التفسير المظهري

المظهري، محمد ثناء الله

سورة الفاتحة

الجزء الأول سورة الفاتحة مكيّة وهي سبع آيات خمسة وعشرون كلمة مائة وثلثة وعشرون حرفا ربّ يسّر وتمّم بالخير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فاتحة الكتاب وأم القران سميت بهما لانها اصل القران منها يبدا- وهى السبع المثاني لانها سبع آيات بالاتفاق وتثنى في الصلاة وقيل أنزلت مرتين- بمكة والمدينة- والأصح انها مكية قبل سورة حجر- روى ابن جرير عن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال هى أم القران وهى فاتحة الكتاب وهى السبع المثاني انتهى- وهى سورة الكنز روى إسحاق بن راهويه عن على رضى الله عنه قال حدثنا نبى الله صلى الله عليه وسلم انها أنزلت من كنز تحت العرش- وهى سورة الشفاء لما سنذكر في الفضائل انها شفاء من كل داء بِسْمِ أسقطت الالف لكثرة استعمالها وطولت الباء عوضا- قال البغوي قال عمر بن عبد العزيز طولوا الباء واظهر والسين ودور والميم تعظيما لكتاب الله عز وجل- والاسم مشتق من السمو دون الوسم بدلالة سمى وسميت والمراد به المسمى او الاسم نفسه- والباء للمصاحبة او الاستعانة او التبرك- والاستعانة يكون بذكر الله متعلق بمقدر بعدها لما في قوله تعالى بسم الله مجريها- وليتحقق الابتداء بالتسمية تحقيقا- روى عبد القادر الرهاوي في الأربعين عن ابى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم كل امر ذى بال لم يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم اقطع- يعنى بسم الله اقرأ اللَّهِ قيل جامد- والحق انه مشتق «1» من الله بمعنى المعبود حذفت الهمزة وعوضت عنها الالف واللام لزوما ومن أجل

_ (1) الاولى ان يقال مأخوذ من الله بمعنى المعبود فان الحذف والتعويض لا يسمى اشتقاقا في عرفهم- منه رحمه الله- الخطبة من الناشر

التعويض «1» اللازم قيل يا الله- إذ لا معنى للاشتقاق إلا كون اللفظين شاركين في المعنى والتركيب- ثم جعل علما لذات الواجب الوجود المستجمع للكمالات المنزه عن الرذائل ولذا يوصف ولا يوصف به- ويقال للتوحيد لا الله الا الله وقد يطلق على الأصل فيقال وهو الله في السّموت وفي الأرض الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1) مشتقان من الرحمة بمعنى رقة القلب المقتضى للتفضل والإحسان- واسماء الله تعالى انما تؤخذ باعتبار الغايات دون المبادي فانها انفعالات- قيل هما للمبالغة بمعنى واحد- والحق ان الرحمن ابلغ لزيادة البناء ولذا اختص بالله دون الرحيم قال ابن عباس هما اسمان رقيقان أحدهما ارقّ من الاخر والزيادة قد يعتبر بالكمية فيقال رحمن الدنيا ورحيم الاخرة فان الرحمة في الاخرة للمتقين وقد يعتبر بالكيفية فيقال رحمن الدنيا والاخرة ورحيم الدنيا فان نعم الاخرة في الاخرة للمتقين وقد يعتبر بالكيفية فيقال رحمن الدنيا والاخرة ورحيم الدنيا فان نعم الاخرة كلّها جليلة- وفي الدنيا حقيرة وجليلة وقدّم الرحمن لاختصاصه بالله كالاعلام ولتقدم عموم الرحمة فى الدنيا وهى مقدم بالزمان- ذهب قراء المدينة والبصرة وابو حنيفة وغيره من فقهاء الكوفة الى انها ليست من الفاتحة ولا من غيرها من السور والافتتاح بها للتيمن فقيل وليست من القران- والحق انها من القران أنزلت للفصل روى الحاكم وصححه على شرطهما عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرف فصل السورتين حتى ينزل بسم الله الرّحمن الرّحيم ورواه ابو داؤد مرسلا وقال والمرسل أصح وسئل محمد بن الحسن عنها فقال ما بين الدفتين كلام الله تعالى قلت ولو لم تكن من القران لما كتبوها في المصاحف مع المبالغة في تجريد القران كما لم يكتبوا أمين- والدليل على انها ليست من الفاتحة ما رواه الشيخان عن انس قال صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف ابى بكر وخلف عمر فلم يجهر أحد منهم ببسم الله الرحمن الرحيم- وما سنذكر من حديث ابى هريرة قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين في الفضائل وما رواه احمد ان عبد الله بن مغفل قال سمعنى ابى وانا فى الصلاة اقرأ بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله ربّ العلمين فلما انصرف قال يا بنى إياك والحدث فى الإسلام فانى صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وابى بكر وعمر وعثمان فكانوا لا يفتتحون القران ببسم الله الرحمن الرحيم ولم ار رجلا قط ابغض اليه الحدث منه- ورواه الترمذي فقال

_ (1) مجرد التعويض لا يصلح علة لذلك والا لا نتقض بالناس ونحوه فلا بد في تتميم الكلام من قيد اخر- منه رحمه الله

[سورة الفاتحة (1) : آية 2]

فيه صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم وابى بكر وعمر وعثمان ولم يسمع منهم أحد يقولها- وذهب قراء مكة والكوفة واكثر فقهاء الحجاز الى انها من الفاتحة دون غيرها من السور وانما كتبت عليها للفصل لما روى الحاكم وقال اسناده صحيح عن سعيد بن جبير في تفسير قوله تعالى وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ قال هى أم القران وقال بسم الله الرّحمن الرّحيم الاية السابعة قراها علىّ ابن عباس كما قراتها ثم قال بسم الرحمن الرحيم الاية السابعة ولما روى الترمذي عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم- قلت في الحديث الاول قول ابن عباس بسم الله الرحمن الرحيم الاية السابعة ظن «1» منه ليس بمرفوع وما رواه الترمذي ليس اسناده بقوى- وذهب جماعة الى انها من الفاتحة وكذا من كل سورة الا سورة التوبة وهو قول الثوري وابن المبارك والشافعي لانها كتبت فى المصحف بخط «2» سائر القران- قلت وهذا يدل على انها من القران لا من السورة كيف وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم انه قال سورة من القران ثلاثون اية في سورة الملك- وسنذكر هناك ان شاء الله تعالى- ولا يختلف العادون انه ثلاثون اية من غير بسملة. الْحَمْدُ هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري نعمة كان او غيرها فهو أعم من الشكر فى المتعلق فان الشكر يخص النعمة وأخص منه في المورد فان الشكر من اللسان والقلب والجوارح ولذا قال عليه السلام الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده- رواه عبد الرزاق عن قتادة عن عبد الله بن عمرو- والمدح أعم من الحمد مطلقا لانه على مطلق الجميل- والتعريف للجنس اشارة الى ما يعرفه كل أحد- او للاستغراق إذ الحمد كله له تعالى وهو خالق افعال العباد وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وفيه دليل على انه تعالى حىّ قادر مريد عالم حتى يستحق الحمد لِلَّهِ اللام للاختصاص يقال الدار لزيد- والجملة الخبرية الاسمية دالة على استمرار الاستحقاق قصد بها الثناء بمضمونها وفيه تعليم وتقديره قولوا الحمد لله حتى يناسب قوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ رَبِّ الْعالَمِينَ (2) الرّبّ بمعنى المالك يقال رب الدار لمالكه ويكون بمعنى التربية وهو التبليغ الى الكمال تدريجا وصف به كالصوم والعدل ولا يقال على غيره تعالى الا مقيدا كرب الدار وفيه دليل على ان العالم محتاج في البقاء ايضا- والعلمين جمع

_ (1) كون الآيات توقيفية لا مجال للعقل فيها امر مقرر عندهم فكيف يظن بابن عباس هذا الظن مع ان للموقوف حكم المرفوع فى أمثال ذلك- قلت المسألة إذا كانت روايات الصحابة فيها مختلفة لا يجوز هناك ان يقال للموقوف حكم المرفوع كذا في اصول القوم الطريق في أمثال ذلك ذكر الروايات- منه نور الله مرقده. (2) اى كتبت على كل سورة اولا بخط سائرها فهو يدل على انها جزؤ من كل سورة- منه رحمه الله

[سورة الفاتحة (1) : آية 3]

عالم لا واحد له في الاستعمال من لفظه- والعالم اسم لما يعلم به الصانع كالخاتم وهو الممكنات بأسرها قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قالَ يعنى موسى رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا وجمع بملاحظة أجناس تحته وغلّب العقلاء- وقال وهب لله ثمانية عشر الف عالم الدنيا عالم منها وما العمران في الخراب الا كفسطاط في صحراء- وقال كعب الأحبار لا يحصى عدد العالمين وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وقيل العالم اسم لذوى العلم من الملائكة والثقلين وتناول غيرهم استتباعا. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (3) أجاز القراء فيه الروم وقفا وكذا في كل مكسور- فيه دليل على ان البسملة ليست من الفاتحة كيلا يلزم التكرار «1» وقيل كرر للتعليل. ملك يوم الدّين (4) قرا عاصم والكسائي ويعقوب مالك والآخرون ملك وقرا ابو عمرو الرّحيم ملك بإدغام الميم في الميم وكذالك يدغم كل حرفين متحركين من جنس واحد- او مخرج واحد- او قريبى المخرج- امّا إذا كانا مثلين في كلمتين فذلك واقع فى سبعة عشر حرفا- الا في مواضع عديدة وهى الباء والتاء والثاء والحاء المهملة والراء والسين المهملة والعين وعشرة أحرف بعدها نحو لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ثالِثُ ثَلاثَةٍ لا أَبْرَحُ حَتَّى فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ إِنَّكَ كُنْتَ بِنا جَعَلَ لَكُمُ يَعْلَمُ ما أَحْسَنُ نَدِيًّا إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ إِنَّهُ هُوَ ولا تمنع صلة الهاء نُودِيَ يا مُوسى إذا لم يكن الحرف الاول تاء المتكلم او المخاطب كنْتُ تُراباً ... فَأَنْتَ تُكْرِهُ ولا منونا نحو واسِعٌ عَلِيمٌ ولا مشددا نحو فَتَمَّ مِيقاتُ والمواضع العديدة المستثناة منها يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ لا يدغم فيه ابو عمرو لاخفاء النون قبلها اتفاقا- ومنها كل موضع التقيا فيه مثلان بسبب حذف وقع في اخر الكلمة الاولى نحو يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ إِنْ يَكُ كاذِباً يَخْلُ لَكُمْ ففى هذه الكلمات لابى عمرو وجهان الإظهار والإدغام ومنها عند البعض آلَ لُوطٍ والصحيح ادغامه ومنها واو هو إذا كان الهاء مضموما على قراءة ابى عمرو ووقع بعده واو نحو هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وذلك في ثلاثة عشر موضعا فاختلف في ادغامه لكن رواية الإدغام أقوى ومنها واو هو إذا كان الهاء ساكنا على قراءته وهو ثلاثة «2» مواضع فَهُوَ وَلِيُّهُمُ وَهُوَ واقِعٌ

_ (1) منقوض هو بنحو فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وغيرها من الآيات التي كرر تكرارها- قلت تكرار فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مما يستحسنه الفصحاء والشعراء كما يكون في الشعر ترجيعا واما التكرار بلا نسق فليس من هذا القبيل كما لا يخفى على من له ادنى تأمل- منه رحمه الله (2) الصحيح خمسة مواضع- ابو محمد عفا الله عنه وفي القران وَما يَعْلَمُ إلخ في الأصل الاحرف في الأصل لك.

قال بعضهم فيها الإظهار بلا خلاف وقال بعضهم بخلاف والإظهار أقوى «1» - هذا إذا كان المثلان فى كلمتين واما إذا كانا في كلمة واحدة فلم يأت عنه الإدغام الا في موضعين مناسككم فى البقرة وما سلككم في المدثر هذا ادغام المثلين- واما ادغام المتقاربين في كلمة واحدة فالقاف تدغم في الكاف إذا كان قبلهما متحرك وبعدهما ميم نحو يَرْزُقُكُمْ بخلاف مِيثاقَكُمْ ونَرْزُقُكَ وحكى الخلاف في ادغام طَلَّقَكُنَّ ولا يدغم غيره- وفي كلمتين تدغم ستة عشر حرفا إذ لم يكن منونا ولا تاء مخاطب ولا مجزوما ولا مشددا- الحاء تدغم في العين في زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وروى ادغامها في العين حيث التقيا «2» نحو ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ... الْمَسِيحُ عِيسَى ... فَلا جُناحَ عَلَيْهِما والقاف في الكاف وبالعكس عند تحرك ما قبلهما نحو خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ... لَكَ قُصُوراً بخلاف فَوْقَ كُلِّ وَتَرَكُوكَ قائِماً والجيم في التاء في كلمة ذِي الْمَعارِجِ تعرج وفي الشين فى أَخْرَجَ شَطْأَهُ والشين في السين في ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا والضاد في الشين في لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ والسين في الزاء في إِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ وفي الشين في الرَّأْسُ شَيْباً والدال تدغم في حروف عشرة حيث جاءت نحو الْمَساجِدِ تِلْكَ عَدَدَ سِنِينَ الْقَلائِدَ ذلِكَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ يُرِيدُ ثَوابَ تُرِيدُ زِينَةَ نَفْقِدُ صُواعَ مِنْ بَعْدِ ظلم داوُدُ جالُوتَ وفي دارُ الْخُلْدِ جَزاءً خلاف ولم يلق الدال طاء في القران ولم تدغم الدال مفتوحة بعد ساكن بحرف بغير التاء فلا تدغم لِداوُدَ سُلَيْمانَ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ آلَ داوُدَ شُكْراً آتَيْنا داوُدَ زَبُوراً بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ بعد ظلم بَعْدَ ثُبُوتِها وتدغم كاد تزيغ بعد توليدها ولا ثالث لهما- والتاء تدغم في تلك العشرة الا في التاء من باب المثلين وقد مر ذكره وكذا في الطاء حيث جاءت ولم يلق التاء دالا الا والتاء ساكنة نحو أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما وذلك واجب الإدغام- نحو الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً الذَّارِياتِ ذَرْواً بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ وَالْعادِياتِ ضَبْحاً ولا ثانى له والنّبوّة ثمّ يقول إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً الْمَلائِكَةُ صَفًّا والْمَلائِكَةُ ظالِمِي فى النساء والنحل ليس غيرهما عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ والتاء لم تقع

_ (1) عند النحاة لا عند القراء- ابو محمد عفا الله عنه (2) وذلك شاذ.

مفتوحة بعد ساكن الا وهو حرف خطاب ولا ادغام فيه الا في مواضع وقعت بعد الف فمنها لا خلاف في ادغامه وهو أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وفي الباقي خلاف نحو حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها- وايضا خلاف في بعض تاء مكسورة آتِ ذَا الْقُرْبى ولْتَأْتِ طائِفَةٌ وفي جِئْتَ شَيْئاً مكسور التاء خلاف في ادغامه مع انه تاء خطاب ولا خلاف في الإظهار إذا كانت مفتوحة جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً والثاء تدغم في خمسة أحرف حيث جاءت نحو حَيْثُ تُؤْمَرُونَ وَوَرِثَ سُلَيْمانُ وَالْحَرْثِ ذلِكَ وليس غيره وحَيْثُ شِئْتُمْ وحَدِيثُ ضَيْفِ وليس غيره والذال في السين والصاد فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فى الكهف في موضعين- مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً- واللام تدغم في الراء وبالعكس الا إذا انفتحا بعد ساكن فتدغم نحومَثَلِ رِيحٍ هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ لا نحو فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ لكن لام قال إذا كان الراء بعده تدغم وان كان مفتوحا بعد ساكن قالَ رَبِّ قالَ رَجُلانِ قالَ رَبُّكُمْ والنون تدغم في اللام والراء إذا تحرك ما قبلها نحو إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ خَزائِنَ رَحْمَةِ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ تَبَيَّنَ لَهُمُ لا إذا سكن ما قبلها نحو يَخافُونَ رَبَّهُمْ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ الا نون نحن تدغم في اللام حيث جاءت وان كانت بعد ساكن نحو نَحْنُ لَهُ وفَما نَحْنُ لَكَ وهو عشر مواضع والميم المتحرك ما قبلها إذا كان بعدها باء تسكن وتخفى- والباء في يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ حيث اتى تدغم في الميم وهى خمسة مواضع سوى ما فى البقرة فانه ساكن الباء في قراءة ابى عمرو وفيه الإدغام الصغير- وحيث ما يجوّز ابو عمرو الإدغام الكبير فله هناك ثلاثة أوجه اخر الإشمام والروم والإظهار غير ان الإشمام يقع في الحروف المضمومة فقط والروم في المضمومة والمكسورة دون المفتوحة والإشمام عبارة عن ضم الشفتين كقبلة المحبوب اشارة الى الضمة والروم عبارة عن الإخفاء والتلفظ ببعض الحركة لكن الإشمام والروم عنده في سائر الحروف غير الباء مع الميم وبالعكس نحو نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ يَعْلَمُ ما أَعْلَمُ بِما كانُوا والإدغام لا يتاتى «1» إذا كان قبل الحرفين حرف ساكن صحيح نحو خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بَعْدِ ظُلْمِهِ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا دارُ الْخُلْدِ جَزاءُ لاجتماع الساكنين فالادغام

_ (1) هذا عند المتأخرين والنحاة واما عند المتقدمين فالادغام المحض أصح قال المحقق والإدغام الصحيح هو الثابت عند قدماء الائمة من اهل الأداء والنصوص مجتمعة عليه- ابو محمد عفا الله عنه

[سورة الفاتحة (1) : آية 5]

هناك بنطق بعض الحركة وهو الإخفاء والروم والتعبير هناك بالإدغام تجوز اما إذا كان الساكن حرف مد او لين صح الإدغام نحو فِيهِ هُدىً وقالَ لَهُمْ ويَقُولُ رَبَّنا وقَوْمُ مُوسى وكَيْفَ فَعَلَ واللَّهُ أَعْلَمُ- الملك والمالك قيل معناهما واحد الرّبّ مثل فرهين وفارهين وحذرين وحاذرين والحق ان المالك من الملك بالكسر بمعنى الرب يقال مالك الدار ورب الدار والملك من الملك بالضم بمعنى السلطان هما صفتان له تعالى والقراءتان متواترتان فلا يجوز ان يقال الملك هو المختار- وقيل الملك والمالك بمعنى القادر على الاختراع من العدم الى الوجود فلا يطلق على غيره تعالى الا مجازا- ويوم الدّين يوم القيامة والدين الجزاء ومنه كما تدين تدان وهو مثل مشهور وحديث مرفوع رواه ابن عدى في الكامل بسند ضعيف وله شاهد مرسل عند البيهقي واخرج احمد عن مالك ابن دينار انه في التورية والديلمي عن فضالة بن عبيدة مرفوعا انه في الإنجيل وقال مجاهد يوم الدين اى الحساب ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ اى الحساب المستقيم وقيل القهر منه دنته فدان اى قهرته فذل او الإسلام او الطاعة فانه يوم لا ينفع فيه الا الإسلام والطاعة- وانما خص ذلك اليوم بالذكر لان في غيرها من الأيام قد يطلق الملك لغيره تعالى مجازا- ولان فيه إنذار ودعوة الى القول ب إِيَّاكَ نَعْبُدُ أضاف الصفة الى الظرف اجراء له مجرى المفعول به نحو يا سارق الليلة ومعناه الماضي على طريقة نادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ فان المتيقن كالواقع فصح وقوعها صفة للمعرفة واجراء هذه الصفات على الله تعالى للتعليل على انه الحقيق بالحمد ومن لم يتصف بتلك الصفات لا يستأهل الحمد فضلا ان يعبد والتمهيد لقوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ وقوله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يدل على الاختيار وينفى الإيجاب بالذات والوجوب عليه قضية لسوابق الأعمال ثم لما ذكر الحقيق بالحمد ووصفه بصفات عظام مميزة عن سائر الذوات وتعلق العلم بمعلوم معين خاطب بذلك فقال. إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) أجاز القراء فيه الروم والإشمام في حالة الوقف وكذا في كل

[سورة الفاتحة (1) : آية 6]

مضموم- والمعنى يا من هو بالصفات المذكورة نخصك بالعبادة والاستعانة عليها وعلى جميع أمورنا- ومن عادة العرب التفنن في الكلام والالتفات من الغيبة الى الخطاب وبالعكس ومن التكلم إليهما وبالعكس تنشيطا للسامع- والعبادة أقصى الخضوع والتذلل ومنه طريق معبد اى مذلل والضمير في الفعلين للقارى ومن معه- وفيه اشعار على التزام الجماعة- وقدم المفعول للتعظيم والاهتمام والحصر قال ابن عباس معناه نعبدك ولا نعبد غيرك- رواه ابن جرير وابن ابى حاتم من طريق الضحاك عنه وقيل الواو في وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ للحال اى نعبدك مستعنين بك-. اهْدِنَا اى أرشدنا بيان للمعونة المطلوب- او افراد لما هو المقصود الأعظم- والهداية دلالة بلطف ولذلك يستعمل في الخير- وأصله ان يعدى باللام او الى وقد يعدى بنفسه- وهذا الدعاء من المؤمنين ومن النبيّ صلى الله عليه وسلم مع كونهم على الهداية لطلب التثبت او طلب مزيد الهداية فان الألطاف والهدايات من الله تعالى لا تتناهى على مذهب اهل السنة الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) قرأ ابن كثير برواية قنبل الصراط معرفا باللام ومضافا في الفاتحة وسائر القران وكذا منكرا حيث اتى بالسين على الأصل لانه من سرط الطّعام اى ابتلعه- والطريق يسرط السابلة والباقون بالصاد وهو لغة قريش- وقرا خلف كلها بين الصاد والزاء وكذا خلاد هاهنا خاصة- والمستقيم المستوي والمراد طريق الحق- وقيل ملة الإسلام «1» - والقولان أخرجهما ابن جرير عن ابن عباس. صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (5) بدل من الاول بدل الكل وفائدته التوكيد والتنصيص على ان طريقهم هو المشهود عليه بالاستقامة والمراد بالذين أنعمت عليهم كل من ثبّته الله تعالى على الايمان والطاعة مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ- قرأ حمزة عليهم- إليهم- لديهم- حيث وقع بضم الهاء وصلا ووقفا والباقون بكسرها- وضم ابن كثير كل ميم جمع مشبعا في الوصل إذا لم يلقها ساكن- وقالون يقول

_ (1) قال ابو العالية والحسن في تفسير اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صراط رسول الله وصاحباه- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي. وقال اقتدوا بالذين من بعدي ابى بكر وعمر- منه رحمه الله

بالتخيير في الإشباع وعدمه لقيها ساكن اولا «1» - وورش يشبع عند الف القطع فقط- وإذا تلقته الف الوصل وقبل الهاء كسر او ياء ساكنة نحو بِهِمُ الْأَسْبابُ وعَلَيْهِمُ الْقِتالُ ضم الهاء والميم حمزة والكسائي- وكسرهما ابو عمرو- وكذلك يعقوب إذا انكسر ما قبله- والآخرون ضموا الميم على الأصل وكسروا الهاء لاجل الياء والكسرة- وفي الوقف يكسر الهاء عند الكل لكسرة ما قبلها او الياء الا ما ذكرنا خلاف حمزة ويعقوب ابو محمد في الكلمات الثلث غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) بدل من الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ- اى المنعم عليهم هم السالمون من الغضب والضلال- او صفة له مبينة او مقيدة ان اجرى الموصول مجرى النكرة إذا لم يقصد به معهود- كما في قول الشاعر ولقد امرّ على اللّئيم يسبّنى- او جعل غير معرفة لاضافته الى ماله ضد واحد فيتعين- يقال عليكم بالحركة غير السكون- وعليهم في محل الرفع نائب مناب الفاعل- ولا مزيدة لتأكيد ما في غير من معنى النفي- كانه قال لا المغضوب عليهم- والغضب ثوران النفس لارادة الانتقام وإذ أسند الى الله أريد به المنتهى- والضلالة ضد الهداية وهو العدول عن الطريق الموصل وله عرض عريض- اخرج احمد في مسنده- والترمذي وحسنه- وابن حبان في صحيحه وغيرهم عن عدى بن حاتم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- ان المغضوب عليهم اليهود وان الضالين النصارى- واخرج ابن مردوية عن ابى ذر نحوه- واخرج ابن جرير وابن ابى حاتم التفسير بذلك عن ابن عباس- وابن مسعود- والربيع ابن انس- وزيد بن اسلم- قال ابن ابى حاتم- لا اعلم في ذلك خلافا بين المفسرين- واللفظ عام يعم الكفار والعصاة والمبتدعة- قال الله تعالى في القاتل عمدا- وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ- وقال-فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ- وقال- الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا- والسنة عند ختم الفاتحة ان يقول أمين مفصولا- وأمين مخفف غير مشدد- جاء ممدودا ومقصورا قال البغوي قال ابن عباس معناه اسمع واستجب- واخرج الثعلبي عنه قال سالت النبي صلى الله عليه وسلم عنه فقال افعل- روى ابن ابى شيبة في مصنفه والبيهقي فى الدلائل عن ابى ميسرة ان جبرئيل عليه السلام اقرأ النبىّ صلى الله عليه وسلم الفاتحة فلما قال وَلَا الضَّالِّينَ قال له قل أمين- وروى ابو داود في سننه عن ابى زهير أحد الصحابة

_ (1) هذا التعميم من سباق قلم او من الناسخ لان الإشباع قبل الساكن ممنوع- ابو محمد عفا الله عنه

فصل فى فضائل الفاتحة

قال- أمين مثل الطابع على الصحيفة خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فاتينا على رجل قد ألح في المسألة فقال النبي صلى الله عليه وسلم أوجب ان ختم- فقال رجل من القوم باىّ شىء يختم فقال أمين- واخرج ابو داود- والترمذي- والدارقطني- وصححه ابن حبان- كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرا ولا الضّالّين قال أمين- وفي الصحيحين عن ابى هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا قال الامام وَلَا الضَّالِّينَ فقولوا أمين فان الملائكة تقول أمين- وان الامام يقول أمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه. فصل فى فضائل الفاتحة عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسى بيده ما انزل في التورية ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القران مثلها- وانها لهى السبع المثاني التي أتاني الله عز وجل- رواه الترمذي وقال حسن صحيح- والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم- وعن ابن عباس قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده جبرئيل إذ سمع نقيضا من فوقه فرفع جبرئيل عليه السلام بصره الى السماء فقال هذا باب فتح من السماء ما فتح قط قال فنزل منه ملك فاتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ابشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبى قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرا حرفا منها الا أعطيته- رواه مسلم وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى- قسّمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين فنصفها لى ونصفها لعبدى ولعبدى ما سال- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- يقول العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يقول الله حمدنى عبدى- يقول العبد الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يقول الله اثنى علىّ عبدى- يقول العبد مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يقول الله تعالى مجدنى عبدى- يقول العبد إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يقول الله هذه الاية بينى وبين عبدى ولعبدى ما سال- يقول العبد اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ يقول فهؤلاء لعبدى ولعبدى ما سال- رواه مسلم- وعن عبد الملك بن عمير مرسلا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- فاتحة الكتاب شفاء من كل داء- رواه الدارمي في مسنده والبيهقي في شعب الايمان بسند صحيح- وعن عبد الله بن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- الا أخبرك بأخير سورة نزلت في القران

سورة البقرة

قلت بلى يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فاتحة الكتاب واحسبه قال فيها شفاء من كل داء- وعنه- فاتحة الكتاب شفاء من كل شىء الا السام- والسام الموت- رواه الخلعي فى فوائده- وعن ابى سعيد بن المعلى- أعظم سورة في القران الحمد لله رب العلمين- رواه البخاري والبيهقي والحاكم من حديث انس- أفضل القران الحمد لله رب العلمين- وروى البخاري في مسنده من حديث ابن عباس- فاتحة الكتاب تعدل ثلثى القران- وعن ابى سليمان قال مر بعض اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في بعض غزواتهم على رجل قد صرع فقرأ بعضهم في اذنه بام القران فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم- هى أم القران وهى شفاء من كل داء- رواه الثعلبي من طريق معاوية بن صالح عنه- وعن ابى سعيد الخدري مرفوعا- فاتحة الكتاب شفاء من السم- رواه سعيد بن منصور والبيهقي في الشعب- وعنه قال- كنا في مسير لنا فنزلنا فجاءت جارية فقالت ان سيد الحي سليم فهل معكم راق فقام معها رجل فرقاه بام الكتاب فبرىء فذكر للنبى صلى الله عليه وسلم فقال وما كان يدريه انها رقية- رواه البخاري- ورواه ابو الشيخ وابن حبان في الثواب عنه وعن ابى هريرة معا- وعن السائب بن يزيد قال- عوّذنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بفاتحة الكتاب فىّ تفلا- رواه الطبراني في الأوسط- وعن انس- إذا وضعت جنبك على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فقد امنت كل شىء الا الموت- رواه البزار. سورة البقرة مدنيّة اخرج البخاري عن عائشة قالت ما نزلت سورة البقرة والنّساء الّا وانا عنده وهى مائتان وسبع «1» وثمانون اية وستة الف ومائة واحدى وعشرون كلمة وحروفها خمسة وعشرون الف وخمسمائة حرف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم (1) قيل في المقطعات في أوائل السور انها اسماء السور- وقيل هى مزيدة للتنبيه على انقطاع كلام واستيناف كلام اخر- وقيل هى اشارة الى كلمات منها اقتصرت عليها اقتصار الشاعر فقلت لها قفى فقالت لى قاف- اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن

_ (1) عند اهل البصرة اما عند اهل الكوفة فمائتان وست وثمان اية- ابو محمد عفا الله عنه

ابى العالية- الالف آلاء الله- واللام لطفه- والميم ملكه- واخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم عنه الر وحم ون مجموعها الرحمن- وعن ابن عباس ان الم معناه انا الله اعلم- وقال البغوي روى سعيد بن جبير عن ابن عباس المص انا الله اعلم وافصل والر انا الله ارى والمر انا الله اعلم وارى- وقيل اشارة الى مدد أقوام وآجال بحساب الجمل- روى البخاري في تاريخه وابن جرير من طريق ضعيف انه صلى الله عليه وسلم لما اناه اليهود تلا عليهم الم البقرة فحسبوا فقالوا كيف ندخل في دين مدته احدى وسبعون سنة- فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا فهل غيره فقال المص والر- والمر- فقالوا خلطت علينا فلا ندرى بايها نأخذ- ورد هذه الأقوال بان كونها اسماء السور مستلزم لوقوع الاشتراك في الاعلام من واضع واحد وذلك ينافى المقصود بالعلمية- وايضا التسمية بثلاثة اسماء فصاعدا مستنكر وايضا تسمية بعض السور دون بعض بعيد- وبان هذه الألفاظ لم تعهد مزيدة للدلالة على الفصل والاستيناف- وان كان كذلك كانت على كل سورة- وبان الاقتصار على بعض حروف الكلمة غير مستعمل واما الشعر فشاذ على ان في الشعر قوله قفى في السؤال قرينة على ان قولها قاف من وقفت بخلاف أوائل السور إذ لا قرينة هناك على ان الالف من الآء الله- واللام لطفه ونحو ذلك- وما روى عن بعض الصحابة والتابعين فمصروف عن الظاهر والا فهى اقوال متعارضة- وتخصيص حرف بكلمة من الكلمات المشتملة على تلك الحروف دون غيرها ترجيح بلا مرجح وبان تبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فهم اليهودي- الظاهر انه صلى الله عليه وسلم تعجب على جهله- وقيل انه مقسم بها لشرفها من حيث انها بسائط اسماء الله تعالى- ومادة خطابه وهذا التأويل يحوج الى إضمار أشياء لا دليل عليها واختار البيضاوي ان حروف التهجي لما كانت عنصر الكلام وبسائطه التي يتركب منها افتتحت السور بطائفة منها إيقاظا لمن يتحدى بالقران وتنبيها على ان المتلو عليهم كلام منظوم مما ينظمون منه كلامهم فلو كان من عند غير الله لما عجزوا عن الإتيان بمثله وليكون أول ما يقرع الاسماع مستقلا بنوع من الاعجاز- فان النطق بأسماء الحروف من الأمي معجزة كالكتابة سيما وقد روعى في ذلك ما يعجز عنه الأديب الفائق في فنه حيث أورد اربعة عشر اسماء نصف عدد أسامي الحروف في تسع وعشرين سورة بعدد الحروف

مشتملة على انصاف جميع أنواعها من المهموسة والمجهورة والشديدة والرخوة وغيرها كما ذكر تفصيله- وايضا الكلام غالبا يتركب من تلك الحروف الاربعة عشر دون البواقي- قال والمعنى ان هذا المتحدى به مؤلف من جنس هذه الحروف- والحق عندى انها من المتشابهات «1» وهى اسرار بين الله تعالى وبين رسوله صلى الله عليه وسلم لم يقصد بها إفهام العامة بل إفهام الرسول صلى الله عليه وسلم ومن شاء افهامه من كمل اتباعه قال البغوي قال ابو بكر الصديق رضى الله عنه في كل كتاب سر وسر الله تعالى في القران أوائل السور- وقال علىّ رضى الله عنه ان لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي- وحكاه الثعلبي عن ابى بكر وعن علىّ وكثير- وحكاه السمرقندي عن عمرو وعثمان وابن مسعود رضى الله عنهم أجمعين وحكاه القرطبي عن سفيان الثوري- والربيع بن خثعم- وابى بكر ابن الأنباري- وابن ابى حاتم وجماعة من المحدثين- قال السجاوندى المروي عن الصدر الاول في الحروف التهجي انها سر بين الله وبين نبيه صلى الله عليه وسلم- وقد يجرى بين المحرمين كلمات معميات يشير الى اسرار بينهما- وقيل انّ الله تعالى استأثر بعلم المقطعات والمتشابهات ما فهمه النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من اتباعه- وهذا بعيد جدّا فان الخطاب للافهام فلو لم يكن مفهمة كان الخطاب بها كالخطاب بالمهمل او الخطاب بالهندي مع العربي- ولم يكن القران باسره بيانا وهدى- ويلزم ايضا الخلف في الوعد بقوله تعالى- ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ- فانه يقتضى ان بيان القران محكمه ومتشابهه من الله تعالى للنبى صلى الله عليه وسلم واجب ضرورى- وروى عن ابن عباس انا من الراسخين في العلم وانا ممن يعلم تأويله- وكذا

_ (1) المتشابه فيه قولان أحدهما انه يرجى نيل المراد منه بضرب من التأويل والتأمل والثاني انه لا يرجى نيل المراد منه فعلى القول الاول الرسول وغيره في ذلك سواء والادلة التي ذكرت هاهنا يؤيد هذا القول وعلى القول الثاني هو مختار الحنفية رحمهم الله ايضا الرسول وغيره سواء والادلة المذكورة مخدوشة عندهم فينبغى تفصيل المذهبين وكذا دليل كل من الفريقين مع الجواب عن دليل المخالف حتى ينتظم الكلام- قلت المتشابه التي يشتبه على السامع العارف باللغة المراد بحيث لا يدرك بالطلب ولا بالتأمل الا بعد بيان من الشارع فان بينه النبي صلى الله عليه وسلم حتى ظهر المراد منه سميت مجملا على اصطلاح الأصوليين كالصلوة والزكوة والحج والعمرة واية الربوا ونحو ذلك وان لم يوجد البيان والتعليم من النبي صلى الله عليه وسلم سميت متشابها على اصطلاحهم- والمتشابه بهذا المعنى أخص من المتشابه بالمعنى المذكور سابقا فالمقطعات واليد والوجه والاستواء على العرش من هذا القبيل- واختلف كلام العلماء في هذا النوع فقيل يمكن تأويله وقيل لا يمكن تأويله بل يجب الايمان به وتفويض المراد منه الى الله سبحانه فقيل استأثر الله سبحانه بعلمه ما فهم النبي صلى الله عليه وسلم مراده ولا أحد من اتباعه وبه قال اكثر العلماء وقيل بل فهمه النبي صلى الله عليه وسلم ومن شاء افهامه من اتباعه وهو سر بين الله وبين رسوله صلى الله عليه وسلم وهو المختار عندى وما يدل على هذا من اقوال الصحابة مذكور في الكتاب- منه برد الله مضجعه

عن مجاهد وادعى المجدد للالف الثاني رضى الله عنه (من الامة المرحومة التي لا يدرى أولها خير أم آخرها ولعل آخرها فوجا هى اعرضها عرضا وأعمقها عمقا وأحسنها حسنا) ان الله تعالى اظهر عليه تأويل المقطعات واسرارها لكنها مما لا يمكن بيانها للعامة فانه ينافى كونها سرّا من اسرار الله تعالى والله تعالى اعلم- وقيل انها اسماء الله تعالى أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم وابن مردوية في الأسماء والصفات عن ابن عباس وسنده صحيح- وروى ابن ماجة عن على رضى الله عنه انه كان يقول يا كهيعص اغفر لى- وعن الربيع بن انس كهيعص معناه من يجير ولا يجار عليه- وقيل انها اسماء القران أخرجه عبد الرزاق عن قتادة قالوا ولذلك اخبر عنها بالكتاب والقران قلت ان كانت اسماء لله تعالى كانت دالة على بعض صفاته تعالى- كسائر اسماء الصفات- وكذا ان كانت اسماء للقران كانت دالة على بعض صفات القران كما ان لفظ القران والفرقان والنور والحيوة والروح والذكر والكتاب تدل على صفة من صفاته- وعلى كلا التقديرين فدلالة تلك الألفاظ ليست مما يفهمه العامة بل هى مختصة بفهم المخاطب ومن شاء الله تعالى تفهيمه- والحكم بانها من اسماء الله تعالى لا يتصور الا بعد فهم معناها- فهذان القولان على تقدير صحتهما راجعان الى ما حققناه انها اسرار بين الله تعالى وبين رسوله صلى الله عليه وسلم لا يفهمه غيره الا من شاء الله من كمل اتباعه وكذلك قوله تعالى- يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ- وقوله تعالى- الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى - وهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ- ونحو ذلك مما يستحيل حملها على ظواهرها التي تتبعها الذين في قلوبهم زيغ من المجسمة- فان كلا منها تدل على صفة من صفات الله تعالى بحيث فهمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعض الكمل من اتباعه- وتوضيح ذلك ان لله تعالى صفاتا غير متناهية «1»

_ (1) قال البغوي انه قال ابن عباس قالت اليهود أتزعم انا قد أوتينا الحكمة وفي كتابك وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ثم تقول وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا فانزل الله هذه الاية يعنى كلمات علمه وحكمته تعالى غير متناهية ومن هاهنا قال العلماء معلومات الله تعالى غير متناهية وكما ان علومه تعالى غير متناهية وان كان ذلك اللاتناهى بعدم تناهى تعلقاتها- فكذلك جزئيات سائر صفاته تعالى غير متناهية وايضا حصر الصفات فيما يعلمه الناس ممنوع كيف وما ذكر فى المتن من الحديث الصحيح يدل على ان من أسمائه تعالى ما استأثر بعلمه لم يعلّمه أحدا من خلقه فمن الجائز ان يعلم الله سبحانه رسوله من أسمائه وصفاته بالمقطعات ما لم يعلمه قبله غيره- عدم تناهى الصفات انما هو بمعنى عدم تناهى تعلقاتها وحمل الكلمات على الصفات مستبعد كل البعد ولا يجب وضع اللفظ بإزاء كل تعلق تعلق حيث يقدح تناهيها في ادراك الصفات بل اللفظ انما يوضع بإزاء معنى كلى تنطبق على جزئيات غير متناهية- ثم عدم وضع اللفظ بإزاء معنى من المعاني لا يوجب عدم درا ذلك المعنى لجواز ان يتصور المعنى من غير توسط اللفظ ولا امتناع التصور بالكنه يوجب عدم اللفظ إذ التصور بالوجه كاف- ان كان استفادة العلم الضروري بهذه الحروف بطريق الدلالة الوضعية عاد الاشكال بأصله إذ تلك الدلالة ليست موجودة لانها ليست بوضع العرب مع ان القران عربى وان كان لا بطريق الدلالة الوضعية بل بمجرد المقابلة ولزوم الروية يلزم الدرك من الحروف ما لها وضع وكلا الشقين محال قلت واضع الأسماء واللغات كلها هو الله سبحانه دون الناس- وكان ابتداء التعليم من الله سبحانه بالإلهام او البيان والا يلزم التسلسل فعلى هذا يمكن ان يكون هذه الحروف المقطعات في علم الله تعالى موضوعة للمعانى دالة عليها بالوضع فالهم الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم معنى تلك الحروف وصفتها كما الهم آدم عليه السلام معانى سائر الأسماء- منه رحمه الله [.....]

حيث قال الله تعالى- لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي- وقال عز من قائل- وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ- ولا شك ان الألفاظ الموضوعة بإزاء المعاني متناهية- والعقول قاصرة عن درك كنه ذات الله تعالى وكنه صفاته- وانما يتصور دركه بنوع من المعية الذاتية او الصفاتية الغير المتكيفة- هيهات هيهات عن فهم العوام بل الخواص مع دركهم لا يدركون ذلك الدرك في مرتبة الذات حيث قال رئيس الصديقين شعر- العجز عن درك الإدراك ادراك- والبحث عن سر الذات اشراك- غير ان بعض صفاته تعالى لما شارك صفات الممكنات في الغايات او بعض وجوه المشاكلات عبر عنها بالأسماء التي تدل على صفات في المخلوقات كالحيوة والعلم والسمع والبصر والارادة والرحمة والقهر وغيرها فزعم البشر انه فهمها وفي الحقيقة لم يفهم الا بعض وجوهها- وبعضها ليست بهذا المثابة- فمنها ما استأثر الله تعالى بعلمه- ومنها ما افهمه الخواص من خلقه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه اللهم انى أسئلك بكل اسم هو لك سميت به نفسك او أنزلته في كتابك او علمته أحدا من خلقك او استأثرت به في علم الغيب عندك- رواه ابن حبان فى صحيحه- والحاكم في المستدرك واحمد- وابو يعلى في حديث ابن مسعود لمن أصابه هم- والطبراني فى حديث ابى موسى فلعل الله سبحانه من ذلك الأسماء الخفية عن العامة التي لم يوضع بإذائها ألفاظ في لغاتهم علّم والهم بعضها لنبيه صلى الله عليه وسلم ومن شاء من اتباعه بهذه الحروف وخلق فيهم علما ضروريا مستفادا من هذه الحروف كما علم آدم الأسماء وخلق فيه علما ضروريا من غير سبق علمه بوضع ذلك اللفظ لذلك المعنى كيلا يلزم التسلسل- ويتجلى تلك الأسماء والصفات على النبي صلى الله عليه وسلم بتلاوة هذه الحروف- قال شيخى وامامى قدسنا الله بسره السامي انه يظهر بنظر الكشف القران كله كانه بحر ذخار للبركات الالهية ويظهر تلك الحروف في ذلك البحر كانها عيون فوارات تفور ويخرج منها البحر- فعلى هذه المكاشفة لا يبعد ان يجعل هذه الحروف اسماء للقران كانّ القران تفصيل لذلك الإجمال والله اعلم بمراده- وهذا التوجيه لا ينافى ما اختاره البيضاوي فان القران لكل اية منها ظهر وبطن ولكل حد مطلع- ويروى لكل حرف حد ولكل حد مطلع رواه البغوي من حديث ابن مسعود فكما ان هذه الحروف في الظاهر عنصر للقران وبسائطه وغالب

[سورة البقرة (2) : آية 2]

ما يتركب منه- وفيه لطائف الإيراد ووجوه الاعجاز- كذلك المراد من تلك الحروف إجمال للقران وعيون فوارات واسرار بين الله وبين رسوله لا يطلع عليه أحد الا المخاطب او من في معناه والله سبحانه اعلم-. ذلِكَ الْكِتابُ- اى هذا الكتاب الذي يقرأه محمد صلى الله عليه وسلم ويكذّب به المشركون فالمشار اليه ما سبق نزوله من القران على سورة البقرة او القران كله الذي سبق بعضه فذلك مبتدأ والكتاب خبره اى الكتاب المعهود الموعود- او الكتاب الكامل الذي يستأهل ان يسمى كتابا- او صفة وخبره ما بعده- وقيل هذا فيه مضمر اى هذا الذي يوحى إليك ذلك الكتاب الذي وعدنا انزاله في التورية والإنجيل- او وعدناك من قبل بقولنا- إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا- فذلك خبر مبتدأ محذوف والكتاب صفته- والكتاب مصدر بمعنى المكتوب واصل الكتب الضم والجمع يقال للجند كتيبة لاجتماعها سمى به لانه قد جمع في الكتاب حرف الى حرف- او لانه مما يكتب- والاشارة بذلك وهى للبعيد تعظيما لشأنه لا رَيْبَ فِيهِ لوضوحه وسطوع برهانه بحيث لا يرتاب فيه العاقل بعد النظر الصحيح في كونه وحيا- وقيل خبر بمعنى النهى اى لا ترتابوا فيه- ولا لنفى الجنس وفيه خبره- او فيه صفته وللمتقين خبره وهدى نصب على الحال- او الخبر محذوف كما في لا ضير- وفيه خبر هدى قدم عليه لتنكيره والتقدير لا ريب فيه فيه هدى والاولى ان يقال انها جمل متناسقات يقرر اللاحقة السابقة ولذا لم يعطف- ف ذلِكَ الْكِتابُ ملة تفيد انه الكتاب المنعوت بغاية الكمال حيث لا رَيْبَ فِيهِ- وكذا قوله هُدىً لِلْمُتَّقِينَ- قرا ابن كثير فيه بالإشباع في الوصل وكذلك كل هاء ضمير الغائب قبلها ساكن يشبعها وصلا بالياء ان كان الساكن ياء والا بالواو نحو منه كما يشبع القراء كلهم كل هاء قبلها متحرك مكسور ياء نحو به او غير مكسور واوا نحو يضربه له ما لم يلقها ساكن فاذا لقيها ساكن سقط مدة الإشباع لاجتماع الساكنين اجماعا- نحو عليه الكتب وله الحكم غير ان الكلمة إذا كانت ناقصة حذف آخرها لاجل الجزم نحو يؤدّه ونولّه- ونصله- فالقه- ويتّقه- ويأته- ويرضه وبقي ما قبل الهاء متحركا ففيها خلاف القراء نذكرها في مواضعها ان شاء الله تعالى فقرا بعضهم بالإشباع نظرا الى تحرك ما قبلها وبعضهم بالاختلاس نظرا الى كون الحركة عارضية وتنبيها على الحرف المحذوف وبعضهم بالسكون لحلوله محل المحذوف هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2) اى هو هدى فهو جملة ثالثة يؤكد كونه حقا لا ريب فيه- او يكون كل جملة منها يستتبع السابقة اللاحقة استتباع الدليل للمدلول فانه لما كان بالغا حد الكمال

[سورة البقرة (2) : آية 3]

لا يسوغ فيه الريب فيكون البتة هدى- وهدى مصدر بمعنى الدلالة على الطريق الموصل او الدلالة الموصلة الى المقصود بمعنى الهادي- او ذكر مبالغة كزيد عدل- وتخصيص الهدى بالمتقين اما على المعنى الاول فلانهم هم المنتفعون به وان كانت الدلالة عامة ولذا قال- هُدىً لِلنَّاسِ- واما على الثاني فظاهر لانه لا يكون دلالة موصلة الا لمن صقل عقله كالغذاء الصالح ينفع الصحيح دون المريض ولذا قال- شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً- والمتقى من يقى نفسه عما يضره في الاخرة من الشرك وذلك أدناه- ومن المعاصي وذلك أوسطه- ومن الاشتغال بما لا يعينه ويشغله عن ذكر الله تعالى وذلك أعلاه وهو المراد بقوله تعالى- حَقَّ تُقاتِهِ- وقال ابن عمر التقوى ان لا ترى نفسك خيرا من أحد- وقال شهر بن حوشب- المتقى الذي يترك ما لا بأس به- حذرا عما به بأس- روى الشيخان وابن عدى عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- الحلال بين والحرام بين وبينهما امور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى المشتبهات استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في المشتبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك ان يواقعه- الا وان لكل ملك حمى الا وان حمى الله في ارضه محارمه الا وان في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسدت الجسد كله الا وهى القلب- وروى الطبراني في الصغير الحلال بين والحرام بين فدع ما يريبك الى ما لا يريبك- قلت صلاح القلب المذكور في الحديث هو المعبّر باصطلاح الصوفية بفناء القلب وهو أول مراتب الولاية وهو المستلزم لصلاح الجسد والاتقاء عن المشتبهات حذرا من ارتكاب المحرمات- فالتقوى لازم للولاية قال الله تعالى- إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وفي الاية سمى المشارف للتقوى متقيا مجازا على طريقة من قتل قتيلا-. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ- صفة مقيدة للمتقين ان فسر بالتقوى عن الشرك والا فموضحة مشتملة على اصول الأعمال من الايمان فانه رأس الأمر كله- والصلاة فانها عماد الدين- والزكوة فانها قنطرة الإسلام او مادحة- او مبتدأ وخبره أُولئِكَ عَلى هُدىً- قرا ابو جعفر وابو عمرو وورش يومنون بالواو بدلا عن الهمزة- وكذلك ابو جعفر يترك كل همزة ساكنة ويبدلها واوا بعد ضمة- وياء بعد كسرة الا في انبئهم- ونبّئهم- ونبّئنا- وابو عمرو كلها الا ما كان السكون فيه للجزم نحو يهيّئ او يكون فيه خروج من لغة الى لغة كالمؤصدة- ورءيا-

وورش كل همزة ساكنة في فاء الفعل الا تؤى- وتؤويه- ولا يترك الهمزة في عين الفعل الا باب الرّؤيا وما كان على وزن فعل مسكور العين- والايمان في اللغة التصديق كما في قوله تعالى وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا- وذلك يكون بالقلب واللسان وفي الشرع التصديق بالقلب واللسان جميعا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وعلم قطعا- ولا يعتبر التصديق بالقلب بدون اللسان الا في حالة الإكراه- قال الله تعالى وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ- وقال يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ- وقال إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ- ولا يعتبر التصديق باللسان بدون القلب أصلا قال الله تعالى- وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ- واما الأعمال فغير داخلة في الايمان ولذا صح عطف يُقِيمُونَ الصَّلاةَ على يُؤْمِنُونَ وعطف آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ- روى مسلم في الصحيح عن عمر بن الخطاب قال بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه اثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسند ركبتيه الى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال يا محمد أخبرني عن الإسلام- قال الإسلام ان تشهد ان لا الله الا الله وان محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكوة وتصوم رمضان وتحج البيت ان استطعت اليه سبيلا- قال صدقت فعجبنا له يسئله- ويصدقه- قال أخبرني عن الايمان- قال ان تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر وتؤمن بالقدر خيره وشره- قال صدقت قال فاخبرنى عن الإحسان- قال ان تعبد ربك كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك- قال فاخبرنى عن الساعة- قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل- قال فاخبرنى عن اماراتها- قال ان تلد الامة ربتها- وان ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان- قال ثم انطلق فلبثت مليا ثم قال لى يا عمر أتدري من السائل- قلت الله ورسوله اعلم- قال فانه جبرئيل أتاكم يعلمكم دينكم- ورواه ابو هريرة مع اختلاف وفيه- إذا رايت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض في خمس لا يعلمهن الا الله ثم قرا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ الاية- متفق عليه وهذا الحديث تدل على ان الإسلام اسم لما ظهر من الأعمال- وكذا قوله تعالى- قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا- ويطلق الإسلام ايضا على الايمان

[سورة البقرة (2) : آية 4]

كما في قوله تعالى قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ فهو في اصطلاح الشرع مشترك فى المعنيين- والغيب مصدر وصف به للمبالغة كالشهادة قال الله تعالى عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ والمراد به ما غاب عن أبصارهم من ذات الله وصفاته والملائكة والبعث والجنة والنار والصراط والميزان وعذاب القبر وغير ذلك فهو واقع موقع المفعول به للايمان والباء صلة- او بمعنى الفاعل وقع حالا من فاعل يؤمنون يعنى يؤمنون غائبين عنكم لا كالمنافقين في حضور المؤمنين خاصة دون الغيبة وقيل عن المؤمن به- روى عن ابن مسعود انه قال ان امر محمد صلى الله عليه وسلم كان بيّنا لمن راه والذي لا الله غيره ما من أحد قط أفضل ايمانا من ايمان بغيب ثم قرا الم ذلِكَ الْكِتابُ الى قوله الْمُفْلِحُونَ- وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ اى يحافظون على حدودها وشرائطها وأركانها وصفاتها الظاهرة من السنن والآداب والباطنة من الخشوع والإقبال- من اقام العود إذا قومه- او يديمونها ويواظبون عليها- من قامت السوق إذا نفقت وأقمتها إذا جعلتها نافقة والصلاة أصله الدعاء وسميت بها لاشتمالها عليه قرا ورش بتغليظ اللام إذا تحرك بالفتح بعد الصاد- او الطاء- والظاء- نحو الصّلوة- ومصلّى- وأظلم- والطّلاق- ومعطّلة- وبطل- ونحو ذلك وقرا الباقون بالترقيق الا في لفظه الله خاصة إذا انفتح او انضم ما قبله فيفخمونه «1» أجمعون- وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3) الرزق في اللغة الحظ قال الله تعالى وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ- ويطلق على كل ما ينتفع به الحيوان والانفاق في الأصل الإخراج عن اليد والملك ومنه نفاق السوق حيث يخرج فيه السلعة والمراد به صرف المال في سبيل الخير هذه الاية في المؤمنين من مشركى العرب-. وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ يعنى القران وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ من التورية والإنجيل وسائر الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام- هم المؤمنون من اهل الكتاب- كذا اخرج ابن جرير عن ابن مسعود وابن عباس رضى الله عنهما- فعلى هذا الآيتان تفصيل للمتقين- او المراد بهم هم الأولون من قبيل قوله شعر الى الملك القوم وابن الهمام- وليت الكتيبة في المزدحم- على معنى انهم الجامعون بين الايمان بما يدركه العقل جملة وإتيان الشرائع وبين الايمان بما لا طريق اليه غير السمع او من قبيل عطف الخاص على العام

_ (1) فى الأصل فيفخمون 12

كقوله تعالى تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ- تعظيما لشأنهم- روى الشيخان عن ابى موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلثة لهم أجران رجل من اهل الكتاب أمن بنبيه وأمن بمحمد الحديث- والانزال نقل الشيء من الأعلى الى الأسفل ويلحق المعاني بتوسط لحوقه الذوات الحاملة لها كجبرئيل- او المراد العلو والسفل في الرتبة انزل من علم الله تعالى الى علم البشر يقصر ابو جعفر وابن كثير ويعقوب والسوسي كل مد وقع بين كلمتين وقالون والدوري يمد ويقصر والباقون بمدونها ولذا سمى هذا المد المنفصل مدا جائزا بخلاف المتصل الواقع في كلمة واحدة نحو السّماء فانهم اتفقوا على مده فيسمى واجبا لكنهم اختلفوا في مقدار المتصل والمنفصل فابن كثير وابو عمرو وقالون يمدون على قدر ثلث حركات وابن عامر والكسائي على قدر اربع حركات وعاصم على قدر خمس حركات وورش وحمزه على قدر ست حركات هذا في المد الذي يقع بعد المدة همزه- اما إذا وقع بعده ساكن نحو وَلَا الضَّالِّينَ والم فجميع القراء اتفقوا على مده على قدر ست حركات ويسمى مدا لازما- الا إذا كان الساكن لعارض الوقف فاتفقوا على ان القاري مخير في مده على قدر حركتين او اربع حركات اوست حركات وفيما كان الساكن في الأصل مضموما نحو نَسْتَعِينُ يمدونها الى سبع «1» حركات- والله اعلم- وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) اى بالدار الاخرة سميت الدنيا لدنوّها- والاخرة لتاخرها فهما صفتان في الأصل غلبتهما الاسمية فصارا اسمين- والإيقان إتقان العلم بنفي الشك عنه نظرا واستدلالا- فلا يسمى الله موقنا- قرا ورش بنقل حركت الهمزة الى اللام وحذف الهمزة وكذلك كل ما وقع الهمزة أول كلمة- والسابق عليه حرف ساكن غير مدولين من اخر كلمة اخرى فانه يلقى حركت الهمزة على الساكن قبلها ويحذفها سواء كان الساكن نون تنوين او لام تعريف او غير ذلك نحو مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا- ومُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا- وكُفُواً أَحَدٌ- وبِالْآخِرَةِ الْأَرْضِ- الْأُولى - واستثنى اصحاب يعقوب عن ورش من ذلك كِتابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ- واختلفوا فى الْآنَ في موضعين وعاداً الْأُولى - ثم ورش يمد مدّا قصيرا ومتوسط او طويلا على هذه المدة- وكذا على كل مدة وقع بعد الهمزة سواء كانت الهمزة ثابتة نحو أمن- وأوحى- وإيمانا- او محذوفة بعد نقل الحركة نحو بالاخرة- وقل اوحى- ومن أمن او مبدلة نحو هؤلاء الهة فقرا ورش هؤلاء يالهة بالابدال والمد او مسهلة نحو جاء ال- الا ياء إسرائيل تحرزا عن ثلث مدات في

_ (1) لا فرق عند القراء في المضموم وغيرها 12 ابو محمد عفا الله عنه

[سورة البقرة (2) : آية 5]

بنى إسرائيل- وبعضهم لا يرون لورش المد الا في الثابتة- وقرا حمزة من رواية خلف بالسكتة على اللام وكذا على كل ساكن غير مدة وقع اخر الكلمة وبعده همزة يسكت عليه سكتة لطيفة من غير قطع نحو من أمن- وهل اتيك- وعليهم ءانذرتهم ابني آدم وخلوا الى شيطينهم- الاخرة- الأرض- وعنه السكتة على لام التعريف وشىء وشيئا لا غير- وقدم الضمير للحصر اى هم الموقنون بالاخرة دون غيرهم من اهل الكتاب لعدم مطابقة اعتقادهم الواقع حيث قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى ونحو ذلك-. أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ- الجملة في محل الرفع ان جعل أحد الموصولين منفصلا عن المتقين كانه نتيجة للاحكام بالصفات المذكورة فان اسم الاشارة كاعادة الموصوف بصفاته- ففيه إيذان بان تلك الصفات موجبة لهذا الحكم- وفي كلمة على إيذان على تمكنهم وو استقرارهم على الهداية- ونكر هدى للتعظيم وأكّد التعظيم بان الله معطيه وموفقه وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) اى الفائزون بالمطلوب هذا اللفظ وما يشاركه في الفاء والعين من فلق وفلذ وفلى يدل على الشق والقطع كانّ المفلح انشق من غيره وصار بينهما بون بعيد- او صاروا مقطوعا لهم بالخير في الدنيا والاخرة كرر اسم الاشارة تنبيها على ان اتصافهم بتلك الصفاة يقتضى كل واحدة من الاثرتين ووسط العاطف لاختلاف مفهوم الجملتين بخلاف قوله أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ- أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ- وهم ضمير يفصل الخبر عن الصفة ويؤكد النسبة ويفيد الاختصاص- او مبتدأ والمفلحون خبره والجملة خبر أولئك- وتمسك المعتزلة بان الحصر تدل على خلود مرتكب الكبيرة في النار- ورد بان المراد المفلحون الكاملون في الفلاح ويلزم منه عدم كمال الفلاح لمن ليس مثلهم لا عدم الفلاح مطلقا- ثم لما ورد ذكر خاصة- عباد الله وأوليائه في ضمن ذكر الكتاب او مستقلا ان جعل الموصول منفصلا عن المتقين- عقبهم أضدادهم المردة ولم يعطف لاختلاف السياق-. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا- الكفر لغة ستر النعمة وفي الشرع ضد الايمان وستر نعمة الله- سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ- خبران- وسوآء اسم بمعنى الاستواء نعت به كما ينعت بالمصادر- وما بعده مرفوع على الفاعلية كانه قيل مستو عليهم إنذارك وعدمه-

[سورة البقرة (2) : آية 7]

او خبر لما بعده بمعنى انه إنذارك وعدمه سيان عليهم- والفعل وقع مخبرا عنه باعتبار المعنى التضمني اى الحدث مجازا- وانما عدل عن المصدر الى الفعل لايهام التجدد- والهمزة وأم جردتا عن معنى الاستفهام وذكر التقرير معنى الاستواء وتأكيده- والانذار التخويف من عذاب الله واقتصر عليه لان دفع الضرر أهم من جلب النفع- قرا ورش بابدال الهمزة الثانية الفا- وقالون وابن كثير وابو عمرو يسهّلون الثانية بين بين لكن قالون يدخل الفا بينهما مع التسهيل- وهشام يدخل الفا بينهما من غير تسهيل- والباقون يحققون الهمزتين من غير إدخال- وكذلك المقال في كل همزتين مفتوحتين في كلمة واحدة- وذكر في التيسير مذهب هشام كقالون- واما إذا اختلفتا بالفتح والكسر فى كلمة نحواء ذا كنّا ترابا فالحرميان وابو عمرو يسهلون الثانية وقالون وابو عمرو يدخلان قبلها الفا والباقون يحققون الهمزتين واختلف الرواية عن هشام في إدخال الالف بينهما ففى رواية يدخل مطلقا- وفي رواية لا الا في سبعة مواضع- أإنّكم في الأعراف وفصلت أإنّ لنا لاجرا في الأعراف والشعراء- وفي مريم أَإِذا ما مِتُّ- وفي الصّافّات أَإِنَّكَ وأَ إِفْكاً- وإذا اختلفتا بالفتح والضم فى كلمة فالحرميان وابو عمرو يسهلون الثانية- وقالون يدخل بينهما الفا- وهشام كقالون في ص أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ وفي القمر أَأُلْقِيَ- وكالجمهور في ال عمران قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ والباقون يحققون ولا رابع لها- لا يُؤْمِنُونَ (6) جملة مفسرة لاجمال ما قبلها فيما فيه الاستواء فلا محل لها او حال مؤكدة او بدل عنه- او خبر انّ والجملة قبلها اعتراض بما هو علة الحكم-. خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ- فلا تعى خيرا- والقلب هو المضغة وقد يطلق على المعرفة والعقل قال الله تعالى إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ- اعلم ان الله تعالى خالق الأشياء كلها اعراضها وجواهرها- والأسباب اسباب عادية يخلق الله تعالى عقيبها المسببات فالله سبحانه بعد استعمال الحواس من السمع والبصر وغيرهما يخلق علما بالمحسوسات وبعد استعمال الذهن فى ترتيب المقدمتين يخلق علما بالنتيجة جريا على عادته- ولو شاء لا يخلق ويتعطل الحواس ويتخبظ الذهن- ولو شاء يحصل العلم بالمحسوس ولا يفيد ذلك العلم اثرا في القلب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان قلوب بنى آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء- ثم قال اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك- رواه مسلم عن

عبد الله بن عمرو- فالله سبحانه لمّا لم يردان يطهر قلوب الكفار صرفهم عن التفكر في الآيات ولم يخلق فى قلوبهم تأثرا بالايمان واليقين بعد رؤية الآيات والمعجزات وعبر عن ذلك وعن عدم التأثر بالختم- والطبع- والاغفال- والاقساء- والغشاوة مجازا- او مثل قلوبهم ومشاعرهم بأشياء ضرب عليها الحجاب- او يقال ان المراد بالختم ما يخلق الله تعالى من السواد على القلوب باقتراف المعاصي- روى البغوي عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه فان تاب ونزع واستغفر صقل قلبه منها وان زاد زادت حتى تعلو قلبه- فذلكم الرين الذي ذكر الله في كتابه كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ- قلت وسواد القلب المذكور هو المعبر فيما مر من الحديث بفساد القلب- حيث قال وإذا فسدت فسدت الجسد وهو ضد صلاح القلب ولما كان حال ذنب المؤمن كذلك فما بال الكافر- وعبر عن احداث هذه الهيئة بالطبع- والاغفال والاقساء ونحوها- والختم في اللغة الكتم- سمى به الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه لانه كتم له- والبلوغ آخره سمى به نظرا الى انه اخر فعل يفعل في إحرازه- وَعَلى سَمْعِهِمْ- اى أسماعهم وحده للامن عن اللبس واعتبار الأصل فانه مصدر في أصله والمصادر لا يجمع- معطوف على قلوبهم لقوله تعالى وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً- ولمّا كان درك السمع والقلب من جميع الجهات جعل مانعهما من جنس واحد وهو الختم بخلاف البصر فانه مختص بالمقابلة فجعل مانعها الغشاوة المختصة بجهة المقابلة- وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ- جمع بصر وهو ادراك العين وقد يطلق مجازا على القوة الباصرة وعلى العضو وكذا السمع امال ابو عمرو والدوري عن الكسائي كل الف بعده راء مجرور في لام الفعل نحو وعلى أبصارهم وصلا ووقفا وكذا اثارهم- والنّار- والغار- وبقنطار- وبدينار- والأبرار- وشبهه وتابعهما ابو الحارث فيما تكررت فيه الراء من ذلك نحو الأشرار- الأبرار- وقرا ورش كل ذلك بين بين وتابعه حمزة فيما كان الراء فيه مكررا وعلى قوله القهّار حيث وقع ودار البوار لا غير- وامال ابن ذكوان الى حمارك والحمار في البقرة والجمعة لا غير- والغشاوة ما يشتمل على الشيء فيغطيه مرفوع على انه مبتدأ او فاعل للظرف وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (7) فى الاخرة والعذاب من أعذب الشيء إذا امسك اى عقابا يمنع الجاني عن المعاودة ثم اتسع فاطلق على كل الم وان لم يكن عقابا مانعا

[سورة البقرة (2) : آية 8]

وقيل من التعذيب بمعنى ازالة العذب- والعظيم ضد الحقير يعنى إذا قيس مع ما يجانسه قصر عنه جميعه-. وَمِنَ النَّاسِ روى عن ابى عمرو امالة فتح النّاس في موضع الجر حيث وقع بخلاف عنه وصلا ووقفا مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ اى بيوم القيامة نزلت في المنافقين عبد الله بن ابى بن سلول- ومعتب بن قشير- وجدّ بن قيس وأصحابهم وأكثرهم من اليهود- والناس أصله أناس فحذفت الهمزة وعوض عنها حرف التعريف ولذا لا يجمع بينهما- جمع انسان- وقيل اسم جمع إذ لم يثبت فعال من ابنية الجمع- مشتق من انس لانهم يستأنسون بينهم- او انس لانهم ظاهرون مبصرون- كما سمّى الجنّ لاجتنانهم واللام فيه للجنس ومن موصوفة إذ لا عهد- وقيل للعهد والمعهود هم الذين كفروا- او من موصولة أريد بها ابن ابى وأمثاله حيث دخلوا في الكفار المختوم على قلوبهم واختصوا بزيادة الخداع- وتخصيص الذكر بالايمان بالله واليوم الاخر لما هو مقصود الأعظم من الايمان وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) انكار لما ادعوه وكان أصله وما أمنوا حتى يطابق قولهم في تصريح الفعل دون الفاعل لكنه عكس مبالغة في التكذيب لان إخراجهم من المؤمنين ابلغ من نفى الايمان في ماضى الزمان ولذلك أكد النفي بالباء. يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا- الخدع ان توهم غيرك خلاف ما تخفيه من المكروه- من قولهم خدع الضب إذا توارى في حجره وأصله الإخفاء- وخداعهم مع الله اى مع رسوله بحذف المضاف- او من حيث ان معاملتهم مع الرسول معاملتهم مع الله من حيث انه خليفته قال عز وجل- مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ- وقال عز من قائل- الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ- وهو بمعنى يخدعون وصيغة المفاعلة للمبالغة فان الفعل مع المقابل ابلغ او ان صورة صنيعهم مع الله من اظهار الايمان مع ابطان الكفر وصنع الله معهم بإجراء احكام الإسلام عليهم مع انهم أخبث الكفار وامتثال الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين امر الله في إخفاء حالهم واجراء احكام الإسلام عليهم صورت صنيع المتخادعين وهو بيان ليقول او استيناف بذكر ما هو الغرض منه- وَما يَخْدَعُونَ- قراءة الحرميين وابى عمرو وما يخادعون إِلَّا أَنْفُسَهُمْ فانه لا يخفى على الله خافية- وهو يطلع نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فهم غروا أنفسهم حيث

[سورة البقرة (2) : آية 10]

او هموا أنفسهم انهم أمنوا من العذاب والفضيحة فضرر خداعهم راجع إليهم دون غيرهم- وَما يَشْعُرُونَ (9) اى لا يحسّون لتمادى غفلتهم- الشعور الاحساس بالمشاعر الى الحواس جعل رجوع الضرر إليهم كالمحسوس الذي لا يخفى الا على ماؤف الحواس. فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ- لا المرض ما يعرض البدن فيخرجه عن الاعتدال ويضعفه ويفضيه الى الهلاك- ويطلق على الاعراض النفسانية من الجهل والحسد والكفر وسوء العقيدة مجازا فانه مانع من نيل الفضائل ومفضى الى الهلاك الابدى- وهم كانوا على أخبث الاعراض النفسانية وكانوا ايضا متالمين على فوت الرياسة واستعلاء شأن المحسودين من المؤمنين فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً بتقوية تلك الاعراض الخبيثة بالختم والرين- وإنزال الآيات- فكلما كفروا باية ازدادوا كفرا- او نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفضيحهم- قرا حمزة بامالة زاد وكذا جاء وشاء- وران- وخاف- وخاب- وطاب- وحاق- حيث «1» وقع وزاغ- فى والنجم وزاغوا في الصف لا غير- سواء اتصلت هذه الافعال بضمير اولا إذا كانت ثلاثية ماضية وتابعه ابن ذكوان على امالة جاء وشاء حيث وقعا وزاد هاهنا خاصة وقيل حيث وقع وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (5) اى مولم وصف به العذاب مبالغة بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (10) ما مصدرية- قرأ الكوفيون بالتخفيف اى بكذبهم في قولهم امنّا- والباقون بالتشديد اى بتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم في السّرّ-. وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ- الفساد ضد الصلاح يعمان كل ضار ونافع- وفسادهم في الأرض هيجان الحروب بمخادعة المسلمين وممالاة الكفار عليهم بإفشاء الاسرار وتعويق الناس عن الايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقران- قرأ الكسائي وهشام- قيل- وغيض- وجىء- وحيل- وسيق- وسيئت وسىء بالاشمام ووافق ابن عامر في الأربع الاخيرة ووافق نافع في الأخيرين- والمراد بالاشمام هاهنا ان ينحا بكسر فائها نحو الضمة واليا نحو الواو- وقيل بضم الفاء مشبعة- وقيل مختلسا- وقيل بل ايماء بالشفتين الى ضمة مقدرة مع اخلاص الكسرة- والاول أصح والباقون بالكسرة قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) وهم كاذبون ردّ للناصح على سبيل المبالغة بكلمة انما او قالوا ذلك فيما بينهم تصور والفساد بصورة الصلاح لما زين لهم سوء أعمالهم. أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ

_ (1) ضاق ايضا منهم- ابو محمد عفا الله عنه

[سورة البقرة (2) : آية 13]

لا يَشْعُرُونَ (12) ردّ لما ادعوه ابلغ ردّ كما ادّعوه لانفسهم مع تعريض للمؤمنين بأبلغ الوجوه بالاستيناف وحرف التنبيه المفيدة للتحقيق وكلمة ان وتعريف الخبر وضمير الفصل والاستدراك بلا يشعرون. وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ يعنى المهاجرين والأنصار- او من أمن من اليهود كعبد الله بن «1» سلام- هذا من تمام النصح- فان الاعراض عن الفساد والإتيان بشرائع الايمان كمال الإنسان- وكما أمن الناس في محل النصب على المصدرية وما مصدرية او كافة كما في ربّما قالُوا فيما بينهم أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ والسفه خفة العقل وضده الحلم- وقيل السفيه من تعمد بالكذب- وانما سفهوهم اعتقادا لفساد رأيهم او تحقيرا لشأنهم أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ فانهم مع ما كانوا يرون من المعجزات ويعرفون من التورية أهملوا عقولهم وأنكروا الرسول صلى الله عليه وسلم فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ وفيه رد ومبالغة كما سبق- قرأ الحرميان وابو عمرو السّفهاء الا في الوصل خاصة بتسهيل الهمزة الثانية- وكذا كل ما اجتمعا في كلمتين واختلف حركتهما نحو من الماء او ممّا- وشهداء إذ حضر- ومن يشآء الى صراط- وجاء امّة وحكم التسهيل ان يجعل بين الهمزة وبين الحرف الذي منه حركتها ما لم ينفتح وينكسر ما قبلها او ينضم فانها تبدل مع الكسرة ياء مفتوحة وو مع الضمة واو مفتوحة والمكسورة المضموم ما قبلها تبدل واوا مكسورة والباقون يحققونهما وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (13) انما ذكر هاهنا لا يعلمون وفيما قبله لا يشعرون لان الوقوف على امور الدين يحتاج الى فكر واما الفساد فيدرك بالحس وادنى التفات-. وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا كايمانكم بيان لمعاملتهم مع المؤمنين والكفار وما صدرت به القصة سبق لبيان مذهبهم وتمهيد نفاقهم وَإِذا خَلَوْا من خلوت بفلان واليه إذا انفردت معه- او من خلاك دم اى عداك ومنه القرون الخالية إِلى شَياطِينِهِمْ اى روسائهم قال ابن عباس- وهم خمسة نفر من اليهود كعب بن اشرف بالمدينة- وابو بردة في بنى اسلم وعبد الدار في جهينة- وعوف بن عامر في بنى اسد- وعبد الله بن السوداء بالشام- والشيطان المتمرد العاتي من الجن والانس قال الله تعالى شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وقال مِنَ الْجِنَّةِ

_ (1) وعن ابن عباس- كما أمن ابو بكر وعمر وعثمان وعلى- منه نور الله مرقده

[سورة البقرة (2) : آية 15]

وَالنَّاسِ- او المراد الكهنة ولا يكون كاهن الا ومعه الشيطان تابع له والشيطان- مشتق من شطن اى بعد يقال بيرشطون اى بعيد العمق سمى لامتداده في الشر وبعده من الخير- او من شاط اى بطل ومن أسمائه الباطل- وحينئذ النون زائدة قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ فى الدين والاعتقاد خاطبهم بالجملة الاسمية المؤكدة بان للدلالة على تحقيق ثباتهم على ما كانوا إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (14) تأكيد لما قبله لان المستهزئ بالشيء المستخف به مصر على خلافه- او بدل منه لانه من حقّر الإسلام فقد عظّم الكفر- او استيناف كانّ الشياطين قالوا لهم لما قالوا انّا معكم ان صح ذلك فما لكم تدعون الايمان فاجابوا- والاستهزاء السخرية والاستخفاف- هزأت واستهزأت كاجبت واستجبت بمعنى وأصله الخفة ناقة تهزئ اى تسرع قرا ابو جعفر مستهزون- ويستهزون- واستهزوا- وليطفوا ليواطوا- ويستنبؤنك وخطون- وخاطين- ومتّكون- ومتّكين- فمالون- والمنشون- بترك الهمزة فيهن. اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ اى يجازيهم على استهزائهم سمى الجزاء به للمقابلة قال البغوي قال ابن عباس- هو ان يفتح لهم باب من الجنة فاذا انتهوا اليه سد عنهم وردوا الى النار- وقيل هو ان يجعل للمؤمنين نور يمشون به على الصراط فاذا وصل المنافقون اليه حيل بينهم وبين المؤمنين قال الله تعالى فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ الاية- قال الحسن- معناه ان الله يظهر على المؤمنين نفاقهم انتهى- واخرج ابن ابى الدنيا في كتاب الصمت عن الحسن- ان المستهزءين بالناس يفتح لاحدهم باب الى الجنة فيقال هلم هلم فيجىء فاذا أتاه غلق دونه فما يزال كذلك الحديث- وهذا مرسل جيد وانّما استونف ولم يعطف ليدل على ان الله تعالى كاف في مجازاتهم لا حاجة للمومنين ان يعارضوهم ولم يقل الله مستهزئ بهم لتجدد الاستهزاء بهم حينا بعد حين- أَوَلا يَرَوْنَ «1» أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ- وَيَمُدُّهُمْ يتركهم ويمهلهم- من مدّ الجيش إذا زاده وقوّاه أصله الزيادة- والمد والامداد واحد غير ان المد كثير امّا يستعمل في الشر والامداد في الخير كما في أمددناكم باموال وبنين- فِي طُغْيانِهِمْ- اى تجاوز الحد في العصيان والكفر- أماله الكسائي حيث وقع- يَعْمَهُونَ (15) يترددون- العمه في البصيرة كالعمى في البصر. أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا استبدلوا الضَّلالَةَ- الكفر- بِالْهُدى بالايمان- فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ

_ (1) فى القرآن أفلا ترون المؤلف عفا الله عنه.

[سورة البقرة (2) : آية 17]

التجارة طلب الربح اى الفضل على رأس المال بالبيع والشراء- وأسند الربح إليها مجازا لتلبسها بالفاعل او لانها سبب الريح كالفاعل وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (16) بالتجارة إذ المقصود من التجارة حصول الربح مع سلامة رأس المال- وهم ضيعوا رأس المال وهى الفطرة وما حصلوا الفضل بإدراك الحق ونيل الكمال-. مَثَلُهُمْ- المثل- والمثل- والمثيل- بمعنى النظير- ثم قيل للقول السائر الممثل مضربة بمورده ولا يضرب الا ما فيه غرابة ثم استعير لكل حال غريب اى حالهم الغريب كَمَثَلِ الَّذِي اى الذين كما في قوله وخضتم كالّذى خاضوا وانما جاز ذلك دون القائم مقام القائمين لانه غير مقصود بالوصف بل الجملة التي هى صلة- ولانه ليس باسم تام بل كالجزء منه وحقه ان لا يجمع وليس الذين جمعه بل ذو زيادة تدلّ على زيادة المعنى ولذا جاء بالياء ابدا- اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ النار- ما حَوْلَهُ اى المستوقد- ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ جواب لمّا ولم يقل بنارهم لان النور هو المقصود- واسناد الفعل الى الله لان الكل بفعله- او لان الإطفاء حصل بسبب خفى- او سماوى- او للمبالغة- او الجواب محذوف للايجاز وعدم الالتباس كما في قوله تعالى- فَلَمَّا «1» ذَهَبُوا بِهِ- والجملة استيناف جواب سائل يقول ما بالهم شبّههم «2» - بحال من استوقد فانطفت ناره- او بدل من جملة التمثيل على سبيل البيان والضمير على هذين الوجهين للمنافقين- وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (17) ذكر الظلمة وجمعها ونكرها ووصفها بانه لا يتراى فيها شىء للمبالغة في بيان شدته كانها ظلمات متراكمة- ولما تضمن ترك معنى صير جرى مجرى افعال القلوب- وترك مفعول لا يبصرون- كانّ الفعل غير متعد بمعنى لا يقع منهم الابصار- والاية مثل ضربه الله لمن أتاه ضربا من الهدى فاضاعه ولم يتوصل به الى نعيم الابد فبقى متحيرا متحسرا تقريرا وتوضيحا لما تضمنته الاية الاولى- فانهم أضاعوا ما نطقت به ألسنتهم من الحق باستبطان الكفر- او مثل لايمانهم من حيث انه يعود عليهم بحقن الدماء والأموال ومشاركة المسلمين في المغانم- والاحكام بالنار ولذهاب اثره باهلاكهم في الاخرة او افشاء حالهم في الدنيا بإطفاء الله إياه. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ اى هم صم بكم عمى- يعنى الّذى استوقد نارا- لما ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات

_ (1) فى الأصل ولمّا 12 (2) فى الأصل شبّهتهم 12

[سورة البقرة (2) : آية 19]

ادهشتهم واختلت حواسهم فالكلام على الحقيقة- وان كان ضمير بنورهم راجعا الى المنافقين فالمعنى انهم لما لم يصيخوا الى الحق وأبوان ينطقوا به وان يتبصّروا الآيات ويتفكّروا فيه صاروا كانهم انتفت مشاعرهم وقواهم- وإطلاقها عليهم من قبيل التمثيل دون الاستعارة- لان المستعار له يعنى كلمة هم وان كان محذوفا لفظا لكنه منطوق حكما ففات شرط الاستعارة- والاية نتيجة التمثيل. فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18) اى هم متحيرون فلا يدرون كيف يرجعون الى حيث ابتدءوا منه- او انهم لا يعودون عن الضلالة الى الهدى الذي ضيعوه. أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ- اى كاصحاب صيب وهو فيعل من الصوب بمعنى النزول يقال للمطر لنزوله وفيه مبالغة- فان الصوب فرط الانسكاب والصيغة للمبالغة والتنكير للتفخيم- وكلمة او للتساوى في الشك ثم اتسع فيها فاطلق للتساوى من غير شك يعنى التشبيه بالقصتين سواء- فانت مخير في التشبيه بايتهما شئت- كما قيل أنت مخير في خصال الكفارة- وتعريف السماء للدلالة على ان الغمام مطبق بافاق السماء كلها فان كل أفق منها يسمى سماء وقيل معناه السحاب فان ما علاك سماء- واللام لتعريف الجنس لكن الظواهر دالة على ان المطر من السماء قال الله تعالى- وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً- وقال- مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ- واخرج ابن حبان عن الحسن- انه سئل عن المطر من السماء أم من السحاب قال من السماء انما السحاب علم- واخرج ابن ابى حاتم وابو الشيخ عن خالد بن معدان قال- المطر يخرج من تحت العرش فينزل من سماء الى سماء حتى يجتمع في سماء الدنيا- فيجتمع في موضع يقال له الأثرم فيجىء السحاب السود فيدخله فيشربه فيسوقه الله حيث شاء- واخرجا عن عكرمة قال ينزل المطر من السماء السابعة- فِيهِ اى الصيب او السماء- والسماء يذكر ويؤنث قال الله تعالى- السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ- وانْفَطَرَتْ- ظُلُماتٍ ظلمة تتابع القطر والسحاب والليل- وَرَعْدٌ وهو الصوت الذي يسمع منه- وَبَرْقٌ وهو النار التي تخرج منه وهما مصدران ولذلك لم يجمعا- قال على- وابن عباس واكثر المفسرين الرعد اسم ملك يسوق السحاب والبرق لمعان سوط من نار يزجر به الملك السحاب- وقيل الصوت زجر السحاب وقيل تسبيح الملك- قال مجاهد الرعد اسم الملك ويقال لصوته- وجعل المطر مكانا للرعد والبرق لانهما في منحدره- وارتفاعهما بالظرف- يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ الضمير راجع الى اصحاب صيب فانه

[سورة البقرة (2) : آية 20]

منوى معنى- امال الكسائي آذانهم- وآذاننا- وطغيانهم حيث وقع- واطلق الأصابع موضع الأنامل مبالغة والجملة استيناف كانه قيل كيف حالهم مع ذلك الشدة مِنَ أجل الصَّواعِقِ متعلق بيجعلون- والصعق شدة الصوت بحيث يموت من يسمعها او يغشى عليه- ويطلق على الموت والغشي الحاصل بها- قال الله تعالى- فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ- والصواعق جمع صاعقة والتاء للمبالغة- او مصدرية- ويقال لكل عذاب مهلك صاعقة- والمراد به هاهنا قصفة رعد هائل مع نار لا تمر بشىء الا أهلكته- او المراد به الرعد حَذَرَ الْمَوْتِ مفعول له ليجعلون- وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19) لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به- ولا يخلصون من عذابه بالخداع- يميل ابو عمرو والكسائي في رواية الدوري فتحة الكاف من الكفرين إذا كان بعد الراء ياء حيث وقع وقرا ورش ذلك بين بين. يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ استيناف كانه قيل ما حالهم مع تلك الصواعق- وكاد لمقاربة الخبر من الوجود لعروض سببه لكنه لم يوجد لفقد شرط او مانع فهى خبر محض بخلاف عسى فانه رجاء وإنشاء- والخطف الاستلاب بسرعة كُلَّما تدل على التكرار أَضاءَ لَهُمْ لازم بمعنى لمع- او المفعول محذوف اى نور لهم ممشى مَشَوْا فِيهِ لحرصهم على المشي دون الوقوف ولذلك ذكر كلما مع الاضاءة دون الاظلام- وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وقفوا- واظلم ايضا جاء لازما ومتعديا- وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ان يذهب بسمعهم بقصيف الرعد وأبصارهم بوميض البرق- حذف لدلالة الجواب لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ فان الرعد والبرق وان كانا في الظاهر سببين لذهاب السمع والبصر لكن تأثير الأسباب كلها في الحقيقة بمشية الله تعالى- فالسبب الحقيقي هو المشية والجواهر والاعراض وافعال العباد كلها مخلوقة لله تعالى- مرتبطة بمشيته إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) تصريح وتقرير لما سبق والشيء مصدر شاء يطلق بمعنى الفاعل اى الشاءى- ... فيتناول الباري تعالى قال الله تعالى- قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ- وبمعنى المفعول اى الشيء وجوده وهو الممكن ومنه قوله تعالى- خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ- فهو على عمومه- وحمزه يسكت على الياء من شىء وشيئا في الوصل خاصة- والقدرة التمكن من إيجاد الشيء- والقادر هو الذي ان شاء فعل وان شاء لم يفعل «1» وفي القدير مبالغة- قلما يوصف به غير الباري تعالى-

_ (1) الاول وان لم يشأ لم يفعل لان عدم الفعل ليس لاجل المشية بل عدم المشية كاف فيه- منه رحمه الله

تمثيل لحال المنافقين من الحيرة والشدة بحال من أخذته السماء في ليلة مظلمة مع رعد قاصف وبرق خاطف وخوف من الصواعق- او يقال شبّه المنافقين باصحاب الصيب- والدين القويم والقران بالصيب- وقال- فيه ظلمت- يعنى مانعة من السير عليه وهى المحن والمكاره من العبادات والجهاد وترك الشهوات روى مسلم واحمد والترمذي عن انس عن النبي صلى الله عليه وسلم حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات- وروى الترمذي وابو داود- والنسائي عن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال- لما خلق الله الجنة قال لجبرئيل اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها والى ما أعد الله تعالى لاهلها فيها ثم جاء فقال اى رب وعزتك لا يسمع بها أحد الا دخلها- ثم حفها بالمكاره ثم قال يا جبرئيل اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال اى رب وعزتك لقد خشيت ان لا يدخلها أحد- قال فلما خلق الله النار قال يا جبرئيل اذهب فانظر إليها قال فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال اى رب وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها- فحفها بالشهوات ثم قال يا جبرئيل اذهب فانظر إليها- فذهب فنظر إليها فقال اى رب وعزتك لقد خشيت ان لا يبقى أحد الا دخلها- وقال الله تعالى- إِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ وفيه رعد يعنى آيات مخوفة من عذاب الله وبرق يعنى فتوح ومغانم كثيرة يأخذونها فيسهل به السير على الطريق ويدفع ظلمة المكاره او الحجج الواضحة الداعية الى السلوك على الطريق المستقيم والمسهلة للمكاره- يجعلون اى المنافقون أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ من أجل الرعد والصّواعق قائلين- لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ- حذر الموت بالمحن والمشقات ان أمنوا- وبالقتال ان جاهدوا كما قال في حالهم- فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ- او لانهم يزعمون ان سدهم آذانهم عن سماع آيات العذاب ينجيهم من عذاب الله كما ان الأحمق إذا هوله الرعد ويخاف صواعقه يسد آذانه مع انه لا خلاص له منها بسد الاذان وكما ان الإرنب إذا راى صائدا مقبلا ولا يرى منه مفرا يغمض عينيه زعما منه ان عدم رؤيته ينجيه من قتله- وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ لا يفوتهم ما كتب عليهم من المحن والعذاب في الدنيا بالفضيحة وغيرها وفي الاخرة بالعذاب السرمدي- اولا يفيدهم ولا ينجيهم سد الاذان من الآيات المخوفة عن وقوع العذاب كما لا ينجى الأرنب تغميض العين من الصائد بل يعينه عليه- يكاد البرق- اى الفتوح والمغانم وشوكة الإسلام لاجل حرصهم على الدنيا

يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ او الحجج الواضحة يخطف أبصارهم المؤفة وآرائهم الزائغة التي بها يبصرون الباطل حقا والحق باطلا- على ما زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ- فحينئذ يرون الحق حقا والباطل باطلا فيؤمنوا كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ البرق وظهر الفتح والدولة للمسلمين وراوا حجة الإسلام واضحة مشوا فيه واتبعوا سبيل المؤمنين- وإذا اظلم البرق اى لم يظهر الفتح وأدركوا المحنة نسوا الحجة الواضحة وقاموا ووقفوا عن سلوك والطريق- نظيره قوله تعالى- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ- وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ المؤفة بقصيف الرعد وأعطاهم السمع والابصار الصحيحة- نظيره قوله تعالى- وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ- اخرج ابن جرير من طريق السّدى الكبير عن ابى مالك عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود- وناس من الصحابة- قال كان رجلان من المنافقين من اهل المدينة هربا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المشركين فاصابهما هذا المطر الذي ذكر الله فيه رعد شديد وصواعق وبرق فجعلا كلما أصابهما الصواعق جعلا أصابعهما في آذانهما من الفرق ان ندخل الصواعق في مسامعهما فتقتلهما- وإذا لمع البرق مشيا في ضوئه- وإذا لم يلمع لم يبصرا- فاتيا مكانهما يمشيان فجعلا يقولان ليتنا قد أصبحنا فتأتى محمدا صلى الله عليه وسلم فنضع أيدينا في يده فاتياه فاسلما ووضعا أيديهما في يده وحسن إسلامهما- فضرب الله شأن هذين المنافقين الخارجين مثلا للمنافقين الذين بالمدينة- وكان المنافقون إذا حضروا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم جعلوا أصابعهم في آذانهم فرقا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ان ينزل فيهم او يذكروا بشىء فيقتلوا كما كان ذانك المنافقان «1» الخارجان يجعلان أصابعهما في آذانهما- وإذا أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وكانوا إذا كثرت أموالهم وولدهم وأصابوا غنيمة او فتحا مشوا فيه وقالوا ان دين محمد صلى الله عليه وسلم حينئذ صدق واستقاموا عليه كما كان ذانك المنافقان يمشيان إذا أضاء لهما البرق وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وكانوا إذا هلكت أموالهم وولدهم وأصابهم البلاء قالوا هذا من أجل دين محمد صلى الله عليه وسلم وارتدوا كفارا- كما قام ذانك المنافقان حين اظلم عليهما البرق- انتهى رواية ابن جرير- قلت ويحتمل ان يكون الظلمات عبارة عن المتشابهات التي لا سبيل للاراء الى دركها- والبرق عن المحكمات التي تساعده الآراء- فالمؤمنون من اهل السنة يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا- والَّذِينَ

_ (1) فى الأصل ذانك المنافقين الخارجين يجعلان 12

فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ سدوا آذانهم عن وعيد حرمة ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ حذر الموت- وهو القول بما لا يساعده آراؤهم ولا يوافق مذهبهم حيث يزعمونه موتا وجعلوا القران تابعا لارائهم الكاسدة- فكلّما أضاء لهم وأدرك عقولهم مشوا فيه وأمنوا به وإذا اظلم عليهم ولم تساعده عقولهم قاموا عن الايمان به ووقفوا لديه وابتغوا تأويله على حسب آرائهم الكاسدة- فمنهم من لم يدرك عقله موجودا لا يكون جسما ولا يكون كمثله شىء أنكر التنزيه وصار مجسما- ومنهم من أنكر الروية- ومنهم من أنكر عذاب القبر ووزن الأعمال والصراط ونحو ذلك- ومنهم من أنكر كون القران كلام الله غير مخلوق فصاروا اثنتين وسبعين فرقة- روافض- وخوارج- واهل الاعتزال والمجسمة ونحو ذلك قائلين نومن ببعض الكتاب ونكفر ببعض- وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ حيث جعلوا كتاب الله تعالى تابعا لارائهم وعلى هذا التقدير قوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ شامل لاثنين و «1» سبعين فرقة من اهل الأهواء الذين فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ يدّعون الايمان ويقولون آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وانزل الله تعالى فى كتابه وتواتر به الاخبار- يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا- بتأويلاتهم النصوص- وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ بل يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ- فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وزيغ- فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وزيغا حيث القى الشيطان في قلوبهم التأويلات الفاسدة- وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ على الله ويكذّبون ظاهر النصوص- وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بتحريف الكلم عن مواضعه وتعويج الدين القويم قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ يعنى اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم واهل بيته وجمهور الناس وهم اهل السنة والجماعة فانهم اكثر الناس وللاكثر حكم الكل ويد الله على الجماعة رواه الترمذي عن ابن عباس

_ (1) مجرد هذا القول وان كان شاملا لكن بعض المعطوفات عليه مثل قوله وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا الاية مختص بمن يجوز التقية في مذهبه من اهل الأهواء دون من يجاهر بها- فلا يصح الشمول لجميع الفرق- قلت عدم شمول بعض المعطوفات لجميع الفرق لا ينافى نزول الآيات في جميع اهل الأهواء كما ان قوله تعالى وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ شامل للرجعيات والبائنات وقوله تعالى وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ مختص بالرجعيات- وايضا المختص ببعض الفرق انما هو وجوب التقية واما جواز التقية عند استيلاء المخالفين وخوف القتل فغير مختص حتى انه جاز عند اهل السنة ايضا التقية عند استيلاء الكفار وخوف القتل حيث قال الله تعالى إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وقال الله تعالى إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ- ولا شك ان الله سبحانه لكن اهل الحق اهل السنة والجماعة في البلاد وجعل اهل الأهواء مغلوبين مقهورين غالبا خائفين على أنفسهم وأموالهم فكلهم يقولون بحضور اهل السنة خوفا منهم على حسب عقائدهم- منه رحمه الله

[سورة البقرة (2) : آية 21]

مرفوعا- قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ فانه لا يساعد عقائدهم الآراء قالوا ذلك في شأن الصحابة صريحا كالروافض والخوارج ينسبون اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واهل بيته الى السفه والكفر او قالوا ذلك دلالة حيث خالفوهم وزعموا ان تلك العقائد غير معقولة- وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا الاية بيان لما في تلك المذاهب من التقية خوفا من الذين استخلفهم الله تعالى في الأرض غالبا- ومكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم على حسب وعده- وقوله تعالى مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً يحتمل ان يكون مثلا للفريقين من المنافقين واهل الأهواء وايمان اهل الأهواء ولمعان نوره مقتصر على ما حول المستوقد وقربه يعنى فى الدنيا حيث يلتبس الحق بالباطل فاذا ماتوا ذهب الله بنورهم- ويحتمل ان يكون مثلا للمنافقين خاصة واصحاب الصيب مثل اهل الأهواء وكلمة او للتوزيع كما في قوله تعالى أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ- والله تعالى اعلم فان قيل كيف يتصور حمل هذا المثل على اهل الأهواء ولم يكونوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم- قلت خطابات القران عامة للموجودين ومن سيوجد اجماعا- أليس قوله تعالى فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ في حق اهل الأهواء- فان قيل نزول هذه الآيات كان في حق المنافقين كما تدل عليه الأحاديث وتفاسير السلف- قلت نعم لكن خصوص المورد لا يقتضى تخصيص عموم اللفظ- فالايات وان كانت نازلة في حق المنافقين لكنها بعموم ألفاظها شاملة لاهل الأهواء والله تعالى اعلم-. يا أَيُّهَا النَّاسُ- خطاب لجميع الناس من اهل الخطاب عموما الموجودين ومن سيوجد تنزيلا لهم منزلة الموجودين لما تواتر من دينه صلى الله عليه وسلم ان مقتضى أحكامه وخطابه شامل للقبيلتين تابت الى يوم القيمة وكذا كل جمع او اسم جمع محلى باللام ويدل عليه استدلال الصحابة بعمومها شائعا قال ابن عباس- يا أَيُّهَا النَّاسُ خطاب اهل مكة ويا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب اهل المدينة فان اهل مكة لمّا كان أكثرهم كفارا والمؤمنون كانوا هناك قليلا خاطب بما يعم القبيلتين- واهل المدينة لما كان أكثرهم مؤمنون خاطبهم بعنوان الايمان إظهارا لشرفهم اعْبُدُوا رَبَّكُمُ فان التربية باعثة للعبادة وشكر المنعم وان كان الله تعالى في نفسه مستحقا لها- والخطاب بوجوب العبادة شامل للمؤمنين والكفار- فالكفار مأمورون بها بعد إتيان شرطه من الايمان- وقال ابن عباس- ما ورد في القران من العبادة فمعناه التوحيد فالكفار مأمورون بإتيانها والمؤمنون

[سورة البقرة (2) : آية 22]

بالثبات عليها- الَّذِي خَلَقَكُمْ صفة جرت للتعظيم والتعليل- والخلق إيجاد الشيء على غير مثال سبق- وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ يتناول كل ما تقدم الإنسان- والجملة خرجت مخرج المقرر عندهم لاعترافهم به قال الله تعالى- وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ- او لتمكنهم من العلم بأدنى تأمل لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) حال من فاعل اعبدوا اى راجين الوقاية من عذاب الله- وحكم الله من ورائكم يفعل ما يشاء فان الايمان يقتضى الخوف والرجاء او راجين ان تدخلوا في زمرة المتقين على ان التقوى هو التنزه عن المحرمات المستلزم لاتيان الواجبات بل التبرؤ عن كل شىء سوى الله تعالى- او من مفعول خلقكم يعنى مرجوا منكم التقوى اى في سورة من يرجى منه نظرا الى كثرة الدواعي اليه- وقيل تعليل اى لكى تتقوا- قال البيضاوي وهو ضعيف لم يثبت في اللغة- قال سيبويه- لعلّ وعسى حرفا ترج- وهى من الله تعالى واجب- قلت ان كان كذلك لزم وجود التقوى من الناس «1» كلهم وليس كذلك اللهم الا ان يقال المراد خلقكم واجبا صدور التقوى منكم ولو من بعضكم- وتعليل العبادة بالنعم السابقة تدل على ان الثواب فضل من الله تعالى غير مستحق بالعبادة فانه كالاجير استوفى اجره قبل عمله وعلى ان الطريق الى معرفته تعالى النظر فى صنعه يعنى الى معرفة صفاته- واما معرفة ذاته فامر وهبى-. الَّذِي جَعَلَ اى صيّر لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً اى بساطا ذلولا يمكن عليها القرار صفة ثانية او مدح منصوب او مرفوع او مبتدأ خبره فلا تجعلوا- وَالسَّماءَ اسم جنس يقع على الواحد والكثير- بِناءً مصدر سمى به المبنى يعنى قبّة مضروبة عليكم- وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فان المطر ينزل من السماء الى السحاب ومنه الى الأرض عطف على جعل- فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ خروج الثمار بقدرة الله تعالى لكن جعل الماء الممزوج بالتراب سببا في إخراجها ظاهرا عادة- ومن للتبعيض او التبيين- ورزقا مفعول بمعنى المرزوق ولكم صفة له- او رزقا مصدر للتعليل ولكم مفعوله اى رزقا إياكم- فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً اى أمثالا تعبدونهم كعبادة الله- او أضدادا والله برىء من المثل والضد- والجملة متعلق باعبدوا- نهى معطوف عليه او نفى منصوب بإضمار أن جواب له- او منصوب بلعل كما في قوله تعالى-

_ (1) لا يخفى ان مدلول لعل على تقدير كونه للوجوب لزوم وجود التقوى من كلهم فلا محذور فيه لامران فليفهم قلت العبادة عبارة عن إتيان امور تدل على الخضوع من الواجبات والمندوبات والتقوى عبارة عن الاجتناب عما نهى الله وكلا الامرين متفاوتان كما يدل عليه ترتيب التقوى على العبادة ولا لزوم بينهما فان من الناس من يأتى بالعبادات ويفرط فيها حتى يبلغ الزهد ولا ينتهى انتهاء كليا عما نهى عنه قال الله تعالى وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها- فلزوم وجود التقوى من العابدين كلهم ايضا ممنوع الا ترى الى بعض الزهاد من الجهال يعملون الرياضات الشاقة والعبادات ويتركون الجمع والجماعات- منه رحمه الله

[سورة البقرة (2) : آية 23]

لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ- والمعنى ان تتقوا ان لا تجعلوا لله أندادا- او متعلق بالذي جعل ان كان استينافا على انه نهى وقع خبرا على تأويل مقول فيه لا تجعلوا والفاء للسببية ادخلت لتضمن المبتدأ معنى الشرط والمعنى من جعلكم بهذه النعم ينبغى ان لا يشرك- وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) حال من ضمير تجعلوا- ومفعول تعلمون مطرح- اى حالكم انكم من اهل العلم والرأى لو تأملتم ادنى تأمل ما أشركتم- والمقصود منه التوبيخ دون التقييد او المفعول محذوف اى وأنتم تعلمون اى ان خالق هذه الأشياء واحد حيث تعترفون قال الله تعالى- وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ- ثم لما بين الله سبحانه طريق معرفته التوحيد وهو النظر في صنعه- بين طريق معرفة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وحقيّة القران المشتمل على جميع الايمائيات فقال. وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ شك مِمَّا نَزَّلْنا يعنى نجما نجما بحسب الوقائع- وهذا موجب لريبهم قياسا على كلام الشعراء وقولهم لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً- فكان الواجب تحديهم على هذا الوجه- ازاحة للشبهة وإلزاما للحجة عَلى عَبْدِنا- محمد صلى الله عليه وسلم أضاف الى نفسه تنويها لذكره- وتنبيها على انقياده لحكمه- فَأْتُوا امر تعجيز بِسُورَةٍ وهى قطعة من القران معلومة الاول والاخر منقولة من سور المدنية لانها محيطة بطائفة من القران- او من السورة بمعنى الرتبة فانه يحصل بها للقارى رتبة وشرف- والمراد بقدر سورة وهى ثلث آيات قصار- مِنْ مِثْلِهِ صفة سورة اى كائنة من مثله- والضمير لما نزل ومن للتبعيض او للتبيين او زائدة- اى مثله في البلاغة وحسن النظم- او لعبدنا ومن للابتداء اى كائنة من مثل هذا الرجل الأمي- أو صلة فاتوا والاول اولى كيلا يوهم إمكان صدوره من غير الأمي والقران معجز في نفسه- لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً- وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ واستعينوا بآلهتكم التي تعبدونها وتزعمون انها تشهد لكم يوم القيامة او ادعوا ناسا يحضرونكم- مِنْ دُونِ اللَّهِ اى دون أوليائه يعنى فصحاء العرب ليشهدوا لكم ما أتيتم به مثله فان العاقل لا يرضى لنفسه ان يشهد بصحة ما اتضح فساده- إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (23) انه من كلام البشر والجواب محذوف دل عليه ما قبله. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فيما مضى وَلَنْ تَفْعَلُوا معترضة بين الشرط والجزاء- وفيه اخبار بالغيب اعجاز اخر فَاتَّقُوا اى لما ظهر انه معجز فامنوا به واتقوا بالايمان النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا اى ما يوقد

[سورة البقرة (2) : آية 25]

به النار النَّاسُ وَالْحِجارَةُ او المضاف محذوف اى وقودها احتراق الناس والحجارة اخرج عبد الرزاق- وسعيد بن منصور- وابن جرير- وابن المنذر- والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم عن ابن مسعود وابن جرير عن ابن عباس واخرج مثله ابن ابى حاتم عن مجاهد وابى جعفر ولم يحك خلافا في الصدر الاول- انها حجارة الكبريت الأسود- وقيل جميع الحجارة لتدل على عظم تلك النار- وقيل أراد به الأصنام- وذكر الله تعالى ان وهى للشك مكان إذا- فانه تعالى لم يكن شاكا تهكما بهم او خطابا معهم على حسب ظنهم فان العجز قبل التأمل لم يكن متحققا عندهم أُعِدَّتْ اى هيئت لِلْكافِرِينَ (24) استيناف او حال بإضمار قد من النار لا من ضمير وقودها للفصل بالخبر- عن ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال- ناركم جزء من سبعين جزء من نار جهنم- متفق عليه وعن النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان أهون اهل النار عذابا من له نعلان وشرا كان من نار يغلى منهما دماغه كما يغلى المرجل ما يرى ان أحدا أشد منه عذابا وانه لاهونهم عذابا- متفق عليه- وعن ابى هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أوقد على النار الف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها الف سنة حعى ابيضت- ثم أوقد عليها الف سنة حتى اسودت فهى سوداء مظلمة- رواه الترمذي- وعن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول- أنذرتكم النار أنذرتكم النار- فما زال بقولها حتى لو كان في مقامى هذا سمعه اهل السوق وحتى سقطت خميصة كانت عليه عند رجليه- رواه للدارمى وفي الاية والأحاديث دليل على ان النار موجودة الان-. وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا عطف على الجملة السابقة على ما جرت به العادة الالهية من تشفيع الترهيب بالترغيب وبالعكس لا عطف الفعل نفسه حتى يطلب المشاكلة او على فاتّقوا يعنى فامنوا فاتقوا النار واستبشروا بالجنة ولم يخاطبهم بالبشارة صريحا تفخيما لشأنهم بعد الايمان والتقوى وإيذانا بانهم احقّاء ان يبشروا ويهنئوا- والبشارة الخير السّارّ- واما قوله تعالى فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ- فعلى التهكم وقيل يستعمل في الخير والشر لكن في الخير اغلب وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وهى من الصفات الغالبة الجارية مجرى الأسماء والأعمال الصالحة ما حسّنه الشرع- وتأنيث الصالحات على تأويل الخصلة- قال البغوي قال معاذ رض- العمل الصالح الذي فيه اربعة أشياء العلم والنية والصبر والإخلاص- وقال عثمان بن عفان وعملوا الصّلحت اى أخلصوا الأعمال عن الرياء- وفيه دليل على ان الأعمال خارج عن الإيمان- واشعار

بان السبب التام في استحقاق البشارة الجمع بين الوصفين أَنَّ لَهُمْ منصوب بنزع الخافض وإفضاء الفعل اليه او مجرور بإضماره جَنَّاتٍ جمع جنة بمعنى البستان سميت لاجتنانها بالأشجار- تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اى تحت أشجارها ومساكنها الْأَنْهارُ اى ماؤها على الإضمار- او المجاز او أسند الجري إليها مجازا- وفي الحديث انهار الجنة تجرى من غير أخدود- أخرجه ابن المبارك- وابن جرير والبيهقي- واللام للجنس كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا صفة ثانية لجنات او خبر مبتدأ محذوف اى فهم قالوا او جملة مستانفة تزيح حال أثمارها- وكلّما منصوب على انه ظرف لقالوا ورزقا مفعول به- ومن الاولى والثانية للابتداء او الثانية للبيان وقعتا موقع الحال اى كل حين رزقوا اى أطعموا مرزوقا مبتدأ من الجنة مبتدأ من ثمرة او ذلك المرزوق ثمرة فصاحب الحال الاولى رزقا وصاحب الحال الثانية ضميره المستكن في الحال- وهذا اشارة الى نوع ما رزقوا المستمر بتعاقب افراده- او كان المضاف في الخبر محذوفا اى هذا مثل الذي رزقنا فحذف المثل اشعارا على استحكام الشبه كانه هو بعينه مِنْ قَبْلُ اى من قبل هذا يعنى في الدنيا جعلت متشابهة بثمار الدنيا كيلا يتنفر الطباع عن غير المألوف- ويظهر المزية- وقيل الثمار في الجنة متشابهة في اللون مختلفة في الطعم والداعي لهم على تكرار هذا القول كلما رزقوا فرط تبجحهم بما وجدوا من التفاوت العظيم في اللذة والتشابه البليغ في الصورة- وَأُتُوا بِهِ بالرزق مُتَشابِهاً وعلى الاول الضمير راجع الى ما رزقوا في الدارين- والجملة اعتراض يقرر ما سبق- قال ابن عباس ومجاهد متشابها في الألوان مختلفا في الطعوم- وقال الحسن وقتادة متشابها يشبه بعضها بعضا في الجودة يعنى ثمار الجنة كلها خيار لا رذالة فيها- روى البغوي بسنده عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- اهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوّطون ولا يمتخطون ولا يبزقون يلهمون الحمد والتسبيح كما يلهمون النفس طعامهم جشاء ورشحهم المسك- رواه مسلم- وللاية محمل اخر ان يكون المعنى هذا ثواب الذي رزقنا من قبل في الدنيا من المعارف والأعمال نظيرة في الوعيد ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ- روى الترمذي عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الجنة طيبة التربة عذبة الماء وانها قيعان وان غراسها هذه يعنى التسبيح والتحميد والتكبير- قوله تعالى وأتوا به بالرزق متشابها اى مماثلا لمعارفهم وطاعاتهم في الشرف

والمزية متفاوتا على حسب تفاوت أعمالهم- روى الترمذي عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مائة عام- وعن عبادة بن الصامت نحوه وفيه ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض- ذكره صاحب المصابيح في الصحاح ورواه الترمذي وَلَهُمْ فِيها اى في الجنان أَزْواجٌ نساء من حور العين وقال الحسن- هن عجائزكم الغمص العمش طهرن من قذرات الدنيا- مُطَهَّرَةٌ من الغائط والبول والحيض والبصاق والمخاط والمنى وكل قذر ومن مساوى الأخلاق فان التطهير يستعمل في الأجسام والافعال والأخلاق- والمطهرة ابلغ من طاهرة ومتطهرة للاشعار بان الله طهرهن- والزوج يقال للذكر والأنثى وفي الأصل يقال لماله قرين من جنسه كزوج الخف- وَهُمْ فِيها فى الجنان خالِدُونَ (25) دائمون لا يموتون فيها ولا يخرجون منها- لما ذكر الله سبحانه نعماء الجنة أزال عنهم خوف الزوال فانه منغض للنعمة روى البغوي بسنده من طريق البخاري عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- ان أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على أشد كوكب درّى في السماء اضاءة لا يبولون ولا يتغوّطون ولا يتفلون ... ولا يمتخطون امشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الالوة وأزواجهم الحور العين على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء- متفق عليه وعن ابى سعيد رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول زمرة تدخل الجنة يوم القيمة صورة وجوهم صورة القمر ليلة البدر والزمرة الثانية على لون احسن الكواكب فى السماء لكل رجل منهم زوجتان على كل زوجة سبعون حلة ... يرى مخ سوقهن دون لحومها ودمائها وحللها- رواه الترمذي وعن انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو ان امرأة من نساء اهل الجنة اطلعت على الأرض لاضاءت ما بينهما- ولملئت ما بينهما ريحا- ولنصيفها على راسها خير من الدنيا وما فيها- رواه البخاري- وعن اسامة بن زيد يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- الأهل من مشمر للجنة وان الجنة لا خطر لها هى ورب الكعبة نور يتلالا وريحانة تهتز وقصر مشيد ونهر مطرد.. وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة ومقام ابد في دار سليمة وفاكهة وخضرة وصبرة ونعمة في محلة عالية بهيئة- قالوا نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها قال قولوا ان شاء الله رواه البغوي- وروى عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اهل الجنة جرد- مرد كحلى

[سورة البقرة (2) : آية 26]

لا يفنى شبابهم ولا يبلى ثيابهم- وروى مسلم نحوه- وعن على رضى الله عنه قال ان في الجنة لسوقا ليس فيها بيع ولا شرى الا الصور من الرجال والنساء وإذا اشتهى الرجل صورة دخلها وان فيها لمجتمع حور العين ينادين بصوت لم يسمع الخلائق بمثلها نحن الخالدات فلا نبيد ابدا- ونحن الناعمات فلا نبوس ابدا ونحن الراضيات فلا نسخط فطوبى لمن كان لنا وكناله او نحن له- رواه البغوي- وروى الترمذي نحوه عنه مرفوعا وروى احمد بن منيع عن ابى معاوية نحوه مرفوعا- وروى مسلم عن انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثوا في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا فيرجعون الى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا فنقول لهم أهلوهم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا فيقولون وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا- قلت ولما كان مطمح نظر اهل الدنيا في النعماء منحصرا على المساكن والمطاعم والمناكح اقتصر الله تعالى ونبيه صلى الله عليه وسلم غالبا في الذكر عليها وفي الحقيقة نعماء اهل الجنة أجل وأعلى- عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى اعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رات ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر- واقرؤا ان شئتم فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ- متفق عليه وعنه مرفوعا- موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها- متفق عليه وعن ابى سعيد مرفوعا- يقول الله أحل عليكم رضوانى فلا أسخط بعده ابدا- متفق عليه- وروى مسلم في حديث طويل عن جابر بن عبد الله مرفوعا فيرفع الحجاب فينظرون الى وجه الله فما اعطو شيئا أحب إليهم من النظر الى ربهم ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ- وعن ابن عمر- قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادنى اهل الجنة منزلة لمن ينظر الى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة الف سنة وأكرمهم على الله من ينظر الى وجهه غدوة وعشية ثم قرا وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ- رواه احمد والترمذي- اخرج ابن جرير عن السدى الكبير بأسانيده انه لما ضرب الله تعالى هذين المثلين للمنافقين قوله مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً وقوله أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ- قال المنافقون الله أعلى وأجل من ان ان يضرب هذه الأمثال فانزل الله سبحانه. إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً وقيل ان الله تعالى ذكر الهة المشركين فقال وإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً وذكر كيدهم فجعله كبيت

العنكبوت فقالوا ارايت الله ذكر الذباب والعنكبوت أخرجه الواحدي من طريق عبد الغنى عن ابن عباس وعبد الغنى واه جدّا- والاية مدنية ومعارضة المشركين كانت بمكة- فالاول أصح اسنادا ومعنى- والحياء انقباض النفس من القبيح مخافة الذم وهو الوسط بين الوقاحة وهو الجراة وعدم المبالاة بالقبائح والخجل وهو انحصار النفس عن الفعل مطلقا- وإذا وصف به الباري تعالى كما جاء في الحديث- ان الله يستحيى من ذى الشيبة المسلم ان يعذبه- أخرجه البيهقي في الزهد عن انس- وابن ابى الدنيا عن سلمان- وحديث ان الله حيى كريم إذا رفع اليه العبد يديه ان يردهما صفرا- رواه ابو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن سلمان فالمراد به الترك اللازم للانقباض- وإيراد لفظ الحياء هاهنا مع انه ترك مخصوص بالقبيح- وضرب المثل ليس بقبيح مبنى على المقابلة لما وقع في كلام الكفرة واستقر في أذهانهم نحو جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها- وضرب المثل احتمال وأصله وقع شىء على اخر- وان بصلتها مجرور عند الخليل بإضمار من- ومنصوب عند سيبويه بافضاء الفعل اليه بعد حذفها- وما ابهامية يزيد للنكرة إبهاما ويسد عنها طريق التقييد- او مزيدة وضعت لان يذكر مع غيرها فتزيد له قوة- والبعوض فعول من البعض بمعنى القطع غلب على صغار البق كانها بعض البق والتاء للوحدة- وهو عطف بيان لمثلا- او مفعول ليضرب- ومثلا حال او هما مفعولاه لتضمنه معنى الجعل- فَما فَوْقَها عطف على بعوضة- ومعناه ما زاد عليها في الجثة كالذباب والعنكبوت يعنى لا يستحيى عن ضرب المثل بالبعوض فضلا عما هو اكبر منه- او ما فوقها في الحقارة يعنى ما دونها في الجثة فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ اى المثل او ان يضرب هو الْحَقُّ الثابت على ما ينبغى الذي لا يجوز إنكاره يقال ثوب محقق اى محكم نسجه فان الشيء الحقير لا بد ان يمثل بالحقير- كالعظيم بالعظيم وان كان الممثل أعظم من كل عظيم كائنا مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فلا يعلمون ذلك لكمال جهلهم فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا ما استفهامية مبتدأ وذا بمعنى الذي مع صلته خبره- او المجموع اسم واحد بمعنى اى شىء منصوب المحل على المفعولية- والارادة صفة ترجح أحد المقدورين على الاخر وفي هذا استحقار ومثلا منصوب على التميز او الحال يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً جواب ماذا اى إضلال كثير وإهداء كثير- وكثرة كل فريق بالنظر الى أنفسهم ووضع الفعل موضع المصدر للاشعار بالحدوث والتجدد يعنى

[سورة البقرة (2) : آية 27]

كلما نزلت اية فامنت به قوم فاهتدوا وكفرت به قوم فضلوا- وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ (26) الخارجين عن حد الايمان وعن امر الله تعالى يقال فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها والفسق في اصطلاح الشرع ارتكاب الكبيرة وله درجات ثلث أعلاها الكفر بما يجب الايمان به فان الكفر أعظم الكبائر وهو المراد بالفسق في القران غالبا- ثانيها انهماك الكبائر- ثالثها ارتكاب الكبيرة او الإصرار على الصغيرة مستقبحا إياها. الَّذِينَ صفة للفاسقين للذم وتقرير الفسق- او للتقييد ان كان المراد بالفاسقين أعم من الكفار والعصاة يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ الذي عهد إليهم في التورية ان يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويبينوا نعته ولا يكتمونه او الذي عهد إليهم بقوله- أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى - والنقض في الأصل فسخ تركيب الحبل يستعمل في ابطال العهد لان العهد يستعار له الحبل لما فيه ارتباط المتعاهدين- مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ- اى العهد- والميثاق مصدر بمعنى الوثوق- او اسم لما وثق به العهد من الآيات والكتب ومن للابتداء فان ابتداء النقض بعد الميثاق وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ- ان يوصل بدل من الضمير المجرور اى امر الله بان يوصل الايمان بالأنبياء كلهم ويقال لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ- وهم يقطعونه ويقولون نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض- او يقطعون كل ما امر الله به ان يوصل كالارحام وغيرها وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالمعاصي والكفر بالقران وبمحمد صلى الله عليه وسلم ويهلكون الحرث والنسل أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (27) المغبونون حيث اشتروا الفساد بالصلاح- ولما ذكر أوصاف الكفار ومقالاتهم الخبيثة خاطبهم على سبيل الالتفات باستفهام إنكاري عن الحالة التي يقع عليها الكفر لان كل حالة معتورة عليهم من الأحوال الموت والحيوة بعدها- والموت بعدها- والحيوة بعدها والرجوع الى الله تعالى وغيرها من الأحوال حادثة صادرة من الواجب الوجود مقتضية للايمان به تعالى نعمة من الله مقتضية لشكره دون كفرانه ففيه انكار وتوبيخ على كفرهم بأبلغ الوجوه فقال. كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ مع فيام الدلائل على وجوده وَكُنْتُمْ أَمْواتاً- عناصر واغذية واخلاطا ونطفا وعلقات ومضغات وأجساد «1» ابلا روح- وفيه دليل على ان الإنسان وان كان مركبا من الاجزاء العشرة- خمسة منها من عالم الخلق- العناصر الاربعة والنفس الحيواني

_ (1) فى الأصل أجساد

المنبعثة عنها وخمسة من عالم الأمر- القلب والروح والسر والخفي والأخفى كما يظهر بالفراسة «1» الصحيحة الاسلامية لكن العمدة فيها العناصر الاربعة لا سيما عنصر التراب ولذا قال الله تعالى- خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ- ويقول الكافر اى الشيطان الَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً - ولذا اختص الإنسان بروية الله سبحانه دون غيره- ويزعمون المشاهدة القلبية كالمطروح في الطريق- فَأَحْياكُمْ بتأليف الأرواح الخمسة وتوديعها فيكم وعطف بالفاء لعدم التراخي بين الاحياء والموت اللازم للعناصر- ثُمَّ يُمِيتُكُمْ بعد انقضاء اجالكم- وعد الاماتة الاولى من النعم لان الوجود بعد العدم خير محض فلمناسبة بالموجود الحقيقي- والاماتة الثانية لكونها وصلة الى الحيوة الابدية ثُمَّ يُحْيِيكُمْ يوم ينفخ في الصور واما في القبر فليس بحياة فان الحيوة عبارة عن تأليف الاجزاء العشرة وليست في القبور- وانتفاؤها لا ينافى الثواب والعذاب في القبر فانهما على بسائط الاجزاء ولا سبيل الى إنكاره لمن يؤمن بقوله تعالى- وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ- وقوله تعالى- أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ- وقوله صلى الله عليه وسلم- ان الجبل ينادى الجبل باسمه اى فلانا هل مربك أحد ذكر الله فاذا قال نعم استبشر الحديث- رواه الطبراني عن ابن مسعود- وقوله تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها- وليس المراد التسبيح والسجود بدلالة الحال لان قوله تعالى وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ- و

_ (1) الفراسة الصحيحة الاسلامية انما يدل على ان هنالك شيئا غير الجسد يسمى بالقلب تارة وبالروح اخرى وبالسر مرة وبالخفي اخرى فهى جهات واعتبارات للنفس لا انها حقائق- مجازة بجبالها واجزاء اولية من الإنسان بل الآيات والأحاديث والآثار كلها ناطقة بانحصار الإنسان في جزئين جسم وروح وان تركب الجسم من اجزاء اخر ثانوية والروح اعتبر باعتبارات فافهم- لا يخفى ان الثواب والعقاب في القبر انما هو للمكلف المطيع او العاصي وبسائط الاجزاء ليست بمكلفات ولو جاز الجزاء للاجزاء المكلف من دون التأليف لجاز يوم القيامة ايضا فلا يحتاج الى الحشر وغاية ما يثبت من الآيات والأحاديث ان لبسائط الاجزاء شعورا او حياة بمعنى الإدراك لا ان لها تكليفا وجزاء وثوابا وعقابا بل يستفاد منها انها غير مكلفة ولا ينال منها العصيان فلابد من تتميم مد الكلام ليصح- قلت دلالة الآيات والأحاديث على انحصار الإنسان في الجزئين ممنوع بل قوله تعالى قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا تدل على ان الروح امر مجرد ليس من قبيل الأجسام ولا يحيط به علم العوام وحديث براء بن عازب وابى هريرة وغيرهما مرفوعا إذا حضر المؤمن أنت ملائكة الرحمة بحرير بيضاء وأكفان الجنة فيقولون أيتها النفس الطيبة اخرجى الى مغفرة الله ورضوانه فتخرج تسيل كما تسيل الماء من السقاء فيجعلونها في ذلك الكفن- وإذا حضر الكافر يقول أيتها النفس الخبيثة اخرجى الى منحط الله وغضبه فيجعلونها في المسوح يدل على ان النفس امر جسمانى حتى يجعل في الحرير او المسوح ومن هذا قال المحققون ان النفس جسم لطيف منبعث من العناصر الاربعة سار في سائر البدن فالروح يتعلق ويمتلى في النفس كما تمتلى الشمس في المراءة ويتصرف في البدن بتوسط النفس لاجل سريانها فيه وعند الموت ينزع النفس من البدن فحينئذ ينقطع تعلق الروح بالبدن ولا يزال تعلق الروح بالنفس ابدا وهى اى النفس تعذب في القبر ويتالم به الروح وهى المشار اليه بانا وهى المكلف بالتكليفات الشرعية لكن يشترط سريانها في البدن هذا واما تعدد لطائف عالم الأمر فالشرع عنه ساكت ويثبت ذلك بكشف الأولياء وكلامهم فيه مختلف منهم من لم بظهر عليه منها الا واحد فزعم انه شىء واحد يسمى تارة بالقلب وتارة بالروح ونحو ذلك كما قال المعترض ومنهم من ظهر عليه منها اثنان او ثلثة او اربعة وظهر على المجدد رض خمسة لكل منها كالات على حدة فمن شاء زيادة الوقوف فليطالع كلام المجدد رض والمعتبر انما هو شهادة الإثبات والاختلاف مبنى على حدة البصيرة ورفعة الدرجة وفوق كل ذى علم عليم- منه نور الله مرقده-

[سورة البقرة (2) : آية 29]

قوله تعالى وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ- يأبى عنه ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) بعد الحشر فيجزيكم بأعمالكم- قرا يعقوب ترجعون في كل القران بفتح التاء والياء على صيغة المبنى للفاعل- والاية مدنية خطاب بالكفار والمنافقين من اليهود العالمين بالبعث والنشور- وان كان خطابا لمنكرى البعث فذلك لتمكنهم من العلم بالبعث بعد نصب الدلائل على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وللتنبيه على ان من أحياهم اولا قادر على ان يحييهم ثانيا. هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ اى لانتفاعكم في الدنيا في مصالحكم بوسط او بغير وسط وفي دينكم بالاستدلال والاعتبار ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً بيان للنعمة الاخرى مرتبة على الاولى ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ قال ابن عباس واكثر المفسرين من السلف اى ارتفع الى السماء- فهو من المتشابهات نحو الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى - وقال ابن كيسان والفراء وجماعة النحويين اى اقبل على خلق السماء وقصد من قولهم استوى اليه كالسهم المرسل إذا قصده قصدا مستويا من غير ان يلوى على شىء- قال البيضاوي كلمة ثم لعله لتفاوت ما بين الخلقتين وفضل خلق السماء على خلق الأرض كقوله تعالى ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا- لا للتراخى في الوقت فانه يخالف ظاهر قوله تعالى وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها- فانه تدل على تأخر دحوى الأرض المتقدم على خلق ما فيها من خلق السماء وتسويتها وذكر البغوي في تفسير قوله تعالى وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها- انه قال ابن عباس خلق الله الأرض بأقواتها من غير ان يدحوها قبل السماء ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ثم دحى الأرض بعد ذلك- وقيل معناه والأرض مع ذلك دحيها كقوله تعالى عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ اى مع ذلك- وذكر البغوي في حم السجدة- خلق الأرض في يومين يوم الأحد والاثنين وقدر فيها أقواتها في يومين يوم الثلثاء والأربعاء فهما مع الأحد والاثنين اربعة ايام فقال وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ... فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ يوم الخميس والجمعة- وهذا هو المستفاد من اقوال السلف والله تعالى اعلم- فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ اى خلقهن مستويات لا فطور فيها ولا صدوع- وهن ضمير السماء ان فسرت بالاجرام لانه جمع او في معنى الجمع وسبع سموت بدل منه- والا فمبهم تفسيره ما بعده كقولهم ربّه رجلا- فان قيل أليس اصحاب الارصاد اثبتوا تسعة أفلاك كلية منها الفلك الا طلس فلك الافلاك وفلك الثوابت الفلك التاسع «1» لا جزء لهما- واثبتوا للافلاك السبعة اجزاء منها ما هو مركب من ثلثة أفلاك خارج المركز وفيه الكوكب ومثمما حاويا ومتمما محويا ومنها ما هو مركب من خمسة خارج المركز ومتممين حاويين وكذا محويين وأفلاك اخر

_ (1) الصحيح الثامن لعله تحريف من الناسخ 12 [.....]

غير مجوفة ارتكزت فيها الكواكب المتحيرة يسمونها- فلك التدوير- قلت انما اثبتوا عدد الافلاك بعدد حركات الكواكب- فانهم لما راوا جميع الكواكب والشمس دائرة في يوم وليلة اثبتوا فلك الافلاك حاوية على جميع الافلاك محركة لكلها بالقسر من المشرق الى المغرب- ولما راوا حركة جميع الكواكب سوى السبعة على نسق واحد وحركات السبعة على أنحاء مختلفة في السرعة والبطء وفي العرض من البروج الشمالية الى الجنوبية وبالعكس اثبتوا على حسب حركاتها اعداد الافلاك- ولما راوا حركة السيارات غير الشمس تارة سريعة وتارة بطية وتارة الى المشرق وتارة الى المغرب وتارة متوقفة «1» ولذا يسمونها متحيرة أثبتوا التدويرات- فارتقى عدد الافلاك الى قريب من ثلثين- من أراد الاطلاع عليه فليرجع الى علم الهيئة- وهذا اعنى اثبات الافلاك على حسب حركات الكواكب باطل مبنى على امور باطلة- منها ادعاؤهم بامتناع الخرق والالتيام على الاجرام الفلكية- ومنها ان الافلاك كلها متلاصقة بعضها ببعض كتلاصق قشور البصل بعضها على بعض- وذلك يستلزم تحرك الافلاك جميعها بحركة فلك الافلاك قسرا وغير ذلك- وكل ذلك باطل فان انشقاق السماء جائز عقلا واجب سمعا- قال الله تعالى إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ- ونحو ذلك وكذا عدم تلاصق السموات وبعد ما بين كل سمائين ثابت شرعا عن ابى هريرة قال بينما نبى الله صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه إذا اتى عليهم سحاب فقال نبى الله صلى الله عليه وسلم هل تدرون ما هذا قالوا الله ورسوله اعلم قال هذه العنان هذه روايا الأرض يسوقها الله الى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه- ثم قال هل تدرون ما فوقكم قالوا الله ورسوله اعلم قال فانها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف ثم قال هل تدرون ما بينكم وبينها قالوا الله ورسوله اعلم قال بينكم وبينها خمسمائة عام ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك قالوا الله ورسوله اعلم قال سما ان بعد ما بينهما خمس مائة سنة ثم قال كذلك حتى عدّ سبع سموات ما بين كل سمائين ما بين السماء والأرض- ثم قال هل تدرون

_ (1) لا يظهر جهة التوقف على هذه المقدمة فانه لو فرض الانفصال فيما بين سطوحها لا وجبت الحركات أفلاكا متفاصلة بعددها نعم لزوم تحرك المحوى من تحرك الحاوي انما يتم على التلاصق دون التفاصل وهو امر اخر وراء تعدد الافلاك- قلت وجه التوقف على كون الافلاك متلاصقة انهم زعموا ان لكل كوكب وكذا للشمس والقمر حركتان حركة قسرية تابعة لحركة الفلك التاسع بها يتم دورانها في يوم وليلة وعليها ابتناء الليل والنهار- وحركة طبعية الى المشرق بها يظهر اختلاف حركاتها وعليها ابتناء اختلاف الفصول واختلاف الشهور وغير ذلك بل لكل كوكب بالقسر حركات شتى أحدها ما ذكر بقسر فلك الافلاك ثانيها بعدد المتممات الحاوية والمحوية وحركة الطبعي للمتحيرات انما هى حركة تدويراتها وما ليس له تدوير فالحركة الطبعي حركة فلكها الذي ذلك الكوكب مرتكز فيه والحركة القسرية لا يتصور بدون التلاصق وعندى في تحقيق هذا المقام مقال لا يسعه المقام وحاصله ان الكواكب والشمس والقمر كلها في السماء الدنيا ولكل منها حركة على حدة مختلفة كل في فلك يسبحون سباحة السمك في الماء ليس شىء منها بقسر فلك اخر- ويرتبط باختلاف حركات الكواكب اختلاف الليل والنهار والفصول وغير ذلك ولهذا الكلام طول لا يسعه المقام- منه رحمه الله

ما فوق ذلك قالوا الله ورسوله اعلم قال ان فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد ما بين السمائين- ثم قال هل تدرون ما الذي تحتكم قالوا الله ورسوله اعلم قال انها الأرض- ثم قال هل تدرون ما تحت ذلك قالوا الله ورسوله اعلم قال ان تحتها ارض اخرى ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة حتى عد سبع ارضين بين كل ارضين مسيرة خمسمائة سنة ثم قال والذي نفس محمد بيده لو انكم دليتم بحبل الى الأرض السفلى لهبط على الله ثم قرا هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ- رواه احمد والترمذي وقال الترمذي- قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم الاية تدل على انه أراد لهبط على علم الله وقدرته وسلطانه- وعلم الله في كل مكان وهو على العرش كما وصف نفسه في كتابه- قلت قوله «1» صلى الله عليه وسلم لهبط على الله من المتشابهات كما انه الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى من المتشابهات ولعل مراده صلى الله عليه وسلم لهبط على عرش الله بحذف المضاف وهذا يدل على كون العرش وكذا ما فيه من السموات السبع كرويا حاويا لجميع جهات الأرض حتى انكم لو دليتم بحبل الى الأرض السفلى لهبط على السموات السبع وعلى عرش الله- والصوفية العلية كما اثبتوا معيّة لا كيف لها وتجليات «2» خاصا لله سبحانه على قلب المؤمن وهو عرش الله سبحانه فى العالم الصغير- واثبتوا تجليا مخصوصا بالكعبة الحسناء بيت الله واختصاصا برب هذا البيت كذلك اثبتوا تجليا خاصا رحمانيا على العرش وهو قلب للعالم الكبير وذلك التجلي هو المومى اليه بقوله تعالى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ومن ثم قيل تجوزا لهبط على الله- كما قال الله تعالى- يسعنى قلب عبدى المؤمن- وروى الترمذي وابو داود من حديث العباس وفيه- ان بعد ما بينهما يعنى السماء والأرض اما واحدة واما اثنان او ثلث وسبعون سنة والسماء التي فوقها كذلك حتى عد سبع سموات ثم فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله كما بين سماء الى سماء ثم فوق ذلك ثمانية او عال بين أظلافهن ودركهن مثل

_ (1) غرض الترمذي ايضا انه من المتشابهات وانه ماول لكنه ذكر تأويلا لا يتوقف على كروية الافلاك والعرش وايضا تأويله مطرد في جميع ما ورد من أمثاله في الأحاديث والآثار فالفضل المتقدم- وقراءة الاية تدل على ان المراد ما ذكره الترمذي فليفهم قلت نعم غرض الترمذي ايضا انه من المتشابهات وانه ماول وما ذكر الترمذي من التأويل لا يتوقف على كروية الافلاك وايضا تأويله مطّرد- لكن غرض المصنف ان كروية الافلاك المشهود عليها ببداهة الحسن ودوران الشمس والقمر لا ينافى هذا الحديث بل هذا التأويل الذي ذكرت يصاعده- فالتأويل الذي به يطابق النقل الحس والعقل اولى وليس فيه رد القول الترمذي وليس بيان احتمال آخر كما تدل عليه كلمة لعل- ولم يقل بل الصواب ونحو ذلك حتى يظهر منه رد قول الترمذي والله اعلم- منه رحمه الله (2) أقول لا معنى للتجلى عند التحقيق الا ظهور الصفات من العلم والقدرة وغيرها على وجه يكون مكشافا وعنوانا للذات فلا نزاع فيما بين الصوفية وغيرهم الا في اللفظ- قلت حمل كلام العقلاء على النزاع اللفظي بعيد من العقلاء- منه رحمه الله

[سورة البقرة (2) : آية 30]

ما بين سماء الى سماء ثم على ظهورهن العرش بين أسفله وأعلاه ما بين سماء الى سماء ثم الله فوق ذلك- قلت هذا الاختلاف الوارد في الأحاديث في مسافة البعد اما باختلاف اعتبار السائرين- او المراد كثرة البعد لا تعيين المسافة- وقوله اما واحدة واما اثنان او ثلث شك الراوي- والله اعلم طال الكلام وحاصل المرام ان علم الهيئة باطل أساسا وبناء- والجائز عقلا والثابت شرعا ان الكواكب كلها مرتكزة في السماء الدنيا- قال الله تعالى وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ- كُلٌّ فِي فَلَكٍ اى فلك واحد يسبحون- حسب ارادة الله تعالى فى السرعة والبطوء والجهة كما يسبح السمك في الماء فحينئذ لا حركة للسموات والله اعلم- قال الله تعالى وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) فيه تعليل كانه قال لكونه عالما بكنه الأشياء كلها خلق ما خلق على النمط الأتم الأكمل الانفع- قرا ابو جعفر وابو عمرو والكسائي وقالون وهو وهى بسكون الهاء إذا كان قبل الهاء واو كما هاهنا ونحو وهى تجرى بهم- أو قاء او لام نحو فهو وليّهم- انّ الله لهو الولىّ- فهى كالحجارة- لهى الحيوان- زاد الكسائي وقالون كلمة ثم نحو ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ- وقال البغوي ان في ان يملّ هو ايضا اسكن الكسائي وقالون لكن المشهور عند القراء عدم الإسكان هناك بالإجماع كذا قال الشاطبي-. وَاذكر إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ- تعداد لنعمة ثالثة- فان خلق آدم وتفضيله على الملائكة نعمة تعم ذريته وفيه حث على الإتيان باوامره تعالى- والانتهاء عن مناهيه قال البغوي خلق الله السماء والأرض والملائكة والجن واسكن الملائكة السماء- والجن الأرض- فمكثوا زمانا طويلا في الأرض- ثم ظهر فيهم الحسد والبغي فافسدوا واقتتلوا- فبعث الله إليهم جندا من الملائكة يقالهم الجن وهم خزان الجنان اشتق لهم اسما من الجنة رأسهم إبليس فكان رئيسهم ومرشدهم وأكثرهم علما- فهبطوا الى الأرض وطردوا الجن الى شعوب الجبال وجزائر البحور وسكنوا الأرض وخفف الله عنهم العبادة- واعطى الله إبليس ملك الأرض وملك سماء الدنيا وخزانة الجنة فكان يعبد الله تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة فدخله العجب فقال في نفسه ما أعطاني الله هذا الملك الا لانى أكرم الملائكة عليه فقال الله تعالى له ولجنده إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً- ومما ذكر البغوي يظهران إبليس كان من الملائكة كما يدل عليه ظاهر الاستثناء- فان قيل روى مسلم عن ابى هريرة قال- أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال خلق الله التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد

وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس- وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة في اخر الخلق واخر ساعة من النهار فيما بين العصر الى الليل- وهذا الحديث يدل على ان خلق آدم بعد خلق الأرض يوم سابعة فكيف يتصور مكث الجن زمانا طويلا في الأرض ثم طردهم الى شعوب الجبال وسكونة إبليس وجنوده من الملائكة زمانا طويلا- ثم قوله تعالى لهم إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً- قلت لا دليل في الحديث على ان المراد بالجمعة التي خلق فيها آدم أول جمعة بعد خلق الأرض لعل ذلك الجمعة بعد مضى الدهور- ولولا هذا التأويل لزم خلق السموات والأرض في سبعة ايام والثابت بالقران خلق السموات والأرض في ستة ايام والله اعلم- والمراد بالخليفة آدم عليه السلام فانه خليفة الله في ارضه لاقامة أحكامه وتنفيذ قضاياه وهداية عباده وجذبهم الى الله واعطائهم مراتب قربه تعالى وذلك لا لاحتياج من الله تعالى الى الخليفة بل لقصور المستخلف عليهم عن قبول فيضه وتلقى امره بغير وسط- وكذلك كل نبى بعده خليفة الله قالُوا تعجبا واستخبارا عن مراشد أمرهم لا اعتراضا وحسدا فانهم عباد مكرمون أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ- وهم ذرية آدم- وانما عرفوا ذلك بأخبار من الله تعالى وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ حال مقررة لجهة الاشكال والمعنى أتستخلف العصاة ونحن معصومون احقّاء بالخلافة- والتسبيح تبعيد الله عن السوء من سبح في الأرض والماء اى بعد- وبحمدك في موضع الحال اى متلبسين «1» بحمدك على ما وفقتنا لتسبيحك وَنُقَدِّسُ لَكَ- والتقديس ايضا بمعنى التسبيح ويقال قدس إذا طهر اى بعد عن الاقذار- واللام زائدة اى نقدسك- او المعنى نقدس اى نطهر أنفسنا عن الذنوب لاجلك- كانهم قابلوا الفساد المفسر بالشرك بالتسبيح وسفك الدماء بالتقديس- سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم اى الكلام أفضل قال ما اصطفى الله لملائكته سبحان الله وبحمده- رواه مسلم في صحيحه من حديث ابى ذر- وهو صلوة الخلق وعليها يرزقون رواه ابن ابى شيبة عن جابر والبغوي عن الحسن قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (30) قرا نافع وابن كثير وابو عمر وانّى بفتح الياء والباقون بالسكون- ان الملائكة كانوا يعلمون بأخبار من الله تعالى ان من البشر صالحين وعصاة وكفارا فلا جرم زعموا ان الملائكة أفضل منهم لكونهم كلهم معصومين لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ فاستخلافهم اولى واستخلاف البشر موجب للفساد كما وقع من شرارهم- ولم يعلموا ان الله تعالى يستودع في قلوب بعضهم- محبة ذاتية

_ (1) فى الأصل ملتبسون-

[سورة البقرة (2) : آية 31]

منه تعالى موجبة للمعية الذاتية والمحبوبية الصرفة كما نطق به رأس المحبوبين- المرء مع من أحب- رواه الشيخان من حديث ابن مسعود وانس وابن حبان عن انس وفي الحديث القدسي- لا يزال عبدى يتقرب الى بالنوافل حتى أحببته فاذا أجبته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به الحديث- ويكون لهم قرب ومنزلة من الله تعالى لا يتصور لغيرهم- بحيث يكون التقرب الى عباد الله الصالحين موجبا للتقرب اليه تعالى روى مسلم عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- ان الله تعالى يقول يوم القيامة يا ابن آدم مرضت فلم تعدنى قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين قال اما علمت ان عبدى فلانا مرض فلم تعده اما علمت انك لوعدته لوجدتنى عنده- يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمنى الحديث- اعلم انه قد تقرر عند الأكابر من الصوفية ان ضوء الشمس كما يتحملها الأرض لكثافتها دون غيرها من عناصر الخلق كذلك التجلي الذاتي لا يتحملها الا عنصر التراب واما غيرها من العناصر فلنوع من الكثافة التي فيها يتحمل التجليات الصفاتية دون الذاتية واما لطائف عالم الأمر فلا نصيب لها الا من التجليات الظلية- والإنسان لما كان مركبا من اللطائف العشرة التي هى اجزاء العالم الكبير ولم يجتمع في شىء من افرادها الا بعضها كان هو أهلا للخلافة وحاملا للامانة التي عرضها الله تعالى عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً على نفسه بتحمل ما لم يتحمله غيره جهولا لعظمة المحمول ومسمى بالعالم الصغير صورة واكبر من الكبير معنى- حيث قال الله تعالى لا يسعنى ارضى ولا سمائى ولكن يسعنى قلب عبدى المؤمن- فخلق الله تعالى آدم من أديم الأرض اى وجهها بان قبض من جميع ألوانها وعجنت بالمياه المختلفة وسواه ونفخ فيه الروح اخرج احمد وابو داود والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن مردوية والحاكم وصححه والبيهقي عن ابى موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنوا آدم منهم الأحمر والأبيض وبين ذلك- والسهل والحزن- والخبيث والطيب- قلت والحكمة فيه استجماع استعداده- قال البغوي- لمّا قال الله تعالى إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالت الملائكة- ليخلق ربنا ما يشاء فلن يخلق خلقا أكرم منا عليه- وان كان فنحن اعلم منه لانا خلقنا قبله وراينا ما لم يره- فاظهر الله تعالى فضله عليهم. وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها قال اهل التفسير المراد اسماء الخلائق- قال البغوي قال ابن عباس ومجاهد وقتادة علمه اسم كل شىء حتى القصعة والقصيعة- وقيل اسم ما كان ويكون

الى يوم القيمة- وقال الربيع بن انس اسماء الملائكة- وقيل اسماء ذريته- وقيل صفة كل شىء قال اهل التأويل علم آدم جميع اللغات ثم تكلم كل واحد من أولاده بلغة- قلت وهذه الأقوال ليست بمرضية عندى فان مدار الفضل على كثرة الثواب ومراتب القرب من الله تعالى دون هذه الأمور- ولو كان هذه الأمور مدارا لفضله لزم فضله على خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم فانه قال أنتم اعلم بامور دنياكم- ولم يكن عليه السلام عالما بجميع اللغات- وعندى ان الله تعالى علم آدم الأسماء الالهية كلها- فان قيل الأسماء الالهية غير متناهية قال الله تعالى لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي- وقال سبحانه وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ- فكيف يحيط به علم البشر الممكن المتناهي- وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم- أسئلك بكلّ اسم سميت به نفسك او أنزلته في كتابك او علمته أحدا من خلقك او استأثرت به في علم الغيب عندك- رواه ابن حبان- والحاكم- وابن ابى شيبة والطبراني- واحمد في حديث ابن مسعود وابى موسى الأشعري يدل على ان الله تعالى استأثر عنده ببعض الأسماء لم يعلّمها أحدا- قلت المراد «1» ان الله تعالى علم آدم الأسماء كلها علما اجماليا فانه لما حصل له معية بالذات تعالت وتقدست حصل له بكل اسم من أسمائه وصفة من صفاته مناسبة تامة ومعية بحيث انه كلما توجه الى اسم من أسمائه وصفة من صفاته يتجلى له ذلك الاسم والصفة كما انه إذا حصل لرجل ملكة في علم من العلوم كان بحيث كلما يتوجه الى مسئلة من مسائله يحضر تلك المسألة- وليس المراد العلم التفصيلي حتى يلزم المحذور- فان قيل لم يقل بما قلت أحد من المفسرين- فهو قول في القران بالرأى وذلك غير جائز- روى البغوي بطرق عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال في القران برأيه- وفي رواية من قال في القران بغير علم فليتبوأ مقعده من النار- قلت قال البغوي قال شيخنا الامام قد جاء الوعيد فى حق من قال في القران برأيه وذلك فيمن قال من قبل نفسه شيئا من غير علم يعنى التفسير وهو

_ (1) على هذا لا يظهر فضيلة آدم عليه السلام بالنسبة الى الملا الا على والكروبيين فان ولاية الملا الا على ومن في طبقتهم ارفع بكثير على اكثر الولايات البشرية لا سيما الولاية الاسرائيلية فانها شقيقة الولاية المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والتحية- وكل ذلك مصرح به في مكتوبات الشيخ الاجل الرباني مجدد الالف الثاني قدس الله روحه- قلت الظاهر من كلام المجدد رضى الله عنه ان ولاية الملائكة ارفع درجة من ولاية الأنبياء وليس افضلية الأنبياء على الملائكة الا بالنبوة فان الولايات كلها راجعة الى تجليات الصفات- والتجليات الذاتية مختصة بالنبوة ومهبط التجلي الذاتي عنصر الطين ولخلو الملائكة من عنصر الطين اختص النبوة بالبشر وبالنبوة تفضلت الأنبياء على الملائكة وبها لبس خلعة الخلافة وبها وبالقرب الذاتي علم آدم الأسماء كلها علما اجماليا والله اعلم- منه رحمه الله

الكلام في اسباب نزول الاية وشأنها- وقصتها وذلك لا يجوز الا بالسماع بعد ثبوته من طريق النقل- واصل التفسير من التفسرة وهى الدليل من الماء الذي ينظر فيها الطبيب فيكشف عن علة المريض كذلك المفسر يكشف عن شأن الاية وقصتها- فاما التأويل وهو صرف الاية الى معنى محتمل موافق لما قبلها وما بعدها غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط فقد رخص فيه لاهل العلم- واشتقاق التأويل من الاول وهو الرجوع يقال أولته فال اى صرفته فانصرف- روى البغوي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال انزل القران على سبعة أحرف لكل اية منها ظهر وبطن ولكل حد مطلع- وروى الطبراني عنه بلفظ- انزل القران على سبعة أحرف لكل حرف منها ظهر وبطن ولكل حرف حد ولكل حد مطلع- قال البغوي- قوله لكل حد مطلع- اى مصعد يصعد اليه من معرفة علمه- يقال المطلع الفهم- وقد يفتح الله على المتدبر والمتفكر في التأويل والمعاني ما لا يفتح على غيره وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ انتهى حاصل كلامه «1» - قلت وما مر من اقوال المفسرين ليس شيئا منها مرفوعا- ولا مما لا يدرك بالرأى حتى يكون في معنى المرفوع بل تأويلات لمعنى الأسماء على حسب آرائهم ومن ثم ترى الاختلاف وما ذكرت لك كذلك- وايضا قول ابن عباس علّمه اسم كل شىء حتى القصعة والقصيعة- وما قيل علّمه اسماء ما كان وما يكون واسماء ذريته وصفة كل شىء لا ينافى تعليمه الأسماء الالهية وهى أفضل مما كان ويكون هو الاول ما كان شىء قبله والاخر لا يكون فيء بعده والظاهر لا شىء فوقه والباطن لا شىء دونه- وانما اقتصر ابن عباس على ذكر اسماء الممكنات خطابا لافهام العوام وكذلك شأن الأكابر يتكلمون الناس على قدر عقولهم والله اعلم ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ قال المفسرون الضمير راجع الى المسميات المذلول عليها ضمنا إذ التقدير اسماء المسميات فحذف المضاف اليه وعوض عنه اللام كما في قوله تعالى اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وتذكير الضمير لتغليب ما اشتمل عليه من العقلاء- وإذا قلت المراد بالأسماء الأسماء الالهية فالضمير راجع الى آدم وجمع الضمير

_ (1) قال الشيخ شهاب الدين السهروردي رضى الله عنه في العوارف- يخالج اسرى ان يكون المطلع ليس بالوقوف بصفاء الفهم على دقيق المعنى- وغامض السر في الاية لكن المطلع ان يطلع عند كل اية على شهود المتكلم بها لانها مستودع وصف من أوصافه ونعت من نعوته فيتجدد له التجليات بتلاوة الآيات وسماعها- وقال المجدد رضى الله عنه في مكتوبه المائة والعشرين من المجلد الثالث- انه يخطر ببالي ان الظهر نظم القران البالغ الى حد الاعجاز والبطن تفسيره وتأويله على اختلاف صفاء الفهم على دقيق المعاني وغامض السر والحد نهاية مراتب الكلام وهو شهود المتكلم بها وهو التجلي النعتى المنبئ عن عظيم الجلال والمطلع ما فوق ذلك التجلي النعتى وهو التجلي الذاتي المعرى عن النسبة والاعتبارات فلابد من الخطوتين خطوة من النظم الدال الى المدلول الذي هو الصفة والخطوة الثانية من الصفة الى الموصوف- وما ذكر الشيخ السهروردي قدس سره الا الخطوة الاولى وأتم بها هذا السير وقال الشيخ في العوارف- نقل عن جعفر الصادق رضى الله عنه انه خر مغشيا عليه وهو في الصلاة فسئل عن ذلك فقال ما زلت اردد الاية حتى سمعتها من المتكلم بها- منه رحمه الله

[سورة البقرة (2) : آية 32]

للتعظيم- او المراد بآدم هو والله كما يقال ربيعة ومضر- كذا قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ فى سورة يونس- ولعل الله سبحانه عرض عليهم آدم ونسمات الأنبياء من ذريته حين أخرجهم من ظهره وأخذ منهم الميثاق واشهدهم على أنفسهم وأخذ من النبيين من محمد صلى الله عليه وسلم ومن نوح وابراهيم وموسى وعيسى بن مريم عليهم الصلاة والسلام أخذ منهم ميثاقا غليظا وهذا انسب من إرجاع الضمير الى المسميات- لان المسميات غير مذكورة فيما قبل- والضمير للمذكرين العقلاء فلابد فيه من تكلفات- وقرا ابى بن كعب عرضها- وقرا ابن مسعود عرضهنّ- وعلى تينك القراءتين الضمير راجع الى الأسماء- فَقالَ تبكيتا لهم وتنبيها على عدم صلاحيتهم للخلافة أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ المشار اليه هى المسميات على تقرير المفسرين وعلى ما قلت المشار اليه آدم والله والاضافة لادنى ملابسة اى الأسماء التي علمت هؤلاء- حديث كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد- رواه الطبراني عن ابن عباس وابو نعيم في الحلية وابن سعد عن ابى الجدعاء يدل على ان الله سبحانه علمه ما علمه واصطفاه نبيّا بالتجليات الذاتية المختصة بالأنبياء أصالة حين كان آدم بين الروح والجسد يعنى حين تركب روح آدم بجسده فان التجليات الذاتية البحتية كانت مشروطة بالجسد الترابي فاذا صار لادم جسد واستقر نسمات ذريته في ظهره صاروا أهلا لها- إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (31) انى لا اخلق خلقا الا وكنتم أكرم علىّ منه وأفضل واعلم- قرا قنبل وورش بجعل الهمزة الثانية من هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ياء ساكنة- وقالون والبزي يجعلان الاولى ياء مكسورة وابو عمرو يسقطها والباقون «1» يحققون الهمزتين وكذا في كل همزتين مكسورتين اجتمعتا من كلمتين- وفي رواية عن ورش انه يجعل الثانية ياء مكسورة هاهنا وفي النور عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً واما في غيرهما فكقنبل- واما إذا اجتمعتا مفتوحتين من كلمتين نحو جاءَ أَجَلُهُمْ فورش وقنبل يجعلان الثانية مدة كما في المكسورة- وقالون والبزي وابو عمرو يسقطون الاولى والباقون يحققون الهمزتين واما إذا اجتمعتا مضمومتين من كلمتين وذلك في موضع واحد في الأحقاف أَوْلِياءُ أُولئِكَ فحكمه حكم المكسورة ورش وقنبل يجعلان الثانية واوا ساكنة وقالون والبزي يجعلان الاولى واوا مضمومة وابو عمرو يسقطها والباقون يحققونهما. قالُوا إقرارا بالعجز واعترافا لفضل البشر واستحقاقهم الخلافة واظهار الشكر نعمة ما كشف لهم الحكمة في خلقه سُبْحانَكَ اى نسبحك سبحانا عن خلو افعالك عن الحكم والمصالح لا عِلْمَ لَنا

_ (1) وقرأ ابو جعفر ورويس بتحقيق الاولى وتسهيل الثانية- ابو محمد

[سورة البقرة (2) : آية 33]

لا نحيط بشىء من علمك إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ بخلقك الْحَكِيمُ (32) فى أمرك وله معنيان وهو القاضي العدل والمحكم للامر لا يتطرق اليه الفساد فلما اعترفوا بعجزهم أنعم الله عليهم و. قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ الضمير في بأسمائهم على قول المفسرين راجع الى المسميات- واما على ما قلت فراجع الى الملائكة اى انبئهم بالأسماء التي في وسعهم تعلمها- او التي قدرنا لهم تعلمها- ولم يقل باسمائكم لان تعلم الأسماء كلها لا يمكن الا اجمالا بالوصول الى حضرت الذات وذلك مختص بالبشر دون الملائكة فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فيه استذكار لقوله- أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ قرأ الحر ميان وابو عمرو انّى بفتح الياء وكذلك يفتحون كل ياء إضافته بعدها الف قطع مفتوحة الا أحرفا معدودة تذكر في مواضعها ان شاء الله تعالى- ويفتح نافع وابو عمرو عند الالف المكسورة ايضا الا أحرفا معدودة تذكر ان شاء الله تعالى والباقون لا يفتحون الا أحرفا معدودة تذكر ان شاء الله تعالى وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ قال الحسن وقتادة يعنى قولهم أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها- وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) قالا قولهم لن يخلق الله خلقا أكرم عليه منا- قال البغوي قال ابن عباس- هو ان إبليس مر على جسد آدم وهو ملقى بين مكة والطائف لا روح فيه فقال لامر ما خلق هذا ثم دخل في فيه وخرج من دبره وقال انه خلق لا يتماسك لانه أجوف ثم قال للملائكة الذين معه ان فضل عليكم وأمرتم بطاعته ماذا تصنعون قالوا نطيع امر ربنا- فقال إبليس في نفسه والله لئن سلطت عليه لاهلكنه ولئن سلط علىّ لا عصينه فقال الله تعالى وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ يعنى ما تبديه الملائكة من الطاعة وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ يعنى ما كتم إبليس من المعصية وفي الاية دليل على ان خواص البشر وهم الأنبياء أفضل من خواص الملائكة وهم الرسل منهم كما ذهب اهل السنة والجماعة اليه- واما ما قالوا ان عوام البشر اعنى الأولياء منهم الصالحون المتقون أفضل من عوام الملائكة فثابت بالسنة- عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن أكرم على الله من بعض ملائكته- رواه ابن ماجة- وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة يا رب خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون ويركبون فاجعل لهم الدنيا ولنا الاخرة قال الله تعالى لا اجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحى كمن قلت له كن فكان- رواه البيهقي في شعب الايمان- ويدل على أفضليتهم اختصاصهم برؤية الله سبحانه في الجنة دون الملائكة- فان قيل روية الله سبحانه في الجنة غير مختص بالأولياء بل يكون لجميع المؤمنين وان كانت على قدر تفاوت درجاتهم فمنهم من يراه غدوة وعشية ومنهم من يراه كل جمعة او بعد سنة او نحو ذلك

[سورة البقرة (2) : آية 34]

فيلزم من ذلك افضلية جميع المؤمنين وان كانوا فساقا على عوام الملائكة فان المؤمنين كلهم يدخلون الجنة ولو بعد العذاب قال الله تعالى- فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ- وقال عليه الصلاة والسلام يخرج من النار من قال لا الله الا الله وفي قلبه وزن برة من خير او من ايمان ويخرج من النار من قالها وفي قلبه وزن ذرة من خير او من ايمان- متفق عليه من حديث انس- وقال ما من عبد قالها ثم مات على ذلك الا دخل الجنة وان زنى وان سرق- وان زنى وان سرق- وان زنى وان سرق- على رغم انف ابى ذر- رواه مسلم من حديث ابى ذر- والقول بافضلية الفساق على المعصومين لا يجوز عقلا ولا شرعا قال الله تعالى- أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ- قلت دخول الجنة للفساق لا يتصور الا بعد المغفرة سواء كانت المغفرة بعد العقاب بمصائب الدنيا او بعذاب في القبر او بعذاب فى النار او بغير شىء من ذلك بالتوبة او بغير التوبة فضلا من الله تعالى وبعد المغفرة لم يبق فسق ولا معصية بل التحقوا بالأولياء المتقين الصلحاء وان كانت مراتب الأولياء أعلى وأجل فحينئذ لا محذور في أفضليتهم على الملائكة والله اعلم- وايضا في الاية دليل على ان علوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة وانهم يستفيدون من البشر- واما قوله تعالى- وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ- فمقتضاه عدم الترقي من مقام الى مقام- يعنى من مقام الأسماء والصفات الى مقام الذات فانه لا يجوز وصولهم الى مقام الذات بخلاف البشر فان له ترقيات من مقام الحجب والحرمان الى مقام الظلال ومنها الى مقام الصفات والأسماء والشئونات ومنها الى مقام الوصول الى الذات وفي ذلك الوصول درجات واعتبارات لا يسعه المقال والمقام-. وَاذكر إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ- قرا ابو جعفر للملائكة اسجدوا بضم التاء بإعطاء حركت همزة الوصل وكذلك قل ربّ احكم بضم الباء والباقون بالكسر- والسجود في الأصل التذلل وفي الشرع وضع الجبهة على الأرض على قصد العبادة- والمأمور به اما المعنى الشرعي فالمسجود له يكون بالحقيقة هو الله تعالى- وجعل آدم قبلة تفخيما لشأنه واعترافا لما أنكروا اولا من فضله- ويدل على ارادة هذا المعنى الشرعي ما رواه احمد ومسلم من حديث ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا قرا ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكى ويقول يا ويله امر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلى النار- واللام في لادم حينئذ بمعنى الى كما في قول حسان في مدح الصديق (شعر) أليس أول من صلى لقبلتكم واعرف الناس بالقران والسنن او جعل آدم سببا

[سورة البقرة (2) : آية 35]

لوجوب السجود توبة لما صدر عنهم صورة الاعتراض- واللام حينئذ للسببية نحو صل لدلوك الشمس واما المعنى اللغوي وهو التواضع والتذلل لادم تحية وتعظيما كسجود اخوة يوسف قال البغوي- هذا القول أصح قال ولم يكن فيه وضع الوجه على الأرض انما كان انحناء فلما جاء الإسلام أبطل ذلك بالسلام- قلت لعلهم انما أمروا بتعظيم آدم شكرا له وأداء لحقه في التعليم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- من لم يشكر الناس لم يشكر الله- رواه احمد والترمذي وصححه من حديث ابى سعيد- فَسَجَدُوا يعنى الملائكة كلهم أجمعين إِلَّا إِبْلِيسَ هذا يدل على ان إبليس كان من الملائكة لصحة الاستثناء كما مر عن ابن عباس فعلى هذا لا يكون الملائكة كلهم معصومين بل الغالب منهم العصمة كما ان بعضا من الانس معصومون والغالب منهم عدم العصمة- وقيل كان جنيا نشأ بين الملائكة ومكث فيهم ألوف سنين فغلبوا عليه ويحتمل كون الجن ايضا مامورين بالسجود مع الملائكة لكنه استغنى عن ذكرهم بذكر الملائكة لان الأكابر لما أمروا بالسجود فالاصاغر اولى- ولعل ضربا من الملائكة كانوا متحدى الحنس بالشياطين مختلفين بالعوارض وما روى مسلم عن عائشة خلقت الملائكة من نور وخلقت الجن من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم- يحمل على اختلاف حقيقة بعض الملائكة من حقيقة الجن دون بعضهم وهم الذين لا يوصفون بالذكورة والأنوثة ولا يتوالدون- او يقال النّار والنور حقيقة واحدة والامتياز بينهما بالتهذيب والصفاء وبدونه- وقوله تعالى وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً- وهو قولهم الملائكة بنات الله دليل على اتحاد حقيقتهما والله اعلم بحقيقة الحال- أَبى امتنع من السجود وَاسْتَكْبَرَ من ان يعظّم آدم- او يتخذه وصلة في عبادة ربه- وَكانَ فى علم الله او صار مِنَ الْكافِرِينَ (34) باستقباحه امر الله تعالى إياه بالسجود لادم اعتقادا منه انه أفضل من آدم حيث قال أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ لا بترك الواجب وحده-. وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ- قال البغوي ان آدم لم يكن له في الجنة من يجانسه فنام نومة فخلق الله زوجته حواء من قصيرى شقه الأيسر فلما هب من نومه راها جالسة عند رأسه كاحسن ما خلق الله فقال لها من أنت قالت زوجتك خلقنى الله لك تسكن الىّ واسكن إليك- وانما لم يخاطبهما اولا تنبيها على انه هو المقصود بالحكم وَكُلا مِنْها رَغَداً واسعا كثيرا حَيْثُ شِئْتُما اين شئتما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) منع عن قرب الشجرة مبالغة في النهى عن أكله لان قرب الشيء يورث داعية وميلانا الى ذلك الشيء فيلهيه

[سورة البقرة (2) : آية 36]

عما هو مقتضى العقل والشرع- فالاقتراف بما هو يقرب الى المعصية مكروه والشجرة هى السنبلة على قول ابن عباس ومحمد بن كعب- والعنب على قول ابن مسعود والتين على قول ابن جريح والكافور على قول علىّ وقال قتادة شجرة العلم وفيها من كل شىء- فقيل وقع النهى على جنس من الشجرة- وقيل على شجرة مخصوصة- والظَّالِمِينَ اى الضّارّين أنفسكما بالمعصية واصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه. فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها اى اصدر زلتهما عن الشجرة اى بسبب الشجرة ومن أجل أكلها- او ازلّهما اى اذهبهما اى أبعدهما عن الجنة ويعضده قراءة حمزة فازالهما اى نحاهما- والشيطان من الشطن بمعنى البعد سمى به لبعده من الخير والرحمة- واختلفوا في انه كيف لقى إبليس آدم بعد ما قيل له فَاخْرُجْ ... فَإِنَّكَ رَجِيمٌ- قال البغوي ان إبليس أراد أن يدخل الجنة ليوسوس آدم وحواء فمنعته الخزنة- فاتته الحية وكانت صديقة لابليس وكانت من احسن الدواب لها اربع قوائم كقوائم البعير وكانت من خزان الجنة فسالها إبليس ان يدخله في فمها فادخلته فمرت به على الخزنة وهم لا يعلمون فادخلته الجنة- وكذا اخرج ابن جرير عن ابن مسعود وابن عباس وابى العالية ووهب بن منبه ومحمد بن قيس- وقال الحسن انما راهما على باب الجنة لانهما كانا يخرجان منها- وقال البغوي وقد كان آدم لما دخل الجنة قال لو ان خلدا- فلما دخل الشيطان الجنة وقف بين آدم وحواء وهما لا يعلمان انه إبليس فبكى وناح نياحة احزنتهما وهو أول من ناح- فقالا ما يبكيك قال ابكى عليكما تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة فوقع ذلك في أنفسهما واغتما فقال إبليس هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ فابى ان يقبل منه فقاسمهما بالله إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ فاغترا وما ظنا ان أحدا يحلف بالله كاذبا- فبادرت حواء الى أكل الشجرة ثم ناولت آدم حتى أكلها- وكان سعيد بن المسيب يحلف بالله ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل ولكن حواء سقته الخمر فلما أسكر قادته إليها فاكل- فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ من النعيم قال ابن عباس وقتادة قال الله تعالى لادم الم يكن فيما أبحتك من الجنة مندوحة عن الشجرة قال بلى يا رب ولكن ما ظننت ان أحدا يحلف بك كاذبا- وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال الله تعالى يا آدم ما حملك على ما صنعت- قال يا رب زينته لى حواء قال فانى أعقبتها ان لا تحمل الا كرها ولا تضع الا كرها وديتها في الشهر مرتين- فرنت حواء عند ذلك فقيل عليك الرنة وعلى بناتك- وَقُلْنَا اهْبِطُوا اى انزلوا الى الأرض يعنى آدم وحواء وإبليس والحية- بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ حال استغنى

[سورة البقرة (2) : آية 37]

عن الواو بالضمير اى متعادين- روى البغوي عن عكرمة عن ابن عباس قال- لا اعلم الا رفع الحديث انه كان يأمر بقتل الحيات وقال من تركهن خشية او مخافة ثائر فليس منا- وفي رواية- ما سالمناهن منذ حاربناهن- وروى عن ابى سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم ان بالمدينة جنا قد اسلموا فان رايتم منهم شيئا فاذنوه ثلثة ايام فان بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فانه شيطان- وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ موضع قرارا واستقرار وَمَتاعٌ اى تمتع إِلى حِينٍ (36) الى انقضاء اجالكم-. فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ قرا ابن كثير آدم بالنصب وكلمت بالرفع يعنى جاءت الكلمات آدم من ربه وكانت سبب توبته- وقرا الباقون بالعكس اى تعلّم- والكلمات رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا الاية- كذا قال سعيد بن جبير ومجاهد والحسن وقيل غير ذلك من كلمات الدعاء والاستغفار والتضرع قال ابن عباس- بكى آدم وحواء مائتى سنة ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يوما- ولم يقرب آدم حواء مائة سنة وروى عن يونس بن حباب وعلقمة بن مرثد قالا ولو ان دموع اهل الأرض جمعت لكان دموع داود اكثر حيث أصاب الخطيئة- ولو ان دموع داود مع دموع اهل الأرض جمعت لكان دموع آدم اكثر- قال شهر بن حوشب بلغني انه مكث ثلاثمائة سنين لا يرفع رأسه حياء من الله عز وجل- فَتابَ عَلَيْهِ اى قبل توبته- والتوبة عبارة عن الاعتراف بالذنب والندم عليه والعزم على ان لا يعود- واكتفى بذكر آدم لان حواء كانت تبعا له في الحكم ولذلك طوى ذكر النساء في اكثر القران والسّنن إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرجاع على عباده بالمغفرة- واصل التوبة الرجوع فمن العبد الرجوع من المعصية ومن الله الرجوع عن العقوبة الى المغفرة الرَّحِيمُ (37) المبالغ في الرحمة. قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً- قيل الهبوط الاول من الجنة والثاني من السماء الى الأرض- وقيل كرر للتأكيد او لاختلاف المقصود فان المقصود من الاول العقاب على المعصية ومن الثاني التكليف- وجميعا حال في اللفظ تأكيد في المعنى فلا يستدعى اجتماعهم فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً الفاء للعطف وان حرف شرط وما زائدة أكدت به ان- ولذلك حسن تأكيد الفعل بالنون وان لم يكن فيه معنى الطلب يعنى ان يأتى لكم منى هدى يعنى رسول وكتاب- الخطاب به الى ذرية آدم فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ الشرط الثاني مع جزائه جزاء للشرط الاول

[سورة البقرة (2) : آية 39]

وانما جاء بان حرف الشك لانه محتمل في نفسه غير واجب عقلا- امال الكسائي هداى ومثواى- ومحياى- حيث وقع ورءياك في أول يوسف خاصة- وابو عمرو ورش قرا رءياك خاصة بين بين- قال البيضاوي كرر لفظ الهدى ولم يضمر لانه أراد بالثاني أعم من الاول وهو ما اتى به الرسل واقتضاه العقل اى تبع ما أتاه مراعيا فيه ما شهده العقل- فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما يستقبلهم وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) على ما خافوا فان الخوف على المتوقع والحزن على الواقع- او المعنى لا خوف عليهم فى الاخرة بحلول مكروه ولا هم يحزنون في الاخرة بفوات محبوب نفى عنهم العذاب واثبت لهم الثواب على ابلغ الوجوه- قرا يعقوب فلا خوف بالفتح باعمال لا والآخرون بالرفع والتنوين. وَالَّذِينَ كَفَرُوا عطف على من تبع كانه قال ومن لم يتبع هداى بل كفروا به وَكَذَّبُوا بِآياتِنا بالقران وغيره من الكتب أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ يوم القيامة هُمْ فِيها خالِدُونَ (39) لا يخرجون منها ولا يموتون فيها- فى القصة دليل على ان الجنة مخلوقة وانها في جهة عالية وان عذاب النار للكفار مخلد تمسكت الحشوية بهذه القصة على عدم عصمة الأنبياء عليهم السلام قالوا كان آدم نبيا وارتكب المنهي عنه- وأجيب بانه لم يكن نبيا حينئذ والمدعى يطالب بالبرهان- او كان النهى للتنزيه وانما سمى نفسه ظالما وخاسرا لانه ظلم نفسه وخسر حظه بترك الاولى- او انه فعل ناسيا لقوله تعالى- فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً- لعله لما قاله إبليس ما نهاكما ربّكما وقاسمهما أورث فيه ميلانا طبعيا ثم انه كف نفسه عنه مراعاة لحكم الله الى ان نسى ذلك وزال شعوره بشرب الخمر فحمله الطبع عليه وانما عوتب بترك التحفظ عن اسباب النسيان- ولعله وان حط عن الامة لم يحط عن الأنبياء لعظم قدرهم- ويحتمل ان يكون رفع الخطاء والنسيان خاصة لهذه الامة- وسيجيئ المسألة اخر السورة- او فعله بسبب خطاء في اجتهاده حيث ظن النهى للتنزيه- او الاشارة الى عين تلك الشجرة فتناول من غيرها من نوعها وكان المراد في النهى الاشارة الى النوع وانما جرى عليه ما جرى على طريق السببية المقدرة دون المؤاخذة كتناول السم على الجهل والله اعلم- ولما ذكر الله تعالى دلائل التوحيد والنبوة وخاطب الناس عامة وعدّ انعاماته العامة- خاطب بنى إسرائيل خاصة وذكّرهم النعماء التي اختصت بهم لان السورة مدنية وكان غالب الخطاب في المدينة مع اليهود لانهم كانوا اهل علم والناس تبع لهم فلو اعترفوا بالنبوة اعتراف غيرهم

[سورة البقرة (2) : آية 40]

بتقليدهم وكان حجة على غيرهم- فقال. يا بَنِي إِسْرائِيلَ اى أولاده والابن من البناء لانه مبنى أبيه ولذلك ينسب المصنوع الى الصانع- ويقال ابو الحرب وبنت فكر- وإسرائيل لقب يعقوب عليه السلام ومعناه بالعبرية عبد الله وايل هو الله- وقيل صفوة الله- وقرا ابو جعفر إسرائيل بغير همزة اذْكُرُوا احفظوا- والذكر يكون بالقلب وباللسان فانه دليل على ذكر القلب وقيل اشكروا لان فى الشكر ذكرا- قال الحسن- ذكر النعمة شكرها- نِعْمَتِيَ لفظها واحد ومعناها جمع الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ- قيد النعمة بهم حتى يحملهم على الرضاء والشكر- واما النعمة على غيرهم فقد يوجب الغيرة والحسد قال قتادة هى النعم التي خصت بها بنوا إسرائيل من فلق البحر وانجائهم من فرعون باغراقه وتظليل الغمام في التيه- وإنزال المن والسلوى- وبعث الأنبياء فيهم- وجعلهم ملوكا وإنزال التورية وغيرها- وقال غيره هى جميع النعم على العباد وَأَوْفُوا بِعَهْدِي بالايمان والطاعة أُوفِ بِعَهْدِكُمْ بالاثابة- والعهد يضاف الى المعاهد والمعاهد- ولعل اولا أضاف الى الفاعل وثانيا الى المفعول فان الله تعالى عهد إليهم بالايمان ووعدهم بالثواب- او في كليهما أضاف الى المفعول اى أوفوا بما عاهدتمونى أوف بما عاهدتكم- اخرج ابن جرير بسند صحيح عن ابن عباس قال- أوفوا بعهدي في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم أوف بعهدكم في رفع الاصار والاغلال- قال البغوي قال الكلبي عهد الله الى بنى إسرائيل على لسان موسى انى باعث في بنى إسماعيل نبيا اميا فمن تبعه وصدّق بالنور الذي يأتى به غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين اثنين وهو قوله وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعنى في امر محمد صلى الله عليه وسلم- قلت وهذا قوله تعالى في جواب ما قال موسى رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ- الى قوله إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ- الاية- وقال قتادة ومجاهد أراد بها ما ذكر في المائدة وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً الى ان قال لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ الاية- وقال الحسن هو قوله وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ- فهو شريعة التورية- قلت وان هذين القولين راجعان الى ما قال ابن عباس والكلبي فان في الاول وآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ- وكذلك شريعة التورية حاكمة بالايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم

[سورة البقرة (2) : آية 41]

والا فهى منسوخة وَإِيَّايَ منصوب بفعل مقدر بعده يفسّره فَارْهَبُونِ (40) فخافون في نقض العهد وفي كل فعل وترك- والرهبة خوف معه تحرز- وهذا أكد في إفادة التخصيص من ايّاك نعبد لما فيه من تقديم المفعول وتكريره وتكرير الفعل تقديرا ولفظا والفاء الجزائية- تقدير الكلام ان كنتم راهبين فاياى ارهبوا فارهبونى- والاية متضمنة للوعد والوعيد دالة على وجوب الشكر والوفاء بالعهد وان المؤمن ينبغى ان لا يخاف أحدا الا الله- اثبت يعقوب الياءات المحذوفة في الخط مثل فارهبون فاتّقون- واخشون كلها وجملتها احدى وستون ياء لا غير- واثبت نافع في رواية ورش منها في الوصل سبعا وأربعين وفي رواية قالون عشرين- واختلف عن قالون في اثنين وهما التّلاق- والتّناد- فى غافروا ثبت ابن كثير في الوصل والوقف احدى وعشرين واختلف عنه في ست تقبّل دعاء في ابراهيم- يدع الدّاع في القمر- بالواد- وأكرمن- وأهانن في الفجر فاثبت الخمس البزي في الحالين- واثبت قنبل انّه من يتّق في يوسف في الحالين وبالواو في الفجر في الوصل فقط وفيه خلاف عنه واثبت ابو عمرو من ذلك في الوصل خاصة أربعا وثلثين وخير في أكرمن وأهانن- واثبت الكسائي ياءين يوم يأت في هود وما كنّا نبغ في الكهف لا غير- واثبت حمزة في الوصل خاصة وتقبّل دعاء في ابراهيم- وفي الحالين أتمدّونن في النمل لا غير وحذف كلهن عاصم واختلف عنه في يائين في النمل فما ءاتان الله فتحها حفص فى الوصل وأثبتها ساكنة في الوقت وفي الزخرف يعباد لا خوف فتحها ابو بكر في الوصل وأسكنها في الوقف وشعبة بحذف الاولى كحفص في الاخرى- واثبت ابن عامر في رواية هشام ثمّ كيدون في الأعراف وفي رواية ابن ذكوان في الكهف فلا تسئلنى- وسياتى جميع ما ورد من ذلك الاختلاف في أماكنها ان شاء الله تعالى-. وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ يعنى القران عطف تفسيرى على أوفوا او تخصيص بعد التعميم فان الايمان هو العمدة في الوفاء بالعهود مُصَدِّقاً اى موافقا في القصص وبعث النبي صلى الله عليه وسلم ونعته وفي الوعد والوعيد والدعوة الى التوحيد- والايمان بالأنبياء بلا تفريق بينهم وبما جاءوا به من ربهم والى امتثال الأوامر والانتهاء عن المناهي- او شاهدا على كونها من الله تعالى لِما مَعَكُمْ من الكتب الالهية التورية وغيرها- وفي التقييد بكون القران مصدّقا لمّا معهم تنبيه على ان اتباعها يوجب الايمان به ولذلك عرّض بقوله وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ-

