفاق.. فإذا كان بالمنافقين حاجة إلى أعمالهم تلك، وإلى الثمرة المرجوّة منها، فعليهم أن يحاربوا هذا النفاق، الذي يمنعهم أن ينالوا ثمرا مما يعملون.. قوله سبحانه: «فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ» . تبين هذه الآية الكريمة أن جناية النفاق على أهله ليست واقفة عند حدّ.. فهو إذ يفسد على المنافقين كل ما يبدو أنه متصل بما يقرّب إلى الله، من عبادات وقربات، كذلك هو مفسد لكل ما هو متصل بحياتهم الدنيوية، مما يجمعون من أموال، وما يستكثرون من أولاد.. فهذه الأموال التي يجمعونها، ويشقون فى جمعها، وهؤلاء الأولاد الذين يعملون لهم، ويكدحون فى الحياة من أجلهم- إنما هى مصادر شقاء لهم، وبلاء عليهم، حيث تبدو جميعها فى ظل الكفر بالله أنها ظل زائل، سرعان ما ينفضون أيديهم منه، إذا هم فارقوا هذه الدنيا، وصاروا ترابا فى التراب.. إنهم لا يؤمنون بحياة أخرى وراء هذه الحياة، تتصل بها حياتهم، ويجدون فيها شيئا من ثمرة أعمالهم.. ومن هنا تتضاعف حسرتهم على هذا المال الذي جمعوه، وعلى هؤلاء الأولاد الذين لن يلتقوا بهم بعد الموت أبدا.. وعلى خلاف هذا شعور المؤمنين بالله واليوم الآخر.. إنهم لا يحزنون على فائت فى هذه الدنيا، لأن أنظارهم ممتدة على طريق أفسح من طريق هذه الحياة، وقلوبهم معلقة بحياة أكرم وأطيب وأخلد من تلك الحياة.. فإذا فاتهم شىء من هذه الدنيا كان لهم فيما يرجون من الله ما يغنى عن كل فائت.. ومن أجل هذا لم يكن الموت عند المؤمنين بالله واليوم الآخر، شيئا

يفزعون له. ويبيتون مؤرقين للقائه.. فما هو عندهم إلا نقلة إلى عالم خير من هذا العالم، وإلى حياة طيبة، وجنات لهم فيها نعيم مقيم.. أما الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر.. فإن للموت عندهم رهبة رهيبة، مسلطة عليهم مع كل نفس يتنفسونه فى هذه الدنيا.. فما الموت عندهم إلا الفناء الأبدى، والضياع فى تيه العدم، والغرق فى بحر الظلام الأبدى «.. وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ» .. فهذا هو العذاب الدنيوي، الذي يعذّب به الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر.. وإنما يعذّبون بأيديهم، وبما يجمعون من مال، وما يستكثرون من أولاد، وأنهم كلما كثر مالهم، وكثر أولادهم، كلما اشتد عذابهم، وتضاعف بلاؤهم.. «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» .. فهم لهذا أحقّ بالرثاء، منهم بأن يكون موضع قدوة وإعجاب! وقوله تعالى: «وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ» - هو عطف على قوله سبحانه: «لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» .. بمعنى أن هذا الذي فى أيديهم من كثرة الأموال والأولاد، إنما جعله الله ليكون مصدر عذاب وبلاء لهم فى الدنيا، ولتزهق أنفسهم وتخرج من هذه الدنيا على كره، وهم فى لجاج فى الكفر، وإغراق فى الضلال.. إذ لم يدع لهم تعلقهم بالأموال والأولاد فرصة يفكرون فيها فى الله، وفى الإيمان به، واليوم الآخر.. فكل همهم هو هذه الأموال، وأولئك الأولاد، فإذا نزل بهم الموت اشتد كربهم وأمسكوا بالحياة فى ذعر وجنون.. قوله تعالى: «وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ» من نفاق المنافقين مع أنفسهم، أنهم يحلفون للمؤمنين أنهم منهم، لأنهم

يحسبون الإيمان كلمة يقولونها، ولباسا يلبسونه أول النهار، ثم يخلعونه آخره. وما أكثر الأيمان التي تجرى على ألسنة المنافقين.. إنها هى الطلاء الذي يطلى به كذبهم، ويزيّف به نفاقهم، حتى يروج، عند من تغرّه ظواهر الأمور، ولا يستشف ما وراءها.. وقد ردّ الله عليهم بأنهم ليسوا من المؤمنين.. لأن المؤمنين لا يخافون أبدا، لما فى قلوبهم من إيمان بالله، وثقة بما عنده، واطمئنان لما يقضى به فيهم.. فإن أصابهم خير لم يطيروا به فرحا، وإن أصابهم بلاء لم يجزعوا له فرقا وخوفا.. الموت والحياة عندهم سواء، والغنى والفقر لديهم أشباه، والسّرّاء والضّراء عدلان.. كل من عند الله.. أما أهل الكفر والنفاق، والزيغ والضلال، فهم على خوف دائم، وهمّ مقيم.. وفى هذا يقول الله تعالى: «إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (19- 27: المعارج) فالفرق، وهو الخوف والجزع الذي يعيش فى كيان الكافرين والمنافقين، المكذبين بيوم الدين، هو داء عافى الله المؤمنين منه.. إذ كان إيمانهم بالله سكنا لقلوبهم، وأنسا لأنفسهم، وزادا طيبا يتزودون منه لكل نازلة تنزل بهم، وكلّ حدث يقع لهم.. فانظر كيف فرق الإيمان بين الناس، فى مدركاتهم ومشاعرهم وتصوراتهم، وإن جمعتهم لحمة القرابة والنسب.. فهؤلاء غير أولئك.. فمن كان على الإيمان لا يدخل قلبه همّ أو جزع، ومن كان على غير الإيمان فهو فى همّ وكرب وجزع..

وقوله سبحانه: «لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ» هو تصوير لحجم الفزع الذي يعيش فى كيان الكافرين والمنافقين.. إن هذه الدنيا على سعتها، هى أضيق من سمّ الخياط، فى أعين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.. إذ لا حياة لهم بعدها، ولا رجاء لهم فيما يرجوه المؤمنون بعد الموت.. ومن هنا كانت الدنيا على ما فى أيديهم منها من مال وبنين- هى سجن مطبق عليهم، يقضون فيه أيام حياتهم المعدودة.. كأن فجاج الأرض وهى فسيحة ... على الخائف المكروب كفّة حابل يؤتى إليه أن كل ثنية ... تيمّمها ترمى إليه بقاتل هكذا حال الذي لا يؤمن بالله، ولا باليوم الآخر.. هو دائما فى خوف متوقع يطلع عليه من كل جانب.. فلا يبيت على جناح أمن أبدا.. والملجأ: ما يلجأ إليه الإنسان، ويلوذ به، ليكون مأمنه مما يخاف.. والمغارات: جمع مغارة، وهى النقرة فى الجبل، تلجأ إليه الهوام والحشرات، فرارا من الخطر الذي يتربص بها فى ضوء النهار.. والمدّخل: النفق فى الأرض.. ويجمحون: أي يفرون ركضا مسرعين.. وهذه المخابئ التي يلجأ إليها هؤلاء الفارّون من وجه الحياة، هى كل ما يمكن أن يتصور الفرار إليه، فى عالم الإنسان، أو الحيوان، أو الهوامّ.. وفى هذا ما يدل على أن المنافقين يلتمسون أي مفرّ يفرّون إليه، ويدفنون وجودهم فيه.. بل وأكثر من هذا.. إنهم فى سبيل الاحتفاظ بالحياة، وفى طلب الفرار من الموت- لا يأنفون أن يكونوا على أية صورة من صور الأحياء، من

الآيات: (58 - 60) [سورة التوبة (9) : الآيات 58 إلى 60]

حشرات، وهو امّ، ودواب، ونحوها.. المهمّ عندهم هو أن يعيشوا، وليس من المهم عندهم فى شىء، الصورة التي يكون عليها العيش! الآيات: (58- 60) [سورة التوبة (9) : الآيات 58 الى 60] وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ (59) إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) التفسير: النفاق ضروب كثيرة، والمنافقون وجوه متعددة.. وعلى طريق النفاق أنماط مختلفة من المنافقين، كل له لون، بل ألوان، يعيش بها فى الناس، ويلقاهم باللون الذي يناسب الحال الداعية إليه.. فالمنافق هو أمة وحده، بكثرة ما يلبث من وجوه، وما يتخذ من صور وأشكال. ولهذا نجد القرآن الكريم، يقلّب هؤلاء المنافقين على وجوههم المختلفة، ويعرضهم فى ألوانهم وأزيائهم المتعددة.. فيقول جل شأنه فى أكثر من موضع.. «ومنهم» مشيرا بذلك إلى طائفة من طوائف المنافقين، وفاضحا لفعلة من فعلاتهم.. فهم أكوان وليسوا كونا واحدا، وهم أبعاض من هذا الجسد المتضخم من الفساد والعفن، الذي يضمهم، ويشتمل عليهم. وفى قوله تعالى: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ»

بيان لضرب من نفاق المنافقين، وكشف لوجه من وجوههم المنكرة.. فهذا واحد منهم يرى النبىّ صلى الله عليه وسلم يقسم غنائم «هوازن» بعد غزوة حنين، ويتألف بها من يتألف من الذين دخلوا فى الإسلام بألسنتهم، ولمّا يدخل الإيمان فى قلوبهم.. يرى ذلك فلا يستطيع أن يغالب نفاقه، ولا أن يمسك ما انطوت عليه نفسه من اتهام لرسول الله، فيقول- والرسول بين صحابته، وعلى رأس الجيش الظافر الغانم- يقول له: «يا رسول الله اعدل» ! .. وهل يتفق قوله: يا رسول الله، ثم قوله لرسول الله: اعدل؟ وهل يكون من رسول الله غير العدل؟ ولكنه جهل الجاهلين، وضلال الضالين! وقائل هذه القولة الفاجرة الآثمة- كما يقول الرواة- هو ذو الخويصرة، واسمه حرقوص بن زهير التميمي.. ولا يجد الرسول ما يقوله لهذا السفيه، إلا تلك الكلمة الوادعة المشرقة: «ومن يعدل إذا لم أعدل؟» .. فأى عدل يبقى فى هذه الدنيا إذا لم يكن إلى يد الرسول ميزان العدل كله؟ وإذا لم يعدل الرسول فمن يعدل بعده؟. ويهمّ بعض أصحاب رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- بتأديب هذا السفيه الأحمق الجهول.. فيقول لهم الرسول الكريم: «دعوه، فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم.. يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة» !. وليس ذو الخويصرة هذا- الذي يقال إنه صاحب هذه الكلمة المهلكة- ليس وحده هو الذي كان على هذا الضلال الذي أنطقه بما نطق به، وإنما كان

هناك غيره كثير من الذين يرون ما يرى، ولكنهم لم يظهروا ما بأنفسهم، وطووا صدورهم على ما فيها من زيغ وضلال.. وإنما نظم ذو الخويصرة وأمثاله فى سلك المنافقين، مع أنّه صرّح بما كان يضمر من كفر وضلال- على حين أن النفاق إنما يكون نفاقا إذا كان صاحبه على ظاهر هو خلاف الباطن- نقول إنه عدّ فى المنافقين هو وأمثاله، لأن النفاق فى الواقع هو كفر مضمر، وكون المنافق يفضحه نفاقه بين الحين والحين، فينكشف منه بعض ما أضمره، لا يرفع ذلك عنه صفة النفاق، فإنه إذا أظهر بعضا من كفره، فإن ما أخفى من هذا الكفر أكثر وأعظم.. وفى مثل هؤلاء المنافقين يقول الله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ» (118: آل عمران) .. فالمنافق منافق وكافر معا. واللمز: الغمز الخفيف، وذلك يكون بالإساءة باللسان، بالكلمة الجارحة، تجىء فى خبث ومورابة.. والمنافق لا يأتى البيوت من أبوابها، وإنما يدخل متلصصا.. وفى الذي صنعه النبي- صلوات الله وسلامه عليه- بغنائم هوازن ما خفى على كثير من المسلمين حكمته، فكان لذلك وسواس فى كثير من الصدور، وهمس على الشفاء، وتغامز بالعيون.. حتى لقد عرف ذلك فى الأنصار، الذين هم ما هم فى حساب الإسلام، وفى مجتمع المسلمين.. ولقد قال قائلهم حين أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطى للمؤلفة قلوبهم، كأبى سفيان، ومعاوية بن أبى سفيان، وعتيبة بن حصن الفزاري، وغيرهم- قال قائلهم: لقى والله رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه!!. ولم تكن هذه القولة من بعض الأنصار شكّا فى دين الله، ولا اتهاما

لرسول الله، ولكنها كانت إشفاقا من أن يكون ذلك تحولا بمركز الدعوة الإسلامية من المدينة إلى مكة، وعودة برسول الله إلى بلده الذي أخرج منه! حيث كان المؤلفة قلوبهم جميعا من مكة وما حولها.. هذا هو الشعور الذي كان مستوليا على الأنصار فى مجموعهم، وإن كان قد حمل عند بعضهم ممن نافقوا فى الإسلام، كعبد الله بن أبىّ بن سلول- على غير هذا المحمل، فكان اتهاما صريحا للرسول، بتعصبه لقومه، وميله إليهم، وإيثارهم على الأنصار، بعد أن دخلوا فى دين الله، وآمنوا برسول الله، وبعد أن دخل الناس فى دين الله أفواجا، ولم يعد الأنصار وحدهم هم حماة هذا الدين وأنصاره، كما يبدو ذلك فى ظاهر الحال. ولهذا، فقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار إليه، وجمعهم حوله، واستخلصهم من بين المسلمين جميعا.. ثم خطبهم- صلوات الله وسلامه عليه- قائلا: «يا معشر الأنصار! ما قالة بلغتني عنكم، وموجدة وجدتموها علىّ.. حتى لقد قلتم لقى رسول الله قومه! «أوجدتم يا معشر الأنصار فى لعاعة من الدنيا «1» تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام. «افلا ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير إلى رحالهم، وترجعون أنتم برسول الله إلى رحالكم..؟

_ (1) اللعاعة: الشيء القليل التافه.

«فو الذي نفسى بيده، لو أن النّاس سلكوا شعبا، وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار.. اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار» . فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا رضينا برسول الله قسما وحظا.!» وهكذا قرت عيون الأنصار، وامتلأت قلوبهم سكينة وأمنا، إذ عرفوا أن رسول الله لن يخلى مكانه من بينهم، ولن يحرمهم هذا الخير الذي ساقه الله إليهم، وأنهم هم أهل الرسول وأنصاره، وأن بلدهم هى بلده وموطنه! وحسبهم هذا.. ولساعة من رسول الله بينهم خير لهم من الدنيا وما فيها. وهكذا، كان بيان الرسول صلوات الله وسلامه عليه، شفاء لما فى الصدور، وجلاء للبصائر، فسكنت الوساوس، وقرّت العيون، ولهجت الألسن بالحمد لله رب العالمين.. وهذا البيان الذي كشف به الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- ما خفى على الناس أمره، هو مصداق لقوله تعالى: «وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ» .. فإن من رحمة الله بعباده المؤمنين إذا طاف بهم طائف من الريب- جاءهم بما يكشف الطريق لهم إليه، ويرفع عن بصائرهم ما تغشاها من شكوك وريب. قوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ» . هو بيان لما ينبغى أن يكون عليه المسلمون جميعا، إزاء كلّ ما يقول الرسول أو يعمل.. وهو الرضا المطلق، والتسليم المطلق، بكل ما يقضى به، فهو- صلوات الله وسلامه عليه- الأمين الذي ائتمنه الله على دين الله، والقيّم الذي أقامه الله على عباد الله، وأنه- صلى الله عليه وسلم- لا ينطق عن

الزكاة والتكافل الاجتماعى

الهوى، ولا يحكم إلا بما أراه الله.. فمن آمن بالله، فلن يكون مؤمنا حتى يؤمن مما يقضى به رسول الله! وفى ذكر الرسول الكريم مرّتين فى هذا الموضع، مع ذكر الله سبحانه وتعالى- ما يكشف عن مقام الرسول الكريم عند ربّه، ويؤكد منزلته الرفيعة عنده.. «ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.. وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ.. سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ.. فما أعظم هذا الفضل العظيم، وما أسمى هذا المقام الكريم.. لهذا النبي الذي يحفّه ربّه بهذا الفضل، ويرفعه إلى هذا المقام، الذي يشرف منه مع ربّه على الناس، ويعطيهم من فضل الله ما يرضيهم ويغنيهم. وما أشقى أولئك الذين يحادّون هذا الرسول، أو يخالفون عن أمره، أو يقع فى نفوسهم ريب فى قول يقوله أو فعل يفعله.. «وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ، سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ.. إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ» . وجواب لو هنا محذوف، لدلالة الحال والمقام عليه، وهو أنه لو فعلوا ذلك لكان لهم فى هذا، الخير كله، والفلاح كله. الزكاة والتكافل الاجتماعى قوله سبحانه: «إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» هو بيان مصاحب لما وقع فى نفوس المسلمين من قسمة غنائم هوازن،

والتي كان النبي- صلوات الله وسلامه عليه- قد تألف بها بعض النفوس التي كانت تعادى الإسلام، وتحقد على رسول الله أن كان هو المبعوث المتخيّر لدين الله..! وقد اشتمل- هذا البيان فيما اشتمل عليه ممن لهم نصيب فى الصدقات- المؤلفة قلوبهم، الذين كان منهم من تألفه رسول الله صلى الله عليه وسلم من غنائم هوازن.. وفى هذا ما يكشف عن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- كان فيما فعله فى غنائم هوازن، وفى اقتطاع قدر منها لمن أراد أن يتألف قلوبهم- كان منفذا لأمر الله، ولم يكن فيما قضى به فى ذلك منقادا لهوى أو مؤثرا لقرابة أو صداقة.. وحاشاه، صلوات الله وسلامه عليه. والآية الكريمة وإن كانت فى بيان مصارف «الصدقات» التي خصصها الفقهاء هنا «بالزكاة» حيث استبان لهم من قوله تعالى، «وَالْعامِلِينَ عَلَيْها» أن ذلك يشير إشارة صريحة إلى أن المراد بالصدقات هو الزكاة، التي لها وحدها من دون الصدقات، عاملون يعملون لتقديرها وأخذها ممن وجبت عليهم هذه الفريضة.. نقول: إن الآية الكريمة وإن كانت فى بيان مصارف الزكاة، فإن ذلك لا يمنع من أن تكون الصدقات كلها، سواء ما كان منها فريضة كالزكاة، أو تطوعا كالإنفاق فى سبيل الله، والإحسان إلى الفقراء والمساكين، وفى كل وجه من وجوه البر- لا يمنع ذلك من أن تكون جميعها محكومة بهذا البيان، موجهة فى هذه الوجوه التي أشارت إليها الآية الكريمة، ودلّت بها على وجوه المصارف التي يصرف إليها المحسنون إحسانهم، وما تجود به أنفسهم، وتقدمه أيديهم من برّ وصدقة.

فالفقراء.. هم أحق جماعة فى المجتمع الإنسانى، بالرّعاية والحماية، من آفة الفقر التي تفتك بهم، وتغتال المعاني الإنسانية فيهم.. ومحاربة هذه الآفة- فوق أنه واجب إنسانىّ تفرضه الأخوة الإنسانية، وتقتضيه لحمة النسب بين الإنسان والإنسان- هى حماية للأغنياء أنفسهم، وضمانة لأمنهم وسلامتهم هم، فى أموالهم وأنفسهم، من عادية الفقراء عليهم، والتذرع بكل وسيلة ممكنة، يجد فيها الفقراء منفذا ينفذون منه إلى ما عند الأغنياء، ليشبعوا جوعتهم، وليدفعوا عن أنفسهم خطر الموت جوعا.. فالسّرقة، والنهب، والاغتصاب، والقتل الفردى أو الجماعى.. كل هذا وكثير غيره مما يتولّد عنه- هو مما يراه الجياع المحرمون- إن كان للجائع المحروم أن يرى- حقّا مشروعا لهم، فى الدفاع عن النفس، واتقاء خطر الموت الذي يتهددهم.. إذ ليس عند الفقير المحروم المشرف على الموت جوعا- ما يحرص عليه، غير نفسه تلك، التي يكاد يفقدها، إن هو لم يعمل على إنقاذها، ولو كان ذلك ما يحمله على ركوب كل مهلكة.. فإنه هالك لا محالة، إن هو لم يعمل عملا فى وجه هذا الخطر الذي يتهدده.. وإنه لا بد له أن يعمل بدافع غريزة حبّ البقاء. ولن يكفّ عن العمل مادام فى صدره نفس يتردد.. إن الغريق الذي ابتلعه اليمّ لا يكفّ عن الضرب بكيانه كلّه فى وجه الماء، ضربات محمومة، مجنونة، يائسة، وكأنه بهذا ينتقم لنفسه من اليمّ الذي أوقعه فى شباكه! يقول الإمام الشافعي- رضى الله عنه-: «لا تشاور من ليس فى بيته دقيق، فإنه مولّه العقل» . أي شارد العقل، مضطرب التفكير. فالفقراء خطر يهدد المجتمع من أكثر من وجه.. يهددونه بالخروج على شرائعه السماوية والوضعية، وبالتحلل من كل

نظام يحكم الجماعة، ويدفع عدوان بعضها على بعض.. وذلك بمدّ أيديهم إلى ما ليس لهم.. وفى هذا إزعاج للمجتمع، وإثارة للفتن والاضطرابات فى كيانه.. ويهددونه بإشاعة البطالة، وسوء استغلال الموارد المتاحة له.. حيث لا يجد الفقير القدرة على العمل، وهو تحت وطأة الجوع والحرمان.. وإذا وجد القدرة فلن يجد بين يديه الوسائل التي تمكنه من العمل.. وفى هذا خسارة يعود ضررها على المجتمع كله، وبخاصة أغنياء المجتمع، الذين يفقدون اليد العاملة القوية التي تعمل لهم، كما يفقدون اليد القادرة على تبادل المنافع معهم.. ومن هنا كان من تدبير الإسلام لمحاربة الفقر، وحماية الفقراء من قسوة هذه الآفة المهلكة- أن فرض على المسلمين الزكاة، وجعلها ركنا من أركان الدين، لمن ملك نصابا معيّنا من المال، وكان من تدبير الإسلام أيضا أن بدأ بالفقراء، وجعل داءهم هو الداء الأول، الذي يتهدد المجتمع، بالضّياع، ويؤذنه بالهلاك.. إن لم تعمل الجماعة جاهدة على محاربة هذه الآفة، ورصد كل قواها للقضاء عليها، وشفاء المجتمع منها.. ثم كان من تدبير الإسلام أيضا فى هذه السبيل، أن دعا إلى البرّ والإحسان، وحض عليه، ووعد المنفقين بالجزاء الجزل، والثواب العظيم.. «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» . والتكافل بين المسلمين هو ملاك الشريعة الإسلامية.. إذ المسلمون فى حقيقتهم كيان واحد.. كل فرد منهم هو عضو فى الجسد الاجتماعى الكبير..