[سورة البقرة (2) : آية 42]

بل الواجب ان تكونوا أول من أمن به كما ان ورقة بن نوفل لما كان عالما بالتورية صار أول من أمن به- فالمراد به التعريض دون الحقيقة كقولك اما انا فلست بجاهل فلا يقال كيف نهوا عن التقدم في الكفر مع سبق مشركى مكة فيه- او المراد ولا تكونوا أول كافر من اهل الكتاب او أول من كفر بما معه فان الكفر بالقران كفر بما يصدقه- قلت او المراد بالاولية الاولية بالذات «1» يعنى كونهم سببا لكفر غيرهم فان ايمان العلماء والأحبار والرؤساء سبب لايمان غيرهم وكفرهم سبب لكفر غيرهم- فلذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- الا ان شر الشرار شرار العلماء- وان خير الخيار خيار العلماء رواه الدارمي من حديث الأحوص بن حكيم عن أبيه- والمعنى لا تكونوا سببا لكفر اتباعكم فيكون عليكم اثم الأريسيين وأول كافر خبر من ضمير الجمع بتأويل أول فريق- او بتأويل أول فريق- او بتأويل لا يكن كل واحد منكم أول كافر كقولك كسانا حلة- وأول افعل لا فعل له من لفظه- وقيل أصله أوال من وال على وزن سأل أبدلت همزته واوا من غير قياس او ااول من أول قلبت الهمزة واوا وأدغمت- قال البغوي نزلت الاية في كعب بن اشرف وأصحابه من علماء اليهود وَلا تَشْتَرُوا اى لا تستبدلوا بِآياتِي اى بالايمان بايات القران اولا تستبدلوا بايات التورية ببيان نعت محمد صلى الله عليه وسلم ثَمَناً اى عرضا من الدنيا قَلِيلًا فان اعراض الدنيا وان جلت فهى قليلة رذيلة بالاضافة الى ما يفوتهم من حظوظا لاخرة وذلك ان رؤساء اليهود وعلماءهم كانت لهم مأكلة يصيبونها من سفلتهم وجهّالهم يأخذون كل عام منهم شيئا معلوما من ذروعهم وضروعهم ونقودهم فخافوا فواتها ان بينوا صفة محمد صلى الله عليه وسلم واتبعوه- فاختاروا الدنيا على الاخرة وغير وانعته وكتموا اسمه وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) بالايمان واختيار الاخرة على الدنيا- وهذا مثل فايّاى فارهبون- غير ان في الاية السابقة خطاب لعوام بنى إسرائيل ولذا فصلت بالرهبة التي هى مقدمة التقوى وفي الثانية خطاب لعلمائهم ولذلك فصلت بالتقوى الذي هو منتهى الأمر-. وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ اى

_ (1) لا يخفى ان الاولية بالذات يستلزم التقدم بحسب الزمان او المعية بحسبه فالاشكال بسبق مشركى مكة فيه باق كما كان ويحتاج في بيان سببية كفرهم لكفر غيرهم من التخصيص باتباعهم وهو تطويل للمسافة بلا طائل قلت كفر اهل الكتاب سبب لكفر غيرهم من الأميين حيث يزعمون لو كان الإسلام حقّا لما تركه اهل الكتاب فهو سبب لثبات مشركى مكة على كفرهم- فسبق كفر مشركى مكة بالزمان لا ينافى اولية كفر اهل الكتاب بالذات وكونه سببا لكفرهم يعنى لثباتهم على الكفر والله اعلم- منه رحمه الله

[سورة البقرة (2) : آية 43]

لا تخلطوا- واللبس الخلط وقد يلزمه جعل الشيء مشتبها بغيره- يعنى لا تخلطوا الحق الذي أنزلت عليكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم بالباطل الذي تكتبونه بايديكم من التغير حتى لا يمين بينهما- وقال مقاتل ان اليهود أقرّوا ببعض صفة محمد صلى الله عليه وسلم وكتموا بعضا ليصدّقوا فى ذلك فالحق إقرارهم وبيانهم والباطل كتمانهم- وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ مجزوم داخل تحت حكم النهى اى لا تكتموا- او منصوب بإضمار ان بعد الواو للجمع اى لا تجمعوا بين لبس الحق بالباطل وكتمان الحق وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) انه نبى مرسل وانكم تكتمون صفته فانه أقبح فان الجاهل قد يعذر-. وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ اى صلوة المسلمين وزكاتهم- فيه دليل على ان الكفار مخاطبون بالفروع- والزكوة مشتق من زكا الزرع إذ انما- او من تزكّى اى تطهر فان فيه تطهير المال وتنميته قال الله تعالى- يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ- وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) مع المصلين محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه- ذكر بلفظ الركوع وهو ركن من اركان الصلاة لان صلوة اليهود لم يكن فيه ركوع- وفيه حث على الصلاة بالجماعة (مسئلة) الجماعة ركن عند داود- وقال احمد فريضة وليست بركن وعند الجمهور سنة مؤكدة قريب من الواجب يترك سنة الفجر مع كونها أكد السنن عند خوف فواتها- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوة الجماعة تفضل صلوة الفرد بسبع وعشرين درجة- متفق عليه من- حديث ابن عمر. أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ- اى بالطاعة وفيه تقرير مع توبيخ وتعجيب والبرّ التوسع في الخير مشتق من البر وهو الفضاء الواسع يتناول كل خير- قال البغوي نزلت في علماء اليهود وذلك ان الرجل منهم كان يقول لقريبه وحليفه من المسلمين إذا ساله عن امر محمد صلى الله عليه وسلم اثبت على دينه فان امره حق وقوله صدق- وكذا اخرج الواحدي عن ابن عباس- وقيل هو خطاب لاحبارهم حيث أمروا اتباعهم بالتمسك بالتورية وهم خالفوا التورية وغيروا نعت محمد صلى الله عليه وسلم فيه- وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ تتركونها من البر كالمنسيات- وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ التورية وفيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته وفيها الوعيد على العناد ومخالفة القول العمل وترك البر أَفَلا تَعْقِلُونَ (44) قبح صنعكم او أفلا عقل لكم يمنعكم عما تعلمون قبح عاقبته- والعقل في الأصل الحبس ومنه

[سورة البقرة (2) : آية 45]

عقال الدابة- فان العقل يمنع الإنسان عما يضره يعنى ما تفعلون مخالف للعلم والعقل- روى البغوي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رايت ليلة اسرى بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار قلت من هؤلاء يا جبرئيل قال هؤلاء خطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب- وروى ايضا عن اسامة بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول- يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق اقتابه فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع اهل النار عليه فيقولون اى فلان ما شأنك الست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر قال كنت أمركم بالمعروف ولا اتيه وأنهاكم عن المنكر واتية- قال البيضاوي المراد بالآية حث الواعظ على تزكية النفس وتكميله لا منع الفاسق عن الوعظ فان الإخلال بأحد الامرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالاخر- قلت فمعنى قوله تعالى. كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ان معصية العالم اكبر مقتا عند الله من معصية الجاهل لا ان امره بالمعروف ممقوت- والله اعلم ثم لمّا أمرهم الله تعالى بما شق عليهم من ترك الرياسة والاعراض عن الدنيا ارشدهم بما يعينهم على ذلك ويكفيهم في إنجاح حوائجهم فقال. وَاسْتَعِينُوا على ما يستقبلكم من الحوائج وانواع البلاء بِالصَّبْرِ بانتظار النجح والفرح توكّلا على الله وحبس النفس عن الجزع فانه لا يغنى من القدر شيئا وحبس النفس عن المعاصي وعلى الطاعات فانه تعالى يقول ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ- وقال مجاهد أراد بالصبر الصوم ومنه سمى شهر رمضان شهر الصبر وذلك ان الصوم يزهده في الدنيا والصلاة يرغبه في الاخرة- وَالصَّلاةِ قيل الواو بمعنى على اى استعينوا بالصبر على الصلاة- قال الله تعالى- وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها- او هى بمعناها وللصلوة مدخلا فى دفع الهموم وإنجاح الحوائج- روى احمد وابو داود وابن جرير من حديث عبد العزيز أخي حذيفة بن اليمان انه عليه الصلاة والسلام- كان إذا خرّ به امر فزع الى الصلاة- ويجوز ان يراد بها الدعاء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كانت له حاجة الى الله او الى أحد من بنى آدم فليتوضأ وليحسن وضوءه ثم ليصل ركعتين ثم يثنى على الله ويصلى على النبي صلى الله عليه وسلم- وليقل لا الله الا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العلمين أسئلك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والغنيمة من كل بر والسلامة من كل اثم لا تدع لى ذنبا الا غفرته ولا هما الا فرجته

[سورة البقرة (2) : آية 46]

ولا حاجة هى لك رضا الا قضيتها يا ارحم الراحمين- رواه الترمذي من حديث عبد الله بن ابى اوفى- والحاكم في المستدرك نحوه- وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ اى الاستعانة بهما- او جملة ما أمروا بها ونهوا عنها- او كل واحد من الخصلتين كما في قوله تعالى- كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها اى كل واحدة منهما او الصلاة ان كانت الواو في والصّلوة بمعنى على وقيل خصت الصلاة برد الضمير إليها لعظم شأنها- او استجماعها ضروبا من الصبر كما قال الله تعالى- وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ- ان رضاء الرسول داخل في رضاء الله تعالى وقيل معناه استعينوا بالصبر وانه لكبير وبالصلوة وانها لكبيرة اى ثقيلة شاقة فحذف أحدهما اختصارا إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ (45) والخشوع السكون ومنها الخشعة للرملة المتطأمنة- وهو في الصوت والبصر قال الله تعالى- خَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ- وقال- خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ- والخضوع اللين والانقياد- ولذلك يقال الخشوع بالجوارح والخضوع بالقلب- والمراد المؤمنين الساكنين الى طاعة الله تعالى الخائفين المتواضعين-. الَّذِينَ يَظُنُّونَ اى يتوقعون لقاء الله او يستيقنون به- قال البغوي- الظن من الاضداد يكون شكا ويقينا يعنى مشترك بينهما- او يقال اطلق على اليقين مجازا لما شابهه في الرجحان قلت وفي إيراد لفظ الظن هاهنا دون العلم واليقين اشعار بان من كان غالب ظنه انه ملاقى الله وان الله تعالى مجازيه على اعماله فالعقل الصحيح يهوّن عليه الصبر على الطاعة وعن المعصية مخافة الضرر الا ترى ان من كان غالب ظنه ان ماء القدح مسموم فهو يصبر على مشقة العطش ولا يشرب من ذلك الماء وكذا من كان غالب ظنه ان ما في القدح يورث الشفاء والقوة فهو يصبر على مرارته ويشربه- فكيف من كان يؤمن بالله وبجزائه فانه يستحقر المشقة نظرا الى تحصيل رضائه وعظم جزائه بل يستلذ بامتثال امر المحبوب وتوقع لقائه ومن ثم قال عليه الصلاة والسلام جعلت قرة عينى في الصلاة- أخرجه الحاكم والنسائي- أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ اى معاينوه يرونه في الاخرة- والصلاة معراج المؤمن تكون للعبد وسيلة الى رؤية الله قال الله تعالى وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً وعن ربيعة بن كعب قال كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتيته بوضوئه وحاجته فقال لى سل فقلت أسئلك مرافقتك في الجنة قال او غير ذلك قال هو ذاك قال فاعنّى على نفسك بكثرة السجود- رواه مسلم وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- اقرب ما يكون العبد الى الرب وهو ساجد-

[سورة البقرة (2) : آية 47]

رواه مسلم وقيل المراد باللقاء الصيرورة والحشر اليه-. وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (46) فيجازيهم بأعمالهم- وملاحظة الرجوع الى الله يهون الصبر عليه ولذلك سن للمصاب قول إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ-. يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ كرره للتأكيد وتذكير التفضيل وهو أجل النعم وربطه بالوعيد الشديد وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ يريد تفضيل ابائهم الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام وبعده ما لم يغيروا دينهم- فضلهم الله تعالى بما سنح عليهم من النبوة والكتاب والايمان والعلم والأعمال الصالحة والملك والعدالة ومناصرة الأنبياء وانما عد نعمة عليهم لان فضل الآباء يوجب شرفا في الأبناء- وفيه حثهم على تحصيل ذلك الفضل إذ لم يكن فضلهم الا باتباع الوحى والأنبياء والكتاب ويمكنهم تحصيله باتباع محمد صلى الله عليه وسلم والقران وفيه اتباع موسى والتورية عَلَى الْعالَمِينَ (47) اى على عالمى زمانهم كذا اخرج ابن جرير عن مجاهد وابى العالية وقتادة- او على من لم يستجمع ذلك الفضائل من العالمين. وَاتَّقُوا يَوْماً اى ما فيه من العذاب لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ كافرة- للايات والأحاديث الدالة على الشفاعة لاهل الكبائر وعليه انعقد الإجماع شَيْئاً من الحقوق فنصبه على المفعولية او لا تجزى شيئا من الجزاء فنصبه على المصدرية- وقيل لا تغنى شيئا من الإغناء وقيل لا تكفى شيئا من الشدائد- والعائد محذوف تقديره لا تجزى فيه ومن لم يجوز حذف العائد قال اتسع فيه فحذف الجار وأجري مجرى المفعول به ثم حذف وَلا يُقْبَلُ قرا ابن كثير وابو عمرو ويعقوب بالتاء المنقوطة من فوق والباقون بالياء فان الفاعل مؤنث غير حقيقى يجوز فيه التذكير والتأنيث مِنْها اى من العاصية او من الشافعة شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ اى فدية وقيل البدل وأصله التسوية وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) يمنعون من عذاب الله تعالى- والضمير لما دلت عليه النفس الثانية المنكرة الواقعة فى سياق النفي الدالة على العموم والكثرة- أريد بالآية نفى ان يدفع العذاب عن أحد من الكفار أحد بوجه من الوجوه- فانه اما ان يكون قهرا فهو النصرة- او بلا قهر مجانا وهو الشفاعة- او بأداء ما كان عليه وهو ان يجزى عنه او بغيره وهو ان يعطى عنه عدلا- والاية نزلت ردا لما كانت اليهود تزعم ان آباءهم يشفعهم-. وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ- اى اسلافكم تفصيل لما أجمله من النعم عطف على نعمتى عطف الخاص

[سورة البقرة (2) : آية 50]

على العام وفيه منة عليهم حيث نجوا بنجاتهم مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ اى اتباعه واهل دينه أصله اهل بدليل اهيل خص بالاضافة الى العظماء من الأنبياء والملوك- وفرعون لقب لملك العمالقة وكان فرعون موسى وليد بن مصعب بن الريان عمّر اكثر من اربعمائة سنة- وفرعون يوسف ريان وكان بينهما اكثر من اربعمائة سنة- يَسُومُونَكُمْ يكلفونكم ويذيقونكم- واصل السوم الذهاب في طلب الشيء وقيل معناه يصرفونكم في اصناف العذاب كالابل السائمة في البرية وذلك ان فرعون جعل بنى إسرائيل أصنافا في الأعمال يبنون ويحرثون- ويحملون الأثقال- ويؤدون الجزية والنساء يغزلن لهم سُوءَ الْعَذابِ اى أشده وسواه وهو مصدر ساء يسوء- مفعول ليسومونكم والجملة حال من الضمير في نجينكم- او من ال فرعون- او منهما جميعا يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ بيان ليسومونكم ولذلك لم يذكر بالعطف بل على البدل وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ- قال البغوي وذلك ان فرعون راى في منامه كانّ نارا أقبلت من بيت المقدس وأحاطت بمصروا حرقت لكل قبطى بها ولم يتعرض لبنى إسرائيل فهاله ذلك وسال الكهنة عن رؤياه فقالوا يولد في بنى إسرائيل غلام يكون على يده هلاكك وزوال ملكك- كذا اخرج ابن جرير عن السدى- قال البغوي- فامر فرعون بقتل كل غلام يولد في بنى إسرائيل وجمع القوابل فقال لهن لا يولد غلام من بنى إسرائيل الا قتل ولا جارية الا تركت حتى قيل انه قتل في طلب موسى اثنى عشر الف صبى- وقال وهب- بلغني انه ذبح تسعون الفا «1» - ثم اسرع الموت في مشيخة بنى إسرائيل فدخل رءوس القبط على فرعون وقالوا ان الموت قد وقع في بنى إسرائيل فيذبح صغارهم ويموت كبارهم فيوشك ان يقع العمل علينا فامر فرعون ان يذبحوا سنة ويتركوا سنة فولد هارون في السنة التي لا يذبحون فيها وموسى في السنة التي يذبحون فيها وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ البلاء معناه الاختبار فتارة تكون بالشدة والعذاب يختبر مصابرتهم- وتارة بالنعمة والرخاء يختبر به شكرهم قال الله تعالى- وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً- فالواجب الشكر عند الرخاء والصبر عند الشدة- والمشار اليه بذلكم اما انجاؤهم من ال فرعون فالمراد به الثاني- واما سومهم سوء العذاب فالمراد به الاول مِنْ رَبِّكُمْ بتسليط فرعون او ببعث موسى وتوفيقه تخليصكم عَظِيمٌ (49) صفة بلاء-. وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فلقناه بدخولكم- وقيل معناه فرقنا لكم وذلك انه لما دنا هلاك فرعون وامر الله موسى ان يسرى ببني إسرائيل امر موسى قومه ان يسيروا بالليل ويسرّجوا

_ (1) فى الأصل تسعون الف 12

فى بيوتهم- واخرج الله كل ولد زنا في القبط من بنى إسرائيل إليهم وبالعكس والقى الموت على القبط واشتغلوا بدفنهم حتى أصبحوا وطلعت الشمس وخرج موسى في ستمائة الف او اكثر- وكانوا دخلوا مصر مع يعقوب اثنين وسبعين إنسانا- فلما أرادوا السير في الليل ضرب عليهم التيه فلم يدراين يذهبون- فسال مشيخة بنى إسرائيل فقالوا ان يوسف لما حضره الموت أخذ على اخوته عهدا ان لا يخرجوا من مصر حتى يخرجوه معهم فسالهم عن قبره فلم يعلموا فنادى موسى انشد الله كل من يعلم موضع قبر يوسف الا أخبرني به ومن لم يعلم به فصمت أذناه عن قولى- فلم يسمع الا عجوز فقالت لو دللت أتعطيني كل ما سالتك فابى وقال حتى اسئل ربى فامره الله- فقالت لا أستطيع المشي فاخرجنى من مصر وفي الاخرة لا تنزل في غرفة من الجنة الا نزلتها معك قال نعم- قالت «1» انه في جوف النيل فدما الله فحسر عنه فاخرجه في صندوق وحمله ودفنه بالشام- فساروا وموسى على ساقتهم وهارون على مقدمتهم- وامر فرعون قومه ان لا يخرجوا في طلب بنى إسرائيل حتى يصيح الديك فو الله ما صاح ديك تلك الليلة- فخرج فرعون وعلى مقدمته هامان في الف الف وسبعمائة الف- وكان فيهم سبعون الفا من دهم- فسارت بنوا إسرائيل الى البحر والماء في غاية الزيادة- فاذا هم بفرعون حين أشرقت فتحيروا- فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قالَ موسى كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ فاوحى الله اليه أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وظهر فيه اثنا عشر طريقا بعدد الأسباط وارتفع الماء بين كل طريقين كالجبل وأرسل الله الريح والشمس على قعر البحر حتى يبس الطرق وخاضت كل سبط بنى اسراءيل في طريق ولا يرى بعضهم بعضا بحجاب الماء فخافوا على إخوانهم بالغرق- فاشتبك الماء بإذن الله حتى يرى بعضهم من بعض ويسمع فعبروا سالمين. فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ- وذلك ان فرعون لما راى البحر منفلقا قال هذا من هيبتى حتى أدرك عبيدى الآبقين- وكان فرعون على حصان أدهم ولم يكن في خيل فرعون أنثى فجاء جبرئيل على فرس أنثى فاقتحم البحر فلما اشتم أدهم فرعون ريحها اقتحم البحر في اثرها وهم لا يرونه ولا يملك فرعون من امره شيئا واقتحم الخيول جملة خلفه في البحر وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يسوقهم ويقول الحقوا بأصحابكم حتى خاضوا كلهم وكان بين طرفى البحر اربعة فراسخ وهو بحر قلزم بحر من بحار فارس

_ (1) فى الأصل قال 13

[سورة البقرة (2) : آية 51]

قال قتادة بحر من وراء مصر يقال له اساف وذلك بمراء من بنى إسرائيل فذالك قوله تعالى وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) الى مصارعهم-. وإذ وعدنا- قرا ابو جعفر وابو عمرو وعدنا ووعدنكم حيث وقع بلا الف والباقون واعدنا بالألف ومعناهما واحد نحو عاقبت اللص- وقال الزجاج كان من الله الأمر ومن موسى القبول ومن ثم ذكر المواعدة- وقيل وعد الله الوحى ووعده موسى «1» المجيء الى الطور مُوسى قرا حمزة والكسائي بالامالة وكذا يميلان كل ما كان من الأسماء والافعال من ذوات الياء نحو موسى وعيسى ويحيى والموتى- وطوبى- وأخرى- وكسالى وأسارى- ويتمى وفرادى ونصرى- والأيامى والحوايا وبشرى وذكرى- وضيزى وشبهها مما الفه للتانيث وكذلك العمى والهدى والضّحى والرّؤيا- ومأويه وماويكم- ومثويه- ومثويكم وما كان مثله من المقصور وكذلك الأدنى- وازكى واولى وأعلى وشبهها من الصفات وكذا نحو اتى وسعى وزكّى- فسوّى- ويخفى ويرضى- ويهوى وشبهها من الافعال مما الفه منقلبة من ياء وكذلك اما لا انّى التي بمعنى كيف نحو انّى شئتم وانّى لك- وكذلك متى وبلى وعسى حيث كان وكذلك ما أشبهه مما هو مرسوم بالياء ما خلا حمس وهى حتّى ولدى وعلى والى وما زكى فانها مفتوحات اجماعا- وكذلك مفتوح بالإجماع جميع ذوات الواو من الأسماء والافعال نحو الصّفا وسنا برقه وبدا ودنا وعفا وعلا وشبهها ما لم يقع بين ذوات الياء فى سورة اواخر ايها ياء او تلحقه زيادة نحو تدعى- وتبلى- فمن اعتدى ومن استعلى وانجيكم ونجّينا ونجّيكم- وزكّيها وشبهها فانها بالزيادة التحقت بذوات الياء- وقرا ابو عمرو بالامالة مما تقدم ما كان فيها راء بعدها ياء وما كان راس اية في سورة او اخر ايها على ياء هاء والف او كان على وزن فعلى بفتح الفاء «2» او الكسر او الضم ولم يكن فيه راء قراها بين اللفظين وما عدا ذلك بالفتح- وقرا ورش جميع ذلك بين بين الا ما كان في سورة او اخر ايها على هاء والف فانه أخلص الفتح فيه- وامال ابو بكر رمى في الأنفال وأعمى في الموضعين في سبحان وتابعه ابو عمرو على امالة أعمى في الاول لا غير وفتح ما عدا ذلك وامال حفص مجريها في هود لا غير- وروى عن ابى عمرو يويلتى يحسرتى وانّى إذا كان استفهاما بين اللفظين ويا سفى بالفتح- وكلما ذهب الالف الممال لاجتماع الساكنين وصلا لا يمال وصلا ويمال وقفا نحو هدى للمتّقين- وموسى الكتب فعند الوقف على هدى

_ (1) في الأصل الموسى (2) فى الأصل بفتح العين وهو سبق قلم او من الناسخ- ابو محمد عفا الله عنه

وموسى يمال لا وصلا- وروى اليزيدي عن ابى عمرو امالة الراء مع الساكن وصلا نحو يرى ويرى الذين أمنوا- والنّصرى المسيح- والكبرى اذهب- والقرى الّتى وشبهها- وتفرد الكسائي بامالة أحيا- فاحيا به- وأحياها حيث وقع وخطيكم- وخطيهم وخطينا- ورؤيا ورءياى- ومرضات الله ومرضاتى حيث وقع وحقّ تقته في ال عمران قد هدان في الانعام ومن عصانى في ابراهيم- وما أنسانيه في الكهف وآتاني الكتب وأوصاني بالصّلوة في مريم ممّا آتان الله في النمل- ومحياهم في الجاثية- دحيها فى النازعت- تلها وطحيها في والشمس وسجى في والضحى واتفق الكسائي مع حمزة في امالة يحيى- ولا يحيى- وأمات وأحيا إذا كان منسوقا بالواو ولا غير والدّنيا والعليا والحوايا- والضّحى وضحيها والرّبوا وانّنى هدينى وآتاني في هود ولو انّ الله هدينى- ومنهم تقة- ومزجية واناه وتابعهما هشام في امالة اناه فقط وفتح الباقون جميع ذلك- أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثلثون من ذى القعدة وعشر من ذى الحج- لما عادوا الى مصر بعد هلاك فرعون وعد الله موسى ان ينزل عليه التورية فقال موسى انّى ذاهب الى ربّى وواعدهم أربعين ليلة واستخلف هارون وجاء جبرئيل على فرس الحيوة لا يصيب شيئا الا احيى ليذهب بموسى الى ربه فلما راى السامري موضع الفرس يخضر وكان رجلا صائغا من اهل باجرمى وقيل من اهل كرمان وكان منافقا اظهر الإسلام وكان من قوم يعبدون البقر أخذ قبضة من تربة حافر فرس جبرئيل وكان بنوا إسرائيل استعاروا حليا كثيرة من قوم فرعون حين أرادوا الخروج من مصر لعلة عرس لهم فاهلك الله فرعون وبقيت الحلي عندهم- فلما فصل موسى قال السامري ان الحلي التي استعرتم من قوم فرعون غنيمة لا تحل لكم فاحفروا حفرة وادفنوا فيها حتى يرجع موسى فيرى فيها رأيه- وقال السدى أمرهم بها هرون- فاخذ السامري وصاغها عجلا في ثلثة ايام والقى فيها القبضة التي أخذها من تراب حافر فرس جبرئيل فخرجت عجلا من ذهب مرصعا بالجواهر يخور خورة ويمشى- فقال السامري هذا إل هكم وإله موسى فنسى- وكان «1» بنوا إسرائيل عدوا اليوم مع الليلة يومين فلما مضت عشرون يوما ولم يرجع موسى قالوا مات فوقعوا في الفتنة بروية العجل وأضلهم السامري- وقيل كان موسى وعد لهم ثلثين ليلة ثم زيدت العشرة وفيها فتنتهم فعبدوا العجل كلهم الا هارون مع اثنى عشر الف رجل- ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ الها- اظهر ابن كثير وحفص الذال من أخذت واتّخذت وما ورويس بخلاف عنه- ابو محمد

_ (1) فى الأصل وكانت.

[سورة البقرة (2) : آية 52]

كان من لفظه حيث وقع والباقون يدغمونها مِنْ بَعْدِهِ اى موسى يعنى بعد ذهابه وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (51) ضارون أنفسكم واضعون العبادة في غير موضعه. ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ حين تبتم- والعفو محو الجريمة من عفا إذا درس- مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الاتخاذ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) لكى تشكرون- قيل الشكر هو الطاعة ويكون بالقلب واللسان والجوارح قال الحسن- شكر النعمة ذكرها- وقال سيد الطائفة جنيد شكر النعمة صرفها في رضاء المنعم- وقيل حقيقة الشكر العجز عن الشكر- قال البغوي حكى عن موسى قال- الهى أنعمت علىّ النعم السوابغ وأمرتني بالشكر وانما شكرى إياك نعمة منك- قال الله تعالى يا موسى تعلمت العلم الذي لا يفوقه علم حسبى من عبدى ان يعلم انّ ما به من نعمة فهو منى- وقال داود سبحان من جعل اعتراف العبد بالعجز عن شكره شكرا كما جعل اعترافه بالعجز عن معرفته معرفة. وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يعنى التورية. وَالْفُرْقانَ قيل هى التورية ذكرها باسمين وقال الكسائي الفرقان نعت الكتاب والواو زائدة يعنى الفارق بين الحق والباطل وقيل أراد بالفرقان المعجزات الفارقة بين المحق والمبطل- او الشريعة الفارقة بين الحلال والحرام لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) بتدبر الكتاب-. وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ الذين عبدوا العجل يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ أضررتم أنفسكم بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا فارجعوا إِلى بارِئِكُمْ اى من خلقكم بريّا من التفاوت وميّز بعضكم عن بعض بصور وهيات مختلفة- واصل التركيب لخلوص الشيء من غيره اما على سبيل التقضي نحو برىء المريض والمديون او الإنشاء نحو برا لله آدم من الطين قرا ابو عمرو بارئكم في الحرفين ويأمركم- ويأمرهم- وينصركم- ويشعركم باختلاس حركة الاعراب وقيل بالإسكان فيصير الهمزة ياء «1» على مذهبه وقرا الباقون بتمام الحركة وامال الكسائي بارئكم بالحرفين والبارئ المصوّر- وسارعوا- ويسارعون ويسارع حيث وقع والجار في الموضعين وجبّرين في الموضعين والجوار في الشورى والرحمن وكورت ومن انصارى الى الله في المكانين وكمشكوة في النور وقرا ورش الجار والجبّارين بين بين- فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ اى ليقتل البريء منكم المجرم تماما لتوبتكم- ويجوز ان يكون الفاء لتفسير التوبة يعنى فاقتلوا أنفسكم هذه توبتكم

_ (1) والمختار بل الصحيح عدم الابدال واليه ذهب المحققون جميعا- ابو محمد [.....]

[سورة البقرة (2) : آية 55]

ذلِكُمْ اى القتل خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ لانه طهرة من الشرك ووصلة الى الحيوة الابدية والبهجة السرمدية- فلما أمرهم موسى بالقتل قالوا نصبر بامر الله- فجلسوا في الافنية محتبين وقيل من حل حبوته أو مد طرفه الى قاتله- او اتقاه بيد او رجل فهو ملعون مردود توبته وسلت القوم عليهم الخناجر فكان الرجل يرى ابنه وأباه وأخاه وقريبه وصديقه فلم يمكنهم المضي لامر الله تعالى قالوا يا موسى كيف نفعل فارسل الله ضبابة يعنى بخارا متصاعدا من الأرض او سحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضا وكانوا يقتلون الى المساء فلما كثر القتل دعا موسى وهارون وبكيا وتضرعا وقالا يا رب هلكت بنوا إسرائيل فكشف الله السحابة وأمرهم ان يكفوا عن القتل فتكشف عن ألوف من القتلى- روى عن على انه قال كان عدد قتلى سبعين الفا فاشتد ذلك على موسى فاوحى الله تعالى اليه اما يرضيك ان ادخل القاتل والمقتول في الجنة وكان من قتل منهم شهيدا ومن بقي مكفرا عنه ذنوبه فَتابَ عَلَيْكُمْ فتجاوز عنكم متعلق بمحذوف- فان كان من كلام موسى فتقديره ان فعلتم القتل فقد تاب الله عليكم- والا فتقديره على طريقة الالتفات من الغيبة الى الخطاب ففعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم- إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ القابل للتوبة يكثر قبولها او يكثر توفيق التوبة الرَّحِيمُ (54) . وَإِذْ قُلْتُمْ حين امر الله موسى ان يأتيه في ناس من بنى إسرائيل معتذرين اليه من عبادة العجل فاختار سبعين رجلا من خيارهم- وقال لهم صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم ففعلوا فخرج بهم الى طور سيناء فقالوا له اطلب لنا نسمع كلام ربنا- فلما دنا موسى من الجبل وقع عليهم عمود الغمام وتغشى الجبل كله فدخل في الغمام وقال لهم حين دخلوا في الغمام خروا سجدا- وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على وجهه نور ساطع لا يستطيع أحد ان ينظر اليه فضرب دونهم الحجاب فسمعوه وهو يكلم بأمره وينهاه- وأسمعهم الله انى انا الله لا اله الا انا ذو بكة أخرجتكم من ارض مصر بيد شديدة فاعبدونى ولا تعبدوا غيرى- فلما فرغ موسى وانكشف الغمام واقبل إليهم- قالوا يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ اى لاجل قولك- او لن نقر لك ان الله الذي اعطاك التورية وكلمك او انك نبى حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً- عيانا وهى في الأصل مصدر جهرت بالقراءة- استعير للمعاينة ونصبها على المصدر لانها نوع من الرؤية او الحال من الفاعل او المفعول به

[سورة البقرة (2) : آية 56]

فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ اى الموت وقيل نار جاءت من السماء فاحرقتهم وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ينظر بعضكم الى بعض ما أصابكم بنفسه او اثره- فلما هلكوا جعل موسى عليه السلام يبكى ويتضرع ويقول ماذا أقول لبنى إسرائيل وقد أهلكت خيارهم لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا- فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم الله تعالى رجلا بعد رجل بعد ما ماتوا يوما وليلة ينظر بعضهم الى بعض كيف يحيون فذلك قوله تعالى. ثُمَّ بَعَثْناكُمْ أحييناكم والبعث اثارة الشيء من محله مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ قال قتادة أحياهم ليستوفوا بقية اجالهم وأرزاقهم ولو ماتوا بآجالهم لم يبعثوا الى يوم القيامة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) نعمة البعث او ما كفرتموه لما رايتم بأس الله بالصاعقة-. وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ الغمام من الغم أصله التغطية وهو يغطى وجه الشمس لما لم يكن لهم في التيه كنّ يسترهم فشكوا الى موسى عليه السلام فارسل الله غما ما ابيض رقيقا أطيب من غمام المطر فظلّهم من الشمس- وجعل لهم عمدا من نور تضىء لهم بالليل إذا لم يكن قمر- وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ فى التيه قيل هو الخبز الرقاق- والأكثرون على انه الترنجبين وقال مجاهد هو شىء كالصمغ كان يقع على الأشجار طعمه كالشهد فقالوا يا موسى قتلنا هذا لمن بحلاوته فادع لنا ربك يطعمنا اللحم فانزله الله وَالسَّلْوى وهو طائر يشبه السمانى- وقيل هو السمانى بعث الله تعالى سحابة فمطرت السمانى في عرض ميل وطول رمح في السماء بعضه على بعض وكان ينزل المن والسلوى كل صباح من طلوع الفجر الى طلوع الشمس فيأخذ كل واحد منهم ما يكفيه يومه وليلته فاذا كان يوم الجمعة أخذ ما يكفيه ليومين ولم يكن ينزل يوم السبت وقلنا لهم كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ حلالات لذيذات ما رَزَقْناكُمْ ولا تدخروا لغد ففعلوا فقطع الله ذلك عنهم وفسد ما ادخروه- روى احمد والشيخان عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- لولا بنوا إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم- ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها- وَما ظَلَمُونا فيه اختصار وأصله فظلموا بكفران النعمة وما ظلمونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) باستيجابهم عذابى وقطع مادة الرزق الذي ينزل عليهم بلا مشقة في الدنيا ولا حساب في الاخرة-. وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ قال ابن عباس هى أريحا وهى قرية الجبارين كان

[سورة البقرة (2) : آية 59]

فيها بقية عاد يقال لهم العمالقه- وقال مجاهد بيت المقدس- وقيل ايليا وقيل الشام فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً- واسعا نصبه على المصدر او الحال من الواو اى موسعا عليكم- وَادْخُلُوا الْبابَ اى بابا من أبواب القرية وكان لها سبعة أبواب سُجَّداً اى خضعا منحنين قال وهب اى إذا دخلتموه فاسجدوا لله شكرا- وَقُولُوا حِطَّةٌ اى مسئلتنا حطة اى تحط عنا خطايانا- قال ابن عباس قولوا لا الله الا الله لانها تحط الذنوب- نَغْفِرْ لَكُمْ من الغفر وهو الستر قرا نافع بالياء المضموم وفتح الفاء- وقرا ابن عامر بالتاء المضموم وفي الأعراف قرا كلاهما. ويعقوب بالتاء المضموم والباقون بالنون المفتوح وكسر الفاء فيهما خَطاياكُمْ أصله خطاىء على وزن ذبايح أبدلت الياء الزائدة همزة واجتمعت الهمزتان فابدلت الثانية ياء عند سيبويه وعند الخليل قدمت الهمزة على الياء فصار خطاءى- وعلى التقديرين أبدلت الياء الفا وكانت الهمزة بين الفين فابدلت ياء- وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) ثوابا- جعل الامتثال ثوبته للمسىء وزيادة ثواب للمحسنين- أخرجه عن صورة الجواب إيهاما بان الامتثال يفعله المحسن البتة-. فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ظاهر الاية تدل على ان بنى إسرائيل لم يبدّلوا كلهم ولذا لم يضمروا بل بدّل بعضهم بما أمروا به من التوبة والاستغفار طلب ما يشتهون من اعراض الدنيا- روى البغوي بسنده من طريق البخاري عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل لبنى إسرائيل ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ فبدلوا فدخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا حبة في شعيرة فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا- كرره مبالغة في تقبيح أمرهم واشعارا بان الانزال عليهم بسبب ظلمهم بوضع غير المأمور به في موضعه- وإتيانهم موجب هلاكهم- قلت ولعله لتخصيص ذلك العذاب بالذين ظلموا منهم دون سائرهم رِجْزاً عذابا اخرج ابن جرير عن ابن عباس كل شىء في القران من الرجز عنى به العذاب- والرجز فى الأصل ما يعاف عنه ويتنفر عنه الطبع وكذلك الرجس مِنَ السَّماءِ قيل أرسل عليهم طاعون فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون الفا- واخرج ابن جرير عن ابن زيد- الطاعون رجز نزل على من كان قبلكم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (59) اى يخرجون من امر الله تعالى-. وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ- لما عطشوا في التيه فسالوا موسى فَقُلْنَا اضْرِبْ

[سورة البقرة (2) : آية 61]

بِعَصاكَ وكانت من أس الجنة طولها عشرة اذرع على طول موسى ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا حملها آدم من الجنة فتوارثت الأنبياء حتى وصلت الى شعيب فاعطاها موسى الْحَجَرَ اللام فيه للعهد قال ابن عباس كان حجرا مربعا مثل رأس الرجل كان يضعه في مخلاته- وقال عطاء- كان للحجر اربعة وجوه لكل وجه ثلث أعين لكل سبط عين- قال سعيد بن جبير هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه ليغتسل ففرّ بثوبه «1» ومر به على ملإ من بنى إسرائيل حين رموه بالادرة- فلما وقف أتاه جبرئيل فقال ان الله عزّ وجلّ يقول ارفع هذا الحجر فلى فيه قدرة ولك فيه معجزة- فرفعه ووضعه في مخلاته- وقصة فرار الحجر في الصحيحين وليس فيهما انه لما وقف أتاه جبرئيل الى آخره- واخرج عبد بن حميد عن قتادة انه كان حجرا من الطور يحملونه معهم- قيل كان الحجر من الرخام وقيل كان من الكدان فيه اثنا عشرة حفرة ينبع كل حفرة عين ماء عذب فاذا فرغوا وأراد موسى حمله ضربه بعصاه فيذهب الماء- وكان يسقى كل يوم ستمائة الف- او كان اللام للجنس كما قال وهب- انه لم يكن حجرا معينا بل كان موسى يضرب اىّ حجر كان فينفجر عيونا- قال عطاء- كان موسى يضربه ثنتى عشرة ضربة فيظهر على موضع كل ضربة مثل ثدى المرأة يعرق منه ثم ينفجر الأنهار ثم يسيل- فَانْفَجَرَتْ متعلق بمحذوف تقديره فان ضربت انفجرت او فضرب فانفجرت- قال اكثر المفسرين انفجرت- وانبجست بمعنى واحد وقال ابو عمرو انبجست عرقت وانفجرت سالت مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً على عدد الأسباط قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ كل سبط مَشْرَبَهُمْ موضع شربهم لا يدخل سبط على غيره في شربه- وقلنا لهم كُلُوا من المن والسلوى وَاشْرَبُوا من الماء فهذا كله مِنْ رِزْقِ اللَّهِ الذي يأتيكم بلا مشقة وَلا تَعْثَوْا العثى أشد الفساد فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) حال مؤكدة وقال البيضاوي- انما قيد لان العثى وان غلب في الفساد فانه قد يكون منه ما ليس بفساد كمقابلة الظالم المتعدى بفعله- ومنه ما يتضمن صلاحا راجحا كقتل الخضر الغلام وخرقه السفينة- قلت ويمكن ان يراد بالعثى مطلق التبذير كما في حديث عمر قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم كسرى وقيصر يعثيان فيما يعثيان فيه وأنت هكذا يعنى يبذّران المال تبذيرا- وحينئذ قوله تعالى مفسدين تقييد-. وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ يعنى ما رزقوا في التيه

_ (1) فى الأصل ثوبه-

من المن والسلوى وأرادوا بالواحد ما لا يتبدل ولا يتغير ألوانه فَادْعُ لَنا رَبَّكَ سله يُخْرِجْ لَنا مجزوم في جواب ادع مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ من للتبعيض وأسند الفعل الى الأرض مجازا اقامة للقابل مقام الفاعل مِنْ بَقْلِها وهو ما أنبته الأرض من الخضر وَقِثَّائِها وَفُومِها قال ابن عباس الفوم الخبز وقال عطاء الحنطة وَعَدَسِها وَبَصَلِها الظرف بيان وقع موقع الحال وقيل بدل باعادة الجار قالَ لهم الله او موسى أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى اخس واردا- واصل الدنو القرب في المكان فاستعير للخسة كما استعير البعد في الشرف والرفعة بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ يعنى المن والسلوى فانه أفضل واشرف لكونه بلا تعب في الدنيا وحساب في الاخرة وانفع للبدن فان أبيتم الا ذلك فانزلوا من التيه واهْبِطُوا مِصْراً من الأمصار وقال الضحاك هو مصر فرعون وانصرف لسكون أوسطه- فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ اى أحيطت بهم احاطة القبة بمن ضربت عليه او الصقت بهم من ضرب الطين على الحائط مجازاة لهم على كفران النعمة الذِّلَّةُ الهوان وَالْمَسْكَنَةُ اى الفقر فانه يقعد المرء عن الحركة ويسكنه فترى اليهود وان كانوا مياسير كانهم فقراء بلباس الذلة وقيل هى فقر القلب والحرص على المال وَباؤُ رجعوا ولا يستعمل الا في الشر بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ الغضب بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ بالإنجيل والقران وآيات التورية التي في نعت محمد صلى الله عليه وسلم وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ قرا نافع بهمزة النّبيئين- والنّبىء- والأنبياء- والنّبوءة- وترك قالون الهمز في الأحزاب للنّبىّ ان أراد- وبيوت النّبىّ الّا ان يؤذن في الوصل خاصة بناء على أصله في الهمزتين المكسورتين- وإذا كان مهموزا فمعناه المخبر من أنبأ ينبئ ونبأ ينبىء والباقون بترك الهمز- فحينئذ ترك الهمزة اما ان يكون للتخفيف لكثرة الاستعمال او يكون معناه الرفيع من النّبوة وهى المكان المرتفع بِغَيْرِ الْحَقِّ- يعنى في اعتقادهم إذ لم يروا منهم ما يعتقدون به جواز القتل وانما حملهم عليه اتباع الهوى وحب الدنيا- وانما قلت ذلك لان قتل النبي لا يكون الا بغير الحق روى ان اليهود قتلت سبعين نبيا في يوم واحد أول النهار ذلِكَ اى الكفر والقتل وانما جاز الاشارة الى اثنين بالمفرد بتأويل ما ذكر والذي حسّن ذلك ان تثنية المضمرات والمبهمات وجمعها ليست على الحقيقة ولذلك جاز الذي بمعنى الجمع بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (61) يعنى كثرة المعاصي والاعتداء

[سورة البقرة (2) : آية 62]

فيه افضاهم الى الكفر وقتل الأنبياء وقيل كرر الاشارة للدلالة على ان لحوق الغضب بهم كما هو بسبب الكفر كذلك بالمعاصي واعتداء حدود الله-. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بمحمد صلى الله عليه وسلم بألسنتهم أعم من ان يؤمنوا بقلوبهم أو لم يؤمنوا فدخل فيهم المنافقون وَالَّذِينَ هادُوا اى تهوّدوا- يقال هاد إذا دخل في اليهودية ويهود اما عربى من هاد بمعنى تاب سموا بذلك لما تابوا من عبادة العجل- او لقولهم انّا هدنا إليك واما معرّب يهودا سموا بذلك اسم اكبر أولاد يعقوب عليه السلام وَالنَّصارى جمع نصران كندمان والياء في النصراني للمبالغة كما في أحمري سموا بذلك لانهم نصروا المسيح او لانهم نزلوا مع المسيح في قرية يقال لها ناصرة او نصران- وَالصَّابِئِينَ قرا اهل المدينة بغير الهمزة والباقون بالهمزة وأصله الخروج يقال صبا فلان إذا خرج من دين الى اخر- وصبا ناب البعير إذا خرج- وهم خرجوا من كل دين- قال عمرو ابن عباس هم قوم من اهل الكتاب- فقال عمر يحل ذبائحهم وقال ابن عباس لا يحل ذبائحهم ولا مناكحتهم- وقال مجاهدهم قوم نحو الشام بين اليهود والمجوس من اهل الكتاب- وقال الكلبي هم بين اليهود والنصارى- وقال قتادة ... هم قوم يقرءون الزبور ويعبدون الملائكة ويصلّون الى الكعبة أخذ ومن كل دين شيئا مَنْ آمَنَ منهم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مع محمد صلى الله عليه وسلم بالقلب واللسان- وقيل المراد بالذين أمنوا المخلصين من امة محمد صلى الله عليه وسلم- وقيل هم المؤمنون من الأمم الماضية- وقيل هم الذين أمنوا قبل البعث وهم طلاب الدين مثل حبيب النجار- وقس بن ساعدة- وزيد بن عمرو بن نفيل- وورقة بن نوفل- والبراء الشنّى- وابى ذر الغفاري وسلمان الفارسي- وبحيرا الراهب- ووفد النجاشي فمنهم من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وتابعه ومنهم من لم يدركه قال الخطيب الّذين أمنوا بإبراهيم عليه السلام وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ الذين كانوا على دين موسى وعيسى قبل النسخ- وحينئذ المراد بمن أمن اى مات منهم على الايمان- قلت ويمكن ان يكون من أمن اشارة الى الذين «1» كمل ايمانهم بتصفية القلب وتزكية النفس والقالب وهم الصوفية- كما في قوله عليه السلام ... لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من والده وولده والناس أجمعين- رواه الشيخان واحمد والنسائي وابن ماجة عن انس

_ (1) لكن يلفو حينئذ ذكر العمل الصالح لان كمال الايمان بتصفية لقلب وتزكية النفس والقالب ليس وراءه مرتبة يعز عنها بالعمل الصالح- قلت العمل الصالح لازم لتصفية القلب وتزكية النفس والقالب ومترتب عليه لاغيره قال عليه السلام ان في جسد بنى آدم لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله فجاز العطف وذكر العمل الصالح- منه رحمه الله

[سورة البقرة (2) : آية 63]

مرفوعا- وحديث لا يؤمن أحدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه. رواه الشيخان واحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن انس- وحديث لا يبلغ العبد حقيقة الايمان- حتى يحزن من لسانه- رواه الطبراني وصححه- قال البغوي ويجوز ان يكون الواو مضمرة اى ومن أمن بعدك- وَعَمِلَ صالِحاً على حسب امر الله تعالى فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ الذي وعد لهم يعنى الجنة لجميع المؤمنين ومراتب القرب والتسنيم وعينا يشرب بها المقربون الكاملين وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) حين يخاف الكفار من العقاب ويحزن المقصرون على تضيع العمر وتفويت الدرجات ومن مبتدأ خبره فلهم أجرهم والجملة خبر انّ- او بدل من اسم ان وخبره فلهم أجرهم- والفاء لتضمن المسند اليه معنى الشرط ومنع سيبويه دخولها في خبر ان- ورد بقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ. وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ باتباع موسى والعمل بالتورية وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ وهو الجبل بالسريانية- قال البغوي وذلك ان الله تعالى انزل التورية على موسى عليه السلام فامر موسى قومه ان يقبلوها ويعملو باحكامها فابوا ان يقبلوها للاصار والاغلال التي فيها وكانت شريعة ثقيلة فامر الله تعالى جبرئيل فقلع جبلا على قدر عسكرهم وكان فرسخا في فرسخ فرفعه فوق رءوسهم مقدار قامة الرجل كالظلة وقال لهم ان لم تقبلوا التورية أرسلت هذا الجيل عليكم- كذا اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس وقال عطاء عن ابن عباس رفع الله فوق رءوسهم الطور وبعث نارا من قبل وجوههم وأتاهم البحر الملح من خلقهم انتهى- وقلنا لهم خُذُوا ما آتَيْناكُمْ من التورية بِقُوَّةٍ بجد واجتهاد وَاذْكُرُوا وادرسوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) لكى تتقوا المعاصي- او رجاء منكم ان تكونوا متقين- او لكى تتقوا من الهلاك في الدنيا والعذاب في الاخرة- فلما راوا ان لا مهرب قبلوا وسجدوا وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود- فصارت سنة في اليهود يسجدون على انصاف وجوههم ويقولون بهذا السجود رفع العذاب عنا. ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ أعرضتم عن الوفاء بالميثاق مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، يعنى بالامهال وتأخير العذاب- ويمكن ان يراد لولا فضل الله عليكم ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم حيث جعله رحمة للعالمين

[سورة البقرة (2) : آية 65]

فبوجوده صلى الله عليه وسلم أمهل الكفار واخر عنهم العذاب ورفع عنهم الخسف والمسخ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (64) المغبونين المعذبين في الحال كما كنتم معذبين الهالكين بوقوع الطور لو لم تقبلوا حكم الله حينئذ. وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ اللام موطية للقسم- والسبت في الأصل القطع لان الله تعالى قطع فيها الخلق- او لان اليهود أمروا بقطع الأعمال فيه والتجرد للعبادة والقصة انهم كانوا زمن داود عليه السلام نحوا من سبعين «1» الفا بأرض حاضر البحر يقال لها ايلة حرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت وابتلاهم بانه إذا دخل السبت لم يبق حوت في البحر الا اجتمع هناك يخرجون خراطيمهم من الماء حتى لا يرى الماء من كثرتها- ويوم لا يسبتون لا تأتيهم فاحتالوا للصيد وحفروا حياضا وشرعوا إليها الجداول فاذا كان يوم السبت اقبل الموج بالحيتان الى الحياض فلا يقدرن على الخروج منها لبعد عمقها وقلة مائها فيصطادون يوم الأحد- وقيل كانوا ينصبون الحبائل والشصوص يوم الجمعة ويخرجونها يوم الأحد- وصار اهل القرية ثلثة اصناف صنف امسك ونهى وصنف امسك ولم ينه وصنف انتهك الحرمة- وكان الناهون اثنى عشر الفا فلما ابى المجرمون قبول نصحهم لعنهم داود وغضب الله عليهم فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا امر تكوين قِرَدَةً خاسِئِينَ (65) باعدين مطرودين. فَجَعَلْناها اى تلك العقوبة نَكالًا عبرة تنكل اى تمنع المعتبر ومنه النكل للقيد لِما بَيْنَ يَدَيْها اى لمعاصريهم وَما خَلْفَها اى من بعدهم فما بمعنى من او لاجل ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر- وقيل فيه تقديم وتأخير تقديره فجعلناها وما خلفها اى ما أعد لهم من العذاب في الاخرة نكالا لمّا بين يديها من ذنوبهم وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) للمؤمنين من امة محمد صلى الله عليه وسلم. وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ أول هذه القصة قوله تعالى وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها- وانما قدمت عليه ليدل بالاستقلال على نوع اخر من مساويهم وهو الاستهزاء بالأمر والاستقصاء في السؤال وترك المسارعة الى الامتثال- والقصة انه كان في بنى إسرائيل رجل غنىّ اسمه عاميل وله ابن عم فقير لا وارث له سواه فلما طال له موته قتله ليرثه وحمله

_ (1) فى الأصل الف

الى قرية اخرى وألقاه بفنائهم- ثم أصبح يطلب ثاره وجاء بناس يدّعى عليهم القتل- فسالهم موسى عليه السلام فجحدوا فاشتبه الأمر على موسى فسالوه ليبين لهم بدعائه فقال موسى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً- مأخوذ من البقر بمعنى الشق وهى تبقر الأرض للحراثة قالُوا استبعادا لما قاله واستخفافا به أَتَتَّخِذُنا هُزُواً مصدر بمعنى المفعول اى مهزوّا بنا- او حمل مبالغة او بحذف المضاف اى اهل هزو- قرا حفص هزوا- وكفوا بضم الزاء والفاء من غير همز- وحمزة بإسكان الزاء والفاء «1» وبالهمز وصلا فاذا وقف أبدل الهمزة واوا على أصله «2» والباقون بالضم والهمزة- قالَ موسى أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (67) فان الاستهزاء والجواب لا على وفق السؤال من عادة الجهال- نفى عن نفسه ما رمى به على طريقة البرهان واخرج فى صورة الاستعاذة استعظاما له- فلما علم القوم ان ذبح البقرة عزم من الله عز وجل وكان حصول المقصود من ذبح البقرة مستبعدا عندهم وزعموا انها بقرة عظيمة الشأن فاستوصفوها ولم يكن ذلك الا لفرط حماقتهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو ذبحوا اى بقرة أرادوا لاجزتهم ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم- رواه سعيد بن منصور عن عكرمة مرسلا وأخرجه ابن جرير بسند صحيح عن ابن عباس موقوفا وكان لله تعالى فيه حكمة- وذلك انه كان في بنى إسرائيل رجل صالح له ابن طفل وكان له عجل اتى بها الى غيضة وقال اللهم انى استودعك هذه العجل لابنى حتى يكبر ومات الرجل فصارت العجلة في الغيضة عوانا وكانت تهرب من كل من راها- فلما كبر الابن كان بارا بوالدته وكان يقسّم الليلة ثلاثة أثلاث يصلى ثلثا وينام ثلثا ويجلس عند رأس امه ثلثا فاذا أصبح انطلق فاحتطب على ظهره فيأتى به الى السوق فيبيعه بما شاء الله ثم يتصدق بثلثه ويأكل ثلثه ويعطى والدته ثلثه فقالت له امه يوما ان أباك ورثك عجلة استودعها الله في غيضة كذا فانطلق فادع الله ابراهيم وإسماعيل وإسحاق عليهم السلام ان يردها عليك وعلامتها انك إذا نظرت إليها تخيل إليك ان شعاع الشمس يخرج من جلدها- وكانت تلك البقرة تسمّى المذهّبة لحسنها وصفرتها- فاتى الفتى الغيضة فراها ترعى فصاح بها وقال اعزم عليك باله ابراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب- فاقبلت تسعى حتى قامت بين يديه فقبض على عنقها يقودها- فتكلمت بإذن الله تعالى وقالت ايها الفتى البار

_ (1) قرأ يعقوب ايضا كفؤا بإسكان الفاء- ابو محمد (2) اصل الحمزة في أمثاله النقل وإسقاط الهمزة- ابو محمد

[سورة البقرة (2) : آية 68]

بوالدته اركبنى فان ذلك أهون عليك- فقال الفتى ان أمي لم تأمرنى ولكن قالت خذ بعنقها- فقالت البقرة باله بنى إسرائيل لو ركبتنى ما كنت تقدر علىّ ابدا فانطلق فانك لو أمرت الجبل ان ينقلع من أصله وينطلق معك لفعل لبرك بامك- فسار الفتى الى امه فقالت له انك فقير لا مال لك وشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل فانطلق فبع هذه البقرة- قال بكم أبيعها- قالت- بثلاثة دنانير ولا تبع بغير مشورتى- وكانت ثمن البقرة ثلثة دنانير- فانطلق بها الى السوق فبعث الله ملكا ليرى خلقه قدرته وليختبر كيف بره بامه وكان به خبيرا فقال الملك- بكم تبيع هذه البقرة قال بثلاثة دنانير واشترط عليك رضا والدتي- فقال له الملك خذ ستة دنانير ولا تستأمر والدتك- فقال الفتى لو أعطيتني وزنها ذهبا لم أخذ الا برضا أمي فردها الى امه وأخبرها فقالت ارجع فبعها بستة دنانير على رضى منى- فانطلق بها الى السوق واتى الملك فقال استأمرت أمك- فقال الفتى انها أمرتني ان لا أنقصها من ستة على ان استأمرها- فقال الملك انى أعطيك اثنى عشر على ان لا تستأمرها- فابى الفتى ورجع الى امه وأخبرها بذلك- فقالت ان الذي يأتيك ملك يأتى في صورة آدمي ليختبرك فاذا اتى فقل له أتأمرنا ان نبيع هذه البقرة أم لا- ففعل- فقال له الملك اذهب الى أمك فقل لها أمسكي هذه البقرة فان موسى بن عمران عليه السلام يشتريها منكم لقتيل يقتل في بنى إسرائيل فلا تبيعوها الا بملا مسكها دنانير- فامسكوها وقدر الله تعالى على بنى إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها- فما زالوا يستوصفون حتى وصف لهم تلك مكافاة له على بره بوالدته فضلا منه ورحمة- فذلك قوله تعالى. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ اى ما حالها- كان حقه ان يقول اى بقرة- او كيف هى لان السؤال بما يكون عن الجنس غالبا لكنهم لما راوا ظهور القتل بذبح اىّ فرد من جنس البقرة مستبعدا وزعموا انها بائنة عن سائر البقرات بونا بعيدا حتى يكون كانه جنس اخر أجروه مجرى ما لا يعرفون حقيقته- قالَ موسى إِنَّهُ اى الشأن يَقُولُ يعنى الله تعالى إِنَّها اى البقرة المأمور بها- فان قيل عود الضمر إليها تدل على ان المراد من أول الأمر كانت بقرة معينة ويلزمه تأخير البيان عن وقت الخطاب- قلت تأخير البيان عن وقت الخطاب جائز- وانما لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة- وايضا عود الضمير إليها لا يدل على ان المراد كان من أول الأمر ذلك- كيف والمطلقة تدل على الإطلاق ولا دليل هناك على التقييد ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو ذبحوا اىّ بقرة اجزتهم

[سورة البقرة (2) : آية 69]

لكن يدل على جواز تقييد المطلق المأمور به بعد ما كان جاريا على إطلاقه ويكون التقييد في حكم النسخ ان كان متراخيا كما في ما نحن فيه ويجوز النسخ قبل إتيان المأمور به كما في خمسين صلوة وجبت ليلة الاسراء ويكون تخصيصا ان لم يكن متراخيا كما في قوله تعالى فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ في قراءة الجمهور في كفارة اليمين- وثلثة ايّام متتابعات في قراءة ابن مسعود رضى الله عنه- ولذلك ذهب ابو حنيفة الى ان المطلق لا يجوز حمله على المقيد ان كانتا في حادثتين كما في قوله تعالى تحرير رقبة في كفارة الظهار ورقبة مؤمنة في كفارة القتل- وكذا ان كانا فى حادثة واحدة وكان الإطلاق والتقييد في السبب نحو قوله صلى الله عليه وسلم أدوا عن كل حر وعبد وفي حديث اخر أدوا عن كل حر وعبد من المسلمين- فعندنا يجب صدقة الفطر عن عبد مسلم بالحديثين جميعا وعن عبد كافر بالحديث الاول فقط لكن ان كانا في الحكم والحادثة الواحدة «1» يحمل المطلق على المقيد البتة إذ لا سبيل الى الجمع بينهما الا به والمطلق يحتمل التقييد ولذا قلنا بوجوب التتابع في صيام الكفارة في اليمين- روى ابن جرير عن ابى هريرة انه لما نزلت وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ قال عكاشة بن محصن أكل عام فاعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أعاد ثلثا فقال لا ولو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لما استطعتم- وهذا يدل على ان المطلق يحتمل التقييد بَقَرَةٌ لا فارِضٌ مسنة لا تلد يقال فرضت البقرة فروضا من الفرض بمعنى القطع كانها انقطعت سنها وَلا بِكْرٌ صغيرة لم تلد قط وتركيب البكر للاولية ومنه الباكورة وحذفت الهاء منهما للاختصاص بالإناث كالحائض- عَوانٌ اى نصف قال الأخفش العوان التي نتجت مرارا يقال عونت المرأة إذا زادت على الثلثين- بَيْنَ ذلِكَ اى ما ذكر من الفارض والبكر فانه يضاف الى متعدد فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (68) اى ما تؤمرونه بمعنى تؤمرون به او أمركم اى مأموركم- وفيه حث الى المسارعة فى الامتثال وتوبيخ على تكرار السؤال. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها- فاقع تأكيد لصفرة لونها مرفوع على الفاعلية قال ابن عباس شديد الصفرة وقال الحسن الصفراء السوداء- وليس بشىء فان الفقوع خلوص الصفرة ولذلك يؤكد به فيقال اصفر فاقع كما يقال اسود حالك- واحمر قانى- واخضر ناضر وابيض تقق للمبالغة تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) إليها «2» - اى تعجبهم والسرور لذة في القلب عند حصول نفع او توقعه. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ تكرير للسوال الاول واستكشاف

_ (1) فى الأصل واحدة- (2) فى الأصل إليهم

[سورة البقرة (2) : آية 71]

زائد وقوله إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا اعتذار عنه اى البقرة الموصوفة بما ذكر كثيرة فاشتبه علينا ما يحصل به مقصودنا ولم يقل تشابهت لتذكير لفظ البقر وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) الى ذبحها او الى القاتل واحتج به أصحابنا على ان الحوادث بارادة الله تعالى والمعتزلة والكرامية على حدوث الارادة وأجيب بأن التعليق باعتبار التعلق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو لم يستثنوا لما بينت لهم اخر الابد- رواه البغوي عن ابى هريرة وأخرجه ابن جرير معضلا. قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ اى غير مذللة بالعمل تُثِيرُ الْأَرْضَ تقلبها للزراعة وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ لا زائدة والفعلان صفتا ذلول يعنى لا ذلول مثيرة وساقية مُسَلَّمَةٌ سلمها الله تعالى من العيوب او أهلها من العمل لا شِيَةَ فِيها اى لون يخالف لون جلدها- وهى في الأصل مصدر على وزن عدة من وشى يشى وشيا وشية فهو واش إذا خلط بلونه لونا اخر قال الجزري الوشي النقش قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ اى بحقيقة وصف البقرة وتمام بيانها- وطلبوها بكمال أوصافها فلم يجدوها الا مع الفتى فاشتروها بملا مسكها ذهبا فَذَبَحُوها فيه اختصار تقديره فحصلوا البقرة فذبحوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (71) لكثرة مراجعاتهم او لاختلافهم فيما بينهم او لخوف الفضيحة في ظهور القاتل او لعدم وجدانها بتلك الصفات او لغلاء ثمنها. وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً هذا أول القصة فَادَّارَأْتُمْ فِيها اى تدارأتم وتدافعتم يحيل بعضكم على بعض ويدفع عن نفسه وَاللَّهُ مُخْرِجٌ اى مظهر اعمل لانه حكاية مستقبل كما أعمل باسط ذراعيه لانه حكاية حال ماضية ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فان القاتل يكتم القتل. فَقُلْنا اضْرِبُوهُ عطف على ادّارءتم وبينهما اعتراض والضمير المنفس بتأويل الشخص بِبَعْضِها اى ببعض البقرة اىّ بعض كان وفيه اختصار تقديره فضرب فحيى قال ابن عباس- ضربوه بالعظم الذي يلى الغضروف وهو المقتل- وقيل بعجب الذنب وقيل بلسانها وقيل بفخذه الايمن فقام القتيل حيا بإذن الله تعالى وأوداجه تشخب دما وقال قتلنى فلان- ثم سقط ميتا فحرم قاتله الميراث وفي الحديث ما ورث قاتل بعد صاحب البقرة كَذلِكَ مثل احياء ذلك القتيل يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى خطاب لمن حضر حيوة القتيل او نزول الاية والظاهر هو الاول بدليل قوله وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)

[سورة البقرة (2) : آية 74]

ايها الحمقاء من بنى إسرائيل فان القادر على احياء نفس قادر على احياء الأنفس كلها- ولعله تعالى انما لم يحيه ابتداء وشرط فيه ما شرط لما جرى عادته تعالى في الدنيا بتعليق الأشياء بالأسباب الظاهرة ولما فيه من التقرب وأداء الواجب ونفع اليتيم والتنبيه على ان من حق الطالب ان يقرب قربة- والمتقرب ينبغى ان يتحرى الأحسن ويغالى في ثمنه اخرج ابو داود عن عمر رضى الله عنه انه ضحى بنجيبة اشتراها بثلاثمائة دينار. ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ القساوة عبارة عن الغلظ مع الصلابة والمراد به خروج الرحمة واللين والخير عن قلوبهم ويترتب عليه طول الأمل ونسيان الذكر واتباع الشهوات وكلمة ثم لاستبعاد القسوة بعد موجبات الرقة مِنْ بَعْدِ ذلِكَ يعنى احياء القتيل او جميع ما عد من الآيات قال الكلبي قالوا بعد ذلك نحن لم نقتله فَهِيَ فى القساوة كَالْحِجارَةِ أَوْ بل هى أَشَدُّ أزيد منها قَسْوَةً او انها مثلها بل مثل ما هو أشد منها قسوة فحذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه- وفي أشد من المبالغة في القساوة ما ليس في أقسى- ويكون او للتخيير في التشبيه او للترديد بمعنى من عرف حالها شبهها بالحجارة او بما هو أقسى منها وترك ضمير المنفصل عليه لعدم اللبس- وانما ذكر الحجارة دون الحديد والنحاس لان الحديد ونحوها تلين بالنار دون الحجارة ثم بين وجه الخير في الحجارة دون القلب القاسي فقال وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ يعنى عيونا دون الأنهار فينتفع بها عباد الله بخلاف قلوب الكفار حيث لا منفعة فيها أصلا وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ من أعلى الجبل مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وقلوبكم لا تلين ولا تخشع- فان قيل الحجر جماد فكيف يتصور منه الخشية قال البيضاوي الخشية مجاز عن انقيادها للاوامر التكوينية- قلت وهذا ليس بشىء فان الانقياد للاوامر التكوينية موجود في قلوب الكفار ايضا قال الله تعالى خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ- فهم انقادوا للختم وقال- وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً- وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان قلوب بنى آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها كيف يشاء ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك- رواه مسلم- والتحقيق ما قال البغوي ان مذهب اهل السنة والجماعة ان لله تعالى علما في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء لا يقف عليه غيره- فلها صلوة وتسبيح وخشية قال الله تعالى- وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا

[سورة البقرة (2) : آية 75]

يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ - وقال- وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ- وقد مر الكلام في هذا الباب في ذكر عذاب القبر في تفسير قوله تعالى ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ قال البغوي روى ان النبي صلى الله عليه وسلم كان على ثبير والكفار يطلبونه فقال الجبل انزل عنى فانى أخاف ان تؤخذ على فيعاقبنى الله تعالى بذلك- وقال له جبل حراء الىّ الىّ يا رسول الله وروى البغوي بسنده عن جابر بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انى لاعرف حجرا بمكة كان يسلم علىّ قبل ان ابعث وانى لا عرفه الان هذا حديث صحيح أخرجه مسلم- قال وصح عن انس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع له أحد فقال هذا جبل يحبنا ونحبه- وعن ابى هريرة قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ثم اقبل على الناس بوجهه فقال بينا رجل يسوق بقرة إذ عيي فركبها فضربها فقالت انا لم نخلق لهذا انما خلقنا لحراثة الأرض فقال الناس سبحان الله بقرة تتكلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فانى او من به وابو بكر وعمرو ماهما ثم- وقال بينا رجل في غنم له إذ عدا الذئب على الشاة منها فادركها صاحبها فاستنقذها فقال الذئب فمن لها يوم السبع يوم لا راعى لها غيرى فقال الناس سبحان الله ذئب تتكلم فقال او من به وابو بكر وعمر وما هما ثم متفق عليه وصح عن ابى هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على حراء وابو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم اهدأ فما عليك الا نبى او صديق او شهيد أخرجه مسلم- وروى بسنده عن على قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فرحنا في نواحيها خارجا من مكة بين الجبال والشجر فلم نمر بشجرة ولا جبل الا قال السلام عليك يا رسول الله- وروى بسنده عن جابر بن عبد الله يقول كان النبي صلى الله عليه وسلم استند الى جذع نخلة من سوارى المسجد فلما صنع له المنبر فاستوى عليه اضطربت تلك السارية تحن كحنين الناقة حتى سمعها اهل المسجد حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتنقها فسكنت- وقال قال ... مجاهد لا ينزل الحجر من أعلى الى أسفل الا من خشية الله تعالى وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) وعيد قرا ابن كثير يعملون بالياء التحتانية والباقون بالتاء الفوقانية. أَفَتَطْمَعُونَ الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أَنْ يُؤْمِنُوا يعنى اليهود لَكُمْ اى لاجل دعوتكم او يصدقوكم وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ يعنى التورية ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ اى فهموه بلا ريب

[سورة البقرة (2) : آية 76]

كنعت محمد صلى الله عليه وسلم واية الرجم وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) انهم كاذبون هذا قول مجاهد وقتادة- وعكرمة- والسدى وجماعة او المراد قد كان فريق من أسلافهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه وهذا ما قال ابن عباس انها نزلت في السبعين الذين اختارهم موسى عليه السلام لميقات ربه فهم لمّا رجعوا بعد ما سمعوا كلام الله الى قومهم فاما الصادقون منهم فادوا كما سمعوا وقالت طائفة منهم سمعنا يقول في اخر كلامه ان استطعتم ان تفعلوا فافعلوا وان شئتم فلا تفعلوا فهذا تحريفهم وهم يعلمون انه الحق. وَإِذا لَقُوا يعنى من اليهود الذين كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وقد مر ذكرهم من قبل الَّذِينَ آمَنُوا من اهل المدينة حين شاوروهم في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم قالُوا آمَنَّا يعنى صدقنا في أنفسنا بان رسولكم هو المبشر به في التورية فاتبعوه وأمنوا به- وقال ابن عباس المراد بهم المنافقون من اليهود وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا كايمانكم وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الى كعب بن الأشرف ووهب بن يهود او غيرهم من رؤساء اليهود لاموهم على ذلك وقالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وعلمه وبيّنه في التورية لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ يوم القيامة انهم كانوا يعلمون بصدق محمد صلى الله عليه وسلم ويأمروننا باتباعه ومع ذلك كفروا به علانية او سرّا- وأشار البيضاوي الى البحث في هذا التقرير وقال وقيل عند ربّكم في القيامة وفيه نظر إذا لا خفاء لا يدفعها- قلت نعم الإخفاء لا يدفعها لكنهم لكمال حماقتهم قالوا هذا كما قالوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ مع ادعائهم بانزال التورية على موسى- وقد مر في قصصهم من أقوالهم وأفعالهم بعد ما راووا الآيات البينات من موسى عليه السلام ما لا يقولها إلّا مجنون- وكما ان اصحاب الصيب يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ مع ان جعلهم الأصابع في الاذان لا يجديهم من الصواعق شيئا ويؤيد هذا التفسير تذئيل الاية أَفَلا تَعْقِلُونَ والاية الذي بعده- او المراد لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ اى ليحتج اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عليكم بما انزل ربكم في كتابه جعل محاجتهم بكتاب الله وحكمه محاجة عنده مجازا- كما يقال عند الله كذا ويراد به في كتابه وحكمه كذا- او كان بحذف المضاف اى عند كتاب ربكم- او عند رسول ربكم- وارتضى البيضاوي هذه التأويلات- وحمل الاية على مقال المنافقين دون من يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم من المجهرين بالكفر قلت وهذه التأويلات مع ما فيها

[سورة البقرة (2) : آية 77]

من التكلفات مشكلة لان احتجاج المؤمنين على المنافقين لا يتصور في الدنيا فانهم مستسلمون فى الظاهر لا يتصور معهم الخصومة الا في الاخرة- وقيل انهم أخبروا المؤمنين بما عذبهم الله على الجنايات فقال بعضهم لبعض أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اى بما انزل الله عليكم من العذاب نظيره قوله تعالى لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ اى أنزلنا عليهم لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ اى ليرووا الكرامة لانفسهم عليكم عند ربكم قال الله تعالى أَفَلا تَعْقِلُونَ (86) ايها الحمقاء من اليهود ان احتجاج المؤمنين عليكم عند الله لا يتوقف على تحديثكم به في الدنيا- او خطاب للمؤمنين متصل بقوله تعالى أَفَتَطْمَعُونَ او كان من تمام كلام اللائمين وتقديره أَفَلا تَعْقِلُونَ انهم يحاجوكم. أَوَلا يَعْلَمُونَ هؤلاء اللائمين أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (77) فاخفاؤهم نعت محمد صلى الله عليه وسلم لا يدفع عنهم الاحتجاج- ويحتمل ان يكون ضمير يعلمون الى المنافقين فان نفاقهم وان كان النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون لا يعلمونه فا الله يعلمه ويجازيهم عليه- او الى اليهود أجمعين فان الله تعالى يعلم اسرار بعضهم بالكفر وإعلان بعضهم وإخفاء نعت محمد صلى الله عليه وسلم وتحريف الكلم وسائر ما يعملون من موجبات غضب الله وعذابه في السر والعلانية. وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ اى جهاتهم لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ التورية إِلَّا أَمانِيَّ استثناء منقطع- والأماني جمع امنية وهى في الأصل ما يقدّره الإنسان في نفسه من منىّ والمراد الأكاذيب التي افتروها أحبارهم كذا قال مجاهد وقتادة- قال الفراء الأماني الأحاديث المفتعلة ومنه قول عثمان رضى الله عنه ما تمنيت منذ أسلمت اى ما كذبت- او المراد الّا ما تمناه أنفسهم من غير حجة مثل قولهم لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى - وقولهم- لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ كذا قال الحسن وابو العالية- او المراد به الا ما يقرءون الكتاب بألسنتهم غير عارفين بمعاني الكتاب منه قوله تعالى إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ كذا قال ابن عباس- قرا ابو جعفر أماني بتخفيف الياء في كل القران والباقون بالتشديد وَإِنْ هُمْ ما هم إِلَّا قوم يَظُنُّونَ (88) بالتقليد لا علم عندهم. فَوَيْلٌ اى تحسر وهلك قال الزجاج ويل كلمة يقولها كل واقع في هلكة- وقال ابن عباس شدة العذاب- وقال سعيد بن المسيب ويل واد في جهنم لو سيرت فيه جبال جهنم لانماغت ولذابت من شده حره- وروى البغوي بسنده عن ابى سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال

[سورة البقرة (2) : آية 80]

الويل «1» واد في جهنم يهوى به الكافر أربعين خريفا قبل ان يبلغ قعره والصعود جبل من تار جهنم يتصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوى فهو كذلك «2» لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ المحرف بِأَيْدِيهِمْ تأكيد كقوله كتبته بيمينى- ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا عرضا من اعراض الدنيا فانه وان جل فهو قليل بالنسبة الى ما استوجبوه من العذاب- وذلك ان أحبار اليهود خافوا ذهاب مأكلتهم فعمدوا الى صفته في التورية وكانت صفته فيها حسن الوجه حسن الشعر اكحل العينين ربعة- تغيروها وكتبوا طوال ازرق سبط الشعر- فاذا سالهم سفلتهم عن صفته قرءوا ما كتبوه فيجدونه مخالفا لصفته فيكذبونه فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ من المحرف وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ () من المال والأعمال. وَقالُوا اى اليهود لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً- المس إيصال الشيء بالبشرة بحيث يتاثر به الحاسة- قال ابن عباس كانت اليهود يقولون مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وانما نعذب بكل الف سنة يوما- وقال قتادة وعطاء يعنون أربعين يوما التي عبد فيها اباؤهم العجل- وقال الحسن وابو العالية قالوا ان ربّنا عتب علينا في امر فاقسم ليعذبنا أربعين يوما فلن تمسنا النار الا أربعين يوما تحلة القسم- فقال الله تعالى لتكذيبهم قُلْ يا محمد أَتَّخَذْتُمْ استفهام انكار- قرا ابن كثير وحفص بإظهار الذال في اتخذتم وأخذتم وما كان مثله من لفظه وادغم الباقون عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً عهده إليكم ان لا يعذب الا هذا المقدار فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ جواب شرط محذوف اى ان اتخذتم عهدا فلن يخلف- وفيه دليل على ان الخلف في وعد الله محال وانه من الرذائل قال ابن مسعود عهدا بالتوحيد يدل عليه الا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً يعنى قول لا الله الا الله يعنى ما قلتم الا اله الا الله حتى يكون لكم عند الله عهدا أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ () كذبا- أم يحتمل ان تكون متصلة ومنقطعة. بَلى اثبات لما نفوه من مساس النار زمانا طويلا مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً معصية والكسب استجلاب النفع وتعليقه بالسيئة على سبيل التهكم نحو فبشّرهم بعذاب اليم وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ اى استولت عليه وشملت جملة أطرافه حتى صار كالمحاط بها لا يخلوا عنها شىء من جوانبه- فهذا لا يصدق الا على الكفار لا على من في قلبه

_ (1) اخرج الترمذي وغيره بسند حسن عن ابى سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ويل واد فى جهنم يهوى فيه الكافر أربعين خريفا قبل ان يبلغ قعره- منه رحمه الله (2) في الأصل الويل في جهنم.

وزن ذرة من ايمان ومن ثم قال ابن عباس والضحاك وابو العالية والربيع وجماعة هى الشرك الذي يموت عليه صاحبه- فلا يصح للمعتزلة والخوارج الاحتجاج بها على ادعاء خلود مرتكب الكبيرة النار- قرا اهل المدينة خطيئته بالجمع والباقون بالإفراد- وقرا حمزة في الوقف بابدال الهمزة ياء والإدغام وكذلك كلما تحركت الهمزة المتوسط وما قبلها ياء ساكنة زائدة نحو هنيئا- مريئا- بريؤن- خطيئة- خطيئتكم وشبهها- واما إذا كان قبلها ساكن «1» غيرها حركتها ان لم يكن الفا بحركة الهمزة وألقيت الهمزة نحو شيئا وخطئا- والمشئمة- وتجئرون ويسئلون- وسئل- والظّمان- والقرءان- ومذءوما ومسئولا وسيئت والموءودة- وان كان الساكن الفا سواء كانت مبدلة او زائدة جعلت الهمزة بعدها بين بين وأنت مخير في مد الالف وقصرها نحو نسائكم- وابنائكم وماء وغثآء- وسواء- وآباؤكم- وهاؤم اقرءوا ومن آبائهم- وملئكته- وإذا كان قبل الهمزة متحركا فانفتحت وانكسر ما قبلها او انضم أبدلتها مع الكسرة ياء ومع الضمة واوا نحو ننشئكم- وانّ شانئك ولؤلؤا ويؤدّه- والا جعلتها بين بين ما لم يكن صورتها ياء نحو انبّئكم وسنقرئك فانك تبدلها ياء مضمومة واما إذا كانت الهمزة توسطت ساكنة فهى تبدل حرفا خالصا حال تسهيلها نحو المؤمنون ويؤفكون والرّؤيا- فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ ملازموها في الاخرة كما انهم ملازموا أسبابها في الدنيا هُمْ فِيها خالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (82) وَإِذْ أَخَذْنا فى التورية مِيثاقَ العهد الشديد بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ قرا ابن كثير وحمزة والكسائي لا يعبدون بالياء على الغيبة والباقون بالتاء على الخطاب- وهذا اخبار في معنى النهى كقوله تعالى لا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ فحسن عطف أحسنوا وقولوا عليه- وقال البغوي معناه ان لا تعبدوا فلما حذف ان صار الفعل مرفوعا وعلى هذا بدل من الميثاق او معمول له بحذف الجار- قرا أبيّ بن كعب لا تعبدوا على النهى- وقيل انه جواب قسم دل عليه المعنى تقديره حلّفناهم لا يعبدون- وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً متعلق بمحذوف اى تحسنون بالوالدين او أحسنوا بالوالدين ويكون معطوفا على لا تعبدون- او ووصيناهم بالوالدين إحسانا فيكون معطوفا على أخذنا- والإحسان بهما البر بهما والعطف عليهما وامتثال أمرهما ما لم يخالف امر الله تعالى- وَذِي الْقُرْبى عطف على الوالدين والقربى كالحسنى مصدر وَالْيَتامى جمع يتيم وهو الطفل الّذى لا اب له وَالْمَساكِينِ

_ (1) فى الأصل ساكنا

[سورة البقرة (2) : آية 84]

جمع مسكين مفعيل من السكون كانّ الفقر المسكنة والإحسان بهم الرحمة عليهم وأداء حقوقهم وَقُولُوا لِلنَّاسِ معطوف على أحسنوا او تقديره قلنا لهم قولوا عطفا على أخذنا حُسْناً اى قولا حسنا قرا حمزة والكسائي ويعقوب حسنا بفتح الحاء والسين على انه صفة والباقون على المصدر والحمل على المبالغة كزيد عدل- وهذا شامل لكل كلام محمود خبر صادق في شأن محمد صلى الله عليه وسلم وبيان صفته كما قال ابن عباس وسعيد بن جبير وغيره او امر بمعروف ونهى عن منكر كما قال الثوري او قول لين في المعاشرات او شهادة بحق او غير ذلك مما يثاب عليه وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ أعرضتم عن العهد فيه التفات عن الغيبة الى الخطاب خاطب به الموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ومن قبلهم على التغليب إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ يعنى الذين أمنوا منهم كعبد الله بن سلام وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) اى قوم عادتهم الاعراض عن وفاء العهود والمعنى ثم تولّت آباؤكم الا قليلا منهم حذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه وأسند الفعل اليه وحينئذ المعنى وأنتم معرضون كاعراض ابائكم. وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ على نحو ما سبق من لا تعبدون اى لا يتعرض بعضهم بعضا بالقتل والاجلاء وانما جعل قتل الرجل او إخراجه غيره قتل نفسه وإخراجه لاتصاله نسبا ودينا كذا يطلقون في محاوراتهم وقيل معناه لا ترتكبوا ما يبيح سفك دمائكم وإخراجكم من دياركم وقيل معنى لا تخرجوا لا تسيؤا في الجوار فتلجؤهم بسوء جواركم ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ بهذا العهد وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) على أنفسكم بالميثاق فهو تأكيد- او المعنى وأنتم ايها الموجودون تشهدون على اقرار اسلافكم فحينئذ أسند الإقرار إليهم مجازا-. ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ استبعاد لما ارتكبوه بعد الميثاق أنتم مبتدأ وهؤلاء خبره والمعنى أنتم بعد ذلك هؤلاء الناقضون كقولك أنت ذلك الرجل الّذى فعل كذا- نزّل تغيير الصفة منزلة تغيير الذات والجملة بعده حال والعامل فيه معنى الاشارة- او بيان لجملة أنتم هؤلاء او يقال أنتم مبتدأ وهؤلاء تأكيد والخبر الجملة بعده او يقال هؤلاء بمعنى الذي والجملة صلته والمجموع خبر أنتم او يقال أنتم يا هؤلاء تقتلون تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ قرا عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الظاء بحذف تاء التفاعل وكذا في التحريم والباقون بالإدغام بين التاء من التاءين

والظاء- والتظاهر التعاون من الظهر حال من فاعل يخرجون او مفعوله او كليهما وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى قرا حمزة اسرى وكلاهما جمع أسير تُفادُوهُمْ اى تبادلوهم بمعنى مفاداة الأسير بالأسير وقرا ابن كثير وابو عمرو وابن عامر وحمزة وابو جعفر «1» تفدوهم بفتح التاء اى بالمال وتنقذوهم وقيل معنى القراءتين واحد قال السدّى ان الله تعالى أخذ على بنى إسرائيل في التورية ان لا يقتل بعضهم بعضا ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم وأيما عبد وامة وجدتموهم من بنى إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه وأعتقوه- فكانت قريظة حلفاء الأوس والنضير حلفاء الخزرج وكانوا يقتتلون في حرب سمين فيقاتل بنو قريظة وحلفاؤهم النضير وحلفاءهم- وإذا غلبوا خرّبوا ديارهم وأخرجوهم منها- وإذا اسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه وان كان الأسير من عدوهم فتعيرهم العرب ويقول كيف تقاتلونهم وتفدونهم- قالوا انا أمرنا ان نفديهم فيقولون فلم تقاتلونهم قالوا انا نستحيى ان يستذل حلفاؤنا فعيرهم الله تعالى بقوله تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ الاية فهم خالفوا في ثلثة من الاحكام ترك القتل والإخراج والمظاهرة وأخذوا واحدا اى الافداء وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ الضمير للشان او راجع الى ما دل عليه يخرجون من المصدر- او الى محذوف تقديره وان يأتوكم اسرى تفدوهم مع ما صدر منكم إخراجهم وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ- وعلى التقديرين إخراجهم تأكيد- او الضمير مبهم يفسره قوله تعالى إِخْراجُهُمْ ووجه اتصال هذه الجملة بما سبق انهم حين انقيادهم للحكم بالافداء ارتكبوا المحرم وهو الإخراج فطاعتهم لا يخلو عن المعصية فضلا عن معصيتهم الخالصة- وبهذا يظهر وجه تخصيص تحريم الإخراج بالاعادة دون تحريم القتل وقال البيضاوي ان الجملة متعلق بقوله تعالى تُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ وما بينهما اعتراض وحينئذ لا يظهر وجه تخصيص ذكر تحريم الإخراج والله اعلم أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ يعنى وجوب الفداء وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ يعنى حرمة القتل والإخراج- قال مجاهد يقول ان وجدته في يد غيرك فديته وأنت تقتله بيدك فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ اى الايمان ببعض الكتاب والكفر بالبعض مِنْكُمْ يا معشر اليهود إِلَّا خِزْيٌ عذاب وهو ان واصل الخزي ذل يستحيى منه فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فكان خزى قريظة القتل والسبي وخزى النضير الاجلاء الى أذرعات وأريحا وضرب الجزية هناك عليهم وعلى غيرهم- وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ اى النار المخلد وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) قرا ابن كثير ونافع

_ (1) قرأ ابو جعفر كالنافع فعده مع ابن كثير وغيره لعله من الناسخ او من سباق قلم- ابو محمد

[سورة البقرة (2) : آية 86]

وابو بكر بالغيبة على ان الضمير لمن والباقون بالخطاب. أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا استبدلوا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ يهون عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (86) لا يمنعون من عذاب الله-. وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التورية وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ اى أرسلنا قفاه رسلا تترى فقوله من بعده تأكيد لمعنى قفينا لتضمنه معنى البعدية يعنى يوشع واشموئيل وشمعون وداؤد وسليمان وأيوب وشعيا وارميا وعزيرا «1» وحزقيل- واليسع- يونس وزكريا- ويحيى والياس وغيرهم صلوات الله عليهم أجمعين-. وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ الدلالات الواضحات من إبراء الأكمه والأبرص واحياء الموتى وغير ذلك او المراد الإنجيل وَأَيَّدْناهُ قويناه- بِرُوحِ الْقُدُسِ قرا ابن كثير بسكون الدال والآخرون بضمها- والمراد بالروح جبرئيل- او الروح الذي نفخ في عيسى- والقدس الطهارة مصدر بمعنى الفاعل اى الطاهر- وهو الله تعالى اضافه الى نفسه تكريما- نحو بيت الله وناقة الله نظيره فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا- او الاضافة على طريقة حاتم الجود فيكون الطهارة في المعنى صفة للروح وطهارة جبرئيل وعيسى لاجل عصمتهما ولطهارة عيسى عن مس الشيطان عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من بنى آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان غير مريم وابنها- متفق عليه ولانه لم يشتمل عليه أصلاب الفحول ولا أرحام الطوامث- وتائيد عيسى بجبرئيل انه امر ان يسير معه حيث سار حتى صعد به الى السماء- وقيل المراد بالروح اسم الله الأعظم الذي كان عيسى يحيى به الموتى ويرى الناس العجائب وقيل المراد به الإنجيل نظيره أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا- فان كتاب الله تعالى سبب لحيوة القلوب وعلى هذين التأويلين اضافة الروح الى الله وتوصيفه بالطهارة ظاهرة- قال البغوي فلما سمعت اليهود ذكر عيسى عليه السلام قالوا يا محمد لا مثل عيسى كما تزعم عملت ولا كما تقص علينا من الأنبياء فعلت- فأتنا بما اتى به عيسى ان كنت صادقا فقال الله تعالى أَفَكُلَّما جاءَكُمْ يا معشر اليهود رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اى بما لا تحبه يقال هوى بالكسر إذا أحب وبالفتح إذا سقط معطوف على الجمل السابقة- ووسطت الهمزة بين الفاء وما تعلقت به توبيخا لهم على تعقيبهم ذاك بهذا وتعجيبا

_ (1) فى الأصل عزير

من شأنهم- ويحتمل ان يكون استينافا والفاء للعطف على مقدر كانّ السائل يقول فما فعلوا بهم فاجاب فكفروا بهم وقال توبيخا أكفرتم بهم فكلما جاءكم الاية اسْتَكْبَرْتُمْ تكبرتم عن الايمان واتباع الرسل فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ كعيسى ومحمد وغيرهما عليهم الصلوات والسلام والفاء للسببية او للتفصيل- وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87) اى قتلتم مثل زكريا ويحيى وشعيا وغيرهم ذكر بلفظ المضارع على حكايت الحال الماضية استحضارا لها في النفوس فان الأمر فظيع ومراعاة للفواصل وللدلالة على انكم تريدون قتل محمد عليه السلام حيث سحرتموه وتقاتلونه لكى تقتلوه- عن عائشة قالت- سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انه ليخيل اليه انه فعل الشيء وما فعله حتى إذا كان ذات يوم عندى دعا الله ودعاه ثم قال أشعرت يا عائشة ان الله تعالى قد أفتاني فيما استفتيته جاءنى رجلان جلس أحدهما عند رأسى والاخر عند رجلى ثم قال أحدهما لصاحبه ما وجع الرجل قال مطبوب قال ومن طبه قال لبيد بن الأعصم اليهودي قال فيما ذا قال في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر قال فاين هو قال في بئر ذروان- فذهب النبي صلى الله عليه وسلم في أناس من أصحابه الى البئر فقال هذه البئر التي أريتها- وكان ماؤها نقاعة الحناء وكان نخلها رؤس الشياطين فاستخرجه- متفق عليه قلت ويجوز ان يكون تقتلون بمعناه الاستقبالى اى وفريقا تقتلون في المستقبل يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم فانه مات شهيد الاجل الشاة المسمومة التي أهدتها يهودية من اهل خيبر وحينئذ يكون ذكر من مضى قتلهم من الأنبياء متروكا- او مقدرا تقديره وفريقا قتلتم وفريقا تقتلون- عن جابر رضى الله عنه- ان يهودية من اهل خيبر سمت شاة مصلية ثم أهدتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فاخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذراع فاكل منها وأكل رهط من أصحابه معه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ارفعوا ايديكم وأرسل الى اليهودية فدعاها فقال- سممت هذه الشاة- فقالت من أخبرك قال أخبرتني هذه في يدى الذراع- قالت نعم قلت ان كان نبيا فلن يضره وان لم يكن نبيا استرحنا منه فعفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبها وتوفى أصحابه الذين أكلوا من الشاة واحتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة- رواه ابو داؤد والدارمي وعن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فى مرضه الذي مات فيه يا عائشة ما زال أجد الم الطعام الذي أكلت بخيبر وهذا او ان وجدت «1»

_ (1) اضافه الى الفعل بتأويل المصدر- منه رحمه الله

[سورة البقرة (2) : آية 88]

انقطاع أبهري من ذلك السم- رواه البخاري فان قيل المقتولون منهم داخلون فيمن كذّبهم اليهود فما وجه تخصيص التكذيب بفريق منهم- قلت يظهر بتخصيص التكذيب بفريق منهم انهم لم يكذبوا فريقا منهم مثل يوشع وعزير ولا يضركون بعضهم داخلا في كلا الفريقين إذ العطف بالواو والله اعلم. وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ جمع الا غلف وهو الّذى عليه غشاوة خلقية فلا تعى ولا تفقه ما تقول نظيره قوله تعالى قالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ- كذا قال مجاهد وقتادة- وقيل أصله غلف بضم اللام خفف ويؤيده قراءة الأعرج وما قرا ابن عباس بضم اللام وهو جمع غلاف اى قلوبنا اوعية لكل علم فلا نحتاج الى علمك كذا قال ابن عباس وعطاء وقال الكلبي معناه اوعية لكل علم فهى لا يسمع حديثا إلا وعته الا حديثك فلا يعقله ولا تعيه ولو كان فيه خيرا لوعته وفهمته فرد الله قولهم اى ليس قلوبهم مغشاة في اصل الخلقة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مولود الا يولد على الفطرة فابوه يهودانه وينصرانه ويمجسانه الحديث متفق عليه من حديث ابى هريرة- وليست اوعية للعلم ايضا بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ اى طردهم وابعدهم عن كل خير وخذلهم بِكُفْرِهِمْ كما قال الله تعالى فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ- فانى لهم دعوى العلم والاستغناء فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ (88) نصب قليلا على الحال وما مزيدة للمبالغة ومعناه فيؤمنون حال كونهم اقل قليل اى لا يؤمن منهم الا اقل قليل فان من أمن من المشركين اكثر ممن أمن من اليهود كذا قال قتادة- او منصوب على المصدرية يعنى إيمانا قليلا يؤمنون- او بنزع الخافض اى بقليل مما وجب الايمان به يؤمنون وهو ايمانهم ببعض الكتاب- وقال الواقدي معناه لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا كقول الرجل للاخر ما اقل ما تفعل كذا اى لا تفعله أصلا- فالقلة مجاز عن العدم. وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يعنى القران مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ يعنى التورية وجواب لمّا محذوف دل عليه جواب لمّا الثانية وَكانُوا اى اليهود مِنْ قَبْلُ اى قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم يَسْتَفْتِحُونَ يستنصرون عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا اى على مشركى العرب ويقولون اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في اخر الزمان الذي نجد صفته في التورية- وكانوا ينصرون وكانوا يقولون لاعدائهم من المشركين قد أظل زمان نبى يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وثمود وارم او المعنى ان اليهود كانوا يفتحون على المشركين نعت النبي صلى الله عليه وسلم ويعرّفونهم ان نبيا يبعث منهم وقد قرب زمانه والسين حينئذ

[سورة البقرة (2) : آية 90]

للمبالغة- والاشعار ان الفاتح كانه يسئل عن نفسه ذلك فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا ما موصولة فاعل جاء والعائد محذوف اى ما عرفوه يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم اعرفوه بنعته في التورية كَفَرُوا بِهِ حسدا او خوفا على المال والرياسة فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (89) اى عليهم- اتى بالمظهر للدلالة على سبب استحقاقهم اللعنة فاللام للعهد ويجوزان يكون للجنس وهم داخلون فيهم. بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ما بمعنى شيئا تميز لفاعل بئس المضمر فيه واشتروا صفته بمعنى باعوا وأنفسهم مفعول اشتروا الى بئس ما باعوا به حظ أنفسهم من الاخرة- او المعنى اشتروا به أنفسهم في ظنهم حيث خلصوها عن الذل بترك الرياسة أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ هو المخصوص بالذم بَغْياً مفعول له ليكفروا «1» «2» دون اشتروا للفصل- واصل البغي الطلب والفساد يقال بغى يبغى بغيا إذا طلب وبغى الجرح إذا فسد- ويطلق الباغي على الظالم لانه مفسد وعلى الخارج على الامام لانه مفسد وطالب للظلم وعلى الحاسد فانه يظلم المحسود ويطلب ازالة نعمته- والمعنى انهم يكفرون حسدا وطلبا لما ليس لهم وفسادا في الأرض أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ القران متعلق ببغيا بتقدير اللام- قرا ابن كثير وابو عمرو ينزل وبابه إذا كان مستقبلا مضموم الاول بالتخفيف من الانزال حيث وقع واستثنى ابن كثير وما ننزّله في الحجر- وننزّل من القران- وحتّى تنزّل علينا في الاسراء واستثنى ابو عمرو على أن ينزّل اية في الانعام- والذي في الحجر ما ننزّل الملئكة الّا بالحقّ مجمع عليه بالتشديد- والباقون بالتشديد من التنزيل في الجميع غير ان حمزة والكسائي يخففان ينزل الغيث في موضعين أحدهما فى لقمان والثاني في الشورى مِنْ فَضْلِهِ بلا سبق عمل يقتضيه- عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم فَباؤُ بِغَضَبٍ بسبب كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقران عَلى غَضَبٍ قد سبق عليهم بكفرهم بعيسى والإنجيل وترك العمل بالتورية وعبادة العجل وقولهم عزير ابن الله والاعتداء في السبت وغير ذلك وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (90) يراد به إذلالهم بخلاف عذاب العصاة من المؤمنين فانه لتطهيرهم عن الذنوب. وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ من القران وسائر الكتب الالهية قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا اى التورية وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ حال عن الضمير في قالوا- والوراء فى الأصل مصدر جعل ظرفا ويضاف الى الفاعل فيراد ما يتوارى به وهو خلفه- والى المفعول ويراد

_ (1) فى الأصل مفعول له يكفرون [.....] (2) فيه تسامح لانه غير داخلة في الضابطة لانه في قرارة ابن كثير ومن معه بفتح الاول- لعله رحمه الله أراد به وما ننزله وصدر من سباق قلم هذا- ابو محمد عفا الله عنه

[سورة البقرة (2) : آية 92]

به ما يواريه وهو قدامه ولذلك عدّ من الاضداد- وقد يطلق بمعنى سواء كقوله تعالى فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ اى سواه وَهُوَ الْحَقُّ الضمير لما وراءه يعنى القران والإنجيل مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ من التورية حال مؤكدة فيه رد لمقالهم- فانه لمّا كفروا بما يوافق التورية فقد كفروا بها- قُلْ لهم يا محمد فَلِمَ أصله لما حذف الالف فرقا بين الخبر والاستفهام كقولهم- فيم- وبم- وعمّ- تَقْتُلُونَ اى قتلتم وانما أسند إليهم مع انه فعل ابائهم لانهم راضون به وهم في صدد قتل نبيهم- أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ اى قبل هذا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) بالتورية والتورية تحكم بانه إذا جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ- وتنهى عن تكذيبهم فضلا عن قتلهم والجزاء محذوف دل عليه ما قبله. وَلَقَدْ جاءَكُمْ قرا ابو عمرو وحمزة والكسائي وهشام بإدغام دال قد في الجيم حيث وقع- وكذا حيث وقع في الذال نحو لقد ذّرانا- والزاء نحو لقد زيّنّا- والسين نحو قد سمع- والشين نحو قد شّغفها- والضاد المعجمة نحو فقد ضلّ- والظاء المعجمة نحو فقد ظلم- واما الطاء المهملة فلم يقع في القران بعد دال قد والا لادغمت- وكذا ادغموا غير هشام «1» فى الصاد المهملة حيث وقع نحو لقد صرّفنا- وتابعهم ابن ذكوان فى الاربعة في الذال والزاء والضاد والظاء لا غير وورش في الأخيرين فقط وقرا ابن كثير وعاصم وقالون بغير ادغام في الاحرف الثمانية كلها ويدغم الدال في الدال اجماعا نحو قد دخلوا- وكذا في التاء اجماعا نحو قد تبيّن الا ان الحسين روى عن نافع الإظهار عند التاء مُوسى بِالْبَيِّناتِ بالدلالات الواضحات وهى تسع ايت بيّنت وغيرها من المعجزات ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ الها مِنْ بَعْدِهِ اى من بعد مجيى موسى او ذهابه الى الطور وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (92) حال بمعنى اتخذتم العجل ظالمين بعبادته- او اعتراض بمعنى وأنتم قوم عادتكم الظلم- وسياق الاية وما بعدها للرد عليهم فى قولهم نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا- والتنبيه على ان طريقتهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم طريقة ابائهم مع موسى لا لتكرير القصة. وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ وقلنا لهم خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا يعنى استجيبوا وأطيعوا سميت الطاعة والاستجابة سمعا إطلاقا للسبب على المسبب قالُوا سَمِعْنا قولك وَعَصَيْنا أمرك قال اهل المعاني انهم لم يقولوا هذا بألسنتهم ولكن لمّا تلقوه بالعصيان نسب ذلك الى القول قلت

_ (1) ادغم هشام في الصاد ايضا بلا خلاف لكن له في الظاء في سورة ص اظهار من طرق الشاطبية- ابو محمد

[سورة البقرة (2) : آية 94]

وهو الظاهر فانهم لو قالوا ذلك لم يرفع عنهم الطور- وَأُشْرِبُوا يعنى تداخل كما يتداخل الصبغ الثوب فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ اى حبه بِكُفْرِهِمْ اى بسبب كفرهم- وذلك انهم لفرط حماقتهم كانوا مجسمة او حلولية ولم يروا جسما اعجب منه فتمكن في قلوبهم ما سوّل لهم السّامرىّ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ بالتورية والمخصوص محذوف يعنى هذا الأمر او ما تفعلون من القبائح الظاهرة القباحة المذكورة في الآيات الثلث إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93) تقدير للقدح في دعواهم والجواب محذوف يدل عليه ما قبله تقديره ان كنتم مؤمنين بالتورية فبئسما يأمركم به ايمانكم بها هذا الأمر لان المؤمن لا يتعاطى الا ما يقتضيه إيمانه لكن الايمان لا يأمر به فلستم بمؤمنين بها او ان كنتم مؤمنين بالتورية ما فعلتم تلك القبائح لكنكم فعلتم فلستم بمؤمنين- ولما كانت اليهود يدّعون دعاوى باطلة مثل قولهم لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ- ولَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى - ونَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ كذّبهم الله تعالى بقوله. قُلْ لهم يا محمد إِنْ كانَتْ لَكُمُ خبر كان الدَّارُ الْآخِرَةُ اسمها عِنْدَ اللَّهِ ظرف خالِصَةً يعنى خاصة بكم منصوب على الحال من الدار مِنْ دُونِ النَّاسِ سائرهم واللام للاستغراق او الجنس- او المسلمين واللام للعهد فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ يعنى فاسئلوه لانه من أيقن انه من اهل الجنة ومن أحباء الله تعالى تمنى التخلص إليها من الدار ذات الشوائب واشتاق الى لقاء الله تعالى اخرج ابن المبارك في الزهد والبيهقي عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تحفة المؤمن الموت- والديلمي عن جابر مثله وعن الحسين بن على مرفوعا مثله بلفظ الموت ريحانة المؤمن- وقال حبان بن الأسود الموت جسر يوصل الحبيب الى الحبيب- وهذه الاية والأحاديث تدل على ان القبر أول منزل من منازل الاخرة رواه الترمذي وابن ماجة عن عثمان مرفوعا- وعلى ان الوصل بلا كيف مع الله تعالى يحصل بعد الموت قبل القيامة فوق ما كان حاصلا في الدنيا ولولا ذلك لما كان في تمنى الموت فائدة ولم يكن الموت جسرا موصلا الى الحبيب- وقيل معنى الاية ادعوا بالموت على الفرقة الكاذبة فهى نظيرة اية الابتهال- روى عن ابن عباس انه صلى الله عليه وسلم قال لو تمنوا الموت لغض كل انسان منهم بريقه وما بقي على وجه الأرض يهودى الا مات أخرجه البيهقي في الدلائل وكذا أخرجه البخاري والترمذي عنه مرفوعا بلفظ لو تمنوا الموت لماتوا واخرج ابن ابى حاتم

وابن جرير عنه موقوفا نحوه- إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (94) فيما ادعيتم والجزاء محذوف دل عليه ما قبله- (فصل) هل يجوز التمني بالموت والدعاء به- والجواب انه ان كان لضرّ نزل به في مال او جسم او اهل او ولد فلا يجوز لحديث انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتمنّينّ أحدكم الموت لضرّ نزل به فان كان ولا بد متمنيا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحيوة خيرا لى وتوفنى إذا كانت الوفاة خيرا لى- متفق عليه وفي رواية لهما إذا مات أحدكم انقطع عمله وانه لا يزيد عمره إلا خيرا- وعن ابى هريرة مرفوعا لا يتمنين أحدكم الموت امّا محسنا فلعل ان يزداد وامّا مسيئا فلعل ان يستعتب رواه البخاري وعنه لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدع به من قبل ان يأتيه انه إذا مات انقطع عمله وانه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا رواه مسلم وروى النهى عن تمنى الموت احمد والبزار والبيهقي عن جابر والمروزي عن القاسم مولى معاوية وعن ابن عباس- واحمد وابو يعلى والحاكم والطبراني عن أم الفضل واحمد عن ابى هريرة كلهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- ولا بد ان يعلم ان المنهي عنه انما هو التمني للموت باللسان والسؤال به دون التمني بالقلب والرغبة اليه فان الكف عنه غير مقدور فلا تكليف عليه- واما ان كان التمني لخوف الفتنة في الدين فلا بأس به- اخرج مالك والبزار عن ثوبان في دعائه صلى الله عليه وسلم وإذا أردت بالناس فتنة فاقبضنى إليك غير مفتون- واخرج مالك عن عمر رضى الله عنه انه قال اللهم قد ضعفت قوتى وكبر سنى وانتشر رعيتى فاقبضنى إليك غير مضيع ولا مقصد- فما جاوز ذلك الشهر حتى قبض- واخرج الطبراني عن عمرو بن عنبسة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يتمنى أحدكم الموت الا ان لا يثق بعمله فان رايت في الإسلام ست خصال فتمنوا الموت وان كانت نفسك في يدك فارسلها اضاعة الدم وامارة الصبيان وكثرة الشرط وامارة السفهاء وبيع الحكم ونشوء يتخذ القران مزامير- واخرج ابن عبد البر في التمهيد انه تمنى الموت فلما قيل له لم تتمنى وقد نهى عنه فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بادروا بالموت ستا امرة السفهاء وكثرة الشرط وبيع الحكم واستخفافا بالدم وقطيعة الرحم ونشوء يتخذون القران مزامير- واخرج الحاكم عن ابن عمر وابن سعد عن ابى هريرة نحوه- وقد تمنى بالموت لخوف الفتنة بعض السلف- رواه ابن سعد عن خالد بن معدان- وابن عساكر وابو نعيم عنه وعن مكحول

وابن ابى الدنيا عن ابى الدرداء- وابن ابى شيبة وابن ابى الدنيا عن ابى جحيفة- وابن ابى الدنيا والخطيب وابن عساكر عن ابى بكرة- وابن ابى شيبة والبيهقي عن ابى هريرة- والطبراني وابن عساكر عن العرباض بن السارية- واما ان كان التمني شوقا الى لقاء الله تعالى فذلك محمود- اخرج ابن عساكر عن ذى النون المصري قال الشوق أعلى المقامات وأعلى الدرجات إذا بلغها العبد استبطأ الموت شوقا الى ربه وحبا الى لقائه والنظر اليه شعر أروم وقد طال المدى منك نظرة- وكم من دماء دون مرماى ظلت قلت وهو المقصود بالخطاب الى اليهود حيث قال إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ شوقا الى لقاء ربكم ان كنتم صدقين وروى ابن سعد والشيخان عن عائشة قالت كنت اسمع انه لا يموت نبى حتى يخير بين الدنيا والاخرة قالت أصابت رسول الله صلى الله عليه وسلم شديدة فى مرضه فسمعته يقول مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً فظننت انه خير وروى النسائي عنها قالت أغمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في حجرى فجعلت امسحه وادعوا له بالشفاء بهذه الكلمات اذهب البأس رب الناس فافاق فانتزع يده من يدى فقال بل اسئل الله الرفيق الأعلى- واخرج الطبراني ان ملك الموت جاء الى ابراهيم ليقبض روحه فقال ابراهيم يا ملك الموت هل رايت خليلا يقبض روح خليله- فعرج ملك الموت الى ربه فقال قل له هل رايت خليلا يكره لقاء خليله فرجع فقال اقبض روحى الساعة- وقال يوسف تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ- وعن على رضى الله عنه انه قال لا أبالي أسقط على الموت او أسقط الموت على- أخرجه ابن عساكر في تاريخه وعن عمار رضى الله عنه انه قال بصفين الان الاقى الاحبة محمدا صلى الله عليه وسلم وحزبه- أخرجه الطبراني في الكبير وابو نعيم في الدلائل وقال حذيفة حين احتضر جاء حبيب على فاقة لا أفلح من ندم- أخرجه ابن سعد عن الحسن- فان قيل روى احمد عن ابى امامة قال جلسنا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكّرنا ورققنا فبكى سعد بن ابى وقاص فاكثر البكاء فقال يا ليتنى مت فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا سعد أعندي تتمنى الموت فردد ذلك ثلث مرات ثم قال يا سعد ان كنت خلقت للجنة فما طال عمرك وحسن عملك فهو خير لك- وهذا الحديث يدل على ان تمنى الموت لا يجوز وان لم يكن لاجل ضرّ نزل به في ماله او جسمه او نحو ذلك فان سعدا لم يتمن الا لخوف عذاب الله- قلت نعم لكن الموت لا يغنى من عذاب الله

[سورة البقرة (2) : آية 95]

شيئا بل لا بد لذلك من الاستغفار والمبادرة في الأعمال الصالحة والاجتناب عن المعاصي ومن ثم نهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تمنى الموت- والتحقيق في ذلك ان التمني بالموت عنه خوف المعصية والتقصير في الطاعة جائز قطعا لا ريب فيه- واما من غير ذلك بل شوقا الى لقاء المحبوب فقد وقع عن بعض السلف عند الاحتضار كما روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن خليل الرحمن عليه السلام وعن عمار وحذيفة وغيرهم انه إذا حضرهم الموت ولم يبق لهم طمع في ازدياد الأعمال اشتاقوا الى لقاء ذى الجلال- عن عبادة ابن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه فقالت عائشة او بعض أزواجه انا لنكره الموت قال ليس ذلك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر «1» برضوان الله وكرامته فليس شىء أحب اليه مما امامه فاحب لقاء الله فاحب الله لقاءه وان الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته فليس شىء اكره اليه مما امامه فكره لقاء الله فكره الله لقاءه- متفق عليه- واما في حالة الصحة فلم يرد عن السلف التمني بالموت الا عند خوف الفتنة والتقصير كما روينا عن عمر رضى الله عنه ويحمل عليه ما روى عن على رضى الله عنه او عند غلبة الحال وذلك في الأولياء غالبا دون الأنبياء ومن في معنا هم من اصحاب الصحو من الصديقين والأولياء فانهم مع شدة شوقهم الى لقاء الرحمن يغتنمون ازدياد الحسنات شعر فانى في الوصال عبيد نفسى- وفي الهجران مولى للموالى واما اليهود فلشدة جهلهم وعنادهم لما كانوا يدّعون انهم أحباء الله تعالى وانهم غير محتاجين الى الأعمال قيل لهم ان كنتم صادقين في دعواكم لا بد لكم من تمنى المنى ولما كانوا كاذبين في دعواهم رد الله تعالى عليهم قولهم وقال. وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً فى هذه الجملة اخبار بالغيب ومعجزة على اليهود بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من موجبات النار كالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم والقران وتحريف التورية وغير ذلك من الأعمال- ولما كانت اليد العاملة مختصة بالإنسان فمعز الدولة لقدرته بها عامة صنائعه ومنها اكثر منافعه عبر بها عن النفس تارة وعن القدرة اخرى وَاللَّهُ عَلِيمٌ

_ (1) البشارة برضوان الله عنا اقتراب الموت للاولياء اما يكون بالكشف وكلام الهاتف ونحو ذلك واما يكون بذوقهم كثرة نزول البركات عليهم في ذلك الحالة واما عند رؤية ملائكة الموت وملائكة الرحمة واما البشارة للكافر بالعذاب فلا يكون الا عند رؤية ملائكة الموت والعذاب- منه رحمه الله

[سورة البقرة (2) : آية 96]

بِالظَّالِمِينَ (95) تهديد لهم وتنبيه على انهم ظالمون في دعواهم. وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ اللام لام القسم والنون لتأكيد القسم وتجد من افعال القلوب مفعوله الاول ضمير الغائب ومفعوله الثاني احرص- وبتنكير حيوة أريد فرد من افرادها وهى المتطاولة وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا- معطوف على الناس من حيث المعنى كانه قال احرص من الناس ومن الذين أشركوا او على احرص ويكون متعلقا بمحذوف دل عليه ما قبله يعنى احرص من الذين أشركوا- وافرادهم بالذكر مع دخولهم في الناس للمبالغة والاهتمام كما في عطف جبرئيل على الملائكة فان حرص المشركين شديد إذ لم يعرفوا الا الحيوة الدنيا وزيادة حرصهم على الدنيا مع اعراضهم عن الاخرة وهم عالمون بالجزاء بخلاف المشركين دليل على كمال مصابرتهم على النار ففيه زيادة توبيخ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ قيل لو مصدرية بمنزلة ان الّا انها لا تنصب فهو مفعول يود وقال البيضاوي لو بمعنى ليت وكان أصله لو اعمّر فاجرى على الغيبة لقوله يود كقولك حلف بالله ليفعلن- فحينئذ كلمة التمني حكاية لو دادهم فحذف مفعول يود لما يدل عليه ما بعده وفيه بيان لزيادة حرصهم على سبيل الاستيناف ويحتمل ان يكون جملة يود صفة لمبتدأ محذوف والظرف المستقر يعنى من الذين أشركوا خبره تقديره ومن الّذين أشركوا أناس يودّ أحدهم لو يعمّر الف سنة- والمراد من الذين أشركوا اليهود القائلون عزير ابن الله- وقال ابو العالية والربيع أراد بالذين أشركوا المجوس فان تحية بينهم- زى هزار سال- فقال سبحانه اليهود احرص الناس فهم احرص من المجوس والمجوس يريد تعمير الف سنة- واصل سنة سنوة بدليل سنوات وقيل سنهة- وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ بمباعده مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ ضمير هو راجع الى أحدهم وان يعمر فاعل مزحزحه والمعنى وما أحدهم بمن يزحزحه من العذاب تعميره او الى مصدر يعمر ويعمر بدل منه- او ضمير مبهم ان يعمر تفسيره- فان قيل طول العمر في الدنيا مباعد للعذاب الأخروي البتة فكيف يحكم بعدم التبعيد- قلت لما كان الف سنة بل تمام عمر الدنيا بالنسبة الى الاخرة المؤبدة كساعة من النهار او كلمح البصر بالنسبة الى الزمان المتناهي لم يعتد التبعيد الحاصل بتعمير الف سنة تبعيدا إذ المراد بنفي تبعيده من العذاب تبعيده بالعمل الصالح ففيه زيادة توبيخ حيث لا يزيدهم طول عمرهم الا العذاب وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (92) فيجازيهم- قرا يعقوب بالتاء للخطاب مع اليهود والباقون بالياء للغيبة انتهى-

[سورة البقرة (2) : آية 97]

اخرج اسحق بن راهويه في مسنده وابن ابى شيبة- وابن ابى حاتم- وابن جرير من طرق عن الشعبي عن عمر انه كان يأتى اليهود فيسمع من التورية فيتعجب كيف يصدق ما في القران قال فمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت نشدتكم بالله أتعلمون انه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عالمهم- نعم نعلم انه رسول الله قلت فلم لا تتبعونه قالوا سالناه من يأتيه بنبوته فقال عدونا جبرئيل لانه ينزل بالغلظة والشدة والحرب والهلاك- قلت فمن سلمكم من الملائكة قالوا ميكائيل ينزل بالقطر والرحمة- قلت وكيف منزلتهما من ربهما قالوا أحدهما عن يمينه والاخر بالجانب الاخر- قلت فانه لا يحل لجبرئيل انه يعادى ميكائيل ولا يحل لميكائيل ان يسالم عدو جبرئيل وانى اشهد انهما وربهما سلم لمن سالموا وحرب لمن حاربوا- ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وانا أريد ان أخبره فلما لقيته قال الا أخبرك بايات نزلت علىّ فقرا. قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ حتى بلغ الكفرين قلت يا رسول الله والله ما قمت من عند اليهود الا إليك لا خبرك بما قالوا لى وقلت لهم فوجدت الله قد سبقنى- واسناده صحيح الى الشعبي واعتضد الطرق بعضها ببعض لكن الشعبي لم يدرك عمر واخرج ابن جرير من طريق السدى عن عمر- ومن طريق قتادة عن عمرو هما ايضا منقطعان واخرج ابن ابى حاتم من طريق اخر عن عبد الرحمن بن ابى ليلى ان يهوديا لقى عمر بن الخطاب فقال ان جبرئيل الذي يذكر صاحبكم عدوّ لنا فقال عمر من كان عدوّا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكيل فان الله عدوه- قال فنزلت على لسان عمر- وقد نقل ابن جرير الإجماع على ان سبب نزول الاية ذلك- وروى البخاري عن انس قال سمع عبد الله بن سلام مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ارض يحترف فاتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال انى سائلك عن ثلاث لا يعلمهن الا نبى ما أول اشراط الساعة- وما أول طعام اهل الجنة- وما ينزع الولد الى أبيه والى امه- قال أخبرني بهن جبرئيل آنفا قال نعم قال ذلك عدو اليهود من الملائكة فقرا هذه الاية- قال الشيخ ابن حجر ظاهر السياق ان النبي صلى الله عليه وسلم قرا الاية ردا على قول اليهود ولا يستلزم ذلك نزولها حينئذ وهذا هو المعتمد- واخرج احمد والترمذي والنسائي من طريق بكير بن شهاب عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال أقبلت اليهود الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا أبا القاسم انا نسئلك عن خمسة أشياء فان انبأتنا بهن عرفنا انك نبى فذكر الحديث-

[سورة البقرة (2) : آية 98]

وفيه انهم سالوا عما حرم إسرائيل على نفسه وعن علامة النبي وعن الرعد وصوته وكيف تذكر المرأة وتؤنث وعمن يأتيه بخبر السماء الى ان قالوا فاخبرنا من صاحبك قال جبرئيل قالوا ذلك ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر لكان فنزلت وقال البغوي بلا سند انه قال ابن عباس ان حبرا من الأحبار يقال له عبد الله بن صوريا قال للنبى صلى الله عليه وسلم اىّ ملك يأتيك من السماء قال جبرئيل قال ذاك عدونا من الملائكة ولو كان ميكائيل لا منابك ان جبرئيل عادانا مرارا انزل على نبينا ان بيت المقدس سيخرب على يد رجل يقال له بخت نصر وأخبرنا بوقته فبعثنا رجلا ليقتل بخت نصر حين كان غلاما مسكينا ببابل فدفع عنه جبرئيل وكبر بخت نصر وخرب بيت المقدس- وقال مقاتل قالت اليهود ان جبرئيل عدونا لانه امر ان يجعل النبوة فينا فجعل في غيرنا- قلت ولعل القصتين وقعتا معا قبل نزول الاية لقى عمر مع اليهود فكلهم ما كلمهم ولقى اليهود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت فكلموه فنزل الاية- قرا ابن كثير جبريل هنا في الموضعين وفي التحريم بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز- وقرا ابو بكر بفتح الجيم والراء وهمزة مكسورة من غير ياء جبرئل وقرا حمزة والكسائي مثله الا انهما يجعلان ياء بعد الهمزة جبرءيل والباقون بكسر الجيم والراء من غير همز جبريل فَإِنَّهُ يعنى جبرئيل نَزَّلَهُ يعنى القران- والإضمار من غير ذكر المرجع لفخامة شأنه وتبادر الذهن اليه كانه لم يحتج الى سبق فى الذكر عَلى قَلْبِكَ يا محمد فان القابل للوحى اولا القلب وكان الحق قلبى ولكنه جرى على حكاية كلام الله تعالى بِإِذْنِ اللَّهِ بامره حال من فاعل نزل مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتب وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) احوال من مفعوله والظاهر ان جواب الشرط فانّه نزّله والمعنى من كان عدو الجبرئيل فانه خلع عن عنقه ربقة الانصاف وكفر بما معه من الكتاب لان جبرئيل نزل القران مصدقا لما بين يديه من الكتاب فحذف الجواب وأقيم علته مقامه- او المعنى من عاداه فالسبب في عداوته انه نزل عليك وقيل جواب الشرط محذوف فليمت غيظا- او فهو عدو لى وانا عدوه يدل عليه ما بعده. مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ خصّهما بعد التعميم لاظهار فضلهما «1» كانهما من جنس اخر- ولان الكلام كان فيهما- وللتنبيه على ان

_ (1) اخرج الحاكم عن ابى سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وزير اى من اهل السماء جبرئيل وميكائيل ومن اهل الأرض ابو بكر وعمر- واخرج الطبراني بسند حسن عن أم سلمة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ان في السماء ملكين أحدهما يأمر بالشدة والاخر يأمر باللين فكل مصيب وذكر جبرئيل وميكائيل ونبيان أحدهما يأمر باللين والاخر يأمر بالشدة وكل مصيب وذكر ابراهيم ونوحا ولى صاحبان أحدهما يأمر باللين والاخر بالشدة وكل مصيب وذكر أبا بكر وعمر- منه رحمه الله تعالى

[سورة البقرة (2) : آية 99]

معاداة الواحد والكل سواء في الكفر واستجلاب العداوة من الله تعالى- قرا حفص ويعقوب وابو عمر وميكيل بغير همز ولا ياء- ونافع بهمزة بلا ياء وميكئل والباقون بالياء بعد الهمز ميكئيل فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (98) وضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على ان الله تعالى عاداهم لكفرهم وعلى ان عداوة الملائكة والرسل كفر- اخرج ابن ابى حاتم من طريق سعيد وعكرمة عن ابن عباس انه قال قال ابن صوريا ما جئتنا بشىء نعرفه فانزل الله تعالى. وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ (99) المتمردون في الكفر فان الفسق إذا استعمل في نوع من المعاصي دل على عظمه كانه متجاوز عن حده واللام للجنس او العهد اشارة الى اليهود واخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس انه قال قال مالك بن الضيف لمّا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخذ عليهم من الميثاق وما عهد إليهم في دين محمد صلى الله عليه وسلم والله ما عهد إلينا في مجد ولا أخذ علينا الميثاق- فانزل الله تعالى. أَوَكُلَّما الهمزة للانكار والواو للعطف على محذوف تقديره اكفروا بالآيات وكلما عاهَدُوا يعنى اليهود عَهْداً لان خرج محمد صلى الله عليه وسلم لنؤمنن به يدل عليه قراءة ابى الرجاء العطاردي او كلّما عوهدوا- وقال عطاء- هى العهود التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين اليهود ان لا يعاونوا المشركين على قتاله فنقضوها كفعل بنى قريظة والنضير قوله تعالى الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ نَبَذَهُ نقضه وطرحه فَرِيقٌ مِنْهُمْ وان لم ينقض كلهم- ولما توهم هذا الكلام ان النابذين هم الأقلون قال بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (100) بالله او بالتورية فلا يعدون نقض المواثيق ذنبا. وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كعيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ من التورية نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ يعنى التورية وَراءَ ظُهُورِهِمْ ولم يعملوا به ولو عملوا به لامنوا بكل نبى- مثل لاعراضهم وعدم التفاتهم الى احكام التورية في الايمان والنصر لمن جاء بعدها من الأنبياء باعراض من يرمى شيئا خلفه فلا يلتفت اليه كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) انه كتاب الله أولا يعلمون بما فيه ولكنهم يتجاهلون عنادا. وَاتَّبَعُوا اى عملوا يعنى اليهود وتحدثوا وتعلموا عطف على نبذ اى نبذوا كتاب الله واتبعوا

كتب السحر والشعوذة بل عطف على الشرطية فان تقييد الاتباع بمجى الرسول غير ظاهر ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ حكاية حال ماضية معناه ما تلت والعرب يستعمل الماضي موضع المستقبل وبالعكس مجازا- وتتلوا اما مشتق من التلاوة بمعنى القراءة او من التلو بمعنى التبعية يعنى اتبعوا كتب السحر التي كانت تقراها الشياطين من الجن والانس وتتبعها وتعمل بها عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ متعلق بتتلوا على تضمين الافتراء اى تتلوا الشياطين مفتر بين على ملك سليمان قائلين بان ملكه كان به وحينئذ يرتبط ما كفر سليمن ارتباطا تاما او يكون على بمعنى في اى في وقت سلطنته- قال البغوي قال السدى كانت الشياطين تصعد الى السماء فيسمعون كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت وغيره فيأتون الكهنة ويخلطون بما سمعوا في كل كلمة سبعين كذبة ويخبرونهم بها- فاكتتب الناس وفشا ذلك في بنى إسرائيل ان الجن تعلم الغيب- وبعث سليمان عليه السلام وجمع تلك الكتب وجعلها في صندوق ودفنه تحت كرسيه وقال لا اسمع أحدا يقول ان الشيطان يعلم الغيب الا ضربت عنقه- فلما مات سليمان وذهب العلماء الذين كانوا يعرفون امر سليمان ودفنه الكتب وخلف من بعدهم خلف تمثل الشيطان على صورة انسان فاتى نفرا من بنى إسرائيل فقال هل أدلكم على كنز لا تأكلونه ابدا احفروا تحت الكرسي فاراهم المكان وقام ناحية وذلك انه لم يكن يدنو شيطان من الكرسي الا احترق- فحفروا واخرجوا الكتب قال الشيطان ان سليمان كان يضبط الجن والانس والشياطين والطير بهذه ثم طار الشيطان وفشا في الناس ان سليمان كان ساحرا- وأخذ بنو إسرائيل تلك الكتب فلذلك اكثر ما يوجد السحر في اليهود فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم برّا الله تعالى سليمان من ذلك- قلت والظاهر ان ما دفنه سليمان كان كتب السحر دون ما ألقته الشياطين الى الكهنة مما سمعته من الملائكة في الحوادث اليومية فان ذلك الكهانة ولا يفيد ذلك بعد مضى الدهور حين استخرجوها بعد موت سليمان- وقال الكلبي ان الشياطين كتبوا السحر والنير نجات على لسان اصف بن برخيا هذا ما علّم اصف بن برخيا سليمان الملك ثم دفنوها تحت مصلاه حين نزع الله الملك عنه ولم يشعر بذلك سليمان فلما مات استخرجوها وقالوا للناس انما ملككم سليمان بهذا- فاما علماء بنى إسرائيل وصلحاؤهم فقالوا معاذ الله ان يكون هذا من علم سليمان واما السفلة فقالوا هذا علم سليمان واقبلوا على تعلمه ورفضوا كتب أنبيائهم وفشت الملامة لسليمان حتى برّاه الله في القران وقال وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ يعنى ما سحر سليمان

فيكفر عبّر عن السحر بالكفر ليدل على ان السحر كفر وان من كان نبيا كان معصوما عنه وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا قرا ابن عامر وحمزة والكسائي بتخفيف نون لكن ورفع الشّيطين والباقون بالنون المشددة ونصب الشّيطين وكذلك ولكن البرّ «1» وكذلك في الأنفال ولكن الله قتلهم ولكن الله رمى يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ حال من الضمير في كفروا- والسحر علم بألفاظ واعمال يتقرب بها الإنسان الى الشياطين تصير بها الشياطين مسخرات له فيعينونه على ما يريد وتؤخر تلك الألفاظ والأعمال في النفوس والأبدان بالامراض والموت والجنون وتخيل في الاسماع والابصار كما سمعت في سحرة فرعون انهم القوا حبالهم وعصيّهم يخيّل الى موسى من سحرهم انّها تسعى- وليس تلك التأثيرات الا بخلق من الله تعالى ابتلاء منه وقيل انها تؤثر في قلب الأعيان ايضا فيجعل الإنسان حمارا والحمار كلبا قال البغوي السحر وجوده حق عند اهل السنة ولكن العمل به كفر وقال الشيخ ابو منصور القول بان السحر كفر على الإطلاق خطا بل يجب البحث عن حقيقته فان كان في ذلك رد ما ثبت بالشرع قطعا فهو كفر والا فلا- قال البغوي حكى عن الشافعي رضى الله عنه انه قال السحر يخيل ويمرض وقد يقتل حتى أوجب القصاص على من قتل به فهو من عمل الشيطان يتلقاه الساحر منه بتعليمه إياه- فاذا تلقاه منه استعمله في غيره انتهى- وقول الشافعي ايضا يدل على ان السحر بعضها كفر دون بعض- وكذا ما في المدارك حيث قال ان السحر الذي هو كفر يقتل عليه الذكور دون الإناث يعنى عند الحنفية كما في المرتد وما ليس بكفر وفيه إهلاك النفس ففيه حكم قطاع الطريق ويستوى فيه الذكور والإناث ويقبل توبته إذا تاب وان كان سحره كفرا ومن قال لا يقبل توبته فقد غلط فان سحرة فرعون قبلت توبتهم مع كونهم كفارا انتهى- قلت وتعبير الله سبحانه السحر بالكفر وقوله وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وقوله تعالى وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ كل ذلك يدل على ان ألفاظ السحر واعماله كلها او عامتها من موجبات الكفر ومناقضا لشرائط الايمان وينبغى ان يكون كذلك فان الشيطان لا يرضى من الإنسان الا بالكفر فلا يتصور التقرب اليه وتسخيره الا به نعوذ بالله منه وما قال الشافعي والشيخ ابو منصور رحمهما الله فمبنى على الاحتمال العقلي (فائدة) واعلم انه من قتل إنسانا لا يحل قتله او اضره بسلب نعمة البدنية او المالية او غير ذلك بالسيفى والدعاء وان كان ذلك بأسماء الله تعالى الجلالية وان لم يكن ذلك كفرا فهو فاسق البتة وحكمه حكم قطاع الطريق قال الله تعالى وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ

_ (1) لعله من سباق قلم لانه قرأه بالتخفيف نافع وابن عامر والباقون بالتشديد- ابو محمد

الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً- وقال عليه الصلاة والسلام المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده- متفق عليه- من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ومن هذا القبيل دعوة بلعم بن باعور على موسى عليه السلام وسيجيئ قصته في سورة الأعراف في تفسير قوله تعالى وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها الاية- وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ عطف على السحر او على ما تتلوا والمراد بالمعطوف والمعطوف عليه واحد والعطف لتغائر الاعتبار او لانه نوع اخر أقوى منه بِبابِلَ ظرف او حال من الملكين او من الضمير في انزل قال ابن مسعود بابل ارض الكوفة وقيل جبل دماوند- وهذا يدل على ان السحر ايضا من العلوم المنزلة من السماء ابتلاء من الله تعالى فان الله تعالى هو الهادي والمضل يفعل ما يشاء- والمأمور به غير ما أراد وشاء- فالله تعالى امتحن الناس بالملكين فمن شقى تعلم السحر منهما وكفر بالله ومن سعد تركه وبقي على الايمان وكان الملكين يذكران بطلان السحر ويصفانه ويأمران بالاجتناب عنه والله اعلم وقيل ما نافية وقد كانت اليهود يقولون ان السحر من العلوم المنزلة من السماء على الملكين فرد الله سبحانه تعالى قولهم وقال وَما أُنْزِلَ يعنى السحر على الملكين عطفا على ما كفر سليمن وحينئذ قوله تعالى بِبابِلَ متعلق ب يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ هارُوتَ وَمارُوتَ عطف بيان للملكين على التقدير الاول كما هو الظاهر- وقيل بدل من الشياطين بدل البعض على تقدير كون ما نافية وَما يُعَلِّمانِ يعنى هاروت وماروت مِنْ أَحَدٍ يعنى أحدا ومن زائدة حَتَّى يَقُولا ناصحين على تقدير كونهما ملكين إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ ابتلاء من الله وامتحان فَلا تَكْفُرْ اى لا تتعلم السحر فتكفر اطلق المسبب على السبب- قيل انهما كانا يقولان ذلك سبع مرات قال عطاء والسدىّ فان ابى الا التعلم قالا له ايت هذا الرماد فبل عليه فيخرج منه نور ساطع في السماء فتلك الايمان والمعرفة وينزل شىء اسود شبيه الدخان حتى يدخل مسامعه وذلك غضب الله نعوذ بالله منه- وعلى التقدير الثاني ما يعلمانه حتى يقولا انا مفتونان فلا تكن مثلنا- قلت وهذا القول نصيحة يستبعد ان يصدر من الشياطين ومن ثم قلنا ان الاول هو الظاهر فَيَتَعَلَّمُونَ الضمير لما دل عليه من أحد مِنْهُما اى هاروت وماروت والجملة معطوفة على مقدر وتقديره فيأبون فيتعلمون او هى معطوفة على يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ اى يعلمونهم فيتعلمون ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ اى من السحر ما يبغض كل واحد منهما صاحبه وَما هُمْ اى السحرة او الشياطين

بِضارِّينَ به اى بالسحر مِنْ أَحَدٍ اى أحد إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ يعنى بقضائه وقدره ومشيته فان الأسباب كلها اسباب ظاهرية عادية غير مؤثرة بالذات- بل جرت عادة الله سبحانه بخلق التأثيرات والتأثرات بعد وجود الأسباب ان شاء وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ اى السحر فانه موجب لكفرهم وَلا يَنْفَعُهُمْ شيئا وفيه اشارة الى ان تعلّم العلوم الغير النافعة كالطبيعى والرياضي ونحو ذلك مكروه لاضاعة الوقت ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم انى أعوذ بك من علم لا ينفع رواه الحاكم فى المستدرك في حديث ابن مسعود فائدة العلم الذي لا ينفع نوعان نوع منه لا ينفع أحدا من الناس حيث لا يتصور الانتفاع منه كالطبيعى ونحوه ونوع منه لا ينفع العالم إذا لم يعمل بعلمه والله اعلم واما العلوم الضارة فلا شك في حرمتها كالسحر والشعبدة والإلهيات الفلاسفة الا إذا كانت بنية صالحة وذكر البغوي عن ابن عباس والكلبي وقتادة وغيرهم في شأن هاروت وماروت قصة ان الملائكة لما راوا ما يصعد الى السماء من سيات بنى آدم عيروهم فقال الله تعالى لو انزلتكم الى الأرض وركّبت فيكم مثل ما ركّبت فيهم لارتكبتم مثل ما ارتكبوا فقالوا سبحانك ما لنا ان نعصيك قال فاختاروا من خياركم فاختاروا هاروت وماروت وعزائيل- فركّب الله فيهم الشهوات واهبطهم الى الأرض وأمرهم ان يحكموا بين الناس بالحق ونهاهم عن الشرك والقتل بغير الحق والزنى وشرب الخمر- فاما عزائيل لما وقعت الشهوة في قلبه استقال ربه وسأل ان يرفعه الى السماء فاقاله فسجد أربعين سنة ولم يزل بعد مطاطيا رأسه حياء- واما الآخران فكانا يقضيان بين الناس فاذا امسيا ذكرا اسم الله تعالى الأعظم وصعدا الى السماء فما مر عليهما شهر حتى افتتنا وذلك انه اختصم إليهما ذات يوم امرأة تسمى زهرة وزوجها وكانت ملكة من اهل فارس فعشقا عليها فراوداها عن نفسها فابت وقالت لا الا ان تعبدا الصنم وتقتلا النفس تعنى زوجها وتشربا الخمر فعرضت عليهما حتى شربا الخمر وزنيابها فراهما انسان فقتلاه فمسخ الله الزهرة شهابا فلما امسى هاروت وماروت بعد ما ارتكبا المعاصي وأراد الصعود ما طاوعتهما أجنحتهما فقصدا إدريس النبي صلى الله على نبينا وعليه وسلم وسالاه ان يشفع لهما الى الله فخيرهما الله تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الاخرة فاختارا عذاب الدنيا لانقطاعها- فهما ببابل يعذبان معلقان بشعورهما في جب ملئت نارا- روى ابن راهويه وابن مردوية عن على قوله صلى الله عليه وسلم لعن الله الزهرة فانما هى التي فتنت الملكين هاروت وماروت- والله اعلم-

وهذه القصة من اخبار الآحاد بل من الروايات الضعيفة الشاذة ولا دلالة عليها في القران بشىء وفي بعض روايات هذه القصة ما يأباه النقل والعقل وهو ما حكى عن الربيعة بن انس انه مسخ الله الزهرة كوكبا وصعدت الى السماء حين تعلمت الاسم الأعظم وتكلمت به ولم يستطع هاروت وماروت الصعود الى السماء مع كونهما معلمين الزهرة ومساواتهما لها في ارتكاب المعصية بل كان كفرهما دون كفر زهرة لاجل سكرهما والله اعلم- قال محمد بن يوسف الصالحي في سبيل الرشاد قال الشيخ كمال الدين- وائمة النقل لم يصححوا لهذه القصة ولا اثبتوا روايتها عن على ولا عن ابن عباس رضى الله عنهما- قال العاصي ان هذه الاخبار لم يرو منها شىء صحيح ولا سقيم عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال وهذه الاخبار من كعب اليهود وافترائهم- قال الصالحي ذكروا في تأويل الاية ان الله تعالى كان قد امتحن الناس بالملكين فان السحر كان قد ظهر وظهر قول اهله فانزل الله تعالى ملكين يعلمان الناس حقيقة السحر ويوضحان امره ليعلم الناس ذلك ويميّزوا بينه وبين المعجزة والكرامات فمن جاء يطلب ذلك منهما انذراه وأعلماه انما أنزلنا فتنة لتعليم السحر فمن تعلّمه ليجتنبه ويعلم الفرق بينه وبين المعجزات والكرامات وما يظهره الله تعالى على أيدي عباده المؤمنين فذلك هو المرضى ومن تعلمه لغير ذلك ادّى به الى الكفر- فلهذا كان الملكان «1» يقولان انما نحن فتنة فلا تكفر ثم يقولان له إذا فعل الساحر كذا فرق بين المرء وزوجه- فعلى هذا يكون فعل الملكين طاعة لامر الله تعالى ولا ينافى عصمة الملائكة- قال البيضاوي هذه القصة محكى عن اليهود ولعله من رموز الأوائل وحله لا يخفى على ذوى البصائر- أقول في حله لعل المراد بالملكين القلب والروح وسائر لطائف عالم الأمر وانما ذكر الاثنين مع انها خمسة لارادة التعدد دون العدد المعين او لانه قد ينكشف على بعض السالكين الاثنين منها القلب والروح دون البواقي- فكنى ذلك الرجل عما انكشف عليه والمراد بالمرأة النفس المنبعثة من العناصر فانها الامّارة بالسوء- ولما زوج الله سبحانه بحكمته البالغة لطائف عالم الأمر مع النفس وجعل بينها محبة وعشقا اسودت اللطائف وانكدرت وغفلت عن خالقها وهى محبوسة منكوسة في القالب الظلماني الذي امتلأت من نار الشهوات وذلك هو المراد بالجب ببابل مملوة نارا- ثم إذا مات الإنسان وقامت قيامة واستدركه الرحمة خلصت من السجن ان بقي فيها نور الايمان- واما النفس الكائنة في قالب رجل من الأبرار فبمجاورة لطائف عالم الأمر والرياضات المأمورة وذكر اسم الله الأعظم صعدت

_ (1) فى الأصل ملكين-

[سورة البقرة (2) : آية 103]

الى السماء كانها كوكب درى تتوقد بيضاء حتى قيل لها يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي- فالنفس وان كانت خبيثة شريرة في الابتداء قبل الاهتداء لكنها تفضلت على جميع لطائف عالم الأمر بالقوة الاستعدادية المستودعة في الغبراء فان خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا من كلام سيد الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والتسليمات واحسن الثناء رواه مسلم عن ابى هريرة وَلَقَدْ عَلِمُوا يعنى اليهود لَمَنِ اشْتَراهُ اى استبدل ما تتلوا الشياطين بكتاب الله تعالى- واللام للابتداء علقت علموا عن العمل ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ نصيب وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ يعنى باعوا به حظوظ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (102) ذلك ويتفكرون فيه والجواب محذوف دل عليه ما قبله يعنى ما شروه- فان قيل أليس قد قال الله تعالى وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ على التأكيد القسمي فما معنى قوله تعالى لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ- قيل معناه انهم لما لم يعملوا بما علموا فكانهم ما علموا وقيل المثبت العقل العزيزي والعلم الإجمالي بقبح الفعل وترتب العقاب والمنفي العلم بحقيقة ما يلحقه من العذاب والمختار عندى ان العلم علمان علم يتعلق بظاهر القلب وذا لا يستتبع العمل ومنه علم اليهود يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ لا يجديهم معرفتهم شيئا مثلهم كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً وعلم وهبى يتخلص الى صميم القلب بعد انجلائه والى النفس بعد اطمينانه وهو المعنى في قوله تعالى إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ وقوله عليه الصلاة والسلام العلماء ورثة الأنبياء يحبهم اهل السماء ويستغفر لهم الحيتان في البحر إذا ماتوا الى يوم القيامة- رواه ابن النجار عن انس- وأشار الى كلا العلمين أفضل الأنبياء عليه الصلاة والثناء خير الخيار خيار العلماء وشر الشرار شرار العلماء- رواه الدارمي من حديث الأحوص بن حكيم وعن الحسن قال العلم علمان فعلم في القلب فذلك العلم النافع وعلم على اللسان فذلك حجة الله على ابن آدم- رواه الدارمي. وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقران وَاتَّقَوْا عذاب الله بترك المعاصي والسحر لَمَثُوبَةٌ يعنى ادنى ثواب سمى الجزاء ثوابا ومثوبة لان المحسن يثوب ويميل اليه مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ جواب لو واصله لا ثيّبوا مثوبة من عند الله خيرا ممّا شروا به أنفسهم او مما سواه فحذف الفعل وجعل الباقي جملة اسمية ليدل على ثبات المثوبة والجزم بخيريتها وحذف المفضل عليه إجلالا للمفضل من ان

[سورة البقرة (2) : آية 104]

ينسب اليه او للتعميم وعدم تخصيص التفضيل بشىء مما سواه- وقيل لو للتمنى ولمثوبة كلام مبتدأ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (103) ان ثواب الله خير والكلام فيه كالكلام فيما سبق- اخرج ابن المنذر انه كان المسلمون يقولون راعنا يا رسول الله من المراعاة اى ارعنا سمعك اى فرّغ سمعك لكلامنا يقال أرعى الى الشيء وأرعاه وراعاه إذا أصغى اليه واستمعه- او المعنى راعنا اى راقبنا وتانّ بنا فيما تلقينا حتى نفهمه- والرعي حفظ الغير لمصلحته- وكان هذا اللفظ سبّا قبيحا بلغة اليهود قيل كان معناه اسمع لا سمعت وقيل كان معناه يا أحمق من الرعونة فسمع اليهود فخاطبوا النبي صلى الله عليه وسلم بنية السب ويضحكون فيما بينهم لعنهم الله ففطن بها سعد بن معاذ رضى الله عنه فقال لان سمعتكم تقولون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا قتلنكم فقالوا ولستم تقولونها فانزل الله تعالى. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا يعنى انظر إلينا واسمع كلامنا او انتظر وتأنّ بنا حتى نفهم كلامك وَاسْمَعُوا ما تؤمرون به وأطيعوا والمعنى أحسنوا الاستماع مع جمع حتى لا تحتاجوا الى طلب المراعاة وَلِلْكافِرِينَ يعنى اليهود الذين سبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لعنهم الله عَذابٌ أَلِيمٌ (104) اى مولم- كان المسلمون يقولون لحلفائهم من اليهود أمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فقالت اليهود ما هذا الذي تدعوننا اليه بخير مما نحن عليه ولو دونا لو كان خيرا فانزل الله تعالى تكذيبا لهم. ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ الود محبة الشيء مع تمنيه ولذلك استعمل في كل منهما- ومن للبيان ولا زائدة عطف على اهل الكتاب أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ مفعول يودّ من الاولى مزيدة للاستغراق والثانية للابتداء والخير الوحى- والمعنى انهم يحسدونكم ولا يودون ان ينزل عليكم وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ- بنبوته مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (106) الفضل ابتداء احسان بلا علة- ولمّا قال المشركون ان محمدا صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بامر ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه ما يقوله الا من تلقاء نفسه فانزل الله تعالى. ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ من بيانية- والنسخ عبارة عن شيئين أحدهما النقل والتحويل ومنه نسخ الكتاب وثانيهما الرفع والازالة يقال نسخت الشمس الظل والمراد هاهنا الثاني وهو في الحقيقة بيان لانتهاء التعبد بقراءتها فقط دون حكمها مثل اية الرجم-

[سورة البقرة (2) : آية 107]

او بحكمها المستفاد منها فقط دون قراءتها مثل اية الوصية للاقارب واية عدة الوفاة بالحول- او بهما جميعا كما قيل انها كانت سورة الأحزاب مثل سورة البقرة فرفع أكثرها تلاوة وحكما- ثم المنسوخ حكمها منها ما أقيم غير ذلك الحكم مقامه كما في وصية الأقارب نسخت بالميراث وعدة الوفاة بالحول نسخت الى اربعة أشهر وعشر ومنها ما لم يقم غيره مقامه كامتحان النساء- والنسخ انما يعترض الأوامر والنواهي دون الاخبار- قرا الجمهور بفتح النون والسين من نسخ اى نرفعها- وقرا ابن عامر بضم النون وكسر السين من الانساخ اى نأمرك او جبرئيل بنسخها او تجدها منسوخة وما شرطية جازمة لننسخ منتصبة على المفعولية أَوْ نُنْسِها قرا ابن كثير وابو عمرو بفتح النون الاول والسين مهموزا اى نؤخرها من النساء اى نؤخر حكمها ونرفع تلاوتها كما في اية الرجم فعلى هذا يكون النسخ الاول بمعنى رفع التلاوة والحكم- او المعنى تؤخرها في اللوح المحفوظ يعنى لم ننزلها عليك- فمعنى النسخ الرفع بعد الانزال ومعنى النساء عدم الانزال وقرا الباقون ننسها بضم النون وكسر السين من الانساء والنسيان ضد الحفظ اى نمحّها عن قلبك روى عن ابى امامة بن سهل بن حنيف- ان قوما من الصحابة رضى الله عنهم قاموا ليلة ليقرءوا سورة فلم يذكروا منها الا بسم الله الرحمن الرحيم فغدوا الى النبي صلى الله عليه وسلم فاخبروه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك سوره رفعت بتلاوتها وأحكامها- وقيل معناه نتركها اى لا ننسخها كما قال الله تعالى نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ يعنى تركوه فتركهم وهذا غير مستقيم لقوله تعالى نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها فانها تدل على إزالتها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها فى النفع للعباد وبالسهولة او كثرة الثواب لان اية خير من اية فان كلام الله واحد وكله خير أَوْ مِثْلِها فى ذلك أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) استفهام تقرير اى انك تعلم واحتج بهذه الاية من يمنع النسخ بلا بدل او بدل أثقل منه او نسخ الكتاب بالسنة- وأجيب بانه قد يكون عدم الحكم أصلح وان ما هو الأثقل فهو انفع من حيث الثواب- وان السنة ايضا مما أتاه الله تعالى وعلّمه لنبيه صلى الله عليه وسلم. أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فهو كالدليل على قوله تعالى أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وعلى جواز النسخ ولذلك ترك العاطف وَما لَكُمْ يا معشر الكفار عند نزول العذاب مِنْ دُونِ اللَّهِ مما سواه مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (107) الولي القريب وهو قد يضعف عن النصر والنصير قد يكون أجنبيا من المنصور فبينهما عموم وخصوص من وجه والله اعلم-

[سورة البقرة (2) : آية 108]

اخرج ابن ابى حاتم من طريق سعيد وعكرمة عن ابن عباس قال قال رافع بن حرملة ووهب بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا محمد اتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه او فجر لنا الأرض عيونا نتبعك ونصدقك فانزل الله تعالى. أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ وقال البغوي نزلت في اليهود حين قالوا اتنا بكتاب من السماء جملة كما اتى موسى بالتورية- وقيل نزلت في المشركين حين قالوا لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ- واخرج ابن جرير عن مجاهد قال ... سالت قريش محمدا صلى الله عليه وسلم ان يجعل لهم الصفا ذهبا فقال نعم وهو لكم كالمائدة لبنى إسرائيل ان كفرتم فابوا ورجعوا فنزلت- واخرج السدى قال سالت العرب محمدا صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالله فيروه جهرة فنزلت- وكذا قال البغوي انه قيل سالوه فقالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى ... تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا- واخرج السدى عن ابى العالية قال قال رجل يا رسول الله لو كانت كفاراتنا ككفارات بنى إسرائيل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اعطاكم الله خيرا «1» كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفاراتها فان كفّرها كانت له خزى في الدنيا وان لم يكفّرها كانت له خزى في الاخرة وقد اعطاكم الله خيرا من ذلك قال الله تعالى مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً والصلاة الخمس والجمعة الى الجمعة كفارات لما بينهن- فانزل الله تعالى أم تريدون الاية- وأم منقطعة ومعناه بل أتريدون والمراد به التوصية بعدم الاقتراح بالسؤال- قال البغوي أم بمعنى الهمزة يعنى أتريدون والميم زائدة وقيل بل تريدون ويمكن ان يقال انها متصلة داخلة على الجملة للتسوية بين الجملتين معطوفة على الهمزة في قوله تعالى الم تعلم والخطاب فيه وان كان الى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة لكن المراد به هو وأمته امة الاجابة او الدعوة لقوله تعالى وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ- وانما أفرد لانه صلى الله عليه وسلم أعلمهم ومبدا علمهم فالتقدير ألم تعلموا انّ الله له ملك السماوات والأرض قادر على الأشياء كلها يأمر وينهى كما أراد أم تعلمون ذلك وتقترحون بالسؤال كما اقترحت اليهود على موسى- وهذا انما يستقيم ان كان نزول الآيتين في واقعة دفعة واحدة واما على تقدير اختلاف شأن نزولهما فلا- ومنع السكاكي كونها متصلة وقال علامة كون أم متصلة وقوع المفرد بعدها وكونها منقطعة وقوع الجملة بعدها كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ ساله قومه أرنا الله جهرة وَمَنْ يَتَبَدَّلِ اى يستبدل الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ

_ (1) فى الأصل خير

[سورة البقرة (2) : آية 109]

اى ترك الثقة بالآيات البينات وشك فيها واقترح غيرها فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (108) حتى وقع في الكفر بعد الايمان والمعنى لا تقترحوا فتضلوا- قال البغوي قال نفر من اليهود لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد لو كنتم على الحق ما هزمتم فارجعا الى ديننا فنحن اهدى سبيلا منكم الحديث فنزلت. وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ واخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس انها نزلت في حييّ وابى ياسر بنى اخطب من اليهود وكانا من أشد يهود حسدا للعرب إذا خصهم الله تعالى برسوله وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام ما استطاعا لَوْ يَرُدُّونَكُمْ يا معشر المؤمنين- لو مصدرية تنوب ان في المعنى دون العمل في اللفظ فهو مفعول ودّ- او هو بمعنى ليت حكاية وبيان لودادهم مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً مرتدين جال من ضمير المخاطبين حَسَداً منصوب على انه علة ود- او على المصدرية اى يحسدونكم حسدا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ متعلق بود اى تمنوا ذلك من خبث أنفسهم لم يأمرهم الله تعالى بذلك- او بحسد اى حسدا منبعثا من عند أنفسهم مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ بالمعجزات ومعرفة النعوت المذكورة فى التورية فَاعْفُوا فاتركوهم وَاصْفَحُوا وتجاوزوا- كان هذا قبل الأمر بالقتال حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ الذي هو الاذن في القتال وضرب الجزية وقيل قتل قريظة واجلاء بنى النضير إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) فيقدر على الانتقام منهم. وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ عطف على فاعفوا يعنى اتركوهم وخالفوهم بالإلجاء الى الله تعالى بالعبادة وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ صلوة او صدقة او غير ذلك تَجِدُوهُ اى ثوابه عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) . وَقالُوا اى اهل الكتاب من اليهود والنصارى لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى لف بين قولى الفريقين اعتمادا بفهم السامع- اى قالت اليهود لن يدخل الجنة الا من كان هودا ولا دين الا دين اليهودية- وقالت النصارى لن يدخل الجنة الا من كان نصارى ولا دين الا النصرانية حين اجتمع وفد نجران في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اليهود فكذّب بعضهم بعضا قال الفرّاء هودا بمعنى يهودا حذف الياء الزائدة- وقال الأخفش اليهود جمع هائد كعود جمع عائد وحّد ضمير اسم كان وجمع الخبر نظرا الى اللفظ والمعنى تِلْكَ يعنى مودتهم ان لا ينزل عليكم خير من ربكم المستفادة من قوله تعالى ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا الاية وقوله تعالى وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ

[سورة البقرة (2) : آية 112]

أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ الآية- وان لا يدخل الجنة الا هم- او المضاف محذوف اى أمثال تلك الامنية يعنى لا يدخل الجنة الا هم أَمانِيُّهُمْ اى شهواتهم الباطلة جمع امنية افعولة من التمني كالاضحوكة والاعجوبة والجملة معترضة قُلْ يا محمد هاتُوا أصله أتوا قلبت الهمزة هاء بُرْهانَكُمْ على اختصاصكم بدخول الجنة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (111) فى دعويكم فان الدعوى على امر مستقبل بلا برهان باطل كاذب والجواب محذوف دل عليه ما قبله. بَلى يعنى ليس كما قالوا مَنْ أَسْلَمَ اى أخلص وَجْهَهُ والمراد به نفسه او قصده لِلَّهِ وحده وَهُوَ مُحْسِنٌ يعبد ربه بالإخلاص كانه يراه كذا مر تفسير الإحسان في المتفق عليه من حديث تعليم جبرئيل فَلَهُ أَجْرُهُ الذي وعده على عمله ثابتا عِنْدَ رَبِّهِ والجملة جواب من ان كانت شرطية وخبرها ان كانت موصولة والفاء فيها لتضمنها معنى الشرط والوقف على بلى وبهاتم الرد ان كانت شرطية وكذا يحتمل ان كانت موصولة- ويحتمل ان يكون الموصول مع صلتها فاعل فعل محذوف اى بلى يدخلها من اسلم- وحينئذ فله أجره جملة مبتدأة معطوفة على ما سبق وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) فى الاخرة اخرج ابن ابى حاتم من طريق سعيد وعكرمة عن ابن عباس انه لما قدم وفد نجران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتتهم أحبار اليهود فتنازعوا فقال رافع بن حريملة ما أنتم على شىء وكفروا بعيسى عليه السلام والإنجيل وقال رجل من اهل نجران لليهود ما أنتم على شىء وجحدوا بنبوة موسى عليه السلام والتورية فانزل الله تعالى. وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ يصح ويعتد به وَهُمْ والحال انهم يَتْلُونَ الْكِتابَ اى التورية التي تصدق عيسى والإنجيل- او الإنجيل التي يصدق موسى والتورية كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ اى مشركوا العرب وغيرهم من عبدة الأوثان والمجوس والقرون الخالية من الكفار حيث كذّب كل طائفة غيرها وان كانوا على الحق مِثْلَ قَوْلِهِمْ بيان لمعنى ذلك فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ اى يقضى بين الفريقين وغيرهم يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) اى يكذّبهم ويدخلهم النار ويصدّق اهل الحق ويدخلهم الجنة- اخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن يزيد ان مشركى مكة لما صدوا النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية انزل الله تعالى. وَمَنْ أَظْلَمُ من مبتدأ استفهام واظلم خبره والمعنى لا أحدا ظلم

[سورة البقرة (2) : آية 115]

مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ انما أورد لفظ الجمع وان كان المنع واقعا على مسجد وأحد لان الحكم عام وان كان المورد خاصا أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ثانى مفعولى منع كما في قوله تعالى وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ- او الخافض محذوف اى من ان يذكر او منصوب على العلية اى كراهة ان يذكر وَسَعى فِي خَرابِها بالتعطيل عن ذكر الله فانهم لما منعوا من يعمّره بالذكر فقد سعوا في خرابه وكذا ذكر البغوي عنه وعن عطاء- وذكر عن قتادة والسدى ان المراد بمن مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ ... وَسَعى فِي خَرابِها طيطوس بن اسبسيانوس الرومي وأصحابه حملهم بغض اليهود على معاونة بخت نصر البابلي المجوس فغزوا اليهود فقتلوا مقاتليهم وسبوا ذراريهم وحرّقوا التورية وخربوا بيت المقدس وذبحوا فيه الخنازير والقوا فيه الجيف وكان بيت المقدس موضع حج النصارى ومحل زيارتهم- قلت ولعل الغرض من ذلك تعيير النصارى بما فعل اباؤهم وهم به راضون كما ان الغرض من ذكر ما صدر من أسلاف اليهود من عبادة العجل وغير ذلك تعييرهم أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ فى علم الله وقضائه أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ فيه وعد للمؤمنين بالنصر واستخلاص المساجد منهم وقد أنجز الله وعده حين فتح مكة على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وامر النبي صلى الله عليه وسلم مناديا ينادى الا لا يحجن بعد العام مشرك وفتح الروم على عمر بن الخطاب وكان بيت المقدس خرابا فبناه المسلمون- وقيل هذا خير بمعنى الأمر او النهى اى قاتلوهم حتى لا يدخلها أحد منهم الا خائفا من القتل والسبي او لا تمكنوهم من الدخول في المساجد- وقيل المعنى ما كان ينبغى لهم ان يدخلوها الا بخشية وخضوع فضلا عن تخريبها وحينئذ الجملة في محل النصب على الحال من فاعل منع وسعى- لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ قتل وسبى وذلة بضرب الجزية وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (114) النار المؤبدة بكفرهم وظلمهم. وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ اى له الأرض كلها مشارقها ومغاربها ملكا وخلقا والمخلوقات كلها مظاهر وجوده ومجال نوره وهو نور السموات والأرض وقيم الأشياء فلا يختص به مكان دون مكان- وانما امر القبلة امر تعبدي والتكليف انما هو بقدر الطاقة فاذا لم تقدروا على استقبال القبلة في الفرائض لعدوّ- او اشتبه القبلة وتحريتم فيها وغلطتم فيه- او تحرجتم في نوافل السفر فى النزول عن المراكب والامتناع من السير والنوافل أسهل من امر الفرائض فَأَيْنَما شرط تُوَلُّوا مجزوم به اى الى اى جهة تولوا يعنى وجوهكم والجواب فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ اى جهة المأمور

[سورة البقرة (2) : آية 116]

باستقبالها يعنى قبلة الله كذا قال الحسن ومجاهد وقتادة ومقاتل- وقيل رضأ الله- وقيل هى من المتشابهات كقوله تعالى كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ- ويَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ- اخرج مسلم والترمذي والنسائي عن ابن عمر قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلى على راحلته تطوعا أينما توجهت به وهو جاء من مكة الى المدينة ثم قرا ابن عمرو لله المشرق والمغرب- وقال مجاهد أنزلت هذه الاية واخرج الحاكم عنه قال أنزلت فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ان يصلى حيثما توجهتك راحلتك في التطوع- وقال صحيح على شرط مسلم- واخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن ابن عباس نزول هذه الاية حين تحولت القبلة وقالوا ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها- واسناده قوى- قلت والاول أصح سندا ومعنى فان جواب ما وليهم نازل هناك حيث قال قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ- وفي شأن نزول الاية روايات اخر ضعيفة منها ما اخرج الترمذي وابن ماجة والدارقطني حديث ربيعة قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر اين القبلة فصلى كل رجل منا على خياله فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت- وما اخرج الدارقطني والبيهقي حديث جابر قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية كنت فيها فاصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة فصلوا وخطوا خطوطا فلما أصبحوا أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة فلما قفلنا من سفرنا سالنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسكت وانزل الله تعالى وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ الاية- واخرج ابن مردوية عن ابن عباس نحوه وفيه فاخذتهم ضبابة فلم يهتدوا الى القبلة- ومنها ما اخرج ابن جرير عن مجاهد قال لمّا نزلت ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ قالوا الى اين فنزلت الاية إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ بإحاطة نوره ووجوده الأشياء كلها منها مشارق الأرض ومغاربها احاطة غير متكيفة ولا مدركا كنهها قال المجدد رضى الله عنه فى حقيقة الصلاة انها وسعة ذاتية بلا كيف لا تدرك كنهها عَلِيمٌ (115) باعذار العباد ومصالحهم ونياتهم. وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً نزلت في يهود المدينة قالوا عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وفي نصارى نجران قالوا المسيح ابن الله وفي مشركى العرب قالوا الملائكة بنات الله- قرا ابن عامر قالوا بلا واو باعتبار انه استيناف قصة اخر والجمهور بالواو عطفا على قالت اليهود او على منع او على مفهوم من اظلم يعنى ظلموا وقالوا.... سُبْحانَهُ أسبحه سبحانا وانزهه تنزيها من ذلك فان التوليد يقتضى التشبه والتجزى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم كذّبنى ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمنى ولم يكن له ذلك فامّا

[سورة البقرة (2) : آية 117]

تكذيبه إياي فزعم انى لا اقدر ان أعيده كما كان واما شتمه إياي فقوله لي ولد فسبحانى ان اتخذ صاحبة ولا ولدا- رواه البخاري وروى عن ابى هريرة نحوه وفيه اما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدنى كما بدانى وليس أول الخلق باهون على من إعادته واما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وانا الأحد الصمد الذي لم الد ولم اولد ولم يكن لى كفوا أحد بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خلقا وملكا فكيف يتصور التوالد حيث لا مجانسة بين المخلوق الممكن المحتاج في الوجود وتوابعه الهالك في نفسه والخالق الواجب الغنى القيوم المتأصل بوجوده كُلٌّ ما في السموات والأرض لَهُ قانِتُونَ (116) اى قائمون بالشهادة على توحيده مقرّون بعبوديته فان الممكن يشهد ويدل انه عبد محتاج الى خالق واجب واحد لا يماثله ممكن فهو نظير قوله تعالى وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ لا يفقه شهادتهم وتسبيحهم وتحميدهم الا ارباب القلوب بمشاعر قلوبهم التي يدرك بها حياتهم او ارباب العقول المستدلين بذواتهم واحتياجاتهم- واصل القنوت القيام قال عليه الصلاة والسلام أفضل الصلاة طول القنوت- رواه مسلم واحمد والترمذي- والمعنى انهم مطيعون روى احمد بسند حسن عن ابى سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم كل حرف من القران يذكر فيه القنوت فهو الطاعة قلت يعنى لا يمتنعون عن مشيته وتكوينه وكلما هذا شأنه لا يجانس الواجب- وجاء بما لشموله لما لا يعقل وقال قانتون تغليبا لذوى العقول او لانه لما اثبت لهم القنوت التي هى هيئة ارباب العقول جمعهم على هيئتهم وقيل معناه كلما زعموه الها من المسيح وعزير والملائكة كلهم له قانتون مطيعون مقرّون بالعبودية فيكون إلزاما بعد اقامة الحجة-. بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى مبدعهما وخالقهما وخالق كل شىء كما هو خالق ما فيهما او المعنى بديع سمواته وارضه وَإِذا قَضى أَمْراً اى أراد شيئا- واصل القضاء الفراغ ومنه إطلاقه على إتمام الشيء قولا كقوله تعالى وَقَضى رَبُّكَ- او فعلا كقوله تعالى فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ويطلق على تعلق الارادة الالهية بوجود شىء من حيث انه يوجبه فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) من كان التامة لعدم الخبر اى أحدث فيحدث- واما كون الشيء موصوفا بصفة فليس مدلولا لهذه الاية- قرا الجمهور فيكون بالرفع استينافا او عطفا على يقول في جميع المواضع غير ان الكسائي تابع ابن عامر في النحل ويس فنصب- وقرا ابن عامر فيكون بالنصب في جميع المواضع «1»

_ (1) يعنى هنا وفي ال عمران فيكون ونعلمه وفي النحل ومريم ويس وغافر- منه رحمه الله

[سورة البقرة (2) : آية 118]

الا في ال عمران كن فيكون الحقّ- وفي سورة الانعام كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ- وانما نصبها بتقدير ان بعد الفاء في جواب الأمر- وهاهنا مباحث أحدها انه لا يجوز الخطاب مع المعدوم وأجيب بانه لما قدر وجوده كان كالموجود فصح الخطاب- وقال ابن الأنباري معنى انما يقول له اى لاجل تكوينه فعلى هذا لم يبق معنى الخطاب- وقال البيضاوي ليس المراد به حقيقة الأمر والامتثال بل تمثيل لحصول ما تعلقت به إرادته بلا مهلة بطاعة المأمور المطيع بلا توقف وفيه تقرير لمعنى الإبداع- ثانيها انه نصب يكون بتقدير ان يقتضى ان يكون صيغة الأمر بمعناه حتى يقدر بعده بعد الفاء ان في جوابه وليس الأمر كذلك بل هو على سبيل تمثيله بسرعة حصول المراد فكيف يتصور النصب- وأجيب بان نصبه على جواب الأمر بالفاء في ظاهر اللفظ وان لم يكن في المعنى كذلك- ثالثها ان من شرائط تقدير ان سببيّة ما قبل الفاء لما بعده- وحينئذ يلزم ان يكون للمكن كونان وأجيب عنه بان المراد بالكون الاول الوجوب مجازا إطلاقا بالمسبب على السبب فان الممكن ما لم يجب لم يوجد فتقديره ليكن وجوب ذلك الشيء موجودة- قلت ويمكن الجواب بان المراد بالكونين كونه في دار العمل السبب وكونه في دار الجزاء المسبب لكن هذا التأويل يقتضى الاختصاص بالمكلفين وسياق الاية يقتضى العموم- والصواب ان يقال في الجواب المراد بالكونين كونه في «1» مرتبة الأعيان الثابتة لوجود علمى وكونه في الخارج الظلي بوجود ظلى كذا قالت الصوفية العلية ولا يلزم منه كون مرتبة الأعيان الثابتة حادثة حدوثا زمانيا بل حدوثا ذاتيا- وعلى هذا التأويل هذا الاية تدل على التوحيد الشهودى كما قال به المجدد رضى الله عنه دون التوحيد الوجودي كما قال به الشيخ الأكبر محى الدين العربي قدس سره ان الممكنات ما شمت رائحة الوجود يعنى في الخارج والله اعلم. وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ قال ابن عباس المراد به اليهود- وكذا اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عنه انه قال قال رافع بن حريملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ان كنت رسولا من الله كما تقول فقل لله فليكلمنا حتى نسمع كلامه- وقال مجاهد المراد به النصارى- وانما نفى العلم عن الفريقين لتجاهلهم- وقال قتادة المراد به الأميون من مشركى العرب لَوْلا هلّا وكذا كل ما في القران لولا فهو بمعنى هلّا الا في قوله تعالى فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ معناه فلو لم يكن يُكَلِّمُنَا اللَّهُ كما يكلم الملائكة وكلم موسى فلا يحتاج الى رسول او يكلمنا بانّك رسوله أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ حجة على صدقك والاول استكبار والثاني جحود لما أتاهم من الآيات استهانة

_ (1) فى الأصل في المرتبة

[سورة البقرة (2) : آية 119]

وعنادا كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ اى أسلاف اليهود والنصارى مِثْلَ قَوْلِهِمْ فقالوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً وقالوا هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ اى تشابهت قلوب الأخلاف قلوب الاسلاف في العمى والعناد قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) اى يطلبون اليقين بما هو الحق عند الله تعالى خصهم لان منفعة الآيات راجعة إليهم لا الى المجادلين عتوا وعنادا. إِنَّا أَرْسَلْناكَ متلبسا بِالْحَقِّ ومؤيدا به قال ابن عباس المراد بالحق القران قال الله تعالى بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ بَشِيراً لاهل الطاعة وَنَذِيراً مخوفا لاهل المعصية وَلا تُسْئَلُ قرا نافع ويعقوب على صيغة النهى المبنى للفاعل- والباقون بالرفع على النقي المبنى للمفعول عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (119) هو معظم النار والمعنى على قراءة الجمهور انه لا تسئل انهم لم لم يؤمنوا انما عليك البلاغ وعلينا الحساب وعلى قراءة نافع النهى عن السؤال كناية عن شدة عقوبة الكفار يقال لا تسئل عن شر؟؟ فانه فوق ما تحسب او انه عسير مفزع سماعها- وما ذكر البغوي انه قال عطاء عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم ليت شعرى ما فعل أبواي فنزلت هذه الاية- وقال عبد الرزاق أخبرني الثوري عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي عنه- واخرج ابن جرير من طريق ابن جريح أخبرني داود بن عاصم عنه فذكرا نحوه فليس بمرضى عندى وليس بقوى- ولو صح ذلك فهذا زعم من ابن عباس فانه لو سلم ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ليت شعرى ما فعل أبواي ونزلت في هذا اليوم تلك الاية اتفاقا فلا دليل فيه على ان المراد باصحاب الجحيم أبواه صلى الله عليه وسلم وعلى تقدير التسليم فتلك الاية لا تدل على كفرهما فان المؤمن قد يكون من اصحاب الجحيم لاكتساب بعضى المعاصي حتى تدركه المغفرة بشفاعة شافع او دون ذلك او يبلغ الكتاب اجله- وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم انه قال بعثت من خير قرون بنى آدم قرنا فقرنا حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه رواه البخاري من حديث ابى هريرة وقال صلى الله عليه وسلم ما افترق الناس فرقتين الا جعلنى الله فى خيرهما فاخرجت من بين أبوي ولم يصبنى شىء من عهد الجاهلية خرجت من نكاح لم اخرج من سفاح من لدن آدم حتى انتهيت الى ابى وأمي فانا خيركم نفسا وخيركم أبا- ورواه البيهقي في دلائل النبوة من حديث انس وابو نعيم في دلائل النبوة من حديث ابن عباس نحوه- وقد صنف الشيخ

[سورة البقرة (2) : آية 120]

الاجل جلال الدين السيوطي رضى الله عنه في اثبات اسلام اباء النبي صلى الله عليه وسلم رسائل وأخذت من تلك الرسائل رسالة فذكرت فيها ما يثبت إسلامهم ويفيد اجوبة شافية لما يدل على خلافه فلله الحمد. وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ الملة ما شرع الله لعباده على لسان أنبيائه- من أمللت الكتاب إذا املاته- قيل انهم كانوا يسئلون الهدنة ويطمعونه انه ان امهلهم يؤمنوا فنزلت- واخرج الثعلبي عن ابن عباس ان يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يصلّى الى قبلتهم فلما صرف القبلة الى الكعبة ايئسوا منه فنزلت- وفي الاية مبالغة في اقناط رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إسلامهم يعنى انهم يريدون ان تتبع ملتهم فكيف يتبعونك- ولعلهم قالوا مثل ذلك ولذا القن الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم جوابهم حيث قال قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ الذي هو الإسلام هُوَ الْهُدى اى الحق لا ما يدعون اليه وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ الهوى رأى يتبع الشهوة بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ اى الوحى او الدين المعلوم صحته ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (120) يدفع عنك عقابه. الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ اى القران قال قتادة وعكرمة هم اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وقيل هم المؤمنون عامة او المراد به مؤمنوا اهل الكتابين قال ابن عباس نزلت في اهل السفينة الذين قدموا مع جعفر بن ابى طالب وكانوا أربعين رجلا اثنان وثلثون من الحبشة وثمانية من رهبان الشام منهم بحيرا- وقال الضحاك هم الذين أمنوا من اليهود منهم عبد الله بن سلام وسعية بن عمرو وتمام بن يهودا وأسيد وأسد ابنا كعب بن يامين وعبد الله بن صوريا فحينئذ الموصول للمعهود يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ الضمير راجع الى الكتاب اى يتلون الكتاب بمراعاة اللفظ عن التحريف والتدبر فى معناه والعمل بمقتضاه «1» - وقال الكلبي الضمير راجع الى محمد صلى الله عليه وسلم اى يصفونه في كتبهم حق صفته لمن سألهم من الناس- وهذا على تقدير كون المراد بالموصول مومنوا اهل الكتاب- وقوله تعالى يتلونه حق تلاوته حال مقدرة والخبر ما بعده او خبر وقوله تعالى أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ خبر بعد خبر اى بكتابهم او بمحمد صلى الله عليه وسلم وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ اى بالكتاب بالتحريف-

_ (1) اخرج الخطيب بسند فيه مجاهيل عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أي يتبعونه حق اتباعه- وعن عمر في قوله تعالى يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ قال إذا مر بذكر الجنة سال الله الجنة وإذا مر بذكر النار تعوذ بالله من النار- منه رحمه الله

[سورة البقرة (2) : الآيات 122 إلى 123]

او بالكفر بما يصدقه او بمحمد صلى الله عليه وسلم فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (121) حيث اشتروا الكفر بالايمان. يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) لمّا صدر قصتهم بالأمر بذكر النعمة والقيام بحقوقها والحذر عن اضاعتها والخوف عن الساعة وأهوالها كرر ذلك وختم به الكلام معهم مبالغة في النصح وإيذانا بانه فذلكة القصة والمقصود منها-. وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ- قرا هشام إبرهم في جميع هذه السورة وهى خمسة عشر وفي النساء ثلثة وهى الاخيرة وفي الانعام الحرف الأخير وفي التوبة الحرفان الآخران وفي ابراهم حرف وفي النحل الحرفان وفي مريم ثلثة أحرف وفي العنكبوت الحرف الأخير وفي الشورى حرف وفي الذاريات حرف وفي النجم حرف وفي الحديد حرف وفي الممتحنة الحرف الاول- فذلك ثلثة وثلثون حرفا وجملته تسع وستون «1» وقرا ابن ذكوان في البقرة خاصة بالوجهين «2» والباقون ابراهيم بالياء في الجميع والابتلاء في الأصل التكليف بالأمر الشاق من البلاء وهو يستلزم الاختبار فظن ترادفهما والمراد بالكلمات مدلولاتها وهى الأوامر والنواهي قال عكرمة عن ابن عباس هى ثلثون سهما هن شرايع الإسلام لم يبتل أحد بهذا الدين فاقامه كلّه الا ابراهيم فكتب له البراءة فقال وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى- عشرة في براءة التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ وعشر في الأحزاب ان الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ- وعشر في المؤمنين وسال سائل قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ الاية الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ

_ (1) هكذا في الأصل لعله سبق قلم- ابو محمد عفا الله عنه (2) فى الأصل الوجهين-

لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ- وقال طاؤس ابتلاه الله بعشرة أشياء هى الفطرة خمس في الرأس قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس وخمس في البدن تقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء بالماء- وقال الربيع وقتادة ... مناسك الحج- وقال الحسن ابتلاه الله بسبعة أشياء بالكوكب والقمر والشمس فاحسن فيها النظر وعلم ان ربه دائم لا يزول وبالنار فصبر عليها وبالهجرة وبذبح ابنه وبالختان فصبر عليها- وقال سعيد بن جبير هو قول ابراهيم وإسماعيل إذ يرفعان قواعد البيت رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا فرفعاه بسبحان الله والحمد لله ولا الله الا الله والله اكبر- وقال يمان بن رباب هن محاجة قومه قال الله تعالى وحاجّه قومه الى ان قال وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ- وقيل هى قوله الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ الى اخر الآيات- وقيل المراد بالكلمات ما تضمنه الآيات التي بعدها- قلت والجمع بين هذه الأقوال اولى فالمراد به والله تعالى اعلم ان الله ابتلاه بالأوامر والنواهي كلها منها الثلاثون ومنها العشرة ومنها السبعة وغير ذلك فَأَتَمَّهُنَّ اى فاداهن كلهن كملا وقام بهن حق القيام وقالَ الله تعالى إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً كلمة قال فعل تعلق به الظرف المتقدم اعنى إذ ابتلى معطوفة على ما قبلها- وان كان الظرف متعلقا بمحذوف يعنى اذكر فهى استيناف كانه قيل فماذا قال ربه حين اتمهن فاجيب بذلك او بيان لقوله ابتلى فيكون الكلمات ما ذكره من الامامة وتطهير البيت ورفع قواعده والإسلام وجاعل من الجعل الذي له مفعولان والمراد بالامامة هاهنا النبوة او ما هو أعم منه اعنى من يؤتم به ويجب اطاعته- وليس المراد به السلطنة او الامامة بالمعنى الأخص الذي اخترعه الامامية وليس له في اللغة والشرع اصل- وقد جعل الله تعالى لابراهيم عليه السلام امامة عامة حتى قال لسيد الأنبياء اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً قالَ ابراهيم وَمِنْ ذُرِّيَّتِي عطف على الكاف اى بعض ذريتى- والذرية نسل الرجل فعليّة او فعّولة قلبت راءها الثالثة ياء كما في دسّها- مشتق من الذر بمعنى التفرق- او فعولة او فعيلة من الذرء بمعنى الخلق قلبت

[سورة البقرة (2) : آية 125]

همزتها ياء قالَ الله تعالى لا يَنالُ عَهْدِي يعنى الامامة قرا حفص وحمزة بإسكان الياء والباقون بفتحها الظَّالِمِينَ (124) من ذريتك أجاب دعاءه وخص ذلك بالمتقين- والمراد بالظالم الفاسق ان كان المراد بالامامة النبوة لان العصمة شرط في النبوة اجماعا- او المراد به الكافر ان كان المراد بالامامة أعم من النبوة كل من يؤتم به ويقتدى فان الكافر لا يجوز ان يؤخذ أميرا ولا مطاعا حيث قال الله تعالى وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا وقال وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً- ولو قلنا ان المراد بالامامة كونه مطاعا وبالظالم الفاسق قلنا معنى قوله تعالى لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ان الفاسق وان كان أميرا فلا يجوزا طاعته في الظلم والمعصية لقوله عليه السلام لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق- رواه مالك واحمد من حديث عمران والحكيم بن عمرو الغفاري وروى البخاري ومسلم وابو داود والنسائي من حديث علىّ بلفظ لا طاعة لاحد في معصية الله انما الطاعة في المعروف «1» - واما النصوص الواردة في وجوب إطاعة اولى الأمر كقوله تعالى أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ- وقوله عليه الصلاة والسلام اسمعوا وأطيعوا ولو كان عبدا حبشيا كانّ رأسه زبيبة- فمختصة بما لم يخالف أمرهم امر الشارع فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فليس في الاية حجة للروافض على كون العصمة شرطا في الامامة والله اعلم-. وَاذكر إِذْ جَعَلْنَا ادغم ابو عمرو وهشام الذال من إذ في الجيم هاهنا وحيث وقع وكذا فى الزاء نحو إذ زيّن وفي السين نحو إذ سمعتموه- والصاد نحو إذ صرفنا- والتاء نحو إذ تبرّا والدال نحو إذ دخلوا- وادغم ابن ذكوان في الدال وحدها وخلف «2» في الدال والتاء واظهر خلاد والكسائي عند الجيم فقط ونافع وابن كثير وعاصم يظهرون الذال عند ذلك كله الْبَيْتَ الكعبة غلب عليها كالنجم على الثريا مَثابَةً لِلنَّاسِ اى مرجعا يثوبون اليه من كل جانب- او موضع ثواب لهم بحج وعمرة وصلوة فيها قال عليه الصلاة والسلام صلاته في المسجد الحرام بمائة الف صلوة- رواه ابن ماجة وَأَمْناً اى مأمنا يأمنون فيه من إيذاء المشركين فانهم كانوا لا يتعرضون لاهل مكة ويقولون هم اهل الله ويتعرضون لمن حوله كما قال الله تعالى أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ان هذا البلد

_ (1) واخرج ابن مردوية بسند ضعيف عن على بن ابى طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ قال لا طاعة الا في المعروف- منه رحمه الله (2) وكذا خلف في اختياره- ابو محمد عفا عنه [.....]

حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله الى يوم القيامة وانه لن يحل القتال فيه لاحد ولم يحل لى الا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله الى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته الا من عرّفها ولا يختلى خلاها- فقال العباس يا رسول الله الا الاذخر فانه لقينهم ولبيوتهم فقال الا الاذخر- متفق عليه من حديث ابن عباس وفي رواية ابى هريرة نحوه- وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى والمراد به الركعتان بعد الطواف روى مسلم فى حديث طويل عن جابر بن عبد الله حتى إذا اتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلثا ومشى أربعا ثم تقدم الى مقام ابراهيم عليه السلام فقرا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى فجعل المقام بينه وبين البيت والله اعلم- وكلمة من للتبعيض ان كان المراد بمقام ابراهيم الحرم كله كما قال ابراهيم النخعي- او المسجد كما قال ابن يمان- او مشاهد الحج كلها عرفة ومزدلفة وغيرهما كما قال به بعض الناس- وللابتداء ان كان المراد بمقام ابراهيم الحجر الذي في المسجد يصلى اليه الائمة- وذلك الحجر هو الذي قام عليه ابراهيم عند بناء البيت وكان اثر أصابع رجليه عليه بينا فاندرس بكثر المسح بالأيدي وهذا القول أصح ويدل عليه ما ذكرنا من حديث جابر- فتقديره واتخذوا مصلى قريبا من مقام ابراهيم يعنى في المسجد او في الحرم- قرا نافع وابن عامر بفتح الخاء على الماضي عطفا على جعلنا- وقرا الآخرون بالكسر على الأمر فهو معطوف على جعلنا بتقدير وقلنا اتّخذوا- او على المقدر عاملا لاذ يعنى واذكروا إذ جعلنا واتخذوا او اعتراض معطوف على مقدر تقديره توبوا اليه واتخذوا- وعلى التقديرين الأخيرين خطاب لامة محمد صلى الله عليه وسلم عن انس قال قال عمر بن الخطاب وافقت ربى في ثلث ووافقنى ربى في ثلث قلت يا رسول الله لو اتخذت مقام ابراهيم عليه السلام مصلى فانزل الله واتّخذوا من مقام إبراهيم مصلّى- وقلت يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فانزل الله تعالى اية الحجاب قال وبلغني معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه فدخلت عليهن فقلت ان انتهيتن او ليبدّلن الله رسوله خيرا منكن فانزل الله عز وجل عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ الاية- رواه البخاري وهذه الاية حجة لابى حنيفة ومالك في القول بوجوب الركعتين بعد كل أسبوع من الطواف لان صيغة الأمر للوجوب والاخبار ادل على الثبوت والوجوب وكان القياس فرضية الركعتين للنص القطعي لكن لما كان ورد الاية

فى تلك الصّلوة ثابتا بأحاديث الآحاد قلنا بالوجوب دون الفرضية- وايضا ثبت الركعتين بمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليهما من غير ترك مرة ولا مرتين مع قوله صلى الله عليه وسلم خذوا عنى مناسككم- عن ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف في الحج او العمرة أول ما تقدم سعى ثلثة ومشى اربعة ثم سجد سجدتين ثم تطوف بين الصفا والمروة- متفق عليه وفي البخاري تعليقا قال اسمعيل بن امية قلت للزهرى ان عطاء يقول يجزيه المكتوبة من ركعتى الطواف قال السنة أفضل لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم اسبوعا قط الأصلي ركعتين- وصله عبد الرزاق عن الزهري كما ذكرنا- ووصله ابن ابى شيبة عن الزهري بلفظ مضت السنة ان مع أسبوع ركعتين وقال احمد بن حنبل الأمر للاستحباب وهى رواية عن مالك وللشافعى قولان- ولا يجوز حمل الأمر على الاستحباب لانه مجاز الا عند عدم تصور الوجوب ويجوز ركعتى الطواف في جميع المسجد بل خارج المسجد ايضا اجماعا- وفي الصحيحين في حديث أم سلمة- قال ص إذا أقيمت صلوة الصبح فطوفى على بعيرك والناس يصلون قالت ففعلت ذلك- ولم تصل يعنى أم سلمة بعد الطواف حتى خرجت اى من المسجد او من مكة- وروى البخاري تعليقا ان عمر رضى الله عنه صلى ركعتى الطواف خارج الحرم بذي طوى رواه مالك قلت وذلك للزوم الحرج غالبا في تقييد الصلاة بموضع معين- الا ترى انه كان القياس عدم جواز الصلاة والصوم والحج والزكوة إذا لم يقترن النية والإخلاص مع جميع اجزائها مقارنا للاداء لقوله تعالى فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ- وقوله عليه الصلاة والسلام انما الأعمال بالنيات- متفق عليه من حديث عمر لكنه للزوم الحرج في ذلك جازت الصلاة والحج بوجود النية عند الإحرام والزكوة بوجودها عند إفراز قدر الواجب عن المال- ولما كان في اشتراط النية عند أول جزء من الصيام يعنى عند طلوع الفجر وهو أوان نوم وغفلة غالبا حرج جاز الصوم بالنية من الليل بل عند ابى حنيفة رحمه الله يجوز النية في الصوم الى الضحوة الكبرى كذلك كان القياس تقييد ركعتى الطواف بالمقام لظاهر الاية لكنه جازت ركعتا «1» الطواف في المسجد بل في الحرم كلها للزوم الحرج في تعيين المصلى مع كثرة الطائفين- وقد سمى الله تعالى الحرم كله بالمسجد حيث قال الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ الاية- وقال ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ- واما صلوة عمر رضى الله عنه بذي طوى فكانه قضاء للواجب للضرورة- او نقول ذكر مقام

_ (1) فى الأصل ركعتى-

ابراهيم وقع اتفاقا جريا على الغالب عند عدم الازدحام كما في قوله تعالى وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ وذلك لان أسبوع الطواف ينتهى على الحجر الأسود عند المقام فالغالب الصلاة عند المقام ان لم يمنع مانع كما ان الغالب كون الربائب في الحجور والله اعلم- قال البغوي روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما اتى ابراهيم بإسماعيل وهاجر ووضعهما بمكة وأتت على ذلك مدة ونزلها الجرهميون وتزوج إسماعيل منهم امراة وماتت هاجر استأذن ابراهيم سارة ان يأتى هاجر فاذنت له وشرطت عليه ان لا ينزل- فقدم ابراهيم عليه السلام وقد ماتت هاجر فذهب الى بيت إسماعيل فقال لامراته اين صاحبك قالت ذهب يتصيد وكان إسماعيل يخرج من الحرم فيصيد فقال لها ابراهيم هل عندك ضيافة قالت ليست عندى وسالها عن عيشهم فقالت نحن في ضيق وشدة وشكت اليه فقال لها إذا جاء زوجك فاقرايه السلام وقولى له فليغير عتبة بابه- وذهب ابراهيم فجاء إسماعيل عليهما السلام فوجد ريح أبيه فقال لامراته هل جاءك أحد قالت جاءنى شيخ صفته كذا وكذا كالمستخفة بشأنه قال فما قال لك قالت قال اقرئي زوجك السلام وقولى فليغير عتبة بابه- قال ذاك ابى وقد أمرني ان أفارقك الحقي باهلك فطلقها وتزوج منهم اخرى فلبث ابراهيم عليه السلام ما شاء الله ان يلبث ثم استأذن سارة ان يزور إسماعيل فجاء ابراهيم حتى انتهى الى باب إسماعيل فقال لامراته اين صاحبك قالت ذهب يتصيد وهو يجىء ان شاء الله تعالى فانزل رحمك الله قال هل عندك ضيافة قالت نعم فجاءت باللبن واللحم- وسالها عن عيشهم فقالت نحن بخير وسعة فدعا لهما بالبركة ولو جاءت يومئذ بخبز بر او شعير او تمر لكانت اكثر ارض الله برا وشعيرا وتمرا- وقالت له انزل حتى اغسل رأسك فلم ينزل- فجاءته بالمقام فوضعته عن شقه الايمن فوضع قدمه عليه فغسلت شق رأسه الايمن ثم حولته الى شقه الأيسر فغسلت شق رأسه الأيسر فبقى اثر قدميه عليه فقال لها إذا جاء زوجك فاقرايه السلام وقولى له قد استقامت عتبة بابك فاضبطها فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه فقال لامراته هل جاءك أحد قالت نعم شيخ احسن الناس وجها وأطيبهم ريحا فقال لى كذا وكذا وقلت له كذا وكذا وغسلت رأسه وهذا موضع قدميه فقال ذلك ابراهيم وأنت العتبة أمرني ان امسكك- ثم لبث عنهم ما شاء الله تعالى ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل عليه السلام يبرىء نبلا تحت دوحة قريبة من زمزم فلما راه قام اليه فصنعا كما يصنع

[سورة البقرة (2) : آية 126]

الوالد بالولد والولد بالوالد ثم قال يا إسماعيل ان الله أمرني بامر أتعيننى عليه قال أعينك عليه- قال ان الله تعالى أمرني ان ابني بيتا فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتيه بالحجارة وابراهيم عليهما السلام يبنى فلما ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام ابراهيم على حجر المقام وهو يبنى وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ- وفي الحديث- الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة- رواه مالك عن انس مرفوعا وعن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما ولو لم يطمس نورهما لاضاء اما بين المشرق والمغرب- رواه الترمذي وذكر البغوي بلفظ لولا ما مسته أيدي المشركين لاضاءتا ما بين المشرق والمغرب- ولاهل الاعتبار هاهنا استنباط وهو ان في كل مكان مكث فيه رجل من اهل الله تعالى حينا من الدهر ينزل هناك بركات من السماء وسكينة تجذب القلوب الى الله تعالى ويتضاعف هناك اجر الحسنات وكذا وزر السيئات والله اعلم- وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ اى امرناهما وأوصينا إليهما أَنْ طَهِّرا اى بان طهرا ويجوز ان يكون ان مفسرة لتضمين العهد معنى القول بَيْتِيَ اضافه اليه تفضيلا يعنى ابنيا على الطهارة والتوحيد قال سعيد بن جبير وعطاء طهراه من الأوثان والريب وقول الزور- وقيل بخراه وخلّقاه- قرا نافع وهشام وحفص بفتح الياء هاهنا وفي سورة الحج وزاد حفص في سورة نوح لِلطَّائِفِينَ حوله وَالْعاكِفِينَ المقيمين عنده او المعتكفين فيه وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) جمع راكع ساجد يعنى المصلين. وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا المكان بَلَداً آمِناً ذا أمن كقوله عيشة راضية اى ذات رضية- او أمنا من فيه كقولك ليل نائم وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ دعا بذلك لانه كان واديا غير ذى زرع- وفي القصص ان الطائف كانت من مدائن الشام بأردن- فلما دعا ابراهيم عليه السلام أمر الله جبرئيل حتى اقتلعها من أصلها وأدارها حول البيت سبعا ثم وضعها هاهنا ومنها اكثر ثمرات مكة مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ بدل من اهله بدل البعض خصهم بالدعاء كيلا يكون امانة للكفار على كفرهم قالَ الله تعالى وَمَنْ كَفَرَ عطف على من أمن والمعنى وارزق من كفر وتم الكلام- وفيه تنبيه على ان الرزق الذي هو رحمة دنيوية يعم المؤمن والكافر ولذلك يقال رحمن الدنيا

[سورة البقرة (2) : آية 127]

ورحيم الاخرة بخلاف النبوة وكونه مطاعا في الدين او يكون من كفر مبتدأ تضمن معنى الشرط خبره فَأُمَتِّعُهُ قرا ابن عامر مخففا من الافعال والباقون مشددا من التفعيل ومعناهما واحد قَلِيلًا اى متاعا قليلا فان متاع الدنيا قليل بالنسبة الى الاخرة او قليل رتبة عند الله تعالى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء- رواه الترمذي وصححه وايضا عن سهل بن سعد- او في زمان قليل الى مدة اجالهم- فان قيل الكفر لا يكون سببا للتمتع فكيف ادخل الفاء على خبره أجيب بانه سبب لتقليل التمتع حيث يجعل نعماء الدنيا مقصورة على حظوظها العاجلة ويمنع كونها وسائل لنيل درجات الاخرة بخلاف المؤمن فان ما أنعم الله عليه في الدنيا لاجل شكره عليه وصرفه في مرضات ربه سبب لنيل درجات الاخرة المؤبدة- ويمكن ان يقال متاع الحيوة الدنيا خبيثة ملعونة عند الله فيمكن ان يكون الكفر سببا لحصوله الم تسمع قوله تعالى- وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا- يعنى ان المقتضى الأصلي للكفر متاع الحيوة الدنيا ولولا مانع كون الناس امة واحدة لاقتضى الكفر كون بيوتهم وأبوابهم وسررهم فضة وذهبا- قال عليه الصلاة والسلام الدنيا ملعونة وملعون ما فيها الا ذكر الله وما والاه وعالما ومتعلما- رواه ابن ماجة عن ابى هريرة والطبراني بسند صحيح في الأوسط- وفي الكبير بسند صحيح عن ابى الدرداء بلفظ الا ما ابتغى به وجه الله عز وجل ثُمَّ أَضْطَرُّهُ اى ألجئه والزه لزة المضطر لكفره وصرفه المتاع فى غير مرضات ربه معطوف على أمتعة إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) هو اى العذاب قال مجاهد وجد عند المقام مكتوبا انا الله ذوبكة صنعتها يوم خلقت الشمس والقمر وحرمتها يوم خلقت السموات والأرض وحففتها بسبعة املاك يأتيها رزقها من ثلثة سبل مبارك لها في اللحم والماء-. وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ حكاية حال ماضية جمع قاعدة وهى الأساس صفة غالبة من القعود بمعنى الثبات مجاز من القعود ضد القيام- ورفعها البناء عليها فانه ينقلها من هيئة الانخفاض الى هيئة الارتفاع وقال الكسائي القواعد الجدر وكل جدار قاعدة ما وضع فوقه ورفعها بناؤها وَإِسْماعِيلُ عطف على ابراهيم وسبب فصله عنه

بتقديم المفعول ان الباني لم يكن الا ابراهيم ولذا أفرده اولا بالذكر وكان إسماعيل يناوله الحجارة فكان له مدخل في البناء ولذا عطف عليه ثانيا- قال البغوي روت الرواة ان الله سبحانه خلق موضع البيت قبل الأرض بألفي عام وكانت زبدة بيضاء على الماء فدحيت الأرض من تحتها فلما اهبط الله تعالى آدم عليه السلام الى الأرض استوحش فشكا الى الله عز وجل فانزل الله تعالى البيت المعمور من ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زمرد اخضر باب شرقى وباب غربى فوضعه على موضع البيت وقال يا آدم انى أهبطت لك بيتا تطوف به كما يطاف حول العرش وتصلى عنده كما يصلّى عند عرشى- وانزل الحجر وكان ابيض فاسود من لمس الحيض في الجاهلية- فتوجه آدم من ارض الهند الى مكة ماشيا وقيض الله له ملكا يدل له على البيت- فحج البيت واقام المناسك فلما فرغ تلقته الملائكة وقالوا برّ حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام- قال ابن عباس حج آدم أربعين حجة من الهند الى مكة على رحلته- فكان على ذلك الى ايام الطوفان فرفعه الله تعالى الى السماء الرابعة يدخله كل يوم سبعون الف ملك ثم لا يعودون اليه- وبعث جبرئيل حتى خبا الحجر الأسود في جبل ابى قبيس- صيانة له من الغرق- فكان موضع البيت خاليا الى زمن ابراهيم عليه السلام- ثم ان الله تعالى امر ابراهيم عليه السلام بعد ما ولد له إسماعيل وإسحاق ببناء البيت يذكر فيه فسأل الله عز وجل ان يبين موضعه فبعث السكينة لتدله على موضع البيت- وهى ريح خجوج لها رأسان شبيه الحية- وامر ابراهيم ان يبنى حيث يستقر السكينة- فتبعها ابراهيم حتى أتيا مكة فتطوت السكينة على موضع البيت كتطوى الجحفة هذا قول على والحسن- وقال ابن عباس بعث الله تعالى سحابة على قدر الكعبة فجعلت تسير وابراهيم يمشى في ظلها الى ان وافت مكة ووقفت على موضع البيت فنودى منها ابراهيم ان ابن على ظلها لا تزد ولا تنقص- وقيل أرسل الله جبرئيل ليدله على موضع البيت فذلك قوله تعالى وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ- فكان ابراهيم يبنى وإسماعيل يناوله الحجر- قال ابن عباس بنى البيت من خمسة اجبل طور سينا وطور زيتا ولبنان وهو جبل بالشام والجودي وهو جبل بالجزيرة وبنى قواعد من حرا وهو جبل بمكة فلما انتهى الى موضع الحجر الأسود قال لاسماعيل ايتني بحجر حسن يكون للناس علما فاتاه بحجر فقال ايتني بأحسن من هذا فمضى إسماعيل بطلبه فصاح ابو قبيس يا ابراهيم ان لك عندى وديعة فخذها فاخذ الحجر الأسود فوضعه مكانه- وقيل ان الله تعالى بنى في السماء بيتا وهو البيت المعمور ويسمى ضراح وامر الملائكة ان يبنوا

[سورة البقرة (2) : آية 128]

الكعبة في الأرض بحياله على قدره ومثاله- وقيل أول من بنى الكعبة آدم واندرس زمن الطوفان ثم أظهره الله تعالى لابراهيم عليه السلام حتى بناه رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ لدعائنا الْعَلِيمُ (127) بنياتنا. رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ اى منقادين لجميع او أمرك ظاهرا وباطنا قال عليه الصلاة والسلام المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده- متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر والمعنى من لا يصدر عنه معصية فيسلم هو من عذاب الله ويسلم غيره من إيذائه او من خبث صحبته وهذا هو الإسلام الكامل المعبر بالإسلام الحقيقي ولا يتصور الا بعد اطمينان النفس وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ من للتبعيض دعوالهم بشفقة الابوة وخصا «1» بعضهم لما علما مما سبق ان يكون بعضهم كفارا- ويحتمل ان يكون من للبيان فصل به بين العاطف والمعطوف كما في قوله تعالى خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ- وَأَرِنا اى عرّفنا أصله أرانا على وزن اكفنا- قرا ابن كثير وابو شعيب أرنا وأرنى ساكن الراء حيث وقع بحذف الهمزة مع كسرتها للتخفيف وقرا ابو عمر بالاختلاس والباقون مكسور الراء بحذف الهمزة بعد نقل بعض حركتها او كلها الى الراء مَناسِكَنا اى شرائع ديننا واعلام حجنا والنسك في الأصل غاية العبادة شاع في الحج لما فيه من الكلفة غالبا- قال البغوي فاجاب الله دعوتهما وبعث جبرئيل فاراهما المناسك في يوم عرفة فلما بلغا عرفات قال عرفت يا ابراهيم قال نعم فسمى الوقت والمكان عرفة وَتُبْ عَلَيْنا قالا ذلك الدعاء هضما لانفسهما وإرشادا لذريتهما إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) لمن تاب إليك. رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ من أنفسهم فاجاب الله دعونهما وبعث محمدا صلى الله عليه وسلم- عن العرباض بن سارية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال انى عند الله مكتوب خاتم النبيين وان آدم لمنجدل في طينته وساخبركم باول امرى دعوة ابراهيم وبشارة عيسى عليهما السلام ورؤيا أمي التي رات حين وضعتني وقد خرج منها نور أضاءت لها منه قصور الشام- رواه البغوي في شرح السنة واحمد عن ابى امامة عن قوله ساخبركم الى آخره يَتْلُوا عَلَيْهِمْ يقرا آياتِكَ الدلائل على التوحيد والنبوة وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ القران وَالْحِكْمَةَ ما يكمل نفوسهم من المعارف والاحكام وقيل هى السنة- وقيل هى القضاء وقيل الفقه وَيُزَكِّيهِمْ اى يطهرهم من الشرك والذنوب- وقيل يأخذ الزكوة من أموالهم وقال ابن كيسان يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة

_ (1) فى الأصل خص-

[سورة البقرة (2) : آية 130]

إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ قال ابن عباس العزيز من لا يوجد مثله وقال الكلبي المنتقم- وقيل المنيع الذي لا يناله الأيدي ولا يصل اليه شىء- وقيل الغالب الذي لا يغلبه أحد الْحَكِيمُ (129) ذو الحكمة البالغة والله اعلم- قال ابن عساكر روى ان عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجرا الى الإسلام وقال لهما قد علمتهما ان الله عز وجل قال في التورية انى باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه احمد فمن أمن به فقد اهتدى ومن لم يؤمن به فهو ملعون فاسلم سلمة وابى مهاجران يسلم فانزل الله تعالى. وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ استبعاد وانكار لان يكون أحد يرغب عن ملته الواضحة الغراء اى لا يرغب أحد عن ملته- والرغبة إذا عدى بالى فالمراد به الارادة وان عدى بعن فالمراد به الترك إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ السفه في الأصل الخفة ويقال لمن يتعجل في الافعال باتباع الهوى والشهوة من غير تدبر وتفكر في منافعه ومضاره خفيف وسفيه- وضده الحليم- ويسند السّفه بهذا المعنى الى نفس الشخص والى رأيه فيقال زيد سفيه وسفه نفسه وسفه رأيه اى خف نفسه فيأتى بالافعال على خلاف ما اقتضاه العقل وخف رأيه وحينئذ لا يتعدى الى مفعول وقد يستعمل بحرف الجر فيقال سفه زيد في نفسه وفي رأيه ولمّا كان السفه والخفة مستلزم لاهانة النفس واهلاكها وخفة الرأى مستلزم للجهل فيستعار ويقال سفه نفسه اى أهانها او أهلكها او جهلها فحينئذ يتعدى الى مفعول- او يقال تعدى الى مفعول بتضمين معنى أهلك- او أهان او جهل ولهذا قيل في تفسير الاية سفه نفسه اى جعلها مهانا وذليلا حيث كفر بخالقه وعبد مخلوقا مثله- وقال ابو عبيدة أهلك نفسه- وقال الأخفش نصب بنزع الخافض وإفضاء الفعل اليه والمعنى سفه في نفسه- وقال الفراء أصله سفه نفسه بالرفع فلما أسند الفعل الى صاحبها نصب على التميز كما يقال ضقت به ذرعا وطاب زيد نفسا في ضاق ذرعى وطاب نفس زيد- وقال ابن كيسان والزجاج معناه جهل نفسه وذلك انه من عبد غير الله فقد جهل نفسه لانه لم يعرف الله خالقها- وقد جاء من عرف نفسه فقد عرف ربه- قلت ومعنى من عرف نفسه فقد عرف ربه انه من عرف حقيقة نفسه انه ممكن لا يقتضى ذاته وجوده ولا بقاءه لا يتصور له في نفسه وجود ولا قيام ولا بقاء- ولا يجوز حمله على نفسه حملا أوليا نحو زيد زيد الا بعد انتسابه الى واجب وجوده قائم بنفسه قيوم لغيره لو لاه لم يوجد غيره وهو كالاصل للظلال وهو نور السموات والأرض قيم الأشياء واقرب الى الأشياء من أنفسها

[سورة البقرة (2) : آية 131]

حيث لم يجز حمل أنفسها عليها الا بعد انتسابها اليه فقد عرف ربا واجبا واحد قيوما نورا مبينا قريبا ومن سفه نفسه اى جهلها جهل ربه وفي الاخبار ان الله تعالى اوحى الى داود اعرف نفسك وأعرفني- فقال يا رب كيف اعرف نفسى وكيف أعرفك- فاوحى الله تعالى اليه اعرف نفسك بالضعف والعجز والفناء وأعرفني بالقوة والقدرة والبقاء- واعلم ان الجهل يكون ضد العلم الذي هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع المتعلق بالنسبة الحكمية التي بين القضية فيقتضى المفعولين- والعلم يحصل بالبداهة او بالاستدلال او الوحى او الإلهام وضده الجهل وهو عدم أصلي يستند الى عدم تلك الأشياء ويكون ضد المعرفة التي يقتضى مفعولا واحدا وهو من باب التصورات ويحصل المعرفة بالبداهة او البصيرة الموهوبة لارباب القلوب والمراد بالسفه هو الجهل بالمعنى الثاني حيث عدى الى مفعول واحد اى لم يعرف نفسه بالبصيرة والله اعلم- وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ نديما وخليلا فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الأنبياء الصَّالِحِينَ (130) فى مراتب القرب- الصلاح ضد الفساد وذلك بالمعاصي القلبية او القالبية فكمال الصلاح بالعصمة ودون ذلك بدون ذلك والمراد هاهنا كماله وفي هذه الاية حجة وبيان لما سبق فانه من كان هذا شأنه فلا يرغب عن اتباعه إلا سفيه جاهل ضعيف العقل. إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ يعنى نفسك الى الله عز وجل وفوض أمورك اليه كذا قال عطاء وقال الكلبي أخلص دينك وعبادتك له- قال ابن عباس قاله ذلك حين خرج من السرب- والظرف متعلق باصطفيناه تعليل له او منصوب بإضمار اذكر كانه قيل اذكر ذلك الوقت ليعلم انه المصطفى قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (131) فوضت اليه أموري- ومقتضى هذا التسليم انه عليه السلام لما رمى مغلولا بالمنجنيق في نار نمرود قال له جبرئيل هل لك حاجة- فقال اما إليك فلا- فقال- فاسئل ربك- قال حسبى من سوالى علمه بحالي- فجعل الله تعالى ببركة تفويض أموره الى الله تعالى حظيرة النار روضة ولم يحترق منه إلا وثاقه رواه ( «1» ) . وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ قرا اهل المدينة واهل الشام واوصى من الافعال وكذلك في مصاحفهم والباقون وصّى من التفعيل مثل نزّل وانزل والتوصية هو التقدم الى الغير بفعل فيه صلاح وقربة- أصلها الوصلة يقال وصّاه إذا وصله- وفصّاه إذا فصله كانّ الموصى يصل فعله بفعل الموصى- والضمير في بها راجع الى الملة او بقوله أسلمت على تأويل الكلمة بَنِيهِ الثمانية إسماعيل وامه هاجر القبطية وإسحاق وامه سارة

_ (1) هكذا بياض في الأصل-

[سورة البقرة (2) : آية 133]

وستة أمهم قنطورا بنت يقطن الكنعانية تزوجها ابراهيم بعد وفاة سارة وَيَعْقُوبُ عطف على ابراهيم ووصّى بها ايضا يعقوب بنيه اثنى عشر يا بَنِيَّ على إضمار القول عند البصريين ومتعلق بوصي عند الكوفيين لانه نوع منه إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى اختار لَكُمُ الدِّينَ دين الإسلام فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) مؤمنون مخلصون مفوضون أموركم الى الله تعالى- والنهى في الظاهر وقع على الموت- وفي الحقيقة نهى عن ترك الإسلام في حين من الأحيان كيلا يقع الموت في تلك الحين وهو موت لا خير فيه ومن حقه ان لا يحل لهم- قالت اليهود للنبى صلى الله عليه وسلم- الست تعلم ان يعقوب يوم مات اوصى بنيه باليهودية فنزلت. أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ حاضرين إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ اى قاربه فام منقطعة تقديره ليس الأمر كما قلتم ايها اليهود بل أكنتم يعنى ما كنتم حاضرين فلم تدّعون دعاوى باطلة- وقيل الخطاب للمؤمنين والمعنى ما شهدتم ذلك وانما علمتموه بالوحى إِذْ قالَ لِبَنِيهِ بدل من إذ حضر ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي اى اى شىء تعبدونه أراد به تقريرهم على التوحيد والإسلام وأخذ ميثاقهم قال عطاء ان الله تعالى لم يقبض نبيا حتى خيره بين الموت والحيوة فلما خير يعقوب قال أنظرني حتى اسئل ولدي واوصيهم ففعل ذلك فجمع ولده وولد ولده وقال لهم قد حضر اجلى فما تعبدون بعدي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ عطف بيان لابائك وكان اسمعيل عمالهم والعرب يسمى العم أبا كما يسمى الخالة امّا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عم الرجل صنو أبيه- رواه الترمذي وصححه من حديث على والطبراني عن ابن عباس- وقال عليه السلام في عمه العباس ردوا على ابى فانى أخشى ان تفعل به قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود وذلك انهم قتلوه إِلهاً واحِداً بدل من المضاف في إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ وفائدته التصريح بالتوحيد ودفع التوهم الناشي من تكرير المضاف تتعذر العطف على المجرور به بدونه- او منصوب بمقدر اى نريد بإلهك واله آبائك إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) حال من فاعل نعبد او مفعوله او منهما- ويحتمل ان يكون اعتراضا. تِلْكَ أُمَّةٌ اى جماعة يعنى ابراهيم ويعقوب وابناءهما- والامة في الأصل المقصود سمى بها الجماعة لان الفرق تأمّها قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ من العمل وَلَكُمْ

[سورة البقرة (2) : آية 135]

ما كَسَبْتُمْ فلا ينفع حسناتهم إياكم بانتسابكم إليهم ما لم توافقوهم فيها وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (134) بل يسئل كل عن عمله دون عمل غيره- اخرج ابن ابى حاتم من طريق سعيد وعكرمة عن ابن عباس قال ابن صوريا لنبى الله صلى الله عليه وسلم ما الهدى الا ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد تهتدى وقالت النصارى مثل ذلك- وقال البغوي قال ابن عباس ان رءوس يهود بالمدينة كعب بن اشرف ومالك بن الضيف ووهب بن يهودا وابى ياسر بن اخطب ونصارى اهل نجران السيد والعاقب وأصحابهما خاصموا المسلمين في الدين وزعمت كل فرقة انها أحق بدين الله فقالت اليهود نبينا موسى أفضل الأنبياء وكتابنا التورية أفضل الكتب وديننا أفضل الأديان وكفروا بعيسى والإنجيل ومحمد والقران- وقالت النصارى نبينا عيسى أفضل الأنبياء وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب وديننا أفضل الأديان وكفروا بمحمد والقران وقال كلا الفريقين للمؤمنين كونوا على ديننا فلا دين الا ذلك فانزل الله تعالى. وَقالُوا اى اليهود والنصارى كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى كلمة او للتنويع يعنى مقالهم أحد هذين القولين تَهْتَدُوا جواب للامر قُلْ يا محمد بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ يعنى لا نكون هودا ولا نصارى بل تكون ملة ابراهيم اى اهل ملته او على ملته فحذف على فصار منصوبا- او المعنى بل نتبع ملة ابراهيم او المعنى بل اتبعوا أنتم ايها اليهود والنصارى ملة ابراهيم حَنِيفاً أصله من الحنف بمعنى الميل عن الطريق يعنى مائلا من الأديان كلها الى الإسلام منصوب على الحال من المضاف اى ملة مائلة من الباطل او من المضاف اليه يعنى ابراهيم مائلا كما في قوله تعالى وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً وعند نحاة الكوفة منصوب على القطع أراد بل ملة ابراهيم الحنيف فلما أسقطت الالف واللام لم تتبع النكرة المعرفة فانقطع منه فنصب وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) تعريض باهل الكتابين فانهم يدّعون اتباعه وهم مشركون. قُولُوا ايها المؤمنون آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا يعنى القران قدم لانه سبب لنا للايمان بغيره وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وهو عشر صحف أنزلت على ابراهيم فتعبد بها هو وبنوه وأحفاده ولذا نسب انزالها إليهم كما نسب إنزال القران إلينا بمتابعة محمد صلى الله عليه وسلم والأسباط بمعنى الجماعات من بنى إسرائيل كالقبائل من العرب

[سورة البقرة (2) : آية 137]

والشعوب من العجم وكانت بنوا إسرائيل اثنى عشر سبطا لكل ولد من أبناء يعقوب سبط- وقيل المراد بالأسباط أبناء يعقوب اثنا عشر سموا بذلك لانه ولد لكل منهم سبط وجماعة- او لان سبط الرجل حافده ومنه قيل للحسن والحسين سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهما وأبناء يعقوب كانوا «1» أحفادا لإبراهيم عليه السلام وَما أُوتِيَ مُوسى يعنى التورية وَعِيسى يعنى الإنجيل وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ كلهم مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ كما فرّق اليهود والنصارى امنت كل فرقة ببعض دون بعض وَنَحْنُ لَهُ اى لله مُسْلِمُونَ (136) وهذا هو الإسلام الذي كان ملة لابراهيم الحنيف ودينا لكل نبى من الأنبياء ودينا لمحمد صلى الله عليه وسلم لا ما زعمته اليهود والنصارى فانه اشراك- عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انا اولى الناس بعيسى بن مريم في الاولى والاخرة الأنبياء اخوة من علات وأمهاتهم شتى ودينهم واحد وليس بيننا نبى متفق عليه قلت معنى قوله عليه السلام الأنبياء اخوة من علات وأمهاتهم شتى ودينهم واحد ان أصلهم واحد وهو الوحى من الله تعالى واستعداداتهم مختلفة فلاجل اختلاف الاستعدادات التي هى بمنزلة الأمهات اختلفوا في فروع الشرائع ودينهم واحد وهو اتباع او امر الله تعالى ونواهيه على ترك الهوى والايمان بذاته وصفاته وأحكامه واخباره في المبدا والمعاد- عن ابى هريرة قال كان اهل الكتاب يقرءون التورية بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لاهل الإسلام فقال عليه السلام لا تصدقوا اهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا أمنا بالله الاية- رواه البخاري. فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ اى أمنوا إيمانا مثل ايمانكم فالباء زائدة كما في قوله جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها- او لفظ المثل مقحم كما في قوله تعالى وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ اى عليه ويشهد له قراءة ابن عباس فان آمنوا بما آمنتم به فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا اى اعرضوا عنه فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ اى خلاف من الحق وشق غير شق الحق وقيل في عداوة فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ «2» وعد بالحفظ والنصر للمؤمنين وقد أنجز وعده بإجلاء النضير وقتل قريظة وضرب الجزية على اليهود والنصارى وَهُوَ السَّمِيعُ لاقوال المؤمنين والكفار الْعَلِيمُ (137) بنياتهم وأحوالهم كلهم يجزى

_ (1) روى من طرق متعددة ان المصريين لما دخلوا على عثمان كان المصحف بين يديه فضربوه بالسيف على يديه فجر الدم على فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فقال عثمان والله انها لاول يدخطت المفصل- قيل فما مات منهم رجل سويا- منه رحمه الله (2) كتب في الأصل كما في قوله تعالى ثم حك منه لفظ تعالى لعله من الناسخ وهذه الجملة موجودة ابن القران في سورة يونس في اية 27- ابو محمد عفا الله منه

[سورة البقرة (2) : آية 138]

كلهم بما كسب. صِبْغَةَ اللَّهِ اى دين الله كذا قال ابن عباس في رواية الكلبي وقتادة والحسن سمى الدين صبغة لظهور اثر الدين على المتدين كالصبغ على الثوب فهو منصوب على انه مصدر مؤكد لقوله امنّا- او على البدل من ملة ابراهيم- او على الإغراء اى عليكم صبغة الله وقيل المراد بصبغة الله الختان لانه يصبغ صاحبه بالدم فهو منصوب على الإغراء اى الزموا صبغة الله الختان قال ابن عباس كانت النصارى إذا ولد لهم ولد فاتت عليه سبعة ايام غمسوه في ماء لهم يقال له المعبودى يزعمون تطهيره بذلك يفعلونه مكان الختان فاذا فعلوا به ذلك قالوا الان صار نصرانيا حقا فاخبر الله تعالى ان دينه الإسلام وأحكامه من الختان وغيره وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً دينا وتطهيرا يعنى لا احسن منه وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (138) تعريض لهم اى لا نشرك كشرككم معطوف على امنّا على تقدير كون صبغة الله منصوبا على المصدرية والا فهو معطوف على صبغة الله او على اتبعوا ملة ابراهيم بتقدير قولوا- يعنى الزموا صِبْغَةَ اللَّهِ وَقولوا نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ او المعنى اتبعوا ملة إبرهم وقولوا. قُلْ يا محمد لليهود والنصارى أَتُحَاجُّونَنا تجادلوننا فِي اللَّهِ اى في دينه واصطفائه نبيا من العرب دونكم وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لا اختصاص له بقوم دون قوم يصطفى بالنبوة من يشاء من عباده وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لكل واحد جزاء عمله وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139) وأنتم به مشركون فنحن أحق به منكم قال سعيد بن جبير الإخلاص ان يخلص العبد دينه وعمله لله فلا يشرك به في دينه ولا يرائى بعمله قال الفضل ترك العمل من أجل الناس رياء والعمل من أجل الناس شرك والإخلاص ان يعافيك الله عنهما. أَمْ منقطعة والهمزة للانكار وقيل أم بمعنى الهمزة فقط للتوبيخ تَقُولُونَ قرا ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص على الخطاب والآخرون على الغيبة إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وقد اخبر الله تعالى انه ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً بخلاف اليهود والنصارى فانهم مشركون- واما الذين كانوا على الدين الحق لموسى وعيسى قبل النسخ كانوا اتباعا لابراهيم في الدين وما كانوا مشركين وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ فكيف يتبع ابراهيم وموسى وعيسى بل

[سورة البقرة (2) : آية 141]

يتبعانه وقد علمت اليهود والنصارى بهذا لكنهم كتموا الشهادة بالحق وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً ثابتة في التورية عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ من للابتداء متعلق بشهادة يعنى لا أحد اظلم ممن كتم شهادة الله تعالى لابراهيم بالحنفية والبراءة من اليهودية والنصرانية ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة التي هى في التورية والإنجيل وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) وعيد لهم. تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (141) تكرير للمبالغة في التحذير والزجر عن الافتخار بالآباء والاتكال عليهم- وقيل الخطاب فيما سبق لهم وفي هذه الاية لنا تحذيرا عن الاقتداء بهم وقيل المراد بالآية الاولى الأنبياء وبالثانية أسلاف اليهود والنصارى والله اعلم. سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ الذين خف عقولهم حيث ضيعوها بالتقليد والاعراض عن النظر الصحيح او العناد وهم المنافقون واليهود والمشركون ما وَلَّاهُمْ صرفهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها يعنى البيت المقدس وفائدة تقديم الاخبار توطين النفس واعداد الجواب- والقبلة في الأصل هى الحالة التي عليها الإنسان من الاستقبال كالجلسة نقل الى المكان المتوجه اليه عند الصلاة- نزلت في اليهود ومشركى مكة لما طعنوا في تحويل القبلة من بيت المقدس الى مكة اخرج ابن جرير من طريق السدى بأسانيده قال لما صرف الله النبي صلى الله عليه وسلم نحو الكعبة بعد صلاته الى بيت المقدس قال المشركون من اهل مكة تحير محمد في دينه فتوجه بقبلته إليكم وعلم انكم اهدى منه سبيلا ويوشك ان يدخل في دينكم- وذكر البغوي انه قال رؤساء اليهود لمعاذ بن جبل رضى الله عنه ما ترك محمد قبلتنا إلا حسدا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ لا يختص به مكان دون مكان وانما امر القبلة امر تعبدى والعبرة فيها لامر الله تعالى لا دخل فيه لخاصية في المكان يَهْدِي مَنْ يَشاءُ من عباده إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) اى الى ما يرتضيه. وَكَذلِكَ اشارة الى مفهوم الاية المتقدمة اى هديناكم الى صراط مستقيم- او الى ما مر سابقا اى كما اصطفينا ابراهيم فى الدنيا وجعلناه في الاخرة من الصالحين جَعَلْناكُمْ يا امة محمد صلى الله عليه وسلم أُمَّةً وَسَطاً- «1» خيارا ممن عداهم عدولا مزكين بالعلم والعمل والمعرفة- وهو في الأصل اسم للمكان

_ (1) اخرج احمد والحاكم وصححاه عن ابى سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى امّة وسطا قال عدولا- اخرج الدارمي عن ابن عباس- انه سال كعب الأحبار كيف تجد نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في التورية قال كعب- نجده محمد بن عبد الله يولد بمكة ويهاجر منه الى طابة ويكون ملكه بالشام وليس بفحاش ولا سحاب في الأسواق ولا يكافى بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر أمته الحمّادون يحمدون الله في كل السراء والضراء ويكبرون على كل نجد ويوضعون أطرافهم ويأتزرون في أوساطهم ويصفّون في صلاتهم كما يصفون في قتالهم دويهم في مساجدهم كدوى النحل يسمع مناديهم- واخرج الدارمي عن كعب الأحبار في السطر الاول محمد رسول الله عبدى المختار لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا يجزى بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر مولده بمكة وهجرته بطيبة وملكه بالشام وفي السطر الثاني- محمد رسول الله أمته الحمادون يحمدون الله في السراء والضراء يحمدون الله في كل منزلة ويكبرون على كل شرف رعاة الشمس يصلون الصلاة إذا جاء وقتها ولو كانوا على رأس كناسة ويأتزرون على أوساطهم ويوضعون أطرافهم أصواتهم بالليل في جو السماء كاصوات النحل- منه رحمه الله

الذي يستوى اليه المساحة من الجوانب ثم استعير لخير الخصال والمحمودة منها لوقوعها بين طرفى افراط وو تفريط كالجود بين الإسراف والبخل والشجاعة بين التهور والجبن ثم اطلق على المتصف بها- مستويا فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث كسائر الأسماء التي يوصف بها قال الله تعالى قال أوسطهم اى خيرهم وقال الكلبي حذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه اى اهل دين وسط بين الغلو والتقصير- واستدل به على حجية الإجماع لان بطلان ما اجمعوا عليه ينافى عدالتهم- فان قيل ان اخطأ مجتهد في اجتهاده لا ينتفى منه عدالته فمالك تحكم بها إذا اتفقوا على الخطاء اتفاقا- قلت قد سمعت ان لفظ الوسط استعير اولا للخصال ثم اطلق على المتصف بها كما يقال زيد عدل وعلى قول الكلبي انما هو صفة لدينهم فاطلاق الامة الأوسط عليهم يدل على ان شرائع دينهم وخصالهم المتفقة عليها كلها محمودة فعلى تقدير وقوع الخطاء في إجماعهم وان كانوا معذورين في ذلك غير متصفين بالفسق لكن بعض خصالهم المتفق عليها مذموم البتة فكيف يكون خصالهم كلها محمودة والله اعلم- عن ابى سعيد الخدري قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بعد العصر فما ترك شيئا الى يوم القيامة الا ذكره في مقامه ذلك حتى إذا كانت الشمس على رءوس النخل وأطراف الحيطان قال اما انه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها الا كما بقي من يومكم هذا إلا وإن هذه الامة توفى سبعين امة هى أخيرها وأكرمها على الله عز وجل رواه البغوي- وروى الترمذي وابن ماجة والدارمي من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده نحوه والحمد لله رب العلمين لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ يوم القيامة ان الرسل قد بلغتهم تعليل لجعلهم عدولا ودليل على ان العدالة شرط للشهادة وَيَكُونَ الرَّسُولُ محمد صلى الله عليه وسلم عَلَيْكُمْ اى على عدالتكم شَهِيداً يعنى يكون معدّلا ومزكيا لكم- ولما كان الشهيد كالرقيب جىء بكلمة الاستعلاء وان كان حق المقام اللام- ذكر البغوي ان الله تعالى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد ثم يقول لكفار الأمم أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ فيقولون ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فيسئل الأنبياء

عليهم السلام عن ذلك فيقولون كذبوا قد بلغناهم فيسئلهم البينة وهو اعلم بهم اقامة للحجة فيؤتى بامة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون لهم انهم قد بلّغوا فيقول الأمم الماضية من اين علموا وانهم أتوا بعدنا فيسئل هذه الامة فيقولون أرسلت إلينا رسولا وأنزلت عليه كتابا اخبرتنا فيه بتبليغ الرسل وأنت صادق فيما أخبرت ثم يؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيسئل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بصدقهم- وروى البخاري والترمذي والنسائي عن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاء بنوح عليه السلام يوم القيامة فيقال له هل بلغت فيقول نعم يا رب فيسئل أمته هل بلغكم فيقولون ما جاءنا من نذير فيقال من شهودك فيقول محمد وأمته قال محمد صلى الله عليه وسلم فيجاء بكم فتشهدون ثم قرا رسول الله صلى الله عليه وسلم وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً فتشهدون له بالابلاغ واشهد عليكم- واخرج احمد والنسائي والبيهقي عنه بلفظ يجىء النبي يوم القيامة ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان واكثر من ذلك فيقال لهم هل بلغتم فيقولون نعم فتدعى قومهم فيقال لهم هل بلغوكم فيقولون لا فيقال للنبيّن من يشهد لكم انكم بلغتم فيقولون امة محمد صلى الله عليه وسلم فتدعى امة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون انهم قد بلغوا فيقال لهم وما أعلمكم انهم قد بلغوا فيقولون جاءنا نبينا بكتاب أخبرنا انهم قد بلغوا فصدقناه فيقال صدقتم- وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها الجعل اما متعد الى مفعول واحد فحينئذ الموصول مع الصلة صفة للقبلة والمضاف محذوف يعنى ما جعلنا تحويل القبلة التي كنت عليها وهى بيت المقدس- واما متعد الى مفعولين ومفعوله الثاني محذوف اى ما جعلنا القبلة التي كنت عليها منسوخة- ويحتمل ان يكون القبلة مفعوله الاول والموصول مع الصلة بمعنى الجهة التي كنت عليها مفعوله الثاني والمراد بالموصول البيت المقدس- والمعنى ما جعلنا في سابق الزمان القبلة الجهة التي كنت عليها يعنى ان اصل أمرك ان تستقبل الكعبة وما جعلنا قبلتك في سابق الزمان بيت المقدس الا لنعلم- ويحتمل ان يكون كنت عليها بمعنى أنت عليها الان يعنى الكعبة الا لنعلم- وقيل في تفسيره وما جعلنا القبلة الان الجهة التي كنت عليها قبل الهجرة وهى الكعبة- وهذا مبنى على انه صلى الله عليه وسلم كان يصلى قبل الهجرة الى الكعبة وهذا التأويل يستلزم النسخ مرتين ويخالف سياق قوله تعالى سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها فان

المراد هناك بالموصول بيت المقدس لا غير- وكان القياس ان يقال وما جعلنا التي كنت عليها قبلة لكن قدم القبلة وجعل أول المفعولين للاهتمام به او هو من باب القلب إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ فى الصلاة حيثما توجه بامر الله تعالى مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ فيرتد كما في الحديث ان القبلة لما حولت ارتد قوم من المسلمين الى اليهودية وقالوا رجع محمد صلى الله عليه وسلم الى دين ابائه- والعلم اما بمعنى المعرفة ومن يتبع الرسول مفعوله وممن ينقلب متعلق به او هو متعلق لما في من معنى الاستفهام- او يكون من موصولة مفعوله الاول وممن ينقلب مفعوله الثاني اى لنعلم من يتبع الرسول مميزا ممن ينقلب- فان قيل علم الله تعالى قديم فكيف يتصور غاية لتحويل القبلة أجيب عنه بوجوه منها ما قال اهل المعاني ان اللام للتعليل لا لبيان الغاية وصيغة المضارع بمعنى الماضي كما في قوله تعالى فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ فالمعنى الا لما علمنا من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه يعنى لما سبق في علمنا ان تحويل القبلة سبب لهداية قوم وضلالة آخرين- ومنها ما قيل ان المراد بالعلم رسولنا واولياؤنا حذف المضاف وأسند الفعل الى نفسه مجازا كما مر في الحديث القدسي مرضت فلم تعدنى إظهارا لشرفهم واختصاصهم وفي هذه التأويلات قول بالمجاز وتكلفات والتحقيق ما قال الشيخ ابو منصور الماتريدى رحمه الله ان المعنى الا لنعلم كائنا موجودا ما قد علمنا انه يكون ويوجد فالله سبحانه عالم في الأزل بكل ما أراد وجوده انه يوجد في الوقت الذي شاء وجوده فيها ولا يجوزان يقال انه عالم في الأزل بانه موجود كائن في الحال لانه ليس بموجود فكيف يعلمه موجودا كائنا على خلاف الواقع والتغير على المعلوم لا على العلم وهو المراد بما قيل في هذا وأشباهه ان المراد بالعلم تعلقه الحالي الذي هو مناط الجزاء ومعنى الا لنعلم اى ليتعلق علمنا بوجوده وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إن مخففة من المثقلة واللام فاصلة بينها وبين الشرطية قال سيبويه ان تأكيد شبيه باليمين ولذلك دخلت اللام في جوابها- وقال الكوفيون ان نافية واللام بمعنى الا والضمير المرفوع راجعة الى ما دل عليه جعلنا القبلة من الجعلة او الى التحويلة او الى القبلة إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ اى هداهم الله وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ اى ثباتكم على ايمانكم او ايمانكم بالقبلة المنسوخة وقيل المراد بالايمان الصلاة وذلك ان حيى بن اخطب وأصحابه من اليهود

[سورة البقرة (2) : آية 144]

قالوا للمسلمين أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدس ان كانت هدى فقد تحولتم عنها وان كانت ضلالة فقد دنتم الله بها ومن مات منكم عليها- فقال المسلمون انما الهدى ما امر الله به والضلالة ما نهى عنه- قالوا فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا- وقد كان مات قبل ان تحول القبلة اسعد بن زرارة من بنى النجار والبراء بن معرور من بنى سلمة وكانا من النقباء ورجال آخرون فانطلق عشائرهم الى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا يا رسول الله قد صرفك الله الى قبلة ابراهيم عليه السلام فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون الى بيت المقدس فانزل الله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ اى صلاتكم الى بيت المقدس وفي الصحيحين عن البراء بن عازب قال مات قبل ان تحول رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم فانزل الله الاية إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (43) قرا نافع وابن كثير وابن عامر وحفص لرءوف مشبعا على وزن شكور والآخرون بالاختلاس على وزن فعل- والرأفة أشد الرحمة قدمه على الرحيم لرعاية الفواصل-. قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ تردد وجهك في جهة السماء تطلّعا للوحى- كان يودّ ان يحوله الله الى الكعبة لانها قبلة أبيه ابراهيم عليه السلام وادعى للعرب الى الايمان ومخالفة اليهود- وهذا أول القصة وامر القبلة أول ما نسخ من امور الشرع بعد الهجرة- واختلف العلماء في كيفية قبلته صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة بمكة فقال قوم انه صلى الله عليه وسلم كان يصلى وهو بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه- رواه احمد عن ابن عباس ورواه ابن سعد ايضا وسنده جيد واطلق آخرون وقالوا انه كان يصلى الى بيت المقدس- وقال البغوي كان يصلى الى الكعبة فلما هاجر الى المدينة استقبل بيت المقدس- روى ابن جرير وغيره بسند جيد قوى عن ابن عباس قال لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة امره الله ان يستقبل بيت المقدس- وقال ابن جريح انه صلى الله عليه وسلم أول ما صلى الى الكعبة ثم صرف الى بيت المقدس وهو بمكة فصلى ثلاث حجج ثم هاجر الى المدينة- والاول أصح وأقوى وعند الجمع يؤل اليه الأحاديث- واختلف الرواية في انه كم صلى بعد الهجرة الى بيت المقدس فعند ابى داود وغيره عن ابن عباس سبعة عشر شهرا وعند الطبراني والبزار عن عمرو بن عوف وعند ابن ابى شيبة، وابى داود وغيرهما عن ابن عباس وعنه الامام مالك وغيره عن سعيد بن المسيب ستة عشر شهرا وعند البخاري عن البراء بن عازب

ستة عشرا وسبعة عشر شهرا بالشك- والحق انه كان ستة عشر شهرا وأياما فانه صلى الله عليه وسلم خرج من مكة يوم الاثنين خامس ربيع الاول ودخل المدينة يوم الاثنين ثانى عشر ربيع الاول وكان التحويل بعد الزوال خامس عشر من رجب من السنة الثانية قبل وقعة بدر بشهرين على الصحيح وبه جزم الجمهور ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس فمن اعتبر الأيام شهرا كاملا عد سبعة عشر وإلا فستة عشر- وما روى ثلثة عشر او تسعة عشر او ثمانية عشر او شهرين او سنتين فضعيف والله اعلم- وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه ان تكون قبلته قبل الكعبة لان اليهود قالوا يخالفنا محمد في ديننا ويتبعنا قبلتنا- فقال عليه السلام لجبرئيل عليه السلام وددت لو حولنى الله تعالى الى الكعبة فانها قبلة ابى ابراهيم- فقال جبرئيل انما انا عبد مثلك وأنت كريم على ربك فاسئل أنت ربك فانك عند الله بمكان- فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوا الله ويكثر النظر الى السماء ينتظر امر الله تعالى فانزل الله تعالى قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً اى نمكننك من استقبالها- من وليته بمعنى صيرته واليا- او المعنى فلنجعلنك تلى جهتها- او المعنى فلنحولنك الى قبلة تَرْضاها تحبها لاغراض صحيحة مرضية لله تعالى فَوَلِّ حول وَجْهِكَ من البيت المقدس عند الصلاة شَطْرَ الشطر في الأصل لما انفصل عن الشيء من شطر إذا انفصل ودار شطور منفصلة عن الدور ثم استعمل لجانبه وان لم ينفصل منصوب بنزع الخافض اى الى شطره وقيل منصوب على الظرفية اى اجعل تولية الوجه تلقاء الْمَسْجِدِ الْحَرامِ اى في جهته وسمته والحرام بمعنى المحرم فيه القتال والاصطياد وقطع الشجر والشوك ونحو ذلك- وذلك هو الحرم وانما ذكر الحرم او المسجد دون الكعبة مع انها هى القبلة اشارة الى ان الواجب على النائى استقبال جهة الكعبة دون عينه- روى الترمذي عن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما بين المشرق والمغرب قبلة قلت أراد بالمشرق مشرق اقصر ايام السنة وبالمغرب مغرب اقصر الأيام وذلك جهة الجنوب وهى قبلة اهل المدينة وكذا لاهل كل قطر قبلة فلاهل الهند القبلة بين المغربين مغرب رأس السرطان ومغرب رأس الجدى- ذكر فى المواهب وسبيل الرشاد انه صلى الله عليه وسلم زارام بشر بن براء بن معرور في بنى سلمة يعنى بعد ما مات براء بن معرور فصنعت له طعاما وحانت الظهر فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

بأصحابه في مسجد هناك الظهر فلما صلى ركعتين نزل جبرئيل فاشار اليه ان صلى الى البيت فاستدار الى الكعبة واستقبل الميزاب فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء فسمى ذلك المسجد مسجد القبلتين- قال الواحدي هذا عندنا اثبت- فصلى الظهر أربعا ثنتين الى بيت المقدس وثنتين الى الكعبة فخرج عباد بن بشر رضى الله عنه وكان صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر على قوم من الأنصار ببني حارثة وهم راكعون في صلوة العصر فقال اشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البيت- فاستداروا- وفي صحيح البخاري من حديث البراء بن عازب انه صلى الله عليه وسلم صلى أول صلوة صلاها الى الكعبة صلوة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر على اهل مسجد وهم راكعون فقال اشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة فداروا كما هم قبل مكة- فمحمول على ان البراء لم يعلم صلاته صلى الله عليه وسلم فى مسجد بنى سلمة الظهر- او المراد انه أول صلوة صلاها كاملا الى الكعبة- او أول صلوة صلى في مسجده صلى الله عليه وسلم هو العصر- واما اهل قبا فلم يبلغهم الخبر الا في صلوة الفجر من الغد كما في الصحيحين عن ابن عمر بينما الناس بقبا في صلوة الصبح إذ جاءهم ات فقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمران نستقبل الكعبة فاستقبلوها- وكانت وجوههم الى الشام فاستداروا الى الكعبة وقال رافع بن خديج انه أتانا ات ونحن نصلى في بنى عبد الأشهل فقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمران يوجه الى الكعبة فادارنا امامنا الى الكعبة ودرنا معه- وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ خطاب للامة فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ خص الرسول صلى الله عليه وسلم اولا بالخطاب تعظيما له وذلك الخطاب وان كان شاملا للامة لكن بعد ذلك خوطب الامة تصريحا لعموم الحكم وتأكيدا لامر القبلة روى البخاري عن ابن عباس قال لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال هذه القبلة- وفي الصحيحين عن ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة هو واسامة وبلال وعثمان بن طلحة وأغلقها عليه ثم مكث فيها- قال ابن عمر سالت بلالا حين خرج ماذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جعل عمودين عن يساره وعمودا عن يمينه وثلثة اعمدة وراءه ثم صلى- وكان البيت يومئذ على ستة اعمدة- قلت وهذين الحديثين الواقعتين «1» فلا تعارض

_ (1) فى الأصل واقعتين-

[سورة البقرة (2) : آية 145]

وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ يعنى التحويل او التوجه الى الكعبة الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كانوا يعلمون من التورية ان خاتم النبيين يصلى الى القبلتين وانما أنكروا ذلك تعنتا وعنادا وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) قرا ابو جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء الفوقانية خطابا للمؤمنين والباقون بالياء التحتانية حكاية عما يفعل اليهود ففيه وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين- ولما قالت اليهود والنصارى اتنا باية على ما تقول انزل الله تعالى. وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ برهان على ان الكعبة قبلة واللام موطية للقسم ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ يعنى الكعبة جواب قسم مقدر ساد مسد جواب الشرط يعنى انما تركوا قبلتك عنادا لا لاجل شبهة تزيلها بالحجة وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ يعنى امر القبلة محكم مستمر لا ينسخ ابدا- وفيه قطع لاطماعهم في رجوعه صلى الله عليه وسلم الى قبلتهم- وقبلتهم وان تعددت لكنها متحدة من جهة البطلان ومخالفة امر الله تعالى وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ لان اليهود يستقبل بيت المقدس وهو في المغرب من المدينة والنصارى يستقبل مطلع الشمس لا يرجى توافقهم كما لا يرجى موافقتهم لك وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فى امر القبلة وظهر لك من الحق إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) صدق الشرطية لا يقتضى صدق طرفيها كما فى قوله تعالى قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ فلا ينافي العصمة- والمقصود من الاية نهى الامة وتهديدهم عن اتباع الأهواء على خلاف العلم الذي جاء من الله تعالى بأبلغ الوجوه حيث أورد الله سبحانه الشرط مؤكدا بالقسم المقدر واللام الموطئة وتعليق الفعل بكلمة ان فانه يدل على انه اىّ جزء يوجد من الاتباع فهو ظلم- والخطاب الى النبي صلى الله عليه وسلم مع كونه حبيبا لله تعالى فغيره اولى بالتهديد- والتفصيل بعد الإجمال في قوله ما جاءك من العلم- وتعظيم العلم بذكره معرفا باللام والجزاء بانّ المؤكدة- واللام في خبرها- والجملة الاسمية- والتعبير بإذن- وكلمة من فان قولك زيد من العلماء ابلغ من قولك زيد عالم- وتعريف الظالم المستلزم لنسبة كمال الظلم اليه لان المطلق محمول على الكامل- وتعميم الظلم حيث حذف متعلقة. الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ يعنى علماءهم يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم

[سورة البقرة (2) : آية 148]

انه هو الذي وصف في التورية وأخذ الميثاق على الايمان به ونصرته فالضمير المنصوب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وان لم يسبق ذكره لدلالة الكلام عليه وقيل للعلم او القران او تحويل القبلة والاول اظهر بقرينة قوله تعالى كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ فانه لا يلتبس من ولد على فراشه بغيره عندهم فمن أنكر منهم انما أنكر تعصبا وعنادا ولو كان الضمير في يعرفونه الى القران لكان المناسب ان يقول كما يعرفون التورية قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن سلام رضى الله عنهما ان الله تعالى قد انزل على نبيه الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ فكيف هذه المعرفة- قال عبد الله يا عمر لقد عرفته حين رايته كما اعرف ابني ومعرفتى بمحمد صلى الله عليه وسلم أشد من معرفتى بابني- فقال عمر وكيف ذلك فقال اشهد انه رسول الله حق وقد نعته الله في كتابنا ولا أدرى ما تصنع النساء- فقال عمر وفقك الله يا ابن سلام فقد صدقت وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ يعنى صفة محمد صلى الله عليه وسلم وامر الكعبة وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ الحق خبر مبتدأ محذوف اى هذا الحق ومن ربك حال او خبر بعد خبر او هو فاعل فعل مقدر اى جاءك الحق من ربك او مبتدأ خبره من ربك اى الحق ما ثبت من ربك كالذى أنت عليه لا غير ذلك كالذى عليه اهل الكتاب فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) من الشاكّين في انه من ربك او من الذين كتموا الحق عالمين به وجعلوا أنفسهم من الممترين مع كونهم من المستيقنين- وليس المراد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشك لانه غير متوقع منه وايضا الشك مما لا اختيار فيه ولا في الكف عنه- بل المراد انه امر محقق بحيث لا يشك فيه ناظرا او يقال انه امر لامته بمصاحبة العارفين واكتساب المعارف المزيحة للشك على الوجه الأبلغ والاجتناب عن مصاحبة الشاكين فان مصاحبتهم يورث الشكوك والأوهام-. لِكُلٍّ وِجْهَةٌ التنوين في كل عوض من المضاف اليه والوجهة اسم للمتوجه اليه اى لكل امة من اهل الأديان قبلةوَ الضمير راجع الى كل وقال الأخفش كناية عن الله تعالى وَلِّيها أحد المفعولين محذوف اى مولّيها وجهه اى مقبلها عليه يقال وليته ووليت اليه إذا أقبلت عليه ووليت عنه إذا أدبرت عنه- وقرا ابن عامر هو مولّيها اى مصروف إليها يعنى ان الله تعالى يولى الأمم الى قبلتهم جعل لموسى عليه السلام قبلة ولمحمد صلى الله عليه وسلم قبلة ولكل نبى قبلة فامر القبلة امر تعبدى لا يدرك بالرأى ولا يجوز فيه النزاع وليس ذلك لاقتضاء مكان كونه قبلة حتى يبحث عن ترجيح

[سورة البقرة (2) : آية 149]

بعضها على بعض اسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ يعنى بادروا بامتثال كلما أمركم الله وان كان قدم أمركم في بعض الأحيان بالاستقبال الى بيت المقدس وفي بعضها الى الكعبة فانه تعالى يحكم ما يشاء فلا تنازعوا في امر القبلةيْنَ ما تَكُونُوا فى مكان مرضى لله تعالى من حيث الاستقبال او غير مرضى أْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً يقبض الله تعالى أرواحكم ثم يحشركم الى الجزاء فيجازيكم على حسب أعمالكم ولو قبض أرواحكم وأنتم في الصلاة او فارغ الذمة من الواجب فذلك غاية السعادة او المعنى ان لكل من المسلمين قبلة وهى جانب الكعبة هو مولى وجهه «1» إليها ان علم بها وان غم عليه جهة القبلة فقبلته جهة التحري وان كان متنفلا خارج المصر على الدابة فاىّ جهة استقبلتها دابته فهى قبلته امر الله تعالى بالتولية إليها فاستبقوا الخيرات وبادروا بالصلوات ولا تؤخروها عن أوقاتها عند اشتباه القبلة اين ما تكونوا من أقطار الأرض شرقا او غربا يأت بكم الله تعالى يعنى بصلاتكم الى القبلة ويجعلها الى جهة واحدة كانها بحذاء الكعبةنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) . وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ كلمة حيث متروك الاضافة والجار مع المجرور متعلق بخرجت والمعطوف عليه مقدر تضمّن معنى الشرط فادخل الفاء في الجواب تقديره أينما كنت ومن حيث اى من اىّ مكان خرجت فول- وقيل من حيث خرجت بمعنى اين ما كنت وتوجهت مجازا- وقال التفتازانيّ حيث مضاف الى خرجت والجار مع المجرور متعلق بقوله تعالى فول وما بعد الفاء في مثله يعمل فيما قبله- لكن يلزم حينئذ اجتماع الواو والفاء الا ان يقدر المعطوف عليه تقديره فول وجهك اين ما كنت ومن حيث خرجت فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إذا صليت كرر هذا الحكم لبيان ان حكم صلوة السفر والحضر واحد عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلنا على الناس بثلث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء- رواه مسلم وفي رواية لمسلم فضلت على الأنبياء بستة الحديث وَإِنَّهُ وان هذا الأمر لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) قرا ابو عمرو بالياء التحتانية والباقون بالفوقانية. وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ قيل كرر هذا الحكم لتعدد علله فانه تعالى ذكر للتحويل ثلث علل تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم بابتغاء مرضاته وجرى العادة الالهية على ان يولى كل امة من

_ (1) فى الأصل وجيها

[سورة البقرة (2) : آية 151]

امم اولى العزم من الرسل الى قبلة يستقبلها- ودفع حجج المخالفين- وقرن بكل علة معلولها كما يقرن المدلول بكل واحد من دلائله- وايضا القبلة لها شأن والنسخ من مظان الفتنة والشبهة فبالحرىّ ان يؤكد أمرها ويكرر ذكرها لِئَلَّا يَكُونَ علة لقوله فولوا لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ يعنى لليهود فانهم يعلمون من التورية ان الكعبة قبلة ابراهيم وان محمدا صلى الله عليه وسلم سيحوّل إليها فلولا التحويل لاحتجوا بها- وللمشركين من اهل مكة فانهم ايضا كانوا يعلمون ان قبلة ابراهيم كانت الكعبة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدّعى انه على ملة ابراهيم حنيفا فلولا التحويل لقالوا ان محمدا يدّعى ملة ابراهيم ويخالف قبلته إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ استثناء من الناس اى لئلا يكون لاحد من الناس حجة الا للمعاندين- فاما الظالمون من قريش فقالوا رجع محمد الى الكعبة لانه علم انا اهدى منه وسيرجع الى ديننا- واما الظالمون من اليهود فقالوا انه لم ينصرف عن بيت المقدس مع علمه بانه الحق الا حسدا وانه يعمل برأيه- وسمى هذه حجة كقوله تعالى حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ لانهم يسوقونهم مساقها- وقيل الحجة بمعنى الاحتجاج- وقيل الاستثناء للمبالغة في نفى الحجة رأسا للعلم بأن الظالم لا حجة له- والموصول على هذه التأويلات في موضع الجر بدلا من الناس- وقيل الاستثناء منقطع معناه ولكن الذين ظلموا يجادلونكم بالباطل فَلا تَخْشَوْهُمْ فانى وليّكم أظهركم عليهم بالحجة والنصرة ومطاعنهم لا يضركم وَاخْشَوْنِي فلا تخالفوا امرى وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150) معطوف على لئلا اى فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ- لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ... وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ- ويحتمل ان يكون معطوفا على محذوف يعنى واخشوني لا حفظكم ولاتم نعمتى ولكى تهتدوا- عن معاذ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تمام النعمة دخول الجنة والفوز من النار- رواه البخاري في الأدب المفرد والترمذي وعن على رضى الله عنه تمام النعمة الموت على الإسلام-. كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ يا معشر قريش- خاطبهم والناس تبع لهم لقوله تعالى لابراهيم إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ يعنى ابراهيم وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ولقوله صلى الله عليه وسلم الناس تبع لقريش- متعلق بأتم يعنى لاتم نعمتى إتماما كما اتممتها بإرسال رسول منكم- قال محمد بن جرير دعا ابراهيم دعوتين أحدهما اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ والثانية ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ- فمعنى الاية أجيب دعوة ابراهيم فيكم بان أهديكم لدينه وأجعلكم مسلمين وأتم

نعمتى عليكم كما أجبت دعوته حيث أرسلت فيكم رسولا- او هو متعلق بما بعده اى كما ذكرتكم بالإرسال فيكم اذكروني أذكركم وبهذا يتضح ان ذكر العبد له تعالى محفوف بذكرين منه تعالى إياه ذكر سابق بالتوفيق وذكر لا حق بالاثابة رَسُولًا مِنْكُمْ محمدا صلى الله عليه وسلم يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ يعنى ظاهرهما وقد مر شرحه في دعاء ابراهيم عليه السلام- قدّم التزكية هاهنا باعتبار القصد وأخره هناك باعتبار الفعل وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) تكرار الفعل يدل على ان هذا التعليم من جنس اخر ولعل المراد به العلم اللدني المأخوذ من بطون القران ومن مشكوة صدر النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا سبيل الى دركه الا الانعكاس واما درك دركه فبعيد عن القياس قال رئيس الصديقين والعجز عن درك الإدراك ادراك عن حنظلة بن الربيع الأسيدي قال لقينى ابو بكر رضى الله عنه فقال كيف أنت يا حنظلة- قلت نافق حنظلة- قال سبحان الله ما تقول- قلت نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكّرنا بالنار والجنة كانا رأى عين فاذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا- قال ابو بكر فو الله انا لنلقى مثل هذا- فانطلقت انا وابو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت نافق حنظلة يا رسول الله- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذاك- قلت يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كانا رأى عين فاذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسى بيده لو تدومون على ما تكونون عندى وفي الذكر لصافحتكم الملائكة- على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلث مرات رواه مسلم وعن ابى هريرة قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائين فاما أحدهما فبثثته فيكم واما الاخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم يعنى مجرى الطعام- رواه البخاري- قيل المراد من الوعاء الذي لم يبثثه الأحاديث التي بيّن فيها اسماء أمراء الجور كقوله أعوذ بالله من رأس الستين وامارة الصبيان مشيرا الى امارة يزيد بن معاوية قلت اطلاق الوعاء على علم بجزئيات معدودة غير مستحسن ولا يتصور جعله قسيما ونظير العلوم الشريعة بل المراد به العلم اللدني- فان قيل فما معنى قوله فلو بثثته لقطع هذا البلعوم- قلت معناه انه لو بثثته باللسان لقطع هذا البلعوم لان تلك العلوم والمعارف لا يمكن تعليمها ولا تعلمها بلسان المقال بل انما تدرك بالانعكاس ولسان الحال- كيف والتعلم باللسان يتوقف على

[سورة البقرة (2) : آية 152]

امور منها كون المعلوم مما يدرك بالعلم الحصولى- ومنها كون اللفظ موضوعا بإزائه- ومنها كون الوضع معلوما للسامع- وليس شىء منها متحققا في المعارف المدنية- فان إدراكها تكون بالعلم الحضوري الذي لا يمكن ذهولها- بل سبيل ذلك وراء العلم الحصولى والحضوري وانّى هناك وضع الألفاظ وهيهات هيهات للسامعين العلم بوضعها- ومن أراد أن ينطق بتلك المعارف فلا بد له من إيراد مجازات واستعارات لا يهتدى الى مرامها العوام فيتخبط به عقولهم ويفهمون غير مراد المتكلم فيفسقونه ويكفرونه- كما ترى للعوام ينكرون على اولياء الله تعالى من غير سبيل الى درك مرادهم وذلك يفضى الى قطع البلعوم- فان قيل إذا كان ذلك العلم بحيث لا يمكن اخذه ولا إعطاؤه بالبيان ويفضى الى تلك المفسدة وقطع البلعوم النطق باللسان فاىّ ضرورة في التكلم بها- وما بال القوم يصنفون فيها مجلدات كالفصوص والفتوحات واىّ فائدة في تلك التصنيفات قلت ليس الغرض من تلك التصنيفات إعطاء تلك العلوم ولا يحصل بمطالعة تلك الكتب شىء من القرب والولاية بل الغرض منها تنبيه العارفين المحصلين تلك العلوم بالجذب والسلوك على بعض تفاصيلها- وتطبيق احوال المريدين ومواجيدهم على احوال الأكابر ومواجيدهم كى يظهر صحة أحوالهم وتطمئن به قلوبهم- وكثيرا ما يتكلمون بتلك المعارف في غلبة الحال- فالطريق السوي للعوام عند مطالعة كتبهم وسماع كلامهم عدم الإنكار وحمله على ظاهر الشريعة مهما أمكن بالتأويلات فان كلامهم رموز وإشارات او تفويض علمه الى علام الغيوب كما هو شأن المتشابهات فان في كلامهم مجازات واستعارات مصروفة عن الظاهر وليس شىء منها مخالفا للشرع بل هى لب الكتاب والسنة رزقنا الله سبحانه بفضله ومنه- ولما كان طريق تحصيل تلك المعارف منحصرا في الإلقاء والانعكاس وكان كثرة الذكر والمراقبة اما في ملإ من الذاكرين او في خلإ من الناس يفيد للقلب والنفس صلاحية تلك الانعكاس من مشكوة صدر النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة او بوسائط- عقب الله سبحانه لقوله. فَاذْكُرُونِي «1» قرا ابن كثير بفتح الياء والباقون بالإسكان أَذْكُرْكُمْ- عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انا عند ظن عبدى بي وانا معه إذا ذكرنى فان ذكرنى في نفسه ذكرته في نفسى وان ذكرنى في ملإ ذكرته في ملا خير منه وان تقرب الى شبرا تقرّبت اليه ذراعا وان تقرب الى ذراعا تقربت اليه باعا وان أتاني يمشى أتيته هرولة متفق عليه- وروى البغوي عن انس عنه وفيه قال سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله

_ (1) اخرج ابو الشيخ والديلمي في مسند الفردوس من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قوله فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ- يقول اذكروني يا معشر العباد بطاعتي أذكركم بمغفرتى- منه رحمه الله تعالى

[سورة البقرة (2) : آية 153]

عليه وسلم عدد انا ملى هذه العشرة- وعن عبد الله بن شقيق عنه صلى الله عليه وسلم قال ما من ادعى الا لقلبه بيتان في أحدهما الملك وفي الاخر الشيطان فاذا ذكر الله خنس وإذا لم يذكر الله وضع الشيطان منقاره في قلبه فوسوس له- رواه ابن ابى شيبة وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبق المفردون قالوا وما المفردون يا رسول الله قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات- رواه مسلم فاعلم ايها الأخ السعيد ان الذكر عبارة عن طرد الغفلة والغفلة هى الموجبة للقساوة فكل امر مشروع من قول او فعل او تفكر أريد به وجه الله تعالى بالإخلاص والحضور فهو ذكر وما كان بلا اخلاص فهو شرك وما كان بغفلة فغير معتد به قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ- وفَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ- وأفضل الذكر لا الله الا الله وأفضل الدعاء الحمد لله- رواه النسائي والترمذي وابن ماجة وابن حبان ومالك بسند صحيح عن جابر عنه صلى الله عليه وسلم وعن سمرة بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الكلام اربع سبحان الله والحمد لله ولا الله الا الله والله اكبر- رواه مسلم وفي رواية هى أفضل الكلام بعد القران وهى من القران رواه احمد وفي الحديث القدسي من شغله القران عن ذكرى ومسئلتى أعطيته أفضل ما اعطى السائلين وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه- رواه الترمذي والدارمي من حديث ابى سعيد ومن أجل ذلك الاخبار اختار الصوفية العلية التهليل بالقلب او باللسان جهرا او اخفاتا واما المجدد رضى الله عنه فالمختار عنده تلاوة القران لما ذكرنا من فضله ولان القران صفة حقيقية قائمة بالله تعالى بلا واسطة طرقه بيد الله وطرفه بايدينا فمن استهلك فيه فلا مزيد عليه والصلاة فانها معراج المؤمن- لكن هذا بعد فناء النفس واما قبل الفناء فالمختار عنده الاقتصار على النفي والإثبات لقوله تعالى لا يمسه يعنى القران الا المطهرون يعنى من رذائل النفس والله اعلم وَاشْكُرُوا لِي على ما أنعمت عليكم من إرسال الرسول والهداية والجذب وتوفيق السلوك وغير ذلك وَلا تَكْفُرُونِ (152) بجحد النعم وتكذيب الرسل او عصيان الأمر او اضاعة الوقت والاعراض عن الذكر-. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا على قضاء حوائجكم الدينية والدنيوية خصوصا على نيل درجات القرب والمعارف اللدنية بِالصَّبْرِ عن الشهوات فان النار محفوفة بها- وعلى المكاره في النفوس والأموال فان الجنة محفوفة بها وعلى الذكر والطاعات والعزلة عن سوء

[سورة البقرة (2) : آية 154]

المجالسات حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير مال المسلم الغنم يتبع بها شعف الجبال يفر بدينه من الفتن- رواه البخاري وَالصَّلاةِ خصها بعد التعميم لرفعة شأنها فانها أم العبادات جامعة للطاعات معراج للمؤمن- عن على مرفوعا الصلاة عماد الدين- رواه صاحب مسند الفردوس- وعن انس مرفوعا الصلاة نور المؤمن- رواه ابن عساكر قال المجدد رضى الله عنه غاية مقامات العابدين حقيقة الصلاة والترقي هناك بكثرة الصلاة- وقد مر ذكر صلوة الحاجة فيما مر إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) قيل بالعون والنصر واجابة الدعوة- قلت بل معية غير متكفية يتضح على العارفين ولا يدرك كنهه غير احسن الخالقين. وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ اى هم أموات نزلت في قتلى بدر من المسلمين وكانوا اربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار- كان الناس يقولون لمن يقتل في سبيل الله مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا فانزل الله هذه الاية بَلْ أَحْياءٌ يعنى ان الله تعالى يعطى لارواحهم قوة الأجساد فيذهبون من الأرض والسماء والجنة حيث يشاؤن وينصرون أولياءهم ويدمرون أعداءهم ان شاء الله تعالى ومن أجل ذلك الحيوة لا تأكل الأرض أجسادهم ولا أكفانهم قال البغوي قيل ان أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش الى يوم القيامة- قال عليه السلام ان الشهداء إذا استشهدوا انزل الله جسدا كاحسن جسد ثم يقال لروحه ادخلى فيه فينظر الى جسده الاول ما يفعل به ويتكلم فيظن انهم يسمعون كلامه وينظر إليهم فيظن انهم يرونه حتى تأتيه أزواجه من الحور العين فيذهبن به- رواه ابن منذر مرسلا- وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود مرفوعا أرواح الشهداء عند الله في طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوى الى قناديل تحت العرش- فذهب جماعة من العلماء الى ان هذه الحيوة مختص بالشهداء والحق عندى عدم اختصاصها بهم بل حيوة الأنبياء أقوى منهم وأشد ظهورا اثارها في الخارج حتى لا يجوز النكاح بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته بخلاف الشهيد- والصديقون ايضا أعلى درجة من الشهداء والصالحون يعنى الأولياء ملحقون بهم كما يدل عليه الترتيب في قوله تعالى مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ ولذلك قالت الصوفية العلية أرواحنا أجسادنا وأجسادنا أرواحنا- وقد تواتر عن كثير من الأولياء انهم ينصرون أولياءهم ويدمرون أعداءهم ويهدون الى الله تعالى من يشاء الله تعالى- وقد

[سورة البقرة (2) : الآيات 155 إلى 156]

ذكر المجدد رضى الله عنه- ان ارباب كمالات النبوة بالوراثة أقلت وهم الصديقون والمقربون في لسان الشرع) يعطى لهم من الله تعالى وجودا موهوبا- ويدل على ان أجساد الأنبياء والشهداء وبعض الصلحاء لا يأكلها الأرض ما أخرجه الحاكم وابو داود عن أوس بن أوس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله حرم على الأرض ان تأكل أجساد الأنبياء- واخرج ابن ماجة عن ابى الدرداء نحوه- واخرج مالك عن عبد الرحمن ابن صعصعة انه بلغه ان عمرو بن الجموح وعبد الله بن جبير الأنصاري كان قد حفر السبيل قبرهما وكان قبرهما مما يلى السيل وكانا في قبر واحد وهما ممن استشهد يوم أحد- فحفرا ليغيرا من مكانهما فوجدا لم يتغيرا كانهما ماتا بالأمس وكان بين أحد وبين حفر عنهما ست وأربعون «1» سنة- واخرج البيهقي ان معاوية لما أراد ان يجرى كظامة نادى من كان له قتيل بأحد فليشهد فخرج الناس الى قتلاهم فوجدهم رطايا ينبتون فاصابت المسحات رجل رجل منهم فانبعث دما ولقد كانوا يحفرون التراب فحفروا نثرة من تراب ناح عليهم ريح المسلك- هكذا اخرج الواقدي عن شيوخه واخرج ابن ابى شيبة نحوه واخرج البيهقي عن جابر وفيه فاصابت المسحات قدم حمزة فانبعث دما- واخرج الطبراني عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤذن المحتسب كالشهيد المتشخط في دمه إذا مات لم يدود في قبره- واخرج ابن مندة عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات حامل القران اوحى الله الى الأرض ان لا تأكل لحمه فيقول الأرض اى رب كيف أكل لحمه وكلامك في جوفه- قال ابن مندة وفي الباب عن ابى هريرة وابن مسعود قلت لعل المراد بحامل القرآن الصديق فان مساس بركات القران مختص به حيث قال الله تعالى لا يمسّه إلّا المطهّرون- واخرج المروزي عن قتادة قال بلغني ان الأرض لا تسلط على جسد الذي لم يعمل خطيئة- قلت لعل المراد بالذي لم يعمل خطيئة الصّالحون من عباد الله اعنى الأولياء لما كانوا محفوظين من الخطايا ومغفورين حتى صلحت قلوبهم وأجسادهم والله اعلم وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (154) فيه تنبيه على ان حياتهم ليست من جنس ما يحسّه كل أحد وانما هى امر لا يدرك بالعقل ولا بالحس بل بالوحى او الفراسة الصحيحة المقتبسة من الوحى-. وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ اى لنصيبنكم يا امة محمد إصابة من يختبر لاحوالكم هل تصبرون للبلاء وتستسلمون للقضاء حتى يفاض عليكم بركات من السماء وانما أخبرهم بذلك قبل وقوعه لتوطينهم عليه نفوسهم بِشَيْءٍ قليل وانما قلله بالاضافة الى ما وقاهم عنه وذكر بالتنكير للتقليل ليخفف عليهم

_ (1) فى الأصل أربعين-

[سورة البقرة (2) : آية 157]

ويريهم رحمة لا يفارقهم مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ عن ابن عباس الخوف خوف العدو والجوع القحط وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ عطف على شىء او الخوف يعنى الخسران والهلاك وَالْأَنْفُسِ يعنى بالقتل والموت وقيل بالمرض والشيب وَالثَّمَراتِ يعنى الجوايح في الثمار- وحكى عن الشافعي انه قال الخوف خوف الله عز وجل والجوع صيام رمضان ونقص من الأموال أداء الزكوة والصدقات والأنفس الأمراض والثّمرات موت الأولاد- عن ابى موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته اقبضتم ولد عبدى قال فيقولون نعم قال اقبضتم ثمرة فواده قالوا نعم قال فماذا قال قالوا استرجع وحمدك قال ابنوا لعبدى بيتامى الجنة وسموه بيت الحمد- رواه الترمذي وحسنه وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ عبيدا وملكا وكل ما أعطانا من النعم فهو من مواهبه الهنيئة وعواريه المستودعة فحق علينا ان نرضى بقضائه ولا نكفر عند استرداد أماناته فان المالك يتصرف في ملكه كيف يشاء وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (155) فى الاخرة وكذا في الدنيا بالذكر والمراقبة فيعطينا ان شاء الله أفضل مما استرد منا الخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم ولكل من يأتى منه البشارة- والمصيبة كل ما يصيب الإنسان من مكروه- انقطع نعال النبي صلى الله عليه وسلم فاسترجع فقالوا مصيبة يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب المؤمن مما يكره فهو مصيبة- رواه الطبراني في الكبير من حديث ابى امامة وله شواهد مرفوعة وموقوفة- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انقطع شسع أحدكم فليسترجع فانه المصاب- رواه البيهقي في شعب الايمان وفي الحديث من استرجع عند المصيبة خير الله مصيبته واحسن عقباه وجعل له خلفا صالحا يرضاه- أخرجه ابن ابى حاتم والطبراني والبيهقي في شعب الايمان قال سعيد بن جبير ما اعطى أحد في المصيبة ما اعطى هذه الامة يعنى الاسترجاع ولو اعطى أحد لاعطى يعقوب الا تسمع قوله في فقد يوسف يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ. أُولئِكَ اى اهل هذه الصفة عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ الصلاة في الأصل الدعاء ومن الله ما يترتب عليه من البركة والمغفرة والرحمة جمعها للتنبيه على كثرة أنواعها وذكر الرحمة بعدها تأكيدا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) للحق والصواب حيث استرجع ورضى بقضاء الله سبحانه- كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب الى معاذ يعزيه في ابن له قبضه

[سورة البقرة (2) : آية 158]

منك بأجر كثير الصلاة والرحمة والهدى ان احتسبت- رواه الحاكم في المستدرك وابن مردوية- وقال عمر رضى الله عنه نعم العدلان ونعمت العلاوة فالعدلان الصلاة والرحمة والعلاوة الهداية- وقد وردت الاخبار في حق ثواب اهل البلاء واجر الصابرين- منها ما روى عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يودّ اهل العافية يوم القيامة حين يعطى اهل البلاء الثواب لو ان جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب- وعن ابى سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها الا كفر الله بها من خطاياه- متفق عليه- وعن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم انها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من مصيبة يصيب عبدا فيقول إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ اللهم أجرني في مصبتى واخلف لي خيرا منها الا اجره الله في مصيبته واخلف له خيرا منها- رواه مسلم وعن محمد بن خالد السلمى عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده او في ماله او في ولده ثم صبّره على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله- رواه احمد وابو داود- وعن سعد قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم اى الناس أشد بلاء قال الأنبياء ثم الا مثل فالامثل يبتلى الرجل على حسب دينه فان كان في دينه صلب اشتد بلاؤه وان كان في دينه رقة هون عليه فما زال كذلك حتى يمشى على الأرض ماله ذنب- رواه الترمذي وقال حسن صحيح وابن ماجة والدارمي وفي الباب أحاديث كثيرة لا تحصى-. إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ جبلين بمكة مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الشعائر جمع شعيرة وهى العلامة- والمراد هاهنا المناسك الّتى جعلها الله تعالى اعلاما لطاعته فان الطواف بينهما واجب في الحج والعمرة اجماعا الا في رواية عن احمد فقال سنة لقوله تعالى فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما فان نفى الجناح تدل على الإباحة وكذا قوله فَمَنْ تَطَوَّعَ- والحق ان الإباحة والتطوع كل واحد منهما أعم من الوجوب فلا ينفيانه والحج لغة القصد والاعتمار الزيارة وفي الشرع عبارتان عن العبادتين المعروفتين والجناح بمعنى الميل عن القصد والمعنى لا اثم عليه- واصل يطوّف يتطوّف أدغمت التاء فى الطاء والمعنى ان يدور بهما- وسبب نزول هذه الاية انه كان على الصفا والمروة صنمان اساف ونائلة فكان اساف على الصفا ونائلة على المروة وكان اكثر اهل الجاهلية يطوفون بينهما تعظيما للصنمين و

يتمسحون بهما فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام كان المسلمون يتحرجون عن السعى بين الصفا والمروة لاجل الصنمين وكانت الأنصار قبل الإسلام يعبدون المناة ويهلون لها وكان من اهلّ لها يتحرج ان يطوف بالصفا والمروة فلما اسلموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقالوا كنا نتحرج ان نطوف بين الصفا والمروة فنزلت الاية في الفريقين- اما الاول فقد رواه الحاكم عن ابن عباس قال كانت الشياطين فى الجاهلية تعرف الليل اجمع بين الصفا والمروة وكان بينهما أصنام لهم فلما جاء الإسلام قال المسلمون يا رسول الله لا نطوف بين الصفا والمروة فانه شىء كنا نصنعه في الجاهلية فانزل الله الاية واخرج البخاري عن عاصم قال سألت أنسا عن الصفا والمروة قال كنا نرى انهما من امر الجاهلية فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما فأنزل الله إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ الاية- واما الثاني ففى الصحيحين عن عروة عن عائشة قال قلت أرأيت قول الله تعالى إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما فقالت عائشة بئسما قلت يا ابن أختي انها لو كانت على ما أولتها عليه كانت فلا جناح عليه ان لا يطوف بهما ولكنها «1» انما نزلت في الأنصار قبل ان يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية وكان من اهلّ لها يتحرج ان يطوف بالصفا والمروة فسالوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله كنا نتحرج ان نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية فانزل الله ان الصفا والمروة الاية- ويدل على وجوب السعى حديث صفية بنت شيبة عن حبيبة بنت تجراه قالت رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم بطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى حتى ارى ركبتيه من شدة اسعى يدور به إزاره وهو يقول اسمعوا ان الله عز وجل كتب عليكم السعى- أخرجه الشافعي واحمد- وفي اسناده عبد الله بن مؤمل يضعفه الدارقطني وجماعة لكن قال ابن الجوزي قال يحيى ليس به بأس- ورواه الدارقطني من طريق منصور بن عبد الرحمن قال ابو حاتم لا يحتج به وقال يحيى بن معين ثقة وقال الذهبي ثقة مشهور من رجال مسلم- قال الحافظ لهذا الحديث طرق اخرى عند الطبراني عن ابن عباس إذا انضمت الى الاولى قويت- وقد يستدل على الوجوب بحديث ابى موسى المتفق عليه قال له النبي صلى الله عليه وسلم فطف بالبيت وبالصفا والمروة- فان الأمر للوجوب ثم القائلون بالوجوب اختلفوا- فذهب ابو حنيفة على أصله ان ادلة الوجوب إذا كانت ظنية لا يزاد بها على الكتاب فقال- هو واجب في الحج ليس بركن فينجبر بالدم وقال الشافعي وغيره انه ركن لعدم التفرقة عندهم بين الفرض والواجب- واجمع العلماء على ان السعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط- وعلى ان

_ (1) فى الأصل ولكنهما-

الذهاب من الصفا الى المروة شوط والعود من المروة الى الصفا شوط اخر- وحكى عن جرير الطبري وابى بكر الصوفي من الشافعية والطحاوي من الحنفية ان الذهاب من الصفا الى المروة ثم العود منها الى الصفا شوط واحد قياسا على الطواف بالبيت حيث كان المنتهى الى المبدء- وقيل الرجوع الى الصفا ليس معتبرا من الشوط بل لتحصيل الشوط الثاني- لنا حديث جابر الطويل وفيه فلما كان اخر طوافه بالمروة قال لو استقبلت من امرى الحديث- رواه مسلم وعمل الجمهور المبنى على النقل المستفيض يكفى لنا حجة واجمعوا على ان للسعى شرائط منها الترتيب وهى البداية من الصفا والختم على المروة وما قيل انه ليس بشرط عند ابى حنيفة باطل- والحجة على الترتيب مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك- وقوله فى حديث جابر ابدا بما بدا لله فبدا بالصفا فرقى عليه- رواه مسلم ورواه احمد ومالك وابو داود والترمذي وابن ماجة وابن حبان والنسائي بلفظ- نبدا- وروى الدارقطني بلفظ ابدءوا على صيغة الأمر وصححه ابن حزم فلو ثبت صيغة الأمر فهو اظهر للايجاب والا فهو حجة على الوجوب إذا ضم اليه قوله صلى الله عليه وسلم خذوا عنى مناسككم فانى لا أدرى لعلى لا أحج بعد حجتى- رواه مسلم- ومنها كونه مرتبا على أحد الطوافين اما طواف القدوم او طواف الزيارة والفصل لا يضره ما لم يكن بينهما وقوف بعرفة- فمن سعى قبل طواف القدوم لا يعتد به اجماعا الا ما روى عبد الرزاق عن عطاء انه قال لو سعى ثم طاف جاز- والحجة لهذا القول حديث اسامة بن شريك ورد فيه السؤال عن السعى قبل الطواف فقال النبي صلى الله عليه وسلم افعل ولا حرج- والجواب ان الامة ترك العمل بهذا الحديث فهو شاذ- لنا انه عبادة غير معقولة فيقتصر على كيفية ما ورد عليها الشرع- وعن عائشة قالت قدمت مكة وانا حائض ولم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة قالت فشكوت ذلك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال افعلي كما يفعل الحاج غير ان لا تطوفى بالبيت حتى تطهرى- متفق عليه- وهذا صريح في ان النبي صلى الله عليه وسلم منع عائشة عن الطواف واجازها في غيره من المناسك وانها امتنعت عن الطواف والسعى جميعا وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وقال لها يجزئ عنك طوافك بالبيت وبالصفا والمروة عن حجك وعمرتك- فبهذا ظهر ان السعى بين الصفا والمروة تابع للطواف- ويبتنى على هذا انه من طاف للزيارة ولم يسع أصلا لا بعد طواف القدوم ولا بعد طواف الزيارة يجب عليه الدم لترك السعى ولا يقضى السعى لان السعى لم يدرك عبادة الا بعد الطواف- واما من

[سورة البقرة (2) : آية 159]

فاته الطواف والسعى جميعا يجب عليه قضاء الطواف والسعى جميعا- والسنة انه إذا وقف على الصفا يكبر ثلثا ويقول لا الله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير يصنع ذلك ثلاث مرات ويدعوا ويصنع على المروة مثل ذلك- وإذا نزل من الصفا مشى حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى يخرج منه ثم إذا رقي المروة مشى كنا في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر وغيره وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً- قرا حمزة والكسائي يطّوّع بالياء التحتانية وتشديد الطاء على صيغة المضارع المجزوم وكذلك فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا- ووافق يعقوب في الاولى فقط وقرا الجمهور بالتاء وفتح العين على الماضي- ومعناه فعل طاعة فرضا كان او نفلا- وقال مجاهد معناه فمن تطوع بالطواف بين الصفا والمروة- بناء على انه سنة- وقال مقاتل والكلبي فمن تطوع زاد في الطواف بعد الواجب- وقيل- من تطوع بالحج والعمرة بعد أداء الحجة الواجبة عليه- وقال الحسن أراد سائر الأعمال يعنى فعل غير المفترض عليه من صلوة وزكوة وطواف وغيرها من انواع الطاعات- وخيرا منصوب على انه صفة مصدر محذوف- او بحذف الجار وإيصال الفعل اليه- او بتعدية الفعل لتضمنه معنى اتى- فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (158) يثيب على الطاعة ولا يخفى عليه شىء والله اعلم- اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن ابن عباس قال سال معاذ بن جبل وسعد بن معاذ وخارجة ابن زيد نفرا من أحبار اليهود عن بعض ما في التورية فكتموهم إياه وأبوا ان يخبروهم فانزل الله تعالى. إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ الشاهدة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وَالْهُدى اى ما يهدى الى الطريق المستقيم واتباع محمد صلى الله عليه وسلم- مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ اى التورية أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) اصل اللعن الطرد- ومعنى يلعنهم اللّاعنون انهم يسئلون الله لعنهم- واللّاعنون الذين يأتى منهم اللعن عليهم من الملائكة وللمسلمين من الجن والانس ودواب الأرض كلها- عن البراء بن عازب قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة فقال ان الكافر يضرب بين عينيه فيسمعه كل دابة غير الثقلين فيلعنه كل دابة سمعت صوته فذلك قول الله تعالى وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ- أخرجه ابن ماجة وابن ابى حاتم وابن جرير قال ابن عباس جميع الخلائق الا الجن والانس- وقال قتادة هم الملائكة وقال عطاء الجن والانس- وقال الحسن جميع عباد الله- وقال مجاهد اللّاعنون البهائم

[سورة البقرة (2) : آية 160]

يلعن عصاة بنى آدم إذا سننت السنة وامسك المطر وقالت من شوم بنى آدم. إِلَّا الَّذِينَ تابُوا عن الكتمان وغيره من المعاصي وَأَصْلَحُوا ما أفسدوا بالتدارك وَبَيَّنُوا ما في التورية فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ أتجاوز عنهم فان التوبة من العبد الرجوع من المعصية ومن الله الرجوع من العقوبة وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) المبالغ في قبول التوبة والرحمة- عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان العبد إذا اعترف ثم تاب تاب الله عليه- متفق عليه وعن انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب اليه من أحدكم كان راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فايس منها فاتى شجرة فاضطتجع في ظلها قد ايئس من راحلته فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فاخذ بحطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدى وانا ربك من شدة الفرح- رواه مسلم. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ يعنى ومن لم يتب من الكاتمين حتى مات أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) قال ابو العالية هذا يوم القيامة يوقف الكافر فيلعنه الله ثم يلعنه الملائكة ثم يلعنه الناس- فان قيل الملعون من الناس فكيف يلعن نفسه قيل قال الله تعالى يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً- وقيل انهم يلعنون الظالمين وهم منهم. خالِدِينَ فِيها اى في اللعنة او في النار واضمارها قبل الذكر تفخيما لشأنها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) لا يمهلون من الانظار- او لا ينتظرون ليعتذروا- او لا ينظر إليهم نظر رحمة- قال البغوي ان كفار قريش قالوا يا محمد صف وانسب لنا ربك فانزل الله تعالى سورة الإخلاص وقوله تعالى. وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ وصف الإله بالواحد للتأكيد مع دلالة تنوين الله على الوحدة وفيه تقدير للوحدانية ما ليس في قولك إلهكم واحد والخطاب عام اى المستحق للعبادة منكم ايها العالمين الله واحد لا يمكن له نظير ولا شريك- ويجوزان يكون خطابا للكاتمين زجرا لهم على معاملتهم مع الله تعالى حيث يكتمون التوحيد ويقولون عزير ابن الله والمسيح ابن الله بعد زجرهم على كتمان الرسالة لا إِلهَ إِلَّا هُوَ صفة ثانية لتقرير الوحدانية وتأكيدها بعد تقرير- او هو خبر إلهكم بعد خبر الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (163) خبران آخران لقوله إِلهُكُمْ- او المبتدأ محذوف- وفيه اشارة الى الحجة على استحقاقه العبادة فانه المنعم على الإطلاق مولى النعم كلها أصولها وفروعها

[سورة البقرة (2) : آية 164]

وما سواه منعم عليه- عن اسماء بنت يزيد انها قالت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ان في هاتين الآيتين اسم الله الأعظم وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ- واللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ- رواه ابو داود والترمذي وابن ماجة والدارمي- واخرج سعيد بن منصور في سننه والبيهقي في شعب الايمان عن ابى الصخر قال لما نزلت وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ- تعجب المشركون وقالوا الها واحدا فليأتنا باية ان كان من الصادقين- فانزل الله تعالى-. إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وما فيها من الشمس والقمر والكواكب- واخرج ابن ابى حاتم وابن مردوية من طريق جيد موصول عن ابن عباس قال قالت قريش للنبى صلى الله عليه وسلم- ادع الله ان يجعل لنا الصفا ذهبا نتقوى به على عدونا فاوحى الله تعالى الى النبي صلى الله عليه وسلم انى معطيهم ولكن ان كفروا بعد ذلك عذبتهم عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين فقال رب دعنى وقومى فادعوهم يوما بيوم- فانزل الله تعالى هذه الاية يعنى انهم كيف يسئلون الصفا ذهبا وهم يرون من الآيات ما هو أعظم منه في الوجود ومثله في الإمكان وَالْأَرْضِ وما فيها من الأشجار والأنهار والجبال والبحار والجواهر وانواع النباتات والحيوانات واختلاف التأثيرات والأقطار والأقاليم- وانما جمع السموات وأفرد الأرض لان تعدد السموات كان مقررا عند المخاطبين بناء على مشاهدتهم تعدد حركات الكواكب بخلاف الأرض فان تعددها لم يثبت الا بالشرع والاستدلال انما هو بما هو معلوم عندهم- وقيل لان السموات مختلفة بالحقيقة بخلاف الأرضين فان كلها من جنس واحد وهو التراب- وقيل لان طبقات السموات متفاصلة بخلاف الأرضين وهذا ليس بشىء فان الثابت بالسنة كون كل واحد من السموات والأرضين متناصلة كما روينا الأحاديث سابقا في تفسير قوله تعالى فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ اى تعاقبهما في الذهاب والمجيء وقصر الليالى وطول الأيام في الصيف وعكسها في الشتاء وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ كيف سخرها الله تعالى لكم تحمل الأثقال ولا ترسب في البحر- والفلك واحد وجمعه سواء فاذا أريد به الجمع تؤنث صفته وإذا أريد به المفرد يذكر نحو أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ - وكُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ- وتَجْرِي فِي الْبَحْرِ- بِما يَنْفَعُ النَّاسَ اى ينفعهم او بالذي ينفعهم من الركوب عليها والحمل فيها في التجارات والمكاسب وانواع المطالب وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ من الاولى للابتداء والثانية للبيان فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بالنبات بَعْدَ مَوْتِها يبسها وجذوبتها

[سورة البقرة (2) : آية 165]

وَبَثَّ اى نشر فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ صغيرة لا يكاد يبصر وكبيرة لا يتصور تسخيرها الا بحول الله وقوته عطف على انزل او على أحيا فان الدواب ينمون من الخصب ويعيشون بالماء وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ الى المشرق والمغرب والجنوب والشمال مفيدة ومضرة- لينة وعاصفة- حارة وباردة- اعلم ان الريح كلما وقع في القران المعرف باللام اختلف القراء في جمعها وافرادها الا في الذاريات الرّيح العقيم فانهم اتفقوا على الافراد- والا في الحرف الاول من سورة الروم الرّياح مبشّرت فانهم اجمعوا على جمعها- فقرا حمزة والكسائي تصريف الريح هنا وفي الكهف والجاثية والأعراف والنمل والثاني من الروم وفاطر بالإفراد وتابعهما ابن كثير في الاربعة الاخيرة- وقرا ابن كثير في الفرقان وحمزة في الحجر بالإفراد والباقون في جميعها بالجمع- وقرا نافع في ابراهيم والشورى بالجمع والباقون بالإفراد- وقرا ابو جعفر «1» كل ما ذكر على الجمع جميعا- وكل ريح في القران منكر فهو بالإفراد اجماعا والله اعلم وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا ينزل ولا ينقشع مع ان الطبع يقتضى أحدهما حتى يأتى امر الله وايضا هو مسخر فى الجو يقلبه الله حيث يشاء قال ابن وهب ثلثة لا يدرى من اين يجىء الرعد والبرق والسحاب لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) يتفكرون فيها وينظرون الى انها امور حادثة ممكنة في ذواتها لا يقتضى ذواتها وجوداتها ولا شيئا من اثارها موجودة على وجوه مخصوصة من وجوه كثيرة كلها محتملة فلا محالة من وجود صانع يقتضى ذاته وجوده حى عليم حكيم يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد متصف بصفاة الكمال منزه عن النقص والزوال متعال عن مماثل ومعارض إذ لو كان معه اله يقدر على ما يقدر عليه لزم اما اجتماع المؤثرين على اثر واحد بالشخص وهو محال او عجز أحدهما او التمانع الموجب للفساد- وينظرون الى ما في تلك المخلوقات من اثار رحمة الله تعالى فيعرفون انه تعالى هو المستحق للعبادة والشكر دون غيره- اخرج ابن ابى الدنيا في كتاب التفكر عن عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ثم قال ويل لمن قرا ولم يتفكر فيها- وقيل للاوزاعى فما غاية التفكر فيهن قال يقرا وهو يعقلهن- والله اعلم. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً أصناما او رؤساءهم الذين كانوا يطيعونهم او ما هو أعم منهما يعنى كل ما كان مشغلا عن الله تعالى مانعا عن امتثال او امره يُحِبُّونَهُمْ يعظمونهم ويطيعونهم كَحُبِّ اللَّهِ كتعظيمهم لله اى يسوون بينه وبينهم في المحبة والطاعة والمحبة

_ (1) وقرا ابو جعفر ايضا بالجمع في الاسراء والأنبياء وسبا وص وعنه خلاف في الحج- ابو محمد

ميل القلب كذا قال الزجاج او المعنى يحبون الهتهم كحب المؤمنين الله تعالى وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ من حب الكافرين الهتهم لانه لا ينقطع محبة المؤمنين ولا يعرضون عن الله تعالى في السراء والضراء والشدة والرخاء بخلاف الكفار فان محبتهم لاغراض موهومة فاسدة تزول بأدنى سبب ولذلك كانوا يعدلون عن الهتهم عند الشدائد الى الله تعالى ويعبدون الصنم زمانا ثم يرفضونه الى غيره قال سعيد بن جبير ان الله عز وجل يأمر يوم القيامة من احرق نفسه في الدنيا على روية الأصنام ان يدخلوا جهنم مع أصنامهم فلا يدخلون ثم يقول للمؤمنين بين يدى الكافرين ان كنتم احبائى فادخلوا جهنم فيقتحمون «1» فيها وينادى منادى من تحت العرش وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ- قلت ويمكن ان يكون المعنى الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ من حب كل أحد لكل أحد لان محبتهم فيما بينهم اما لتوقع جلب منفعة او دفع مضرة او لالتذاذ يحصل بروية الجمال او لانتسابهم الى أنفسهم بالنبوة او الابوة فهى في الحقيقة محبة لانفسهم لا للمحبوبين ومن ثم ترى زوالها بزوال تلك الأسباب- ثم الكفار منهم اقتصر نظرهم على الحظوظ العاجلة ولا يعرفون لله سبحانه الا وجودا موهوما وينسبون المنافع والمضار الى العباد او الكواكب او اسماء سموها هم واباؤهم فيحبونهم كحب الله او أشد منه- والذين يدّعون الإسلام من اهل الأهواء كالمعتزلة والروافض والخوارج فلاعتقادهم بالمنافع والمضار المختصة بالدار الاخرة واعترافهم بان مالك يوم الدين هو الله الواحد القهار يحبون الله تعالى أشد من حبهم لغيره تعالى حيث يزعمون ان منافعهم ومضارهم مختصة بالدنيا- ومن اختار الدنيا على الاخرة منهم فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه فلا كلام فيه فهؤلاء الناس مشركون غيره تعالى به تعالى في اصل الحب المبنى على إيصال النفع والضرر المبنى على اعتقادهم بان افعال العباد مخلوقة لهم لا لله تعالى- فهم بسبب اقتدارهم بقاذورات الفلاسفة اكفاء للمشركين ومجوس في هذه الامة واما اهل السنة والجماعة فلاعتقادهم بان افعال العباد مخلوقة لله تعالى وان الله تعالى هو الضار النافع دون غيره فكما انهم لا يعبدون غير الله تعالى كذلك لا يحمدون غيره الا بنوع من التجوز باذنه وامره وكذلك لا يحبون غيره تعالى الا لله تعالى فحمدهم وحبهم كلها راجعة الى الله تعالى انما الحب الحب لله وانما البغض البغض لله غير ان حب عامتهم راجع الى اغراض صحيحة اخروية مرضية لله تعالى- واما اهل التحقيق منهم وهم الصوفية العلية الرضية فكل حب مبنى على خوف او طمع

_ (1) وهؤلاء إذا اقتحموا في النار يجدوها بردا وسلاما- منه رحمه الله

دنيوى او اخروى لا يسمونه حبا- بل الحب عندهم نار يشتعل في قلوب المحبين تحرق ما سوى المحبوب لا تبقى ولا تذر حتى يسقط عن نظر بصيرته نفسه فكيف ينظر نفعه وضرّه وما سواه هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً نعم رب قد اتى على الإنسان حين مستمر من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ولا مخطورا- والسرّ في ذلك ان اقرب الأشياء عند العوام أنفسهم فهم لا يحبون الا أنفسهم او لاجل أنفسهم واما المحققون فاقرب الأشياء إليهم هو الله سبحانه الذي قال نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ ايها العوام فهم لا يحبون أحدا الا الله سبحانه ويحبون أنفسهم لاجله تعالى لا بالعكس ويحبون كل محبوب لاجله تعالى وأولئك هم الصادقون في دعوى المحبة الذاتية- وإذا بلغت المحبة الى هذه المثابة يكون إيلام المحبوب عندهم كانعامه بل احلى وألذ فإن في إيلامه اخلاص ما ليس في انعامه- وهؤلاء هم الذين يقال لهم يوم القيامة بين يدى الكافرين ان كنتم احبائى فادخلوا جهنم فيقتحمون فيها وينادى مناد من تحت العرش وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ- أليس تعلم انه من كان يعبد الله تعالى خوفا من جهنم وطمعا في الجنة كيف يختار النار المؤبدة ابتغاء مرضات الله ولا يتصور ذلك الا من له محبة ذاتية وهو حامل امانة الله التي حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا وَلَوْ يَرَى قرا نافع وابن عامر ويعقوب بالتاء على انه خطاب للنبى صلى الله عليه وسلم او لكل مخاطب ومفعوله بعده- وقرا الباقون بالياء وفاعله ضمير السامع يعنى لو يرى السامع او فاعله بعده الَّذِينَ ظَلَمُوا باتخاذ الانداد وحبهم كحب الله ومفعوله محذوف يعنى أنفسهم إِذْ يَرَوْنَ الكفار الْعَذابَ يوم القيامة قرا ابن عامر بضم الياء على البناء للمفعول والباقون بالفتح- وجواب لو محذوف يعنى لرايت امرا فظيعا عظيما- او لندموا ندامة شديدة- وفائدة الحذف انّ لو إذا جاء فيما يشوق اليه او يخوف منه فيحذف الجواب هناك يذهب القلب فيه كل مذهب ويستفاد منه كمال الشوق او كمال الفظع- ولو وإذ تدخلان على الماضي وانما دخلتا على المستقبل لان في اخبار الله تعالى المستقبل كالماضى في التحقق أَنَّ يعنى لان الْقُوَّةَ الغلبة «1» لِلَّهِ جَمِيعاً حال وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (165) اى شديد عذابه يتعلق بالجواب المحذوف على قراءة العامة- وقرا ابو جعفر ويعقوب أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ بكسر الهمزة في ان في الجملتين فهذا استيناف والكلام قد تم عند قوله إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ ويحتمل على قراءة لو يرى الّذين ظلموا على الغيبة ان يكون الروية بمعنى الروية القلبية

_ (1) فى الأصل والغلبة-[.....]

[سورة البقرة (2) : آية 166]

والذين ظلموا فاعله وان القوة الى آخره ساد مسد مفعوليه- والمعنى ولو يعلم الذين ظلموا حين يرون العذاب والمصائب في الدنيا ان القوة لله جميعا وان الله تعالى هو الضارّ والنافع وان افعال العباد لم يوجد الا بقدرته ومشيته وخلقه وان الله شديد العذاب في الدنيا والاخرة لا مانع لما يعطيه ولا معطى لما منعه ولا راد لقضائه أحدكما يعلم المؤمنون لما اتخذوا أندادا وما أحبوا غير الله تعالى كالمؤمنين- او المعنى لو يعلم الذين ظلموا ان القوة لله جميعا حين يرون العذاب يوم القيامة لندموا أشد ندامة- ويحتمل ان يكون ان القوة لله جميعا جواب لو والمعنى ولو يرى الذين ظلموا اندادهم لا ينفع لعلموا ان القوة لله جميعا-. إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا منصوب بتقدير اذكر او بدل من إذ يرون وَرَأَوُا الْعَذابَ الواو للحال وقد مضمرة او للعطف على تبرا وكذا في قوله تعالى وتقطّعت وذلك التبري يوم القيامة حين يجمع الله القادة والاتباع فيتبرا بعضهم من بعض وقيل الشياطين يتبرءون من الانس وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ اى عنهم الْأَسْبابُ (166) اى اسباب المحبة التي كانت بينهم في الدنيا وهى توقعات فاسدة في النفع ودفع الضرر- واصل السبب ما يوصل به الى شىء من ذريعة او قرابة او مودة ومنه يقال للجبل وللطريق سبب. وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً اى رجعة الى الدنيا فَنَتَبَرَّأَ منصوب على جواب لو بمعنى ليت مِنْهُمْ اى من المتبوعين كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا اليوم كَذلِكَ الاراءة يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ ندامات عَلَيْهِمْ حسرات ثالث مفاعيل يرى ان كان من روية القلب والا فحال ما تركوا من الحسنات واتباع الرسول يندمون على تضييعها وما اثروا من السيئات واختاروا الدنيا على الاخرة يتحسرون على إتيانها- قال السدى يرفع لهم الجنة فينظرون إليها والى بيوتهم فيها لو أطاعوا الله فيقال لهم تلك مساكنكم لو أطعتم الله تعالى ثم يقسم بين المؤمنين فبذلك يندمون ويتحسرون وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) أصله ما يخرجون فعدل الى الجملة الاسمية للمبالغة في الخلود والاقناط عن الخلاص والرجوع الى الدنيا. يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر ابن صعصعة وبنى مدلج فيما حرموا على أنفسهم من الحرث والانعام والبحيرة

[سورة البقرة (2) : آية 169]

والسّائبة والحام والوصيلة حَلالًا مفعول كلوا او حال من ما في الأرض ومن للتبعيض- والحلال ضد الحرام اى ما لم يمنعه الشرع فان الأصل في الأشياء الحل لقوله تعالى خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً طَيِّباً مستلذا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ اى لا تقتدوا به في اتباع الهوى فتحرموا الحلال وتحلوا الحرام قرا ابو جعفر وابن عامر والكسائي وحفص ويعقوب بضم الطاء والباقون بسكونها وهما لغتان في جمع خطوة وهى ما بين قدمى الخاطي- وخطوات الشيطان اثارها وزلاتها يعنى طرقه «1» فى المعاصي إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) ظاهر العداوة عند اهل البصيرة وان كان يظهر الموالات لمن يغويه ولذلك سماه وليّا في قوله أولياؤهم الطّاغوت- او مظهرها حيث ابى من سجود آدم وأخرجه من الجنة وحلف لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ- وابان يكون لازما ومتعديا- ثم ذكر عداوته. إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ السوء في الأصل اسم لما يسوء صاحبه يقول ساءه يسوءه سواء ومساءة اى أحزنه وسأته فسىء اى حزنته فحزن- والفحشاء مصدر على وزن بأساء وضراء والمراد بهما الإثم والعطف لاختلاف الوصفين فانه سوء لاغتمام العاقل به وفحشاء لاستقباحه إياه وقيل السوء مطلق المعصية والفحشاء الكبيرة او ما فيه حد- والمراد بامره وسوسته وذالا يقتضى سلطانه الا على من اتبعه من الغاوين عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه يفتنون الناس فادناهم منه منزلة أعظم فتنة يجىء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا- ثم يجىء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال فيدنيه منه ويقول نعم أنت- رواه مسلم وعن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة فاما لمة الشيطان فايعاد بالشر وتكذيب بالحق واما لمة الملك فايعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم انه من الله فليحمد الله ومن وجد الاخرى فليتعوذ بالله من الشيطان ثم قرا الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ- رواه الترمذي وفى حديث ابن عباس قوله صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذي رد امره الى الوسوسة- رواه ابو داود- وَأَنْ تَقُولُوا في موضع الجر عطفا على السوء عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (169) من تحريم الحرث والانعام-. وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اى لليهود اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قصة مستانفة والضمير عن غير مذكور- اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس قال دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود الى

_ (1) في الأصل طروقه

[سورة البقرة (2) : آية 171]

الإسلام ورغبهم فيه وحذرهم عن عذاب الله ونقمته «1» فقال رافع بن حريملة ومالك بن عوف بل تتبع يا محمد ما وجدنا عليه آباءنا فهم كانوا اعلم وخيرا منا فانزل الله تعالى- والمراد ب ما أَنْزَلَ اللَّهُ القران او التورية فانها ايضا تأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم- وقيل هى نازلة في مشركى العرب وكفار قريش والضمير راجع الى قوله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ- وقيل الضمير راجع الى الناس في قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا- وعدل عن الخطاب عنهم إيذانا على ضلالتهم كانه التفت الى العقلاء وقال قال لهم انظروا الى هؤلاء الحمقاء ماذا يجيبون قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ قرا الكسائي بل نتّبع بإدغام اللام فى النون فانه يدغم لام هل وبل في ثمانية أحرف التاء- والثاء- والزاء- والسين- والطاء- والظاء- والضاد- والنون- نحو هل نعلم- وهل ثّوّب- وبل زيّن- وبل سوّلت- بل طبع- بل ظننتم- بل ضلّوا- هل ندلّكم- هل ننبّئكم- وهل نحن وشبهه وادغم حمزة في التاء والثاء والسين فقط واختلف عن خلاد عند الطاء في قوله تعالى بل طبع الله- واظهر هشام عند النون والضاد وعند التاء في الرعد هل تستوى لا غير وادغم ابو عمرو هل ترى من فطور في الملك- فهل ترى لهم فى الحاقة لا غير واظهر الباقون اللام في الثمانية ما أَلْفَيْنا ما وجدنا عَلَيْهِ آباءَنا من اتباع التورية او من التحريم والتحليل أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (170) الواو فى الأصل واو العطف ويقال في هذا المقام واو التعجب دخلت عليها الف الاستفهام للتوبيخ يعنى أيتبعون آباءهم لو كان اباؤهم يعقلون ولو كان اباؤهم لا يعقلون فحذف صدر الجملة- والجملة حال وكلمة لا يعقلون عام ومعناه الخصوص اى لا يعقلون شيئا من امر الدين لانهم كانوا يعقلون امر الدنيا- فان قيل نزول الاية في اليهود فكيف يتصوران آباءهم لا يعقلون شيئا فانهم كانوا متبعين للتورية- قلت بل لم يكونوا متبعين للتورية ولو كانوا متبعيها لما كفروا بعيسى عليه السلام- او يقال فيه تعريض بانهم لعلهم ألفوا آباءهم على تحريف التورية فحرفوها إذ لو وجدوهم على التورية لوجدوهم طالبين لدين محمد صلى الله عليه وسلم منتظرين له-. وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً النعق والنعيق صوت الراعي بالغنم والاية ان كانت في عبدة الأوثان فلا حاجة في تأويلها ومعناه مثل الذين كفروا فى عبادتهم ودعائهم للاوثان حيث لا يسمعون دعاءهم كمثل الذي ينعق

_ (1) فى الأصل ونعمته-

[سورة البقرة (2) : آية 172]

بما لا يسمع كما في قوله تعالى إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ- والتمثيل من باب التمثيل المركب فلا محذور في قوله تعالى الّا دعاء ونداء- وان كانت الاية في اليهود فالتوجيه ان مثل الذين كفروا من اليهود في جواب دعائك إياهم الى الإسلام بقولهم بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا- كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ من البهائم فانه كما ان الناعق لا يقصد بصوته معنى بل يتكلم بمهل كذلك الكافر لا يقول جوابا مقبولا بل يقول صوتا غير مغن- او الغرض منه تشبيه الكفار بالبهائم فحينئذ لا بد من التأويل فتقديره مثلك ومثل الذين كفروا- او مثل داعى الذين كفروا بحذف المضاف في المشبه- او تقديره ومثل الذين كفروا كمثل المنعوق به فالكلام خارج على الناعق والمراد به المنعوق به وهو فاش في كلام العرب يقلّبون الكلام يقولون فلان يخافك خوف الأسد وقال الله تعالى ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ وانما العصبة تنوء بالمفاتيح- والمعنى ان الكفرة لانهماكهم في التقليد لا يلقون أذهانهم الى ما يتلى عليهم ولا يتاملون فيه كالبهائم التي ينعق عليها فيسمع الصوت ولا يفهم معناه- او المعنى مثل الذين كفروا في اتباع ابائهم على ظاهر حالهم جاهلين بحقيقتها كمثل المنعوق به من البهائم التي يسمع الصوت ولا يفهم ما تحته فان آباءهم الذين كانوا قبل نسخ التورية كانوا يتبعون ما انزل الله في التورية ينتظرون محمدا صلى الله عليه وسلم والقران وهؤلاء يدّعون اتباع التورية بعد ما نسخت ويخالفون التورية في انكار القران صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ رفع على الذم اى لا يسمعون سماع تفكر ولا ينطقون بالخير ولا يبصرون الهدى فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (171) امر الدين للاخلال عن النظر ولما امر الله تعالى الناس بأكل الحلال الطيب والكف عن اتباع الشيطان وطال الكلام فيما يتعلق بالكف وكان لاكل الحلال الطيب غاية وهو الشكر وأراد الله تعالى ذكره أعاد الأمر بالأكل ليتصل به قوله واشكروا ولما كان الشكر مختصا باهل التوحيد والايمان خاطب هنا بخطاب اهل الايمان فقال. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ حلالات مستلذات ما رَزَقْناكُمْ عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله طيب لا يقبل الا الطيب وان الله امر المؤمنين بما امر المرسلين فقال يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً- وقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ- ثم ذكر الرجل يطيل السفر يمديده الى السماء يا رب يا رب اشعث اغبر مطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذّى بالحرام فانى يستجاب لذلك- رواه مسلم وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) يعنى ان صح انكم تخصونه بالعبادة

[سورة البقرة (2) : آية 173]

وتقرون بانه مولى النعم كلها فاشكروه فان عبادتكم لا يتم الا بالشكر عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى انى والانس والجن في نبإ عظيم اخلق ويعبد غيرى وارزق ويشكر غيرى- أخرجه الطبراني في مسندات الشاميين والبيهقي في شعب الايمان والديلمي من حديث ابى الدرداء-. إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ قرا ابو جعفر الميّتة في كل القران بالتشديد والباقون انما شددوا البعض وسنذكرها ان شاء الله تعالى فان قيل كلمة انما الحصر وكم من حرام لم يذكر- قلنا المختار عند الحنفية ما قال نحاة الكوفة ان كلمة انما ليست للقصر بل هى مركبة من انّ للتحقيق وما الكافة وعلى تقدير التسليم فالقصر إضافي بالنسبة الى ما حرمه الكفار من بحيرة وسائبة ووصيلة وحام ونحوها والله اعلم- والميتة حيوان مات من غير ذكوة وقد كان من شانها الذكوة فالسمك والجراد غير داخلتين فيها او هما خصتا منها بالحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحل لنا ميتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال- أخرجه ابن ماجة والحاكم من حديث ابن عمرو الحق بها بالسنة ما أبين من الحي اخرج ابو داود- والترمذي وحسنه عن ابى واقد الليثي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قطع من البهيمة وهى حية فهو ميتة- واجمعوا على انه لا يجوز بيع الميته ولا أكل ثمنه ولا الانتفاع بشحمه ولا بجلده قبل الدباغ عن جابر انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة ان الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل يا رسول الله ارايت شحوم الميتة فانه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال لا هو حرام ثم قال عند ذلك قاتل الله اليهود ان الله لمّا حرم شحومها اجملوه ثم باعوه فاكلوا ثمنه- متفق عليه وعن عمران رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها- متفق عليه وعن عبد الله ابن عكيم قال أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الا لا تنتفعوا من الميتة باهاب ولا عصب رواه احمد والشافعي واصحاب السنن الاربعة- وفي رواية للشافعى واحمد وابى داود «1» - قبل موته بشهر وفي رواية احمد بشهر او شهرين قال الترمذي حسن صحيح- وعن جابر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا ينتفع من الميتة بشىء- رواه ابو بكر الشافعي واسناده حسن وعن اسامة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن جلود السباع- رواه ابو داود والنسائي والحاكم وصححه وزاد وان يفترش- وعن معاوية بلفظ نهى عن ركوب النمار- رواه ابو داود والنسائي وعن المقدام بن معديكرب قال نهى رسول الله صلى الله

_ (1) فى الأصل ابو داود

عليه وسلم عن الحرير والذهب ومناثر النمور- رواه احمد والنسائي- وعن ابى هريرة مرفوعا لا تصحب الملائكة رقعة فيها جلد نمر- رواه ابو داود واختلفوا في جلد الميتة بعد الدباغ فقال ابو حنيفة والشافعي رحمهما الله يطهر بالدباغ فيجوز بيعه والانتفاع به وقال مالك واحمد لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به- لنا أحاديث منها حديث ابن عباس قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة ميتة فقال الا استمتعتم بجلدها فقالوا يا رسول الله انها ميتة قال انما حرم أكلها او ليس في الماء والقرظ ما يطهر- وفى بعض الروايات- الا استمتعتم بجلدها- وفي بعضها- انما حرم لحمها ورخص لكم في مسكها- قال الدارقطني أسانيده صحاح- وحديثه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اى إهاب دبغ فقد طهر- رواته مسلم وعن ابن عمر مرفوعا مثله رواه الدارقطني بسند حسن- وعن سفيان مثله رواه مسلم وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم طهور كل أديم دباغه- وعنها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم امر ان ينتفع بجلود الميتة إذا دبغت- وعن سودة ماتت شاة لنا فدبغنا مسكها- رواه البخاري واحتج اصحاب مالك واحمد بما ذكرنا سابقا من الأحاديث انه لا يجوز الانتفاع من الميتة بشىء قالوا هذا اخر الامرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ورد في حديث عبد الله بن عكيم أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بشهر او شهرين- قلنا حديث عبد الله بن عكيم مضطرب سنده ومتنه فلا يصادم ما روينا من الصحاح فلا يكون ناسخا على ان الإهاب اسم للجلد قبل الدباغ ونحن نقول بحرمة الانتفاع به- فان قيل ورد في حديث عبد الله بن عكيم عند الطبراني في الأوسط وابن عدى- قال كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في ارض جهينة انى كنت رخصت لكم في جلود الميتة فلا تنتفعوا من الميتة بجلد ولا عصب- قلنا هذا الطريق لا يصح فان فيه فضالة بن مفضل قال ابو حاتم الرازي لم يكن باهل ان يكتب منه اهل العلم- واختلفوا في شعر الميتة وعظمها وعصبها وقرنها وحافرها فقال ابو حنيفة طاهر يجوز بيعه والانتفاع به- وقال الشافعي نجس- واحمد ومالك معنا في الشعر ومعه في العظم والعصب- وحجتهم قوله صلى الله عليه وسلم لا ينتفع من الميتة بشىء- واحتج الشافعي على نجاسة الشعر بحديث ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادفنوا الأظفار والدم والشعر فانه ميتة- والجواب ان الحديث الثاني فيه عبد الله بن عزيز قال ابو حاتم الرازي أحاديثه منكرة وليس محله الصدق عندى- وقال على بن الحسين بن الجنيد

لا يساوى فلسا يحدث بأحاديث كذب- واما الحديث الاول فقد تكلّم عليه ولو سلم عن التكلم فهو معارض بما تقدم من حديث ابن عباس المتفق عليه انما حرم أكلها وطرقه متكثرة- ولنا ايضا حديث ابن عباس بلفظ انما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمها فاما الجلد والشعر والصوف فلا بأس به- لكن فيه عبد الجبار ضعيف وذكره ابن حبان في الثقات وعنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الا كلّ شىء من الميتة حلال الا ما أكل منها فاما الجلد والشعر والصوف والسن والعظم فكل هذا حلال وفيه ابو بكر الهذلي متروك قال غندر كذاب وقال يحيى وعلى ليس بشىء- وحديث ثوبان اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج- فيه حميد وسليمان مجهولان- ولنا من الآثار ما ذكره البخاري معلقا قال الزهري في عظام الموتى نحو الفيل وغيره أدركت ناسا من سلف العلماء يمتشطون بها ويدهنون فيها لا يرون به بأسا- قلت أسلاف الزهري هم الصحابة رضى الله عنهم او كبار التابعين وقال حماد بن ابى سليمان لا بأس بريش الميتة- وقال ابن سيرين وابراهيم لا بأس بتجارة العاج- والله اعلم وَالدَّمَ أراد به الجاري منه اجماعا كما في قوله تعالى او دما مسفوحا وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ اجمعوا على ان الخنزير نجس عينه لا يجوز بيع شىء من اجزائه حتى شعره- وانما خص اللحم بالذكر لانه معظم ما يقصد من الحيوان وسائر اجزائه كالتابع له- ويدل على حرمة عينه قوله تعالى فانّه رجس وسنذكر تفسيره في سورة الانعام ان شاء الله تعالى وهل يجوز الانتفاع بشعره قال ابو حنيفة ومالك يجوز الانتفاع به للخزر للضرورة- ومنع منه الشافعي وكرهه احمد- ولو وقع في الماء القليل أفسده وعند محمد لا يفسد لان اطلاق الانتفاع دليل طهارته- ولابى يوسف ان الإطلاق للضرورة ولا يظهر الضرورة الا في حالة الاستعمال وحالة الوقوع بغايرها- كذا في الهداية وقال الفقيه ابو الليث لو لم يوجد الا بالشراء جاز شراؤه- وقال ابن همام قد قيل ايضا أن الضرورة ليست ثابتة في الخرز به بل يمكن ان يقام بغيره وقد كان ابن سيرين لا يلبس خفا خرز بشعر الخنزير قال ابن همام فعلى هذا لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ قال الربيع بن انس يعنى ما ذكر عند ذبحه اسم غير الله والإهلال أصله روية الهلال يقال اهل الهلال ثم لما جرت العادة برفع الصوت بالتكبير عند روية الهلال سهى لرفع الصوت مطلقا الإهلال- وكان الكفار إذا ذبحوا لالهتهم يرفعون أصواتهم بذكرها فجرى ذلك من أمرهم حتى قيل لكل ذابح وان لم يجهر مهلّ- واما متروك

[سورة البقرة (2) : الآيات 174 إلى 175]

لتسمية فسنذكرها في سورة الانعام ان شاء الله تعالى فَمَنِ اضْطُرَّ قرا عاصم وابو عمرو وحمزة بكسر النون هاهنا ومن أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وأَنِ احْكُمْ ولكِنِ انْظُرْ وأَنِ اغْدُوا وشبهه وكسر الدال من لقد استهزىء والتاء من قالَتِ اخْرُجْ والتنوين من فتيلان انظر ومبينان اقتلوا وشبهه إذا كان بعد الساكن الثاني ضمة لازمة وابتدأت همزة الوصل بالضم- ووافقهم ابن عامر في التنوين فقط وكذا قرا عاصم وحمزة بكسر اللام والواو مثل قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ وتابعهما يعقوب الا فى الواو- وقرا الباقون بالضم في كلها بضمة أول الفعل- وقرا ابو جعفر بكسر الطاء اتباعا لكسر النون والمعنى انه من اضطر الى أكل الميتة او نحوه مما ذكر سواء كان الاضطرار لاجل المخمصة او الإكراه او غير ذلك حل له أكلها بالإجماع غَيْرَ باغٍ حال اى أكل غير باغ للذة وشهوة وَلا عادٍ اى متجاوز قدر الحاجة فالحاصل انه لا يجوز للمضطر الاكل منه الا قدر سد الرمق- وفي قول للشافعى يجوز له الشبع- وهو قول مالك واحدى «1» الروايتين عن احمد- والراجح من مذهب الشافعي انه ان توقّع حلالا قريبا لم يجز غير سد الرمق وانّ للمنقطع ان يشبع ويزوّد- وقال بعض اصحاب الشافعي في تأويل الاية غير باغ على الوالي ولا عاد بقطع الطريق او فساد في الأرض- قال البيضاوي وهو ظاهر مذهب الشافعي وقول احمد- وقال البغوي وهو قول ابن عباس رضى الله عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير وقالوا لا يجوز للعاصى بسفر ان يأكل الميتة إذا اضطر إليها ولا ان يترخص برخص المسافرين حتى يتوب- قلت والظاهر ان البغي والعدوان راجعان الى الاكل- وقال مقاتل بن حبان غير باغ اى مستحل لها ولا عاد اى مقصر في طلب ما أبيح له- فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فى أكلها إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما أكل في حالة الاضطرار رَحِيمٌ (173) حيث رخص العباد في ذلك- وهذا يدل على ان المضطر ان لم يأكل الميتة ونحوها حتى مات فلا اثم عليه ايضا فان الاكل عند الاضطرار مباح رخصة من الله تعالى وليس بواجب وهو أصح قول الشافعي- وقال ابو حنيفة بل يأثم ويجب عليه حينئذ أكله لقوله تعالى وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ- حيث استثنى ما اضطررتم اليه من المحرم فبقى على الأصل مباحا والمباح واجب أكله عند خوف الهلاك وانما سمى ذلك رخصة مجازا. إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ يعنى آيات التورية في شأن محمد صلى الله عليه وسلم- نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والمأكل-

_ (1) فى الأصل أحد-

[سورة البقرة (2) : آية 176]

وكانوا يرجون ان يكون النبي المبعوث منهم- فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم من غيرهم خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم فعمدوا الى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فغيروها ثم أخرجوها إليهم- فلما نظرت السفلة الى النعت المغير وجدوه مخالفا لصفة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يتبعوه ذكره البغوي وكذا اخرج الثعلبي عن ابى صالح عن ابن عباس- واخرج ابن جريح عن ابن عباس- ان هذه الاية والتي في ال عمران نزلتا جميعا في اليهود وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا يعنى اعراض الدنيا فانها وان جلت فهى قليلة بالنسبة الى ثواب الاخرة أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ سمّى الرشوة والحرام نارا لانه يودى إليها- او لانه صير نارا في الاخرة- او المعنى ما يأكلون في الاخرة الا النار- ومعنى في بطونهم ملاء بطونهم وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ بالرحمة وبما يسرهم او هى كناية عن غضبه عليهم نعوذ بالله منه وَلا يُزَكِّيهِمْ اى لا يثنى عليهم او لا يطهرهم من دنس الذنوب بخلاف عصاة المؤمنين فانهم ان عذبوا بالنار كان ذلك تطهيرا لذنوبهم وإعدادا لهم لدخول الجنة وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (174) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فى الدنيا. وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فى الاخرة بكتمان الحق لاغراض دنيّة دنيوية فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) يعنى ما أشد صبرهم عليها تعجيب للمؤمنين على اختيارهم موجبات النار مع علمهم بتحقيق المصير إليها كانهم صبروا عليها والا فاىّ صبر. ذلِكَ العذاب ومحله الرفع وقيل محله النصب يعنى فعلنا ذلك بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ يعنى التورية او جنس الكتاب التورية والقران وغيرهما بِالْحَقِّ فاختلفوا- وقيل معناه ذلك الاجتراء من اليهود على الله وصبرهم على النار من أجل ان الله تعالى نزل الكتاب بالحق وهو قوله تعالى سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ اللام للجنس واختلافهم ايمانهم ببعض الكتاب وكفرهم بالبعض- او للعهد والاشارة اما الى التورية واختلافهم فيه اتباعهم بعض أحكامه وتركهم بعضه وهو اتباع محمد صلى الله عليه وسلم- واما الى القران واختلافهم فيه قولهم انه سحر او كلام يقوله بشرا وأساطير الأولين لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (172) عن الحق-. لَيْسَ الْبِرَّ قرا حفص وحمزة بالنصب على انه خبر ليس واسمها ما بعده والباقون بالرفع بعكس التركيب- والبر كل فعل مرضى لله تعالى أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة قال كانت اليهود يصلى قبل المغرب يعنى الى بيت المقدس والنصارى

قبل المشرق فانزل الله تعالى هذه الاية يعنى ليس البر ما عليه اليهود والنصارى فان قبلتهم منسوخة ودينهم كفر- وكذا اخرج ابن ابى حاتم عن ابى العالية- قال البغوي هذا قول قتادة ومقاتل بن جبان وقيل المراد به المسلمون وذلك ان الرجل كان في ابتداء الإسلام قبل نزول الفرائض إذا اتى بالشهادتين وصلى الصلاة الى اىّ جهة كانت ثم مات على ذلك وجبت له الجنة فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت الفرائض وحدّت الحدود وصرّفت القبلة الى الكعبة انزل الله تعالى هذه الاية يعنى ليس البر كله مقتصرا في ان تصلوا قبل المشرق والمغرب ولا تعملوا غير ذلك ولكن البر ما ذكر في هذه الاية قال البغوي هذا قول ابن عباس ومجاهد والضحاك- قلت واخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة نحوه- قلت ذكره تعالى بتولية الوجوه وعدم تسميته بالصلوة قرينة على ان المخاطبين «1» بها اليهود والنصارى دون المؤمنين وقد قال الله تعالى للمؤمنين انّ الله «2» لا يضيع ايمانكم يعنى صلاتكم وَلكِنَّ الْبِرَّ قرا نافع وابن عامر لكن مخففة والبر بالرفع في الموضعين والباقون بالتشديد والنصب فيهما مَنْ آمَنَ لا بد للحمل ان يعتبر المصدر بمعنى الفاعل مبالغة او يقدر المضاف في الاسم او الخبر يعنى لكن البار او ذا البر من أمن او لكن البرّ برّ من أمن وهذا أوفق بالسياق بِاللَّهِ المتوحد بجلال ذاته وكمال صفاته المنزه عن وسمة الحدوث والمناقص بحيث لا يتصور ثناؤه الا بما اثنى به نفسه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعنى يوم القيامة فانه اخر الأيام والمراد به من وقت النشور الى الابد المشتمل على البعث والحساب والميزان والصراط والجنة وما فيها والنار وما فيها والشفاعة والمغفرة وخلود الثواب والعذاب وكل ما ثبت بالكتاب والسنة وَالْمَلائِكَةِ بانهم خلقوا من نور أجسام ذوو أرواح أولوا اجنحة مثنى وثلث ورباع- وراى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبرئيل وله ستمائة جناح- لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون قوتهم التسبيح والتهليل لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ يموتون ثم يبعثون ومنهم رسل يأتون بالوحى على الأنبياء عليهم الصلوات والتسليمات وجزاء أعمالهم رضوان الله تعالى منهم ومراتب قربهم عند الله تعالى حيث قال عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ فهم غير محتاجين في جزاء أعمالهم الى دخول الجنة بل خزنة النار وملائكة العذاب ايضا يوفون أجورهم وهم لا يظلمون- فلا يذهب عليك ان عوام المؤمنين أفضل من الملائكة أجمعين حيث يدخلون الجنة لاجل الجزاء دون الملائكة نعم خواص البشر يعنى الأنبياء والرسل منهم أفضل من جميع الملائكة لاجل التجليات الذاتية المختصة بالبشر لاختصاصها بالتراب- وكما ان جزاء اعمال الملائكة غير متوقفة بدخول

_ (1) فى الأصل ان المخاطبون (2) وفي القران وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ

الجنة كذلك بعض الأصفياء من البشر يحصل لهم في الدنيا بعض ما يحصل لهم في الجنة قال الله تعالى فى حق خليله عليه السلام آتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ وَالْكِتابِ والمراد به الجنس او المراد به القران فان الايمان به مستلزم لجميع الكتب المنزلة- والقران وغيره من الكتب والصحف كلام الله غير مخلوق- والحق انه النظم والمعنى جميعا- وتعاقبه وترتبه على السنة البشر وأسماعهم المقتضى للحدوث لا يستلزم كونه كذلك قائما به سبحانه وتعالى- وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى - وَالنَّبِيِّينَ- أجمعين لا نفرق بين أحد من رسله أولهم آدم عليه السلام وخاتمهم وأفضلهم نبينا محمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين ولا يجوز تعيين العدد في الايمان بالنبيين لان الله سبحانه قال مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ والعدد انما ورد في بعض أحاديث الآحاد وذا لا يفيد القطع ومبنى الايمان على القواطع- كلهم معصومون من الصغائر والكبائر يصدق بعضهم بعضا لا خلاف بينهم في الايمانيات انما الخلاف في فروع الأعمال بناء على نسخ الاحكام ومن هاهنا يظهر بطلان قول الروافض حيث يجعلون الايمان بالائمة داخلا في الايمان إذ لو كان كذلك لذكر الله تعالى ذلك كما ذكر الايمان بالأنبياء والملائكة والله اعلم وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ الجار والمجرور في موضع الحال والضمير راجع الى الله سبحانه فان كل ما اعطى لوجه الله فثوابه على الله وما كان لغير الله فالله سبحانه منه برىء عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان أول الناس يقضى عليه يوم القيامة ثلثة نفر ثالثهم رجل وسع الله وأعطاه من اصناف المال كله فاتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما علمت فيها قال ما تركت من سبيل تحب ان ينفق فيه في سبيل الله الا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم امر به فسحب على وجهه حتى القى في النار- رواه مسلم- وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله لا ينظر الى صوركم وأموالكم ولكن ينظر الى قلوبكم وأعمالكم- رواه مسلم- وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى انا اغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معى غيرى تركته وشركه- وفي رواية فانا منه برىء هو الذي عمله- رواه مسلم- او الضمير راجع الى المال اى اعطى المال في حال صحته ومحبته المال كذا قال ابن مسعود- وعن ابى هريرة قال جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله اى الصدقة أعظم اجرا قال ان تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر

وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان- متفق عليه ويؤيد إرجاع الضمير الى المال قوله تعالى لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ- ويحتمل ان يكون حينئذ معناه اعطى المال حال كون ذلك المال أحب الأموال اليه فهو نظير قوله تعالى أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ- «1» وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ الاية- او الضمير راجع الى المصدر يعنى تعطى المال على حب الإعطاء بسخاوة القلب وشرح الصدر ذَوِي الْقُرْبى القربى مصدر بمعنى القرابة قدمهم لان إيتاءهم اولى وأحق ويدخل في ذوى القربى ذوى القربى النسبي والسببى من الزوج والزوجة والمملوك- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقته على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها اجرا الذي أنفقته على أهلك- رواه مسلم وعن زينب امراة ابن مسعود قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدّقن يا معشر النساء ولو من حليكم فقالت هى وامراة اخرى اتجزى الصدقة عنهما على ازواجهما وعلى أيتام في حجورهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما أجران اجر القرابة واجر الصدقة متفق عليه وعن سلمان بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة على المسكين صدقة وهى على ذى الرحم ثنتان صدقة وصلة- رواه احمد والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وَالْيَتامى إذا فقد الصبى أباه قبل البلوغ فهو يتيم - قال البيضاوي في ذوى القربى واليتامى يريد المحاويج منهم ولم يقيد لعدم الالتباس- قلت هذا التقييد غير ظاهر فان الكلام في إيتاء المال تطوعا او ما هو أعم من الفريضة والتطوع واما الزكوة المفروضة فسيرد ذكره بعد ذلك والإيتاء تطوعا لا يتقيد بالمحاويج فان صلة الرحم وتفريح اليتيم قد يكون مع كون المعطى له غنيا بل لا يتوقف الصلة على اسلام المعطى له قال الله تعالى وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً- عن اسماء بنت ابى بكر قالت قدمت على أمي وهى مشركة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صليها- متفق عليه- وعن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان ال ابى فلان ليسوا لى باولياء انما وليي الله وصالحوا المؤمنين ولكن لهم رحم ابلها ببلالها- متفق عليه وعن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس الواصل بالمكافئ لكن الواصل إذا قطعت رحمه وصلها- رواه البخاري- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انا وكافل اليتيم في الجنة هكذا- وفي رواية-

_ (1) وفي القران ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا إلخ

كهاتين وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى- رواه البخاري واحمد وابو داود والترمذي وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ قال مجاهد هو المسافر المنقطع عن اهله يمر عليك- وقيل هو الضيف عن ابى شريح قال قال النبي صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليكرم ضيفه- متفق عليه وَالسَّائِلِينَ عن أم عبيد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ردوا السائل ولو بظلف محرق- وفي رواية ان لم تجدى الّا ظلفا محرقا فادفعيه اليه- رواه احمد وابو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح- وعن الحسين بن على قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للسائل حق وان جاء على فرسه رواه احمد- واخرج ابو داود من حديث على واسناده جيد- وابن راهويه في مسنده من حديث فاطمة الزهراء عليها السلام والطبراني من حديث الهرماس بن زياد- واخرج احمد في الزهد عن سالم بن ابى الجعد قال قال عيسى بن مريم عليه السلام ان للسائل حقا وان أتاك على فرس مطوق بالف ضة- قلت وهذا الحديث يدل على ان إعطاء السائل لا يتوقف على كونه محتاجا فان السؤال وان كان حراما على غير المحتاج لكن على المسئول منه حق ان يعطيه وَفِي الرِّقابِ يعنى المكاتبين فهو نظير قوله تعالى وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ- وقيل عتق النسمة فهو نظير قوله تعالى فَكُّ رَقَبَةٍ- وقيل فداء الأسارى قال الله تعالى وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً- وَأَقامَ الصَّلاةَ المفروضة والنافلة يعنى ادّاها بحقوقها ورعاية سننها وآدابها- وَآتَى الزَّكاةَ المفروضة وفيما سبق كان ذكر الصدقات النوافل او ما هو أعم من الفريضة والنافلة فذكر الفريضة بعدها لمزيد الاهتمام- وقيل المقصود منه ومما سبق واحد وهى الزكوة المفروضة لكن الغرض مما سبق بيان مصارفها وبالثاني أداؤها والحث عليها- قلت والاول اولى لان الكلام في بيان البر وهو من الافعال ما هو مرضى لله تعالى فريضة كانت او نافلة ويؤيده حديث فاطمة بنت قيس قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان في المال لحقا سوى الزكوة ثم تلا لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ الاية- رواه الترمذي وابن ماجة والدارمي والمراد بالحق أعم من ان يكون واجبا او منه وبا بالإجماع «1» لحديث طلحة بن عبيد الله قال جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسئل عن الإسلام فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس صلوات وصيام شهر رمضان والزكوة- فقال هل عليّ غيرها قال لا الا ان تطوع- متفق عليه-

_ (1) فى الأصل اجماع-

[سورة البقرة (2) : آية 178]

وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا فيما بينهم وبين الله تعالى يوم الميثاق وفي الحيوة الدنيا إذا حلفوا او نذروا أوفوا- وفيما بينهم وبين الناس إذا وعدوا انجزوا وإذا قالوا صدقوا وإذا اؤتمنوا أدوا وإذا استشهدوا على الحق شهدوا عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اية المنافق ثلث إذا حدث كذب وإذا وعد خلف وإذا اؤتمن خان- متفق عليه- زاد مسلم وان صام وصلى وزعم انه مسلم- وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت خصلة من النفاق حتى يدعها إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر- متفق عليه معطوف على من أمن وَالصَّابِرِينَ ايضا معطوف على من أمن ونصبها على تطاول الكلام ومن شأن العرب تغيير الاعراب إذا طال الكلام كذا قال ابو عبيدة- ومثله في المائدة والصّابئون وفي سورة النساء والمقيمين الصّلوة- وقال الخليل منصوب على المدح ولم يعطف لفضل الصبر على سائر الأعمال لان أفضل الأعمال أدوم وذلك بالصبر وتقديره اخصّ الصابرين بمزيد البرا وامدح الصابرين بمزيد البر- فحينئذ من عطف الجملة على الجملة- وقيل منصوب عطفا على ذوى القربى يعنى واتى الصابرين- نظيره قوله تعالى لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ فِي الْبَأْساءِ اى الشدة والفقر وَالضَّرَّاءِ المرض والزمانة وَحِينَ الْبَأْسِ اى القتال والحرب أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا فى الايمان والبر وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) عن الكفر وسائر الرذائل والاية جامعة للكمالات الانسانية صريحا او ضمنا دالة على صحة الاعتقاد وحسن المعاشرة وتهذيب النفس وهذا منصب الأبرار واما الصديقون المقربون فمزيد فضلهم مبنى على الفضل والاجتباء ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ-. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى القصاص المساوات والمماثلة- قال البغوي قال الشعبي والكلبي وقتادة نزلت هذه الاية في حيين من احياء العرب اقتتلوا فى الجاهلية قبل الإسلام بقليل فكانت بينهما قتلى وجراحات لم يأخذها بعضهم من بعض حتى جاء الإسلام قال مقاتل بن حبان كانت بين القريظة والنضير- وقال سعيد بن جبير كانت بين الأوس والخزرج- قالوا جميعا- وكان لاحد الحيين على الاخر طول في الكثرة والشرف وكانوا ينكحون نساءهم بغير مهود

فاقسموا لنقتلن بالعبد «1» منا الحرّ وبالمرأة منا الرجل منهم وبالرجل منا الرجلين منهم وجعلوا جراحاتهم ضعفى جراحات أولئك فرفعوا أمرهم الى النبي صلى الله عليه وسلم فانزل الله تعالى هذه الاية وامر بالمساوات فرضوا وسلموا- كذا اخرج ابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير- قلت ورضاؤهم وتسليمهم وخطاب الله تعالى إياهم بقوله يا ايها الذين أمنوا دليل على ان المخاطبين به هم الأوس والخزرج الذين صاروا أنصار الله دون قريظة والنضير فانهم كانوا اعداء الله كفارا- وفي قوله تعالى كتب عليكم القصاص حجة لابى حنيفة رحمه الله على قوله ان الواجب في القتل العمد القصاص فقط دون الدية وانه لا يجوز أخذ المال الا برضاء القاتل- ويؤيده قوله عليه السلام في العمد القود- رواه الشافعي وابو داود والنسائي وابن ماجة من حديث ابن عباس في حديث طويل واختلف في وصله وإرساله وصحح الدارقطني الإرسال والمرسل عندنا حجة ورواه الدارقطني من طريق عبد الله بن ابى بكر بن محمد بن حزم عن أبيه عن جده مرفوعا العمد قود والخطاء دية- وفي اسناده ضعف ولكل واحد من مالك والشافعي واحمد في المسألة قولان أحدهما ان الواجب هو القود لكن يجوز لورثة المقتول ان يعفو عن القود الى الدية من غير رضاء الجاني- وثانيهما ان الواجب أحدهما لا بعينه اما القصاص واما الدية- والفرق بين القولين يظهر إذا عفى مطلقا من غير ذكر الدية فعلى القول الاول يسقط القصاص بلادية وعلى القول الثاني يثبت الدية- واحتجوا على جواز أخذ المال من غير رضاء الجاني بأحاديث- منها حديث ابى شريح الكعبي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة بعد مقامى هذا فاهله بين خيرتين ان أحبوا قتلوا وان أحبوا أخذوا العقل- رواه الترمذي والشافعي وروى ابن الجوزي والدارمي عن ابى شريح الخزاعي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أصيب بدم او خبل والخبل الجرح فهو بالخيار بين احدى ثلاث فان أراد الرابعة فخذوا على يديه بين ان يقتص او يعفوا ويأخذ العقل فان أخذ من ذلك شيئا ثم عدا بعد ذلك فله النار خالدا فيها مخلدا ابدا- ومنها حديث ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من قتل له قتيل فهو بخير النظرين اما ان يفدى واما ان يقتل- متفق عليه- ومنها حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قتل متعمدا دفع الى اولياء المقتول فان شاء واقتلوه وان شاءوا أخذوا العقل ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة في بطونها أولادها- رواه احمد والترمذي وابن ماجة- قال اصحاب ابى «2» حنيفة رحمه الله في الجواب عن هذه الأحاديث ان المراد ان اولياء المقتول

_ (1) فى الأصل العبد منا الحر والمرأة- (2) فى الأصل ابو حنيفة

بالخيار في القود والصلح والصلح لا يكون الا برضاء القاتل والظاهر ان القاتل يرضاه لحقن دمه فترك النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رضاء القاتل بناء على الظاهر والله اعلم الْحُرُّ يقتل بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى وهذا لا يدل على ان الحر لا يقتل بالعبد- والعبد لا يقتل بالحر- والأنثى لا يقتل بالذكر- او الذكر لا يقتل بالأنثى- فان ذلك الاحكام مسكوت عنها في هذه الاية ولا عبرة بالمفهوم عند ابى حنيفة رحمه الله مطلقا- وكذا فى هذه الاية عند القائلين بالمفهوم إذا المفهوم عندهم انما يعتبر حيث لم يظهر للتخصيص غرض سوى اختصاص الحكم- وكان الغرض هاهنا دفع استطالة أحد الحيين على الاخر فالمفهوم المعتبر من هذه الاية على ما يقتضيه القصة ان الحر إذا تفرد بقتل الحر يقتل القاتل وحده ولا يقتل معه غيره لاجل شرف المقتول وكذا العبد إذا قتل العبد يقتل ذلك العبد القاتل بالعبد المقتول ولا يقتل حر مكان ذلك لاجل شرف المقتول وكذا الأنثى إذا قتل الأنثى قتلت القاتلة لا رجل مكان امراة والله اعلم- بقي المبحث عن الاحكام المسكوت عنها في تلك الاية- فقال ابو حنيفة رحمه الله يقتل النفس حرا كانت او رقيقا- ذكرا كانت او أنثى- مسلما كان او ذميّا بالنفس كيف ما كانت لعموم قوله تعالى وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ- والاحكام الالهية في الكتب المنزلة السّابقة إذا ثبتت عندنا حكايتها بالقران او السنة ولا عبرة بقول الكفار من اليهود والنصارى فهى باقية واجبة اتباعها إذ الحاكم واحد والشرع واحد قال الله تعالى فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ وقال الله تعالى شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى - ولا يختلف الاحكام الا لاجل النسخ سواء كان في كتاب واحد او كتب وما لم يظهر النسخ يبقى الحكم- ويدل ايضا على بقاء هذا الحكم حديث ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ان لا اله الا الله وانى رسول الله الا بإحدى ثلاث النفس بالنفس- والثيب الزاني- والمارق لدينه التارك للجماعة- متفق عليه- وحديث ابى امامة ان عثمان اشرف يوم الدار فقال أنشدكم بالله أتعلمون ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يحل دم امرئ مسلم الا بإحدى ثلاث زنى بعد إحصان او كفر بعد اسلام او قتل نفسا «1» بغير حق- الحديث رواه الشافعي واحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وفي الباب عن عائشة رواه مسلم وابو داود وغيرهما- لكن قال ابو حنيفة لا يقتل رجل يقتل عبده ولا مدبره ولا مكاتبه وبعبد ملك

_ (1) فى الأصل نفس-

بعضه ولا بعبد ولده لانه لا يستوجب لنفسه على نفسه القصاص ولا ولده عليه- وبه قال الجمهور خلافا لداود محتجا بما روى الترمذي وابو داود وابن ماجة والدارمي عن الحسن عن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل عبده قتلناه ومن جدع عبده جدعناه- قال الجمهور هذا الحديث محمول على السياسة والحديث مرسل لم يسمع الحسن عن سمرة وقد روى الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان رجلا قتل عبده متعمدا فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة جلدة ونفاه سنة ومحا سهمه من المسلمين ولم يقد به وامره ان يعتق رقبة- لكن فيه اسمعيل بن عياش ضعيف والله اعلم- واما غير ابى حنيفة رحمه الله فاتفقوا على ان العبد يقتل بالحر والأنثى بالذكر والكافر بالمسلم لان في كل ذلك تفاوت الى نقصان والناقص يجوز ان يستوفى بالكامل دون عكسه- واتفقوا ايضا على ان الذكر يقتل بالأنثى لما روى عن عمرو بن حزم ان النبي صلى الله عليه وسلم كتب في كتابه الى اهل اليمن ان الذكر يقتل بالأنثى هذا طرف من كتاب النبي صلى الله عليه وسلم- وهو مشهور رواه مالك والشافعي- واختلف اهل الحديث فى صحة هذا الحديث- قال ابن حزم- صحيفة عمرو بن حزم منقطعة لا يقوم بها حجة وسليمان بن داود «1» راويه متفق على تركه- وقال ابو داود سليمان بن داود وهم انما هو سليمان بن أرقم- وصححه الحاكم وابن حبان والبيهقي- ونقل عن احمد انه قال ارجوا ان يكون صحيحا- وقد اثنى على سليمان بن داود ابو زرعة وابو حاتم وجماعة من الحفاظ- وصحح الحديث جماعة من الائمة لا من حيث الاسناد بل من حيث الشهرة فقال الشافعي في رسالته- لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم انه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال ابن عبد البر هذا كتاب مشهور عند اهل السير معروف ما فيه عند اهل العلم- بقي الاختلاف في انه هل يقتل الحر بالعبد عبد غيره فقال مالك والشافعي واحمد لا يقتل وقال ابو حنيفة يقتل- احتجوا بحديث ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يقتل حر بعبد رواه الدارقطني والبيهقي- وحديث على قال من السنة ان لا يقتل حر بعبد- رواه ايضا الدارقطني والبيهقي- والجواب ان حديث ابن عباس فيه جويبر وعثمان البزي ضعيفان متروكان كذا قال ابن الجوزي والحافظ ابن حجر وحديث على فيه جابر الجعفي كذاب- وفي انه هل يقتل المسلم بالكافر الذمي- فقال الشافعي واحمد لا يقتل احتجا بحديث ابى جحيفة عن على قال سالت عليا هل عندكم شىء ليس في القران قال والذي فلق الحبة وبرىء النسمة ما عندنا الا ما في القران الا فهما

_ (1) فى الأصل هاهنا سليمان بن ابى داود

يعطى الرجل في كتابه وما في هذه الصحيفة قلت وما في الصحيفة- قال العقل وفكاك الأسير وان لا يقتل مسلم بكافر- رواه البخاري ورواه احمد بلفظ لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده- وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان النبي صلى الله عليه وسلم قضى- لا يقتل مسلم بكافر رواه احمد واصحاب السنن الا النسائي ورواه ابن ماجة من حديث ابن عباس ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر- وروى الشافعي عن عطاء وطاءوس والحسن ومجاهد مرسلا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح لا يقتل مؤمن بكافر ورواه البيهقي من حديث عمران بن حصين- وحديث عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل قتل مسلم الا في احدى ثلاث خصال زان محصن فيرجم ورجل يقتل مسلما متعمدا ورجل يخرج من الإسلام فيحارب الله ورسوله فيقتل او يصلب او ينفى من الأرض- رواه ابو داود والنسائي وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه ان مسلما قتل رجلا من اهل الذمة فرفع الى عثمان فلم يقتله به وغلظ عليه الدية- قال الحافظ قال ابن حزم هذا في غاية الصحة ولا يصح عن أحد من الصحابة فيه بشىء غير هذا الا ما رويناه عن عمر انه كتب في مثل ذلك ان يقاد به ثم الحقه كتابا فقال لا تقتلوه ولكن اعتقلوه- والجواب ان المراد بالكافر في قوله صلى الله عليه وسلم لا يقتل مسلم بكافر الحربي دون الذمي ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم ولا ذو عهد في عهده- يعنى لا يقتل الذمي في عهده بكافر ولا شك ان الذمي يقتل بالذمي اجماعا فالمراد بالكافر هو الحربي لا غير وفتوى عثمان وعمر رضى الله عنهما كان بالرأى ولذا اختلف الجواب عن عمر رضى الله عنه- واما قيد الإسلام في حديث عائشة فقد وقع اتفاقا- واحتج صاحب الهداية على وجوب قتل المسلم بالذمي بما روى ان النبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلما بذمي- قلت وهذا الحديث رواه الدارقطني عن ابن عمران رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل مسلما بمعاهد وقال انا أكرم من اوفى بذمته- قال الدارقطني لم يسنده غير ابراهيم بن يحيى وهو متروك الحديث- قال ابن الجوزي ابراهيم بن يحيى كذاب والصواب عن ابن سليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا وابن سليمان ضعيف لا يقوم به حجة إذا وصل الحديث فكيف بما يرسله- قلت والاولى بالاحتجاج ما ذكرنا سابقا النفس بالنفس- وحديث ابن مسعود وعثمان وعائشة واختلفوا في انه هل يقتل الوالد بولده قال مالك إذا اضتجعه فذبحه قتل به وقال داود لا يقتل به «1»

_ (1) فى الأصل والنقول ولا يظهر منه الفرق بين مذهب داود ومذهب ابى حنيفة ومن معه فعل مذهب داود يقتل بكل حال

بكل حال- وقال ابو حنيفة والشافعي واحمد لا يقتل- لنا حديث عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يقاد الوالد بالولد رواه الترمذي وفي اسناده الحجاج بن ارطاة- وله طريق اخر عنه احمد واخر عند الدارقطني والبيهقي أصح منهما وصحح البيهقي سنده- ورواه الترمذي ايضا من حديث سراقة واسناده ضعيف وفيه اضطراب واختلاف على عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فقيل عن عمرو قيل عن سراقة وعند احمد عن عمرو بن شعيب بلا واسطة وفيه ابن لهيعة ضعيف- ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث ابن عباس وفيه إسماعيل بن مسلم المكي ضعيف لكن تابعه الحسن بن عبد الله العنبري عن عمرو بن دينار قاله البيهقي وقال عبد الحق هذه الأحاديث كلها معلولة لا يصح منها شىء وقال الشافعي- حفظت عن عدد من اهل العلم ان لا يقتل الوالد بالولد وبذلك أقول والله اعلم- واتفق أكثرهم على انه إذا قتل الجماعة واحدا قتلوا- وقال داود وهو رواية عن احمد لا يقتلون ويجب الدية- روى عن سعيد بن المسيب ان إنسانا قتل بصنعاء وان عمر قتل به سبعة نفر وقال لو قالا عليه اهل صنعاء لقتلتهم به- رواه مالك في المؤطا والشافعي عنه ورواه البخاري من وجه اخر نحوه ... واختلفوا في واحد قتل جماعة فقال ابو حنيفة ومالك- ليس عليه الا القود لجماعتهم ولا يجب عليه شىء اخر- وقال الشافعي ان قتل واحدا بعد واحد قتل بالأول وللباقين الديات وان قتلهم في حالة واحدة اقرع بين اولياء المقتولين فمن خرجت قرعته قتل له وللباقين الديات- وقال احمد ان حضر الأولياء وطلبوا القصاص قتل بجماعتهم ولا دية عليه وان طلب بعضهم القصاص وبعضهم الدية قتل لمن طلب القصاص ووجب الدية لمن طلبها وان طلبوا كلهم الدية كان لكل واحد منهم دية كاملة- واتفقوا على انه لا قصاص في الخطاء انما القصاص في العمد- واختلفوا في تفسير العمد فقال ابو حنيفة رحمه الله- هو ما تعمد ضربه بسلاح او ما جرى مجرى السلاح كالمحدد من الخشب والمروة ونحو ذلك والنار- وقال الشعبي والنخعي والحسن البصري- لا عمد الا بحديد فحسب ولا قود في غيره واما ما تعمد ضربه بما ليس بسلاح ولا ما اجرى مجرى السلاح فهو شبه العمد لا قود فيه وفيه الدية- وقال ابو يوسف ومحمد والشافعي واحمد إذا ضربه بحجر عظيم او بخشبة عظيمة يقتل به غالبا فهو عمد وفيه القود وكذا ان أغرقه في الماء او خنقه او منعه من الطعام والشراب أياما يموت فيه غالبا فمات- وقال مالك ان تعمد ضربه بعصا او سوط او حجر صغير لا يقتل به غالبا فمات به فهو ايضا عمد وفيه القود

وقال الجمهور هو خطاء العمد لا قود فيه وفيه الدية- غير ان الشافعي قال ان تكرر الضرب حتى مات فعليه القود- والحجة للجمهور في وجوب القصاص بالقتل بالمثقل ما في الصحيحين عن انس بن مالك ان يهوديا رضخ رأس امراة بين حجرين فقتلها فرضخ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه بين حجرين- وما روى احمد عن ابن عباس عن عمر انه نشد قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين فجاء ابن مالك فقال كنت بين امرأتين فضربت أحدهما الاخرى بمسطح فقتلتها وجنينها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنينها بغرة وان تقتل بها- والحجة لهم في عدم القود في قتيل السوط والعصا حديث عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان قتيل الخطا شبه العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة ابل منها أربعون فى بطونها أولادها- رواه ابو داود والنسائي وابن ماجة وصححه ابن حبان وعن ابى هريرة قال اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الاخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان دية جنينها غرة عبدا ووليدة وقضى بدية المرأة على عاقلتها- متفق عليه- وعن المغيرة بن شعبة نحوه رواه مسلم- وعن ابن عباس من قتل في عميا في رمى يكون بينهم بالحجارة او جلد بالسياط او ضرب بعصا فهو خطا وعقله عقل الخطأ ومن قتل عمدا فهو قود- رواه ابو داود والنسائي- واما حجة ابى حنيفة على عدم القود بالمثقل فحديث على مرفوعا لا قود في النفس وغيرها الا بحديدة- رواه الدارقطني وفي سنده معلى بن هلال قال يحيى ابن معين كان يضع الحديث- وقال الجمهور ان صح فهو محمول على انه لا قود الّا بالسيف وقد ورد حديث لا قود الا بالسيف- وفي رواية الا بالسلاح من حديث ابى هريرة وابن مسعود وراويهما ابو معاذ سليمان بن أرقم متروك- وروى مثله من حديث ابى بكرة والنعمان بن بشير وراويهما مبارك ابن فضالة كان احمد لا يعبأ به وفي الباب حديث النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم كل شىء خطأ الا السيف وفي كل خطأ أرش- وفي رواية كل شىء خطأ إلا بحديدة وفي رواتهما جابر الجعفي كذاب- واختلفوا في انه هل يجوز القصاص بمثل ما قتله القاتل فقال ابو حنيفة واحمد لا قود الا بالسيف وقد مر سنده وما فيه من البحث- وقال الشافعي ومالك واحمد في قوله الثاني يقتل بمثل ما قتله- لقوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ- والقصاص هو المساوات ولما مر من حديث انس في الصحيحين ان يهوديا رضخ رأس امراة بين حجرين فقتلها فرضخ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه بين حجرين- ولما روى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال من غرق غرقناه ومن حرق حرقناه رواه البيهقي في المعرفة من حديث عمرو بن نوفل بن

يزيد بن البراء عن أبيه عن جده وفي اسناده بعض من يجهل- فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ قال صاحب القاموس العفو الصفح وترك عقوبة المستحق عفى عنه ذنبه وعفى له ذنبه ومن هذه العبارة يستفادان العفو يتعدى الى الذنب بنفسه والى الجاني بعن واللام وعلى هذا من مبتدأ اما شرطية او موصولة والمراد به القاتل- ومن في مِنْ أَخِيهِ اما للابتداء والظرف لغو والمراد بالأخ ولى المقتول- واما للتبعيض يعنى من دم أخيه بحذف المضاف والمراد بالأخ المقتول والظرف مستقر وقع حالا مقدما- وشىء مفعول به للعفو أسند اليه الفعل والمراد به الجناية- والمعنى من عفى له من القاتلين شىء من الجناية كائنة من دم أخيه- او عفى له من ولى المقتول شىء من الجناية فاتباع بالمعروف- وقال البيضاوي عفا لازم وما قيل انه بمعنى ترك وشىء مفعول به ضعيف إذ لم يثبت عفا الشيء بمعنى تركه بل اعفى عنه ويتعدى بعن الى الجاني والى الذنب قال الله تعالى عَفَا اللَّهُ عَنْكَ- وعفا عنها فاذا عدى به الى الذنب عدى الى الجاني باللام وعليه ما في الاية كانه قيل من عفى له عن جنايته من جهة أخيه يعنى ولى الدم شىء من العفو فهو مسند الى المصدر وحينئذ من في من أخيه للابتداء- وعلى هذين التركيبين تنكير شىء ليدل على ان المتروك بعض الجناية- او الموجود بعض العفو لا كله ولذا صح اسناد الفعل الى المصدر لانه مفعول مطلق للنوع والمراد عفو قليل نحو إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا- فلا يدل الاية على ان بعد عفو كل الجناية من جميع الأولياء يجب الدية- فليس فيه حجة الشافعي رحمة الله ومن معه- وقال الأزهري العفو في الأصل الفضل ومنه يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ- يقال عفوت لفلان بمالى إذا أفضلت له وأعطيت وعفوت له عن مالى عليه- وحينئذ المراد بالأخ ولى المقتول والمعنى من عفى له يعنى من اعطى له من اولياء المقتول من أخيه يعنى من مال أخيه يعني القاتل شىء صلحا- وانما ذكر القاتل او المقتول او ولى المقتول بلفظ الاخوة الثابتة بالجنسية او الإسلام ليرق له ويعطف عليه- وفيه دليل على ان القاتل لا يصير كافرا بالقتل حيث ذكر الاخوة الاسلامية بين القاتل والمقتول وايضا خاطب بقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فَاتِّباعٌ اى فليكن من ولى المقتول- او فالامر لولى المقتول اتباع بِالْمَعْرُوفِ فلا يعنف وَعلى القاتل أَداءٌ إِلَيْهِ يعنى الى ولى المقتول بِإِحْسانٍ بلا مطل وبخس ذلِكَ اى الحكم المذكور من جواز الصلح او وجوب الدية لبعض الورثة بعد عفو البعض تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ اخرج ابن جرير عن قتادة ان رحم الله هذه

[سورة البقرة (2) : آية 179]

الامة وأطعمهم الدية وأحل لهم ولم يحل لاحد قبلهم- وكان على اهل التورية انما هو القصاص او العفو ليس بينهم أرش- وكان على اهل الإنجيل انما هو العفو أمروا به وجعل الله لهذه الامة القتل والعفو والدية فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ يعنى قتل بعد العفو او بعد أخذ الدية فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (170) فى الاخرة لما مر من حديث ابى شريح الخزاعي فان أخذ من ذلك شيئا ثم عدا بعد ذلك فله النار خالدا فيها مخلدا ابدا- وقال ابن جريح يتحتم قتله في الدنيا حتى لا يقبل العفو لما روى سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أعافي أحدا قتل بعد اخذه الدية- رواه ابو داود. وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ عرّف القصاص ونكّر الحيوة ليدل على ان في هذا الجنس من الحكم نوعا عظيما من الحيوة- وذلك لان العلم به يردع القاتل عن القتل فيكون سببا لحيوة نفسين ولانهم كانوا يقتلون غير القاتل والجماعة بالواحد فتثور الفتنة فاذا اقتص من القاتل سلم الباقون ويصير ذلك سببا لحياتهم- وعلى الاول التقدير ولكم في شرع القصاص حيوة- وعلى الثاني ولكم في القصاص حيوة للباقيين- وايضا في القصاص حيوة للقاتل في الاخرة فانه إذا اقتص منه فى الدنيا لم يؤاخذ في الاخرة فيحيى هناك حيوة طيبة- وخاطب اولى الألباب لانهم هم الذين يفهمون الحكم والمصالح في الاحكام الشرعية لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) عن القتل مخافة القود او تتقون بالقصاص عن عذاب الاخرة او تتقون عن ترك القصاص بالاطلاع على الحكمة-. كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ اى حضر أسبابه وغلب على الظن اقترابه إِنْ تَرَكَ خَيْراً ذكر الماضي وأراد المستقبل يعنى ان كان له خير يتركه- والخير هو المال قال الله تعالى وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ- وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ- وقيل المراد بالخير المال الكثير لما روى عن على رضى الله عنه ان مولى له أراد ان يوصى وله تسعمائة درهم فمنعه وقال قال الله تعالى ان ترك خيرا والخير هو المال الكثير- رواه ابن ابى شيبة في المصنف وعن عائشة- ان رجلا أراد ان يوصى فساكته كم مالك فقال ثلاثة آلاف فقالت كم عيالك قال اربعة قالت انما قال الله تعالى ان ترك خيرا وان هذا الشيء يسير فاتركه لعيالك- الْوَصِيَّةُ مفعول سد مسد الفاعل لكتب وترجح تذكير الفعل مع جواز التأنيث لوجود الفصل او على تأويل ان يوصى او الإيصاء ولذلك ذكّر الراجع في قوله فمن بدّله والعامل في إذا الافتراض المدلول لكتب لا الوصية لتقدمه عليها لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ متعلق بالوصية

وبهذه الاية كانت الوصية للاقارب فريضة في بدو الإسلام ثم نسخت الاية- قالوا نسخت هذه الاية اية المواريث وقوله صلى الله عليه وسلم ان الله قد «1» اعطى كل ذى حق حقه الا لا وصية لوارث وفيه نظر لان اية المواريث لا يعارضه بل يؤكده فانها تدل على تقديم الوصية على الإرث- فكيف تكون ناسخة- والحديث حديث الآحاد لا يجوز به نسخ الكتاب- والتحقيق ان الاية منسوخة الحكم للاجماع على عدم جواز الوصية لوارث الا عند رضاء الورثة- ولاتفاق الائمة الاربعة وجمهور العلماء على عدم وجوب الوصية لغير الوارث من الأقارب- وما روى عن الزهري وابى بكر الحنبلي وبعض اصحاب الظواهر وجوبها في حق من لا يرث من الأقارب فلا عبرة به لمخالفتهم الجمهور وإذا ثبت الإجماع ظهر انه ثبت عندهم دليل قطعى ناسخ للاية به تركوا نص الكتاب وإلا ما تركوه وان لم يصل ذلك الناسخ إلينا بطريق قطعى- ونورد هاهنا أحاديث يصلح ان يكون سندا للاجماع- منها حديث ابى امامة الباهلي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبة حجة الوداع ان الله قد اعطى كل ذى حق حقه فلا وصية لوارث- رواه ابو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وقال الحافظ حسن الاسناد وكذا رواه احمد والترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث عمرو بن خارجة ورواه ابن ماجة من حديث سعيد بن ابى سعيد عن انس والبيهقي من طريق الشافعي عن ابن عيينة عن سليمان الأحول عن مجاهد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا وصية لوارث- ورواه الدارقطني من حديث جابر وصوب إرساله من هذا الوجه- ومن حديث على واسناده ضعيف- ومن حديث ابن عباس بإسناد حسن- وروى الدارقطني حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لا وصية لوارث الا ان يجيزه الورثة- وروى بهذا اللفظ ابو داود عن عطاء الخراسانى مرسلا ووصله يونس بن راشد عن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس رواه الدارقطني وهذه الأحاديث تدل على ان الاية منسوخة في حق الورثة- واما فى حق غير الورثة من الأقارب فلا دلالة لهذه الأحاديث على نفيها ولا إثباتها- وأورد لهذا الحكم ابن الجوزي حديث ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ما حق امرئ يبيت ليلتين- وفي رواية لمسلم ثلاث ليال وله مال يريد ان يوصى فيه الا ووصيته مكتوبة عنده- متفق عليه- وجه الحجة انه علق الوصية بالارادة فدل على انه ليس بواجب والله اعلم وبعد اتفاقهم على ما ذكرنا واتفاقهم على جواز الوصية لغير الوارث من الأقارب كالاجنبى بل اولى وأحب فان الصدقة على ذى رحم صدقة وصلة اتفقوا على ان الوصية لا يجوز فيما زاد على الثلث الا برضاء الورثة خلافا لاحد قولى الشافعي في الاستثناء حيث قال لا يصح عند رضاء الورثة

_ (1) فى الأصل ان الله اعطى [.....]

[سورة البقرة (2) : آية 182]

ايضا- وفي الباب حديث سعد بن ابى وقاص جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودنى من وجع اشتد بي فقلت يا رسول الله قد بلغ الوجع ما ترى اوصى بما لى كله قال لا قلت فالشطر قال لا قلت الثلث قال الثلث والثلث كثير انك ان تدع ورثتك اغنياء خير من ان تدعهم عالة يتكففون الناس- متفق عليه وحديث ان الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة لكم في حسناتكم ليجعل لكم زكوة في أموالكم- رواه الدارقطني والبيهقي وفيه إسماعيل بن عياش وشيخه ضعيفان- ورواه احمد من حديث ابى الدرداء وابن ماجة والبزار والبيهقي من حديث ابى هريرة واسناده ضعيف وفي الباب عن ابى بكر الصديق رضى الله عنه رواه العقيلي من طريق حفص بن عمرو هو متروك بِالْمَعْرُوفِ بالعدل لا يرجح بعض الأقرباء على بعض ولا يوصى للغنى ويدع للفقير حَقًّا منصوب على المصدرية يعنى حق حقا او على المفعولية يعنى جعل الله الوصية حقّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) فَمَنْ بَدَّلَهُ اى غير الإيصاء من الأوصياء والأولياء والشهود بَعْدَ ما سَمِعَهُ اى بعد سماع قول الموصى او وصل اليه وتحقق عنده فَإِنَّما إِثْمُهُ فاثم الإيصاء المغيّر او اثم التبديل عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ على مبدليه إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بما اوصى به الموصى عَلِيمٌ (181) بتبديل المبدل. فَمَنْ خافَ اى توقع وعلم كقوله تعالى فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ مِنْ مُوصٍ قرا حمزة والكسائي وابو بكر ويعقوب بفتح الواو وتشديد الصاد من التفعيل والباقون بسكون الواو والتخفيف من الافعال جَنَفاً ميلا من الحق خطا أَوْ إِثْماً ظلما عمدا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ قال مجاهد معناه ان الرجل إذا حضر مريضا وهو يوصى فراه يميل عن الحق فامره بمعروف ونهاه عن منكر كما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم سعيد بن ابى وقاص عن زيادة الوصية على الثلث ونهى على وعائشة عن اصل الوصية كما مرو عن النعمان بن بشير ان أباه اتى به الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انى نحلت ابني هذا غلاما فقال أكل ولدك نحلت مثله قال لا قال فارجعه وفي رواية قال لا اشهد على جور- متفق عليه- وقال الآخرون معناه انه إذا أخطأ الميت في وصيته أو جاف متعمدا فوليه او وصيه او والى امور المسلمين يردّ الوصية الى العدل والحق ولا ينفذ الوصية الباطلة- قلت والاولى ان يراد به أعم المعنيين فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ بل كان الإثم على الموصى وللمصلح اجر الإصلاح- عن ابى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فيجب لهما النار- رواه ابو داود

[سورة البقرة (2) : آية 183]

والترمذي وحسنه- وانما قال فلا اثم عليه لان الفعل كان من جنس ما يؤثم يعنى تبديل الوصية المنهي عنه- قال الكلبي كان الأولياء والأوصياء يمضون وصية الميت بعد نزول قوله تعالى فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ الاية وان استغرق المال كله ولم يبق للورثة شىء ثم نسخها الله تعالى بقوله فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً الاية إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) وعد للمصلح- وذكر المغفرة لمطابقة ذكر الإثم والله اعلم-. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ اى فرض عَلَيْكُمُ الصِّيامُ والصوم في اللغة الإمساك يقال صام النهار إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة لان الشمس إذا بلغت كبد السماء يرى كانها وقفت ساعة- وفي الشرع عبارة عن الإمساك عن الاكل والشرب والجماع مع النية في وقت مخصوص كما سيظهر فيما بعد كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ من الأنبياء والأمم والظاهر ان التشبيه فى نفس الوجوب- وذلك لا يقتضى المشابهة من كل جهة في الكيفية والوقت وغير ذلك قال سعيد بن جبير كان صوم من قبلنا من العتمة الى الليل القابلة- وكذلك كان في ابتداء الإسلام فاشتبها- وقال جماعة من اهل العلم ان صيام رمضان كان واجبا على النصارى كما فرض علينا فربما كان يقع في الحر الشديد فيشق عليهم لاجل العطش او في البرد الشديد فيشق عليهم لاجل الجوع- فاجتمع علماؤهم ورؤساؤهم فجعلوه في الربيع وزادوا فيه عشرة ايام كفارة لما صنعوا فصار أربعين- ثم اشتكى ملكهم فجعل لله عليه ان برىء من مرضه ان يزيد في صومهم اسبوعا فبرىء فزاد فيه اسبوعا ثم ولا هم ملك اخر فقال اتموه خمسين يوما- وقال مجاهد أصابهم موتان فقالوا زيدوا في صيامكم.. فزادوا عشرا قبل وعشرا بعد- قال الشعبي لو صمت السنة كلها لا فطرت اليوم الذي يشك فيه فيقال من شعبان ويقال من رمضان وذلك ان النصارى فرض عليهم شهر رمضان فصاموا قبل الثلثين يوما وبعدها يوما ثم لم يزل القرن الاخر يستن بسنة القرن الذي قبله حتى صاروا الى خمسين يوما- كذا قال البغوي وأخرجه ابن جرير عن السّدى لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) المعاصي فان الصوم يكسر الشهوة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فانه اغض للبصر وأحصن للفرج- ومن لم يستطع فعليه بالصوم- متفق عليه من حديث ابن مسعود- او المعنى تتقون الإخلال بالصوم. أَيَّاماً منصوب بمقدر اى صوموا لا بالصيام للفصل بالاجنبى

مَعْدُوداتٍ يعنى قلائل فان القليل يعد في العادة دون الكثير- قيل ان المراد بذلك الأيام صوم ثلثة ايام من كل شهر وصوم عاشورا فانه كان واجبا في ابتداء الهجرة من ربيع الاول الى شهر رمضان سبعة عشر شهرا ثم نسخ بصوم رمضان قال ابن عباس- أول ما نسخ بعد الهجرة أم القبلة والصوم ويقال نزل صوم شهر رمضان قبل بدر بشهر وايام- وكان غزوة بدر يوم الجمعة بسبع عشرة ليلة خلت من رمضان في السنة الثانية من الهجرة- عن عائشة قالت- كان رسول الله صلى الله عليه وسلم امر بالصوم يوم عاشورا فلما فرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر- متفق عليه- وعن سلمة بن الأكوع ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا ينادى في الناس يوم عاشورا ان من أكل فليتم او فليصم ومن لم يأكل فلا يأكل فان اليوم يوم عاشورا- متفق عليه- وقيل المراد بقوله تعالى أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ شهر رمضان والاية غير منسوخة- قال الحافظ والّذى يترجح من اقوال العلماء ان عاشورا لم يكن فرضا من الله تعالى قط بل كان النبي صلى الله عليه وسلم استحبه باجتهاده او كان يفعله ويأمر به على عادته- عن ابن عباس قال قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فراى اليهود يصوم يوم عاشورا- فقال ما هذا قالوا هذا يوم صالح نجى الله بنى إسرائيل من عدوهم فصامه موسى فقال انا أحق بموسى منكم فصامه وامر بصيامه- متفق عليه وعن عائشة قالت كان يوم عاشورا يصومه قريش في الجاهلية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية فلما قدم المدينة صامه وامر بصيامه فلمّا فرض رمضان نزك يوم عاشورا- متفق عليه قال السيوطي رحمه الله اخرج احمد وابو داود والحاكم عن معاذ بن جبل يعنى وجوب عاشورا وثلثة ايام من كل شهر لكن كان ذلك قبل نزول هذه الاية وانه نسخ بهذه الاية- فالمراد بايّام معدودات شهر رمضان لا غير والله اعلم فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً خاف زيادة مرضه او امتداده وكذا من كان في معناه وهو ضعيف غلب على ظنه حدوث المرض بالصوم وحامل ومرضع خافتا على أنفسهما او على ولدهما- اعلم ان جواز الفطر للمريض مجمع عليه غير ان احمد قال لا يجوز له الفطر بالجماع ويجوز بالأكل والشرب- ولو جامع المريض او المسافر فعليه الكفارة عنده الا ان أفطر بغير الجماع قبل الجماع- وما قيدنا المريض بخوف زيادة المرض او الامتداد ايضا متفق عليه الا ما روى عن ابن سيرين انه قال- يبيح الفطر ادنى ما يطلق عليه اسم المرض للاطلاق في الاية- وقال الحسن وابراهيم هو المرض الذي يجوز معه الصلاة قاعدا أَوْ عَلى سَفَرٍ

يعنى راكب سفر- وفيه ايماء على ان من سافر في أثناء اليوم لم يفطر وعليه انعقد الإجماع الا ما روى عن داود فانه قال يجوز في السفر القصير والطويل- واختلفوا على مقدار مسافة السفر المرخص للفطر وقصر الصلاة- فقال مالك والشافعي واحمد ادنى مسافة السفر ستة عشر فرسخا اربعة برد بحديث ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا اهل مكة لا تقصروا الصلاة في ادنى من اربعة برد من مكة الى غسفان رواه الدارقطني فيه إسماعيل بن عياش ضعيف وعبد الوهاب أشد ضعفا قال احمد ويحيى ليس عبد الوهاب بشىء- وقال الثوري هو كذاب- وقال النسائي متروك الحديث- وقال الأوزاعي- يقصر في مسيرة يوم وقال ابو حنيفة مسيرة ثلثة ايام ولياليها سير الإبل ومشى الاقدام- وقدر ابو يوسف بيومين واكثر اليوم الثالث- احتج ابو حنيفة بحديث على بن ابى طالب انه سئل عن المسح على الخفين قال جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلثة ايام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم- رواه مسلم الحديث صحيح والاستدلال به ضعيف- واطلاق الاية يدل على ان سفر المعصية ايضا يبيح الفطر وبه قال ابو حنيفة رحمه الله وقال مالك والشافعي واحمد سفر المعصية لا يبيح مستدلا بقوله تعالى فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ والحق ان البغي والعدوان ليس في نفس السفر بل ملاصق به- وقد ذكرنا تفسير غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ وان لا دلالة فيه على مرادهم فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يعنى فكتب عليه او فالواجب عليه صيام عدة ايام مرضه وسفره من ايام اخر ان أفطر حذف الفعل او المبتدأ والمضاف والمضاف اليه والشرط للعلم بها بدلالة المقام- وبإطلاق الاية تثبت ان التتابع ليس بشرط في القضاء وعليه انعقد الإجماع- وقال داود يجب التتابع- ويؤيد اطلاق الاية حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قضاء رمضان قال- ان شاء فرق وان شاء تابع- رواه الدارقطني متصلا ومرسلا وحديث محمد بن المنكدر قال بلغني ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن تقطيع قضاء شهر رمضان فقال ذلك إليك- الحديث رواه الدارقطني مرسلا واسناده حسن وقد روى موصولا ولا تثبت وروى الدارقطني من حديث عبد الله بن عمرو في اسناده الواقدي وابن لهيعة ضعيفان- وروى سعيد بن منصور عن انس نحوه واخرج البيهقي حديث ابى عبيد ومعاذ بن جبل وانس وابى هريرة ورافع بن خديج- واحتج داود بحديث ابى هريرة قال من كان عليه صوم رمضان فليسرده ولا يقطعه- رواه الدارقطني فيه عبد الرحمن بن ابراهيم بن العاص قال ابن معين ليس بشىء- وقال الدارقطني ضعيف ليس بالقوى-

[سورة البقرة (2) : آية 185]

واختلفوا في الحامل والمرضع إذا أفطر تاهل يجب عليهما الفدية مع القضاء أم لا مع اتفاقهم على ان المريض والمسافر لا يحب عليهما مع القضاء فدية فقال ابو حنيفة لا وهو رواية عن مالك- وفي رواية عن مالك يجب على المرضع دون الحامل وقال احمد وهو الراجح من مذهب الشافعي انه يجب ولا سند يعتمد عليه لهذا القول والمروي عن ابن عمرو ابن عباس ان على الحامل والمرضع يجب الكفارة دون القضاء- ومن اخّر قضاء رمضان من غير عذر حتى جاء رمضان اخر قال مالك والشافعي واحمد وجبت عليه الفدية مع القضاء- وقال ابو حنيفة لا يجب عليه الا القضاء ولو ادّى بعد سنين لامتناع الزيادة على الكتاب من غير قاطع- ومن اخر بعذر مرض او سفر حتى جاء رمضان اخر فعليه القضاء فقط بالإجماع- وروى عبد الرزاق وابن المنذر وغيرهما بطرق صحيحة- عن نافع عن ابن عمر قال من تابعه رمضانان وهو مريض لم يصح بينهما قضى الاخر منهما بصيام وقضى الاول منهما باطعام- قال الطحاوي تفرد بهذا القول ابن عمر قال الحافظ وعند عبد الرزاق عن ابن جريح عن يحيى ابن سعيد قال بلغني مثل ذلك عن عمر لكن المشهور عن عمر خلافه- احتجوا بحديث ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في رجل مرض في رمضان فافطر ثم صح فلم يصم حتى أدركه رمضان اخر يصوم الذي أدركه ثم يصوم الذي أفطر فيه ويطعم عن كل يوم مسكينا رواه الدارقطني وهذا الحديث لا يصح فيه ابراهيم بن نافع قال ابو حاتم كان يكذب وفيه عمر بن موسى كان يضع الحديث قال الحافظ لم يثبت فيه شىء مرفوع انما ثبت فيه اثار الصحابة وسمى صاحب المهذّب منهم عليا وجابرا «1» والحسين بن على ولم اطلع على سند صحيح عنهم غير ابى هريرة وابن عباس- ولو كان الحديث المرفوع فيه صحيحا فحينئذ ايضا لم يجز به الزيادة على الكتاب لكونه من الآحاد- وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ يعنى الصوم فِدْيَةٌ قال البغوي اختلف العلماء في تأويل هذه الاية وحكمها فذهب أكثرهم الى ان الاية منسوخة وهو قول ابن عمر وسلمة بن الأكوع وغيرهما- وذلك انهم كانوا في ابتداء الإسلام مخيرين بين ان يصوموا وبين ان يفطروا ويفتدوا خيرهم الله تعالى لئلا يشق عليهم فانهم لم يكونوا معتادين بالصوم ثم نسخ التخيير ونزلت العزيمة بقوله تعالى. فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ- قلت وعلى هذا التقدير فالمريض والمسافر كانا حينئذ مخيرين في ثلثة امور الصوم والفطر بنية القضاء والفدية ثم إذا انسخت الفدية بقي لهما التخييريين الصوم والقضاء- وقال قتادة هى خاصة في الشيخ الكبير الذي يطيق الصوم ولكن يشق عليه رخص له في ان يفطر ويفدى ثم نسخ بذلك

_ (1) فى الأصل جابر-

وقال الحسن هذا في المريض الذي يستطيع الصوم خير بين ان يصوم وبين ان يفطر ويفدى ثم نسخ بذلك وعلى هذه الأقوال كلها لم يثبت حكم الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم بنص القران ومن ثم قال مالك والشافعي في أحد قوليه ان الشيخ الفاني يجوز له الفطر للعجز حيث لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ولا يجب عليه الفدية لان إيجاب الفدية لا بد له من دليل والمثل الغير المعقول لا يثبت بالرأى- وذهب جماعة الى ان الاية غير منسوخة ومعناه وعلى الذين كانوا يطيقونه في حال الشباب فعجزوا عنه بعد الكبر الفدية بدل الصوم- وهذا التأويل لا يصاعده نظم الكلام- وقال الشيخ الاجل جلال الدين في تفسير الاية بتقدير لا يعنى وعلى الّذين لا يطيقونه فدية- كما في قوله تعالى يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا اى لان لا تضلّوا- قلت وتقدير لا ايضا بعيد فانه ضد ما هو ظاهر العبارة حيث يجعل الإيجاب سلبا- فان قيل مذهب ابى حنيفة واحمد والأصح من مذهب الشافعي وبه قال سعيد بن جبير ان الواجب على الشيخ الفاني الفدية مكان الصوم ومبنى هذه الأقوال ليس الا هذه الاية ولولا ذلك التأويل الذي لم ترتض منه فبم تقول بوجوب الفدية على الشيخ الكبير والمريض الذي لا يرجى برؤه- قلت والله اعلم ان التأويل هو الاول وحاصله ان حكم الاية كان في ابتداء الإسلام التخيير بين الصوم والفدية للذين يطيقون الصوم وللذين لا يطيقونه بدلالة النص بالطريق الاولى لانه سبحانه لما خير المطيقين فضلا وتيسيرا فغير المطيقين اولى بالتخيير ومن ثم قلت ان المريض والمسافر كانا حينئذ مخيرين بين ثلثة امور- ثم لما نزل فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً «1» الاية نسخ حكم الفدية في حق الذين كانوا يطيقونه حالا وفي حق الذين يطيقونه مالا وهم المرضى والمسافرين الذين يرجون القضاء بعد الشفاء وصار أداء الصوم او قضاؤه حتما في حقهم وبقي حكم من لا يطيقونه لا في الحال ولا في المال على ما كان عليه من جواز الفدية ثابتا بدلالة النص لعدم دخولهم في قوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ يعنى صحيحا مقيما فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً يرجوا الشفاء أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وانما قيدنا المريض بقولنا يرجوا الشفاء بدلالة العقل- فان من لا يرجوا الشفاء تكليفه بالقضاء تكليف بما لا يطيق- ومنسوخية الحكم الثابت بعبارة النص لا يستدعى منسوخية الحكم الثابت بالدلالة والله اعلم طَعامُ مِسْكِينٍ قرا نافع وابن ذكوان فدية طعام مسكين بإضافته فدية وجمع المسكين بفتح النون- وهشام بتنوين فدية ورفع طعام على البدل وجمع مسكين والباقون بتنوين فدية ورفع طعام وتوحيد مسكين بكسر النون- والفدية الجزاء وإضافته الى الطعام

_ (1) فى الأصل ومن كان منكم مريضا-

بيانية وهو نصف صاع من بر او صاع من شعير او تمر على قول ابى حنيفة قياسا على صدقة الفطر وقال الشافعي كل يوم مسكينا مدا من الطعام من غالب قوة البلد- وقال احمد نصف صاع من شعيرا ومد من بر وقال بعض الفقهاء ما كان المفطر يتقوّيه يومه الذي أفطره- وقال ابن عباس يعطى كل مسكين عشاءه وسحوره وسيجيئ عنقريب تحقيق طعام الفدية في تفسير قوله تعالى فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ ان شاء الله تعالى فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فزاد في الفدية فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ من اصل الفدية وَأَنْ تَصُومُوا ايها المطيقون خَيْرٌ لَكُمْ من الفدية- هذا صريح في ان المراد ب الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ هم المطيقون لا غير المطيقين من الشيخ والمريض فان كون صومهم خيرا لهم ممنوع وهذه الاية تدل على ان المسافر إذا لم يكن له بالصوم ضرر بين فالافضل في حقه الصوم كذا قال الجمهور خلافا لاحمد والأوزاعي وسعيد بن المسيب والشعبي احتجوا بالأحاديث منها ما روى عن جابر بن عبد الله قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فراى ازحاما ورجلا قد ظلل عليه فقال ما هذا قالوا صائم- فقال ليس من البر الصوم في السفر- متفق عليه وعنه- انه صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح الى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس اليه ثم شرب فقيل له بعد ذلك ان بعض الناس قد صام فقال أولئك العصاة أولئك العصاة- روا مسلم عن عبد الرحمن بن عوف قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر- رواه ابن ماجة قلنا هذه الأحاديث «1» في حق من يتضرر بالصوم غاية التضرر ولا شك ان الفطر فى حقه أفضل سواء كان مسافرا او مريضا- وكذا الفطر أفضل إذا اقترب الجهاد لحديث ابى سعيد انه صلى الله عليه وسلم قال انكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم- قال وكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر ثم نزلنا منزلا اخر فقال انكم تصبحون «2» عدوكم والفطر أقوى لكم فافطروا- فكانت عزيمة فافطرنا- رواه مسلم وأخرجه مالك في المؤطا عن بعض اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- واخرج «3» الشافعي عنه في المسند وابو داود- وصححه الحاكم وابن عبد البر واما إذا لم يتضرر بالصوم فالصوم أفضل بهذه الاية وحديث ابى الدرداء انه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر قال وان أحدنا نضع يده على رأسه من شدة الحر وما منا صائم الا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة- متفق عليه- قلت وما ذكرنا من التفصيل انما هو في حق المسافر لان الرخصة له دائرة على نفس السفر سواء كانت له مشقة في الصوم

_ (1) فى الأصل هذا الأحاديث (2) فى الأصل تصبحوا (3) فى الأصل واخرج عنه الشافعي عنه-

اولا واما الشيخ والمريض والضعيف والحامل والمرضع فالرخصة في حقهم دائرة على نفس المشقة والتضرر بالصوم فلولا التضرر لا رخصة لهم وإذا تضرروا بالصوم وهو خوف زيادة المرض او حدوثه فحكمه حكم المتضرر بالسفر والله اعلم إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) ما في الصوم من الفضيلة- وجواب «1» ان محذوف دل عليه ما قبله يعنى اخترتموه على الفطر والفداء عند التخيير واما بعد نسخ التخيير فمن أفطر في رمضان بلا عذر فان كان مستحلا يكفر والا يفسق ويجب عليه القضاء لوجوب التدارك بقدر الإمكان وبدلالة ما ورد في المعذور بالطريق الاولى من قوله تعالى فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ويجب عليه الاستغفار بالإجماع وقال النخعي لا يقضى صوم رمضان إذا أفطر من غير عذرا لا بألف عام- وقال على وابن مسعود رضى الله عنهما لا يفيد صوم الدهر- شَهْرُ رَمَضانَ مبتدأ خبره ما بعده او خبر مبتدأ محذوف تقديره ذلك شهر رمضان او بدل من الصيام على حذف المضاف اى كتب عليكم الصيام صيام شهر رمضان وذلك على تقدير كون هذه الاية متصلا في النزول بقوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ لا على تقدير كونه متراخيا عنه ناسخا لما سبق والشهر مشتق من الشهرة ورمضان مصدر رمض إذا احترق فاضيف اليه الشهر وجعل علما ومنع من الصرف للعلمية والالف والنون- عن انس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انما سمى رمضان لان رمضان يرمض الذنوب- رواه الاصبهانى في الترغيب الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ سمى القران قرانا لانه تجمع السور والاى والحروف وجمع فيه القصص والأمر والنهى والوعد والوعيد واصل القران «2» الجمع او هو مشتق من القراءة بمعنى المقر وقرا ابن كثير القران وقرانا- وقرانه حيث وقع بحذف الهمزة بعد إلقاء الحركة على الراء ووافقه حمزة وقفا فقط- والباقون بالهمزة قال البغوي كان يقرا الشافعي غير مهموز ويقول ليس هو من القراءة ولكنه اسم لهذا الكتاب كالتورية والإنجيل- قال البغوي روى مقسم عن ابن عباس انه سئل عن قوله تعالى شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ- وقوله إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ- وقوله إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ وقد نزل في سائر الشهور وقال الله تعالى قُرْآناً فَرَقْناهُ فقال- انزل القران جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان الى بيت العزة في السماء الدنيا ثم نزل به جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوما في عشرين سنة فذلك قوله تعالى عز وجل بِمَواقِعِ النُّجُومِ- وقال داود بن ابى هند قلت الشعبي شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ اما كان ينزل في سائر السنة قال بلى ولكن جبرئيل عليه السلام

_ (1) فى الأصل وجواب لو (2) فى الأصل واصل القرا

كان يعارض النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان وانزل عليه فيحكم الله ما يشاء ويثبت ما يشاء وينسيه ما يشاء- وروى عن ابى ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال انزل صحف ابراهيم في ثلاث ليال مضين من رمضان- ويروى في أول ليلة من رمضان وأنزلت تورية موسى في ست ليال مضين من رمضان وانزل الإنجيل في ثلاث عشرة مضت من رمضان وانزل زبور داود في ثمان عشر ليلة من رمضان وانزل القران على محمد صلى الله عليه وسلم في الاربعة وعشرين لست بقين بعدها- واخرج احمد والطبراني من حديث واثلة بن الأسقع نزلت صحف ابراهيم أول ليلة من رمضان وأنزلت التورية لست مضين والإنجيل لثلاث عشرة والقران لاربع وعشرين- والله اعلم والموصول بصلته خبر لشهر رمضان على تقدير كونه مبتدأ وصفته على تقدير كونه خبرا او بدلا ويحتمل ان يكون صفة للمبتدأ وخبره فمن شهد والفاء لوصف المبتدأ بما يتضمن معنى الشرط وعلى هذا التقدير معنى قوله أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ اى في شأنه القران وهو قوله كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ حتى يتحقق كون الانزال سببا لاختصاصه بوجوب الصوم هُدىً لِلنَّاسِ من الضلالة باعجازه وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ اى دلالات واضحات مما يهدى الى الحق من الحلال والحرام والحدود والاحكام ويفرق بين الحق الذي من الله وبين الباطل الذي من شياطين الجن والانس حالان من القران فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ يعنى أدرك الشهر صحيحا مقيما طاهرا من الحيض والنفاس- اما المريض والمسافر فخصا منه بالآية اللاحقة- واما الحائض والنفساء فبالنقل المستفيض وعليه انعقد الإجماع- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في جواب قولها وما نقصان دينها يا رسول الله أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم- متفق عليه ((فائدة)) اجمعوا على ان الحائض يحرم عليها الصوم ولو صامت لم يصح ولزمها القضاء والله اعلم فَلْيَصُمْهُ البتة لا يكفيه الفدية كما كان في بدء الإسلام- قال البغوي اختلف اهل العلم فيمن أدركه الشهر وهو مقيم ثم سافر روى عن على انه قال لا يجوز له الفطر وبه قال عبيدة السلماني لقوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ اى الشهر كله- وذهب اكثر الصحابة والفقهاء الى انه إذا إنشاء السفر في شهر رمضان جاز له ان يفطر بعد ذلك اليوم- قلت وعليه انعقد الإجماع- ومعنى الاية فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ يعنى فليصم ما شهد منه ان شهد كله فكله وان شهد بعضه فبعضه ويؤيد ذلك التأويل ما مر من حديث جابر وحديث ابن عباس قال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج الى مكة عام الفتح في رمضان فصام

حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأفطر الناس معه وكانوا يأخذون بالأحدث فالاحدث من امر رسول الله صلى الله عليه وسلم مسئلة ولو كان مقيما في أول النهار ثم سافر لا يجوز له الفطر من ذلك اليوم عند ابى حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله لهذه الاية لانه شهد أول اليوم فليصمه وقال احمد وداود جاز له الفطر في ذلك اليوم ايضا- احتج ابن الجوزي بحديث ابن عباس المذكور حتى إذا بلغ كراع الغميم أفطر- وحديث ابن عباس خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مسافرا في رمضان حتى اتى عسفان فدعى اناء من شراب نهارا ليرى الناس ثم أفطر حتى قدم- قلنا لم يكن صلى الله عليه وسلم ذلك اليوم مقيما أول النهار فان كراع الغميم وعسفان لم يكونا في أول مرحلة من المدينة مسئلة ولو أصبح مسافر او مريض صائمين ثم أراد الفطر جاز عند احمد وكذا ذكر صاحب المنهاج مذهب الشافعي رحمه الله وقال ابن الهمام مذهب ابى حنيفة ان اباحة الفطر المسافر إذا لم ينو الصوم فاذا نواه ليلا وأصبح من غير ان ينقص عزيمته قبل الفجر أصبح صائما فلا يحل فطره في ذلك اليوم لكن لو أفطر فيه لا كفارة عليه كما في المسألة السابقة لمكان الشبهة- وحديث كراع الغميم حجة لاحمد والشافعي في هذه المسألة كما لا يخفى وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ اى فالواجب عليه عدة مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ كرر ذلك الحكم ليدل على ان المنسوخ انما هو الفدية دون الفطر والقضاء للمعذور ولو لم يكن حكم الفدية منسوخا وكان المراد بقوله تعالى أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ هو شهر رمضان لا غير فحينئذ لم تكن لتكرار حكم المريض والمسافر فائدة- فائدة ويلحق بالمريض والمسافر في حق وجوب القضاء الحائض والنفساء بالإجماع والأحاديث عن معاذة العدوبة انها قالت لعائشة ما بال الحائض تقضى الصوم ولا تقضى الصلاة قالت عائشة كان تصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة- رواه مسلم- مسئلة وبهذه الاية يثبت ان المسافر والمريض إذا صح واقام فعليه قضاء الصيام عدد ما أدرك من الأيام صحيحا مقيما طاهرا بعد رمضان فمن فاته عشرة من صيام رمضان وأدرك بعد الصحة والاقامة يومين من غير رمضان ثم مات يجب عليه قضاء يومين فحسب واختلفوا في انه من أدرك عدة من ايام اخر ولم يقض حتى مات هل يجب على الوارث الفدية او القضاء فقال ابو حنيفة ومالك لا يجب على الوارث شىء الا ان يوصى الميت بالفدية فيجب إنفاذ وصيته من الثلث لا فيما زاد على الثلث الا برضاء الورثة وكذا إذا كان عليه صوم نذر او كفارة- وقال الشافعي في القديم صام عنه وليه سواء كان من رمضان او من نذر وفي الجديد

انه يطعم فيهما الولي القريب- وقال احمد في صوم رمضان يطعم ولا يصام وإذا كان عليه نذر صام عنه وليه- احتجوا على وجوب الصوم على الولي بحديث ابن عباس قال أتت النبي صلى الله عليه وسلم امراة فقالت يا رسول الله ان أمي ماتت وعليها صوم شهر فاقضى عنها قال ارايت لو كان على أمك دين اما كنت تقضيه قالت بلى قال فدين الله عز وجل أحق- متفق عليه- وعن عائشة- انها سالت رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن مات وعليه صيام فقال يصوم عنه وليه- متفق عليه- وحديث بريدة عن أبيه ان امراة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت «1» يا رسول الله أمي كان عليها صوم شهرا فتجزئها ان أصوم عنها قال نعم- رواه احمد- وحديث ابن عباس ان امراة ركبت البحر فنذرت ان الله عز وجل ان نجاها ان تصوم شهرا فانجاها الله فلم تصم حتى ماتت فجاءت «2» قرابة لها فذكرت ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال صومى- وحديث ابن عباس ان سعد بن عبادة سال النبي صلى الله عليه وسلم عن نذر كان على امه توفيت قبل ان تقضيه فقال اقضه عنها- فمن هذه الأحاديث ما هو صريح في النذر وما هو مطلق فقال احمد بوجوب الصيام في النذر ويحمل ما ليس فيه ذكر النذر على صوم النذر- قلت لا وجه للحمل على النذر مع اطلاق اللفظ بل الأحاديث المذكورة الصحيحة تدل على جواز صوم الولي عن الميت مطلقا سواء كان الصوم عن نذر او رمضان فلا بد من اتباعها «3» - وليس شىء منها تدل على وجوب الصوم على الوارث فلا يكون حجة على ابى حنيفة كيف وقد قال الله تعالى وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى فكيف يعذب الوارث بترك الصوم عن الميت واحتجوا على وجوب الإطعام عن الميت بحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ومن مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكينا- رواه الترمذي وقال لا نعرفه مرفوعا الا من هذا الوجه يعنى من طريق الأشعث بن سوار وهو ليس بشىء ومحمد بن عبد الرحمن بن ابى ليلى وهو ضعيف مضطرب الحديث- والصحيح انه موقوف على ابن عمر- ووجه قول ابى حنيفة ان الطاعة لا يجرى فيها النيابة لان المقصود منه النية والامتثال وهو مناط الثواب والعذاب ووجوب الصوم او المال على الوارث يمنعه قوله تعالى لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى فلا يجب عليه شىء غير انه إذا اوصى به المورث فانفاذ وصيته واجب بقوله تعالى مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ والمرجو من فضل الله سبحانه ان يقبل منه والله اعلم- قلت والتحقيق في المقام ان الوارث ان تطوع عن الميت بالصوم او الصدقة فالثابت بالأحاديث ان الله تعالى يقبله بفضله ويفك رقبة الميت ولكن ليس ذلك واجبا

_ (1) فى الأصل فقال (2) فى الأصل فجاء (3) فى الأصل اتباعها-

على الوارث لما ذكرنا وقد ورد في رواية البزار في حديث عائشة فليصم عنه وليه إنشاء- وهذا اظهر لكن الرواية ضعيفة لانها من طريق ابن لهيعة- يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ بإباحة الفطر والقضاء في المرض والسفر وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ قرا ابو جعفر العسر واليسر ونحوهما بضم السين والباقون بالسكون- وهذه الاية تدل على ان الفطر للمريض والمسافر رخصة لاجل اليسر وليس هو العزيمة حتى لو صام المريض والمسافر صح اجماعا الا ما روى عن ابن عباس وابى هريرة وعروة ابن الزبير وعلى بن الحسين رضى الله عنهم انهم قالوا لا يجوز الصوم في السفر ومن صام فعليه القضاء لظاهر قوله تعالى فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ حيث جعل الله تعالى الواجب صيام عدة من ايام اخر لا غير فمن صام في الحال فقد صام قبل وجوبه فلا يجوز- قلنا سبب الوجوب الشهر والسفر مانع لوجوب الأداء لا لنفس الوجوب فمن صام فقد صام بعد نفس الوجوب فصح كمن ادى الزكوة قبل حولان الحول ويؤيد مذهب الجمهور حديث ابى سعيد غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لست عشر مضت من رمضان فمنا من صام ومنا من أفطر فلم يعب الصائم الفطر ولا للفطر الصائم- رواه مسلم- فحديث جابر عند مسلم وحديث انس في المؤطا وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ اى عدد شهر رمضان بقضاء ما أفطر منه عن ابن عمر رضى الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فان غم عليكم فاكملوا العدة ثلاثين- متفق عليه قرا ابو بكر بتشديد الميم والباقون بالتخفيف وهو مع ما عطف عليه معطوف على اليسر اما لان اليسر علة معنى وتقديره شرعنا ذلك الاحكام يعنى اباحة الفطر للمريض والمسافر ووجوب القضاء بعدد ايام المرض من ايام اخر ليسهل عليكم الأمر ولتكملوا العدة- او بان يجعل اللام زائدة للتأكيد وتكملوا مع ان مقدرة معطوف على اليسر مفعول به ليريد تقديره يريد الله بكم اليسر وان تكملوا وان تكبروا وان تشركوا- لو متعلق بفعل محذوف معطوف على يريد الله بكم اليسر في اباحة الفطر ويأمركم بالقضاء لتكملوا العدة وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ ما مصدرية او موصولة اى على إرشادكم او على الذي أرشدكم اليه مما تكسبوا به مرضات ربكم وفراغ ذمتكم وجزيل المثوبة- قال ابن عباس هو تكبيرات ليلة الفطر روى الشافعي عن ابن المسيب وعروة وابى سلمة انهم كانوا يكبرون ليلة الفطر يجهرون بها- وقيل تكبيرات يوم الفطر قلت ويمكن ان يراد بالتكبير صلوة العيد او تكبيرات

صلوة العيد فحينئذ تجب تكبيرات العيد وتجب الصلاة ايضا بالالتزام لان التكبير خارج الصلاة في يوم الفطر او ليلة الفطر لم يجب اجماعا فنحمله على تكبيرات الصلاة او على الصلاة تسمية الكل باسم الجزء كما في قوله تعالى وَقُرْآنَ الْفَجْرِ والله اعلم- ولم يفترض صلوة العيد لمكان الاحتمال- وتايّد وجوب الصلاة بمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم والله اعلم وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) ولكى تشكروا على وجوب الصوم فانه وسيلة لنيل الدرجات وعلى اباحة الفطر للمريض والمسافر فان فيه تخفيفا ورخصة معطوف على لتكبروا- فصل في فضائل شهر رمضان وصيامه- عن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال- إذا دخل رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب وينادى مناديا باغي الخيرا قبل ويا باغي الشرا قصر ولله عتقاء من النار وذلك فى كل ليلة- رواه الترمذي وابن ماجة واحمد- وفي الصحيحين نحوه اقصر منه- وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه- متفق عليه- وعن سلمان رضى الله عنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في اخر يوم من شعبان فقال يا ايها الناس قد أظلكم شهر عظيم وفي رواية اطلكم بالطاء المهملة بمعنى اشرف شهر مبارك شهر فيه ليلة القدر خير من الف شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليلة تطوعا ومن تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن ادى فريضة فيما سواه ومن ادى فيه فريضة كان كمن ادى سبعين فريضة فيما سواه- وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة وشهر المواساة وشهر يزداد فيه الرزق من فطّر فيه صائما كان له مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل اجره من غير ان ينقص من اجره شىء- قالوا يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطّر به الصائم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطى الله هذا الثواب لمن فطّر صائما على مذقة لبن او تمرة او شربة من ماء ومن أشبع صائما سقاه الله عز وجل من حوضى شرية لا يظمأ حتى يدخل الجنة وهو شهر اوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار فاستكثروا فيه بأربع خصال خصلتين ترضون بهما ربكم وخصلتين لا غنى بكم عنهما اما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة ان لا الله الا الله وتستغفرونه واما اللتان لاغنى

[سورة البقرة (2) : آية 186]

بكم عنهما فتسئلون الجنة وتعوذون به من النار- رواه البغوي وروى البيهقي في شعب الايمان الى قوله عتق من النار وفيه ومن خفف عن مملوكة غفر الله له واعتقه من النار- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل عمل ابن آدم تضاعف الحسنات بعشر أمثالها الى سبعمائة ضعف قال الله تعالى الا الصوم فانه لى وانا اجزى به- يدع طعامه وشرابه وشهوته من اجلى للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه- ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك الصوم جنة الصوم جنة- فاذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فان سابّه أحدا وقاتله فليقل انى امرا صائم- متفق عليه وعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الصيام والقران يشفعان العبد تقول الصيام رب انى منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفّعنى فيه ويقول القران رب انى منعته النوم بالليل فشفّعنى فيه فيشفعان- رواه البيهقي في شعب الايمان- وعن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال يغفر لامته في اخر ليلة من رمضان قيل يا رسول الله أهي ليلة القدر قال لا ولكن العامل انما يوفى اجره إذا قضى عمله «1» - رواه احمد والله اعلم- اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم وابن مردوية وابو الشيخ وغيره من طرق عن جرير بن عبد الحميد عن عبد السجستاني عن الصلت بن حكيم بن معاوية بن جبيرة عن أبيه عن جده ان اعرابيّا اتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فسكت عنه فانزل الله تعالى. وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ يعنى فقل لهم انى قريب- واخرج عبد الرزاق عن الحسن سال اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم ابن ربنا فانزل الله- وهذا مرسل قلت ولعل السائل هو الاعرابى- واخرج ابن عساكر عن على قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعجزوا عن الدعاء فان الله انزل علىّ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ قالوا لا نعلم اىّ ساعة ندعوا فنزلت الى قوله يرشدون- قال البغوي روى الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس قال قال يهود المدينة يا محمد كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم ان بيننا وبين السماء مسيرة خمسمائة عام وان غلظ كل سماء مثل ذلك فنزلت هذه الاية قلت والظاهر ان تشريف السائل بالاضافة الى نفسه في قوله تعالى وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي يأبى ان يكون السائل يهوديا متعنتا في السؤال والله اعلم

_ (1) اخرج الطبراني في الأوسط عن عمر بن الخطاب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذاكر الله في رمضان مغفور له وسائل الله لا يخيب- منه رحمه الله

ونزول هذه الاية في جواب السائل أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه ارشاد على الذكر الخفي دون الجهر كما لا يخفى- وعن ابى موسى الأشعري قال لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم الى خيبر اشرف الناس على وادفر فعوا أصواتهم بالتكبير لا الله الا الله والله اكبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اربعوا على أنفسكم انكم لا تدعون أصم ولا غائبا انكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم- رواه البخاري- قال المفسرون معناه انى قريب منهم بالعلم لا يخفى علىّ شىء- قال البيضاوي هو تمثيل لكمال علمه بافعال العباد وأقوالهم واطلاعه على أحوالهم بحال من قرب مكانه منهم- قلت وهذا التأويل منهم مبنى على ان القرب عندهم منحصر في القرب المكاني والله تعالى منزه عن المكان ومماثلة المكانيات والحق انه سبحانه قريب من الممكنات قربا لا يدرك بالعقل بل بالوحى او الفراسة الصحيحة وليس من جنس القرب المكاني ولا يتصور شرحه بالتمثيل إذ ليس كمثله شىء واقرب التمثيلات ان يقال قربه الى الممكنات كقرب الشعلة الجوالة بالدائرة الموهومة فان الشعلة ليست داخلة في الدائرة للبون البعيد بين الموجود الحقيقي والموجود فى الوهم وليست خارجة عنها ولا عينها ولا غيرها وهو اقرب الى الدّائرة من نفسها حيث ارتسمت الدائرة بها ولا وجود لها في الخارج بل في الوهم بوجود تلك النقطة في الخارج والله اعلم أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ قرا اهل المدينة غير قالون وابو عمرو بإثبات الياء فيهما في الوصل والباقون بحذفهما وصلا ووقفا وكذا اختلف القراء في اثبات الباءات المحذوفة من الخط وحذفها في التلاوة ويثبت يعقوب جميعا وصلا ووقفا واتفقوا على اثبات ما هو مثبت في الخط وصلا ووقفا فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي اى ليطلبوا منى اجابة دعواتهم- وانما عدى باللام لان طلب الحاجة والدعاء عبادة من العبد لله تعالى- وقيل الاستجابة بمعنى الاجابة اى فليجيبوا لى بالطاعة إذا دعوتهم للايمان والعبادة كما أجيبهم إذا دعونى لحوائجهم والاجابة في اللغة إعطاء ما سئل فهو من الله تعالى العطاء ومن العبد الطاعة وَلْيُؤْمِنُوا بِي قرا بفتح الياء ورش والباقون بالإسكان- امر بالثبات والمداومة على الايمان إذ اصل الايمان ثابت في المؤمنين- والاولى ان يحمل على انه طلب الايمان الحقيقي المترتب على فناء النفس بعد الايمان المجازى فان التنصيص اولى من التأكيد لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) راجين إصابة الرشد او لكى يرشدوا ويهتدوا- والرشد ضد الغى وهو النيل الى المقصود والوصل العريان ان شاء الله تعالى- فان قيل أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ وادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وعد بالاجابة لا يجوز خلفه وقد يدعوا العبد كثيرا ولا يجاب قال البغوي في الجواب اختلفوا في معنى الآيتين قيل معنى الدعاء هاهنا

[سورة البقرة (2) : آية 187]

الطاعة ومعنى الاجابة الثواب فلا إيراد- وقيل معنى الآيتين خاص وان كان لفظهما عاما تقديرهما أجيب دعوة الداعي ان شئت نظيره قوله تعالى فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ فحينئذ المقصود من الاية رد قول الكفار الذين زعموا ان الله لا يسمع دعاءنا وانه غائب- او تقديرهما أجيب ان كانت الاجابة خيرا له- عن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يستجيب الله لاحدكم ما لم يدع بإثم او قطيعة رحم او يستعجل- قالوا وما الاستعجال يا رسول الله قال يقول قد دعوتك يا رب قد دعوتك يا رب فلا أراك تستجيب لى فيخسر عن ذلك فيدع الدعاء- رواه مسلم او تقديره أجيبه ان لم يسئل محالا- وقيل هو عام لكن معنى قوله أجيب انى اسمع وليس في الاية اكثر من اجابة الدعوة فاما إعطاء المنية فليس بمذكور فيها- وقيل معنى الاية انه يجيب دعاءه فان قدر له ما سال أعطاه وان لم يقدر له ادخر ثوابه في الاخرة او كف عنه سوءا عن عبادة بن الصامت ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ما على الأرض رجل مسلم يدعوا الله بدعوة الا أتاه الله إياه او كف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم او قطيعة رحم- رواه البغوي- وروى احمد عن ابى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم ما من مسلم ينصب وجهه لله تعالى في مسئلة الا أعطاها إياه اما ان يعجلها له واما ان يدخرها له- وروى الترمذي عن جابر مرفوعا مثله بلفظ الا أتاه الله ما سال او كف من السوء مثله ما لم يدع بإثم او قطيعة رحم- وقيل ان الله يجيب دعوة المؤمن في الوقت ويؤخر إعطاء مراده ليدعوه فيسمع صوته ويعجل إعطاء من لا يحبه لانه يبغض صوته وقيل ان للدعاء آدابا وشرائط وهى اسباب الاجابة فمن استكملها كان من اهل الاجابة ومن اخلّ بها كان من اهل الاعتداء في الدعاء فلا يستحق الاجابة- وقد مر حديث ابى هريرة انه صلى الله عليه وسلم ذكر الرجل يطيل السفر يمد يده الى السماء يا رب اشعث اغبر مطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فانى يستجاب لذلك رواه مسلم والتحقيق في الباب عندى ان ما ذكرنا من الأقوال كلها صحيحة وانه ليس كل دعاء مستجاب ومدلول الاية ان مقتضى الدعاء الاجابة فانه تعالى جواد كريم قادر على كل شىء ومن كان هذا صفته لا يمنع مسئوله عقلا ونقلا روى الترمذي وابو داود عن سلمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان ربكم حى كريم- يستحيى من عبده إذا رفع يديه ان يردهما صفرا- وانما يظهر تخلف الاستجابة عن الدعاء او تاخره عنه اما لحكمة او لمانع من الاستجابة او فقد شرط عقوبة للداعى والله اعلم-. أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ الرفث كناية عن الجماع-

قال الزجاج الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجال من النساء- وعدى بالى لتضمنه معنى الإفضاء روى احمد- وابو داود- والحاكم من طريق عبد الرحمن بن ابى ليلى عن معاذ بن جبل قال كانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا فاذا ناموا امتنعوا ثم ان رجلا من الأنصار يقال له صرمة صلى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح فاصبح مجهودا وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام فاتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك فانزل الله تعالى أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الى قوله ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ- الحديث مشهور عن ابن ابى ليلى وهو لم يسمع من معاذ وله شواهد- اخرج البخاري عن البراء قال كان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار فنام قبل ان يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسى وان قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما فلما حضر الإفطار اتى امرأته فقال عندك طعام فقالت لا ولكن انطلق فاطلب لك وكان يومه يعمل فغلبته عينه وجاءت امرأته فلما رات قالت خيبة- فلما انتصف النهار غشى عليه فذكر ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الاية- واخرج البخاري عن البراء قال لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله فكان رجال يخونون أنفسهم فانزل الله «1» عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ- واخرج احمد وابن جرير وابن ابى حاتم من طريق عبد الله بن كعب عن أبيه قال كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فامسى فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد فرجع عمر من عند النبي صلى الله عليه وسلم وقد سمر عنده وأراد من امرأته فقالت انى قد نمت قال ما نمت ووقع عليها- وصنع كعب بن مالك مثل ذلك فغدا عمر الى النبي صلى الله عليه وسلم فاخبره فنزلت وقال البغوي كان في ابتداء الأمر إذا صلى العشاء او رقد قبلها حرم عليها الطعام والشراب والجماع الى القابلة وان عمر بن الخطاب واقع اهله بعد العشاء فاعتذر الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما كنت جديرا بذلك يا عمر فقام رجال فاعترفوا بمثله فنزل هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ استيناف بيان لسبب التحليل وهو قلة الصبر عنهن وصعوبة اجتنابهن لكثرة المخالطة وشدة الملابسة- ولما كان الرجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كل منهما على صاحبه شبه باللباس- او لان اللباس كما يستر صاحبه كذلك يكون كل واحد منهما لصاحبه ستراعما لا يحل- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تزوج فقد احرز ثلثى دينه عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ

_ (1) فى الأصل علم انكم

كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ اى تخونونها وتظلمونها بالمجامعة بعد العشاء او بعد النوم بتعريضها للعقاب وتنقيص حظها من الثواب- والاختيان ابلغ من الخيانة فَتابَ عَلَيْكُمْ لما تبتم وَعَفا عَنْكُمْ محا ذنوبكم فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ جامعوهن حلالا كنى بالمباشرة عن الجماع وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ من الولد تدل الاية على انه ان جامع رجل امرأته ينبغى ان يريد به الولد دون قضاء الشهوة فحسب حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجوا الودود الولود فانى مكاثر بكم الأمم رواه ابو داود والنسائي عن معقل بن يسار- وعلى ان العزل مكروه وعلى ان اباحة الجماع مقتصر على محل الولد- قال البغوي قال معاذ بن جبل ابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعنى ليلة القدر قلت وهذا بعيد من السياق وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ يعنى بياض النهار من سواد الليل- سميا خيطين لان كل واحد منهما إذا بدا في الابتداء امتد جنوبا وشمالا كالخيط- وقوله من الفجر حال من الخيط الأبيض بيان له- ولم يبين الخيط الأسود لظهوره بظهور الخيط الأبيض- ومن للبيان او للتبعيض اى كائنا الفجر او كائنا بعض الفجر- ولم يقل حتى يتبين لكم الفجر دلالة على حرمة الاكل عند ظهور خيطه يعنى أول جزء منه- ولم يقل حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر بلا ذكر الخيط الأسود ليدل على ان المراد بالفجر هو الفجر الصادق لانه خيط ابيض معترض جنوبا وشمالا يلاصقه خيط اسود معترض في الجانب الغربي هو طرف لسواد الليل بخلاف الفجر الكاذب فانه خيط ابيض مستطيل شرقا وغربا يحيط به السواد من الجوانب كلها ويحتمل ان يكون قوله من الفجر بيانا لمجموع الخيطين فان في الفجر سوادا وبياضا وهذا اولى حيث لا يلزم حينئذ الفصل بين الحال وصاحبه بالاجنبى والله اعلم- عن سمرة بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير في الأفق- رواه الترمذي وعن ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان بلالا ينادى بليل فكلوا واشربوا حتى ينادى ابن أم مكتوم وكان ابن أم مكتوم «1» رجلا أعمى لا ينادى حتى يقال له أصبحت أصبحت- فان قيل قد صح عن على رضى الله عنه انه صلى الصبح ثم قال الان يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود- رواه ابن المنذر بإسناد صحيح وكذا روى ابن المنذر بإسناد صحيح عن ابى بكر الصديق انه قال لولا الشهوة لصليت الغداة ثم لتسحرت- وروى ابن المنذر وابن ابى شيبة من طريق عن ابى بكر انه امر بغلق الباب حتى لا يرى الفجر- فهذه الآثار تدل على جواز الاكل بعد انتشار الصبح فما وجه هذه الأقوال- قلت والله اعلم لعل وجه هذه الأقوال ان أبا بكر و «2» عليّا رضى الله عنهما زعما ان من للسببية والخيط في معناه الحقيقي- لكن ثبت بالسنة ان من للبيان والمراد بالخيط الأبيض هو الصبح وعلى ذلك انعقد الإجماع عن عدى بن حاتم قال لما نزلت حَتَّى يَتَبَيَّنَ

_ (1) فى اصل حتى ينادى ابن أم مكتوم رجلا أعمى (2) فى الأصل وعلىّ-[.....]

لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ عمدت الى عقال اسود والى عقال ابيض فجعلتهما تحت وسادتى فجعلت انظر في الليل فلا يستبين لى فغدوت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال انما ذلك سواد الليل وبياض النهار- متفق عليه وفي رواية- انك لعريض القفا انما ذلك بياض النهار وسواد الليل- وعن سهل بن سعد قال أنزلت كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ولم ينزل قوله من الفجر وكان الرجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ولا يزال يأكل حتى يتبين له رويتهما فانزل الله تعالى بعد قوله من الفجر فعلموا انه يعنى بهما الليل والنهار متفق عليه- فان قيل حديث سهل بن سعد يدل على ان نزول قوله تعالى من الفجر كان متاخر او متراخيا عما سبق ويلزم منه تأخير البيان عن وقت الحاجة وذلك غير جائز قلت استعمال الخيط الأبيض والأسود في سواد الليل وبياض النهار كان مشتهرا ظاهر الدلالة غير واجب البيان وان خفى على البعض لقلة تدبرهم فهو من باب المشكل الذي خفى مراده من جهة الصيغة باستعمال تجوز او غير ذلك بحيث يدرك المراد بالتأمل والطلب ونزول قوله تعالى من الفجر انما هو للاحتياط وحفظ القاصرين وإغناء السامعين عن الطلب والتأمل ولم يكن من باب المجمل الذي لا يتصور درك مرامه الا من جهة الشارع فلا محذور فى تراخى نزوله- ولو سلمنا انه من باب المجمل فلعل بيانه صدر من الشارع في الوحى الغير المتلو وثبت بالسنة كما يدل عليه حديث عدى بن حاتم ثم نزل قوله من الفجر لتأئيد ما ثبت بالسنة وتأكيده- وقال الطحاوي انه من باب النسخ وان الحكم كان على ظاهر المفهوم من الخيطين ويؤيد قول الطحاوي حديث حذيفة تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو والله النهار غير ان الشمس لم تطلع رواه سعيد بن منصور وكذا عند الطحاوي- فلعل تسحر حذيفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قبل نزول قوله تعالى- من الفجر- فان قيل قوله من الفجر غير مستقل والناسخ انما يكون كلاما مستقلا فكيف يتصور كونه ناسخا- وعلى تقدير كونه متراخيا لا يتصور كونه من باب القصر لغير المستقل لان من ضروراته الاتصال فكيف التوجيه- قلت التوجيه عندى انه نزل اولا تمام الاية من غير تقييد بقوله من الفجر ثم بعد مدة نزل الاية مرة ثانية مع قوله تعالى من الفجر فنسخت الاية الاولى حكما وتلاوة والله اعلم (فائدة) حديث عدى بن حاتم انما كان بعد نزول قوله تعالى من الفجر- البتة لان إسلامه في السنة التاسع وكان نزول اية الصيام في السنة الثانية ونزول قوله تعالى

من الفجر بعد ذلك بيسير بسنة او نحوه فما كان من عدى بن حاتم جعل الخيطين تحت وسادثه لم يكن الا زعما منه ان من للسببية والله اعلم (فائدة) وفي تجويز المباشرة الى الفجر دليل على جواز تأخير الغسل للمجنّب الى ما بعد الصبح وصح صوم من أصبح جنبا بالإجماع ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ بيان لاخر وقته عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم- رواه البخاري فبهذه الاية ظهر حقيقة الصوم انه الإمساك من المفطرات الثلث من الصبح المعترض الى غروب الشمس مع النية- ووجوب النية مستفاد من قوله تعالى ثم أتموا فان الإتمام فعل اختياري او لانه عبادة فلا بد له من النية لقوله تعالى وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ- وقوله صلى الله عليه وسلم انما الأعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله ومن كانت هجرته الى الدنيا نصيبها او امراة ينكحها فهجرته الى ما هاجر اليه- أخرجه الجماعة كلهم غير مالك في المؤطا الا ان مالكا روى عنه البخاري والحديث متواتر بالمعنى ولفظه تواتر عن يحيى بن سعيد انفرد هو عن محمد بن ابراهيم وهو عن علقمة ابن وقاص وهو عن عمرو قد تلقته «1» الامة بالقبول واجمعوا على ان كل عبادة مقصودة لا يصح الا بالنية وكان القياس ان يشترط اقتران النية بتمام العبادة لكن سقط ذلك للزوم الحرج فاشترط في الصلاة اقترانها بجزئها الاول اعنى التحريمة حتى تعتبر باقيه حكما مع جميع اجزائها- ولم يشترط ذلك في الصوم اجماعا لان الجزء الاول من الصوم حين طلوع الفجر او ان غفلة غالبا فجوزوا الصوم بنية سبقت من شروعه وتعتبر باقية اجماعا ما لم يرفض- واختلفوا في انه هل يجوز الصوم بنية بعد طلوع الفجر أم لا- فقال ابو حنيفة يصح أداء صوم رمضان والنذر المعين والنفل بنية قبل نصف النهار الشرعي وقال الشافعي واحمد يصح النفل بنية قبل الزوال لا غير وقال مالك لا يصح شىء من الصيام بنية من النهار وهو القياس- ويؤيده حديث حفصة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال من لم يجمع الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له- رواه احمد وابو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة في صحيحه وابن ماجة والدارقطني والدارمي- وفي رواية فلا يصوم وفي رواية لا صيام لمن لم يفرضه من الليل وفي رواية من لم يثبت الصيام قبل الفجر فلا صيام له- فان قيل قال ابو داود لا يصح رفعه- وقال الترمذي الموقوف أصح- قلنا رفعه ابن جريح وعبد الله بن ابى بكر كلاهما عن الزهري عن سالم عن

_ (1) فى الأصل تلقت

أبيه عنها- وابن جريح وعبد الله بن ابى بكر من الثقات والرفع زيادة والزيادة من الثقة مقبولة ومن عادة المحدثين الوقوف عند الموقوف والمرسل- وكون الموقوف أصح لا ينافي صحة المرفوع- وقال الحاكم في المرفوع انه صحيح على شرط الشيخين- وقال في المستدرك صحيح على شرط البخاري- وقال البيهقي والدارقطني رواته كلهم ثقات- وفي الباب حديث عائشة من لم يثبت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له- رواه الدارقطني وقال رجاله ثقات- لكن فيه عبد الله بن عباد ذكره ابن حبان في الضعفاء وفيه يحيى بن أيوب ليس بالقوى- وحديث ميمونة بنت سعد مرفوعا من اجمع الصوم من الليل فليصم ومن أصبح فلم يجمعه فلا يصم- رواه الدارقطني وفيه الواقدي ليس بشىء- واحتجوا على جواز النقل بنية من النهار بحديث عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل علىّ قال هل عندكم طعام فاذا قلنا الا قال انى صائم فدخل علىّ يوما فقلت يا رسول الله اهدى لنا حيس فقال ادنيه ولقد أصبحت صائما- وفي رواية لمسلم قال هل عندكم شىء قلت ما عندنا شىء قال فالى صائم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاهديت لنا هدية فلما رجع قالت أهديت لنا هدية قال ما هو قلت حبس قال هاتيه فجئت به فاكل ثم قال قد كنت أصبحت صائما- وأجيب بانه لا يدل هذا الحديث على ان النبي صلى الله عليه وسلم نوى الصوم من النهار بعد ما لم يكن ناويا للصوم من الليل بل الظاهر انه كان يصبح صائما ناويا للصوم من الليل ثم يأتى اهله فقد يفطر الصوم النافلة- ويدل عليه قوله قد كنت أصبحت صائما- وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ- العكوف هو الاقامة على الشيء والاعتكاف في الشرع هو الاقامة في المسجد على عبادة الله تعالى مع النية- قال البغوي الاية نزلت في نفر من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يعتكفون في المسجد فاذا عرضت لرجل منهم الحاجة الى اهله خرج إليها فجامعها ثم اغتسل فرجع الى المسجد فنهوا عن ذلك ليلا ونهارا حتى يفرغوا من اعتكافهم فالجماع يفسد به الاعتكاف ويحرم فيه اجماعا غيران الشافعي يقول بالوطى ناسيا لا يفسد الاعتكاف قياسا على الصوم قلنا ان حالة الاعتكاف مذكرة بخلاف الصوم وعن الحسن البصري والزهري من باشر اهله معتكفا فعليه كفارة اليمين والإجماع على انه لا كفارة عليه- ولو قبّل او لمس بشهوة فانزل يبطل الاعتكاف بالإجماع وان لم ينزل يحرم اجماعا ولا يبطل الاعتكاف الا عند مالك- واما اللمس الذي لا يقصد به التلذذ

فلا بأس به- عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف ادنى الىّ رأسه فارجّله- متفق عليه- وكان لا يدخل البيت الا لحاجة الإنسان- رواه مسلم- وقوله تعالى وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ يدل على ان الاعتكاف لا يكون الا في المسجد وهو مسجد الجماعة دون مسجد البيت- وإطلاقه يدل على انه يجوز الاعتكاف في كل مسجد ولا يختص بالمسجد الحرام او مسجد النبي صلى الله عليه وسلم- او المساجد الثلاثة يعنى المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم ولا بمسجد الجمعة- وروى عن حذيفة الاختصاص بالمساجد الثلاثة وعن عطاء بمسجد مكة وعن ابن المسيب بمسجد المدينة وعند مالك يختص بمسجد الجمعة وأوى اليه الشافعي في القديم- قال ابن عباس ابغض الأمور البدع وان من البدع الاعتكاف في المساجد التي في الدور- أخرجه البيهقي- وعن على قال لا اعتكاف الا في مسجد جماعة- رواه ابن ابى شيبة وعبد الرزاق في مصنفهما- وعن حذيفة قال اما انا قد علمت انه لا اعتكاف الا في مسجد جماعة- رواه الطبراني- وروى ابن الجوزي عن حذيفة مرفوعا قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كل مسجد له مؤذن وامام فالاعتكاف فيه يصلح قال ابن الجوزي هذا في نهاية الضعف- وعن عائشة قالت السنة على المعتكف ان لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمس امراة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة الا ما لا بد منه ولا اعتكاف الا بصوم ولا اعتكاف الا في مسجد جامع رواه ابو داود وفي رواية لا اعتكاف الا في مسجد جماعة (مسئلة) الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان سنة مؤكدة لحديث عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى يتوفاه الله عز وجل ثم اعتكفه أزواجه من بعده- متفق عليه وحديث ابن عمر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان- يتفق عليه وعن انس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فلم يعتكف عاما فلما كان العام المقبل اعتكف العشرين- رواه للترمذى ورواه ابو داود وابن ماجة عن ابى بن كعب- قلت لكن تركه اكثر الصحابة قال ابن نافع انه كان كالوصال وأراهم تركوه لشدته ولم يبلغنى عن أحد من السلف انه اعتكف الا عن ابى بكر بن عبد الرحمن- وقال الحافظ قد حكيناه عن غير واحد من الصحابة- قلت ومن أجل تركه من اكثر الصحابة قال بعض الحنفية انه سنة على الكفاية والله اعلم تِلْكَ الاحكام التي ذكرت من حرمة الاكل والشرب والجماع في الصوم وحرمة المباشرة

[سورة البقرة (2) : آية 188]

فى الاعتكاف حُدُودُ اللَّهِ اى ما منع الله عنها واصل الحد المنع فَلا تَقْرَبُوها نهى عن اقترابها فضلا ان يتخطى عنها مبالغة في المنع وقد مرّ في أوائل السورة قوله صلى الله عليه وسلم الحلال بين والحرام بين وبينهما امور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى المشتبهات استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في المشتبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك ان يواقعه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله في ارضه محارمه- متفق عليه ولاجل حرمة الاقتراب بالمحرم الحق الائمة دواعى الجماع من اللمس بشهوة ونحوها بالجماع فقالوا بحرمتها في الصوم والاعتكاف وان انزل باللمس او القبلة فسد الصوم والاعتكاف والله اعلم- كَذلِكَ اى كما بينا تلك الاحكام يُبَيِّنُ اللَّهُ سائر آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) اى لكى يتقوا مخالفة الأوامر والنواهي- فيتقون من النار. وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ كالدعوى الزور والشهادة بالزور او الحلف بعد إنكار الحق او الغصب والنهب والسرقة والخيانة او القمار واجرة المغني ومهر البغي وحلوان الكاهن وعسب التيس والعقود الفاسدة او الرشوة وغير ذلك من الوجوه الّتى لا يبيحه الشرع- وبين منصوب على الظرف او الحال من الأموال والاية بنزلت في امر القيس بن عابس الكندي ادعى عليه ربيعة بن عبدان الحضرمي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضا انه غلبنى عليها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للحضرمى ألك بينة قال لا قال فلك يمينه فانطلق يحلف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم- اما ان حلف على ماله ليأكل ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض- كذا اخرج ابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ عطف على المنهي- او نصب بإضمار أن اى ولا تلقوا حكومتها الى الحكام- قال مجاهد يعنى لا تخاصم وأنت ظالم وقال ابن عباس هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه بينة فيجحد المال ويخاصم به الى الحاكم ليحلف كاذبا- وقال الكلبي هو ان يقيم الشهادة الزور- قلت واللفظ يعم ذلك كله لِتَأْكُلُوا بالتحاكم فَرِيقاً طائفة مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ اى بما يوجب الإثم كالشهادة الزور واليمين الكاذبة او متلبسين «1» بالإثم وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) انكم مبطلون بخلاف الحكام فانهم لا يعلمون بحقيقة الحال

_ (1) فى الأصل متلبسين

[سورة البقرة (2) : آية 189]

وانما يحكمون بالظاهر فالحاكم ان حكم على حسب الشرع من غير ميل الى أحدهما فهو مأجور وان كان المحكوم له اثما وبهذا يظهران قضاء القاضي لا يحل حراما عن أم سلمة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال انما انا بشر وأنتم تختصمون الىّ ولعل بعضكم ان يكون الحسن بحجته من بعض فاقضى له على نحو ما اسمع منه فمن قضيت له بشىء من حق أخيه فلا يأخذنه فانما اقطع له قطعة من النار- رواه الشافعي عن مالك وفي الصحيحين نحوه وقال ابو حنيفة رحمه الله فى حرمة المال على المبطل بنحو ما قالوا غير انه يقول- قضاء القاضي في العقود والفسوخ ينفذ ظاهرا وباطنا خلافا للجمهور احتج ابو حنيفة بما روى ان شاهدين شهدا عند على عليه السلام على امراة بالنكاح فقضى به فقالت المرأة انه لم يكن بيننا نكاح فان كان ولا بد فزوجنى منه فقال على عليه السلام- شاهداك زوجاك- والله اعلم. يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم الانصاريين قالا يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يمتلى نورا ثم يعود دقيقا كما بدا لا يكون على حال واحد- كذا ذكر البغوي- وأخرجه ابو نعيم وابن عساكر في تاريخ دمشق من طريق السدى الصغير عن ابن عباس- واخرج ابن ابى حاتم من طريق العوفى عنه قال سال الناس عن الاهلة فنزلت- واخرج ابن ابى حاتم عن ابى العالية قال- بلغنا انهم قالوا يا رسول الله لم خلقت الاهلة فنزلت قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ- ان كان السؤال عن الحكمة في اختلاف حال القمر وتبدل امره فقد طابق الجواب السؤال حيث امر الله سبحانه بان يجيب بان الحكمة الظاهرة في ذلك ان يكون معالم للناس يوقتون بها أمورهم ومعالم للعبادات الموقتة كالحج والصوم وغير ذلك يعرف بها أوقاتها- وان كان السؤال عن علة تبدل احوال القمر وهو الظاهر فهو جواب على اسلوب الحكيم تنبيها بان اللائق بحال السائل ان يسئل بالفائدة دون العلة إذ لا فائدة في ذلك السّؤال إذ حينئذ يلزمه الاشتغال بما لا يعنيه وهذا يدل على ان الاشتغال بالعلوم الغريبة كالهيئة والنجوم وغير ذلك مما ليس فيه فائدة دينية معتدة بها لا يجوز والمواقيت جمع ميقات اسم فمعز الدولة من الوقت والمراد به ما يعرف به اوقات الحج والصوم وآجال الديون وانقضاء العدة وغير ذلك-

وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ قرا ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي البيوت «1» والعيون والشيوخ وابن عامر وحمزة والكسائي جيوبهن وحمزة وابو بكر الغيوب بكسر اوائلهن لمكان الياء والباقون بالضم على الأصل مِنْ ظُهُورِها روى البخاري عن البراء قال كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيوت من ظهورها فانزل الله الاية- واخرج ابن ابى حاتم والحاكم وصححه عن جابر قال كانت قريش تدعى الحمس وكانوا يدخلون من الأبواب فى الإحرام وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بستان إذ خرج من بابه وخرج معه قطبة بن عامر الأنصاري فقالوا يا رسول الله ان قطبة رجل فاجر وانه خرج معك من الباب فقال ما حملك على ما فعلت. قال رأيتك فعلته ففعلت كما فعلت فقال انى رجل احمسى قال فان دينى دينك فانزل الله- واخرج ابن جرير عن ابن عباس نحوه- واخرج عبد بن حميد عن قيس بن جبير نحوه ولكن فيه رفاعة بن نابوت مكان قطبة بن عامر- وذكر البغوي انه دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بيتا لبعض الأنصار فدخل رفاعة على اثره من الباب الحديث- وقال الزهري كان ناس من الأنصار إذا أهلوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شىء وكان الرجل يخرج مهلّا بالعمرة فيبدو له الحاجة بعد ما يخرج من بيته فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف الباب فيفتح الجدار من ورائه ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته حتى بلغ ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اهل زمن الحديبية بالعمرة فدخل حجرة فدخل رجل على اثره من الأنصار من بنى سلمة الحديث- ووجه العطف وعدم الفصل اما انهم سالوا الامرين معا في حادثة واحدة- او انه لما سالوه عما لا يعنونه ولا يتعلق بعلم النبوة وتركوا السؤال عما يعنونه ويختص بعلم النبوة عقب بذكره كانّه قال اللائق ان يسئلوا أمثال ذلك- ويمكن ان يقال السؤال عن حقائق الممكنات على وجه لا يفيد يشبه دخول البيت من ظهرها فان الخوض في العلوم بمنزلة الدخول في البيت فكما ان الموضوع

_ (1) البيوت قراء قالون وابن كثير وابن عامر ابو بكر وحمزة والكسائي وخلف والعيون والشيوخ قراهما ابن كثير وابن ذكوان وابو بكر وحمزة والكسائي جيوبهن قراه ابن كثير وابن ذكوان وحمزة والكسائي الغيوب إلخ- ابو محمد عفا الله عنه

[سورة البقرة (2) : آية 190]

لاجل الدخول في البيت انما هو الباب ليستمتع بمنافع البيت كذلك الموضوع للخوض والتفكر في الحقائق وجوه منافعها والاستدلال على صانعها دون افعال النفس فيما لا يجد به من مسائل الهيئة وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى قد مرّ وجه الحمل واختلاف القراء فيما سبق وَأْتُوا الْبُيُوتَ فى حالة الإحرام مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما حرم عليكم لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) لكى تفوزوا بالبر اخرج الواحدي عن ابى صالح عن ابن عباس لما صد النبي صلى الله عليه وسلم عن البيت عام الحديبية ثم صالحه المشركون على ان يرجع عامه «1» ويأتى القابل- فلما كان العام القابل تجهز هو وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا ان لا يفىء قريش بذلك وان يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم وكره أصحابه قتالهم في الشهر الحرام فانزل الله تعالى. وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فى طاعة الله الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ يعنى الذين يتوقع منهم القتال وَلا تَعْتَدُوا بقتل النساء والصبيان والشيوخ الكبار والرهبان ومن القى إليكم السلم- عن بريدة رضى الله عنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشا قال اغزوا باسم الله وفي سبيل الله قاتلوا من كفر بالله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا امراة ولا وليدا ولا شيخا كبيرا- رواه البغوي وروى مسلم في حديث طويل وفيه ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا- وعن عبد الله بن عمر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان- متفق عليه وعن انس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال انطلقوا بسم الله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امراة ولا تغلوا وضموا غنائكم وأصلحوا وأحسنوا ان الله يحب المحسنين- رواه ابو داود فعلى هذا التأويل الاية محكمة غير منسوخة وهو قول ابن عباس ومجاهد- وقيل كان في ابتداء الإسلام امر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالكف عن قتل المشركين ثم لمّا هاجر الى المدينة امره بقتال من قاتلهم منهم بهذه الاية قال الربيع هذه اوّل اية نزلت في القتال ثم امر بقتال المشركين كافة قاتلوا او لم يقاتلوا بقوله تعالى وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً- فحينئذ معنى قوله تعالى وَلا تَعْتَدُوا اى لا تبدوهم بالقتال إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) اى لا يريد بهم الخير. وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ قال مقاتل بن حبان هذه الاية منسوخة

_ (1) فى الأصل على الا يرجع عامة القابل 12

[سورة البقرة (2) : آية 192]

بقوله تعالى وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ- قلت بل هى مخصصة لاجل اقترانهما مثل قوله تعالى أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا إذا الناسخ انما يكون متراخيا- الثقف الحذق بالشيء في إدراكه علما كان او عملا فهو يتضمن معنى الغلبة فالمعنى حيث تمكنتم على قتلهم وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ يعنى من مكة وقد فعل ذلك بمن لم يسلم يوم الفتح وَالْفِتْنَةُ يعنى شركهم بالله تعالى وصدهم إياكم عن المسجد الحرام أَشَدُّ أعظم وزرا عند الله مِنَ الْقَتْلِ اى قتلكم إياهم ومن ثم اباحه الله تعالى لكم كذا اخرج ابن جرير عن مجاهد والضحاك وقتادة والربيع وابن زيد وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ يعنى في الحرم حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فى الحرم فَاقْتُلُوهُمْ فيه- قرا حمزة والكسائي ولا تقتلوهم حتّى يقتلوكم فان قتلوكم بغير الف فيهن من القتل على معنى ولا تقتلوا بعضهم حتى يقتلوا بعضكم يقول العرب قتلنا بنوا فلان يعنى قتل بعضنا وقرا الباقون بالألف- قيل كان هذا في ابتداء الإسلام كان لا يحل بدايتهم بالقتال فى البلد الحرام ثم صار منسوخا بقوله تعالى وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ هذا قول قتادة وقال مقاتل نسخها اية السيف في براءة والحق عندى ان هذه الاية محكمة ولا يجوز ابتداء القتال في الحرم وبه قال مجاهد وجماعة- ويؤيده ما رواه الشيخان عن ابن عباس وابى هريرة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ان هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله الى يوم القيامة وانه لن يحل القتال فيه لاحد قبلى ولم يحل لى الا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله الى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده الحديث- وعن جابر مرفوعا لا يحل لاحدكم ان يحمل بمكة السلاح رواه مسلم كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (191) يفعل بهم مثل ما فعلوه. فَإِنِ انْتَهَوْا عن القتال والكفر فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ يغفر لهم ما قد سلف رَحِيمٌ (192) بالعباد. وَقاتِلُوهُمْ يعنى المشركين حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ اى شرك وفساد وَيَكُونَ الدِّينُ الطاعة والعبادة لِلَّهِ وحده ولا يعبد غيره عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت ان أقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا الله الا الله وان محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة

[سورة البقرة (2) : آية 194]

ويؤتوا الزكوة فاذا فعلوا ذلك عصموا منى دماؤهم وأموالهم الا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى- متفق عليه ولا دليل في هذه الاية على ان الوثني لا يقبل منه الا الإسلام فان ابى قتل كما قال البغوي إذ لا فرق بين الوثني والمجوسي والكتابي فان الدين عند الله الإسلام والفتنة كما يكون بالوثنى يكون بالكتابي والمجوسي ايضا وينتهى منهما بالانقياد وقبول الجزية ولولا قوله تعالى حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ لما قبل من أحد منهم الجزية- ثم لما ثبت أخذ الجزية عن اهل الكتاب بهذه الاية مع كونهم على الدين الباطل ثبت أخذ الجزية عن المجوسي والوثني ايضا بالقياس عند ابى حنيفة رحمه الله خلافا لغيره وسنذكر مسئلة الجزية فى سورة التوبة ان شاء الله تعالى فَإِنِ انْتَهَوْا عن الشرك او الحرب بإعطاء الجزية فَلا عُدْوانَ الفاء الاول للتعقيب والثانية للجزاء اى لا سبيل الى القتل والاسر والنهب إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) اى على الذين بقوا على الشرك والحرب كذا قال ابن عباس في تأويل العدوان كما في قوله تعالى أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ او يقال سمى جزاء العدوان عدوانا للمشاكلة كما في قوله تعالى. فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ قلت ويحتمل ان يقال فى التأويل فان انتهوا فلا عدوان اى لا اثم العدوان الا على الظالمين فانكم ان تعرضتم للمنتهين صرتم ظالمين وينعكس الأمر- عن المقداد بن الأسود انه قال يا رسول الله ارايت ان لقيت رجلا من الكفار فاقتتلنا فضرب احدى يدى بالسيف فقطعها ثم لازمنى بشجرة فلما أهويت لا قتله قال لا الله الا اللهء أقتله بعد ان قالها- قال لا تقتله قال يا رسول الله انه قطع احدى يدى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتله فان قتلته فانه بمنزلتك قبل ان تقتله وأنت بمنزلته قبل ان يقول كلمة التي قال- متفق عليه واخرج ابن جرير عن قتادة ان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه خرجوا معتمرين ومعهم الهدى في ذى القعدة سنة ست فصده المشركون بالحديبية فصالح اهل مكة على ان ينصرف عامه ذلك ويأتى من قابل فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضى عمرته في ذى القعدة سنة سبع واقام بمكة ثلث ليال وكان المشركون قد فخروا عليه حين ردوه فانزل الله تعالى الشَّهْرُ الْحَرامُ يعنى ذى القعدة اللاتي دخلتم بمكة فيه وقضيتم عمرتكم بِالشَّهْرِ الْحَرامِ

[سورة البقرة (2) : آية 195]

الذي صددتم فيه وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ والقصاص المساواة يعنى كل حرمة يجرى فيها القصاص والمساواة وقيل هذه الاية في محل التعليل لما سبق من قوله تعالى وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا- يعنى لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرة القضاء وخاف المسلمون ان لا يف المشركون بعهدهم ويصدوهم عن البيت كما فعلوا في العام الماضي ويقع القتال في الحرم والإحرام والشهر الحرام فامرهم الله تعالى بالقتال وقال الشهر الحرام بالشهر الحرام يعنى ان هتكوا حرمة الحرم والشهر ويقاتلوكم فقاتلوهم فيه فانه قصاص لما فعلوا وهذا التأويل أوفق بالسياق حيث قال الله تعالى فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ في الحرم والشهر الحرام وأنتم محرمون فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ سمى الجزاء باسم الابتداء للمشاكلة وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما لم يرخص لكم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) فينصرهم ويصلح شأنهم-. وَأَنْفِقُوا أموالكم فِي سَبِيلِ اللَّهِ فى الجهاد وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ قيل الباء زائدة وعبر بالأيدي عن الأنفس وقيل فيه حذف اى لا تلقوا أنفسكم بايديكم يعنى باختياركم والإلقاء طرح الشيء وعدى بالى لتضمن معنى الانتهاء- والقى بيده لا يستعمل الا في الشر إِلَى التَّهْلُكَةِ اى الهلاك- قيل كل شىء يصير عاقبته الى الهلاك فهو التهلكة وقيل التهلكة ما يمكن الاحتراز عنه والهلاك ما لا يمكن الاحتراز عنه روى البخاري عن حذيفة قال نزلت هذه الاية في النفقة واخرج ابو داود والترمذي وصححه ابن حبّان والحاكم وغيرهم عن ابى أيوب الأنصاري رضى الله عنه قال نزلت هذه الاية فينا معشر الأنصاري لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سرا ان أموالنا قد ضاعت وان الله تعالى قد أعز الإسلام فلو أقمنا في أموالنا فاصلحنا ما ضاع منها- فانزل الله تعالى يردّ علينا ما قلنا فكانت التهلكة الاقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو- قلت المعنى انكم لو تركتم الغزو يغلب عدوكم عليكم فتهلكون- قال البغوي فما زال ابو أيوب رضى الله عنه يجاهد في سبيل الله حتى كان اخر غزوة غزاها بقسطنطنية فاستشهد ودفن في اصل سور قسطنطنية وهم يستسقون به وروى عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مات ولم يغز ولم يحدث

[سورة البقرة (2) : آية 196]

نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق- وقال بعضهم نزلت الاية في البخل وترك الانفاق فى سبيل الله وهو قول حذيفة والحسن وقتادة وعكرمة وعطاء وبه قال ابن عبّاس اخرج الطبراني بسند صحيح عن ابى جبيرة بن الضحاك قال كانوا «1» يتصدقون ويعطون ما شاء الله فاصابتهم سنة فامسكوا فانزل الله تعالى هذه الاية- وقال محمد بن سيرين وعبيدة السلماني الإلقاء الى التهلكة القنوط من رحمة الله- كذا قال ابو قلابة اخرج الطبراني بسند صحيح عن النعمان بن بشير قال كان الرجل يذنب الذنب فيقول لا يغفر الله لى فانزل الله تعالى وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وله شواهد عن البراء أخرجه الحاكم وَأَحْسِنُوا أعمالكم وأخلاقكم وتفضلوا على المحاويج اعلم ان الإحسان يكون في العبادات ويكون في المعاملات اما الذي في العبادات فما في الصحيحين في حديث طويل عن عمر بن الخطاب قال قال يعنى جبرئيل أخبرني عن الإحسان قال عليه السلام ان تعبد الله كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك يعنى بالحضور والخشوع- واما الذي في المعاملات فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تحب للناس ما تحب لنفسك وتكره لهم ما تكره لنفسك- رواه احمد عن معاذ وقال المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده رواه اصحاب السنن عن ابى هريرة ورواه احمد عن عمرو بن عنبسة في جواب اىّ الإسلام أفضل وقال ان من احبّكم الىّ أحسنكم أخلاقا- رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو وفي الصحيحين بلفظ من خياركم أحسنكم أخلاقا- وقال ان الله تعالى كتب الإحسان على كل شىء فاذا قتلتم فاحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فاحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته- رواه مسلم عن شداد بن أوس إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) . وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ هذه الاية حجة على وجوب الحج والعمرة ووجوب إتمامهما وعدم جواز فسخ الحج بالعمرة- اما وجوب الحج فقد انعقد الإجماع على انه فرض محكم على الأعيان وهو أحد اركان الإسلام قال الله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى الإسلام على خمس شهادة ان لا الله الا الله وان محمدا رسول الله واقام الصلاة وإيتاء الزكوة والحج وصوم رمضان- متفق عليه وفي الباب أحاديث كثيرة- واما وجوب العمرة فهو مذهب احمد وبه قال الشافعي في أصح قوليه وهو مروى عن

_ (1) فى الأصل كانت 12

ابى حنيفة رحمهم الله وقال مالك العمرة سنة وهو المشهور من مذهب ابى حنيفة وأحد قولى الشافعي وتأويل الاية عندهم انها تجب بالشروع كالحج بالإجماع- ويدل على ما قال به احمد قراءة علقمة وابراهيم النخعي واقيموا الحجّ والعمرة لله وهى قراءة على عليه السّلام أخرجه ابن جرير وابن ماجة وابن حبان ومن الأحاديث ما رواه ابن خزيمة والدارقطني وابن حبان والحاكم في كتابه المخرج على صحيح مسلم عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب حديث تعليم جبرئيل وفيه قال يا محمد أخبرني عن الإسلام قال ان تشهد ان لا الله الا الله وان محمدا رسول الله وان تقيم الصلاة وتؤتى الزكوة وتحج وتعتمر وتغتسل من الجنابة وتتم الوضوء وتصوم رمضان- وهذه الزيادة يعنى قوله وتعتمر وان لم يذكر في الصحاح لكن رواه الثقات وحكم الدارقطني عليه بالصحة وذكره ابو بكر الجوسعى فى كتابه المخرج على الصحيحين فهى مقبولة ومنها حديث عائشة قالت يا رسول الله على النساء جهاد قال عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة- رواه ابن ماجة ومنها أحاديث اخر ضعاف لم نذكرها- واثار الصحابة قال الضبي بن معبد لعمر رايت الحج والعمرة مكتوبتين علىّ فاهللت بهما فقال عمر هديت سنة نبيك- أخرجه ابو داود وقال ابن عمر ليس في خلق الله أحد الا عليه حج وعمرة واجبتان من استطاع اليه سبيلا- رواه ابن خزيمة والدارقطني والحاكم وسنده صحيح وعلقه البخاري- واثر ابن عباس رواه الشافعي وعلقه البخاري- واحتج القائلون بكونها سنة بأحاديث منها حديث جابر بن عبد الله اتى أعرابي فقال يا رسول الله أخبرني عن العمرة أواجبة هى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا وان تعتم خير لك- رواه الترمذي واحمد والبيهقي من رواته الحجاج بن ارطاة وهو مدلس متروك تركه ابن مهدى والقطان ويحيى بن سعين واحمد بن حنبل وابن المبارك والنسائي لكن قال الذهبي صدوق وقال الترمذي الحديث حسن صحيح- ورواه البيهقي من طريق اخر وفيه يحيى بن أيوب قال احمد سيىء الحفظ وقال ابو حاتم لا يحتج به لكن قال ابن معين صالح وقال ابن عدى صدوق قلت وتعارض هذا الحديث ما روى عن جابر مرفوعا الحج والعمرة فريضتان أخرجه ابن عدى من طريق ابن لهيعة لكن ابن لهيعة ضعيف- ومنها حديث ابى امامة مرفوعا من مشى الى صلوة مكتوبة فاجره كحجة ومن مشى الى صلوة تطوع فاجره كعمرة- رواه الطبراني

من طريق يحيى بن الحارث- ومنها حديث عبد الله بن قانع عن ابى هريرة مرفوعا الحج جهاد والعمرة تطوع- ورواه الشافعي عن ابى صالح الحنفي مرسلا وحديث طلحة بن عبد الله وابن عباس مرفوعا نحوه رواه البيهقي قال الدارقطني عبد الله بن قانع كان يخطئ وقال الترقانى ضعيف لكن قال الشيخ تقى الدين هو من كبار الحفاظ- وابو صالح الحنفي اسمه ماهان ضعفه ابن حزم لكن قال ابن همام تضعيفه ليس بصحيح وثقه ابن معين وروى عنه جماعة وفي حديث طلحة عمرو بن قيس فيكلم فيه قال الحافظ اسناده ضعيف وحديث ابن عباس في سنده مجاهيل وفي الباب اثار الصحابة قال ابن مسعود الحج فريضة والعمرة تطوع رواه ابن ابى شيبة قال ابن همام كفى بعبد الله قدوة- واثر ابى هريرة مثل مرفوعه قال الدارقطني في مرفوعه الصحيح انه موقوف واثر جابر مثل مرفوعه فالتحقيق ان الأحاديث في الباب متعارضة وكذا الآثار قال ابن همام إذا تعارضا لا يثبت الوجوب بالشك وقال صاحب الهداية لا تثبت الفرضية مع التعارض- وقول صاحب الهداية اولى فان الفريضة تبتنى على القطع فالاولى ان يقال بالوجوب دون الفريضة عند التعارض احتياطا كيلا يلزم تكرار النسخ- واما عدم جواز فسخ الحج بالعمرة فمذهب الجمهور محتجين بهذه الاية خلافا لاحمد وله قصة حجة الوداع- ان النبي صلى الله عليه وسلم امر الصحابة وكانوا مهلين بالحج ان يفسخوا الحج ويجعلوها عمرة وقال اجعلوا اهلالكم بالحج عمرة الا من قلد الهدى- وشهد على هذا بضعة عشر حديثا صحيحا بحيث يزيل الشك ويوجب العلم منها حديث ابى موسى الأشعري قال بعثني النبي صلى الله عليه وسلم الى قومى باليمن فجئت وهو بالبطحاء فقال بما أهللت- قال أهللت كاهلال النبي صلى الله عليه وسلم قال هل معك من هدى قال لا فامرنى فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم أحللت ثم أهللت بالحج يوم التروية- فقدم عمر (يعنى في خلافته) فقال ان نأخذ بكتاب الله فان الله امر بالإتمام قال الله تعالى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ- وان نأخذ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم فانه لم يحل حتى نحر الهدى- وعن جابر قال قد أهلوا بالحج مفردا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أحلوا من إحرامكم بطواف البيت والصفا والمروة وقصروا ثم اقيموا حلالا الحديث- وحديث ابن عباس أمرهم ان يجعلوها عمرة- وحديث

عائشة وحديث حفصة وفيه فما يمنعك يا رسول الله ان تحل معنا قال انى لبدت رأسى وقلدت هديى فلا أحل حتى انحر- وحديث ابن عمر وهذه الأحاديث الستة في الصحيحين- وحديث ابى سعيد الخدري عند مسلم- خرجنا نصرخ بالحج حتى إذا طفت بالبيت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلوها عمرة الا من كان معه هدى- وحديث انس مرفوعا عند البخاري لولا ان معنى الهدى لا حللت- وحديث البراء ورواه اصحاب السنن وحديث الربيع بن سبرة عن أبيه وغير ذلك سردناها في منار الاحكام- فان قيل أَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ قطعى وتخصيص القطعي ونسخه بأحاديث الآحاد لا يجوز- قلت هذه الأحاديث بلغت حد الشهرة بحيث لا ينكر ثبوت هذه «1» الوقعة على ان قوله تعالى وأتموا الحج عام خص منه البعض بقوله تعالى فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ- ثم اخرج النّبى صلى الله عليه وسلم من ذلك الحكم من فات حجه وأجاز له الخروج بافعال العمرة وعليه انعقد الإجماع فظهر ان الاية ظنى الدلالة جاز تخصيصه بخبر الآحاد قالوا فى جواب احتجاج احمد- ان ما احتججتم به كان مخصوصا بالصحابة دون غيرهم لحديث بلال بن حارث قال قلت يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة قال بل لنا خاصة- رواه ابو داؤد والنسائي قال ابن الجوزي لا يروى ذلك غير عبد العزيز بن محمد الدراوردي قال ابو حاتم لا يحتج به وقال احمد لا يصح حديث في ان الفسخ كان لهم خاصة- قلت ولولا ما روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قوله- متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وانا احرمهما- يعنى اظهر حرمتهما التي ثبت عندى من رسول الله صلى الله عليه وسلم وانا احرمهما- يعنى اظهر حرمتهما التي ثبت عندى من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يندفع أحاديث فسخ الحج بحديث بلال المذكور فانه ضعيف في الظاهر لكن قول عمر يدل على صحة ذلك الحديث معنى وقد مر قول عمر في حديث ابى موسى الأشعري المتفق عليه انه قال في خلافته- ان نأخذ بكتاب الله الحديث وكذا اثر عثمان انه سئل عن متعة الحج قال كان لنا ليست لكم- رواه ابو داود بإسناد صحيح ولو لم يثبت عند عمر وعثمان اختصاص الفسخ بالصحابة لما خالفا امر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما احتج عمر بالآية الظنى الدلالة في مقابلة ما سمعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم امره بالفسخ المفيد للقطع في حقهما والله اعلم- والمراد بالمتعة في قول عمر وعثمان انما هو فسخ الحج بالعمرة دون التمتع بالعمرة الى الحج الذي نطق به كتاب الله تعالى بحيث لا مرد له وانعقد عليه

_ (1) فى الأصل هذا الوقعة

الإجماع كيف وقد قال عمر للضبىّ بن معبد حين قال أهللت بهما هديت سنة نبيك «1» أخرجه ابو داود ويؤيد حديث بلال اثر ابى ذر انه كان يقول فيمن حج ثم فسخها بعمرة لم يكن ذلك الا للركب الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه ابو داود وفي رواية عنه انما كانت المتعة لنا خاصة- قال ابن الجوزي اثر ابى ذر يرويه رجل من اهل الكوفة لم يلق أبا ذر قلت فهو مرسل والمرسل عندنا حجة والله اعلم- فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ يعنى عن الحج او العمرة التي أمرتم بإتمامها كما يقتضيه السياق والاية نزلت في قصة الحديبية باتفاق اهل النقل- وقد صح انه صلى الله عليه وسلم كان عام الحديبية محرما بالعمرة فاحصر فتحلل فهو حجة على مالك حيث يقول في رواية ان الإحصار خاص بالحج لا يجوز التحلل بالاحصار في العمرة- ومعنى أحصرتم اى منعتم من الوصول الى البيت الحرام والمضي على الإحرام بعد ومسلم او كافرا ومرض يمنعه من المضي او هلاك نفقة- او موت محرم للمرءة ونحو ذلك كذا فسر ابو حنيفة رحمه الله لان الإحصار والحصر في اللغة المنع باىّ سبب كان بل غالب استعمال الإحصار في الإحصار بالمرض ونحوه نقل عن الفراء والكسائي والأخفش وابى عبيدة وابن السكيت وغيرهم من اهل اللغة ان الإحصار بالمرض والحصر بالعدوّ وقال ابو جعفر النحاس على ذلك جميع اهل اللغة قلت المراد بقولهم الإحصار بالمرض والحصر بالعدو ان غالب الاستعمال هكذا- لا ان الإحصار خاص بالمرض حتى يرد عليهم ان الاية نزلت في قصة الحديبية ثبت ذلك في المتفق عليه من رواية جماعة من الصحابة- وقال الشافعي لا خلاف فى ذلك- وقال البغوي الحصر والإحصار بمعنى واحد يقول العرب حصرت الرجل عن حاجته فهو محصور واحصره العدوّ إذا منعه من السير فهو محصر- فالاية بعموم لفظه حجة لابى حنيفة على مالك والشافعي واحمد حيث قالوا لا حصر إلا حصر العدوّ- روى الشافعي هذا اللفظ بإسناد صحيح عن ابن عباس- وقالوا ان الاية نزلت فيه- قلنا العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص سبب النزول فان قيل سياق الاية يقتضى التخصيص حيث يقول الله تعالى فَإِذا أَمِنْتُمْ فان الامن يكون من الخوف

_ (1) روى عن عمر انه قال- افصلوا بين حجكم وعمرتكم اجعلوا الحج في أشهر الحج واجعلوا العمرة في غير أشهر الحج أتم لحجك وعمرتك- قلت لعل هذا ما هو الأفضل عند عمر رضى الله عنه 12 منه رحمه الله

قلنا هذا لا يدل على ان الإحصار لا يكون الا بالعدوّ بل يدل على ان الإحصار بالعدوّ ايضا إحصار كما في قوله تعالى وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ- وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ- فانه لا يدل على ان المراد بالمطلقات الرجعيات فقط بل يدل على ان الرجعيات ايضا داخلة في المطلقات- احتجوا على تخصيص الإحصار بالعدوّ بحديث عائشة قالت دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير فقال لها لعلك أردت الحج قالت والله ما أجدني الا وجعة فقال لها حجى واشترطى وقولى ان محلى حيث حبستنى متفق عليه- ولمسلم من حديث ابن عباس قصة ضباعة- ولابى داود والنسائي انها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله انى أريد الحج فاشترط قال نعم قالت كيف أقول قال قولى لبيك اللهم لبيك محلى من الأرض حيث تحبسنى فان لك على ربك ما استثنيت- وصححه الترمذي وأعله بالإرسال قال العقيلي روى ابن عباس قصة ضباعة بأسانيد ثابتة جياد- وأخرجه ابن خزيمة من حديث ضباعة نفسها والبيهقي عن انس وجابر ولهذا قال احمد والشافعي لو اشترط جاز له التحلل بغير العدو- وصح القول بالاشتراط عن عمر وعثمان وعلى وعمار وابن مسعود وعائشة وأم سلمة وغيرهم من الصحابة- قال ابن الجوزي لو كان المرض يبيحها التحلل ما كان لاشتراطها معنى- قلنا حديث ضباعة من الآحاد لا يزاحم عموم الاية- وقيل الاشتراط منسوخ روى ذلك عن ابن عباس لكن فيه الحسن بن عمارة متروك- ووجه الجمع عندى ان حديث ضباعة محمول على الندب فمن خاف المرض او غير ذلك يستحب له ان يشترط عند الإحرام حتى لا يلزمه خلف الوعد وان كان ذلك جائزا بعذر- ويؤيد قول ابى حنيفة حديث عكرمة عن حجاج بن عمرو الأنصاري انه صلى الله عليه وسلم قال من كسر او عرج فقد حل وعليه الحج من قابل رواه الترمذي وابو داود والنسائي وابن ماجة والدارمي وزاد ابو داود في رواية اخرى عن عكرمة عن عبد الله بن رافع عن حجاج عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من عرج او كسر او مرض فذكر معناه قال الترمذي حديث حسن وذكر البغوي تضعيفه- قلت لا وجه للتضعيف الا انه قد اختلف فيه على يحيى بن كثير فاخرجه اصحاب السنن وابن خزيمة والدارقطني والحاكم من طرق- قال الحافظ الصواب عن يحيى عن عكرمة عن الحجاج وقال في آخره عن عكرمة فسالت أبا هريرة وابن عباس

فقالا صدق- ووقع في رواية يحيى القطان وغيره في سياقه سمعت الحجاج وأخرجه ابو داود والترمذي من طريق معمر عن يحيى عن عكرمة عن عبد الله بن رافع عن الحجاج قال الترمذي وتابع معمرا على زيادة عبد الله بن رافع معاوية بن سلام وسمعت محمدا يعنى البخاري يقول رواية معمر ومعاوية أصح قلت وهذا لا ينافي صحة الحديث لانه ان كان عكرمة سمعه من الحجاج بن عمرو فذاك والا فالواسطة بينهما عبد الله بن رافع ثقة وان كان البخاري لم يخرج له كذا قال الحافظ- قلت ويمكن ان عكرمة سمعه من الحجاج بلا واسطة وايضا سمعه من عبد الله بن رافع عن حجاج والله اعلم ومذهبنا مروى عن ابن مسعود فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ اى فعليكم ما استيسر او الواجب ما استيسر أو اهدوا ما استيسر من الهدى من بدنة او بقرة او شاة والشاة أدناه- وهذه الاية حجة على مالك حيث قال لا يجب عليه الهدى ثم القائلون بوجوب الهدى اختلفوا فقال الشافعي في رواية إذا لم بجد الهدى يطعم بقيمة الشاة طعاما وان لم يجد ما ينفق يصوم عن كل مد من الطعام يوما قياسا على دم الجناية وقال ابو حنيفة وهو القول الثاني للشافعى انه لا يجوز الا الهدى لان نصب الابدال بالرأى لا يجوز ودم الإحصار ليس من باب دم الجناية- وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ- واختلفوا في تفسير محله فقال ابو حنيفة رحمه الله محله الحرم- قال الله تعالى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ- ولان الاراقة لم يعرف قربة الا في زمان او مكان فلا يقع قربة دونه فلا يقع به التحلل فالواجب عنده انّ المحصر يبعث الهدى الى الحرم لا يجوز له الا ذلك ويعين يوما يذبح فيه ويحل المحصر في ذلك اليوم ولا يختص عنده للذبح يوم النحر وقال ابو يوسف ومحمد في الحج يختص الذبح بيوم النحر فلا حاجة الى تعينه عندهما- وقال مالك والشافعي واحمد محله هو ذبحه بالموضع الذي أحصر فيه سواء كان في الحل او في الحرم لحديث المسور بن مخرمة في قصة الحديبية قال فلما فرغ من قصة الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه قوموا فانحروا ثم احلقوا فو الله ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات فلمّا لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقى من الناس فقالت أم سلمة يا نبى الله أتحب ذلك اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم بكلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك

فيحلقك- فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فلما راوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما- رواه البخاري وروى يعقوب بن سفيان من طريق مجمع بن يعقوب عن أبيه قال لما حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحروا بالحديبية وحلقوا وبعث الله ريحا فحملت شعورهم فالقاها في الحرم- وذكر مالك فى المؤطا بلغه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حل هو وأصحابه بالحديبية فنحروا الهدى وحلقوا رءوسهم وحلوا من كل شىء- قال مالك والشافعي والحديبية خارج الحرم- وأجاب عنه الحنفية بوجهين- أحدهما ان النبي صلى الله عليه وسلم بعث هديه الى الحرم مع ناجية بن جندب الأسلمي رواه الطحاوي بسنده عن ناجية- وكذا اخرج النسائي ثانيهما ان الحديبية بعضها في الحل وبعضها في الحرم روى الطحاوي بسنده عن المسور ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بالحديبية خباؤه في الحل ومصلاه في الحرم وإذا كان كذلك فالظاهر انهم نحروا في الحرم- قلت وحديث ناجية شاذ مخالف للمشهور ولو ثبت فلعل النبي صلى الله عليه وسلم بعث بعض هداياه الى الحرم بعد ما نحر بعضها في الحل جمعا بين الروايتين- وايضا قوله تعالى هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ دليل واضح على ان الهدى لم يبلغ محله وهو الحرم وعلى ان محله هو الحرم لا غيره فالاحسن ما ذكر- البخاري تعليقا عن ابن عباس انه ينحر المحصر حيث أحصر ان كان لا يستطيع ان يبعث به الى الحرم وان استطاع يجب عليه ان يبعث فحينئذ معنى قوله تعالى وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ- ان استطعتم ذلك فهو عام خص منه البعض بفعل النبي صلى الله عليه وسلم الثابت بالأحاديث المشهورة وبقوله تعالى وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً والله اعلم فان قيل روى ابو داود عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن ميمون قال سمعت أبا حاصر الحميرى يحدث أبا ميمون بن مهران قال خرجت معتمرا عاما «1» حاصر اهل الشام ابن الزبير بمكة وبعث معى رجال من قومى بهدى فلما انتهينا الى اهل الشام منعونا ان ندخل الحرم فنحرت الهدى مكانى ثم أحللت ثم رجعت فلما كان من العام القابل خرجت لاقضى عمرتى فاتيت ابن عباس فسالته فقال أبدل الهدى فان رسول الله صلى الله عليه وسلم امر أصحابه ان يبدلوا الهدى الذي نحروا عام الحديبية- فان هذا الحديث يقتضى ان

_ (1) فى الأصل عام حاصر

النحر خارج الحرم لا يجوز ويقتضى الاعادة- قلت محمد بن إسحاق مختلف فيه وقد مرّ ذكره- والحديث ترك الامة كلهم العمل به ولم يقل به أحد- وهاهنا خلافيات منها ان الواجب على القارن عند ابى حنيفة رحمه الله دمان لاجل إحرامي الحج والعمرة وعند الجمهور دم واحد قالوا الإحرام واحد فيكفيه دم واحد وعموم قوله تعالى فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ يؤيد قول الجمهور ومنها ان التحلل يحصل بنفس الإحصار او بالذبح بعد الإحصار بنية التحلل او بالحلق بعد الذبح مع نية التحلل الثالث قول الشافعي والجمهور لهم ان بالاحصار سقط مناسك الحج دون احكام الإحرام والحلق عرف محللا فلا يسقط وكونه موقتا بالحرم من حيث انه محلل ممنوع والحجة على وجوب الحلق او القصر واولوية الحلق قوله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية يرحم الله المحلقين قالوا يا رسول الله والمقصرين قال يرحم الله المحلقين قالوا والمقصرين فقال في المرة الثالثة والمقصرين رواه الطحاوي من حديث ابن عباس وابى سعيد- وقال ابو حنيفة ومحمد ان أحصر في الحرم يجب عليه الحلق وان أحصر في الحل فلا حلق لان الحلق لم يعرف عبادة الا في زمان او مكان كذا في الكافي- وفي الهداية ان الحلق عندهما ليس بواجب والتحلل انما يحصل بالذبح وعند ابى يوسف يجب الحلق لان النبي صلى الله عليه وسلم امر بذلك عام الحديبية وان لم يفعل لا شىء عليه والتحلل يحصل بالذبح فقط وقال مالك التحلل يحصل بالاحصار والذبح ليس بواجب عليه والحجة عليه هذه الاية- احتج مالك بحديث جابر نحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية سبعين بدنة كل بدنة عن سبعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشترك النفر في الهدى- رواه الدارقطني فان هذا الحديث مع ما رواه الشيخان عن جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم احرم بالعمرة سنة ست ومعه الف واربعمائة يدل على ان الهدى لا يجب على كل محصر والتحلل يحصل بمجرد النية دون الذبح لان سبعين بدنة لا يكفى الا لما دون خمسائة فبقى باقى الناس من لا هدى لهم قلت لعل باقى الناس ذبحوا غنما على ان هذا استدلال بحديث الآحاد في مقابلة القطعي من الكتاب فلا يقبل- والخلافية الثالثة ان المحرم بالعمرة او بالحج النافلة إذا أحصر وحل بالذبح هل يجب عليه القضاء فقال مالك والشافعي واحمد لا يجب عليه القضاء وقال ابو حنيفة يجب عليه

ان حلّ من حج حج وعمرة- ومن عمرة عمرة ومن قران حج وعمرتان قضاء لما فات- قال البيضاوي- اقتصاره سبحانه تعالى في الاية على الهدى دليل على عدم القضاء- وقال ابن الجوزي ان النبي صلى الله عليه وسلم احرم بالعمرة سنة ست ومعه الف واربعمائة كذا في الصحيحين ثم عاد في السنة الاخرى ومعه جمع يسير فلو وجب عليهم القضاء لنبههم على ذلك- وقد سبق الى ذلك القول الشافعىّ حيث قال قد علمنا في متواطى أحاديثهم إذا اعتمر عمرة القضاء تخلف بعضهم من غير ضرورة ولو لزمهم القضاء لامرهم- فان قيل لو لم يكن القضاء واجبا فلم سميت عمرة القضاء أجيب بانه انما سميت عمرة القضاء والقضية للمقاضات التي وقعت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش- روى الواقدي عن ابن عمر قال لم يكن هذه العمرة قضاء ولكن كان على شرط قريش ان يعتمر المسلمون من قابل في الشهر الذي صدوا فيه- لنا ان الأداء واجب بعد الشروع بالإجماع لقوله تعالى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ولا حاجة في وجوب القضاء الى نص جديد وقوله تعالى فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ لا يدل الا على رخصة التحلل بعذر الإحصار لا على سقوط القضاء فلا يسقط وما احتجوا به فجوابه من وجهين أحدهما انه لا نسلم انه عاد معه في السنة الاخرى جمع يسير- ولا نسلم انه لم يأمرهم بالقضاء- وقد روى الواقدي في المغازي عن جماعة من مشائخه قالوا لما دخل «1» ذو القعدة سنة سبع امر النبي صلى الله عليه وسلم ان يعتمروا قضاء لعمرتهم التي صدوا عنها ولا يتخلف ممن شهد الحديبية فلم يتخلف الا من قتل بخيبر أو مات وخرج معه ناس ممن لم يشهد الحديبية وكان عدد من معه من المسلمين الفين - وخبر الواقدي في المغازي مقبول إذا لم يخالف الاخبار الصحيحة- ثانيهما ان جزم الشافعي بان جماعة تخلفوا بغير عذر انما هو مبنى على زعم الراوي وشهادته على نفى العذر غير مقبول فمن تخلف عن الخروج لعله كان له عذر وانهم قضوا عمرتهم بعد ذلك ولنا ايضا حديث حجاج بن عمر الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرج او كسر فقد حل وعليه الحج من قابل والله اعلم فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ ايها المحرمون مَرِيضاً بحيث يحوجه المرض الى الحلق أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ كجراحة او قمل فحلق فَفِدْيَةٌ اى فالواجب عليه فدية وكذلك الحكم على من تطيب او لبس المخيط بعذر قياسا على الحلق مِنْ صِيامٍ ثلثة ايام لانه ادنى الجمع ولا يشترط فيها التتابع لاطلاق النص

_ (1) فى الأصل ذى القعدة

أَوْ صَدَقَةٍ وهذا مجمل لحقه البيان من السنة روى البخاري عن كعب بن عجرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم راه وقمله تسقط على وجهه فقال أيؤذيك هوامّك قال نعم فامره رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يحلق وهو بالحديبية لم يتبين لهم انهم يحلون بها وهم على طمع ان يدخلوا مكة فانزل الله الفدية فامره رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يطعم فرقا بين ستة مساكين او يهدى شاة او يصوم ثلثة ايام قلت والفرق ثلثة أصوع أَوْ نُسُكٍ جمع نسيكة اى ذبيحة أعلاها بدنة أوسطها بقرة أدناها شاة- وقوله من صيام بيان للفدية وكل هدى يلزم المحرم يذبح بمكة بالإجماع الا ما مر الخلاف في دم الإحصار فَإِذا أَمِنْتُمْ من الإحصار بان زال خوفكم من العدو او كنتم مرضى فبرئتم منه وأنتم ما أحللتم من إحرامكم او كنتم في سعة وأمن من الأصل فَمَنْ تَمَتَّعَ اى انتفع بالتقرب الى الله تعالى بِالْعُمْرَةِ فى أشهر الحج منضما إِلَى الْحَجِّ من تلك السنة فحينئذ يشتمل نظم القران التمتع والقران وقيل معناه من استمتع بعد التحلل من عمرته باستباحة محظورات الإحرام الى ان يحرم بالحج وحينئذ لا يشتمل القران وعلى هذا التأويل لا معنى للباء في قوله تعالى بالعمرة فان الاستمتاع حصل بالارتفاق بمحظورات الإحرام لا بالعمرة فالتأويل الاول اولى لفظا من أجل الباء ومعنى حيث يجب الهدى على القارن ايضا بالإجماع فَمَا اسْتَيْسَرَ يعنى فالواجب عليه شكر النعمة التمتع ما استيسر مِنَ الْهَدْيِ أدناه شاة هذا مذهب ابى حنيفة واحمد رحمهما الله فيجوز له أكله لانه دم شكر وقال الشافعي هو دم جبر لا يجوز للناسك الاكل منه- ولنا على جواز الاكل أحاديث منها حديث جابر الطويل قال فيه ثم امر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فاكلا يعنى النبي صلى الله عليه وسلم وعلىّ من لحمها وشربا من مرقها وجه الاحتجاج انه صلى الله عليه وسلم كان قارنا ولما امر ان يجعل من كل بدنة ببضعة فاكل منها ثبت الاكل من هدى القران والتطوع بل ثبت استحباب الاكل والا لما امر ببضعة كل منها واستدل ابن الجوزي في الباب بما روى عبد الرحمن بن ابى حاتم في سننة من حديث على قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم يهدى التمتع ان أتصدق بلحومها سوى ما نأكل وهذا اصرح في الدلالة احتج الشافعي على حرمة الاكل من مطلق الهدايا الواجبة بحديث ناجية الخزاعي وكان صاحب بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قلت يا رسول الله كيف اصنع بها عطب من البدن قال انحره واغمس نعله في دمه واضرب صفحه وخل بين الناس وبينه فليأكلوه- رواه مالك واحمد والترمذي

وابن ماجة وقال الترمذي حديث صحيح وفي رواية الواقدي ولا نأكل أنت ولا أحد من رفقتك منه شيئا دخل بينه وبين الناس- وكذا حديث ابن عباس قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة عشر بدنة مع رجل وامره «1» الحديث- وفيه ولا تأكل منها أنت ولا أحد من رفقتك- رواه مسلم وكذا حديث ذويب مثله رواه مسلم قلت لا مساس لهذه الأحاديث بالقران والتمتع لانه ليس شىء منها في حجة الوداع بل هى اما قصة الحديبية او غير ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحج بعدا هجرة سوى حجة الوداع فكيف يكون ذلك هدى تمتع بل هى هدى تطوع البتة ونحن نقول انه لا يجوز الاكل من هدى التطوع إذا عطب وذبحت فى الطريق والله اعلم ولا يجوز تقديم ذبح هدى التمتع قبل يوم النحر عنه ابى حنيفة والشافعي واحمد بل يجب ان بذبح بعد الرمي- وقال بعض اهل العلم يجوز قبل يوم النحر- لنا حديث حفصة قالت ما يمنعك يا رسول الله ان تحل معنا قال انى أهديت ولبدت ولا أحل حتى أنحر هديى- وقوله صلى الله عليه وسلم لولا انى سقت الهدى لا حللت- وقد مر الحديثان «2» - ولو كان ذبح هدى القران جائزا قبل يوم النحر لما صح اعتذاره عن عدم التحلل لسوق الهدى- والله اعلم فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الهدى فَصِيامُ يعنى فالواجب عليه صيام ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ يعنى في إحرام الحج أخرها يوم عرفة ولو صام قبل ذلك في الإحرام جاز اجماعا ولا يجوز بعد ذلك لعدم الإحرام بعد ذلك على ان الصوم يوم النحر وايام التشريق حرام فلا يتادى به الواجب في الصحيحين عن عمر بن الخطاب قال هذان يومان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما يوم فطركم من صيامكم واليوم الاخر تأكلون فيه من نسككم- متفق عليه وكذا في المتفق عليه من حديث ابى سعيد وحديث ابى هريرة وغيرهم- وعن عمرو بن العاص انه قال لابنه في ايام التشريق انها الأيام التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صومهن وامر بفطرهن رواه ابو داود وابن المنذر وصححه ابن خزيمة والحاكم- وروى مسلم عن كعب بن مالك مرفوعا ايام منى ايام أكل وشرب- وكذا عند مسلم عن بنشة الهذلي وحديث بشر بن سحيم مثله رواه النسائي بسند صحيح وحديث عقبة بن عامر رواه اصحاب السنن والحاكم وابن حبان بسند صحيح- وعند البزار عن عبد الله بن عمر مرفوعا ايام التشريق ايام أكل وشرب وصلوة فلا يصومها أحد- وفي الباب أحاديث كثيرة غيرها وقال مالك والشافعي واحمد المتمتع ان لم يجد الهدى ولم يصم قبل يوم النحر جاز له ان يصوم في ايام التشريق واما في يوم النحر فلا

_ (1) فى الأصل امراة (2) فى الأصل الحديثين-

[سورة البقرة (2) : آية 197]

يجوز اجماعا لحديث ابن عمر وعائشة قالا لم يرخص في ايام التشريق ان يصمن الا لمن لم يجد الهدى رواه البخاري- وروى البخاري عن ابن عمر رض قال الصيام لمن تمتع بالعمرة الى الحج الى يوم عرفة فان لم يجد هديا ولم يصم صام ايام منى- قالوا هذا في حكم المرفوع- قلنا لا نسلم انه في حكم المرفوع ولعل ابن عمر وعائشة افتيا يجوز الصوم في ايام التشريق استنباطا من قوله تعالى ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ زعما منهما ان تلك الأيام ايضا من ايام الحج حيث يوجد بعض المناسك اعنى الرمي فيها- فان قيل ورد حديث ابن عمر عند الدارقطني بلفظ رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتمتع إذا لم يجد الهدى ان يصوم ايام التشريق- وروى الطحاوي عن عائشة- وابن عمر نحوه قلنا في حديث ابن عمر يحيى بن سلام ليس بالقوى ضعفه الدارقطني والطحاوي- وايضا فيه ابن ابى ليلى طعن الطحاوي فيه بفساد الحفظ وحديث عائشة ايضا ضعيف فكيف يصادم أحاديث النهى قال الطحاوي قد توارت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم انه صلى الله عليه وسلم نهى عن الصيام وهو مقيم بمنى والحاج مقيمون بها وفيهم المتمتعون- قلت بل كانوا كلهم متمتعين او قارنين فانه امر صلى الله عليه وسلم بفسخ الحج الى العمرة في تلك السنة ثم بالإحرام يوم التروية فائدة وتأويل الاية على قول مالك والشافعي واحمد صيام ثلثة ايام في اركان الحج او ايام الحج قلت وهذا التأويل لا يصح فان اركان الحج لا يتصور ظرفا للصيام وايام الحج قد انتهت بعرفة كما سيجيئ ان المراد به بقوله تعالى. الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ شهران وتسعة ايام او عشرة ليال الى طلوع الصبح يوم النحر وايضا قوله تعالى فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ يستلزم ان لا يكون ايام التشريق فى الحج فانها ايام كل وشرب ورفث يعنى جماع ويجوز فيه الصيد وغير ذلك والله اعلم ومن قدر على الهدى في خلال الصوم او بعده قبل الحلق يجب عليه الذبح خلافا لمالك والشافعي واحمد لنا انه قدر على الأصل قبل تادى الحكم بالخلف فصار كمن وجد الماء وهو يصلى بالتيمم وان وجد المهدى بعد الحلق وقد صام ثلثة ايام لا يجب الهدى عليه اتفاقا كمن وجد الماء بعد الصلاة بالتيمم- وان فاتت صوم الثلاثة في الحج تعين الدم- وقال مالك والشافعي يقضى تلك الثلاثة بعد الحج بناء على انه قضاء بمثل معقول- وقلنا ان الصوم بدل من الهدى والابدال لا ينصب الا شرعا

ولا يتصور الصوم ان يكون بدلا عن الهدى الا بخصوصيات منصوصة والله اعلم وَصيام سَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ اى فرغتم من اعمال الحج عند ابى حنيفة رحمه الله واحمد رحمه الله- وقال مالك وهو قول للشافعى اى خرجتم من مكة قاصدين أوطانكم والمشهور من مذهب الشافعي وهو رواية عن احمد إذا رجعتم الى أهلكم اى وصلتم الى أوطانكم- قال الشافعي الرجوع هو الرجوع الى اهله فلا يجوز قبل ذلك وقال مالك إذا خرج من مكة الى اهله صدق انه رجع فجاز له الصيام قبل الوصول الى الأهل وقال ابو حنيفة الرجوع هو الفراغ من الحج الم تر انه من توطن بمكة بعد الحج او لم يكن له وطن جاز له الصيام بمكة اجماعا فكذا من كان له وطن غير مكة لئلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز والله اعلم تِلْكَ عَشَرَةٌ ذكره على سبيل التأكيد لئلا يتوهم ان الواو بمعنى او وان يعلم العدد جملة كما علم تفصيلا فان اكثر العرب لم يكونوا يحسنون الحساب كامِلَةٌ صفة مؤكدة- مفيد المبالغة في محافظة العدد ذلِكَ اى التمتع جائر لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فلا يجوز التمتع للمكى كذا قال ابو حنيفة رحمة الله وعند مالك والشافعي واحمد يجوز للمكى التمتع ايضا لكن لا يجب عليه الهدى قالوا المشار اليه بذلك الحكم بوجوب الهدى لنا ان اللام في قوله تعالى لِمَنْ لَمْ يَكُنْ وليل على تأويلنا لان اللام يستعمل فيما يجوز لنا ان نفعله ولذا قلنا في تقديره جاز ولو كان المشار اليه وجوب الهدى كان تقديره يجب فكان المناسب حينئذ كلمة على وما ذكرنا من التأويل مروى عن عمر بن الخطاب وابنه وابن عباس رضى الله عنهم روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر انه سئل عن متعة الحج فقال ان الله أنزله في كتابه وسنة نبيه واباحه للناس غير اهل مكة قال الله تعالى ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ- وقال ابن همام صح عن عمر انه قال ليس لاهل مكة تمتع ولا قران- والمراد ب حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ عند ابى حنيفة رحمه الله ان يكون دون الميقات وبه قال عكرمة وقال الشافعي كل من كان وطنه من مكة على اقل من مسافة السفر- وقال طاؤس وطائفة هم اهل الحرم لان المسجد غير مراد اجماعا فالمراد به الحرم كما في قوله تعالى هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ وقوله تعالى الْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ- وقال مالك

المراد به اهل مكة بعينها- وبه قال نافع والأعرج واختاره الطحاوي من الحنفية والله اعلم فان تمتع المكي يجب عليه عند ابى حنيفة دم جبر لارتكابه المحظور وهذا لدم لا يقوم الصوم مقامه ولا يجوز المناسك الاكل منه وقال الشافعي وغيره لا يجب عليه شىء وَاتَّقُوا اللَّهَ فى أوامره ونواهيه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (196) اعلم ان الله سبحانه ذكر في هذه الاية من المناسك الحجّ والعمرة وذكر أداء كل منهما مفردا وأوجب إتمامهما ثم ذكر أداءهما مجتمعا وهو التمتع- ثم ثبت بالسنة ان الجمع على وجهين- أحدهما ان يحرم بهما جميعا ويحل منهما جميعا وهو القران- ثانيهما ان يحرم بالعمر ولا ثم يحل بعد أداء العمرة ويسكن بمكة حلالا وذلك إذا لم يسق الهدى ثم يحرم يوم التروية للحج من مكة مفردا ويحل يوم النحر- ويسمى هذا عند الفقهاء تمتعا وكل ذلك جائز اجماعا لا خلاف فيه- انما الخلاف في انه ايها أفضل- وفي ان النبي صلى الله عليه وسلم هل كان فارنا في حجة الوداع او متمتعا او مفردا- وفي ان القارن هل يكفيه طواف واحد وسعى واحد للحج والعمرة جميعا كما قال به الجمهور او لا بد له من طوافين «1» وسعيين كما قال به ابو حنيفة وهذه أبحاث طويلة ذكرناها في منار الاحكام والتحقيق انه صلى الله عليه وسلم كان قارنا وان القران أفضل من التمتع ان ساق الهدى- والتمتع أفضل ان لم يسق الهدى وكل منهما أفضل من الافراد- وانه صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة طاف وسعى بين الصفا والمروة ثم لم يقرب الكعبة بطوافه بها حتى رجع من عرفة رواه البخاري قلت وذلك الطواف والسعى كان لعمرته وكفاه عن طواف القدوم لحجه- وكان ذلك الطواف والسعى ماشيا- كما هو مصرح في حديث حبيبة بنت ابى تجراه وابن عمر وجابر عند مسلم وغيره ثم انه صلى الله عليه وسلم سعى بين الصفا والمروة ثانيا بعد طواف الزيارة كما يدل عليه حديث جابر قال طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس وليشرف وليسئلوه رواه مسلم- وفي رواية طاف في حجة الوداع على راحلته يستلم الركن بمحجنه الحديث- هذا ما حصل لى بعد جمع الروايات المختلفة والله اعلم الْحَجُّ اى وقت الحج بل وقت إحرام الحج فان وقت اركان الحج انما هو يوم عرفة ويوم النحر لا غير أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ اخرج الطبراني عن ابى امامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم شوال وذو القعدة وذو الحجة- قلت المراد شوال وذو القعدة

_ (1) فى الأصل طوافين

وتسع من ذى الحجة الى طلوع الفجر من يوم النحر- ويروى عن ابن عمر شوال وذو القعدة وعشر من ذى الحجة قال البغوي كل واحد من اللفظين صحيح والمال واحد غير مختلف فيه فمن قال عشر عبر عن الليالى ومن قال تسع عبر عن الأيام- وانما قال اشهد بلفظ الجمع لانها وقت والعرب تسمى الوقت تاما بقليله وكثيره- قال الله تعالى- سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا وانما اسرى في بعض الليل- وهذا هو محمل لما روى عن عمر انه قال شوال وذو القعدة وذو الحجة- وقال عروة بن الزبير وغيره أراد بالأشهر شوالا وذا القعدة وذا الحجة كملا لانه يبقى على الحاج امور بعد عرفة يجب عليه فعلها مثل الذبح والرمي والحلق وطواف الزيارة والمبيت بمنى ورمى الجمار في ايام التشريق فكانت في حكم الحج- قلت هذه الافعال كلها ينتهى الى ثالث عشر من ذى الحجة فكيف يعد ذو الحجة بهذا التوجيه كاملا- وقال البيضاوي وذو الحجة كله من أشهر الحج بناء على ان المراد بالوقت عنده ما لا يحسن فيه غيره من المناسك وقال فان مالكا يكره العمرة في بقية ذى الحجة- قلت وهذا غير مستقيم فان العمرة في أشهر الحج للافاقى غير مكروه اجماعا- وقد اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم اربع عمر كلها في ذى القعدة وكذا للمكى عند مالك والشافعي فان التمتع للمكى عندهما جائز كما ذكرنا- وهذه الاية حجة للشافعى حيث قال لا يجوز إحرام الحج قبل الأشهر وان احرم انعقد الإحرام للعمرة- وقال داود- من احرم للحج قبل الأشهر لغى ولا ينعقد أصلا- وقال ابو حنيفة ومالك واحمد ان احرم قبل الأشهر للحج انعقد لكنه يكره- وجه قول ابى حنيفة ومن معه ان الإحرام شرط للحج ليس بركن ومن ثم جاز الإحرام مبهما ثم صرفه الى ما شاء من حج او عمرة او قران يدل عليه حديث انس بن مالك قال قدم علىّ على النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن فقال بما أهللت فقال بما اهل به النبي صلى الله عليه وسلم- وحديث ابى موسى قال أهللت كاهلال النبي صلى الله عليه وسلم- والحديثان في الصحيحين- وإذا ثبت انه شرط جاز تقديمه على الوقت كالوضوء للصلوة لكن فيه شبه بالأركان فاذا أعتق العبد بعد ما احرم قبل يوم عرفة لا ينادى فرضه- ولذا قلنا بالكراهة وإذا سمعت ان وقت إحرام الحج أشهر معلومات لا وقت الأركان فان وقت أركانه يومان فحسب فحينئذ الظاهر قول الشافعي فان الإحرام وان كان شرطا

للحج لا ركنا له والشرط وان جاز تقديمه على وقت المشروط لكن لا يجوز تقديمه على وقت نفسه- كما ان العشاء شرط لاداء الوتر فمن ادى العشاء قبل غروب الشفق لا يجوز وتره لا لانه ادى العشاء قبل وقت الوتر بل لانه ادلها قبل وقت نفسها والله اعلم فَمَنْ فَرَضَ اى أوجب على نفسه فِيهِنَّ الْحَجَّ يعنى احرم بالحج اختلفوا في ان الإحرام ما هو- فقال مالك والشافعي واحمد انما هو النية بانقلب كما في الصوم ولا يشترط فيه التلبية- الا ان مالكا قال التلبية عند الإحرام واجب يلزم بتركه دم وهى رواية عن احمد والشافعي والمشهور عنهما ان التلبية سنة- وقال ابو حنيفة الإحرام هو التلبية مع النية كالتكبير في الصلاة وهى رواية عن الشافعي- لنا ان القياس بالصلوة أشبه منه بالصوم- وروى عن ابن عباس في تأويل هذه الاية انه قال فرض الحج الإهلال- وقال ابن عمر التلبية- وروى ابن ابى شيبة قول ابن مسعود كقول ابن عمر- ولنا قوله صلى الله عليه وسلم يهل اهل المدينة من ذى الحليفة الحديث- متفق عليه من حديث ابن عمر وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة من كان معه هدى فليهل بالحج مع العمرة امر بالإهلال وهو رفع الصوت بالتلبية والأمر للوجوب فهو حجة على من لم يقل بوجوبه- ثم انه صلى الله عليه وسلم عبّر الإحرام بالإهلال فظهران الإحرام هو التلبية- لكن يقول ابو حنيفة- من قلد بدنة وتوجه معها يريد الحج فقد احرم وان لم يلب- جعل الفعل مكان القول فان الذكر كما يحصل بالقول يحصل بالفعل الا ترى انه من سمع الاذان للصلوة فمشى الى الصلاة على الفور كان هذا المشيء مكان جواب الاذان فان اجابة الداعي بالفعل أقوى منه بالقول- وليس معنى التلبية الا الألباب والقيام الى الطاعة والله اعلم- واستدل صاحب الهداية على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم من قلد بدنة فقد احرم- وهذا الزبير قال ابن همام وقفه ابن ابى شيبة في مصنفه على ابن عباس وابن عمر قلت لا مساس لهذين الأثرين بالمدعى لانه كان مذهب ابن عباس وابن عمر انه من بعث الى مكة هديا وهو لا يريد الحج فهو إذا قلد هديا يحرم عليه ما يحرم على المحرم حتى ينحر هديه بمكة وهو المراد بقول ابن عباس وابن عمر من قلد هديا فقد احرم وكذا روى عن غيرهما من الصحابة ثم انعقد الإجماع على خلاف ذلك- روى البخاري في صحيحه ان زياد بن ابى سفيان كتب الى عائشة ان عبد الله بن عباس قال من اهدى هديا حرم عليه

ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه- فقالت عائشة ليس كما قال ابن عباس انا قتلت قلائد هدى النبي صلى الله عليه وسلم بيدي ثم فلذها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بعث بها مع ابى فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم شىء أحل الله له- قال الحافظ كان ذلك سنة تسع فلا يظن ظان انه كان أول الإسلام ثم نسخ فَلا رَفَثَ تقى بمعنى النهى يعنى فلا ترفثوا والرفث هو الجماع- وقال الزجاج هى كلمة جامعة لكل ما يريد الرجال من النساء- وقيل الرفث الفحش والقول القبيح قلت وذلك حرام ابدا لا وجه لتعليقه بالإحرام وَلا فُسُوقَ قال ابن عمر هو ما نهى عنه المحرم يعنى لا تركبوا محرمات الإحرام وهى ستة أشياء اجماعا- منها الرفث يعنى الوطي ودواعيه أفرده الله تعالى بالذكر لشدة امره فان الجماع يفسد الحج والعمرة اجماعا بخلاف غيره من المحظورات حيث يلزم بها الدم لكن إذا كان الجماع بعد الوقوف بعرفة ففى إفساده الحج خلاف ولا خلاف في حرمته- ومنها قتل صيد البر والاشارة اليه والدلالة عليه قال الله تعالى لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ... - وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً- وسيجيئ البحث عنه في سورة المائدة ان شاء الله تعالى ومنها ازالة الشعر والظفر قال الله وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ- وقتل القمل المتولد من الوسخ ملحق بالشعر- ومنها استعمال الطيب في الثوب او البدن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تلبسوا شيئا مسّه زعفران او ورس- متفق عليه عن ابن عمر- وهذه الأشياء عامة حرمتها للرجال «1» والنساء- ومنها ما اختص بالرجال وهو أمران لبس المخيط والخفين الا انه من لم يجد النعلين فيلبس الخفين ومن لم يجد الإزار فيلبس السراويل كذا في المتفق عليه من حديث ابن عباس وعن جابر نحوه وتغطية الرأس واما تغطية الوجه فيعم الرجال والنساء عند ابى حنيفة ومالك رحمهما الله وقال الشافعي واحمد بل يختص بالنساء لقول ابن عمر إحرام الرجل في راسه وإحرام المرأة في وجهها- رواه الدارقطني والبيهقي وقد روى مرفوعا ولا يصح ولحديث عثمان ابن عفان كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخمر وجهه وهو محرم رواه الدارقطني وقال الدارقطني الصواب انه موقوف- فى المؤطا عن الفراقصة انه راى عثمان بالعرج يغطى وجهه وهو محرم- ولنا حديث ابن عباس في قصة رجل- وقصته راحلته وهو محرم قال عليه الصلاة والسلام لا تخمروا رأسه ولا وجهه فانه يبعث يوم القيمة ملبيا- رواه مسلم والنسائي وابن ماجة والسابع ما اختلفوا في حرمتها في الإحرام وهو عقد النكاح فقال مالك والشافعي و

_ (1) فى الأصل الرجال

احمد لا يجوز للمحرم ان يعقد النكاح لنفسه او لغيره او يؤكل النكاح غيره- وان ارتكب لا ينعقد- لحديث عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المحرم لا ينكح ولا ينكح ولا يخطب- رواه مسلم وابو داود وغيرهما- وقال ابو حنيفة يجوز وينعقد لحديث ابن عباس قال تزوج النبي صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم وبنى بها وهو حلال وماتت بسرف- متفق عليه وأجاب الجمهور بانه اختلف الرواية في نكاح ميمونة روى مسلم في صحيحه عن يزيد بن الأصم قال حدثتنى ميمونة بنت الحارث ان رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال قال وكانت خالتى وخالة ابن عباس- قالوا وحديث ميمونة نفسها أرجح فانها كانت اعرف بحالها عن ابن عباس ولو تعارضت الرواية في نكاح ميمونة بقي حديث عثمان سالما عن المعارضة- على ان حديث عثمان قولى وقصة ميمونة فعل منه عليه السلام يحتمل التخصيص به صلى الله عليه وسلم وكان للنبى صلى الله عليه وسلم في باب النكاح خصوصيات لم يكن لغيره- وقال ابن عباس الفسوق «1» هو المعاصي كلها والظاهر هو الاول فان ذلك لا يختص بالحج قرا ابن كثير وابو عمر وبالرفع والتنوين بابطال عمل لا بالتكرار في فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ والباقون بالنصب من غير تنوين ونظيره في جواز الامرين لا حول ولا قوة الا بالله وَلا جِدالَ قرا ابو جعفر بالرفع والتنوين والباقون بالنصب- كان اهل الجاهلية يقفون مواقف مختلفة كلهم يزعم ان موقفه موقف ابراهيم ويتجادلون فيه فبعضهم يقف بعرفة وبعضهم بالمزدلفة- وكان بعضهم يحج في ذى القعدة وبعضهم في ذى الحجة- وكل يقول ما فعلته هو الصواب فقال الله تعالى وَلا جِدالَ اى استقر امر الحج على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا اختلاف فيه يعنى لا تختلفوا فيه- وقال مجاهد معناه ولا شك في الحج انه في ذى الحجة فابطل النسيء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الا ان الزمان استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض الحديث متفق عليه من حديث ابى بكرة فِي الْحَجِّ خبر لما قبله وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ فيجازيكم به حث على الخير بعد النهى عن الشر وَتَزَوَّدُوا روى البخاري وغيره عن ابن عباس قال كان اهل اليمن يحجون فلا يتزودون ويقولون نحن متوكلون فاذا قدموا مكة سالوا الناس- وقال البغوي انما يفضى حالهم الى النهب والغضب فانزل الله تعالى وتزوّدوا يعنى تزودوا ما تبلغون به وتكففون وجوهكم فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى

_ (1) اخرج الطبراني بسند لا بأس به عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الرفث التعرض النساء بالجماع والفسوق بالمعاصي والجدال جدال الرجل صاحبه عنه رحمه الله [.....]

[سورة البقرة (2) : آية 198]

اى ما يتقيكم عن السؤال والنهب ونحو ذلك وَاتَّقُونِ قرا ابو عمر وبإثبات الياء وصلا فقط والباقون بالحذف وصلا ووقفا يا أُولِي الْأَلْبابِ (317) فان اقتضاء اللب خشية الله القريب الغالب-. لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا تطلبوا فَضْلًا عطاء ورزقا مِنْ رَبِّكُمْ بالتجارة ونحو ذلك في سفر الحج روى البخاري عن ابن عباس قال ثلاث كانت اسواقا في الجاهلية عكّاظ- ومجنة- وذو المجاذ فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة فيها فانزل الله تعالى لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فى مواسم الحج قال البغوي كذا قرا ابن عباس واخرج احمد وابن ابى حاتم وابن جرير والحاكم وغيرهم من طرق عن ابى امامة التيمي قال قلت لابن عمر انا قوم نكرى في هذا الوجه يعنى الى مكة فيزعمون ان لا حج لنا فقال ألستم تحرمون كما يحرمون وتطوفون كما يطوفون وترمون كما يرمون قلت بلى قال أنت حاجّ جاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم فساله عن الذي سالتنى عنه فلم يجب بشىء حتى نزل جبرئيل بهذه الاية فَإِذا أَفَضْتُمْ دفعتم والافاضة دفع بكثرة مِنْ عَرَفاتٍ جمع عرفة جمعت بما حولها وسميت بها وهى بقعة واحدة- وانما سمى الموقف عرفات واليوم عرفة لانه نعت لابراهيم عليه السلام فلما أبصره عرفه أخرجه ابن جرير عن السدى- او لانه كان جبرئيل يدور به في المشاعر فلما أراه قال عرفت أخرجه ابن جرير عن ابن عباس وعلى- وذكر البغوي قال عطاء وذكر البغوي ايضا انه قال الضحاك ان آدم عليه السلام لما اهبط الى الأرض وقع بالهند وحواء بجدة فجعل كل واحد منهما يطلب صاحبه فاجتمعا بعرفات يوم عرفة فتعارفا- وقال السدى لمّا اذّن ابراهيم في الناس بالحج وأجابوه بالتلبية وأتاه من أتاه امره الله ان يخرج الى عرفات ونعتها له فخرج فلما بلغ الشجرة عند العقبة استقبله الشيطان يرده فرماه بسبع حصياة يكبر مع كل حصاة فطار فوقع على الجمرة الثانية فرماه وكبر قطار فوقع على الجمرة الثالثة فرماه وكبر فلما راى الشيطان انه لا يطيقه ذهب فانطلق ابراهيم حتى اتى ذا المجاز ثم انطلق حتى وقف بعرفات فعرفها بالنعت فسمى الوقت عرفة والموضع عرفات حتى إذا امسى ازدلف الى جمع فسمى المزدلفة- وروى عن ابى صالح عن ابن عباس ان ابراهيم راى ليلة التروية في منامه انه يؤمر بذبح ابنه فلما أصبح روّى يومه اجمع اى فكر أمن الله هذه الرؤيا أم من الشيطان فسمى اليوم يوم التروية ثم راى ذلك ليلة عرفة ثانيا

[سورة البقرة (2) : الآيات 199 إلى 200]

فلما أصبح عرف ان ذلك من الله فسمى عرفة فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وهو ما بين جبلى المزدلفة من مازمى عرفة الى محسر وليس المازمان ولا المحسر من المشعر- سمى مشعرا من الشعار وهو العلامة لانه من معالم الحج- واصل الحرام من المنع وهو في الحرم فهو ممنوع من ان يفعل فيه ما لم يؤذن فيه- وسمى المزدلفة جمعا لانه يجمع فيه بين صلوتى العشاء. وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة- ومزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر بالإجماع لقوله صلى الله عليه وسلم- عرفة كلها موقف وارتفعوا من بطن عرفة والمزدلفة كلها موقف وارتفعوا من بطن محسر- رواه الطبراني والطحاوي والحاكم من حديث ابن عباس مرفوعا وقال صحيح على شرط مسلم- ورواه البيهقي موقوفا ومرفوعا وفي الباب عن جابر وجبير بن مطعم وابى هريرة وابى رافع وفي إسنادها مقال ورواه مالك في المؤطا بلاغا وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ كما علمكم او كما هديكم هداية حسنة الى المناسك وغيره يعنى اذكروه بالتوحيد لا كما كان الكفار يذكرونه بالشرك وما مصدرية او كافة وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ اى قبل الهدى لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) اى من المشركين او الجاهلين بالايمان والطاعة وان مخففة واللام هى الفارقة- وقيل ان نافية واللام بمعنى الا مثل إِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ-. ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ- اخرج ابن جرير عن ابن عباس قال كانت العرب تقف بعرفة- وكانت قريش تقف دون ذلك بالمزدلفة فانزل الله- ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ- واخرج ابن المنذر عن اسماء بنت ابى بكر قالت كانت قريش تقف بالمزدلفة وتقف النّاس بعرفة الا شيبة بن ربيعة فانزل الله هذه الاية- قال البغوي كانت قريش وهم الحمس وحلفاوهم يتعظمون ان يقفوا مع سائر العرب بعرفات ويقولون نحن اهل الله ووطان حرمه فلا نخلف الحرم ولا نخرج منه- وسائر الناس يقفون بعرفات فاذا أفاض الناس من عرفات أفاض الحمس من المزدلفة فامرهم الله تعالى ان يقفوا بعرفات ويفيضوا منها الى جمع مع سائر الناس وأخبرهم انه سنة ابراهيم وإسماعيل- فالمراد بالناس على هذه الروايات العرب كلهم غير الحمس- وقال الضحاك الناس هاهنا ابراهيم عليه السلام وحده كقوله تعالى أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ وأراد به محمدا صلى الله عليه وسلم وحده وكذا في قوله تعالى قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ والمراد بالناس الاول نعيم بن مسعود الأشجعي- وقال الزهري الناس هاهنا آدم عليه السلام وحده دليله قراءة سعيد بن جبير ثمّ

أفيضوا من حيث أفاض النّاسى بالياء وهو آدم عليه السلام نسى عهد الله- وقيل معنى الاية ثمّ يعنى بعد افاضتكم من عرفات أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ يعنى من المزدلفة الى منى والاول قول اكثر المفسرين لكن يشكل على الاول لفظ ثم لانه مقدم على الوقوف بالمشعر الحرام فقيل ثم هاهنا بمعنى الواو- والاوجه ان كلمة ثم هاهنا لتفاوت ما بين الافاضتين رتبة فان الافاضة من عرفات فريضة ركن للحج اجماعا يفوت الحج بفواته بخلاف الوقوف بالمزدلفة فانه ليس بركن للحج اجماعا الا ما روى عن ليث وعلقمة فانهما قالا بركنيته- ونظيرها في القران فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا- فان مقتضى هذه الاية ان الايمان أعظم درجة من سائر الحسنات والله اعلم. ثم بعد ما اجمعوا على ان الوقوف بمزدلفة ليس بركن اختلفوا في انه واجب يجب بفواته الدم او سنة فقال الشافعي رحمه الله سنة وقال الجمهور واجب ثم القائلون بالوجوب اختلفوا في القدر الواجب منه فقال ابو حنيفة الوقوف بمزدلفة بعد طلوع الفجر من يوم النحر واجب- وقال مالك المبيت بمزدلفة ليلة النحر ولو ساعة واجب- وقال احمد المبيت ما بعد نصف الليل واجب وهذه الاية حجة للقائلين بالوجوب على الشافعي فان قوله تعالى فَإِذا «1» أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ- يدل بعبارته على وجوب الوقوف بمزدلفة وبإشارته على وجوب الوقوف بعرفات فان سوق الكلام للامر بالذكر عند المشعر الحرام والافاضة من عرفات شرط له فهذا اولى بالوجوب فان قيل الذكر غير واجب اجماعا فالامر بالذكر انما هو للاستحباب فكيف يحتج به في الخلافية وهو وجوب الوقوف بمزدلفة قلنا الذكر عبارة عن طرد الغفلة وذلك كما يحصل بالقول باللسان يحصل بالعمل بالجوارح ايضا قال صاحب الحصين كل مطيع لله ذاكر فالوقوف بمزدلفة بنية العبادة ذكر لا محالة وهو المامور به فهو واجب- ثم التلبية والدعاء وصلوة العشاءين والفجر لازم للوقوف وكل ذلك ذكر فيمكن ان يطلق اللازم ويراد به الملزوم كما في قوله تعالى فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ يعنى صلوا ما تيسر- ويؤيد مذهبنا من السنة حديث عروة بن مضرس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- من شهد صلاتنا هذه يعنى الفجر يوم النحر بمزدلفة ووقف معنا حتى ندفع ووقف بعرفة قبل ذلك ليلا او نهارا فقدتم حجه- رواه اصحاب السنن الاربعة وابن حبان والحاكم وقال

_ (1) فى الأصل إذا

صحيح على شوط كافة اهل الحديث- علق رسول الله صلى الله عليه وسلم تمام الحج به فهو دليل الوجوب- وروى النسائي الحديث المذكور بلفظ من أدرك جمعا مع الامام والناس حتى يفيضوا فقد أدرك الحج ومن لم يدرك مع الامام والناس فلم يدرك الحج- ولابى يعلى ومن لم يدرك جمعا فلا حج له- وهذا الحديث حجة لابى حنيفة في قوله الواجب الوقوف بعد الصبح- وايضا في هذه الاية احتجاج لابى حنيفة على وجوب الوقوف بعد الصبح لان الوقوف بمزدلفة مرتب على الوقوف بعرفات بمقتضى هذه الاية والإجماع انعقد على ان وقت الوقوف بعرفات الى اخر الليل فمن وقف بعرفة الى آخر ليلة النحر ولو ساعة فقد أدرك الحج فحينئذ لا بد ان يكون وقت الوقوف يجمع بعد الصبح- وحديث عبد الرحمن بن يعمر الديلمي قال رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا بعرفات فاقبل أناس من اهل نجد فسالوه عن الحج قال الحج يوم عرفة ومن أدرك جمعا قبل صلوة الصبح فقد أدرك الحج ايام منى ثلاثة ايام التشريق فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ- رواه الطحاوي وفي هذه الحديث حجة لمالك في وجوب المبيت بمزدلفة قبل الصبح لكن هذا الحديث رواه اصحاب السنن والحاكم والدارقطني والبيهقي بلفظ- الحج عرفة من جاء قبل صلوة الصبح من ليلة جمع فقد ثم حجه وهذا الفظ لا يدل على الوقوف بمزدلفة والحجة لاحمد على وجوب المبيت بمزدلفة انه صلى الله عليه وسلم بات بمزدلفة ووقف بعد صلوة الصبح وقال- خذوا عنى مناسككم- فكان مقتضى هذا الاستدلال ان يكون المبيت والوقوف بعد الصبح كلاهما واجبين لكن لما رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعفة اهله في الرواح من مزدلفة الى منى من اخر الليل ظهران الوقوف بعد الصبح غير واجب روى الشيخان في الصحيحين عن ابن عباس انا ممن قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضعفة اهله- وفي الصحيحين عن اسماء بنت ابى بكر ان النبي صلى الله عليه وسلم اذن للظعن يعنى في الرواح الى منى من الليل بعد غروب القمر- وفي الباب في الصحيحين عن ابن عمر وكذا في الصحيح عن أم حبيبة- قلنا الرخصة للضعفاء لا ينفى الوجوب عن الأقوياء- فان قيل مقتضى هذه الاية وجوب الوقوف بعرفة وكذا وجوب الوقوف بمزدلفة- وليس الوقوف بمزدلفة ركن فهم تقولون ان الوقوف بعرفة ركن قلنا بالإجماع على فوات الحج بفوات عرفة دون المزدلفة- وسند الإجماع قوله صلى الله عليه وسلم والحج عرفة- وحديث الآحاد يصلح سند الإجماع ولعل اهل الإجماع أخذوا ركنية عرفات من رسول الله صلى الله عليه وسلم والله اعلم واختلفوا في وقت

الوقوف بعرفة فقال احمد وقته من طلوع الفجر الثاني يوم عرفة- وقال ابو حنيفة والشافعي بعد الزوال يوم عرفة- وقال مالك أول وقته من غروب الشمس ليلة النحر الى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر اجماعا- احتج مالك بما مر من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلمي قوله صلى الله عليه وسلم من جاء قبل صلوة الصبح من ليلة جمع فقد تم حجه- ولاحمد حديث عروة بن مضرس وفيه واتى عرفات قبل ذلك ليلا او نهارا فقد تم حجه- ولابى حنيفة والشافعي حديث جابر عند مسلم وغيره انه صلى الله عليه وسلم ركب الى منى يوم التروية فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلا حتى طلعت «1» الشمس فامر بقبة من شعر فضرب له بنمرة فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل حتى إذا لاغت الشمس امر بالقصوى فرحلت له واتى بطن الوادي الحديث- ولو كان وقت الوقوف قبل الزوال لبادر اليه النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينزل فى قبته وأجيب بان ذلك يدل على الافضلية ولا يدل على انه من وقف قبل الزوال لا يجزيه- وكذا حديث سالم بن عبد الله ان عبد الله بن عمر جاء الى الحجاج يوم عرفة حين زالت الشمس وانا معه فقال الرواح ان كنت تريد السنة فقال هذه الساعة قال نعم- والله اعلم وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ على ما فعلتم في جاهليتكم إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ اى فرغتم من اركان الحج ومناسكها وذلك يوم النحر بعد رمى جمرة العقبة والذبح والحلق والطواف والسعى اعلم ان اركان الحج الإحرام والوقوف بعرفة وطواف الزيادة بالإجماع وقال الشافعي السعى والحلق ايضا وقد مر بحث السعى وسنذكر بحث الحلق في سورة الحج ان شاء الله تعالى فَاذْكُرُوا اللَّهَ بالتكبير والتحميد والثناء عليه كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ وذلك ان العرب كانوا إذا فرغوا من الحج وقفوا عند البيت فذكروا مفاخر ابائهم فامرهم الله تعالى بذكره فان الله تعالى مولى النعم إليهم والى ابائهم وهو خالقهم دون ابائهم فهو اولى بالذكر قال الله تعالى أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ- قال ابن عباس وعطاء معناه فَاذْكُرُوا اللَّهَ كذكر الصبيان الصغار الآباء- قلت وعلى هذا كان ذكر الأمهات اولى من الآباء أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً يعنى بل أشد ذكرا- وأشد اما مجرور معطوف على الذكر يعنى واذكروا الله ذكرا كذكركم او كذكر أشد منه ذاكرية- او على ما أضيف اليه يعنى كذكر قوم أشد منكم ذاكرية- واما منصوب بالعطف على ابائكم فحينئذ

_ (1) فى الأصل طلع الشمس

[سورة البقرة (2) : آية 201]

ذكرا مصدر بمعنى المفعول يعنى- او كذكركم أشد مذكورية من ابائكم- او التقدير كونوا أشد ذكرا لله منكم لابائكم فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ يعنى من كان طمعه الدنيا فقط وهم المشركون المنكرون للبعث يقولون رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حذف المفعول الثاني ايماء على التعميم يعنى اتنا في الدنيا كل شىء او كل ما تعطيناه آتناه في الدنيا- كان المشركون لا يسئلون في الحج الا الدنيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (200) من نصيب. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً التنكير للتعظيم يعنى حسنة عظيمة هو اخلاص العمل لله والعافية ويحتمل ان يراد به جنس الحسنة عموما والنكرة في الإثبات قد تعم بمصاعدة المقام والقرينة كما في قوله صلى الله عليه وسلم تمرة خير من جرادة يعنى كل تمرة خير من كل جرادة- فاعطاء التمرة في جزاء قتل الجرادة يكفى للمحرم فهذه الاية نظير ما ورد في السنة اللهم انى أسئلك من الخير كله عاجله واجله ما علمت منه وما لم اعلم وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وهى رضوان الله تعالى او كل شىء من نعماء الاخرة وَقِنا عَذابَ النَّارِ (201) بالعفو والمغفرة روى البغوي بسنده عن انس رضى الله عنه قال راى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا قد صار مثل الفرخ فقال هل كنت تدعو الله بشىء او تسئله إياه قال يا رسول الله كنت أقول اللهم ما كنت معاقبى به في الاخرة فعجله لى في الدنيا فقال سبحان الله لا تستطيعه او لا تطيقه هلا قلت رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ وعنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر ان يقول رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ- متفق عليه وعن عبد الله بن السائب انه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما بين ركن بنى جمح والركن الأسود رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ- رواه ابو داود والنسائي وابن حبان والحاكم وابن ابى شيبة- وروى ابو الحسن بن الضحاك عن انس رضى الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لو دعا بمائة مرة يفتح بها ويختم بها رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ ولو دعا بدعوتين لجعلها أحدهما- وروى تقى بن مخلد عنه قال- كان في أول دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي وسطه وفي آخره اللهم اتنا في الدّنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النّار. أُولئِكَ اشارة الى القريق الثاني وقيل إليهما لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا سمى الدعاء كسبا لانه من الأعمال

[سورة البقرة (2) : آية 203]

وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (202) قال الحسن اسرع من لمح البصر وقيل معناه إتيان القيامة قريب فاطلبوا الاخرة-. وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ وهى ايام التشريق سميت معدودات لقلتهن كذا روى عن ابن عباس وغيره ويدل على ذلك قوله تعالى فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ من ايام التشريق يعنى استعجل في النفر ونفر في ثانى ايام التشريق- اتفقوا على انه من لم ينفر ودخل عليه الثالث من ايام التشريق وجب عليه رمى ذلك اليوم واختلفوا في انه هل يعتبر دخول الليلة الثالثة من ليالى ايام التشريق او الثالث من أيامها فقال الجمهور المعتبر دخول الليل فمن اقام بمنى حتى دخلت الليلة الثالثة لا يحل له النفر حتى يرمى الجمار في اليوم الثالث- وقال ابو حنيفة لا يجب ذلك حتى يصبح بمنى وله ان ينفر من الليل وإذا طلع الفجر لزمه الرمي- قال ابو حنيفة وقت الرمي انما هو النهار فمن نفر من الليل كان كمن سافر قبل وقت الجمعة- وقال غيره الليل وان لم يكن وقت المرمى فهو وقت للمبيت والمبيت بمنى واجب فبعد دخول الليل وجب المبيت فلا يحل النفر- والله اعلم فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فانه أخذ بالرخصة وَمَنْ تَأَخَّرَ فى النفر حتى يرمى اليوم الثالث فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وهو اولى وأفضل وفيه رد على اهل الجاهلية كان منهم من اثم المتعجل ومنهم من اثم المتأخر لِمَنِ اتَّقى اى هذه الاحكام لمن اتقى فانه هو المنتفع به- وقيل لمن اتقى ان يصيب في حجه شيئا مما نهاه الله عنه رجع مغفورا لا ذنب عليه سواء تعجل في النفر او تأخر قال البغوي هذا قول على وابن مسعود رضى الله عنهما- ويؤيده من المرفوع قوله صلى الله عليه وسلم من حج لله ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته امه- متفق عليه من حديث ابى هريرة وعنه في الصحيحين مرفوعا الحج المبرور ليس له جزاء الا الجنة- وعن ابن مسعود قال- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب كما ينفى الكبير خبث الحديد رواه الشافعي والترمذي وعن عمر ونحوه رواه احمد اعلم ان المقام بمنى ايام التشريق والمبيت بها في لياليها وكذا الرمي ليس بركن اجماعا لقوله تعالى فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ فان الترتيب والتعقيب يدل على المغائرة- واختلفوا فى وجوبها فقال احمد المبيت والرمي كلاهما واجبان- وقال مالك المقام والمبيت واجب والرمي سنة مؤكدة- وقال ابو حنيفة بالعكس وهو رواية عن احمد- وللشافعى قولان أحدهما كاحمد والثاني كابى حنيفة- وقال بعضهم انما شرع الرمي حفظا للتكبير فان ترك وكبر أجزأه حكاه ابن جرير

عن عائشة وغيرها وهذا المذهب يوافق ظاهر الاية لكنه خلاف ما استقر عليه الإجماع احتج احمد بهذه الاية وقال هذه الاية يحتمل إيجاب الامرين وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم التحق بيانا لاجمالها وقد قال عليه السلام خذوا عنى مناسككم- وقال ابو حنيفة- المقصود بالمقام والمبيت هو الرمي بدليل ما رواه البخاري عن ابن مسعود انه رمى من بطن الوادي فقيل له ان نا ساير مونها من فوقها فقال والذي لا الله غيره هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة فان هذا القول اشارة الى ان هذه الاية في الرمي لا غير- وما رواه عاصم بن عدى قال- أرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في البيتوتة بمنى يرمون يوم النحر ثم- يرمون الغدو من بعد الغد ثم يرمون يوم النفر- رواه مالك وغيره وفي النسائي رخص للرعاء فى البيتوتة يرمون يوم النحر واليومين الذين بعده يجمعونهما في أحدهما- قال مالك تفسير الحديث انهم يرمون يوم النحر فاذا مضى اليوم الذي يلى يوم النحر رموا من الغد وذلك اليوم النفر الاول يرمون اليوم الذي مضى قضاء ثم يرمون ليومهم وجه الاحتجاج ان إيجاب قضاء الرمي دون المبيت دليل على وجوب الرمي مقصودا وعدم وجوب المبيت الا تبعا للرمى- قال احمد الترخيص في المبيت للرعاء للضرورة لا يدل على عدم الوجوب مطلقا بل يدل على الوجوب فان الرخصة لا يكون الا فيما هو واجب- والحجة لمالك انه قد روى عن عمر وابنه انهما كانا يكبران تلك الأيام خلف الصلوات وفي المجالس وعلى الفراش والفسطاط وفي الطريق ويكبر الناس بتكبيرهما ويتاولان هذه الاية- وجه الاحتجاج ان الذكر في ايام التشريق مطلقا سواء كان بمنى او غيره ليس بواجب اجماعا بل هو مقيد بمنى يدل عليه قوله تعالى فَمَنْ تَعَجَّلَ يعنى في النفر الاية ولا شك ان المقام هناك بنية التقرب ذكر وانضمام الذكر اللساني اولى وأفضل فمحمل الاية هو المقام بمنى دون الرمي قلنا هذا لا ينافى ان يكون محمل الاية كلا الامرين المقام والرمي كما لا يخفى والله اعلم واعلم انه ثبت بالسنة وهو بيان لا جمال الاية ان الرمي يوم النحر في جمرة العقبة بسبع حصيات ووقته من طلوع الفجر يوم النحر عند ابى حنيفة ومالك- ومما بعد نصف الليل من ليلة النحر عند احمد والشافعي- ومن طلوع الشمس يوم النحر عند مجاهد والحجة لمجاهد حديث ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدّم ضعفة اهله وقال لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس- رواه الترمذي وقال هذا حديث صحيح- قلنا هذا محمول على الاستحباب ويدل على الجواز بعد الصبح قبل طلوع الشمس ما رواه الطحاوي بأسانيده عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه مع النقل وقال لا ترموا

الجمرة حتى تصبحوا «1» - وهو حجة لنا على الشافعي واحمد في عدم جواز الرمي قبل الصبح- وما احتج به الشافعي واحمد من حديث عائشة قالت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فافاضت- رواه الدارقطني حديث ضعيف في سنده لا ضحاك بن عثمان لينه القطان ثم هو محمول على انها «2» رمت قبل صلوة الفجر لا قبل طلوع الفجر فهو حجة لنا على مجاهد- واخر وقته عند ابى يوسف الى الزوال لانه صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة- يوم النحر ضحوة- وعند الجمهور الى الغروب لحديث ابن عباس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يسئل يوم النحر بمنى فيقول لا حرج- فساله رجل فقال حلقت قبل ان اذبح قال اذبح ولا حرج- قال رميت بعد ما أمسيت فقال لا حرج- رواه البخاري وغيره ومعنى قوله بعد ما أمسيت اى بعد الزوال إذ المساء يطلق على بعد الزوال وليس المراد بعد الغروب لان يوم النحر يطلق قبل الغروب لا بعده وفي بعض طرق الحديث صريح ان السؤال كان وقت الظهر- واخر وقته المكروه الى طلوع الفجر من اليوم الحادي عشر لان النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاء ان يرموا ليلا رواه ابن ابى شيبة عن ابن عباس وهذا يدل على الجواز للمعذور وعلى الكراهة لغير المعذور والرمي فى ايام التشريق في ثلثة جمار الجمرة الدنيا والجمرة الوسطى والجمرة العقبة يرمى عند كل جمرة بسبع حصيات وأول وقتها في أول ايام التشريق يعنى يوم القرار «3» وثانيها يعنى يوم النفر الاول بعد الزوال اجماعا لما في حديث جابر وغيره- ثم لم يرم النبي صلى الله عليه وسلم حتى زالت الشمس واخر وقته في كل يوم بلا كراهة الى الغروب وللمعذورين الى طلوع الفجر من اليوم الثاني وذلك مع كراهة لغير المعذور لما مر انه صلى الله عليه وسلم رخص للرعاء ان يرموا ليلا وكذا في اليوم الثالث من ايام التشريق يوم النفر الاخر عند الجمهور وبه قال ابو يوسف ومحمد غير انه لا يجوز الرمي بعد الغروب من ذلك اليوم اجماعا لان تلك الليلة ليست من ايام التشريق- وقال ابو حنيفة يجوز الرمي في ذلك اليوم قبل الزوال- ولم اطلع على دليل لهذا القول غير ما ذكر ابن همام عن ابن عباس انه قال إذا انتفخ النهار من يوم النفر فقد حل الرمي والصدر- رواه البيهقي قال والانتفاخ الارتفاع- وفي سنده طلحة بن عمرو ضعفه البيهقي وابن معين والدارقطني وقال احمد متروك الحديث- وهل يشترط الترتيب بين الجمار في ايام التشريق فعند الجمهور الترتيب واجب وعند ابى حنيفة سنة- وجه قول الجمهور- ان كل شىء لا يدرك بالرأى فرعاية جميع الخصوصيات الواردة فيه واجب ولم ينقل فوات الترتيب- وقال ابو حنيفة لو كان الرمي

_ (1) فى الأصل حتى يسبحوا (2) فى الأصل انه (3) فى الأصل يوم القر

[سورة البقرة (2) : آية 204]

فى الجمرات الثلاث نسكا واحدا كان مراعات خصوصياته واجبا لكن الرمي في كل جمرة نسك برأسه فلابد في كل واحد منها رعاية خصوصياته واما الترتيب بين المناسك العديدة فليس بشرط كما ان الترتيب بين الرمي والذبح والحلق ليس بشرط- قلت فكان القياس على قول ابى حنيفة ان ذلك الترتيب ان لم يكن شرطا لكن ليكن واجبا ينجبر بالدم كالترتيب بين الرمي والذبح والحلق ولم يظهر لى وجه الفرق بين المسألتين والله اعلم وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) فيجازيكم على حسب أعمالكم وإخلاصكم والله اعلم قال البغوي قال الكلبي ومقاتل وعطاء كان الأخنس بن شريف الثقفي حليف بنى زهرة وسمى الأخنس لانه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من بنى زهرة عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رجلا حلو الكلام حلو المنظر وكان يأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجالسه ويظهر الإسلام ويقول انى لاحبك ويحلف بالله على ذلك- وكان منافقا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدنى مجلسه فنزل. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ اى يعظم في قلبك وتستحسنه قَوْلُهُ يعنى الأخنس كذا اخرج ابن جرير عن السدى- واخرج ابن ابى حاتم وابن إسحاق عن ابن عباس قال لما أصيب السرية التي يعينها عاصم ومرثد بالرجيع قال رجلان من المنافقين- يا ويح هؤلاء المقتولين الذين هلكوا لا هم قعدوا في أهليهم ولا هم أدوا رسالة صاحبهم فانزل الله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قوله فِي الْحَياةِ الدُّنْيا متعلق بيعجبك يعنى يعجبك قوله في الحيوة الدنيا حلاوة وفصاحة ولا يعجبك في الاخرة لما يعتريه الفضيحة او متعلق بالقول اى قوله في معنى الدنيا من ادعاء المحبة واظهار الإسلام وَيُشْهِدُ اللَّهَ ذلك المنافق اى يحلف بالله ويستشهده عَلى ما فِي قَلْبِهِ يعنى على ان ما فى قلبه مطابق للسانه فيقول والله انى بك مومن ولك محب وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (204) اى أشد الخصومة والجدال للمسلمين والخصام مصدر خاصمه خصاما- وقال الزجاج هو جمع خصم مثل بحر وبحار- والجملة حال من فاعل يشهد- عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ان ابغض الرجال الى الله عز وجل الألد الخصم- قال قتادة هو شديد القسوة في المعصية جدل بالباطل يتكلم بالحكمة ويعمل بالخطيئة. وَإِذا تَوَلَّى اى أدبر سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ روى ان الأخنس كانت بينه وبين ثقيف خصومة فبيّنهم ليلا فاخرق زروعهم وأهلك مواشيهم- وقال مقاتل خرج الى الطائف مقتضيا مالا له على

[سورة البقرة (2) : آية 206]

غريم فاحرق له كدسا وعقر له أتانا- والنسل نسل كل دابة والإنسان منهم وقال الضحاك معنى إذا تولى اى صار واليا ملكا سعى في الأرض بالفساد- وقال مجاهد في قوله تعالى إِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ انه إذا ولى عمل بالعدوان والظلم فامسك الله المطر وأهلك الحرث والنسل وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (205) لا يرتضيه فاحذروا غضبه عليه. وَإِذا قِيلَ لَهُ للاخنس اتَّقِ خف الله أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ حملته الانفة وحميّة الجاهلية والتكبر بِالْإِثْمِ اى على الإثم يقال أخذته بكذا اى حملته عليه وألزمته إياه- او الباء للسببية والمعنى أخذته العزة من أجل الإثم الذي في قلبه وهو الكفر فَحَسْبُهُ كفته جزاء- وعذابا جَهَنَّمُ علم لدار العقاب وهو في الأصل مرادف لنار وقيل معرّب وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (206) اى الفراش جواب قسم مقدر والمخصوص بالذم محذوف يعنى جهنم- قال البغوي قال ابن مسعود ان من اكبر الذنب عند الله ان يقال للعبد اتق الله فيقول عليك بنفسك- وروى انه قيل لعمر بن الخطاب رضى الله عنه اتق الله فوضع خده على الأرض تواضعا لله عز وجل. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي اى يبيع ويبذل في الجهاد او الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر نَفْسَهُ حتى يقتل نظيره قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ الاية عن ابى امامة ان رجلا قال يا رسول الله اىّ الجهاد أفضل- قال أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر- رواه احمد وابن ماجة والطبراني والبيهقي- وابن ماجة عن ابى سعيد ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ- طلبا لرضائه كانّ مرضات الله ثمن يطلبها ببذل نفسه وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (207) حيث ارشدهم لمثل هذه التجارة الرابحة- اخرج الحارث بن ابى اسامة في مسنده وابن ابى حاتم عن سعيد بن السيب قال اقبل صهيب مهاجرا الى النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من قريش فنزل عن راحلته وانتثل ما في كنانته ثم قال يا معشر قريش لقد علمتم انى من ارماكم رجلا وايم الله لا تصلون الىّ حتى ارمى كل سهم معى في كنانتى ثم اضرب بسيفى ما بقي منه شىء ثم افعلوا ما شئتم وان شئتم وللتم على ما لى بمكة وخليتم سبيلى قالوا نعم- فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال ريح البيع أبا يحيى ريح البيع أبا يحيى ونزلت هذه الاية واخرج الحاكم في المستدرك نحوه من طريق ابن المسيب عن صهيب نفسه موصولا واخرج ايضا من طريق حماد بن سلمة عن انس وفيه التصريح بنزول الاية فيه وقال صحيح على شرط مسلم- واخرج ابن جرير عن عكرمة

قال نزلت في صهيب بن سنان الرومي اخذه المشركون في رهط من المؤمنين فعذبوه فقال لهم صهيب انى شيخ كبير لا يضركم امنكم كنت أم من غيركم فهل لكم ان تأخذوا مالى وتذرونى ودينى ففعلوا- وسياق هذا الحديث- يخالف سياق ما سبق والاول هو الصحيح- وقيل نزلت الاية في سرية الرجيع ذكر ابن إسحاق ومحمد بن سعد وغيرهم ان بنى لحيان من هذيل بعد قتل سفيان بن نبيح الهذلي مشوا الى عضل والقارة وهما حيان وجعلوا لهم فرائض على ان يقدموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكلموه فيخرج إليهم نفر من أصحابه يدعونهم الى الإسلام ويعلمونهم الشرائع قالوا فنقتل من أردنا ونسير بهم الى قريش بمكة فنصيب بهم ثمنا فقدم سبعة نفر من عضل والقارة مقرين بالإسلام فقالوا يا رسول الله ان فينا الإسلام فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خبيب بن عدى الأنصاري ومرثد بن ابى مرشد الغنوي وخالد بن بكير وعبد الله بن طارق وزيد بن الدثنة وامّر عليهم عاصم بن ثانت الأنصاري- وفي الصحيح البخاري عن ابى هريرة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة عينا وامّر عليهم عاصم بن ثابت فغدروا بهم فاستصرخوا عليهم قريبا من مائة رام وفي رواية فنفروا لهم من مائتى رجل- قلت لعل الرامي منهم مائة- فلما احسن بهم عاصم وأصحابه لجاءوا الى فدقد وجاء القوم فاحاطوا بهم فقالوا لكم العهد والميثاق ان نزلتم ان لا نقتل منكم وانّا والله لا نريد قتلكم انما نريد نصيب شيئا من اهل مكة فقال عاصم اما انا فلا انزل في ذمة كافر اللهم انى احمى لك اليوم دينك فاحم لحمى اللهم اخبر عنا رسولك فاخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم يوم أصيبوا فقاتلوهم فرموهم حتى قتلوا عاصما في سبعة وبقي خبيب وزيد وعبد الله بن طارق فلما قتل عاصم أرادت هذيل أخذ رأسه فمنعه الدبر فسمى حمى الدبر فبعث الله سبحانه فسال الوادي فاحتمله فذهب به وكان عاصم قد اعطى الله العهد ان لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك فبرّا الله قسمه واما زيد بن الدثنة وابن طارق وخبيب فاسروهم ثم خرجوا الى مكة ليبيعوهم حتى انا كانوا بالظهر ان انتزع عبد الله بن طارق يده من القران ثم أخذ سيفه فرموه بالحجارة حتى قتلوه وقبره بالظهران وباعوا زيدا وخبيبا بمكة- قال ابن إسحاق وابن سعد اشترى زيدا صفوان بن امية (واسلم بعد ذلك) ليقتله بابيه امية بن خلف فبعثه مع نسطاس مولى له (واسلم بعد ذلك) الى

التنعيم ليقتله واجتمع من جمع قريش فيهم ابو سفيان حتى قدم ليقتل فقال ابو سفيان أنشدك الله يا زيد أتحب ان محمدا عندنا بمكانك يضرب عنقه وانك في أهلك فقال والله ما أحب ان محمدا صلى الله عليه وسلم الان في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وانا جالس في أهلي فقال ابو سفيان ما رايت من الناس أحدا يحب أحدا كحب اصحاب محمد ثم قتله نسطاس- واما خبيب فابتاعه بنو الحارث حيث قتل خبيب الحارث يوم بدر فلبث خبيث عندهم أسيرا حتى اجمعوا على قتله فاستعار من بعض بنات الحارث موسى لتستحد بها فاعارث فدرج بنى لها وهى غافلة فما راع المرأة إلا بخبيب قد اجلس الصبى على فخذه والموسى بيده فصاحت المرأة- فقال خبيب أتخشين ان اقتله ما كنت لأفعل ذلك ان الندر ليس من شأتنا- فقالت بعد- والله ما رايت أسيرا خيرا من خبيب والله لقد وجدته يوما يأكل قطفا من عنب في يده وهو الموثق بالحديد وما كان بمكة من ثمرة الا كان رزقا رزقه الله ثم انهم خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل وأرادوا ان يصلبوا فقال لهم دعونى أصلي ركعتين فتركوه فكانّ خبيبا هو سنّ لكل مسلم قتل صبرا الصلاة فركع ركعتين ثم قال لهم لولا ان تحسبوا ان مابى من جزع لزدتّ فقال اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا «1» ولا تبق منهم أحدا وإنشاء يقول (شعر) ولست أبالي حين اقتل مسلما على اى شق كان في الله مصرع وذلك في ذات الإله وان يشاء يبارك في او ضال شلو؟؟ ممزع- فصلبوه حيا رواه البخاري فقال خبيب اللهم بلغ سلامى رسولك. ويقال كان رجل من المشركين يقال له سلامان ابو ميسرة معه رمح فوضعه بين ثدى خبيب فقال له خبيب اتق الله فما زاده ذلك الا عتوا وطعنه فابعده- فذلك قوله تعالى وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ الاية- روى محمد بن عمرو بن مسلمة عن اسامة بن زيد سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عليه السلام ورحمة الله وبركاته هذا جبرئيل يقرؤنى من خبيب السلام- فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم الخبر قال لاصحابه أيكم يختزل «2» خبيبا من خشبته وله الجنة- فقال الزبير انا وصاحبى المقداد بن الأسود- فخرجا يمشيان بالليل ويكتمان بالنهار حتى أتيا التنعيم ليلا وإذا حول الخشبة أربعون من المشركين فانزلا فاذا هو رطب يتثنى لم يتغير منه شىء بعد أربعين يوما ويده على جراحته ينض «3» دما اللون لون الدم والريح ريح المسك

_ (1) بددي بكسر الباء جمع بدة وهى الحصة والنصيب اى اقتلهم حصصا مقسّمة لكل واحد حصته ونصيب ويروى بالفتح اى متفرقين في القتل واحدا بعد واحد من التبديد- نهاية جزرى منه رحمة الله- (2) يختزل اى يقتطع ويذهب به ويتفرد به- نهاية منه- رح (3) ينض وما اى ينبع يقال نضّ الماء من العين اى نبع (منه رحمه الله) .