ولن تقوم سلامة هذا الجسد، إلا بسلامة جميع أعضائه.. (وَالْمَساكِينِ) هم الصنف الثاني من الأصناف الثمانية التي جعل الإسلام لكل صنف منها نصيبه فى الزكاة.. وقد اختلف المفسّرون فى التفرقة بين الفقير والمسكين، فقال بعضهم إنهم صنف واحد، والعطف الواقع بينهما هو من عطف البيان.. وقال آخرون: الفقير من يجد قوت يومه، والمسكين من لا يجده، وقال غيرهم عكس هذا.. وقال الأكثرون: الفقير الذي مع فقره لا يسأل، والمسكين هو من يسأل.. إلى كثير من الآراء التي لم تفرق تفرقة واضحة محددة، بين الفقير والمسكين. والرأى الذي نراه ونستريح إليه، هو أن المساكين، هم صنف قائم بذاته، معروف بصفة مميزة له عن الفقراء.. وهم- أي المساكين- الفقراء من أهل الذّمة الذين فرضت عليهم الجزية.. فهم- والحال كذلك- أشبه بالأرقاء، المكاتبين، الذين فرض لهم فى الزكاة نصيب.. حيث يقول تعالى: «وَفِي الرِّقابِ» . وفى يقيننا أنه ليس فى المسلمين مسكين، وإن كان فيهم الفقير.. لأن المسكين: من المسكنة والذلة والضراعة، ولا يلبس المسلم- مع الإسلام- ثوب المسكنة والذلة والضراعة أبدا، وإن عضّه الفقر، وأضرّ به الضرّ. وقد ذكر الله تعالى فقراء المسلمين، فقال سبحانه: «لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً»

كما ذكر القرآن الكريم المسكين فى معرض الذلّة والمهانة: «وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً» فهذه الأصناف الثلاثة يحتويها الضعف وتشتمل عليها الذلّة. ويقول سبحانه وتعالى: «وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ» .. فقد جمعت الآية بين العبد الرقيق، واليتيم الفقير، والمسكين المترب. وفقير المسلمين- كما قلنا- لا يكون أبدا على هذا المستوي الإنسانى من الاستكانة، والذلة، والضعف.. بل هو من إيمانه بالله فى عزّة، وقوّة وإن صفرت يداه من الأصفرين «1» ! والذّميون- وهم الذين فى يد المسلمين وذمتهم- من أهل الكتاب، فيهم- كما فى كل جماعة- من هم فى حاجة إلى الصّدقة التي تسدّ مفاقرهم، وتدفع غائلة الحاجة عنهم.. والله سبحانه وتعالى يقول: «لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» .. فإذا جعل الإسلام نصيبا مفروضا فى الزكاة لفقراء أهل الكتاب، فذلك من البر الذي دعانا الله إليه نحوهم.. ثم هو من جهة أخرى حماية للمجتمع الإسلامى الذي يعيشون فيه، من آثار هذا الداء- داء الحاجة والعوز- الذي إن سرى فى جماعة أفسدها، وأشاع الفوضى والقلق والوهن فى كيانها. «وَالْعامِلِينَ عَلَيْها» وهم الذين يوكل إليهم تحصيل الزكاة من أهل الزكاة.. فهم- والحال كذلك- مشتغلون يجمعها، عاملون فى تحصيلها، ومن تمّ وجب أن ينالوا نصيبا منها، يكفل لهم الحياة المناسبة لهم.. حياة تأخذ مكانا وسطا

_ (1) الأصفران: الذهب والفضة. [.....]

بين الفقراء والأغنياء.. إنهم عاملون، ولا بدّ لكل عامل من أجر فى مقابل ما يعمل.. «وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ» وهم الذين دخلوا فى الإسلام من زعماء العرب، ولم تخلص نياتهم له، ولم تطب نفوسهم به، إذ نزع الإسلام عنهم ما كان لهم من سلطان فى قومهم، وسوّى بينهم وبين عامة الناس.. فهم- والحال كذلك- فى حاجة إلى علاج نفسىّ يزيل ما بينهم وبين الدين الجديد من جفوة.. وفيما كان من تدبير الإسلام فى تألفهم إليه بالمال الذي يخصّهم به دون الناس- فى هذا ما يرضى نوازع السلطان والرياسة عندهم، وذلك من شأنه أن يقيم نظرهم على الدين الجديد، وأن يتيح لهم الفرصة لمراجعة حسابهم معه، فإذا كان ذلك استبانت لهم حقيقة الإسلام، وعرفوا أي دعوة يدعوهم النبىّ إليها، وأي خير يقدمه إليهم فى ثنايا الدعوة، التي تحمل إليهم سعادة الدنيا والآخرة جميعا.. فهذا المال الذي يتألّف به الإسلام تلك الجماعة التي أعماها حبّها للجاه والسلطان عن أن تنظر فى الدعوة الإسلامية، وأن تستمع إلى كلمة الحق التي يؤذّن بها الرسول الكريم فى الناس- هذا المال ليس رشوة يقدّمها الإسلام لتلك الجماعة المتأبية عليه، المزورّة عنه، حتى تسكت عنه، ولا تقف فى سبيله- وإنما الذي قصد إليه الإسلام من هذا، هو أن يروض جماح هذه الجماعة، ويهدىء من ثائرتها، ويطفىء من نار حنقها، وضغنها على الإسلام، حتى تستطيع أن تنظر إليه، وتعرض دعوته على العقل، بعيدا عن دخان الحقد، وضبابه.. وبهذا يكون حكم هذه الجماعة على الدين الذي يدعون إليه، حكما صحيحا، قائما على النظر، والتعقل، والتدبر.. والإسلام لا يريد من الذين يدعوهم إليه أكثر من هذا.. إنهم يريدهم

على أن ينظروا إليه، ويتعقلوه، ويتدبروا آياته.. «فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ» (137: البقرة) .. ذلك أنه ليس من الخير للإنسان فى نفسه أن يدين بدين لا يعرضه على عقله، وينظر فيه بنفسه، ويجد فيه داعيا مسمعا يدعوه إليه، وعاطفة قوية تعطفه عليه.. فإنّ دينا يدخل على الإنسان من غير هذا الطريق- طريق النظر والاقتناع-، لا يكون له سلطان مؤثّر فى سلوك الإنسان، وفى انتفاعه بما يحمل هذا الدين من عقيدة أو شريعة.. هذا، ويرى كثير من الفقهاء أن نظرة الإسلام إلى هذا الصنف من ضعاف الإيمان الذين تألفهم الإسلام بالعطاء- إنما كان ذلك فى أول الإسلام، حيث حاجة المسلمين إلى من يكثّر جمعهم، ويسند ظهرهم من الرجال.. ولكن لمّا قويت شوكة الإسلام، وكثرت أعداد المسلمين لم يكن ثمة داع يدعو إلى عملية التأليف هذه، فقد تبيّن الرشد من الغى.. فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، وإن الله لغنىّ عن العالمين.. وعلى هذا، فقد أسقط القائلون بهذا الرأى فريضة المؤلّفة قلوبهم، من الزكاة، بعد أن قوى الإسلام، كما أسقطوا فريضة من فى الرقاب، وهم الأرقاء المكاتبون، بعد أن انتهى الرقّ. والذي نراه، أن تأليف القلوب، وشدها إلى الإسلام، والعمل على تعاطفها معه، أمر لازم للدعوة الإسلامية فى حال ضعف المسلمين وقوتهم على السواء. فتأليف القلوب على الإسلام، وقتل ضغنها عليه، وشنآنها له- هو تدبير حكيم، وسياسة رشيدة، لا تستغنى عنها دعوة جاءت لهداية الناس، وخيرهم، وإسعادهم..

فهذا التدبير الحكيم من شأنه «أولا» أن يشفى هؤلاء المرضى- مرضى القلوب- من دائهم الذي عزلهم عن الإسلام، وحجزهم عن الانتفاع به، والاهتداء بهديه.. وهو «ثانيا» إذ يجلب للمسلمين قوّة جديدة بإضافة هؤلاء المؤلفة قلوبهم إليه، يدفع عن الإسلام والمسلمين شرّا كان يتربص به، وعداوة كانت تتحين الفرص للنيل منهم. وإذن، فتأليف القلوب على الإسلام، وسلّ السخائم والأضغان عليه منها، أمر ينبغى أن يكون من سياسة الإسلام دائما، ومن عمل المسلمين، فى كل حال ممكنة لهم، سواء أكان ذلك بالمال أم بغيره مما يتألف الناس، ويسلك بهم مسالك الخير، ويقيمهم على طريق الهدى.. وإن دعوة الإسلام فى صميمها لتقوم على هذا الأساس المتين.. وقوله تعالى لنبيه الكريم: «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» هو المفتاح الذي وضعته السماء فى يد النبىّ ليفتح به مغالق القلوب، وليتألفها به، ويستولى على مواطن الاطمئنان منها. وبهذا المفتاح نفسه يستطيع دعاة المسلمين أن ينفذوا بدعوة الإسلام إلى الصميم من القلوب، وإنه لا بأس من أن يرفدوا ذلك بما يرون من بر وإحسان لمن يدخلون فى الإسلام، ليطعموا من ثمر الأخوة الإسلامية، وليفيئوا منها إلى ظل ظليل. «وَفِي الرِّقابِ» . وهم الأرقاء الّذين كاتبهم مالكو رقابهم على قدر من المال، فى مقابل تخليصهم من الرّق. فهؤلاء الأرقاء أعضاء ضعيفة، فى جسم المجتمع.. وإنه لكى لا يشيع

الضعف فى هذا الجسم، ولكى يكون على أحسن ما يمكن من الصحة والسلامة، يجب أن يعمل على تخليصه من دواعى الضعف التي ألمت به، لا باستئصال هذه الأعضاء الضعيفة، كما تدعو إلى ذلك بعض المذاهب المادية، ولكن بالطبّ لها من دائها، وتصحيح آدميتها، ونظمها فى سلك الآدميين. وسنعرض بعد شرح هذه الآية لموقف الإسلام من الرق، وسياسته فى تخليص الأرقاء.. إن شاء الله.. «وَالْغارِمِينَ» وهم المدينون، الذي رهقهم الدين، ولم تكن لهم موارد يؤدون منها الدين.. فهذه الجماعة التي ركبها الدين، هى فى معرض الضّياع، أو الانحلال، أو الفساد، إن لم تجديدا رحيمة تمسك بها، وترفع عن كاهلها هذا العبء الثقيل.. الذي هو همّ بالليل ومذلة بالنّهار. وفى تسمية المدينين بالغارمين، إشارة إلى أن الدّين أيّا كان هو غرم واقع على صاحبه.. لأنه يحمّل المدين عبثا إلى العبء الذي كان يحمله، من ضيق ذات اليد قبل أن يستدين، فهو حين استدان، قد وضع فى يده غلّا جديدا، وأضاف على كاهله حملا فوق حمل. وأن هذا اليسر الذي وجده بعد أن استدان لم يكن إلا أمرا عارضا لا يلبث أن يزول، ويعود الحال به إلى ما كان عليه، بل وأسوأ مما كان عليه. فالدّين غرم.. هكذا يجب أن تكون نظرة المدين إليه، فلا يقدم عليه إلا عند الاضطرار، وإن أقدم عليه فلا يستدين إلا بقدر ما يدفع الحاجة الملحّة التي تبرّر له مدّ يده للاستدانة! ومن جهة أخرى.. فإن الإسلام إذ وصف الدين بتلك الصفة، وجعله غرما على المدين لا غنما له- فإنه من جهة أخرى حبّب إلى أصحاب الغنى واليسار أن يقرضوا المعسرين من إخوانهم، حتى يحموهم من التعامل بالرّبا.. كما دعا

المدينين إلى قضاء دينهم عند أول فرصة تمكنهم من قضائه.. وفى هذا يقول الرسول الكريم: «مطل الغنىّ ظلم» .. وقد عرضنا لذلك عند تفسير آية الدّين فى سورة البقرة «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ.. الآية» . وفى نظرة الإسلام إلى «الْغارِمِينَ» وفرض نصيب لهم فى الصّدقات، سياسة حكيمة، وتدبير محكم، يريد به الإسلام أن يصحح أوضاع المجتمع الإسلامى، ويقضى على العلل التي تنجم فيه، قبل أن تعظم وتستشرى.. فالمدين الغارم- وهو أشبه بالمفلس- إذا ترك وشأنه، وتلك حاله- لم يستطع الوفاء بقضاء دينه.. وينشأ عن هذا أمور: منها ضياع مال الدائن، الذي خفّ متطوّعا لإنقاذ المدين، والأخذ بيده فى ساعة العسرة.. والدائن إنما عمل خيرا، ومن حقّه أن ينتظر خيرا لما فعل.. فإذا جاءت عاقبة أمره مع المدين على تلك الصورة، ضاقت نفسه بفعل الخير بعد هذا، وكره أن يدخل فى تجربة جديدة كتلك التجربة.. والإسلام حريص على إشاعة المعروف بين النّاس، وتبادل الإحسان بين أفرادهم وجماعاتهم.. وموقف كهذا الموقف يقبض بد الناس عن الإحسان، ويزهدهم فيه. ومنها: أن المدين نفسه، إذا ما وصلت به الحال إلى اليأس من قضاء دينه، صغرت نفسه بين الناس، وخفّ ميزانه فيهم.. ثم لا يلبث حتى ينعكس ذلك على نظرته هو إلى نفسه.. ثم يصبح وإذا هو إنسان ساقط المروءة، متعثر الخطا، مضطرب الحياة، ضائع الوجود.

وإذ فرض الإسلام نصيبا من الزكاة، أو بمعنى آخر من بيت المال، ورصده لقضاء دين المدينين المفلسين، فإنّه حمى بذلك الدائن والمدين جميعا.. وأبقى على مشاعر البرّ والإحسان بين النّاس، وقطع دواعى الشحناء والعداوة بينهم. هذا، وقد رأى بعض الفقهاء أن يقيّد الدّين هنا بحيث لا يكون قد استدين للإنفاق منه فى حرام، أو فى سرف وتبذير.. ولا نرى حكمة لهذا القيد الذي يرد على الآية فى إطلاقها، فيضيق دائرة نفعها، ويحجز خيرها المطلق، ورحمتها الواسعة عن أن تنال كل غارم مشرف على الهلاك والضياع.. إن الحكم القرآنى- هنا- يواجه حالا واقعة، ويداوى علّة قائمة، ويستنفذ غريقا مشرفا على الغرق.. وإذ كان الأمر على تلك الصفة، فإنه ليس من الحكمة، ولا من المنطق أن يقلّب الإسلام صفحات هذا الإنسان، ويستعرض تاريخه.. ثم ليحكم أهو أهل لأن يمدّ إليه يده فينقذه، أم يدعه حيث هو ليلقى مصيره المحتوم.. وكلا.. فإن المطلوب، أولا، هو إنقاذ هذا الإنسان، دون نظر إلى أي اعتبار آخر.. فإذا أنقذ، كان من الممكن أن ينصح له، وكان من المرجوّ له أيضا أن ينتصح، وأن يتقبل هذا الإحسان الذي يجىء إليه فى صورة هداية وتبصرة له، بعد أن تلقّى هذا الإحسان الذي أمسك عليه حياته، وأنقذه من وطأة الدين الذي أنقض ظهره! وأكثر من هذا، فإن الإسلام، تكفّل- من بيت المال- بقضاء دين المدينين، ممن يتوفّون، وليس فى تركتهم ما يقضى دينهم..

يقول الرسول الكريم: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم.. من مات وعليه دين فأنا وليّه.. ومن مات وله مال فماله لورثته!» هذا شىء رائع معجز.. لا يمكن أن يقع فى حساب تشريع وضعىّ، مهما بلغ من المثاليّة والإحكام.. وإنما هو ممّا تجىء به السّماء من رحماتها وبركاتها. وإنه بحسب الإسلام أن يقدّم للإنسانية هذه اللفتة الرائعة من لفتاته فى بناء المجتمع، وحياطة بنيانه من دواعى التصدّع والتشقق.. فتلك نظرة من نظراته النافذة إلى الصميم من حياة المجتمع، لا تستطيع الشرائع الوضعية فى أعمق نظراتها أن تحوم حولها. «وفى سبيل الله» . المراد بسبيل الله هنا، ما ينفق من مال الصدقات فى تجهيز المجاهدين فى سبيل الله، وفى إمدادهم بالعتاد والسلاح والمؤن وغيرها، مما يعين المجاهدين على الجهاد، لتأمين المجتمع، وحمايته من عدوان المعتدين.. «وابن السبيل» .. وهو المسافر، المنقطع عن أهله.. ولا زاد معه.. والمسافر الذي على تلك الصفة، هو إنسان فى معرض الضياع والهلاك، إن لم يجد اليد الرحيمة التي تمتد إليه بالبر والإحسان، فتدفع عنه عادية الجوع التي تهجم عليه، وتريد اغتياله.. وفى جعل بيت المال هو الذي يقوم بهذا الأمر، ويتولّى رعاية أبناء السبيل- فى هذا ضمان موثّق لحماية هذه الطائفة، إذ كان بيت المال بموارده الكثيرة، أقدر على كفالة هذه الجماعة، وتوفير أسباب الحماية لها.. ثم هو- من جهة أخرى- صيانة لكرامة الإنسان، من أن يمدّ يده إلى غيره من الناس، أو أن يستشعر

أنه عالة على أحد.. الأمر الذي عافاه الله منه، إذ جعل إلى «بيت المال» كفالة هذا الإنسان، والبرّ به، والإحسان إليه.. ومن جهة أخرى.. فإن الإسلام قد نظر نظرة أوسع من هذا، فلم يجعل إلى بيت المال وحده، القيام بهذا الواجب حيال أبناء السبيل.. فقد يكون ابن السبيل فى مكان لا تصل إليه يد «بيت المال» .. وقد يكون «بيت المال» ولا مال فيه يتّسع للوفاء بحاجة المحتاجين من أبناء السبيل. ومن أجل هذا، فقد فرض الإسلام على المسلمين جميعا، القيام بهذا الواجب إذا عرض لهم، وطلع عليهم ابن سبيل أو أبناء سبيل! روى البخاري ومسلم، عن عقبة بن عامر قال: قلنا يا رسول الله، تبعثنا «1» فننزل بقوم فلا قروننا «2» ، فما ترى فى ذلك؟ فقال- صلى الله عليه وسلم: «إذا نزلتم بقوم فأمروا لكم ما ينبغى للضيف فاقبلوا منهم، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغى لهم «3» » . وعنه صلى الله عليه وسلم قال: «أيّما مسلم ضاف قوما فأصبح الضيف محروما، فإن حقّا على كل مسلم نصره، حتى يأخذ بقرى ليلته.. من زرعه أو ماله.» وعن أبى كريمة، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليلة الضيف واجبة على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه محروما كان دينا عليه، فإن شاء اقتضاه «4» ، وإن شاء تركه!» . فإلى هذا الحدّ تبلغ عناية الشريعة الإسلامية ورعايتها للفقراء، والضعفاء،

_ (1) أي فى سبيل الله. (2) أي فلا يقدمون لنا ما يقدم للضيف. (3) أي الذي ينبغى للضيوف. (4) اقتضاه: أي أخذه الضيف منه.

فى المجتمع الإسلامى، حتى لتجعل فرضا على كل مسلم نزل به ابن سبيل، أن يجعله ضيفا عليه، وأن يقدّم إليه من البشاشة والرعاية والإكرام ما يقدّم للضيف العزيز، دون منّ أو أذى، ودون ضيق أو تكره.. وفى تسمية ابن السبيل ضيفا، رعاية لهذا الواجب الذي ينبغى للمضيف أن يؤديه له، وصيانة لابن السبيل من أن ينظر إليه، أو ينظر هو إلى نفسه نظرة المتطفل.. وكلا إنه صاحب حق، وهو إذ ينزل بأحد المسلمين، فإنما ليستقضى حقّه عنده! فأين فى دنيا الناس، هذا المجتمع الذي ينزل فيه الفقير والمسكين منزلة الضيف العزيز المكرم؟ إن ذلك لن يكون إلا فى المجتمع الإسلامى، الذي يحفظ شريعة الإسلام، ويقيم سلوكه عليها!! «فريضة من الله» . أي هذا التشريع الذي شرعه الله فى أموال الأغنياء، ثم ردّ هذه الأموال على تلك الجهات، التي بينها الله سبحانه وتعالى فى الآية الكريمة- هذا التشريع، هو فرض محكم فرضه الله على المسلمين، وأوجب عليهم أداءه، على هذا الوجه الذي شرعه. «وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» . أي أن هذا التشريع الذي شرعه الله سبحانه وتعالى، هو مما قضى به علمه وحكمته.. علمه الذي يحيط بكل شىء، وينفذ إلى كل شىء، ويستولى على كل شىء.. وحكمته المقدّرة لكل أمر، المحكمة لكل تدبير.. فليس بعد قضاء الله قضاء، ولا بعد تدبيره تدبير، ولا وراء حكمه حكم.. من أخذ به اهتدى وأمن، وسعد، ومن عدل عنه، ضلّ وخاب وشقى!