[سورة البقرة (2) : آية 208]

فحمله الزبير على فرسه وسارا فانتبه الكفار وقد فقدوا خبيبا فاخبروا قريشا فركب منهم سبعون فلما الحقوهما قذف الزبير خبيبا فابتلعه الأرض فسمى بليع الأرض وقد ما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبرئيل عنده فقال يا محمد ان الملائكة لتباهى بهذين من أصحابك- فنزل في الزبير والمقداد وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ حين شريا أنفسهما لانزال خبيب من خشبته والله اعلم اخرج ابن جرير عن عكرمة قال قال عبد الله بن سلام وثعلبة وابن يامين واسد وأسيدا بنى كعب- وسعيد بن عمرو وقيس بن زيد كلهم مؤمنى اليهود يا رسول الله يوم السبت يوم كنا نعظمه فدعنا فلنسبت فيه وان التوراة كتاب الله فدعنا فلتقم بها بالليل وكذا قال البغوي وقال وكانوا يكرهون لحوم الإبل وألبانها بعد ما اسلموا فنزلت. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً السلم بالكسر والفتح الاستسلام والطاعة لذلك يطلق على المصلح والإسلام والمراد هاهنا الإسلام قرا نافع وابن كثير والكسائي السّلم هاهنا بفتح السين والباقون بكسرها- وفي سورة الأنفال بالكسر ابو بكر والباقون بالفتح وفي سورة محمد صلى الله عليه وسلم بالكسر حمزة وابو بكر والباقون بفتحها- وكآفّة اسم للجملة لانها تكف الاجزاء من التفرق حال من الضمير أو السلم لانها تؤنث كالحرب- والمعنى استسلموا لله وأطيعوه جملة ظاهرا وباطنا- قلت وذا لا يتصور الا عند الصوفية- او المعنى ادخلوا في الإسلام بكليتكم ولا تخلطوا به غيره- او في شعب الإسلام وأحكامه كلها ولا تخلّوا بشىء منها- قال حذيفة بن اليمان في هذه الاية ان الإسلام ثمانية أسهم فعدّ الصلاة والصوم والزكوة والحج والعمرة والجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر قال وقد خاب من لا سهم له- قلت انما ذكر ما ذكر على سبيل التمثيل والا فالمراد بالآية الامتثال بكل ما امر الله به والانتهاء عن كل ما نهى عنه او يقال ان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر يشتمل الجميع- فان الأمر بالمعروف يقتضى الإتيان به والنهى عن المنكر يقتضى الانتهاء عنه عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الايمان بضع وسبعون شعبة فافضلها قول لا الله الا الله وأدناها اماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الايمان- رواه مسلم وابو داود والنسائي وابن ماجة وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ قد مر اختلاف القراءة فيه الشَّيْطانِ يعنى إنارة من تحريم السبت وتحريم الإبل وغير ذلك بعد ما نسخ إِنَّهُ لَكُمْ

[سورة البقرة (2) : آية 209]

عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) ظاهر العداوة عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أتاه عمر فقال انا نسمع أحاديث من يهود يعجبنا افترى ان نكتب بعضها- فقال «1» أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حيا ما وسعه الا اتباعى- رواه احمد والبيهقي في شعب الايمان. فَإِنْ زَلَلْتُمْ يعنى زلت أقدامكم فلم تستقيموا على الإسلام مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ الآيات والحجج الشاهدة على انه الحق فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجزه الانتقام حَكِيمٌ (209) لا ينتقم الا بحق ولا يمهل الا لحكمة فيه دفع توهم الناشي من الامهال. هَلْ يَنْظُرُونَ النظر بمعنى الانتظار يعنى ما ينتظرون إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ جمع ظلة وهى كلما اظلك مِنَ الْغَمامِ قال البغوي هو السحاب الأبيض الرقيق سمى غماما لانه يغم اى يستر- وقال مجاهد هو غير السحاب ولم يكن الا لبنى إسرائيل في تيههم وقال مقاتل كهيئة الضباب ابيض- وقال الحسن في سترة من الغمام فلا ينظر اليه اهل الأرض وَالْمَلائِكَةُ قرا ابو جعفر بالجر عطفا على الغمام او يكون الجر للجوار والباقون بالرفع اى ويأتيهم الملائكة وَقُضِيَ الْأَمْرُ وجب العذاب للكفار والثواب للمؤمنين- وفزع من الحساب وذلك يوم القيامة والله اعلم- اجمع علماء اهل السنة من السلف والخلف ان الله سبحانه منزه عن صفات الأجسام وسمات الحدوث فلهم في هذه الاية سبيلان أحدهما الايمان به وتفويض علمه الى الله تعالى والتحاشى عن البحث فيه وهو مسلك السلف قال الكلبي هذا من المكتوم الذي لا يفسر وكان مكحول والزهري والأوزاعي ومالك وابن المبارك وسفيان الثوري والليث واحمد وإسحاق رحمهم الله تعالى يقولون فيه وفي أمثاله امرّوها كما جاءت بلا كيف قال سفيان بن عيينة كل ما وصف الله تعالى به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عنه ليس لاحدان يفسره الا الله ورسوله وبه قال ابو حنيفة رحمه الله حيث قال في المتشابهات ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ بالوقف عليه ثانيهما تأويله بما يليق به بناء على ما قيل ما يَعْلَمُ «2» تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ بالعطف قال البيضاوي وغيره الا ان يأتيهم الله اى امره او بأسه بحذف المضاف فهو كقوله تعالى وْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ - جاءَهُمْ بَأْسُنا- او المعنى- ان يأتيهم الله

_ (1) التهوك الوقوع في الأمر بغير رويّة قبيل التحبير منه رحمه الله (2) وفي القران وما يعلم إلخ

يبأسه فحذف المأتى به للدلالة عليه بقوله أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ قال وانما يأتى العذاب في الغمام لان الغمام مظنة الرحمة فاذا جاء منه العذاب جاء من حيث لا يحتسبه فكان أفظع- قلت وما ذكر البيضاوي من التأويل يأبى عنه ما جاء في تفسير هذه الاية وأمثاله من الأحاديث اخرج الحاكم وابن ابى حاتم وابن ابى الدنيا عن ابن عباس انه قرا يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ قال يجمع الله الخلق يوم القيامة في صعيد واحد الجن والانس والبهائم والسباع والطير وجميع الخلق فيشقق السماء الدنيا فينزل أهلها وهم اكثر ممن فى الأرض من الجن والانس وجميع الخلق فيحيطون بالجن والانس وجميع الخلق فيقول اهل الأرض أفيكم ربنا فيقولون لاثم ينزل اهل السماء الثانية وهم اكثر من اهل السماء الدنيا ومن اهل الأرض فيقولون أفيكم ربنا فيقولون لا فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم وبالجن والانس وجميع الخلائق ثم ينزل اهل السماء الثالثة هكذا ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة وهم اكثر من اهل السموات واهل الأرض فيقولون أفيكم ربنا فيقولون لا ثم ينزل ربنا فى ظلل من الغمام وحوله الكروبيون وهم اكثر من اهل السموات السبع والأرضين- وحملة العرش لهم قرون ككعوب القناما بين أقدام أحدهم كذا وكذا- ومن اخمص قدمه الى كعبه مسيرة خمسمائة عام ومن كعبه الى ركبته خمسمائة عام ومن ركبته الى أرينه خمسمائة عام ومن ارينه الى ترقوته خمسمائة عام ومن ترقوته الى موضع القرط خمسمائة عام قلت وايضا لو كان معنى الاية كما قال البيضاوي بحذف المضاف ونحوه فهو نظير قوله تعالى «1» وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها يعنى واسئلوا اهل القرية- ولم يقل انه من المتشابهات أحد فحينئذ لم يكن اية في القران من المتشابهات وقد قال الله تعالى مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ- ولاصحاب القلوب في تلك الآيات سبيل اخر وهو ان لله سبحانه تجليات في بعض مخلوقاته وظهورات لا كيف لها كما ذكرنا في القلب المؤمن والكعبة الحسناء والعرش العظيم وعامتها تكون على الإنسان فانه خليفة الله وتلك التجليات قد تكون برقيا كالبرق الخاطف وقد تكون دائميا وتلك لا تستدعى حدوث امر في ذاته تعالى وكونه محلا للحوادث ومتنزلا عن مرتبة التنزيه بل هى مبنية على حدوث امر في الممكن كما ان المرأة المحاذية للشمس كلما صوقلت الجلت الشمس فيها ويظهر في المراءة اثارها من الاضاءة والإحراق- وهذه التجليات هى المصداق لقوله تعالى فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ وقوله تعالى

_ (1) وفي القران واسئل القرية الّتى إلخ

[سورة البقرة (2) : آية 211]

يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ يعنى يتجلّى لهم يوم القيامة في الغمام- فاما من اكتسب قلبه في الدنيا بصيرة ينفذ بصره من وراء الغمام الى الله سبحانه كما ينفذ البصر من الاجرام الزجاجية الى الاجرام الفلكية ولا استحالة في الرؤية من وراء الغمام بعد ما اثبتوا لرؤية في الجنة من غير حجاب كما ترون القمر ليلة البدر- واما من لم يكتسب قلبه بصيرة وهو فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا فيكون له الغمام ساترا وحجابا- قال السيوطي في البدور السافرة رايت بخط الشيخ بدر الدين الزركشي ما نصه قال سلمة ابن القاسم في كتاب غرائب الأصول حديث تنزل الله يوم القيامة ومجيئه في ظلل محمول على ان الله تعالى يغير أبصار خلقه حتى يرونه كذلك وهو على عرشه غير متغير ولا منتقل- قلت يعنى يرونه كذلك من وراء الحجاب السجنجلى قال السيوطي وكذلك جاء معناه عن عبد العزيز الماجشون انه تعالى يغير أبصار خلقه فيرونه نازلا متجليا مناجى خلقه ومخاطبهم وهو غير متغير عن عظمته ولا منتقل وقد وجدنا ان جبرئيل كان يأتى النبي صلى الله عليه وسلم تارة في صورته وتارة في صورة دحية وجبرئيل أجل من صورة دحية انتهى قلت وما ذكرنا من التأويل لا مساس له بأقوال الخلف لكنه هو المراد مما ذكرنا من اقوال السلف امّروها كما جاءت بلا كيف يعنى هذه الأمور كلها من الاستواء والنزول وغير ذلك ثابتة كما جاءت في النصوص لكن بلا كيف بحيث لا يزاحم مرتبة التنزيه- وهذا امر من لم يذقه لم يدر ومن ورى لا يمكنه التعبير عنه كما هو بل يختبط إفهام السامعين فيفهون غير مراده فعليكم بالسكوت عنه والايمان به وليس لاحدان يفسره الا الله ورسوله وعطف الرسول على الله يقتضى انه صلى الله عليه وسلم كان عالما بتفسير المتشابهات قلت وكذا كمل اتباعه والله اعلم وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210) قرا ابن عامر حمزة والكسائي ويعقوب ترجع الأمور حيث وقع بفتح التاء وكسر الجيم من الرجوع اللازم والباقون بضم التاء وفتح الجيم من الإرجاع المتعدى. سَلْ يا محمد بَنِي إِسْرائِيلَ يهود المرينة والمراد بهذا السؤال تقريعهم كَمْ آتَيْناهُمْ يعنى آباءهم وأسلافهم وكم استفهامية معلقة سل عن المفعول الثاني- او خبرية وهى ثانى مفعولى اتينا ومميزها مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ظاهرة ويحتمل ان يكون كم مبتدأ والعائد من الخبر محذوف يعنى كم من اية بينة آتيناهم ايالها فبدلوها بعد معرفتها وجملة كم آتيناهم على تقدير كونها استفهامية حال اى سل بنى إسرائيل قائلا كم

[سورة البقرة (2) : آية 212]

آتيناهم وعلى تقدير كونها خبرية جواب عن سوال هل كانت لهم آيات متكثرة والمراد بالآيات اما المعجزات الواضحات الدالة على نبوة موسى عليه السلام والآيات المحكمات في التورية الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والثاني اظهر وَمَنْ يُبَدِّلْ يغير نِعْمَةَ اللَّهِ اى ما أنعم الله عليه من الآيات لانها سبب الهداية او كتاب الله فترك العمل به مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ اى وصلت اليه وتمكن من معرفتها فيه تعريض بانهم بدلوها بعد ما عقلوها فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (211) فيعاقبه أشد عقوبة حيث ارتكب أشد جريمة. زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا والمزين هو الله تعالى حيث خلق الأشياء الحسنة والمناظر العجيبة وخلق فيهم القوى الشهوانية- واشرب محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها وقال الزجاج زين لهم الشيطان يعنى وسوس إليهم الخواطر الشهوانية- قلت والله سبحانه خالق افعال العباد ومنهم الشياطين فهو المزين نعم تجوّز الاسناد الى الشياطين من حيث كونها كاسبة للوسوسة والله اعلم قيل نزلت الاية في مشركى العرب ابى جهل وأصحابه وهم يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا اى يستهزءون فقراء المؤمنين- قال ابن عباس أراد بالذين أمنوا عبد الله بن مسعود وعمارا وصهيبا وبلالا وخبيبا وأمثالهم- وقال مقاتل- نزلت في المنافقين عبد الله بن ابى وأصحابه كانوا يتنعمون «1» فى الدنيا ويسخرون من ضعفاء المؤمنين ويقولون انظروا الى هؤلاء الذين يزعم محمد صلى الله عليه وسلم انه يغلب بهم وقال عطاء نزلت في رؤساء اليهود كانوا يسخرون بفقراء المؤمنين فوعد الله المؤمنين ان يعطيهم اموال بنى قريظة والنضير بغير قتال وَالَّذِينَ اتَّقَوْا يعنى هؤلاء الفقراء الذين كنوا بالّذين أمنوا وضع المظهر موضع المضمر ليدل على انهم متقون وان استعلاء هم للتقوى وان العمل خارج من الايمان فَوْقَهُمْ فى المكان او الرتبة او الغلبة لان المتقين فى أعلى عليين وفي كرامة الله ويتطاولون على الكفار فيسخرون منهم كما سخروا منهم في الدنيا والكفار في أسفل السافلين وفي مذلة يَوْمَ الْقِيامَةِ كما ان المؤمنين خير واشرف عند الله من الكفار في الدارين عن سهل بن سعد رضى الله عنه قال مرّ رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس ما رأيك في هذا- فقال رجل من اشراف الناس هذا والله حرّى ان خطب ان ينكح وان شفع ان يشفع- قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مر رجل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيك في هذا فقال يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين هذا

_ (1) فى الأصل ينعمون-

[سورة البقرة (2) : آية 213]

حرّى ان خطب ان لا ينكح وان شفع ان لا يشفع وان قال ان لا يسمع لقوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا خير من ملا الأرض مثل هذا رواه البخاري وعن اسامة بن زيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقفت على باب الجنة فرايت اكثر أهلها المساكين ووقفت على باب النار فرايت اكثر أهلها النساء وإذا اهل الجد محبوسون الا من كان منهم من اهل النار فقد امر به الى النار- رواه البغوي وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ فى الدارين بِغَيْرِ حِسابٍ (202) قال ابن عباس يعنى كثيرا لان كل ما دخل عليه الحساب فهو قليل- وقيل معناه بغير حساب عليه تعالى فيما يعطى ولا اعتراض فقد يعطى الكثير من لا يحتاج اليه وقد لا يعطى القليل من يحتاج وقيل معناه لا يخاف نفاد خزائنة فيحتاج الى حساب.. كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً اخرج البزار في مسنده وابن جرير وابن ابى حاتم وابن المنذر في تفاسيرهم والحاكم فى المستدرك وصححه عن ابن عباس قال كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا وكذا اخرج ابن ابى حاتم عن قتادة انهم كانوا عشرة قرون كلهم علماء يهتدون من الحق ثم اختلفوا فبعث الله نوحا وكان نوح أول رسول أرسله الله الى الأرض- وقال الحسن وعطاء كان الناس من وقت وفات آدم الى مبعث نوح عليه السلام امة واحدة على الكفر أمثال البهائم فبعث الله نوحا وغيره من النبيين- والجمع بين القولين انهم كانوا اولا كلهم مسلمين ثم اختلفوا حتى صاروا كلهم كفارا في زمن نوح غير أبوي نوح فانهما كانا مؤمنين بدليل قول نوح رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ الاية- وقيل المراد بالناس العرب قال الحافظ عماد الدين بن كثير كان العرب على دين ابراهيم الى ان ولى عمرو بن عامر الخزاعي مكة اخرج احمد في مسنده عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أول من سيّب السوائب وعبد الأصنام ابو حزاعة عمرو بن عامر وانى رايت قصبه في النار- وفي الصحيحين عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رايت عمرو بن عامر بن لحى ابن قمعة بن خندق يجر قصبه في النار انه أول من سيّب السوائب- واخرج ابن جرير في تفسيره عنه نحوه وفيه انه أول من غير دين ابراهيم- لكن يأبى تأويل الناس بالعرب صيغة النبيين بالجمع إذ لم يبعث في العرب غير محمد صلى الله عليه وسلم- لينذر قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ وروى عن ابى العالية عن ابى بن كعب قال كان الناس حين عرضوا على آدم و

اخرجوا من ظهره وأقروا بالعبودية امة واحدة مسلمين كلهم ولم يكونوا امة واحدة قط غير ذلك اليوم- قلت ويمكن ان يقال كان الناس امة واحدة مستعدين لقبول الحق مولودين على القطرة فاخبطهم شياطين الانس والجن فاختلفوا عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مولود الا يولد على الفطرة فابواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء متفق عليه فَبَعَثَ اللَّهُ معطوف على كان النّاس امّة واحدة ان كان المراد اجتماعهم على الكفر ومعطوف على مقدر يعنى فاختلفوا فبعث الله ان كان المراد اجتماعهم على الحق- فان البعث ليس الا لدفع الكفر والفساد ويدل على هذا التقدير قوله تعالى فيما بعد فيما اختلفوا فيه النَّبِيِّينَ قال ابو ذر قلت يا رسول الله كم وفاء عدة الأنبياء قال- مائة الف واربعة وعشرون الفا المرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جما غفيرا- رواه احمد- وفي رواية عنه ثلاثمائة وبضعة عشر- قال البغوي والمرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر والمذكور في القران باسمه العلم ثمانية وعشرون نبيا- قلت بل المذكور في القران انما هم ستة وعشرون منهم ثمانية عشر في قوله تعالى وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ وثمانية غيرهم آدم وإدريس وهود وصالح وشعيب وذو الكفل وعزير ومحمد سيد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وقيل يوسف الذي ذكر في سورة المؤمن غير يوسف بن يعقوب عليه السلام بل هو يوسف بن ابراهيم بن يوسف بن يعقوب فصاروا سبعة وعشرين- وقيل بنبوة مريم أم عيسى فكمل ثمانية وعشرون لكن قوله تعالى وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا ... مِنْ أَهْلِ الْقُرى «1» يأبى نبوة مريم- ويحتمل ان يكون الثامن والعشرون لقمان والله اعلم مُبَشِّرِينَ بالثواب لمن أطاع وَمُنْذِرِينَ بالعقاب لمن عصى وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ يريد به الجنس بِالْحَقِّ حال من الكتاب اى متلبسا بالحق شاهدا به لِيَحْكُمَ الله او الكتاب او النبي المبعوث معه وقرا ابو جعفر ليحكم بضم الياء وفتح الكاف هاهنا و

_ (1) وفي القران الّا رجالا نوحى إليهم

[سورة البقرة (2) : آية 214]

فى ال عمران وفي النور في الموضعين فحينئذ نائب الفاعل الظرف والمعنى ليحكم به يعنى بالكتاب بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ اى في الحق الذي اختلفوا فيه او فيما التبس عليهم وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ اى في الكتاب إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ الموصول للعهد والمراد به اليهود والنصارى مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ اى الآيات المحكمات في التورية الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر والمبشرة بمجىء محمد صلى الله عليه وسلم الناعتة بصفاته الكريمة- قال السيوطي في التفسير قوله من بعد متعلق باختلف وهى وما بعده مقدم على الاستثناء في المعنى يعنى في الكلام تقديم وتأخير- قلت والاولى ان يقال انه متعلق بمحذوف اى اختلفوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ لان ما قبل الا لا تعمل فيما بعدها الا في المستثنى ولا يستثنى متعدد بحرف واحد فهو جواب سوال مقدر كانّه قيل متى اختلفوا فاجيب- ومعنى اختلافهم قولهم نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض وتحريفهم الكلم عن مواضعه وانكارهم صفات محمد صلى الله عليه وسلم والقران بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يعنى امة محمد صلى الله عليه وسلم لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ للحق الذي اختلفوا فيه مِنَ الْحَقِّ بيان لما بِإِذْنِهِ بامره او بإرادته او بلطفه- قال ابن زيد اختلفوا فى القبلة فمنهم من يصلى الى المشرق ومنهم من يصلى الى المغرب ومنهم من يصلى الى البيت المقدس فهدانا الله للكعبة واختلفوا في الصيام فهدانا الله لشهر رمضان- واختلفوا في الأيام فاخذت النصارى الأحد واليهود السبت فهدانا الله للجمعة واختلفوا في ابراهيم قالت اليهود كان يهوديا والنصارى نصرانيا فهدانا الله للحق من ذلك واختلفوا في عيسى فجعله اليهود الفرية وجعله النصارى الها فهدانا الله للحق فيه وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) لا يضل سالكه. أَمْ حَسِبْتُمْ- أم منقطعة لان المتصلة يلزمه الهمزة وهى بمعنى بل والهمزة فبل للاضراب عن اختلاف اليهود والنصارى- والهمزة لانكار حسبان المؤمنين واستبعاده والغرض منه تشجيعهم على الصبر والثبات على البأساء والضراع وقال الفراء معناه احسبتم والميم زائدة وقال الزجاج بل حسبتم- نزلت الاية يوم الأحزاب حين أصاب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بلاء وحضروا شدة الخوف والبرد وانواع الأذى قال الله تعالى وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً- وقيل

[سورة البقرة (2) : آية 215]

نزلت في حرب أحد وقال عطاء لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة اشتد عليهم لانهم كانوا خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم ما يدى المشركين وأظهرت اليهود العداوة فانزل الله أم حسبتم أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ لمّا كلم في المعنى والعمل وفيه توقع لا في لم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا حالهم الذي هو مثل في الشدة مِنْ قَبْلِكُمْ من النبيين والمؤمنين مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ شدة الفقر والمرض وَزُلْزِلُوا حركوا بانواع البلا والشدائد حَتَّى يَقُولَ إذا كان بعد حتى مستقبلا بمعنى الماضي يجوز فيه النصب والرفع فقرا نافع بالرفع والباقون بالنصب الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ استبطؤا النصر فقيل لهم أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات- رواه مسلم عن انس وابى هريرة واحمد عن ابى هريرة وابن مسعود والله اعلم- اخرج ابن المنذر عن ابى حيان ان عمر بن الجموح سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما ننفق من أموالنا واين نضعها- واخرج ابن جرير عن ابن جريح قال سال المؤمنون فنزلت. يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ بيّن المصرف بالعبارة وجواب السائل بالاشارة بتعميم ما أنفقتم من خير بناء على ان ملاحظة المصرف أهم فان اعتداد النفقة باعتباره وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ اىّ خير كان صدقة او غير ذلك فيه معنى الشرط وحوابه فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) يعلم به كنهه ونياتكم فيوفى ثوابه على حسب نياتكم قال اهل التفسير كان هذا قبل فرض الزكاة فنسخت بالزكاة- والحق انه لا ينافى فرضية الزكوة حتى ينسخ به فالاية محكمة. كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ قال عطاء الجهاد تطوع والمأمورون بالآيات اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة دون غيرهم واليه ذهب الثوري محتجا بقوله تعالى فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى قالا لو كان القاعد تاركا للفريضة لم يكن وعدا له بالحسنى- وقال سعيد بن المسيب انه فرض عين على كافة المسلمين الى قيام الساعة والحجة له هذه الاية وحديث ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مات ولم يعز ولم يحدث نفسه بالغزو ومات

على شعبة من النفاق- رواه مسلم والجمهور على ان الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقيين مثل صلوة الجنازة وعليه انعقد الإجماع- واتفقت الائمة على انه يجب على كل اهل بلد ان يقاتلوا من يليهم من الكفار فان عجزوا او جبنوا وجب على من يليهم الأقرب فالاقرب وعلى انه يجب الجهاد على الأعيان عند النفير العام وعند هجوم الكفار على بلاد الإسلام وعلى انه من لم يتعين عليه الجهاد لا يخرج الا بإذن أبويه ان كانا مسلمين ومن عليه الدين لا يخرج الا بإذن غريمه- والحجة للجمهور ما ذكرنا من ادلة الفريقين وقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ وسيجيئ في سورة التوبة ان شاء الله تعالى وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ان رجلا استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد فقال أحى والداك قال نعم قال ففيهما فجاهد اذهب فبرّهما متفق عليه ولابى داود والنسائي وابن ماجة نحوه- وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ اى شاق عليكم قال اهل المعاني هذا الكره من حيث نفور الطبع عنه لما فيه من مؤنة المال والنفس لا انهم كرهوا امر الله وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ومنه الجهاد فان فيه الظفر والغنيمة والاستيلاء في الدنيا والشهادة والثواب وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ كالقعود «1» عن الجهاد فان فيه المعصية والذلة والحرمان من الاجر والغنيمة- وانما ذكر كلمة عسى وهو للشك لان النفس إذا ارتاضت يكون هواه تبعا لما شرع فلا يكره الا ما كره الله ولا يحب الا ما أحب الله تعالى وَاللَّهُ يَعْلَمُ خيركم وشركم وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216) ذلك فبادروا بما أمركم الله تعالى حتى تفوزوا بما هو خير لكم في الدارين (فصل) فى فضائل الجهاد عن ابن مسعود قلت يا رسول الله اىّ الأعمال أفضل قال الصلاة على ميقاتها قلت ثم اىّ قال بر الوالدين قلت ثم اىّ قال الجهاد في سبيل الله ولو استزدته لزادنى- رواه البخاري وعن ابى هريرة قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم اىّ العمل أفضل قال ايمان بالله ورسوله قيل ثم ماذا قال الجهاد في سبيل الله قيل ثم ماذا قال حج مبرور متفق عليه وهذه وان كان في الصورة معارضة فان الحديث الاول يدل على افضلية الصلاة على الجهاد والثاني بالعكس لكن الجمع بينهما بحمل كل على ما يليق بحال السائل- او يقال ان الصلاة والزكوة المفروضتين مرادة بلفظ الايمان في حديث ابى هريرة- فلا تعارض او يقال

_ (1) فى الأصل كالعقود [.....]

جعل الجهاد بعد الايمان في حديث ابى هريرة صادق وان كان الجهاد بعد الصلاة والزكوة- وعن عمران بن حصين ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مقام الرجل في الصف في سبيل الله أفضل عند الله من عبادة ستين سنة- رواه الحاكم وقال صحيح على شرط البخاري- وعن ابى هريرة مرفوعا مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما- رواه الترمذي وعن ابى هريرة قيل يا رسول الله ما يعدل الجهاد في سبيل الله قال لا تستطيعونه فاعادوا عليه مرتين او ثلاثا كل ذلك يقول لا تستطيعونه ثم قال مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القائم القانت بايات الله لا يفتر عن صلاته ولا صيامه حتى يرجع المجاهد في سهيل الله- متفق عليه وعن ابى امامة قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية قمر رجل بغار فيه شىء من ماء ويقل فحدث نفسه بان يقيم فيه ويتخلى من الدنيا فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انى لم ابعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكنى بعثت بالحنفية السمحة والذي نفس محمد بيده لغدوة او روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة- رواه احمد قلت وهذه الأحاديث يدل على افضلية الجهاد على الصلاة والصيام والنوافل وذلك لان الجهاد فرض على الكفاية وكلما وقع عن أحد يقع فريضته ويستوعب الأوقات ويفضى الى الشهادة التي هى قرينة للنبوة بخلاف الصلاة والصوم فانهما ما عدا الفرائض لا يقع الا نافلة والنافلة لا تعدل الفريضة- فان قيل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- ما عمل آدمي أنجى من عذاب الله من ذكر الله- قالوا ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله الا ان يضرب لسيفه حتى ينقطع قاله ثلث مرات رواه احمد والطبراني وابن ابى شيبة من حديث معاذ وهذا يعارض مامر من أحاديث وعمران وابى هريرة وابى امامة فما وجه التوفيق- قلنا المراد بالذكر في هذا الحديث الحضور الدائمى الذي لا فتور فيه لا الصلاة والصوم الذين هما حظ الزهاد- وهو المراد من الجهاد الأكبر فيما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رجع من الغزو رجعتا من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر فان قيل الم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان في الجهاد الأصغر مشتغلا بالجهاد الأكبر- قلنا نعم كان مشتغلا بذلك لكن الحال تتفاوت بمزيد الاهتمام والله اعلم عن ابى هريرة مرفوعا في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء

[سورة البقرة (2) : آية 217]

والأرض فاذا سالتم الله فسئلوه الفردوس فانه اوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تنفجرا نهار الجنة- رواه البخاري- وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد القطيفة وعبد الخميصة ان اعطى رضى وان لم يعط سخط طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله اشعث رأسه مغيرة قدماه وان كان في الحراسة في الحراسة وان كان فى الساقة كان في الساقة ان استأذن لم يؤذن له وان شفع لم يشفع «1» - رواه البخاري وسيأتى فضائل الرباط اخر سورة ال عمران ان شاء الله تعالى- وانما فضل الجهاد على سائر الحسنات وكونه ذروة سنام الإسلام لانه سبب الا شاعة الإسلام وهداية الخلق فمن اهتدى ببدل جهده كان حسناته داخلا في حسناته وأفضل من ذلك تعليم العلوم الظاهرة والباطنة فان فيه اشاعة حقيقة الإسلام والله اعلم. يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ بدل اشتمال يعنى يسئلونك عن قتال في الشهر- اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم والطبراني في الكبير وابن سعد والبيهقي في سننه عن جندب بن عبد الله ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش وهو ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمادى الاخر سنة قبل قتال بدر بشهرين وبعث معه ثمانية نفر من المهاجرين سعد بن ابى وقاص الزهري- وعكاشة بن محصن الأسدي- وعتبة بن غزوان السلمى- وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة- وسهيل بن بيضاء وعامر بن ربيعة- وواقد بن عبد الله- وخالد بن بكير- وذكر بعضهم سهل بن بيضاء ولم يذكر سهيلا ولا خالدا ولا عكاشة وذكر بعضهم المقداد بن عمر- قال ابن سعد كانوا اثنى عشر كل اثنين يعتقبان بعيرا وكتب لاميرهم عبد الله بن جحش كتابا وقال سر على اسم الله ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين فاذا نزلت فافتح الكتاب واقراه على أصحابك ثم امض ما امرتك ولا تستكرهن أحدا من أصحابك على السير معك فسار وكان قبل مسيره قال يا رسول الله اىّ ناحية قال النجدية فسار عبد الله يومين ثم نزل وفتح الكتاب فاذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد فسر على بركة الله بمن تبعك من أصحابك حتى تنزل بطن نخلة فترصد بما عير قريش لعلك ان تأتينا منه بخير فلما نظر في الكتاب قال سمعا وطاعة-

_ (1) وعن ابى بكر الصديق ان النبي صلى الله عليه وسلم قال من اغبرت قدماه في سبيل الله حرم الله عليه النار- وكذا روى احمد والبخاري والترمذي والسنائي عن ابى عيص- وعن عثمان قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول خرس ليلة في سبيل الله أفضل من الف ليلة قيام ليلها وصيام نهاره وعن ابى بكر الصديق قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترك قوم الجهاد الا عمهم الله تعالى بالعذاب منه رحمه الله

ثم قال لاصحابه ذلك وقال انه نهانى ان استكره أحدا منكم فمن كان يريد الشهادة فلينطلق ومن كره فليرجع ثم مضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد حتى كان بمعدن فوق القرع بموضع من الحجاز يقال له بخران أضل سعد بن ابى وقاص وعتبة بن غزوان بغيرهما يعتقبانه فتخلفا في طلبه ومضى ببقية أصحابه حتى نزلوا بطن نخلة بين مكة والطائف- فبينماهم كذلك مرت عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة الطائف فيهم عمر والحضرمي والحكم بن كيسان مولى هشام بن مغيرة وعثمان بن عبد الله بن مغيرة واخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان- فلما راوا اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هابوهم فقال عبد الله بن جحش ان القوم قد وعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منكم فليتعرض لهم فحلقوا رأس عكاشة ثم اشرف عليهم فقالوا قوم عمار لا بأس عليكم فامنوهم وكان ذلك في يوم يرونه اخر يوم من جمادى الاخر وهو من رجب فتشاور القوم وقالوا لئن تركتموهم الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن منكم ويدخل عليكم الشهر الحرام فرمى واقد بن عبد الله السهمي عمرو الحضرمي بسهم فقتله وشد المسلمون عليهم فاسروا عثمان بن عبد الله بن مغيرة والحكم بن كيسان وهرب نوفل فاعجزهم واستاق المؤمنون العير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم- وقيل عزل عبد الله بن جحش لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس تلك الغنيمة وقسم سائرها بين أصحابه وكان أول خمس خمس في الإسلام وأول غنيمة وأول قتيل من المشركين عمر والحضرمي وأول أسير عثمان والحكم وكان ذلك قبل ان يفرض الخمس من المغانم ثم فرض الخمس على ما صنع عبد الله بن جحش في تلك الغير فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام فاوقف العير والأسيرين وابى ان يأخذ من ذلك شيئا- وقالت قريش لمن كان بمكة من المسلمين يا معشر الصبأة استحللتم الشهر الحرام وقاتلتم فيه- فعظم ذلك على اصحاب السرية وظنوا انهم قد هلكوا وسقط في أيديهم وقالوا يا رسول الله انا قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا الى هلال رجب فلا ندرى أفي رجب أصبناه أم في الجمادى- فاكثر الناس في ذلك فانزل الله تعالى هذه الاية- فاخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس الذي عزله عبد الله بن جحش- او أخذ العير فعزل منها الخمس وقسّم الباقي بين اصحاب السرية- وقيل أوقف غنائم اهل نخلة حتى رجع من بدر فقسمها مع غنائم

اهل بدر- وبعث اهل مكة في فداء اسيريهم فقال- بل نوقفهما «1» حتى يقدم سعد وعتبة فانا نخشاكم عليهما- وان لم يقدما قتلناهما بهما فقدم سعد وعتبة فافدى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسيرين بأربعين اوقية كل أسير- فاما الحكم فاسلم واقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقتل يوم بير معونة شهيدا واما عثمان بن عبد الله بن مغيرة فرجع الى مكة فمات بها كافرا واما نوفل فضرب بصن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعا وقتله الله فطلب المشركون جيفته بالثمن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذوه فانه خبيث الجيفة خبيث الدية قُلْ يا محمد قِتالٍ فِيهِ اى في الأشهر الحرم كَبِيرٌ ذنب كبير قال اكثر العلماء انه منسوخ بقوله تعالى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ قال ابن الهمام وهو بناء على التجوز بلفظ حيث في الزمان ولا شك انه كثير الاستعمال قلت لفظ حيث للمكان حقيقة ومجيئه للزمن تجوز لا دليل عليه- ولو فرضا انه مشترك في الزمان والمكان ففى شموله للازمنة شك ولا يجوز النسخ مع الشك- وقال البيضاوي هو نسخ الخاص بالعام- وفيه خلاف يعنى نسخ الخاص بالعام جائز عند ابى حنيفة حيث يقول العام ايضا قطعى الدلالة فيما يشتمله كالخاص- وغير جائز عند الشافعي وغيره حيث قالوا ان العام ظنى الدلالة بخلاف الخاص إذ ما من عام الا وقد خص منه البعض- والبحث عنه في اصول الفقه قال البيضاوي والاولى منع دلالة الاية على حرمة القتال في الأشهر الحرام مطلقا فان قتال فيه نكرة في حيز مثبت فلا تعم- قلت النكرة في الإثبات تعم عند قيام القرينة كما في قوله عليه السلام- تمرة خير من جرادة ولولا هاهنا النكرة للعموم لما استقام جواب السؤال واستدل ابن همام على نسخ الحرمة بالعمومات نحو قوله تعالى وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً «2» - وقوله عليه السلام أمرت ان أقاتل الناس حتى يقولوا لا الله الا الله- قلت وهذا ليس بسديد فان عموم تلك الآيات في المكلفين وأحوالهم دون الازمنة حتى يدخل فيها الأشهر الحرم فيلحقها الفسخ بل عموم الازمنة لو ثبت لثبت باقتضاء النص ولا عموم للمقتضى فلا يجرى فيه التخصيص والنسخ وكيف يدعى نسخ حرمة القتال في الأشهر الحرم مع ان قوله تعالى إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ يعنى بالقتال فيهن وَقاتِلُوا

_ (1) فى الأصل نقفهما (2) فى الأصل اقتلوا المشركين

الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ- إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ يعنى القتال في الشهر الحرام زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ وهذه الاية اخر آيات القتال نزولا وهى اية السيف نزلت في اخر السنة التاسعة وفيه ذكر حرمة الأشهر فهو مخصص لوجوب القتال فيما عدا الأشهر والله اعلم وايضا يدل على حرمة القتال في الأشهر الحرم خطبته صلى الله عليه وسلم يوم النحر في حجة الوداع قبل وفاته بشهرين حيث قال فيه الا ان الزمان استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض السنة اثنا عشر «1» شهرا منها اربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر وقال في اخر الحديث ان دماءكم وأموالكم واعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا- متفق عليه من حديث ابى بكرة- قال ابن همام حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف لعشر يقين من ذى الحجة الى اخر المحرم او الى شهر يعنى بهذا منسوخية الاية وهذا القول غريب وانما كان حصار الطائف في شوال سنه- عن ابى سعيد الخدري خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح من المدينة لليلتين خلتا من شهر رمضان رواه احمد بسند صحيح- وروى البيهقي عن الزهري بسند صحيح قال فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم لثلاث عشرة خلت من رمضان- قلت بهذا ظهر انه اقام في الطريق اثنى عشر يوما واقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة تسعة عشر يوما- وفي لفظ سبعة عشر رواه البخاري وفي رواية ثمانى عشرة ثم بعد فتح مكة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى حنين يوم السبت لست خلون من شوال- وقال ابن إسحاق لخمس وبه قال عروة واختاره ابن جرير وروى ابن مسعود فوصل الى حنين لعشر خلون من شوال فلما انهزم الهوازن وجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم حنين قدم فل ثقيف بالطائف وأغلقوا عليهم الأبواب وتهيئوا للقتال فلم يرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى مكة ولا عرج على شىء الا على غزو الطائف قبل ان يقسم غنائم حنين وترك السبي بالجعرانة وحاصر الطائف روى مسلم عن انس انه كان مدة حصاره أربعين ليلة- واستغربه في البداية- وذكر ابن إسحاق حاضر ثلاثين ليلة- وقال ابن إسحاق

_ (1) فى الأصل اثنى عشر

فى رواية حاصرهم بضعا وعشرين ليلة- وقيل عشرين يوما- وقيل بضع عشرة ليلة- رواه ابو داود- قال ابن حزم هو الصحيح بلا شك ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم الى مكة وانتهى مسيره الى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذى القعدة- فاقام بالجعرانة ثلث عشرة ليلة واعتمر ثم انصرف الى المدينة ليلة الأربعاء لثنتى عشر ليلة بقيت من ذى القعدة ودخل المدينة يوم الجمعة لثلاث بقين من ذى القعدة- قال ابو عمر كان مدة غيبته صلى الله عليه وسلم من حين خرج من المدينة الى مكة فافتتحها وواقع هوازن وحارب اهل الطائف الى ان رجع الى المدينة شهرين وستة عشر يوما- بل شهرين وستة وعشرين يوما- فكيف يتصور ما قال ابن همام حاصر الطائف لعشر بقين من ذى الحجة الى اخر المحرم- فلم يثبت منسوخية حرمة الأشهر والله اعلم لكن هذه الاية منسوخة بما مر من قوله تعالى لشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ لانها تدل على اباحة القتال في الأشهر الحرم ان كانت البداية في القتال من الكفار لان هذه الاية نزلت قبل غزوة بدر وتلك نزلت في عمرة القضاء سنة سبع كما ذكرنا فبقى البداية بالقتال في الأشهر محرما والله اعلم وَصَدٌّ اى صرف ومنع عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ اى عن الإسلام والطاعات وَكُفْرٌ بِهِ اى بالله وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ بحذف المضاف يعنى وصد المسجد الحرام ولا يجوز عطفه على الضمير المجرور لوجوب إعادة الجار حينئذ- ولا على سبيل الله لان عطف قوله وكفر به مانع منه إذ لا يقدم العطف على الموصول على العطف على الصلة وَإِخْراجُ أَهْلِهِ اى اهل المسجد وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ مما فعله السرية فان كلما ذكر مما صدى عن كفار مكة صدر عمدا وتعنتا وما صدر من السرية انما صدر خطا وبناء على الظن وَالْفِتْنَةُ يعنى الشرك أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ اى قتل الحضرمي فكيف يعيرونهم كفار مكة على ما ارتكبوه خطا مع ارتكابهم ما هو أشد من ذلك عمدا وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ يعنى كفار قريش حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ اخبار عن دوام عداوتهم إِنِ اسْتَطاعُوا هو استبعاد لاستطاعتهم وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ استدل الشافعي بهذه الاية على ان المرتد لا يحبط عمله ما لم يمت على الكفر فان صلى

[سورة البقرة (2) : آية 218]

رجل الظهر مثلا ثم ارتد نعوذ بالله منها ثم أمن والوقت باق لا يجب عليه إعادة الصلاة وكذا من حج ثم ارتد ثم اسلم لا يجب عليه الحج وهذا احتجاج بمفهوم الصفة وهو غير معتبر عند ابى حنيفة رحمه الله- وقال ابو حنيفة يجب عليه إعادة الصلاة ان اسلم والوقت باق وكذا يجب عليه الحج- لنا قوله تعالى وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وهذا مطلق والمطلق لا يحمل على المقيد عندنا والله اعلم فِي الدُّنْيا فلا يترتب على إسلامه في الدنيا عصمة الدم والمال فيحل قتله ولا يجب استمهاله الى ثلثة ايام لكنه يستحب فهو حجة على الشافعي في قوله بوجوب الامهال وَالْآخِرَةِ بسقوط الثواب وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (217) كسائر الكفار- فقال اصحاب السرية- يا رسول الله هل نؤجر على وجهنا هذا وهل يكون سفرنا هذا غزوا فانزل الله تعالى. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ كروا الموصول لتعظيم الهجرة والجهاد كانهما مستقلان فى تحقق الرجاء أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ اى ثوابه اثبت لهم الرجاء اشعارا «1» بان العمل غير موجب ولا قاطع في الدلالة لا سيما انما العبرة بالخواتيم وَاللَّهُ غَفُورٌ لما فعلوا خطأ رَحِيمٌ (210) بإعطاء الثواب. يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ اخرج احمد عن ابى هريرة قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر فسالوا رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما فانزل الله يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ فقال الناس ما حرم علينا انما قال اثم كبير وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوم صلى رجل من المهاجرين امّ أصحابه في المغرب خلط فى قرأته فانزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى الاية ثم نزلت اغلظ من ذلك يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الاية في المائدة الى قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قالوا انتهينا ربنا الحديث- قال البغوي جملة القول ان الله تعالى انزل في الخمر اربع آيات نزلت بمكة وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً فكان المسلمون يشربونها وهى لهم حلال يومئذ ثم لما نزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار لما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر فانهما مذهبتان «2» للعقل مسلبتان «3» للمال فانزل الله هذه الاية فتركها قوم لقوله تعالى إِثْمٌ كَبِيرٌ وشربها قوم لقوله منافع للنّاس الى ان صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعا ناسا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

_ (1) فى الأصل اشعار (2) فى الأصل مذهبة (3) فى الأصل مسلبة

وأتاهم بخمر فشربوا وسكروا فحضرت صلوة المغرب فقدّموا بعضهم ليصلى بهم فقرا (قل يا ايّها الكافرون اعبد ما تعبدون) هكذا الى اخر السورة بحذف لا فانزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سكارى الاية فحرم السكر في اوقات الصلاة فتركها قوم وقالوا لا خير في شىء يحول بيننا وبين الصلاة وشربها قوم في غير اوقات الصلاة كان الرجل يشرب بعد صلوة العشاء فيصبح وقد زال عنه السكر او بعد صلوة الصبح فيصحوا الى وقت الظهر واتخذ عتبان بن مالك صيفا ودعا رجالا من المسلمين فيهم سعد بن ابى وقاص وكان قد شوى لهم رأس بعير فاكلوا منه وشربوا الخمر حتى سكروا منها ثم انهم افتخروا عند ذلك وانتسبوا وتناشدوا الاشعار وانشد سعد قصيدة فيها هجاء الأنصار وفخر لقومه فاخذ رجل من الأنصار لحيى بعير فضرب به رأس سعد فشجّه موضحة فانطلق سعد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا اليه الأنصاري فقال اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا- فنزلت ما في المائدة والله اعلم. اختلف العلماء في ان الخمر ما هو فقال ابو حنيفة رحمه الله هو التي من ماء العنب إذا صار مسكر او قذف بالزبد ولم يشترط صاحباه القذف بالزبد- وقال مالك والشافعي واحمد كل شراب أسكر كثيره فهو خمر- قالت الحنفية الخمر اسم خاص لما ذكرنا وهو المعروف عند اهل اللغة ولهذا اشتهر استعماله فيه واشتهر في غيرها مما ذكرنا من المسكرات اسم اخر كالمثلث- والطلا- والمنصف- والباذق- ونحو ذلك واللغة لا يجرى فيها القياس- وقال الجمهور اسم الخمر لغة لكل ما خامر العقل- والتحقيق عندى ان الخمر لفظ مشترك بين الخاص والعام اما حقيقة واما بعموم المجاز والمراد في الاية هو المعنى الأعم- قال صاحب القاموس الخمر ما أسكر من عصير العنب او عام والعموم أصح- وقال ابن عمر حرمت الخمر وما بالمدينة منها شىء رواه البخاري وحديث انس كنت ساقى القوم يوم حرمت الخمر وما شرابهم الا الفضيح البسر والتمر- متفق عليه وفي رواية- انى لقائم أسقي أبا طلحة فلانا فلانا وسمى في بعض الروايات أبا عبيدة بن الجراح وابى بن كعب وسهيلا «1» إذ جاء رجل فقال قد حرمت الخمر فقالوا أهرق هذا القلال يا انس قال فما سالوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل- وعنه قال لقد حرمت الخمر حين حرمت وما نجد خمر الأعناب الا قليلا وعامة خمرنا اليسر والتمر- فهذه الآثار تدل على ما ذكرت ان الخمر قد يستعمل فى المعنى الأخص لكن المراد بالآية هو المعنى الأعم ولو بالمجاز وان كان المراد بالخمر في الاية المعنى

_ (1) فى الأصل سهيل

الأخص لما طابق الجواب السؤال فان السؤال انما كان عن الشراب الذي كانوا يشربونه حين سالوا قال عمر ومعاذ- أفتنا يا رسول الله عن الخمر فانها مذهبة للعقل- وقال الله تعالى إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ وهذا غير مختص بماء العنب بل لم يكن ماء العنب مستعملا لهم والله اعلم وفي الباب حديث عمر بن الخطاب انه قال فى خطبته- نزل تحريم الخمر وهى من خمسة أشياء العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل والخمر ما خامر العقل- متفق عليه ورواه احمد في مسنده عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم من الحنطة خمر ومن الشعير خمر ومن التمر خمر ومن الزبيب خمر ومن العسل خمر- وفي الباب عن النعمان بن بشير مرفوعا نحوه رواه الترمذي وابو داود وابن ماجة وروى احمد وفي آخره وانما انهى عن كل مسكر وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل مسكر حرام وكل مسكر خمر- رواه مسلم وعن انس قال الخمر من العنب والتمر والعسل والذرة فما خمرت من ذلك فهو الخمر- رواه احمد وإذا ثبت ان اسم الخمر تعم الاشربة المسكرة فثبت بنص القران ان ما أسكر كثيره فقليله حرام ونجس فيحد شاربه من اىّ شىء كان ولا يجوز بيعها ولا يضمن متلفها غير انه لا يكفر مستحل ما سوى التي من ماء العنب لمكان الاختلاف وقال ابو حنيفة رحمه الله يحرم من الاشربة سوى الخمر ثلثة أحدها الطلا وهو عصير العنب إذا طبخ حتى يذهب اقل من ثلثه فان ذهب نصفه فهو المنصف او اقل منه وهو الباذق إذا غلا واشتد وقدف بالزبد ثانيها السكر وهو التي من ماء التمر إذا غلا واشتد وقذف بالزبلة ثالثها نقيع الزبيب وهو التي من الزبيب إذا اشتد وغلا وقذف بالزبد ولم يشترط ابو يوسف القذف بالزبد فهذه الاشربة نجسة نجاسة خفيفة فى رواية وغليظة في اخرى فيحرم القليل منه كما يحرم البول لما مر من قوله صلى الله عليه وسلم الخمر من هاتين الشجرتين لكن لا يحد شاربه حتى يسكر لان حرمتها اجتهادية ظنية والحدود تندرئ بالشبهات ويجوز بيعها ويضمن متلفها عند ابى حنيفة خلافا لصاحبيه- والمثلث العنبي ونبيذ التمر والزبيب إذا طبخ ادنى طبخة وان اشتد إذا شرب منه ما يغلب على ظنه انه لا يسكر فكل ذلك عند ابى حنيفة وابى يوسف رحمهما الله حلال خلافا لمحمد رحمه الله هذا إذا قصد به التقوى واما إذا قصد به التلهي فلا يحل بالاتفاق- والقدر المسكر من هذه الثلاثة حرام بالاتفاق يحد شاربه- قال ابو حنيفة وابو يوسف انما يحرم من هذه الثلاثة إذا اسكرت القدح الأخير لانه

هو المسكر حقيقة- وما سوى ذلك من الاشربة وهو ما يتخذ من الحنطة والشعير والذرة والعسل والفانبذ والبنج ولبن الرماك وغير ذلك فهو حلال عند ابى حنيفة وابى يوسف رحمهما الله وان أسكر ولا يحد شاربه ولا يقع طلاق السكران منه- وفي رواية عنهما انه ان أسكر فهو حرام ويحد شاربه قال في الهداية قالوا الأصح انه يحد وبه قال محمد رحمه الله انه حرام ويحد شاربه ويقع طلاقه إذا أسكر منه كما في سائر الاشربة لكن هذه الاشربة ليست بنجسة عند الثلاثة حيث لا يقولون بحرمة قليلها- وفي فتاوى النسفي ان البنج حرام وطلاق البنجى واقع ومن يعتقد حليته يقتل ويحد شاربه كما يحد شارب الخمر- ويدل على ان كل مسكر حرام وعلى ان ما أسكر كثيره فقليله حرام من الأحاديث حديث جابر ان رجلا قدم من اليمن سال النبي صلى الله عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له الموز فقال النبي صلى الله عليه وسلم او مسكر هو قال نعم قال كل مسكر حرام- رواه مسلم- وعن سعد بن ابى وقاص انه صلى الله عليه وسلم نهى عن قليل ما أسكر كثيره- رواه النسائي وابن حبان والبزار ورجاله رجال الصحيح وعن جابر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما أسكر كثيره فقليله حرام- رواه الترمذي وحسنه وابو داود وابن ماجة وحديث عائشة عنه صلى الله عليه وسلم قال ما أسكر منه الفرق فملا الكف منه حرام- رواه احمد والترمذي وحسنه وابو داود وابن حبان في صحيحه وعن أم سلمة قالت نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر رواه ابو داود وعن ديلم الحميرى قال قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم انا بأرض باردة ونعالج فيها عملا شديدا وانا نتخذ شرابا من هذا القمح نتقوى به على عملنا وعلى برد بلادنا قال هل يسكر قلت نعم قال فاجتنبوه قلت ان الناس غير تاركيه قال ان لم يتركوه قاتلوهم رواه ابو داود وعن ابى مالك الأشعري انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها- رواه ابو داود- وفي الباب عن على عند الدارقطني- وعن خوات بن جبير في المستدرك واحتجوا على اباحة النبيذ بأحاديث منها حديث ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم كان ينبذله أول الليلة فيشربه إذا أصبح يومه ذلك والليلة التي تجىء والغد والليلة الاخرى والغد الى العصر فان بقي شىء سقاه الخادم او امر به فصب- رواه مسلم قالوا لو كان حراما لما سقاه الخادم- والجواب انه ان لم يكن مسكرا ولكن ذهب حلاوته وخاف ان سيكون مسكرا اعطى الخادم وان غلب على ظنه كونه مسكرا امر به فصب فلا حجة فيه- واحتجوا على ان الحرام مما سوى الخمر القدح الأخير دون قليله بما أسند الى ابن مسعود

كل مسكر حرام قال هى الشربة التي اسكرتك- أخرجه الدارقطني- قال ابن همام انه ضعيف فيه الحجاج بن ارطاة وعمار بن مطر وانما هو قول النخعي وأسند ابن المبارك انه ذكر له حديث ابن مسعود هذا فقال حديث باطل- واحتجوا بما روى عن ابن عباس حرمة الخمر بعينها والسكر من كل شراب- قال ابن همام انه لم يسلم وذكر ابن الجوزي انه روى ابو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه فقال هذا موقوف ولا يتصل الى ابى سعيد- قال ابن همام نعم هو متصل من طريق جيد عن ابن عباس بلفظ حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها والمسكر من كل شراب- وفي لفظ وما أسكر من كل شراب- قال ابن همام ولفظ أسكر تصحيف- قلت ومعنى اثر ابن عباس ان المسكر من كل شراب حرام قليلها وكثيرها واحتجوا ايضا بحديث ابى مسعود الأنصاري ان النبي صلى الله عليه وسلم عطش وهو يطوف بالبيت فأتى بنبيذ من السقاية فعطب فقال رجل أحرام يا رسول الله قال لا علىّ بدلو من ماء زمزم فصبه عليه ثم شرب وهو يطوف بالبيت- وعن المطلب بن ابى وداعة السهمي نحوه وفي آخره إذا اشتد عليكم شرابكم فاصنعوا هكذا- وعن ابن عمر انه سئل عن النبيذ الشديد فقال جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس فوجد ريح نبيذ فارسل فاتى به فوضع رأسه فيه فوجده شديدا فصب عليه الماء ثم شرب ثم قال إذا اغتلت أسقيتكم فاكسروها بالماء- وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه روى هذه الأحاديث كلها الدارقطني- وعن ابى مسعود سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النبيذ إحلال أم حرام قال حلال- رواه ابن الجوزي- وعن سعيد بن ذى لقوة قال شرب أعرابي نبيذا من اداوة عمر فسكر فامر به فجلد فقال انما شربت نبيذا من إداوتك فقال عمر انما نجلدك على السكر- رواه ابن الجوزي- والجواب ان حديث ابى مسعود قال الدارقطني هو معروف بيحيى بن يمان قال احمد بن حنبل كان يحيى بن يمان مغلط وضعفه قيل له أرواه غيره قال لا الا من هو أضعف منه قال النسائي لا يحتج به وقال ابو حاتم مضطرب الحديث- وحديث المطلب بن وداعة في رواته محمد بن السائب الكلبي وهو كذاب ساقط كذا قال ليث وسليمان والسعدي وقال النسائي والدارقطني متروك وقال ابن حبان وضوح الكذب اظهر فيه- واما حديث ابن عمر فيه عبد الملك بن نافع وهو مجهول ضعيف والصحيح عن ابن عمر مرفوعا ما أسكر كثيره فقليله حرام- واما حديث ابن عباس فتفرد به القاسم بن بهرام قال ابن حبان لا يجوز الاحتجاج به بحال- واما حديث ابى مسعود فيه عبد العزيز بن

ابان قال احمد تركته وقال ابن نمير هو كذاب يضع الحديث- واما حديث سعيد بن لقوة فقال ابو حاتم هو شيخ دجال وروى ابن ابى شيبة عن عمرو نحوه وفيه انقطاع- ثم انه لا خلاف في النبيذ فانه ان غلا واشتد فهو حرام قليله وكثيره بالاتفاق وان كم يسكر فهو حلال بالاتفاق فلا مساس لهذه الأحاديث بالخلافية أصلا والله اعلم وَالْمَيْسِرِ مصدر كالموعد سمى به القمار لانه أخذ مال الغير بيسر او سلب يسار الغير- قال عطاء وطاوس ومجاهد كل شىء فيه قمار فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب- قال البغوي روى عن على رضى الله عنه في النرد والشطرنج انهما من الميسر- روى البيهقي في شعب الايمان عن على انه كان يقول الشطرنج هو ميسر الأعاجم- وقد ورد في النهى عن عن النرد والشطرنج ونحوهما عن بريدة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال- من لعب بالنردشير فكانما صبغ يده بلحم خنزير- وروى عبدان وابو موسى وابن حزم عن حبة بن مسلم مرسلا- ملعون من لعب بالشطرنج والناظر إليها كالاكل لحم الخنزير- وعن ابى موسى الأشعري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله- رواه احمد وابو داود- وعنه انه قال لا يلعب بالشطرنج الا خاطئ وعنه انه سئل عن لعب الشطرنج فقال هى من الباطل ولا يحب الله الباطل رواه البيهقي في شعب الايمان وعن ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم- نهى عن الخمر والميسر والكوبة- رواه ابو داود وعن ابن عباس مرفوعا نحوه قيل الكوبة الطبل رواه البيهقي في شعب الايمان وعن ابى هريرة- ان رسول الله صلى الله عليه وسلم راى رجلا يتبع حمامة قال شيطان يتبع شيطانة رواه احمد وابو داود وابن ماجة والبيهقي في الشعب- والتحقيق ان اللعب بكل شىء حرام اجماعا وما روى عن الشافعي انه أباح اللعب بالشطرنج فقد صح انه رجع عن هذا القول- وان اضاعة المال والتبذير باى وجه كان كالرشوة والقمار والربوا وغير ذلك ايضا حرام اجماعا قال الله تعالى إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وفي الميسر اجتمع الأمران اللعب واضاعة المال فامره أشد وهو كبيرة من الكبائر اجماعا سواء كان المقامرة بما كان به عادة العرب او بغير ذلك من الشطرنج والغرد ونحوهما قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ فانهما يستلزمان الأوزار العظيمة من المخاصمة ما لمشاتمة ويوقعان العداوة والبغضاء ويصدان عن ذكر الله وعن الصلاة قرا حمزة والكسائي أتم كثير بالثاء من حيث تعدد اقسام الأوزار- وقال الباقون كبير بالباء بناء على عظم المعصية وكونهما من الكبائر عن معاذ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تشربنّ خمرا فانه رأس كل

فاحشة- رواه احمد وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين لسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن الحديث رواه البخاري وعن ابن عمر وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- الخمر أم الفواحش واكبر الكبائر ومن شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على امه وخالته وعمته- رواه الطبراني بسند صحيح- وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب من شرب الخمر لم يقبل الله لصلوة أربعين صباحا فان تاب تاب الله عليه فان عاد لم تهبل الله له صلوة أربعين صباحا فان تاب تاب الله عليه فان عاد لم يقبل الله له صلوة أربعين صباحا فان تاب تاب الله عليه فان عاد في الرابعة لم يقبل الله له صلوة أربعين صباحا فان تاب لم يتب الله عليه وسقاه من نهر الخيال رواه النسائي وابن ماجة والدارمي وعن عبد الله بن عمر وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- الخمر أم الخبائث فمن شربها لم يقبل صلاته أربعين يوما فان مات وهى في بطنه مات ميتة جاهلية- رواه الطبراني بسند حسن وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال لا يدخل الجنة عاق ولا قمار ولا منان ولا مدمن خمر رواه الدارمي وعن ابن عمر مرفوعا ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة مد من الخمر والعاق والديوث- رواه احمد والنسائي وعن ابى امامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله بعثني رحمة للعالمين وهدى للعالمين وأمرني ربى عز وجل بمحق المعازف والمزامير والأوثان والصليب وامر الجاهلية وحلف ربى عز وجل بعزتي لا يشرب عبد من عبيدى جرعة من خمر الا سقيته من الصديد مثلها ولا يتركها مخافتى إلا سقيته من حياض القدس- رواه احمد وعن ابى موسى الأشعري ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة لا يدخل الجنة مدمن الخمر وقاطع الرحم ومصدق السحر- رواه احمد وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مدمن الخمر ان مات لقى الله كعابد وثن- رواه احمد- وروى ابن ماجة عن ابى هريرة والبيهقي- وعن ابى موسى انه كان يقول ما أبالي شربت الخمر او عبدت هذه السارية دون الله- رواه النسائي وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ فان في الخمر لذة عند شربها والفرح واستمراء الطعام وتشجيع الجبان وتوقير المروة وتقوية الطبيعة- ودفع بعض الأمراض وفي الميسر إصابة المال من غير كد ولا تعب (مسئلة) اجمعوا على انه لا يجوز الانتفاع بالخمر في حالة الاختيار واما في حالة الإكراه والاضطرار فيجوز لقوله تعالى إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ- وقوله تعالى فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ- فمن غص بلقمة ولم يجد غير الخمر جاز له

ان يسقيها عند ابى حنيفة والشافعي واحمد وقال مالك في المشهور عنه لا يجوز- واختلفوا في انه هل يجوز التداوى بالخمر فقال ابو حنيفة ومالك واحمد لا يجوز وبه قال الشافعي في أصح قوليه وفي قول له انه يجوز القليل للتداوى قال في الهداية كره شرب ودردى الخمر والامتشاط به لان فيه اجزاء الخمر والانتفاع بالمحرم حرام- ولهذا لا يجوز ان يداوى به جرحا او دبرة دابة ولا ان يسقى ذميا ولا ان يسقى صبيا للتداوى والوبال على من سقاه- وكذا لا يسقيها الدّواب عن وائل بن حجر ان رجلا سال النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه عنها قال انما صنعتها للدواء فقال النبي صلى الله عليه وسلم انها داء وليست بدواء- رواه مسلم وعن طارق بن سويد قال قلت يا رسول الله ان بأرضنا أعنابا نعصرها ونشربها قال لا فعاودته فقال لا فقلت انا نستسقى بها المريض قال ان ذاك ليس بشفاء لكنه داء- رواه احمد- وعن أم سلمة قالت نبذت نبيذا في كور فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغلى فقال ما هذا قلت اشتكت ابنة لى فصنعت لها هذا فقال ان الله لم يجعل شفاء كم فيما حرم عليكم- رواه البيهقي وابن حبان ولفظ ابن حبان ان الله لم يجعل شفاءكم فى حرام وذكره البخاري عن ابن مسعود تعليقا- قلت ليس معنى قوله صلى الله عليه وسلم لم يجعل شفاءكم في حرام انه لم يخلق فيه شفاء فانه خلاف منطوق الاية وبالتحريم لا ينتفى المنافع الخلقية لا تبديل لخلق الله- بل المعنى انه لم يرخص لكم في تحصيل الشفاء بالحرام وقد يحتج على جواز التداوى بالحرام بحديث انس ان رهطا من عكل او قال عرينة قدموا المدينة فامولهم النبي صلى الله عليه وسلم بلقاح وأمرهم ان يخرجوا فيشربوا من أبوالها وألبانها فشربوا حتى إذا برءوا قتلوا الراعي الحديث متفق عليه والجواب انه منسوخ فان قصة العرنيين كان قبل نزول سورة المائدة على ان الشافعي يستدل بهذا الحديث على طهارة بول ما يؤكل لحمه فلا يجوز له الاحتجاج بهذا الحديث على جواز التداوى بالمحرم- واختلفوا في انه هل يجوز تخليل الخمر فقال ابو حنيفة يجوز ويطهر بالتخليل وقال مالك يكره لكن يطهر بالتخليل وقال الشافعي واحمد لا يجوز ولا يطهر- لابى حنيفة حديث أم سلمة انها كانت لها شاة يحلبها ففقدها النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما فعلت الشاة قالوا ماتت قال أفلا انتفعتم باهابها فقلنا انها ميتة فقال دباغتها تحل كما تحل خل الخمر- رواه الدارقطني قال الدارقطني تفرد به الفرج بن فضالة وهو ضعيف

وقال ابن حبان بقلب الأسانيد يلزق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة لا يحل الاحتجاج به- وقد ذكروا أحاديث لا اصل لها منها خير خلكم خل خمركم ويطهر الدباغ الجلد كما يحل الخمر- وهذا لا يعرف والحجة للشافعى واحمد حديث انس ان أبا طلحة سال النبي صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرا قال اهرقها قال اولا نجعلها خلا- قال لا أخرجه مسلم ولهذا الحديث طرق اخر أخرجها الدارقطني وفي بعضها الى اشتريت لايتام في حجرى خمرا فقال النبي صلى الله عليه وسلم أهرق الخمر واكسر الدنان فاعاد ذلك عليه ثلاث مرات- وحديث ابى سعيد قال قلنا الرسول الله صلى الله عليه وسلم لما حرمت الخمر ان عندنا خمر ليتيم لنا فامرنا فاهرقناها وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما قال البغوي قال الضحاك إثمهما بعد التحريم اكبر من نفعهما قبل التحريم- وقيل إثمهما اكبر من نفعهما قبل التحريم- والظاهر عندى ان إثمهما بعد التحريم اكبر من نفعهما كذلك لان مضار الإثم راجعة الى الاخرة ومنافعها راجعة الى الدنيا ومتاع الدنيا قليل والساعة أدهى وامر والله اعلم اخرج ابن ابى حاتم من طريق سعيد وعكرمة عن ابن عباس ان نفرا من الصحابة حين أمروا بالنفقة في سبيل الله أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا انا لا ندرى ما هذه النفقة التي امرتنا بها في أموالنا فما ننفق منها- واخرج ايضا عن يحيى انه بلغه ان معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول الله ان لنا ارقاء وأهلين فما ننفق من أموالنا فانزل الله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ (5) قُلِ الْعَفْوَ قرا ابو عمر وبالرفع يعنى الذي ينفقون هو العفو قال عطاء وقتادة والسدى هو ما فضل عن الحاجة وكان الصحابة يكتسبون المال فيمسكون قدر النفقة ويتصدقون بالفضل بحكم هذه الاية- عن ابى امامة ان رجلا من اهل الصفة نوفى وترك دينارا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيّة قال ثم توفى اخر وترك دينارين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيتان- رواه احمد والبيهقي في شعب الايمان وعن ابى هاشم بن عقبة قال عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدا سمعته يقول انما يكفيك من جمع المال خادم ومركب- رواه احمد والترمذي والنسائي وابن ماجة ثم نسخ هذا الحكم باية الزكوة قلت وهذا ليس بسديد فان إنزال الحكم بالزكاة في صدر سورة البقرة ونزولها في السنة الاولى او الثانية من الهجرة فآية الزكوة مقدمة نزولا على هذه الاية- فاما ان يقال المراد

بهذه الاية اشتراط ان يكون نصاب المال في الزكوة فاضلا عن الحاجة الاصلية من الدين وغير ذلك او يقال السؤال انما كانت عن الصدقة النافلة ومقتضى الاية ان الأفضل التصدق عن ظهر غنى قال مجاهد معناه التصدق عن ظهر غنى حتى لا يبقى كلا على الناس- وقال عمرو بن دينار العفو الوسط من غير إسراف ولا إقتار قال الله تعالى وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا- وقال طاؤس العفو ما يسر ومنه قوله تعالى خُذِ الْعَفْوَ اى الميسور من اخلاق الناس فينفق ما تيسر له بذله ولا يبلغ منه الجهد عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول- رواه البخاري وابو داود والنسائي- وعن حكيم بن حزام نحوه متفق عليه وروى البغوي عن ابى هريرة نحوه وزاد واليد العليا خير من اليد السفلى- وعن ابن عباس مثله بلفظ خير الصدقة ما أبقت غنى- رواه الطبراني وعن ابى هريرة قال جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله عندى دينار فقال أنفقه على نفسك- قال عندى اخر قال أنفقه على ولدك قال عندى اخر قال أنفقه على أهلك قال عندى اخر قال أنفقه على خادمك قال عندى أنت اعلم- رواه ابو داود والنسائي- وعن جابر ان رجلا اتى النبي صلى الله عليه وسلم ببيضة من ذهب أصابها فى بعض المغانم فقال خذها منى صدقة فاعرض عنه ثم كرر مرارا فقال هاتها مغضبا فاخذها فخذفها حذفا لو أصابه لشجه ثم قال يأتى أحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس انما الصدقات عن ظهر غنى- رواه البزار وابو داود ابن حبان والحاكم عند البزار في بعض المغانم والباقيين في بعض المغازي فان قيل لهذا الحديث والاية يدلان على كراهة انفاق جميع المال وكراهة جهد المقل- فان العفو ضد الجهد وحديث ابى امامة يدل على وجوب انفاق جميع المال- وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم- انه سئل اىّ صدقة أفضل قال جهد المقل وابدأ بمن تقول- رواه ابو داود من حديث ابى هريرة- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان لى مثل أحد ذهبا لسرنى ان لا يمر على ثلاث ليال وعندى منه شىء الا شىء ارصده لدين رواه البخاري وعن اسماء قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انفقى ولا تحصى فيحصلى الله عليك ولا توعى فيوعى الله عليك ارضحى ما استطعت- متفق عليه قلت الحكم يختلف باختلاف الاشخاص والأحوال فمن كان بعد ما يتصدق كل ماله يتكفف الناس ولا يستطيع الصبر على الفقر لا يجوز له ذلك ومن يقدر على الصبر وليس عليه حق من حقوق الناس فالافضل

[سورة البقرة (2) : آية 220]

فى حقه البذل في سبيل الله- وحقوق الناس من الديون ونفقة العيال والخادم مقدم على التصدق على الأجنبي لا محالة فان ذلك فريضة وهذه نافلة- ومن التزم على نفسه التزهد والمعاش على حسب عيش النبي صلى الله عليه وسلم كاهل الصفة من الصحابة واهل الخانقاه من الصوفية فيكره له إمساك ما فضل عن الحاجة وعليه يحمل حديث ابى امامة ولعل النبي صلى الله عليه وسلم عبر التحسر على فوات الأفضل من الأعمال بالكلية- فان قيل لو أنفق ما فضل عن الحاجة قبل بلوغ النصاب والحول فقط ادى نافلة ولو اتفق بعد ما بلغ المال نصابا وحال عليه الحول فقد ادى فريضة وأداء الفريضة يكون أفضل من النافلة فكيف يقال بالعكس- قلنا سبب وجوب الانفاق هو نفس تملك المال وبه يحصل القدرة الممكنة فان الشكر عبارة عن صرف النعمة في رضاء المنعم واشتراط النصاب والنماء والحول رخصة من الله تيسيرا وتفضلا وبه يحصل القدرة الميسرة فمن ترك الانفاق لفوات القدرة الميسرة فلا اثم عليه بناء على الرخصة- ولكن من أنفق مع فوات القدرة الميسرة بعد الممكنة فقد اتى بالعزيمة- والواجب في المال بعد النصاب وان كان ربع العشر مثلا لكن من أنفق كل المال في سبيل الله يقع كل ذلك عن الفريضة كما ان الواجب من القراءة في الصلاة يتادى بالفاتحة وثلاث آيات قصار لكن من قرا القران كله في ركعة يقع عن الواجب لان فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ- وأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ شامل لهما- وكون المال فاضلا عن الحاجة يكفى لصدق من التبعيضية في قمار رزقنكم كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ الكاف في موضع النصب صفة مصدر محذوف يعنى يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ تبيينا مثل ذلك التبيين فى امر النفقة وغيرها من الاحكام وانما وحدّ العلامة والمخاطب به جمع على تأويل القبيل والجمع او هو خطاب للنبى صلى الله عليه وسلم وخطابه يشتمل على خطاب الامة كقوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فى الدلائل والاحكام فتعلمون ان تلك الآيات لا يتصور الا من الله العليم بمصالح الأمور وعواقبها الحكيم المتقن فتبادروا بامتثال أوامره والانتهاء عن مناهيه فتفوزوا بمنافع الدارين. فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ الظرف متعلق بيبين تقدير الكلام يبين الله لكم الآيات ما يصلح لكم في امر الدنيا والاخرة لعلكم تتفكرون وقيل الظرف متعلق بتتفكرون والمعنى تتفكرون فيما يتعلق بالدنيا والاخرة فتأخذون بما هو

أصلح لكم فتحبسون من أموالكم ما يصلحكم المعاش في الدنيا وتنفقون الفاضل فيما ينفعكم في العقبى او المعنى لعلكم تتفكرون في الدارين فتؤثرون ابقاءهما وأكثرهما منافع- عن على رضى الله عنه قال ارتحلت الدنيا مدبرة وارتحلت الاخرة مقبلة ولكل واحد منهما بنون فكونوا من أبناء الاخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فان اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل- رواه البخاري في ترجمة باب ورواه البيهقي فى شعب الايمان عن جابر مرفوعا- وعن ابن مسعود ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نام على حصير وقام وقد اثر في جسده فقال ابن مسعود يا رسول الله لو امرتنا ان نبسط لك فقال ما لى وللدنيا ما انا والدينا الا كراكب استظل نحت شجرة ثم راح وتركها- رواه احمد والترمذي وابن ماجة- وعن ابى الدرداء مرفوعا ان إمامكم عقبة كؤدا لا يجوّزها المثقلون- رواه البيهقي في الشعب والله اعلم اخرج ابو داود والنسائي والحاكم وصححه من حديث ابن عباس انه لما نزلت قوله تعالى وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً الاية تحرج المسلمون تحرجا شديدا حتى عزلوا اموال اليتامى عن أموالهم فكان يصنع لليتيم طعام فيفضل منه شىء فيتركونه ولا يأكلونه حتى يفسد فاشتد ذلك عليهم وسالوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فانزل الله تعالى وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ يعنى إصلاح اموال اليتامى وأمورهم خير فان رايتم الإصلاح في المجانبة فذاك وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ ورايتم إصلاحهم في المخالطة فَإِخْوانُكُمْ اى انهم إخوانكم فى الدين والنسب والاخوان يعين بعضهم بعضا ويصيب بعضهم من مال بعض على وجه الإصلاح وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ يعنى الذي يقصد بالمخالطة الخيانة وإفساد مال اليتيم وأكله بغير حق مِنَ الْمُصْلِحِ الذي يقصد به الإصلاح وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ اى لضيّق عليكم وما أباح لكم ذلك ولكنه خفف عنكم فاباح لكم مخالطتهم على قصد الإصلاح إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غالب يحكم ما يشاء سهّل على العبادا وشق عليهم حَكِيمٌ يحكم بفضله على ما يقتضيه الحكمة ويتسع له الطاقة والله اعلم قال البغوي بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا مرثد الغنوي الى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين سرّا- فلما قدمها سمعت به امراة مشركة يقال لها عناق وكانت خليلة له في الجاهلية فاتته وقالت يا أبا مرثد

[سورة البقرة (2) : آية 221]

الا تخلو فقال لها ويحك يا عناق ان الإسلام قد حال بيننا وبين ذلك قالت فهل لك ان تتزوج بي قال نعم ولكن ارجعه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأمره فقالت ابى تبترم ثم استغاثت عليه فضربوه ضربا شديدا ثم خلوا سبيله فلما قضى حاجته بمكة وانصرف الى رسول الله صلى الله عليه وسلم اعلمه بالذي كان من امره وامر عناق وقال يا رسول الله أتحل لى ان أتزوجها فانزل الله تعالى. وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وكذا اخرج ابن المنذر وابن ابى حاتم والواحدي عن مقاتل- وقال السيوطي ليس هو في نزول هذه الاية انما هو في نزول اية سورة النور الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً الاية كذا أخرجه ابو داود والترمذي والنسائي من حديث ابن عمر وهذه الاية منسوخة في حق الكتابيات لقوله تعالى وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وهن مشركات حيث يعبدون عزيرا او مسيحا وَلَأَمَةٌ اى امراة حرة كانت او امة فان الناس عباد الله واماؤه مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ يعني بمالها وجمالها وشمائلها- والواو للحال ولو بمعنى ان تعليل لما سبق من النهى- قال البغوي نزلت في خنساء وليدة كانت كحذيفة بن اليمان فاعتقها فتزوجها واخرج الواحدي من طريق الواقدي عن ابى مالك عن ابن عباس انه كانت امة سوداء لعبد الله بن رواحة وانه غضب عليها فلطمها ثم فزع فاتى النبي صلى الله عليه وسلم فاخبره بذلك فقال له عليه السلام وما هى يا عبد الله فقال هى تشهدان لا الله الا الله وانك رسول الله وتصوم رمضان وتحسن الوضوء وتصلى- فقال هذه مؤمنة- قال عبد الله فو الذي بعثك بالحق لاعتقها ولا تزوجها ففعل فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا أتنكح امة وعرضوا عليه حرة مشركة فانزل الله هذه الاية- ويستفاذ من هذه الاية بالقياس ان امرأة تقية ذات اخلاق حسنة وان كانت فقيرة ذميمة اولى بالنكاح من امراة فاسقة سيئة الأخلاق وان كانت غنية جميلة- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تنكح المرأة لاربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك- متفق عليه وعن عبد الله بن عمر ومرفوعا خير متاع الدنيا المرأة الصالحة- رواه مسلم وعن ابى سعيد الخدري مرفوعا اتقوا النساء فان أول فتنة بنى إسرائيل كانت في النساء رواه مسلم-

[سورة البقرة (2) : آية 222]

وَلا تَنْكِحُوا مسلمة حذف احدى المفعولين والخطاب الى الأولياء او الى الحكام يعنى امنعوهن عن نكاح المشركين الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا- هذه الاية محكمة لا يجوز نكاح المؤمنة بالمشرك كتابيا كان او غيره اجماعا وَلَعَبْدٌ اى رجل مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ بماله او جاهه او غير ذلك أُولئِكَ يعنى المشركات والمشركين يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ اى الى الكفر والمعاصي فان للصحبة والموالات تأثير في النفوس يصير المرء على دين خليله وجليسه وَاللَّهُ يَدْعُوا على لسان رسله- او المعنى واولياء الله حذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه تفخيما لشأنهم إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ يعنى الى اعتقادات واعمال توجب الجنة والمغفرة فاولياء الله أحق بالمواصلة بِإِذْنِهِ بتوفيقه وتيسيره او لقضائه وإرادته وَيُبَيِّنُ آياتِهِ او امره ونواهيه لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221) لكى يتذكروا او ليكونوا بحيث يرجى منهم التذكر والله اعلم روى البخاري ومسلم والترمذي عن انس ان اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت فسأل اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك- واخرج «1» عن ابن عباس ان السائل ثابت بن الدحداح- واخرج ابن جرير عن السدى نحوه فانزل الله تعالى. وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ- المحيض مصدر كالمجئ والمبيت- والمعنى يسئلونك عما يفعل بالنساء في المحيض- ذكر الله سبحانه يسئلونك بغير واو ثلثا ثم بالواو ثلثا لعله كانت السؤالات السابقة في اوقات متفرقة والثلاثة الاخيرة كانت في وقت واحد فلذلك ذكرها بلفظ الجمع. قُلْ يا محمد هُوَ يعنى المحيض أَذىً قذر مستقذر فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ والمراد باعتزال النساء ترك الوطي اجماعا- دون ترك المخالطة في الاكل والشرب والمضاجعة وغير ذلك- روى البخاري ومسلم في حديث انس المذكور انه حين نزل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اصنعوا كل شىء الا النكاح وعن عائشة قالت كنت اغتسل انا والنبي صلى الله عليه وسلم من اناء واحد وكلانا جنب وكان يأمرنى فاتزر فيباشرنى وانا حائض وكان يخرج رأسه الىّ وهو معتكف فاغسله وانا حائض متفق عليه وعنها قالت كنت اشرب وانا حائض ثم انا وله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه موضع فيّ فيشرب واتعرق العرق وانا حائض ثم انا وله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه موضع فيّ رواه مسلم وعنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يتكى في حجرى وانا حائض ثم يقرأ القران متفق عليه وعنها قالت قال لى النبي صلى الله عليه وسلم ناولنى الخمرة من المسجد فقلت

_ (1) هكذا بياض في الأصل 12

انى حائض فقال ان حيضتك ليست في يدك- رواه مسلم عن ميمونة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى في مرط بعيضه علىّ وبعضه عليه وانا حائض- متفق عليه وعن أم سلمة قالت حضت فاخذت ثياب حيضتى فلبستها فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفست قلت نعم فادخلنى معه في الخميلة- رواه البخاري وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ تأكيد للحكم السابق وبيان للغاية قرا عاصم برواية ابى بكر وحمزة والكسائي بتشديد الطاء والهاء وقرا الآخرون بسكون الطاء وضم الهاء مخففا ومعنى القراءتين عند مالك والشافعي واحمد وأحد يعنى حتى يغتسلن فلا يجوز عندهم قربان الحائض بعد انقطاع دمها قبل الاغتسال أصلا- وقال ابو حنيفة معنى قراءة التخفيف حتى يطهرن من الحيض وتنقطع دمهن فيجوز على هذه القراءة القربان بغد الانقطاع قبل الغسل ومعنى قراءة التشديد الاغتسال فعلى هذه القراءة لا يجوز ذلك فيحمل ابو حنيفة قراءة التخفيف على ما إذا انقطع دمها بعد عشرة ايام وقراءة التشديد على ما دون العشرة- ويرد عليه ان قراءة التشديد ناطق بالمنع عن القربان قبل الاغتسال وقراءة التخفيف لا يدل على اباحة القربان قبل الاغتسال الا بالمفهوم والمفهوم لا يعارض المنطوق- وبعد ما اجمعوا على حرمة الوطي في الحيض اختلفوا في انه من ارتكب ذلك هل يجب عليه كفارة أم لا- فقال ابو حنيفة ومالك لا يجب عليه الكفارة بل الاستغفار فحسب- وهو الجديد من قول الشافعي- وقال احمد يتصدق بدينار فان لم يجد فنصف دينار- وقال الشافعي في القديم ان اتى حائضا فى اقبال الدم فعليه دينار وفي ادبار الدم فنصف دينار- لحديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فى الذي يأتى امرأته وهى حائض قال يتصدق بدينار او نصف دينار- رواه احمد عن يحيى عن شعبة عن الحكم عن عبد الحميد عن مقيم عنه ورواه اهل السنن والدارقطني ورواة هذا الحديث مخرج في الصحيحين الا مقيما انفرد بإخراجه البخاري وصححه ابن القطان والحاكم وابن دقيق العبد فلا يضر رواية من رواه موقوفا فان الرفع زيادة مقبولة من الثقة واحتجوا للقول القديم الشافعي بما روى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم- إذا كان دما اصفر فنصف دينار واحمر فدينار- ومدار هذا الحديث على عبد الكريم ابى امية وهو مجمع على تركه كان ابو أيوب السجستاني يرميه بالكذب وقال احمد ويحيى ليس بشىء واختلفوا في الاستمتاع بما تحت الإزار

دون الجماع فقال احمد يجوز وقال الجمهور لا يجوز لاحمد ما مر من حديث انس اصنعوا كل شىء الا النكاح- وعن عكرمة عن بعض ازواج النبي صلى الله عليه وسلم ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد من الحائض شيئا القى على فرجها شيئا رواه ابن الجوزي- واحتج الجمهور بحديث معاذ بن جبل قال قلت يا رسول الله ما يحل لى من امراتى وهى حائض قال ما فوق الإزار والتعفف عن ذلك أفضل- رواه رزين- قال محيى السنة اسناده ليس بالقوى- وعن عبد الله بن «1» نحوه رواه ابو داود- وعن زيد بن اسلم قال- ان رجلا سال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما يحل لى من امراتى وهى حائض فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم تشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها- رواه مالك والدارمي مرسلا- والتحقيق انه ان ملك اربته فلا بأس بالمساس تحت الإزار دون الفرج لان المراد بالآية هو النهى عن الجماع والجمع بين الحقيقة وو المجاز لا يجوز- والا فالترك واجب فانه من حال حول الحمى يوشك ان يقع فيه- واجمعوا على ان الحيض يمنع جواز الصلاة ووجوبها ويمنع جواز الصوم لا وجوبه- فلذا لا تقضى الصلاة وتقضى الصوم قالت عائشة- كنا نحيض عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمرنا بقضاء الصيام ولا يأمرنا بقضاء الصلاة- رواه مسلم والترمذي- وهذا حديث مشهور روى معناه عن كثير من الصحابة صريحا ودلالة- وفي الصحيحين قوله عليه السلام أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم- وايضا قوله صلى الله عليه وسلم إذا أقبلت الحيضة فاتركى الصلاة- ويمنع الحيض دخول المسجد والطواف ومس المصحف وقراءته اجماعا- قال الله تعالى لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم- وجهوا هذه البيوت عن المسجد فانى لا أحل المسجد لحائض ولا جنب رواه ابو داود وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقرا الحائض ولا الجنب شيئا من القران- رواه الترمذي وابن ماجة والدارقطني- وله شاهد من حديث جابر- رواه الدارقطني مرفوعا وفي اسناد هذين الحديثين مقال والله اعلم فَإِذا تَطَهَّرْنَ اتفق القراء هاهنا على التشديد فظهر ان الاغتسال شرط لاباحة الوطي فَأْتُوهُنَّ فجامعوهن يعنى أبا حكم الله الجماع بعد التطهر مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ يعنى الفرج دون الدبر-

_ (1) هكذا في الأصل

[سورة البقرة (2) : آية 223]

وانما ذكرنا الإباحة لان الأمر بالجماع للاباحة دون الوجوب- قال مجاهد وقتادة وعكرمة اى من حيث أمركم ان تعتزلوهن منه وهو الفرج- وكذا قال ابن عباس قيل من هاهنا بمعنى في يعنى فى حيث أمركم الله وهو الفرج كقوله تعالى إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ اى في يوم الجمعة- وقال ابن الحنفية من قبل الحلال دون الفجور إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ من الكفر والمعاصي وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) من الاقذار كمجامعة الحائض والإتيان في الدبر ومن الأحداث والاخباث فحرمة إتيان النساء في أدبارهن ثبت بهذه الاية بالاشارة او بالقياس على حرمة وطى الحائض فانه مستقذر كالوطى في الحيض- بل الوطي مطلقا مستقذر سواء كان في القبل او في دبر الرجل او الامرأة ومن ثم يجب الغسل به لكن أبيح الوطي في القبل لضرورة ابقاء النسل وجعل للاباحة شرائط من النكاح وعدم المحرمية وبراءة الرحم والطهارة من الحيض وغير ذلك- ولا ضرورة في الوطي في الدبر سواء كان المفعول به رجلا او امراة فبقى على حرمته لعلة الاستقدار- وقد ثبت حرمة إتيان الرجل الرجل في دبره بالنصوص القطعية والإجماع وهلك في ذلك قوم لوط عليه السلام فكذا إتيان المرأة في دبرها- ومن ثم قيد الله سبحانه قوله فَأْتُوهُنَّ بقوله مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ- ولدفع توهم حرمة الجماع بعلة الأذى وبيان وجه ضرورة الإباحة عقب الله تعالى تلك الاية بقوله-. نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ- يعنى مواضع حرث لكم شبههن بها تشبيها لما يلقى في أرحامهن من النطف بالبذور يعنى أبيح لكم إتيانهن ضرورة ابقاء النسل فَأْتُوا حَرْثَكُمْ يعنى فروجهن فهو كالبيان لقوله فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أَنَّى شِئْتُمْ يعنى كيف شئتم فان كلمة انى مشتركة في معنى كيف واين ولا يتصور هاهنا معنى اين فانه تدل على عموم المحل ومحل الحرث ليس؟؟ فتعين معنى كيف ويقتضيه ما سنذكر من التحقيق في سبب نزول الاية والله اعلم وبما قلنا من حرمة إتيان النساء فى أدبارهن قال ابو حنيفة واحمد وجمهور اهل السنة- ويحكى عن مالك جواز إتيان المرأة في دبرها واكثر أصحابه ينكرون ان يكون ذلك مذهبا له والصحيح انه كان مذهبا له ثم رجع عنه هو او رجع عنه أصحابه- والشافعي فيه قولان القول القديم عنه ما حكى عن ابن عبد الحكم عن الشافعي انه قال لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريمه ولا في تحليله شىء والقياس انه حلال فكانه قاس

على من عالج امرأته بذكره في فخذها او يدها- روى الحاكم بسنده عن ابن عبد الحكم انه كلم الشافعي فى مسئلة إتيان المرأة في دبرها فقال سالنى محمد بن الحسن فقلت له ان كنت تريد المكابرة وتصحيح الروايات وان لم تصح فانت اعلم وان تكلمت بالمناصفة كلمتك قال على المناصفة قلت فباىّ شىء حرمته قال لقوله عز وجل فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ- فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ والحرث لا يكون الا في الفرج قلت أفيكون ذلك محرما لما سواه قال نعم قلت فما تقول لو وطيها بين ساقيها او تحت بطنها او أخذت ذكره بيدها أفي ذلك حرث قال لا قلت أفتحرم ذلك قال لا قلت فلم تحتج بما لا حجة فيه قال فان الله قال وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ الاية قال فقلت له ان هذا ما يحتجون به للجواز ان الله اثنى على من حفظ فرجه من غير زوجته وما ملكت يمينه فقلت أنت تقول للحفظ من زوجته وما ملكت يمينه- قلت ولما ذكرنا من ان سبب حرمة إتيان النساء في الأدبار الاستقذار وذلك منتف فيمن وطيها بين ساقيها ونحو ذلك فظهروهن قياس الشافعي ومن ثم رجع الشافعي عن قوله ذلك- قال الحاكم لعل الشافعي كان يقول ذلك في القول القديم فاما في الجديد المشهور انه حرمه- وقال الربيع كذب ابن عبد الحكم والله الذي لا الله الا هو قد نص الشافعي على تحريمه في سننه وحكاه عنه جماعة منهم الماوردي في الحاوي وابو نصر بن الصباح في الشامل وغيرهم- وقال الشيخ ابن حجر العسقلاني بتكذيب الربيع لابن عبد الحكم لا معنى له لانه لم يتفرد به فقد تابعه اخوه عبد الرحمن- والتحقيق ان للشافعى فيه قولان والجديد المرجوع اليه انه وأفق الجمهور في التحريم- وقد ورد في حرمة الإتيان في الدبر أحاديث قال ابن الجوزي روى ذلك عن جماعة من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عمر بن الخطاب وعلى بن ابى طالب وخزيمة بن ثابت وابى هريرة وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن مسعود وعقبة بن عامر والبراء بن عازب وطلق بن على وأبو ذر وجابر بن عبد الله- قلت اما حديث عمر فقد أخرجه النسائي والبزار من طريق زمعة بن صالح عن ابن طاءوس عن أبيه عن الهاد عن عمر وزمعة ضعيف ضعفه احمد وابو حاتم وقال الذهبي صالح الحديث وقد اختلف عليه في رفعه ووقفه- واما حديث على فقد أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة بلفظ ان الله لا يستحيى من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن- واما حديث خزيمة بن ثابت ان رجلا سال

النبي صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في أدبارهن فقال- حلال- فلما ولى الرجل دعا فقال كيف قلت فى اى الحزبتين أمن دبرها في قبلها فنعم او من دبرها في دبرها فلا ان الله لا يستحى من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن- رواه الشافعي واحمد والترمذي وابن ماجة والدارمي وفيه عمرو بن اجنحة مجهول الحال ورواه النسائي من طريق وهب بن سويد بن هلال عن أبيه عن على بن السائب عن حصين بن محصين عن هرمى بن عبد الله عن خزيمة- ومن طريق هرمى ايضا أخرجه احمد والنسائي وابن حبان وهو لا يعرف حاله ايضا- وقال البزار لا اعلم في هذا الباب حديثا صحيحا وكلما روى عن خزيمة بن ثابت فغير صحيح وكذا روى الحاكم عن الحافظ ابى على النيشابوري ومثله عن النسائي وقال قبلهما البخاري- واما حديث ابى هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ملعون من اتى امراة في دبرها وفي لفظ لا ينظر الله يوم القيمة الى رجل اتى امراة في دبرها- رواه احمد وابو داود وبقية اصحاب السنن من طريق سهيل بن ابى صالح عن الحارث بن مخلد عن ابى هريرة- وأخرجه البزار وقال- الحارث بن مخلد ليس بمشهور- وقال ابن القطان لا يعرف حاله- وقد اختلف فيه على سهيل فرواه إسماعيل بن عيّاش عنه عن محمد بن المنكدر عن جابر أخرجه الدارقطني وابن شاهين- ورواه عمر مولى عفرة عن سهيل عن أبيه عن جابر أخرجه ابن عدى واسناده ضعيف- ولحديث ابى هريرة طريق اخر أخرجها احمد والترمذي من طريق حماد بن سلمة عن حكيم الأثرم عن ابى تميمة عنه بلفظ من اتى حائضا او امرأة في دبرها او كاهنا فصدقه ما يقول فقد كفر بما انزل على محمد قال الترمذي غريب لا نعرفه الا من حديث حكيم وقال البخاري لا يعرف لابى تميمة سماعا عن ابى هريرة- وقال البزار هذا حديث منكر وحكيم لا يحتج به وما تفرد به فليس بشىء- وله طريق ثالث أخرجها النسائي من رواية الزهري عن ابى سلمة عنه- قال حمزة الكتاني هذا حديث منكر وعبد الملك راويه قد تكلم فيه دحيم وابو حاتم وغيرهما- والمحفوظ الموقوف وله طريق رابع أخرجها النسائي من طريق بكر بن خنيس عن ليث عن مجاهد عن ابى هريرة بلفظ- من اتى شيئا من الرجال او النساء في الأدبار فقد كفر وبكر وليث ضعيفان- وله طريق خامس رواه عبد الله بن عمر بن حبان عن مسلم بن خالد الزنجي عن العلاء عن أبيه عن ابى هريرة بلفظ ملعون من اتى النساء في أدبارهن- رواه احمد والنسائي ومسلم ضعفه النسائي وغيره وقال الذهبي صدوق وثقة يحيى بن معين وغيره-

واما حديث ابن عباس أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان واحمد والبزار من طريق كثير بن عباس قال البزار لا نعلمه يروى عن ابن عباس بإسناد احسن من وهب- انفرد به ابو خالد الأحمر عن الضحاك بن عثمان عن محمد بن سلميان عن كريب- وكذا قال ابن عدى ورواه النسائي عن هناد عن وكيع عن الضحاك موقوفا وهو أصح عندهم من المرفوع وعن ابن عباس من طريق اخر موقوفا رواه عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاؤس عن أبيه ان رجلا سأل عن ابن عباس عن إتيان المرأة في دبرها فقال تسئلنى عن الكفر وأخرجه النسائي من رواية ابن المبارك عن معمر واسناده قوى- واما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فقد أخرجه احمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يأتى المرأة في دبرها فقال هى اللواطة الصغرى- وأخرجه النسائي وأعله والمحفوظ عن عبد الله بن عمرو من قوله كذا أخرجه عبد الرزاق وغيره- وفي الباب عن انس أخرجه الإسماعيلي في معجمه وفيه يزيد الرقاشي وهو ضعيف وعن ابى بن كعب في خبر الحسن بن عرفة بإسناد ضعيف جدا وعن ابن مسعود عند ابن عدى بإسناد واه وعن عقبة بن عامر عند احمد فيه ابن لهيعة- وهذا الأحاديث كلها وان كانت ضعيفة كما سمعت لكن باعتضاد بعضها ببعض يحصل العلم قطعا بورود النهى عن النبي صلى الله عليه وسلم بحيث لا مرد له فوجب القول به والله اعلم- واحتج القائلون بإباحته بما صح عن ابن عمر بطرق كثيرة انه قال نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ نزلت في إتيان النساء في أدبارهن- رواه البخاري- وكذا روى الطبراني بسند جيد عنه انه قال- انما نزلت رخصة في الإتيان الدبر- واخرج ايضا عنه- ان رجلا أصاب امراة فى دبرها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فانكر ذلك الناس فانزل الله تعالى- وكذا اخرج ابن جرير وابو يعلى وابن مردوية من طريق عبد الله بن نافع عن هشام بن سعد عن زيد بن اسلم عن عطاء بن يسار عن ابى سعيد الخدري ان رجلا أصاب امراة في دبرها فانكر الناس عليه ذلك فانزل الله تعالى نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ- قلت هذا وهم من ابن عمر وابى سعيد اخطئا في تاويل الاية- ولو كان هذا سبب نزول هذه الاية لما طابق الحكم الوقعة فان قوله تعالى فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ حكم بإتيان الحرث لا بإتيان الدبر فانه ليس بمحل الحرث فلا ينتهض حجة لاباحة الدبر- وقيل هذا وهم من نافع لما روى عن عبد الله بن الحسن انه لقى سالم بن عبد الله فقال له يا أبا عمر ما حديث يحدث نافع عن ابن عمر

انه لم يكن يرى بأسا بإتيان النساء في أدبارهن قال كذب العبد واخطأ انما قال عبد الله يؤتون في فروجهن من أدبارهن- قلت وقول سالم هذا ليس بسديد فانه لم ينفرد به نافع عن ابن عمر بل رواه زيد بن اسلم وعبيد الله بن عبد الله بن عمر وسعيد بن يسار وغيرهم عنه كذا ذكر الشيخ ابن حجر فالصحيح ان الوهم انما هو من ابن عمر وقد حكم بكونه وهما من ابن عمر رأس المفسرين ابن عباس- اخرج ابو داود والحاكم عن ابن عباس قال ان ابن عمر والله يغفر له أوهم- انما كان اهل هذا الحي من الأنصار وهم اهل وثن مع هذا الحي من اليهود وهم اهل كتاب كانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم وكان من امر اهل الكتاب لا يأتون النساء الا على حرف وذلك استر ما تكون المرأة فكان هذا الحي من الأنصار أخذوا بذلك وكان هذا الحي من قريش يسرحون النساء سرحا ويتلذ ذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امراة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فانكرته عليه وقالت انما كنا نؤتى على حرف فسرى أمرهما فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فانزل الله تعالى نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ- اى مقبلات ومدبرات ومستلقيات يعنى بذلك موضع الولد وهكذا في سبب نزول هذه الاية روى البخاري وابو داود والترمذي عن جابر قال كانت اليهود تقول إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول فاكذبهم الله تعالى وقال نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ اى كيف شئتم في الفرج يريد بذلك موضع الولد للحرث- وكذا روى احمد عن عبد الرحمن بن سابط قال دخلت على حفصة بنت عبد الرحمن فقلت انى سائلك عن أمر وأنا استحيى ان أسئلك- قالت لا تستحيى يا ابن أخي قلت عن إتيان النساء في أدبارهن قالت كانت اليهود تقول من حبا امرأته كان ولده أحول فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا في نساء الأنصار فحبوهن فابت امراة ان تطيع زوجها قالت لن نفعل ذلك حتى اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت على أم سلمة- فذكرت لها ذلك فقالت اجلسي حتى يأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم استحيت الانصارية ان تسئله فخرجت فحدثت أم سلمة فقال ادعى الانصارية فدعيت فتلا عليها هذه الاية نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ صماما واحدا- واخرج احمد والترمذي عن ابن عباس قال جاء عمر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هلكت قال وما أهلكك- قال حولت رجلى الليلة- فلم يرد عليه فانزل الله تعالى هذه

الاية فقال عليه السلام اقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة- وبهذا ظهر انه صلى الله عليه وسلم فسر هذه الاية بقوله اقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة كما فسر قوله تعالى فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ بقوله اصنعوا كل شىء الا النكاح وان كان ظاهر تلك الاية لا تدل على جواز مخالطة النساء في المأكل والمشارب فظهر اندفاع ما ذكر ابن عبد الحكم عن الشافعي- ان هذه الاية ليست محرمة للدبر كما انها ليست محرمة للموطى في الساق وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ- يعنى لا تقصدوا بالنكاح الحظوظ العاجلة فقط بل اقصدوا المنافع الراجعة الى الدين من تحصين الفرج والولد الصالح يدعو له ويستغفر ولا افراط فان الأمور المباحة باقتران النية الصحيحة الصالحة تصير عبادة- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي بضع أحدكم صدقة قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها اجر قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيه وزر فكذلك إذا وضعها في حلال كان له اجر- رواه مسلم في حديث ابى ذر وعن ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا مات الإنسان انقطع عمله الا من ثلثة صدقة جارية او علم ينتفع به او ولد صالح يدعو له- رواه مسلم وعنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يموت لاحد من المسلمين ثلثة من الولد فتمسه النار الا تحله القسم- متفق عليه وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنسوة من الأنصار لا يموت لاحداكن ثلثة من الولد فتحتسبه الا دخلت الجنة فقالت امراة منهن او اثنان يا رسول الله قال واثنان- رواه مسلم وعن ابن عباس مرفوعا من كان له فرطان من أمتي ادخله الله بهما الجنة- فقالت عائشة فمن كان له فرط من أمتك قال ومن كان له فرط الحديث- رواه الترمذي ويمكن ان يقال قوله تعالى وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ عطف تفسيرى لقوله فَأْتُوا حَرْثَكُمْ- ومعناه ان في إتيانكم حرثكم تقديم منكم لانفسكم من الافراط والدعوات والاستغفارات من صالحى الأولاد وبه يظهر فائدة النكاح وان لم تكن له نية صالحة- وقال عطاء ومجاهد المراد به التسمية والدعاء عند الجماع- روى البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال- لو ان أحدكم إذا أراد ان يأتى اهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا- فانه ان يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان ابدا وَاتَّقُوا اللَّهَ بالاجتناب عن معاصيه وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ فيجزيكم بأعمالكم ان خيرا فخيرا وان شرا فشرا وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (233) عن صهيب قال قال رسول الله

[سورة البقرة (2) : آية 224]

صلى الله عليه وسلم عجبا لامر المؤمن ان أصابته سراء شكر فكان خير انه وان أصابته ضراء صبر فكان خيرا له- رواه مسلم ذكر البغوي انه كان بين عبد الله بن رواحة وبين ختنه على أخته بشير بن النعمان الأنصاري شىء فحلف عبد الله ان لا يدخل عليه ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين خصمه وإذا قيل له قال حلفت بالله ان لا افعل فلا يحل لى الا ان تبر يمينى فانزل الله تعالى. وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ اى الحلف بالله او يمين الله على حذف المضاف عُرْضَةً فعلة بمعنى المفعول كالقبضة يطلق لما يعرض دون الشيء فيكون حاجزا عنه يعنى لا تجعلوا الحلف بالله مانعا عن الحسنات لِأَيْمانِكُمْ اللام صلة لعرضة لما فيها من الاعتراض- والمراد- بالايمان الأمور التي يحلف عليها أَنْ تَبَرُّوا مع ما عطف عليه عطف بيان لايمانكم- ويحتمل ان يكون اللام في لايمانكم للتعليل ويتعلق ان بالفعل او بعرضة اى لا تجعلوا الله عرضة لاجل ايمانكم لان تبرّوا- وقد يطلق عرضة للمعرض للامور لا يزال يقع عليه يقال جعلته عرضة لكذا اى نصبته له وفي القاموس العرضة الاعتراض في الخير والشر يعنى لا تقعوا على الحلف بالله في كل امر ولا تجعلوه كالهدف المنصوب للزمى- ولا تعرضوا باليمين في كل ساعة فحينئذ أَنْ تَبَرُّوا اما علة للنهى اى أنهاكم عن الحلف لان تبروا وعلة للمنهى بتقدير لا اى لا تكثر والحلف لان لا تبروا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وبهذه الاية تبت ان الإكثار بالحلف مكروه وان الحلّاف مجترئ على الله لا يكون برا متقيا ولا موثوقا به في إصلاح ذات البين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلف حنث او ندم- رواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عمر ورواه البخاري في تاريخه- وانه من حلف على ترك عمل من اعمال البر يجب عليه ان لا يجعل يمينه مانعا من البر بل يحنث ويكفر- عن ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من حلف بيمين فراى غيرها خيل منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير- رواه مسلم وفي الصحيحين عن عبد الرحمن بن سمرة نحوه وعن ابى موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انى والله ان شاء الله لا احلف على يمين فارى غيرها خيرا منها الا كفرت عن يمينى وأتيت الذي هو خير- متفق عليه وقيل هذه الاية نزلت في الصديق رضى الله عنه لما حلف ان لا ينفق على مسطح لافترائه على عائشة أخرجه ابن جرير عن ابن جريج وَاللَّهُ سَمِيعٌ لايمانكم عَلِيمٌ (224) لنياتكم-.

[سورة البقرة (2) : آية 225]

لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بالعقاب في الاخرة وهو المراد بالمؤاخذة هاهنا في كلا الكلمتين وكذا في المائدة لا كما قيل ان المراد فى المائدة والمؤاخذة الدنيوية بالكفارة او أعم منهما- لان الكفارة كالزكوة خالص حق الله تعالى لا مؤاخذة به في الدنيا ولهذا من مات وعليه الزكوة او الكفارة ولم يوص لا يمنعان من تعلق حق الورثة بخلاف ديون العباد والعشر والخراج وايضا لا يجب الكفارة بنفس اليمين بل بالحنث بعد اليمين فلا يتصور تعليق المؤاخذة بالكفارة بعقد اليمين- فالمراد بالمؤاخذة هو العقاب والكفارة شرعت لرفع ذلك المؤاخذة بِاللَّغْوِ الكائن فِي أَيْمانِكُمْ واللغو في اللغة الساقط الذي لا يعتد به من الكلام او من غيره كذا في القاموس والمراد هاهنا ماجرى من اليمين على اللسان من غير عقد وقصد سواء كان في الإنشاء او الخير الماضي او المستقبل- وهذا التفسير مروى عن عائشة روى الشافعي انها قالت لغواليمين قول الإنسان لا والله وبلى والله- وأخرجه ابو داود عن عائشة مرفوعا- والى هذا ذهب الشعبي وعكرمة وبه قال الشافعي- وهذا هو المناسب للمعنى اللغوي المذكور فانه إذا كان من غير قصد فهو ساقط عن الاعتبار غير معتد به ولا يترتب عليه الإثم اجماعا ان كان في الاخبار- وكذا لا ينعقد عند الشافعي إذا كان هذا القسم من اليمين فى الإنشاء- فلا يجب عليه الكفارة ان حنث والحجة له هذه الاية بهذه لتفسير وقال ابو حنيفة رحمه الله ينعقد اليمين ويجب الكفارة ان حنث لقوله صلى الله عليه وسلم ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق واليمين كذا قال صاحب الهداية- وهذا الحديث لم نجده في كتب الحديث لكن وجدنا حديث ابى هريرة من طريق عبد الرحمن بن حبيب عن عطاء عن يوسف بن ماهك عنه مرفوعا ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة- أخرجه احمد وابو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم والدارقطني قال الترمذي حسن وقال الحاكم صحيح وقال ابن الجوزي عطاء هو ابن عجلان متروك الحديث وقال الحافظ ابن حجر وهم ابن الجوزي انما هو عطاء بن ابى رباح- وعبد الرحمن بن حبيب مختلف فيه قال النسائي- منكر الحديث ووثقه غيره فالحديث حسن وأخرجه ابن عدى في الكامل بلفظ ثلاث ليس فيها لعب من تكلم بشىء منها لاعبا فقد وجب عليه الطلاق والعتاق والنكاح وفيه ابن لهيعة ضعيف واخرج عبد الرزاق عن على وعمر موقوفا انهما قالا- ثلاث لا لعب فيهن النكاح والطلاق والعتاق- وفي

رواية عنها اربع وزاد النذر- قال ابن همام ولا شك ان اليمين في معنى النذر فيقاس عليه- قلت ما ذكره الشافعي حديث مرفوع التحق بيانا وتفسيرا للاية والقياس في مقابلة النص لا يعتد به مع ان المقيس عليه وقع في اثر موقوف ليس بمرفوع وقال ابن همام ولو ثبت حديث اليمين لم يكن فيه دليل لان المذكور فيه جعل الهزل باليمين جدا والهازل قاصد لليمين غير راض لحكمه فلا يعتبر عدم رضاه به بعد مباشرته السبب مختارا- والناسي لم يقصد شيئا أصلا ولم يدر ما صنع وكذا المخطى لم يقصد التلفظ به بل بشىء اخر فليس هو في معنى الهازل فلا نص فيه ولا قياس على ان أبا حنيفة قال في تفسير اللغو في اليمين ان يحلف على شىء يرى انه صادق فيه ثم يتبين له خلاف ذلك وهو قول الزهري والحسن وابراهيم النخعي وقتادة ومكحول قالوا لا كفارة فيه ولا؟؟ اثم مع ان الحالف يقصد فيه اليمين مع ظن البر فما لم يقصد لا أصلا بل هو كالنائم يجرى على لسانه اولى ان لا يعتد بيمينه وقال الشافعي اليمين الذي تعلق به القصد وان كان على ظن الصدق ان كان على خلاف نفس الأمر يجب فيه الكفارة لانه ليس من اللغو على تفسيره بل هو من كسب القلب كالغموس غير انه معذور بناء على ظنه فلا اثم فيه- قلت وان لم يكن هو من اللغو لكن لا كفارة فيه ولا اثم اما عدم الإثم فلقوله تعالى وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ واما عدم الكفارة فلان الكفارة مبنى على الإثم فانها لازالة الإثم وليس فليس ولانها غير داخلة فيما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ والكفارة راجعة إليها- فان قيل لو كانت الكفارة مبينة على الإثم والإثم مرفوع عن الخطاء والنسيان بالإجماع والحديث فلم تجب الكفارة على القتل خطأ قلنا امر القتل أشد فجعل الله تعالى إثمين اثم القتل نفسه وهو كبيرة وذلك في القتل عمدا ولا يرتفع بالكفارة فلهذا لم نقل بوجوب الكفارة فيه وقد ارتفع ذلك الإثم بالخطأ واثم ترك الاحتياط وانما وجبت الكفارة في الخطأ لذلك الإثم- وقال سعيد بن جبير اللغو في اليمين هو اليمين على المعصية لا يؤاخذه الله بالحنث فيها بل يحنث ويكفر- وعلى هذا القول يتحدا للغو مع المنعقدة فى مادة والاية تدل على القسمة وهى ثنا في الشركة- وايضا القول بوجوب الكفارة تنافي القول بعد ما لمؤاخذة إذا الكفارة تبتنى على الإثم- وقال مسروق ليس عليه كفارة في اليمين على المعصية اتكفر خطوات الشيطان- وقال الشعبي في الرجل حلف على المعصية كفارته ان

يتوب منها- قلت اليمين على المعصية يشتمله عموم قوله تعالى وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فان فيه عقدا على الإيفاء فهو من المنعقدة دون اللغو فهو يوجب الكفارة وكونه على المعصية يوجب الرفض وهذا بعينه مقتضى قوله عليه السلام فليكفر وليأت بما هو خير والله اعلم وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ اى عزمتم وقصدتم الى اليمين الكاذبة وارتكبتم العصيان بقصدكم ارادتكم وانما قلنا ذلك بقرينة المؤاخذة فان المؤاخذة لا يكون الا على العصيان- فخرج بهذا القيد الايمان الصادقة كلها وما كان بظن الصدق وكذا اخرج به اليمين المنعقدة لانه لا معصية فيه بل في الحنث بعد اليمين- فان قيل ورد في المائدة وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ وذلك يدل على ثبوت المعصية والمؤاخذة عليها فكيف تقول انه خرج به اليمين المنعقدة الى آخره- قلت تقدير الكلام هناك وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ ان حنثتم وليس ذلك التقدير هاهنا لان التقدير نوع من المجاز- والحقيقة والمجاز لا يجتمعان والمؤاخذة على الغموس بمجرد اليمين- فالمراد بهذه الاية اليمين الغموس بأقسامها فقط وليس هاهنا ذلك التقدير- والمراد بما في المائدة المنعقدة فقط وفيها التقدير والله اعلم- وقال الشافعي المراد بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وبِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ واحد وهو ضد للغو؟؟ فقالوا كسب القلب هو العقد والنية فقوله بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وقوله بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ كلاهما يشتملان الغموس والمنعقدة والمظنونة ايضا فيجب الكفارة في جميع ذلك- قلنا ليس كذلك بل عقد اليمين الزام شىء على نفسه باليمين بحيث يجب ايفاؤه بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ولا معصية فيه ولا مؤاخذة الا بعد الحنث- وكسب القلب ضد لغو اليمين على تفسير عائشة فكان أعم منه مطلقا لكنا حملناه على كسب المعصية بمجرد اليمين بقرينة المؤاخذة من غير تقدير في الاية فهو الغموس فقط فلا كفارة في الغموس- لان الضمير في قوله تعالى فَكَفَّارَتُهُ راجع الى ما عقّدتّم الايمان فقط ولان الغموس كبيرة محضة فلو وجبت عليها كفارة فاما ان تكون سائرة ومزيلة لمعصية الغموس اولا وعلى الثاني لا تكون الكفارة كفارة- وعلى الاول يسع لكل امرئ ان يقتطع مال امرئ مسلم باليمين الفاجرة ثم يكفر عنها ولم يقل به أحد وقد قال الله تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وقال إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ- وقال عليه

الصلاة والسلام- الصلوات الخمس والجمعة الى الجمعة ورمضان الى رمضان كفارات لما بينهن ما اجتنب الكبائر- فظهران الطاعات لا تكون مكفرات الا للصغائر دون الكبائر- واما الكبائر فلا محيص عنها الا بالاستغفار الا ان يتغمّده الله برحمته ويغفر له ولعل الله سبحانه أشار الى ذلك بقوله وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) يغفر الكبائر ان شاء بتوبة او بغير توبة والظاهران الوعد بالمغفرة والحلم راجع الى قوله لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ فان سوق الكلام كان في يمين اللغو واليمين الغموس ذكر تبعا واستطرادا يدل عليه ما رواه البخاري عن عائشة انها قالت أنزلت هذه الاية لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ فى قول الرجل لا والله وبلى والله- والله اعلم- اعلم ان اليمين في الأصل القوة قال الله تعالى لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ويقال للجارحة ضد اليسار يمين لقوته ويقال للقسم فان فيه تقوية الكلام بذكر اسم الله تعالى وهو على نوعين الاول ان يجرى على اللسان من غير قصد سواء وقع في الخير الماضي او المستقبل صادقا كان او كاذبا او في الإنشاء وهو اللغو من اليمين وهو غير معتد به ولا يتعلق به حكم الا ما ذكرنا خلاف ابى حنيفة في الإنشاء- والثاني ما يتعلق به القصد وهو على نوعين اما في الخبر واما في الإنشاء فان كان في الخبر فالخبر ان كان صادقا في الواقع وفي زعم المتكلم ايضا كقولك والله ان محمدا رسول الله وان الساعة لاتية لا ريب فيها وانه لقد طلعت الشمس فلا كلام فيه انه عبادة ومن ثم لا يجوز الحلف بغير الله تعالى عن ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال- ان الله ينهاكم ان تحلفوا بآبائكم من كان حالفا فليحلف بالله او ليصمت- متفق عليه- وعنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول- من حلف بغير الله فقد أشرك- رواه الترمذي- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحلفوا بآبائكم ولا بامهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا بالله الا وأنتم صادقون- رواه ابو داود والنسائي- وان كان كاذبا في الواقع صادقا في زعم المتكلم فان كان زعمه مبنيا على دليل ظنى كحديث الآحاد وقد كذب فيه الراوي او أخطأ هو في تأويله او اثر من السلف الصالح او غلط في الحس او استصحاب الحال او نحو ذلك ولم يكن هناك دليل قاطع على كذبه فهو اليمين المظنون واللغو على تفسير ابى حنيفة وقد ذكرنا حكمه- وان لم يكن زعمه مبنيا على

[سورة البقرة (2) : آية 226]

دليل كقوله زيد قائم او سيقوم من غير علم ولا روية ولا اخبار من أحد فهو من الغموس المنهي عنه قال الله تعالى وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ- وما قام على كذبه دليل فهو من الغموس بالطريق الاولى كقول الكفار الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ- وانّ الله لا يبعث من في القبور- وان كان صادقا في الواقع كاذبا في زعم المتكلم كقول المنافقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ- او كاذبا في الواقع وكذا في زعم المتكلم كقول اليهود ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ وقولهم لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ وقول المديون ليس لك علىّ شىء فهو اليمين الغموس لا يحل اقترابه وهو كبيرة من الكبائر عن عبد الله ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس- رواه البخاري- وعن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقى الله يوم القيامة وهو عليه غضبان فانزل الله تعالى تصديق ذلك إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا الاية- متفق عليه وعن ابى امامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة- رواه مسلم وعن عبد الله بن أنيس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان من اكبر الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس- رواه الترمذي وعن حزيم ابن فاتك مرفوعا قال عدلت شهادة الزور بالاشراك بالله ثلث مرات ثم قرأ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ- رواه ابو داود وابن ماجة وان كان في الإنشاء بان يلزم على نفسه شيئا او كف النفس عن شىء كان اليمين منعقدة وهو المراد بقوله تعالى وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ- فى المائدة وسنذكر حكمها هناك ان شاء الله تعالى-. لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ اى يحلفون ان لا يجامعوهن- والالية اليمين وتعديته بعلى لكن لما ضمن معنى البعد عدى بمن قال قتادة كان الإيلاء طلاقا لاهل الجاهلية- وقال سعيد بن المسيب كان ذلك ضرارا من اهل الجاهلية كان الرجل لا يحب امرأته ولا يريد ان يتزوجها غيره فيحلف ان لا يقرابها ابدا فيتركها لا ايمان ولا ذات بعل وكانوا عليه في ابتداء الإسلام فضرب له أجل في الإسلام تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مبتدأ خبره ما قبله او فاعل للظرف- والتربص الانتظار والتوقف أضيف الى الظرف على الاتساع- اى للمولى حق التلبث في هذه المدة لا يقع

[سورة البقرة (2) : آية 227]

فيه الطلاق او لا يطالب فيه بطلاق على خلاف يأتي فَإِنْ فاؤُ اى رجعوا عن اليمين الى النساء بالوطى بعد الأشهر الاربعة على قول الشافعي ومالك واحمد بتاء على ظاهر الاية فان الفاء للتعقيب وبناء على ذلك قالوا الرجل لا يكون موليا لو حلف على اربعة أشهر كما لا يكون موليا فيما دون ذلك بل إذا حلف على اكثر منها فان الفيء لا بد ان يكون فى مدة الإيلاء وان الطلاق لا يقع بمضى أربعة أشهر- وقرا ابن مسعود فان فاؤا فيهنّ يعنى فى أربعة أشهر وبناء على هذه القراءة قال ابو حنيفة انه لو حلف على اربعة أشهر يكون موليا وانه لا يصح الفيء الا فى اربعة أشهر فالخلاف مبنى على ان القراءة الشاذة هل يجوز العمل بها أم لا- قالوا لا يجوز فانه ليس بحديث ولا قران ولو كان قرانا لتواتر- وقال ابو حنيفة يجب العمل بها فانها لا تخلوا اما ان تكون قرانا او خبرا من رسول الله صلى الله عليه وسلم تفسيرا للقران وكل منهما حجة- فان قيل سلمنا كونه حجة لكنه لما وقع التعارض بينها وبين القراءة المتواترة وجب سقوطها- قلنا انما يجب سقوطها إذا لم يمكن الجمع بينهما وهاهنا الجمع ممكن فان الفاء كما يجىء للتعقيب فى الزمان قد يكون لتفصيل مجمل قبلها وغير ذلك كما فى قوله تعالى وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وقوله تعالى يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً وهاهنا لما ذكر ان لهم تربص اربعة أشهر من غير وطى كان موضعا يقتضى لتفصيل الحال فقال فَإِنْ فاؤُ الى قوله سَمِيعٌ عَلِيمٌ- وايضا على تقدير كون الفاء للتعقيب فى الزمان يحتمل ان يكون التعقيب بالنسبة الى الإيلاء يعنى فان فاءو بعد الإيلاء- والقراءة المتواترة يدل على جواز الفيء مطلقا سواء كان فى اربعة أشهرا وبعدها والشاذة مقيدة بكون الفى عليهم فيحمل المطلق على المقيد- قال ابو حنيفة قراءة ابن مسعود مشهورة يجوز به تخصيص الكتاب وحمل مطلقه على المقيد فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) قال الحسن وابراهيم وقتادة إذا فاء المولى لا كفارة عليه لان الله تعالى وعد المغفرة والرحمة- وعند الجمهور يجب عليه الكفارة فان وعد المغفرة لا ينفى الكفارة الثابتة بالآية فى سورة المائدة وقوله عليه السلام من حلف على يمين فراى غيرها خيرا منها فليكفر وليأت بما هو خير-. وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ قال مالك والشافعي واحمد معناه ان لم يفيؤا بعد الأشهر

الاربعة وعزموا الطلاق وطلقوا فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لقولهم بالتطليق عَلِيمٌ (227) لنياتهم- وبناء على هذا التأويل قالوا لا يقع الطلاق بمجرد مضى الأشهر الاربعة بل يتوقف على تطليقة إذ لو لم يتوقف على تطليقة ويقع الطلاق بمجرد انقضاء الأشهر لا تكون لعزمه على الطلاق معنى ولا يناسبه التذييل بقوله تعالى فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ وعلى هذا التأويل ليس الترديد دائرا بين النفي والإثبات وبقي شق ثالث وهو ان لا يفىء ولا يعزم على الطلاق وحكم هذا الشق مسكوت عنه فاختلف فيه قول القائلين بهذا التأويل- فقال أكثرهم يطلّق الحاكم عليه لانه لما امتنع عن الإمساك بالمعروف ينوب الحاكم عنه فى التسريح بالإحسان كما فى العنين- وفى رواية عن الشافعي واحمد انه يضيق الحاكم عليه حتى يطلق- وقال ابو حنيفة تأويله ان عزموا وقوع الطلاق باستمراره على ترك الفيء حتى انقضى المدة وقع الطلاق به «1» - قالوا لو لم يقع الطلاق به لجاز له الفيء بعد الأشهر فلا يكون لتقييد الفيء بقوله فيهن على قراءة ابن مسعود معنى- ولو قلنا بانه لا يجوز له الفيء بعد الأشهر وعليه التطليق حتما يلزم خرق الإجماع المركب إذ لم يقل به أحد على ان الترديد الواقع فى الاية يأبى عنه وعلى هذا التأويل معنى قوله تعالى فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لما يقارن ترك الفيء من المقاولة والمجادلة وحديث النفس به كما يسمع وسوسة الشيطان- او انه سميع للايلاء الذي هو طلاق موقوف على مضى الأشهر الاربعة من غير وطى عليم بما استمروا عليه من الظلم وفيه معنى الوعيد على ذلك واثار الصحابة فى الباب متعارضة فقد روى عن عمر وعثمان وعلى وزيد بن ثابت وابن مسعود وابن عباس وابن عمر مثل ما قال ابو حنيفة غير ان ما روى عن عمر يدل على الطلقة الرجعية- اخرج الدارقطني عن إسحاق حدثنى مسلم بن شهاب عن سعيد بن المسيب وابى بكر بن عبد الرحمن ان عمر بن الخطاب كان يقول إذا مضت اربعة أشهر فهى تطليقة وهو املك بردها ما دامت فى عدتها- واخرج عبد الرزاق حدثنا معمر عن عطاء الخراسانى عن ابى سلمة بن عبد الرحمن ان عثمان بن عفان وزيد بن ثابت كانا يقولان فى الإيلاء إذا مضت أربعة أشهر فهو تطليقة واحدة وهى أحق بنفسها وتعتد عدة المطلقة وأخرج عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة أن عليا وابن مسعود قالا إذا مضت أربعة أشهر فهى تطليقة- وهى أحق بنفسها وتعتد عدة المطلقة- واخرج عبد الرزاق حدثنا معمر وابن عيينة عن ابى قلابة قال الى النعمان من امرأته وكان جالسا عند ابن مسعود فضرب فخذه وقال إذا مضت اربعة أشهر فاعترف بتطليقة- واخرج ابن ابى شيبة حدثنا ابو معاوية عن الأعمش عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وابن عمر

_ (1) فى الأصل ووقع الطلاق به

قالا- إذا الى فلم يفى حتى مضت اربعة أشهر فهى تطليقة بائنة- وقد يروى عن عثمان وعلى وابن عمر ايضا ما يخالف ذلك ويوافق مذهب الشافعي- وكذا روى عن غيرهم من الصحابة روى الدارقطني قال حدثنا ابو بكر الميموني قال ذكرت لاحمد بن حنبل حديث عطاء الخراسانى عن عثمان قال لا أدرى ما هو قد روى عن عثمان خلافه قيل له من رواه قال حبيب بن ثابت عن طاؤس عن عثمان- وروى مالك فى المؤطا عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على بن ابى طالب انه كان يقول إذا الى الرجل من امرأته لم يقع عليه الطلاق فان مضت الاربعة الأشهر يوقف حتى يطلق او يفىء- وروى البخاري عن ابن عمر بسنده انه كان يقول فى الإيلاء الذي سمى الله تعالى لا تحل بعد ذلك الاجل الا ان يمسك بالمعروف او يعزم بالطلاق كما امر الله تعالى- وقال البخاري قال لى إسماعيل بن اويس حدثنى مالك عن نافع عن ابن عمر قال إذا مضت اربعة أشهر يوقف حتى يطلق- وقال الشافعي حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار قال أدركت بضع عشر رجلا من الصحابة كلهم يقولون يوقف المولى- قلت وذكر البغوي فيمن ذهب الى الوقف من الصحابة عمر وأبا الدرداء «1» ايضا قال ابن همام ما روينا عن عثمان وزيد بن ثابت اولى مما روى احمد عن عثمان لان سندنا جيد موصول بخلاف ما رواه احمد فان حال رجاله لا يعرف الى حبيب وهو اعضله ولا يعلم ان طاءوسا أخذ عن عثمان- ورواية محمد بن على عن على بن ابى طالب مرسل مثل رواية قتادة عنه وهما متعاصران- وما روينا عن ابن عمر وابن عباس رجاله كلهم اخرج لهم الشيخان فى الصحيحين فلا مزية لما فى صحيح البخاري عن ابن عمر عليه- قال البغوي والى الوقف ذهب من التابعين سعيد بن جبير وسليمان بن يسار ومجاهد والى خلاقه ذهب سفيان الثوري وسعيد بن المسيب والزهري لكن قالا يقع تطليقة رجعية- واخرج عبد الرزاق نحو مذهب ابى حنيفة من التابعين عن عطاء وجابر بن يزيد وعكرمة وسعيد بن المسيب وابى بكر «2» ابن عبد الرحمن ومكحول- واخرج الدارقطني نحوه عن ابن الحنفية والشعبي والنخعي ومسروق والحسن وابن سيرين وقبيصة وسالم وابى سلمة- وقيل فى الترجيح انه لا شك ان الظاهر من القراءة المتواترة يفيد مذهب الشافعي وغيره واما مذهب ابى حنيفة فلا يستفاد منه الا بتكلف لا يجوز المصير اليه الا بالسماع فمن قال من الصحابة على ظاهر الاية يعلم انه قال بالرأى ومن قال منهم بما

_ (1) فى الأصل وابى الدرداء (2) فى الأصل وأبا بكر

[سورة البقرة (2) : آية 228]

قال ابو حنيفة يحمل قوله على السماع قال ابن همام وهذا ترجيح عام- والله اعلم وهاهنا خلافيات اخر أحدها انه إذا اتى بغير يمين الله كالطلاق والعتاق والصدقة وإيجاب العبادات هل يكون موليا أم لا فقال ابو حنيفة يكون موليا سواء يقصد به الإضرار بها- او المصلحة لها بان كانت مريضة مثلا او المصلحة لنفسه بان كان مريضا مثلا- وقال مالك لا يكون موليا الا ان يحلف حال الغضب او لقصد الإضرار بها- وقال احمد الا ان يقصد الإضرار- وعن الشافعي قولان أصحهما كقول ابى حنيفة- وثانيهما انه من ترك وطى زوجته للاضرار بها من غير يمين اكثر من اربعة أشهر هل يكون موليا- فقال مالك وأحمد فى احدى روايتيه نعم وقال الجمهور لا ثالثها ان مدة إيلاء الرقيق كالحر اربعة أشهر عند الشافعي واحمد لعموم الاية قالا انها ضربت لامر يرجع الى الطبع وهو قلة صبر المرأة عن الزوج فى تلك المدة فيستوى فيه الحر والعبد كمدة الغيبة- وعند ابى حنيفة ومالك ينتصف المدة بالرق لكن عند ابى حنيفة برق المرأة وعند مالك برق الزوج بناء على اختلافهما فى الطلاق رابعها انه إذا تعذر الوطي فالفىء عند ابى حنيفة بقوله فئت ثم ان قدر على الوطي قبل مضى المدة يجب عليه الوطي وعند الشافعي لا فىء الا بالوطى إذ لا حنث الا به-. وَالْمُطَلَّقاتُ هذا اللفظ عام يشتمل الرجعيات والبائنات الحاملات والحائلات والمدخول بهن وغيرهن والحرائر والإماء- خص الإماء عنها بالسنة والإجماع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم طلاق الامة طلقتان وعدتها حيضتان- رواه الترمذي وابو داود وابن ماجة والدارمي من حديث عائشة وسنذكر البحث فى هذا الحديث وما فى هذه المسألة من تخصيص العام من الكتاب بخبر الآحاد فى تفسير قوله تعالى الطَّلاقُ مَرَّتانِ ان شاء الله تعالى- ونسخ حكم هذه الاية فى الحوامل بقوله تعالى وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وفى غير المدخول بها بقوله تعالى فى الأحزاب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ يَتَرَبَّصْنَ خبر بمعنى الأمر للتأكيد بِأَنْفُسِهِنَّ فيه بعث للنساء على التربص اى يحبسن انفسهن ويغلبنّها وان كان على خلاف هواها ثَلاثَةَ قُرُوءٍ فلا يتزوجن فيها- والقرء لفظ مشترك من الاضداد يطلق على الحيض والطهر كليهما بإجماع اهل اللغة فقال الشافعي ومالك وهو المروي عن عائشة وابن عمرو زيد بن ثابت ان المراد هاهنا

الطهر لحديث ابن عمر انه طلق امرأته وهى حائض فذكر عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر فان بدا له ان يطلقها فليطلقها طاهرا قبل ان يمسها فتلك العدة التي امر الله ان يطلق بها النساء- متفق عليه وجه الاحتجاج ان الله سبحانه قال يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ قالوا اللام فى لعدتهن للوقت اى وقت عدتهن والمشار اليه فى الحديث بتلك العدة الطهر الذي لا مسيس فيه فظهر ان المراد بالقروء الاطهار قلنا اللامر للوقت بمعنى فى غير معهود فى الاستعمال ويستلزم ذلك تقدم العدة على الطلاق او مقارنة له لاقتضائه وقوعه فى وقت العدة- بل اللام هناك لافادة معنى استقبال عدتهن يقال فى التاريخ بإجماع اهل العربية خرج لثلاث بقين من رمضان- ويؤيد ما قلنا ان ابن عباس وابن عمر كانا يقران يا ايّها النّبىّ إذا طلّقتم النّساء فطلّقوهنّ فى قبل عدّتهنّ- وفى هذا الحديث فى رواية لمسلم انه صلى الله عليه وسلم تلا وإذا طلّقتم النّساء فطلّقوهنّ لقبل عدّتهنّ- او نقول المراد بالعدة فى قوله صلى الله عليه وسلم فتلك العدة التي امر الله بها الوقت للطلاق اى تلك الوقت الذي امر الله ان يطلق بها النساء لا العدة التي يجب بعد الطلاق- وقد يحتج للشافعى بان التاء فى ثلثة يدل على تذكير المميز والقرء بمعنى الحيض مؤنث وبمعنى الطهر مذكر فهى المراد- وهذا ليس بشىء فان الشيء إذا كان له اسمان مذكر كالبر ومؤنث كالحنطة وليس هناك تأنيث حقيقى فالعبرة للمذكر منهما وهاهنا كذلك فان الحيض مؤنث والقرء مذكر وإذا كان التأنيث حقيقيا واللفظ مذكر كالشخص يعبر به عن المرأة ففيه وجهان جائزان- وقال ابو حنيفة واحمد المراد به الحيض ويحتج له بوجوه أحدها ما مر فى احتجاج الشافعي من حديث ابن عمر برواية مسلم وقراءة ابن عباس وابن عمر- ثانيها ان لفظ ثلاثة عدد خاص لا يدل على اقل منه ولا على أزيد منه والطلاق على وجه السنة لا يكون الا فى الطهر اجماعا ولما مر من حديث ابن عمر فثلاثة قروء لا يتصور الا فى الحيض دون الاطهار إذ لا يخلوا اما ان لا يعد هذا الطهر الذي وقع فيه الطلاق من العدة وهو خلاف الإجماع ولم يقل به أحد وايضا يلزم حينئذ الزيادة على الثلاث- او يعد فتكون العدة طهرين «1» وبعض طهر وذلك ليست بثلاثة- ولو جاز اطلاق الثلاثة على طهرين وبعض طهر لجاز اطلاق ثلاثة أشهر فى قوله تعالى فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ- على شهرين

_ (1) فى الأصل طهران [.....]

وبعض شهر ولم يقل به أحد- فان قيل أليس فى قوله تعالى الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ اطلاق الأشهر على شهرين وبعض شهر قلنا هناك لم يقل الحج ثلاثة أشهر بل قال أشهر- وهاهنا لم يقل قروء بل قال ثلاثة قروء فهذا ادل واصرح فلا يجوز حملها على ما دون ثلاثة تجوزا فان كلمة ثلاثة يمنع عن التجوز ومما يدل على ان المعتبر الأقراء التامات دون بعض القرء ما احتج به الشافعي من حديث ابن عمر فانه صلى الله عليه وسلم لم يجوز الطلاق فى الطهر الذي يلى الحيضة التي أوقع فيه الطلاق او لا كيلا يجتمع الطلقتان بلا فصل قرء تام- ثالثها قوله صلى الله عليه وسلم طلاق الامة تطليقتان وعدتهما «1» حيضتان- مع الإجماع على انه لا يخالف الامة الحرة فيما به الاعتداد بل فى الكمية فظهر ان المراد بالقروء الحيض- رابعها ان العدة شرعت لتعرف براءة الرحم وذلك بالحيض دون الطهر ومن ثم وجب الاستبراء فى الامة بالحيض دون الطهر- خامسها انه لو كان القرء بمعنى الطهر تنقضى العدة بدخول الحيض الثالثة ولو كان بمعنى الحيض لم ينقض ما لم تطهر من الحيضة الثالثة فلا تنقضى العدة بالشك- ومذهبنا مأثور من الخلفاء الراشدين والعبادلة وابى بن كعب ومعاذ بن جبل وأبى الدرداء وعبادة بن الصامت وزيد بن ثابت وابى موسى الأشعري- وزاد ابو داود والنسائي ومعبد الجهني وبه قال من التابعين سعيد بن المسيب وابن جبير وعطاء وطاءوس وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك والحسن البصري ومقاتل وشريك القاضي والثوري والأوزاعي وابن شبرمة وربيعة والسدى وابو عبيدة وإسحاق واليه رجع احمد بن حنبل قال محمد بن الحسن فى المؤطا حدثنا عيسى بن ابى عيسى الخياط عن الشعبي عن ثلاثة عشر من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم قالوا الرجل أحق بامراته حتى تغتسل من الحيضة الثالثة- والله اعلم وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ من الحمل والحيض استعجالا فى العدة وابطالا لحق الزوج فى الرجعة- وفيه دليل على ان قولها مقبول فى ذلك إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ والجزاء محذوف يعنى إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ لا يكتمن فان من شأن المؤمن ان لا يرتكب المحرم- والغرض منه التأكيد والتوبيخ والله اعلم وَبُعُولَتُهُنَّ جمع يعل والتاء لتانيث الجمع كالعمومة- واصل البعل المالك والسيد سمى الزوج بعلا لقيامه بأمر زوجته- والضمير راجع الى الرجعيات منهن ولا امتناع فيه كما كرر الظاهر وخصصه ثانيا-

_ (1) فى الأصل وعدته

او البعولة مصدر أقيم مقام المضاف المحذوف اى اهل بعولتهن أَحَقُّ افعل هاهنا بمعنى الفاعل اى حقيق بِرَدِّهِنَّ الى النكاح بالرجعة سواء رضيت المرأة اولا فِي ذلِكَ اى فى زمان التربص إِنْ أَرادُوا بالرجعة إِصْلاحاً لا ضرارا بالمرأة كما كانوا يفعلونه فى الجاهلية كان الرجل يطلق امرأته فاذا اقترب انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها- وليس المراد منه شريطة قصد الإصلاح للرجعة حتى لو راجعها بقصد الإضرار كان رجعة بل هو للمنع عن قصد الإضرار والتحريض على الإصلاح او يكون التقدير ان أرادوا إصلاحا فلا جناح عليه فى الرجعة- اجمعوا على جواز الرجعة من الطلاق الرجعى واختلفوا فى انه هل يجوز وطيها فى العدة أم لا- فقال ابو حنيفة واحمد فى اظهر روايتيه يجوز وفى اخرى له كقول الشافعي لا يجوز قال الشافعي الزوجية زائلة لوجود القاطع وهو الطلاق- قلنا تأخر عمل الطلاق الى انقضاء العدة اجماعا لجريان التوارث بينهما وجواز الرجعة بغير رضاها ووجوب النفقة فظهر ان النكاح قائم ويدل عليه قوله تعالى بُعُولَتُهُنَّ قالوا اطلاق البعل تجوز بناء على ما كان ولفظ الرد يدل على زوال النكاح- قلنا القول بالتجوز فى لفظ البعل ليس اولى من القول به فى الرد فانه يقال رد البيع فى بيع كان الخيار للبائع- ثم إذا تعارض احتمالا «1» المجاز فى لفظ البعل ولفظ الرد فى تلك الاية تساقط اعتبارهما وبقي قوله تعالى فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ وقوله فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ سالما فان الإمساك يدل على البقاء- ويمكن حمل الرد على الرد الى الحالة الاولى وهى كونها بحيث لا يحرم بعد مضى العدة فلا إشكال حينئذ أصلا- واختلفوا فى انه هل يشترط للرجعة القول- فقال الشافعي لا يحصل الرجعة الا بالقول بناء على ما قال ان الرجعة بمنزلة ابتداء النكاح وقال ابو حنيفة وأحمد إذا وطيها او قبلها أو لمسها بشهوة او نظر الى فرجها بشهوة يصير مراجعا ايضا كما يصير مراجعا بالقول بناء على ما ذكرنا ان الرجعة عندهما ليست بمنزلة ابتداء النكاح بل هو ابقاء لها فيكفى فيها الفعل الدال على الاستدامة كما فى إسقاط الخيار- وقال مالك فى المشهور عنه انّ بالوطى ان نوى الرجعة حصلت والا فلا- واختلفوا فى انه هل يشترط الاشهاد للرجعة- فقال احمد وهو قول الشافعي يشترط عملا بقوله تعالى وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ فى سورة الطلاق- وقال ابو حنيفة ومالك والشافعي فى أصح قوليه واحمد فى احدى «2» روايتيه- انه لا يشترط ذلك والأمر فى الاية محمول على الاستحباب إذ لو كان الاشهاد واجبا لكان الاشهاد على الفرقة

_ (1) فى الأصل احتمالي المجاز (2) فى الأصل أحد-

ايضا واجبا لاقترابه بقوله تعالى أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ولم يقل به أحد ولو كان واجبا لكان واجبا بالاستقلال ولم يكن شرطا للرجعة لعموم قوله تعالى فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَهُنَّ اى للنساء على الأزواج حقوق مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ للازواج فى الوجوب واستحقاق المطالبة لا فى الجنس بِالْمَعْرُوفِ بكل ما يعرف فى الشرع من أداء حقوق النكاح وحسن الصحبة فلا يجوز لاحد ان يقصد ضرار الاخر بل ينبغى ان يريدوا إصلاحا قال ابن عباس انى أحب ان اتزيّن لامراتى كما تحب امراتى ان تتزين لى لان الله تعالى قال وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ- عن معاوية القشيري قال قلت يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه قال ان تطعمها إذا طعمت وان تكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر الا فى البيت- رواه احمد وابو داود وابن ماجة وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر فى قصة حجة الوداع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى خطبته يوم عرفة فاتقوا الله فى النساء فانكم أخذتموهن بامان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن ان لا يؤطين فرشكم أحدا تكرهونه فان فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرج ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف- رواه مسلم وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان أكمل المؤمنين ايمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائهم- رواه الترمذي وقال حسن صحيح ورواه ابو داود الى قوله خلقا- وروى الترمذي نحوه عن عائشة وعن عبد الله بن زمعة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد الحديث- متفق عليه وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خيركم خيركم لاهله وانا خيركم لاهلى- رواه الترمذي والدارمي ورواه ابن ماجة عن ابن عباس وعن ابى هريرة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم استوصوا بالنساء خيرا فانهن خلقن من ضلع وانّ اعوج شىء فى الضلع أعلاه فان ذهبت تقيمه كسرته وان تركته لم يزل اعواج فاستوصوا بالنساء- متفق عليه وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ زيادة فى الحق وفضلا قال النبي صلى الله عليه وسلم لو كنت امر أحدا «1» ان يسجد لاحد لامرت المرأة ان تسجد لزوجها لما جعل الله لهم عليهن من حق- رواه ابو داود عن قيس بن سعد- واحمد عن معاذ بن جبل والترمذي عن ابى هريرة نحوه والبغوي عن ابى ظبيان وعن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

_ (1) فى الأصل امر أحدا

[سورة البقرة (2) : آية 229]

أيما امراة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة- رواه الترمذي وعن طلق بن على قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا الرجل دعا زوجته فلتأته وان كانت على التنور- رواه الترمذي وَاللَّهُ عَزِيزٌ يقدر على الانتقام ممن ظلم على الاخر حَكِيمٌ (228) يشرع الاحكام لحكم ومصالح. الطَّلاقُ الذي يعقب الرجعة بدليل ما سيأتى من ذكر الثالثة وذكر الإمساك بعد المرتين «1» مَرَّتانِ روى انه صلى الله عليه وسلم سئل اين الثالثة فقال عليه السلام او تشريح بإحسان- أخرجه ابو داود فى ناسخه وسعيد بن منصور فى سننه وابن مردوية من حديث ابن رزين الأسدي وأخرجه الدارقطني وابن مردوية من حديث انس قال البغوي روى عروة بن الزبير قال كان الناس فى ابتداء الإسلام يطلقون من غير حصر ولا عدد كان الرجل يطلق امرأته فاذا قاربت انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها كذلك ثم راجعها بقصد مضارتها فنزل الطّلاق مرّتن فاذا طلق ثالثا لم تحل له الا بعد نكاح زوج اخر- وفيما قال مرتان دون ثنتان دلالة على كراهة الطلقتين دفعة واحدة فان كلمة مرتان تدل بالعبارة على التفرق وبالاشارة على العدد واللام للجنس وليس وراء الجنس شىء فكان القياس ان لا يكون الطلقتين المجتمعتين معتبرة شرعا- وإذا لم يكن الطلقتين معتبرة لم يكن الثلاث مجتمعة معتبرة بالطريق الاولى لوجودهما فيها مع زيادة- وقيل المراد بالطلاق التطليق والمعنى ان التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق فى الاطهار دون الجمع وحينئذ لم يرد بالمرتين التثنية بل التكرير كما فى قوله تعالى ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يعنى كرة بعد كرة لكن يشكل حينئذ عطف قوله تعالى فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ وقوله تعالى فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ له من بعد لان قوله تعالى الطلاق على هذا التأويل يشتمل الطلقات الثلاث أيضا وعلى كلا التأويلين يظهران جمع الطلقتين او ثلاث تطليقات بلفظ واحد أو بألفاظ مختلفة فى طهر واحد «2» حرام بدعة مؤثم خلافا للشافعى فانه يقول لا بأس به- لكنهم أجمعوا على انه من قال لامراته أنت طالق ثلاثا يقع ثلاثا بالإجماع وقالت الامامية ان طلق ثلاثا دفعة واحدة لا يقع أصلا لهذه الاية- وقال بعض الحنابلة- يقع طلقة واحدة لما روى فى الصحيحين ان أبا الصهباء قال لابن عباس- الم تعلم ان الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وابى بكر وستين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال ان الناس قد استعجلوا فى امر كان لهم اناءة فلو أمضيناه عليهم فامضاه عليهم- واى تاخرا منه رح

_ (1) فى الأصل المرتبتين- (2) فى الأصل واحدة

روى ابن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال طلق ركانة بن عبد زوجته ثا؟؟ فى مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا فساله رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف طلقها قال طلقتها ثلاثا فى مجلس واحد قال انما تلك طلقة واحدة فارتجعها- ونقل عن طاؤس وعكرمة انهم قالوا من طلق ثلاثا فقد خالف السنة فيردّ الى السنة وبه قال ابن إسحاق ومن الناس من قال ان فى قوله أنت طالق ثلاثا يقع فى المدخول بها ثلثا وفى غير المدخول بها واحدة لما روى مسلم وابو داود والنسائي ان أبا الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس فقال اما علمت ان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا جعلوها واحدة قال ابن عباس- بل كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل ان يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وابى بكر وصدرا من خلافة عمر فلما راى الناس قد تتابعوا فيها قال اجتزوهن عليهم- والحجة للشافعى على جواز الطلقات بكلمة واحدة ووقوعهن من غير اثم ما فى الصحيحين من حديث سهل بن اسعد ان عويمر العجلى لا عن امرأته فلما فرغا قال عويمر كذبت عليها يا رسول الله ان أمسكتها فطلقها ثلاثا- وفى لفظ فهى طالق ثلاثا ولم ينكر عليه صلى الله عليه وسلم- وفى بعض روايات فاطمة بنت قيس طلقنى زوجى ثلاثا قلم يجعل لى النبي صلى الله عليه وسلم نفقة ولا سكنى- وطلق عبد الرحمن بن عوف تماظر فى مرضه وطلق الحسن بن على امرأته شهباء ثلاثا لما هنّته بالخلافة بعد موت على عليهما السلام فههنا مقامان أحدهما ان فى صورة الإيقاع ثلاثا تقع ثلاثا- وثانيهما انه يأثم به- والحجة لنا السنة والإجماع- اما السنة فحديث ابن عمر انه طلق امرأته وهى حائض ثم أراد ان يتبعها بطلقتين أخريين عند القرائن فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ابن عمر ما هكذا أمرك الله قد اخطأت السنة السنة ان تستقبل الطهر فتطلق لكل قرء فامرنى فراجعتها فقال إذا هى طهرت فطلق عند ذلك او امسك فقلت يا رسول الله ارايت لو طلقتها ثلاثا أكان يحل لى ان أراجعها قال لا كانت تبين منك وكانت معصية- رواه الدارقطني وابن ابى شيبة فى مصنفه عن الحسن قال حدثنا ابن عمر قد صرح بسماعه عنه- وأعله البيهقي بعطاء الخراسانى قال اتى بزيادات لم يتابع عليها وهو ضعيف لا يقبل ما تفرد به- قال ابن همام تعليل البيهقي مردود حيث تابعه شعيب بن رزيق سندا ومتنا- رواه الطبراني- وما ذكر

من حديث ابن عباس فيه دلالة على ان الحديث منسوخ فان إمضاء عمر الثلاث بمحضر من الصحابة وتقرر الأمر على ذلك يدل على ثبوت الناسخ عندهم وان كان قد خفى ذلك قبله فى خلافة ابى بكر- وقد صح فتوى ابن عباس على خلاف ما رواه روى ابو داود عن مجاهد قال كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال انه طلق امرأته ثلاثا فسكت حتى ظننت انه رادها اليه ثم قال يطلق أحدكم فيركب الحموقة ثم يقول يا ابن عباس- وان الله عز وجل قال وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً عصيت ربك وبانت منك امرأتك وروى الطحاوي بلفظ ان رجلا طلق امرأته مائة قال ابن عباس عصيت ربك وبانت منك امرأتك لم تتق الله فيجعل لك مخرجا الحديث- وفى مؤطا مالك بلغه ان رجلا قال لابن عباس انى طلقت امراتى مائة تطليقة فماذا ترى فقال ابن عباس طلقت منك ثلاثا وسبع وتسعون اتخذت بها آيات الله هزوا- وعلى وقوع الطلقات الثلاث انعقد الإجماع وروى عن فقهاء الصحابة فى المؤطا بلغه ان رجلا جاء الى ابن مسعود فقال انى طلقت امراتى ثمانى تطليقات فقال ما قيل لك فقال قيل لى بانت منك قال صدقوا هو مثل ما يقولون- وظاهره الإجماع على هذا الجواب وأسند عبد الرزاق عن علقمة قال جاء رجل الى ابن مسعود فقال انى طلقت امراتى تسعا وتسعين فقال له ابن مسعود ثلاث تبينها وسائرهن عدوان- وفى سنن ابى داود وموطا مالك عن محمد بن إياس بن البكير قال طلق رجل امرأته ثلاثا قبل ان يدخل بها ثم بدا له ان ينكحها فجاء يستفتى فذهبت معه فسال ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك معا فقالا لا نرى ان تنكحها حتى تنكح زوجا غيرك قال فانما طلاقى إياها واحدة فقال ابن عباس انك أرسلت بين يديك ما كان لك من فضل- وفى مؤطا مالك مثله عن ابن عمرو روى وكيع عن الأعمش عن حبيب بن ثابت قال جاء رجل الى على بن ابى طالب فقال انى طلقت امراتى الفا فقال بانت منك بثلث واقسم سائرهن على نسائك- وروى وكيع عن معاوية بن ابى يحيى قال جاء رجل الى عثمان بن عفان فقال طلقت امراتى الفا فقال بانت منك بثلاث وأسند عبد الرزاق عن عبادة بن الصامت ان أباه طلق امراة له الف تطليقة فانطلق عبادة فسال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بانت بثلاث فى معصية الله وبقي تسعمائة وسبع وتسعون عدوان وظلم ان شاء عذبه وان شاء غفر له- وروى الطحاوي عن انس قال لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره- وكان عمر بن الخطاب إذا اتى برجل طلق امرأته ثلاثا أوجع ظهره- وروى ايضا

[سورة البقرة (2) : آية 230]

عن انس عن عمر فيمن طلق البكر ثلاثا انه لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره- وما ذكر الخصم من حديث ابن عباس يمكن تأويله بان قول الرجل أنت طالق أنت طالق أنت طالق كان واحدة فى الزمن الاول لقصدهم التأكيد فى ذلك الزمان- ثم صاروا يقصدون التجديد فالزمهم ثلثا لما علم قصدهم او للاحتياط- واما حديث ركانة فمنكر والأصح ما رواه ابو داود والترمذي وابن ماجة ان ركانة طلق زوجته البتة فجعله رسول الله صلى الله عليه وسلم انه ما أراد الا واحدة فردها اليه فطلقها الثانية فى زمن عمر والثالثة فى زمن عثمان- قال ابو داود- هذا أصح وبما ذكرنا من الأحاديث والآثار كما يثبت وقوع الطلقات الثلاث دفعة واحدة يثبت انه بدعة معصية وما ذكره الشافعي من تطليق عويمر ثلثا بعد التلاعن فهو استدلال بعدم إنكاره صلى الله عليه وسلم فهو شهادة على النفي لا عبرة بعد ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم الإنكار فى قصة اخرى ولعله صلى الله عليه وسلم أنكر ولم يذكره الراوي- او لم ينكر لانها بعد التلاعن لم تبق محلا لطلاق- ورواية حديث فاطمة بنت قيس بلفظ الثلاث غير صحيح والصحيح انه طلقها البتة وايضا حين طلقها كان زوجها غائبا عنها فى سرية ولم يكن بمحضر من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظهر تقريره وانما ثبت تقريره فى وقوع الثلاث- وايضا حديث فاطمة بنت قيس رده عمر وقال- لا ندرى صدقت أم كذبت حفظت أم نسيت- واثر عبد الرحمن بن عوف وحسن رضى الله عنهما ليس بحجة فى مقابلة المرفوع (مسئلة) - الطلاق ثلاثا مجتمعا بدعي حرام وبالتفريق على الإظهار مباح جائز بهذه الاية الى قوله تعالى. فَإِنْ طَلَّقَها الاية والأحسن من ذلك كله إذا اضطر الرجل الى طلاق امرأته ان يطلقها واحدة ثم ان لم يرد المراجعة يتركها حتى تنقضى عدتها- لان الطلاق ابغض المباحات عند الله والحاجة اندفعت بالواحدة قال الله تعالى فى ذم السحر فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ- وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه يفتنون الناس فادناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجىء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا ثم يجىء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته فيدنيه ويقول نعم أنت- قال الأعمش أراه قال فيلتزمه- رواه مسلم وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ابغض الحلال الى الله الطلاق- رواه ابو داود-

(مسئلة) - الطلاق فى الحيض يقع طلاقا اجماعا خلافا للامامية قالوا لا يقع أصلا- وعندنا يقع لكنه حرام اجماعا يجب الرجعة بعده وما مر من حديث ابن عمر يدل على الوقوع والحرمة ووجوب الرجعة- واختلفوا فى انه ان أراد طلاقها ثانيا بعد الرجعة على وجه السنة متى يفعل- فقال ابو حنيفة إذا طهرت من تلك الحيضة ثم حاضت ثم طهرت فحينئذ يطلقها- كذا ذكر محمد فى المبسوط ولم يذكر خلافا عنه ولا عن صاحبيه وبه قال مالك واحمد وهو المشهور من مذهب الشافعي وهو المستفاد من حديث ابن عمر المذكور الذي فى الصحيحين حيث قال مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر فان بدا له ان يطلقها فليطلقها قبل ان يمسها فتلك العدة كما امر الله عز وجل- وفى رواية حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التي طلقها فيه- وذكر الطحاوي قول ابى حنيفة انه يطلقها فى الطهر الذي يلى الحيضة التي طلقها اولا فيها وهو أحد قولى الشافعي وقال الطحاوي الاول قول ابى يوسف- والحجة للقول الثاني رواية سالم فى حديث ابن عمر المذكور- مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا او حاملا- رواه مسلم واصحاب السنن- والاولى اولى لانها أقوى صحة واكثر تفسيرا وفيها زيادة والاخذ بالزيادة اولى- قال ابن همام قوله عليه السلام يمسكها حتى تطهر يدل على ان استحباب الرجعة او وجوبها مقيد بتلك الحيضة التي طلقها فيها فان لم يراجع فيها حتى طهرت تقررت المعصية- فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ- بالمراجعة وحسن المعاشرة- هذا يعنى الإمساك بعد الطلقتين ثابت اجماعا إذا كان الزوجان حرين- واما إذا كانا رقيقين فلا رجعة بعد الثنتين اجماعا- وان كانت امة تحت حرا وحرة تحت عبد فاختلفوا فيه- فقال مالك والشافعي واحمد ان كان الزوج حرا فطلاقه ثلاث وان كانت تحته امة- وان كان عبدا فثنتان وان كانت الزوجة حرة- وهو قول عمر وعثمان وزيد بن ثابت- وقال ابو حنيفة بعكس ذلك يعتبر الطلاق بالنساء وهو قول على وابن مسعود- قال ابن الجوزي قد رويت الأحاديث فى الطرفين وكلها ضعاف- روى ابن الجوزي عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم طلاق العبد ثنتان وقرء الامة حيضتان- وروى ابو داود والترمذي وابن ماجة والدارمي والدارقطني عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم طلاق الامة تطليقتان وعدتها حيضتان- قال ابن الجوزي فى سند كلا الحديثين مظاهر بن اسلم قال يحيى بن سعيد مظاهر ليس بشىء وقال ابو حاتم هو منكر الحديث وقال ابن همام

وثقه ابن حبان وقال الحاكم مظاهر شيخ من اهل البصرة لم يذكر أحد من متقدمى مشائخنا فيه بجرح- وقال ابن الجوزي- قد روى بعض من قال الطلاق بالرجال عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال الطلاق بالرجال والعدة بالنساء وانما هو من كلام ابن عباس- وروى ابن الجوزي من طريق الدارقطني عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم طلاق الامة ثنتان وعدتها حيضتان- قال ابن الجوزي هذان حديثان لا يثبتان اما الاول ففيه سليم بن سالم كان ابن المبارك يكذبه وقال يحيى ليس حديثه بشىء وقال السعدي ليس بثقة- واما الثاني فقال الدارقطني تفرد به عمرو بن شبيب مرفوعا وكان ضعيفا قال يحيى بن معين عمرو بن شبيب ليس بشىء وقال ابو زرعة واهي الحديث- والصحيح انه من قول ابن عمر ويمكن ترجيح مذهب ابى حنيفة بانا قد أثبتنا من قبل ان الطلاق لا بد فيه من التفريق على الاطهار فعدد الطلقات لا يتصور الا على عدد الاطهار وقد اجمعوا ان عدة الامة حيضتان فثبت ان طلاق الامة ايضا طلقتان والله اعلم وهاهنا إشكال على مذهب ابى حنيفة ان العام على اصل ابى حنيفة قطعى الشمول لافراده لا يجوز تخصيص العام من الكتاب بخبر الآحاد او القياس كما لا يجوز نسخه بهما وقوله تعالى وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ- وقوله تعالى الطَّلاقُ مَرَّتانِ كل منهما عام يشتمل الحرائر والإماء فتخصيصهما بقوله عليه السلام- طلاق الامة ثنتان وعدتها حيضتان وهو من حديث الآحاد لا يصح لا يقال العام القطعي إذا خص منه اولا بقطعى يصير فى الباقي ظنيا فحينئذ يجوز تخصيصه بخبر الآحاد والقياس وقوله تعالى وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ خص اولا بالآيات من قوله تعالى وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ الاية وقوله تعالى وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ الاية فجاز تخصيصه بحديث الآحاد لانا نقول المخصص لا يكون الا متصلا وما كان متراخيا فهو ناسخ وليس بمخصص وما تلوتم من الآيات ليس شيئا منها متصلا بهذه الاية بل متراخ فهو ناسخ ونسخ الحكم عن بعض افراد العام لا يجعل العام فى الباقي ظنيا بل هو قطعى فى الباقي كما كان من قبل- والتفصى عن هذا الاشكال بان يقال لما ثبت اجماع الامة على ان اية العدة واية الطلاق مخصوصتان بالاحرار يظهر بذلك ان الأوائل من اهل الإجماع وهم الصحابة قد سمعوا قولا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قاطعا فى حقهم خصوا بذلك القول تلك الآيات وان لم يصل ذلك القول إلينا بالتواتر ولو لم يسمعوا فى ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجترؤا

على تخصيص الاية القطعية والا يلزم اجتماعهم على الضلالة ثم الاتباع سلكوا مسلكهم للمنع عن ابتغاء سبيل غير سبيلهم- فان قيل ليس الإجماع على ان الطلاق معتبر بالرجال او النساء فكيف يجرى هذا الجواب هناك قلنا ثبت بالإجماع ان قوله تعالى الطَّلاقُ مَرَّتانِ ليس على عمومه وذلك الخلاف لا يضر والله اعلم أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ قيل المراد به الطلقة الثالثة قلت وذلك غير سديد لانه معطوف على قوله فامساك بمعروف يعنى فالواجب أحد الامرين إمساك بمعروف او طلقه ثالثة وليس كذلك بل يجوز له ان لا يمسك ولا يطلق ويترك حتى تنقضى عدتها- وقيل التسريح بإحسان هو ان لا يراجعها حتى تبين بالعدة ويرد على هذا القول مثل ما يرد على الاول- ذكر القولين البغوي وغيره- والاولى ان يفسر قوله او تسريح بإحسان بان يبينها مطلقا اما بطلاق ثالث او بانقضاء العدة والمعنى فالواجب ان يمسكها بمعروف او يبينها بإحسان سواء طلق ثالثا اولا والغرض منه تحريم الإمساك بالإضرار بغير معروف وعلى هذا فقوله تعالى فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ تفصيل لاحد احتماليه- ولو كان المراد بالتسريح الطلقة الاخرى لكان ذلك طلقة رابعة- فان قيل روى انه صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى الطَّلاقُ مَرَّتانِ فاين الثالثة يا رسول الله قال او تسريح بإحسان- رواه ابو داود فى ناسخه وسعيد بن منصور فى سننه وابن مردويه من حديث ابى رزين الأسدي مرسلا وأخرجه الدارقطني من حماد بن سلمة عن قتادة عن انس متصلا وصححه ابن القطان وقال البيهقي ليس بشىء- ورواه ايضا الدارقطني والبيهقي من حديث عبد الواحد بن زياد عن إسماعيل عن انس وقالا جميعا الصواب عن إسماعيل عن ابى رزين عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا- قال البيهقي كذا رواه الجماعة عن الثقات وقال ابن القطان المسند ايضا صحيح قلنا قوله عليه السلام فى جواب اين الثالثة او تسريح بإحسان- معناه انه أحد احتماليه والله اعلم روى ابو داود فى الناسخ والمنسوخ عن ابن عباس قال كان الرجل يأكل من مال امرأته الذي نحلها وغيره لا يرى عليه جناحا فانزل الله تعالى وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً اى من المهر خطاب مع الأزواج وقيل خطاب مع الحكام واسناد الاخذ والإيتاء إليهم لانهم آمرون بهما عند الترافع وهذا بعيد إِلَّا أَنْ يَخافا قرا الستة من القراء على البناء للفاعل اى يعلم الزوجان من أنفسهما أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ تخاف «1» المرأة ان تعص الله فى امر زوجها- ويخاف الزوج اضاعة حقوقها او انه إذا لم يطلق امرأته ان تعتدى عليه- وفى الكلام التفات من الخطاب

_ (1) فى الأصل يخاف

الى الغيبة وقرا ابو جعفر وحمزة ويعقوب يخافا على البناء للمفعول اى يخاف الحكام الزوجين وحينئذ ان مع صلته بدل اشتمال من ضمير يخافا فَإِنْ خِفْتُمْ ايها الحكام أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ اى افتدت المرأة نفسها به- قال الفراء أراد بقوله عليهما الزوج فقط دون الزوجة وانما ذكرهما جميعا لاقترانهما كقوله تعالى نَسِيا حُوتَهُما وانما الناسي فتى موسى دون موسى- قلت والظاهر انه كما كان الجناح على الزوج فى أخذ المال بدليل قوله تعالى- لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً- الاية وقوله تعالى وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً كذلك كان الجناح على الزوجة فى اعطائها المال على طلب الطلاق فان طلب الطلاق معصية لقوله صلى الله عليه وسلم أيما امراة سالت زوجها الطلاق فى غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة- رواه احمد والترمذي وابو داود وابن ماجة والدارمي من حديث ثوبان وإعطاء المال على المعصية حرام بل الإنسان ممنوع من إتلاف المال بغير حق يعنى بغير فائدة دينية او دنيوية وهذا هو المحمل لقوله عليه السلام المختلعات هن المنافقات- رواه الترمذي فاذا خيف منهما عدم اقامة حدود الله وارتكاب المعصية جاز لهما الاخذ والإعطاء هذا على تقدير خوف النشوز من الجانبين- اما إذا كان النشوز من جانب الزوج فقط فلا يحل له الاخذ قال صاحب الهداية يكره يعنى تحريما والحق انه يحرم لما تلونا ولعدم دليل الإباحة ولانه أخذ مال المسلم بغير حق وإمساكها لا لرغبة إضرار او تضيقا ليقتطع مالها- وان كان النشوز من جانبها يحرم عليها وعصت هى لا هو لما ذكرنا- وان لم يكن النشوز من جانب ولا يخافان ان لا يقيما حدود الله فلا يحل أخذ المال للزوج ولا طلب الطلاق وبذل المال للزوجة لكن يقع الخلع ويجب المال للزوج على الزوجة فى جميع الصور قضاء اجماعا خلافا للظاهرية لنا ان الخلع سواء كان طلاقا او فسخا فهو امر شرعى والناهي عن الأمور الشرعية يدل على الانعقاد والنفاذ حتى يتصور الابتلاء- وذهب المزني الى ان الخلع غير مشروع أصلا وهذه الاية منسوخة بقوله تعالى وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ لاية والجواب انه ليس فى تلك الاية ذكر الاخذ والإعطاء بمعاوضة ملك النكاح برضاء الزوجين فلا تعارض ولا نسخ بدون التعارض والله اعلم واختلفوا فى ان الخلع هل هو طلاق او فسخ- فقال ابو حنيفة ومالك وهو المشهور من

قولى الشافعي انه طلاق وهو رواية عن احمد- وقال احمد وهو رواية عن الشافعي انه فسخ وليس بطلاق فمن قال انه فسخ لا ينقص عنده منه عدد الطلاق ولا يلحقه طلاق اخر ولا يرث أحدهما من الاخر فى العدة وبهذه الاية استدل كلا الفريقين وجه استدلال القائلين بانه فسخ ان الله سبحانه ذكر الطلقتين فى أول الاية ثم ذكر الخلع ثم ذكر الطلاق الثالث بقوله فان طلّقها فلا تحلّ له فلو كان الخلع طلاقا لزم كون عدد الطلاق أربعا وهذا الاستدلال مروى عن ابن عباس روى ابن الجوزي بسنده عن طاؤس قال سمعت ابراهيم بن سعيد يسئل ابن عباس عن رجل طلّق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه فقال ينكحها ان شاء انما ذكر الطلاق فى أول الاية وآخرها والخلع فيما بين ذلك- ورواه عبد الرزاق وروى الدارقطني عن ابن عباس الخلع فرقة وقالوا روى نافع مولى ابن عمر انه سمع ربيع بنت معوذ بن عفراء تخبر ابن عمر انها اختلعت من زوجها على عهد عثمان بن عفان فجاء عمها الى عثمان فقال ان ابنة معوذ اختلعت من زوجها اليوم أفتنتقل فقال عثمان لتنتقل ولا ميراث بينهما ولا عدة عليها الا انها لا تنكح حتى تحيض حيضة خشية ان يكون بها حبل- فقال ابن عمر عثمان خيرنا وأعلمنا- ووجه استدلالنا ان الله تعالى ذكر الطلاق المعقب للرجعة مرتين ثم ذكر افتداء المرأة وفى تخصيص اسناد الافتداء الى المرأة مع اقتضاء سوق الكلام الى اسناد الفعل إليهما وعدم وقوع الفرقة الا بفعل من الزوج دليل واضح على تقرير فعل الزوج على ما سبق وهو الطلاق فقد بين الطلاق بنوعيه بغير مال وبمال ثم قال فان طلّقها فلا تحلّ له- والفاء لفظ خاص للتعقيب وقد عقب الطلاق الافتداء فان لم يقع الطلاق بعد الخلع تبطل موجب الفاء والقول بانه متصل باول الكلام وقوله تعالى وَلا يَحِلُّ لَكُمْ الى قوله الظَّالِمُونَ معترض تحكّم وإخلال بنظم الكلام بلا دليل- وما قال الشافعي ان الله سبحانه ذكر الطلاق فى أول الاية وآخرها وذكر الخلع فيما بين ذلك ليس بشىء فانه لم يذكر الخلع والفسخ فى الكلام أصلا انما ذكر افتداء المرأة وسكت عن فعل الزوج فليس فعله الا ما ذكر من الطلاق فظهر ان الطلاق المذكور سابقا ان لم يكن بمال فهو رجعى وان كان بمال فهو بائن حتى يتحقق الافتداء ولا يجتمع البدل والمبدل منه فى ملك الزوج سواء كان ذلك بلفظ الطلاق او بلفظ الخلع او غيرهما مما يؤدى معناه وتسميته خلعا اصطلاح لم يثبت من القران والله اعلم-

ويدل على كون الخلع طلاقا سبب نزول هذه الاية وهو ان جميلة بنت عبد الله بن أبيّ امراة ثابت بن قيس (واخرج الدارقطني ان اسمها زينب قال ابن حجر لعل لها اسمين ووقع فى حديث آخر أن اسمها حبيبة بنت سهل قال ابن حجر والذي ظهر انهما قضيتين وقعتا له فى امرأتين لشهرة الحديثين وصحة الطريقين واختلاف السياقين) أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت اليه زوجها وارته اثارا من ضربه وقالت يا رسول الله لا انا ولا هو فارسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الى ثابت فقال مالك ولا هلك فقال والذي بعثك بالحق ما على وجه الأرض أحب الىّ منها غيرك قال لها ما تقولين فقالت يا رسول الله ما كنت أحدثك حديثا ينزل عليك خلافه هو من أكرم الناس حنة لزوجته ولكن أبغضه فلا انا ولا هو- وروى البخاري فى صحيحه عن ابن عباس ان امراة ثابت بن قيس أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ثابت بن قيس ما اعيب عليه فى خلق ولا دين ولكنى اكره الكفر فى الإسلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتردين حديقته قالت نعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقبل الحديقة وطلقها تطليقة- واخرج البيهقي من وجه اخر عن ابن عباس- ان جميلة أتت النبي صلى الله عليه وسلم تريد الخلع فقال لها ما أصدقك قالت حديقة قال روى عليه حديقته- واخرج ابن جرير عن ابن عباس قال- أول خلع كان فى الإسلام- امراة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله لا يجتمع رأسى ورأس ثابت انى رفعت الخباء فرايته اقبل فى عدة فاذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجها- فقال أتردين حديقته قالت «1» نعم وان شاء زدته ففرق بينهما واخرج ابو داود وابن حبان والبيهقي عن حبيبة بنت سهل انها كانت عند ثابت بن قيس فاتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت لا انا ولا ثابت الحديث- واخرج ابن جرير عن ابن جريح قال- نزلت هذه الاية فى ثابت بن قيس وفى حبيبة وكانت اشتكت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تردين عليه حديقته قالت نعم فدعاه يذكر ذلك قال ويطيب لى قال نعم قال قد فعلت فنزلت هذه الاية- فهذه القصة تدل على ان الخلع طلاق كما فى الصحيح انه صلى الله عليه وسلم قال اقبل الحديقة وطلقها تطليقة- فان قيل عمل الراوي على خلاف مروية ينزل على اصل ابى حنيفة منزلة الناسخ وما فى البخاري هو من رواية ابن عباس وقد

_ (1) فى الأصل قال-

ذكر قول ابن عباس فيما سبق ان الخلع فرقة قلنا لعل ابن عباس زعم ان ثابتا طلق امرأته امتثالا لامر النبي صلى الله عليه وسلم وصار هذا طلاقا على مال وليس بخلع ثم افتى بتأويل الاية ان الخلع فسخ فليس عمله على خلاف روايته على زعمه وحين قال ابن عباس كان هذا أول خلع فى الإسلام يحمل قوله على المجاز ولا يلزم علينا اتباع زعم ابن عباس- ومما يدل على كون الخلع طلاقا ما روى عبد الرزاق عن سعيد بن المسيب ان النبي صلى الله عليه وسلم جعل الخلع تطليقة وهذا مرسل صحيح والمرسل عندنا حجة وقد حكم الشافعي بان مراسيل سعيد بن المسيب لها حكم الوصل قال فانى وجدتها مسانيد- وقد روى كون الخلع طلاقا عن ابن مسعود قال لا يكون طلقة بائنة الا فى فدية او إيلاء- رواه ابن ابى شيبة وكذا روى عن على ايضا- وروى عن أم بكرة انها اختلعت من زوجها فارتفعها الى عثمان فى ذلك فقال هى طلقة بائنة الا ان يكونا سميا شيئا فهو على ما سميت- رواه مالك وما قيل ان من رواة هذا الأثر جمها؟؟ ن لا يعرف قال ابن همام هو ابو العلى مولى الأسلميين ويقال مولى يعقوب القبطي تابعي روى عن سعد بن ابى وقاص وعثمان بن عفان وابى هريرة وأم بكرة وروى عنه عروة بن الزبير وموسى بن عبيدة الزبيدي وغيرهما ذكره ابن حبان فى الثقات- (مسئلة) اجمعوا على ان الخلع على الأكثر من الصداق صحيح بناء على عموم الاية لكن يكره عند ابى حنيفة واحمد وقال أكثرهم لا يكره وهو رواية جامع الصغير عن ابى حنيفة- وقد سبق الخلاف فى هذه المسألة بين الصحابة وجه الكراهة ما رواه ابو داود فى مراسيله وابن ابى شيبة وعبد الرزاق فى قصة امراة ثابت بن قيس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها أتردين عليه حديقته التي أصدقك قالت نعم وزيادة قال اما الزيادة فلا وأخرجه الدارقطني كذلك وقال قد أسنده الوليد عن ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس والمرسل أصح واخرج ابن الجوزي من طريق الدارقطني عن ابى الزبير ان ثابت بن قيس بن شماس كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أبيّ ابن «1» سلول وكان أصدقها حديقة فكرهته فقال النبي صلى الله عليه وسلم أتردين عليه حديقته التي اعطاك قالت نعم وزيادة فقال النبي صلى الله عليه وسلم اما الزيادة فلا ولكن حديقته قالت نعم فاخذها له فخلى سبيلها فلما بلغ ذلك ثابت بن قيس قال قد قبلت قضاء رسول الله صلى الله

_ (1) فى الأصل بنت عبد الله ابن ابى سلول

عليه وسلم- قال ابن الجوزي اسناده صحيح وقال الدارقطني سمعه ابو الزبير من غير واحد واخرج الدارقطني بسنده عن عطاء ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يأخذ الرجل من المختلعة اكثر مما أعطاها- وروى ابن ماجة عن ابن عباس ان جميلة بنت سلول أتت النبي صلى الله عليه وسلم الحديث وفيه فامره ان يأخذ حديقته ولا يزداد- فلا شك فى ثبوت هذه الزيادة بمرسل صحيح اعتضد بمسند ومرسل- وفى الباب اثر على لا يأخذ منها فوق ما أعطاها- رواه عبد الرزاق ووكيع نحوه- وما روى عبد الرزاق عن الربيع بنت معوذ انها اختلعت من زوجها بكل شىء تملكه فخوصم فى ذلك الى عثمان فاجازه وامره ان يأخذ عقاص رأسها فما دونها- وما روى عن نافع ان عمر جاءته مولاة لامراته اختلعت من كل شىء لها وكل ثوب حتى نقبتها فلا ينافى هذان الاثران القول بالكراهة لانهما يدلان على النفاذ قضاء ولم ينكره أحد- ووجه عدم الكراهة هذه الاية حيث قال الله تعالى فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ فان كلمة ما عام يشتمل القليل والكثير وشرط قبول الأحاديث من الآحاد أن لا يعارض الكتاب القطعي وقد عارضت- قلت وهذا مبنى على اصل ابى حنيفة ان العام قطعى الدلالة فى الشمول لا يجوز تخصيصه بخبر الآحاد ولو قلنا بجواز التخصيص بخبر الآحاد لقلنا ان حكم الاية مخصوص بمقدار الصداق وما دون ذلك بتلك الأحاديث والله اعلم- وقد روى ما يدل على عدم الكراهة حديث ابى سعيد الخدري قال كانت أختي تحت رجل من الأنصار تزوجها على حديقة الحديث وفيه قال عليه السلام تردين عليه حديقته ويطلقك قالت نعم وأزيده قال روى عليه حديقته وزيديه رواه ابن الجوزي لكن هذا الحديث لا يصح فيه عطية العوفى قال ابن حبان لا يحل كتب حديثه- وفيه الحسن بن عمارة قال شعبة هو كذاب تِلْكَ اشارة الى او امر الله ونواهيه حُدُودَ اللَّهِ يعنى ما منع عن المجاوزة عنه فَلا تَعْتَدُوها فلا تجاوزوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. (228) فَإِنْ طَلَّقَها بعد الثنتين وهو أحد محتملى قوله تعالى أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ خص الله سبحانه ذلك الاحتمال بحكم فقال فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ ذلك وبقي الاحتمال الثاني وهو الترك من غير تطليق الى انقضاء العدة على الأصل وهو حل النكاح مع الزوج الاول حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ يعنى تتزوج نكاحا صحيحا وانما قيدنا بالصحيح لان المطلق ينصرف

الى الكامل والتزوج والنكاح يجوز اسناده الى كل من الزوجين لانه ينعقد بالإيجاب والقبول وذا يصدر منهما- وبناء على ظاهر هذه الاية قال سعيد بن المسيب وداود ان عقد النكاح من غير جماع من الزوج الثاني يحل للزوج الاول- والإجماع انعقد على ان الوطي من الزوج الثاني شرط للحمل «1» ومن ثم قيل المراد بالنكاح فى الاية الجماع فانه فى اللغة بمعنى الجماع فان قيل هذا لا يستقيم فان الوطي فعل الزوج والمرأة محله فاسناده الى المرأة لا يجوز قلنا يجوز تجوزا والاية لا تخلوا عن التجوز فان كان النكاح بمعنى العقد فالتجوز فى لفظ الزوج بناء على ما يؤل اليه وان كان بمعنى الوطي فالتجوز فى الاسناد ويمكن ان يقال المراد بالنكاح تمكينها من الوطي مجازا- والباعث على هذا الإجماع وتأويل الاية بهذه التأويلات البعيدة حديث عائشة قالت دخلت امراة رفاعة القرظي وانا وابو بكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ان رفاعة طلقنى البتة وان عبد الرحمن بن الزبير تزوجنى وانما عنده مثل الهدبة وأخذت هدبة من جلبابها فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال كانك تريدين الرجوع الى رفاعة لا حتى تذوقين عسيلته ويذوق عسيلتك رواه الجماعة وفى لفظ فى الصحيحين انها كانت تحت رفاعة فطلقها اخر ثلاث طلقات- وفى المؤطا انا مالك عن المسور ابن رفاعة القرظي عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير- ان رفاعة بن سموال طلق امرأته تميمة بنت وهب ثلاثا فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكحها عبد الرحمن بن الزبير فلم يستطع ان يمسها ففارقها فاراد رفاعة ان ينكحها فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا يحل لك حتى تذوق العسيلة- وروى الجماعة من حديث عائشة انه صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل طلق زوجته ثلاثا فتزوجت زوجا غيره فدخل بها ثم طلقها قبل ان يواقعها أتحل لزوجه الاول قال لا حتى ذاق الاخر من عسيلتها ما ذاق الاول- واخرج ابن المنذر عن مقاتل بن حبان قال نزلت هذه الاية فى عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك وانها كانت عند رفاعة بن وهب بن عتيك وهو ابن عمها فطلقها طلاقا بائنا فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي فطلقها فاتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت انه طلقنى قبل ان يمسنى أفأرجع الى الاول قال لا حتى تمس ونزل

_ (1) يعنى لا يحل له أصلا لا بملك اليمين ولا بملك النكاح فلو طلقها ثلاثا فارتدت المرأة ولحقت بدار الحرب ثم ظهر على الدار واسترقت وملكها الزوج الاول لا يحل له وطيها يملك اليمين حتى يزوجها بزوج غيره ويطاها الزوج الثاني ويطلقها- منه نور الله مرقده

فيها فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها بعد ما جامعها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا- ذكر البغوي انه روى انها لبثت ما شاء الله ثم رجعت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ان زوجى مسنى فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبت بقولك الاول فلن نصدقك فى الاخر فلبثت ما شاء الله حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم فاتت أبا بكر وقالت ان زوجى مسنى وطلقنى فقال لها ابو بكر قد شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتيته وقال لك ما قال فلا ترجعى فلما قبض ابو بكر أتت عمرو قالت له مثل ذلك فقال عمر لان رجعت لارجمنك- وعلى تقدير تأويل النكاح بالتزويج يكون بهذا الحديث زيادة على الكتاب والزيادة على الكتاب بخبر الآحاد جائز عند الشافعي وغيره لكن يشكل ذلك على اصل ابى حنيفة فان عنده لا يجوز ذلك- فقيل فى توجيه مذهب ابى حنيفة ان الحديث المشهور يجوز به الزيادة على الكتاب وليس كذلك فان الحديث من الآحاد لكن يمكن ان يقال انه لما انعقد الإجماع على وفق هذا الحديث وتلقته جمهور الامة بالقبول التحق الحديث بالمشهور فيجوز به الزيادة على الكتاب فَإِنْ طَلَّقَها الزوج الثاني بعد الوطي فَلا جُناحَ عَلَيْهِما اى على المرأة والزوج الاول أَنْ يَتَراجَعا بنكاح جديد يدل على ذلك اسناد الفعل إليهما بخلاف ما مر من قوله تعالى وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ حيث أسند الفعل هناك الى البعولة بانفرادهم إِنْ ظَنَّا رجعا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ولا يمكن هاهنا تفسير الظن بالعلم لعدم إمكان العلم بالغيب ولان ان الناصبة للتوقع وهو ينافى العلم- (مسئلة) اجمعوا على ان الوطي من الزوج الثاني يهدم الطلقات الثلاث من الزوج الاول- فان عادت اليه يملك الزوج الاول الطلقات الثلاث اجماعا- واختلفوا فى انه هل يهدم ما دون الثلاث ايضا أم لا- اعنى ان طلق الزوج الاول طلقة او طلقتين وانقضت عدتها وتزوجت بزوج اخر بنكاح صحيح ثم طلقها الثاني بعد الوطي وانقضت العدة ثم رجعت الى الزوج الاول هل يملك الزوج الاول الطلقات الثلاث او يملك ما بقي بعد الطلقة او الطلقتين- فقال ابو حنيفة وأبو يوسف يهدم مادون الثلاث ايضا ويملك الزوج الاول ثانيا الطلقات الثلاث بتمامها وقال محمد لا يهدم ما دون الثلاث لان الله سبحانه جعل الوطي من الزوج الثاني غاية الحرمة المغلظة الحاصلة

[سورة البقرة (2) : آية 231]

بالطلقات الثلاث فى قوله فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ فكان منهيا لها ولا إنهاء قبل الثبوت- ولنا ان فى هذه الاية جعل الله سبحانه الطلاق من الزوج الثاني بعد الوطي موجبا للحل للزوج الاول حيث قال فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا وكذا قوله صلى الله عليه وسلم لعن الله المحلّل والمحلّل له جعل الزوج الثاني محللا للزوج الاول والأصل فى الحل الحل كله فيملك ثلاث تطليقات- وايضا إذا كان الوطي من الزوج الثاني هادما للحرمة الغليظة كان هادما للحرمة الخفيفة بالطريق الاولى والله اعلم (مسئلة) اختلفوا فى انه بعد ما طلق الزوج الاول ثلاثا لو نكح المرأة زوجا اخر واشترطت منه ان يطلقها فطلقها بعد الوطي وانقضت عدتها فقال ابو حنيفة حلت للاول لوجود الدخول فى نكاح صحيح والنكاح لا يبطل بالشروط وعن محمد انه يصح النكاح لما بيّنّا ولا يحلها على الاول لانه استعجل ما آخره الشرع فيجازى بمنع مقصوده كما فى قتل المورث- وقال احمد ومالك وابو يوسف لا يصح النكاح وللشافعى قولان أصحهما انه لا يصح النكاح لانه فى معنى الموقت وإذا لم يصح النكاح لا يحل للزوج الاول لفقدان الشرط وهو النكاح الصحيح احتجوا على عدم الصحة بحديث ابن مسعود قال لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلّل والمحلّل له- رواه الدارمي وقال الترمذي صحيح ورواه ابن ماجة عن على وابن عباس وعقبة بن عامر- قلنا هذا حجة لنا لا علينا فانه عليه السلام جعله محللا فيدل على ثبوت الحل وذلك يقتضى صحة النكاح غير انه يدل على كون الزوج مرتكبا لامر محرم ونحن نقول به فان تزوجها ولم يشترط ذلك الا انه كان فى عزمه صح النكاح عند ابى حنيفة وصاحبيه والشافعي وقال مالك واحمد لا يصح ولا خلاف فى كراهته قال البغوي قال نافع اتى رجل ابن عمر فقال ان رجلا طلق امرأته ثلاثا فانطلق أخ له من غير موامرة فتزوجها ليحلها للاول فقال- لا الا نكاح رغبة كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الله المحلّل والمحلّل له وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ اى الاحكام المذكورة يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230) يفهمون ويعملون بمقتضى العلم. وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ اى عدتهن الاجل يطلق على المدة وعلى منتهاها فيقال لعمر الإنسان وللموت الذي به ينتهى عمره والمراد هاهنا منتهاه لان شروع العدة عقيب الطلاق والبلوغ هو الوصول الى الشيء وقد يقال للدنو منه على المجاز وهو المراد فى الاية ليصح ان يترتب عليه فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ إذ لا

إمساك بعد انقضاء الاجل والمعنى فراجعوهن من غير ضرار او اتركوهن حتى تنقضى عدتهن- وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً اى لا تراجعوهن بارادة الإضرار بهن- ونصب ضرارا على العلة او الحال بمعنى مضارين لِتَعْتَدُوا اى لتظلموهن بالتطويل والإلجاء الى الاقتداء- واللام متعلق بلا تمسكوهنّ فهو ايضا مفعول له كانه بيان للضرار- او هو متعلق بالضرار وعلى هذا التقدير ايضا بيان للضرار- وليس بتقييد فان الضرار مطلقا ظلم واعتداء ومنهى عنه امر الله سبحانه اولا بالإمساك بالمعروف ثم نهى عن ضده وهو الإمساك بالضرار ثم صرح بكونه اعتداء وظلما ثم عقب ذلك بقوله وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ يعني بتعريضها للعقاب للمبالغة والاهتمام- اخرج ابن جرير من طريق العوفى عن ابن عباس قال كان الرجل يطلق امرأته ثم يراجعها قبل انقضاء عدتها ثم يطلقها يفعل ذلك ليضارها ويعضلها فانزل الله تعالى هذه الاية وذكر البغوي وكذا اخرج ابن جرير عن السدّى قال نزلت فى رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلق امرأته حتى إذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها مضارة فأنزل الله تعالى وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا الاية وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً بالاعراض عنها والتهاون فى العمل بما فيها- قال الكلبي يعنى قوله فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وكل من خالف الشرع فهو متخذ آيات الله هزوا واخرج ابن ابى عمرو فى مسنده وابن مردوية عن ابى الدرداء قال كان الرجل يطلق ثم يقول لعبت- ويعتق ثم يقول لعبت وذكر البغوي قول ابى الدرداء وذكر فيه وينكح ويقول مثل ذلك فانزل الله وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً واخرج ابن مردوية نحوه عن ابن عباس- واخرج ابن جرير نحوه عن الحسن مرسلا- واخرج ابن المنذر عن عبادة بن الصامت نحوه بلفظ ثلاث من قالهن لاعبا او غير لاعب فهن جائزات عليه الطلاق والعتاق والنكاح وقد مرّ فى ما سبق حديث ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ومن جملتها الهداية وإنزال آيات القران على محمد صلى الله عليه وسلم بالشكر والقيام بحقوقها وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ يعنى القران وَالْحِكْمَةِ يعنى الوحى الغير المتلو على محمد صلى الله عليه وسلم يَعِظُكُمْ بِهِ بما انزل عليكم وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) تأكيد وتهديد-.

[سورة البقرة (2) : آية 232]

وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ اى انقضت عدتهن عن الشافعي انه دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين فَلا تَعْضُلُوهُنَّ اى لا تمنعوهن والعضل المنع وأصله الضيق والشدة يقال الداء العضال ما لا يطاق علاجه أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ- المخاطب به الأولياء نزلت الاية فى جملاء بنت يسار اخت معقل بن يسار طلقها بداح بن عاصم بن عدى بن عجلان- روى البخاري وابو داود والترمذي وغيرهم عن معقل بن يسار قال زوجت أختا لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها فقلت له زوجتك وفرشتك واكرمتك فطلقتها ثم جئت تخطبها لا والله لا تعود إليك ابدا وكان الرجل لا بأس به وكانت المرأة تريدان ترجع اليه فانزل الله تعالى فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ فقلت الان افعل يا رسول الله قال فزوجها إياه وأخرجه ابن جرير من طرق كثيرة ثم اخرج عن السدى قال نزلت في جابر بن عبد الله الأنصاري كانت له ابنت عمر فطلقها زوجها فانقضت عدتها ثم رجع يريد نكاحها فابى جابر والاول أصح لاقوى ولعلها نزلت فى القصتين معا- وسياق الاية يقتضى ان الخطاب مع الأزواج الذين خوطبوا بقوله وإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ الذين يعضلون نساءهم بعد مضى العدة ان ينكحن أزواجا غيرهم عدوانا وقسرا وما ذكرنا من رواية البخاري وغيره فى شأن النزول يقتضى ان الخطاب مع الأولياء حيث كان العضل من معقل بن يسار أخو جملاء- فالصواب عندى ان الخطاب مع الناس كلهم فانه يضاف الفعل الى الجماعة حين يصدر عن واحد منهم كما فى قوله تعالى لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ يعنى لا يأكل بعضكم اموال بعض وقوله تعالى لا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ يعنى لا يخرج بعضكم نفس بعضكم من ديارهم- وحينئذ لا مزاحمة بين سياق الاية وسبب نزولها والمعنى حينئذ إذا طلق رجال منكم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن ايها الأولياء والأزواج السابقين وغيرهم ان ينكحن أزواجهن- وفى لفظ الأزواج تجوز على جميع التقادير فانه اطلاق بناء على ما كان او على ما يؤل اليه والله اعلم والشافعية بعد ما حملوا الخطاب فى الاية على انه مع الأولياء قالوا فيه دليل على ان المرأة لا تزوج نفسها إذ لو تمكنت منه لم يكن لعضل الولىّ معنى وحملوا اسناد النكاح الى المرأة على التجوز وقالوا اسناد النكاح إليهن بسبب توقفه على اذنهن- وهذا الاستدلال ضعيف فانه يمكن المنع من الولي على تقدير كون النكاح فعلا اختياريا للمرءة الا ترى انه صلى الله عليه وسلم

قال لا تمنعوا إماء الله عن مساجد الله مع ان إتيان المساجد فعل اختياري للمرءة بل المنع والحث انما يتصوران فى الفعل الاختياري فالاولى لهم فى هذه المسألة الاستدلال بقوله تعالى وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا فان الأصل فى الاسناد الحقيقة. ((مسئلة)) هل يجوز نكاح الحرة العاقلة البالغة من غير ولى- فقال ابو حنيفة وابو يوسف يجوز لها نكاحها نفسها بعبارتها وعبارة وكيلها برضاها وان لم يعقد عليها ولى سواء كان الزوج كفوالها اولا الا انه فى غير الكفو للولى الاعتراض وفى رواية عنهما لا ينعقد فى غير الكفو وعند محمد ينعقد فى الكفو وغيره موقوفا على اجازة الولي- وقال مالك ان كانت ذات شرف وجمال او مال يرغب فى مثلها لا يصح نكاحها الا بولي وان كانت بخلاف ذلك جاز ان يتولى نكاحها اجنبى برضاها ولا يجوز النكاح بعبارتها وقال الشافعي واحمد لا نكاح الا بولي وهى رواية عن ابى يوسف احتجوا بهذه الاية وقد سمعت ما عليه وبأحاديث منها حديث عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أيما امراة نكحت بغير اذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل فان دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها فان اشتجر فالسلطان ولى من لا ولى له- رواه اصحاب السنن من حديث ابن جريح عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة وحسنه الترمذي- قال الطحاوي حدثنا ابن ابى عمران قال أخبرنا يحيى بن معين عن ابن علية عن ابن جريح انه قال لقيت الزهري فأخبرته عن هذا الحديث فانكره- وأجاب عنه ابن الجوزي بان الزهري اثنى على سليمان بن موسى فكان الإنكار عن نسيان من الزهري- وحديث عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نكاح الا بولي والسلطان ولى من لاولى له رواه الترمذي وابو داود وابن ماجة وفيه الحجاج بن ارطاة ضعيف- وعنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نكاح الا بولي وشاهدى عدل رواه الدارقطني وفيه يزيد بن سنان وأبوه قال الدارقطني هو وأبوه ضعيفان وقال النسائي هو متروك الحديث وضعفه احمد وغيره وعنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بد للنكاح من أربعة الولي والزوج وشاهدين رواه الدارقطني وفيه نافع بن ميسر ابو خطيب مجهول- وحديث ابى بردة عن أبيه ابى موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم لا نكاح الا بولي رواه احمد وحديث ابن عباس مرفوعا لا نكاح

الا بولي والسلطان ولى من لاولى له رواه احمد من طريق الحجاج بن ارطاة وهو ضعيف ومن طريق أخر فيه عدى بن الفضل وعبد الله بن عثمان ضعيفان- وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البغايا اللتي ينكحن انفسهن لا يجوز النكاح الا بولي وشاهدين ومهر قل وكثر رواه ابن الجوزي وفيه النهاس قال يحيى ضعيف وقال ابن عدى لا يساوى شيئا- وحديث ابن مسعود وابن عمر قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نكاح الا بولي وشاهدى عدل فى حديث ابن مسعود بكير بن بكار قال يحيى ليس بشىء وفيه عبد الله بن محرز قال الدارقطني متروك وفى حديث ابن عمر ثابت بن زهير منكر الحديث كذا قال ابو حاتم وقال ابن حبان لا يحتج به- وحديث ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزوج المرأة المرأة ولا يزوج المرأة نفسها فان الزانية هى التي يزوج نفسها رواه الدارقطني من طريقين فى أحدهما جميل بن الحسن وفى الثاني مسلم بن ابى مسلم لا يعرفان- وحديث جابر مرفوعا لا نكاح الا بولي مرشد وشاهدى عدل رواه ابن الجوزي وفيه محمد بن عبيد الله العزرمي قال النسائي ويحيى متروك لا يكتب حديثه وفيه قطن بن يسير ضعيف- وحديث معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أيما امراة زوجت نفسها من غير ولى فهى زانية رواه الدارقطني وفيه ابو عصمة اسم ابن ابى مريم قال يحيى ليس بشىء وقال الدارقطني هو متروك واحتج الحنفية بقوله تعالى حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ وقوله أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ لان الأصل فى الاسناد حقيقة ان تباشر المرأة- وبحديث ابن عباس مرفوعا الايم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن فى نفسها واذنها صماتها رواه مسلم ومالك وابو داود والترمذي والنسائي وجه الاستدلال ان للاولياء ليس الا حق المباشرة والايم أحق منه بنفسها فهى اولى بالمباشرة وبحديث ابى سلمة بن عبد الرحمن قال جاءت امراة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ان ابى انكحنى رجلا وانا كارهة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابيها لا نكاح لك اذهبي انكحى من شئت رواه ابن الجوزي قالوا هذا مرسل والمرسل ليس بحجة قلنا المرسل حجة- وبحديث عائشة ان فتاة دخلت عليها فقالت ان ابى زوجنى ابن أخيه ليرفع خسيسته وانا كارهة- قالت اجلسي فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبرته فأرسل الى أبيها فجعل الأمر إليها فقالت

يا رسول الله قد أجزت ما صنع ابى وانما أردت ان أعلّم النساء ان ليس الى الآباء من الأمر شىء رواه النسائي وجه الاستدلال ان فى هذا الحديث تقريره صلى الله عليه وسلم قولها ان ليس الى الآباء من الأمر شىء يعارض حديث عائشة المذكورة وحديث لا نكاح الا بولي قالت الحنفية إذا تعارضت النصوص فيجب سلوك طريق الترجيح او الجمع بضرب من التأويل- فعلى طريقة الترجيح ما رواه مسلم أصح وأقوى سندا بخلاف ما رووه من الأحاديث فانها لم تخل من ضعف او اضطراب- وعلى طريقة الجمع فنقول معنى قوله عليه الصلاة والسلام لا نكاح الا بولي يعنى لا نكاح على الوجه المسنون او نقول لا نكاح الا بمن له ولاية لينفى نكاح الكافر المسلمة والنكاح مع المحرمية والنكاح فى عدة زوج قبله وغير ذلك من الانكحة الفاسدة ويحمل حديث عائشة على امراة نكحت نفسها من غير كفو- والمراد بالباطل حقيقة على قول من لم يصحح ما باشرته من غير كفو وحكما على قول من يصححه ويثبت للولى حق الخصومة فى فسخه وكل ذلك شائع فى إطلاقات النصوص ويجب ارتكابه لدفع التعارض او نقول حديث عائشة يدل على ان المرأة إذا نكحت نفسها بإذن وليها فذلك النكاح جائز اما على اصل الشافعي فانه يقول بالمفهوم- واما على اصل ابى حنيفة فانه غير داخل فى حكم البطلان والأصل الجواز فثبت بهذا ان مباشرة المرأة غير قادحة فى النكاح انما القادح حق الولي المستفاد من قوله صلى الله عليه وسلم الايم أحق بنفسها من وليها وحق الولي الاعتراض فى غير الكفو دفعا للعار- إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ اى الخطّاب والنساء- وهو ظرف لان ينكحن- وبناء على اشتراط التراضي اجمعوا على انه لا يجوز إجبار المرأة البالغة إذا كانت ثيبة واختلفوا فى البكر البالغة فقال الشافعي يجوز للاب والجد انكاحها بغير رضاها وبه قال مالك فى الأب وهو أشهر الروايتين عن احمد لان الاية فى الثيبات واحتج ابن الجوزي بمفهوم ما رواه ابن عباس مرفوعا بلفظ الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر يستأمرها أبوها فى نفسها- قلنا هذا استدلال بالمفهوم المخالف من الحديث او الاية والمفهوم ليس بحجة عندنا على ان هذا الحديث وهذه الاية حجة لنا لا علينا فان الحديث منطوقه يدل على وجوب استيمار البكر والاستيمار ينافى الإجبار وفى الاية قوله تعالى ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ الاية يدل على ان تحريم العضل واشتراط الرضاء

مبنى على المفاسد فى العضل والإجبار كما سنذكر والمفاسد فى إجبار البكر والثيب سواء- فان قيل لو كان البكر والثيب فى اثبات الاختيار لهما سيّان فما وجه الفرق فى قوله عليه الصلاة والسلام الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر وكذا ما وجه ذكر البكر بعد قوله الايم أحق على رواية مسلم- قلنا وجه الفرق بيان كيفية اذنها بقوله اذنها صماتها بخلاف الثيب فان صماتها لم تعتبر اذنا بل لا بد لها من توكيل سابق او اذن لا حق صريحا- وايضا البكر لا تباشر العقد غالبا ولهذا خصها بعد التعميم كيلا يتساهلون فى الاستيمار- واحتج ابن الجوزي ايضا بما روى عن الحسن مرسلا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستأمر الابكار فى انفسهن فان أبين اجبرن وهذا الحديث ساقط متنا وسندا اما متنا فللتناقض بين الاستيمار والإجبار إذ لا فائدة حينئذ فى الاستيمار واما سندا فلان فى سنده عبد الكريم قال ابن الجوزي قد اجمعوا على الطعن فيه ولنا أحاديث منها ما ذكرنا ومنها حديث ابن عباس ان جارية بكرا أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ان أباها زوجها وهى كارهة فخيرها النبي صلى الله عليه وسلم رواه احمد وابو داود والنسائي وابن ماجة بسند متصل ورجال صحيح وقول البيهقي انه مرسل لا يضر فانه مرسل من بعض الطرق والمرسل حجة ومتصل من طرق اخر صحيحة قال ابن القطان حديث ابن عباس هذا صحيح وليست هذه خنساء بنت خدام التي زوجها أبوها وهى ثيب فكرهت فرد النبي صلى الله عليه وسلم نكاحها رواه البخاري وقال ابن همام روى ان خنساء ايضا كانت بكرا اخرج النسائي حديثها وفيه انها كانت بكرا لكن رواية البخاري يترجح وروى الدارقطني حديث ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رد نكاح بكر وثيب انكحهما أبو هما وهما كارهتان وروى الدارقطني عن ابن عمران رجلا زوج ابنته بكرا فكرهت ذلك فرد النبي صلى الله عليه وسلم نكاحها وفى رواية اخرى عن ابن عمر قال كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتزع النساء من أزواجهن ثيبات وأبكار ابعد ان يزوجهن الآباء إذا كرهن ذلك وروى الدارقطني عن جابران رجلا زوج ابنته وهى بكر من غير أمرها فاتت النبي النبي صلى الله عليه وسلم ففرق بينهما وحديث عائشة قالت جاءت فتاة الى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ان ابى نعم الأب هو زوجنى ابن أخيه ليرفع من خسيسته «1» قالت «2» فجعل الأمر

_ (1) الخسيس الدنى والخسيسة والخساسة الحالة التي يكون عليها الخسيس يقال رفعت خسيسته ومن خسيسة إذا فعلت فعلا يكون فيه رفعته- منه رحمه الله (2) فى الأصل قال

إليها فقالت انى قد أجزت ما صنع ابى ولكنى أردت ان «1» تعلم النساء ان ليس الى الآباء قال الدارقطني حديث ابن عباس وجابر وعائشة مراسيل وابن بريدة لم يسمع من عائشة وقد أنكر احمد حديث جابر وقال الدارقطني الصحيح انه مرسل عن عطاء ان رجلا- ووهم شعيب في رفعه وقال ابن الجوزي حديث ابن عمر لا يثبت فان ابن ابى ذئب لم يسمعه عن نافع انما سمعه من عمر بن حسين وقد سئل عن هذا الحديث احمد فقال باطل قلنا المراسيل حجة لا سيما للاستشهاد والتقوية- وقول ابن الجوزي ان هذه الأحاديث محمول على ما أنكحت البكر البالغة من غير كفو حمل على خلاف الظاهر من غير سبب على ان في حديث عائشة زوجنى ابى ابن أخيه صريح على ابطال ذلك الحمل فان ابن العم يكون كفوا والقول بان ابن الأخ كان من قبل أم ايضا احتمال بعيد بلا دليل والله اعلم ((مسئلة)) اجمعوا على ان للاب ولاية الكاح الصغيرة البكر واختلفوا في الثيب الصغيرة فقال مالك والشافعي واحمد لا يجوز نكاح الثيب الصغيرة أصلا لان اذنها لا يصح قبل البلوغ لابتنائه على العقل ولا معتبر بالعقل قبل البلوغ فنكاحها لا يكون الا بغير اذنها ونكاح الثيب بغير اذنها لا يجوز فنكاحها لا يجوز اما الصغرى فبديهى بعد الإجماع واما الكبرى فلقوله عليه الصلاة والسلام الثيب أحق بنفسها وقد مر وحديث ابى هريرة لا ينكح الثيب حتى تستامر- رواه الترمذي وقال هذا حديث صحيح وحديث خنساء ان أباها زوجها وهى كارهة وكانت ثيبا فرد النبي صلى الله عليه وسلم نكاحها- رواه البخاري وحديث ابن عباس ليس للولى مع الثيب امر رواه الدارقطني وهذا حديث ضعيف أعله الدارقطني- والجواب ان خنساء كانت بالغة للاجماع على ان الثيب الصغيرة لا تستأمر ولا يصح اذنها وعلى انه لا يجوز لها مباشرة النكاح- وقال ابو حنيفة يجوز للاب انكاحها وان لم ترض لان سبب الولاية في البكر الصغيرة اما الصغر او البكارة لا غير والبكارة غير معتبر في البالغة لما قررنا فكذا في الصغيرة فلم يبق الا الصغر وهو موجود فيها- بِالْمَعْرُوفِ اى بما يعرفه الشرع ويستحسنه المروّة- حال من الضمير المرفوع او صفة مصدر محذوف اى تراضيا كائنا بالمعروف- وفيه دلالة على ان العضل عن التزويج من غير كفو والتزويج الذي لا يجوز في الشرع كالنكاح في العدة وغير ذلك من الموانع جائز غير منهى عنه ذلِكَ اشارة الى ما مضى من الاجتناب عن العضل ورعاية التراضي والخطاب الى الجميع على تأويل كل واحد

_ (1) فى الأصل يعلم

[سورة البقرة (2) : آية 233]

او يكون الكاف لمجرد الخطاب دون تعيين المخاطبين- او يقال الكاف ليس لها محل من الاعراب فيتوهم ان الكاف من نفس الكلمة وليست بكاف خطاب وعلى هذا يقول العرب موحدا منصوبة في الواحد والتثنية والجمع والمذكر والمؤنث- او يقال انه خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم على طريقة قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ هذا يدل على ان الكفار غير مخاطبين بالشرائع- او يقال خصهم بالذكر لانهم هم المتعظون المنتفعون بها ذلِكُمْ خطاب الى الناس أجمعين أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ من دنس الآثام فان العضل ان كان عن مطلق النكاح يلزم غالبا وقوعهن في العنت وان كان عن النكاح ممن يرضين مع الإجبار على النكاح ممن لا يرضين يخاف ان لا يقيما حدود الله ويقع الخلع او الطلاق وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فيه النفع والصلاح وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (232) لقصور عقلكم وجهلكم بعواقب الأمور. وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ أضاف الأولاد إليهن لتكون باعثا على العطف والأوضاع وهذا امر عبر عنه بالخير للمبالغة وهو للوجوب لكنه نسخ ذلك فيما إذا تعاسرت الامّ من الإرضاع اى لم تقدر ويقدر الأب على الاستيجار ويرتضع الصبى من غيرها بقوله تعالى وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى - او مخصوص بقوله تعالى لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وبقي الحكم فيما سوى ذلك على أصله- ومن ثم قال ابو حنيفه رحمه الله ان استأجر رجل زوجته او متعته لترضع ولدها لم يجز وقال الشافعي يجوز استيجارها- لنا ان الإرضاع مستحق عليها ديانة الا انه عذرت قضاء لظن عجزها حين امتنعت عن الرضاع مع وفور شفقتها فاذا أقدمت عليه بالأجر ظهرت قدرتها وكان الفعل واجبا عليها فلا يجوز أخذ الاجر عليه فان قيل هذا الدليل يقتضى ان لا يجوز استيجار المطلقة بعد انقضاء عدتها لترضع ولدها مع انه جائز اتفاقا- قلنا جواز استيجارها بعد انقضاء العدة ثبت بقوله تعالى فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ الاية فظهر بهذا ان إيجاب الإرضاع على الام مقيد بايجاب رزقها على الأب بقوله تعالى وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ ففى حالة الزوجية والعدة هو قائم برزقها وفيما بعد العدة ليس عليه رزق فيقوم الاجرة مقامه حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ أكده بصفة الكمال لانه يتسامح فيه وكان مقتضى هذا القيد وجوب الإرضاع الى كمال الحولين لكن لما عقب الله سبحانه بقوله فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما

ظهر ان التقييد لنفى جواز الإرضاع بعد الحولين- وايضا نفى جواز الإرضاع بعد الحولين مبنى على أصله فان الأصل ان الانتفاع بأجزاء الآدمي غير جائز لكرامته- وايضا يظهر نفى جواز الإرضاع بعد الحولين بقوله تعالى لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ إذ لا شىء بعد تمامه- وهو بيان لمن يتوجه اليه الحكم بالوجوب يعنى ذلك الإرضاع الى حولين لمن أراد إتمام الرضاعة او هو متعلق بيرضعن فان الأب يجب عليه الإرضاع كالنفقة والام يجب عليها الرضاع ان لم يعسر عليها وقال قتادة فرض الله تعالى على الوالدات الإرضاع حولين كاملين ثم انزل التخفيف بقوله لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ فبهذه الاية ثبت ان مدة الإرضاع حولين لا يجوز بعدها ولا يثبت المحرمية بالإرضاع بعدها وبه قال ابو يوسف ومحمد والشافعي واحمد وهو مروى عن ابن عباس وعمر رواهما الدارقطني وعن ابن مسعود وعلى أخرجهما ابن ابى شيبة وقال مالك خولان وشىء ولم يحده وقال ابو حنيفة ثلاثون شهرا وقال زفر ثلاثة سنين واستفادوا الزيادة على الحولين بقوله كاملين لان الكمال يقتضى ان لا يطعم في الحولين فحينئذ لا بد من مدة يعتاد فيها الصبى بالطعام ويغتذى باللبن وقدّر كل الزيادة برأيه ولم يقدر مالك قلنا اقتضاء الكمال ان لا يطعم فيها ممنوع بل ذكر الكمال لئلا يحمل الحولان على ما دونهما تسامحا ويدل على قولنا من السنة حديث ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لارضاع الا ما كان في حولين ورواه ابن الجوزي والدارقطني قال الدارقطني عن ابن عيينة رجاله «1» صحيح الا الهيثم بن جميل وهو ثقة حافظ وكذا وثقه احمد والعجلى وابن حبان وغير واحد وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ يعنى الأب فان الولد يولد له وينسب اليه وتغيير العبارة للاشارة الى المعنى المقتضى لوجوب الإرضاع ومؤن المرضعة عليه- واللام للاختصاص ومن ثم قال ابو حنيفة في ظاهر الرواية ان نفقة الابنة البالغة والابن الزمن البالغ على الأب خاصة دون الام كالولد الصغير وفي رواية الخصاف والحسن عنه انها على أبويه أثلاثا على حسب الميراث رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وذلك الرزق والكسوة ان كانت الام زوجة له او معتدة فهو جار عليهما بحكم الزوجية وان كانت اجنبيه بانقضاء عدتها يجب ذلك بناء على الاجرة كما يدل عليه قوله تعالى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وقدر النفقة على قدر وسعه لقوله تعالى لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها فيه دليل على ان التكليف بما

_ (1) لعله رجاله رجال صحيح. [.....]

لا يطاق وان كان جائزا عقلا لكنه منتف شرعا فضلا من الله تعالى ومنه لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ قرا ابن كثير ويعقوب وابو عمر- ابو محمد لا تضارّ بالرفع بدلا عن قوله لا تكلّف فهو خبر بمعنى الناهي وقرا الآخرون بالنصب على صيغة النهى- وعلى التقديرين الصيغة يحتمل ان يكون مبنيا للفاعل وان يكون مبنيا للمفعول والباء للسببية والمعنى لا تضار والدة زوجها بسبب ولدها فتعنف به وتطلب منه زيادة في النفقة او الاجرة وان تشتغل قلبه بالتفريط فى شأن الولد وان تقول بعد ما الفها الصبى اطلب لها ظيرا وما أشبه ذلك- ولا يضار الأب امرأته بسبب ولده بان يأخذ منها الولد وهى تريد ارضاعه بمثل اجر الاجنبية او ينقص من أجرها او يكرهها على ارضاعه مع إمكان ظير اخرى وهى لا تقدر على ارضاعه وما أشبه ذلك هذا على انه مبنى للفاعل- وان كان مبنيا للمفعول فالمعنى كذلك مع عكس الترتيب ويحتمل ان يكون معنى لا تضار لا تضر والباء زائدة يعنى لا يضر الوالدة ولدها او الأب ولده بان يفرط في شأنه وتعهده وارضاعه وبذل النفقة عليه ولا يدفعه الام الى الأب- أو يأخذه الأب بعد ما الفها وذكر الولد باضافة كل منهما استعطافا لهما وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ عطف على قوله وعلى المولود له وما بينهما تفسير للمعروف معترض بين المعطوف والمعطوف عليه واختلفوا في تفسير الوارث فقال مالك والشافعي المراد بالوارث هو الصبى نفسه الذي هو وارث أبيه المتوفى يكون اجر رضاعه ونفقته من ماله فان لم يكن له مال فعلى الام ولا يجبر على نفقة الصبى الا الوالدان وقيل المراد به الباقي من والدي المولود بعد وفات الاخر عليه مثل ما كان على الأب من اجرة الرضاع والنفقة والكسوة وهذا القول ايضا يوافق مذهب الشافعي ومالك- ويرد على القول الاول ان انفاق الصبى من ماله مقدم على إيجاب نفقته على غيره أبا كان او غيره ولا يجب على الأب الا إذا فرض انه ليس للصبى مال فلا يحسن ان يقال على الصبى نفقته مثل ما كان له على أبيه بل الأمر بالعكس وكيف يقال ذلك بعد ما فرض انه ليس له مال- وعلى القول الثاني انه ان كان الباقي الأب فقط او الأبوين جميعا فالحكم قد سبق انه عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ فلا حاجة الى التكرار بل هذه الاية تقتضى في صورة بقائهما ان يكون النفقة عليهما وهو ينافى ما سبق وان كان الباقي الام فقط

فالمعنى على الام رزق الام وحينئذ يلزم ان تكون هى مستحقة ومستحقة عليها- وقال أحمد وإسحاق وقتادة وابن ابى ليلى المراد بالوارث وارث الصبى من الرجال والنساء يجبر على نفقته كل وارث على قدر ميراثه عصبة كان او غيره سواء كان الصبى وارثا منه اولا كما إذا كانت صبية أنثى يرث منها ابن عمها وابن أخيها دون هى منه وفي رواية عن احمد لا يجبر الا من كان ممن يجرى التوارث بينهما وبالرواية الاولى لاحمد قال ابو حنيفة وهو الظاهر المتبادر من الاية لا غبار عليه غير ان أبا حنيفة قيد الوارث بذي رحم محرم فخرج بهذا القيد المعتق وابن العم ونحو ذلك ووجه التقييد قراءة ابن مسعود وعلى الوارث ذى الرّحم المحرم مثل ذلك فقد ذهب ابو حنيفة على اصل ان قراءة ابن مسعود يجوز به تخصيص الكتاب والزيادة عليه- وقيل المراد بالوارث العصبة فيجبر عصبات الصبى مثل الجد والأخ وابنه والعم وابنه- قال البغوي وهو قول عمر بن الخطاب وبه قال ابراهيم والحسن ومجاهد وعطاء وسفيان وقيل ليس المراد النفقة بل معناه وعلى الوارث ترك المضارة قال البغوي به قال الزهري والشعبي قلت هذا ليس بسديد لان وجوب ترك المضارة غير مختص بالوارث وانما ذكر في الوالدين لدفع توهم المضارة الناشي مما سبق وايضا كلمة ذلك بحسب الوضع للبعيد وهو وجوب النفقة دون القريب اعنى المضارة والله اعلم وبهذه الاية قال أبو حنيفة يجب النفقة على الغنى لكل ذى رحم محرم إذا كان صغيرا فقيرا او كانت امراة بالغة فقيرة او كان ذكرا زمنا او أعمى فقيرا وانما قيد بهذه الأمور لان مورد النص الصغير والصغر من اسباب الاحتياج فيلتحق كل واحد منهم بالصغير بجامع الاحتياج بخلاف الفقير المكتسب فانه غنى بكسبه فلا يلتحق بالصغير ولا يجب نفقته على غيره- ويعتبر قدر الميراث لان اضافة الحكم الى المشتق يدل على علية مأخذ الاشتقاق فيكون النفقة على الام والجد أثلاثا- ونفقة الأخ الزمن المعسر على الأخوات المتفرقات الموسرات أخماسا على قذر الميراث وقال العلماء المعتبر اهلية الإرث لا إحرازه إذ هو لا يعلم الا بعد الموت فالمعسر إذا كان له خال وابن عم يكون نفقته على خاله دون ابن عمه ولا يجب النفقة لهم مع اختلاف الدين لبطلان اهلية الإرث وهو العلة للوجوب- ولا يجب النفقة على الفقير لانها يجب صلة وهو يستحقها على غيره فكيف يستحق عليه وأما ما قال ابو حنيفة انه يجب على الرجل ان ينفق على أبويه وأجداده وجداته إذا

كانوا فقراء وان كانوا كفارا وان نفقتهم على الولد فقط لا يشارك الولد في نفقة أبويه أحد وان نفقتهم على الذكور والإناث على السوية في ظاهر الرواية لا على طريقة الإرث خلافا لاحمد فانه يقول على الذكر والأنثى أثلاثا وهو رواية عن ابى حنيفة فمبنى قول ابى حنيفة هذا ليست هذه الاية بل قالوا ان نفقتهم لاجل الجزئية دون الإرث قال الله تعالى في الأبوين الكافرين وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً- وليس من المعروف ان يموتا جوعا وهو غنى وقال عليه الصلاة والسلام أنت ومالك لابيك رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة وروى اصحاب السنن الاربعة عن عائشة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان أطيب ما أكل الرجل من كسب ولده وان ولده من كسبه وحسنه الترمذي وروى ابو داود وابن ماجة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان رجلا قال ان لى مالا وان والدي يحتاج الى مالى- قال عليه الصلاة والسلام أنت ومالك لوالدك ان أولادكم من أطيب كسبكم كلوا من كسب أولادكم وكان مقتضى هذه الأحاديث ثبوت الملك للاب في مال الابن لكنه مصروف عن الظاهر بالإجماع وبدلالة اية الميراث ونحو ذلك فمعناه يجوز الوالد التملك عند الحاجة فيجب نفقتهما على الولد لا يشاركهما غيره من الورثة وإذا لم يثبت النفقة بناء على الإرث لا يعتبر فيه طريقة الإرث واما الجد والجدة فلهما حكم الأب والام قياسا ولهذا يحرزان ميراث الأب والام ويتولى في النكاح- وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان رجلا اتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال انى فقير ليس لى شىء ولى يتيم قال كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متاثل رواه ابو داود والنسائي وابن ماجة- ولمّا فسر الشافعي ومالك الوارث فبما ذكرنا قال مالك لا يجب الا للابوين الادنيين والأولاد الصلبية دون الأجداد والجدات وأولاد الابن والبنت وقال الشافعي يجب النفقة للاصول والفروع مطلقا ولا يتعدى عمودى النسب وقال الشافعي النفقة على الذكور خاصة الجد والابن وابن الابن دون الإناث وقال مالك النفقة على أولاد الصلب الذكر والأنثى بينهما سواء إذا كانا غنيين فان كان أحدهما غنيا والاخر فقيرا فالنفقة على الغنى- والله اعلم فَإِنْ أَرادا يعنى الوالدين فِصالًا قبل الحولين لان الفصال بعد الحولين واجب

لما مر ان غاية الإرضاع الى الحولين لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ- فان قيل الفاء يقتضى ان يقدر الفصال بعد الحولين قلنا الفاء للتعقيب عن مطلق الرّضاع لا عن الحولين وفي المدارك اطلق الحكم وقال زادا على الحولين او نقصا وقال هذا توسعة بعد التحديد وانما قال ذلك ليوافق مذهب ابى حنيفة انه يجوز الإرضاع بعد الحولين الى نصف السنة قلت ولو كان هذا ناسخا للتحديد ويكون الحكم مطلقا او مقيدا ببعد الحولين لزم جواز الإرضاع بعد ثلاث سنين ايضا وهو خلاف الإجماع لم يقل به أحد فلا وجه للتحديد بالحولين ونصف ونحو ذلك وما قالوا ان الحولين ونصف يثبت بقوله تعالى وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً- فليس بشىء وسنذكر ذلك في موضعه في سورة النساء في تفسير قوله تعالى وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ ان شاء الله تعالى- فان قيل على تقدير حمل الفصال على ما قبل الحولين ايضا يلزم نسخ التحديد بالحولين قلنا وجوب الإرضاع الى تمام الحولين مقيد بقوله لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ- وهذه الاية تدل على اباحة الفصال عند ارادتهما بالتراضي والتشاور فلا منافاة ولا نسخ- والله اعلم عَنْ تَراضٍ اى صادرا عن تراض مِنْهُما من الأبوين وَتَشاوُرٍ اى تشاور من اهل العلم به فيجيزوا ان الفطام في ذلك الوقت لا يضر بالولد والمشاورة استخراج الرأى فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فى ذلك وانما اعتبر تراضيهما لئلا يقدم أحدهما على ما يتضرر به الطفل لغرض او غيره وهذا يدل على انه لا يجوز لاحد هما قبل الحولين الفصال من غير تراض بينهما وتشاور مع اهل الرأى وَإِنْ أَرَدْتُمْ ايها الآباء أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ مراضع غير أمهاتهم ان أبت أمهاتهم ان يرضعنهم لعلة بهن او انقطاع لبن او أردن نكاحا او طلبن اجرا زائدا على غيرهن وانما قيدنا بهذه القيود لما سبق من دفع الضرار عن الوالدين وحذف المفعول الاول للاستغناء عنه فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ الى أمهاتهم اى مرضعاتهم ما آتَيْتُمْ يعنى أعطيتم اى ما أردتم ايتاءه كقوله تعالى إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ- او المراد بما أتيتم ما سميتم لهن من اجرة الرضاع بقدر ما أرضعن- او المعنى إذا سلمتم أجور المراضع إليهن والتسليم ندب لا شرط للجواز اجماعا- قرا ابن كثير ما أتيتم هاهنا وفي الروم وما أتيتم من ربا بقصر الالف ومعناه ما فعلتم والتسليم حينئذ بمعنى الاطاعة وعدم الاعتراض يعنى إذا أطاع أحد الأبوين ما فعله الاخر

[سورة البقرة (2) : آية 234]

من الاسترضاع بِالْمَعْرُوفِ بالوجه المتعارف المستحسن شرعا متعلق بسلمتم وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله وَاتَّقُوا اللَّهَ مبالغة في المحافظة على ما شرع في الأطفال والمراضع وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233) حث وتهديد-. وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ اى يموتون والتوفى أخذ الشيء وافيا بتمامه يعنى يتوفون اجالهم حال كونهم مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ اى ينتظرن الضمير عائد الى الأزواج يعنى تتربص أزواجهم او المضاف محذوف في المبتدأ يعنى ازواج الذين يتوفون يتربصن بعدهم بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً انث العشر باعتبار الليالى لانها غرر الشهور والأيام- والعرب إذا أبهمت العدد بين الليالى والأيام غلبت عليها الليالى ولا يستعمل التذكير فى مثله قط حتى انهم يقولون صمت عشرا وقال الله تعالى إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً ثم قال إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً والاية تشتمل الحوامل وغيرهن ثم نسخ حكمها في الحوامل بقوله تعالى وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ قال ابن مسعود من شاء باهلته ان سورة النساء القصرى يعنى سورة الطلاق نزلت بعد سورة النساء الطولى يعنى سورة البقرة وعليه انعقد الإجماع- عن المسور بن مخرمة ان سبيعة الاسلمية نفست بضم الفاء اى ولدت بعد زوجها بليال فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنته ان تنكح فاذن لها فنكحت- رواه البخاري وكذا في الصحيحين من حديث سبيعة- ومن حديث أم سلمة- ورواه النسائي انها ولدت بعد وفات زوجها لنصف شهر وفي رواية البخاري بأربعين ليلة وفي رواية قريبا من عشر ليال- ورواه احمد من حديث ابن مسعود فقال بعده بخمس عشرة وروى عن على وابن عباس انها تعتد الى ابعد الأجلين أخرجه ابو داود في ناسخه عن ابن عباس وروى عن عمرانه قال لو وضعت وزوجها على السرير حلت- رواه مالك والشافعي وابن ابى شيبة ((مسئلة)) وعدة الامة المتوفى عنها زوجها شهران وخمسة ايام اجماعا ((فصل)) يجب الإحداد في عدة الوفاة بالإجماع الا ما حكى عن الحسن والشعبي انه لا يجب- وفي عدة الطلاق الرجعى لا أحد أدبا بالإجماع- واختلفوا في المعتدة للبائن فقال ابو حنيفة يجب وقال مالك لا يجب وعن الشافعي واحمد كالمذهبين- ولا احداد عندنا على الصغيرة فانها

غير مكلفة- ولا على الذمية فانها غير مخاطبة بالشرائع- وعند مالك والشافعي واحمد يجب عليهما والإحداد ترك الطيب والزينة من الكحل والحنا ولبس ما صبغ لاجل الزينة كالمعصفر والمزعفر ونحوهما والحرير والديباج والخضاب وتدهين الرأس والجسد بالدهن المطيب وغير المطيب- وقال الشافعي لا بأس بتدهين غير الرأس من البدن بدهن لا طيب فيه فان اضطرت الى كحل فقد رخص فيه كثير من العلماء وقال الشافعي يكتحل ليلا ويمسحه بالنهار وكذا لا بأس في الخضاب ونحوه ان كان بعذر- ولا يجوز للمطلقة الرجعية والبائنة الخروج من بيتها ليلا ولا نهارا لقوله تعالى «1» لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ والمتوفى عنها زوجها يخرج نهارا او بعض الليل ولا تبيت في غير منزلها- وقال الشافعي يجوز للمتوفى عنها زوجها الخروج مطلقا- وللبائنة الخروج نهارا قال عطاء اية الميراث نسخت السكنى فتعتد حيث شاءت ووجوب الإحداد ثبت بحديث أم حبيبة وزينب بنت جحش عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يحل لامراة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث نيال الا على «2» زوج اربعة أشهر وعشر متفق عليه عن أم عطية ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لاتحد امراة على ميت فوق ثلاث الا على زوج اربعة أشهر وعشرا ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب ولا تكتحل ولا تمس طيبا الا إذا طهرت نبذة من قسط او اظفار متفق عليه وزاد ابو داود ولا تختضب ما صبغ عزله قبل النسخ منه؟؟ رح وعن أم سلمة قالت جاءت امراة الى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله ان ابنتي توفى عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرتين او ثلثا كل ذلك يقول لاثم قال انما هى اربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن ترمى بالبعرة على رأس الحول متفق عليه وعن أم سلمة قالت دخل علىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفى ابو سلمة وقد جعلت علىّ صبرا فقال ما هذا يا أم سلمة قلت انما هو صبر ليس فيه طيب فقال انه يشب الوجه فلا تجعليه الا بالليل وتنزعيه بالنهار ولا تمتشطى بالطيب ولا بالحناء فانه خضاب قلت باى شىء امتشط يا رسول الله قال بالسدر تغفلين به رأسك رواه ابو داود والنسائي وعنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل رواه ابو داود والنسائي وعن زينب بنت كعب ان الفريعة بنت مالك بن سنان وهى اخت ابى سعيد الخدري

_ (1) فى الأصل ولا تخرجوهنّ (2) فى الأصل الا زوج

[سورة البقرة (2) : آية 235]

أخبرتها انها جاءت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسئله ان «1» ترجع الى أهلها في بنى خدرة فان زوجها خرج في طلب اعبد له فقتلوه قالت فسالت رسول الله صلى الله عليه وسلم ان ارجع الى أهلي فان زوجى لم يتركنى في منزل يملكه ولا نفقة فقالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعم فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة او في المسجد دعانى فقال امكثى في بيتك حتى يبلغ الكتاب اجله قالت فاعتدت فيه اربعة أشهر وعشرا رواه مالك وابن حبان في صحيحه والترمذي وابو داود والنسائي وابن ماجة والدارمي ورواه الحاكم من وجهين وقال صحيح الاسناد من الوجهين جميعا ولم يخرجاه وقال الترمذي حديث صحيح وقال ابن عبد البر انه حديث مشهور واحتجوا بما رواه الدارقطني انه عليه السلام امر المتوفى عنها زوجها ان تعتد حيث شاءت فقال فيه لم يسنده غير ابى مالك الا شجعى وهو ضعيف وقال ابن القطان ومحبوب بن محرر ايضا ضعيف وعطاء بن السائب مختلط وابو بكر بن مالك أضعفهم ولذلك أعله الدارقطني- قال ابو حنيفة فان كان نصيبها من دار الميت لا يكفيها وأخرجها «2» الورثة من نصيبهم انتقلت لان هذا انتقال بعذر والعبادات تؤثر فيها الاعذار فصار كما إذا خافت سقوط المنزل او كانت فيها بأجر ولا تجد ما يؤديه ولا يخرج عما انتقلت اليه فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ اى انقضت عدتهن فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ايها الائمة والمسلمون فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من الزينة والتزويج والخروج بِالْمَعْرُوفِ بالوجه الذي لا ينكره الشرع ومفهومه انهن لو فعلن ما ينكر الشرع فعليهم ان يمنعوهن فان النهى عن المنكر واجب فان قصروا فيه فعليهم الجناح وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (232) فيجازيكم على حسب أعمالكم. وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ايها الخطاب فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ الخطبة الاستنكاح والتعريض من الكلام ما يفهم به السامع مراد المتكلم من غير ان يكون اللفظ موضوعا لمراده حقيقة ولا مجازا- والكناية هى الدلالة على الشيء- بذكر لوازمه كقولك طويل النجاد لطول القامة وكثير الرماد للضايف ومن التعريض ما روى ان سكينة بنت حنظلة تايّمت من زوجها فدخل عليها ابو جعفر محمد بن على الباقر عليهم السلام في عدتها وقال يا بنت حنظلة انا من قد علمت قرابتى من رسول الله صلى الله

_ (1) فى الأصل وان ترجع (2) فى الأصل أخرجه

عليه وسلم وحق جدى على وقدمه في الإسلام فقالت سكينة أتخطبني وانا في العدة وأنت تؤخذ عنك فقال انما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وهى في عدة زوجها ابى سلمة فذكر لها منزلته من الله عز وجل وهو متحامل على يده حصيرا حتى اثر الحصير في يده من شدة تحامله على يده أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ اى أضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه صريحا او تعريضا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ بالقلوب ولا تصبرون على السكوت عنهن فاباح لكم التعريض ولا مؤاخذة على الإضمار- فيه نوع توبيخ على الخطبة وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا- استدراك عن محذوف دل عليه ستذكرونهن فاذكروهن في القلوب وعرضوا بالخطبة ولكن لا تواعدوهنّ سرّا نكاحا صريحا او جماعا يعبر بالسر عن الوطي لانه يسر ثم عن العقد لانه سبب فيه إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً (5) وهو ان يعرضوا ولا يصرحوا والمستثنى منه محذوف اى لا تواعدوهن مواعدة الا مواعدة معروفة او الا مواعدة بقول معروف- اعلم ان المعتدة من فرقة الرضاع ونحوه والمباينة باللعان والمطلقة ثلاثا ممن لا يحل لزوجها الاول تزويجها فيجوز ايضا تعريضها للاجنبى بالخطبة وان كانت بائنة فمن يحل لزوجها الاول تزويجها يجوز لزوجها خطبتها تعريضا وتصريحا- وهل يجوز للغير تعريضا أم لا قيل يجوز كالمطلقة ثلاثا لانقطاع حق زوجها الاول وقيل لا يجوز لان المعاودة جائزة له واثر النكاح باق والاول اظهر وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ كناية عن النهى عن عقد النكاح في العدة فان العزم لازم للعقد وهذا ابلغ في النهى من قوله لا تعقدوا للنكاح- وليس فيه دلالة على حرمة العزم فانه لا مؤاخذة على عزم القلب اجماعا وقد سبق اباحته بقوله تعالى- عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ الاية وهذا كمن قال زيد طويل النجاد وكثير الرماد فانه غير كاذب ان كان زيد طويلا مضيفا وان لم يكن له نجاد ورماد أصلا ويمكن ان يكون على الحقيقة ويكون نهيا عن العزم على عقد النكاح في العدة وحينئذ يكون النهى للتنزيه نهى عن العزم بناء على انه من يحوم حول الحمى يوشك ان يقع فيه حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ العدة سماها كتابا لكونها فرضا كقوله تعالى كتب عليكم اى فرض عليكم أَجَلَهُ منتهاه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ من العزم هذا يدل على كراهة العزم فَاحْذَرُوهُ فخافوه

[سورة البقرة (2) : آية 236]

ولا تعزموا وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لمن عزم ولم يفعل خشية من الله حَلِيمٌ (235) ولما كان الطلاق ابغض المباحات ذكر هاهنا بلفظ. لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ وقرا حمزة والكسائي «1» لا تمسّوهنّ بالألف هاهنا وفي الأحزاب على المفاعلة والمعنى واحد اى لم تجامعوهن أَوْ تَفْرِضُوا يعنى الا ان تفرضوا او حتى تفرضوا او وتفرضوا اى تسموا لَهُنَّ فَرِيضَةً فعلية بمعنى المفعول والتاء لنقل اللفظ من الوصفية الى الاسمية فهو منصوب على المفعولية ويحتمل ان يكون منصوبا على المصدرية- والمعنى انه لا يجب عليكم المهر إن طلقتم قبل المسيس الا ان تفرضوا فحينئذ يجب نصف المفروض كما سيجيئ حكمه فيما بعد واما إذا كان الطلاق بعد المسيس فيجب المفروض كله بقوله تعالى آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وان لم يفرض يجب مهر المثل اجماعا وَمَتِّعُوهُنَّ عطف على مقدر فطلقوهن ومتعوهن اى أعطوهن من مالكم ما يتمتعن به وهذه المتعة واجبة عند ابى حنيفة والشافعي واحمد يعنى إذا طلق قبل المسيس ولم يفرض لها مهر وقال مالك- لا يجب بل هى مستحبة والأمر للندب قلنا كلمته حقا وكلمة على في قوله تعالى حقّا على المحسنين ينفى الاستحباب والأصل فى الأمر الوجوب- واختلفوا في مقدار الواجب فقال ابو حنيفة ثلاثة أثواب درع وخمار وملحفة من كسوة مثلها يعتبر بحالها لقيامها مقام مهر المثل لا يجاوز نصف مهر المثل ولا ينقص من خمسة دراهم وهو قول الكرخي والصحيح انه يعتبر حاله لقوله تعالى عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ قال ابن همام وهذا التقدير مروى عن عائشة وابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء والشعبي وقال البغوي روى عن ابن عباس أعلاها خادم وأوسطها ثلاثة أثواب درع وخمار وإزار ودون ذلك وقاية او شىء من الورق وقال الشافعي فى أصح قوليه واحمد في رواية انه مفوض الى اجتهاد الحاكم وعن الشافعي انه مقدر بما يقع عليه اسم المال قل أو جل والمستحب عنده ان لا ينقص عن ثلاثين درهما- وفي رواية عن احمد انها مقدرة بكسوة يجوز فيها صلاتها وذلك ثوبان درع وخمار قال البغوي- طلق عبد الرحمن بن عوف امراة ومتعها جارية سوداء ومتع الحسن بن على امراة بعشرة آلاف درهم مَتاعاً نصب على المصدر بِالْمَعْرُوفِ بالوجه الذي يستحسنه الشرع لا بإكراه

_ (1) فهو سبق قلم الصحيح لم تمسّوهنّ- ابو محمد عفا الله عنه

[سورة البقرة (2) : آية 237]

من الحاكم حَقًّا اى حق حقا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) . وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ اى الواجب نصف ما فرضتم لهن ولا يجب المتعة زائدا على نصف المهر في هذه الصورة عند الجمهور الا ما روى عن الحسن وسعيد بن جبير ان لكل مطلقة متعة سواء كان قبل الفرض والمسيس او بعد الفرض قبل المسيس لقوله تعالى وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ ولقوله تعالى في سورة الأحزاب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا وهن يشتملن المفوضات وغير «1» المفروضات- وللجمهور ان يقولوا المتعة في هذه الصورة هو نصف المهر فان المهر في مقابلة البضع والبضع عادت إليها سالما فلم يجب نصف المهر الا على سبيل المتعة إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ اى المطلقات اى يتركن النصف فيعود جميع الصداق الى الزوج أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ اى الزوج المالك لعقده وحله بترك ما يعود اليه بالتشطير فيسوق المهر إليها «2» كاملا- والتفسير للّذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ بالزوج أخرجه الطبراني في الأوسط عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا وأخرجه البيهقي في سننه عن على وابن عباس وبه قال سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والشعبي وشريح ومجاهد وقتادة وهو مذهب ابى حنيفة والجديد الراجح من مذهب الشافعي وتسميتها عفوا اما على المشاكلة واما لانهم كانوا يسوقون المهر الى النساء عند التزوج فمن طلق قبل المسيس استحق استرداد النصف فاذا لم يستردها فقد عفا عنها «3» - وعن جبير بن مطعم انه تزوج امراة وطلقها قبل الدخول فاكمل لها الصداق وقال انا أحق بالعفو أخرجه البيهقي في سننه- وقيل المراد بالّذى بيده عقدة النّكاح هو الولي أخرجه البيهقي عن ابن عباس وهو مذهب مالك والقول القديم للشافعى وعن احمد روايتان كالقولين فمعنى الاية عندهم الا ان تعفو المرأة بترك نصف المهر الى الزوج ان كانت ثيبا من اهل العفو او يعفو وليها ان كانت المرأة بكرا او غير جائزة الأمر فيجوز عفو وليها وهو قوله علقمة وعطاء والحسن والزهري وربيعة- لنا ان المهر خالص حقها فلا يجوز لغيرها

_ (1) في الأصل المفوضات وغير المفوضات (2) فى الأصل اليه (3) فى الأصل عنه

[سورة البقرة (2) : آية 238]

التصرف فيها ومن ثم لا يجوز للولى ان يهب شيئا من مال الصغير ولا يجوز له هبة مهرها قبل الطلاق اجماعا فلا يجوز تأويل الاية الا على ما قلنا وَأَنْ تَعْفُوا موضع رفع بالابتداء يعنى عفو بعضكم عن بعض أَقْرَبُ لِلتَّقْوى اى الى التقوى والخطاب للرجال والنساء جميعا لان المذكر يغلب على المؤنث وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ اى لا تنسوا ان يتفضل بعضكم على بعض فان المعطى أفضل من المعطى له إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) . لما طال الكلام في احكام الأزواج والأولاد نبّه الله سبحانه على ان الاشتغال بشأنهم لا يلهيهم عن ذكر الله وعن الصلاة التي هى عماد الدين ومكفرة الذنوب وصداء القلوب فقال. حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ بالأداء لاوقاتها والمداومة عليها وإتمام أركانها وصفاتها- اجمع الامة على انها فريضة قطعية يكفر جاحدها- واما تارك الصلاة عمدا فقال احمد يكفر وقال مالك والشافعي وهو رواية عن احمد انه لا يكفر لكن يستتاب فان تاب والا قتل وقال ابو حنيفة لا يقتل لكن يحبس ابدا حتى يموت او يتوب وجه رواية احمد حديث جابر قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة رواه مسلم وحديث بريدة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم العهد الذي بيننا وبينهم ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر رواه احمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وحديث عبد الله بن عمر وعن النبي صلّى الله عليه وسلم انه ذكر الصلاة يوما فقال من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نورا ولا برهان ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبيّ بن خلف رواه احمد- والجمهور يؤولون هذه الأحاديث بناء على عطف اقامة الصلاة على الايمان- وحاصل هذه الأحاديث ان امر الصلاة أشد من سائر الاحكام والعبادات فمن تركها فكانه كفر او المعنى انه من تركها استخفافا فقد كفر والله اعلم وفي فضائل الصلاة أحاديث كثيرة جدا عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ارايتم لو ان نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسا هل يبقى من درنه شىء قالوا لا يبقى من درنه شىء قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهنّ الخطايا متفق عليه- وعن عبادة ابن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس صلوات افترضهن الله تعالى من احسن وضوئهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهدا ان

يغفر له ومن لم يفعل فليس على الله عهد ان شاء غفر له وان شاء عذبه رواه احمد وابو داود وروى مالك والنسائي نحوه وهذا الحديث حجة للجمهور على ان تارك الصلاة لا يكفر والله اعلم وَالصَّلاةِ الْوُسْطى عطف الخاص على العام لمزيد الاهتمام- والوسطى تأنيث الأوسط- قال البغوي اختلف العلماء من الصحابة فمن بعدهم في الصلاة الوسطى- فقال قوم هى صلوة الفجر وهو قول عمر وابن عمرو ابن عباس ومعاذ بن جبل رضى الله عنهم- وبه قال عطاء وعكرمة ومجاهد واليه ذهب مالك والشافعي- وذهب قوم الى انها صلوة الظهر وهو قول زيد بن ثابت وابى سعيد الخدري وأسامة لانها في وسط النهار وهى اوسط صلوات النهار والحجة لهم ما رواه البخاري في تاريخه واحمد وابو داود والبيهقي وابن جرير عن زيد بن ثابت ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى الظهر بالهاجرة وكانت أثقل الصلاة على أصحابه فنزلت حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى واخرج احمد من وجه اخر عن زيد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلى الظهر بالهاجرة فلا يكون وراءه الا الصف والصفان والناس في قائلتهم وتجارتهم فانزل الله تعالى حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ الاية فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم لينتهينّ رجال او لاحرقن بيوتهم قلنا هذين الحديثين لا يدلان ان صلوة الوسطى صلوة الظهر فان حافظوا على الصّلوت يشتمل الظهر- وقال الأكثرون وهو أرجح الأقوال انها صلوة العصر رواه جماعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول على وابن مسعود وابى أيوب وابى هريرة وعائشة رضى الله عنهم وبه قال ابراهيم النخعي وقتادة والحسن وهو مذهب ابى حنيفة واحمد لحديث على ان النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب ملا الله بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس متفق عليه وفي رواية لمسلم شغلونا عن الصلاة الوسطى صلوة العصر ملا الله قلوبهم وبيوتهم نارا وحديث ابن مسعود قال حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلوة العصر حتى اصفارت الشمس او احمارت الشمس فقال شغلونا عن الصلاة الوسطى ملا الله أجوافهم وقبورهم نارا رواه مسلم وحديث ابى يونس مولى عائشة قال أمرتني عائشة ان اكتب لها مصحفا ثم قالت إذا بلغت هذه الاية فاذنّى فلما بلغتها أذنت فاملات حافظوا على الصّلوت والصّلوة الوسطى وصلوة العصر وقالت سمعتها من رسول الله صلّى الله عليه وسلم رواه

مسلم وحديث البراء بن عازب قال نزلت هذه الاية حافظوا على الصّلوات والصلاة العصر فقراناها ما شاء الله عز وجل ثم نسخها فنزلت حافظوا على الصّلوت والصّلوة الوسطى رواه مسلم واخرج مالك وغيره عن عمرو بن رافع قال كنت اكتب مصحفا لحفصة زوج النبي صلّى الله عليه وسلم فاملات علىّ- حافظوا على الصّلوت والصّلوة الوسطى وصلوة العصر واخرج ابو داود عن عبد بن رافع قال كتبت مصحفا لام سلمة فقالت اكتب حافظوا على الصّلوة والصّلوة الوسطى وصلوة العصر واخرج ابو داود عن ابن عباس انه قرا كذلك واخرج ابو داود عن ابى رافع مولى حفصة قال كتبت مصحفا فقالت اكتب حافظوا على الصّلوت والصّلوة الوسطى وصلوة العصر فلقيت أبيّ بن كعب فاخبرته فقال هو كما قالت او ليس اشغل ما يكون عند صلوة الظهر في غنمنا ونواضحنا واصحاب الشافعي جعلوا أحاديث عائشة وحفصة وغيرهما حجة لهم قالوا عطف صلوة العصر على صلوة الوسطى دليل على المغائرة قلنا بل هو عطف تفسيرى- وروى البغوي في تفسيره حديث عائشة بلفظ حافظوا على الصّلوت والصلاة الوسطى صلوة العصر- بغير الواو والله اعلم وقال اقبيصة ابن ذويب هى صلوة المغرب لانها وسط ليست بأقلها يعنى ثنائيا ولا باكثرها يعنى رباعيا ولم ينقل عن أحد من السلف انها صلوة العشاء وذكر بعض المتأخرين انها صلوة العشاء لانها بين صلوتين لا تقصران- وقال بعضهم هى احدى الصلوات الخمس لا بعينها ابهمها الله تحريضا للعباد على المحافظة على أداء جميعها كما أخفى ليلة القدر وساعة الجمعة والاسم الأعظم والظاهر من كلام الأكثر ان تخصيص صلوة الوسطى بعد التعميم لمزية لها على غيرها من الصلوات- وعندى ليس كذلك بل زيادة التأكيد والاهتمام فيها لاجل ان وقت صلوة العصر وقت المشاغل بالسوق فروعى فيها زيادة التأكيد والاهتمام كيلا يفوت تلك الصلاة او يتادى على وجه الكراهة بلا جماعة او في وقت مكروه فعلى هذا اىّ صلوة من الصلوات يكون فيها مانع عن إتيانها على وجه السنة لا بد فيها زيادة التعاهد والاهتمام كصلوة الصبح والعشاء في الشتاء والظهر في الصيف والعصر لاهل السوق ان كان رواج سوقهم فى ذلك الوقت والمغرب لاهل المواشي ونحو ذلك والله اعلم-

وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (238) المراد بالقنوت السكوت عن كلام الناس لحديث زيد بن أرقم قال كنا نتكلم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة ويكلم الرجل منا صاحبه الى جنبه حتى نزلت وقوموا لله قنتين فامرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام رواه الائمة الخمسة وغيرهم واخرج ابن جرير عن مجاهد قال كانوا يتكلمون في الصلاة وكان الرجل يأمر أخاه بالحاجة فانزل الله تعالى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ وقال مجاهد المراد بالقنوت الخشوع قال ومن القنوت طول الركوع وغض البصر والركود وحفض الجناح كان العلماء إذا قام أحدهم يصلى يهاب الرحمن ان يلتفت او يقلب الحصا او يعبث بشىء اى السكون منه 27 او يحدث نفسه بشىء من امر الدنيا الا ناسيا وقيل المراد بالقنوت طول القيام لما رواه الترمذي عن جابر قال قيل للنبى صلى الله عليه وسلم اىّ الصلاة أفضل قال طول القنوت وهذا القول ضعيف لان الأصل في الأمر الوجوب وطول القيام ليس بواجب وقال اصحاب الشافعي المراد بالقنوت دعاء القنوت لما روى عن ابن عباس قال قنت رسول الله صلّى الله عليه وسلم شهرا متتابعا يدعوا على احياء من سليم ورعل وذكوان وعصية وهذا القول ضعيف ايضا فان سياق الاية يدل على عموم القنوت في الصلوات كلها لا يختص بشهر دون شهر ولا بصلوة دون صلوة- وقد صح ان قنوت الفجر بدعة عن ابى مالك الأشجعي قال قلت لابى يا أبت قد صليت خلف النبي صلّى الله عليه وسلم وخلف ابى بكر وخلف عمر وعثمان وعلىّ هاهنا بالكوفة قريبا من خمس سنين أكانوا يقنتون فقال اى بنى بدعة رواه احمد- وفى لفظ صليت خلف النبي صلّى الله عليه وسلم فلم يقنت وصليت خلف ابى بكر فلم يقنت وصليت خلف عمر فلم يقنت وصليت خلف عثمان فلم يقنت وصليت خلف على فلم يقنت ثم قال اى بنى بدعة واسم ابى مالك سعد بن طارق بن الأسلم قال البخاري طارق بن الأسلم له صحبة واسناد هذا الحديث صحيح وفي نفى قنوت الفجر تسعة أحاديث- وما رووه في قنوت الفجر اما ضعيف واما محمول على قنوت النوازل والكلام طويل لا يسعه المقام- وقال الشعبي وعطاء وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وطاءوس القنوت الطاعة قال الله تعالى امّة قانتا اى مطيعا قال الكلبي ومقاتل لكل اهل دين صلوة يقومون فيها عاصين فقوموا أنتم فى صلاتكم قانتين اى مطيعين- وقيل معناه مصلين كقوله تعالى أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ اى

[سورة البقرة (2) : آية 239]

مصل- وقيل القنوت الذكر اى ذاكرين له تعالى في القيام- والأظهر هو المعنى الاول فان حديث زيد بن أرقم اصرح في المراد وأصح بخلاف غير ذلك فانها احتمالات لا يصادم المسموع. فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً رجالا جمع راجل مثل صاحب وصحاب وقائم وقيام ونائم ونيام وركبان جمع راكب واستدل الشافعي واحمد بهذه الاية على جواز الصلاة حال المسابقة واحتج ابن الجوزي بما رواه البخاري عن نافع ان ابن عمر كان إذا سئل عن صلوة الخوف وصفها ثم قال وان كان الخوف أشد من ذلك صلوا رجالا وقياما على أقدامهم او ركبانا مستقبلى القبلة او غير مستقبليها قال نافع لا ارى ابن عمر ذكر ذلك الا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابو حنيفة لا يجوز الصلاة حال المشي والمسابقة وليس في الاية دليل على جواز الصلاة حال المسابقة فانه ليس معنى الراجل الماشي بل الراجل القائم على الرجلين وكذا في الحديث رجالا وقياما عطف تفسيرى لا يدل على جواز الصلاة ماشيا على ان كونه مرفوعا زعم من نافع ليس في صريح الرفع- فان قيل قد جوز في صلوة الخوف الذهاب والمجيء اجماعا كما سنذكر في سورة النساء ان شاء الله تعالى فليجز الصلاة حالة المشيء ايضا- قلنا ما ثبت شرعا مما لا مدخل للرأى فيها لا يتعداه على ان المشي في أثناء الصلاة كالمشى لاجل الوضوء للذى أحدث في الصلاة أهون من الصلاة ماشيا فلا يلحق الا على بالأدنى (مسئلة) بناء على هذه الاية اجمعوا على انه ان اشتد الخوف صلوا ركبانا يؤمون بالركوع والسجود الى اى جهة كان إذا لم يقدروا على التوجه الى القبلة لكن قال ابو حنيفة لا يجوز الافرادى وعن محمد انهم يصلون بجماعة قال في الهداية وليس بصحيح لانعدام الاتحاد في المكان (مسئلة) لا ينتقص عدد الركعات بالخوف عند الائمة الاربعة والجمهور وروى مسلم عن مجاهد عن ابن عباس قال فرض الله تعالى الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة وهو قول عطاء وطاووس والحسن ومجاهد وقتادة وسنذكر مسائل صلوة الخوف في سورة النساء ان شاء الله تعالى فَإِذا أَمِنْتُمْ وزال خوفكم فَاذْكُرُوا اللَّهَ صلوا الصلاة تامة بشرائطها وأركانها وآدابها كَما ذكرا مثل ما عَلَّمَكُمْ على لسان نبيه صلّى الله عليه وسلم وما مصدرية او موصولة ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239) مفعول ثان لعلّم-.

[سورة البقرة (2) : آية 240]

وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ يا معشر الرجال وَيَذَرُونَ يتركون أَزْواجاً اى زوجات وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ قرا ابو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص وصيّة بالنصب على معنى فليوصوا وصية وقرا الباقون بالرفع اى كتب عليكم وصية ويؤيده قراءة كتب عليكم وصيّة لازواجكم او المعنى حكمهم وصية مَتاعاً نصب على المصدر اى متعوهن متاعا او هو مفعول لمضمر اى ليوصوا متاعا- او لوصية اى ليوصوا وصية متاعا يعنى ما يتمتعن به من النفقة والكسوة من موتهم إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ بدل منه او مصدر مؤكد كقولك هذا القول غير ما تقول او حال من أزواجهم اى غير مخرجات او منصوب بنزع الخافض اى من غير إخراج- والمعنى انه يجب على المحتضرين ان يوصوا لازواجهم بان يتمتعن من أموالهم بالنفقة والكسوة الى تمام الحول فكان ذلك الوصية للزوجات واجبا على الأزواج بهذه الاية كما كانت الوصية للوالدين والأقربين واجبا بقوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ثم نسخ هذا الحكم كما نسخ ذلك والناسخ لهذا ما هو ناسخ لذلك اعنى اية الميراث وقوله صلّى الله عليه وسلم لا وصية لوارث اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس انه سقطت النفقة بتوريثها الربع والثمن- وما ذكرنا من البحث والتحقيق في تفسير قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ الاية جار هاهنا ايضا فلم نعده- وكانت النساء يحدون في الجاهلية وكذا في بدء الإسلام بعد الوفاة حولا كاملا كما يدل عليه قوله صلّى الله عليه وسلم في حديث أم سلمة قد كانت إحداكن ترمى بالبعرة على رأس الحول متفق عليه قيل ثم نسخت المدة بقوله تعالى أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فذلك الاية وان كانت مقدما على هذه الاية في التلاوة لكنها متاخرة عنها في النزول- اخرج الشيخان عن عثمان بن عفان انه نسخت المدة بقوله تعالى أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً- قال البغوي نزلت الاية في رجل من الطائف يقال له حكيم بن الحارث هاجر الى المدينة وله أولاد ومعه أبواه وامرأته ومات فانزل الله تعالى هذه الاية فاعطى النبىّ صلّى الله عليه وسلم والديه وأولاده من ميراثه ولم يعط امرأته شيئا وأمرهم ان ينفقوا عليها من تركة زوجها حولا وكذا اخرج إسحاق بن راهويه في تفسيره عن مقاتل بن حبان ان رجلا من اهل الطائف قدم المدينة الحديث قلت لكن سياق الاية ينافى

[سورة البقرة (2) : آية 241]

هذا الحديث لان الاية تقتضى وجوب الوصية والحديث يقتضى وجوب نفقتها من تركة زوجها من غير وصية ولعله مات بعد نزول الاية واوصى بالإنفاق حولا على حسب تلك الاية فعمل النبي صلى الله عليه وسلم كذلك- وايضا هذا الحديث يقتضى نزول هذه الاية بعد قوله تعالى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ وقبل قوله تعالى وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ الاية والله اعلم فَإِنْ خَرَجْنَ يعنى الأزواج قبل الحول من غير إخراج الورثة فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ايها الائمة فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من ترك الحداد والتزيين والتزويج مِنْ مَعْرُوفٍ مما لم ينكره الشرع فليس عليكم منعهن قال البغوي الخطاب الى اولياء الميت ولدفع الجناح وجهان أحدهما ما ذكرت وثانيهما لا جناح عليكم في قطع النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول قلت هذا التأويل لا يصاعده عبارة النص لانه لو كان كذلك كان ينبغى ان يقال فيما فعلتم يعنى من ترك النفقة ولم يتبع فيما فعلن والله اعلم- وهذه الاية تدل على ان الاعتداد والإحداد الى تمام الحول لم يكن واجبا عليهن وانما يفعلن ذلك على رسم الجاهلية تأسفا على فراق الميت- فاوجب الله تعالى الوصية لهن بالنفقات على سبيل المروة ماد من يتاسفن على فراقه ولم يخرجن من منزله فما انزل الله تعالى في عدة الوفاة اربعة أشهر وعشرا حكم جديد ليس بناسخ لحكم اخر سابق عليه والله اعلم وَاللَّهُ عَزِيزٌ ينتقم من خالف حكمه حَكِيمٌ (240) يحكم على حسب المروة ورعاية المصالح. وَيجب لِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ يعنى على الموسع قدره وعلى المقتر قدره حق ذلك حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) عن الشرك- قيل المراد بمتاع في هذه الاية نفقة ايام العدة كما هو المراد فيما سبق من قوله تعالى وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ- بجامع ان المرأة في كلا الصورتين الموت والطلاق محبوسة لحقوق الزوج فيجب الانفاق في ماله وهذا الحكم وهو وجوب الانفاق في عدة الطلاق مجمع عليه ان كان الطلاق رجعيا- واما إذا كان الطلاق بائنا فكذلك الحكم عند ابى حنيفة رحمه الله تعالى لعموم اللفظ في هذه الاية ولقوله تعالى أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ- فانه في قراءة ابن مسعود بلفظ اسكنوهنّ من حيث سكنتم وأنفقوا عليهنّ من وجدكم ولحديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم

قال المطلقة ثلاثا لها السكنى والنفقة رواه الدارقطني فان قيل قال ابن الجوزي فيه الحرث بن ابى العالية قال يحيى بن معين هو ضعيف قلنا قال الذهبي حرث بن ابى العالية ابو معاذ شيخ لعبد الله القواريري ضعف بلا حجة ولجامع معنى الاحتباس لحقوق الزوج وهو ظهور براءة الرحم او المروة في معاملة الإحداد والتأسف على فراقه ولم ينسخ الانفاق على المتوفى عنها زوجها بالكلية بل وجب لها الميراث عوضا عن الانفاق فكانه لم ينسخ- وقال مالك والشافعي لا يجب لها النفقة لكن يجب لها السكنى وهو رواية عن احمد- وعند احمد لا سكنى لها ولا نفقة احتجوا بحديث فاطمة بنت قيس ان أبا عمر وبن حفص طلقها البتة وهو غائب فارسل إليها وكيله الشعير فسخطته فقال والله مالك علينا من شىء فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال ليس لك نفقة فامرها ان تعتد في بيت أم شريك ثم قال تلك امراة يغشاها أصحابي اعتدى عند ابن أم مكتوم رواه مسلم وفي رواية ان زوجها طلقها ثلاثا فاتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لا نفقة لك الا ان تكونى حاملا وروى احمد عن ابن عباس قال حدثتنى فاطمة بنت قيس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة وفي سند هذا الحديث حجاج بن ارطاة- وروى احمد عنها انها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انما النفقة والسكنى للمرءة ما كانت له عليها رجعة فاذا لم تكن عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى فبهذا الحديث قال احمد لا سكنى لها- واما الشافعي ومن معه فاوجبوا السكنى بقوله تعالى «1» أَسْكِنُوهُنَّ فكانهم تركوا العمل بهذا الحديث من وجه ولنا في الجواب ان حديث فاطمة بنت قيس مخالف للكتاب فهو متروك وقد ترك العمل به عمر بن الخطاب بمحضر من الصحابة روى الترمذي بسنده عن مغيرة عن الشعبي قال قالت فاطمة بنت قيس طلقنى زوجى ثلاثا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا سكنى لك ولا نفقة قال مغيرة فذكرته لابراهيم فقال قال عمر لا ندع كتاب الله وسنة تبينا صلى الله عليه وسلم بقول امراة لا ندرى احفظت أم نسيت وكان عمر يجعل لها السكنى قال ابن الجوزي ان ابراهيم لم يدرك عمر وقد رواه جماعة ان عمر قال لا نذر كتاب الله ولم يقل سنة نبيه وهو أصح ثم لا يقبل قول الصحابي إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضده- قلنا ان لم يدرك ابراهيم عمر فهو مرسل والمرسل عندنا

_ (1) فى الأصل وأسكنوهن

[سورة البقرة (2) : آية 242]

حجة- وإذا ثبت قول عمر سنة نبينا فهو رواية رقعه- ولو سلمنا فما اعترف به ابن الجوزي من صحة قول عمر لا تذر كتاب الله يكفينا للمدعى فان قول عمر هذا يدل على صحة قراءة ابن مسعود أنفقوا عليهنّ «1» من وجدكم فثبت به المدعى- وقيل في تأويل الآية المراد بمتاع بالمعروف هو المتعة غير النفقة وهى ثلاثة أثواب كما في المطلقة غير الممسوسة- وعلى هذا التأويل اللام في للمطلقات للعهد الخارجي عند ابى حنيفة رحمه الله يدل عليه ما أخرجه ابن جرير عن ابن زيد قال لما نزلت ومتّعوهنّ على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقّا على المحسنين قال رجل ان أحسنت فعلت وان لم ار ذلك لم افعل فانزل الله وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ- فعلى هذا انما يثبت المتعة الا للمطلقة قبل المسيس وبه قال ابو حنيفة رحمه الله فان قيل لو كان التأويل هكذا فما وجه قول ابى حنيفة بان المتعة يستحب إعطاؤها للمطلقة بعد المسيس فرض المهر اولا- قلنا استحباب المتعة للمطلقة بعد المسيس لا يثبت بهذه الاية بل بقوله تعالى في سورة الأحزاب فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا والله اعلم- وقال الشافعي اللام للاستغراق ومن ثم يجب المتعة عنده لكل مطلقة الا التي طلقت قبل المسيس بعد فرض المهر- قلت لو كان التأويل هكذا فلا وجه لاستثناء المطلقة التي طلقت قبل المسيس الا ان يقال وجهه الاستثناء ان يقال ان المتعة في هذه الصورة هو نصف المهر كما ذكرنا من قبل وحينئذ نقول ان ما ذكر الشافعي من التأويل هو أحد الاحتمالات المذكورة كما سمعت فوقع الشك فى وجوب المتعة لكل مطلقة ولا يثبت الوجوب بالشك فقلنا بالاستحباب عملا على أحد الاحتمالات والله اعلم. كَذلِكَ اشارة الى ما سبق من احكام الطلاق والعدة يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وعد بانه سيبين لعباده من الدلائل والاحكام ما يحتاجون اليه معاشا ومعادا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242) اى تفهمون وتستعملون العقل فيها-. أَلَمْ تَرَ تعجيب وتشويق لاستماع ما بعده فصار مثلا في التعجيب ويخاطب به من لم ير ولم يسمع قبل- او هو تقرير لمن سمع قصتهم من اهل الكتاب وارباب التواريخ او المعنى الم تعلم باعلامى إياك وفيه ايضا تعجيب وهكذا التأويل في كل ما ورد في القران لفظ الم تر ولم يره النبي صلى الله عليه وسلم إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ قال عطاء

_ (1) فى الأصل هاهنا اتفقوا هن من وجد كم- ابو محمد عفا الله عنه

الخراسانى ثلاثة آلاف وقال وهب اربعة آلاف كذا أخرجه الحاكم وصححه من ابن عباس وقيل ثمانية آلاف وقال السدىّ بضعة وثلاثين الفا وقال ابن جريح أربعين الفا- واخرج ابن جرير من طريق منقطع عن ابن عباس أربعون الفا وثمانية آلاف وقال عطاء «1» بن رباح سبعين الفا- وقيل المراد به وهم مؤتلفة قلوبهم من الالفة حَذَرَ الْمَوْتِ مفعول له قال البغوي ان اهل داوردان قرية قبل واسط وقع بها طاعون فخرجت طائفة منها وبقيت طائفة فهلك اكثر من بقي في القرية وسلم الذين خرجوا- فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين فقال الذين بقوا أصحابنا كانوا احزم منالو صنعنا كما صنعوا لبقينا ولئن وقع الطاعون ثانيا لنخرجن الى ارض لا وباء بها فوقع الطاعون من قابل فهرب عامة أهلها وخرجوا حتى نزلوا واديا افيح فلما نزلوا المكان الذي يبتغون فيها النجاة ناداهم ملك من أسفل الوادي واخر من أعلاه ان موتوا فماتوا جميعا كذا اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس وروى احمد والبخاري ومسلم والنسائي عن اسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا سمعتم بالطاعون في ارض فلا تدخلوا عليه وإذا وقع بأرض فلا تخرجوا منها وأنتم فرار منه وروى البغوي بسنده ان عمر بن الخطاب رضى الله عنه خرج الى الشام فلما جاء سرغ بلغه ان الوباء قد بلغ بالشام فاخبره عبد الرحمن بن عوف ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا سمعتم بأرض الحديث فرجع عمر من سرغ وقال الكلبي ومقاتل والضحاك انما فروا من الجهاد وذلك ان ملكا من ملوك بنى إسرائيل أمرهم ان يخرجوا الى قتال عدوهم فعسكروا ثم جبنوا وكرهوا الموت واعتلوا وقالوا لملكهم ان الأرض التي تأتيها بها الوباء فلا نأتيها حتى ينقطع منه الوباء فارسل الله عليهم الموت فخرجوا من ديارهم فرارا من الموت فلما راى الملك ذلك قال اللهم رب يعقوب والله موسى قد ترى معصية عبادك فارهم اية من أنفسهم حتى يعلموا انهم لا يستطيعون الفرار منك فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ عقوبة لهم مُوتُوا امر تحويل فماتوا جميعا وماتت دوابهم كموت رجل واحد فخرج إليهم الناس فعجزوا عن دفنهم فحظروا عليهم حظيرة دون السباع وتركهم فيها فاتت على ذلك مدة قيل ثمانية ايام وقيل حتى بليت أجسادهم وعريت عظامهم ثُمَّ أَحْياهُمْ الله تعالى عطف على محذوف يدل عليه قوله موتوا يعنى فماتوا اخرج ابن جرير من طريق السدىّ عن ابى مالك انه مر حزقيل عليه السلام على اهل داوردان

_ (1) عطاء بن ابى رباح- ابو محمد عفا الله عنه

[سورة البقرة (2) : آية 244]

وقد عريت عظامهم وتفرقت أوصالهم فتعجب من ذلك- فاوحى الله اليه ناد فيهم ان قوموا بإذن الله فنادى فقاموا وحزقيل بن يوزى كان ثالث خلفاء بنى إسرائيل بعد موسى عليه السلام قال الحسن ومقاتل هو ذو الكفل سمى به لانه تكفل بسبعين نبيا وأنجاهم من القتل وقال مقاتل والكلبي هم كانوا قوم حزقيل «1» فلما أصابهم ذلك خرج حزقيل في طلبهم فوجدهم موتى فبكى وقال يا رب كنت في قوم يحمدونك ويسبحونك ويقدسونك ويكبرونك ويهللونك فبقيت وحيد الا قوم لى فاوحى الله اليه انى جعلت حياتهم إليك فقال أحيوا بإذن الله فعاشوا- قال مجاهد انهم قالوا حين أحيوا سبحانك «2» ربنا ونحمدك لآله الّا أنت- فرجعوا الى قومهم وعاشوا دهرا؟؟ الموت على وجوههم لا يلبسون ثوبا الا عاد وسما مثل الكفن حتى ماتوا لاجالهم التي كتبت لهم- قال ابن عباس فانها ليوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود تلك الريح قال قتادة مقتهم الله على فرارهم من الموت فاماتهم عقوبة ثم بعثهم ليستوفوا اجالهم ولو جاءت اجالهم ما بعثوا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ حيث أحياهم ليعتبروا ويفوزوا وقص عليكم حالهم لتستبصروا- والمراد به فضل الله على الناس كافة يعنى في الدنيا بقرينة قوله تعالى وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يعنى الكفار لا يَشْكُرُونَ (243) ذكر الله تعالى هذه القصة حثا للمؤمنين على التوكل والاستسلام للقضاء وتشجيعا على الجهاد فكانه تمهيد لقوله تعالى. وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إذ الفرار عن الموت لا يفيد والمقدر واقع لا محالة فالاولى القتال في سبيل الله إذ لو جاء أجلهم ففى سبيل الله والا فالنصر والثواب وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لما يقوله المتخلف والسابق عَلِيمٌ (244) بما يضمر انه والله اعلم روى البخاري في صحيحه وابن ابى حاتم وابن مردوية عن ابن عمر انه قال لما نزلت قوله تعالى مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ الاية- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رب زدامتى فانزل الله تعالى. مَنْ ذَا الَّذِي من استفهامية مرفوعة

_ (1) عن اشعث بن اسلم البصري قال بينما عمر يصلى ويهوديان خلفه قال أحدهما لصاحبه هو هو قالا انا نجده فى كتابنا قرنا من حديد يعطى ما يعطى حزقيل الذي أحيا الموتى بإذن الله- فقال عمر ما نجد في كتاب الله حزقيل ولا أحيا الموتى بإذن الله الا عيسى قالا اما تجد في كتاب الله رسلا لم نقصصهم فقال عمر بلى قالا اما احياء الموتى فنحدثك ان بنى إسرائيل وقع عليهم الوباء فخرج منهم قوم حتى إذا كانوا على ميل أماتهم الله فبنوا عليهم حائطا حتى إذا بليت عظامهم بعث الله حزقيل فقام عليهم فقال ما شاء الله فبعثهم الله فانزل الله في ذلك أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ- منه رحمه الله (2) فى الأصل سبحان ربنا

المحل بالابتداء وذا خبره والذي صفة ذا او بدله يُقْرِضُ اللَّهَ القرض في اللغة القطع سمى به ما يعطى من ماله شيئا لاخر ليرجع اليه مثله لان فيه قطع من ماله- والمراد هاهنا بالقرض اما حقيقته فيكون فى الكلام تجوز بتقدير المضاف اى يقرض عباد الله كما جاء في الحديث عن ابى هريرة مرفوعا ان الله يقول يوم القيامة يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمنى قال يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين قال استطعمك عبدى فلان فلم تطعمه اما علمت انك لو أطعمته لوجدتّ ذلك عندى الحديث رواه مسلم وفي فضيلة القرض أحاديث منها حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل قرض صدقة رواه الطبراني بسند حسن- والبيهقي وعنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرة الا كان كصدقته مرتين رواه ابن ماجة وصححه ابن حبان وأخرجه البيهقي مرفوعا وموقوفا- واما مجازه وهو تقديم عمل صالح يطلب به ثوابه ويدل عليه ما ذكرنا من حديث البخاري في سبب النزول قَرْضاً حَسَناً منصوب على المفعولية اى مقرضا حلالا طيبا- او على المصدرية اى قرضا مقرونا بالإخلاص وطيب النفس واخرج ابن ابى حاتم عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه انه قال القرض الحسن المجاهدة والانفاق في سبيل الله فَيُضاعِفَهُ لَهُ يعنى يضاعف الله جزاءه قرا ابن كثير وابو جعفر وابن عامر ويعقوب فيضعّفه وبابه بالتشديد حيث وقع ووافقهم ابو عمرو في سورة الأحزاب- والتشديد للتكثير وقرا الباقون بالألف على المفاعلة للمبالغة- وقرا ابن عامر وعاصم ويعقوب بالنصب وكذلك في سورة الحديد على جواب الاستفهام بإضمار أن والباقون بالرفع عطفا على يقرض- فههنا اربع قراءات قرا ابن كثير وابو جعفر فيضعّفه بالرفع وابن عامر ويعقوب بالنصب وعاصم فيضعفه بالنصب والباقون بالرفع أَضْعافاً جمع ضعف ونصبه على الحال من الضمير المنصوب او على المفعول الثاني لتضمن المضاعفة معنى التصيير او على المصدر على ان الضعف اسم المصدر وجمعه للتنويع كَثِيرَةً قال السدىّ هذا التضعيف لا يعلمه الا الله وقيل الواحد بسبع مائة والاول أصح لما ذكرنا من حديث البخاري في سبب النزول وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ قرا ابو عمرو وقنبل وحفص وهشام وحمزة بخلاف عن خلاد ويبسط هاهنا وبسطة في الأعراف بالسين والباقون بالصاد- اى يقبض الرزق لمن يشاء ويبصط لمن يشاء فلا تبخلوا في التصدق كيلا يبدل حالكم عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

[سورة البقرة (2) : آية 246]

ما من يوم يصبح العباد فيه الا ملكان ينزلان من السماء فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الاخر اللهم أعط ممسكا تلفا متفق عليه وقيل هذا في القلوب لما أمرهم الله بالصدقة أخبرهم بانهم لا يمكنهم ذلك الا بتوفيقه يعنى يقبض بعض القلوب فلا ينشط للخير ويبسط بعضها فيقدم لنفسه خيرا عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما الى ثديهما وتراقيهما فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة بمكانها متفق عليه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء وقيل يقبض الصدقات ويبسط في الجزاء والثواب عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب (ولا يقبل الله الا الطيب فان الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربى أحدكم فلوه حتى يكون مثل الجبل متفق عليه وقيل الله يقبض الأرواح والأنفس حين موتها والتّي لم تمت في منامها فيمسك الّتى قضى عليها الموت ويبسط «1» الاخرى الى أجل مسمّى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245) بعد الموت فيجازيكم على ما قدمتم من أعمالكم- قال قتادة الهاء راجعة الى التراب كناية عن غير مذكور اى الى التراب ترجعون-. أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ هى الجماعة من وجوه الناس واشرافهم يجتمعون للتشاور لا واحد له من لفظه كالقوم وجمعه إملاء مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ موت مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ قال قتادة هو يوشع بن نون وقال السدى شمعون والأكثر انه اشموئيل قال وهب وابن ابى إسحاق والكلبي وغيرهم انه لما مات موسى خلف في بنى إسرائيل يوشع فمات فخلف فيهم كالب فمات فخلف حزقيل فلما مات وعظمت فى بنى إسرائيل الأحداث ونسوا عهد الله حتى عبدوا الأوثان بعث الله تعالى الياس بتجديد ما نسوا من التورية ثم خلقه اليسع فمات وخلفت فيهم خلوف وعظمت الخطايا وظهر عليهم عدوهم العمالقة فوم جالوت ساكنوا ساحل البحر بين مصر وفلسطين غلبوا على ارضهم وسبوا ذراريهم وأسروا من أبناء ملوكهم اربعمائة وأربعين غلاما وضربوا عليهم الجزية

_ (1) وفي القران ويرسل الاخرى [.....]

[سورة البقرة (2) : آية 247]

وأخذوا توراتهم ولقى بنوا إسرائيل منهم شدة ولم يكن نبى يدبر أمرهم وكان سبط النبوة لم يبق منهم الا امراة حبلى فولدت غلاما فسمته اشموئيل فاسلمته لتعلم التورية في بيت المقدس وكفله شيخ من علمائهم فلما بلغ الغلام أتاه جبرئيل وهو نائم عند الشيخ فدعاه جبرئيل بلحن الشيخ يا اشموئيل فقام الغلام فزعا الى الشيخ فقال يا أبتاه دعوتنى فكره الشيخ ان يقول لا فيفزع الغلام فقال يا بنى ارجع فنم فنام ثم دعاه الثانية فقال الغلام دعوتنى قال ان دعوتك ثالثا فلا تجبنى فلما كانت الثالثة ظهر له جبرئيل وقال اذهب الى قومك فبلغهم رسالة ربك فان الله قد بعثك نبيا فكذبوه وقالوا ان كنت صادقا ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جزم على جواب الأمر وكان قوام أمرهم بالملوك وهم كانوا يطيعون الأنبياء قالَ لهم اشموئيل هَلْ عَسَيْتُمْ قرا نافع هاهنا وفي سورة القتال عسيتم بكسر السين في كل القران والباقون بالفتح ادخل هل على فعل التوقع مستفهما عما هو متوقع عنده تقريرا وتثبيتا إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ شرط وقع بين الجملة الجزائية أَلَّا تُقاتِلُوا خبر عسى والمعنى ان كتب عليكم القتال أتوقع ان لا تقاتلوا مع ذلك الملك قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال الأخفش ان هاهنا زائدة ومعناه ومالنا لا تقاتل وقال الكسائي معناه ما يمنعنا ان نقاتل والصحيح ان مالك لا تفعل ومالك ان لا تفعل لغتان صحيحتان وَقَدْ أُخْرِجْنا يعنى قد اخرج من اسرمنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وهم الذين جاوزوا النهر كما سيجيئ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) وعيد على ترك الجهاد فسال اشموئيل ربه ان يبعث لهم ملكا فاتى بعصا وقرن فيه دهن القدس فمن كان طوله طول هذا العصا و؟؟ نش الدّهن الذي في القرن إذا دخل فدهّن به رأسه وملّكه على بنى إسرائيل فبينا طالوت إذا ضل حمره وخرج في طلبه وكان دبّاغا او سقاء دخل بيت اشموئيل ليسئله عن الحمر إذ نش الدهن فقام اشموئيل فقاس طالوت بالعصا فكان على طولها فدهّن رأسه وملّكه. وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً ولما كان من بنى إسرائيل سبط النبوة سبط لاوى بن يعقوب وسبط المملكة سبط يهودا وكان طالوت من سبط بنيامين وكان رجلا فقيرا قالُوا أَنَّى من اين يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا

[سورة البقرة (2) : آية 248]

وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ فانّا من سبط المملكة والواو للحال وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ ونحن اغنياء قالَ نبيهم إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ قال الكلبي كان اعلم الناس بالحرب وَالْجِسْمِ وكان طالوت أجمل في بنى إسرائيل وأطولهم يمد رجل يده حتى يبلغ رأسه- وقيل أتاه الوحى حين اوتى الملك- قلت ولمّا احسن الله الثناء على طالوت بالاصطفاء وبسطة العلم والظاهر ان المراد بالعلم علم الشرائع فان به يصلح امور الدين والدنيا ظهر ان ما يذكرون في قصة طالوت انه حسد داود عليه السلام في اخر الأمر وأراد قتله فهرب داود وطعن علماء بنى إسرائيل طالوت فقتل طالوت كل عالم منهم الى اخر القصة باطل لا اصل له ولذا لم اذكره وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ اى واسع الفضل يوسع على الفقير ويغنيه عَلِيمٌ (247) بمن يليق بالملك- رد الله تعالى استبعادهم ملكه اولا بان السبب الحقيقي للتملك إيتاء الله واصطفاؤه وذالا يتوقف على سبق قابلية من جهة النسب او الحسب او غير ذلك- وثانيا بان السبب الظاهري لصلاحية التملك وإصلاح امور الناس العلم والقدرة على العمل على وفق العلم بالقوة والجسامة فى البدن دون كثرة المال فان المال غاد ورايح لا عبرة لوجوده وفقده- وثالثا بانه لا يجوز الاستبعاد بعد ما قضى الله ورسوله فانه تعالى اعلم بالمصالح منكم. وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ لما طلبوا منه اية على اصطفائه إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فعلوت من التوب اى الرجوع فانه لا يزال يرجع اليه ما يخرج منه- قيل أريد به الصندوق كان من خشب الشمشاد مموها بالذهب نحوا من ثلاثة اذرع في ذراعين أخرجه ابن المنذر عن وهب ابن منبه فقيل ان الله تعالى انزل تابوتا على آدم فيه صور الأنبياء فكان عند آدم ثم كان عند شيث وتوارثه الأنبياء حتى وصل الى موسى فكان موسى يضع فيه التورية وشيئا من متاعه فاذا مات موسى تداولته أنبياء بنى إسرائيل- وقيل كان صندوقا للتورية فكانوا إذا حضر القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم فاذا سار التابوت ساروا وإذا وقف وقفوا فِيهِ اى في إتيانه سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعنى تسكن به قلوبكم فلا تشكوا في ملك طالوت او الضمير راجع الى التابوت يعنى مودع فيه ما تسكتون اليه وهو التورية- او المعنى ان فيه خاصية ان تسكن قلوبكم بحضوره اخرج ابن إسحاق

وابن جرير عن وهب بن منبه انه كان موسى عليه السلام إذا قاتل قدمه فتسكن نفوس بنى إسرائيل ولا يفرون قلت ولا شك ان يذكر الله تعالى وروية اثار الصالحين من الأنبياء واتباعهم تطمئن القلوب وتذهب عنها وساوس الشيطان- واخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس ان السكينة هى صورة كانت في التابوت من زبرجد او ياقوت لها رأس وذنب كرأس الهرة وذنبه وله جناحان فتانّ فيزف التابوت نحو العدو وهم يتبعونه وإذا استقر ثبتوا وسكنوا ونزل النصر كذا ذكر البغوي عن مجاهد- وعن على عليه السلام انه ريح خجوج هفافة لها رأسان ووجهه كوجه الإنسان واخرج الطبراني عن على عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال السكينة ريح خجوج والله اعلم وعن ابن عباس هى طشت من ذهب من الجنة كان يغسل فيه قلوب الأنبياء وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ يعنى أنفسهما ولفظ الال مقحم لتفخيم شأنهما او المراد من ال هما أنبياء بنى إسرائيل لانهم أبناء عمهما- قيل كان فيه لوحان من التورية ورصاص الألواح التي تكسرت وعصاء موسى ونعلاه وعمامة هارون وعصاه وقفيز من «1» المنّ الذي كان ينزل على بنى إسرائيل وكان ذلك التابوت قد فقده بنوا إسرائيل حين عصوا الله وأحدثوا في القربان وخبثوا في القدس فقيل رفعه الله الى السماء وقيل غلب عليه العدو وذلك انه كان مشوطا لقربان الذي كانوا يشوطونه به كلابين فماجاءه كان للكاهن الذي يشوطه فلما صار عيلى الذي ربّى اشموئيل صاحب قربانهم جعل ابناه كلاليب- وكان النساء يصلين في القدس فكانا يتشبثان بهن- فقال الله تعالى لعيلى على لسان اشموئيل منعك حب الولد من ان تزجر ابنيك ان يحدثا في قرباتى وقدسى لانزعن منك الكهانة ومن ولدك ولاهلكنّكم فسار إليهم عدو فخرج ابناؤه واخرج معهما التابوت فقتلا وذهب العدو بالتابوت فلما سمع عيلى شهق فمات- فلما بعث الله طالوت ملكا انزل الله التابوت من السماء تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ هذا على القول الاول- واما على قول الثاني فلما ذهب العمالقة بالتابوت وضعوه في بيت الأصنام تحت صنم لهم أعظم فاصبح الصنم ملقى تحت التابوت وأصبحت الأصنام منكسرة فوضعوه في ناحية فهلك اكثر اهل الناحية فاخرجوه الى قرية اخرى فبعث الله على اهل تلك القرية فادّا يبيت الرجل فيصبح وقد أكل الفارة ما في جوفه- فقالت امراة من سبى بنى إسرائيل لا تزالون ترون ما تكرهون مادام

_ (1) فى الأصل وقفيز منّ الذي-

[سورة البقرة (2) : آية 249]

هذا التابوت فيكم فاخرجوه عنكم فاتوا بعجله وحملوه عليه ثم علقوها على ثورين وضربوا جنوبهما فوكل الله اربعة من الملائكة يسوقونها فجاءوا به الى بنى إسرائيل- وقيل كان التابوت في التيه خلفه موسى عند يوشع بن نون فبقى هناك الى زمن طالوت فجاءت به تحمله الملائكة حتى وضعته فى دار طالوت إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248) يحتمل ان يكون تمام كلام النبي اشموئيل ويحتمل ان يكون ابتداء خطاب من الله تعالى- قال ابن عباس ان تابوت وعصاء موسى في البحيرة الطبرية وانهما يخرجان قبل يوم القيامة-. فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ اى خرج والفصل في الأصل القطع وهو فعل متعد يعنى فصل نفسه عن بلده فلما كثر استعماله حذف مفعوله فصار كاللازم بمعنى انفصل عن بلده شاخصا الى العدو بِالْجُنُودِ هو في موضع الحال من فاعل فصل اى مختلطا بالجنود وذلك انهم لما راوا التابوت واستيقنوا النصر تسارعوا الى الجهاد كلهم فقال طالوت لا يخرج معى إلا شاب نشيط فارغ فخرج على هذا سبعون الفا على قول مقاتل وقيل ثمانون الفا وكانوا فى حر شديد فسالوا ان يجرى الله لهم نهرا قالَ طالوت اما بوحي الله ان كان نبيا واما بإرشاد نبيهم إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ قال ابن عباس والسدىّ هو نهر فلسطين وقال قتادة نهر بين الأردن وفلسطين- والابتلاء الاختبار- يعنى يعاملكم معاملة المختبر ليظهر المطيع من العاصي فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي اى من اتباعى او ليس بمتحد معى وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ اى لم يذقه من طعم لشىء إذا اذاقه ماكولا او مشروبا فَإِنَّهُ مِنِّي قرا نافع وابو عمرو بفتح الياء والباقون بالإسكان إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ استثناء من قوله فمن شرب وانما قدمت الجملة الثانية للعناية بها والمعنى الرخصة في القليل دون الكثير- ولعل الحكمة في ذلك ان شرب الماء الكثير في شدة الحر والعطش يضربا لناس يهلك او يضعف عن القتال- ويحتمل ان يكون ذلك التحريم عقابا لهم لما اقترحوا بجريان النهر- قرا اهل الحجاز والبصرة غرفة بفتح الغين والباقون بالضم قال الكسائي بالضم ما يحصل في الكف من الماء عند الاغتراف وبالفتح الاغتراف فهو منصوب على المفعولية او المصدرية على اختلاف القراءتين فَشَرِبُوا مِنْهُ اى كرعوا فيه إذ المعنى الحقيقي لمن الابتدائية ان

[سورة البقرة (2) : آية 250]

لا يكون بوسط واما الاول فعلى عموم المجاز بقرينة الاستثناء- او المعنى افرطوا في الشرب إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ منصوب على الاستثناء قال السدىّ كانوا اربعة آلاف والصحيح ما رواه البخاري عن البراء بن عازب قال كنا اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نتحدث ان عدة اصحاب يدر على عدة اصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه الا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة- ويروى ثلاثمائة وثلاثة عشر- فكان من اغترف غرفة قوى قلبه وذهب عطشه- ومن شرب وخالف امر الله تعالى جبنوا ولم يرووا واسودت شفاههم وبقوا على شط النهر فلم تجاوزوا النهر مع طالوت وقيل جاوزوا النهر كلهم والظاهر انهم لم يجاوزوا حيث قال الله تعالى فَلَمَّا جاوَزَهُ اى طالوت النهر هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ اى أطاعوه في الشرب قالُوا يعنى من وراء النهر الذين جبنوا وبقوا عليه للذين جاوزوا اعتذارا للتخلف وتحذيرا لهم لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ لغلبة العطش والضعف او لقلة العدد بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ لكثرتهم وقوتهم قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ اى يستيقنون أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ وتوقعوا ثوابه وهم الذين اكتفوا على الغرفة وجاوزوا النهر- ويحتمل ان يكون ضمير قالوا راجعا الى الذين جاوزوا النهر والمعنى انه قال بعضهم لبعض اولا لا طاقة لنا ثم قال خلصهم كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ كم خبرية موضعها الرفع بالابتداء- او استفهامية استفهام تقرير ومن زائدة- والفئة الفرقة من الناس من فاوتّ رأسه إذا شققته او من فاء إذا رجع على وزن فعة او فلة- وقيل هى جمع لا واحد له بمعنى الجماعة غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ بقضائه وإرادته وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) بالنّصر والاثابة- وقالت الصوفية بالمعية التي لا كيف لها-. وَلَمَّا بَرَزُوا طالوت وجنوده لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ اى تراء الفئتان والتقيا قالُوا يعنى طالوت ومن معه رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (250) هذا سنة الأنبياء والصالحين انهم إذا استصعبوا امرا التجئوا الى الله تعالى بالدعاء. فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ اى بنصره او مصاحبين بنصره- وكان داود عليه السلام مع أبيه في ثلاث عشر ابنا له في جند طالوت وعبر معه النهر

وكان أصغر اخوته يرعى الغنم فاوحى الله تعالى الى نبيهم انه يقتل جالوت وقد كلمه في الطريق ثلاثة أحجار وقالت انك بنا تقتل جالوت فحملها في مخلاته وأعطاه طالوت فرسا ودرعا وسلاحا فقال ان لم ينصرنى الله لم يغن عنى هذا السلاح شيئا- فلزك داود كل ذلك وأخذ مخلاته ومضى نحو العدو وكان داود رجلا قصيرا مسقاما مصغارا فلما راه جالوت وكان رجلا من أشد الناس وأقواهم يهزم الجيوش وحده القى الله في قلبه من داود رعبا فقال أتيتني بالمقلاع والحجر كما يؤتى الكلب قال نعم أنت شر من الكلب فوضع داود الأحجار الثلاثة في مقلاعه وقال باسم اله ابراهيم وإسحاق ويعقوب ورمى به فاصاب دماغه وخرج من قفاه وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وزوجه طالوت ابنته وَآتاهُ يعنى داود اللَّهُ الْمُلْكَ بعد ما مات طالوت وقيل لم يجتمع بنو إسرائيل قبل داود على ملك وَالْحِكْمَةَ النبوة جمع الله تعالى له الامرين ولم يجتمعا قبل ذلك بل كان الملك في سبط والنبوة في سبط وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ أتاه الله الزبور وعلمه صنعة الدروع وألان له الحديد فكان لا يأكل الا من عمل يده عن المقدام بن معديكرب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكل أحد طعاما خيرا من ان يأكل من عمل؟؟؟ ان نبى الله داود كان يأكل من عمل يديه رواه البخاري وعلمه منطق الطير وكلام النمل وغيرها وأعطاه صوتا حسنا قيل كان إذا قرا الزبور يدنو منه الوحوش حتى تؤخذ بأعناقها وتظله الطير ويركد الماء الجاري وتسكن الريح- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابى موسى الأشعري يا أبا موسى لقد أعطيت مزمارا من مزامير ال داود متفق عليه وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ قرا نافع ويعقوب دفع الله بالألف وكسر الدال هاهنا وفي الحج وفيه مبالغة وقرا الباقون بفتح الدال وسكون الفاء بلا الف النَّاسَ بَعْضَهُمْ يعنى الكفار بدل بعض من الناس بِبَعْضٍ يعنى بالمؤمنين لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ يعنى لغلب المشركون الأرض- فافسدوا فيها فخربوا البلاد وقتلوا العباد وظلموهم وهدمت صوامع وبيع «1» ومسجد يذكر فيها اسم الله كثيرا وصدوا الناس عن الايمان بالله وعبادته كذا قال ابن عباس ومجاهد فيه دليل على ان العلة لافتراض الجهاد دفع الفساد كما سنذكر في قوله تعالى لا اكراه في الدّين وقال بعض المفسرين لولا دفع بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار العذاب لهلكت الأرض بمن

_ (1) وفي القران صوامع وبيع وصلوات ومسجد إلخ

[سورة البقرة (2) : آية 253]

فيها روى البغوي بسنده من طريق عبد الله بن احمد عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله يدفع بالمسلم الصالح عن مائة اهل بيت من جيرانه البلاء ثم قرا وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ الاية. وايضا في الحديث ولولا رجال ركع وصبيان رضع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (251) تِلْكَ مبتدأ خبره ما بعده اشارة الى ما ذكر من قصة ألوف وتمليك طالوت او إتيان تابوت وانهزاما لجبائرة وقتل داود جالوت وايتائه الملك والحكمة وتعليمه ممّا يشاء آياتُ اللَّهِ دلائل على قدرته وعلى نبوتك نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ بالوجه المطابق للواقع الذي لا؟؟ فيه اهل الكتاب وإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252) وتلك الآيات اعجاز لك شواهد على رسالتك حيث لم يكن بها علم لمن لم يقرا الكتاب أكد بأنّ وغيرها ردا لقول الكفار لست مرسلا-. تِلْكَ الرُّسُلُ اشارة الى جماعة المرسلين التي علمت بقوله وانّك لمن المرسلين واللام للاستغراق والموصوف مع الصفة مبتدأ خبره فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ الفضل هو زيادة أحد الشيئين على اخر في وصف مشترك بينهما وفي العرف والاصطلاح يختص ذلك بوصف الكمال وهو ما يقتضى مدحا في الدنيا وثوابا في الاخرة- فان كان أحدهما مختصا بوصف كمال والاخر بوصف كمال اخر فلكل واحد منهما فضل جزئى على الاخر في مطلق الكمال اعنى في استحقاق المدح والثواب والفضل الكلى لمن له زيادة الثواب ومزية القرب عند الله تعالى فالرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام شركاء في درجة الرسالة او النبوة وموجبات الاجر والثواب وفيما بينهم تفاضل عند الله تعالى بناء على كثرة الثواب ومزيد القرب لا يعلمه كما هو الا الله تعالى وقد يدرك بعض ذلك بتعليمه تعالى كقوله مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ قال اهل التفسير هو موسى عليه السلام لقوله تعالى وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ، وهذه الاية لا يقتضى تخصيصه عليه السلام بذلك الفضيلة فقيل انه موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام كلم الله موسى على الطور ومحمدا ليلة المعراج حين كان قاب قوسين او ادنى فاوحى الى عبده ما اوحى وشتان ما بينهما وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ على بعضهم او على كلهم- اما رفع درجات

بعضهم على بعضهم ففى كثير من الأنبياء والرسل حيث فضل الرسل على الأنبياء واولى العزم من الرسل على غيرهم ونحو ذلك واما رفع درجات بعضهم على كلهم فذلك مختص بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ثابت ذلك بوحي غير متلو وانعقد عليه الإجماع عن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من بنى آدم فمن سواه الا تحت لواثى وانا أول من تنشق الأرض ولا فخر وانا أول شافع وأول مشفع ولا فخر رواه احمد والترمذي وابن ماجة وعن ابن عباس قال جلس ناس من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون قال بعضهم ان الله اتخذ ابراهيم خليلا وقال اخر موسى كلمه الله تكليما وقال اخر عيسى كلمة الله وروحه وقال اخر آدم اصطفاه الله فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال قد سمعت كلامكم وعجبكم ان ابراهيم خليل الله وهو كذلك وموسى نجى الله وهو كذلك وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك وآدم اصطفاه الله وهو كذلك الا وانا حبيب الله ولا فخر وانا حامل لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن دونه ولا فخر وانا أول شافع وأول مشفع يوم القيامة ولا فخر وانا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لى فيدخلنى ومعى فقراء المؤمنين ولا فخروانا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر رواه الترمذي والدارمي وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انا قائد المرسلين ولا فخر وانا خاتم النبيّين ولا فخر وانا أول شافع ومشفع ولا فخر رواه الدارمي- وعن أبيّ بن كعب قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم القيامة كنت امام النبيّين وخطيبهم وصاحب شفاعتهم غير فخر رواه الترمذي- وعن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انا أول من ينشق عنه الأرض فاكسى حلة من حلل الجنة ثم أقوم عن يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيرى رواه الترمذي- وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال سلوا الله الوسيلة قالوا يا رسول الله ما الوسيلة قال أعلى درجة الجنة لا ينالها الا رجل واحد أرجو أن أكون انا هو رواه الترمذي وهذه الأحاديث وان كانت من الآحاد لكنها متواترة من حيث المعنى وتلقته الامة بالقبول- قال الامام محى السنة البغوي رضى الله عنه ما اوتى نبى اية الا اوتى نبينا صلى الله عليه وسلم مثل تلك الاية وفضل على غيره بايات مثل انشقاق القمر بإشارته- وحنين الجذع على مفارقته- وتسليم الحجر والشجر عليه- وكلام البهائم والشهادة برسالته- ونبع الماء من بين أصابعه وغير ذلك من المعجزات

والآيات التي لا تحصى وأظهرها القران الذي عجز اهل السماء والأرض عن الإتيان بمثله ثم روى بسنده عن ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من نبى الا وقد اعطى من الآيات ما أمن على مثله البشر وانما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله الى فارجوان أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة متفق عليه وبسنده عن جابران النبي صلى الله عليه وسلم قال أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلى نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا فايما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل- وأحلت لى الغنائم ولم يحل لاحد قبلى- وأعطيت الشفاعة- وكان النبي يبعث الى قومه خاصة وبعثت الى الناس عامة متفق عليه وبسنده عن ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فضلت على الأنبياء بست أوتيت بجوامع الكلم- ونصرت بالرعب- وأحلت لى الغنائم- وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا- وأرسلت الى الخلق كافة- وختم بي النبيون- رواه مسلم- وهذا الباب طويل جدا لا يسعه المقام وقد صنف فيه مجلدات وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ تكلم الناس في المهد وكان يبرئ الأكمه والأبرص ويحى الموتى وانزل عليه مائدة من السماء وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وقد مر تفسيره فيما قبل خص الله سبحانه عيسى بالتعيين لافراط اليهود والنصارى في تحقيره وتعظيمه وَلَوْ شاءَ اللَّهُ هداية الناس جميعا مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ اى من بعد الرسل مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ المعجزات الواضحات وَلكِنِ اخْتَلَفُوا بارادة الله سبحانه اظهار صفاته الجلالية والجمالية وأسمائه من الهادي والمضل والغفار والقهار والمنتقم والعفو وغيرها فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ تفضلا بهدايته وتوفيقه التزام دين الأنبياء وهم الذين كان دينهم صفة الهداية وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ بخذلانه عدلا وهم الذين كان دينهم صفة الإضلال- عن ابى موسى قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول ان الله خلق خلقه في ظلمة فالقى عليهم نوره فمن أصاب ذلك النور اهتدى ومن أخطأ ضل فلذلك أقول جف القلم على علم الله رواه احمد والترمذي وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا كرره للتأكيد وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (253) لا يجوز عليه الاعتراض ولا يبلغ الى كنه حكمته غيره قال البغوي سال رجل على بن ابى طالب فقال يا امير المؤمنين أخبرني عن القدر قال طريق مظلم فلا تسلكه فاعاد السؤال فقال بحر عميق فلا تلجه فاعاد فقال سر خفى فلا تفشه- يعنى هو امر لا يمكن دركه

[سورة البقرة (2) : آية 254]

بالعقل وتفتيشه يوجب الهلاك كما يوجب الهلاك الولوج في البحر العميق والسلوك في الطريق المظلم- عن عائشة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من تكلم في شىء من القدر سئل عنه يوم القيامة ومن لم يتكلم فيه لم يسئل عنه رواه ابن ماجة وقال ابى بن كعب لو ان الله عذب اهل سمواته وارضه عذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كان رحمته خير الهم من أعمالهم ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم ان ما أصابك لم يكن ليخطيك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولو مت على غير هذا لدخلت النار وقال ابن مسعود وحذيفة بن اليمان مثل ذلك- وحدث زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك رواه احمد وابو داود وابن ماجة- فان قيل هذه الاية تدل على كون بعض الرسل أفضل من بعض فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم لا تفضلوا بين أنبياء الله وفي رواية لا تخيروا بين الأنبياء متفق عليه من حديث ابى سعيد وابى هريرة وقوله صلى الله عليه وسلم لا تخيرونى على موسى وقوله صلى الله عليه وسلم لا أقول ان أحدا أفضل من يونس بن متى متفق عليه من حديث ابى هريرة- قلنا معناه انه لا يجوز الحكم بتفضيل بعضهم على بعض بالرأى من غير دليل وتوقيف من الله سبحانه لان الفضل عبارة عن كثرة الثواب وزيادة القرب الى الله تعالى وذا لا يدرك بالرأى فاما إذا ثبت بالكتاب او السنة فان كان الدليل ظنى المتن او السند فلا بأس بالقول به مع تجويز نقيضه وان كان قطعيا يجب الاعتقاد به وكذا الحال في تفضيل غير الأنبياء بعضهم على بعض- واما قوله عليه السلام لا تخيرونى على موسى ولا أقول ان أحدا أفضل من يونس بن متى فمحمول على انه كان قبل علمه بافضليته صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء والله اعلم ((مسئلة)) وهذه الاية حجة لاهل السنة على المعتزلة في ان الحوادث كلها بيد الله تعالى تابعة لمشيته خيرا كان او شرا إيمانا كان او كفرا- وليس الأصلح ولا شىء من الأشياء واجبا عليه تعالى عن ذلك علوا كبيرا عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان قلوب بنى آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك رواه مسلم وروى عنه احمد والترمذي نحوه والترمذي وابن ماجة عن انس واحمد عن ابى موسى نحوه. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا ما أوجبت عليكم إنفاقه مِمَّا رَزَقْناكُمْ

[سورة البقرة (2) : آية 255]

مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا تقدرون فيه على تدارك ما فرطتم والخلاص من عذاب الله إذ لا بَيْعٌ فِيهِ فتحصلون الأموال وتنفقونها في سبيل الله او تفتدون بها من العذاب فتشترون به أنفسكم وَلا خُلَّةٌ حتى يعينكم عليه اخلاءكم او يسامحونكم به وَلا شَفاعَةٌ الا بإذن الله قرا ابن كثير وابو عمر وكلها مبنيا على الفتح من غير تنوين على الأصل وكذلك في سورة ابراهيم لا بيع فيه ولا خلل وفي سورة الطور لا لغو فيها ولا تأثيم وقرا الآخرون كلها بالرفع لانها فى تقدير جواب هل فيه بيع او خلة او شفاعة وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254) حيث يضعون العبادة في غير موضعها ويضعون الأموال في غير موضعها ويصرفونها على غير وجهها- وايضا هم يظلمون أنفسهم بترك ما أمرهم الله وتعريض أنفسهم للعذاب فلا تكونوا ايها الذين أمنوا على هيئتهم- او المعنى والكافرون الذين ينكرون فريضة الزكوة هم الظالمون- وقال البيضاوي أراد بالكافرين التاركين للزكوة وضع الكافرون موضعه تغليظا كقوله من كفر مكان من لم يحج وكقوله تعالى ويل للمشركين الّذين لا يؤتون الزّكوة إيذانا بان ترك الزكوة من صفات الكفار عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه- قال لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب وقالوا لا نؤدى زكوة فقال ابو بكر لو منعونى عقالا لجاهدتهم عليه فقلت يا خليفة رسول الله تالف الناس وارفق بهم فقال لى أجبّار في الجاهلية وخوّار في الإسلام انه قد انقطع الوحى وتم الدين أينقص وانا حى رواه رزين-. اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ مبتدأ وخبر والمعنى انه تعالى هو المستحق للعبادة لا غير الْحَيُّ هو الذي يصح ان يعلم ويسمع ويبصر ويقدر ويريد وكل ما يصح له فهو واجب له ما زال ولا يزال ثابت له ازلا وابدا لامتناعه عن القوة والإمكان فالحيوة صفة لله تعالى سبد الجميع صفات الكمال الْقَيُّومُ 5 قرا عمرو ابن مسعود القيّام وقرا علقمة القيّم- قال البغوي كلها لغات بمعنى واحد قال ابن مجاهد القيوم القائم على كل شىء قال الكلبي القائم على كل نفس بما كسبت وقيل هو القائم بالأمور وقال ابو عبيدة الذي لا يزول وقال البيضاوي الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه فيقول من قام بالأمر إذا حفظه وقال السيوطي الدائم البقاء قلت مرجع الأقوال انه دائم الوجود القائم بنفسه وقيم الأشياء كلها لا يتصور قيام شىء وبقاؤه

إلا به فمقتضى هذا الاسم ان ما سواه يحتاج اليه في بقائه كما يحتاج اليه في وجوده كالظل بالنسبة الى الأصل بل أشد منه احتياجا ولله المثل الأعلى لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ السنة فتور يتقدم النوم في الوجود ولذا قدم ذكره مع ان قياس المبالغة يقتضى العكس- والنوم حالة تعرض الحيوان من استرخاء أعضاء الدماغ من رطوبات الابخرة المتصاعدة بحيث يعطل الحواس الظاهرة عن الاحساس رأسا- وهذه الجملة صفة سلبية ينفى التشبيه فهى تأكيد لكونه حيا قيوما فانه من اخذه نعاس او نوم كان ما دون الحيوة فان النوم أخ الموت قاصرا في حفظ الأشياء وقيوميتها ولذاك ترك العاطف عن ابى موسى رضى الله عنه قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال ان الله لا ينام ولا ينبغى له ان ينام- يخفض «1» القسط ويرفعه- يرفع اليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل- «2» حجابه النور لو كشفت لا حرقت سبحات وجهه ما انتهى اليه بصره من خلقه رواه مسلم لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ تقرير لقيوميته واحتجاج على تفرده في الالوهية والمراد بما فيهما ما وجد فيهما داخلا في حقيقتهما او خارجا عنهما متمكنا فيهما فهو ابلغ من قولنا له السموات والأرض وما فيهن مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ بيان لكبرياء شأنه وانه لا أحد يساويه او يدانيه يستقل بان يدفع ما يريده شفاعة فضلا من ان يعاوقه مناصبة يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ اى ما قبلهم وما بعدهم- او ما يدركونه وما لا يدركونه- او ما يأخذونه وما يتركونه- فان ما تركوه كانهم نبذوه خلف ظهورهم- والضمير لما في السموات والأرض تغليبا للعقلاء على غيرهم او لمدلول ذا من الملائكة والأنبياء وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ اى من معلوماته انما قيد بقوله من علمه مع ان كل شىء معلومه تنبيها على ان المراد بالاحاطة الإحاطة العلمية- ولم يقل ولا يعلمون شيئا تنبيها على ان العلم التام المحيط بكنه الأشياء كلها مختص به تعالى ولا يوجد احاطة علم غيره بكنه شىء الا نادرا- او المراد بعلمه العلم المختص به وهو علم الغيب فهم لا يحيطون بشىء من علم الغيب إِلَّا بِما شاءَ احاطته وذلك قليل قال الله تعالى وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا والواو في ولا يحيطون اما للحال من فاعل يعلم ما بين أيديهم او للعطف وانما ذكر بالعطف لان مجموع الجملتين يدل على تفرده بالعلم الذاتي التام المحيط بأحوال خلقه

_ (1) قال البغوي ولكنه يخفض القسط ويرفعه اليه عمل الليل 12 منه (2) قال البغوي ورواه المسعودي عن عمرو بن مرة وقال حجاب الدار 12 منه

الدال على وحدانيته وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قال البيضاوي تصوير لعظمته وتمثيل مجرد ولا كرسى في الحقيقة ولا قاعد وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أراد بالكرسي علمه وهو قول مجاهد ومنه قيل لصحيفة العلم كراسة وقيل كرسيه ملكه وسلطانه والعرب تسمى الملك القديم كرسا- قلت ولو كان الكرسي بمعنى العلم او الملك كان هذه الجملة بعد قوله له ما في السّموت وما في الأرض يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم مستدركا والمشهور عند المحدثين ان الكرسي جسم قال البغوي اختلفوا في الكرسي قال الحسن هو العرش نفسه وقال ابو هريرة الكرسي موضوع امام العرش ومعنى قوله وسع كرسيّه السّموت والأرض اى سعته مثل سعة السموات والأرض- وروى ابن مردوية من حديث ابى ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما السموات السبع والأرضون السبع مع الكرسي الا كحلقة في فلاة- وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة ويروى عن ابن عباس ان السموات السبع في الكرسي كدراهم سبعة ألقيت في ترس وقال على ومقاتل كل قائمة من الكرسي طولها مثل السموات السبع والأرضين السبع وهو بين يدى العرش ويحمد الكرسي اربعة املاك لكل ملك اربعة وجوه وأقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة السفلى مسيرة خمسمائة عام ملك على صورة سيد البشر آدم عليه السلام وهو يسئل للادميين الرزق من السّنة الى السّنة وملك على صورة سيد الانعام وهو الثور وهو يسئل للانعام الرزق من السنة الى السنة وعلى وجهه عضاضة منذ عبد العجل وملك على صورة سيد السباع وهو الأسد يسئل للسباع الرزق من السنة الى السنة وملك على صورة سيد الطير وهو النسر يسئل للطير الرزق من السنة الى السنة وفي بعض الاخبار ان بين حملة العرش وحملة الكرسي سبعين حجابا من ظلمة وسبعين حجابا من نور غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة سنة لولا ذلك لاحترقت حملة الكرسي من نور حملة العرش والكرسي في الأصل اسم لما يقعد عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد كانه منسوب الى الكرسي وهو «1» ضم الشيء بعضه الى بعض- ونسبة الكرسي الى الله تعالى كنسبة العرش اليه وكذا نسبت بيت الله اليه لنوع من التجلي مختص به وقد ذكرنا فى تفسير قوله تعالى فسوهنّ سبع سموات ان المستنبط من الحديث ان العرش كروى محيط بالسماوات وما ذكرنا هاهنا من حديث ابى ذر يستفاد منه ان الكرسي محيط بالسماوات والعرش

_ (1) فى الأصل وهم-

محيط به واحاطة بعضها بعضا يقتضى كون كل منها كرويا ومن هاهنا قال من قال ان الكرسي هو الفلك الثامن والعرش الفلك التاسع- ولعل العرش والكرسي متبائتان من السموات في الماهية وممتازان بانواع التجليات ومن ثم لم يعد «الله من السموات ولم يزد عدد السموات على سبع والله اعلم وَلا يَؤُدُهُ اى لا يثقله مأخوذ من الأود وهو الاعوجاج حِفْظُهُما اى السموات والأرض او الكرسي وما وسعه فهذه الجملة مع ما عطف عليه بيان لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها او لجلاله وعظمة قدره وعموم قيوميته للاشياء فهاتين الجملتين كان كحكم جملة واحدة ولمّا كان كل جملة منها تأكيدا وبيانا لما سبق لم يذكر العاطف بين تلك الجمل وَهُوَ الْعَلِيُّ المتعالي عن الانداد والأشباه ليس كمثله شىء في الذات ولا في شىء من الصفات بوجه من الوجوه فهو متعال من ان يحمده الحامدون ويصفه الواصفون كما يليق به الْعَظِيمُ (255) المستحقى بالاضافة اليه كل ما سواه- ولما كانت هذه الاية خالصة في مباحث الذات والصفات دالة على كونه تعالى هو المتوحد بالوجود المتأصل المتصف بصفات الكمال من الحيوة وما يستتبعه من العلم والقدرة والارادة والسمع والبصر والكلام المفيض للوجود والتقوم لكل ما سواه بحيث يكون قيام كل ما سواه به تعالى لا كقيام العرض بالعين كما يتوهم من كلام بعض الأكابر حيث قال العالم اعراض مجتمعة في عين واحد بل على نحو لا يسعه مجال الخيال واقرب العبارات التي يعبر بها ذلك القيام انه تعالى اقرب إلينا من حبل الوريد المنزه عن التحيز والحلول والمبرا عن التغير والفتور مالك الملك والملكوت ذو البطش الشديد الذي لا يطاق انتقامه الا بشفاعة من اذن له عالم بالأشياء علما محيطا بالاحاطة التامة بكنه كل جلى وخفى متوحدا بعلومه لا يعلم أحد شيئا منها الا بتعليمه واسع الملك والقدرة يتجلى على بعض مخلوقاته تجليا لا ينافى علو تنزيهه لا يؤده شاق ولا يغنيه شأن عن شأن متعال عما لا يليق به بل متعال من ان يصفه الواصفون عجز عن حمده من بيده لواء الحمد يوم القيامة حيث قال أنت كما أثنيت على نفسك عظيم يستحقر بإضافته كل شىء ولا يحيط به علم عالم ولا تناسب عظمته عبادة عابد معترف بالقصور في عبادته اسبق السابقين حيث قال ما عبدناك حق

عبادتك فلذلك لما قيل يا رسول الله اىّ اية أعظم قال اية الكرسي اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ- ولما قيل اى سورة أعظم قال قل هو الله أحد رواه الدارمي من حديث اسقع بن عبد الكلاعى- واخرج الحارث بن اسامة عن الحسن مرسلا أعظم اية اية الكرسي واخرج مسلم من حديث ابى بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» يا أبا المنذر اى اية من كتاب الله أعظم قلت الله لا الله الّا هو الحىّ القيّوم قال فضرب في صدرى وقال ليهنئك العلم ثم قال والذي نفسى بيده ان لهذه الاية لسانا وشفتين يقدس الملك عند ساق العرش قلت لعل معنى هذا الحديث ان حملة العرش يقدسون الله بهذه الاية- والظاهر ان يقال لكل شىء صورة في المثال حتى القران وآياته ورمضان وغير ذلك واخرج ابن مردوية من حديث ابن مسعود- وابن راهويه في مسنده من حديث عوف بن مالك- وأحمد ومالك من حديث ابى ذر نحوه واخرج الترمذي والحاكم من حديث ابى هريرة مرفوعا سيد اى القران اية الكرسي اخرج احمد من حديث انس اية الكرسي ربع القران وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرا حين يصبح اية الكرسي وايتين من حم تنزيل الكتب من الله العزيز العليم حفظ من يومه ذلك حتى يمسى فان قراها حين يمسى حفظ من ليلته تلك حتى يصبح رواه الترمذي والدارمي وقال الترمذي هذا حديث غريب وعن ابى هريرة قال وكلنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكوة رمضان فاتى ات فجعل بحثوا من الطعام فاخذته وقلت لا رفعنك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انى محتاج وعلىّ عيال ولى حاجة شديدة فخليت عنه فاصبحت فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله قال اما انه قد كذبك وسيعود فعرفت انه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم انه سيعود فرصدته فجاء يحثوا من الطعام فاخذته فقلت لا رفعنك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال دعنى إلخ كما قال اولا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال اولا ثم قال ابو هريرة في المرة الثالثة هذا اخر ثلاث مرات انك تزعم لا تعود ثم تعود قال دعنى أعلمك كلمات ينفعك الله بها إذا أويت الى فراشك فاقرأ اية الكرسي اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الاية فانك لن تزال عليك من الله حافظا ولا يقربك شيطان حتى تصبح فخليت سبيله- فاصبحت فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم

_ (1) فى الأصل بغير النداء

[سورة البقرة (2) : آية 256]

ما فعل أسيرك البارحة قلت زعم انه يعلمنى كلمات ينفعنى الله بها قال اما انه صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال قلت لا قال ذاك شيطان رواه البخاري- واخرج النسائي وابن حبان والدارقطني من حديث ابى امامة والبيهقي في شعب الايمان من حديث الصلصال الديهمى ومن حديث على بن ابى طالب عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قرأ اية الكرسي دبر كل صلوة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة الا الموت وفي رواية من قراها حين يأخذ مضجعه امنه الله على داره ودار جارّه واهل دويرات حوله واخرج البيهقي في شعب الايمان من حديث انس مرفوعا من قرا اية الكرسي في دبر كل صلوة مكتوبة حفظه الله الى الصلاة الاخرى ولا يحافظ الا نبى او صديق او شهيد والله اعلم «1» - روى ابو داود والنسائي وابن حبان عن ابن عباس قال كانت المرأة تكون مقلّاة فتجعل في نفسها ان عاش لها ولدان تهوده فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا لا ندع أبناءنا فانزل الله تعالى. لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خير أصحابكم فان اختاروكم فمنكم وان اختاروهم فاجلوهم معهم- وقال مجاهد كان ناس مسترضعين في اليهود من الأوس فقال «2» الذين كانوا المسترضعين فيهم لنذهبن معهم او ليدينن بدينهم فمنعهم أهلهم فنزلت- واخرج ابن جرير من طريق سعيد او عكرمة عن ابن عباس قال نزلت في رجل من الأنصار من بنى سالم بن عوف يقال له الحصين كان له ابنان نصرانيان وكان هو مسلما فقال للنبى صلى الله عليه وسلم الا استكرههما فانهما قد أبيا الا النصرانية فانزل الله تعالى لا اكراه في الدّين يعنى لا يتصور الإكراه في ان يؤمن أحد إذ الإكراه الزام الغير فعلا لا يرضى به الفاعل وذالا يتصور الا فى افعال الجوارح واما الايمان فهو عقد القلب وانقياده لا يوجد بالإكراه- او المعنى لا تكرهوا في الدين فهو اخبار بمعنى النهى- ووجه المنع اما ما ذكرنا انه لا يوجد الايمان بالإكراه فلا فائدة فيه

_ (1) واخرج الدينوري في المجالس عن الحسن ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ان جبرئيل أتاني فقال ان عفر يتامن الجن يكيدك فاذا أويت الى فراشك فاقرأ اية الكرسي وفي الفردوس من حديث ابى قتادة من قرأ اية الكرسي عند الكرب أعانه الله عن ابن عمران عمر بن الخطاب خرج ذات يوم الى الناس فقال أيكم يخبر لى بأعظم اية في القران- وأعدلها- واخوفها- وارجاعا فسكت القوم فقال ابن مسعود سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أعظم اية في القران الله لا الله الّا هو الحىّ القيّوم- واعدل اية في القران انّ الله يأمر بالعدل والإحسان الاية- وأخوف اية فى القران فمن يعمل مثقال ذرّة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرّة شرّا يره وارجا اية في القران قل يعبادى الّذين أسرفوا على أنفسهم الاية- منه برد الله مضجعه (2) فى الأصل فقال المسترضعين-

واما لان إيجاب الايمان وسائر العبادات انما هو للابتلاء قال الله تعالى ليبلوكم ايّكم احسن عملا والمعتبر فيها الإخلاص قال الله تعالى واعبدوا الله مخلصين له الدّين والإكراه ينافى الابتلاء والإخلاص- فقيل هذا الحكم بعدم الإكراه خاص باهل الكتاب لنزوله فيما ذكرنا من شأن الأنصار كان أبناؤهم هودا او نصارى- قلت خصوص المورد لا يقتضى تخصيص النص وهو عام- وقيل هذا الحكم منسوخ بقوله تعالى قاتلوا المشركين كافّة- وجاهد الكفّار والمنفقين قال البغوي هو قول ابن مسعود قلت لا يتصور النسخ الا بعد التعارض ولا تعارض فان الأمر بالقتال والجهاد ليس لاجل الإكراه على الدين بل لدفع الفساد من الأرض فان الكفار يفسدون في الأرض ويصدون عباد الله عن الهدى والعبادة فكان قتلهم كقتل الحية والعقرب والكلب العقور بل أهم من ذلك ومن ثم جعل الله تعالى غاية قتلهم إعطاء الجزية حيث قال حتّى يعطوا الجزية عن يدوّهم صغرون- ولاجل هذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الولدان والنساء والمشائخ والرهبان والعميان والزمنا الذين لا يتصور منهم الفساد في الأرض وكيف يقال بالنسخ مع ان الإكراه في الدين لا يتصور ولا يفيد كما ذكرنا قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ يعنى وضح الأمر ودلت الدلائل العقلية والمعجزات النبوية على ان الايمان رشد يوصل الى السعادة الابديّة والكفر غىّ يؤدى الى الشقاوة السرمدية فتم حجة الله على الخلق وزال عذرهم وصح ابتلاؤهم ولا حاجة الى إكراههم- وقال البيضاوي في تفسير الاية ان الإكراه الزام الغير فعلا لا يرى فيه خيرا فلا اكراه في الدين- إذ قد تبيّن الرّشد من الغىّ والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسه الى الايمان طلبا للفوز بالنجاة والسعادة ولم يحتج الى الإكراه والإلجاء وهذا التقدير لو تم لزم ان يكون كل عاقل مؤمنا طوعا ولو أريد بالعاقل من له عقل سليم وتم معرفته فذا لا ينفى الإكراه من الكفار فان عقلهم غير سليم ولذلك لم يبادروا فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ فعلوت من الطغيان قلب عينه ولامه او فاعول منه حذف لامه وزيدت التاء بدلا من اللام والمراد به كل ما عبد من دون الله او ما صد عن عبادة الله من شياطين الجن والانس وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ كما ارشد به الرسول فان الايمان بالله تعالى كما ينبغى لا يتاتى الا بعد تصديق الرسول والاهتداء به فَقَدِ اسْتَمْسَكَ اى طلب الإمساك من نفسه بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى من الحبل الوثيق وهى مستعارة لمتمسك الحق لَا انْفِصامَ

[سورة البقرة (2) : آية 257]

لَها اى لا «1» انقطاع وَاللَّهُ سَمِيعٌ لدعائك إياهم ولا قوالك وأقوالهم عَلِيمٌ (256) بحرصك إياهم وبنيات كل حثّ على تصحيح الأعمال والنيات وتهديد على الكفر والنفاق. اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا محبهم ومتولى أمرهم والمراد به من أراد إيمانه يُخْرِجُهُمْ بهدايته وتوفيقه مِنَ الظُّلُماتِ ظلمات الجهل واتباع الهوى وقبول الوساوس والشبه المؤدية الى الكفر إِلَى النُّورِ 5 الى الهدى الموصل الى الايمان- قال الواقدي كل ما في القران من الظلمة والنور فالمراد به الكفر والايمان غير ما في الانعام جعل الظّلمت والنّور فانه الليل والنهار- وهذه الاية تدل على ان الايمان امر وهبى والجملة خبر بعد خبرا وحال من المستكن في الخبر او من الموصول او منهما او استيناف مبيّن او مقرد للولاية وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يعنى شياطين الجن والانس منهم كعب بن الأشرف وحيى بن اخطب وغيرهما- او المضلات من الهوى والشياطين وغيرهم فهؤلاء متولى أمورهم ومحبيهم فى زعمهم وإلا ففي الحقيقة هم أعداؤهم يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ الذي هو في اصل الفطرة كما في حديث ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مولود الا يولد على الفطرة فابواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه متفق عليه واخرج ابن جرير عن عبدة بن ابى لبابة قال هم الذين كانوا أمنوا بعيسى فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم كفروا به إِلَى الظُّلُماتِ اى الشكوك والشبهات والانهماك في الشهوات وفساد الاستعداد الموجب الى الكفر- واسناد الإخراج الى الطاغوت باعتبار السبب والكسب لا يأبى تعلق قدرته تعالى وإرادته به- والطاغوت يكون مذكرا ومؤنثا وواحدا وجمعا قال الله تعالى يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ- وقال والّذين اجتنبوا الطاغوت ان يعبدوها- اخرج ابن جرير عن مجاهد قال كان قوم آمنوا بعيسى وقوم كفروا به فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم أمن به الذين كفروا بعيسى وكفر به الذين آمنوا بعيسى فانزل الله تعالى هذه الاية واخرج ابن المنذر والطبراني في الكبير عن ابن عباس انها نزلت في قوم آمنوا بعيسى فلما بعث محمد كفروا به والله اعلم

_ (1) عن ابى الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتدوا بالذين من بعدي ابى بكر وعمر فانهما حبل الله الممدود فمن تمسك بهما فقد تمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها- منه رحمه الله.

[سورة البقرة (2) : آية 258]

أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (257) وعيد وتحذير- قيل عدم مقابلته بوعد المؤمنين لتعظيم شأنهم- والاولى ان يقال ان قوله تعالى الله ولىّ الّذين أمنوا تضمن كل ما يتصور من الوعد-. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ تعجيب من محاجة نمرود وحماقته قال البغوي هو أول من وضع التاج على رأسه وتجبر في الأرض وادّعى الربوبية أَنْ اى لان آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ فطغى اى كان محاجته لاجل بطر الملك وطغيانه- او أسند المحاجة الى إيتاء الملك على طريقة العكس يعنى كان الواجب عليه الشكر فعكس كما يقال عاديتنى لانى أحسنت إليك- او المعنى وقت ان أتى الله الملك وهو حجة على منع إيتاء الملك الكافر من المعتزلة قال البغوي ملك الأرض اربعة مؤمنان وكافران سليمان وذو القرنين ونمرود وبخت نصر قيل لما كسر ابراهيم الأصنام سجنه نمرود ثم أخرجه ليحرقه فقال من ربك الذي تدعونا اليه- وقيل كان هذا بعد القائه في النار قحط الناس فكانوا يمتارون من عند نمرود فكان نمرود إذا أتاه رجل ساله من ربك فان قال أنت باع منه الطعام فاتاه ابراهيم فقال من ربك قال ربّى الّذى يحيى ويميت فحاجه ولم يعطه شيئا فرجع ابراهيم فمر على كثيب من رمل فاخذ منه تطيبا لقلوب اهله فلما اتى اهله ووضع متاعه نام- فقامت امرأته الى متاعه ففتحته فاذا هو أجود طعام فصنعت له منه فقرّبت اليه فقال من اين هذا؟ قالت «1» من الطعام الذي جئت به فحمد الله تعالى إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ ظرف لقال انا احيى وأميت- وهو بيان لحاج- او هو استيناف في جواب سوال مقدر كانه قيل كيف حاج او الظرف متعلق لحاجّ وقال بيان له او استيناف- او الظرف بدل من ان آتاه الله الملك ان كان المصدر مقدرا بالوقت رَبِّيَ قرا حمزة بإسكان الياء وصلا ووقفا وكذا في رَبِّيَ الْفَواحِشَ- وعَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ- وقُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ وآتانِيَ الْكِتابَ- ومَسَّنِيَ الضُّرُّ- وعِبادِيَ الصَّالِحُونَ- وعِبادِيَ الشَّكُورُ- ومَسَّنِيَ الشَّيْطانُ- وإِنْ أَرادَنِيَ «2» اللَّهُ وإِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ- ووافقه ابن عامر والكسائي في لعبادى الّذين أمنوا- وابن عامر في آياتي الّذين وو فتح الآخرون كلها الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ جواب لقول نمرود من ربك الذي تدعونا اليه استدل ابراهيم عليه السلام على وجود الصانع الواجب الوجود بالآثار الدالة عليه من الاحياء

_ (1) فى الأصل قال- 2 ابو محمد (2) فى الأصل إرادتي-

[سورة البقرة (2) : آية 259]

والاماتة المشهودتين في عالم الإمكان- ونمرود لعله كان دهريا غبيا يزعم الحوادث بالاتفاق كما يزعمه الدهريون- ويزعم ان ذوى العقول من الممكنات خالقة لافعالها كما يزعمه المعتزلة والروافض- فدعا برجلين فقتل أحدهما واستحيى الاخر وقالَ نمرود أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قرا اهل المدينة انا بإثبات الالف والمد في الوصل إذا تلقتها همزة متحركة- والباقون بحذف الالف ووقفوا جميعا بالألف فلما راى ابراهيم غباوته عن الاستدلال بالحوادث المعتادة قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ يعنى وهو قادر على ان يأتيها من المغرب او كيف يشاء فَأْتِ بِها أنت مِنَ الْمَغْرِبِ ان كنت تزعم انك قادر على ما تفعل وتنكر الواجب فان الممكنات كلها سواء في الخلق فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ اى تحير ودهش وانقطعت حجته- لما راى انه لو سال ابراهيم ربه فربه يأتى بالشمس من المغرب كما جعل النار عليه بردا وسلاما وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) وان يروا كلّ اية حتّى يروا العذاب الأليم. أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ يعنى بيت المقدس او دير هرقل كما سنذكر القصة والكاف زائدة والموصول معطوف على الذي حاج- والذي مر هو آدميا وهو الخضر عليه السلام على ما رواه محمد بن إسحاق- واخرج الحاكم عن علىّ وإسحاق بن بشير عن عبد الله بن سلام وابن عباس انه عزيز- وقال مجاهد هو كافر شك في البعث نظرا الى نظمه مع نمرود وهذا ليس بشىء فان الكافر لا يستحق تلك الكرامة ولو قيل انه أمن حين راى الاحياء بعد الاماتة قلنا هذا ليس إيمانا بالغيب فلا يعتد به ونظم القصتين معا انما هو لاشتراكهما في التعجيب بلا دعاء الربوبية فمن يرى عجزه في كل حين وزمان اعجب من الحيوة بعد الممات بإذن الله تعالى فان ذلك شائع كما ترى تصير النطفة رجلا والبذر شجرا ونحو ذلك وَهِيَ خاوِيَةٌ خالية ساقطة حيطانها عَلى عُرُوشِها يعنى سقطت سقوفها ثم وقعت حيطانها عليها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ القرية اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها قال ذلك على الطلب والتمني في إحيائها مع استبعادها عادة وهضما لنفسه عن مرتبة الاستجابة- وكان القصة على ما روى محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه ان الله تعالى بعث ارميا الى ناشية بن اموص ملك بنى إسرائيل ليسدد امره وكان ملكا صالحا

يأتيه ارميا باحكام الله تعالى فعظمت المعاصي في بنى إسرائيل فاوحى الله تعالى الى ارميا لا قبضن عليهم فتنة ولا سلطنّ عليهم جبارا ولاهلكن أكثرهم فصاح ارميا وبكى فاوحى الله تعالى اليه ان لا اهلكنهم ما لم تأذن فاستبشر فلبثوا ثلاث سنين وما زادوا لا معصية وطغيانا فلما بلغ الاجل وقلّ الوحى دعاهم الملك الى التوبة فلم يفعلوا فسار بخت نصر من بابل الى بيت المقدس في جنود لا قبل لها ففزع ملك بنى إسرائيل فقال ارميا انى واثق بما وعدني الله فبعث الله تعالى الى ارميا ملكا في صورة رجل من بنى إسرائيل فقال يا نبى الله استفتيك في أهلي لم ات إليهم الا حسنا ولا يزيدون بي الا اسخاطا قال احسن وصلهم والبشر بخير ثم بعد ايام جاء اليه الملك في صورة ذلك الرجل فقال مثل مقاله وأجيب مثل ما أجيب اولا ثم بعد زمان لما حاصر بخت نصر بيت المقدس وارميا قاعد على جداره وملك بنى إسرائيل يقول اين ما وعدك الله وارميا واثق مستبشر بالوعد إذ جاءه الملك في صورة ذلك الرجل وشكى اهله اليه فقال ارميا الم يأن ان ينزجروا من الذي هم فيه فقال له الملك يا نبى الله كل شىء كان يصيبنى قبل ذلك اليوم صبرت عليه وهم اليوم على عمل عظيم من سخط الله فغضبت لله وأسئلك بالله الذي بعثك بالحق ان تدعو الله عليهم ليهلكنهم فقال ارميا يا ملك السموات والأرض ان كانوا على عمل لا ترضاه فاهلكهم فارسل الله صاعقة فالتهب مكان القربان وخسف سبعة أبواب فقال ارميا يا رب اين ميعادك فنودى انه ما أصابهم الا بدعائك فعلم ان ذلك السائل كان رسول ربه فلحق ارميا بالوحوش وخرب بخت نصر بيت المقدس ووطى الشام وقتل بنى إسرائيل وسباهم- فكانت هذه الوقعة الاولى التي أنزلها الله ببني اسراءيل بظلمهم فلما ولى بخت نصر عنهم راجعا الى بابل اقبل ارميا على حمار له معه عصير عنب في ركود وسلة تين حتى جاء ايليا فلما وقف عليها وراى خرابها قال انّى يحى هذه الله بعد موتها وانى في موضع النصب على الظرف بمعنى متى- او على الحال بمعنى كيف- ثم ربط ارميا حماره بحبل والقى الله عليه النوم فَأَماتَهُ اللَّهُ ضحى أخرجه سعيد بن منصور عن الحسن وابن ابى حاتم عن قتادة فلبث ميتا مِائَةَ عامٍ وحماره ومصيره وتينه عنده وأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد فلما مضى من موته سبعين سنة أرسل الله ملكا الى ملك من ملوك فارس يقال له نوشك فقال ان الله يأمرك ان تعمر بيت المقدس وايليا حتى يعودا عمر ما كان فجعل يعمرها- وأهلك الله

بخت نصر ببعوضة دخل دماغه ونجى الله من بقي من بنى إسرائيل ولم يمت ببابل وردهم جميعا الى بيت المقدس ونواحيه وعمروها ثلاثين سنة حتى عادوا على احسن ما كانوا عليه فاحيا الله ارميا ثُمَّ بَعَثَهُ وكان بعثه قبل غيبوبة الشمس فبعث الله اليه ملكا قالَ الملك لا رميا كَمْ لَبِثْتَ فلما زعم ارميا ان الشمس غربت من ذلك اليوم الذي نام فيه قالَ لَبِثْتُ يَوْماً ثم التفت فراى بقية من الشمس فقال أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ له الملك بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ يعنى التين وَشَرابِكَ يعنى العصير لَمْ يَتَسَنَّهْ اى لم يتغير فكان التين كانّه قطف من ساعته والعصير كانّه عصر من ساعته قال الكسائي كانّه لم يأت عليه السنون قرا حمزة والكسائي ويعقوب لم يتسنّ بحذف الهاء في الوصل وإثباته في الوقف وكذلك فبهديهم اقتد وقر الآخرون بالهاء وصلا ووقفا فمن أسقط الهاء في الوصل جعلها صلة زائدة ومن أثبتها جعلها اصلية «1» قالوا اشتقاقه من السنة والهاء اصلية ان قدر لام السنة هاء أصله سنهة بدليل سنيهة والفعل منه مسانهة- وهاء سكت ان قدر لامه واوا فابدلت الفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فحذف الالف للجزم وزيدت الهاء في الوقف- وقيل أصله لم يتسنّن من الحماء المسنون فابدلت النون الثالثة حرف علة كما فى قوله تعالى دسّها- وأفرد الضمير لان الطعام والشراب كالجنس الواحد وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ فنظر قيل فراه قائما واقفا كهيئته يوم ربطه حيا لم يطعم ولم يشرب مائة عام ونظر الى حبله في عنقه جديدة لم يتغير- وقيل راى حماره قد هلك وبليت عظامه فبعث الله ريحا فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل ذهبت بها الطيور والسباع فاجتمعت- قلت والظاهر هو القول الثاني يدل عليه تكرار كلمة انظر ولو كان الحمار باقيا على حاله كالطعام والشراب لكان المناسب ان يقال فانظر الى طعامك وشرابك وحمارك وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ على البعث بعد الموت قيل الواو مقحمة وقال الفراء دخلت الواو فيه دلالة على انها متعلق بفعل مقدر اى وفعلنا ذلك لنجعلك اية وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ اى عظام الحمار على تقدير كونه هالكا وبه قال اكثر المفسرين- وقال قوم أراد به عظام نفسه أحيا الله عينه ورأسه وسائر جسده ميت صار عظاما بيضاء متفرقا ويردّ

_ (1) اما عند القراء فهى زائدة اجماعا زيدت لاظهار فتحة النون- ابو محمد عفا الله عنه

هذا القول قوله صلى الله عليه وسلم ان الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء كَيْفَ نُنْشِزُها قرا اهل الحجاز والبصرة ننشرها بالراء المهملة معناه نحييها قال الله تعالى ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ- واليه النّشور- وقرا الآخرون بالزاء المعجمة اى نرفعها من الأرض ونركب بعضها على بعض- وكيف منصوب بنشز والجملة حال من العظام ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فلما كسى العظام لحما ودما فصار الرجل حيا او صار الحمار حمارا لا روح فيه فنفخ فيه الملك فقام الحمار ونهق بإذن الله تعالى- وفي الاية تقديم وتأخير وتقديره قال بل لبثت مائة عام امتناك ثم أحيينا فانظر الى طعامك وشرابك لم يتسنّه وانظر الى حمارك وانظر الى العظام كيف ننشزها ثمّ نكسوها لحما وفعلنا ذلك لنجعلك اية للنّاس فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ ما فعل به قالَ الرجل أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259) قرا الجمهور على صيغة المضارع للمتكلم وقرا حمزة والكسائي على صيغة الأمر وحينئذ يكون القائل الملك او الله سبحانه او الرجل خاطب به نفسه وقيل ان بخت نصر لمّا خرّب بيت المقدس وقدم بابل بسبى بنى إسرائيل كان فيهم عزيز ودانيال وجماعة من ال داود فلما نجا عزيز من بابل ارتحل على حمار له حتى نزل دير هرقل على شط دجلة فطاف في القرية فلم ير أحدا وعامة شجرها حامل فاكل من الفاكهة واعتصر من العنب فشرب منه وجعل فضل الفاكهة في سلّة وفضل العصير في زق فلما راى خراب القرية وهلاك أهلها قال انّى يحى هذه الله بعد موتها الى اخر الحديث قال قتادة عن كعب والضحاك عن ابن عباس والسدّى عن مجاهد عن ابن عباس وابن عساكر عنه لما أحيا الله عزيرا بعد ما أماته مائة عام ركب حماره واتى محلته فانكر الناس ومنازلهم وأنكره الناس فاتى منزله على وهم فاذا بعجوز عمياء مقعدة أتت عليها مائة وعشرون سنة كانت امة لعزيز خرج عزير عنهم وهى بنت عشرين سنة فقال لها عزيز هذا منزل عزيز قالت نعم وقالت ما رايت أحدا منذ كذا يذكر عزيرا قال فانى عزيز أماتني الله مائة عام ثم بعثني قالت فان عزيزا كان رجلا مستجابا فان كنت عزيزا فادع الله ان يردّ عليّ بصرى فدعا ربه ومسح يده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها فقال قومى بإذن الله فقامت صحيحة فنظرته فعرفته فقالت اشهد انك عزيز فانطلقت الى بنى إسرائيل وهم في مجالسهم وابن لعزيز شيخ ابن مائة سنة وأولاد بنيه شيوخ وعجائز وهو اسود الرأس واللحية فنادت هذا عزير

[سورة البقرة (2) : آية 260]

فكذبوها فقالت انا فلانة مولاتكم دعالى ربه فردّ على بصرى واطلق رجلى وزعم ان الله أماته مائة عام ثم بعثه فنهض الناس فقال ابنه كان لابى شأمة سوداء مثل الهلال بين كتفيه فكشف عن كتفيه فاذا هو عزيز وقال السدى والكلبي لما رجع عزيز الى قومه وقد احرق بخت نصر التورية بكى عزيز على التورية فاتاه ملك باناء فيه ماء فسقاه فمثلت التورية في صدره فرجع الى بنى إسرائيل وقد علمه الله التورية وبعثه نبيا فقال انا عزيز فلم يصدقوه فاملا عليهم التورية من ظهر قلبه قالوا ما جعل الله التورية فى قلب رجل بعد ما ذهبت الا انه ابنه فقالوا عزيز ابن الله وسيأتى القصة في سورة التوبة ان شاء الله تعالى. وَاذكر إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قال الحسن وقتادة وعطاء الخراسانى وابن جريح كان سبب هذا السؤال انه كانت جيفة حمار بالساحل فكان إذا مدّ البحر أكلت منها دواب البحر وإذا جزر أكلت السباع والطيور فراها ابراهيم وتعجب وقال يا رب قد علمت انك تجمعها من البحر والبر فارنى كيف تحييها لاعاين فازداد يقينا- وقيل لما قال نمرود انا أحيي وأميت وقتل أحد الرجلين واطلق الاخر قال ابراهيم ان الله يحيى بعد ما يميت فقال له نمرود أنت عاينته فلم يقدر ان يقول نعم فحينئذ سال ربه ان يريد احياء الموتى حتى إذا قيل له بعد ذلك أنت عاينته يقول نعم وقال سعيد بن جبير لما اتخذ الله ابراهيم خليلا جاء ملك الموت بإذن الله الى ابراهيم ليبشره بذلك فبشره فقال ابراهيم ما علامة ذلك قال ان الله يجيب دعاءك ويحيى الموتى بسوالك فحينئذ سال ابراهيم ذلك قالَ الله تعالى أَوَلَمْ تُؤْمِنْ بانى قادر على الاحياء باعادة التركيب بعد الاماتة وانما قال ذلك وقد علم انه أقوى الناس في الايمان ليجيب بما أجاب فيعلم السامعون قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ويزيد بصيرتى وسكون قلبى بضم العيان الى الوحى والاستدلال او ليطمئن قلبى انك اتخذتني خليلا وتجيبنى إذا دعوتك عن ابى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن أحق بالشك من ابراهيم إذ قال رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى الاية ورحم الله لوطا لقد كان يأوي الى ركن شديد ولو لبثت السجن طول ما لبث يوسف لاجبت الداعي متفق عليه وللعلماء في هذا المقام مقال فقال إسماعيل بن يحيى المزني لم يشك النبي صلى الله عليه وسلم ولا ابراهيم في ان الله يحيى الموتى وانما شكافى انه هل يجيبهما الله تعالى الى ما سالاه وهذا القول لا يصاعده قوله تعالى أَوَلَمْ تُؤْمِنْ

قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي - وقال الامام ابو سليمان الخطانى ليس في الحديث اعتراف بالشك على نفسه ولا على ابراهيم بل فيه نفى الشك عنهما يعنى إذا لم أشك انا فابراهيم اولى بان لا يشك وانما قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك تواضعا وهضما لنفسه وكذلك قوله لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لاجبت الداعي وفيه اعلام بان المسألة من ابراهيم لم تعرض من جهة الشك لكن لاجل طلب زيادة العلم بالعيان فان العيان يفيد من المعرفة والطمأنينة ما لا يفيده الاستدلال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس الخبر كالمعائنة ان الله اخبر موسى بما صنع قومه في العجل فلم يلق الألواح فلما عاين ما صنعوا القى الألواح فانكسرت رواه احمد والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس وروى الطبراني عن انس والخطيب عن ابى هريرة بسند حسن وليس فيه ذكر موسى- وقيل لما نزلت هذه الاية قال قوم شك ابراهيم ولم يشك نبينا صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم تواضعا وتقديما لابراهيم على نفسه- قلت هذا القول وهذا التأويل في الحديث ضعيف لان نفى الشك عن ابراهيم ثبت بنفس كلام الله تعالى حيث قال بلى ولكن ليطمئن قلبى فكيف يقال شك ابراهيم وايّ حاجة الى دفع ذلك التوهم- والتحقيق عندى ما قالت الصوفية العلية ان لاهل الله تعالى في السلوك مقامان الاول مقام العروج وهو الانخلاع عن الصفات البشرية والتلبس بالصفات الملكية والصفات القدسية ويحكى عن هذا المقام قوله صلى الله عليه وسلم حين نهى عن صوم الوصال لست كهيئتكم أبيت عند ربى يطعمنى ويسقينى ويقال فى اصطلاحهم بهذا السير السير الى الله والسير في الله- والثاني مقام النزول وهو التلبس بالصفات البشرية ثانيا بعد الانخلاع التام وهذا المقام مقام التكميل ودعوة الخلق الى الله تعالى ويقال لهذا السير السير من الله بالله والحكمة في النزول انه لا بد بين المفيض والمستفيض من المناسبة حتى يتيسر به الاستفاضة على طريقة الصبغ والانصباغ ولاجل هذا أرسل الرسل من البشر لدعوة البشر ولم يتصور للعوام أخذ الفيض من الله تعالى لفقد المناسبة وهو تعالى غنى عن العالمين ولا من الملائكة قال الله تعالى قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا وقال وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ وكلّما كان لرجل نزوله أتم كان دعوته أشمل وأكمل كما ان الرامي إذا كان في أعلى مكان من المرمى اليه

ما أصاب رميته غالبا قال الشيخ الأكبر محى الدين ابن العربي قدس سره أنكروا دعوة نوح لما كان من الفرقان وأجابوا دعوة محمد صلى الله عليه وسلم لما كان من القران يعنى لما كانت استعدادات العوام في غاية الانخفاض ونوح عليه السلام كان في مقام العروج لم يتأثر العوام منه لاجل الفراق بينهما ولما نزل محمد صلى الله عليه وسلم غاية النزول أجابوا دعوته لحصول مقارنة- إذ سمعت هذا فاعلم ان العارف تام المعرفة قد يظهر عليه اثار النزول فحينئذ يكون على هيئة العوام متشبثا بالأسباب- ويحكى عن هذا المقام انه صلى الله عليه وسلم لبس في الحرب درعا من حديد فوق درع وحفر الخندق حول المدينة وفي هذا المقام يتشبث العارف لطلب زيادة اليقين واطمينان القلب بتحتم الاستدلال ونحو ذلك وعن هذا المقام قصة ابراهيم عليه السلام هذه وقصة لوط حين قال لو انّ لى قوّة «1» او أوى الى ركن شديد- وعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب زيادة اليقين بالشك مجازا للمشابهة الصورية واخبر عن مقام نزوله بقوله نحن أحق بالشك من ابراهيم بمعنى ان نزولنا أتم من نزول ابراهيم فنحن اولى بطلب زيادة اليقين منه ولا شك ان نزوله عليه السلام كان أتم من نزول ابراهيم يدل عليه كونه مبعوثا الى كافة الأنام كما ان عروجه صلى الله عليه وسلم كان فوق كل عروج فكان قاب قوسين او ادنى فهو المحدد لجهات الكمال عليه وعلى الله الصلاة والسلام ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم رحم الله لوطا لقد كان يأوى الى ركن شديد انه كان في مقام النزول فهذا مدح له عليه السلام وقوله صلى الله عليه وسلم لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لا جبت الداعي ايضا يدل على ان نزول محمد صلى الله عليه وسلم كان أتم من نزول يوسف عليه السلام ولو كان نزول يوسف مثل نزوله عليه السلام لاجاب الداعي والله اعلم- قالَ الله تعالى فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ الطير مصدر اسمى به او جمع طائر كصحب وصاحب قال مجاهد وعطاء بن «2» رباح وابن جريح أخذ طاء وساوديكا وحمامة وغرابا وحكى عن ابن عباس تسر بدل الحمامة وقال عطاء الخراسانى اوحى الله اليه انّ خذ بطة خضراء وغرابا اسود وحمامة بيضاء وديكا احمر قلت لعله امر بأخذ اربعة من الطير لان الإنسان وكذا سائر الحيوانات مركب من الاخلاط الاربعة المتولدة من العناصر الاربعة فالديك الأحمر يحكى عن الدم والحمامة البيضاء عن البلغم والغراب الأسود عن السوداء والبط الخضراء عن الصفراء-

_ (1) فى القران بكم قوّة- ابو محمد عفا الله عنه (2) الصحيح ابن ابى رباح- ابو محمد عفا الله عنه [.....]