الآيات: (61 - 63) [سورة التوبة (9) : الآيات 61 إلى 63]

الآيات: (61- 63) [سورة التوبة (9) : الآيات 61 الى 63] وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (61) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ (62) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63) التفسير: وهذا صنف آخر من أصناف المنافقين، ووجه من وجوههم المنكرة.. صنف يتخذ من الاستهزاء بالنبيّ والسخرية منه، مادّة يطعم منها فى شراهة ونهم، ليشبع بذلك جوعا مسعورا من الحقد على الإسلام، والشنآن له، وللرسول الذي حمل رسالته. وقد ضبط القرآن الكريم هذه الجماعة الآثمة، وهى قائمة على هذا الإثم، تلوكه فى أفواهها المنكرة، كما تلوك الكلاب قطعا من العظم الرميم.. فكان ذلك فضحا لهم على الملأ، وخزيا متنقلا معهم فى كل مكان، ينادى عليهم بالذلة والمهانة والصغار! يقولون- خرست ألسنتهم- عن النبي الكريم: هو «أذن» أي يعطى أذنه لكل قائل يلقى فيها ما يقول له! فكلمات النفاق الكاذبة التي يلقونها بين يدى النبىّ، ويحلفون عليها كذبا وزورا- هذه الكلمات يخيّل إليهم أن النبىّ الكريم- إذ يقبلها منهم، أو يسكت عليها فلا يبهتهم بها- أنه يحمل كلماتهم الكاذبة المنافقة تلك، محمل الصدق، ولهذا فهم يقولون فى النبىّ هذا القول المنكر: «هو أذن» فحين آذن النبىّ الكريم المسلمين بغزوة تبوك، وندبهم جميعا إلى الجهاد

فى سبيل الله- جاء إليه- صلوات الله وسلامه عليه- كثير من المنافقين يعتذرون إليه بأعذار كاذبة، وقد قبلها النبىّ منهم، وتركهم وما اختاروا لأنفسهم، من القعود عن الجهاد، وإيثار العافية والسلامة لأنفسهم، على ما عند الله للمجاهدين، من رضى ورضوان. وماذا يكون من النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- حيال هؤلاء المعتذرين عن الجهاد، غير الذي فعله معهم؟ إذ تركهم لشأنهم، وأعفاهم من مئونة الجهاد مع المجاهدين؟. وماذا كان غناء أمثال هؤلاء المتكرهين للجهاد، إذا هم حملوا عليه حملا، وأخذوا به قسرا؟ أمثل هؤلاء يكون للمسلمين منهم قوة ينتفع بها فى هذا المجال؟. إن الجهاد فى سبيل الله قرية من أعظم القربات إلى الله.. والقربات إنما لكى تقع موقعها من القبول عند الله سبحانه وتعالى- ينبغى أن تكون عن تطوع واختيار، وعن استعداد للتضحية والفداء، بل وعن اشتهاء للتضحية والفداء! إن هؤلاء المتكرهين للحرب، المؤثرين للسلامة والعافية فى أنفسهم، على الجهاد فى سبيل الله، والاستشهاد فى سبيل الله- هؤلاء هم أشدّ على المجاهدين بلاء من العدو الذي يلقونه فى ميدان القتال.. إن هؤلاء المنافقين هم صوت الهزيمة الذي يندسّ بين المجاهدين، وإنّهم لهم السلاح الخفىّ للعدوّ يضرب به فى جبهة المجاهدين.. ولهذا، فقد كان ما فعله النبىّ، من عزل هذه الجماعة المثبطة، عن الجيش المجاهد- كان ذلك هو الحكمة فى صميمها، ولهذا جاء قوله تعالى: «لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ» - جاء مؤيدا لما رآه الرسول فى هؤلاء المعتذرين، حيث

قبل منهم ما اعتذروا به، ولم يراجعهم فيه، ولم يدخل معهم فى جدل لا جدوى معه. ولا ينقض هذا التأييد السماوي لرأى النبىّ فى هؤلاء المعتذرين، ما جاء من عتاب للنبىّ من الله سبحانه وتعالى فى قوله جلّ شأنه: «عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ» . فهذا العتاب، هو- فى الواقع- مدح للنبىّ، ورضى كريم عنه، على حين أنه فضيحة لهؤلاء المعتذرين، وكشف لنفاقهم.. وقد ردّ الله سبحانه وتعالى على هؤلاء المنافقين بما يكبتهم، ويملأ قلوبهم حسرة وكمدا.. فقال جلّ شأنه: «قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ» . ففى قوله تعالى: «قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ» أمور: منها: أن النبىّ صلوات الله وسلامه عليه، هو المأمور بتبليغ هذا الرد السماوي، بقوله تعالى: «قل» .. وفى هذا تكريم للنبىّ، بوضع هذا السلاح السماوىّ فى يده، ليضرب به فى وجه هؤلاء الذين آذوه بهذا المنكر من القول الذي قالوه عنه.. ومنها: الإشارة إلى النبىّ الكريم بضمير الغيبة «هو» وظاهر النظم يقضى بأن يكون النبىّ هو المتحدّث عن نفسه.. هكذا: قل إننى أذن خير لكم» - وفى هذا إشارة إلى أن الذي يتولى الدفاع عن النبىّ، هو الله سبحانه وتعالى، وأنه إذا كان النبىّ فى غير محضر من هؤلاء الذين يقولون فيه هذا القول المنكر، فإن الله سبحانه وتعالى، هو وليّه، وهو الذي يدافع عنه، ويفضح المتآمرين عليه..

ومنها: ما تضمن هذا الردّ من أن النبىّ هو أذن خير لهؤلاء المنافقين: «قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ» .. فكيف هذا، وهم فى معرض العقاب والتقريع؟. والجواب على هذا- والله أعلم- أنه عليه الصلاة والسلام مبعوث بالهدى والرحمة، وأنّ أذنه التي يعيبها أولئك المنافقون بتصديق ما يلقى إليها من أخبار، هى أذن خير، ووعاء رحمة، تتلقى ما ينزل إليها من كلمات الله وآياته، فتنقله إلى الناس، وتؤدّيه لهم كما سمعته.. فأذن الرسول، هى وعاء خير خالص للناس جميعا، مؤمنهم وكافرهم، برّهم وفاجرهم، ذلك أن الرسول يؤذّن بكلمات ربّه التي سمعها من الرّوح الأمين- يؤذّن بها فى الناس جميعا.. فمن سمع وعقل ووعى، فقد أخذ لنفسه بحظها من هذه الخير العام وتلك الرحمة الشاملة، ومن أصمّ أذنيه، وأعرض عن آيات ربّه، فقد حرم نفسه الخير كلّه، وأوردها الضلال والهلاك.. فلو أن هؤلاء المنافقين استمعوا لكلمات الله، ولم يمكروا بها، لكان لهم من ذلك الخير كلّ الخير.. ولكنهم نافقوا، ومكروا، فمكر الله بهم، وحرمهم أن ينالوا من تلك النعمة شيئا.. وقوله سبحانه: «يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ» بيان لقوله تعالى: «أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ» يكشف عن صفات هذا الرسول الكريم، الذي يقول فيه المنافقون هذا القول المنكر.. أي أنه عليه الصلاة والسلام، أذن خير للناس جميعا.. يسمع كلمات الله فيصدّقها ويؤمن بها، ويسمع ما يحدّثه به المؤمنون فيصدّقهم، لأن من شأن المؤمن ألّا يكذب.. ثم هو عليه الصلاة والسلام، رحمة للمؤمنين، الذي صدّقوا الرسول وآمنوا بما جاءهم به من عند الله سبحانه وتعالى..

وفى هذا تعريض بالمنافقين، بأنهم آذان سوء.. لا تستمع آذانهم خيرا، وإن سمعته مجّته، وتغيّرت معالمه فيها.. فلا تعرف للحق وجها، ولا تنال من الخير المحمول إليها فيه شيئا.. قوله سبحانه: «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» هو تهديد ووعيد لأولئك المنافقين، الذين يؤذون رسول الله بتلك الكلمات المنكرة، التي يصفون بها الرسول هذا الوصف الشنيع، ويتطالون بها على مقامه الكريم، فى غير حياء من دين أو خلق. فهؤلاء قد أعدّ الله لهم عذابا أليما، انتقاما منهم لرسول الله، وجزاء وفاقا لهذا العدوان الآثم على مقامه الكريم.. قوله تعالى: «يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ» هو تسفيه لموقف هؤلاء المنافقين الذي يتخذونه من المؤمنين، حين يجيئون إليهم معتذرين، عما شاع عنهم من قولهم المنكر فى رسول الله.. فهم يدفعون عن أنفسهم هذا الاتهام الذي يتهمهم به المؤمنون، بالحلف كذبا أنّهم ما قالوا شيئا يمسّ رسول الله.. وهم فى هذا كاذبون منافقون.. لأنهم لو كانوا مؤمنين حقّا لكان أول ما يعنيهم من أمرهم، هو براءة ساحتهم عند الله، وذلك بإخلاص إيمانهم، وسلامة قلوبهم، وإخلاء ضمائرهم من النفاق الذي يموج فيها.. فلو أنهم فعلوا هذا لكانوا مؤمنين حقّا، ولرضى الله عنهم ورسوله، ولما كان بهم من حاجة إلى استرضاء المؤمنين والحلف لهم، لأن المرء إذا لم يكن متّهما عند نفسه، لا يجد داعية إلى دفع اتهام هو منه برىء، كما لا يجد داعية إلى الحلف، إن هو أراد دفع هذا الاتهام.. وفى مخالفة النظم فى قوله تعالى: «وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ»

لما يقتضيه السياق، وهو أن يعود الضمير على الله والرسول هكذا: «يرضوهما» - فى هذه المخالفة ما يشعر بأن فى رضى الله رضى الرسول، وأن فى رضى الرسول رضى الله سبحانه وتعالى.. إذ ليس فيما يرضى الله ما لا يرضى الرسول، ولا فيما يرضى الرسول ما لا يرضى الله.. ولو جاء النظم على ما يقتضيه ظاهر السياق، فجاء هكذا: «والله ورسوله أحقّ أن يرضوهما..» - لكان من معنى هذا، أن لله سبحانه وتعالى ما يرضيه من عباده، وأن للرسول- صلوات الله وسلامه عليه- ما يرضيه منهم، وأن هذا الذي يرضى الله، وذلك الذي يرضى الرسول، قد يتفقان، وقد يختلفان.. أما الذي جاء عليه النظم القرآنى، فإنه لا يدع مجالا لهذا الاحتمال، بل يجعل التوافق تأمّا مطلقا، بين ما يرضى الله، ويرضى رسول الله.. وفى هذا- فوق أنه تكريم للرسول، وتنويه بقدره، وتشريف للرسالة الكريمة التي يحملها- هو إعجاز من القرآن، فى إحكام نظمه، وصدق أدائه، ووزن كلماته وحروفه، بمعيار لا تستطيع قوة بشريّة أن تمسك به، لدقّته، وعلوّه عن مستوى الحواس والمدركات. ومن جهة أخرى، فإنه لو عاد الضمير على الله والرسول معا، لكان فيه إخلال بمقام الألوهية، وتسوية الخالق بمخلوق من مخلوقاته، والله سبحانه وتعالى منزّه عن أن يشاركه فى جلاله بشر، ولو كان أكرم الخلق عليه!. فاقتضى هذا المقام أن يجىء الضمير مفردا، يعود إلى الله سبحانه، وكفى الرسول الكريم شرفا أن يجىء تابعا لله سبحانه فيما يرضيه.. وعلى هذا جاء قوله تعالى: «وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ» ولم يجىء النظم هكذا: «أن الله ورسوله بريئان من المشركين..» فهذا وذاك على سواء.

الآيات: (64 - 70) [سورة التوبة (9) : الآيات 64 إلى 70]

قوله تعالى: «أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ» هو تهديد بعد تهديد، ووعيد بعد وعيد، لهؤلاء المنافقين الذين يحادّون الله ورسوله، ويعلنون هذه الحرب السفيهة بألسنتهم على الله ورسوله، بما يذيعون من كلمات السوء فى رسول الله.. وليس لمن يحارب الله ورسوله، إلّا أن يصلى عذاب الله، ويأخذ مكانه فى جهنّم خالدا فيها.. وذلك هو الخزي العظيم للمنافقين، حين يساقون إلى جهنّم، ويدعّون فيها دعّا، على حين تفتّح أبواب الجنات للمؤمنين، الذين أسلموا وجوههم لله، وأخلصوا دينهم له، فلم تحمل قلوبهم نفاقا، ولم تجر على ألسنتهم كلمة منافقة. الآيات: (64- 70) [سورة التوبة (9) : الآيات 64 الى 70] يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (66) الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (68) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (69) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70)

التفسير: قوله تعالى: «يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ» . هو نذير للمنافقين بفضح نفاقهم على الملأ، وكشف ما بيّتوا من نفاق.. بل إن الأمر لأكثر من هذا، فقد فضح الله كثيرا من المنافقين، ونزلت آيات الله تحدّث بما كان يسرّ به بعضهم إلى بعض، بل، وبما كان لا يزال مضمرا من السوء فى صدورهم، لم يطلع عليه أحد، بعد! ومن هنا كان بلاء المنافقين، وكان الخوف الذي يطلّ عليهم من حيث لا يحتسبون.. فالله سبحانه وتعالى مطلع على ما يدور بينهم، عالم بما يجرى فى خواطرهم.. ومحال أن يفلتوا من الفضيحة.. وأمر واحد هو الذي يضمن لصاحبه الأمن والسلامة، من هذا البلاء المبين، وهو أن يتخلّص من النفاق جملة، وأن يخلّص إيمانه من كل شائبة نفاق، وعندها يجد الإنسان أن سرّه وعلانيته على سواء، وأنه لا يسوؤه بحال أبدا أن ينكشف للناس باطنه، كما انكشف لهم ظاهره! وفى قوله سبحانه: «قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ» - تهديد

ووعيد لمن أمسكوا قلوبهم على نفاق، وعقدوا نياتهم عليه.. فالله- سبحانه- مخرج ما أمسكته قلوبهم، وما انطوت عليه نياتهم! وليس من الممكن أن يتصور أحد ما الذي كان يعيش فيه المنافقون يومئذ، من كرب وفزع، وهم يرون كل يوم صرعاهم، وقد رمتهم كلمات الله بسهام نافذة لم تخطىء صميم الداء منهم! ولقد كان ما صنعه الله بالمنافقين فى عهد الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- وفى فضح من فضح منهم- حماية للمجتمع الإسلامى الأول من هذا الداء الخبيث، ووقاية للمؤمنين من أن يطوف بهم طائف منه.. حتى لقد كان صحابة رسول الله- وهم من هم- يضعون أنفسهم تحت مراقبة دقيقة منهم، لكل خاطرة تخطر لهم، ولكل وسواس يطوف بهم.. ومن هنا ندرك السرّ فى هذا الصفاء الروحىّ، الذي كان عليه صحابة رسول الله، وتلك العظمة الإنسانية التي اشتملت عليها نفوسهم، والذي كان من آثاره ما شهدته الحياة- وربما لأول مرة ولآخر مرة أيضا- من مجتمع مثالىّ، يحكمه وازع الضمير، ويقوم فيه مقام السلطان القاهر، الذي يتسلط على كل نفس، ويأخذ على كل جارحة؟ وفى قصتى «ما عز» والمرأة الغامدية شاهد مبين، يحدّث بأن المجتمع الإسلامى فى عهد الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- كان تحت مراقبة سماوية تتكشف للناس منها سرائرهم، كما تتكشف لهم صور المرئيات على المرايا العاكسة، فإن عمى الإنسان عن أن يرى نفسه فيها، رآه الناس من حوله، من قريب وبعيد! وتتلخص قصة ما عز بن مالك، فى أنه قد غالب شهوته فغلبته، فأتى

الفاحشة.. فلما استيقظ من سكرة تلك الشهوة الغالبة أنكر نفسه، ولم يطق صبرا على الحياة مع تلك النفس الأمارة بالسوء.. ففزع إلى النبىّ صلى الله عليه وسلم، يطلب النجاة عنده.. فقال: يا رسول الله. طهرنى.. فعرف الرسول أنه جاء ليقام عليه حدّ الزّنا، وهو الرجم، إذ كان «ما عز» محصنا. فقال الرسول الرحيم: «ويحك.. ارجع، فاستغفر الله، وتبّ إليه!» فرجع غير بعيد.. ثم جاء فقال: يا رسول الله.. طهرنى.. فقال صلوات الله وسلامه عليه: «ارجع، واستغفر الله، وتب إليه..» فرجع، ثم عاد فقال: يا رسول الله طهّرنى.! فقال الرسول الكريم: «ارجع واستغفر الله وتب إليه» . فرجع، فقال: يا رسول الله طهرنى.. فقال صلوات الله وسلامه عليه: ففيم أطهّرك؟ فقال: من الزّنا.. فقال صلى الله عليه وسلم. «أيه جنون؟» .. فأخبر أنه ليس بمجنون.. فقال: «أشرب خمرا؟» فقام رجل فشمّه، فلم يجد ريح خمر! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أزنيت؟ قال: نعم: فأمر به.. فرجم! أما المرأة، فهى من «غامد» وغامد هذه بطن من بطون الأزد، والأزد قبيلة عربية معروفة.. جاءت هذه المرأة إلى النبىّ صلى الله عليه وسلم، وقد فعلت الفاحشة، ولم

يكن أحد من الناس قد كشف أمرها، فقالت: يا رسول الله: إنّى زنيت.. فطهرنى! فردّها رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فلما كان الغد جاءت، فقالت يا رسول الله: لم تردّنى؟ لعلك أن تردّدنى كما ردّدت ماعزا؟ «فو الله إنى لحبلى! فقال النبي الكريم: «أما الآن فاذهبى حتى تلدى» فلما ولدت أتته بالصبي فى خرقة.. ثم قالت: هذا قد ولدته! فقال: «اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه» فلما فطمته، أتت بالصبي فى يده كسرة خبز، ثم قالت: «هذا يا نبى الله قد فطمته، وقد أكل الطعام.. فدفع النبىّ إلى رجل من المسلمين.. ثم أمر بها فرجمت.. ووراء هذه القصة أكثر من آية معجزة من آيات السموّ الإنسانى، وعظمة الإنسان، حين يسكن الإيمان قلبه، ويملأ كيانه، فلا يخاف غير الله، ولا يطمئن إلا باللّجأ إليه والاستسلام له.. ونحسب أننا لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن ما عزا والغامدية، لم يكن منهما هذا الإصرار العنيف على فضح أمرهما، بعد أن ستر الله عليهما- إلّا خوفا من فضيحة مهلكة، يتنزل بها القرآن فى شأنهما، فتكون لعنتهما على لسان كل قارئ للقرآن إلى يوم الدين.. فهما إذ يطلبان الموت، وإذ يجدان هذه الحرارة فى الإقدام عليه، واستساغة طعمه- إنما ليهربا من تلك السياط الملتهبة التي تتساقط عليهما بنذر الفضيحة، التي يشهدها الوجود كله، على امتداد الزمن، إلى يوم النّشور! وطبيعى أن ذلك الشعور الذي تسلط على ما عز والغامدية، والذي أراهما

مدى الهوّة التي سيهويان فيها إذا هما وقعا تحت لعنة الله، وأنزل الله سبحانه فى شأنهما قرآنا يفضحهما- طبيعى أن هذا الشعور إنّما بلغ به هذه الدرجة من اليقظة والحساسية، هو وثاقة الإيمان بالله، وحسن الإدراك لكماله سبحانه وتعالى، وأنه القادر الذي لا يعجزه شىء.. العالم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء.. فإذا جاءت بعد ذلك شواهد عملية تكشف عن تلك القدرة وهذا العلم، فيما كشف القرآن الكريم من خبايا المنافقين، وخفايا صدورهم- لم يكن ثمّة مهرب من الله إلا إليه، ولم يكن ثمة سبيل للنجاة إلّا فى طلب التطهير من الإثم، وإقامة حدّ الله على من اعتدى على حرمات الله! هذا، ولمّا لحق الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- بالرفيق الأعلى، وانقطع وحي السماء- تنفّس المنافقون الصعداء، وزايلهم هذا الشعور من الحذر والخوف أن يمسوا أو يصبحوا على أعين الناس فضيحة مفضوحة للعالمين- فاستعلن نفاقهم، وتحركت ألسنتهم، بما كانت تكنّه صدورهم من منكر القول، وآثم التدبير. ولكن- مع هذا- لم يكن للنفاق ولا للمنافقين أثر فى حياة المجتمع الإسلامى، الذي تركه الرسول، بعد أن أزاح تلك العلل التي كانت مستولية عليه، وسلك به مسالك الهدى والتقوى.. فما يكاد يظهر فى المجتمع انحراف، أو يطلّ عليه وجه منحرف، حتى تنكره الحياة كلها من حوله، وحتى ليأخذ المجتمع عليه كل سبيل للإقامة على هذا الانحراف، أو الإفلات من العقاب الراصد له.. ولقد تركت هذه التجربة أثرها فى نفوس المؤمنين، الذين عاشوا فى عهد النبىّ، ثم امتدّت بهم الحياة بعد النبىّ.. إذ أحسوا بهذا الفراغ الذي خلّفه فراق النبىّ الكريم لهم، كما استشعروا تلك الوحشة، من انقطاع الوحى

السماوي، الذي كان يؤنس حياتهم، وينير لهم طريقهم فيها، ويرصد الانحرافات التي تحدث فيهم.. لقد كان المسلمون فى عهد الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- تحت مراقبة دائمة، يؤمنون معها من أن يدخل عليهم حلل، دون أن يشعروا به، ويعرفوا مكانه فيهم، فيما ينزل من آيات القرآن الكريم، مما يتلبس به الأفراد.. وأما وقد مات الرسول، وانقطع الوحى، فإنه لم يعد للمؤمن ما يعرف به حقيقة إيمانه، إلا بأن يعرض نفسه على كتاب الله، وسنة رسوله، وإنه على قدر قربه أو بعده منهما، يكون حظه من الإيمان، ومكانه من المؤمنين.. وبهذا صار إلى المؤمن أمر دينه، كما صارت إليه حراسته من كل آفة تعرض له، دون أن ينبّه إلى ذلك، أو يلفت إليه.. روى أن عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، كان يمضى إلى بيت حذيفة بن اليمان، ويقول له: يا حذيفة.. أنت صاحب سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فانظر ما فىّ من النفاق، فعرفنى به!! فيقول حذيفة: والله يا أمير المؤمنين ما أعلم فيك نفاقا.. فيقول: انظر وحقق النظر! فيبكى حذيفة، ويبكى عمر رضى الله عنهما، فلا يزالان يبكيان حتى يغشى عليهما.. ومن هنا ندرك السرّ فيما كان من التفات الدعوة الإسلامية إلى هذا المرض الخبيث- مرض النفاق- ورصد تحركاته فى المجتمع الإسلامى، وفضح أهله. وكشف وجوههم للملأ، حتى يأخذ المؤمنون حذرهم منهم، وحتى لا تصيبهم عدواه، الأمر الذي إن فشا فى الناس، أفسد عليهم حياتهم، وأراهم

الأمور فى أوضاع مقلوبة، لا يلتقون معها إلا إذا قلبوا هم أوضاعهم، ومشوا على رءوسهم، بدلا من أرجلهم! قوله تعالى: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ» هو كشف عن وجه آخر، من وجوه النفاق التي يظهر بها المنافقون فى الناس.. وهو أنهم إذا ضبطهم القرآن متلبسين بجريمة من جرائمهم المنكرة، أو لامهم لائم على ما انكشف من مستور تدبيرهم السيّء، وما جرى على ألسنتهم من هزؤو سخرية برسول الله وبالمؤمنين بالله، قالوا معتذرين: «إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ» أي لم نكن جادّين فيما كنا فيه، وإنما هو لعب وعبث، ومفاكهة! وهكذا المنافق.. لا يجد ما يستر به نفاقه إلا الكذب.. فهو كدب يستر كذبا، ونفاق يدارى نفاقا.. وقد أمر الله سبحانه نبيه الكريم أن يردّ عليهم زعمهم هذا، وأن يسفّه باطلهم الذي هم فيه، وأن يفضح عذرهم المفضوح الذي اعتذروا به.. «قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ؟» .. أفهذا مقام يخوض فيه الخائضون ويلعب اللاعبون؟ إنه لعذر أقبح من ذنب! قيل إن جماعة من المنافقين الذين كانوا فى غزوة تبوك مع المسلمين، وقد كانوا يذيعون فى الناس أحاديث يسخرون فيها من النبىّ وأصحابه، ويقولون فيما يقولون: إن محمدا وأصحابه لن يثبتوا للروم، وما هم إلا غنيمة باردة ليد الروم إذا التقوا بهم.. وقد كشفهم الله سبحانه وتعالى للنبىّ، وأراه وجوههم،

وأطلعه منهم على ما كانوا يقولون.. فلما أنبأهم النبىّ بهذا الذي كان منهم- قالوا إنما كنا نخوض ونلعب» ! وقيل إنه ضلّت للنبىّ صلى الله عليه وسلم ناقة فى هذه الغزوة، فجعل أصحابه يبحثون عنها.. فقال المنافقون: لو كان محمدا متصلا بربّه- كما يقول- لأخبره بالمكان الذي فيه ناقته! فكيف يدّعى- مع هذا- أنه يوحى إليه من ربه!؟» وقد أطلع الله سبحانه النبىّ على ما دار بين هؤلاء المنافقين، فلما أنبأهم النبىّ بهذا الإثم الذي تعاطؤه، قالوا: «إنما كنا نخوض ونلعب!! وقد أخزاهم الله سبحانه وتعالى بقوله: «أبا لله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون» .. ثم أخزهم خزيا بعد خزى، إذ أطلع النبىّ على المكان الذي شردت إليه الناقة، فأشار إلى أصحابه إليه، فوجدوها حيث أشار! قوله تعالى: «لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ» فى هذه الآية يأخذ الله المنافقين بنفاقهم.. فلا يقبل لهم عذرهم الذي اعتذروا به، لأنه كذب إلى كذب، ونفاق إلى نفاق.. ثم يحكم- سبحانه وتعالى- عليهم بالكفر، بسبب هذا النفاق الذي لبسوه، بعد أن نزعوا ثوب الإيمان الذي كانوا يخفون به ما انطوت عليه قلوبهم من نفاق.. وبهذا- وبعد أن افتضح أمرهم- صاروا كافرين ظاهرا وباطنا. بعد أن كانوا كافرين باطنا، مؤمنين ظاهرا.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «لا تَعْتَذِرُوا.. قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ» .. وفى قوله سبحانه: «إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ» ..