فاحياؤها بعد الاماتة دليل على احياء اجزاء الإنسان بعد الاماتة- قال البيضاوي فيه ايماء الى ان احياء النفس بالحياة الابدية انما يتاتى باماتة حب الشهوات والزخارف الذي هو صفة الطاووس والصولة المشهور بها الديك وخسة النفس وبعد الأمل المتصف بها الغراب والترفع والمسارعة الى الهوى الموسوم بها الحمام- قلت لما كان ابراهيم عليه السلام في مقام النزول والدعوة علمه الله تعالى طريق الإرشاد من إعطاء المريد الفناء والبقاء فاخذها وقطعها ينبىء عن السلوك والفناء ودعاؤها بإذن الله تعالى ينبىء عن الجذب الى الله والبقاء وهذه كلمات من اهل الاعتبار لا مدخل لها في التفسير والله اعلم فَصُرْهُنَّ قرا ابو جعفر وحمزة بكسر الصاد اى قطعهن ومزقهن من صار يصير صيرا إذا قطع قال الفراء هو مقلوب من صرى يصرى صريا وقرا الآخرون بضم الصاد ومعناه املهن يقال صرت اصتورا إذا أملته وقال عطاء معناه اجمعهن يقال صار يصور إذا جمع إِلَيْكَ متعلق بصرهنّ على قراءة الجمهور ومتعلق بمحذوف حال من المفعول على قراءة حمزة اى منضما إليك ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً قرا عاصم برواية ابى بكر بضم الزاء والهمز حيث وقع وقرا ابو جعفر بتشديد الزاء بلا همز والآخرون بإسكان الزاء والهمزة- اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس امر الله تعالى ابراهيم ان يذبح تلك الطيور وينتف ريشها ويخلطها ودماءها ولحومها بعضها ببعض ثم امره ان يجعل اجزاءها على الجبال فجزاها سبعة اجزاء على سبعة اجبل وامسك رءوسهن عنده وكذا اخرج ابن جريح والسدى وروى ابن جرير من طريق ابن إسحاق عن ابن عباس وقتادة انه جعل كل طائر اربعة اجزاء على كل جبل ربعا من كل طائر ثُمَّ ادْعُهُنَّ قل لهم تعالين بإذن الله يَأْتِينَكَ سَعْياً ساعيات مسرعات طيرانا او مشيا فدعاهن فجعل كل قطرة من دم طائر يصير الى قطرة اخرى وكل ريشة يصير الى الريشة الاخرى وكل عظم وبضعة الى اخرى وابراهيم ينظر حتى تمت كل جثة بغير رأس ثم اقبلن الى رءوسهن فصرن كما كن بإذن الله تعالى وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ لا يعجزه شيء عما يريد حَكِيمٌ (260) ذو حكمة بالغة في كل ما يفعل ويذر- ذكر الله سبحانه في القصة السابقة أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وذكره هاهنا اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ يدل على انه قوله أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها كان على سبيل التعجب والاستبعاد

[سورة البقرة (2) : آية 261]

من حيث كونه على خلاف العادة وقول ابراهيم ربّ أرني كيف تحي الموتى كان مبنيا على حال لطيف يقتضيه الحكمة والله اعلم- قال البيضاوي كفى لك شاهدا على فضل ابراهيم ويمن الضراعة في الدعاء وحسن الأدب في السؤال انه تعالى أراه ما أراد في الحال على أيسر الوجوه وارى عزيزا بعد ما أماته مائة عام. مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الجهاد او غير ذلك من أبواب الخير كَمَثَلِ حَبَّةٍ فيه تقدير المضاف اما في المبتدأ او في الخبر يعنى مثل نفقة الّذين ينفقون كمثل حبّة او مثلهم كمثل باذر حبّة أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ أسند الإنبات الى الحبة مجازا لما كانت من الأسباب عادة فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ كما يكون في الدخن وغير ذلك وَاللَّهُ يُضاعِفُ ما يشاء من الأضعاف لِمَنْ يَشاءُ من عباده في الدنيا والاخرة وَاللَّهُ واسِعٌ لا يضيق عليه ما يتفضل به من الزيادة عَلِيمٌ (261) بنيات المنفقين يجزى على حسب نياتهم الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال البغوي قال الكلبي جاء عبد الرحمن بن عوف باربعة آلاف درهم صدقة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كانت عندى ثمانية آلاف فامسكت منها لنفسى وعيالى اربعة آلاف واربعة آلاف اقرضتها ربى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم بارك الله فيما أمسكت وفيما أعطيت- وعثمان جهّز المسلمين في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وأحلاسها فنزلت هذه الاية وقال قال عبد الرحمن ابن سمرة جاء عثمان بألف دينار في جيش العسرة فصبّها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فرايت النبي صلى الله عليه وسلم يدخل فيها يده ويقلبها ويقول ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم فانزل الله تعالى الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وروى احمد عن عبد الرحمن بن سمرة وليس فيه ذكر نزول الاية ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً ذكر كلمة ثم للتفاوت بين الانفاق وترك المن والأذى- والمن ان يعتد بإحسانه على من احسن اليه والأذى ان يتطاول عليه او يقول الى كم تسئل وكم تؤذيني او يذكر إنفاقه عليه عند من لا يجب وقوفه قال البغوي قال عبد الرحمن بن زيد بن اسلم كان ابى يقول إذا أعطيت رجلا شيئا ورايت أن سلامك يثقل عليه فكف سلامك عنه لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ

[سورة البقرة (2) : آية 263]

وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) لعله لم يدخل الفاء فيه وقد تضمين المبتدأ معنى الشرط إيهاما بانهم اهل لذلك وان لم يفعلوا فكيف بهم إذا فعلوا. قَوْلٌ مَعْرُوفٌ كلام حسن ورد جميل على السائل قال الكلبي دعاء صالح يدعو لأخيه بظهر الغيب وقال الضحاك نزل في إصلاح ذات البين وَمَغْفِرَةٌ اى تجاوز عن السائل الملح بالرد الجميل وقال البغوي اى يستر على السائل خلته ولا يهتك عنه ستره وقيل المراد به نيل مغفرة من الله بالرد الجميل- وقيل المراد مغفرة السائل المسئول عنه بان يعذره ويغتفر رده وقال الكلبي والضحاك والمراد بالمغفرة التجاوز عن من ظلمه خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً خبر عنهما وانما صح الابتداء بالنكرة لاختصاصها بالصفة وَاللَّهُ غَنِيٌّ عن انفاق بمن وإيذاء حَلِيمٌ (263) عن معاجلة من يمن ويؤذى بالعقوبة-. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا أجور صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ على السائل وقال ابن عباس بالمن على الله وَالْأَذى اى بكل واحد منهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة منان ولا عاق- رواه النسائي والدارمي كَالَّذِي الكاف في محل النصب على المصدر او الحال اى ابطالا كابطال الذي او مماثلين الذي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ منصوب على السببية او الحال او المصدرية اى لان يرى الناس او مرائيا او إنفاقا رياء وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ليس هذا قيدا لابطال الصدقة فان الصدقة يبطل بالرياء وان كان المنفق مؤمنا بالله واليوم الاخر لكن ذكر هذا تنبيها على ان الانفاق رياء ليس من شأن المؤمن بل هو من سيرة المنافق فَمَثَلُهُ اى المرائى كَمَثَلِ صَفْوانٍ حجرا ملس قيل هو واحد جمعه صفى وصفى وقيل جمع واحده صفواته عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ مطر عظيم القطر فَتَرَكَهُ صَلْداً أملس نقيّا من التراب لا يَقْدِرُونَ الضمير راجع الى الموصول باعتبار المعنى فان المراد به الجنس او الجمع عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا اى لا يقدرون في الاخرة على الانتفاع بشيء ممّا كسبوا في الدنيا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (264) فيه تعريض بان الرياء والمن والأذى من صفات الكفار لا ينبغى لمؤمن ارتكابه او المعنى انه من فعل من هذه الأمور

شيئا فهو كافر لنعمة المنعم الحقيقي غير شاكر- عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى انا اغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معى غيرى تركته وشركه- وفي رواية فانا منه بريء هو للذى عمله رواه مسلم- وعن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سمع سمع الله به ومن يرائى يرائى الله به متفق عليه- وعن ابى سعيد بن ابى فضالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا جمع الله الناس يوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله فان الله اغنى الشركاء عن الشرك رواه احمد- وعن معاذ بن جبل قال سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان يسار الرياء شرك الحديث رواه ابن ماجة- وعن شداد بن أوس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من صلى يرائى فقد أشرك ومن صام يرائى فقد أشرك ومن تصدق يرائى فقد أشرك رواه احمد- وعن محمود بن لبيد ان النبي صلى الله عليه وسلم قال انّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا يا رسول الله وما الشرك الأصغر قال الرياء رواه احمد وزاد البيهقي في شعب الايمان يقول الله لهم يوم يجازى العباد بأعمالهم اذهبوا الى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء او خيرا وعن شداد بن أوس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اتخوّف على أمتي الشرك والشهوة الخفية- قال قلت أتشرك أمتك من بعدك قال نعم اما انهم لا يعبدون شمسا ولا قمرا ولا حجرا ولا وثنا ولكن يراءون بأعمالهم والشهوة الخفية ان يصبح أحدهم صائما فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه رواه احمد والبيهقي وعن ابى هريرة ان أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد- فاتى به فعرّفه نعمته فعرفها فقال فما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال كذبت ولكنك قاتلت لان يقال جرىء فقد قيل ثم امر به فسحب على وجهه حتى القى في النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرا القران فاتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال تعلمت العلم وعلمته وقرات فيك القرآن قال كذبت ولكنك تعلمت العلم ليقال انك عالم وقرات القران ليقال هو قارئ فقد قيل ثم امر به فسحب على وجهه حتى القى في النار ورجل وسّع الله عليه وأعطاه من اصناف المال كله فاتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت فيها قال ما تركت من سبيل تحب ان ينفق في سبيل الله الا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت

[سورة البقرة (2) : آية 265]

ليقال هو جواد فقد قيل به ثم امر به فسحب على وجهه ثم القى في النار رواه مسلم وروى البغوي نحوه وفي آخره ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ركبتى فقال يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تعالى تسعر بهم النار يوم القيامة-. وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ اى لطلب رضائه وَتَثْبِيتاً للاسلام وتصديقا بما وعده الله من الجزاء واحتسابا- ويحتمل ان يكون معناه تثبيتا للمال فان الباقي من المال ما ينفعه في الاخرة وما سوى ذلك هالك عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ايّكم مال وارثه أحب اليه من ماله- قالوا يا رسول الله ما منا أحد الا ماله أحب اليه من مال وارثه قال فان ماله ما قدم ومال وارثه ما اخر- رواه البخاري وعن عائشة قالت انهم ذبحوا شاة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما بقي منها قالت ما بقي منها الا كتفها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بقي كلها غير كتفها رواه الترمذي وصححه مِنْ أَنْفُسِهِمْ من للابتداء متعلق بالتثبيت يعنى تثبيت الايمان والتصديق او المال يبتدى من نفسه- او للتبعيض ويكون ظرفا مستقرا صفة لمفعول محذوف اى تثبيتا شيئا من أنفسهم على الايمان فان للنفس قوى بعضها مبدأ لبذل المال وبعضها مبدأ لبذل الروح والمال شقيق الروح فمن بذل المال لوجه الله فقد ثبّت بعض نفسه على الايمان ومن بذل المال والروح جميعا فقد ثبت كل نفسه عليه قال البيضاوي فيه تنبيه على ان حكمة الانفاق للمنفق تزكية النفس عن البخل وحب المال قلت ومن ثم قال ابو حنيفة لا يجب الزكوة في مال الصبى حتى يؤديها الولي لان الحكمة فيها ابتلاء المكلف ببذل ما هو شقيق الروح ابتغاء مرضات الله تعالى وذا لا يحصل بأداء الولي كَمَثَلِ جَنَّةٍ اى بستان بِرَبْوَةٍ قرا ابن عامر وعاصم هاهنا والى ربوة في سورة المؤمنين بفتح الراء والباقون بالضم وهما لغتان وهى المكان المرتفع المستوي الذي تجرى فيه الأنهار فلا يعلوه الماء ولا يعلوا عن الماء وانما قيد الجنة بهذه لان شجرها يكون احسن وازكى أَصابَها وابِلٌ مطر عظيم القطر فَآتَتْ اعطت أُكُلَها قرا نافع وابن كثير وابو عمرو بإسكان الكاف للتخفيف والباقون بالضم يعنى ثمرتها ضِعْفَيْنِ نصبه على الحال اى مضاعفا ومثلى ما كانت تثمر بلا وابل فالمراد بالضعف المثل كما أريد بالزوج

[سورة البقرة (2) : آية 266]

فى قوله تعالى زوجين اثنين وقيل اربعة أمثاله اى مضاعفا بتضعيفين فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ أصابها او فاصابها طل أتت أكلها على قدر وعلى كلا التقديرين إصابة الوابل وعدمه لا تضيع تلك الجنة او المعنى فطل يكفيها لكرم منبتها وبرودة هوائها- والطل هو المطر صغير القطر- ومعنى الاية اما بتقدير المضاف يعنى مثل نفقات الذين ينفقون كمثل جنة فكما ان تلك الجنة لا يضيع كذلك نفقات المؤمن لا يبطل بل اما ان ينضم اليه امور توجب تضاعف الاجر فحينئذ تضاعفت الأجود الى ما شاء الله تعالى او لا فحينئذ لا يبطل اصل العمل ويوجب الاجر- واما بغير تقدير يعنى مثل المؤمن الذي ينفق كمثل جنة يعنى كما ان الجنة تثمر على حسب الوابل كذلك المؤمن المنفق يؤجر على حسب النفقة قل او كثر لا يضيع منها شيء وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) هذه الجملة يتعلق بكلا الفريقين الذين يبطلون صدقاتهم بالمن والأذى او ينفقون أموالهم رئاء الناس والذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله ففيه تحذير وترغيب. أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ الهمزة للانكار وهذه الاية مرتبطة بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جعل النخيل والأعناب بيانا للجنة مع ما فيها من سائر الأشجار تغليبا لهما لشرفهما وكثرة منافعهما ثم ذكر ان فيها من كل الثمرات ليدل على عدم اقتصار الجنة عليهما وَأَصابَهُ الْكِبَرُ بحيث لا يقدر على الكسب والواو للحال بمعنى وقد أصابه الكبر او للعطف حملا على المعنى بمعنى أيود أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ صغار او نساء لا يقدرون على الكسب والواو للعطف على أصابه او للحال من ضمير المفعول لاصابه فَأَصابَها إِعْصارٌ ريح عاصفة ترتفع الى السماء كانها عمود عطف على أصابه او على تكون باعتبار المعنى فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ والمعنى انه لا يود أحدكم ان يكون له مال جيد كما ذكر فيحترق في حال كمال حاجته الى ذلك المال فيخيب ويتحسر ما دام حيّا في عالم الفناء فكيف يود أحدكم ان يبطل حسناته يوم القيامة في حال كمال حاجته إليها فيخيب ويتحسر ابدا في عالم البقاء قال عبيد بن عمير قال عمر رضى الله عنه لاصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيم ترون هذه الاية نزلت أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ الاية قالوا الله اعلم فغضب عمر وقال قولوا نعلم اولا نعلم فقال ابن عباس في نفسى منها شيء قال عمر يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك

[سورة البقرة (2) : آية 267]

قال ابن عباس ضربت مثلا لعمل قال عمر لرجل يعمل بطاعة الله بعث الله له شيطانا فعمل بالمعاصي حتى أغرق اعماله كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) فيها فتعتبرون بها-. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ جياد وقال ابن مسعود ومجاهد من حلالات ما كَسَبْتُمْ عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكسب عبد مال حرام فيتصدق منه فيقبل منه ولا ينفق منه فيبارك له فيه ولا يترك خلف ظهره الا كان زاده الى النار لا يمحو السّيء بالسّيئ لكن يمحو السّيّء بالحسن ان الخبيث لا يمحو الخبيث رواه احمد- وهذه الاية سند للاجماع وحجة للجمهور على داود حيث قال لا يجب الزكوة الا فى الانعام او النقود وعند الجمهور يجب في العروض والعقار ايضا إذا كان للتجارة وانما شرطوا بنية التجارة لان النمو شرط لوجوب الزكوة بالإجماع ولا نمو في العروض الا بنية التجارة- عن ابن عمر ليس في العروض زكوة الا ما كان للتجارة رواه الدارقطني وعن سمرة بن جندب كان يأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان نخرج الزكوة مما نعد للبيع رواه ابو داود والدارقطني والبزار- وعن سليمان بن سمرة عن أبيه عند البزار وفي اسناده جهالة- ومما يدل على وجوب الزكوة في العروض ما روى عن حماس قال مررت على عمر بن الخطاب وعلى عنقى ادمة احملها فقال الا تودى زكاتك يا حماس فقال مالى غير هذا اوهب في القرط قال تلك مال ضعها فوضعها بين يديه فحسبها فوجدها قد وجبت الزكوة فيها فاخذ منها الزكوة رواه الشافعي واحمد وان ابى شيبة وعبد الرزاق وسعيد بن منصور والدارقطني- وعن ابى ذر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الإبل صدقتها وفي البقر صدقتها وفي البز صدقته قالها بالزاء المعجمة رواه الدارقطني بثلاثة طرق ضعاف مدار الطريقين على موسى بن عبيدة الزيدي قال احمد لا يحل الرواية عنه وفي الطريق الثالث عبد الله بن معاوية بن عاصم ضعفه النسائي وأنكره البخاري وفيه ابن جريح عن عمر ان ابن أنيس قال البخاري لم يسمع ابن جريح عنه وله طريق رابع رواه الدارقطني والحاكم فى الإبل صدقتها وفي الغنم صدقتها وفي البقر صدقتها وفي البز صدقته ومن رفع دراهم او دنانير لا يعدها لغريم ولا ينفقها في سبيل الله فهو كنز يكون به يوم القيامة وهذا اسناد لا بأس به قال ابن دقيق الذي رايته في نسخة المستدرك البر بضم الباء الموحدة والراء المهملة ثم اختلف

العلماء فيما إذا لم يبع عروض التجارة سنين- فقال مالك لا يجب عليه شيء وان طال زمانه فاذا باعه فليس عليه الا زكوة واحدة- وقال الائمة الثلاثة يجب عليه زكوة في كل سنة وان لم يبع لعموم قوله عليه الصلاة والسلام يخرج الزكوة مما يعد للبيع يعنى سواء بيع او لا وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ قيل هذه الاية في صدقات التطوع عن انس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مسلم يغرس غرسا او يزرع زرعا فيأكل منه انسان او طير او بهيمة الا كانت له به صدقة رواه احمد والشيخان والترمذي- قلت هذا الحديث يدل على استحباب الزرع- وحديث ابى امامة قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لا يدخل هذا يعنى شيئا من فمعز الدولة الحرث بيت قوم الا ادخله الذل رواه البخاري يدل على شومه والله اعلم والصحيح ان الاية في الزكوة لان الأمر للوجوب ولا وجه لحملها على التطوع فهذا امر بإخراج العشور من خارج الأرض (مسئلة) اجمع العلماء على وجوب العشر في النخيل والكروم وفيما يقتات من الحبوب ان كان مسقيا بماء السماء او العيون او الاودية والأنهار التي لا مؤنة فيها ونصف العشر ان كان مسقيا بغرب او دالية- وعلى انه لا صدقة في كلاء وحطب مما لا يراد به اشتغلال الأرض- واختلفوا فيما سوا ذلك من الأصناف- فقال ابو حنيفة يجب في جميع اصناف الخارج من الحبوب والثمار والخضروات محتجا بعموم هذه الاية وعموم قوله صلى الله عليه وسلم فيما سقت السماء والعيون او كان عشريا العشر وفيما سقى بالنضح نصف العشر رواه البخاري وابو داود والنسائي وابن حبان وابن جار ودمن حديث ابن عمر ورواه مسلم من حديث جابر ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث ابى هريرة ورواه النسائي وابن ماجة من حديث معاذ ورواه ابو داود وغيره من حديث على- وقال مالك والشافعي لا زكوة الا فيما يقتات به كالرطب والعنب والحنطة والشعير والحمص والارز ونحوها لا غير- وقال ابو يوسف ومحمد واحمد يجب فيما يبقى في أيدي الناس مما يكال او يوزن فيجب عندهم في مثل السمسم والشهرانج واللوز والبندق والفستق والزعفران والكمون والقرطم ايضا- احتجوا على نفى الصدقة في الخضروات بحديث معاذ قال فيما سقت السماء والسيل العشر وفيما سقى بالنضح نصف العشر يكون ذلك من التمر

والحنطة والحبوب واما القثاء والبطيخ والرمان والقصب والخضروات فعفو عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي وفيه ضعف وانقطاع إسحاق وابن نافع من رواته ضعيفان قال يحيى بن معين إسحاق ليس بشيء لا يكتب حديثه وقال احمد والنسائي متروك- ورواه الترمذي بلفظ انه كتب الى النبي صلى الله عليه وسلم يسئله عن الخضروات وعن البقول قال ليس فيها صدقة وهو ضعيف ايضا قال الترمذي اسناد هذا الحديث ليس بصحيح ولا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شيء وانما يروى هذا عن موسى بن طلحة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا- وذكر الدارقطني في العلل وقال الصواب مرسل وروى البيهقي من حديث موسى بن طلحة وقال عندنا كتاب معاذ ورواه الحاكم وقال موسى تابعي كبير لا ينكر انه لقى معاذا وقال ابن عبد البر لم يلق معاذا ولا أدركه ورواه الدارقطني بطرق عن موسى بن طلحة عن أبيه مرفوعا ليس في الخضروات صدقة- وفي أحد طرقه الحراث بن بنهان حكى تضعيفه عن جماعة وفي طريقه الثاني نصر بن حماد قال يحيى كذاب وقال يعقوب بن ابى شيبة ليس بشيء وقال مسلم واهي الحديث وفي طريقه الثالث محمد بن جابر ليس بشيء قال احمد لا يحدث عنه إلا شر منه- وروى الدارقطني من طريق مروان بن محمد السخاوي عن موسى بن طلحة عن انس ومروان بن محمد لا يحل الاحتجاج به وروى ابو يوسف في كتاب الخراج عن موسى بن طلحة انه كان لا يرى صدقة الا في الحنطة والشعير والنخل والكرم والزبيب وقال عندنا كتاب كتبه النبي صلى الله عليه وسلم عن معاذ والتحقيق ان المرسل عن موسى بن طلحة يصح كذا قال الترمذي وغيره والمرسل حجة لا سيما باعتضاد ما ذكرنا من المسانيد ويؤيده حديث عليّ مرفوعا رواه الدارقطني وفيه صقر بن حبيب ضعيف جدا ورواه ابو يوسف موقوفا وفيه قيس ابن الربيع صدوق سيّء الحفظ ليس بالقوى- وحديث عائشة مرفوعا ليس فيما أنبتت الأرض من الخضرة زكوة رواه الدارقطني وفيه صالح بن موسى قال البخاري منكر الحديث وقال النسائي متروك وحديث محمد بن حجش ان رسول الله صلى الله عليه وسلم امر معاذا حين بعثه الى اليمن ان يأخذ من كل أربعين دينارا دينارا وليس في الخضروات صدقة- رواه الدارقطني وفيه صالح بن موسى قال البخاري والنسائي متروك منكر الحديث- وهاهنا أحاديث

اخر تدل على نفى الزكوة في غير اربعة أشياء التمر والزبيب والحنطة والشعير روى الحاكم والبيهقي من حديث ابى بردة عن ابى موسى ومعاذ حين بعثهما النبي صلى الله عليه وسلم الى اليمن يعلمان الناس امر دينهم لا تأخذوا الصدقة الا من هذه الاربعة الشعير والحنطة والزبيب والتمر قال البيهقي رواته ثقات وهو متصل- ورواه الطبراني من حديث موسى بن طلحة عن عمر انما سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكوة في هذه الاربعة فذكرها وكذا روى الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده- وروى ابو يوسف عن موسى بن طلحة عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا زكوة الا في اربعة التمر والزبيب والحنطة والشعير- وروى البيهقي عن الشعبي ... كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الى اهل اليمن انما الصدقة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب وقد روى الزكوة في خمسة الاربعة المذكورة والذرة لكنه ضعيف واه- قلت ولما اجمع العلماء على عدم حصر الزكوة في هذه الاربعة وجب تأويله بحذف المضاف يعنى لا زكوة الا في مثل هذه الاربعة فاعتبر مالك والشافعي المماثلة في الاقتيات في حالة الاختيار والاولى ان يعتبر المماثلة في الكيل او الوزن والادخار لان المقصود في باب الزكوة الغناء الحاصل بالمال لا الاقتيات وكل ما يكال ويؤزن ويدخر يحصل به الغناء فيجب فيه الزكوة- ولا يشترط في زكوة الزرع حولان الحول اجماعا لان اشتراطها للتفمية وهذا انماء كله- ولا يشترط العقل والبلوغ لوجوب العشر عند ابى حنيفة ايضا كما لا يشترطان عند غيره في جميع الأموال وجه الفرق لابى حنيفة ان زكوة الأموال عبادة محضة لا بد فيه من النية واما العشر فهو عبادة فيه معنى المئونة فمن حيث كونه عبادة يشترط فيه الإسلام فيجب على الكافر الخراج دون العشر وكذا إذا اشترى الكافر أرضا عشرية عند الجمهور خلافا لمحمد- ومن حيث كونه مؤنة يجب على الصغير والمجنون ايضا كما يجب عليه نفقة الزوجة ونحوها- واختلفوا في اشتراط النصاب فقال ابو حنيفة لا يشترط فيه النصاب وتجب الصدقة في الخارج وان قل للعمومات المذكورة في الخلافية الاولى وهو المروي عن عمر بن عبد العزيز ومجاهد وابراهيم النخعي اخرج عبد الرزاق وابن ابى شيبة عن الثلاثة فيما أنبتت من قليل او كثير العشر وزاد في حديث النخعي حتى في عشر وستجات بقل وستجة واخرج ابو يوسف عن ابى حنيفة عن حماد عن ابراهيم نحوه- وقال مالك والشافعي واحمد وابو يوسف ومحمد يشترط فيه النصاب وذلك

خمسة اوسق كل وسق ستون صاعا مما يكال بالاوسق ومما لا يكال بالاوسق يعتبر حمسة اعداد من أعلى ما يقدر به ذلك الجنس عند محمد ففى القطن خمسة أحمال كل حمل ثلاثمائة من وفي الزعفران خمسة أمناء ويعتبر بقيمة خمسة اوسق من ادنى ما يدخل تحت الوسق عند ابى يوسف والحجة للجمهور على اشتراط النصاب قوله صلى الله عليه وسلم ليس فيما دون خمسة اوسق صدقة متفق عليه من حديث ابى سعيد الخدري ورواه مسلم من حديث جابر ورواه احمد والدارقطني من حديث ابى هريرة والبيهقي من حديث عمرو بن حزم والدارقطني من حديث عائشة والله اعلم (مسئلة) هذه الاية تدل على ان العشر واجب في خارج كل ارض للاطلاق وعدم تقييده بأرض دون ارض فان ملك المسلم ارض خراج وزرع فيه فاما ان يسقط عنه الخراج فيجب عليه العشر فقط او يجتمع هناك عشر في الزرع وإخراج في الأرض وذلك عند الجمهور فان الخراج وظيفة الأرض والعشر زكوة الزرع لا زكوة الأرض ومن ثم يشترط النصاب في الخارج وقال ابو حنيفة لا يسقط الخراج عن ارض خراجية قط ولا يجتمع في ارض عشر وخراج فان العشر عنده زكوة الأرض دون الزرع ومن ثم لا يشترط النصاب عنده في الخارج- ومسئلة سقوط الخراج وعدمه لا مقام لها هاهنا ولم يثبت منع الجمع بين العشر والخراج بدليل شرعى وما رواه ابن الجوزي وذكره ابن عدى في الكامل عن يحيى بن عنبسة حدثنا ابو حنيفة عن حماد عن ابراهيم عن علقمة عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجتمع على مسلم عشر وخراج باطل قال ابو حاتم ليس هذا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحيى بن عنبسة دجال يضع الحديث كذب على ابى حنيفة ومن بعده الى رسول الله صلى الله عليه وسلم- وقال ابن عدى لا يروى هذا الحديث غير يحيى بن عنبسة بهذا الاسناد وانما يروى هذا من قول ابراهيم وقول ابراهيم ليس بحجة وكذا قول الشعبي وعكرمة لا يجتمع عشر وخراج في ارض او في مال روى الأثرين ابى شيبة واحتج صاحب الهداية بالإجماع فقال أحد من ائمة الجور والعدل لم يجمع بينهما وكفى بإجماعهم حجة- ودعوى الإجماع ممنوع فانه نقل ابن المنذر الجمع في الاخذ عن عمر بن عبد العزيز وهو كان مقتفيا لاثار عمر بن الخطاب ولو كانت المسألة مجمعا عليها لم يختف على ابن عبد العزيز-

(مسئلة) قوله تعالى وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ شامل لما يخرج من المعدن من الذهب والفضة عند مالك وعند الشافعي في المشهور عنه فيؤخذ عندهما منه ربع العشر إذا بلغ نصابا ويصرف مصرف الزكوة عند الشافعي ومصرف الفيء عند مالك وهى رواية عن احمد- وعند ابى حنيفة واحمد هذه الاية غير شامل لما يخرج من المعدن بل الواجب فيه الخمس لقوله تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ الاية لانه من اجزاء الأرض كان في أيدي الكفار وصل إلينا فصار كسائر أموالهم وهو رواية عن الشّافعى- ووجه قولنا ان قوله تعالى مِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ غير شامل لما يخرج من المعدن ان الإخراج معناه الحقيقي نقل شيء موجود فى باطن شيء منه الى الظاهر وهذا المعنى غير موجود في الزرع والثمار فارادة الحبوب والثمار من قوله مما أخرجنا لكم من الأرض ليس الا مجازا فالمعنى المجازى هاهنا مراد اجماعا فلا يجوز ارادة المعنى الحقيقي لامتناع الجمع بين الحقيقة والمجاز كما حقق في الأصول وعند الشافعي يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز ونظير هذه الاية قوله تعالى أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ أريد به الجماع اجماعا مجازا فلا يجوز ان يراد به مس المرأة ناقضا للوضوء عند ابى حنيفة خلافا للشافعى فالخلافية مبنية على الخلافية فى الأصول ثم عند احمد يجب الخمس في كل معدن سواء كان جامدا لا يذوب كالجص والنورة او كان غير جامد كالقير والنفط او كان جامدا يذوب وينطبع كالذهب والفضة والحديد ونحوها لان كل ذلك صالح لكونه غنيمة وقال ابو حنيفة لا يجب الا في القسم الثالث لان اسم الركاز يطلق على القسم الثالث وما لا يذوب وهو جنس الأرض يجوز به التيمم فليس بركاز وقد قال عليه السلام فى الركاز الخمس- وقال مالك والشافعي الواجب انما هو الزكوة وهى في النقدين فقط لا في غيرهما من الأموال فيختص الواجب بمعدن الذهب والفضة ولا يجب في معدن الحديد ونحو ذلك قلت اشتراط الثمنية في الزكوة انما هو للتنمية والخارج من الأرض نمو كله ولذلك لا يشترط فيه الحول اجماعا ومن ثم يجب الزكوة في الحبوب والثمار مع انها ليست من النقود فما وجه تخصيص الزكوة بالنقود في المعادن والله اعلم والحجة للشافعى على انه يجب في المعدن الزكوة ما رواه مالك في المؤطا عن ربيعة بن عبد الرحمن- عن غير واحد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع لبلال بن حارث المزني المعاون القبلية وهى من ناحية الفرغ فتلك المعادن لا يؤخذ منه

الى اليوم الا الزكوة- قال ابن عبد البر هذا منقطع في المؤطا وقال ابن الجوزي ربيعة قد لقى الصحابة والجهل بالصحابي لا يضر ولا يقال هذا مرسل- قال ابو عبيد في كتاب الأموال حديث منقطع ومع انقطاعه ليس فيه ان النبي صلى الله عليه وسلم امر بذلك وانما قال تؤخذ منه الى اليوم فيجوز ان يكون من اهل الحكومات اجتهادا منهم- وقال الشافعي بعد ان روى حديث مالك ليس هذا مما يثبته اهل الحديث ولم يكتبوه ولم يكن فيه رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم الا اقطاعه واما الزكوة في المعادن فليست مروية عن النبي صلى الله عليه وسلم- واخرج الحاكم في المستدرك عن الدراوردي عن ربيعة عن الحارث بن بلال بن الحارث المزني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر ابن الجوزي رواية الدراوردي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ منه زكوة المعادن القبلية واحتج ابو حنيفة بقوله صلى الله عليه وسلم وفي الركاز الخمس أخرجه اصحاب الكتب الستة من حديث ابى هريرة وجه الاستدلال ان الركاز يعم المعدن والكنز قال في القاموس الركاز ما ركزه الله تعالى فى المعادن اى أحدثه ودفين الجاهلية وقطع الذهب والفضة من المعدن- وفي النهاية الركاز عند اهل الحجاز كنوز الجاهلية وعند اهل العراق المعادن والقولان يحتملهما اللغة- قلت وحينئذ فاذا اطلق لفظ الركاز وحلى بلام الاستغراق وجب الحكم على جميع افرادها ووجب القول بوجوب الخمس فى المعادن وليس هذا من قبيل الاشتراك كما زعمه البخاري بل هو من قبيل المواطاة لاشتراك معنى الارتكاز فيهما- ويؤيد مذهب ابى حنيفة ما رواه البيهقي من حديث ابى هريرة مرفوعا قال في الركان الخمس قيل يا رسول الله ما الركاز قال الذهب والفضة التي خلقت في الأرض يوم خلق الله السموات والأرض لكن الحديث ضعيف- والجواب عن حجة الشافعي ان يقال المراد بالزكاة فيما قال الراوي أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكوة من المعدن القبلية هو الخمس مجازا الا ترى ان الكنز مع ان الواجب فيه الخمس اجماعا يصرف عند الشافعي مصرف الزكوة ويطلق عليه لفظ الزكوة- قال في المنهاج فقه الشافعي انما يملك الكنز الواجد ويلزمه الزكوة والله اعلم وعلى تقدير التعارض حديث في الركان الخمس أصح وأقوى والله اعلم- وَلا تَيَمَّمُوا اى لا تقصدوا- كان في الأصل تا ان أسقطت إحداهما فقرا ابن كثير برواية البترى بتشديد التاء في الوصل في احدى وثلاثين موضعا في القران برد الساقطة أحدها

هذه وفي ال عمران وَلا تَفَرَّقُوا وفي النساء إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ وفي المائدة وَلا تَعاوَنُوا وفي الانعام فَتَفَرَّقَ بِكُمْ وفي الأعراف فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ وكذا في طه وكذا في الشعراء وفي الأنفال وَلا تَوَلَّوْا ولا تَنازَعُوا وفي التوبة قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ- وفي هود وَإِنْ تَوَلَّوْا ... فَإِنْ تَوَلَّوْا ولا تَكَلَّمُ نَفْسٌ وفي الحجر ما نُنَزِّلُ وفي النور إِذْ تَلَقَّوْنَهُ ... فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما وفي الشعراء عَلى مَنْ تَنَزَّلُ- الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ وفي الأحزاب وَلا تَبَرَّجْنَ- ولا أَنْ تَبَدَّلَ وفي الصّافات لا تَناصَرُونَ وفي الحجرات وَلا تَنابَزُوا- ولا تَجَسَّسُوا- ولِتَعارَفُوا- وفي الممتحنة أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وفي الملك تَكادُ تَمَيَّزُ وفي ن والقلم لَما تَخَيَّرُونَ وفي عبس عَنْهُ تَلَهَّى وفي والليل ناراً تَلَظَّى وفي القدر تَنَزَّلُ- وزاد بعضهم عن البزي موضعين أحد هما في آل عمران وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ وفي الواقعة فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ فان ابتدا بهذه التاءات خففن لا غير- وان كان قبلهن حرف مد كما في هذه الاية زيد في تمكينه والباقون بتخفيف في التاءات كلهن في الحالين الْخَبِيثَ مِنْهُ يعنى الردى تُنْفِقُونَ حال مقدرة من فاعل تيمّموا ويجوز ان يتعلق به منه ويكون الضمير للخبيث والجملة حالا منه- روى الحاكم والترمذي وابن ماجة وغيرهم عن البراء قال نزلت هذه الاية فينا معشر الأنصار كنا اصحب نخل فكان الرجل يأتى في نخله على قدر كثرته وقلته وكان من لا يرغب في الخير يأتى بالقنو فيه الشيص «1» والحشف «2» والقنو قد انكسر فتعلفه فنزلت- وروى ابو داود والنسائي والحاكم عن سهيل بن حنيف قال كان الناس يتممون ش؟؟ مارهم يخوجونها في الصدقة فنزلت- وروى الحاكم عن جابر قال امر النبي صلى الله عليه وسلم بزكوة الفطر بصاع من نمر فجاء بتمر روى فانزل الله تعالى هذه الاية- وروى ابن ابى حاتم عن ابن عباس قال كان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يشترون الطعام الرخيص ويتصدقون فانزل الله تعالى هذه الاية وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ اى وحالكم انكم لا تأخذون الخبيث الردى في حقوقكم لرداءته إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ الإغماض غضّ البصر المراد هاهنا المسامحة مجازا- يعنى لو كان لاحدكم على رجل حق فجاءه بهذا لم يأخذه الا وهو يرى انه قد ترك حقه- قال الحسن وقتادة لو وجدتموه يباع فى السوق ما أخذتموه بسعر الجيد- وروى عن البراء انه قال لو كان اهدى ذلك لكم ما أخذتموه

_ (1) التمر الذي لا يشتد نواه وتقوى وقد لا يكون له نوى أصلا نهايه منه رح (2) اليابس الفاسد من التمر وقيل الضعيف الذي لا قوى له أصلا نهايه منه نور الله مرقده

[سورة البقرة (2) : آية 268]

الا استحياء من صاحبه وغيظا فكيف ترضون لله ما لا ترضون لانفسكم- هذا إذا كان المال كله جيدا فليس له إعطاء الردى- وان كان كل ماله رديا فلا بأس بإعطاء الردى ولو كان بعضه جيدا وبعضه رديا فليعط من كل جنس بحصته وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عن صدقاتكم انما يعود منفعتها إليكم حَمِيدٌ (267) محمود في أفعاله. الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ والوعد يستعمل في الخير والشر لكن إذا لم يكن هناك قرينة يقال في الخير وعدته وفي الشر أوعدته- والفقر سوء الحال وقلة ذات اليد أصله من كسر الفقار- يعنى الشيطان يخوفكم بالفقر إذا تصدقتم وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ اى المعصية وهى منع الزكوة او ما يعم ذلك قال الكلبي كل فحشاء في القران فهو الزنى الا هذا وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ فى الانفاق مَغْفِرَةً مِنْهُ لذنوبكم وَفَضْلًا خلفا أفضل مما أنفقتم في الدارين او في الاخرة وَاللَّهُ واسِعٌ الفضل لمن أنفق عَلِيمٌ (268) عن ابى هريرة مرفوعا ما من يوم يصبح العباد فيه الا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الاخر اللهم أعط ممسكا تلفا- متفق عليه وعن اسماء قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انفقى ولا تحصى فيحصى الله عليك ولا توعى فيوعى الله عليك ارضحى ما استطعت- متفق عليه- وعن ابى ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الأخسرون ورب الكعبة قلت ومن هم قال هم الأكثرون أموالا الا من قال هكذا وهكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم- متفق عليه- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار وجاهل سخى أحب الى الله من عابد بخيل- رواه الترمذي- وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم السخا شجرة في الجنة فمن كان سخيا أخذ بغصن منها فلم يتركه الغصن حتى يدخله الجنة والشح شجرة في النار فمن كان شحيحا أخذ بغصن منها فلم يتركه الغصن حتى يدخله النار ... رواه البيهقي وعن عليّ مرفوعا بادروا بالصدقة فان البلاء لا يتخطاها- رواه رزين. يُؤْتِي الْحِكْمَةَ اى العلم النافع على ما هو في نفس الأمر الموصل الى رضاء الله تعالى

[سورة البقرة (2) : آية 270]

والعمل به وذلك لا يتصور الا بالوحى فهو للانبياء أصالة ولغيرهم وراثة- اخرج ابن مردوية من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا قال الحكمة القران قال ابن عباس يعنى تفسيره فانه قد قراه البر والفاجر مَنْ يَشاءُ مفعول أول اخّر للاهتمام بالمفعول الثاني ولذلك بنى الفعل للمفعول لانه هو المقصود في قوله تعالى وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فى قراءة الجمهور وقرا يعقوب بالكسر اى من يؤتيه الله الحكمة فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً التنكير للتعظيم اى خيرا كثيرا يجمع خير الدارين- عن معاوية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وانما انا قاسم والله يعطى- متفق عليه وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات الإنسان انقطع عمله الا من ثلاثة صدقة جارية- او علم ينتفع به- او ولد صالح يدعوله- رواه مسلم وعن ابى مسعود الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من دل على خير فله اجر مثل اجر فاعله- رواه مسلم وعن ابى الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وان العلماء ورثة الأنبياء وان الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وانما ورثوا العلم فمن اخذه أخذ بحظ وافر رواه احمد والترمذي وابو داود وابن ماجة والدارمي- وعن ابى امامة الباهلي قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان أحدهما عابد والاخر عالم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل العالم على العابد كفضلى على أدناكم- ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله وملائكته واهل السموات والأرض حتى النملة في حجرها وحتى الحوت في الماء ليصلّون على معلم النّاس الخير- رواه الترمذي وَما يَذَّكَّرُ اى يتعظ بما قص الله عليه من الآيات في الانفاق وغيره ويتفكر فيما أودع الله تعالى في قلبه من العلوم بالفعل او بالقوة إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ (269) اى ذووا العقول السليمة عن معارضة الوهم وخطرات الشيطان- قلت وذلك بعد الفناء الأتم للنفس-. وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ قليلة او كثيرة في سر او علانية في حق او باطل أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ اى ما أوجبتم لله تعالى على أنفسكم من الطاعات بشرط او غير شرط فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ فيجازيكم عليه- الضمير عائد الى ما وَما لِلظَّالِمِينَ الذين

[سورة البقرة (2) : آية 271]

لا ينفقون في سبيل الله ولا يوفون بالنذور أو ينفقون رياء او في معصية مِنْ أَنْصارٍ (270) ينصرونهم ويدفعون عذاب الله عنهم. إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ اى تظهروها «1» لا على قصد الرياء فَنِعِمَّا هِيَ اى فنعم شيئا ابداؤها- قرا ابن كثير وورش وحفص هنا وفي النساء بكسر النون والعين- وقالون وابو بكر وابو عمرو بكسر النون وإخفاء حركة العين ويجوز إسكانها والباقون بفتح النون وكسر العين وكلها لغات صحيحة وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ مع الإخفاء فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وأفضل من الصدقة العلانية عن ابى امامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة السّر تطفئ غضب الرب وصلة الرحم تزيد في العمر- رواه الطبراني بسند حسن- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل الا ظله امام عادل- وشاب نشأ في عبادة الله- ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود اليه- ورجلان تحابا في الله عز وجل اجتمعا على ذلك وتفرقا- ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه- ورجل دعته امراة ذات حسب وجمال فقال انى أخاف الله تعالى- ورجل تصدق بصدقة فاخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه- متفق عليه وعن ابن مسعود يرفعه قال ثلاثة يحبهم الله رجل قام من الليل يتلو كتاب الله- ورجل تصدق بصدقة بيمينه يخفيها (أراه قال) من شماله ورجل كان في سرية فانهزم أصحابه فاستقبل العدو- رواه الترمذي- وعن ابى ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم «2» الله فاما الذين يحبهم الله فرجل اتى قوما فسالهم بالله لم يسئلهم لقرابة بينه وبينهم فمنعوه فتخلف رجل بأعيانهم فاعطاه سرا لا يعلم عطيته الا الله والذي أعطاه وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يعدل به فوضعوا رؤسهم فقام يتملقنى ويتلوا آياتي ورجل كان في سرية فلقى العدو فهزموا فاقبل بصدر حتى يقتل او يفتح له- والثلاثة الذي يبغضهم الشيخ الزاني والفقير المختال والغنى الظلوم- رواه الترمذي والنسائي وَيُكَفِّرُ قرا ابن كثير وابو عمرو وابو بكر بالنون على صيغة المتكلم المعلوم والرفع وقرا حفص وابن عامر بالياء على صيغة الغائب والرفع على انه جملة فعلية مبتدئة او اسمية معطوفة

_ (1) عن الشعبي قال نزلت هذه الاية ان تبدوا الصّدقت فنعمّا هى الاية في ابى بكر الصديق وعمر جاء عمر بنصف ماله يحمله الى رسول الله صلى الله عليه وسلم على رءوس الناس وجاء ابو بكر بماله اجمع يكاد ان يخفيه من نفسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم- ما تركت لاهلك- قال عدة الله وعدة رسوله فقال عمر لابى بكر ما استبقنا الى باب خير قط الا سبقتنا اليه منه رحمه الله (2) فى الأصل يبغضهم

[سورة البقرة (2) : آية 272]

على ما بعد الفاء اى ونحن نكفر او الله يكفر او يكفر الله- وقرا نافع وحمزة والكسائي بالنون والجزم على انه معطوف على محل الفاء لان موضعها موضع الجزم بالجزاء عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ قيل من زائدة وقيل هو للتبعيض اى يكفر الصغائر من الذنوب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة السر تطفى الذنب- رواه الطبراني في الصغير من حديث ابى سعيد وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) ترغيب في الاسرار روى النسائي والطبراني والبزار والحاكم وغيرهم عن ابن عباس قال كانوا يكرهون ان يرضحوا لانسابهم من المشركين فسالوا فرخص لهم فنزلت ليس عليك هدهم- وكذا روى ابن ابى شيبة عن محمد بن حنفية مرسلا واخرج ابن ابى حاتم عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر ان لا يتصدق الا على اهل الإسلام فنزلت-. لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ فامر بالصدقة على كل انسان من كل دين- وكذا ذكر البغوي قول سعيد بن جبير وروى ابن ابى شيبة مرسلا عن سعيد بن جبير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تصدقوا الأعلى اهل دينكم فانزل الله تعالى لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ الاية فقال عليه الصلاة والسلام تصدقوا على اهل الأديان كلها- يعنى لا يجب عليك ان تجعل الناس مهديين حيث تمنعهم من الصدقة ليدخلوا في الإسلام لحاجة منهم إليهم- وذكر البغوي قول الكلبي في سبب نزوله ان ناسا من المسلمين كانت لهم قرابة واصهار في اليهود وكانوا ينفقونهم قبل ان يسلموا فلما اسلموا كرهوا ان ينفقوهم وارادوهم على ان يسلموا وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي اى يجعل مهديا مَنْ يَشاءُ فان الهداية من الله تعالى وبمشيته وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ من نفقة معروفة او المراد بالخير المال فَلِأَنْفُسِكُمْ يعنى يعود نفعها الى أنفسكم فلا تمنوا به على الفقير ولا تنفقوا الخبيث وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ الواو للحال من فاعل تنفقوا يعنى ما تنفقوا من خير غير منفقين الا ابتغاء وجه الله فهو لا نفسكم- او هو عطف على ما قبله يعنى ليس نفقتكم ايها المؤمنون الا ابتغاء وجه الله فما لكم تمتون بها على الفقير او تنفقون الخبيث فهو اخبار عن حال للمؤمنين يقتضى ذلك الحال ترك المن ونحو ذلك او هو نفى لفظا ونهى معنى يعنى لا تنفقوا الا ابتغاء وجه الله- وهذا يقتضى تحريم الانفاق إذا لم يكن فيه ابتغاء وجه الله فانه

[سورة البقرة (2) : آية 273]

اضافة المال وذلك حرام وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ يوفر لكم ثواب أضعافا مضاعفة ولما كان فيه معنى الأداء عدى بالى- او المعنى ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ خلفه استجابة لقول الملك اللهم أعط منفقا خلفا كما مر- ذكر بين الجمل الثلاث حرف العطف مع ان الظاهر ان هذه الشرطية تأكيد للشرطية السابقة فينبغى ان لا يعطف- لانه ليس المقصود به التأكيد فقط بل أريد به إيراد دليل بعد دليل على قبح المن والأذى فان الجملة الاولى تدل على ان المنة على الغير بما فيه منفعة لكم قبيح- والثانية على ان المنة على الفقير بالذي يبتغون به وجه الله طلب عوض من غير من هو له والثالثة بانه منة على الغير بما تأخذون العوض منه أضعافا مضاعفا ولا مفة فيما يؤخذ منه العوض مرة كالبيع وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (272) اى لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئا- وهذا في صدقة التطوع يجوز ان يعطى الذمي منها- واما الصدقة المفروضة فلا يجوز وضعها الا في المسلمين- واختلفوا في صدقة الفطر والكفارات والنذور فقال ابو حنيفة يجوز دفعها الى الذمي لعموم قوله تعالى إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وانما لم يجز دفع الزكوة اليه لحديث بعث معاذ الى اليمن وفيه قد فرض الله عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم- متفق عليه من حديث ابن عباس قال صاحب الهداية هو حديث مشهور جازبه الزيادة على اطلاق الكتاب وقال ابن همام الاية عام خص منه الحربي بالإجماع مستندين الى قوله تعالى إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ- الاية فجاز تخصيصه بعد بخبر الواحد. لِلْفُقَراءِ الظرف اما لغو متعلق بقوله ما تُنْفِقُوا يعنى ما تنفقوا من خير للفقراء فهو لانفسكم يؤف إليكم او هو متعلق بفعل محذوف دل عليه ما سبق يعنى اعمدوا للفقراء او اجعلوا ما تنفقونه للفقراء- او هو ظرف مستقر خبر مبتدأ مقدر قبله يعنى صدقاتكم للفقراء او مقدر بعده يعنى للفقراء الذين أحصروا حق عليكم الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فى تحصيل العلوم الظاهرة والباطنة والجهاد لا يَسْتَطِيعُونَ لاشتغالهم بالعلم والجهاد ضَرْباً ذهابا فِي الْأَرْضِ للكسب والتجارة يَحْسَبُهُمُ قرا ابو جعفر وابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين في المضارع على وزن يسمع وقرا الآخرون

بالكسر وهو شاذ في غير المثال الْجاهِلُ بحالهم أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ اى من أجل تعففهم من السؤال- والتعفف تفعل من العفة وهو ترك السؤال تكلفا لقناعتهم تَعْرِفُهُمْ يعنى تعرف ايها النبي حاجتهم وفقرهم بِسِيماهُمْ لا بقولهم والسيماء العلامة التي يعرف بها الشيء- يعنى بصفرة ألوانهم من الجوع والضرّ ورثاثة ثيابهم لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً إلحاحا وهو ان يلازم المسئول منه حتى يعطيه- والمعنى انهم لا يسئلون غالبا ولاجل هذا يحسبهم الجاهل بحالهم اغنياء وتعرف حاجتهم بسيماهم وان سالوا عن ضرورة أحيانا لم يلحفوا وقيل هو نفى لمطلق السؤال يعنى لا يسئلون أصلا «1» فيقع فيه الالحاف- منصوب على المصدر فانه كنوع من السؤال- او على الحال اى ملحفين- اخرج ابن المنذر عن ابن عباس هم اهل الصّفة كانوا نحوا من اربعمائة رجل من فقراء المهاجرين لم يكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر يسكنون صفة المسجد يستغرقون أوقاتهم بالتعلم والعبادة وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم- فحث الله تعالى عليهم الناس فكان من عنده فضل أتاهم به إذا امسى- عن عطاء بن يسهار عن رجل من بنى اسد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سال منكم وله وقية او عدلها فقد سال إلحافا- رواه مالك وابو داود والنسائي وعن الزبير بن العوام قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لان يأخذ أحدكم حبله فيأتى بحزمة حطب على ظهره فيكف الله بها وجهه خير له من ان يسئل الناس أعطوه او منعوه- رواه البخاري- وعن ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة اليد العليا خير من اليد السفلى- متفق عليه وعن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سال الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسئلته في وجهه خموش «2» او خدوش او كدوح- قيل يا رسول الله وما يغنيه قال خمسون درهما او قيمتها من الذهب- رواه ابو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وعن سهل بن حنظلة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سال وعنده

_ (1) اخرج احمد عن ابن ابى مليكة قال- ربما سقط الحطام من يد ابى بكر الصديق فضرب بذراع ناقته فينحها فيأخذه فقالوا له فلا امرتنا نتناولكه فقال ان حبيبى صلى الله عليه وسلم امرني ان لا اسئل الناس شيئا- منه رحمه الله تعالى (2) خموش الخدوش نهاية خدوش جمع خدش وخدش الجلد قشره بعود او نحوه نهاية الكدوح الخدش وكل اثر من خدش او عض فهو كدح- نهاية منه رحمه الله

[سورة البقرة (2) : آية 274]

ما يغنيه فانما يستكثر من النار «1» - قال النفيلى وهو أحد رواته وما الغنى الذي لا ينبغى معه المسألة قال قدر ما يغديه ويغشيه وقال في موضع اخر ان يكون له شبع يوم او ليلة ويوم- رواه ابو داود قلت والجمع بين هذه الأحاديث الواردة في نصاب حرمة السؤال الحمل على اختلاف احوال الرجال فمن كان عنده شبع يوم وليلة وكان يرجو تيسر شبع الغد في الغد لا يحل له المسألة ومن كان لا يرجو ذلك يجوز له السؤال حتى يحصل عنده ما يكفى لمدة يتيسر له ما يحتاج اليه غالبا ومن كان له شبع ولا يكون عنده ما يستر به عورته او ما يسد به خلته يجوز له سوال ما يحتاج اليه وأربعون درهما نصاب لحرمة السؤال مطلقا والله اعلم وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) وعليه مجاز ترغيب في الانفاق خصوصا على مثل هؤلاء. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً يعنى في جميع الأوقات والأحوال كلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا في قضائها ولم يؤخروه ولم يعللوا بوقت ولا حال- اخرج ابن المنذر عن ابن المسيب انها نزلت في عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان في نفقتهم في جيش العسرة- واخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن ابى حاتم والطبراني بسند ضعيف عن ابن عباس قال نزلت في على بن ابى طالب كانت معه اربعة دراهم فانفق باليل درهما وبالنهار درهما وسرا درهما وعلانية درهما- وذكر البغوي عن الضحاك عن ابن عباس قال لما نزلت لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا الاية بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير كثيرة الى اصحاب الصفة وبعث على بن ابى طالب في جوف الليل بوسق من تمر فانزل الله تعالى فيهما عنى بالنهار علانية صدقة عبد الرحمن وبالليل سرا صدقة على- وذكر البغوي انه قال ابو امامة وابو الدرداء ومكحول والأوزاعي انها نزلت في الذين يرتبطون الخيل للجهاد فانها تعتلف ليلا ونهارا سرا وعلانية وكذا اخرج الطبراني وابن ابى حاتم عن يزيد بن عبد الله بن غريب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم ويزيد وأبوه مجهولان- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله

_ (1) اخرج احمد وابو يعلى عن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اما والله ان أحدكم ليخرج بمسئلته من عندى تبا بطنها نارا قال عمر يا رسول الله لم تعطها إياهم قال فما اصنع يأبون الا مسئلتى ويأبى الله لى البخل وفي الصحيحين عن ابن عمر ان عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطنى العطاء فاقول أعطه من هو أفقر اليه منى فقال خذه إذ جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه فتقبله ان شئت كله وان شئت تصدق به وما لا فلا تتبعه نفسك قال سالم بن عبد الله فلا جل ذلك كان عبد الله لا يسئل أحدا شيئا ولا يرد شيئا أعطيه- منه

[سورة البقرة (2) : آية 275]

صلى الله عليه وسلم من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده فان شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة- رواه البخاري فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ خبر لقوله تعالى الَّذِينَ يُنْفِقُونَ وحينئذ الفاء للسببية وقيل قوله تعالى الَّذِينَ يُنْفِقُونَ الى آخره مبتدأ خبره محذوف اى منهم الّذين ينفقون وحينئذ الفاء لعطف الجملة على الجملة وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) . الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا كتبت بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة وزيدت الالف بعدها تشبيها بواو الجمع لا يَقُومُونَ من قبورهم كذا اخرج عبد الرزاق في تفسيره عن عبد الله بن سلام إِلَّا كَما يَقُومُ اى قياما كقيام الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ يعنى الجن والخبط الضرب الشديد والإفساد- فى القاموس خبط الشيطان فلانا مسّه بأذى كتخبطه او يتخبطه يفسده مِنَ الْمَسِّ اى الجنون او اللمس متعلق بيقوم او بيتخبط اى لا يقومون الا كما يقوم من الجنون الذي مسّه الشيطان بأذى وأفسد عقله او الا كقيام الذي يفسده الشيطان من اللمس يعنى عرضه الجنون وفساد العقل بمس الشيطان وخبطه والمرض والصرع والجنون قد يحصل بمس الشيطان فلا يحتاج ذلك الى ما قيل انه وارد على ما يزعمون ان الشيطان يخبط الإنسان فان حدوث المرض بمس الشيطان ثابت بالكتاب والسنة قال الله تعالى في قصة أيوب عليه السلام ربّ انّى مسّنى الشّيطن بنصب وعذاب وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المستحاضة ركضة من ركضات الشيطان وقيام أكلة الربوا هكذا لاجل ان الله تعالى يربى ما في بطونهم ما أكلوه من الربوا فيكون بطونهم كالبيوت فيها حيات فاثقلهم- عن ابى سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة الاسراء قال فانطلق بي جبرئيل الى رجال كثيرة كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم متصدين على ساهلة ال فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا قال فيقبلون مثل الإبل المنهومة يخبطون الحجارة والشجر لا يسمعون ولا يعقلون فاذا أحس بهم اصحاب تلك البطون قاموا فتميل بهم بطونهم فيصرعون ثم يقوم أحدهم فتميل به بطنه فيصرع فلا يستطيعون ان يبرحوا حتى يغشاهم الى فرعون فيترددونهم مقبلين ومدبرين فذالك عذابهم في البرزخ

بين الدنيا والاخرة قال وال فرعون يقولون اللهم لا تقم الساعة ابدا قال ويوم القيامة يقول ادخلوا ال فرعون أشدّ العذاب- قلت يا جبرئيل من هؤلاء قال هؤلاء الّذين يأكلون الرّبوا لا يقومون الّا كما يقوم الّذى يتخبّطه الشّيطن من المسّ- رواه البغوي وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتيت ليلة اسرى بي على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم فقلت من هؤلاء يا جبرئيل قال هؤلاء أكلة الربوا- رواه احمد وابن ماجة- واخرج ابو يعلى عن ابن عباس في هذه الاية قال يعرفون يوم القيامة بذلك لا يستطيعون القيام الا كما يقوم المتخبط المخفق- واخرج ابن ابى حاتم بسند صحيح عنه قال أكل الربوا يبعث يوم القيامة مجنونا يخفق- والطبراني عن عوف بن مالك عنه صلى الله عليه وسلم نحوه- بلفظ مجنونا يتخبط- ويحتمل ان يقال في تأويل الاية انهم لا يقومون من مجلس يأكلون فيه مال الربوا الا كما يقوم المجنون بمعنى ان أكل الربوا يسود به قلبه بمجرد الاكل فلا يميز بعد ذلك بين الحق والباطل والحلال والحرام كما لا يميز المجنون بين الخير والشر فان لقمة الحرام يصير جزء من بدنه فيتغير به حقيقته بخلاف غير ذلك من المعاصي فانها كالاعراض الزائدة على الحقيقة ومن ثم لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل الربوا وجعله أشد من الزنى عن جابر وابن مسعود عند مسلم- وعن ابى جحيفة عند البخاري قال- لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل الربوا ومؤكله- وزاد ابو داود والترمذي عن ابن مسعود ومسلم عن جابر- وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء- وعن عليّ نحوه رواه النسائي وفيه مانع الصدقة مكان شاهديه- وعن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم درهم ربوا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية- رواه احمد والدارقطني وعن انس نحوه رواه ابن ابى الدنيا- وعن ابن عباس نحوه وزاد من نبت لحمه بالسحت فالنار اولى به- رواه البيهقي وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الربوا سبعون حوبا أيسرها ان ينكح الرجل امه- رواه ابن ماجة والبيهقي والحوب الإثم ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا اى ذلك العقاب بسبب كفرهم واستحلالهم الحرام وهذا يدل على ان هذا العقاب مخصوص بالكفار دون من ارتكبه من المؤمنين معترفا بتقصيره- او يكون ذلك اشارة الى تأبيد

هذا العذاب المستفاد من قوله تعالى لا يَقُومُونَ إِلَّا كذلك فانه نفى داخل على مصدر منكر في زمان منكر من الازمنة المستقبلة والنكرة في حيز النفي تفيد العموم- فمعناه ان تأبيد هذا العذاب مخصوص بالكفار واما من ارتكبه من المؤمنين فقد يلحقه ذلك العذاب الى ان يتداركه شفاعة من نبيه او رحمة من ربه وكلمة لا الله الا الله محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وكان الأصل- انما الربوا مثل البيع لكن عكس للمبالغة في نفى تحريم الربوا كانهم جعلوا أصلا في الحل وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ قال فخر الإسلام البيع لغة مبادلة المال بالمال وكذا في الشرع لكن زيد فيه قيد التراضي- والصحيح ان التراضي مأخوذ في المعنى اللغوي ايضا فانه ما لا يكون بالتراضي يطلق عليه في اللغة اسم الغصب دون البيع- والمبادلة بالاختيار والتراضي لا بد فيه من التميز ومن ثم انعقد الإجماع على انه لا يصح بيع المجنون والصبى الذي لا يعقل- واختلفوا في بيع الصبى العاقل فقال مالك والشافعي لا يصح لقصور عقله- وقال ابو حنيفة واحمد يصح لكن يشترط انضمام رأى الولي لدفع ضرر عنه متوقع من قصور عقله وهذا الاشتراط ثابت بالشرع قال الله تعالى فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وقال الله تعالى وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ- وذلك المبادلة إنشاء امر يحصل بالإيجاب والقبول بلفظي ماض نحو بعت واشتريت فان الشرع وضع تلك الألفاظ لذلك الإنشاء- ويقوم المعاطاة مقام الإيجاب والقبول عند ابى حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى وهو رواية عن الشافعي واحمد- وقال الكرخي انما ينعقد بالتعاطى في الخسيس دون النفيس وبه قال احمد والراجح من مذهب الشافعي انه لا ينعقد بالتعاطى- قلنا التعاطي يدل على التراضي كالقول وهو المقصود قال الله تعالى إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ- ويشترط في المباشر من ولاية شرعية كائنة من ملك او وكالة او وصية او قرابة او غير ذلك (مسئلة) واختلفوا في بيع الفضولي فقال ابو حنيفة ومالك الاجازة اللاحقة كالوكالة السابقة فيصح بيعه ويتوقف على اجازة المالك- وكذلك شراء الفضولي عندهما يتوقف على اجازة المشترى له إذا أضاف الفضولي العقد الى المشترى له بان قال بع عبدك لزيد فقال بعت فقال الفضولي اشتريت لزيد- واما إذا لم يضف ينفذ على العاقد وبه قال الشافعي

فى القديم والراجح من مذهب الشافعي انه لا يصح- وعن احمد كالروايتين- احتج الشافعي بقوله صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام لا تبع ما ليس عندك وما رواه ابن الجوزي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل بيع ما ليس عندك ولا ربح ما لم يضمن- قلنا المراد به البيع الذي تجرى فيه المطالبة من الجانبين وهو النافذ فالمنهى عنه بيع شيء معدوم عنده وقت البيع ثم يشتريه فيسلمه المشترى- يفيد هذا المراد سياق قصة حديث حكيم حيث قال حكيم يا رسول الله ان الرجل يأتينى فيطلب منى سعة ليست عندى فابيعها منه ثم ادخل السوق فاشتريها فاسلمها قال عليه السلام- لا تبع ما ليس عندك- رواه احمد واصحاب السنن وابن حبان فى صحيحه من حديث يوسف بن ماهك عن حكيم ووقع التصريح عن يوسف انه حدثه حكيم وادخل فى بعض الطرق عبد الله بن عصمة بين يوسف وحكيم وزعم عبد الحق ان عبد الله ضعيف جدا ونقل عن ابن حزم انه مجهول- قال ابن حجر هذا جرح مردود وقد روى عنه الثلاثة واحتج به النسائي- وقال الترمذي حسن صحيح ولنا حديث عروة البارقي ان النبي صلى الله عليه وسلم دفع دينار اليه ليشترى به شاة فاشترى شاتين وباع أحدهما بدينار وجاء بشاة ودينار فقال بارك الله لك في صفقة يمينك فكان لو اشترى ترابا ربح فيه- رواه ابو داود والترمذي وابن ماجة والدارقطني وفي اسناده سعيد بن زيد ضعفه القطان والدارقطني ووثقه ابن معين- واخرج عنه مسلم في صحيحه وفيه ابو لبيد لمازة بن زياد قيل انه مجهول لكن وثقه ابن سعد واثنى عليه احمد وقال المنذرى والنووي اسناده حسن صحيح ورواه الشافعي والكرخي بسند اخر عن ابن عيينة عن شبيب بن عرفدة سمعه من قومه عن عروة البارقي- وقال الشافعي ان صح قلت به قال البيهقي انما ضعفه الشافعي لان قومه غير معروف فهو مرسل كذا قال الخطابي- وروى الكرخي بسند اخر عن شبيب بن عرفدة أخبرنا الحسن عن عروة البارقي فذهب الإرسال واتصل وايضا المرسل عندنا حجة وقد اعتضد بمسند ذكرنا قبله عن ابى لبيد عن عروة- وروى الترمذي من طريق حبيب بن ابى ثابت عن حكيم ابن حزام ان النبي صلى الله عليه وسلم دفع اليه دينارا ليشتري أضحية فاشترى شاة ثم باعها بدينارين ثم اشترى شاة بدينار فجاء بالشاة والدينار الى النبي صلى الله عليه وسلم فاخبره بذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم بارك الله في صفقتك فاما الشاة فضحى بها واما الدينار

فتصدق- قال الترمذي لا يعرف هذا الحديث الا من هذا الوجه وحبيب لم يسمع عندى من حكيم وروى ابو داود من طريق شيخ من اهل المدينة عن حكيم قال البيهقي ضعيف من أجل هذا الشيخ والله اعلم وإذا ظهر لك ان البيع هو مبادلة مال بمال والمال ينقسم الى قسمين ما هو مقصود بذاته فيقصد به صورته وماليته وهو العين- وما هو غير مقصود بذاته بل هو وسيلة لتحصيل غيره خلقه وهو النقدين- فالبيع ينقسم الى اربعة اقسام بيع العين بالنقد وهو البيع المطلق حيث ينصرف الذهن عند الإطلاق اليه فالعين هو المبيع والنقد هو الثمن ويشترط فيه وجود المبيع وتعيينه عند العقد اجماعا لانه هو المقصود بذاته ويقصد صورته وماليته ويدل على اشتراط كونه موجودا «1» حديث حكيم بن حزام وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده المذكورين وحديث ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم تهى عن بيع الكالى بالكالئ- رواه الدارقطني- ولا يشترط فيه وجود الثمن ولا تعيينه بل يثبت في الذمة لانه غير مقصود بذاته ولا يقصد صورته- وكان القياس ان يشترط وجوده لان المعدوم ليس بمال لكن الشرع أبطل هذا الشرط دفعا للحرج واعتبر وجوده في الذمة لكن يشترط ان يكون الثمن معروفة الجنس والقدر والصفة والاجل ان كان مؤجلا كيلا يفضى الى المنازعة وهى يمنع الجواز- عن عائشة رضى الله عنها قالت اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهودى طعاما الى أجل ورهنه درعا له من حديد- متفق عليه وعنها قالت توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودى بثلاثين صاعا من شعير- رواه البخاري وكذا روى احمد والترمذي عن ابن عباس وقال الترمذي هذا حديث صحيح وانعقد الإجماع على اشتراط تعيين المبيع دون الثمن وكون الثمن معروفا- والقسم الثاني بيع العين بالعين ويسمى مقائضة فكل واحد من البدلين هاهنا مبيع يشترط فيه ما يشترط في المبيع اجماعا ان كان البدلان «2» من ذوات القيم وان كان أحدهما من ذوات الأمثال والاخر من ذوات القيم تعين هذا المبيع وذلك للثمن لان الثمن لا يشترط وجوده فيكون في الذمة ولا يتصور الوجود في الذمة الا ما يحيط الذهن بقدره ووصفه- وان كانا من ذوات الأمثال فعلى قول علماء الحنفية يجب وجود أحدهما وتعيينه فيكون ذلك مبيعا وما كان

_ (1) فى الأصل موجود (2) فى الأصل البدلين

فى الذمة يكون ثمنا- وعلى ما ارى يجب وجودهما وتعيينهما معا لعدم ترجيح أحدهما على الاخر فى كونه مبيعا ولقوله عليه السلام إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد- وفي رواية عينا بعين- وعليه يحمل رواية يدا بيد- والقسم الثالث بيع النقد بالنقد ويسمى صرفا- ولما انتفى فيه المبيع ولا وجه لجعل أحدهما مبيعا والاخر ثمنا اعطى هاهنا ايضا كلا البدلين حكم المبيع ويجب وجودهما وتعيينهما في المجلس بل يجب قبضهما ايضا في المجلس لان النقدين لا يتعينان بالتعيين بل بالقبض- والقسم الرابع السلم وهو ضد البيع المطلق وهو ان يكون المبيع معدوما والثمن موجودا- وكان القياس ان لا يجوز هذا العقد لما ذكرنا لكن الشرع اباحه لدفع حاجة المساكين واعطى للثمن حكم المبيع واشترط في جانب المبيع شرائط وسنذكر هذه المسألة في تفسير اية المداينة ان شاء الله تعالى- وإذا تقرر ان البيع لا يكون الا مبادلة مال بمال ظهر ان بيع الميتة والدم والخمر والخنزير وكذا أكل ما ليس بمال او أبطل الشرع ماليته باطل لفقد ان معنى البيع- وكذا بيع ثوب ونحوه بتلك الأشياء خلافا لابى حنيفة فى بيع الثوب بالخمر والخنزير فانه قال فاسد حيث يملك المشترى عنده الثوب بالقبض ويجب عليه القيمة ولكل واحد منهما حق الفسخ دفعا للاثم وَحَرَّمَ الرِّبا الربوا في اللغة الزيادة قال الله تعالى ويربى الصّدقت والمعنى ان الله تعالى حرم الزيادة في القرض على القدر المدفوع والزيادة في البيع لاحد البدلين على الاخر- قال جمهور العلماء هذا مجمل طلب الزيادة بطريق التجارة غير محرم في الجملة قال الله تعالى لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فالمحرم انما هو زيادة على صفة مخصوصة لا تدرك الا من قبل الشارع فهو مجمل وما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بحرمة الربوا في الأشياء الستة التحقه بيانا عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فاذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد- رواه مسلم وفي رواية لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق الى اخر الستة الأسواء بسواء عينا بعين يدا بيد لكن تبيعوا الذهب بالورق والورق بالذهب والبر بالشعير

والشعير بالبر والتمر بالملح والملح بالتمر يدا بيد كيف شئتم نقص أحدهما الملح او التمر او زاد أحدهما من زاد او ازداد فقد اربى- رواه الشافعي- وروى مسلم عن ابى سعيد الخدري كما روى عن عبادة وزاد في آخره فمن زاد او استزاد فقد اربى الاخذ والمعطى فيه سواء- وفي رواية عنه- لا تبيعوا الذهب بالذهب الا مثلا بمثل ولا تشفّوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق الا مثلا بمثل ولا تشفّوا بعضها على بعض ولا تبيعوا غائبا منها بناجز- متفق عليه- وفي رواية- لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق الا وزنا بوزن- وفي الباب عن عمر في الستة وعن على في المستدرك وعن ابى هريرة في مسلم- وعن انس في الدارقطني وعن ابى بكر في الصحيحين وعن بلال في البزار وعن ابن عمر في البيهقي فقال اصحاب الظواهر وابن عقيل من الحنابلة ان حرمة الربوا مقتصرة في هذه الأشياء الستة وهو المروي عن قتادة وطاءوس وعند الجمهور حكم الحرمة معلول وصف في هذه الأشياء يتعدى منها الى غيرها فذهب قوم الى ان العلة في الجميع امر واحد وهو المالية فاثبتوا الربوا في جميع الأموال- وذهب الأكثرون الى ان الربوا نثبت في النقدين بوصف وفي الاربعة بوصف اخر- اما النقدين فقال الشافعي ومالك العلة فيهما الثمنية فلا يتعدى الحكم عنهما الى غيرهما- وقال ابو حنيفة واحمد العلة فيهما الوزن فيتعدى منهما الى الحديد والرصاص والزعفران وكل موزون واما الاربعة فقال ابو حنيفة العلة فيها الكيل مع الجنس فيثبت الربوا في كل مكيل يباع بجنسه مطعوم وغير مطعوم- وبه قال احمد وفي رواية عنه الطعم مع الجنس وقال مالك- الاقتيات مع الجنس- وقال الشافعي في القديم الطعم مع الكيل او الوزن فكل مطعوم مكيل او موزون يثبت فيه لا فيما ليس بمكيل ولا موزون كالبيض وفي الجديد علة الربوا عنده الطعم مع الجنس فيثبت الربوا في جميع المطعومات من الثمار والفواكه والبقول والادوية- وجه قول مالك والشافعي في كون العلة هو الثمنية والطعم او الاقتيات ان اشتراط التقابض والتماثل في هذه الأموال يشعر بالعزة والخطر كاشتراط الشهادة فى النكاح لاظهار خطر البضع فوجب تعليلها بعلة يوجب العزو في الطعم بل في الاقتيات ذلك لتعلق بقاء النفوس به وفي الثمنية التي بها يتوصل الى جميع المقاصد اولى ان يعتبر العز والخطر ولا اثر للجنسية والكيل والوزن في ذلك فجعلناه شرطا والحكم قد يدور مع الشرط كالرجم مع الإحصان

وايضا يدل على كون الطعم علة حديث معمر بن عبد الله مرفوعا الطعام بالطعام مثلا بمثل- رواه مسلم فان ترتب الحكم على المشتق يدل على علية ماخذ الاشتقاق- والجواب انه لا بد في التعليل من كون العلة مناسبا- والترتيب على المشتق ايضا انما يدل على علية المأخذ بشرط المناسبة- والمناسبة هاهنا مفقودة لان ما به بقاء النفوس يشتد به الحاجة وما يشتد به «1» الحاجة يجرى فيه من الله تعالى التوسعة كالماء والكلاء ولا يناسب به التضيق- وايضا كون الطعام اسما مشتقا ممنوع بل هو اسم لبعض الأعيان كالبر والشعير لا يعرف به المخاطبون غيره من المطعومات كالقمر مع انه غالب مأكولاتهم ووجه قول ابى حنيفة في كون العلة الكيل او الوزن ان الحكمة في تحريم الربوا صيانة اموال الناس عن التوى ولاجل ذلك الصيانة وضع الكيل والوزن وامر الله تعالى بالعدل فيهما وقال وزنوا بالقسطاس المستقيم وقال وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ وقد حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم الزيادة وأوجب المماثلة والزيادة والمماثلة لا يعرف الا بالكيل او الوزن فالمناسب ان يجعل ذلك علة وقد اعتبره رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال ما وزن مثلا بمثل إذا كان نوعا واحدا وماكيل فمثل ذلك وإذا اختلف النوعان فلا بأس به- رواه الدارقطني من حديث عبادة وانس وفي حديث ابى سعيد وابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سواد بن عرية وامّره على خيبر فقدم عليه بتمر جنيب يعنى طيب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل تمر خيبر هكذا قال لا والله يا رسول الله انا نشترى الصاع بالصاعين والصاعين بثلاثة اصع من الجمع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم- لا تفعل ولكن بع هذا بثمنه واشتر بثمنه من هذا وكذلك الميزان- يعنى ما يدخل في الميزان- رواه الدارقطني- قال العبد الضعيف عفا الله تعالى عنه والذي سخ لى ان اية الربوا ليست بمجلة فان المجمل ما لا يدرك معناه بالطلب والتأمل بل من جهة الشرع فقط وهاهنا ليس كذلك لكن فيه نوع إشكال يظهر بالتأمل وبيانه ان الربوا في اللغة الزيادة والزيادة عبارة عن فضل يعلو على المماثلة والمساوات وهى ضد الجنس والتنقيص فهذه الاية نظير قوله تعالى فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ فالله سبحانه كما أوجب ضمان العدوان بالمثل والمساوى كذلك أوجب في المبايعة والمقارضة

_ (1) وفي الأصل وما به يشتد الحاجة-

المماثلة والمساوات والواجب في ضمان العدوان في ذوات الأمثال اعنى المكيلات والموزونات المثل صورتا ومعنى برعاية اتحاد الجنس والقدر وفي ذوات القيم حيث لا يتصور المماثلة صورة ومعنى يكتفى بالمماثلة معنى ويقال الواجب هناك القيمة عملا بقدر الإمكان والقيمة عبارة عما يعتبره اهل البصارة مثلا له في المالية وذلك يختلف باختلاف الازمنة بكثرة الراغبين وقلتهم هذا في ضمان العدوان واما في المبادلات فالمعتبر في المماثلة المماثلة بالاجزاء كيلا او وزنا ان اتحد جنس البدلين وكانا من ذوات الأمثال كما في ضمان العدوان وان اختلف جنسهما سواء كانا من ذوات الأمثال او لم يكن أحدهما او كلاهما من ذوات الأمثال فحينئذ لا يتصور المماثلة صورة ومعنى لاختلافهما في الصورة فيكتفى حينئذ على المماثلة المعنوية في القيمة لما ذكرنا في ضمان العدوان- غير انه فى ضمان العدوان لم يسبق من المالك جعل شيء مثلا لماله فاعتبر هناك تحكيم اهل البصارة وفي المبادلات لما رضى مالكا البدلين بالمبادلة فقد حكم كل واحد منهما بالمماثلة بين البدلين فحكهما على أنفسهما اولى من حكم غيرهما عليهما- فصار مجموع كل من البدلين مثلا لمجموع البدل الاخر باصطلاحهما ولم يظهر الفضل ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم- وإذا تقرر هذا ثبت ان المكيلات والموزونات إذا بيع شيء منها بجنسه يحرم التفاضل بالاجزاء قطعا لقوله تعالى وَحَرَّمَ الرِّبا ويحرم النساء ايضا لان للنقد مزية على النسية فبعد تحقق المساوات في الكيل او الوزن يبقى ذلك المزية زيادة ربوا ولا جائز ان يجعل بعض الاجزاء مقابلا للاجل كما إذا بيع عشرة دراهم حالا بأحد عشر نسية لان الدرهم ذات والاجل وصف لا يعقل بينهما المساوات عقلا ولم يثبت شرعا بل الشرع أبطله ونهى عنه- فبقى بيع عشرة بأحد عشر وهو ربوا وكما لا يجوز ان يجعل بعض الاجزاء مقابلا لاجل كذلك لا يجوز ان يجعل بعض الاجزاء مقابلا لوصف الجودة لان الجودة ايضا وصف لا يعقل المساوات بينه وبين الذات عقلا ولا شرعا بل ثبت عن الشرع نفيه والنهى عنه كما ذكرنا حديث ابى سعيد وابى هريرة في قصة سواد بن عرية والله اعلم- وهل يحرم التفاضل بوصف الجودة مع المساوات في الكيل او الوزن فالجمهور على انه لا يحرم ذلك بل الوصف ملغاة شرعا قال صاحب الهداية لقوله صلى الله عليه وسلم جيدها ورديئها سواء فان صح هذا الحديث فهو حجة والا

فنقول الأوصاف لا يمكن ضبطها واعتبارها قال ابن همام فينسد باب البيعات قلت باب البيعات لا ينسد إذ يمكن ان يبيع الردى بالثمن ثم يشترى به الجيد كما امر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن ينسد باب القرض وقد قال الله تعالى وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ يعنى لستم بآخذى الردى في مقابلة الجيد ان كان لاحدكم على اخر حق من قرض او غير ذلك الا ان تغمضوا فيه فالاستثناء يدل على ان مراعاة الوصف في القرض ليس بلازم لكن يدل على ان صاحب الحق لو لم يأخذ الردى مكان الجيد كان له ذلك والله اعلم (مسئلة) وإذا بيع الرطب بالتمر او الذبيب بالعنب فالظاهر انه لا يجوز ذلك أصلا لا متساويا فى الكيل ولا متفاضلا وبه قال الجمهور وكذا الحال في الحنطة الرطبة واليابسة والمقلية- وقال ابو حنيفة يجوز بيع الرطب بالتمر وفي الذبيب والعنب عنه روايتان- لنا حديث سعد بن ابى وقاص قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يسئل عن الرطب بالتمر فقال أينقص إذا يبس قالوا نعم قال فلا اذن وفي رواية- فنهى عن ذلك- رواه مالك والشافعي واحمد واصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبزار والبيهقي كلهم من حديث زيد ابى عياش قال في الهداية ضعفه اصحاب النقل قلت لم يثبت تضعيفه عن أحد- وقال ابن الجوزي قال ابو حنيفة زيد ابو عياش مجهول فان كان لا يعرفه ابو حنيفة فقد عرفه اهل النقل انتهى وقال ابن حجر وذكر روايته الترمذي وصححها وذكره مسلم في كتاب الكنى وقال سمع من سعد وروى عن عبد الله بن يزيد وذكره ابن خزيمة في رواية العدول عن العدول وقال الدارقطني هو ثقة قلت فصح الحديث وهذا الحديث يدل على ان الرطوبة ليست من اجزاء الاصلية الرطب والمعتبر المساوات في الاجزاء وذا لا يدرك فلا يجوز بيعه متفاضلا ولا متساويا- وقال الحنفية الرطب ان كان من جنس التمر جاز البيع لقوله صلى الله عليه وسلم بيعوا مثلا بمثل- وان كان من غير جنسه جاز لقوله صلى الله عليه وسلم فبيعوا كيف شئتم- قلنا انه من جنسه لكن لاجل رطوبته وتخلخل اجزائه لا يدرك المماثلة بالكيل فصار كالمجاز؟؟ فة- والعددى المتقارب كالجوز والبيض ايضا من المثليات فالظاهر ان لا يجوز بيع الجوز بالجوز وكذا البيض بالبيض إذا كانا من حيوان واحد لاحتمال التفاضل في الاجزاء الا بالوزن فان الوزن معتبر للتسوية شرعا ويحصل في هذا النوع به التسوية

وان لم يعهد وان كان البيض من حيوانين فحكمهما حكم مختلف الجنسين (مسئلة) وإذا بيع البر مثلا بالشعير فجميع ما قوبل من كل من البدلين صار مثلا لجميع الاخر باصطلاحهما فجاز الفضل بينهما ولم يجز النسية لان نقدية أحد البدلين زائد على المثل المصطلح فكان ربوا ولا يجوز جعلها مقابلا لبعض الاجزاء لما ذكرنا في المثلين الحقيقيين- (مسئلة) وإذا بيع البر بالحديد مثلا فقياس قولنا هذا يقتضى ان لا يجوز هناك النسية ايضا ويجوز التفاضل وبه يحكم لعموم قوله صلى الله عليه وسلم إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد (مسئلة) وإذا بيع الحيوان بالبر او نحوه او بالحديد او نحوه فحينئذ كان الحيوان مبيعا والمكيل او الموزون ثمنا ولا يشترط وجود الثمن بل يصح البيع بالثمن المؤجل اجماعا وكان القياس عدم جواز هذا البيع لكن ترك القياس بالنصوص والإجماع (مسئلة) وإذا بيع الحيوان بالحيوان من جنس واحد او من جنسين جاز التفاضل اجماعا وهل يجوز فيه النسية فقال ابو حنيفة لا يجوز مطلقا وقال الشافعي واحمد يجوز مطلقا وقال مالك ان كان من جنس واحد لا يجوز النسية مع التفاضل ويجوز من غير التفاضل وان كانا من جنسين يجوز مطلقا- احتج القائلون بالجواز مطلقا بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جهر جيشا فقال عبد الله بن عمرو ليس عندى ظهر قال فامره رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يبتاع ظهرا الى خروج المصدق فابتاع عبد الله بن عمرو البعير بالبعيرين الى أجل وسنذكر هذا الحديث في مسئلة السلم في اية المداينة ان شاء الله تعالى- وجه قول ابى حنيفة ان الحيوان لا يكون ثمنا في الذمة لكونه غير معلوم قدرا ووصفا ولا ينضبط بذكر الجنس والنوع والوصف ولذلك لا يجوز السلم فيه لعدم انضباطه ومن المنقول ما رواه احمد والترمذي والنسائي والدارمي وابن ماجة وابو داود عن سمرة ابن جندب ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسية وروى الدارقطني عن ابن عباس نحوه- وروى الترمذي واحمد عن الحجاج بن ارطاة عن ابى الزبير عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحيوان اثنين بواحد لا يصح نساء ولا بأس به يدا بيد قال الترمذي حديث حسن واخرج الطبراني عن ابن عمر نحوه وروى ابن الجوزي حديث سمرة

وابن عباس وجابر ولم يذكر الطعن- وإذا تعارض هذه الأحاديث بحديث عبد الله بن عمرو في بيع البعير بالبعيرين الى أجل يترجح هذه الأحاديث بوجهين- أحدهما ان الاخذ بالمحرم اولى من المبيح احتياطا ولئلا يلزم تكرار النسخ- ثانيهما ان هذه الأحاديث موافق للقياس دون ذلك- (مسئلة) والشروط التي لا يقتضيها العقد في البيع وفيه منفعة لاحد العاقدين فهو من باب الربوا يفسد به البيع عند ابى حنيفة والشافعي وقال ابن ابى ليلى والنخعي والحسن البيع جائز والشرط فاسد- وقال ابن شبرمة واحمد البيع والشرط جائزان وقال مالك الشرط بمنفعة يسيرة للبائع من المبيع يصح والباقي لا يصح- لنا ان قوله تعالى وَحَرَّمَ الرِّبا يشتمله لانه زيادة فى أحد البدلين بعد التماثل بالاجزاء في متحد الجنس من المثليات وبالقيمة المصطلحة من العاقدين في غير ذلك ولا يمكن جعل الشرط مقابلا لبعض الاجزاء كالاجل والجودة- وكذا قول ابى حنيفة في كل شرط لا يقتضيه العقد وفيه نفع للمبيع وهو من اهل النفع كما إذا باع عبدا او امة على ان يعتقه او يكاتبه او يستولدها- روى ابن حزم في المحلى والطبراني في الأوسط والحاكم في علوم الحديث والخطابي من طريق محمد بن سليمان الذهلي عن عبد الوارث ابن سعيد قال قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة وابن ابى ليلى وابن شبرمة فسالت أبا حنيفة عن رجل باع بيعا وشرط شرطا قال البيع باطل والشرط باطل- ثم أتيت ابن ابى ليلى فسالته فقال- البيع جائز والشرط باطل- ثم أتيته ابن شبرمة فسالته فقال- البيع جائز والشرط جائز- فقلت سبحان الله ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا في مسئلة واحدة فاتيت أبا حنيفة فاخبرته فقال ما أدرى ما قالا حدثنى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم انه نهى عن بيع وشرط البيع باطل والشرط باطل- ثم أتيت ابن ابى ليلى فاخبرته فقال ما أدرى ما قالا حدثنى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أمرني النبي صلى الله عليه وسلم ان اشترى بريرة فاعتقها البيع جائز والشرط باطل- ثم أتيت ابن شبرمة فاخبرته فقال ما أدرى ما قالا حدثنى مسعر عن محارب بن دثار عن جابر قال بعت من النبي صلى الله عليه وسلم ناقة وشرط لى حملانها الى المدينة البيع جائز والشرط جائز انتهى فان قيل حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرسل عند كثير من اهل العلم- أجيب بان هذا إذا لم يصرح بمرجع

الضمير من جده وقد ورد هاهنا التصريح فيما أخرجه ابو داود والترمذي والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل سلف ولا بيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك- قال الترمذي حديث حسن صحيح- ويؤيده حديث حكيم بن حزام في مؤطا مالك بلاغا- وأخرجه الطبراني من حديث محمد بن سيرين عن حكيم قال نهانى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اربع خصال فى البيع عن سلف وبيع وشرطين في بيع وبيع ما ليس عندك وربح ما لم يضمن- ومعنى السلف فى البيع البيع بشرط ان يقرضه دراهم وهو فرد من البيع الذي شرط فيه منفعة لاحد المتعاقدين هذا تحقيق ما احتج به ابو حنيفة من حديث عمرو بن شعيب- واما ما احتج به ابن ابى ليلى من حديث عائشة فقد رواه الشيخان في الصحيحين من حديثها انها قالت جاءت بريرة فقالت انى كاتبت على تسع أواق في كل عام وقية فاعينينى فقالت عائشة ان أحب أهلك ان أعدها لهم عدة واحدة واعتقك فعلت ويكون ولائك لى فذهبت الى أهلها فابوا الا ان الولاء لهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذيها فاعتقيها ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد الله واثنى عليه ثم قال اما بعد فما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وان كان مائة شرط فقضاء الله أحق وشرط الله أوثق انما الولاء لمن أعتق- وفي رواية ان عائشة أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم ان مواليها لا يبيعونها الا بشرط ان يكون لهم الولاء فقال لها اشترى واشترطى لهم الولاء انما الولاء لمن أعتق- متفق عليه ايضا بهذا اللفظ قال الرافعي قالوا ان هشاما تفرد بقوله اشترطى لهم الولاء ولم يتابعه سائر الروات- قال ابن حجر وقد قيل ان عبد الرحمن بن ايمن تابع هشاما على هذا فرواه عن الزهري عن عروة نحوه- واما حديث جابر فقد رواه الشيخان عنه قال غزوت ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم وانا على ناضح قد أعيى فلا يكاد يسير فتلا حق بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما لبعيرك قلت قد أعيى فتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فزجره فدعاله فما زال بين يدى الإبل قدامها تسير فقال لى كيف ترى بعيرك قلت بخير قد أصابته بركتك قال افتبيعنيه بوقية- فبعته على ان لى فقار ظهره الى المدينة فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة

غدوت عليه بالبعير فاعطانى ثمنه وردده علىّ- وفي رواية قال بعنيه بوقية- قال فبعته واستثنيت حملانه الى أهلي- متفق عليه وفي رواية للبخارى قال للبلال اقضه دينه وزده وزاد قيراطا- واحتج ابن الجوزي على جواز البيع والشرط بحديث جابر هذا- وبما روى بسنده عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المسلمون عند شروطهم ما وافق الحق- وعن انس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمون على شروطهم ما وافق الحق من ذلك- فلا بد هاهنا من البحث والتأمل حتى يندفع تعارض الأحاديث ويظهر المراد فنقول قوله عليه الصلاة والسلام ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وان كان مائة شرط- لا يعارض قوله صلى الله عليه وسلم المسلمون على شروطهم ما وافق الحق من ذلك فان كلا الحديثين يدلان على ان من الشروط ما هو باطل ومنها ما هو صحيح وعليه انعقد الإجماع حيث يجوز في البيع شرط الخيار اجماعا ويبطل شرط ان يكون الولاء للبائع اجماعا فظهر ان حديث سمرة نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط ليس على عمومه بل المراد منه بعض انواع الشرط فحينئذ لا بد ان يبحث عن الشروط ايها يبطل في نفسها ولا يفسد به البيع ويكون ذلك محملا لقصة بريرة- وايها يبطل بحيث يفسد به البيع فيكون موردا للنهى في حديث سمرة- وايها لا يبطل فيكون محملا لحديث انس وعائشة فنقول اما الذي يبطل في نفسه ولا يفسد به البيع فمنها شرط لا يمكن للمشروط عليه إتيانه مثل شرط ان لا يقع العتق بإعتاق المشترى او ان يكون الولاء للبايع فمثل هذا الشرط باطل لغو وان كان مائة شرط ويعتبر كانه لم يكن فلا يفسد البيع وقصة بريرة من هذا الباب قال الشيخ ابن حجر ليس فيه التصريح بانهم اشترطوا العتق بل انما اشترطوا الولاء لهم- ومنها شرط ليس على مقتضى العقد حتى يصح وليس فيه منفعة لاحد حتى يكون في معنى الربوا كبيع ثوب على ان يلبسه المشترى في الأعياد او دابة على ان يكثر لها العلف فهو لغو لا يفسد البيع به- واما الذي لا يبطل من الشروط ويجب الإتيان بها ويكون محملا لحديث انس وعائشة فمنها ما كان على مقتضى العقد كشرط ان يحبس البائع المبيع الى ان يقبض الثمن فيجوز لانه مؤكد لموجب العقد- ومنها ما ثبت تصحيحه شرعا بما لا مرد له كشرط الاجل في الثمن في البيع المطلق- وفي المثمن في السلم فيجوز ايضا للنص وان كان على

خلاف القياس والحق ابو حنيفة بهذا ما كان متعارفا في الصدر الاول كشراء نعل على ان يحذوها البائع او يشركها- ومنها ما يتضمن التوثق بالثمن كالبيع بشرط الكفيل او الرهن فيجوز ايضا لانه مقرر لمقتضى العقد وهو تسليم الثمن- فان كان الكفيل حاضرا وقت البيع وقبل الكفالة وكان المرهون معلوما وقبضه البائع بإذن المشترى تم البيع والكفالة والرهن- والا فان اتى المشترى بما شرط عليه فبها والا يؤمر بدفع الثمن فان لم يدفع الثمن خير البائع في الفسخ- واما الذي يبطل العقد فشرط ليس مما ذكرنا وفيه منفعة لاحد العاقدين او للاجنبى او للمبيع وهو من اهل الاستحقاق كبيع الحنطة بشرط ان يطحنها البائع او يتركها في داره شهرا او يوما- او ثوب على ان يخيطه البائع او جمل على ان يركبه البائع الى مراحل او على ان يبيعه المشترى من فلان- فهذه الشروط يفسد العقد لانه زيادة عارية عن العوض فهو ربوا- ومن هذا الكلام اندفع التعارض وثبت العمل باية الربوا وبالأحاديث كلها غير حديث جابر انه شرط الركوب الى المدينة- فقيل الشرط في حديث جابر وهو استثناء حملانه لم يقع في صلب العقد قال ابن همام كذا قال الشافعي- قلت ولفظ الصحيحين يأبى عن ذلك وقال مالك لا بأس بشرط يكون فيه منفعة يسيرة لاحد المتعاقدين عملا بهذا الحديث قلت العمل بهذا الحديث ليس اولى من العمل باية الربوا فالاولى ان يقال حديث جابر منسوخ لان اية الربوا من اخر آيات القران نزولا قال الشعبي عن ابن عباس اخر اية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم اية الربوا وايضا تقرر في الأصول ان المحرم والمبيح إذا تعارضا قدم المحرم على المبيح احتياطا وكيلا يلزم تكرار النسخ وامر الربوا أشد واغلظ فيحتاط فيه ما لا يحتاط في غيره قد ذكر الله تعالى الوعيد على الربوا بخمسة أوجه اولا بالتخبط حيث قال لا يقومون الّا كما يقوم الّذى يتخبّطه الشّيطن وثانيا بالخلود في النار حيث قال ومن عاد فاولئك اصحاب النّار هم فيها خلدون وثالثا بالحق حيث قال يمحق الله الرّبوا ورابعا بالكفر حيث قال وذروا ما بقي من الرّبوا ان كنتم مؤمنين وخامسا بالحرب حيث قال فان لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله- وعن عمر بن الخطاب ان اخر ما نزلت اية الربوا وان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض ولم يفسره لنا فدعوا الربوا والريبة- فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ يعنى بلغه بتبليغ الرسول صلى الله عليه وسلم

[سورة البقرة (2) : آية 276]

حرمة الربوا ونهيه عنه فَانْتَهى اى اتبع النهى فَلَهُ ما سَلَفَ اى ما تقدم اخذه قبل التحريم لا يسترد منه وما مضى من أخذ الربوا غفر له- وما في موضع الرفع بالظرف ان جعل من موصولة وبالابتداء ان جعلت شرطية على رأى سيبويه إذا الظرف غير معتمد على ما قبله وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ فيما يستقبل من المعاصي ان شاء عذبه عليها وان شاء غفر له- وقيل معناه ان الله يجازيه ان كان قد انتهى بصدق النية- وقيل معناه وامره بعد النهى الى الله ان شاء عصمه حتى يثبت على الانتهاء وان شاء خذله حتى يعود فيه وَمَنْ عادَ الى أكل الربوا او الى القول بانما البيع مثل الربوا فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (275) على التأويل الثاني ظاهر فان استحلال الحرام كفر موجب للخلود في النار واما على التأويل الاول فالخلود مجاز عن المكث البعيد كما في قوله تعالى وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها-. يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا اى يذهب بركته ويهلك المال الذي يدخل فيه- عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أحد اكثر من الربوا الا كان عاقبة امره الى قلة رواه ابن ماجة وصححه الحاكم وفي رواية له الربوا وان كثر فان عاقبته الى قل وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ اى يضاعف ثوابها ويبارك فيما أخرجت منه- قد مر حديث ابى هريرة مرفوعا ان الله يقبل الصدقة فيربيها كما يربى أحدكم فلوه الحديث- متفق عليه وعنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما نقصت صدقة من مال ومازاد الله بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله الا رفعه- رواه مسلم والترمذي وروى احمد من حديث عبد الرحمن بن عوف بلفظ- ما نقص مال من صدقة- وقد تقدم حديث الملكين النازلين كل يوم يقول أحدهما- اللهم أعط منفقا خلفا الحديث وَاللَّهُ لا يُحِبُّ اى يبغض فان مقتضى القيومية المحبة ولا ينتفى المحبة الا بعارض يوجب البغض وهو الكفر ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- الخلق عيال الله فاحب الخلق الى الله من احسن الى عياله- رواه البيهقي في الشعب عن عبد الله كُلَّ كَفَّارٍ مصر على تحليل المحرمات أَثِيمٍ (276) منهمك في الآثام. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بالله ورسله وبما جاءوا به منه وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ- أتوا بما أمرهم الله على لسان رسله وانتهوا عما نهى عنه ومنه الربوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ خصهما بعد التعميم لاظهار شرفهما

[سورة البقرة (2) : آية 278]

فانهما رأس العبادات البدنية والمالية لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من ات وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) على ما فات عنهم بعد ما أدركوا أعظم نعم الله تعالى وهو الايمان مع الأعمال الصالحة- اخرج ابو يعلى في مسنده وابن مندة من طريق الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس قال بلغنا ان بنى عمرو بن عوف الثقفي كانوا يداينون بنى المغيرة بن عبد الله بن عمير بن مخزوم وكانوا يربون فلما اظهر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم على مكة ووضع يومئذ الربوا كله فاتوا بنو عمر وبنو المغيرة الى عتاب بن أسيد وهو على مكة فقال بنو المغيرة ما جعلنا الله أشقى الناس بالربا ووضع عن الناس غيرنا فقال بنوا عمرو وصولحنا على ان لنا ربوانا فكتب عتاب في ذلك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآيتين. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا اى اتركوا بقايا ما شرطتم على الناس من الربوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) بقلوبكم فامتثلوا بما أمركم الله به فان امتثال الا وامر والنواهي دليل صدق الايمان- واخرج ابن جرير عن عكرمة انها نزلت في ثقيف اربعة اخوة منهم مسعود وعبدياليل وحبيب وربيعة بنوا عمرو بن عمير كذا قال مقاتل وقال البغوي قال السدى نزلت في العباس وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربوا الى بنى عمرو بن عمير ناس في ثقيف فجاء الإسلام ولهما اموال عظيم في الربوا فانزل الله هذه الاية فقال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في خطبته يوم عرفة- الا كل شيء من امر الجاهلية تحت قدمى موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وان أول دم أضعه من دمائنا دم ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بنى سعد فقتله هزيل وربوا الجاهلية موضوعة وأول ربوا أضعها ربوا عباس بن عبد المطلب فانها موضوعة كلها وروى مسلم في حديث جابر في قصة حجة الوداع في خطبة يوم عرفة هذه العبارة ولم يذكر ذكر نزول الاية فيه- وقال البغوي قال عطاء وعكرمة ان العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان رضى الله عنهما اسلفا في التمر فلما حضر الجذاذ قال لهما صاحب التمر ان أنتما أخذتما حقكما لا يبقى لى ما يكفى عيالى فهل لكما ان تأخذ النصف وتؤخر النصف وأضعف لكما ففعلا فلما حل الاجل طلبا الزيادة فبلغ ذلك رسول الله صلى الله

[سورة البقرة (2) : آية 279]

عليه وسلم فنهاهما وانزل الله تعالى هذه الاية فسمعا وأطاعا وأخذا رءوس أموالهما. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا اى لم تذروا ما بقي من الربوا فَأْذَنُوا قرا حمزة وابو بكر فاذنوا بالمد على وزن أمنوا وكسر الذال اى فاعلموا غيركم انكم حرب الله ورسوله- واصله من الاذن اى أوقعوا في الاذان وقرا الآخرون فاذنوا بهمزة ساكنة على وزن المجرد بفتح الذال اى اعلموا أنتم وأيقنوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ تنكير الحرب للتعظيم- قال سعيد بن جبير عن ابن عباس يقال لا كل الربوا يوم القيامة خذ سلاحك للحرب وعن ابن عباس قال- نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يشترى التمرة حتى يطعم وقال إذا ظهر الربوا في قرية فقد أحلوا بانفسهم عذاب الله رواه الحاكم وقال صحيح الاسناد وعن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من قوم يظهر فيهم الربوا الا أخذوا بالسّنة وما من قوم يظهر فيهم الرشا الا أخذوا بالرّعب رواه احمد وَرَسُولِهِ قال اهل المعاني حرب الله النار وحرب الرسول السيف- ومن ثم قال البيضاوي ذلك يقتضى ان يقاتل المربى بعد الاستتابة حتى يفىء الى امر الله كالباغى- قلت والظاهر انه ان لم يكن له منعه يجب على الامام ان يحبسه حتى يتوب وان كان له منعه لا يقدر الامام على حبسه فهو الباغي يقاتل معه حتى يفىء الى امر الله وهذا هو الحكم فيمن ترك فريضة من الفرائض كالصلوة والزكوة ونحوهما او ارتكب كبيرة من الكبائر وأصر عليها بالإعلان روى رزين عن عمر بن الخطاب في مناقب ابى بكر- انه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب وقالوا لا نؤدى زكوة فقال ابو بكر لو منعونى عقالا لجاهدتهم عليه فقلت يا خليفة رسول الله تالف الناس وارفق بهم فقال لى أجبّار في الجاهلية وخوار في الإسلام انه قد انقطع الوحى وتم الدين أينقص وأنا حي- وفي الصحيحين من حديث ابى هريرة قال ابو بكر- والله لا قاتلن من فرق بين الصلاة والزكوة فان الزكوة حق المال والله لو منعونى عناقا كانوا يؤدونها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها قال فعرفت انه الحق وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ بأخذ الزيادة عليها وَلا تُظْلَمُونَ (279) بالمطل والنقصان عن رأس المال- عن ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مطلق الغنى ظلم وإذا اتبع على ملئى فليتبع- متفق عليه قال البيضاوي يفهم منه انهم ان لم يتوبوا

[سورة البقرة (2) : آية 280]

فليس لهم ما لهم إذا المصر على التحليل مرتد وماله فيء وهو سديد على ما قلنا يعنى على قول الشافعي فان مال المرتد كله فيء عنده- واما عند ابى حنيفة رحمه الله فما اكتسبه في حال الإسلام ينتقل بعد قتله او لحوقه بدار الحرب الى ورثته المسلمين وما اكتسبه في حالة الردة كان فيا والمفهوم ليس بحجة عند ابى حنيفة على انه إذا كان لورثته لم يكن له والله اعلم قال البغوي لما نزلت هذه الاية قالت بنو عمر والمربون بل نتوب الى الله تعالى لا يدلنا بحرب الله ورسوله- فرضوا برأس المال- هذا تتمة حديث ذكره ابو يعلى قال البغوي فشكا بنوا مغيرة العسرة وقالوا أخرونا الى ان تدرك الغلات فابوا ان يؤخروا فانزل الله تعالى. وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ كان هاهنا تامة لا يقتضى الخبر يعنى ان وقع غريم ذو عسرة- وقال البغوي لم يأت لها بخبر وذلك جائز في النكرة يقول ان كان رجل صالح فاكرمه- قلت يعنى ان كان ذو عسرة غريما- قرا ابو جعفر عسرة بضم السين والباقون بالإسكان فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ اى فالحكم نظرة او فعليكم نظرة- او فليكن نظرة وهى الامهال قرا نافع بضم السين والباقون بفتحها عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يسر على معسر «1» يسر الله عليه في الدنيا والاخرة- رواه مسلم في حديث وابن حبان هكذا مختصرا وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ اكثر ثوابا من الانظار- ويحتمل ان يراد بالتصدق هو الانظار لحديث عمران ابن حصين مرفوعا لا يحل دين امر مسلم فيؤخره الا كان له بكل يوم صدقة- رواه احمد يعنى الانظار خير لكم مما تأخذون- والظاهر ان المراد بالتصدق الإبراء وهو خير واكثر ثوابا من الانظار عن ابى هريرة قال اشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم لسمعته يقول ان أول الناس يستنظل في ظل الله يوم القيامة لرجل انظر معسرا حتى يجد شيئا او تصدق عليه مما يطلبه يقول مالى عليك صدقة ابتغاء وجه الله ويحرق صحيفته- رواه الطبراني وروى البغوي في شرح السنة بلفظ من نفّس عن غريم او محى عنه كان في ظل العرش يوم القيامة- وعن عثمان بن عفان نحوه- وروى البغوي عن ابى اليسر نحوه وروى الطبراني في الكبير من حديث اسعد بن

_ (1) عن ابى بكر الصديق رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب ان يسمع الله دعوته ويفرج كربته في الدنيا والاخرة فلينظر معسرا وليدع له ومن سره ان يظله الله من قعر جهنم يوم القيامة ويجعله فى ظله فلا يكونن على المؤمنين غليظا وليكن بهم رحيما منه رحمه الله

[سورة البقرة (2) : آية 281]

زرارة- وفي الأوسط من حديثه شداد بن أوس نحوه وعن ابى قتادة- انه كان يطلب رجلا بحق فاختبى منه فقال ما حملك على ذلك قال العسرة فاستخلفه على ذلك فحلف فدعا بصكه فاعطاه إياه وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من انظر معسرا ووضع عنه أنجاه الله من كرب يوم القيامة- وروى مسلم المرفوع منه- وعن ابى مسعود قال ان الملائكة تسلقت روح رجل كان قبلكم فقالوا له هل عملت خيرا قط قال لا قالوا تذكّر قال لا الا انى رجل كنت اداين الناس فكنت امر فتياتى ان تنظروا الموسر وتتجاوزوا عن المعسر قال الله تعالى تجاوزوا عنه- رواه مسلم- وروى مسلم عن عقبة بن عامر نحوه- وفي الصحيحين عن حذيفة نحوه إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) فضل الانظار والتصدق ما شق ذلك عليكم. وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ اى يوم القيامة او يوم الموت فتاهبوا لمصيركم اليه- قرا ابو عمرو ويعقوب بفتح التاء اى تصيرون والآخرون بضم التاء وفتح الجيم على البناء للمفعول اى تردون ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ اى جزاء ما كسبت من خير او شر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281) بتنقيص ثواب او تضعيف عقاب قال ابن عباس هذه اخر اية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له جبرئيل ضعها على رأس مأتى اية وثمانين اية من سورة البقرة كذا قال البغوي وأخرجه الثعلبي من طريق السدى الصغير عن الكلبي عن ابى صالح عنه وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزولها أحد وعشرين يوما كذا قال البغوي وقيل أحد وثمانين يوما أخرجه الفرياني عن ابن عباس وقيل سبع ليال ومات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الاول حين زاغت الشمس سنة أحد عشر من الهجرة كذا أخرجه ابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير والله اعلم وان الله قد ختم الوحى باية التهديد-. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ اى تعاملتم معاملة يجب فيه دين في ذمة أحد المتعاقدين- وانما قيدنا بقولنا في ذمة أحد المتعاقدين- لانه لا يجوز بيع الكالى بالكالئ بالإجماع مستندا بحديث ابن عمر- نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه- رواه الدارقطني وهذه الاية يشتمل البيع والسلم والاجارة والقرض بل النكاح والخلع والصلح ايضا بِدَيْنٍ انما ذكره لئلا يتوهم من التداين المجازات وليكون مرجعا لضمير فاكتبوه- وهو نكرة وقع في حيز الشرط فيعم كل دين ثمنا كان او مثمنا مكيلا او موزونا او غيرهما مؤجلا كان او حالا- وبقوله

إِلى أَجَلٍ خرج منه ما كان حالا فانه لا حاجة الى كتابته غالبا مُسَمًّى اى سمى مدته بالأيام او الأشهر او السنين حتى يكون معلوما- وانما قيد به لان البيع بثمن مؤجل والسلم لا يجوز ما لم يكن الاجل معلوما فان جهالته يفضى الى المنازعة والاجل يلزم في الثمن في البيع وفي المبيع فى السلم وفي النكاح وغير ذلك الا في القرض فلا يكون لصاحب الحق الطلب قبل محله ولا لمن عليه الحق المطل بعد محله- واما في القرض فلا يلزم الاجل بالتأجيل لان الشرع اعتبره عارية كانّ المؤدّى عين المدفوع كيلا يلزم ربوا النساء- فهذه الاية بعبارته يشتمل البيع بثمن مؤجل والسلم وهو المعنى من قول ابن عباس اشهد ان السلف المضمون الى أجل مسمّى قد أحله الله في الكتاب واذن فيه قال الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ الاية- أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه على شرطهما عن قتادة عن ابى حسان الأعرج عنه ورواه الشافعي في مسنده والطبراني وابن ابى شيبة وعلقه البخاري والقياس يقتضى عدم جواز السلم لانه بيع المعدوم إذا المقصود من البيع هو المبيع والثمن انما يكون وسيلة اليه فيكفى فى الثمن وجوده الاعتباري وصفا ثابتا في الذمة واما المبيع فهو محل لورود البيع فانعدامه يوجب انعدام البيع ولهذا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس عندك- لكن ترك هذا القياس لورود النصوص بإباحته وانعقاد الإجماع عليه- عن ابن عباس قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يسلفون في التمر السنة والسنتين وربما قال والثلاث فقال من أسلف في ثمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم الى أجل معلوم- متفق عليه- وعن عبد الله بن ابى اوفى قال كنا نستسلف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وابى بكر وعمر في الحنطة والشعير والتمر والزبيب- رواه البخاري- وروى ابن الجوزي من طريق احمد سالت ابن ابى اوفى هل كنتم تسلفون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في البر والشعير والزيت قال نعم كنا نصيب غنائم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسلفها في البر والشعير والتمر والزيت فقلت عند من كان له زرع او عند من لم يكن له ذرع قال ما كنا نسئلهم عن ذلك- ثم انطلق الراوي الى ابن ابى أبزى فقال مثل ما قال ابن ابى اوفى- ولما كان جواز السلم على خلاف القياس اقتصر على مورد النص وهو المؤجل فلا يجوز السلم حالا عند ابى حنيفة ومالك واحمد وقال الشافعي يجوز حالا بالطريق الاولى او المساواة

قلنا انما أبيح على خلاف القياس لرفع حاجة الفقير العاجز حالا عن نفقة عياله القادر على المسلم فيه مالا وحاجة المشترى الى الاسترباح لعياله وهو بالسلم أسهل إذ يكون المبيع في السلم نازلا عن قيمته فى البيع غالبا وذا لا يكون الا بالتأجيل فليس الحال في معنى المؤجل- (مسئلة) اجمعوا على انه لا يجوز السلم الا فيما ينضبط في الذهن بذكر جنسه ونوعه وصفته وقدره- وعلى انه لا يجوز الا بذكر هذه الاربعة وذكر قدر الاجل حتى يتعين المبيع بقدر الإمكان ولا يقضى الى المنازعة وايضا يشترط عند الجمهور معرفة قدر رأس المال خلافا لابى يوسف ومحمد فيما إذا عين رأس المال بالاشارة- قلنا ربما يوجد بعضها زيوفا ولا يستبدل فى المجلس فلو لم يعلم قدره لا يدرى في كم بقي السلم وربما لا يقدر على المسلم فيه فيحتاج الى رد رأس المال والموهوم في هذا العقد كالمتحقق لشرعه مع المنافى- وزاد ابو حنيفة شرطا سابعا وهو تسمية مكان التسليم إذا كان لحمله مؤنة- وقال باقى الائمة مكان التسليم متعين وهو مكان العقد- وايضا زاد ابو حنيفة شرطا ثامنا وهو ان يكون المبيع موجودا من وقت العقد الى محله- وقال الجمهور لا يشترط ذلك بل يكفى وجوده عند محله- وجه قول الجمهور انه لم يرد هذا الشرط من الشرع والأصل العدم والعمومات كافية للاباحة- ووجه قول ابى حنيفة ما رواه ابو داود وابن ماجة واللفظ له عن ابن إسحاق عن رجل نجرانى قلت لعبد الله بن عمر اسلم في نخل قبل ان تطلع قال لا قلت لم قال لان رجلا اسلم في حديقة نخل فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ان يطلع النخل فلم يطلع النخل شيئا ذلك العام فقال المشترى أؤخرك حتى تطلع وقال البائع انما النخل هذه السنة فاختصما الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للبائع أخذ من نخلك شيئا قال لا قال بم تستحل ماله اردد اليه ما أخذت منه ولا تسلموا في نخل حتى تبدأ صلاحها واخرج البخاري عن ابى البختري- سالت ابن عمر عن السلم في النخل قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع النخل حتى يصلح وعن بيع الورق نسأ بناجز- وسالت ابن عباس عن السلم في النخل قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع النخل حتى يؤكل- قلت وذلك الحديث فيه رجل نجرانى مجهول وابن إسحاق مختلف فيه والآثار لا يصلح حجة لكن قول ابى حنيفة أحوط في

عقد شرع مع المنافى (مسئلة) اتفقوا على جواز السلم في المكيلات والموزونات والمزروعات التي تنضبط فيجوز السّلم في هذه الديار في ثوب غليظ يكون في عرضه ثلاثمائة او اربعمائة او خمسمائة خيطا فانه قلما يتفاوت تلك الثوب ولا يجوز في غير مثل ذلك من الأثواب- وفي المعدودات التي لا يتفاوت احادها كالجوز والبيض الا في رواية عن احمد- واختلفوا في المعدودات المتفاوتة كالرمان والبطيخ فقال ابو حنيفة لا يجوز فيه السلم لا وزنا ولا عددا وهذا في ديار يباع فيها البطيخ عددا واما في ديارنا فيباع وزنا فيجوز وقال مالك يجوز مطلقا- وقال الشافعي- يجوز وزنا- وهو رواية عن احمد- (مسئلة) لا يجوز السلم في الحيوان عند ابى حنيفة ويجوز عند الثلاثة احتجوا بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ان رسول الله صلى الله عليه وسلم امره ان يجهّز جيشا فنفدت الإبل فامره ان يأخذ على قلائص الصدقة وكان يأخذ البعير بالبعيرين الى ابل الصدقة- رواه ابو داود عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن ابى حبيب عن مسلم بن جبير عن ابى سفيان عن عمرو بن حريش عنه- ورواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم وقال ابن القطان هذا حديث ضعيف مضطرب الاسناد فرواه حماد بن سلمة هكذا ورواه جرير بن حازم عن ابن إسحاق فاسقط يزيد ابن ابى حبيب وقدم أبا سفيان على مسلم بن جبير- قلت كذا ذكر ابن الجوزي في التحقيق ورواه عفان عن حماد بن سلمة فقال فيه عن ابن إسحاق عن يزيد بن ابى حبيب عن ابى حبيب عن مسلم عن ابى سفيان عن عمرو بن حريش- ورواه ابو بكر بن ابى شيبة عن عبد الأعلى فاسقط يزيد بن ابى حبيب وقدم أبا سفيان كما فعل جرير بن حازم وقال مكان مسلم بن جبير مسلم بن كثير ومع هذا الاضطراب فعمرو بن حريش مجهول الحال ومسلم بن جبير لم أجد له ذكرا وابو سفيان فيه نظر- وقال الشيخ ابن حجر ابن إسحاق قد اختلف فيه لكن أورده البيهقي في السنن وفي الخلافيات من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وصححه قلت ورواه ابن الجوزي- قلت هذا الحديث معارض بما ذكرنا من قبل من حديث سمرة وابن عباس وجابر انه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسية فيقدم المحرم على المبيح كما ذكرنا ثمه- واحتج ابو حنيفة على عدم جواز السلم في الحيوان بما أخرجه الحاكم والدارقطني عن إسحاق بن ابراهيم بن حوتا

حدثنا عبد الملك الذمارى حدثنا سفيان الثوري عن معمر عن يحيى بن ابى كثير عن عكرمة عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن السلف في الحيوان وقال الحاكم صحيح الاسناد ولم يخرجاه- قال ابن الجوزي قال ابو ذرعة عبد الملك الذمارى منكر الحديث- وقال الرازي ليس بالقوى ووثقه العلاس واما إسحاق بن ابراهيم فمجهول- قلت لعل الحاكم عرف إسحاق حتى حكم بصحة الحديث والظاهر ان الحديث حسن قال ابن همام تضعيف ابن معين ابن حوتا فيه نظر بعد تعدد ما ذكر من الطرق الصحيحة والحسان مما هو بمعناه يرفعه الى الحجية بمعناه- وفي الباب اثر ابن مسعود رواه ابو حنيفة عن حماد بن ابى سليمان عن ابراهيم قال دفع عبد الله بن مسعود الى زيد بن خويلة البكري مالا مضاربة فاسلم زيد الى عريس بن عرقوب الشيباني فى قلائص فلما حلت أخذ بعضها وبقي بعض فاعسر عريس وبلغه ان المال لعبد الله فاتاه يسترفقه فقال عبد الله افعل زيد فقال نعم فارسل اليه يسئله فقال عبد الله اردد ما أخذت وخذ رأس مالك ولا تسلمن ما لنا في شيء من الحيوان- قال صاحب التنقيح فيه انقطاع يعنى بين ابراهيم وعبد الله فانه انما يروى بواسطة علقمة او الأسود- قال ابن همام هذا غير قادح عندنا خصوصا فى إرسال ابراهيم النخعي- قلت لو صح هذا الحديث انه صلى الله عليه وسلم نهى عن السلف في الحيوان لكان سندا لابى حنيفة في خلافية اخرى وهو انه لا يجوز قرض الحيوان عنده خلافا لمالك والشافعي واحمد احتجوا على جواز فرض الحيوان بحديث ابى رافع ان النبي صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكرا فاتاه ابل من ابل الصدقة فقال أعطوه فقالوا لا نجد الا رباعيا خيارا قال أعطوه فان خير الناس أحسنهم قضاء رواه مسلم وحديث ابى هريرة- كان لرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حقّا فاغلظ له فهم له أصحابه فقال دعوه فان لصاحب الحق مقالا فقال لهم اشتروا سنّا فاعطوه إياه فقالوا انا لا نجد سنّا الا خيرا من سنه قال اشتروه وأعطوه فان خيركم أحسنكم قضاء- متفق عليه وجه قول ابى حنيفة في عدم جواز القرض فى الحيوان انه لا ينضبط فلا يجوز قرضه كما لا يجوز جعله ثمنا في البيع نسية والسلم فيه- وهذا التعليل في مقابلة الحديثين الصحيحين غير مقبول ما لم يصح حديث النهى عن السلف في الحيوان فان السلف يعم السلم والقرض فان صح حديث ابن عباس يجب تقديم المحرم

على المبيح والا فما ثبت عن رسول الله من استقراض البكر يقتصر على مورده ولا يقاس عليه غيره من الحيوانات لانه معدول عن سنن القياس فان قيل ان كان الحيوان غير منضبط ولا يجوز ثبوته في الذمة فلم جوزتم النكاح والخلع على عبد او امة او فرس وأوجبتم فيه الوسط- قلنا هاهنا قياسين قياس على البيع حيث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيع نسية وقياس على الدية حيث أوجب فيها الإبل فقلنا ما كان فيه مبادلة مال بمال لا بد فيه كمال الانضباط وذلك كالبيع والاجارة والصلح عن الإقرار بمال- وما كان فيه مبادلة مال بغير مال كالنكاح والخلع والصلح عن دم عمد والصلح عن انكار لا يشترط فيه كمال الانضباط فيجوز فيه ذلك قياسا على الدية- ومن ثم اجمع المسلمون على ان غرة جنين الحرة عبد او امة وليس ذلك في غرة جنين الامة بل فيه دراهم او دنانير عشر قيمة الجنين او نصفه عند ابى حنيفة- ونصف عشر قيمة أم الجنين عند غيره وفي غرة البهائم ما نقص أم الجنين- ووجه الفرق ان في مبادلة المال بالمال يجرى المشاجرة والمماكسة عادة غالبا دون في مبادلة ما ليس بمال بمال فان المال فيه بمنزلة الصلة- ولعل الإبل في تلك البلاد بعد رعاية السن وغيره من الأوصاف تكون قليل التفاوت والتفاوت القليل مفتقر ضرورة والله اعلم- واعلم ان القياس يقتضى عدم جواز القرض مطلقا لانه ان كان في الدراهم او الدنانير يلزم النسية في الصرف وان كان في غيرهما يلزم بيع المعدوم ويلزم ربوا النسية ايضا في بعض المواد ولما ثبت بالنصوص والإجماع جواز الاقراض لاجل الضرورة قال العلماء في توجيه تصحيحه ان الشرع اعتبر القرض عارية كانّ المستقرض استعار مال الغير للانتفاع به ولمّا كان من الأموال ما لا يمكن الانتفاع به الا بالاستهلاك كالدراهم والدنانير والطعام وكان دفعه بعد الانتفاع به غير ممكن اعطى الشرع لمثله حكم عينه فمن ادى القرض بمثله كان كمن دفع المأخوذ بعينه ولاجل ذلك لا يلزم الاجل في القرض كما لا يلزم في العادية فان للمعير استرداد ماله من المستعير متى شاء فكلما يمكن فيه ذلك التوجيه قلنا بجواز الاقراض فيه ومالا فلا- وإذا تمهد هذا فنقول لا يتصور الاقراض الا في الدراهم والدنانير وما كان مثليا ينتفع به بالاستهلاك كالطعام واما ما كان باقيا بعد الانتفاع به كالثوب والدابة والعبد والامة والدار ونحو ذلك فلا يتصور ذلك التوجيه فيه إذ مع بقاء عين المدفوع الى المستقرض

عنده لا يمكن اعتبار مثله عينه بل حينئذ ان اعطى المالك ماله لغيره للانتفاع به يجب على المعطى له رد عين المأخوذ الى المعطى فيكون ذلك عارية حقيقة ومن ثم قال ابو حنيفة لا يجوز قرض الحيوان والثياب والإماء والعبيد وغير ذلك واختلف في بعضها- واجمعوا على عدم جواز اقراض الامة للوطى- (مسئلة) ان اهدى المستقرض الى المقرض شيئا او حمله على دابته او اسكنه في داره ولم يكن ذلك عادة بينهما او اعطى اكثر مما أخذ منه او أجود هل يحل ذلك للمقرض أم لا- فقال ابو حنيفة ومالك واحمد لا يحل له ذلك بل يكره وان لم يشترط- وقال الشافعي ان كان بغير شرط جاز وان كان بشرط لم يجز- احتج الجمهور بحديث انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اقرض أحدكم قرضا فاهدى اليه طبقا فلا يقبله او حمله على دابة فلا يركبها الا ان يكون بينه وبينه قبل ذلك- رواه ابن ماجة والبيهقي ورواه البخاري في التاريخ بلفظ فلا يأخذ هدية وعن سالم بن ابى الجعد قال جاء رجل الى ابن عباس فقال انى اقترضت رجلا يبيع السمك عشرين درهما فاهدى الىّ سمكة قومتها ثلاثة عشر درهما فقال خذ منه سبعة دراهم رواه ابن الجوزي- وعن عبد الله بن سلام إذا كان لك على رجل حق فاهدى إليك حمل تين او حمل شعيرا وحمل قت فلا تأخذه فانه ربوا- رواه البخاري وعن على رضى الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قرض جر منفعة رواه الحارث بن اسامة في مسنده وفي اسناده سوار بن مصعب متروك ورواه البيهقي في المعرفة عن فضالة بن عبيد موقوفا بلفظ كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربوا- ورواه البيهقي فى السنن الكبير عن ابن مسعود وابى بن كعب وعبد الله بن سلام وابن عباس موقوفا عليهم واحتج الشافعي بما مر من حديث ابى رافع وابى هريرة- قالوا انا لا نجد الا سنا هو خير من سنة قال أعطوه فان خيركم أحسنكم قضاء- ويؤيد قول الشافعي حديث عائشة انها قالت- سالت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمير والخبز يقرضه الجيران فيردون اكثر او اقل فقال- ليس بذلك بأس انما هو امر يترافق بين الجيران وليس يراد به الفضل- وعن معاذ بن جبل انه سئل عن استقراض الخمير والخبز فقال سبحان الله هذا مكارم الأخلاق فخذ الصغير وأعط الكبير وخذ الكبير واعط الصغير خيركم أحسنكم قضاء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك- رواهما ابن الجوزي لكن يمكن ان يقال المساهلة والمهاداة جارية بين الجيران والخلاف فيما لم يجر بينه وبينه ذلك- و

هذين الحديثين حجة للجمهور في جواز اقراض الخبز والخمير فقيل يجوز اقراضها عددا وقيل وزنا وقال ابو حنيفة- لا يجوز والله اعلم فَاكْتُبُوهُ اى اكتبوا الذي تداينتم به لانه أوثق وادفع للنزاع- والجمهور على انه امر استحباب فان تركت فلا بأس به كقوله تعالى فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا- وقال بعضهم هى واجبة- وقال الشعبي- كانت كتابة الدين والاشهاد او الرهن فرضا ثم نسخ الكل بقوله تعالى فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ- قلت الناسخ ما يكون متراخيا في النزول وهذا ليس كذلك بل الآيتين نزلتا معا فهو قرينة دالة على كون الأمر بالكتابة ونحوها للاستحباب وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ يكتب برعاية حقوق الطرفين لا يزيد ولا ينقص امر للكاتب بالعدل وذلك امر وجوب ويتضمن ذلك امرا للمتداينين باختيار كاتب فقيه متدين وَلا يَأْبَ اى لا يمتنع كاتِبٌ من يعلم الكتابة أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ مثل ما علّمه من كتبة الوثائق - او لا يأب ان ينفع غيره بكتابته كما نفعه الله بتعليمها كقوله تعالى أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ- فَلْيَكْتُبْ تلك الكتابة المعلمة- امر بها بعد النهى عن الإباء بها تأكيدا- ويجوز ان يكون كما علّمه متعلقا به فيكون الأمر بالكتابة مطلقا في ضمن النهى عن الإباء عنها ثم الأمر بها مقيدة- واختلفوا في وجوب الكتابة على الكاتب وتحمل الشهادة على الشاهد- فقال مجاهد بوجوبها إذا طولب- وقال الحسن بوجوبها إذا تعين نهما يعنى واجب على الكفاية وقال الضحاك- كانت واجبة على الكاتب والشاهد فنسخها قوله تعالى وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وفيه ما ذكرنا فيما قبل وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ- والإملال والاملاء لغتان فصيحتان بمعنى واحد- يعنى ليكن الممل «1» على الكاتب المديون لان إقراره حجة عليه بخلاف الدائن فان قوله لا يعتد به ما لم يقربه المديون او يحكم به الحاكم بعد ثبوت شرعى وَلْيَتَّقِ المملل او الكاتب اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ اى لا ينقص من الحق الذي عليه او مما املى عليه المديون شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً ناقص العقل مبذرا ويدخل فيه المجنون والمعتوه أَوْ ضَعِيفاً اى صغيرا او شيخا كبيرا اختل عقله وقيل هو ضعيف العقل «2» لصغر أو عته او جنون أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ لخرس اوعى او جهل باللغة او حبس او مرض

_ (1) فى الأصل المملى (2) فى الأصل ضعيف عقل-

او غيبة لا يمكنه حضور الكاتب او كانت امراة مخدرة لا تستطيع حضور الكاتب فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ اى الذي يليى امره من ولى الصبى او الذي اختل عقله او الوكيل او المترجم- قال البغوي قال ابن عباس ومقاتل أراد بالولى صاحب الحق يعنى ان عجز من عليه الحق من الإملال فليملل ولى الحق وصاحب الدين بِالْعَدْلِ لا يزيد على حقه لانه اعلم بالحق واولى من غيرهما للاملال فان قيل ايّ فائدة في املال الدائن مع ان قوله ليس ملزما على غيره قلنا فائدة الكتابة ان لا ينسى العاقد ان قدر الثمن او قدر رأس المال او المسلم فيه او الاجل او نحو ذلك لا ان يكون حجة فان الحجة انما هو الشهود- وَاسْتَشْهِدُوا اى اطلبوا ان يشهد المداينة شَهِيدَيْنِ اثنين مِنْ رِجالِكُمْ اى من المسلمين الأحرار فانهم هم المخاطبون بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ والمداينة غالبا لا يكون إلا بين الأحرار فلا يجوز عندنا شهادة الصبى لانه ليس برجل وبه قال مالك والشافعي واحمد وعامة العلماء- وفي رواية عن مالك يقبل في الجراح إذا كانوا مجتمعين لامر مباح قبل ان يتفرقوا- ويروى ذلك عن ابن الزبير والوجه لعدم قبول شهادتهم نقصان العقل والتميز فلا يجوز شهادة المجنون والمعتوه ايضا وعليه انعقد الإجماع لانه في معنى الصبى بل اولى لعدم القبول- ولا يجوز شهادة العبد عندنا وبه قال مالك والشافعي- وقال احمد تقبل شهادة العبد على الأحرار والعبيد- وهو قول انس بن مالك وبه قال إسحاق وداود- قال البخاري في صحيحه قال انس شهادة العبد جائزة إذا كان عدلا واجازه شريح وزرارة بن ابى اوفى- وقال ابن سيرين شهادته جائزة الا العبد لسيده- واجازه الحسن وابراهيم وقال شريح كلكم بنوا عبيد وإماء- الى هاهنا لفظ البخاري ولا يجوز شهادة كافر على مسلم اجماعا- وكذا لا يجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض عند مالك والشافعي واحمد لانه فاسق قال الله تعالى وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ- وعند ابى حنيفة يجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض وان اختلف ملتهم لان الذمي من اهل الولاية بخلاف العبد بدليل ولاية الذمي على أولاده الصغار وقال الله تعالى بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وبدليل مالكيته وكفره فسق في نفس الأمر واما في زعمه فديانة والكذب حرام في الأديان كلها- وقال ابن ابى ليلى وابو عبيدة مع اختلاف الملة لا تقبل شهادتهم

كشهادة اليهودي على النصراني- قال البيضاوي قوله تعالى مِنْ رِجالِكُمْ دليل على اشتراط الإسلام قلت الخطاب مع المؤمنين فالاية لا تدل على اشتراط سلام الشهود الا إذا كان المشهود عليه مؤمنا- واحتج ابن الجوزي بحديث ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يرث ملة ملة ولا يجوز شهادة اهل ملة على ملة الا أمتي فانه يجوز شهادتهم على من سواهم رواه الدارقطني وابن عدى- وهذا الحديث لو صح لكان حجة لابن ابى ليلى ولا يكون حجة لاحمد- وقال ابو حنيفة الكفر ملة واحد قال الله تعالى فَمِنْهُمْ «1» مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وحينئذ يكون حجة لابى حنيفة ايضا- لكن الحديث ضعيف في سنده عمر بن راشد قال الدارقطني ضعيف واحتج ابو حنيفة بحديث جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة اهل الكتاب بعضهم على بعض رواه ابن ماجة- وعنه قال- جاءت اليهود برجل وامراة منهم زنيا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لليهود ما يمنعكم ان تقيموا عليهما الحد فقالوا كنا نفعل إذا كان الملك لنا فلما ان ذهب ملكنا فلا نجترئ على الفعل فقال لهم ايتوني بأعلم رجلين منكم- فاتوه بابني صوريا فقال لهما أنتما اعلم من ورائكما قالا يقولون قال انشد كما بالله الذي انزل التورية على موسى كيف تجدون حدهما في التورية فقالا إذا شهد اربعة انهم راوا يدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة رجم- فقال ايتوني بالشهود فشهد اربعة فرجمهما النبي صلى الله عليه وسلم- رواه ابو داود وإسحاق بن راهويه وابو يعلى الموصلي والبزار والدارقطني- ورواه الطحاوي بلفظ قال عليه الصلاة والسلام تأتونى باربعة منكم يشهدون وهذان «2» الحديثان لجابر كلاهما ضعيفان تفرد به مجالد بن سعيد قال احمد- هو ليس بشيء- وقال يحيى- لا يحتج بحديثه- فَإِنْ لَمْ يَكُونا اى الشهود رَجُلَيْنِ اى لم؟؟ تشهادهما فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ اى فليستشهد رجل وامرأتان- واشتراط عدم تيسر رجلين للاستشهاد بالمرأتين مع الرجل يشعر كونهما بدلا من الرجل وان الأصل عدم الاستشهاد بهن فلشبهة البدلية لا يجوز شهادة النساء فيما يندرىء بالشبهات من الحدود والقصاص اجماعا- ويؤيده ما روى ابن ابى شيبة حدثنا حفص عن حجاج عن الزهري قال مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين بعده انه لا يجوز شهادة النساء في الحدود والدماء انتهى- وهذا مرسل والمرسل عندنا حجة وتخصيص

_ (1) فى الأصل منهم-[.....] (2) فى الأصل وهذين الحديثين

الخليفتين يعنى أبا بكر وعمر لانهما اللذان كان معظم تقرير الشرع وانعقاد الإجماعات في زمانهما وبعدهما ما كان من غيرهما الا الاتباع وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتدوا بالذين من بعدي ابى بكر وعمر رواه الترمذي عن حذيفة- قال الشيخ ابن حجر روى عن مالك عن عقيل عن الزهري كما رواه ابن ابى شيبة وزاد ولا في النكاح ولا في الطلاق- ولا يصح هذا عن مالك وقال الشافعي ومالك لا يجوز شهادة النساء الا في الأموال خاصة وتوابعها كالاذن وشرط الخيار والشفعة والاجارة وقتل الخطاء وكل جرح لا يوجب الا المال لا في النكاح والطلاق والوكالة والوصية والعتق والرجعة والنسب ونحو ذلك- وقال ابو حنيفة يجوز شهادة رجل وامرأتين في الحقوق كلها سوى الحدود والقصاص- وجه قولهم ان قبول شهادة رجلين او رجل وامرأتين امر تعبدى على خلاف القياس لانه من باب خبر الآحاد لا يفيد اليقين بصدق المدعى وكذب الاخر فكيف يرجب الزام المدعى عليه دعوى المدعى مع احتمال صدقه وكذب الشهود فيقتصر على مورد النص وهو الأموال كيف وقد قال الله تعالى في الرجعة واشهدوا ذوى عدل منكم- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نكاح الا بولي «1» وشاهدى عدل رواه الدارقطني عن عائشة وابن مسعود وابن عمر وابن عباس نحوه- بخلاف رواية الحديث فانه ليس هناك الزام بل المسلمون ملتزمون احكام الله تعالى طالبون العلم به يلتمسون طرقه- فاذا وصل إليهم حكم بطريق قطعى اعتقدوه وعملوا به وان وصل إليهم بطريق ظنى بحيث لم يترتب عليه العلم اليقيني عملوا به رجاء للثواب او خوفا عن العذاب ما لم يعارضه حكم اخر بطريق أقوى منه وهذا امر يقتضيه العقل وايضا ثبت وجوب العمل بأحاديث الآحاد بالنصوص القطعية والإجماع ولهذا لا يشترط في الرواية

_ (1) (فائدة) اجمع العلماء على اشتراط الإعلان في النكاح لكن قال أكثرهم يحصل الإعلان بشهادة رجلين- وقال مالك لا يحصل- فلما ثبت اشتراط الإعلان بالإجماع جاز به الزيادة على الكتاب وهو قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم- وقوله تعالى وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ- منه قدس سره فائدة- قال احمد- لم يثبت في الشهادة في النكاح شيء وكذا قال ابن المنذر فان قيل إذا لم يثبت في اشتراط الشهادة في النكاح شيء فما وجه القول بكون الشهادة شرطا في النكاح قلت قد صح قوله صلى الله عليه وسلم أعلنوا النكاح- رواه احمد وابن حبان والحاكم في المستدرك والطبراني وابو نعيم في الحلية من حديث ابن الزبير والترمذي من حديث عائشة وحسنه فقال ابو حنيفة ومن معه في اشتراط الشهود في النكاح ان الا علان لما كان شرطا في النكاح يعتبر فيه ما هو طريق الظهور شرعا وذلك بشهادة شاهدين فان مع شهادتهما لا يبقى سرا وذلك ادنى مراتب الإعلان إذ لاحد لاقصاه قال الكرخي نكاح السر ما لم يحضره شهود فاذا حضروا فقد علن- وقال مالك الا علان قد يحصل بالدف وبالأخبار بعد النكاح ويفوت الإعلان إذا اشهد رجلين على النكاح ثم قيل لهما لا تخبرا بهذا النكاح أحدا- قلت بعد النكاح انما هى حالة البقاء ولا يشترط الإعلان في حالة البقاء اجماعا ولا ينفسخ النكاح بعد الانعقاد بالكتمان والإنكار- والضرب بالدف انما يوجب الإعلان بعد الانعقاد- ولذا شرطنا حضور الشاهدين وسما عهما سعا الإيجاب والقبول عن العاقدين حتى يثبت الإعلان في حال الانعقاد- منه رحمه الله

ما يشترط في الشهادة من الحرية والذكورة والعدد- ووجه قول ابى حنيفة- ان قبول الشهادة وان كان امرا تعبديا على خلاف القياس لكنه جار في جميع الحقوق اجماعا ماليا كان او لا- وهذه الاية لما اثبت جواز قبول شهادة النساء في الأموال بالعبارة أثبتت في غير ذلك من الحقوق بالدلالة بالطريق الاولى او المساوى- لان قبول الشهادة مطلقا انما شرع صيانة لحقوق الناس من الأموال والاعراض والإيضاع وصيانة الابضاع والاعراض اولى من صيانة الأموال او مثله قال عليه الصلاة والسلام في خطبته يوم عرفة ويوم النحر في حجة الوداع ان دماءكم وأموالكم واعراضكم حرام- الحديث في الصحيحين وغيرهما وقال حرمة مالكم كحرمة دمكم- وقال عليه الصلاة والسلام من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد ومن قتل دون اهله فهو شهيد- رواه احمد وابن حبان عن سعيد بن زيد وانما قلنا بعدم جواز شهادة النساء في الحدود ونحوها لوجوب اندرائها بالشبهات ولا كذلك النكاح وغير ذلك- وقوله وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ- لا يدل على عدم قبول شهادة النساء والزيادة على النص بدلالة نص اخر جائز اجماعا- واما حديث لا نكاح الا بولي وشاهدى عدل- فليس بصحيح اما حديث عائشة ففيه محمد بن يزيد بن سنان عن أبيه قال احمد وعلى ضعيف وقال يحيى ليس بثقة وقال النسائي متروك الحديث وقال الدارقطني هو وأبوه ضعيفان وفي طريقة الاخر نافع بن ميسر ابو خطيب مجهول- واما حديث ابن عباس فقيه النهاش قال يحيى ضعيف وقال ابن عدى لا يساوى شيئا- واما حديث ابن مسعود ففيه بكر بن بكار قال يحيى ليس بشيء وايضا فيه عبد الله بن محرز قال الدارقطني متروك واما حديث ابن عمر فيه ثابت بن زهير منكر الحديث أحاديثه يخالف الثقات خرج عن جملة من يحتج به كذا قال ابو حاتم وابن عدى وابن حبان- (مسئلة) بهذه الاية يحتج ابو حنيفة على انه لا يجوز الحكم بشاهد واحد مع يمين المدعى في الأموال كما لا يجوز فى غيرها بالإجماع- والجمهور يجوزون في الأموال دون غيرها محتجين بما روى عن رسول صلى الله عليه وسلم انه قضى باليمين مع الشاهد- رواه ابن الجوزي من حديث جابر وعليّ وقال وقد روى هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب وابن عباس وابو هريرة وابن عمر وزيد بن ثابت وابو سعيد الخدري وسعد بن عبادة وعامر ابن ربيعة وسهل بن سعد وعمارة وعمرو ابني حزم والمغيرة بن شعبة وبلال بن الحارث وسلمة بن قيس وانس بن مالك وتميم الداري وزينب بنت ثعلبة وبيرق- قلت الحديث جابر فرواه احمد والترمذي وابن ماجة والبيهقي والطحاوي من حديث عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عنه قال الترمذي ورواه الثوري وغيره

يعنى مالكا «1» عن جعفر عن أبيه مرسلا وهو أصح ورواه الدارقطني عن أبيه عن على عليهم السلام بلفظ ان النبي صلى الله عليه وسلم قضى بشاهد واحد ويمين صاحب الحق- وهو منقطع قال الدارقطني في العلل كان جعفر ربما أرسله وربما وصله وقال الشافعي والبيهقي عبد الوهاب وصله وهو ثقة قلت قال الذهبي اختلط في اخر عمره- واما حديث ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد- أخرجه ابو داود والطحاوي وحسنه الترمذي وقال الطحاوي حديث منكر لانه من رواية قيس بن سعد عن عمرو بن دينار ولا نعلمه يحدث عن عمرو بن دينار بشىء- واما حديث ابى هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين- رواه الشافعي واصحاب السنن وابن حبان وقال ابن ابى حاتم عن أبيه هو صحيح وهذا الحديث رواه سهيل بن ابى صالح عن أبيه وسمعه منه ربيعة ابن ابى عبد الرحمن ثم اختلط حفظه بشيخه فكان يقول أخبرني ربيعة انى أخبرته عن ابى عن ابى هريرة- ذكر هذه القصة الشافعي والطحاوي عن الدراوردي- وروى هذا الحديث البيهقي من حديث مغيرة بن عبد الرحمن بن الزياد عن الأعرج عن ابى هريرة ونقل عن أحمد أن حديث الأعرج ليس في الباب أصح منه وروى الطحاوي عن سهيل بن ابى صالح عن أبيه عن زيد بن ثابت نحوه- وقال الطحاوي- منكر لان أبا صالح لا يعرف وله رواية عن زيد وفيه عثمان بن الحكم شيخ عبد الله بن وهب ليس بالذي يثبت مثل هذا بروايته- قلت قال الذهبي عثمان بن الحكم الجرامى شيخ لابن وهب قال ابو حاتم ليس بالمتين- قال ابو حنيفة- هذا الحديث لو صح فهو حديث احاد لا يجوز به الزيادة على الكتاب مع انه معارض بما هو أقوى منه روى الشيخان في الصحيحين عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو ان الناس اعطوا بدعواهم لادعى ناس من الناس دماء ناس وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه- ورواه البيهقي بلفظ ولكن البيّنة على المدعى واليمين على من أنكر- وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه- رواه الدارقطني والترمذي- وحديث وائل بن حجر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للمدعى بينتك فقال ليس لى بينة قال يمينه قال إذا يذهب بها يعنى بالأرض قال ليس الا ذلك- رواه الطحاوي بطرق- وجه التعارض ان النبي صلى الله عليه وسلم جعل جنس اليمين على المدعى عليه وليس سوى الجنس شىء يرد على المدعى- وايضا القسمة بين المدعى والمدعى عليه بالبينة واليمين ينافى الشركة قال الطحاوي وما رويتم انه صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين يحتمل ان يكون مراده كما ذكرتم من يمين المدعى مع شاهد واحد ليحكم له ويجوز ان أريد به يمين المدعى عليه يعنى لما يقم المدعى على دعواه الا شاهدا واحدا فلم يعتد به

_ (1) فى الأصل مالك-

النبي صلى الله عليه وسلم واستحلف المدعى عليه ليحكم له فروى ذلك ليعلم الناس ان المدعى يجب له اليمين بمجرد الدعوى لا كما قيل لانه لا يجب له اليمين ما لم يقم بينة انه كانت بينه وبين المدعى عليه خلط ولبس- ويحتمل ان يكون الشاهد الذي شهد وحده خزيمة الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم ذا الشهادتين- قلت وهذا التأويل الثاني بعيد جدا- قلت وعندى تأويل اخر وهوان اللام في الشاهد واليمين للعهد اى بالشاهد المعهود في الشرع وهو رجلين او رجل وامرأتين من المدعى وباليمين المعهود على المنكر- او للجنس كما في حديث البينة للمدعى واليمين على من أنكر يعنى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشاهد واليمين لا بشىء اخر من الوحى وغير ذلك- وتأويل آخر أن اللام للجنس والمراد باليمين يمين الشاهد يعنى قضى بالشاهد مع يمينه والمراد باليمين قوله اشهد فان لفظة اشهد من صيغ اليمين ويشترط لقبول الشهادة لفظة اشهد وهذه التأويلات وان كانت بعيدة لكن يرتكب مثلها لدفع تعارض النصوص والله اعلم والتحقيق ان المسألة مبنية على خلافية اصولية انه يجوز الزيادة على الكتاب بخبر الآحاد عندهم لا عنده والله اعلم- ((مسئلة)) اجمعوا على انه يجوز شهادة النساء وحدهن فيما لا يطلع عليه الرجال كالولادة والبكارة وعيوب النساء ثم اختلفوا فقال ابو حنيفة يكفى هناك شهادة امراة واحدة حرة مسلمة عادلة والثنتان أحوط- وقال مالك لا بد من ثنتين- وقال الشافعي لا بد من اربع لانه أقيمت شهادة امرأتين مقام رجل واحد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أليس شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل- ووجه قول مالك ان المعتبر في الشهادة العدد والذكورة لكن الذكورة سقطت للضرورة فبقى العدد لنا ما رواه محمد بن الحسن عن ابى يوسف عن غالب بن عبد الله عن مجاهد عن سعيد بن المسيب وعطاء بن رياح «1» وطاؤس قالوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة النساء جائزة فيما لا يستطيع الرجال النظر اليه- وهذا مرسل يجب العمل به وجه الاحتجاج ان اللام للجنس لعدم العهد فيصح بواحدة والأكثر احسن- وروى عبد الرزاق عن ابن جريح عن الزهري قال مضت السنة انه يجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال من ولادات النساء وعيوبهن- ورواه ابن ابى شيبة- وروى عبد الرزاق عن ابن عمر قال لا يجوز شهادة النساء وحدهن الا ما لا يطلع عليه الا هن من عورات النساء- وله مخارج اخرى- وعن حذيفة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة قابلة- رواه الدارقطني من حديث محمد بن عبد الملك عن الأعمش قال الدارقطني هو لم يسمع من الأعمش بينهما رجل مجهول- مِمَّنْ تَرْضَوْنَ- يعنى من كان غير متهم في شهادته بالفسق او قلة المروة او العداوة الدنيوية

_ (1) ابى رباح-

بينه وبين المشهود عليه او القرابة بينه وبين المشهود له- فلا يقبل شهادة الفاسق اجماعا لان العدالة شرط في الرواية حيث قال الله تعالى إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا- ففى الشهادة بالطريق الاولى والعدالة هو إتيان الواجبات والاجتناب عن الكبائر وترك الإصرار على الصغائر- وفي تفسير الكبائر كلام وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكبائر الشرك بالله- والسحر- وقتل النفس- وأكل الربوا- وأكل مال اليتيم- والتولي يوم الزحف- وقذف المؤمنات المحصنات في المتفق عليه عن ابى هريرة وعقوق الوالدين- واليمين الغموس عند البخاري عن عبد الله بن عمر وشهادة الزور في المتفق عليه عن انس وابى بكرة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أنبئكم بأكبر الكبائر قال الشرك وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس وقال الا وقول الزور الا وشهادة الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت وقال عليه السلام لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن الحديث فذكر نحوه- السرقة- وشرب الخمر والنهبة- والغلول رواه البخاري عن ابى هريرة وقال عليه الصلاة والسلام اربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر متفق عليه عن عبد الله بن عمرو وفي المتفق عليه عن ابى هريرة ثلاث فذكر إذا وعدا خلف بدل الأخيرين وقيل الكبيرة ما فيه حد وقيل ما ثبت حرمته بنص القران- وقيل ما كان حراما بعينه كاللواطة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذى غمر على أخيه ولا يجوز شهادة القانع لاهل البيت ويجوز شهادته لغيرهم- والقانع الذي ينفق عليه اهل البيت رواه احمد وابو داود وابن ماجة وابن دقيق العبد والبيهقي وزاد ابو داود بعد قوله ولا خائنة ولا زان ولا زانية- قال ابن الجوزي فيه محمد بن راشد ضعيف- وقال في التنقيح- وثقه احمد بن حنبل- وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا مجلود حدا ولا ذى غمر لاخيه يعنى ذى عداوة ولا قانع لاهل البيت لهم ولا ظنين في ولاد ولا قرابة رواه الترمذي والدارقطني والبيهقي من حديث يزيد بن زياد الدمشقي وهو ضعيف وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لا يجوز شهادة الوالد لولده ولا الوالدة ولا المرأة لزوجها ولا الزوج لامراته ولا العبد لسيده ولا السيد لعبده ولا الشريك لشريكه في الشيء بينهما ولكن في غيره ولا الأجير لمن استأجر- رواه الخصاف بسنده-

((مسئلة)) قال ابو حنيفة يقتصر الحاكم في العدالة على ظاهر صلاحه ولا يسئل عن حاله الا إذا طعن فيه الخصم- وقال ابو يوسف ومحمد لا بدان يسئل عنهم سرا وعلانية طعن الخصم او لا- وبه قال الشافعي واحمد وقال مالك من كان مشهورا بالعدالة لا يسئل عنه ومن عرف جرحه ردت شهادته ويسئل إذا شك- احتج ابو حنيفة بقوله صلى الله عليه وسلم- المسلمون عدول بعضهم على بعض الا محدودا في قذف- رواه ابن ابى شيبة- وعن عمر بن الخطاب انه كتب لابى موسى الأشعري وفيه المسلمون عدول بعضهم على بعض الا مجلودا في قذف او مجربا في شهادة زورا وظنينك في ولاء او قرابة- رواه الدارقطني من طريق فيه عبد الله ابو حميد وهو ضعيف ومن طريق اخر حسنه واخرج البيهقي من طريق غير الطريقين قال العلماء الحنفية والفتوى على قول ابى يوسف ومحمد قالوا والخلاف انما هو خلاف زمان لا خلاف حجة وبرهان لان الغالب في زمان ابى حنيفة كان الصلاح ثم فسد الزمان في وقت صاحبيه والحق كذلك قلت والفتوى في زماننا هذا على قول ابى حنيفة لان في زماننا لا يوجد رجل عدل على ما شرط في الكتب فلو ضيقنا الأمر يتوى حقوق الناس وينسد باب القضاء بل في زماننا هذا الفاسق إذا كان وجيها ذا مروة يغلب على الظن انه لا يكذب في الشهادة او دلت القرائن على صدقه يقبل شهادته- واختار المتأخرون تحليف الشهود مقام التزكية- فان قيل هذا تعليل فى مقابلة النص فلا يقبل- قلنا بل هو مقتضى النص فان قوله تعالى وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ ... - مِمَّنْ تَرْضَوْنَ يقتضى كون الشهداء من رجال كل قرن مرضيين منهم وكيف يمكن في قرتنا هذا ان تستشهد مثل ابى حنيفة إذ لا يوجد عادل في هذا القرن وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه انكم في زمان من ترك منكم عشر ما امر به هلك ثم يأتى زمان من عمل منهم عشر ما امر به نجا- رواه الترمذي عن ابى هريرة- وتأويل هذا الحديث ان الله سبحانه يغفر ذنوب رجال يريدون الله والدار الاخرة في الازمنة الفاسدة اكثر مما يغفر ذنوب رجال صالحين من القرون الصالحة وان كان ذنوبهم اكثر من ذنوب أولئك لان المعاصي صارت مباحة في هذه القرون ومثل الفريقين كمثل العسكرين عسكر يجاهدون كلهم كمال المجاهدة وعسكر في أكثرهم وصبر بعضهم نوع صبر ولم يفروا فالسلطان يعطى هؤلاء الصابرين اكثر مما يعطى أولئك المجاهدين والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ويغفر لمن يشاء الكبائر ويعذب من يشاء على الصغائر مِنَ الشُّهَداءِ كلمة من للتبعيض فهو يدل على ان الفاسق ايضا اهل للشهادة فان قبل القاضي

شهادته جار لكنه يأثم إذا لم يبالغ في طلب الحق غاية وسعه أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما قرأ حمزة ان بكسر الهمزة فحينئذ تضل مجزوم بناء على الشرط لم يظهر جزمه بالتشديد ومعناه ينسى فَتُذَكِّرَ بالرفع على انه خبر مبتدأ والجملة الاسمية جزاءاى فهى تذكرها إِحْداهُمَا الْأُخْرى وقرأ العامة ان بالفتح ونصب تضل بان فتذكّر منصوبا معطوفا على ما سبق قرا ابن كثير وابو عمرو فتذكر مخففا من الافعال والباقون مشددا من التفعيل ومعناهما واحد من الذكر ضد النسيان- وفيه اشعار على نقصان عقلهن وقلة ضبطهن. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رايت من ناقصات عقل ودين اذهب للب الرجل الحازم من إحداكن قلن يا رسول الله ما نقصان عقلنا قال أليس شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل قلن بلى قال فذلك من نقصان عقلها قلن فما نقصان ديننا يا رسول الله قال أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم قال فذلك من نقصان دينها وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا قيل أراد به إذا دعو التحمل لشهادة واسم الشهداء حينئذ مجاز فيمن سيتصف بالشهادة وهو امر إيجاب عند بعضهم وقال قوم يجب الاجابة إذا لم يكن غيرهم فان وجد غيرهم فهم مخيرون وهو قول الحسن- وقال قوم هو امر ندب- وقيل معناه إذا دعوا لاداء شهادة تحملوها من قبل وهو قول مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وذلك واجب البتة بدليل قوله تعالى وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وعن ابى موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كتم شهادة إذا دعى إليها كان كمن شهد بالزور رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفي سنده عبد الله بن صالح كاتب ليث احتج به البخاري ((مسئلة)) إذا دعى الشاهد الى مجلس الحاكم كى يؤدى شهادته قيل يلزم ذلك إذا كان مجلس القاضي قريبا فان كان بعيدا فلا لقوله تعالى وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ- وعن نصر ان كان بحال يمكنه الرجوع الى اهله فى يومه يجب لانه لا ضرر عليه ((مسئلة)) لو كان الشاهد شيخا فاركبه الطالب على دابته فلا بأس به- وعن سليمان فيمن اخرج الشهود الى ضيعه فاستأجر لهم حميرا فركبوها لا يقبل شهادتهم- وفصّل في النوازل بين كون الشاهد شيخا لا يقدر على المشي ولا يجد ما يستاجر به دابة فيقبل وما ليس كذلك فلا يقبل- قال ابن همام وفيه نظر لان إكرام الشهود مأموربه ((مسئلة)) ولو وضع للشهود طعاما فاكلوا ان كان مهيا من قبل ذلك يقبل شهادتهم وان صنعه لاجلهم لا يقبل هذا قول ابى حنيفة وعن محمد لا يقبل فيهما وعن ابى يوسف يقبل فيهما- قال ابن همام وهو الاوجه للعادة الجارية بالطعام

من حل محله ممن يعز عليه شاهدا كان اولا هذا فيما لا يشترط واما إذا اشترط فهو اجرة ورشوة حرام على الشاهد اخذه وعلى المشهود له إعطاؤه وان أخذ الشاهد لا يقبل شهادته سواء تعين هو للشهادة بان لا يكون غيره شاهدا او لم يتعين لانه إذا اشترط صارا جيرا عاملا لنفسه بالاجرة- وقال الشافعي ان تعين عليه لا يجوز له أخذ الاجرة وان لم يتعين عليه جاز لانه ليس بفريضة عليه- قلنا ان تعين فهو فرض عين والا ففرض كفاية ولو سلمنا فهو مندوب ولا يجوز أخذ الاجرة على العبادة عندنا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي في النار رواه الطبراني في الصغير عن ابن عمر بإسناد حسن- وَلا تَسْئَمُوا اى لا تملوا من كثرة مدايناتكم أَنْ تَكْتُبُوهُ اى الدين او الحق او الكتاب صَغِيراً كان الحق أَوْ كَبِيراً مضافا إِلى أَجَلِهِ اى وقت حلوله ذلِكُمْ اشارة الى ان تكتبوه أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ اى اكثر عدلا وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ اى اثبت لاداء الشهادة وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا اى اقرب ان لا تشكوا عند الشهادة في جنس الدين او قدره او اجله او نحو ذلك وهما مبيّنان لاقسط- او يكون المعنى ذلك اى الكتابة اقسط عند الله في حق من له ومن عليه الحق فلا ينسى ما له وما عليه فلا يدعى المدعى الزيادة ويقربه المدعى عليه وأقوم في حق الشاهد للشهادة فلا يزيد ولا ينقص فى الشهادة وقت الأداء وأدنى ان لا ترتابوا ايها الخصماء والشهداء- قيل فائدة الكتابة في الشاهد ليس الا ان يتذكر الوقعة التي شهدها ولا يجوز للشاهدان راى خطه ان يشهد الا ان يتذكر شهادته كذا ذكر في القدورى وغيره وقال صاحب الهداية هذا قول ابى حنيفة وعندهما يحل له الشهادة إذا راى خطه وان لم يتذكر وقيل هذا يعنى عدم جواز الشهادة بالاتفاق- وانما الخلاف فيما إذا وجد القاضي شهادته في ديوانه وهو تحت ختمه يؤمن عليه من الزيادة والنقصان هل يجوز للقاضى العمل عليه- ولا كذلك الشهادة فى الصك إذا كان في يد المدعى لانه لا يؤمن من التغير والخط يشبه الخط وهذا يدل على انه ان كان المكتوب عند الشاهد بحيث لا يحتمل التغير يجوز للشاهد ان يشهد عليه وان لم يتذكر عند ابى يوسف ومحمد وقال ابو حنيفة لا يجوز وجه قول الصاحبين ان المكتوب إذا كان مامونا من التغير فهو كالمتذكر الا ترى ان الصحابة والتابعين كانوا يعملون على كتب النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه كما كانوا يعملون على خطاباته- وقد مرقصة عبد الله بن جحش وكتابه في تفسير قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ- ووجه قول ابى حنيفة ان الشهادة مبنىّ على المشاهدة ومن ثم يشترط لفظ الشهادة

وقد قال عليه الصلاة والسلام- إذا رايت مثل الشمس فاشهد إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً قراهما عاصم بالنصب على خبر كان والاسم مضمر اى الا ان تكون التجارة تجارة حاضرة ورفعها «1» الآخرون على انه اسم كان تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ ليس فيها أجل- وهذه الجملة صفة لتجارة على قراءة عاصم وكذا على قراءة الجمهور ان كان تامة والا فهو خبرها- والاستثناء منصرف الى الأمر بالكتابة- والتجارة الحاضرة يعم المبايعة بدين حال او عين فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها اى التجارة- وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ قال الضحاك وداود الأمر للوجوب فالاشهاد واجب سواء كان بالنقد او النسية- وقال ابو سعيد الخدري كان واجبا فنسخ بقوله تعالى- فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً- وعند الجمهور الأمر للندب- وكثيرا ما لم يشهد النبي صلى الله عليه وسلم عند المبايعة روى احمد من حديث عمارة بن خزيمة عن عمه وهو من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ان النبي صلى الله عليه وسلم ابتاع فرسا من أعرابي فاسرع النبي صلى الله عليه وسلم في المشي ليؤتى ثمن فرسه وابطا الاعرابى فطفق «2» رجال يعرضون للاعرابى فيساومون بالفرس لا يشعرون ان النبي صلى الله عليه وسلم ابتاعه حتى زاد بعضهم الاعرابى في السوم على ثمن الفرس فنادى الاعرابى النبي صلى الله عليه وسلم ان كنت مبتاعا لهذا الفرس فابتعه وإلا بعته فقام النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع نداء الاعرابى فقال او ليس قد ابتعته منك- فقال لا والله ما بعتك فقال النبي صلى الله عليه وسلم بلى قد ابتعته فطفق الاعرابى يقول هلم شهيدا يشهدانى قد بايعتك- فطفق الناس يقولون للاعرابى ويلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ليقول الا حقا حتى جاء خزيمة فاستمع مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم ومراجعة الاعرابى وطفق الاعرابى يقول هلم شهيدا يشهد انى بعتك فقال خزيمة انا اشهد انك قد بايعته- فاقبل النبي صلى الله عليه وسلم على خزيمة فقال بم تشهد قال بتصديقك يا رسول الله فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين- قلت وعندى ان النبي صلى الله عليه وسلم انما حكم كذلك لعلمه بانه قد بايع وان الاعرابى كاذب في إنكاره لا بشهادة خزيمة وحده وانما جعل شهادة خزيمة بشهادة رجلين لما راى قوة إيمانه ولمال عقله ودرايته- ويستنبط من هذا الحديث ان القاضي لو كان عالما بالحق يسعه الحكم على وفق علمه لان علمه فوق ما يحصل من الظن بشهادة رجلين- كما ان أبا بكر حكم على فاطمة بمنع الإرث بحديث سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم نحن معاشر الأنبياء لا نورث- وان السلطان او القاضي او غيرهما لو ابتاع من غيره شيئا او كان له حقّ «3» على الغير وهو يعلم ذلك يقينا وسعه ان يأخذ من ذلك الغير حقه جبرا وان كان ذلك الغير

_ (1) فى الأصل رفعها (2) فى الأصل فطق (3) فى الأصل حقا

[سورة البقرة (2) : آية 283]

منكرا لحقه ولا تبيعة عليه في ذلك عند الله تعالى- لكن لو رفع هذا الأمر الى قاضى غيره لا يجوز لذلك الغير الحكم بعلم السلطان والقاضي المدعى ما لم يقم عليه بينة والله اعلم وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ يحتمل ان يكون لا يضار مبنيا للفاعل يعنى لا يضر كاتب ولا شهيد أحدا من المتبايعين من ترك الاجابة إذا كان متعينا للشهادة والكتابة والتحريف والتغيير في الكتابة او الشهادة وهذا قول طاؤس والحسن وقتادة- ويحتمل ان يكون مبنيا للمفعول اى لا يضر المتبايعان الكاتب فلا يعطيان جعله ولا الشاهد ان يدعوه الى الشهادة وهو على شغل او مريض او ضعيف وهو غير معين للشهادة بل كان على تلك الوقعة شهود «1» غيره ايضا وَإِنْ تَفْعَلُوا سانهيتكم من الضرار فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ اى خروج عن طاعة الله تعالى ومعصيته لاحق بكم فيها وَاتَّقُوا اللَّهَ فى مخالفة امره وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ مصالح دينكم ودنياكم وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) كرر لفظ الله في الجمل الثلاث لاستقلالها فان الاولى حث على التقوى والثانية وعد بانعامه والثالثة تعظيم لشأنه-. وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ اى مسافرين وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ قرأ ابن كثير وابو عمرو بضم الراء والهاء والباقون فرهان بكسر الراء والف بعد الهاء- ورهن جمع رهن بفتح الراء وسكون الهاء مثل بغل وبغال- ورهن بالضمتين جمع رهان جمع الجمع كذا قال الفراء والكسائي وقال ابو عبيد وغيره رهن بالضمتين جمع رهن بالفتح والسكون ايضا على وزن يسقف وسقف- والرهن لغة حبس الشيء قال الله تعالى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ- وفي الشرع جعل اسما لما يحبس بحق يمكن استيفاؤه منه- ولما كان الحبس هو معناه اللغوي والمعنى اللغوي يكون معتبرا في المعنى الشرعي فهو عقد لازم لا يجوز للراهن استرداده من المرتهن ما بقي عليه درهم- وقوله تعالى فرهن خبر مبتدأ محذوف او فاعل فعل محذوف مبنى للمفعول اى فالذى يستوثق به رهن او فليؤخذ رهن او فعليكم رهان- والأمر ليس للايجاب اجماعا بل للارشاد والشرط خرج مخرج العادة على الأعم الا غلب فليس مفهوم معتبرا عند القائلين بالمفهوم ايضا حيث يجوز الرهن في الحضر ومع وجود الكاتب اجماعا وقال مجاهد وداود لا يجوز الا في السفر عند عدم الكاتب- لنا حديث عائشة رواه الائمة الستة وحديث انس رواه البخاري ان النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه بالمدينة من يهودى بعشرين صاعا من شعير اخذه لاهله ومات عليه السلام وكان درعه مرهونا عنده مَقْبُوضَةٌ لاجل هذا القيد قال ابو حنيفة والشافعي واحمد لا يجوز الرهن اى لا يلزم بدون القبض- وقال مالك يلزم بنفس العقد ويجبر الراهن على التسليم لنا ان مشروعيته ولزومه ثبت بنص القران مقبوضة وكان

_ (1) فى الأصل شهودا

القياس يقتضى كونه تبرعا غير لازم لان الراهن لا يستوجب بمقابلته على المرتهن شيئا فيقتصر على مورد النص- ولاجل اشتراط القبض في الرهن قال ابو حنيفة لا يجوز رهن المشاع سواء كان قابلا للقسمة اولا لان الشيوع ينافى دوام القبض بل يقتضى المهاباة فصار كما إذا قال رهنتك يوما دون يوم والرهن بمعنى الحبس يقتضى دوام الحبس لان المطلق ينصرف الى الكامل- بخلاف الهية فان المانع هناك من الهبة في المشاع غرامة القسمة على الواهب وهو فيما يحتمل القسمة لا فيما لا يحتمله وقال مالك والشافعي واحمد يجوز رهن المشاع مطلقا سواء كان قابلا للقسمة اولا- (مسئلة) وإذا تم الرهن بالقبض خرج المرهون من ملك الراهن يدا وبقي في ملكه رقبة وملكه المرتهن يد الا رقبة فلا يجوز للراهن الانتفاع بالمرهون من ركوب الدابة المرهونة والسكون في الدار ولبس الثوب ونحو ذلك الا برضاء المرتهن لانه ينافى مالكية المرتهن يدا ولزوم حبسه دائما هذا عند ابى حنيفة رحمه الله وقال الشافعي يجوز للراهن الانتفاع به لقوله صلى الله عليه وسلم الرهن مركوب محلوب- رواه الدارقطني والحاكم عن حديث الأعمش عن ابى صالح عن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم واعل هذا الحديث ابن ابى حاتم فقال قال ابى رفعه مرة ثم ترك الرفع بعده- ورجح الدارقطني ثم البيهقي رواية من وقفه عن من رفعه- قلنا هذا الحديث مجمل يحتمل ان يكون مركوبا للراهن ويحتمل ان يكون مركوبا للمرتهن فلا يجوز الاستدلال به (مسئلة) ولا يجوز للراهن شىء من التصرفات الشرعية في المرهون- فان فعل فما كان منها يحتمل الفسخ كالبيع والهبة ونحو ذلك ينعقد بناء على ملك الرقبة ويتوقف على اجازة المرتهن او فك الرهن- واما ما لا يحتمل الفسخ كالعتق فينفذ بناء على ملك الرقبة وعدم احتمال الفسخ- ويجب عليه قيمة العبد رهنا عند المرتهن ان كان موسرا وعلى العبد السعى في قيمته ان كان معسرا هذا عند ابى حنيفة واحمد- وعند مالك يتوقف عتقه كالبيع- وعند الشافعي ينفذ ان كان موسرا ولا ينفذ ان كان معسرا- (مسئلة) يجب على الراهن نفقة المرهون بناء على ملك الرقبة- وزوائد المرهون من الولد والصوف واللبن والثمر ونحوه كلها ملك الراهن اجماعا قال عليه الصلاة والسلام له غنمه وعليه غرمه وقيل ملك للمرتهن عند احمد لكن عبارة ابن الجوزي في التحقيق يقتضى انه ملك الراهن عنده حيث قال للمرتهن استيفاء النفقة من دره وظهره (مسئلة) زوائد المرهون يكون مرهونا عند

ابى حنيفة رحمه الله لان لها حكم الأصل فيكون مملوكة للراهن رقبة وللمرتهن يدا- وبناء على عدم مالكيته رقبة لا يجوز للمرتهن الانتفاع بالمرهون بل يكون ذلك ربوا ولا يجوز للمرتهن في المرهون شىء من التصرفات المبنية على الملك (مسئلة) ما أنفق المرتهن على المرهون ان كان بإذن الراهن يكون دينا عليه وان كان بغير اذنه يكون متطوعا- وقال احمد يكون دينا عليه مطلقا ويجوز للمرتهن استيفاؤه من ظهره ودره- واستدل على ذلك ابن الجوزي بحديث الرهن مركوب محلوب وبما رواه البخاري عن الشعبي عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الرهن بما فيه يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا وعلى الذي يركب ويشرب النفقة- ورواه ابو داؤد بلفظ يحلب مكان يشرب ورواه الطحاوي بلفظ الرهن يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا- قلنا هذا الحديث يدل على ان نفقة الرهن واجب على من يركب والإجماع انعقد على ان نفقة الرهن على الراهن فلعل هذا الحكم كان قبل تحريم الربوا حين لم يكن القرض الذي يجر منفعة منهيا عنه- وحين لم يكن أخذ الشيء بالشيء وان كانا غير متساويين بالمعيار الشرعي من غير عقد جرى بين المالكين منهيا عنه فهذا الحكم منسوخ على ما يقتضيه الإجماع باية الربوا- وبقوله تعالى فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ- وبقوله تعالى لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ واما قوله الرهن بما فيه فغير منسوخ ومعناه الرهن مضمون بما رهن فيه من الدين يعنى ان كان الدين مثل الرهن او اقل منه فالدين يسقط بهلاك الرهن والفضل من الرهن امانة- (مسئلة) إذا مات الراهن يباع المرهون في دين المرتهن فقط ولا يتعلق به حق سائر غرماء الراهن لانه كان مالكا يدا من الابتداء ومستحقا لملك الرقبة وكان يده يد استيفاء (مسئلة) وان هلك الرهن في يد المرتهن من غير تعد كان مضمونا عند ابى حنيفة ومالك لانه كان مالكا يدا ويده كان يد استيفاء وبالهلاك تقرر الاستيفاء فلو وجب على الراهن أداء الدين ثانيا لزم الربوا- فقال مالك- يضمن بالقيمة لوقوع الاستيفاء به وقال ابو حنيفة- بالأقل من الدين والقيمة والفضل امانة- كذا روى الطحاوي عن عمر رضى الله عنه- وعند شريح والحسن والشعبي مضمون بالدين وقال الشافعي واحمد أمانته فى يد المرتهن لا يضمن الا بالتعدي لقوله صلى الله عليه وسلم لا يعلق الرهن من صاحبه الذي رهنه الرهن لمن رهن له غنمه وعليه غرمه- رواه ابن حبان في صحيحه والدارقطني والحاكم من طريق زياد

ابن سعد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن ابى هريرة مرفوعا لا يعلق الرهن له غنمه وعليه غرمه قال الدارقطني زياد بن سعد أحد الحفاظ الثقات وهذا حديث حسن متصل- وأخرجه ابن ماجة من طريق إسحاق بن راشد عن الزهري- وأخرجه الحاكم من طرق عن ابى هريرة موصولا ايضا- ورواه الأوزاعي ويونس وابن ابى ذئب عن الزهري- عن سعيد مرسلا- ورواه الشافعي عن ابن ابى فديك وابن ابى شيبة عن وكيع- وعبد الرزاق عن الثوري كلهم عن ابن ابى ذئب كذلك ولفظه لا يعلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه- وصحح ابو داود والبزار والدارقطني إرساله وله طرق عند الدارقطني والبيهقي كلها ضعيفة وروى ابن حزم والدارقطني من طريق شبابة عن ورقاء عن ابن ابى ذئب عن الزهري عن سعيد بن المسيب وابى سلمة بن عبد الرحمن عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلق الرهن الرهن لمن رهنه له غنمه وعليه غرمه- قال ابن حزم- هذا حديث حسن وصحح ابن عبد البر وعبد الحق وصله قال الحافظ ابن حجر فيه عبد بن نصر له أحاديث منكرة- وقوله له غنمه وعليه غرمه قيل انها مدرجة من قول ابن المسيب- كذا قال ابو داود في المراسيل- قال ابن عبد البر هذه اللفظة اختلف في رفعها ووقفها فرفعها ابن ابى ذئب ومعمر وغيرهما مع كونهم أرسلوا الحديث على اختلاف على ابن ابى ذئب ووقفها غيرهم وجه احتجاج الشافعي بهذا الحديث ان الحديث يدل على ان الرهن لا يخرج من ملك الراهن وهو معنى قوله لا يعلق الرهن- ومعنى قوله- لصاحبه غنمه يعنى سلامته وعليه غرمه يعنى هلاكه- قلنا تأويل الحديث ليس هكذا بل تأويله على ما ذكره ابن الجوزي عن ابراهيم النخعي انهم كانوا يرهنون ويقولون ان جئتك بالمال الى وقت كذا والا فهو لك فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلق الرهن- وروى الطحاوي بسنده عن ابراهيم نحوه وروى عن مالك بن انس وسفيان بن سعيد انهما يفسران هكذا- ومعنى قوله له غنمه يعنى زوائد المرهون له وعليه غرمه يعنى عليه نفقته وهذا المعنى مجمع عليه ولنا في وجوب الضمان ما رواه الطحاوي ثنا محمد بن خزيمة ثنا عبيد الله بن محمد التيمي قال انا عبد الله بن مبارك قال ثنا مصعب بن ثابت عن عطاء بن ابى رباح ان رجلا ارتهن فرسا فمات الفرس في يد المرتهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب حقك هذا مرسل والمرسل عندنا حجة ويؤيده ما رواه البخاري عن ابى هريرة الرهن بما فيه وقد مر وكذا عن انس عند الدارقطني رواه ابن الجوزي بطريقين ضعيفين وهذا يدل على ان ما فضل من القيمة فهو امانة وهو القياس إذا الاستيفاء لا يتحقق الا بقدر الواجب-

فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً اى بعض الدائنين بعض المديونين واستغنى بامانته عن الرهن والكتابة- وفي قراءة أبيّ فان ائتمن والمعنى واحد فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ اى دينه سماه امانة لايتمانه بترك الكتابة والرهن عن انس قال فلما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الا قال لا ايمان لمن لا امانة له ولا دين لمن لا عهد له- رواه البيهقي في الشعب وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ فى الخيانة والإنكار من الحق وفيه مبالغات- وقد مر في الحديث اية المنافق ثلث وذكر فيه إذا اؤتمن خان وَلا تَكْتُمُوا ايها الشهداء الشَّهادَةَ على المديونين إذا ما خانوا ولم يؤدوا ما أمن بعضكم بعضا وأنكروا الحق الذي عليهم- ويحتمل ان يكون المراد لا تكتموا ايها المديونين الشهادة بالحقوق الذي عليكم اى أقروا على أنفسكم وَمَنْ يَكْتُمْها اى الشهادة بالحق فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ مرفوع بالفاعلية او الابتداء اى يأثم قلبه او قلبه اثم- والجملة خبران وأسند الإثم الى القلب لان الكتمان فعل القلب ففى الاسناد اليه تأكيد ومبالغة كما يقال رايته بعيني وسمعته بأذنى وحفظته بقلبي او لانه رئيس الأعضاء وأفعاله أعظم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان في جسد بنى آدم لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله الا وهى القلب- متفق عليه عن النعمان بن بشير قيل أراد به مسخ القلب نعوذ بالله منها وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ من الشهادة والكتمان عَلِيمٌ (283) تهديد وهذه الاية دليل على ان كتمان الشهادة حرام وأداؤها فريضة وان لم يسئله المشهود له- وإذا كان المشهود له لا يعلم بشهادة الشاهد يجب على الشاهد ان يعلّمه بانه شاهد- وقال قوم الشهادة من قبل ان يستشهد مذموم لحديث عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير أمتي قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم ان بعدهم قوما يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن- وفي رواية ويحلفون ولا يستحلفون- متفق عليه- وعن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- أكرموا أصحابي فانهم خياركم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يظهر الكذب حتى ان الرجل ليحلف ولا يستحلف ويشهد ولا يستشهد رواه النسائي واسناده صحيح وفي الباب حديث ابى هريرة نحوه وحديث ابن مسعود بلفظ يسبق شهادتهم ايمانهم وايمانهم شهادتهم- روى الطحاوي الحديثين بطرق- قلنا المراد بهذه الشهادة المذمومة الشهادة على الكذب بقرينة قوله ثم يفشوا الكذب وقوله ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون- وقد روى الطحاوي بسنده من طريق مالك عن زيد بن خالد الجهني ان رسول الله صلى الله عليه وسلم

[سورة البقرة (2) : آية 284]

قال- الا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتى بشهادته قبل ان يسئل عنها- او يخبر بشهادته قبل ان يسئلها-. لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقا وملكا وملكا قيل فيه دليل على ان كل ما سواه تعالى متحيز ولا شىء من الممكنات مجردا والا لكان بيان خالقيته ومالكيته قاصرا لان الأهم اثبات مالكية المجردات وهذا ليس بشىء بل التحقيق ان من الممكنات مجردات وهى أرواح البشر والملائكة وغيرهم وقد انكشف على ارباب القلوب من المجردات القلب والروح والسر والخفي والأخفى والله تعالى اعلم بخلقه ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وانما اقتصر هاهنا على ذكر ما في السموات وما في الأرض بناء على قصر نظر العوام عليها وذكرها كاف للاستدلال على الصانع جلت قدرته- ولان الاستدلال لا يتصور الا بامور مشهودة معلومة للعوام لا بامور مختفية على الخواص ومن ثم لم يذكر هاهنا العرش والكرسي مع انهما ليسا في السموات والأرض والله اعلم- وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ من الرذائل كالنفاق والرياء والعصبية «1» وحب الدنيا والغضب والكبر والعجب والأمل والحرص وترك التوكل والصبر والحسد والحقد ونحو ذلك مما هو من افعال القلوب والنفوس- عن جبير بن مطعم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس منا من دعا على عصبيته وليس منا من مات على عصبيته رواه ابو داؤد وعن حارثة بن وهب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أخبركم باهل الجنة كل ضعيف متضعّف لو اقسم على الله لابره الا أخبركم باهل النار كل عتلّ «2» جوّاظ «3» مستكبر- متفق عليه- وفي رواية لمسلم كل جواظ زنيم «4» متكبر- وعن الحسن مرسلا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- حب الدنيا رأس كل خطيئة- رواه البيهقي في شعب الايمان عن انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حب ابى بكر وعمر ايمان وبغضهما نفاق- رواه ابن عدى- وعن جابر مرفوعا حب ابى بكر وعمر من الايمان وبغضهما كفر وحب الأنصار من الايمان وبغضهم كفر وحب العرب من الايمان وبغضهم «5» كفر ومن سب أصحابي فعليه لعنة الله ومن حفظنى فيهم فانا احفظه يوم القيامة- رواه ابن عساكر وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال- حب علىّ عبادة «6» وعن علىّ قال والذي فلق الحبة وبرىء النسمة لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم الى ان لا يحبنى الا مؤمن ولا يبغضنى الا منافق رواه مسلم وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك مثل من عيسى «7» أبغضته اليهود حتى بهتوا امه وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزلة التي ليست له- ثم قال يهلك فيّ رجلان محب مفرط يفرطنى بما ليس في ومبغض يحمله شتانى على ان يبهتنى- رواه احمد وعن ابى هريرة مرفوعا

_ (1) العصبية والتعصب المحامات- نهاية يعنى حمية الجاهلية- منه (2) عتل الشديد الجافي الفظ الغليظ من الناس- منه رح (3) الجواظ الجموع المنوع وقيل الكثير اللحم المختال- منه رح (4) الزنيم الملحق بالقوم ليس منهم- منه رح (5) فى الأصل وبعضهم (6) هكذا بياض في الأصل- ابو محمد [.....] (7) وفي الأصل مثل عيسى

قال الله تعالى الكبرياء ردائى والعظمة إزاري فمن نازعنى واحدا منهما أدخلته النار- رواه مسلم وعن عطية السعدي مرفوعا ان الغضب من الشيطان- رواه ابو داؤد وعن بهزين حكيم عن أبيه عن جده مرفوعا ان الغضب يفسد الايمان كما يفسد الصير العسل- رواه البيهقي في الشعب وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا أول صلاح هذه الامة اليقين والزهد وأول فسادها البخل والأمل- رواه البيهقي وعن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سعادة ابن آدم رضاؤه بما قضى الله ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى الله- رواه احمد والترمذي- وعن معاذ بن جبل مرفوعا قال يطلع الله الى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه الا المشرك او مشاحن- رواه الدارقطني وصححه ابن حبان- وفي رذائل النفس ومحامدها أحاديث لا تكاد تحصى- وقيل معناه إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ- من كتمان الشهادة- كذا قال الشعبي وعكرمة- او من ولاية الكفار فهو نظير ما في ال عمران لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ الى ان قال قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ الاية- كذا قال مقاتل- والتحقيق ان كتمان الشهادة وولاية الكفار داخلان فيما استقر في أنفسكم ولا وجه للتخصيص بعد ثبوت المؤاخذة على الجميع بالنصوص والإجماع- وقيل المراد به العزم المصمم على المعاصي من افعال الجوارح قال عبد الله بن المبارك قلت لسفيان أيؤاخذ الله العبد بالهمّ قال إذا كان عزما أخذ بها- قلت لو ثبت المؤاخذة على العزم فالعزم ايضا داخل في المعاصي القلبية- لكن الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال من هم بسيئة فلم يعمل بها لم يكتب عليه وإذا عمل بها كتب بمثلها- الحديث يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ يوم القيامة اما حساب عرض حسابا يسيرا فَيَغْفِرُ وذلك لِمَنْ يَشاءُ مغفرته واما حساب مناقشة فيأخذ به وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه- قرأ ابو جعفر وابن عامر وعاصم ويعقوب برفع الفعلين على الاستيناف والباقون بالجزم عطفا على جواب الشرط وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من العذاب والمغفرة وغير ذلك قَدِيرٌ (284) لا يمكن لاحد الاعتراض عليه ان شاء عذب على الصغيرة وان شاء غفر الكبيرة من غير توبة اجمع اهل السنة والجماعة على ان الحساب على المعاصي القلبية والنفسانية والقالبية حق والتعذيب على الذنوب صغائرها وكبائرها حق لكنه ليس بواجب بل في مشية الله تعالى- روى طاؤس عن ابن عباس قال فيغفر لمن يشاء الذنب العظيم يعنى سواء تاب عنه المذنب او لم يتب ويعذب من يشاء على الذنب الصغير لا يسئل عما يفعل- وأنكر المعتزلة والروافض وغيرهم الحساب

وقالت المعتزلة وغيرهم بوجوب العذاب على العصاة وهذه الاية وغيرها من الآيات والأحاديث حجة لنا عن عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس أحد يحاسب يوم القيامة الا هلك قلت او ليس يقول الله تعالى فسوف يحاسب حسابا يسيرا فقال انما ذلك العرض ولكن من نوقش في الحساب يهلك متفق عليه وعن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله يدنى المؤمن فيضع عليه كتفه ويستر فيقول أتعرف ذنب كذا أتعرف ذنب كذا فيقول نعم اى رب حتى قرره بذنوبه وراى في نفسه انه قد هلك قال سترتها عليك في الدنيا وانا اغفرها لك اليوم فيعطى كتاب حسناته فاما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤس الخلائق هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ- متفق عليه- وعن عائشة قالت جاء رجل فقعد بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ان لى مملوكين يكذبوننى ويخونوننى ويعصوننى واشتمهم واضربهم فكيف انا منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم القيامة يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم فان كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافا لا لك ولا عليك وان كان عقابك إياهم دون ذنبهم كان فضلا لك وان كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل الحديث- رواه الترمذي وفي كلى بابى الحساب والمغفرة أحاديث كثيرة لا تحصى (فصل) ومن الناس من يدخلون الجنة بغير حساب عن ابى امامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وعدنى ربى ان يدخل الجنة من أمتي سبعين الفا لا حساب عليهم ولا عذاب مع كل الف سبعون الفا وثلاث حثيات «1» من حثيات ربى- رواه احمد والترمذي وابن ماجة- وعن اسماء بنت يزيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يحشر الناس في صعيد واحد يوم القيامة فينادى مناد فيقول اين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل فيدخلون الجنة بغير حساب ثم يؤمر سائر الناس الى الحساب- رواه البيهقي- وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الجنة من أمتي سبعون الفا بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكّلون- متفق عليه وعنه كذلك في حديث طويل قلت والذي يظهر من سياق الكتاب والسنة ان هؤلاء الذين لا يحاسبون هم الصوفية العلية المتعشقة فان الله سبحانه علق الحساب برذائل النفس حيث قال وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ- وذكر ابدائها واخفائها للتسوية كما في قوله تعالى اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ- وانما علقه برذائل النفس دون اعمال الجوارح مع ان الحساب ليس مختصا بها لانها أشد واغلظ من اعمال الجوارح ولانه منشأ للمعاصى القالبية غالبا وبعد تزكية النفس

_ (1) حثية واحدة اى غرفة بيديه وحثيات جمع كناية عن المبالغة في الكثرة والا فلا حثية ثم- نهاية- وحتى خاك انداختن بر شىء- صراح منه رح

وتصفية القلب لا يصدر المعاصي الا نادرا- كما يدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله- ولإن صدرت المعاصي نادرا فالنفس المطمئنة بالخيرات والقلب المصفى عن الزيغ والكدورات يندم فورا ويتوب الى الله متابا بحيث يجعل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما- عن ابن مسعود مرفوعا- التائب من الذنب كمن لا ذنب له- رواه ابن ماجة والبيهقي وعنه في شرح السنة موقوفا الندم توبة- وهؤلاء القوم هم المسميون بفقراء المؤمنين في قوله صلى الله عليه وسلم انا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لى فيدخلنى ومعى فقراء المؤمنين ولا فخر- وقد مر في تفسير قوله تعالى وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ اعلم ان الفقير من لا شىء له وهؤلاء القوم لا شىء لهم من الوجود وتوابعه- اما الرذائل وصفات النفس الا مادة بالسوء فقد انسلبت منهم بأسرها- واما الوجود وصفات الكمال فوجدوها مستعارة مستودعة من الله ذى الجلال والإكرام فلما أدوا الامانة الى أهلها ونسبوها اليه تعالى لم يبق منهم اسم ولا رسم ولذلك لا ترى منهم عجبا ولا كبرياء ولا شيئا من مقتضيات الالوهية الباطلة نعوذ بالله منها- وكلمة مع فى قوله صلى الله عليه وسلم سبعون الفا مع كل الف سبعون الفا- تدل على ان سبعين الفا تابع لكل الف فلعل المراد به (والله اعلم بمراده) انهم سبعون الفا من المكملين مع كل الف منهم سبعون الفا من الكاملين من العلماء الراسخين والصديقين والأولياء الصالحين- وقوله صلى الله عليه وسلم وثلاث حثيات من حثيات ربى الظاهر انه ليس المراد به كثرتهم لانه لو أريد الكثرة فحثية واحدة من حثيانه تعالى يتسعه الأولون والآخرون فانّ الأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ- بل المراد به التنويع- فلعل المراد بالحثيات الثلاث الذين بذلوا أنفسهم في سبيل الله وهم الشهداء- والذين بذلوا عمرهم في طاعة الله (ما عدا المذكورين السابقين) من العلماء المريدين المتشبثين بالأولياء- والذين بذلوا أموالهم ابتغاء مرضات الله هؤلاء هم الذين أحبوهم وسلكوا سبيلهم وان لم يبلغوا درجة الأولين- وقوله عليه الصلاة والسلام وعلى ربهم يتوكلون صفتهم من حيث الباطن وتتجافى جنوبهم سيماهم من حيث الظاهر- جعلنى الله سبحانه منهم بفضله ومنّه- روى البخاري ومسلم واحمد وغيرهم عن ابى هريرة وروى مسلم وغيره فحوه عن ابن عباس انه لمّا نزلت وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ الاية- اشتد ذلك على اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجثوا على الركب وقالوا- يا رسول الله كلفنا من الأعمال

[سورة البقرة (2) : آية 285]

ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت إليك هذه الاية ولا نطيقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتريدون ان تقولوا كما قال اهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا بل قولوا سمعنا واطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير- فلما اقتراها القوم وذلت بها ألسنتهم انزل الله تعالى في اثرها-. آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ قلت لعل الصحابة حين نزلت وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ الاية فهموا منه ان الله يحاسب على خطرات الأنفس- او انهم بناء على هضم أنفسهم اتهموا أنفسهم بالرذائل فاشتد ذلك عليهم فعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم طريقة التسليم والرضاء والتوكل التي هى صفات النفوس المطمئنة الكريمات- وانزل الله تعالى لرفع ظنهم عن محاسبة الخطرات وتسلّيتهم بالشهادة على صدق ايمانهم وصحة نياتهم وتزكية نفوسهم وتصفية قلوبهم فان زوال رذائل النفس مقتضى الايمان- والايمان الحقيقي الكامل لا يكون الا بعد فناء النفس وزوال رذائلها والمطلق ينصرف الى الكامل- والمراد بالمؤمنين المؤمنون الموجودون في ذلك الزمان وهم الصحابة رضى الله عنهم كما في قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ والتحق بهم من كان ايمانهم كايمانهم من اهل السنة والجماعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان بنى إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة- قالوا من هى يا رسول الله قال ما انا عليه وأصحابي رواه الترمذي عن عبد الله بن عمرو كُلٌّ التنوين فيه عوض عن المضاف اليه اى كل واحد منهم- قال البيضاوي لا يخلو من ان يعطف المؤمنون على الرسول فيكون الضمير الذي ينوب عنه التنوين راجعا الى الرسول والمؤمنين او يجعل المؤمنون مبتدأ فيكون الضمير للمؤمنين وباعتباره يصح وقوع كل مع خبره خبر مبتدأ- ويكون افراد الرسول بالحكم اما لتعظيمه أو لأن إيمانه عن مشاهدة وعيان وايمانهم عن نظر واستدلال آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ قرأ حمزة والكسائي وكتابه على الافراد يعنى القران والايمان به يتضمن الايمان بجميع الكتب او المراد بالكتاب الجنس والفرق بينه وبين الجمع انه شائع في وحدان الجنس والجمع في جموعه ولذلك قيل الكتاب اكثر من الكتب وَرُسُلِهِ وقالوا او قائلين لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ اى في الايمان بهم كما فرق اليهود فقالوا نؤمن ببعض ونكفر ببعض- وأحد نكرة فى سياق النفي فعمت كلهم ولذلك دخل عليه بين- وقرأ يعقوب لا يفرّق على الغيبة والضمير راجع

[سورة البقرة (2) : آية 286]

الى كل نظرا الى لفظه كضمير أمن راجع اليه وَقالُوا الضمير راجع الى الرسول والمؤمنين جميعا او الى لفظة كل من حيث المعنى سَمِعْنا قولك وَأَطَعْنا أمرك وأجبناك- قال البغوي روى عن حكيم بن جابر رضى الله عنه ان جبرئيل عليه السلام قال للنبى صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الاية- ان الله قد أثني عليك وعلى أمتك فسل تعطه فسال بتلقين الله عز وجل فقال غُفْرانَكَ اى اغفر غفرانك او نسئلك غفرانك رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) المرجع بعد الموت وهو اقرار منهم بالبعث فهو داخل فى الايمان- وما ذكرنا من حديث الصحيحين يدل على «1» ان قولهم سمعنا إلخ كان قبل نزول هذه الاية فذكر الله تعالى حكاية عنهم وثناء عليهم وهو الأرجح-. لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها اى ما يسعه قدرتها وذلك فيما يبتنى من الاحكام على القدرة الممكّنة- او ما دون مدى قدرتها وذلك فيما يبتنى من الاحكام على القدرة الميسرة كالزكوة على نمو المال وحولان الحول وغير ذلك- وهذا يدل على عدم وقوع التكليف بالمحال ولا يدل على امتناعه- والمراد بالقدرة هاهنا هى القدرة الموهومة الموجودة قبل الفعل من سلامة الأسباب والآلات بعد اقامة الدلائل والبراهين على الأوامر والاحكام من الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة- لا القدرة الحقيقية التي لا توجد الا مع الفعل- ولهذا يتوجه الخطاب والعذاب الى قوم نوح وفرعون وابى جهل وأشباههم الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة واخبر عنهم بانهم لا يؤمنون قال الله تعالى لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ- ومشية الله تعالى غير مقدور للبشر فكذا مشيته التي علقت بمشيت الله تعالى- وهذا سر من اسرار الله تعالى يجب الايمان به والسكوت عنه وترك البحث فيه فانه مزلة الاقدام قال ابو هريرة فيما روى عنه الشيخان وغيرهما ان الصحابة لما اشتد عليهم نزول قوله تعالى إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ الاية وقالوا يعنى بتعليم النبي صلى الله عليه وسلم سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ انزل الله تعالى هذه الاية فنسخ بهذا ذلك قلت وقول ابى هريرة فنسخ بهذا ذلك مبنى على التجوز فان حقيقة النسخ هو رفع حكم شرعى بعد ثبوته وذا لا يتصور الا في الاحكام دون الاخبار- وذلك اخبار بالمؤاخذة على افعال القلوب- وهذا اخبار بعدم وقوع التكليف فوق الطاقة فلا يحتمل النسخ غير ان هذه الاية لما كان مزيلا لظنهم بالمؤاخذة على حديث النفس وموجبا لتسليتهم عبر ابو هريرة بالنسخ مجازا

_ (1) فى الأصل يدل ان لو لهم 12

الا ان يقال ان قوله تعالى وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ الاية وان كان اخبارا لكنه يدل على تحريم رذائل النفس كما يدل قوله تعالى كتب عليكم الصّيام على الإيجاب وكان بصيغته شاملا لحديث النفس وقوله تعالى لا يُكَلِّفُ اللَّهُ الاية على عدم التكليف على حديث النفس فانه ليس في وسعنا والتحريم تكليف فهو يدل على عدم التحريم فكان ناسخا للتحريم في بعض ما اشتملت عليه الاية الاولى والله اعلم- عن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ان الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل به او تتكلم- متفق عليه قال البغوي- ذهب ابن عباس وعطاء واكثر المفسرين الى انه تعالى أراد بهذه الاية حديث النفس الذي ذكره في قوله وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ الاية- قلت معناه ان حديث النفس داخل في حكم الآيتين بالمؤاخذة وعدم التكليف فلزم النسخ كما ذكرنا لا ان حكم الآيتين منحصر في حديث النفس بل عموم الآيتين ظاهر والله اعلم- (فائدة) بعد ما ثبت ان المؤاخذة على رذائل النفس أشد من المؤاخذة على اعمال الجوارح وان التكليف فوق الطاقة غير واقع أرجو أن المؤمن إذا بذل جهده وصرف همته مهما أمكن على دفع رذائل النفس بالمجاهدة ولم يقتف هواها ولو بالتكلف وتشبث بأذيال الفقراء مريد إزالتها لعل الله تعالى يغفر له رذائلها ولم يؤاخذه عليها لانه قد بذل جهده ووسعه في الانتهاء عما نهى الله عنه وان الله تعالى وعد العفو عما ليس في وسعه- واما من لم يرفع رأسه لملاحظة عيوبها ولم يقصد دفع رذائلها فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً وَيَصْلى سَعِيراً- وبهذا يظهر فرضية أخذ طريقة الصوفية والتشبث بأذيال الفقراء كفرضية قراءة كتاب الله تعالى وتعلم أحكامه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتى- رواه «1» فلا بد من أخذ كتاب الله تعالى لاستنباط أحكامه والعمل والتذكر والاتعاظ به وصعود مدارج القرب بتلاوته وأخذ أذيال آل رسوله وعترته لتهذيب النفوس والقلوب على حسب مرضات الله تعالى وهدايته لَها اى للنفس اجر ما كَسَبَتْ من خير بواسطة الجوارح او بغير واسطتها وَعَلَيْها وزر مَا اكْتَسَبَتْ من شر كذلك يعنى لا ينتفع بطاعتها ولا يتضرر بمعصيتها الا هى وتخصيص الخير بالكسب والشر بالاكتساب لان الاكتساب فيه اعتمال والشر يشتهيه النفس ويجتذب اليه فكانت اجدّ في تحصيله واعمل بخلاف الخير- رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا تقديره قولوا ربّنا لا تؤاخذنا اى لا تعاقبنا إِنْ نَسِينا اى تركنا

_ (1) هكذا بياض في الأصل-

شيئا مما وجب علينا بالنسيان وهو ضد الذكر أَوْ أَخْطَأْنا فى إصابة العمل من قلة مبالاة- وهذه الاية تدل على ان المؤاخذة على الخطاء والنسيان لم يكن ممتنعا عقلا فان الذنوب كالسموم فكما ان تناول السموم يؤدى الى الهلاك وان كان خطأ كذلك تعاطى الذنوب يفضى الى العقاب لو لم يغفره الله وان كان بغير عزم او يوجب ضيق الصدر وغين القلب- كان حضرت الشيخ الشهيد رضى الله عنه يروى عن شيخه السيد السند نور محمد البداونى رضى الله عنه انه كان إذا اهدى اليه طعام او شىء يتوجه اليه بنظر البصيرة فان لم يرفيه ظلمة أكله واستعمله او اعطى غيره وربما دفن بعض الاطعمة التي أهديت اليه فقال له من لا بصيرة له ماذا تفعل ايها الشيخ هلّا تطعم به غيرك فيقول سبحان الله هل يجوز لمسلم راى في طعام سمّا ولا يأكله فيعطى غيره ليأكل- وهؤلاء الرجال هم المخاطبون بقوله صلى الله عليه وسلم استفت قلبك وان أفتاك المفتون- «1» لكن ثبت بالسنة وانعقد عليه الإجماع ان الله سبحانه بفضله ورحمته تجاوز لهذه الامة عن الخطاء والنسيان فورود هذا الدعاء لاجل الاستدامة واعتداد النعمة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- رفع عن أمتي الخطاء والنسيان وما استكرهوا عليه- أخرجه الطبراني من حديث ابن عمر وقد مر فيما قبل- ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم رفع عن أمتي الخطاء والنسيان الحديث- انه رفع إثمهما فلا يؤاخذ بها الله تعالى في الاخرة ولا اثر لهذا الرفع في الدنيا فان الخطاء والنسيان والإكراه واقع محسوس غير مرفوع والدنيا دار العمل فاذا وقع شىء منها لا بد للمكلف تداركها مهما أمكن ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاته او نسيها فليصلها إذا ذكرها فلا يسقط قضاء الصلاة والصوم ونحو ذلك بعلة الخطاء والنسيان اجماعا ويجب سجدتا السهو بالسهو في الصلاة اجماعا والقتل خطأ يوجب الكفارة والحرمان عن الإرث اجماعا والشافعي رحمه الله قد يعتبر الخطأ والنسيان في احكام الدنيا ايضا- (مسئلة) الكلام في الصلاة ناسيا يفسد الصلاة عند ابى حنيفة لما قلنا وقال الشافعي لا يفسد لحديث ابى هريرة قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم احدى صلوة العشى اما المظهر واما العصر فسلم في ركعتين ثم اتى جذعا في قبلة المسجد

_ (1) هكذا بياض في الأصل-

فاستند اليه مغضبا وفي القوم ابو بكر وعمر فهابا ان يكلماه وخرج سرعان الناس فقالوا قصرت فقام ذو اليدين فقال يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة فنظر يمينا وشمالا فقال ما يقول ذو اليدين فقالوا صدق لم تصل الا ركعتين فصلى ركعتين وسلم ثم كبر ثم سجد ثم كبر فرفع ثم كبر فسجد ثم كبر ورفع- متفق عليه قلنا هذا الحديث منسوخ بقوله تعالى قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ وحديث زيد بن أرقم وقد مر في تفسير تلك الاية- ((مسئلة)) الحج يفسد بالجماع ناسيا عند الجمهور خلافا للشافعى وطلاق المكره والمخطى يقع عندنا خلافا للشافعى- ومبنى الخلاف الخلاف في تفسير قوله عليه السلام رفع عن أمتي ((مسئلة)) والصوم يفسد بالأكل خطاء عند ابى حنيفة وصاحبيه ومالك- وقال احمد والشافعي لا يفسد- ويفسد الصوم بالأكل ناسيا عند مالك وهو القياس وعند الجمهور لا يفسد وانما قال ابو حنيفة بعدم فساد الصوم بالنسيان لحديث ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا نسى أحدكم فاكل وشرب فليتم صومه فانما أطعمه الله وسقاه- متفق عليه (مسئلة) الذبيحة يحرم بترك التسمية ناسيا عند مالك واما عندنا فلا يحرم بالحديث على خلاف القياس- وسنذكر هذه المسألة في سورة الانعام ان شاء الله تعالى (فائدة) قال الكلبي كانت بنو إسرائيل إذا نسوا شيئا مما أمروا به او أخطئوا عجلت لهم العقوبة فحرم عليهم شىء من مطعوم او مشروب على حسب ذلك الذنب- رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً- عباء ثقيلا يأصر صاحبه اى يحبسه- والمراد به التكاليف الشاقة التي لا يستطيع القيام بها كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا يعنى اليهود وذلك بان الله تعالى فرض عليهم خمسين صلوة- وأمرهم بأداء ربع المال في الزكوة- ومن أصاب ثوبه نجاسة قطعها- ومن أصاب ذنبا أصبح وذنبه مكتوب على بابه- ولما عبدوا العجل قيل لهم فَتُوبُوا «1» إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ وقيل المراد بالإصر ذنب لا توبة له معناه اعصمنا من مثله- او المعنى لا تجعل في شريعتنا ذنبا لا يكون له توبة رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ

_ (1) فى الأصل توبوا-

من البلاء والعقوبة او من التكاليف الشاقة وهذا يدل على جواز التكليف بما لا يطاق وقد ثبت بالشرع عدم وقوعه فضلا- والتشديد هاهنا لتعدية الفعل الى المفعول الثاني وَاعْفُ عَنَّا اى تجاوز عن المعاقبة على ذنوبنا وَاغْفِرْ لَنا اى امح ذنوبنا واسترها علينا- وَارْحَمْنا فانا لا نأتى بالحسنات ولا نترك السيئات الا برحمتك لا حول ولا قوة الا بك أَنْتَ مَوْلانا سيدنا وناصرنا وحافظنا وولينا فَانْصُرْنا تفريع على الولاية فان من حق المولى ان ينصر عبيده ومواليه عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (287) المراد بهم عامة الكفرة من الجن والانس حتى النفس الامارة بالسوء قال البغوي كان معاذ رضى الله عنه إذا ختم سورة البقرة قال أمين- ورد في الصحيحين في حديث ابى هريرة الذي ذكرناه سابقا ان الله سبحانه قال نعم يعنى بعد ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا وكذا بعد الجملة الثانية الى قوله من قبلنا والثالثة الى قوله ما لا طاقة لنا به والرابعة الى اخر السورة كل ذلك قال نعم- وفي رواية ابن عباس عند مسلم والترمذي قال كل ذلك قد فعلت بدل نعم وفي رواية عنه قال بعد غفرانك قد غفرت لكم وعبد قوله او أخطأنا لا اؤاخذكم وبعد لا تحمل علينا لا احمل عليكم وبعد لا تحمّلنا لا أحملكم واعف عنّا الى آخره قد عفوت عنكم وغفرت لكم ورحمتكم ونصرتكم على القوم الكفرين- هذا الحديث تدل على اجابة الدعاء من الله تعالى- فاما عدم المؤاخذة على النسيان والخطاء فثابت في حق جميع الامة اجماعا وكذا عدم حمل الإصرار وتحميل ما لا طاقة لنا به كما يدل عليه قوله تعالى لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لان الشرع واحد مؤبد فما سقط عن الأوائل سقط عن الأواخر ولا نسخ ولا تبديل بعد النبي صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين واما العفو والمغفرة لجميع الذنوب والرحمة العامة والنصرة على القوم الكفرين فالظاهر ان الاجابة في هذه الأمور مختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين كانوا معه يدل عليه صيغة قد عفوت وغفرت ورحمت ونصرت والا لزم مذهب المرجئة بل الذنوب كلها في مشية الله تعالى ان شاء غفر

وان شاء عذب ومن ثم ترى في كثير من الأوقات عدم النصر على الكفار والخذلان- كيف والنصر متفرع على الولاية كما يدل عليه كلمة الفاء فانى يكون النصر عند ارتكاب المعاصي اللهم اغفر امة محمد اللهم ارحم امة محمد اللهم أصلح امة محمد صلى الله عليه وسلم- ((فصل)) قد مر في فضائل سورة الفاتحة قول ملك نزل من السماء ابشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبى قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ حرفا منهما الا أعطيته يعنى تعليم الله سبحانه الدعاء بقوله اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ الى اخر السورة وبقوله رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا الى اخر السورة مختص بنبينا صلى الله عليه وسلم ولهذا لا يضل أمته بعد الى يوم القيامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجتمع أمتي على الضلالة رواه ( «1» ) وقال لا يزال من أمتي امة قائمة بامر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتى امر الله وهم على ذلك رواه الشيخان في الصحيحين من حديث معاوية- عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال لما اسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به الى السدرة المنتهى وهو في السماء السادسة إليها ينتهى ما يعرج به من الأرض فيقبض منها وإليها ينتهى ما يهبط به من فوقها فيقبض منها قال إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى فراش من ذهب قال فاعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا اعطى الصلوات الخمس واعطى خواتيم سورة البقرة وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات- رواه مسلم يعنى وعد بمغفرة المقحمات اما بالتوبة او برحمة من الله تعالى لمن شاء من غير تعذيب ولو لم يتب او برحمة من الله تعالى بعد العقاب- والحاصل ان المؤمن لا يخلد في النار لاجل الكبائر كما زعمه المعتزلة والروافض والخوارج خذلهم الله تعالى- وعن ابن مسعود الأنصاري قال قال النبي صلى الله عليه وسلم الآيتان من اخر سورة البقرة من قرأ بهما في ليلة كفتاه- رواه الائمة الستة وعن النعمان بن بشير ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال

_ (1) هكذا بياض في الأصل-

ان الله تبارك وتعالى كتب كتابا قبل ان يخلق السموات والأرض بألفي عام انزل منه ايتين ختم بهما سورة البقرة فلا تقران في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان رواه البغوي- وعن ابى مسعود الأنصاري مرفوعا انزل الله ايتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل ان يخلق الخلق بألفي سنة من قراهما بعد العشاء الاخرة اجزتاه من قيام الليل- أخرجه ابن عدى في الكامل- وعن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم السورة التي يذكر فيها البقرة قسطاس القران فتعلّموها فان تعلّمها بركة وتركها حسرة ولن يستطيعها البطلة- قيل وما البطلة قال السحرة «1» أخرجه الديلمي في مسند الفردوس- تم بحمد الله في الخامس 25 والعشرين من الربيع الثاني سنة الف ومائة وست وتسعين سنة 1196 والحمد لله والصلاة على رسوله. بتصحيح: مولانا غلام نبى تونسوى الراجي الى مغفرة ربه القوى 1412 هـ 1991 م.