فى هذا إشارة إلى أن باب التوبة والقبول لا يقفل أبدا فى وجه أي إنسان، يتجه إلى الله، وينزع عما كان فيه من غىّ وضلال.. وأن هؤلاء المنافقين الذين كفروا بعد إيمانهم ليسوا على حال واحدة، ففيهم من سيثوب إلى رشده، وينزع عن غيه، ويرجع إلى الله تائبا نادما، وفيهم من يلجّ به الضلال، ويستبد به العمى، فيمضى إلى مساقه الذي يسوقه شيطانه إليه.. فالذين يتوبون إلى الله، ويرجعون إليه من قريب من هؤلاء المنافقين، سليقون من الله سبحانه، عفوا، ومغفرة.. والذين يصرّون على هذا النفاق الذي هم فيه، سيلقون من الله ما أعد للكافرين والمنافقين من عذاب ونكال.. «بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ» .. أي بسبب ما كانوا عليه من ضلال، ومحادّة لله ورسوله، الأمر الذي اقترفوا به ما اقترفوا من جرائم وآثام. قوله تعالى: «الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ» هكذا هم المنافقون، وذلك هو مجتمعهم، لا ينضح بغير الإثم والمنكر، ولا يلد إلا البغي والفجور.. «بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ» أي على طبيعة سواء يجمعهم النفاق، ويؤلف بينهم، من رجال ونساء، حتى لكأنهم أفراد أسرة واحدة، تجمعها لحمة النسب والقرابة، وتؤلف بينها مشاعر الحب والولاء.. وذلك أن المنافق لا يجد المرعى الخصيب الذي يغذّى فيه نفاقه، ويحقق به وجوده، ويرضى فيه مشاعره- إلا فى بيئة منافقة، تتجاوب معه، وتروّج لهذه البضاعة التي يتعامل بها.. ذلك أن بضاعة المنافقين، بضاعة خبيثة، وطعام فاسد عفن، لا تقبله إلا

النفوس المريضة، ولا تستطعمه إلا الطبائع الخبيثة.. إنه عملة زائفة، لا تروج إلا فى الظلام، ولا يتعامل المتعاملون بها إلا فى أوكار اللصوص، وفى حانات الخمر، حيث تدور الرءوس، وتذهب العقول! «يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ» هذه هى بضاعة القوم، وتلك هى رسالتهم فى الحياة، وشأنهم فى الناس.. «يأمرون بالمنكر» ! فلا يكفيهم أنهم يطعمون من هذا الطعام الخبيث، ولا يرضيهم أن يعرضوه على الناس- بل يأمرونهم به، ويحرضونهم عليه، ويزينون لهم تعاطيه.. إنهم لا يهنؤهم هذا الطعام الخبيث العفن، حتى يستكثروا له من الأيدى التي تشاركهم فيه، ومن الأفواه التي تمضغه معهم.. «وينهون عن المعروف» ! فمن دعا إلى منكر وأمر به، وحرض عليه، فهو ناه- ضمنا- عن معروف، صادّ عن خير.. ولكن القوم، لا يقفون عند هذا، بل إنهم حين يدعون إلى المنكر، يقومون بدعوة أخرى، هى تبغيض الحلال إلى الناس، وتزهيدهم فى الخير، وذلك إذا تأبّوا عليهم، ولم يستجيبوا لدعوتهم إلى المنكر.. وحسبهم فى هذا أن يصرفوا وجوه المؤمنين عن الإيمان، ويكفّوا أيديهم عن التعامل بالخير، فذلك إن تمّ لهم كان كسبا للمعركة التي يخوضونها مع المؤمنين، وهو عزل أكبر عدد يمكن عزله منهم عن المعركة، بحيث لا يكونون مع المؤمنين ولا على المنافقين!

«ويقبضون أيديهم» أي أن هؤلاء المنافقين الذين يسعون فى الناس هذا السعى الحثيث فى مجال الإفساد، والإهلاك للناس- هم فى الوقت نفسه أشحة على الناس بأى خير يمكن أن تحمله أيديهم إلى الناس، إن كان فى يدهم أي خير.. إنهم أسخياء كرام، يبذلون- فى تبذير شديد- كلّ منكر، ويجودون بلا حساب، بكل مفسدة وكل ضلال.. أما فى مجال الخير والإحسان، فهم بخلاء أشحّاء، لا تندّ أيديهم بذرة خير، ولا تسخو أنفسهم بعارفة من إحسان! «نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ» إنهم لا يذكرون الله أبدا، إذ لو ذكروه، لما كان لهم فى عباد الله هذا البلاء الذي يرمونهم به، فى غير حرج أو تأنّم.. إنّهم نسوا الله، فنسيهم الله، وتركهم وما هم فيه من ضلال.. فلو أنهم ذكروا الله لوجدوا فى قلوبهم خشية له، ولكان لهم فى خشيتهم لله ما يمسك بهم عن هذا الضلال الذي يهلكون به أنفسهم، ويهلكون به كثيرا من الناس معهم.. ونسيان الله لهم، هو تركهم لأنفسهم، وحرمانهم من توفيق الله. «إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ» .. أي هم الذين فسقوا عن أمر ربّهم، وخرجوا عن الطريق المستقيم، وركبوا طرق الضلال والهلاك. قوله تعالى: «وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ» هذا هو الجزاء الذي أعدّه الله لأهل النفاق والكفر.. نار جهنم خالدين فيها، لا يتحولون عنها أبدا.. هى حسبهم، أي هى كلّ ما لهم عند الله..

لا شىء لهم غيرها.. ثم من وراء جهنّم وعذابها، لعنة الله القائمة عليهم، وعذاب مقيم لا يفتّر عنهم وهم فيه مبلسون.. قوله تعالى: «كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» هو عرض لصورة أخرى من صور الضالّين والمفسدين، تطلع على هؤلاء المنافقين من ثنايا الزمن الغابر، وترتفع لأبصارهم، ممن كان قبلهم من الأمم السالفة.. إنّهم لن يخلدوا فى هذه الدنيا، كما لم يخلّد من كان قبلهم من الماضين، ممن كانوا أكثر منهم أموالا وأولادا، وأشدّ قوة، وأمكن سلطانا.. فليست هذه الدنيا دار بقاء وخلود، وليس ما فيها من متاع، إلا ظل زائل، وعرض ذاهب.. ثم يجىء من بعد هذا الحساب، والقضاء والجزاء.. لقد استمتع هؤلاء الذين ذهبوا، بما كان بين أيديهم من مال وبنين، وبما كان لهم من جاه وسلطان.. ثم ذهبوا وذهب كل ما كان لهم، وما كان معهم.. استمتع كلّ «بخلاقه» أي بنصيبه المقسوم له، وبحظه المتاح له، إن كثيرا، وإن قليلا.. ثم انتهى كلّ إلى نهايته، وصار كلّ إلى ما قدّم من خير أو شر.. وقد كانوا أكثر من هؤلاء المنافقين مالا، وأقوى قوة، وأعزّ نفرا.. وهؤلاء المنافقون.. الذين يكيدون للنبىّ، ويحادّون الله ورسوله.. إنّهم ليسوا بدعا فى النّاس، ولن يخرجوا على سنة الله التي خلت فى عباده.. فلن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا.. وإنهم ليأخذون حظّهم المقدور لهم مما فى أيديهم من مال وولد، ثم يلحقون بمن سبقهم إلى

عالم الموت، وينتظمون فى ركب الضّالّين والمكذّبين، ليقفوا بين يدى الله، ولينالوا الجزاء الذي هم أهله، من عذاب أليم.. فلقد حبطت أعمالهم كلّها، فلم يسلم لهم منها شىء، حتى تلك الأعمال التي كان يمكن أن تحسب لهم فى جانب الإحسان.. لأنّهم إذ فعلوها لم يريدوا بها وجه الله، ولم يطلبوا بها ما عند الله.. لأنهم لا يؤمنون بالله، ولا يتعاملون مع الله.. «حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا» فلم يحمدوا بها.. وحبطت فى «الآخرة» فلم تدفع عنهم عذاب الله الذي أعده لهم، وأنزله بهم.. «وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ» .. إذ لا خسران بعد هذا الخسران، ولا ضياع بعد هذا الضياع. قوله تعالى: «أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» وإذا تصفحّ هؤلاء المنافقون تاريخ القرون الماضية، فلم ينكشف لهم منها- لماهم فيه من غفلة وعمّى- ما أخذ الله به الظالمين من نكال وبلاء- فها هى ذى المثلات، يضعها الله بين أيديهم، ويكشف لهم ما خفى منها.. قوم نوح.. وعاد.. وثمود.. وقوم إبراهيم.. وأصحاب مدين.. والمؤتفكات.. هؤلاء جميعا، قد جاءتهم رسل الله، تحمل إليهم الهدى والخير.. فمكروا بآيات الله، وكذّبوا رسل الله.. فماذا كانت عاقبة أمرهم؟ لقد أخذهم الله بذنوبهم، وأوقع بهم نقمته، وصبّ عليهم عذابه، ألوانا

متعددة من البلاء، وصورا متباينة، من المهلكات.. قوم نوح.. أغرقهم الله بالطوفان.. وعاد، قوم هود.. أهلكهم الله «بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ! وثمود.. قوم صالح.. أخذتهم الصيحة.. فأصبحوا فى ديارهم جاثمين.. وقوم إبراهيم.. ألقوه فى النار، فجعلها الله بردا وسلاما عليه، وجعل فى ذريته الكتاب والحكم والنبوّة.. وأصحاب مدين.. قوم شعيب.. أخذهم الله بالصيحة، كما أخذ قوم صالح.. فأصبحوا فى ديارهم جاثمين.. «أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ» (94: هود) والمؤتفكات.. أي المنقلبات على أهلها، وهى الدّور التي كان يسكنها قوم لوط. إذ أمطرهم الله بحجارة من سجيل منضود، فطحنتهم طحنا، وقلبت عليهم قريتهم، فأصبح عاليها سافلها.. ومنه الإفك، وهو الحديث المفترى، الذي تقلب فيه وجوه الأمور، وتغير معالمها.. هؤلاء جميعا.. كذبوا رسل الله، فأخذهم الله بذنوبهم، وجزاهم جزاء الظالمين..َ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ» بهذا العذاب الذي أنزله بهم، «وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» .. فلقد ظلموا أنفسهم، بأن صرفوها عن الخير الذي جاءهم على يد رسل الله.. فماذا بعد الحقّ إلا الضلال؟ وماذا بعد الضلال إلا البلاء والعذاب؟.

الآيتان: (71 - 72) [سورة التوبة (9) : الآيات 71 إلى 72]

الآيتان: (71- 72) [سورة التوبة (9) : الآيات 71 الى 72] وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72) التفسير: مما يضاعف حسرة المنافقين، ويزيد فى بلائهم، أن يطلع عليهم المؤمنون فى هذا الموكب العظيم، الذي يحفّه الجلال والإكرام، ويتغشّاه النعيم والرضوان، بعد أن انكشف للمنافقين سوء أمرهم، وعاقبة سعيهم، وما أخذهم الله به من نكال وبلاء.. وفى هذا الموكب الذي ينتظم المؤمنين، يرى الرائي لهم أن بعضهم أولياء بعض، تجمعهم الأخوّة، وتؤلف بينهم المودّة، يلتقون على الإيمان بالله، والولاء له، والاستجابة لرسوله، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر.. «وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ..» .. فتلك هى سبيل المؤمنين، وذلك هو حبل الله الذي يعتصمون به، ويشدّون أيديهم عليه.. «أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ» لأنهم لجثوا إليه والتمسوا مرضاته، وأخلصوا القول والعمل له.. «إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ» لا يضام من لجأ إليه، واعتصم به.. «حكيم» فى قضائه بين عباده، وحكمه فيهم، فيجزى المحسنين بإحسانهم،

ويتجاوز عن سيئاتهم، ويأخذ المسيئين بما عملوا إن شاء، أو يتوب عليهم.. كل ذلك عن قدرة متمكنة، وعزة غالبة، وحكمة بالغة.. سبحانه، عزّ فحكم، لا معقب لحكمه، ولا منازع لسلطانه.. هذا، وليس دخول حرف الاستقبال فى قوله تعالى: «سيرحمهم» .. بالذي يجعل وعد الله غير محقق فى الحال كما هو محقق فى الاستقبال، بل هو وعد منجز فى جميع الأحوال، والأزمان.. فالمؤمن محفوف برحمة الله دائما، ولولا هذه الرحمة لما كان من المؤمنين، الذين دعاهم الله إلى الإيمان، وهداهم إليه، وأمسك بهم على طريقه. وفى قوله تعالى: «وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ» ما يشير إلى ما فى المؤمنين من معانى الإنسانية، التي تعطى المؤمن وجودا مشخّصا، وذاتية مستقلة.. ثم هو- مع هذا الوجود الذاتي المستقلّ- يحكمه عقل رشيد، ويوجهه قلب سليم، فيلتقى مع أصحاب العقول الرشيدة، ويتجاوب مع أولى القلوب السليمة، على جبهة الحق، وتحت راية الخير، فإذا هو قوة عاملة فى هذا الميدان، يعمل للحق مع العاملين، وينتصر للخير مع أهل الخير.. يبادلهم ولاء بولاء، وحبّا بحبّ، وإخاء بإخاء! وليس كذلك المنافقون والمنافقات.. «بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ» .. إنهم كتلة متضخّمة من الخبث.. أشبه بالديدان التي تتخلّق من الرّمم، ليس بينها تجاوب فى المشاعر، أو تلاق فى التفكير، وإنما هى كائنات تسبح فوق هذه الرمم، وتغتذى منها! قوله تعالى: «وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ»

الآيتان: (73 - 74) [سورة التوبة (9) : الآيات 73 إلى 74]

هو بيان لما أعدّ الله للمؤمنين والمؤمنات من جزاء حسن، ومقام كريم فى الآخرة.. إنّ لهم عند الله جنّات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ومساكن طيبة فى جنّات عدن.. أي جنّات إقامة واستقرار.. يقال عدن بالمكان، أي أقام واستقر.. فهى جنات لا يتحول عنها ساكنوها إلى مكان آخر، حيث تطيب لساكنيها الإقامة، لما يجدون فيها من نعيم لا ينفد، ولا يملّ مهما طالت صحبته، وامتدّ الزمن فى الحياة معه. وقوله سبحانه: «وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ» .. هو نعيم فوق هذا النعيم الذي يناله أصحاب الجنة.. بما يفيض الله سبحانه وتعالى عليهم من رضوانه، وما يضفيه عليهم من رضاه.. فكل نعيم- وإن عظم- هو قليل إلى رضوان الله، الذي يناله من رضى الله عنهم، ثم إن كل نعيم هو تبع لهذا الرضا، ونسمة من أنسامه الطيبة المباركة.. ولهذا جاء قوله تعالى: «ورضوان من الله أكبر» مستأنفا، غير معطوف على ما قبله، حتى لكأنه إضراب عما سبقه، بمعنى «بل» .. وعلى هذا يكون التقدير: «بل.. ورضوان من الله أكبر» .. وقوله تعالى: «ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» الإشارة هنا إلى رضوان الله، الذي هو الفوز كل الفوز، والنعيم كل النعيم. الآيتان: (73- 74) [سورة التوبة (9) : الآيات 73 الى 74] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (74)

التفسير: لم تنته الآيات القرآنية بعد، من عرض الوجوه التي يظهر بها المنافقون فى الناس، فما زالت هناك وجوه كثيرة لهم، سيكشف عنها القرآن فى آيات تالية- ومع هذا، فقد جاء قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» - جاء معترضا سلسلة هذا العرض الكاشف عن مخازى المنافقين، ليذكّر النبىّ بما ينبغى أن يأخذ به المنافقين، الذين هم أشد أعداء الإسلام خطرا على الإسلام. والكفار والمنافقون، هم على سواء فى كفرهم بالله، ومحاربتهم لدين الله، وكيدهم لرسول الله.. وإن على النبىّ أن يجاهد هؤلاء وأولئك جميعا، وأن يلقاهم بكل قوة وبأس.. فالمنافقون، كافرون، وأكثر من كافرين.. لأنهم يسترون كفرهم بالنفاق، ويدارونه بإظهار الإسلام.. فهم بهذا عدوّ خفىّ، يأمن المسلمون جانبه، ولا يأخذون حذرهم منه، فيطّلع منهم على ما لا يطّلع عليه العدوّ الظاهر، من مواطن الضعف منهم، وانتهاز الفرصة فيهم.. فإذا جاهد النبىّ الكفار، فليجاهد المنافقين كذلك، وليشتدّ فى جهادهم، وليغلظ عليهم، فلا يرخى يده عنهم إذا أمكنته الفرصة فيهم.. وقوله: «وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» هو بيان للحكم الواقع تحته الكافرون والمنافقون، وهو أن جهنم مأواهم الذي يؤوون إليه، والمصير الذي يصيرون له.. وأنهم إذا أفلتوا فى هذه الدنيا من القتل أو الأسر، فلن يفلتوا فى الآخرة من عذاب جهنم، وبئس المصير..

وقد جاء فى سورة التحريم نص هذه الآية هكذا: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» (9: سورة التحريم) وفى هذا تأكيد للأمر بجهاد النبىّ للكفار والمنافقين، وأخذهم بالبأساء والضرّاء، حتى يزول الخطر الذي يتهدد الإسلام والمسلمين منهم.. قوله تعالى: «يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا» هذا عرض لحال من أحوال المنافقين، وكشف لوجه من وجوههم المنكرة.. وهو أن من دأبهم أن يحلفوا كذبا وزورا أنهم ما قالوا هذا القول المنكر، الذي كان سرا بينهم، ففضحهم الله به، وأطلع النبىّ والمسلمين عليه.. وقد كذّبهم الله، وردّ أيمانهم الكاذبة بقوله سبحانه: «وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ» . والمراد بكلمة الكفر، هو الكلام الذي تحدثوا به فيما بينهم، وتناولوا فيه النبىّ بالهزء والسخرية، وقالوا حين سئلوا: «إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ» .. وذلك منهم هو الكفر الصّراح.. فلو كان فى قلوبهم شىء من الإيمان، لما حدّثتهم أنفسهم بهذا السوء، ولما طاوعتهم ألسنتهم على النطق بهذا المنكر من القول.. وفى التعبير عن كلمات السوء بكلمة الكفر، إشارة إلى أن حصيلة هذا الكلام الكثير الذي دار على ألسنتهم، هو كلمة واحدة، هى الكفر، الذي دمغوا به ظاهرا، بعد أن كان يعيش فى كيانهم متخفيا، مستبطنا..

فكلامهم كله، هو الكفر، إذ لا ثمرة له إلا الكفر.. وقوله تعالى: «وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ» .. هو تأكيد لكفرهم الذي استعلن بكلماتهم المنافقة التي فضحهم الله بها.. وفيه إشارة إلى أنهم لم يكونوا مؤمنين أبدا، وأن الإيمان لم يدخل قلوبهم، وإنما جرت كلمة الإسلام على ألسنتهم، فحسبوا بهذا من المسلمين لا المؤمنين.. فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا.. وإلى هذا يشير قوله تعالى: «قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا، وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا.. وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ» (14: الحجرات) . وقوله تعالى: «وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا» هو فضح لخفيّة من خفايا المنافقين، وكشف لمكيدة من مكايدهم، وأنّهم قد بيتوا عدوانا، ودبروا كيدا، ولكنّ الله- سبحانه- أبطل كيدهم، وأفسد تدبيرهم.. فقد أرادوا بالنبيّ- صلى الله عليه وسلم- شرا، وائتمروا فيما بينهم على أن يرصدوا له، وهم معه على طريق العودة من تبوك، فأطّلع الله سبحانه النبىّ عليهم، وأراه ما دبروا له.. فدعاهم النبىّ إليه، وكشف لهم عن تدبيرهم السيء.. فلم يجدوا غير الحلف كذبا وبهتانا، بأنّهم ما قالوا شيئا، ولا بيّتوا شرّا.. وقوله سبحانه: «وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ» .. هو تسفيه لهم، واستنكار لهذا المنكر الذي هم فيه.. وأنهم لم يتخذوا هذا الموقف المنحرف اللئيم من الله ورسوله، إلّا لما أفاء الله ورسوله به عليهم من فضله.. وهكذا أصحاب الطباع السيئة، والنفوس المريضة، تنقلب حقائق الأشياء عندهم، فإذا النور ظلام، والحق باطل، والنعمة نقمة.. والله سبحانه وتعالى يقول فى مثل هؤلاء الحمقى والسفهاء من الناس:

الآيات: (75 - 80) [سورة التوبة (9) : الآيات 75 إلى 80]

«أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ» . وانظر كيف جاء النظم القرآنى بقوله تعالى «وَما نَقَمُوا» ليكشف بذلك عما بلغه القوم من سفه وضلال، حتى إنهم ليجدون فى النعم التي بفضل الله سبحانه وتعالى عليهم بها، ما يحرك فى نفوسهم داعية الانتقام ممن أنعم عليهم، حتى لكأن هذه النعم شرّا قد سيق إليهم، وبلاء وقع بهم.. وهذا هو فى الواقع ما لنعم الله عندهم.. إنها لا تلبث حتى تتحول فى أيديهم إلى أسلحة مهلكة.. قوله تعالى: «فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ» .. هو تنبيه لهؤلاء الضالّين، وإشارة مضيئة تطلع فى ليلهم المطبق عليهم، رجاء أن يتوبوا إلى الله، ويستقيموا على طريق الحقّ، فإن فعلوا رشدوا وأمنوا، وإن أبوا، ضلوا وهلكوا، وأخذهم الله بالعذاب الأليم فى الدنيا، بما يصيبهم على يد المؤمنين من خزى وبلاء، وبعذاب السعير فى الآخرة، حيث لا ولىّ لهم، ولا نصير، يردّ عنهم بأس الله الواقع بهم. الآيات: (75- 80) [سورة التوبة (9) : الآيات 75 الى 80] وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (77) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (78) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (79) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (80)

التفسير: هذا صنف آخر من أصناف المنافقين، ووجه كريه من وجوه النفاق.. يكشف عنه- اقوله تعالى: «وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ» . إن هذا الصنف من المنافقين، يلقى الله فى حال العسر والضيق، مستكينا مستسلما، ويبسط إليه يده، ضارعا طامعا، يتمنى على الله أن يبسط له فى الرزق، وأن يملأ يديه من المال، وأنه إذا استجاب الله له فيما طلب، بسط يده بالعطاء والإنفاق فى وجوه الخير، وشغل قلبه ولسانه بالحمد والشكران لله ربّ العالمين.. هذا موقف من مواقف المنافقين مع الله.. حين يمسّهم الضرّ، وينزل بهم العوز، ويصيبهم الفقر.. فماذا يكون منهم إذا كشف الله ما بهم من ضرّ، وصرف عنهم العوز والفقر، ووسع لهم فى الرزق، وأفاء عليهم من فضله؟.

هنا يغلب عليهم طبعهم اللئيم، فإذا هم على طريق النفاق، ينقضون العهد الذي عقدوه مع الله، ويتحلّلون من الوفاء به! «فلمّا آتاهم من فضله بخلوا به» أي ضنّوا بهذا الفضل الذي هو من عند الله، على الإنفاق منه فى سبيل الله. «وتولّوا وهم معرضون» أي نكصوا على أعقابهم، وأعرضوا عن الحق الذي لزمهم. «فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ» أي تبعهم النفاق، وركب معهم الطريق الذي ركبوه، مبعدين عن الله، مطرودين من رحمته «إلى يوم يلقونه» أي سيصحبهم هذا النفاق إلى يوم القيامة، حيث يطلع عليهم هذا النفاق بوجهه الكريه، ليقف معهم بين يدى الله، وليكون شاهد إدانتهم، ورفيق طريقهم إلى عذاب السعير «بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ» أي هذا النفاق الذي لبسهم، واشتمل عليهم، وأصبح بعضا منهم، هو الثمرة الخبيثة التي أثمرها إخلافهم وعدهم لله، وقولهم بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم، وهم يحسبون أن الله- سبحانه- محدود القدرة، محدود العلم، وأنه إذا لم يشهد شهود عيان هذا العهد الذي عاهدوه عليه، لم تقم عليهم حجة، وكان لهم أن يمكروا به، وينكروا العهد الذي أعطوه من أنفسهم له؟. وهذا عدوان على الله، أوقعهم فيه سوء فهمهم وتقديرهم لجلال الله، وعظمته، وقدرته وعلمه.. ولهذا أنكر الله عليهم سوء ظنهم به، وخطأ تصورهم لكمال صفاته، فقال سبحانه: «أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» .. ولو أنهم علموا هذا واستيقنوه، لما كان منهم هذا الظنّ السيّء، الذي زيّن لهم التحلّل ممّا عاهدوا الله عليه، فيما حكاه القرآن عنهم من قولهم: «لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ» ..

والسرّ: ما أسرّه الإنسان فى نفسه ولم يطلع عليه غيره، والنجوى: ما ناجى به غيره من حديث، وأفضى به إليه فى سر.. وأصل النجوى، والنجوة: المكان المرتفع الظاهر للعيان. ويذكر المفسّرون فى سبب نزول هذه الآيات، أن أحد أصحاب رسول الله، واسمه ثعلبة بن حاطب، كان من فقراء المسلمين، وممن يلزمون الجماعة والجمعة فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حدثته نفسه أنه لو كان من الموسرين لأرضى الله ورسوله بما ينفق فى سبيل الله، ولما فاته هذا الفضل الذي سبقه إليه أولئك الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله.. فقال يا رسول الله: ادع الله أن يرزقنى مالا!. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا ثعلبة.. قليل تؤدّى شكره خير من كثير لا تطيقه. أمالك فى رسول الله أسوة؟» ثم عاد إلى النبي يسأله أن يدعو الله له أن يرزقه مالا، وأن لو استجاب الله له ورزقه المال الذي يطلب، لأعطى كل ذى حق حقه من هذا المال.. فقال الرسول- صلوات الله وسلامه عليه-: «اللهم ارزق ثعلبة مالا..» قالوا: وقد رزق ثعلبة مالا كثيرا.. وكان ماله من الغنم، فتكاثر ونما حتى ضاقت به المدينة، فخرج إلى البادية، وشغله ذلك عن حضور الجماعة والجمعة فى مسجد رسول الله، وتفقّده رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجده فى أصحاب الجماعة والجمعة، فقال صلى الله عليه وسلم: «يا ويح ثعلبة!» ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمّال الصدقة ليأخذوها من أهلها، فلما جاء عامل الصدقة إلى ثعلبة، وعرف القدر المطلوب منه للصدقة استكثره، وأنكره وقال: ما هذه الصدقة، بل هى الجزية أو ردّ العامل، قائلا له: أنظرنى لأرى!! وحين لمغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان من ثعلبة، قال:

«يا ويح ثعلبه.. يا ويح ثعلبة» .. ثم نزلت هذه الآيات. قيل، وجاء ثعلبة بعد ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة، فقال له رسول الله: «إن الله منعنى أن أقبل منك» فجعل يحثوا التراب على رأسه، فقال رسول الله: «هذا عملك! قد أمرتك فلم تطعنى» .. ثم لما توفّى رسول الله، جاء بالصدقة إلى بكر، فلم يقبلها منه، ثم جاء بها إلى عمر فى خلافته فردّها.. ثم هلك فى خلافة عثمان!. وليس ثعلبة وحده- إن صح ما روى فيه- هو الواقع تحت حكم هذه الآيات، بل هو حكم واقع على كل من نكث مع الله عهدا.. وما أكثر الناكثين عهود الله.. والله سبحانه وتعالى يقول: «وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ» (21- 23: يونس) قوله تعالى: «الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» اللّمز: القرص، والغمز، بالكلمة الجارحة، يرمى بها فى موارية.. تلويحا لا تصريحا.

والمطوّعين: جمع متطوع، وهو الذي يأتى بعمل الخير من تلقاء نفسه، تطوعا، غير مطالب به.. وهو يثاب عليه إذا فعله، ولا يعاقب إذا تركه.. وأصل المطّوع- لغة- المتطوع.. قلبت التاء طاء وأدغمت فى الطاء. والجهد: هو غاية ما فى وسع الإنسان، وطاقته، واحتماله.. والآية هنا، تكشف عن وجه آخر من وجوه المنافقين، وعن سلاح من أسلحتهم الخفية، التي يضربون بها فى كيان المجتمع الإسلامى.. فهذه الجماعة من المنافقين، لم يكفها أنها كفّت يدها عن الجهاد فى سبيل الله، وغلّتها عن الإنفاق فى وجوه الخير، بل جعلت تترصّد المنفقين فى سبيل الله، وتتخذ منهم مادة للهزء والسخرية، سواء المكثرون منهم والمقلّون.. فالذين بسط الله لهم فى الرزق من المؤمنين، فبسطوا أيديهم بالبذل فى سبيل الله، وجاءوا بالكثير من أموالهم إلى رسول الله، يضعها حيث يشاء- هؤلاء هم عند الجماعة المنافقة مراءون، لا يطلبون بما أنفقوا إلا أن يظهروا فى الناس، وإلا أن يكونوا حديث المتحدّثين! وأمّا الذين قصرت أيديهم عن العطاء الكثير من المؤمنين، فأعطوا ما وسعهم الجهد، وجاءوا بما ملكت أيديهم- فإنهم لم يسلموا من تلك الألسنة المنافقة، إذ جعلوا منهم مادّة سخرية واستهزاء وتندر، فيقولون فيما قالوا: ماذا تغنى الحفنة من التمر التي جاء بها فلان؟ وما جدوى هذه الكسرات من الخبز التي قدمها فلان؟ وما هذا الثوب الخلق الذي بذله فلان؟ .. إن هؤلاء لم يفعلوا ما فعلوا من هذا العبث إلا ليذكروا مع المتصدّقين، وإلا ليذكّروا بأنفسهم إذا وقعت للمسلمين غنيمة، وأصابهم خير!. وهكذا، يكيد المنافقون للإسلام، ويحاولون جاهدين أن يفسدوا كل صالحة فيه.

وفى قوله تعالى: «سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» هو دفاع من الله سبحانه وتعالى عن المؤمنين، الذين سخر منهم المنافقون.. وفى هذا تكريم للمؤمنين المنفقين، وإيذان منه- سبحانه- بأنّه تقبل صدقات المتصدقين، قليلها وكثيرها، وأنه- سبحانه- هو الذي يتولىّ حماية هذه الصدقات وحماية أصحابها من كل سوء.. فإذا سخر ساحر من الصدقات، واستهزأ بأهلها، سخر الله منه، واستهزأ به.. إنه عدوّ لله. محارب له، وحسب من يعادى الله ويحاربه، ضياعا، وهلاكا، وسوء مصبر!. قوله تعالى: «اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ» هو تيئيس لهؤلاء المنافقين من رحمة لله، وقطع لطريق النجاة من العذاب الذي أعدّه الله لهم.. إنّه لن ينقدهم من الله منقذ، ولن يشفع لهم شفيع.. حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- وهو من هو عند الله- لن تقبل شفاعته فيهم، ولن يستجاب استغفاره لهم، ولو حرص النبىّ على هذا الاستغفار وبالغ فيه. وذلك لأنّهم كفروا بالله ورسوله، وحادوا الله ورسوله، ومن كان هذا موقفه مع الله ومع رسول الله، فلن يقبل الله فيه شفاعة، ولن يصرف عنه العذاب الذي رصده له.. وليس حصر الاستغفار بسبعين مرة، مرادا به أن النبي صلى الله عليه وسلم لو جاوز هذا العدد، وخرج به عن قيد الشرط- جاز أن يغفر الله لهم.. وكلّا، فإن المراد بهذا العدد هو الدلالة على أن استغفار النبىّ لهم، لن يقبل من الله فيهم على أية حال، كثر العدد أو قلّ.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:

الآيات: (81 - 85) [سورة التوبة (9) : الآيات 81 إلى 85]

«اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ» فإن هذا معناه أنه لن يغفر لهم على أية حال.. سواء استغفر لهم النبي أو لم يستغفر لهم.. قلّ استغفاره لهم أو كثر! والخبر الذي يروى من أن النبىّ صلّى الله عليه وسلم قال حين نزلت هذه الآية: «والله لأزيدنّ عن السبعين» هو خبر آحاد، لا يعوّل عليه هنا عند معارضته لصريح المفهوم من الآية الكريمة.. لأن الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- يعلم ما فى هذه الآية من القطع بأن الله سبحانه لن يغفر لهم، ولن يقبل شفاعة شافع فيهم. فلا يعقل- مع هذا- أن يقول النبي هذا القول، بعد أن تلقّى هذه الآية. وكذلك الشأن فى الخبر الذي يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لو علمت أنه لو زدت على السبعين مرّة غفر الله لهم لفعلت» .. فإنه خبر لا يصحّ عن رسول الله.. لأنه فيه ما يشبه التحدّى لحكم الله!!. الآيات: (81- 85) [سورة التوبة (9) : الآيات 81 الى 85] فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (83) وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (84) وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (85)

التفسير: تكشف هذه الآيات عن وجه أولئك المنافقين، الذين تخلّفوا عن رسول الله فى غزوة تبوك، وتفضح الأعذار الكاذبة التي كانوا يعتذرون بها، وترسم للنبى- صلوات الله وسلامه عليه- الأسلوب الذي يعاملهم به، والموقف الذي يقفه منهم.. وفى قوله تعالى: «فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ» تنديد ووعيد من الله سبحانه وتعالى لهؤلاء الذين تخلفوا عن رسول الله فى تلك الغزوة، وأن هذه الفرحة التي شاعت فى نفوسهم حين بدا لهم أنهم أفلتوا من هذا البلاء الذي ابتلى به المؤمنون فى هذه الغزوة.. من قلّة الزاد، وبعد الشّقة، ووقدة الحرّ- هذه الفرحة لن يهنئوا طويلا بها، بل ستعقبها حسرة وندامة، وعذاب شديد. والمخلّفون: جمع مخلّف، وهو الذي بقي خلف القوم، وترك وراءهم.. وكأنه بهذا هو المتروك لا التّارك، والمخلّف لا المخلّف.. وفى هذا إشارة إلى أن هؤلاء الذي تخلّفوا هم مخلّفون! قد تركهم المجاهدون، وسبقوهم إلى حظهم من الخير الذي أراده الله لهم.. والمقعد: مصدر ميمى للفعل «قعد» أي فرح المخلفون بقعودهم. و «خلاف رسول الله» : الخلاف ظرف بمعنى خلف، ووراء.. ويجوز أن يكون مفعولا له، بمعنى: لأجل خلافهم لرسول الله. وقوله سبحانه: «وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» معطوف على قوله تعالى: «فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ» بمعنى فرحوا بقعودهم بعد رسول الله، وكرهوا، أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله.. وقوله تعالى: «وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ» معطوف على ما قبله، من فعلات هؤلاء المخلّفين.. بمعنى أنهم فرحوا بتخلفهم، وكرهوا أن يجاهدوا، وقالوا لا تنفروا فى الحرّ..

وقولهم: «لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ» قد يكون من حديث بعضهم إلى بعض، وتحريض بعضهم لبعض على ترك الجهاد فى الحرب، وذلك ليكثر عددهم، وتقوى جبهتهم، وليكون للمتخلف منهم وجه من العذر، بكثرة المتخلفين غيره. وقد يكون هذا القول منهم على إطلاقه، يقولونه لكل من يلقاهم من المؤمنين، ليفتّروا به الهمم، ويكسروا العزائم، حتى لا يجتمع على دعوة النبىّ للجهاد، الجيش الذي يخرج به فى هذه الغزوة.. وبهذا لا ينكشف أمر المنافقين الذين عقدوا العزم على التخلّف عن الغزو، حيث لا يخفّ أحد للجهاد، إذا صحّ ما قدّروه، وعملوا له، من إشاعة الدعوة فى الناس، بألّا ينفروا فى الحرّ. وقوله سبحانه: «قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ» هو ردّ مفحم على هذه القولة التي تنادى بها المنافقون بقولهم: «لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ» .. فإن تركهم النفير فى الحرّ يوقعهم فى حرّ أشد هولا من هذا الحرّ، الذي يعتبر بردا وسلاما إذا قيس بحر جهنم.. فلو أنهم عقلوا هذا، وفقهوه، لما اشتروا عذاب الآخرة بلفحات الهجير هذه، التي يخشون لقاءها فى طريقهم إلى الجهاد.. ولكنهم قوم لا يفقهون.. وقوله تعالى: «فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» هو وعيد لهؤلاء المنافقين، الذين فرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، وقالوا لا تنفروا فى الحرّ.. إنهم لن يهنؤهم هذا الفرح، ولن يطول مقامهم فى ظل هذه العافية التي هم فيها.. فما هى إلا أيامهم الباقية لهم فى هذه الدنيا، ثم إذا هم فى العذاب الأليم الدائم، لا يفترّ عنهم وهم فيه مبلسون.. وقوله تعالى: «فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ» .

هو بيان من الله سبحانه للنبىّ، فى موقفه من المنافقين، إذا هو رجع من غزوته تلك.. فإن من هؤلاء المتخلّفين من تخلّف لا عن شك فى دينه، أو ارتياب فى عقيدته، ولكن قعد به فتور همته أن يلحق بالركب، وأن يجمع عزمه المشتت، ليقطع حبال التردد العالقة به، فلمّا أن فاتته الفرصة، ولم يعد فى استطاعته أن يلحق بالجيش المجاهد، استبدّ به الندم، واستولت عليه الحسرة، وضاقت عليه الأرض بما رحبت.. ومن هؤلاء المتخلفين من تخلّفوا عن نية فاسدة، وعقيدة منافقة، ودين مريض.. فهؤلاء هم المنافقون حقّا، وهم الطائفة التي أشار إليها قوله تعالى: «فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ» .. إنّهم يريدون أن يحتفظوا بمكانهم فى المسلمين، وأن يأخذوا موقفهم مع المجاهدين، وذلك بأن يتخيّروا الزمان والمكان اللذين يخرجون فيهما مع المجاهدين.. فإذا كانت الشقة بعيدة، والحرّ شديدا أو البرد قارصا، تبطّئوا، وجاءوا بالمعاذير والعلل، وإن كانت الشقة قريبة، والمغانم دانية، أخذوا مكانهم فى صفوف المسلمين. وفيهم يقول الله تعالى: «لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» (42: التوبة) .. وليست هذه سبيل المؤمنين المجاهدين، وإنما سبيلهم قائمة على نيّة منعقدة أبدا على الجهاد والاستشهاد فى سبيل الله، ومن كانت تلك سبيله، وهذه غايته، فإنه لا ينظر إلى نفسه، ولا يعمل حسابا لمغنم أو مغرم، وإنما حسابه كلّه مضاف إلى الانتصار لدين الله، والإعزاز لكلمة الله. ولهذا ردّ الله سبحانه هؤلاء المنافقين، ومحا اسمهم من ديوان المجاهدين، وأمر نبيّه الكريم أن يبعدهم عنه، وأن يعزلهم عن مجتمع المسلمين المجاهدين،

وأن يكون ردّه عليهم إذا استأذنوه لقتال معه: «لن تخرجوا معى أبدا ولن تقاتلوا معى عدوّا» .. هكذا يلقاهم النبىّ بهذا الحكم القاطع، الذي لا استثناء فيه، ولا رجوع عنه.. «إنكم رضيتم بالقعود أول مرة» . أي أول مرّة دعيتم فيها للجهاد دعوة ملزمة لا تحل منها، وذلك فى غزوة تبوك التي ندب النبىّ لها المسلمين جميعا، كما أمره الله سبحانه وتعالى بذلك فى قوله: «انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ..» (41: التوبة) . فهذه أول مرّة يدعى فيها المسلمون دعوة عامة للجهاد بكل ما يملكون من أنفس وأموال.. وفى قوله تعالى: «وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ» - ما يكشف عن شناعة جرم هؤلاء المنافقين، وفظاعة الجناية التي جنوها على أنفسهم.. ولهذا، فإن الصلة التي بينهم وبين المؤمنين قد انقطعت انقطاعا تاما فى الحياة، وفيما بعد الحياة، حتى لو مات ميّتهم لم يلتفت المسلمون إليه، ولم تعطفهم عليه عاطفة رحم أو رحمة.. وقد نهى الله النبىّ صلى الله عليه وسلم أن يصلى على أحد من موتاهم أو يقوم على قبره، داعيا له مستغفرا.. وهو نهى للمسلمين جميعا، فى جميع الأحوال والأزمان أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى.. أحياء أو أمواتا. «إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ» أي إنهم كانوا على كفر بالله وبرسوله، وقد ماتوا على هذا الكفر.. فلا ينالهم الله برحمته، ولا يرحمهم الراحمون.. وقوله سبحانه: «وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ» - هو تحقير لهؤلاء المنافقين، واستخفاف بما كان لهم فى الدنيا من مال وأولاد.. فإن كثرة هذه الأموال، وهؤلاء

الآيات: (86 - 89) [سورة التوبة (9) : الآيات 86 إلى 89]

الأولاد، لم تكن مبعث سعادة ورضى لهم فى دنياهم، كما يبدو ذلك من ظاهر الحال، ولكنها كانت مثار قلق دائم، وإزعاج متصل لهم، لأن عدم إيمانهم بالله واليوم الآخر أراهم كلّ الذي بين أيديهم، هو فى معرض الهلاك والزوال، لا يلتقون به بعد هذه الحياة، بل ولا يلتقون بأنفسهم بعد أن تحتويهم القبور، ويشتمل عليهم التراب.. فهم فى هذه الحياة، يختطفون اللذات اختطافا، ويختلسونها اختلاسا، بلا أمل فى غد، ولا رجاء فيما بعد غد.. وأنهم كلّما كثرت أموالهم وأولادهم كلّما ازدادت همومهم، وثقلت عليهم مئونة حراستها، ودفع غائلة العدوّ الراصد لها ولهم، وهو الفناء الأبدى، والقطيعة القاطعة بينها وبينهم. وقوله تعالى: «وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ» هو من البلاء المسلط عليهم من أموالهم وأولادهم، إذا كانت هذه الأموال والأولاد من الأسباب التي مدّها الله لهم، لتحجبهم عن الإيمان، وتقيمهم على طريق الكفر، فيعيشون به، ويموتون عليه. إذ كان شغلهم بأموالهم وأولادهم مما أعمى بصيرتهم عن النظر إلى ما وراء الأموال والأولاد.. وفى قوله سبحانه، فى هذه الآية: «وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ» وقوله فى الآية التي قبلها: «وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ» - إشارة إلى أن الكفر والفسق من واد واحد، وأن الكافر فاسق، والفاسق كافر.. إذ الفسق هو الخروج عن طريق الحقّ، والمشاقّة لله ولرسوله وللمؤمنين، وذلك هو الكفر كله. الآيات: (86- 89) [سورة التوبة (9) : الآيات 86 الى 89] وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (86) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (87) لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89)

التفسير: قوله تعالى: «وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ» . أولو الطول: الطول: من طال الشيء بطوله، أي قدر عليه وتمكن منه.. وأولوا الطول: هم أصحاب القدرة التي تمكن لهم من بلوغ ما لا يستطيع غيرهم بلوغه، يجاههم، وسلطانهم، وأموالهم.. والآية الكريمة، تكشف عن وجه آخر من وجوه المنافقين، وتفضح طائفة أخرى من طوائفهم، وهم أصحاب الرياسة، والسيادة، والقدرة فيهم.. هؤلاء المنافقون «إِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ» أي إذا أنزل قرآن يحمل إلى المؤمنين أمرا من الله سبحانه وتعالى، يذكرهم بالإيمان بالله، ويدعوهم إلى الجهاد مع رسول الله.. «اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ» أي بادر أصحاب الطول هؤلاء، إلى التحلل من هذا الأمر، بالاعتذار إلى رسول الله، واستئذانه فى أن يعفيهم من إجابة هذه الدعوة، والجهاد فى سبيل الله.. وفى قولهم «ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ» ما يكشف عن استخفافهم بأمر الله، واسترواحهم للتحلل منه، حتى ليهنؤهم المقام، وتطيب لهم الحياة، فيقعدون مع القاعدين، ويسمرون مع السامرين.. وهذا ما يكشف عنه قوله تعالى: «رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ»

أي قد سولت لهم أنفسهم أن يكونوا مع الخوالف، ممن لا طول لهم ولا حول، من المرضى، والزّمنى، وأصحاب العاهات والعلل، والأطفال، والنساء، والإماء، والعبيد- رضوا أن يكونوا مع هذه الطوائف من الناس، وهم أصحاب طول وحول، لم يكن يرضيهم أبدا أن يكون بينهم وبين هذه الطوائف أمر جامع، أو صفة مشتركة.. فكيف وهم أصحاب الحول الطول ينزلون إلى هذا المستوي الذي يضيفهم إلى مجتمع الصبيان والعبيد؟ ولكن هكذا أرادوا أن يكونوا، وهكذا صنعوا بأيديهم هذا الثوب الذي لبسوه.. ثوب الصّغار والامتهان. وفى قوله سبحانه: «وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ» إشارة إلى أنهم وقد لبسوا ثياب المهانة والخزي بهذا الموقف الذي وقفوه- لا يدركون ما وقع عليهم من ذلة وهوان، إذ كانت أعينهم فى عمى، وقلوبهم فى غفلة، وعقولهم فى ضلال. وقوله تعالى: «لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» هو عرض للوجه الآخر المشرق الوضيء من وجهى هذا الموقف.. من أمر الله بالإيمان، ودعوته إلى الجهاد.. فإذا كان المنافقون، وأصحاب الطول فيهم، قد نكصوا على أعقابهم، ورضوا بأن يكونوا مع الخوالف، فإن النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- والذين آمنوا معه، جاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله.. فما أن دعاهم الله ورسوله إلى الجهاد حتى طاروا إليه سراعا، ونفروا خفافا وثقالا. وإذا كان المخلّفون قد ألبسهم لله بتخلفهم ثوب الخزي ولذلة، فإن رسول الله والمجاهدين معه، قد تلقاهم الله حفيّا بهم، موسعا لهم فى رحاب فضله ورضوانه، فملأ أيديهم من المغانم، وكتب لهم النصر على عدوهم، ومكن لهم فى الأرض،

الآيات: (90 - 92) [سورة التوبة (9) : الآيات 90 إلى 92]

وأعدّ لهم فى الآخرة جنات تجرى من تحتها الأنهار.. ورضوان من الله أكبر.. ذلك هو الفوز العظيم.. وفى قوله تعالى: «وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ» .. العطف هنا بالواو، إشارة إلى ما للرسول والمؤمنين المجاهدين معه، عند الله، من أوصاف كريمة، غير تلك الأوصاف التي وصفها الله بهم، وأن ما وصفوا به هنا ليس إلا من قبيل التنويه والإشارة إلى تلك الأوصاف التي لا تحصر، وإن كان ذكر قليلها يغنى عن كثيرها، لأنها كلها من باب واحد، هو باب الخير والإحسان.. ويكون من مفهوم الآية الكريمة.. لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم.. أولئك رضى الله عنهم، وأنزلهم منازل رحمته وإحسانه «وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» . وفى تكرار الإشارة إلى الرسول والمؤمنين المجاهدين فى قوله تعالى: «وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» تأكيد للتنويه بهم، وتقرير لدرجتهم العالية، ومنزلتهم الكريمة التي أنزلهم الله إياها.. كما أن فى ذلك إشارة إلى أن مقامهم هذا الرفيع الذي هم فيه، لا تبلغه الإشارة التي يقصر عنها النظر، وأنه لكى يمكن أن يرتفع النظر إلى هذا المستوي، ينبغى أن يكون ذلك على مراحل يقطعها صعدا فى الوصول إليهم. «أُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ» .. فانظر إليهم.. إنهم هنا! لا.. إنهم هناك.. ولا.. إنهم فوق هذا.. «أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» فارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير! الآيات: (90- 92) [سورة التوبة (9) : الآيات 90 الى 92] وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (90) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (92)

التفسير: قوله تعالى: «وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ» «الواو» فى قوله تعالى «وجاء» تصل ما انقطع من حديث القرآن عن المنافقين، وما كشف من وجوههم المنكرة، وما فضح من أساليبهم المخادعة المضللة.. والفعل «جاء» فى امتداد مقطعه هكذا «جاء» وفى تذبذب أنغامه بين همس «الواو» وجهر الجيم، وخطف الهمزة- برسم صورة مكتملة الألوان والظلال للمنافقين، وهم فى طريقهم إلى النبىّ، متحاملين متثاقلين، تدور أعينهم هنا وهناك، حذرا من أن تفضحهم أعذارهم التي بين أيديهم، يسوقونها إلى النبىّ، ويدفعون بها فى خوف وخطف واضطراب.. ثم هم فى موكبهم الطويل إلى رسول الله أنماط مختلفة.. منهم.. السفيه الوقح، الذي لا يعرف الحياء وجهه.. فيجىء خفيفا مسرعا، يبادر القوم قبل أن يسبقوه، فيأخذوا عليه الطريق إلى ما يعتذر به، إذ كانوا قد استنفذوا الأعذار بين يدى رسول الله.. ومنهم من لا يعرف له عذرا.. ولكنه لا بدّ أن يعتذر، لأنه لا يريد أن يكون فى المجاهدين.. فيمشى إلى النبيّ متثاقلا متحاملا.. حتى تنكشف له وجوه الأعذار التي يعتذر بها المعتذرون، لعله يقع على واحد منها!! ومنهم من يقطع الطريق إلى النبىّ ولا يبلغه، بل يقف بعيدا يتسمّع الأنباء عن المعتذرين وما يعتذرون به وما يقوله النبىّ لهم! ومنهم.. ومنهم..

إنهم أشكال متعددة، وأنماط مختلفة.. ولكنهم جميعا على طريق النفاق سائرون، وعلى نية التخلف عن الجهاد قائمون.. «وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ» .. والمعذّرون هم أصحاب الأعذار ومختلقوها.. فخلق الأعذار واصطناعها هو عملهم، والصفة الغالبة عليهم.. كما يقال: المهندسون، والمعلمون.. فهم صناع الأعذار، لا صنعة لهم غير هذا.. والأعراب: جمع أعرابى، وهم سكان البادية. وانظر فى وجه النظم القرآنى، يشهدك على هؤلاء الأعراب، وقد جاءوا من شتى الجهات، بعد أن سمعوا دعوة الرسول إليهم بقوله. «انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» - جاءوا لا لينتظموا فى صفوف المجاهدين، ولا ليقاتلوا فى سبيل الله، وإنما جاءوا ليعتذروا عن الجهاد، وليقدموا من المعاذير ما فى جهدهم، كما يقدم المجاهدون فى سبيل الله أموالهم وأنفسهم!! فما أتعس هذا المجيء، وما أشأم ذلك السعى! قوله تعالى: «وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ» هو الوصف الذي وصف به أولئك المعذّرون، والسّمة التي وسموا بها.. فهم الذين قعدوا متخلفين عن الجهاد، وهم الذين افتروا الكذب على الله ورسوله، بهذه الأعذار التي اختلقوها وجاءوا إلى النبىّ بها.. وفى هذا الخبر تهديد ووعيد لهم.. إذ ليس مرادا به الإخبار عنهم، وأنهم قعدوا، وإنما هو خبر يكشف عن جريمة غليظة، ويحدّث عن منكر عظيم.. وفى قوله تعالى: «وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ» حكم عليهم بالإدانة، وبأن هذه الأعذار التي اعتذروا بها إنما هى محض كذب وافتراء.. إذ هم الذين كذبوا الله ورسوله.. وقد عدل عن الضمير إلى الاسم الظاهر، ليعرضوا هذا العرض الكاشف عن كذبهم، ويسمعوا حكم الله عليهم..

وقوله سبحانه: «سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» هو بيان للجزاء الذي أحذ به هؤلاء المعذّرون الذين كذبوا الله ورسوله، وأنهم جميعا من أهل الكفر، ولا مثوى للكافرين غير النار وعذاب السعير. وحرف الجرّ فى قوله تعالى: «سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ» للبيان، لا للتبعيض. فكل هؤلاء المعذّبين من الكافرين فليس فيهم كافر وغير كافر، بل كلهم كافرون. أما أصحاب الأعذار الحقيقة فقد أغناهم الله سبحانه وتعالى عن أن يقفوا هذا الموقف، فعذرهم لله قبل أن يعتدروا، ورفع عنهم الحرج، فى قوله تعالى: «لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ» فهؤلاء أصحاب أعذار ظاهرة، ينطق بها لسان الحال، قبل أن ينطق بها لسان المقال.. فالشريعة الإسلامية قائمة على اليسر، ورفع الحرج عن المؤمنين، فلا إعنات فيها، ولا مشقّة أو عسر فى تكاليفها.. «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها.» فالضعفاء.. من شيوخ، وأطفال، ونساء، وعبيد وإماء، والمرضى وأصحاب العاهات المانعة من السفر والقتال- هؤلاء جميعا ومن فى حكمهم لا حرج عليهم فى أن يتخلفوا عن ركب المجاهدين، «إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ» أي إذا كانت

قلوبهم سليمة عامرة بالإيمان، تربط مشاعرهم بمشاعر المؤمنين المجاهدين فى سبيل الله.. فهم مع المجاهدين بمشاعرهم كلها. يدعون لهم بالنضر، ويتمنون لهم الغلب والسّلامة، ويخلفونهم فى أهلهم، ويقومون على رعاية أبنائهم وأزواجهم، وقضاء حوائجهم، ورفع الضرّ عنهم، ومواساة من أصيب منهم فى أب، أو أخ، أو زوج، إلى غير ذلك ممّا يبعث فى نفس المجاهد الطمأنينة، ويطلق يديه كليهما، ووجوده كلّه، للعمل فى ميدان المعركة، ومواجهة العدوّ.. وبهذا يكون المؤمنون جميعا فى ميدان المعركة. سواء منهم من شهدها وحارب فيها، أو من تخلّف، بما معه من عذر، ونصح لله ورسوله، فى سلوكه الطيب، مع من يخلّفهم المحاربون وراءهم من أهل وولد، وفى مشاعره المتجهة إلى المجاهدين فى ميدان القتال، والدعاء لهم بالنصر وتمنّيه لهم.. وقوله تعالى: «ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ» إشارة إلى أن هذا الذي يبدله المتخلفون من ذوى الأعذار، من نصح لله ورسوله، وراء جبهة القتال، هو غاية ما فى مستطاع هؤلاء المتخلفين، وهو ميدانهم الذي يكون لهم فيه عمل وإحسان.. «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها» . فإذا أعطى المؤمن- فى باب الإحسان- ما وسعته نفسه، فهو فى المحسنين.. وقوله سبحانه: «وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» إشارة أيضا إلى أن الذي يوجّه نفسه للإحسان، ويعمل له، هو محسن، وإن قصّر فيما عمل، ولم يبلغ غاية الإحسان.. فرحمة الله واسعة، ومغفرته شاملة، يتقبل من المحسنين أحسن ما عملوا، ويتجاوز عن سيئاتهم، كما يقول سبحانه: «أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ» (16: الأحقاف) . وقوله تعالى: «وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا

ما يُنْفِقُونَ» - هو معطوف على قوله تعالى: «لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى..» أي ليس حرج على هؤلاء الذين أتوك لتحملهم، أي تهيىء لهم مركبا ينقلهم إلى ميدان الجهاد.. والخطاب للنبىّ صلى الله عليه وسلم، وقد جاءه جماعة من فقراء المسلمين، صحّت نيتهم على الغزو والجهاد، ولكنهم عجزوا عن أن يجدوا مركبا يركبونه، فجاءوا إلى النبىّ صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يحملهم معه فى جيش المجاهدين، ولم يكن بين يدى النبىّ، ولا فى جيش المسلمين ما يحملهم عليه، فقال لهم- صلوات الله وسلامه عليه: «لا أجد ما أحملكم عليه» .. فامتلأت نفوسهم أسى وحسرة، وفاضت دموعهم ألما وحزنا، أن فاتهم حظهم من الجهاد، وإن لم يكن فى أيديهم ما ينفقونه فى سبيل الله، وفى إعداد المركب الذي يحملهم مع المجاهدين: «تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ» .. وهؤلاء هم الذين عرفوا فى المسلمين بالبكائين. وإذا كان بكاء الرجال مذموما فى كل موطن، إلّا أنه هنا فى هذا المقام- مقام التعامل مع الله- محمود غاية الحمد، بل ومطلوب من المؤمن أن يكون هنا حاضر الدمعة غزيرها.. وفى الحديث: «إن لم تبكوا فتباكوا» .. فالدمعة هنا دمعة عزيزة على الله، لا تقع على الأرض، كما تقع دموع الباكين، فتضيع بددا.. وإنما تتلقاها ملائكة الرحمن، فإذا هى نهر جار من نور، يغمر فيه صاحبها، فإذا هو خلق من نور، أصفى من الجوهر، وأضوأ من شمس الضحى، يقول الرسول الكريم: «عينان لا تمسّهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس فى سبيل الله..» . تم الجزء العاشر، ويليه الجزء الحادي عشر.. إن شاء الله المؤلف

الآيات: (93 - 99) [سورة التوبة (9) : الآيات 93 إلى 99]

[الجزء السادس] [تتمة سورة التوبة] الآيات: (93- 99) [سورة التوبة (9) : الآيات 93 الى 99] إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (93) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (96) الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99) التفسير: فى الآية السابقة على هذه الآيات، رفع الله الحرج عن الضعفاء والمرضى، وعن الذين لا يجدون ما ينفقون، إذا هم لم يكونوا فى موكب المجاهدين الذين يلقون العدوّ فى ميدان القتال، إذ كانوا ومعهم أعذارهم التي تحول

بينهم وبين القيام بهذا الأمر الذي ندب الله سبحانه وتعالى المؤمنين له.. «لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ... ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ» .. (الآية 91) . وفى هذه الآية: «إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ» اتهام ومؤاخذة لمن تخلّفوا عن الجهاد، ولا عذر لهم.. لأنهم قادرون- بأشخاصهم على أداء هذا الواجب المفروض عليهم، فهم ليسوا ضعفاء، أو مرضى، وهم قادرون بأموالهم على أن يجدوا الزاد الذي يتزودون به للسفر.. من طعام، وحمولة، وسلاح..! وعلّة واحدة لا غير، هى التي قعدت بهم عن أن يكونوا فى المجاهدين، هى أنهم «رضوا بأن يكونوا مع الخوالف» .. إنه لا شىء يقعدهم عن هذا الأمر إلا إيثارهم العافية والسلامة لأنفسهم، وإلّا ضنّهم بالمال وبالجهد عن البذل فى سبيل الله.. وذلك خذلان منهم لله، فكان أن خذلهم الله، «وطبع الله على قلوبهم» فلم يروا بها سوء ما هم عليه.. «فهم لا يعلمون» ما وقع عليهم من غبن فى هذا الموقف الذي وقفوه من أمر الله، والجهاد فى سبيل الله.. وفى مخالفة النظم لمقتضى السياق، فى قوله تعالى: «إنما السبيل» إذ كان من مقتضى السياق أن يكون: «إنما الحرج» - فى هذا ما يشير إلى ما بين الحالين من اختلاف.. فالضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون- هؤلاء ومن على شاكلتهم، واقعون تحت عفو الله، غير مطالبين بما هو مطلوب من أهل القوة والصحة والغنى.. فلا حرج عليهم، ولا جناح، إذا هم كانوا من المتخلفين.. أما هؤلاء الأغنياء الذين تخلّفوا عن قدرة، فهم فى مقام المؤاخذة، وفى معرض الجزاء والعقاب، ومن هنا كان السبيل مفتوحا، والطريق مكشوفا

للجزاء الذي هم أهل له، وللعقاب الذي لا بدّ هو واقع بهم، إن عاجلا وإن آجلا ... ويشهد لهذا المعنى، قوله تعالى: «إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ» (42: الشورى) .. فهؤلاء الذين يظلمون الناس ويبغون فى الأرض بغير الحق، قد عرّضوا أنفسهم للنقمة والبلاء، وإنّه لا عاصم لهم يدفع عنهم هذا البلاء الذي سيحل بهم.. وقوله سبحانه: «فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا» (90: النساء) أي أن هؤلاء الكافرين الذين اعتزلوا القتال الذي بين المسلمين وبين الكافرين، وفاءوا إلى السّلم، ولم يبسطوا أيديهم أو ألسنتهم بأذى للمسلمين- فليس للمسلمين سبيل إلى قتالهم.. فانظر فى وجه هذا الكلام المشرق، تجد أنه كلام- وإن أخذ من أفواه الناس- قد نظمته بد القدرة، وجاءت به على هذا الإعجاز المبين.. فسبحان سبحان من هذا كلامه. وقوله تعالى: «يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ.. قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» . هو إخبار للنبىّ والمؤمنين، وإنذار للمنافقين وذوى الأعذار الكاذبة، إخبار بما سيكون من هؤلاء المنافقين والمعذّرين حين يلقون النبىّ والمؤمنين بعد عودتهم من غزوة تبوك- بما لفّقوا من أعذار، وما نسجوا من أكاذيب، يبرّرون بها تخلفهم عن الجهاد مع المجاهدين.

وقد أمر الله النبىّ والمؤمنين أن يبهتوا هؤلاء المعذّرين، وأن يفضحوهم على رءوس الأشهاد.. «لا تَعْتَذِرُوا.. لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ» .. أي لن نصدّق ما تعتذرون به، ولن نقبله.. وليس هذا مما يشهد به حالكم، وتفضحه ألسنتكم وحسب، وإنما هو مما علمه الله منكم، وأطلع نبيّه عليه: «قد نبأنا الله من أخباركم» . - وقوله تعالى: «وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ» أي سيرى الله ورسوله ما يكون منكم بعد هذا من مواقف حيال الإسلام والمسلمين، من بغى وعدوان، ومخادعة ونفاق، أو مسالمة وسلام.. ومعنى الرؤية هنا، العلم القائم على واقع الحال.. وهذا ما جعل الرؤية معلقة على المستقبل: «وسيرى الله عملكم ورسوله» أي فى حال تلبّسهم بما يعملون. أما رؤية الله سبحانه فهى مطلقة تشمل الزمان والمكان جميعا.. - وقوله سبحانه: «ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» تهديد لهؤلاء المعذّرين، بوضعهم تحت المراقبة التي لا تغفل، والتي تعلم سرّهم وجهرهم، وتأخذهم جميعا بما عملوا، فلا يفلت منهم أحد. قوله تعالى: «سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» . يكشف عمّا فى وجوه المنافقين من صفاقة، وأنهم لا يكترثون كثيرا بما يحببهم به النبىّ والمؤمنون من ردّ وردع، ومن تكذيب وبهت..

والمنافق لا يلبس أثواب النفاق إلّا إذا كان صفيقا، لا يعرف الحياء سبيلا إليه، ولو كان فى وجه المنافق شىء من الحياء، لما رضى لنفسه أن يلقى الناس بشخص غير شخصه، وبوجود غير وجوده! وليس هكذا شأن المؤمن بالله.. إنه بإيمانه بالله، واستناده إلى أقوى الأقوياء، لا يرى فى هذا الوجود قوة يخشى بأسها، أو يرهب سلطانها، مادام مستمسكا بالحق، مستقيما على طريق العدل والإحسان.. ورحم الله البوصيرى إذ يقول: ومن تكن برسول الله نصرته ... إن تلقه الأسد فى آجامها تجم فالاستنصار برسول الله، هو التمسك بالشريعة التي جاء بها صلوات الله وسلامه عليه، فذلك هو الإيمان بالله، والله سبحانه وتعالى يقول: «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ..» وهكذا، كل من استقام على طريق الحق، يجد من نفسه القوة التي تنأى به عن سفساف الأمور، وترفعه عن الدنايا، فلا يأتى ما يخلّ بالمروءة، أو يشين الشرف..! وليس هذا فى الإنسان وحده، بل إنه فى عالم الحيوان.. فالحيوان الضعيف، يقوّى ضعفه بالاحتيال والمخادعة.. على حين أن الحيوان القوى يأخذ فى حياته خطّا مستقيما واضحا.. وشتان بين الثعلب، والأسد.. فذاك من ضعفه مخادع مخاتل، وهذا من قوته ظاهر واضح. ذاك يأكل الجيف ولا يعافها، وهذا يعفّ عن أن يلوّث فمه بالميتة وإن هلك جوعا..! وأكثر من هذا، فإن عالم النبات يجرى على هذا الأسلوب من الحياة.. الشجرة القوية، الطيبة، لا تأوى إليها الهوام، ولا تندس فيها الحشرات.. على حين

أن الأشجار الواهية الضعيفة تكون مباءة للآفات، ومرتعا للحشرات والهوامّ.. وأكثر من هذا أيضا.. عالم الجماد تجد فيه هذه الظاهرة واضحة على أتمّها.. فالأرض الصلبة لا تشوّه وجهها الأخاديد والحفر..! والمرتفع من الأرض لا يكون مستودعا للمياه الراكدة، والمستنقعات.. وقمة الجبل لا تكون محطّا لخسيس الطير أبدا.. القوّة أبدا.. هى موطن السلامة والعافية، وهى مستودع الخير والحسن.. فإذا كانت القوة قوة منبعثة من إيمان يعمر القلب، ويغذّى الوجدان، كانت قوة كلّها خير، ورحمة، وإحسان. والإيمان هو الزاد الذي يغذّى القوة الروحية فى الإنسان، ذلك الزاد الذي تتجمع عناصره من الأعمال الصالحة التي نمت فى ظل الإيمان، والتي تجمعها التقوى التي يقول الله سبحانه وتعالى فيها: «وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى» فهؤلاء المنافقون الذين ردّهم النبىّ والمؤمنون، وفضحوا ما جاءوا إليهم به من أعذار- هاهم أولاء يجيئون إلى النبىّ والمؤمنين بوجه آخر من وجوه نفاقهم، يجيئون بأعذارهم تلك التي كذّبها الله، وفضحها النبىّ والمؤمنون، فيزكّونها بالحلف كما يذكّى الذابح البهيمة بالذبح، بعد أن تموت وتتعفّن!! وماذا يريدون بهذا الحلف الكاذب؟ يريدون أن يقبل النبىّ والمؤمنون أعذارهم، وأن يصدقوا منهم هذا الكذب المفضوح، وبهذا يتحقق لهم أمران: الأمر الأول: عدم فقدان الثقة فى أنفسهم، وفى تلك البضاعة التي يتعاملون بها، لأنه لا وجود لهم إذا أفلت من بين أيديهم هذا الزاد الذي يعيشون فيه، وبارت تلك البضاعة التي هى رأس مالهم فى الحياة..

وثانى الأمرين- وهو تبع للأمر الأول- أن يعرض النبىّ والمؤمنون عنهم، فلا يأخذونهم باللّوم، ولا يضعونهم موضع الاتهام.. وقد دعا الله النبىّ والمؤمنين أن يعرضوا عنهم، ولكن لا إعراض المصدّق أو المتسامح، بل إعراض المشمئز المتقزّز النافر من شىء كريه، تؤذيه رائحته: «إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» .. فإنهم لو سلموا من أذى النبىّ والمسلمين، فلن يسلموا من عقاب الله، ومن عذاب السعير المعدّ لهم.. قوله تعالى: «يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ» . هو بيان لحلف يحلف به المنافقون، يريدون به أكثر مما يريده الذين حلفوا منهم، وكانوا يريدون به أن يعرض عنهم النبي والمؤمنون، فلا ينالوهم بأذى.. أما هؤلاء، فإنهم يبغون بحلفهم أن يرضى النبىّ والمؤمنون عنهم، وأن يخلطوهم بهم..! وقد أيأس الله المنافقين من أن ينالوا بحلفهم هذا الرضا الذي طلبوه، وأنه حتى لو رضى النبي والمؤمنون عنهم- وهذا ما لا يكون أبدا- فلن يرضى الله عنهم: «فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ» .. قوله تعالى: «الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» . تشير الآية الكريمة هنا إلى ما للبيئة من أثر فى طبيعة الإنسان، وفى رسم معالم شخصيته، وتحديد مواقفه من الحياة.

والبادية، وما فيها من جفاف، وجدب وقسوة، قد طبعت الكائنات فيها- وبخاصة الإنسان- بطابعها الجاف الجديب القاسي.. وفى المثل: «من بدا جفا» . ومن هنا كانت الطبيعة الحادّة فى نفس البدوىّ، ذاهبة به مذهب الغلوّ والتطرف.. فالمنافقون من أهل البادية على نفاق أشد وأسوأ من نفاق سكان الحضر.. وكذلك كفرهم.. هو كفر غليظ كثيف مغلق، لا تطلع عليه ضوءة من الحق أبدا، وإنهم لبعدهم عن مواقع الهدى من رسول الله، ومن المؤمنين، قد فاتهم خير كثير، إذ لم يعلموا ما بين يدى الله من دين الله، ومن شريعة الله.. ومن علم منهم شيئا من هذا، لم يعلمه علم تحقق ويقين.. وفى قوله تعالى: «وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» دعوة لهؤلاء الأعراب أن ينزعوا لباس البداوة، وأن يخرجوا من حياتهم تلك، إلى حياة الحضر، وأن يقتربوا من مواطن العلم والمعرفة، حيث يلقون رسول الله، ويأخذون عنه، ويخالطون المؤمنين، ويحذون حذوهم.. فالله سبحانه «عليم حكيم» ولا يعرف الطريق إلى الله، ويحسن التعامل معه، إلا أهل العلم والحكمة.. فالإسلام إذ يشنع على البداوة، وإذ يصم أهلها بالنفاق الكريه، والكفر الغليظ، والجهل الفاضح- الإسلام بهذا يدعو إلى العمران، ويحرض على المدنية، ويبغض إلى الناس العزلة والوحشة وقبول الحياة، كما هى، من غير معالجة لأشيائها، ووضع بصمة الإنسان العالم الحكيم عليها.. قوله تعالى: «وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ

بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» الأعراب الذين دخلوا فى الإسلام على غير علم أو نظر، لم يكن لهذا الدين أثر فى نفوسهم، ولا لشريعته حساب فى ضمائرهم.. إنهم مسلمون، وليسوا مؤمنين، كما وصفهم الله سبحانه وتعالى بقوله: «قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ» .. (14: الحجرات) هؤلاء الأعراب إذا دعوا إلى الإنفاق فى سبيل الله، بحكم أنهم مسلمون، تجب عليهم الزكاة، كما يجب عليهم الجهاد بالمال والنفس فى سبيل الله- إذا دعوا إلى الإنفاق لم ينفقوا إلا تحت هذا الحكم الملزم لهم، لا عن طواعية واختيار، ولهذا يعدّون ما ينفقون فى هذا الوجه مغرما، لأنهم أنفقوه فى غير ما يشتهون، فهم لهذا ينظرون إلى الوجه الذي أنفقوه فيه نظر حقد وكراهية، ويتربصون بالمسلمين وبالمجاهدين الدوائر، أي يتمنون لهم الهزيمة والضياع، حتى لا يكون للإسلام يد عليهم تأخذ من أموالهم ما تأخذ من صدقات.. والدوائر جمع دائرة، وهى خط أشبه بالحلقة، يدور حول نقطة ارتكاز فى وسطه.. وقد استعيرت للشر يقع بالإنسان أو الجماعة، فى مجال الصراع مع قوة أخرى معادية، فيقال دارت عليهم الدائرة، أي هزموا، وذلك يعنى أنهم قد أطبق عليهم العدوّ وأحكم عليهم إغلاق طريق الإفلات أو الفرار، فكانوا وكأنّ العدوّ دائرة عليهم. وقد ردّ الله على المنافقين الذين يتربصون بالمؤمنين الدائرة بقوله: «عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ» .. فقضى الله عليهم هذا القضاء، وتوعدهم به، وهو أن الدائرة التي ينتظرونها فى المسلمين، لن تقع فى المسلمين، الذين سيكتب الله

لهم العزة والغلب، وإنما ستحلّ الدائرة بهؤلاء المنافقين، وسينزل بهم الخزي والسوء. وفى قوله تعالى: «وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» تهديد لهؤلاء المنافقين بمراقبة الله سبحانه وتعالى لهم، واطّلاعه على ما يسرّون وما يعلنون، وأنه سبحانه مؤاخذهم بما كانوا يكسبون.. قوله تعالى: «وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ.. أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ.. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» . ليس الأعراب جميعا على حال سواء، فإذا كانت الصحراء تنبت الشوك والحسك، وتؤوي الوحوش والحيّات، فإنها تخرج العرار «1» والريحان، وتتحلّى بالظّباء والنّعام.. وإذا كان فى أعراب البادية، الجفاة، وأهل الوحشة والجهالة، فإن فيهم ذوى النفوس الرقيقة، والقلوب المتفتحة، والوجدانات الشفيفة.. التي تذوب رقة وعذوبة.. إن هؤلاء أشبه بالأنسام العليلة الرطبة، التي تهمس بها أنفاس الصحراء بين الحين والحين فى آذان الأصائل والأشجار، فتبعث الرّوح والعافية فى كيان الأحياء، التي كادت تهلك من لفحات الهجير، ووقدات السّموم! .. ففى أعراب البادية الشعراء، والحكماء، وأصحاب الفراسة والألمعية التي تلمح بذكائها الفطري ما لا تلمحه العين المبصرة وراء المجهر، وتكشف بصدق حدسها وظنّها من خفايا النفوس، ما لا يكشفه عالم النفس بأدوات علمه، ومقاييس فنّه. والذين دخلوا الإسلام من هؤلاء الأعراب، من ذوى النظر، والحكمة، قد عرفوا هذا الدّين معرفة كاشفة، فازدادت به بصائرهم استضاءة وتألفا،

_ (1) العرار: نبت طيب الريح.

واستروحت منه قلوبهم روح الطمأنينة واليقين.. فصحبوا هذا الدين صحبة المؤاخاة والمخالطة، وعايشوه معايشة الأمن والعافية، وأمسكوا به إمساك الأرض الطيبة هو اطل الغيث السّخىّ.. فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج. فإذا أنفق هؤلاء المؤمنون من الأعراب نفقة فى سبيل الله احتسبوها قربات يتقربون بها إلى الله، ويبتغون بها مرضاته، ويلتمسون منها صلوات الله وبركات دعائه.. وفى قوله تعالى: «وَصَلَواتِ الرَّسُولِ» بالعطف على قوله سبحانه: «قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ» إشارة إلى أن صلوات الرسول، أي دعاءه لمن يقدّم له الصدقات، هى مما يتقرب به المتقربون إلى الله.. فهى صدقات إلى صدقاتهم، يضيفها الرسول إليهم لتزيد فى قربهم إلى الله.. فلقد، كان الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- يصلّى على المتصدق، أي يدعو له، بالخير، والبركة، وذلك امتثالا لقوله تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ» .. وقوله تعالى: «أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ» هو توكيد للمفهوم الضمنى الذي أفاده عطف صلوات الرسول على قوله تعالى: «قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ» .. فهذه الصلوات والدعوات من الرسول هى قربة لهم عند الله، بمعنى أن دعاء الرسول للمؤمن، يعنى رضا الرسول عنه، وهذا الرضا هو فى ذاته قربة عند الله للمؤمن، ينال به رضا الله ومغفرته، سواء أكان دعاء الرسول ورضاه عن نفقة أنفقها المؤمن، أو عن كلمة طيبة قالها، أو مسعى حميد سعى به بين المسلمين، أو موقف كريم وقفه، أو مشهد حسن شهده.. وقد دعا الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- لعثمان رضى الله عنه، حين أنفق ما أنفق فى تجهيز جيش العسرة فقال: «اللهم ارض عن عثمان فإنى أصبحت عنه راضيا» ! فكان عثمان بذلك أحد العشرة المبشرين بالجنّة.

الآيات: (100 - 106) [سورة التوبة (9) : الآيات 100 إلى 106]

وقوله تعالى: «سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» - هو الجزاء الذي سيجزيه الله هؤلاء الذين أنفقوا فى سبيل الله، فنالوا رضا الله عنهم، ورضا رسوله، وصلواته عليهم.. الآيات: (100- 106) [سورة التوبة (9) : الآيات 100 الى 106] وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (101) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102) خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106) التفسير: «وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ

خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» مناسبة هذه الآية لما قبلها أنها تعرض صورة مشرقة للمؤمنين، الذين يتجلّى عليهم الله سبحانه وتعالى برضوانه، وينزلهم منازل فضله وإحسانه، وذلك بعد أن عرض فى الآية السابقة عليها صورة مضيئة، انبثقت من بين ظلام البداوة، وطلعت من مهابّ سمومها وهجيرها.. فالسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان- هم الإنسانية الكريمة الوضيئة، يتمثل فيهم كل ما يمكن أن تعطيه الإنسانية من ثمر طيّب مبارك.. فهم من الإنسانية بمنزلة هذه القلّة من أعراب البادية، الذين خلصوا من كدر البادية، وسلموا من أدرانها وأوضارها.. والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار.. هم الذين سبقوا إلى الإسلام، فكانوا الكوكبة الأولى التي تقدمت ركبه الميمون، وكانوا الكواكب الدّريّة التي بين يد فجره الوليد.. أولئك هم الذين حملوا أعباء الدعوة الإسلامية، واحتملوا- فى صبر ورضا- مواجهة العاصفة التي هبّت عليهم عانية مزمجرة، تحمل فى كيانها جهالة الجاهلية، وحماقاتها، وسفاهاتها، وعتوّها وضلالها.. فكان لهم عند الله هذا المكان الكريم، وتلك المنزلة التي اختصهم بها، وأفردهم فيها.. فمن أراد أن يلحق بهم ويضاف إليهم، فسبيله إلى ذلك أن يقفو أثرهم، ويتبع سبيلهم، ويحسن كما أحسنوا، ويبلى كما أبلوا.. فذلك هو الثمن لمن يطلب رضا الله، ويطمع فى أن يكون مع أحبابه وأصفيائه.. فيكون بهذا مضافا إليهم مع الذين اتبعوهم بإحسان. وفى قوله تعالى: «بِإِحْسانٍ» هو قيد مؤكّد، يكشف عن الإحسان الذي يكون من متابعة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والتأسّى بهم..

فمتابعتهم هى إحسان، وقوله تعالى: «بِإِحْسانٍ» هو توكيد لهذا الإحسان الذي تنطوى عليه المتابعة.. وهذا يعنى أن ما كان من السابقين من المهاجرين والأنصار، هو إحسان كلّه، فمن تابعهم، وتأسّ بهم على ما كانوا عليه، فهو محسن.. كل الإحسان!. وقوله تعالى: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» هو عرض كاشف لمنزلة هؤلاء الصفوة من عباد الله، وأنّ الله رضى عنهم، بما كان منهم من إحسان، وأنّهم رضوا، بما أرضاهم الله به، ونعموا فيه.. وفى قوله تعالى: «وَرَضُوا عَنْهُ» رضوان فوق رضوان من عند الله، يحفّهم به، ويزيدهم نعيما إلى نعيم.. إذ جعل الله سبحانه وتعالى رضاهم عنه بما أعطاهم معادلا لرضاه عنهم، حتى لكأنه سبحانه وتعالى، يتبادل الرضا معهم، فيرضى عنهم، ويرضون عنه.. فسبحانه، ما أعظم لطفه، وما أوسع فضله، وما أكرم عطاءه، وأسبغ إحسانه! قرئ: «والأنصار» بالرفع. على الاستئناف.. وفى هذه القراءة يكون قوله تعالى «وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ» مقصورا على المهاجرين وحدهم.. وهذه القراءة ينقضها التفسير العملىّ للآية الكريمة التي احتج بها أبو بكر رضى الله عنه على الأنصار، وجعلها مستنده فى تقديم المهاجرين على الأنصار، فقال فى خطبة «يوم السقيفة» مخاطبا الأنصار: «أسلمنا قبلكم، وقدّمنا فى الكتاب عليكم، فقال تعالى «وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ» فنحن الأمراء، وأنتم الوزراء.. وهذا يعنى أن الأنصار شركاء للمهاجرين فى هذا الفضل، الذي تطلب الخلافة به، وأن المهاجرين إذا كانوا أولا، فالأنصار ثانيا، كما جاء ذكرهم فى

القرآن الكريم: «وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ» فذكر المهاجرون أولا، ثم الأنصار ثانيا.. وإذا كانت واو العطف النحوية لا تفيد ترتيبا، ولا تعقيبا، فإن واو العطف القرآنية، تفيد ترتيبا وتعقيبا.. هكذا دائما. فى كل مقام وقع فيه العطف بين متعاطفين أو أكثر.. وأما قوله تعالى: «وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ» .. فهو معطوف كذلك على ما قبله عطف نسق، بمعنى أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوا السابقين من المهاجرين والأنصار، هم جميعا ممن رضى الله عنهم ورضوا عنه، وأعدّ لهم جنات تجرى تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا.. وإن كان ثمة تفاضل فهو فى الدرجة، وليس فى الرتبة. والأنصار أعنى السابقين الأولين منهم، وهم الذين بايعوا النبىّ بيعتى العقبة. الأولى والثانية قبل الهجرة، والذين استجابوا له، وأقاموا المجتمع الإسلامى الأول بالمدينة، وكانوا حصن الإسلام والمسلمين- هؤلاء جديرون بأن يشاركوا المهاجرين الأولين منزلتهم، وأن يزاحموهم بالمناكب عليها، وإن كان فضل الله أوسع وأرحب من أن يقع فى رحابه زحام أو صدام.. وكذلك الذين جاءوا من بعد المهاجرين الأولين والأنصار، وسلكوا طريقهم، وساروا سيرتهم، هم جديرون بأن يلحقوا بهذا الركب الميمون، وأن يكونوا منه غير بعيد.. فإذا كانت مع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار آيات النبوّة، ونفحات النبىّ، فسبقوا إلى الإيمان، ودانوا له، وأعطوه ولاءهم كاملا، حتى اشتمل عليهم ظاهرا وباطنا، وكان حريّابهم أن يبلغوا من الصفاء والشفافية واليقين ما بلغوا، مما تتقطع دونه الأعناق- إذا كان ذلك كذلك، فإن الذين

يجيئون من بعدهم فى أجيال الإسلام المتعاقبة إلى يوم القيامة، ويؤمنون إيمانا أقرب إلى إيمانهم، ويأخذون سمتا مدانيا لسمتهم- هم أهل لأن يلحقوا بهم، وأن ينزلوا منزلتهم، إذ أنهم آمنوا وأحسنوا، ولا نبوة بين أيديهم، ولا نبىّ يملأ حياتهم هدى ونورا.. يقول ابن مسعود رضى الله عنه: «إنّ أمر محمد كان بيّنا لمن رآه.. والذي لا إله غيره ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب، ثم تلا قوله تعالى: «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» هذا وقد جاء ذكر هؤلاء الصفوة من المؤمنين، من السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان- جاء ذكرهم على هذا الترتيب فى قوله تعالى: «لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» (8- 10: الحشر) . وهكذا الإسلام، طريقه مفتوح دائما لأصحاب النفوس الطيبة، والقلوب السليمة، والعزائم الصادقة، يرتادون فيه منازل الرضوان، وينزلون منها حيث

يبلغ جهدهم، وتحتمل عزماتهم.. وهكذا يدخل المسلمون جميعا، بل الناس جميعا، تحت قوله تعالى: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ» .. ففى ذلك فليتنافس المتنافسون، ولهذا فليعمل العاملون.. قوله تعالى: «وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ» بعد هذه الصورة المشرقة التي عرضتها الآية السابقة لأهل السبق والإحسان وما أعدّ لهم من نعيم، وما أسبغ عليهم من رضا- جاءت هذه الآية لتعرض صورة معتمة طامسة، لأهل الزيغ والضلال، وتكشف عن وجوه منكرة للإنسانية حين تفسد فطرتها، وتشوه معالم إنسانيتها.. وذلك ليكون لهؤلاء المنافقين الضالين نظر فى أنفسهم، ورجعة إلى ربهم، إن كانت قد بقيت فيهم بقية صالحة لنظر واعتبار. ففى الأعراب الذين حول المدينة منافقون، وفى المدينة ذاتها منافقون.. وهؤلاء وأولئك جميعا قد مردوا على النفاق، أي شبوا عليه، ورضعوا أخلاقه وهم شباب مرد، فمرنوا عليه، وخف عليهم محمله، إذ شب معهم وصار بعضا منهم، أشبه بالجارحة من جوارحهم.. وفى قوله تعالى «لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ» تهديد ووعيد لأولئك المنافقين الذين برعوا فى النفاق، وصاروا أساتذة فيه، حتى لا يكاد يطلع عليهم أحد، وهم يتعاملون به، ويتعاطون كئوسه مترعة! ولكن الله يعلمهم، وهو- سبحانه- الذي يتولى حسابهم ويأخذهم بذنوبهم، بل ويفضحهم فى هذه الدنيا، بما ينزل من آيات فيهم.. وقوله تعالى: «سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ» .. اختلف المفسرون فى عذاب المنافقين مرتين.. ولم نجد عندهم ما نرضاه ونستريح إليه..

ونقول- والله أعلم-: إن عذاب المنافقين مرتين هو فى النصر الذي يتحقق للإسلام، وفى المغانم التي تمتلىء بها أيدى المسلمين، هذا عذاب من أحد العذابين، الذي تتقطع به قلوب المنافقين كمدا وحسرة.. أما العذاب الآخر، فهو ما يصيبهم فى أنفسهم من بلاء على أيدى المؤمنين، حيث يجرفهم تيار الإسلام، ويزعج أمنهم وسلامتهم، ويخرجهم من ديارهم وأموالهم كما حدث مع اليهود.. أما العذاب العظيم الذي يردّون إليه بعد هذين العذابين، فهو عذاب الآخرة، «يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (55: العنكبوت) قوله تعالى: «وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» . هو إشارة إلى صنف آخر من الذين نافقوا فى غزوة تبوك، فتخلفوا عنها بأعذار ملفّقة، وتعللوا بتعللات كاذبة، وقد وقع فى أنفسهم النّدم على ما كان منهم، وجاءوا إلى النبىّ معترفين بذنوبهم، ومنهم الثلاثة الذين خلّفوا، والذين ذكرهم الله بعد ذلك فى قوله سبحانه: «وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا» . فهؤلاء المخلّفون، قد خلطوا عملا صالحا كان منهم قبل هذا التخلف، بآخر سيّىء، هو هذا التخلف عن رسول الله وعن المؤمنين فى غزوة تبوك.. - وفى قوله تعالى: «عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» دعوة لهم إلى المبادرة بالتوبة، والانخلاع مما تلبّسوا به من خلاف لله ولرسوله. فإنهم إن أخلصوا نيّاتهم، وأخلوا قلوبهم من وساوس النفاق، ورجعوا إلى الله تائبين- كانوا بمعرض الصفح والمغفرة، فإنهم يطلبون الصفح والمغفرة من رب غفور رحيم.

قوله تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» - هو تحريض للمؤمنين عامة، ولهؤلاء المذنبين خاصة على البذل والإحسان فى سبيل الله، فإن إنفاق المال فى سبيل الله هو عدل الجهاد بالنفس، وهو تطهير للمتصدق، وتزكية له من الأوضار والآثام التي تعلق به. - وفى قوله سبحانه: «مِنْ أَمْوالِهِمْ» إشارة إلى أن المطلوب بذله فى وجوه الإحسان من المال، هو بعضه لا كلّه، وفى ذلك رحمة بالناس. - وفى قوله تعالى: «وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ» - أكثر من إشارة: فأولا: أن فى صلاة النبىّ على المتصدّق، ودعائه له، مجازاة عاجلة بالإحسان، يجد المتصدّق أثرها فى نفسه، وبردها على قلبه، فيشيع فى كيانه الرضا، وتملأ قلبه السكينة. وهذا أدب ينبغى أن يتأدب المسلمون به، فيلقون إحسان المحسن بالحمد والشكران، فإن ذلك أقلّ ما يجزى به، والله سبحانه وتعالى يقول: «هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ» .. وبهذا تتفتح النفوس للخير، وتسخو الأيدى بالإحسان.. وثانيا: أن الإحسان فى ذاته جدير بأن يحمد للمحسن فى كلّ إنسان، سواء أصابه شىء من هذا الإحسان أم لم يصبه، فهو عمل طيب، وصنيع مبرور، وكما ينبغى على المؤمن أن ينكر المنكر لذاته، كذلك يجب عليه أن يحمد المعروف لذاته.. وبهذا يشيع فى الناس الخير، وتتكاثر أعداد المتعاملين به.

والرسول- صلوات الله وسلامه عليه- إنما يدعو للمتصدقين، ويصلّى عليهم، لا لأنه يحتجز صدقاتهم لنفسه، ويضمها لذات يده، وإنما لأنها خير مبذول فى وجوه الخير، وبرّ مرسل فى سبيل الله.. وهو- صلوات الله وسلامه عليه- قائم على رسالة الخير والبرّ. هذا، وقد قيل فى سبب نزول هذه الآية: إن الثلاثة الذين خلّفوا، حين اعترفوا بذنوبهم، ونزل فى قبول توبتهم قوله تعالى: «وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا» ، جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأموالهم، فقالوا: هذه أموالنا التي خلّفتنا عنك، فخذها وتصدّق بها عنا، فقال النبىّ: «ما أمرت» فنزلت الآية: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً» . وهذا سبب غير واضح، وغير مناسب لهذا الموقف، فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد كرّم هؤلاء الثلاثة الذين خلّفوا، وقبل توبتهم، وأنزل فى ذلك قرآنا، فكيف لا يقبل الرسول صلوات الله وسلامه عليه ما يقدّمون من صدقات؟ أليسوا مؤمنين؟ أليسوا ممن تجب عليهم الزكاة؟ أليسوا ممن يطلب إليهم الإحسان ويقبل منهم.؟ والذي نستريح إليه، هو أن الآية أمر مطلق ببذل الصدقات، وأن مناسبة ذلك هو ما عرض من آثام المنافقين وجرائمهم، فناسب ذلك أن يجىء الأمر بالدعوة إلى الزكاة، التي من شأنها تطهير الآثمين.. وفى توجيه الأمر للنبى صلوات الله وسلامه عليه بقبولها، تحريض للمسلمين على أدائها، وإشارة دالّة على اليد الكريمة التي تتناولها منهم، والجزاء الحسن الذي تجزيهم به.. وليس هذا فحسب، بل إن الله سبحانه وتعالى هو الذي يتقبل منهم صدقاتهم، كما تشير إلى ذلك الآية التالية..

قوله تعالى: «أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» .. فى الآية وعد كريم من الله سبحانه وتعالى بأنه يقبل التوبة عن عباده. فيلقى التائب منهم بالقبول والمغفرة، ويتقبل ما يقدّم من صدقة.. وهذا ينقض ما قيل فى سبب نزول الآية: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً» . كما أشرنا إلى ذلك من قبل.. فإن من قبل الله توبته، لم يردّ صدقته.. والاستفهام هنا تقريرى، وضمير الفصل هو توكيد لاختصاص الله سبحانه وتعالى وحده بقبول التوبة، ومنح العفو والغفران.. وليس ذلك لغير الله.. - وفى قوله تعالى «يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ» ما يسأل عنه، وهو: لم عدّى الفعل «يقبل» بحرف الجرّ «عن» مع أن الاستعمال اللغوي لهذا الفعل لم يجىء متعديا إلّا بحرف الجرّ «من» .. كما جاء ذلك فى الاستعمال القرآنى لهذا الفعل فى قوله تعالى: «وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» وفى قوله سبحانه: «إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» .. فلم عدّى الفعل هنا بحرف الجر «عن» ؟ الجواب- والله أعلم- أن التوبة التي يقبلها الله من عباده تضع عنهم ما حمّلوا به من أوزار، وما أثقل كاهلهم من ذنوب، فكان فى قبول التوبة منهم رفع لهذه الآثام عنهم، ولهذا ضمن الفعل «يقبل» معنى الفعل يضع، أو يسقط.. ونحو هذا، كما نظر إلى التوبة على أنها شىء محمّل بالذنوب والآثام لأن التوبة لا تكون إلا عن ذنب وقع، أو إثم اقترف.. فكان قوله تعالى:

«أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ» يعنى ألم يعلموا أن الله يضع الذنوب والآثام عن عباده. ويرفعها عن كواهلهم؟. وقوله تعالى: «وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ» إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يأخذ صدقات المتصدقين ويجزيهم عليها، وأن النبىّ إذ يأخذها منهم، فإنما يأخذها بأمر الله، وينفقها فى سبيل الله، وكذلك كل صدقة يأخذها متصدّق عليه من متصدّق.. إنها لله، لا للمتصدّق عليه، وهو سبحانه الذي يجزى عليها كما يقول الله سبحانه وتعالى: «قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ» (88: يوسف) . وفى هذا يقول النبىّ صلوات الله وسلامه عليه: «إن الصدقة تقع فى يد الله قبل أن تصل إلى يد السائل» . قوله تعالى: «وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» . هو دعوة عامة للمبادرة إلى العمل فى مجال الخير والإحسان.. وفى العمل فى هذا المجال يعرف العاملون بأعمالهم.. فما كان فى السرّ أو الجهر يعلمه الله، وما كان فى الجهر يعلمه الرسول ويعلمه المؤمنون، وعلى حسب هذه الأعمال يجزى الله، ويضع المحسنين، والمقصرين، والمسيئين، كل منهم فى منزلة، ويجزيه الجزاء الذي هو أهل له.. وعلى ما يظهر من هذه الأعمال الرسول وللمؤمنين، يكون قرب العاملين أو بعدهم من رسول الله ومن المؤمنين، ويكون حسابهم معهم، من موالاة أو معاداة.. هذا فى الدنيا، فإذا كانت الآخرة كشف الغطاء عن أعمال العاملين، خيرها وشرها، وجوزوا عليها بالإحسان إحسانا، وبالسوء سوءا.

قوله تعالى: «وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» . الإرجاء: التأخير والانتظار،.. يقال: أرجأت الأمر وأرجيته، أي أخرته.. ومرجون لأمر الله، أي مؤخرون ومنظرون لما يقضى به الله فيهم. قيل نزلت هذه الآية فى الثلاثة الذين خلفوا، وهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وهم من الأنصار، وكانوا قد تخلفوا فى غزوة تبوك، ولم يكن لهم عذر، ولم يكن هذا التخلف عن نفاق. ولكن عن توان وفتور، وتردد.. فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك تلقاه المنافقون بأعذارهم، فقبلها منهم، وتركهم لحسابهم مع الله.. وأما هؤلاء الثلاثة فإنهم صدقوا الرسول فيما قالوا إذ قالوا: «والله يا رسول الله مالنا من عذر نعتذر به» وكانوا حين تخلّفوا عن رسول الله قد استشعروا الندم. فأوثقوا أنفسهم بسوارى «1» المسجد، وأقسموا ألا يطلقوا أنفسهم منها، حتى يكون رسول الله هو الذي يطلقهم، فلما رجع الرسول، وأخبر خبرهم، قال: «وأنا أقسم لا أكون أول من حلّهم إلّا أن أومر فيهم بأمر» . فلما نزل قوله تعالى: «وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ» عمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلّهم.. ونهى رسول الله المسلمين عن مكالمتهم، وأمر نساءهم باعتزالهم.. حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وأقاموا على ذلك خمسين ليلة، ثم نزل قوله تعالى: «وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا» فكان ذلك إيذانا بقبول توبتهم. هذا مما أجمع عليه المفسّرون.. غير أن لنا فى الآية رأيا آخر، وهو أنها تكشف عن جانب من رحمة

_ (1) السواري: جمع سارية. وهى عمود المسجد.

الله بعباده، وتفضله على المذنبين العصاة منهم، وهم الذين لم يتوبوا إلى الله، ولم ينزعوا عما اقترفوا من إثم.. فهؤلاء مذنبون عصاة، ينتظرون حكم الله فيهم، إن شاء أخذهم بذنوبهم فعذّبهم، وإن شاء عاد بفضله عليهم، فعفا عنهم، هكذا كرما منه وفضلا.. وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة: «نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» (56: يوسف) ولا يردّ على هذا، بأنّ ذلك مما يبطل عمل العاملين، ويسوّى بين المحسنين والمسيئين، كما أنه يناقض قوله تعالى: «وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى» وقوله سبحانه: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» . ونقول: إن الله سبحانه وتعالى بإحسانه إلى المسيئين، وتجاوزه عن سيئاتهم لا يجور على عمل المحسنين، ولا ينقص من إحسانهم شيئا، بل إنه سبحانه يوفّيهم أجرهم غير منقوص، كما يقول سبحانه: «وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» . أما التسوية بين المحسنين والمسيئين: فليست واقعة على إطلاقها.. وذلك: أولا: أن المحسن مجزىّ بإحسانه، بلا شك، كما يقول سبحانه: «وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ» .. أما المسيء فهو فى منزلة بين منزلتين: إما أن يأخذه الله بذنبه، وهذا هو الوجه الذي يطلّ عليه من سوء عمله، وإما أن يتجاوز الله عنه، ويعود بفضله عليه، وهذا هو الوجه الذي يطلع عليه من رحمة ربّه! وثانيا: أنه ليس إحسان المحسن وحده هو الذي يدخله الجنة، وإنما قبل ذلك كلّه، هو شموله برحمة الله، كما فى الحديث الشريف: «لا يدخل أحدكم الجنة بعمله، قيل ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله برحمته» .. رحمة الله التي وسعت كلّ شىء.. تنال البر والفاجر.

الآيات: (107 - 110) [سورة التوبة (9) : الآيات 107 إلى 110]

وثالثا: ليس المحسنون والمسيئون على سواء من رحمة الله.. فالمحسنون أقرب إليها، وأكثر تعرضا لها، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: «إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ» . والمسيئون وإن يعدوا عن رحمة الله، فليس ذلك بالذي يحجبهم عنها، ويحرم بعض المسيئين منهم حظهم منها، وذلك لمشيئة الله فيهم، وإرادته بهم.. كما يقول سبحانه: «نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ» . وأما قوله تعالى: «وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى» وقوله سبحانه: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» .. فهو الميزان الذي يوزن به عمل كل عامل، وسعى كل ساع.. ومع هذا، فإن الله يضاعف للمحسنين إحسانهم، وأنه سبحانه إذ يرى المحسن عمله لا يقف به عند هذا العمل، بل يفضل عليه بأضعاف ما عمل.. وكذلك المسيء، إذا كان لا يقدم على الله إلا بما سعى، وما حصّل من سيئات، فإنه ليس من حرج على فضل الله أن يتجاوز عنه.. ليرى آثار رحمة الله فيه.. وذلك رهن بمشيئة الله وتقديره.. «وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» .. يقضى بعلم، ويحكم بحكمة.. والله سبحانه وتعالى يقول على لسان المسيح عليه السلام: «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ..» . الآيات: (107- 110) [سورة التوبة (9) : الآيات 107 الى 110] وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (107) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110)

التفسير: الضّرار: المضارّة، وطلب إلحاق الضرر بالغير، والإرصاد: الترقب والتربص، والانتظار.. وشفا جرف: أي حافة الجرف وشفيره.. والجرف: رأس الهاوية المطلّ على منحدرها.. والهارى: المنهار.. قوله تعالى: «وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» . قرأ أهل المدينة «الَّذِينَ اتَّخَذُوا» بغير واو العطف، وذلك على الاستئناف وابتداء عرض وجه آخر من وجوه المنافقين.. وقرىء بالعطف، وهو القراءة المشهورة وعليها تنتظم وجوه المنافقين فى سلك واحد، على تقدير: ومنهم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا.. - وقوله تعالى: «ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ» .. المنصوبات المتعاطفة هنا هى مفعول لأجله، تكشف عن السبب الذي لأجله بنى هذا المسجد، وهو للمضارة، لا للنفع، وللكفر لا للإيمان، ولإيواء من حارب الله ورسوله، لا لدعوة من آمن بالله ورسوله.. قيل إن هذا المسجد بناه جماعة من المنافقين، من بنى غنم بن عوف، حسدا لبنى عمهم عمرو بن عوف، الذين كانوا قد بنوا مسجد قباء، ودعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلّى فيه، فأجابهم، وصلى المسلمون معه.. فكان أول مسجد بنى فى الإسلام..

وحين أتم بنو غنم بناء هذا المسجد إلى جوار مسجد قباء، جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يدعونه أن يصلى فى مسجدهم هذا، وكان النبىّ يتهيأ لغزوة تبوك، فقال لهم: «إنى على جناح سفر، فلو قدمنا أتيناكم، إن شاء الله، فصلينا لكم فيه» .. فلما انصرف الرسول من تبوك، نزلت عليه هذه الآية وهو فى طريق العودة إلى المدينة.. وقد فضح الله فى هذه الآية نفاق هؤلاء المنافقين، وكشف عن تدبيرهم السيّء.. فإنهم ما بنوا هذا المسجد ليكون بيتا من بيوت الله، وإنما بنوه مضارّة بمسجد قباء، حتى لا يعمر بالمصلين، وليكون مأوى يأوى إليه المنافقون، ويدارون نفاقهم بالاجتماع فيه، والاستظلال بظلّه، ثم ليفرقوا بين المؤمنين، حيث لا تجتمع جماعتهم فى مكان واحد، بل يتوزعهم المسجدان المتجاوران، فيقلّ بذلك جمعهم، وتصغر فى الأعين جماعتهم، الأمر الذي يخالف ما يدعو إليه الإسلام من جمع المسلمين فى صلاة الجماعة والجمعة والعيدين، لتتوحد مشاعرهم، وتمتلىء العيون مهابة وإجلالا لهم.. ثم إنهم بنوا هذا المسجد ليكون راية منصوبة لأهل النفاق والضلال، حيث لا يخطئهم أن يجدوا فيه- فى أي وقت- من هم على شاكلتهم فى نفاقهم وضلالهم.. - قوله تعالى: «وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» .. المنافقون هكذا دائما يتخذون أيمانهم جنّة يحتمون بها من نظرات الاتهام التي يرمون بها، أو يقدّرون أنهم يرمون بها من كل عين تنظر إليهم.. وهؤلاء الذين فضحهم الله وأخزاهم بما كشف من سوء تدبيرهم، يحلفون للرسول وللمؤمنين أنهم لا يريدون بهذا المسجد لذى بنوه إلا ما يراد من بناء المساجد وعبادة الله فيها.. وقد كذبهم الله سبحانه بقوله: «وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» .. وصدق الله العظيم، وكذب المنافقون، ولعنوا..

هذا وقد أمر الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- بعض أصحابه بهدم هذا البنيان، فهدموه.. قوله تعالى: «لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ» . هذا نهى للنبىّ الكريم أن يلمّ بهذا المسجد، أو أن يتلبّث عنده، فإنه وإن أخذ سمت المساجد، وسمّى اسمها، فلن يشفع له ذلك فى أن يكون على طهر المساجد وقدسيتها، لما وسمه به المنافقون من دنس ورجس.. فكما يظهر المنافقون فى سمت الآدميين، ويأخذون مظاهر الناس.. ثم لم يكن لهم من الإنسانية نصيب إلا هذا السّمت الظاهر، أما حقيقتهم فإنهم دنس ورجس- كذلك كان شأن البنيّة التي بنوها، وأطلقوا عليها اسم المسجد.. إنها لا تمثل من المسجد إلا وجهه الظاهر، أما باطنها فكفر ونفاق وضلال! - وفى قوله تعالى: «لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ.. فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ» تنويه بمسجد قباء، وتكريم له، ورفع لقدره، وقدر الذين بنوه، والذين يلقون الله فيه- بقدر ما هو إزراء بأصحاب مسجد الضرار، وتشنيع عليهم، وعلى هذا البناء الذي رفعوه فهدمه الله عليهم.. والمراد بالرجال الذين يحبّون أن يتطهروا، هم الذين يلقون الله فى الصلاة فى هذا المسجد.. فهى صلاة مقبولة، فى مكان طاهر تؤدى فيه عبادة خالصة لله، من شأنها أن تطهّر أهلها، الذين يداومون عليها، ويقيمونها بقلوب مؤمنة، خالية من الرياء والنفاق..

قوله تعالى: «أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» . قرىء أفمن أسس بنيانه «ببناء الفعل للمجهول» ، كما قرئ «أُسِّسَ» فى الموضعين، جمع أسّ، بمعنى الأصل والأساس.. والآية تعرض المسجدين، مسجد قباء، ومسجد الضرار، فى وضع يواجه فيه أحدهما الآخر.. فيكشف ذلك عن مدى ما بينهما من تفاوت.. هذا عذب فرات سائغ شرابه، وهذا ملح أجاج.. هذا طيب، أطيب الطيب، وهذا خبيث، أخبث الخبث.. والضدّ إذا قرن بضدّه، زاد كل منهما فى الصفة الغالبة عليه زيادة لا ترى إلا حيث يتقابل مع ضده.. فيزداد الحسن حسنا وروعة، ويزداد القبيح شناعة وقبحا.. وبضدها تتميز الأشياء- كما يقولون! - وفى قوله تعالى: «فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ» تصوير للعاقبة التي ينتهى إليها هذا المسجد- مسجد الضرار- بأهله الذين بنوه، وأنه إذ بنوه على ضلال ونفاق وزيف، فهو بناء على خواء.. على شفا جرف هار، وأنه إذ ينهار فسينهار بهم فى نار جهنم، فهم بهذا قد ظلموا أنفسهم: «وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» . وقوله تعالى: «لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» . نفى القرآن فى هذه الآية عن مسجد الضرار، كلّ ما تتسم به المساجد، حتى اسمه، فلم يعد مسجدا بعد أن فضحه الإسلام، وفضح أهله، وكشف عن

الآيتان: (111 - 112) [سورة التوبة (9) : الآيات 111 إلى 112]

الوجه الذي قام عليه، والغاية التي بنى من أجلها.. فهو الآن «بنيان» مجرد بناء من حجر وطين.. لا يناله حتى شرف هذا الاسم الزائف الذي أعطوه إياه. وسيظل هذا البناء ريبة فى قلوب الذين بنوه، أي مبعث شك، وارتياب ونفاق، قد علق ذلك كله بقلوبهم، وتمكن منها، لا يستطيعون فكاكا منه، إلا بعد أن تتقطع قلوبهم.. وهذا لا يكون إلا إذا ماتوا، وماتت الريبة معهم! .. - وفى قوله تعالى: «فِي قُلُوبِهِمْ» إشارة إلى أن الريبة قد استقرت فى قلوبهم، فاحتوتها هذه القلوب، وصارت ظرفا حاويا لها. الآيتان: (111- 112) [سورة التوبة (9) : الآيات 111 الى 112] إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112) التفسير: ليس الإيمان مجرد نطق باللسان، وتصديق بالقلب، وإنما هو- مع هذا- عمل بالجوارح، وابتلاء فى الأموال والأنفس.. فمن صدّق قلبه ما نطق به، ومن صدق عمله ما صدّق به قلبه، فذلك هو المؤمن، الذي يقبله الله فى المؤمنين..

وبين الله والمؤمنين بالله، عقد عقده معهم، وعهد عاهدهم عليه.. وهو أنه- سبحانه- اشترى منهم أنفسهم وأموالهم ولهم عنده فى مقابل ذلك الجنة! وما تلك الأنفس، وهذه الأموال التي اشتراها الله من المؤمنين؟ إنها من الله، وإلى الله..! ولكن شاء فضل الله أن يجعل لعباده ملكية هذه الأنفس، وتلك الأموال، وأن يشتريها منهم، وأن يعوضهم عليها! وقدّمت الأنفس على الأموال هنا على خلاف المواضع كلها التي جاء فيها ذكر الأموال والأنفس مجتمعين فى القرآن.. ففى جميع المواضع ما عدا هذا الموضع قدمت الأموال على الأنفس! فما سرّ هذا؟ أو قل ما أسرار هذا؟ ونقول- والله أعلم- إن بعض السر فى هذا هو أن الله سبحانه وتعالى، هو الذي يطلب الأنفس والأموال فى هذا المقام، على حين أنه فى جميع المواضع التي ذكرت فيها الأنفس والأموال فى القرآن الكريم- كانت مبذولة من المسلمين، أو مطلوبا منهم بذلها..! ولاختلاف المقام اختلف النظم.. ففى شراء الله سبحانه وتعالى ما يشترى من المؤمنين يقدم الأنفس على الأموال لأنها عند الله أكرم وأعز من المال، على حين أن المال عند الناس أعز من الأنفس، إذ يتقاتلون من أجله، مخاطرين بأنفسهم ويقتلون أنفسهم فى سبيله! وفى اختلاف النظم هنا إلفات للناس إلى ما ذهلوا عنه من أمر أنفسهم، إذ استرخصوها إلى جانب المال، على حين أنها شىء كريم عزيز عند الله. - وفى قوله تعالى: «يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ» إشارة إلى أن من شأن المؤمن أن يكون له يد ظاهرة على عدوه، وبلاء مؤثّر فيه، وأنه

قبل أن يقتل لا بد أن يقتل من عدوه واحدا أو أكثر، حتى لا يذهب دمه هدرا، وحتى بوهن العدو ويضعف من شوكته، ويكتب بدمه حرفا من كلمة النصر التي كتبها الله للمؤمنين.. - وقوله تعالى: «وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ.. وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ» ؟ هو توكيد لما وعد الله المؤمنين الذين باعوه أموالهم وأنفسهم بأن لهم الجنة، فهذا الوعد حق لا مرية فيه- كما جاء به القرآن والتوراة والإنجيل. فذلك هو وعد الله للمؤمنين المجاهدين، فيما جاءت به الكتب السماوية المنزلة من رب العالمين.. «وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ» ؟ وهل يخلف الله وعده، أو ينقض عهده؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.. هذا وليس بيع الأنفس والأموال لله مرادا به بذلهما فى القتال فى سبيل الله ثم الوقوف بهما عند تلك الغاية وحدها.. فإذا لم يكن بين يدى المؤمن قتال ومجاهدة للعدو، فهناك ميدان فسيح للجهاد فى سبيل الله فى غير ميدان القتال، فمجاهدة النفس والوقوف بها عند حدود الله، هو جهاد مبرور فى سبيل الله.. والعبادات بأنواعها، وأداؤها على وجهها جهاد فى سبيل الله، والسعى فى تحصيل الرزق من وجوهه المشروعة، جهاد فى سبيل الله.. والبر بالفقراء، والإحسان إلى اليتامى.. هو جهاد فى سبيل الله. وإذا كانت الآية الكريمة قد خصّت القتال فى سبيل الله بالذكر هنا، فليس ذلك إلا تنويها يفضل الجهاد فى ميدان القتال، إذ يمثل الصورة الكاملة التي يبذل فيها المرء كل ما يملك، ويقدم لله فيها كل ما معه من نفس ومال.. على خلاف أبواب الجهاد كلها، فإنه يبذل بعضا من كلّ، ويقدم لله بعضا ويستبقى بعضا.

وقوله تعالى: «فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» . هو مباركة من الله سبحانه وتعالى لأولئك المؤمنين الذين باعوا أنفسهم وأموالهم له- مباركة بهذه الصفقة التي عقدوها مع الله، وتبشير لهم بالربح العظيم، والمغنم الجزيل الذي وراءها.. إنها الجنة التي وعدهم الله بها وإنها الرضوان من رب العالمين.. وذلك هو الفوز العظيم.. قوله تعالى: «التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ» . تلك هى صفات المؤمنين الذين يؤهلهم إيمانهم لأن يبايعوا الله، وأن يعقدوا معه هذه الصفقة الرابحة، وأن يظفروا بهذا المغنم العظيم.. فقوله تعالى: «التَّائِبُونَ» صفة ل