_ (1) روى البيهقي في الشعب من حديث الصلصال بسند ضعيف مرفوعا من قرأ سورة البقرة توج بتاج في الجنة اخرج الديلمي من حديث ابى هريرة مرفوعا آيتان هما قران وهما يشفعان وهما مما يحبهما الله الآيتان من اخر سورة البقرة- اخرج ابو عبيد من حديث- ان الشيطان يخرج من البيت إذا سمع سورة البقرة تقرأ فيه وفي الباب عن ابن مسعود وابى هريرة وعبد الله بن مغفل- واخرج احمد من حديث بريدة تعلموا سورة البقرة فان أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة- تعلموا سورة البقرة وال عمران فانهما الزهرا وان تظلان صاحبهما كانهما عمامتان او غيابتان او فرقان من طير صواف- واخرج ابن حبان وغيره من حديث سهل بن سعد ان لكل شىء سنام وسنام القران سورة البقرة من قرأها في بيته نهارا لم يدخله الشيطان ثلاثة ايام ومن قرأها في بيته ليلا لم يدخله الشيطان ثلاث ليال- واخرج ابو عبيدة عن عمر بن الخطاب موقوفا من قرأ البقرة وال عمران في ليلة كتب من القانتين- اخرج الدارمي عن المغيرة بن شفيع وكان من اصحاب عبد الله قال من قرأ عشر آيات من البقرة عند منامه لم ينس القران اربع من أولها واية الكرسي وآيتان بعدها وثلث من آخرها- منه نور الله مرقده

فهرس للتفسير المظهرى من الفاتحة إلى اخر البقرة

(بسم الله الرّحمن الرّحيم (1)) فهرس للتفسير المظهرى من الفاتحة الى اخر البقرة المضمون/ الصفحة فاتحة الكتاب 2 حديث هى أم القران وفاتحة الكتاب والسبع المثاني- 2 حديث انها أنزلت من كنز تحت العرش- 2 البسملة- 2 ما ورد فيه- 3 الحمد- 4 الإدغام الكبير- 4 الروم والإشمام في نستعين- 8 مسئلة اختلاف القراء في حركة هاء عليهم 9 إليهم- لديهم- بهم الأسباب ونحوها- إشباع ضمير الجمع- 9 حديث المغضوب عليهم اليهود 10 والضّالّين النصارى- ما ورد في أمين- 10 فصل في فضائل الفاتحة- 11. سورة البقرة 12 الم تحقيق المقطعات على الرواية والكشف 12 فيه مسئلة إشباع هاء ضمير الغائب- 17 ذكر المتقين- 18 ما ورد في التقوى وصلاح القلب اى فناء القلب- 18 حديث الحلال بين إلخ- 18 حديث ان في الجسد مضغة إلخ- 18 يؤمنون- 18 مسئلة همزة مفردة ساكنة- 18 مسئلة الايمان التصديق بالقلب واللسان 19 جميعا بما جاء به النبي ولا يعتبر التصديق بالقلب بدون اللسان الا في حالة الإكراه ولا يعتبر التصديق باللسان بدون القلب أصلا- مسئلة الأعمال غير داخلة في الايمان- 19 المضمون/ الصفحة حديث جبرئيل في الإسلام والايمان والإحسان- 19 حديث ثلاثة لهم أجران رجل من اهل الكتاب إلخ 21 مسئلة مد منفصل ومتصل ولازم 21 وبالاخرة- 21 مسئلة نقل الحركة من الهمزة المفردة وحذفها 21 والسكتة قبلها- مسئلة يمدورش مدا قصيرا ومتوسطا وطويلا على 21 كل مدة وقع بعد همزة ثابتة او محذوفة او مبدلة- ذكر الّذين كفروا- 22 ءانذرتهم- 22 مسئلة الهمزتين المتحركتين في أول الكلمة 23 ختم الله على قلوبهم- 23 مسئلة خلق العلم بعد استعمال الحراس وكذا بعد 23 ترتيب المقدمتين امر عادى- حديث ان القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن- 23 حديث ان المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء- 24 مسئلة الامالة وفتح أبصارهم وكل الف بعدها راء 24 ذكر المنافقين- 25 مسئلة امالة الف النّاس في موضع الجر- 25 مسئلة امالة زاد- جاء- شاء- ران- خاف- 26 خاب- طاب حاق- زاغ- (وضاق ابو محمد) مسئلة إشمام قيل- غيض- جىء- حيل- سيق 26 سيئت- سىء- مسئلة الهمزتين المتحركتين اجتمعتا من كلمتين و 27 حركتهما مختلفة مسئلة حذف الهمزة للفردة المضمومة قبل الواو 28 بعد الكسر نحو مستهزءون حديث المستهزئ بالناس يفتح له باب الى الجنة 28 فاذا اتى اغلق-

مثلهم اى المنافقين- 29 ما ورد في ان المطر من السماء- 30 مسئلة امالة آذانهم- وآذاننا- وطغيانهم- 31 مسئلة امالة فتح الكفرين- 31 بيان وجه المثلين للمنافقين على ما قرر السلف 31 وعلى ما سخ لى وحينئذ يشتمل اثنتين وسبعين فرقة اهل الأهواء- حديث حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات 32 حديث يد الله على الجماعة 34 يا ايّها النّاس اعبدوا إيجاب العبادة والتوحيد 34 فاتوا بسورة إيجاب الايمان بالرسول- 37 ما ورد في النار التي وقودها الناس والحجارة- 38 وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ- 38 العمل الصالح منه العلم- والنية والصبر والإخلاص 38 ما ورد في الجنات والأنهار وما أعدت لاهل الجنة فيهن 38 إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما 41 حديث ان الله يستحيى عن ذى الشيبة المسلم ان يعذبه 42 حديث ان الله حيى كريم إذا رفع اليه العبد 42 يديه ان يردهما صفرا- كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ- انكار على الكفر ببيان 43 موجبات الايمان من الاحياء والاماتة والبعث- ذكر الثواب والعذاب في القبر- 44 هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ 45 اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ- قول اصحاب الارصاد في السماوات 45 ما ثبت بالشرع هيئة السماوات والأرضين- 46 تجلى الرحمن على العرش والقلب والكعبة- 47 مسئلة اسكان هاء هو وهى بعد الواو والفاء واللام وثم 48 إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً 48 ذكر اسكان الملائكة السماء- والجن الأرض زمانا ثم 48 إعطاء ملك الأرض وغيرها لابليس مع جند من الملائكة وإعجابه بنفسه واستخلاف آدم- حديث خلق الله التربة يوم السبت والجبال يوم الأحد 48 والشجر يوم الاثنين الحديث الى قوله وآدم بعد العصر يوم الجمعة ذكر استبعاد الملائكة استخلاف آدم ووجه استحقاقه 49 حديث سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلم ايّ الكلام 49 أفضل قال سبحان الله وبحمده- حديث المرء مع من أحب- 50 حديث لا يزال عبدى يتقرب الىّ بالنوافل إلخ 50 حديث يا ابن آدم مرضت فلم تعدنى- 50 حديث ان الله خلق آدم من قبضة قبضها من 50 جميع الأرض لاستجماع استعداده إلخ- وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ- اى اسماء الخلائق عندهم 49 واسماء الله عندى علما اجماليا وفيه ذكر المعية الذاتية والصفاتية- حديث أسئلك بكل اسم هو لك الحديث- 51 مسئلة ما لا يجوز في القران القول بالرأى وما يجوز- 51 حديث كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد- 53 التجلي الذاتي مشروط بالجسد 53 مسئلة اجتماع الهمزتين المكسورتين من 53 كلمتين والمفتوحتين والمضمومتين- مسئلة خواص البشر أفضل من خواص الملائكة 54 وعوام البشر يعنى الأولياء أفضل من بعض الملائكة ووجه أفضليته بالنقل والكشف- مسئلة عصاة المؤمنين بعد العذاب او المغفرة 55 بعد دخول الجنة التحقوا بالأولياء- مسئلة ترقيات الملائكة والبشر في مقامات الصفات 55 وغير ذلك- وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ- 55 حديث إذا قرا ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكى 55 حديث من لم يشكر الناس لم يشكر الله- 56 حديث خلقت الملائكة من نور إلخ- 56 قصة اسكان آدم الجنة وإخراجه- 57 حديث قتل الحيات- 58

مسئلة امالة هداى- ومثواى- ومحياى ودعياك 59 مسئلة الجنة مخلوقة موجودة في الجهة العالي- 59 مسئلة عذاب الكفار مخلد- 59 مسئلة عصمة الأنبياء- 59 يبنى إسرائيل- خوطبوا خاصة بعد خطاب 60 الناس عامة- مسئلة اثبات الياءات المحذوفة في الخط- 61 حديث الا ان شر الشرار شرار العلماء وان خير 62 الخيار خيار العلماء- مسئلة الكفار مخاطبون بالفروع- 63 مسئلة الجماعة في الصلاة وما ورد فيه- 63 ما ورد في الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم 64 ما جاء في الصلاة عند الفزع والحاجة والصبر على 64 الطاعة وعن المعصية خوفا وطمعا واستلذاذا بامر المحبوب- حديث جعلت قرة عينى في الصلاة- 65 مسئلة الصلاة معراج المؤمن تكون وسيلة للرؤية 65 حديث قيل أسئلك مرافقتك في الجنة قال فاعنى 65 بكثرة السجود- حديث اقرب ما يكون العبد الى الرب وهو ساجد- 65 وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ- 66 قصة عذاب فرعون على بنى إسرائيل وقتل أبنائهم 67 قصة نجاة بنى إسرائيل وغرق فرعون واله- 68 مسئلة امالة ذوات الياء والف التأنيث المقصورة 69 من الأسماء والافعال والصفات وانى وبلى ومتى وعسى غير حتى والى وعلى ولدي (وما زكى ابو محمد) قصة ذهاب موسى الى الطور وعبادة بنى إسرائيل 70 العجل وإيتاء التورية ونزول توبتهم بقتل أنفسهم- فتيب عليهم مسئلة ادغام الذال في التاء- 70 مسئلة اختلاس بارئكم ويأمركم ويأمرهم 171 وينصركم ويشعركم- مسئلة امالة بارئكم وسارعوا ونحوه والجار و 71 جبّارين والجوار وانصارى الى الله ولمشكوة في النور- قصة قولهم لن نؤمن لك حتّى نرى الله- وصعقهم 72 وبعثهم- وتظليل الغمام- ونزول المن والسلوى وأمرهم بدخول القرية سجدا قائلين حطة فقالوا غير الذي قيل لهم ونزول الرجز عليهم- ذكر استسقاء موسى وانفجار العيون من الحجر بضربه 74 ذكر استبدال بنى إسرائيل من المن والسلوى العدس 76 والبصل- قيل اهبطوا مصرا- 76 إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا الى اخر الاية 77 حديث لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه- 77 حديث لا يؤمن أحدكم حتى يحب لاخيه ما يجب لنفسه- 78 حديث لا يبلغ العبد حقيقة الايمان حتى يحزن 78 من لسانه- وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ- 78 قصة ابتلائهم بمنع الصيد في السبت وجعلهم قردة- 79 قصة أمرهم بذبح البقرة حين قتلوا نفسا وتدارءوك 80 وان البقرة كانت لفتى بارا لامه- 80 ولبره لامه اعطى بملا مسكها دنانيز- 81 مسئلة لا يجوز حمل المطلق على المقيد ان كانا في- 82 حادثتين- او دخل التقييد في السبب دون الحكم وعندى انه يحتمل التقييد- مسئلة الحوادث بإرادة الله 83 تنبيه- من حق الطالب ان يقرب قربة والمتقرب يبتغى 84 الأحسن والغالي في الثمن- مسئلة ذهب اهل السنة ان الله تعالى علما في الجمادات 84 والحيوانات فلها تسبيح وصلوة وخشية- ما ورد في تسليم الأحجار والأشجار على النبي صلّى الله عليه وسلم 85 وحديث ان أحدا يحبنا ونحبه- وكلام البقر وحنين الجزع- 85 قطع طمع النبي صلى الله عليه وسلم عن ايمانهم وذكر منافقيهم 85 حديث الويل في جهنم يهوى به الكافر أربعين خريقا- 88

ذكر قبائح اليهود ونقضهم العهود- 88 مسئلة وقف حمزة بابدال الهمزة المنفردة او 89 حذفها او تسهيلها- وايّدنه بروح القدس- 92 حديث ما من بنى آدم مولود الا يمسه الشيطان إلخ- 92 وفريقا تقتلون- 93 حديث سحر رسول الله صلّى الله عليه وسلم- 93 حديث يهودية سمت شاة وأهدت- 93 حديث هذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم- 93 حديث ما من مولود الا يولد على الفطرة إلخ- 94 مسئلة ادغام دال قد في أحرف 8- 96 حديث تحفة المؤمن الموت- 97 حديث القبر أول منزل- 97 حديث لم تمنوا اى اليهود الموت لماتوا- 97 فصل هل يجوز التمني بالموت- 98 مسئلة عداوة الملائكة والرسل كفر- 104 مسئلة السحر كفر وحكم من قتل رجلا بالسحر- 106 مسئلة حكم من قتل إنسانا بالسيفى والدعاء- 106 وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ 107 ما روى في هذه القصة عن ابن عباس- 108 قال البيضاوي هذه القصة من رموز الأوائل- 109 ما قلت في حله- 109 مسئلة علم يتعلق بظاهر القلب وعلم يتخلص 110 الى صميم القلب- حديث العلماء ورثة الأنبياء- 110 حديث خير الخيار خيار العلماء- 110 مسئلة النسخ والانساء- 112 ما ورد في الصلاة على الراحلة في السفر 117 ما ورد في الصلاة في ليلة مظلمة فلم يدر اين القبلة- 117 مسئلة حقيقة الصلاة وسعة ذاتية بلا كيف- 117 حديث قدسى كذبنى ابن آدم وشتمنى إلخ- 117 حديث أفضل الصلاة طول القنوت- 118 مسئلة كن فيكون بالنصب يدل على كون في 119 الأعيان الثابتة وكون في الخارج بوجود ظلى وعلى التوحيد الشهودى دون الوجودي- حديث ليت شعرى ما فعل أبواي- 120 مسئلة ايمان اباء النبي صلّى الله عليه وسلم وما ورد فيه 120 مسئلة امامة الفاسق- 124 حديث لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق- 124 حديث اسمعوا وأطيعوا ولو كان عبدا حبشيا 124 مسئلة ادغام ذال إذ في أحرف 6 124 حديث ان هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السموات إلخ 125 مسئلة الركعتان بعد الطواف هل هى واجبة 126 ومكان أدائها وما ورد فيها- حديث انما الأعمال بالنيات- 126 قصة اسكان ابراهيم إسماعيل وهاجر بمكة و 127 وتزويج إسماعيل وبناء البيت ومقام ابراهيم- حديث الركن والمقام ياقوتتان إلخ- 128 إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً 128 آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ- حديث لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة إلخ 129 حديث الدنيا ملعونة إلخ 129 قصة بناء البيت وأول امره 130 حديث المسلم من سلم المسلمون إلخ- 131 حديث انى عند الله مكتوب خاتم النبيين وآدم 131 بدل في طينة وساخبركم باول امرى ودعوة ابراهيم إلخ- سفه نفسه- تفسيره من عرف نفسه فقد عرف ربه- 132 كمال الصلاح العصمة- 133 قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ- 133 قال له جبرئيل لما رمى في النار هل لك حاجة قال لما إليك فلا- 133 حديث عم الرجل صنو أبيه- 134 حديث ردوا على ابى يعنى العباس- 134 حديث انا اولى الناس بعيسى- الأنبياء اخوة 136 من علات ومعناه إلخ-

1 سيقول السّفهاء من النّاس ما وليهم 138 عن قبلتهم جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً- 138 حديث هذه الامة توفى سبعين امة هى أخيرها- 139 ما ورد في كون هذه الامة شهداء للانبياء على الأمم- 139 مسئلة علم الله تعالى قديم وبيان حدوث التعلق- 141 ذكر كيفية قبلته صلّى الله عليه وسلم قبل الهجرة- 142 وبيان التحويل الى الكعبة بعد الهجرة- 142 حديث ما بين المشرق والمغرب قبلة- 143 قصة استدارة النبي صلّى الله عليه وسلم في الظهر في 144 مسجد بنى سلمة وأول صلوة صلّى الى الكعبة العصر بتمامه واهل قبا استداروا في الفجر- ما ورد في الصلاة في الكعبة- 144 فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ- امر للامة 146 بمصاحبة العارفين والاجتناب عن الشاكين- حديث فضلنا على الناس بثلاث جعلت صفوفنا 147 كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا- حديث تمام النعمة دخول الجنة- 148 مسئلة ما ورد في العلم اللدني- 149 ما ورد في الاذكار- وما اختار المجدد رضى الله عنه في العزلة 151 حديث خير مال المسلم الغنم 152 حديث الصلاة عماد الدين- الصلاة نور المؤمن- 152 مسئلة حيوة الشهداء- والأنبياء- والأولياء 152 والصديقين يعنى ارباب كمالات النبوة- والوجود الموهوب- ما ورد في ثواب المصيبة والاسترجاع 154 مسئلة السعى بين الصفا والمروة وشرائطها- 157 حديث ان الكافر يضرب بين عينيه يعنى في القبر- 158 ما ورد في التوبة- 159 حديث في هاتين الآيتين الاسم الأعظم إلهكم 160 اله واحد- والله لا الله الّا هو الحىّ القيّوم- إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ- الآيات على وجود الصانع 160 وصفاته- مسئلة افراد الريح وجمعه 161 وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ- 162 مسئلة تحقيق الحب لله تعالى من العوام والخواص- 163 مسئلة إيلام المحبوب ألذ- 163 حديث ان إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه 165 حديث ان للشيطان لمة وللملك لمة 165 مسئلة ادغام لام هل وبل في أحرف 8- 166 حديث ان الله طيب لا يقبل الا الطيب إلخ ثم ذكر 167 الرجل يطيل السفر يمد يده الى السماء مطعمه حرام إلخ حديث قدسى انى والانس والجن في نبأ عظيم اخلق 168 ويعبد غيرى وارزق ويشكر غيرى- مسئلة حرمة الميتة الا السمك والجراد وان لا يجوز 168 بيعه ولا أكل ثمنه ولا الانتفاع بشحمه ولا بجلده قبل الدباغ- 169 مسئلة الجلد بعد الدباغ- 169 مسئلة شعر الميتة وعظمها وعصبها وقرنها وحافرها- 169 مسئلة الخنزير نجس عينه لا يجوز بيع شيء من اجزائه- 170 مسئلة هل يجوز الانتفاع بشعره 170 مسئلة أكل الميتة ونحوها عند الاضطرار- 171 مسئلة الايمان بالله ويوم القيمة مع ما فيه والملائكة 173 وماهيتهم وكيف جزاء أعمالهم- والكتب والنبيين وكيفية الايمان بها وبهم وليس منها الايمان بالائمة- مسئلة ما ورد في الانفاق على حب الله من غير رياء وفي 174 حالة الصحة وخشية الفقر ومن أحب الأموال وبسخاوة القلب مسئلة ما ورد في انفاق على ذوى القربى- 175 حديث ان ال ابى فلان ليسوا لى اولياء انما وليي الله 175 وصالحوا المؤمنين ولكن لهم رحم ابلها- 175 حديث ليس الواصل بالمكافئ- 175 حديث انا وكافل اليتيم كهاتين- 175 حديث من كان يؤمن بالله فليكرم ضيفه- 176 ما ورد في حق السائل- 176 حديث ان في المال حقا سوى الزكوة إلخ- 176

حديث اية المنافق إذا حدث كذب إلخ- 177 بيان منصب الأبرار واما الصديقون المقربون 177 فمزيد فضلهم مبنى على الفضل والاجتباء- 177 مسائل القصاص- 177 مسئلة هل يجوز لوارث المقتول أخذ المال 178 من غير رضاء الجاني- ما ورد في قتل النفس بالنفس- 179 مسئلة هل يقتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر- 180 مسئلة هل يقتل الوالد بالولد 182 مسئلة إذا قتل الجماعة واحدا قتلوا- 182 مسئلة واحد قتل جماعة هل يجب عليه القصاص 182 والدية معا- مسئلة لا قصاص في الخطأ والعمد ما هو- 182 مسئلة هل يقتص بمثل ما قتل 183 مسئلة القاتل لا يصير كافرا- 185 مسئلة القاتل لا يصير كافرا- 185 مسئلة الوصية للوالدين والأقربين كانت فريضة 187 ثم نسخت في حق الورثة وبقي جائزا في حق غير الورثة من الأقارب ويجوز للاجانب- مسئلة لا يجوز الوصية فيما زاد على الثلث الا 186 برضاء الورثة- مسئلة ان جار الموصى في الوصية يجب الإصلاح 187 على الحاضرين وولاة امور المسلمين- حديث ان الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله فيضاران 187 فى الوصية يجب لهما النار كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ- 188 حديث يا معشر الشباب من استطاع الباه فليتزوج 188 ومن لم يستطع فعليه بالصوم- ما ورد في صوم عاشوراء- 189 مسئلة يجوز الفطر للمريض والمسافر- 189 مسئلة مقدار السفر المرخص- ماذا 190 حديث المسح على الخفين ثلاثة ايام للمسافر- 190 مسئلة سفر المعصية هل يبيح الفطر- 190 مسئلة وجوب القضاء على المريض والمسافر 190 والتتابع ليس بشرط مسئلة الحامل والمرضع إذا أفطرتا هل يجب عليهما 191 الفدية مع القضاء- مسئلة من اخّر قضاء رمضان بعذر حتى جاء رمضان 191 اخر فلا فدية عليه وان اخّر بغير عذر فهل يجب عليه الفدية مع القضاء- مسئلة كانوا في ابتداء الإسلام مخيرين بين الصوم 191 والفدية مع القدرة على الصوم ومن غير قدرة بالطريق الاولى ثم نسخ مع القدرة فيجوز للشيخ الفاني الفطر وهل يجب عليه الفدية- مسئلة ما مقدار الفدية- 193 مسئلة الصوم أفضل للمسافر ان لم تضرر به والا 193 فالفطر أفضل كالمريض ولا فطر للمريض بلا تضرر- مسئلة اثم من أفطر رمضان بلا عذر- 194 حديث انما سمى رمضان لانه يرمض الذنوب 194 ما ورد في نزول القران وغيره من الكتب السماوية في رمضان- 195 مسئلة لا يصح صوم الحائض- 195 مسئلة من سافر في رمضان جازله الفطر- 195 مسئلة من سافر وهو صائم هل يجوز فطر ذلك اليوم 196 مسئلة يجب القضاء على الحائض والنفساء- 196 مسئلة من مات وعليه صوم فان اوصى بالفدية 197 يجب الإنفاذ من الثلث وهل يجب على الوارث الفدية او القضاء ان لم يوص والتحقيق انه ان تطوع الوارث بالقضاء من الميت يجزيه- مسئلة يجوز الصوم من المريض والمسافر- 197 حديث الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى ترووا الهلال ولا تفطروا- فان غم عليكم إلخ- 198 مسئلة صلوة العيد والتكبيرات- 198 فصل في فضائل شهر رمضان وصيامه- 199 حديث اربعوا على أنفسكم انكم لا تدعون اصمّ ولا غائبا 201 مسئلة قربه تعالى بالمخلوقات- 201 مسئلة اجابة الدعاء وما ورد فيه وما يمنعه- 201

مسئلة اباحة الجماع ليلة رمضان بعد ما لم يكن 203 مباحا بعد النوم والعشاء او في رمضان كله- حديث من تزوج فقد احرز ثلثى دينه- 203 مسئلة من جامع امرأته ينبغى ان يريد الولد دون 204 قضاء الشهوة فالعزل مكروه- والجماع مقتصر على محل الولد- ما ورد في جواز الاكل للصائم بعد الفجر المستطيل 204 يعنى الكاذب ما لم يطلع المستطير يعنى الصادق- ما يدل على جواز الاكل بعد الفجر ما لم يتبين الخيطان 205 الأبيض والأسود ثم نسخ واستقر الأمر على ان المراد بالخيط الأبيض هو الفجر- مسئلة حقيقة الصوم الإمساك من الصبح الى 206 الغروب مع النية- مسئلة هل يجوز النية بعد الفجر- 206 مسائل الاعتكاف وانه في العشر الأخير سنة- 208 مسئلة دراعى الوطي حرام في الصوم والاعتكاف 209 وان انزل فسدا- لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ- 209 حديث اما ان حلف على ماله ليأكل ظلما إلخ- 209 مسئلة حرمة الدعوى الباطل وانكار الحق عند الحكام 209 مسئلة قضاء القاضي لا يحل حراما وهل ينفذ في 210 العقود والفسوخ باطنا- مسئلة الاشتغال بالعلوم التي ليس فيها فائدة 210 دينية لا ينبغى- ما ورد في النهى عن قتل النساء والصبيان والشيوخ 212 والرهبان من اهل الحرب- مسئلة لا يجوز في الحرم البداية بالقتال- 213 حديث أمرت ان أقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا الله الا الله إلخ- 213 مسئلة لا فرق بين الوثني والكتابي- 214 حديث لا تقتله يعنى الكافر بعد قول لا الله الا الله 214 فان قتلته فانه بمنزلتك قبل ان تقتله وأنت بمنزلته إلخ- مسئلة يجوز القتال في الحرم والشهر الحرام 215 والإحرام ان كان البداية في القتال من الكفار- حديث من مات ولم يغزو لم يحدث نفسه بالغزوة إلخ 215 ما ورد في وجوب الحج وما ورد في وجوب العمرة وكونها سنة- 217 هل يجوز فسخ الحج بالعمرة أم نسخت هذه المتعة ايضا- 218 مسئلة الإحصار عن الحج او العمرة بمرض أوعدوا وغيرهما- 220 والاشتراط بالتحلل لعذر- 221 مسئلة وجوب الهدى على المحصر- 222 مسئلة محل الذبح للمحصر- 222 مسئلة على القارن المحصر دمان او دم 224 مسئلة التحلل يحصل بنفس الإحصار او الذبح او الحلق والحلق واجب املا- 224 مسئلة المحصر إذا حل هل يجب عليه القضاء وقضاء 225 العمرة عمرة وللحج حج وعمرة- 225 مسئلة إذا حلق المحرم بعذر 225 مسئلة في القران والتمتع يجب دم فهل هو دم شكر 226 فيجوز أكلها ودم جبر فلا يجوز مسئلة لا يجوز ذبح دم التمتع قبل يوم النحر 227 مسئلة المتمتع إذا لم يجد الهدى صام ثلاثة ايام 227 فى الحج آخرها يوم عرفة وجاز قبل ذلك في الإحرام ولا يجوز بعد ذلك لعدم الإحرام- ما ورد في النهى عن صوم يوم الفطر ويوم النحر و 227 ايام التشريق. مسئلة المتمتع إذا لم يصم الى يوم عرفة هل يصوم 227 فى ايام التشريق- مسئلة إذا لم يصم الثلاثة في الحج هل يقتضى الثلاثة 228 او تعين عليه الدم مسئلة متى يصوم السبعة- 229 مسئلة هل يجوز للمكى التمتع وان تمتع هل يجب عليه الهدى فان وجب إلخ- مسئلة ما دون المواقيت او دون مسافة السفر في حكم 229 المكي اولا-

مسئلة التمتع أفضل او القران- 230 مسئلة النبي صلّى الله عليه وسلم كان مفردا وقارنا او متمتعا 230 مسئلة هل يكفى للقارن طواف وسعى للنسكين او 230 لا بد من طوافين وسعيين- صحّ انه صلّى الله عليه وسلم طاف للقدوم والزيارة وسعى سعيين 230 الحجّ أشهر معلومت يعنى وقت الإحرام- 230 مسئلة هل يجوز الإحرام قبل ذلك- 231 مسئلة الإحرام شرط للحج- 231 مسئلة الإحرام ما هو- 232 مسئلة ما يحرم على المحرم وهل يجوز له النكاح ويعقد 233 مسئلة يكره الحج بلا زاد 234 مسئلة يجوز التجارة في الحج- 235 حديث عرفة كلها موقف وارتفعوا من بطن عرنة ومزدلفة كلها إلخ 236 مسئلة الوقوف بعرفة ركن وبالمزدلفة ليس بركن وهل 237 هو واجب وما القدر الواجب منه- مسئلة وقت الوقوف بعرفة- 239 مسئلة مناسك يوم النحر الرمي والذبح والحلق 239 والطواف والسعى ان لم يسع بعد طواف القدوم- مسئلة اركان الحج الإحرام والوقوف بعرفة وطواف 239 الزيادة وقيل السعى والحلق ايضا- ما ورد في قوله رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ الاية- 240 فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ- 241 مسئلة لا يحل النفر بعد دخول الليلة الثالثة او طلوع 241 الصبح الا بعد الرمي- مسئلة المقار بمنى ايام التشريق والمبيت بها في لياليها 241 والرمي ليس شيء منها ركن فقيل بوجوب الثلاثة- وقيل بالرمي فقط وقيل بهما دون الرمي- مسئلة وقت الرمي- 242 مسئلة الترتيب بين الجمار وهى ثلاث في ايام التشريق 244 وجمرة العقبة فقط يوم النحر بسبع حصيات- حديث ابغض الرجال الى الله الا لد الخصام- 244 حديث أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر- 245 قصة سرية الرجيع أميرهم عاصم بن ثابت وفيهم خبيب وزيد بن الدلعة 246 حديث الايمان بضع وسبعون شعبة فافضلها قول لا إله الا الله إلخ 248 حديث أمتهوّكون أنتم لقد جئتكم بيضاء نقية ولو كان 249 موسى حيا ما وسعه الا اتباعى إلخ- اقوال السلف والخلف وقول الصوفية في قوله تعالى ان 250 يأتيهم الله في ظلل من الغمام- حديث يجمع الله الخلق فينزل اهل كل سماء الى قوله ثم 250 ينزل ربنا في ظلل من الغمام إلخ حديث هذا (يعنى رجلا من فقراء المسلمين ان خطب 253 لا ينكح) خير من ملا الأرض مثل هذا (يعنى الذي قيل فيه انه من اشرف الناس ان خطب ان ينكح) حديث وقفت على باب الجنة فرايت اكثر أهلها للمساكين- 253 حديث قال أول من سيّب الصوائب وعبد الأصنام عمرو بن عامر 253 حديث رايت عمرو بن عامر يجر قصبه في النار- 253 حديث ما من مولود الا يولد على الفطرة إلخ- 254 ذكر عدد الأنبياء ... 124 والرسل 315 والمذكور في القران 26 254 مسئلة الجهاد فرض على الكفاية- 257 حديث أحيّ والداك قال نعم قال عليه السلام ففيهما جاهد إلخ 257 فصل في فضائل الجهاد- 257 مسئلة الجهاد أفضل من الصلاة والصوم النافلة 258 والذكر أفضل من الجهاد- والذكر هو الحضور الدائمى المعبر بالجهاد الأكبر- قصة بعث عبد الله بن جحش- 259 مسئلة حرمة القتال في الأشهر حرام وما ورد فيه 261 ما ورد في خروج النبي صلّى الله عليه وسلم عام الفتح الى مكة والى 262 حنين ومحاصرة الطائف ورجوعه بالمدينة ومدة الغيبة مسئلة الارتداد إذا تعقبه التوبة والإسلام هل يحبط 263 ما عمل قبل الردة- مسئلة العمل غير موجب ولا قاطع في الدلالة- 264 مسئلة تحريم الخمر وكل شراب أسكر كثيرة وما ورد فيه- 266 مسئلة نجاسة الخمر وحد شاربه- 266 مسئلة حرمة الميسر وما ورد في النهى عن النرد والشطرنج وغيرهما 269

ما ورد في اثم الخمر- 270 مسئلة لا يجوز الانتفاع بالخمر في الاختيار وفي الاضطرار 270 يجوز وهل يجوز التداوى وما ورد فيه- مسئلة هل يجوز تخليل الخمر- 271 قوله صلّى الله عليه وسلم كيّة لمن ترك دينارا- 272 ما ورد في قوله صلّى الله عليه وسلم خير الصدقة ما كان عن 273 ظهر غنى- ما ورد في ان الأفضل من الصدقة جهد المقل- 273 وجه التوفيق بينهما باختلاف الاشخاص- 273 حديث ارتحلت الدنيا مدبرة والاخرة مقبلة ولكل واحد منهما بنون إلخ 275 حديث مالى وللدنيا ما انا والدنيا الا كراكب إلخ- 275 حديث ان إمامكم عقبة كؤدا لا يجوّزها المثقلون إلخ 275 مسئلة لا يجوز للمؤمن نكاح مشركة او تزويج بالعكس- 276 حديث تنكح المرأة لاربع فاظفر بذات الدين ألح- 276 حديث خير متاع الدنيا المرأة الصالحة- 276 حديث اتقوا النساء إلخ- 276 مسئلة جواز مخالطة الحائض وما ورد فيه- 277 مسئلة حرمة الوطي في الحيض وهل يجوز بعد الانقطاع 278 قبل الغسل وهل يجب الكفارة على من اتى حائضا- مسئلة هل يجوز من الحائض استمتاع ما تحت الإزار 278 دون الجماع- مسئلة الحيض تمنع جواز الصلاة والصوم ووجوب الصلاة 279 دون الصوم ودخول المسجد والطواف ومس المصحف والقراءة- مسئلة اباحة الجماع منحصر في القبل بشرائطها ... 280 والدبر حرام من الرجل والمرأة مطلقا- ما ورد في حرمة الدبر وما قيل في الرخصة وأجيب عنه- 281 مسئلة ينبغى ان يقصد بالنكاح ما يرجع الى الدين 285 حديث في بضع أحدكم صدقة إلخ- 285 حديث إذا مات الإنسان انقطع عمله الا من ثلاثة إلخ 285 حديث لا يموت لاحد من المسلمين ثلاثة من الولد إلخ- 285 حديث من كان له فرطان إلخ- 285 حديث من يقول عند الجماع- 285 حديث عجبا لامر المؤمن ان أصابته سراء شكر- 286 مسئلة الإكثار بالحلف مكروه- 286 حديث الحلف حنث او ندم- 286 مسئلة ما ورد فيمن حلف بيمين فراى غيرها خيرا 286 منها فليكفر عن يمنه وليفعل الذي هو خير- لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ- 287 مسئلة إذا كان اليمين من غير قصد نحو لا والله و 287 بلى والله فلا اثم عليه وهل ينعقد ويجب عليه الكفارة- حديث ثلاث جد هن جدو هزلهن جد- وفي رواية اربع- 287 مسئلة من حلف على شيء يرى انه صادق فيه ثم تبين 288 له خلاف ذلك فلا اثم عليه ولا كفارة وقيل فيه كفارة- حديث الصلاة الخمس والجمعة الى الجمعة ورمضان 290 الى رمضان كفارات بيان اقسام الايمان وأحكامها 290 ما ورد في النهى عن الحلف بغير الله- 290 ما ورد في يمين الغموس- 291 لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ 291 مسئلة من حلف على اكثر من اربعة أشهر يكون موليا 292 وفي اقل منها لا- وهل يكون في اربعة أشهر- وهل يجوز الفيء بعد اربعة أشهر 292 مسئلة هل يجب العمل على القراءة الشاذّة وهل يجوز 292 تخصيص الكتاب بقراءة ابن مسعود- مسئلة إذا مضى اربعة أشهر هل يقع الطلاق- او يجبر 293 الزوج على الطلاق او ينوب عنه الحاكم في التسريح بالإحسان- مسئلة هل يكون موليا باليمين بالطلاق ونحوه- 295 مسئلة من ترك وطيها اربعة أشهر بغير يمين هل يكون موليا 295 مسئلة مدة إيلاء الرقيق- 295 مسئلة هل يجوز القيء بالقول عند تعذر الوطي- 295 وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ- 295 حديث طلاق الامة طلقتان وعدتها حيضتان- 295 مسئلة هل المراد بالقروء الحيض او الطهر- 295 مسئلة قول المرأة مقبول فيما لا يعرف الا بخبرها- 297

مسئلة الرجعة في عدة الرجعى جائز وهل يجوز الوطي في العدة 298 مسئلة هل يشترط للرجعة القول او تحصل الرجعة بالوطى 298 والدواعي ايضا- وهل يشترط الاشهاد للرجعة- 298 ما ورد في حق المرأة على الزوج- 299 ما ورد في حق الزوج على المرأة- 299 الطّلاق مرّتن- يعنى الرجعى- 300 مسئلة جمع الطلقتين بلفظ او بألفاظ في طهر حرام 300 اولا ويقع الطلقتان وكذا الثلاث- مسئلة تفريق الطلقات على أطهار ثلاث جائز- 303 حديث ان إبليس يضع عرشه على الماء- 303 حديث ابغض الحلال الى الله الطلاق- 303 مسئلة الطلاق في الحيض يقع لكنه حرام يجب الرجعة 304 بعده فان شاء ان يطلقها على وجه السنة متى يفعل- مسئلة عدد الطلاق بالنساء او بالرجال- 304 حديث او تسريح بإحسان حين سئل اين الطلقة الثالثة- 306 مسئلة طلب الطلاق معصية إذا كان النشوز من جانبها- 307 حديث أيما امرأة إلخ- 307 حديث المختلعات هن المنافقات 307 وان كان النشوز من جانبه فلا يحل له أخذ المال لكن 307 ينعقد الخلع- 307 مسئلة الخلع هل هو طلاق او فسخ- 307 قصة امراة ثابت بن قيس في الخلع- 309 حديث جعل الخلع تطليقة- 310 مسئلة الخلع على اكثر من الصداق صحيح هل يكره أم لا- 310 فان طلّقها يعنى ثالثا فلا تحلّ له من بعد حتّى تنكح 311 زوجا غيره- مسئلة الوطي من الزوج الثاني شرط للحل- 312 حديث لا حتى تذوقى عسيلته ويذوق 312 عسيلتك- مسئلة الوطي من الزوج الثاني يهدم الطلقات 313 الثلاث وهل يهدم ما دون الثلاث ايضا- مسئلة لو نكحت زوجا اخر واشترطت منه ان يطلقها 314 فطلقها بعد الوطي فهذا النكاح صحيح أم لا وان صح فهل يحل للزوج الاول أم لا- وان كان في عزمهما ذلك ولم يشترطا هل يصح النكاح اولا فان صح حلت للزوج الاول لكنه يكره لحديث كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم- حديث لعن الله المحلّل والمحلّل له- 314 مسئلة هل يجوز نكاح الحرة العاقلة البالغة من غير ولى 317 مسئلة لا يجوز إجبار الحرة البالغة الثنية وهل يجوز 319 إجبار البكر البالغة- مسئلة للاب إجبار البكر لصغيرة وهل له إجبار الثيب الصغيرة 321 مسئلة إرضاع الأولاد واجب على الام فان لم تقدر 322 ويقدر الأب على الاستيجار فعليه وان استاجر زوجته او معتدته لترضع ولدها لم يجز وقيل يجوز وبعد العدة يجوز- مسئلة مدة الإرضاع ما هى- 322 مسئلة نفقة الابن الصغير على أبيه والكبير الزمن 323 والأنثى كذلك وقيل على الأبوين - مسئلة قدر نفقة الزوجة على حسب وسع الزوج- 323 مسئلة التكليف بما لا يطاق جائز عقلا منتف شرعا- 323 مسئلة إذا لم يكن للصغير اب فعلى من يجب نفقته- 325 مسئلة تجب النفقة على الوارث الغنى لكل ذى رحم محرم فقير 325 عندنا إذا كان صغيرا- او امرأة- او زمنا بقدر إرثه والمعتبر اهلية الإرث- مسئلة لا يجب النفقة على الفقير ولا مع اختلاف 325 الدين الا للابوين وأجداده ان كانوا فقراء- ونفقة الأصول على الأولاد فقط على السوية- حديث أنت ومالك لابيك- 326 حديث ان أطيب ما أكل الرجل من كسب ولده إلخ- 326 حديث كل من مال يتيمك غير مسرف إلخ- 326 مسئلة لا يجوز الفصال قبل الحولين من غير 327 تراض بينهما- مسئلة يجوز الاسترضاع من غير الام بشرائط- 327

مسئلة عدة المتوفى عنها زوجها اربعة أشهر وعشرة 328 وعدة الحوامل عن طلاق كانت او وفاة وضع الحمل- حديث ان سبيعة الاسلمية ولدت بعد زوجها بليال 328 فاذن لها فنكحت- فصل يجب للاحداد في عدة الوفاة لا في الرجعى وهل 328 يجب في البائن- مسئلة لا يجوز للمطلقة في العدة الخروج من بيتها 329 وهل يجوز للمتوفى عنها بعذر- ما ورد في الإحداد- 329 مسئلة يجوز التعريض في العدة من الوفاة- 330 حديث ذكر رسول الله صلّى الله عليه وسلم لام سلمة وهى معتدة منزلته من الله 331 وفي العدة من الطلاق البائن هل يجوز التعريض أم لا وفي الرجعى لا يجوز 331 مسئلة لا يجب المهر في المفوضة المطلقة قبل المسيس و 332 هل يجب المتعة وهى ثلاثة أثواب بحسب حاله وقيل غير ذلك- مسئلة يجب نصف المسمى للمطلقة قبل المسيس الا ان 333 يعفون النصف او يعفو الزوج فيعطى الكل- مسئلة المعطى أفضل من المعطى له- 334 مسئلة الصلاة فريضة قطعيّة يكفر جاحدها وهل 334 يكفر تاركها بغير عذر ويقتل او يفسق ويحبس حتى يتوب ما ورد من الوعيد في تاركها وفي فضلها- 334 مسئلة الصلاة الوسطى ما هى- 335 مسئلة اىّ صلوة يكون فيها مانع عن الإتيان لا بد فيه زيادة النعامة 336 حديث كنا نتكلم في الصلاة فنزلت وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ فامرنا بالسكوت 337 حديث اىّ الصلاة أفضل قال صلّى الله عليه وسلم طول القنوت- 337 حديث قنت رسول الله صلّى الله عليه وسلم شهرا- 337 مسئلة قنوت الفجر بدعة- 337 مسئلة تجوز صلوة الخوف رجالا وركبانا وهل يجوز حال 338 المسابقة وان صلوا ركبانا فهل يجوز بجماعة- مسئلة لا ينتقص عدد الركعات بالخوف- 338 مسئلة الوصيه للزوجات بالنفقة الى الحول 339 كانت واجبة فنسخت- حديث كانت إحداكن ترمى بالبعرة الى رأس الحول- 339 مسئلة تعقة العدة والسكنى واجب في الرجعى وهل 340 يجب في البائن كلاهما او السكنى فقط وما ورد فيه- مسئلة هل يجب المتعة للمطلقة بعد المسيس او لا بل يستحب 342 قصة اهل داورد ان الذين خرجوا حذر الموت حتى وقع الماعون- 343 حديث إذا سمعتم بالطاعون في ارض إلخ 343 حديث رب زد أمتي حين نزلت مثل الّذين ينفقون 344 أموالهم في سبيل الله كمثل حبة- فنزلت من ذا الّذى يقرض الله الاية- حديث قدسى ابن آدم استطعمتك فلم تطعمنى إلخ- 345 ما ورد في فضيلة القرض- 345 حديث ما من يوم يصبح فيه العباد الا ملكان ينزلان إلخ- 346 حديث مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما 346 جبّتان من حديد إلخ- حديث من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب إلخ 346 قصة بنى إسرائيل واشموئيل وملك طالوت والتابوت 346 وقتل داود جالوت- حديث ما أكل أحد خيرا من ان يأكل من عمل يديه إلخ 352 حديث أعطيت مزمارا من مزامير ال داود- 352 حديث ان الله يدفع بالمسلم الصالح عن مائة اهل بيت إلخ 353 حديث لولا رجال ركع إلخ- 353 تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ- 353 ما ورد في افضلية النبي صلّى الله عليه وسلم على الناس 354 أجمعين وبعض معجزاته وخصائصه- حديث ان الله خلق خلقه في ظلمة فالقى عليهم نوره إلخ 355 مسئلة الايمان بالقدر- 356 تأويل حديث لا تفضلوا بين أنبياء الله وحديث لا تخيرونى 356 على موسى وحديث لا أقول ان أحدا أفضل من يونس- مسئلة الحوادث كلها بيد الله ولا يجب على الله شيء- 356 قال عمر لمّا قبض رسول الله صلّى الله عليه وسلم ارتدت العرب 357 وقالوا لا نؤدى زكوة فقال ابو بكر إلخ- مسئلة العالم يحتاج الى الصانع في الوجود والبقاء 358 أشد احتياجا من الظل الى الأصل-

حديث ان الله لا ينام ولا ينبغى له ان ينام- 358 ذكر الكرسي وحديث ما السموات السبع والأرضون مع الكرسي إلخ 359 ما ورد في فضائل اية الكرسي- 361 لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ- وانما الجهاد لدفع الفساد دون الإكراه 362 مسئلة الايمان امر وهبى- 364 حديث ما من مولود الا يولد على الفطرة إلخ- 364 أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ- قصة نمرود مع ابراهيم عليه السلام- 365 مسئلة يا ات أسكنها حمزة- 365 أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ- قصة ارميا 366 او عزير حين راى خراب بيت المقدس او دير هرقل- حديث ان الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء- 369 وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى - 370 حديث نحن أحق بالشك من ابراهيم إلخ- 370 حديث ليس الخبر كالمعاينة إلخ- 371 ما قالت الصوفية في العروج والنزول- 371 حديث ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم- 374 حديث لا يدخل الجنة منان ولا عاق- 375 ما ورد في الرياء والسمعة- 376 حديث أيكم مال وارثه أحب اليه من ماله إلخ- 377 حديث بقي كلها غير كتفها في شاة- بقي كتفها من الانفاق 377 مسئلة لا يجب الزكوة في مال الصبى عندنا 377 حديث لا يكسب عبد مال حرام فيتصدق منه إلخ 379 مسئلة تجب الزكوة في العروض والعقار إذا كانت للتجارة 379 وهل تجب كل سنة إذا لم يبع سنين- حديث ما من مسلم يغرس غرسا او يزرع زرعا إلخ- 380 حديث لا يدخل هذا يعنى شيئا من فمعز الدولة الحرث بيت قوم 380 الا ادخله الذل- مسئلة يجب العشر ونصف العشر في النخيل والكرام وما يقتات 380 من الحبوب وهل يجب في الخضروات وغير ذلك مطلقا او في ما يبقى في أيدي الناس خاصة- مسئلة لا يشترط في زكوة الزرع حولان الحول ولا العقل ولا البلوغ 382 ويشترط الإسلام وهل يشترط فيه النصاب وهى خمسة اوسق ونحو ذلك فيما لا يكال 382 مسئلة إذا ملك المسلم ارض خراج وزرع فيه هل يجب 383 عليه العشر اما بعد سقوط الخراج او معه او لا يجب عليه العشر فلا يجتمعان- مسئلة هل يجب في المعدن ربع العشر فيصرف مصرف الزكوة 384 او الفيء او يجب الخمس وهل يختص هذا الحكم بمعدن الذهب والفضة او في كل ما يذوب وينطبع او أعم من ذلك- مسئلة قراءة ابن كثير بالتشديد برد التاء الساقطة في 386 ولا تيمّموا وغيره في احدى وثلاثين موضعا وتفصيلها- مسئلة إذا كان له مال جيد لا ينبغى له ان يعطى العفو 387 الردى وان كان المال كله رديا فلا بأس به وان كان مختلطا يعطى بحسابه- ما ورد في فضل الانفاق وذم الإمساك- 387 ما ورد في فضل العلماء- 388 ما ورد في افضلية الصدقة السر من العلانية- 389 وفيه حديث سبعة يظلّهم الله- 389 حديث ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم- 389 حديث صدقة السرّ تطفئ الذنب- 390 مسئلة اضاعة المال حرام- 391 مسئلة صدقة التطوع يجوز ان يعطى الذمي منها 391 واما الصدقة المفروضة فلا يجوز وضعها الا في المسلمين مسئلة المشتغلين بالعلوم الظاهر والباطن والجهاد 392 والممتنعين عن السؤال أحق بالإنفاق كاصحاب الصفة كانوا اربع مائة رجل- ما ورد في النهى عن السؤال والالحاف ونصاب 392 حرمة السؤال- الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ- الاية 393 حديث من احتبس فرسا في سبيل الله إلخ 394 الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ الّا كما 394 يقوم الّذى يتخبّطه الشّيطن- حديث في قصة الاسراء فانطلق بي جبرئيل الى رجال 394 كثير كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم إلخ وفي رواية بطونهم كالبيوت فيها الحيات-

1 ما ورد في أكل الربوا ومؤكله وكاتبه وشاهديه- 395 مسئلة تأبيد هذا العذاب مخصوص بالكفار- 395 مسئلة البيع ما هو- 396 مسئلة لا يصح بيع المجنون والصبى الذي لا يعقل 396 مسئلة بيع الصبى العاقل- 396 مسئلة البيع بالتعاطى- 396 مسئلة يشترط في المباشرة من ولاية شرعية- 396 مسئلة بيع الفضولي وشراؤه ما ورد فيه- 396 مسئلة البيع اربعة- البيع المطلق- والمعائضة والصرف والسلم وبيان أحكامها- مسئلة حرمة الربوا- 399 ما ورد في الأشياء الستة الربوية- 400 مسئلة حرمة الربوا معلول في البحث عن علته- وما سنح 401 لى ان اية الربوا ليست بمجمل وبيانه- مسئلة المكيلات والموزونات إذا بيع شيء 402 منها بجنسه يحرم التفاضل والنساء ولا جائز ان يجعل بعض الاجزاء مقابلا للاجل او الجودة ولا عبرة بالجودة- مسئلة بيع الرطب بالتمر- والزبيب بالعنب 403 والحنطة الرطبة واليابسة والمقلية مسئلة بيع العددى المتقارب بمثله- 403 مسئلة بيع البر بالشعير- 404 مسئلة بيع البر بالحديد 404 مسئلة بيع الحيوان بالبرا وبالحديد- 404 مسئلة بيع الحيوان بالحيوان من جنس واحد او جنسين وما ورد فيه- مسئلة الشروط في البيع وما اختلفوا فيه- 405 وما احتجوا به- البحث عن الشروط منها ما يبطل في نفسها ولا 407 يفسد به البيع ومنها ما لا يبطل ويجب الإتيان بها ولا يفسد البيع- ومنها ما يفسد به البيع وهو فى معنى الربوا- مسئلة استحلال الحرام كفر- 409 حديث ما أحد اكثر من الربوا الا كان عاقبة 409 امره الى قلة- حديث ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله 409 بعفو الا عزّا وما تواضع أحد لله إلا رفعه- حديث الخلق عيال الله- 409 حديث في خطبته الا كل شيء من امر الجاهلية تحت 410 قدمى موضوع- حديث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان 411 تشترى التمرة حتى تطعم وقال إذا ظهر الربوا فى قرية إلخ- حديث ما من قوم يظهر فيهم الربوا إلخ 411 مسئلة المربى يحبس حتى يتوب وان كان له 411 منيعة لا يقدر على حبسه يقاتله الامام وهو الحكم فى كل من اصرّ على ترك فريضة وارتكاب كبيرة- قال ابو بكر لو منعونى عقالا لا جاهدنهم- حديث مطل الغنى ظلم إلخ- 411 مسئلة مال المرتد بعد قتله او موته- او لحوقه 412 ما اكتسب في حال الردة فيء- وما اكتسب في الإسلام فهو لورثته المسلمين وقيل فيء- مسئلة يجب امهال المعسر- 412 حديث من يسر على معسر إلخ- 412 ما ورد في تأجيل الدين والإبراء عنه والتصدق به- 413 وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ هذا 413 اخر اية نزولا فعاش بعده النبي صلى الله عليه وسلم أحدا وعشرين يوما او اكثر او اقل ومات لليلتين خلتا من ربيع الاول سنة- مسئلة السلم جائز- 414 مسئلة البيع بثمن مؤجل والسلم لا يجوز 414 ما لم يكن الاجل معلوما- مسئلة الاجل يلزم في الثمن في البيع وفي 414 المبيع في السلم وفي النكاح وغير ذلك ولا يلزم في القرض-

مسئلة السلم لا يجوز الا فيما ينضبط في 415 الذهن يذكر جنسه ونوعه وصفته وقدره ولا يجوز الا بذكر هذه الاربعة ومقدار الاجل- وهل يشترط معرفة قدر رأس المال وان يكون المبيع موجودا من وقت العقد الى المحل ومكان التسليم هل هو متعين او يشترط بعينه- فيجوز السلم في المكيلات- مسئلة يجوز السلم في المكيلات والموزونات 416 والمزروعات التي لا تتفاوت والمعدودات التي لا تتفاوت وهل يجوز في المعدودات المتفاوتة- مسئلة هل يجوز السلم في الحيوان- 416 مسئلة هل يجوز قرض الحيوان- 417 مسئلة يجوز النكاح والخلع والصلح على عبد 418 او فرس غير معين وكذا كل ما كان فيه مبادلة مال بغير مال وما كان فيه مبادلة مال بمال كالبيع والاجارة والصلح عن اقرار يشترط فيه كمال الانضباط- مسئلة الشرع اعطى القرض حكم العارية و 418 جعل دفع مثله كدفع عينه مسئلة ما يجوز قرضه وما لا يجوز- 419 مسئلة ان اهدى المستقرض الى المقرض شيئا 419 او حمله على دابته لا يحل ان كان بشرط- وهل يحل لعان كان بغير شرط ولم يكن بينهما عادة- ويحل ان كان بينهما عادة- مسئلة هل يجوز اقراض الخبز او الخير- 419 مسئلة كتابة الدين مستحب- 420 مسئلة العدل على الكاتب واجب- 420 مسئلة الكاتب إذا طلب للكتابة هل يجب عليه 420 الكتابة او يستحب- مسئلة الإقرار بلا بخس على المديون واجب 420 وإقراره حجة- مسئلة لا يجوز شهادة الصبى والمجنون والمعتوه 421 وهل يجوز شهادة العبد- مسئلة لا يجوز شهادة الكافر على مسلم و 421 هل يجوز شهادة بعضهم على بعض مسئلة نصاب الشهادة في الزنى اربعة من الرجال 423 وفي غير ذلك رجلان او رجل وامرأتان الا انه لا يجوز شهادة النساء في الحدود والقصاص وهل يجوز فى غير المال كالنكاح والطلاق ونحوهما مسئلة لا يشترط في رواية الحديث الحرية 424 والذكورة والعدد- حديث ان دماءكم وأموالكم واعراضكم حرام- 424 حديث حرمة ما لكم كحرمة دمكم- 424 حديث من قتل دون ماله فهو شهيد ومن 424 قتل دون دمه إلخ- مسئلة لا يجوز الحكم بشاهد واحد مع يمين المدعى 424 فى غير الأموال وهل يجوز في الأموال- مسئلة يشترط لقبول الشهادة لفظة اشهد 426 مسئلة يجوز شهادة النساء وحدهن فيما لا يطلع 426 عليه الرجال وهل يكفى شهادة امرأة او لا بد من اثنتين او من اربع- مسئلة لا يجوز شهادة الفاسق- 427 مسئلة العدالة إتيان الواجبات والاجتناب عن 427 الكبائر وترك الإصرار على الصغائر- ما ورد في الكبائر- 427 ما ورد فيمن لا يقبل شهادتهم لاجل الفسق 427 او التهمة بالعداوة الدنيوية او بالولاد والازدواج او نحو ذلك او لكونه محدودا في قذف- مسئلة هل يقتصر الحاكم على ظاهر صلاح 428 الشاهد أم يسئل عنه سرّا وعلانية- مسئلة في زماننا هذا يقبل شهادة الفاسق 428 إذا دلت القرائن على صدقه وغلب على الظن انه لا يكذب- مسئلة اختار المتأخرون تحليف الشهود 428 مكان التزكية-

حديث انكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به 428 هلك ثم يأتى زمان إلخ- مسئلة الفاسق اهل للشهادة فان قبل القاضي 428 شهادته جاز لكنه يأثم إذا لم يبالغ في طلب الحق غاية وسعه- مسئلة هل يجب تحمل الشهادة إذا مادعوا- 429 مسئلة يجب أداء الشهادة بعد التحمل إذا ما دعوا- 429 حديث من كتم شهادة إلخ- 429 مسئلة إذا دعى الشاهد الى مجلس القاضي يجب 429 عليه ان كان مجلس القاضي قريبا- 429 مسئلة لو كان الشاهد شيخا فاركبه الطالب 429 على دابته او استأجر له حمارا هل تقبل شهادته- مسئلة لو وضع للشاهد طعاما ولم يشترط ذلك 429 حديث الراشي والمرتشي في النار- 430 مسئلة هل يجوز للشاهد ان يشهد برؤية 430 خطه من غير تذكر- مسئلة هل يجوز للقاضى ان يعمل بما وجد مكتوبا 430 فى ديوانه- حديث إذا رايت مثل الشمس فاشهد- 431 مسئلة الاستشهاد عند المبايعة مستحب- 431 حديث ابتاع النبي صلى الله عليه وسلم فرسا 431 من أعرابي الحديث وفيه جعل شهادة خزيمة بشهادة رجلين- مسئلة القاضي لو كان عالما بحق وسعه 431 الحكم على علمه- مسئلة السلطان او غيره لو ابتاع من غيره 431 شيئا او كان له حق على الغير وهو يعلم ذلك يقينا- ومن عليه الحق منكر جاز له عند الله ان يأخذ حقه جبرا- مسئلة ولو رفع الأمر الى قاضى اخر لا يجوز له الحكم 432 بعلم السلطان او القاضي المدعى- مسئلة لا يضر كاتب وشاهد أحدا من المتبايعين 432 ولا أحدهما كاتبا او شاهدا- مسئلة الرهن مشروع لازم لا يجوز للراهن 432 استرداده ما بقي عليه درهم- مسئلة يجوز الرهن في الحضر ومع وجود 432 الكاتب ايضا- مسئلة لا يلزم الرهن بدون القبض ولا يجوز 432 رهن المشاع وقيل يلزم ويجوز- مسئلة لا يجوز للراهن الانتفاع بالمرهون الا 433 برضاء المرتهن- مسئلة لا يجوز للراهن شيء من التصرفات الشرعية 433 فى المرهون فان فعل يتوقف البيع والهبة ونحوهما على اجازة المرتهن او الفك وينعقد العتق ونحوه ويجب عليه قيمته رهنا ان كان موسرا والا على العبد- مسئلة يجب على الراهن نفقة المرهون- 433 مسئلة زوائد المرهون ملك للراهن ويكون 433 مرهونا- مسئلة ما أنفق المرتهن على المرهون- 434 مسئلة إذا مات الراهن يباع المرهون في 434 بدل الرهن ولا يتعلق به حق سائر الغرماء- مسئلة ان هلك الرهن في يد المرتهن من غير 434 تعد هل يكون مضمونا بالدين او بالقيمة او باقلهما- او لا يضمن الا بالتعدي- حديث لا ايمان لمن لا امانة له ولا دين لمن 436 لا عهد له- مسئلة كتمان الشهادة حرام- 436 مسئلة إذا كان المشهود له لا يعلم بشهادة الشاهد 436 يجب على الشاهد ان يعلّمه بانه شاهد- حديث خير أمتي قرنى ثم الذين يلونهم 436 حديث الا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتى 437 بشهادته قبل ان يسئل-

مسئلة ان من الممكنات مجردات- 437 مسئلة المؤاخذة ثابتة على افعال القلوب والنقوس 437 ما ورد في رذائل النفس ومحامدها- 437 حديث من هم بسيئة فلم يعمل بها إلخ- 438 مسئلة الحساب حق- 438 مسئلة التعذيب على الذنوب صغائرها و 438 كبائرها حق لكنه ليس بواجب يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء- فصل من الناس من يدخل الجنة بغير حساب 439 وما ورد فيه والتحقيق فيه بانهم الصوفية العلية والشهداء والمتشبثون بهم ومن يلحق بهم- مسئلة مدح ايمان الصحابة واهل 441 السنة والجماعة- حديث ان بنى إسرائيل تفرقت على ثنتين 441 وسبعين ملة إلخ مسئلة التكليف بالمحال غير واقع والقدرة 442 شرط اى القدرة الموهومة الموجودة قبل الفعل لا القدرة الحقيقية التي مع الفطر- حديث ان الله تجاوز عن أمتي ما وسوست 443 به صدورها- فائدة أرجو ان المؤمن إذا بذل جهده لدفع 443 رذائل النفس ان لا يؤاخذ عليها- حديث تركت فيكم الثقلين- 443 مسئلة لا بد من أخذ كتاب الله وأخذ أذيال 443 الفقراء عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم مسئلة تعاطى الذنوب وان كان خطأ يوجب 444 ضيق الصدر وغير القلب لكن الله تعالى وعد ان لا يؤاخذ على الخطأ والنسيان في الاخرة واما في الدنيا فالمؤاخذة لم ترتفع يجب قضاء الصلاة والصوم بالنسيان والسجدتان بعد السلام بالسهو فيها والكفارة وحرمان الإرث بالقتل خطأ- مسئلة الكلام ناسيا في الصلاة هل يفسدها- 444 مسئلة الحج هل يفسد بالجماع ناسيا- 445 مسئلة هل يقع طلاق المكره والمخطئ- 445 مسئلة الصوم هل يفسد بالأكل خطأ 445 لكنه لا يفسد بالأكل ناسيا وقيل يفسد- 445 مسئلة هل يحرم الذبيحة بترك التسمية 445 ناسيا- مسئلة يستحب للقارى ان يقول أمين بعد 446 إتمام سورة البقرة- فصل فيما ورد في فضل الآيتين اخر البقرة 447 وفي فضل سورة البقرة- مسئلة المؤمن لا يخلد في النار 447 لاجل الكبائر- تمت البقرة.

سورة ال عمران

القسم الأول من الجزء الثاني [سورة ال عمران] نحمدك يا من لا اله الّا أنت ونسبّحك ونستعينك ونستغفرك ونشهد انك مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممّن تشاء وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء بيدك الخير انّك على كلّ شىء قدير أنت ربّنا وربّ السّموات والأرض ومن فيهنّ ونصلّى ونسلّم على رسولك وحبيبك سيّدنا ومولانا محمّد وبه على جميع النّبيّين والمرسلين وعلى عبادك الصّالحين (سورة ال عمران) مدنية وايها مائتان ربّ يسّر وتمّم بالخير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اخرج ابن ابى حاتم عن الربيع بن انس ان النصارى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فخاصموه فى عيسى فانزل الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الى بضع «1» وثمانين اية من ال عمران وقال ابن إسحاق حدثنى محمد بن سهل بن ابى امامة قال لما قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسئلونه عن عيسى بن مريم نزلت فيهم فاتحة ال عمران الى رأس الثمانين منها كذا اخرج البيهقي فى الدلائل وكذا قال البغوي عن الكلبي والربيع بن انس وغيرهما نزلت هذه الآيات فى وفد نجران وكانوا ستين راكبا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم اربعة عشر رجلا من اشرافهم وفى الاربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يؤل أمرهم العاقب أميرهم وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون الا عن رأيه واسمه عبد المسيح والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم واسمه الا بهم وابو حارثة بن علقمة أسقفهم وحبرهم- دخلوا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى العصر عليهم ثياب حبرات جبب وأردية فى جمال رجال لحارث بن كعب يقول من راهم ما راينا وفدا مثلهم وقد حانت صلاتهم فقاموا للصلوة فى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

_ (1) قلت الظاهر انها اربعة وثمانون اية الى قوله تعالى لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ وبعد ذلك قوله تعالى وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ وما بعده نزلت فى رجال ارتدوا كما سيذكر- منه برد الله مضجعه الخطبة 12 الناشر

[سورة آل عمران (3) : الآيات 1 إلى 2]

دعوهم فصلوا الى المشرق- فكلم السيد والعاقب فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلما فقالا قد اسلمنا قبلك قال كذبتما يمنعكما من الإسلام دعاءكما لله ولدا وعبادتكم الصليب وأكلكما الخنزير قالا ان لم يكن عيسى ولد الله فمن أبوه وخاصموه جميعا فى عيسى عليه السلام فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم الستم تعلمون ان ربنا حى لا يموت وان عيسى يأتى عليه الفناء قالوا بلى قال ألستم تعلمون ان ربنا قيم على كل شىء يحفظه ويرزقه قالوا بلى قال فهل يملك عيسى من ذلك شيئا قالوا لا قال ألستم تعلمون ان الله تعالى لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ قالوا بلى قال فهل يعلم عيسى عليه السلام من ذلك الا ما علم قالوا لا قال فان ربنا صور عيسى عليه السلام فى الرحم كيف شاء وربنا لا يأكل ولا يشرب قالوا بلى قال ألستم تعلمون ان عيسى حملته امه كما تحمل المرأة ووضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غذى كما يغذى الصبى ثم كان يطعم ويشرب ويحدث قالوا بلى قال فكيف يكون هذا كما زعمتم فسكتوا فانزل الله صدر سورة ال عمران الى بضع وثمانين اية منها فقال عز من قائل الم (1) اللَّهُ قرا ابو يوسف يعقوب بن خليفة الأعشى عن ابى بكر الم مقطوعا بسكون الميم على الوقف كما هو فى سائر المقطعات ثم قطع الهمزة للابتداء وقرا الجمهور بالوصل «1» مفتوح الميم فعند سيبويه فتح الميم لالتقاء الساكنين الميم ولام الله لا يقال ان التقاء الساكنين غير محذور فى باب الوقف لانا نقول ان الوقف ليس مرويا عند الجمهور وانما هو على قراءة ابى يوسف يعقوب كما ذكر وفى صورة الوقف كما قرا يعقوب يتحمل التقاء الياء والميم الساكنين فى كلمه ميم دون التقاء ثلاث ساكنات وحركت الميم بالفتح لكونها أخف الحركات ولم تكسر لاجل الياء وكسر الميم قبلها تحاميا عن توالى الكسرات وقال الزمخشري انما هى فتحة همزة الوصل من الله نقلت الى الميم وانما جاز ذلك مع ان الأصل فى همزة الوصل إسقاطها مع حركتها لان الميم كان حقها الوقف ومقتضى الوقف ابقاء همزة الوصل كما قراء به يعقوب لكنها أسقطت للتخفيف فابقيت حركتها لتدل على انها فى حكم الثابت ونظرا على ان الميم فى حكم الموقوف وليس بموقوف اجمع القراء على جواز المد الطويل فى مد الميم بقدرست حركات والمد القصير بقدر حركتين والله اعلم- والله مبتدا وخبره لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خبر لا محذوف تقديره لا اله فى الوجود الا هو والمستثنى فى موضع الرفع بدل

_ (1) والحق ان الوقف بمد الطويل والوصل بالقصر والمد جائز ان للكل

من موضع لا واسمه الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) بدل من هو او خبر مبتدا محذوف اى هو الحي القيوم وقد ذكرنا شرح الاسمين فى اية الكرسي- اخرج ابن ابى شيبة والطبراني وابن مردوية من حديث ابى امامة مرفوعا اسم الله تعالى الأعظم فى ثلاث سور البقرة وال عمران وطه قال القاسم صاحب ابى امامة فالتمستها فوجدت انه الحي القيوم لاجل اية الكرسي فى البقرة وهذه الاية فى ال عمران وو عنت الوجوه للحىّ القيّوم فى طه وقال الجزري صاحب الحصين وعندى انه لا اله الّا هو الحىّ القيّوم قلت عندى هو لا اله الا هو جمعا بين حديث ابى امامة هذا وحديث اسماء بنت يزيد قالت «1» سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول فى هاتين الآيتين اسم الله الأعظم وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ واللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ رواه الترمذي وابو داود وابن ماجة والدارمي وحديث سعد بن ابى وقاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوة ذى النون إذا دعا ربه وهو فى بطن الحوت لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ لم يدع بها رجل مسلم فى شىء الا استجاب له رواه احمد والترمذي- وفى المستدرك للحاكم اسم الله الأعظم الذي إذا دعى به أجاب وإذا سئل به اعطى لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ وحديث يزيد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول اللهم انى أسئلك بانى اشهد ان لا اله الّا أنت الأحد الصّمد الّذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد- فقال دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به اعطى وإذا دعى به أجاب رواه احمد واصحاب السنن الاربعة وابن حبان والحاكم وقال الترمذي حسن غريب وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين- وروى هؤلاء الجماعة كلهم عن انس قال كنت جالسا فى المسجد ورجل يصلى فقال اللهم انى أسئلك بان لك الحمد لا اله الا أنت الحنان المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حى يا قيوم فقال النبي صلى الله عليه وسلم دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعى به أجاب وإذا سئل به اعطى ولم يذكر ابن ابى شيبة يا حى يا قيوم قلت فهذه الأحاديث كلها يقتضى ان الاسم الأعظم انما هو القدر المشترك بينها وذلك هو التهليل النفي والإثبات- ولا اله الا هو موجود فى السور الثلاث البقرة وال عمران وكذا فى طه الله لا اله الّا هو له الأسماء الحسنى وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا اله الا الله هو أفضل الذكر رواه الترمذي وغيره من حديث جابر مرفوعا وهو مفتاح الجنة رواه احمد عن معاذ مرفوعا وقد تواتر معناه-

_ (1) فى الأصل قال- ابو محمد عفا الله عنه

[سورة آل عمران (3) : آية 3]

((فائدة)) وردت صيغة التهليل فى أحاديث اسم الله الأعظم بلفظ لا اله الّا هو او لا اله الّا أنت وهذا اللفظ ارفع درجة من لفظ لا اله الا الله لان الضمائر وضعت للذات البحت ففى كلمة لا اله الا هو ينتقل الذهن اولا الى الذات بلا ملاحظة اسم من الأسماء وصفة من الصفات وشأن من الشئونات وكلمة الله وان كان اسما للذات لكن الذهن هناك ينتقل اولا الى الاسم وثانيا الى المسمى وقد ينتقل الذهن من حيث الاشتقاق الى معنى الالوهية فيكون من اسماء الصفات غير ان صفة الالوهية يستدعى الاتصاف بجميع صفات الكمال والتنزه عن جميع شوائب النقص والزوال فيكون أتم وأشمل من سائر اسماء الصفات- والصوفية العلية انما اختاروا كلمة لا اله الا الله لاجل المبتدى فان المبتدى لا سبيل له الى الذات البحت الا بتوسط اسم من الأسماء او صفة من الصفات- قلت ولعل وجه كون النفي والإثبات أعظم الأسماء ان اثبات الالوهية له تعالى يقتضى اثبات جميع صفات الكمال له تعالى باقتضاء ذاته وسلب جميع النقائص عنه كذلك فانه من ليس كذلك لا يستحق العبادة- ونفى الالوهية عما عداه يقتضى حصر تلك الصفات الايجابية والسلبية فيه تعالى فهو أعظم الأسماء وأشملها والله اعلم. نَزَّلَ اى هو نزل عَلَيْكَ الْكِتابَ اى القران نجوما فان التفعيل للتكثير بِالْحَقِّ حال من الكتاب اى متلبسا بالصدق فى اخباره او بالدين الذي هو الحق عند الله مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ اى لما قبله من الكتب فكان من حقه ان يؤمن به كل من أمن بما قبله فهو حجة على النصارى واليهود حين كفروا به وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) جملة ومن ثم عدل هاهنا من التنزيل الى الانزال فان الانزال أعم منه- قرا ابو عمرو وابن ذكوان والكسائي التّورية بالامالة فى جميع القران ونافع وحمزة بين بين والباقون بالفتح- والتورية اسم عبرانى للكتاب الذي انزل على موسى عليه السلام والإنجيل اسم سريانى للكتاب الذي انزل على عيسى عليه السلام وليست الكلمتان عربيتان فمن قال انه فوعلة او تفعلة من ورى الزند وافعيل من النجل فقد تكلف. مِنْ قَبْلُ اى قبل تنزيل القران حتى يستعد الناس للايمان به هُدىً لِلنَّاسِ اى لجميع الناس ولا وجه لتخصيص الناس بقوم موسى وعيسى عليهما السلام فان الكتب السماوية كلها تدعوا جميع الناس الى التوحيد والايمان بجميع ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 5]

الأنبياء وتوجب العلم بالمبدأ والمعاد وتهدى الى سبيل الرشاد من امتثال أوامر الله تعالى والانتهاء عن المناهي- وتخبر التورية والإنجيل والزبور عن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وكون بعض الآيات منها منسوخة فى فروع الأعمال فى بعض الأحيان لا ينافى كونها هدى كما ان بعض آيات القران نسخت بالبعض فان النسخ لبيان مدة الحكم فالاية حجة لنا على ان شرائع من قبلنا يلزمنا على انه شريعة لنبينا صلى الله عليه وسلم وقال الشافعي لا يلزمنا- وقوله هدى حال من التورية والإنجيل حمل عليهما للمبالغة او بتأويل اسم الفاعل ولم يثن لانه مصدر وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ 5 اى جنس الكتب الالهية واللام للاستغراق- ذكر ذلك بعد الكتب الثلاثة ليعم ما عداها كانّه قال وانزل سائر الكتب الفارقة بين الحق والباطل- او المراد به القران وكرر ذكره مدحا وتعظيما واظهار الفضلة فانه يشارك والجميع فى كونه منزلا من الله تعالى يتميز عما عداها باعجاز اللفظ الموجب للفرق بين المحق والمبطل- وانما أعاد انزل لبعد المعطوف عليه ولئلا يلتبس بالعطف على هدى مفعولا له او اشارة الى ان للقران انزالا يعنى الى السماء الدنيا ليلة القدر وتنزيلا نجما نجما على حسب الحوادث وقال السدى فى الاية تقديم وتأخير تقديرها وانزل التورية والإنجيل من قبل والفرقان هدى للناس إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ المنزلة فى شىء من الكتب لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بسبب كفرهم كما يعترف به اهل الكتاب وَاللَّهُ عَزِيزٌ غالب لا يمنعه من التعذيب أحد ذُو انْتِقامٍ (4) لا يقدر على مثله منتقم والنقمة عقوبة المجرم والفعل منه نقم بفتح العين والكسر- وعيد بعد تقرير التوحيد والاشارة الى صدق الرسول بمطابقة ما جاء به الكتب السماوية وكونه معجزا-. إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ كائن فِي الْأَرْضِ وَلا شىء كائن فِي السَّماءِ (5) والمراد به شىء كائن فى العالم كليّا كان او جزئيا- وانما عبر عن العالم بهما لان الحس لا يتجاوزهما- وانما قدم الأرض على السماء لان المقصود بالذكر انه تعالى يعلم اعمال العباد فيجازيهم عليه- وهذه الجملة كالدليل على كونه حيا وما بعده كالدليل على كونه قيوما اى. هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ على صور ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 7]

وألوان وإشكال مختلفة ذكرا او أنثى على ما أراد لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فلا يعلم ولا يقدر أحد سواه الا بتعليم وأقداره على كسبه على حسب إرادته الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6) بدل من المستثنى او خبر لمبتدا محذوف اى هو العزيز الحكيم اشارة الى كمال قدرته وتناهى حكمته عن ابن مسعود قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ان خلق أحدكم يجمع فى بطن امه أربعين يوما نطفة ثم تكون علقة مثل ذلك ثم تكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله الملك اليه بأربع كلمات فيكتب رزقه وعمله واجله وشقى او سعيد قال وان أحدكم ليعمل بعمل اهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل النار فيدخلها- وان أحدكم ليعمل بعمل اهل النار حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل الجنة فيدخلها- متفق عليه- وعن حذيفة بن أسيد يبلّغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر فى الرحم بأربعين او بخمس وأربعين ليلة فيقول يا رب أشقى او سعيد فيكتبان فيقول اى رب اذكر او أنثى فيكتبان ويكتب عمله واثره واجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص رواه البغوي. هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ اى القران مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ التي أحكمت وأتقنت عباراتها بحيث لا يشتبه على سامع عالم باللغة منطوقه ولا مفهومه ولا مقتضاه اما بلا تأمل كقوله تعالى قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ وقوله تعالى وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وقوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ واما بعد طلب وتأمل من غير حاجة الى بيان من الشارع كقوله تعالى السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ يظهر شموله للطرّار بأدنى تأمل لوجود معنى السرقة فيه مع زيادة وعدم شموله للنباش لنقصان معنى السرقة فيه فان السرقة أخذ مال مملوك لغيره على سبيل الخفية وكفن الميت غير مملوك لاحد فان الميت باعتبار احكام الدنيا ملحق بالجماد لا يصلح للمالكية وحق الورثة لا يتعلق الا بعد التكفين وكقوله تعالى وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ فانه بعد التأمل يظهر انه معطوف على المغسولات لضرب الغاية فيه وقوله تعالى ثَلاثَةَ قُرُوءٍ فانه بعد التأمل يظهر ان المراد به الحيضات دون الاطهار لان الطلاق مشروع فى الطهر فلا يتصور عدد الثلاثة بلا نقصان او زيادة الا فى الحيضات وقوله تعالى قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ يظهر ... ...

بالتأمل ان المراد كون صفائها كصفاء القوارير كائنا من جنس الفضة فعلى هذا دخل فى المحكم الظاهر والنص والمفسر والمحكم والخفي والمشكل على اصطلاح الأصوليين وما ذكرنا من تفسير المحكم هو للمستفاد من قول ابن عباس وهو المعنى من قول محمد بن جعفر بن الزبير ان المحكم ما لا يحتمل من التأويل غير وجه واحد وما قيل المحكم ما يعرف معناه ويكون حجة واضحة ودلائله لائحة هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ قال فى القاموس الام الوالدة وأم كل شىء أصله وعماده وللقوم رئيسهم وكل شىء انضمت اليه أشياء قلت الكتاب هاهنا اما بمعنى المكتوب اى المفروض كما فى قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ فالاضافة بمعنى اللام والام بمعنى الوالدة او الأصل يعنى المحكمات هن والدات واصول لما كتب علينا إتيانه او الكف عنه من الفرائض والمحرمات- واما بمعنى القران فالاضافة حينئذ اما بمعنى من يعنى انها أم للاحكام من الكتاب يؤخذ منها الاحكام بلا حاجة بيان من الشارع واما بمعنى اللام والمعنى انها عماد للقران وبمنزلة رئيس القوم لسائر الآيات يحتاج إليها غيرها ويضم إليها حتى يستفاد من غيرها المراد منها يردها الى المحكمات وكان القياس ان يقال أمهات الكتاب لكن أورد لفظ المفرد ليدل على ان المحكمات كلها بمنزلة أم واحدة لان الاحكام المفروضة تؤخذ من جميعها لا من كل واحدة منها وكذا مرجع المتشابهات الى مجموعها باعتبار بعضها لا الى كل واحدة منها وَآيات أُخَرُ جمع اخرى معدول من الاخر او اخر من ولذا منع من الصرف للعدل والوصف مُتَشابِهاتٌ التي يشتبه على السامع العارف باللغة المراد منه بحيث لا يدرك بالطلب ولا بالتأمل الا بعد بيان من الشارع بعبارة محكمة فان وجد البيان والتعليم من جهة الشارع وظهر المراد منها سميت مجملا على اصطلاح الأصوليين كالصلوة والزكوة والحج والعمرة واية الربوا ونحو ذلك وان لم يوجد البيان والتعليم سميت حينئذ متشابها على اصطلاحهم ولا يجوز هذا القسم الا فيما لا يتعلق به العمل كيلا يلزم التكليف بما لا يطاق وذلك كالمقطعات القرآنية وقوله تعالى يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ والرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى وقد يظهر مراد تلك القسم من الآيات على بعض العرفاء بتعليم من الله تعالى بالإلهام كما عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها واقتباس أنوار النبوة بعد شرح الصدر وان كان ذلك المراد أحيانا بحيث لا يمكن تعليمه وتعلمه باللسان لعدم شمول خزينة العلم من العوام على مراده ولا على العلم بوضع لفظ بإزائه- واما ما يتعلق به التكليف فلا يجوز ... ...

تأخير بيانه عن وقت الحاجة كيلا يلزم التكليف بما لا يطاق- فان قيل قال الله تعالى الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ وقال فى موضع اخر كتبا متشابها فكيف فرق هاهنا فقال مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ ... - وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ قلنا حيث جعل القران كله محكما فمعناه انه متقن محفوظ عن فساد المعنى ودكاكة اللفظ لا يستطيع أحد معارضته والطعن فيه- وحيث جعل كله متشابها أراد ان بعضه يشبه بعضا فى الحسن والكمال- وفرق هاهنا من حيث وضوح المعنى وخفائه- فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ اى ميل عن الحق قال الربيع هم وفد نجران خاصموا النبي صلى الله عليه وسلم فى عيسى عليه السلام وقالوا له الست تزعم انه كلمة الله وروح منه قال بلى قالوا «1» حسبنا فانزل الله تعالى هذه الاية وقال الكلبي هم اليهود طلبوا علم أجل هذه الامة واستخراجه بحساب الجمل قال ابن عباس انّ رهطا من اليهود منهم حيى بن اخطب وكعب بن الأشرف ونظراؤهما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال حيى بلغنا انه انزل عليك الم فننشدك الله انزل عليك قال نعم قال فان كان ذلك حقا فانى اعلم مدة تلك أمتك هى احدى وسبعون سنة فهل انزل غيرها قال نعم المص قال فهذه اكثر هى احدى وستون ومائة سنة فهل غيرها قال نعم الر قال هذه اكثر هى مائتين واحدى وثلاثون سنة فهل غيرها قال نعم المر قال هذه اكثر وهى مائتان واحدي وسبعون سنة ولقد خلطت علينا فلا ندرى ابكثيره نأخذ أم بقليلة ونحن مما لا نؤمن بهذا فانزل الله تعالى هذه الاية وقال ابن جريح هم المنافقون وقال الحسن هم الخوارج كذا اخرج احمد وغيره عن ابى امامة عن النبي صلى الله عليه وسلم- وكان قتادة إذا قرا هذه الاية فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ قال ان لم يكونوا الحرورية والسابية فلا أدرى من هم وقيل هم جميع المبتدعة والصحيح ان اللفظ عام لجميع من ذكر وجميع اصناف المبتدعة عن عائشة قالت تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الاية هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ الى قوله أُولُوا الْأَلْبابِ قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فاذا رايت الذين يتبعون ما تشابه منه فاولئك الذين سمى الله فاحذروهم رواه البخاري- وعن ابى مالك الأشعري انه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ما أخاف على أمتي الا ثلاث خلال وذكر منها ان يفتح لهم الكتاب فيأخذه يبتغى تأويله وليس «2» يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ

_ (1) فى الأصل قال (2) وفى القران وَما يَعْلَمُ

يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ اى يتعلقون بالمتشابه الذي يحتمل ما يذهب اليه المبتدع تبعا لهواه من غير رجوع الى المحكمات من الآيات والأحاديث وبلا حملها على ما يطابقها من المحكمات او السكوت مع الايمان والتسليم بمرادها- فالواجب رد المتشابهات الى المحكمات مهما أمكن حتى يتبين مراد المجمل فيعمل به كما فى الصلاة والزكوة والربوا او السكوت عن تأويله مع الايمان بها والتسليم بمرادها- فلما ثبت بإجماع الامة ومحكم نصوص الأحاديث المتواترة ان المؤمنين يرون الله سبحانه فى الاخرة كما يرون القمر ليلة البدر فلا بد ان يؤمن به ويقول المراد بالروية والنظر فى قوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ هى النظر بالبصر وما لم يثبت كذلك كما فى قوله تعالى يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ والرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى يسكت فيه مؤمنا به ولا يحمل على ظاهره ويتبع المحكم من قوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فيقول بكونه تعالى منزها عن صفات الممكنات ولا يتعب نفسه فى تأويل المقطعات فانه غير ماذون فيه ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ منصوب على العلية من قوله فيتّبعون «1» اى يفعلون ذلك لطلب ان يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك «2» والتلبيس ومناقضة المحكم بالمتشابه وهذا وظيفة المنافقين كما حكى ان بعض اليهود لما راوا «3» دولة الإسلام واستعلاءه حسدوا على ذلك وتيقنوا ان ذلك التأييد من الله تعالى للمسلمين لاجل دينهم فنافقوا ودخلوا فى الإسلام ظاهرا واتبعوا المتشابهات بتأويلات زائغة وأظهروا المذاهب الباطلة فصاروا حرورية ومعتزلة وروافض ونحو ذلك ابتغاء الفتنة وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ عطف على ابتغاء الفتنة اى طلبوا ان

_ (1) فى الأصل يبتعون. [.....] (2) اخرج الدارمي عن عمر بن الخطاب قال انه سيأتيكم ناس يجادلونكم بشبهات القران فخذوهم بالسنن فان اصحاب السنن اعلم بكتاب الله وعن ابى هريرة قال كنا عند عمر بن الخطاب إذ جاءه رجل يسئل عن القران امخلوق هو او غير مخلوق فقام عمر فاخذ بمجامع ثوبه حتى قاده الى على بن ابى طالب فقال يا أبا الحسن اما تسمع ما يقول هذا قال وما يقول قال جاءنى يسئل عن القران امخلوق هو او غير مخلوق فقال على هذه كلمة سيكون لها ثمرة ولو وليت من الأمر ما وليت ضربت عنقه واخرج الدارمي عن سليمان بن يسار ان رجلا يقال له صبيغ قدم المدينة فجعل يسئل من متشابه القران فارسل اليه عمر وقدا عدله عراجين النخل قال له ومن أنت قال انا عبد الله صبيغ فقال انا عبد الله عمر فاخذ عرجونا من تلك العراجين فضرب به حتى دمئ رأسه فقال يا امير المؤمنين حسبك قد ذهب الذي كنت أجدني رأسى وعن ابى عثمان النهدي ان عمر كتب الى بصرة ان لا تجالسوا صبيغا- قال فلو جاء ونحن مائة لتفرقنا وعن محمد بن سيرين قال كتب عمر بن الخطاب الى ابى موسى الأشعري بان لا تجالس صبيغا وان تحرم عطاءه ورزقه قال الشافعي حكمى فى اهل الكلام حكم عمر فى صبيغ ان يضربوا بالجريد ويحملوا على الإبل ويطاف بهم فى العشائر والقبائل وينادى عليهم هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة واقبل على علم الكلام- منه رحمه الله. (3) فى الأصل راى- ابو محمد عفا الله عنه.

يأولوه على ما يشتهونه وقد يكون ابتغاء التأويل بناء على الجهل فقط وذلك من بعض المتأخرين من المبتدعة واما من الأوائل المنافقين منهم فكان الداعي على اتباع المتشابهات غالبا مجموع الطلبين وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ اى بيان المتشابه من الآيات على ما هو المراد منه عند الله تعالى إِلَّا اللَّهُ اى لا يجوز ان يعلمه غيره تعالى الا بتوقيف منه ولا يكفى لمعرفته العلم بلغة العرب- فالحصر إضافي نظيره قوله تعالى لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ- يعنى لا يعلم الغيب غيره تعالى الا بتوقيف منه- فهذه الاية لا تدل على ان النبي صلى الله عليه وسلم وبعض الكمل من اتباعه لم يكونوا عالمين بمعاني المتشابهات- كيف وقد قال الله تعالى ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ فانه يقتضى ان بيان القران محكمه ومتشابهه من الله تعالى للنبى صلى الله عليه وسلم واجب ضرورى لا يجوز ان يكون شىء منها غير مبين له عليه السلام والا يخلوا الخطاب عن الفائدة ويلزم الخلف فى الوعد- والحق ما حققناه فى أوائل سورة البقرة ان المتشابهات هى اسرار بين الله تعالى وبين رسوله صلى الله عليه وسلم لم يقصد بها إفهام العامة بل إفهام الرسول ومن شاء افهامه من كمل اتباعه بل هى مما لا يمكن بيانها للعامة وانما يدركها أخص الخواص بعلم لدنى مستفاد بنوع من المعية الذاتية او الصفاتية الغير المتكيفة- وَالرَّاسِخُونَ اى الذين رسخوا اى ثبتوا وتمكنوا فِي الْعِلْمِ بحيث لا تعترضه شبهة وهم اهل السنة والجماعة الذين عضوا بالنواجذ على محكمات الكتاب والسنة واقتفوا فى تفسير القران اجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين الذين هم خيار الامة ورد والمتشابهات الى المحكمات وتركوا الأهواء والتلبيسات- وقيل الراسخون فى العلم مؤمنوا اهل الكتاب- قلت لا وجه لتخصيصهم- وقالت الصوفية العلية الراسخون فى العلم هم المنسلخون عن الهواء بالكلية بفناء القلب والنفس والعناصر المتفوضون فى التجليات الذاتية حيث لا يعتريهم شبهة المترنمون بما قالوا لو كشفت الغطاء ما ازددت يقينا اخرج الطبراني وغيره عن ابى الدرداء ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الراسخين فى العلم قال من برّت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه وعفف بطنه وفرجه فذلك من الراسخين فى العلم قلت هذا شأن الصوفية ثم اختلف العلماء فى نظم هذه الاية فقال قوم الواو للعطف والمعنى ان تأويل المتشابه يعلمه الله ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 8]

ويعلمه الراسخون فى العلم فعلى هذا قوله تعالى يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ حال منهم يعنى قائلين امنّا نظيره قوله تعالى لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ الى ان قال وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ ثم قال وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وهذا قول مجاهد والربيع- وروى عن ابن عباس انه كان يقول فى هذه الاية انا من الراسخين فى العلم وعن مجاهد انا ممن يعلم تأويله- وذهب الأكثرون الى ان الواو للاستيناف وتم الكلام عند قوله وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ فعلى هذا الراسخون فى العلم مبتدا وما بعده خبره وهو قول أبيّ بن كعب وعائشة وعروة بن الزبير ورواية طاءوس عن ابن عباس وبه قال الحسن واكثر التابعين واختاره الكسائي والفراء والأخفش ومما يؤيد هذا القول قراءة عبد الله بن مسعود ان تأويله الّا عند الله والرّاسخون فى العلم يقولون امنّا به وقراءة أبيّ بن كعب ويقول الرّاسخون فى العلم امنّا به ومن هاهنا قال عمر بن عبد العزيز انتهى علم الراسخين فى العلم بتأويل القران الى ان قالوا أمنا به كُلٌّ من المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ وما علمنا المراد منه وما لم نعلم مِنْ عِنْدِ رَبِّنا قلت فحال الراسخين فى العلم يبائن حال الزائغين قلوبهم من الأهواء المتبعين الآراء كلّما أضاء لهم ووافق النصوص آراءهم مشوا فيه وأمنوا به وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ تأويلات النصوص ولم يوافق آراءهم قاموا ولم يؤمنوا به قال البغوي هذا القول أقيس فى العربية وأشبه بظاهر الاية يعنى القول باستيناف الكلام وعدم العطف قلت وجه كون هذا القول أقيس وأشبه ان الاستثناء من النفي اثبات بإجماع اهل العربية واللام فى الراسخون للاستغراق فلو كان قوله الراسخون فى العلم معطوفا على الله لزم ان يعلم تأويل المتشابهات كل راسخ فى العلم وليس كذلك على ما يشهده البداهة والرواية وَما يَذَّكَّرُ أصله يتذكر اى ما يتعظ بما فى القران إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ (7) ذووا العقول السليمة فان سلامة العقل يقتضى ان يفوضوا ما لا علم لهم به الى المتكلم العليم الحكيم ولا يقعوا فى الجهل المركب وهم فى كل واد يهيمون- قالت الأكابر لا أدرى نصف العلم-. رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا ولا تملها عن الحق كما ازغت قلوب الذين فى قلوبهم ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 9]

زيغ- جاز ان يكون هذا من مقال الراسخين تقديره يقولون امنّا به ويقولون ربّنا إلخ وجاز ان يكون تعليم مسئلة من الله تعالى عند البلوغ الى المتشابه بتقدير قولوا رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا بانزال كتابك ووفقتنا بالايمان بالمحكم والمتشابه وبعد منصوب على الظرفية وإذ فى موضع الجر بإضافته اليه وقيل إذ هاهنا بمعنى ان المصدرية وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً توفيقا وتثبيتا إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) لكل مسئول فيه دليل على ان الهدى والضلالة من الله تعالى بتوفيقه او خذلانه وانه المتفضل على عباده لا يجب عليه شىء عن النواس بن سمعان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من قلب الا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن إذا شاء ان يقيمه اقامه وان شاء ازاغه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك والميزان بيد الرحمن جل جلاله يرفع قوما ويضع آخرين الى يوم القيامة رواه البغوي وروى نحوه احمد والترمذي من حديث أم سلمة ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو والترمذي وابن ماجة من حديث انس- وفى الصحيحين من حديث عائشة وعن ابى موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل القلب كريشة بأرض فلاة يقلبها الرياح ظهرا ببطن رواه احمد. رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ اى لقضاء يوم وقيل اللام بمعنى فى اى فى يوم لا رَيْبَ فِيهِ اى لا شك فى وقوعه ووقوع ما فيه من الجزاء إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (9) مفعال من الوعد فالخلف فى الوعد محال لكونه رذيلة ينافى الالوهية واما فى الوعيد فيجوز عندنا المغفرة وان لم يتب- وقالت الوعيدية من المعتزلة لا يجوز الخلف فى الوعيد ايضا الا بعد التوبة محتجا بهذه الاية قلنا وعيد الفساق كما هو مشروطة بعدم التوبة باتفاق بيننا وبينكم كذلك مشروطة بعدم العفو لاطلاق قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وقوله تعالى فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وقوله تعالى وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ وقوله تعالى لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ونحو ذلك وفى الباب أحاديث لا يحصى-. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعم المشركين واهل الكتاب لَنْ تُغْنِيَ اى لا تجزى عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ اى بدلا من رحمته او طاعته ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 11]

شَيْئاً من الإغناء فهو منصوب على المصدرية دون المفعولية لان الإغناء غير متعد الا ان يقال معناه على التضمين لا تدفع عنهم من الله اى من عذابه شيئا فعلى هذا منصوب على المفعولية والجار والمجرور ظرف مستقر حال منه وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) اى حطبها عطف على لن تغنى. كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ دأب مصدر من داب فى العمل إذا كدح فيه والجار والمجرور فى محل الرفع خبر مبتدا محذوف تقديره دأبهم كدأب ال فرعون ومعناه فعلهم وصنيعهم فى الكفر وتكذيب الرسل كفعل ال فرعون كذا قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد- وقيل هو منقول من معنى الفعل الى معنى الشأن- وقال ابو عبيدة معناه كسنة ال فرعون وقال الأخفش كامر ال فرعون وشأنهم وقال النصر بن شميل كعادة ال فرعون يعنى عادة هؤلاء الكفار وطريقتهم وشأنهم فى تكذيب الرسل ونزول العذاب كشأن ال فرعون وطريقتهم وسنتهم وجاز ان يكون الجار والمجرور متصلا بما قبله يعنى توقد بهم النار كما توقد بال فرعون فوقود النار بهم بضم الواو شأنهم كما هو شان ال فرعون ولن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم كما لم يغن بال فرعون فيكون شأنهم كشأنهم عند حلول العذاب وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مثل عاد وثمود وقوم لوط معطوف على ال فرعون وحينئذ قوله تعالى كَذَّبُوا اما حال بتقدير قد او استيناف لبيان حالهم كانّه فى جواب ما شأنهم وجاز ان يكون الموصول مبتدا وما بعده خبره بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ وعاقبهم بِذُنُوبِهِمْ اى بسبب ذنوبهم وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (11) شديد عقابه- روى ابو داود فى سننه وابن جرير والبيهقي فى الدلائل من طريق ابن إسحاق عن محمد بن ابى محمد عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس قال لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من اهل بدر ما أصاب ورجع الى المدينة جمع اليهود فى سوق بنى قينقاع وقال يا معشر يهود اسلموا قبل ان يصيبكم مثل ما أصاب قريشا فقالوا يا محمد لا يغرنك من نفسك ان قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا «1» لا يعرفون القتال انك لو قاتلتنا لعرفت انا نحن الناس وانك لم تلق مثلنا فانزل الله. قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا يعنى اليهود سَتُغْلَبُونَ الى قوله لاولى الابصار فقد صدق الله تعالى وعيده بقتل بنى قريظة واجلاء بنى النضير وفتح خيبر وضرب الجزية عليهم

_ (1) الأغمار جمع غمر بالضم وهو الجاهل الغر الذي لم يجرب الأمور- نهايه منه رح

[سورة آل عمران (3) : آية 13]

وقال مقاتل نزول هذه الاية قبل وقعة بدر والمراد بهم مشركوا مكة يعنى قل لكفار مكة ستغلبون يوم بدر فلما نزلت هذه الاية قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ان الله تعالى غالبكم وحاشركم الى جهنم وقال الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس ان يهود المدينة قالوا لمّا هزم الله تعالى المشركين يوم بدر هذا والله النبي الذي بشرنا به موسى لا ترد له رأية وأرادوا اتباعه ثم قال بعضهم لبعض لا تعجلوا حتى تنظروا الى وقعة اخرى فلما كان يوم أحد ونكب اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شكّوا فغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا وقد كان بينهم وبين اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد الى مدة فنقضوا ذلك العهد وانطلق كعب بن الأشرف فى ستين راكبا الى مكة يستنفرهم فاجمعوا أمرهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فانزل الله تعالى فيهم هذه الاية قرأ حمزة وخلف- ابو محمد والكسائي سيغلبون بالياء على ان الله تعالى امر رسوله صلى الله عليه وسلم ان يحكى لهم ما أخبره به من وعيدهم وكذا قوله وَتُحْشَرُونَ فى الاخرة إِلى جَهَنَّمَ وقرا الباقون بالتاء فيهما على الخطاب على انه مقولة قل وَبِئْسَ الْمِهادُ (12) اى الفراش اى جهنم هذا من تمام ما يقال لهم او استيناف اى بئس ما مهّدوه لانفسهم او بئس ما مهّد لهم-. قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ الخطاب لليهود على تقدير كون الاية السابقة فيهم يعنى قد كانت لكم يا معشر اليهود اية اى دليل «1» واضح على صدق ما أقول لكم انكم ستغلبون او خطاب للمشركين على تقدير كون الاية فيهم يعنى قد كانت لكم يا معشر الكفار اية معجزة ودليل «2» على النبوة فِي فِئَتَيْنِ اى فرقتين انما يقال الفرقة فئة لان فى الحرب يفىء بعضهم الى بعض الْتَقَتا يوم بدر للقتال فِئَةٌ مؤمنة يعنى رسول الله وأصحابه تُقاتِلُ العدو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فى طاعة الله كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا سبع وسبعون رجلا من المهاجرين وصاحب رأيتهم على بن ابى طالب وهو الصحيح وقيل مصعب بن عمير ومائتان وستة وثلاثون من الأنصار وصاحب رأيتهم سعد بن عبادة وكان فيهم سبعون بعيرا وفرسان فرس لمقداد «3» بن عمرو فرس لمرثد بن ابى مرثد وأكثرهم رجالة وكان معهم من السلاح ست اذرع وثمانية سيوف وفئة أُخْرى كافِرَةٌ وهم مشركوا مكة

_ (1) فى الأصل دليلا واضحا (2) فى الأصل دليلا (3) فى الأصل للمقداد

كانوا تسعمائة وخمسين رجلا من المقاتلة رأسهم عتبة بن ربيعة بن عبد الشمس وفيهم مائة فرس وكانت حرب بدر أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة بثمانية عشر شهرا فى رمضان سنه يَرَوْنَهُمْ قرا نافع وابو جعفر- ابو محمد ويعقوب بالتاء على الخطاب فان كان الخطاب لليهود فالمعنى يا معشر اليهود ترونهم يعنى كفار مكة مِثْلَيْهِمْ اى مثلى المسلمين وذلك ان جماعة من اليهود حضروا قتال بدر لينظروا على من يكون الدبرة فراوا المشركين مثلى عدد المسلمين وراوا النصرة مع ذلك للمسلمين فان قيل كيف قال مثليهم وهم كانوا ثلاثة أمثالهم قلنا لعل المراد كثرتهم وتكرار أمثالهم دون التثنية كما فى قوله تعالى ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يعنى كرة بعد اخرى- وان كان الخطاب للمشركين فالمعنى ترونهم يا معشر الكفار اى المسلمين مثليهم وذلك حين القتال ولا تناقض بين هذا وبين قوله تعالى فى سورة الأنفال وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لانهم قلّلوا فى أعينهم قبل القتال حتى اجترءوا عليهم فلما تلاقوا وشرعوا فى الحرب كثر المسلمون فى أعينهم حتى جبنوا وغلبوا وقرا الجمهور بالياء على الغيبة وعلى هذا فالضمير المرفوع جاز ان يكون راجعا الى المشركين والمعنى يرى المشركون المسلمين مثلى المشركين او مثلى المسلمين وجاز ان يكون راجعا الى المسلمين يعنى يرى المسلمون المشركين مثلى المسلمين حيث قللهم الله تعالى فى أعينهم حتى راوهم مثلى أنفسهم مع كونهم ثلاثة أمثالهم ليثبتوا لهم وتيقنوا بالنصر الذي وعدهم الله تعالى فى قوله فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ثم قللهم الله تعالى حتى راوهم مثل عدد أنفسهم قال ابن مسعود نظرنا الى المشركين فرايناهم يضعّفون علينا ثم نظرنا إليهم فما رايناهم يزيدون علينا رجلا واحدا ثم قللهم الله تعالى ايضا فى أعيننا حتى رايناهم عددا يسيرا اقل من أنفسنا حتى قلت لرجل الى جنبى نراهم سبعين قال أراهم مائة والروية هاهنا بمعنى العلم حتى يكون مثليهم مفعولا ثانيا له إذا المعنى لا يساعد كونه حالا فعلى هذا قوله تعالى رَأْيَ الْعَيْنِ مبنى على المبالغة فى علمهم بكونهم مثليهم وتشبيه لهذا العلم بالعلم الحاصل بروية العين فاطلق رأى العين وأريد به العلم الحاصل به مجازا تسمية المسبب باسم السبب فهو منصوب على المصدرية وجاز ان يكون منصوبا بنزع الخافض اى كرأى العين وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ الذي ذكر من التقليل والتكثير ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 14]

وغلبة القليل عديم القدرة على الكثير شاكى السلاح لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (13) اى لذوى العقول- وقيل لمن راى الجمعين-. زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ الزين ضد الشين وهو كون الشيء ذا حسن وجمال مستحقا للمدح محبوبا وذا قد يكون بصفات نفسانية كالعلم والعقل ونحو ذلك او بدنية كالقوة والقامة وحسن المنظر او خارجية كاللباس والمركب والمال والجاه- والتزيين جعل الشيء كذلك اما فى الحقيقة كما فى قوله تعالى زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ او فى اعتقاد من زين له سواء كان الاعتقاد مطابقا للواقع كما فى قوله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ او غير مطابق له كما فى قوله تعالى زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ والشهوة هى توقان النفس وكمال رغبتها الى الشيء والمراد بالشهوات هاهنا المشتهيات فانها هى المزينات المحبوبات حقيقة لكن سميت بالشهوات وجعل موردا لتزيين حب الشهوات دون أنفسها مبالغة فى التوبيخ وايماء على انهم انهمكوا فى محبتها حتى أحبوا شهواتها بل حب شهواتها كانّ تقدير الكلام حبب الى الناس حب محبة النساء ونحوها نظيره أحببت حبّ الخير وقال صاحب الكشاف سميت شهوات مبالغة فى التنفير عنها لان الشهوات علم فى الخسة شاهد على البهيمية إذ المقام مقام التنفير عنها والترغيب فيما عند الله وقال بعض الأفاضل بل مبالغة فى التحذير عن مخالطتها وكمال التوجه إليها فانها لكمالها فى كونها مشتهيات تشغل اللاهي بكليته الى أنفسها وتقطعه عما عند الله والمزين هو الله تعالى لانه الخالق للجواهر والاعراض والافعال الاختيارية للعباد والدواعي كلها- ولعله زينه ابتلاء «1» قال الله تعالى إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ولكونه سببا لمجاهدة المؤمنين وباعثا لشكر النعمة ووسيلة الى السعادة الاخروية وموجبا لفضل البشر على الملائكة- وسببا لخذلان الكافرين وموجبا لاضلالهم يضلّ من يشاء ويهدى من يشاء وايضا فى التزيين حكمة التعيش وبقاء النوع قال الله تعالى قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وقيل المزين هو الشيطان فان الاية فى معرض الذم وقد نسب الله تعالى تزيين الأشياء تارة الى نفسه باعتبار الخلق حيث قال كذلك زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ وزَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ وزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وتارة

_ (1) همه انداز من بتوانيست ... كه تو طفلى وجامه رنگين است : منه رح

[سورة آل عمران (3) : آية 15]

الى الشيطان باعتبار كسبه إلقاء الوسوسة فى القلوب والإلهاء حيث قال إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وقوله لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ وزيّن لهم الشّيطن أعمالهم فصدّهم عن السّبيل مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ جمع قنطار وهو المال الكثير بعضه على بعض سمى قنطارا من الاحكام يقال قنطرت الشيء إذا أحكمته ومنه سميت القنطرة- وقال معاذ بن جبل الف ومائتا اوقية وقال ابن عباس الف ومائتا مثقال او اثنا عشر الف درهم او الف دينار وقال سعيد بن جبير وعكرمة هو مائة الف ومائة منّ ومائة رطل ومائة مثقال ومائة درهم وعن السدى اربعة آلاف مثقال وقال الحكم القنطار ما بين السماء والأرض وقيل ملا مسك ثور «1» واختلف فى انه فعلال او فنعال الْمُقَنْطَرَةِ مأخوذة من القنطار للتأكيد كقولهم بدرة مبدرة يعنى الكثيرة المنضمة بعضها الى بعض وقال الضحاك المحصنة المحكمة وقال يمان المدفونة وقال السدىّ المضروبة وقال الفراء المضعفة فالقناطير أريد به جمع القنطار وبالمقنطرة جمع الجموع مِنَ الذَّهَبِ قيل سمى به لانه يذهب وَالْفِضَّةِ قيل سمى بها لانها تنفض اى تتفرق وَالْخَيْلِ جمع فرس لا واحد له من لفظه الْمُسَوَّمَةِ قال مجاهد يعنى المطهمة الحسان اى محكم الخلق حسن الجمال وتسويمها حسنها وقال سعيد بن جبير هى الراعية اى السائمة وقال الحسن وابو عبيدة هى المعلمة من السيماء اى العلامة ثم منهم من قال سيماها الشية واللون وهو قول قتادة وقيل الكي وَالْأَنْعامِ جمع نعم والنعم جمع لا واحد له من لفظه ويطلق على الإبل والبقر والغنم وقال ابو حنيفة رحمه الله يطلق على الدواب الوحشي ايضا ولذا فسر قوله فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ اى مثل ما قتل من النعم الوحش وَالْحَرْثِ اى الزرع ذلِكَ المذكورات مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا اى يتمتع بها فى الدنيا ثم يفنى وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) اى المرجع الحسن الذي كانه عين الحسن ففيه كمال التحريض على استبدال ما فى الدنيا من الشهوات الفانية بما عند الله من المستلذات القوية «2» الباقية-. قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ المذكورات فيه توبيخ للكفار واشارة الى

_ (1) اخرج الحاكم وصححه عن انس عنه صلى الله عليه وسلم قال القنطار الف اوقية.. واخرج احمد وابن ماجة عن ابى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم قال اثنا عشر الف اوقية- منه رح (2) عن قتادة فى هذه الاية ذكر لنا ان عمر بن الخطاب كان يقول اللهم زينت لنا الدنيا وانبأتنا ان ما بعدها خير منها فاجعل حظنا فى الذي هو خير وأبقى- منه رح

ان النبي صلى الله عليه وسلم كانه متردد فى ان ينبئهم شفقة عليهم وامتثالا لامر الله تعالى او لا ينبئهم لملاحظة بعدهم عن قبول الحق وتقرير لما سبق اليه الاشارة من ان ثواب الله خير من مستلذات الدنيا لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ مبتدا والظرف خبر مقدم عليه والجملة استيناف لبيان ما هو خير ويجوز ان يكون الظرف متعلقا بخير او يكون ظرفا مستقرا صفة لخير واختصاص المتقين لانهم هم المنتفعون به وجنات خبر مبتدا محذوف اى هو جنات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ صفة لجنات خالِدِينَ فِيها اى مقدرين الخلود فيها إذا دخلوها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ مما يستقذر من النساء كالحيض والنفاس والبول والغائط وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ قرا ابو بكر عن عاصم بضم الراء فى جميع القران غير الحرف الثاني فى المائدة ورضوانه سبل السّلم والباقون بالكسر وهما لغتان كالعدوان والعدوان- قيل ذكر الله سبحانه من جنس ما يشتهونه الجنات التي هى من جنس الحرث والأزواج المطهرة التي هى من جنس النساء ولم يذكر البنين لان المقصود منهم فى الدار الفانية الاعانة وبقاء النوع- ولا الخيل ولا الانعام ولا الذهب والفضة لانهم مستغنون عن مشاق ركوب الخيل والانعام لنيل المقاصد وعن البيع والشراء المحوج الى الأثمان وزاد لهم ما لا زيادة عليه وهو رضوان الله ونكر الرضوان اشارة الى انه امر لا يحيط العلم بإدراكه عن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله تبارك وتعالى يقول لاهل الجنة يا اهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك والخير فى يديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول الا أعطيكم أفضل من ذلك فيقولون يا رب واىّ شىء أفضل من ذلك فيقول أحل عليكم رضوانى فلا أسخط عليكم بعده ابدا متفق عليه وعندى ان ذكر الجنان واقع فى مقابلة جميع ما يشتهونه لقوله تعالى وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ فان الأبناء والأقارب كلهم تجتمعون فى الجنة ويدوم لقاؤهم ابدا قال الله تعالى أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الولد من قرة العين وتمام السرور فهل يولد لاهل الجنة فقال المؤمن إذا اشتهى الولد فى الجنة كان حمله وضعه وسنه فى ساعة كما يشتهى رواه الترمذي وحسنه والبيهقي وهناد فى الزهد عن ابى سعيد والحاكم فى التاريخ والاصبهانى فى الترغيب- واما قناطير ... ...

الذهب والفضة فان الله تعالى خلق الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وملاطها المسك- رواه البزار والطبراني والبيهقي عن ابى سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم وفى الحديث المرفوع جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما متفق عليه من حديث ابى موسى- واما الخيل والانعام فقد قال أعرابي يا رسول الله انى أحب الخيل أفي الجنة خيل قال ان دخلت الجنة أتيت بفرس من ياقوت له جناحان فحملت عليه ثم طار بك حيث شئت رواه الترمذي عن ابى أيوب وروى الترمذي والبيهقي نحوه عن بردة مرفوعا والطبراني والبيهقي بسند جيد عن عبد الرحمن بن ساعدة مرفوعا- واخرج ابن المبارك عن شفى بن مانع ان النبي صلى الله عليه وسلم قال من نعيم الجنة انهم يتزاورون على المطايا والبخت وانهم يؤتون فى يوم الجمعة بخيل مسرجة ملجمة لا تروث ولا تبول فيركبونها حتى ينتهوا حيث شاء الله- واخرج ابن ابى الدنيا وابو الشيخ والاصفهانى عن على مرفوعا قال ان فى الجنة شجرة تخرج من أعلاها حلل ومن أسفلها خيل بلق من ذهب سرجها وزمامها الدر والياقوت وهن ذوات الاجنحة خطوّها مد البصر لا تروث ولا تبول فيركبها اولياء الله فيطير بهم حيث شاءوا فيقول «1» الذي أسفل منهم قد اطفؤوا نورنا من هؤلاء فقال انهم كانوا ينفقون وكنتم تبخلون وكانوا يقاتلون وكنتم تجلسون واخرج ابن المبارك عن ابن عمران فى الجنة عتاق الخيل وكرام النجائب يركبها أهلها واخرج ابن وهب عن الحسن البصري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان ادنى اهل الجنة منزلة الذي يركب فى الف الف من خدم من الولدان المخلدين على خيل من ياقوت احمر لها اجنحة من ذهب واما الحرث فقد روى البخاري عن ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان رجلا من اهل الجنة استأذن ربه فى الزرع فقال له الست فيما شئت قال بلى ولكنى أحب ان ازرع قال فيزرع فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده فكان أمثال الجبال فيقول الله تعالى دونك يا ابن آدم فانه لا يشبعك شىء واخرج الطبراني وابو الشيخ نحوه وفيه حتى تكون سنيلة اثنا عشر ذراعا ثم لا يبرح مكانه حتى يكون منه ركام أمثال الجبال- ولعل وجه تخصيص الأزواج من بين نعيم الجنة بالذكر اما شدة ما كان بالعرب من شهوة النساء واما ان الأزواج تكون لكل من يدخل الجنة أجمعين واما البنون ونحو ذلك فلمن كان له بنون فى الدنيا او لمن يشتهيهم فيها وهم لا يشتهون ذلك غالبا لما روى عن

_ (1) فى الأصل شاء

ابى سعيد انه إذا اشتهى المؤمن فى الجنة الولد كان فى ساعة ولكن لا يشتهى رواه الترمذي والدارمي يعنى لا يشتهى غالبا جمعا بين الروايات- وذكر الله سبحانه ما زاد على نعماء الدنيا ولا مزيد عليه وهو رضوان الله فانه هو الفارق البائن بين نعماء الدنيا ونعماء الجنة فان الدنيا ملعونة وملعون ما فيها الا ما ابتغى به وجه الله عز وجل وفى رواية الا ذكر الله وما والاه وعالما ومتعلما رواه الطبراني فى الأوسط عن ابن مسعود وفى الصغير عن ابى الدرداء وابن ماجة عن ابى هريرة واما نعماء الجنة فهى مرضيات لله تعالى عن ربيعة الحرسي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل لى فى المنام سيد بنى دارا وصنع مادبة وأرسل داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ورضى عنه السيد ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة وسخط عليه السيد قال والله سيد ومحمد الداعي والدار الإسلام والمأدبة الجنة رواه الدارمي- قلت والسر فى ان نعيم الدنيا غير مرضية لله تعالى لا ينبغى ان يلتفت إليها قال الله تعالى وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ونعيم الجنة مرضية لله تعالى ممدوح من يطمع فيها قال الله تعالى وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ ان مبادى تعينات النشئة الدنيوية غالبا هى الاعدام التي تقررت فى مرتبة العلم واستضاءت بالتقابل بعكوس نقائضها التي هى صفات الكمال لله تعالى كالجهل فى مقابلة العلم والعجز فى مقابلة القدرة ونحو ذلك وسميت ظلالا ولاجل ذلك يسرع الفناء الى هذه النشئة والعدم فى نفسه شر محض لا نصيب له من الحسن والجمال والخير والكمال الا بالتموية بخلاف النشئة الاخروية فان مبادى تعيناتها انما هى صفات الله تعالى الحسناء فحبها حب الله تعالى والانشغاف بها الانشغاف به تعالى كذا ذكر المجدد رضى الله عنه فى سر محبة يعقوب عليه السلام بيوسف عليه السلام مع ان الأنبياء بل الأولياء لا يلتفتون الى غير الله سبحانه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كنت متخذا خليلا لا تخذن أبا بكر خليلا وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا رواه مسلم قال المجدد رضى الله عنه وذلك ان حسن يوسف عليه السلام كان من جنس حسن اهل الجنة فكان حبة والعشق به حب الله تعالى وعشقه وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (15) هذا الكلام فى مقام التعليل لما سبق واللامم اما للاستغراق اى بصير بجميع العباد محسنهم ومسيئهم فيجازيهم على حسب ما عملوا- ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 16]

واما للعهد يعنى بصير بالذين اتقوا ولذا أعد لهم الجنات-. الَّذِينَ يَقُولُونَ مجرور على انه صفة للمتقين او للعباد وجاز ان يكون منصوبا على المدح او مرفوعا رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (16) الفاء للسببية وفيه دليل على ان مجرد الايمان سبب لاستحقاق المغفرة عن معاذ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حق الله على العباد ان يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله ان لا يعذب من لا يشرك به شيئا قال معاذ افلا ابشر به الناس قال لا تبشرهم فيتكلوا متفق عليه. الصَّابِرِينَ على خلاف النفس مانعيها عن الجزع فى المصائب وعن اتباع الشهوات والرذائل حابسيها على الطاعات والفضائل وَالصَّادِقِينَ فى المقال وادعاء الأحوال وجميع الدعاوى والروايات والشهادات- واصدق الصدق شهادة ان لا اله الا الله وان محمدا عبده ورسوله وَالْقانِتِينَ الدائمين على الطاعات المشتغلين بالله تعالى وَالْمُنْفِقِينَ أموالهم فى مرضات الله- فاستوعب الكلام انواع الطاعات من الأخلاق والأقوال والأعمال البدنية والمالية وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (17) يعنى انهم مع ما هم فيه من الطاعات الظاهرة والباطنة خائفون من الله يعترفون على أنفسهم بالتقصير فيستغفرون منه كيف لا وان العباد لا يمكن ان يعبدوا كما ينبغى لكبريائه وعظمته- بل العبد إذا لاحظ الى انّ أفعاله مخلوقة لله تعالى وانه تعالى منّ عليه بتوفيقه لعبادته وارتضاه لنفسه حيث لم يتركه الى غيره علم ان كل ما صدر منه ان كان قابلا للقبول فهو مستوجب للشكر والامتنان ولا يتصور أداء شكر نعمائه الا ان يتغمده الله بمغفرته ورضوانه يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا- «1» بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وخص الاسحار بالاستغفار لكونها اقرب للاجابة عن ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ينزل الله تعالى الى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل فيقول انا الملك من ذا الذي يدعونى فاستجيب له من ذا الذي يسئلنى فاعطيه من ذا الذي يستغفرنى فاغفر له متفق عليه وفى رواية لمسلم ثم يبسط يديه ويقول من يقرض غير عدوم ولا ظلوم حتى ينفجر الفجر قال البغوي حكى عن الحسن ان لقمان قال لابنه يا بنى لا تكونن أعجز من هذا الديك يصوت

_ (1) وفى القران بعد أَنْ أَسْلَمُوا- قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ إلخ-

[سورة آل عمران (3) : آية 18]

بالأسحار وأنت نائم على فراشك وعن زيد بن اسلم انه قال هم الذين يصلون الصبح فى الجماعة وقيد بالسحر لقربه من الصبح وقال الحسن مدوا الصلاة الى السحر ثم استغفروا قال نافع كان ابن عمر يحيى الليل ثم يقول يا نافع اسحرنا فاقول لا فيعاود الصلاة فاذا قلت نعم قعد يستغفر الله ويدعو حتى يصبح وتوسيط واو العطف دليل على استقلال كل واحدة منها فى الكمال وكمالهم فيها او لتغائر الموصوفين بها فالصابرون الصوفية اصحاب القلوب والنفوس الزاكية والغزاة والشهداء والصادقون العلماء الناطقون بالروايات الصادقة والقانتون الزهاد المصلون بطول القنوت الداعون الله خوفا وطمعا والمنفقون الأغنياء الصالحون من المؤمنين يكتسبون الأموال من الوجوه المباحة وينفقونها فى سبيل الله والمستغفرون بالأسحار الذين يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسى بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم رواه مسلم- وروى احمد وابو يعلى من حديث ابى سعيد نحوه- قدم الله سبحانه فى الذكر الا فضل فالافضل-. شَهِدَ اللَّهُ اى بيّن بنصب الدلائل العقلية وإنزال الآيات السمعية أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ حكى البغوي عن الكلبي قال قدم حبران من أحبار الشام على النبي صلى الله عليه وسلم فلما ابصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج فى اخر الزمان فلما دخلا عليه عرفاه بالصفة فقالا له أنت محمد قال نعم قالا وأنت احمد قال انا محمد واحمد قالا فانا نسئلك عن شىء فان اخبرتنا أمنا بك وصدقناك فقال سلا فقالا أخبرنا عن أعظم شهادة فى كتاب الله عز وجل فانزل الله تعالى هذه الاية فاسلم الرجلان قال ابن عباس خلق الله الأرواح قبل الأجساد باربعة آلاف سنة وخلق الأرزاق قبل الأرواح باربعة آلاف سنة فشهد بنفسه لنفسه قبل ان خلق الخلق حين كان ولم يكن سماء ولا ارض ولا بحر ولا بر فقال شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وشهدت الْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ يعنى مؤمنى الانس والجن كلهم أمنوا بالجنان وشهدوا بتوحيد الله تعالى باللسان قائِماً بتدبير مصنوعاته منصوب على الحال من الله فاعل شهد وجاز لعدم اللبس يعنى شهد الله ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 19]

فى حال قيامه بتدبير مصنوعاته فان قيامه عليه كذلك دليل واضح على توحيده- او على الحال من هو والعامل فيها معنى الجملة اى تفرد قائما- او احقه لانه حال مؤكدة- او على المدح وعلى هذا يكون مندرجا فى المشهود به- وجاز ان يكون مفعولا للعلم اى أولوا المعرفة قائما بِالْقِسْطِ اى متلبسا بالعدل فى قسمه وحكمه لا يتصور منه الظلم لانه مالك الملك يتصرف فى ملكه كيف يشاء فلا يجب عليه ثواب المطيع بل ذلك بفضل منه ولا عذاب العاصي فانه يغفر لمن يشاء فلا دليل فيه للمعتزلة لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كرره للتأكيد ومزيد الاعتناء بمعرفة ادلة التوحيد والحكم به بعد اقامة الحجة الْعَزِيزُ فى ملكه الْحَكِيمُ (18) فى صنعه صفتان لله فاعل شهد او بدلان من هو قدم العزيز لتقدم العلم بقدرته على العلم بحكمته-. إِنَّ الدِّينَ المرضى عِنْدَ اللَّهِ هو الْإِسْلامُ قرا الكسائي بفتح انّ على انه بدل الكل ان فسر الإسلام بالايمان قال قتادة شهادة ان لا اله الا الله والإقرار بما جاء به الرسل من عند الله وهو دين الله الذي شرعه لنفسه وبعث به رسله ودل عليه أولياءه ولا يقبل غيره ولا يجزى الا به- او فسر بما يتضمنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام ان تشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكوة وتصوم رمضان وتحج البيت ان استطعت اليه سبيلا متفق عليه من حديث عمر فى حديث طويل قصة سوال جبرئيل- وبدل اشتمال ان فسر الإسلام بالشريعة المحمدية فانه الدين المرضى عند الله فى هذا الزمان بعد نسخ الأديان المنزلة من الله تعالى سابقا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان موسى حياما وسعه الا اتباع رواه احمد والبيهقي من حديث جابر- وقرا الجمهور بكسر انّ على انه كلام مبتدا عن الأعمش انه قام من الليل يتهجد فمر بهذه الاية شَهِدَ اللَّهُ الاية ثم قال وانا اشهد بما شهد الله به واستودع الله هذه الشهادة وهى لى عند الله وديعة إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ فلما فرغ من صلاته سئل عنه فقال حدثنى ابو وائل عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله ان لعبدى هذا عندى عهدا وأنا أحق من وفى العهد ادخلوا عبدى الجنة رواه البغوي بسنده وأخرجه الطبراني والبيهقي فى الشعب بسند ضعيف وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعنى اليهود والنصارى فى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وحقية الإسلام حتى ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 20]

نفاه بعضهم وقال بعضهم انه مخصوص بالعرب إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بانّ الدّين عند الله الإسلام حيث بين الله ذلك فى التورية والإنجيل بَغْياً منصوب على العلية بَيْنَهُمْ ظرف مستقر صفة لبغيا يعنى ما تركوا الحق واختلفوا بشبهة وخفاء فى الأمر بل بعد العلم بكونه حقا لاجل بغى وحسد مستقر بينهم ولاجل طلب الملك والرياسة- واخرج ابن جرير عن محمد بن جعفر انها نزلت فى نصارى نجران ومعناها وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعنى الإنجيل فى امر عيسى عليه السلام حتى قال بعضهم انه ابن الله إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بان الله واحد لم يلد وان عيسى عبده ورسوله بَغْياً بَيْنَهُمْ اى معاداة لليهود ومخالفة لهم حيث أنكروا نبوته وبهتوا امه بعد ما جاءهم العلم فى التورية انه عبده ورسوله واخرج ابن ابى حاتم عن الربيع ان موسى عليه السلام لما حضره الموت دعا سبعين رجلا من أحبار بنى إسرائيل فاستودعهم التورية واستخلف يوشع بن نون فلما مضى القرن الاول والثاني والثالث وقعت الفرقة بينهم وهم المراد بقوله تعالى وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من أبناء أولئك السبعين حتى اهرقوا بينهم الدماء ووقع الشر إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ يعنى بيان ما فى التورية بَغْياً بَيْنَهُمْ فسلط الله عليهم الجبابرة وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (19) فيجازيه على كفره وعيد لمن كفر منهم. فَإِنْ حَاجُّوكَ يا محمد وقالت اليهود والنصارى ان ديننا هو الإسلام وانّما اليهودية والنصرانية نسب فَقُلْ لانزاع فى اللفظ بل أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ فتح الياء نافع وابو جعفر- ابو محمد عفا عنه وابن عامر وحفص واسكن الباقون لِلَّهِ اى انقدت لله تعالى وحده لا أشرك به غيره ولا اتبع هو اى فيما امر به بقلبي ولسانى وجميع جوارحى- وانما خص الوجه لانه أكرم جوارح الإنسان او المعنى أخلصت توجهى ظاهرا بالجوارح واللسان وباطنا بالنفس والقلب لله تعالى لا التفت الى غيره- او المعنى فوضت وجهى يعنى ذاتى لله تعالى ومقتضى هذا الإسلام والتفويض ان لا يشرك به غيره وان يسارع فى امتثال أوامره وانتهاء نواهيه وان يتبع كل شريعة جاءت من عنده ما لم ينسخ وَمَنِ اتَّبَعَنِ عطف على الضمير المرفوع فى أسلمت وحسن للفصل اى واسلم من اتبعنى- وجاز ان يكون مفعولا معه- اثبت الياء نافع وكذا ابو جعفر وصلا ويعقوب فى الحالين- وابو عمرو فى الوصل على الأصل وحذفها الباقون فى الحالين تبعا للخط وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ عطف على قل أسلمت يعنى قل ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 21]

لنفسك أسلمت واحضر الإسلام فى قلبك واجعله مطمئنا به وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من اليهود والنصارى وَالْأُمِّيِّينَ الذين لا كتاب لهم كمشركى العرب أَأَسْلَمْتُمْ كما أسلمت بعد ما وضح بالدلائل العقلية وآيات التورية والإنجيل إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ أم أنتم بعد على كفركم- فهذا استفهام صيغة وامر معنى كما فى قوله تعالى فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ يعنى انتهوا وفيه تعبير لهم بالبلادة او المعاندة فَإِنْ أَسْلَمُوا كما أسلمت فَقَدِ اهْتَدَوْا فقرا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الاية فقال اهل الكتاب اسلمنا فقال لليهود ان عيسى عبد الله ورسوله وكلمته فقالوا «1» معاذ الله وقال للنصارى أتشهدون ان عيسى عبد الله ورسوله فقالوا معاذ الله ان يكون عيسى عبدا- فقال الله تعالى وَإِنْ تَوَلَّوْا عن الإسلام كما أسلمت فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ اى فلا يضرونك انما عليك تبليغ الرسالة دون الهداية وقد بلغت وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (20) مؤمنهم وكافرهم يجزئ كل واحد بما عمل-. إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ يعنى اليهود يكفرون بالقران والإنجيل وآيات التورية التي فيها نعت النبي صلى الله عليه وسلم وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ اى قتل اوائلهم الأنبياء وهم يرضون بفعلهم يريدون ان يفعلوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ما فعل اوائلهم فقاتلوه وسحروه وجعلوا السم فى طعامه حتى مات به شهيدا حين مات وقد ذكر قصة السحر وللسم فى سورة البقرة بِغَيْرِ حَقٍّ يعنى فى اعتقادهم والا فقتل النبي لا يكون الا بغير حق وانما حملهم على القتل حب الرياسة ولم يروا منهم ما يجوز به القتل وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ اى بالعدل مِنَ النَّاسِ وهم اتباع الأنبياء- قرا حمزة يقاتلون من المفاعلة قال ابن جريج كان الوحى يأتى الى أنبياء بنى إسرائيل ولم يكن يأتيهم كتاب فيذكّرون قومهم فيقتلون فيقوم رجال ممن اتبعهم وصدقهم فيذكّرون قومهم فيقتلون ايضا فهم الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ روى البغوي عن ابى عبيدة بن الجراح رضى الله عنه قال قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم اىّ الناس أشد عذابا يوم القيامة قال رجل قتل نبيا او رجل امر بالمنكر ونهى عن المعروف ثم قرا رسول الله صلى الله عليه وسلم وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ الى قوله وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا عبيدة قتلت بنوا إسرائيل ثلاثة

_ (1) فى الأصل فقال- ابو محمد عفا الله عنه

[سورة آل عمران (3) : آية 22]

وأربعين نبيا من أول النهار فى ساعة فقام مائة واثنا عشر رجلا من عباد بنى إسرائيل فامروا من قتلوهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من اخر النهار فى ذلك اليوم فهم الذين ذكرهم الله فى كتابه وانزل الاية فيهم فَبَشِّرْهُمْ اى أخبرهم يا محمد ذكر لفظ البشارة تهكما بهم بِعَذابٍ أَلِيمٍ (21) وجيع قال سيبويه جملة فبشرهم لا يصلح ان يكون خبرا لانّ ولا يجوز عنده دخول الفاء على خبران قياسا على خبر ليت ولعل فعلى هذا خبران اما قوله تعالى. أُولئِكَ الَّذِينَ الى آخره- وجملة فبشّرهم معترضة نظيره زيد فافهم رجل صالح واما محذوف وأقيم المسبب مقامه والتقدير لهم عذاب اليم فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ- وقال الجمهور جملة فبشّرهم خبر لانّ فقال البغوي انما ادخل الفاء على خبران على الغاء ان وتقديره الذين يكفرون ويقتلون فبشرهم وقال اكثر النحويين يجوز دخول الفاء على خبران لشبه اسمها الموصول بالشرط كالمبتدا الموصول بخلاف اسم ليت ولعل فانهما ينقلان الجملة الخبرية الى الإنشاء فينفيان المشابهة بالشرط فعلى هذا الجملة التالية خبر بعد خبر أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ اى ضاعت أَعْمالُهُمْ فلهم اللعنة والخزي فِي الدُّنْيا وَالعذاب فى الْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (22) يحفظ أعمالهم من الحبط ويدفع عنهم العذاب- اخرج ابن المنذر وابن إسحاق وابن جرير وابن ابى حاتم عن عكرمة عن ابن عباس قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدارس على جماعة من اليهود فدعاهم الى الله تعالى فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد على اى دين أنت يا محمد قال على ملة ابراهيم ودينه قالا فان ابراهيم كان يهوديا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلما الى التورية فهى بيننا وبينكم فابيا عليه فانزل الله تعالى. أَلَمْ تَرَ استفهام للتقرير والتعجيب إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً يعنى نصيبا حقيرا حيث لا نصيب لهم من بطون الكتاب ولا من الايمان بجميع ما فيه مِنَ الْكِتابِ ومن للتبعيض وجاز ان يكون للبيان والمراد بالكتاب التورية او جنس الكتب السماوية يُدْعَوْنَ حال من الموصول مفعول أَلَمْ تَرَ يعنى يدعوهم محمد صلى الله عليه وسلم إِلى كِتابِ اللَّهِ يعنى التورية على ما ذكرنا من الرواية- وكذا على ما قال الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس ان رجلا وامراة من اهل خيبر زنيا وكان فى كتابهما الرجم فكرهوا رجمهما لشرفهما فيهم فرفعوا أمرهما الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 24]

ورجوا ان يكون عنده رخصة فحكم عليهما بالرجم فقال له النعمان بن او فى وبحرى بن عمر وجرت عليهما يا محمد ليس عليهما الرجم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينى وبينكما التورية قالوا قد أنصفتنا قال فمن أعلمكم بالتورية قالوا رجل اعور ليسكن فدك يقال له ابن صوريا فارسلوا اليه فقدم المدينة- وكان جبرئيل قد وصفه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت ابن صوريا قال نعم قال أنت اعلم اليهود قال كذلك يزعمون قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشىء من التورية فيه الرجم مكتوب فقال له اقرأ فلما اتى اية الرجم وضع كفه عليها وقرا ما بعدها فقال ابن سلام يا رسول الله قد جاوزها وقام فرفع كفه عنها ثم قرا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى اليهود بان المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البينة رجما وان كانت المرأة حبلى تربص بها حتى تضع ما فى بطنها فامر رسول الله صلى الله عليه وسلم باليهوديين فرجما فغضب اليهود لذلك وانصرفوا فانزل الله تعالى هذه الاية لِيَحْكُمَ الكتاب أسند الحكم الى الكتاب لكونه سببا للحكم او ليحكم النبي صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُمْ على وفق الكتاب ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ عطف على يدعون وفيه استبعاد لتوليتهم مع علمهم بانه الحق من ربهم وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) اى هم قوم عادتهم الاعراض عن الحق والجملة حال من فريق وهى نكرة مخصصة بالصفة وقال قتادة معناه ان اليهود دعوا الى حكم كتاب الله يعنى القران فاعرضوا عنه وروى الضحاك عن ابن عباس فى هذه الاية ان الله تعالى جعل القرآن حكما فيما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكم القران على اليهود والنصارى انهم على غير الهدى فاعرضوا عنه. ذلِكَ التولي عن كتاب الله بعد العلم به والاعراض عن الحق بِأَنَّهُمْ اى بسبب تسهيل امر العقاب على أنفسهم باعتقاد فاسد وهو انهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ أربعين يوما عدد ايام عبادة ابائهم العجل كما مر فى سورة البقرة وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (24) اى هذا القول او ان آباءهم الأنبياء يشفعون لهم او ان يعقوب وعده الله تعالى ان لا يعذب أولاده. فَكَيْفَ خبر لمبتدا محذوف يعنى فكيف حالهم إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ اى جزاء ما عملت من خير او شر وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (25) ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 26]

الضمير لكل نظرا الى المعنى فان معناه كل انسان لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم- اخرج ابن ابى حاتم عن قتادة قال ذكر لنا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سال ربه ان يجعل ملك فارس والروم فى أمته وقال البغوي قال ابن عباس وانس بن مالك رضى الله عنهم انه لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وعدامته ملك فارس والروم قالت المنافقون واليهود هيهات هيهات من اين لمحمد ملك فارس والروم هم اعزوا منع من ذلك الم يكف محمدا مكة والمدينة حتى طمع فى ملك فارس والروم فانزل الله تعالى على اختلاف الروايتين. قُلِ اللَّهُمَّ الى آخره ويمكن الجمع بينهما- وذكر البيضاوي انه روى انه صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا وأخذوا يحفرون فظهر فيه صخرة عظيمة لم يعمل فيها المعاول فوجهوا سلمان الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره فجاء واحذ المعول منه فضربها ضربة صدعتها وبرق برقا أضاء ما بين لابتيها لكانّ مصباحا فى جوف بيت مظلم فكبر وكبر معه المسلمون فقال أضاءت لى منها قصور حيرة كانّها أنياب الكلاب- ثم ضرب الثانية فقال أضاءت لى منها القصور الحمر من ارض الروم- ثم ضرب الثالثة فقال أضاءت لى قصور صنعاء وأخبرني جبرئيل ان أمتي ظاهرة على كلها فابشروا- فقال المنافقون الا تعجبون يمنّيكم ويعدكم الباطل ويخبركم انه يبصر من يثرب قصور الحيرة من ارض فارس وانها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق من الفرق فنزلت هذه الاية- وقد ذكر البيهقي وابو نعيم فى الدلائل هذه القصة من غير ذكر نزول الاية- بالتحريك الخوف- نهايه منه رح وذكر ابن خزيمة عن قتادة مختصرا وفيه ذكر نزول الاية قوله تعالى قُلِ يا محمد والمقولة بعد ذلك اللَّهُمَّ أصله يا الله حذف حرف النداء وزيدت الميم عوضا عنه ولذلك لا يجتمعان وهذا من خصائص هذا الاسم الرفيع كدخول حرف النداء عليه مع لام التعريف وقطع همزته ودخول تاء القسم عليه- وقيل أصله يا الله امّنا بخير اى اقصدنا فخفف بحذف حرف النداء ومتعلقات الفعل وهمزته فبقى اللهم وربما خففوا فقالوا لا هم وكل ذلك لكثرة الاستعمال نظيره هلم إلينا كان أصله هل امّ إلينا اى هل قصد إلينا- وإذا قيل اللهم اغفر لى فقوله اغفر لى بيان لامّنا بخير وكذا فى قوله اللهم العن رعلا وذكوان فان لعن الأعداء يصلح بيانا لامّنا بخير مالِكَ الْمُلْكِ صفة للمنادى وقيل نداء بعد نداء حذف منه ايضا ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 27]

حرف النداء تقديره يا مالك الملك ولا يجوز جعله صفة للمنادى لان المنادى الاول مكفوف كصوت بلحوق كلمة هو ومثله لا يوصف كذا قال سيبويه ونقض بسيبويه النحوي ودفع بان الصوت هنا لم يبق على معناه بجعله جزءا للكلمة بخلاف ما نحن فيه- والملك مصدر يشتق منه الملك والمراد به المفعول أريد به عالم الإمكان واللام للاستغراق فان الله تعالى خالقه ومالكه يتصرف فيه كيف يشاء ويهب منه ما يشاء لمن يشاء لا يجوز لاحد ان يتصرف فى شىء من الأشياء الا باذنه وتمليكه تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ واللام فى اللفظين للعهد الذهني والمعنى تعطى من الملك ما تشاء من تشاء وتسترد كذلك- عدل من الضمير الى الظاهر وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ فى الدنيا او فى الاخرة او فيهما بالنصر والأدبار والتوفيق والخذلان فى الدنيا والثواب والعذاب فى الاخرة بِيَدِكَ الْخَيْرُ قيل تقديره بيدك الخير والشر فاكتفى بذكر أحدهما كما فى قوله تعالى سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ اى الحر والبرد وقيل خص ذكر الخير لسياق الكلام فيه حيث وعد النبي صلى الله عليه وسلم أمته ملك فارس والروم وقيل ذكر الخير وحده لانه المقضى بالذات والشر مقضى بالعرض إذ لا يوجد شر جزئى ما لم يتضمن خيرا كليا او لمراعات الأدب فى الخطاب- قلت لعل المراد بالخير الوجود فالوجود الحقيقي الذي لاحظّ له من العدم مختص بالواجب لذاته خير محض ليس فيه شائبة من الشر- والوجود الظلي الذي به تحقق الممكن فى الخارج الظلي مستفاد من الواجب- والعدم الذي هو حصة من الشر فى الممكن ذاتى له غير مستفاد من العلة- ومعنى اسناد الشر الى الله تعالى ان الممكن الذي الشر داخل فى مفهومه وبعض افراده اكثر شرا من البعض وحصة الوجود منه مستند الى الوجود الحق واما حصة الشر منه فذاتى له فما اصدق قوله تعالى بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) ولا يقدر أحد غيرك على شىء أصلا وقدرة العباد انما هى قدرة متوهمة بها يسمى العبد كاسبا والله خلقهم وما يعملون- قال البيضاوي نبه بهذه الجملة على ان الشر ايضا بيده- قلنا نعم لكن معنى كونه تعالى قادرا على الشر وكون الشر بيده انه تعالى قادر على عدم افاضة الخير فان القدرة معناه ان شاء فعل وان شاء لم يفعل وإذا لم يفعل الخير بقي الممكن على الشر الأصلي-. تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ يعنى تدخل أحدهما فى الاخر ... ...

بالتعقيب او الزيادة فى أحدهما بالنقصان فى الاخر وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ قرا نافع وابو جعفر ويعقوب وخلف- ابو محمد عفا عنه وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم الميّت بتشديد الياء هاهنا وفى الانعام ويونس والروم وفى الأعراف لبلد ميّت وفى الفاطر الى بلد ميت- وزاد نافع او من كان ميّتا فاحييناه- ولحم أخيه ميّتا- والأرض الميّتة أحييناها- والباقون يخففون الجميع ويعقوب الحىّ من الميت ولحم أخيه ميتا- قيل معناه يخرج الحيوان من النطفة والبيضة ويخرج النطفة والبيضة من الحيوان والنبات الطري من الحب اليابس والحب اليابس من النبات كذا قال ابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة وعكرمة والكلبي والزجاج وقال الحسن وعطاء يخرج الكافر من المؤمن والمؤمن من الكافر قال الله تعالى أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ الاية كذا أخرجه ابن ابى حاتم عن عمر بن الخطاب وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (27) اى من غير تضييق وتقتير بحيث لا يعرف الخلق عدده ومقداره وان كان معلوما عند الله عقب الله سبحانه هذه الجمل الخمس ليستدل بها على قدرة الله على إيتاء الملك من يشاء ونزعه ممن يشاء روى البغوي بسنده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن على عليهم السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان فاتحة الكتاب واية الكرسي وايتين من ال عمران شهد الله الى قوله إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وقُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ الى قوله بِغَيْرِ حِسابٍ مشفعات ما بينهن وبين الله عز وجل حجاب قلن يا رب تهبطنا الى أرضك والى من يعصيك قال الله عز وجل بي حلفت لا يقرؤكن أحد من عبادى دبر كل صلوة الا جعلت الجنة مأواه على ما كان فيه والا أسكنته فى حظيرة القدس والا نظرت اليه يعنى كل يوم سبعين مرة وأقضيت له كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة والا أعذته من كل عدو وحاسد ونصرته عليه واخرج الطبراني عن معاذ ان النبي صلى الله عليه وسلم قال له الا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك الدين مثل ثبير اداه الله عنك قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ الى قوله بِغَيْرِ حِسابٍ رحمن الدنيا والاخرة ورحيمهما نعطى من تشاء منهما وتمنع من تشاء ارحمني رحمة تغننى بها عن رحمة من سواك- والله اعلم- اخرج ابن جرير من طريق سعيد وعكرمة عن ابن عباس قال كان الحجاج بن عمرو حليفا لعمرو بن الأشرف وابن ابى الحقيق وقيس بن زيد قد بطنوا بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 28]

فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعيد بن خيثمة لاولئك النفر اجتنبوا هؤلاء اليهود لا يفتنونكم عن دينكم فابى أولئك النفر الا مباطنهم فانزل الله تعالى. لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ نهوا عن موالاتهم بقرابة او صداقة ونحو ذلك او عن الاستعانة بهم فى الغزو وسائر الأمور الدينية مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ فيه اشارة الى ان ولايتهم لا يجتمع ولاية المؤمنين لاجل منافاة بين ولاية المتعادين ففى ولاية الكفار قبح بالذات وقبح بالعرض بالحرمان عن ولاية المؤمنين- وذكر البغوي قول مقاتل انها نزلت فى حاطب بن ابى بلتعة وغيره كانوا يظهرون المودة لكفار مكة وذكر قول الكلبي عن ابى صالح انها نزلت فى المنافقين عبد الله بن ابى وأصحابه كانوا يتولون المشركين واليهود ويأتونهم بالأخبار يرجون ان يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانزل الله تعالى هذه الاية ونهى المؤمنين عن فعل مثل فعلهم- (فصل) الحب فى الله والبغض فى الله باب عظيم من أبواب الايمان عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المرء مع من أحب متفق عليه وعن انس مرفوعا نحوه بلفظ أنت مع من أحببت متفق عليه وعن ابى موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الجليس الصالح والسوء «1» كحامل المسك ونافح الكير» فحامل المسك اما ان يحذيك اى يعطيك- نهايه منه واما ان تبتاع منه واما ان تجد منه ريحا طيبة ونافح الكير اما ان يحرق ثيابك واما ان تجد منه ريحا خبيثة متفق عليه وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابى ذر يا أبا ذر اىّ عرى الايمان أوثق قال الله ورسوله اعلم قال الموالاة فى الله والحب فى الله والبغض فى الله رواه البيهقي فى الشعب وعن ابى ذر قال قال النبي صلى الله عليه وسلم ان أحب الأعمال الى الله تعالى الحب فى الله والبغض فى الله رواه احمد وابو داود وفى الباب أحاديث كثيرة وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اى اتخاذهم اولياء فَلَيْسَ الضمير المرفوع عائد الى من يفعل مِنَ اللَّهِ حال من شىء قدم عليه لتنكيره فِي شَيْءٍ خبر ليس والتنكير للتحقير يعنى ليس هو كائنا فى شىء حقير من ولاية الله او من دين الله يعنى كما ان ولاية الكفار لا يجتمع ولاية المؤمنين كذلك لا يجتمع ولاية الله ايضا- ولو قال

_ (1) مثنوى- دور شو از اختلاط يار بد ... يار بد بدتر بود از مار بد مار بد تنها همين بر جان زند ... يار بد بر جان وبر ايمان زند - منه رح (2) ضارب كير الحداد الذي يجعل من الطين- منه رح [.....]

[سورة آل عمران (3) : آية 29]

من دون الله والمؤمنين لافاد ذلك الفائدة مع الاختصار لكن المقصود كمال المبالغة فى البعد عن ولاية الله إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا استثناء مفرغ منصوب على الظرفية وهو من حيث المعنى متعلق بكلا الجملتين السابقتين ومن حيث اللفظ بإحداهما مقدرا للاخرى كما هو داب التنازع يعنى لا يجوز موالاة الكفار فى شىء من الأوقات الا وقت ان تتقوا منهم ومن يفعل ذلك ليس هو من اولياء الله فى شىء من الأوقات الا وقت الاتقاء- والاتقاء افتعال من الوقاية يعنى وقاية نفسه من شرهم ويلزمه الخوف ولاجل ذلك قيل معناه الا ان تخافوا مِنْهُمْ تُقاةً كذا قرا الجمهور وقرا مجاهد ويعقوب تقيّة على وزن فعيلة وعلى التقديرين مصدر من غير باب الفعل يقال توقيته تقاة وتقى وتقية وتقوى وإذا قلت اتقيت كان مصدره اتقاء ثم المصدر جاز ان يكون بمعناه ويكون منصوبا على المصدرية والمعنى لا يجوز موالاة الكفار فى شىء من الأوقات الا وقت ان تتقوا أنفسكم منهم اى من شرهم تقاة وجاز ان يكون بمعنى المفعول فالمعنى الا وقت ان تخافوا من جهتهم ما يجب اتقاؤه ومقتضى الاستثناء اباحة موالاتهم وقت الخوف من شرهم- ولا شك ان الضروري يتقدر بقدر الضرورة فلا يجوز حينئذ الا اظهار الموالاة دون ابطانها ولا يجوز حينئذ ان يستحل دما حراما او مالا حراما او ارتكاب معصية او يظهر الكفار على عورات المسلمين او يطلعهم على اسرار المؤمنين- وأنكر قوم التقية بعد ظهور الإسلام قال معاذ بن جبل كانت التقية فى جدة الإسلام قبل استحكام الدين وقوة الإسلام فاما اليوم فليس ينبغى لاهل الإسلام ان يتقوا من عدوهم- ثم بالغ سبحانه فى المنع عن ولاية الكفار وزاد على نفى ولاية المؤمنين ونفى ولاية الله عمن تولى بالكفار بالوعيد فقال وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ اى يخوفكم سخطه وعقابه فى موالاة الكفار وذكر النفس ليعلم ان المحذر منه عقاب يصدر منه تعالى فلا يبالى بما يخاف أحدكم من الكفار فهذا وعيد شديد مشعر بتناهي المنهي فى القبح وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) اى مصيركم اليه تعالى لا تقوتونه وهذا وعيد اخر. قُلْ يا محمد إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ اى قلوبكم من مودة الكفار وغيرها أَوْ تُبْدُوهُ قولا او فعلا يَعْلَمْهُ اللَّهُ لا يخفى عليه شىء والغرض من الكلام تسوية المبدى والمخفي بالنسبة الى علم الله تعالى والا فالعلم بالمخفي يقتصى العلم بالمبدى بالطريق الاولى فلا حاجة الى ذكره او تبدوه وَيَعْلَمُ ما فِي ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 30]

السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) جملة يعلم استيناف غير معطوف على جزاء الشرط وهو فى مقام التعليل لما سبق يعنى إذا لم يخف عليه شىء فكيف تخفى عليه ضمائركم واقتصر فى الذكر على علم ما فى السموات وما فى الأرض لانحصار نظر العوام عليهما والمقصود احاطة علمه تعالى بكل موجود فان وجود كل شىء مستفاد منه فكيف يخفى عليه شىء وفى ذكر احاطة علمه تعالى بكل شىء وقدرته على كل شىء بيان لقوله تعالى ويحذركم الله نفسه لانه متصف بالعلم الشامل والقدرة الكاملة فلا يجوز التجاسر على عصيانه عند العقل- وجاز ان يكون المراد انه تعالى لا يخفى عليه شىء يمكن به تعذيبكم فى الدنيا والاخرة وهو على كل شىء قدير فيعذبكم باىّ شىء يريد فى الدنيا او فى الاخرة او فيهما ولا شك ان موالاة الكفار والمداهنة فى الدين يستلزم التعذيب فى الدنيا ايضا بضرب المذلة وسلب السلطنة والله اعلم-. يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً الظرف اعنى يوم متعلق بتود وما موصولة ليست بشرطية لاجماع القراء على رفع تود ولو كانت شرطية لذهب بعضهم الى جزمه بناء على جواز الرفع والجزم إذا كان الشرط ماضيا مع ان المروي عن المبرّد ان الرفع شاذ يعنى إذا كان الشرط ماضيا والجزاء مضارعا والموصول مع صلته مفعول لتجدو هى بمعنى تصيب فلا يقتضى الا مفعولا واحدا ومحضرا حال منه وما عملت من سوء معطوف على ما عملت من خير- ولعل المراد حينئذ بكل نفس هاهنا نفس مؤمنة خلطت عملا صالحا واخر سيّئا- واما من ليس له الا عمل صالح او الا عمل سىء فيظهر حاله بالمقايسة والمفهوم- فالله سبحانه برأفته بحضر للمؤمن عمله الصالح على رءوس الخلائق دون عمله السوء بل تجده فى نفسه وتود ان لا يظهره الله او يظهره الله على الإخفاء والتستر كما فى الصحيحين عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله يدنى المؤمن فيضع عليه كتفه ويستر فيقول أتعرف ذنب كذا أتعرف ذنب كذا فيقول نعم اى رب حتى قدره بذنوبه وراى فى نفسه انه قد أهلك قال سترتها عليك فى الدنيا وانا اغفرها لك اليوم فيعطى كتاب حسناته واما الكافر والمنافق فينادى بهم على رءوس الخلائق هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ- وان كان تجد بمعنى تعلم فحينئذ محضرا يكون مفعولا ثانيا له محمولا على ما عملت من خير ... ...

وفيما عطف عليه يقدر مثله كما فى قوله علمت زيدا فاضلا وعمروا يعنى تجد الخير والشر محضرين وكلمة لو مقحمة وان مع اسمها وخبرها مفعول لتودا وهى بمعنى ليت حكاية لودادهم وان مع اسمها وخبرها بمنزلة الاسم مع الخبر لليت وحذف مفعول تود لما يدل عليه ما بعده- وجاز ان يكون لو مصدرية وبعدها فعل مقدر فاعلها ان مع اسمها وخبرها وذلك الفعل بتأويل المصدر مفعول لتود وضمير بينه راجع الى اليوم او الى ما عملت من سوء تقدير الكلام حين تصيب كل نفس عملها الخير اى صحيفة عملها او جزاءه حال كونه محضرا وتصيب عملها الشر او تعلم جزاء خيرها وشرها محضرين عندها تود اى تتمنى مسافة بعيدة بينها وبين ذلك اليوم وهو له لما يرى من عملها السوء وان كان ذلك مع ما يرى من صالح عمله فان طمع النفع لا يصير مطمح نظره عند خوف الضرر او بينها وبين عملها السوء او يتمنى ثبوت مسافة بينها وبينه- والأمد الاجل والغاية التي ينتهى إليها- قال الحسن يسر أحدهم ان لا يلقى عمله السوء ابدا وقيل يود انه لم يعمله وجاز ان يكون يوم متعلقا بقدير ووجه تخصيص القدرة باليوم مع شموله لجميع الازمنة وقوع الثواب او العذاب فى ذلك اليوم والمعنى والله بكل شىء من ثوابكم وعذابكم قدير يوم تجد- وجاز ان يكون يوم منصوبا بمضمر فيقدر اذكر- والاولى ان يقدر يحذركم الله يوم تجد فلا يكون فى عطف ويحذركم خفاء وعلى هذه الوجوه تود حال مقدرة من الضمير فى عملت من سوء يعنى تجد ما عملت من سوء مقدرا حين ما عملت ذلك الوداد يوم القيامة- وجاز ان يكون تود خبرا لما عملت من سوء ويكون الواو فى وما عملت من سوء للاستيناف وتمت الجملة الاولى على ما عملت من خير وجاز ان يكون الواو للعطف وتود بمنزلة المفعول الثاني لتجد محمولا على ما عملت من سوء اى تجد ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء هائلا بحيث تودّ انّ بينها وبينه أمدا بعيدا- عن عدى بن حاتم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكم من أحد الا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه فينظر ايمن منه فلا يرى الا ما قدم من عمله وينظر أشأم منه فلا يرى الا ما قدم وينظر بين يديه فلا يرى الا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ جملة مستانفة للتحذير عن ترك الواجبات وإتيان السيئات كما ان ما سبق كان للتحذير عن موالاة الكفار فلا تكرار- وجاز ان يكون معطوفة على تود اى يهاب من هذه اليوم او من عمله السوء ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 31]

وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ بإظهار قهاريته يوم تجد- ولو كان الظرف متعلقا با ذكر جاز ان يكون هذه الجملة معطوفة على تجد اى اذكر يَوْمَ تَجِدُ ويوم يحذّركم الله بإظهار قهاريته وهذه الجملة لبيان المعاملة مع الكفار وقوله تعالى وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (30) اى بعباده المؤمنين لبيان المعاملة مع المسلمين وجاز على التأويل الاول ان يكون هذه الجملة فى مقام التعليل للجملة الاولى يعنى انما يحذّركم الله نفسه لانه رؤف بالعباد يريد إصلاحهم- اخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسن مرسلا قال قال أقوام على عهد نبيّنا صلى الله عليه وسلم والله يا محمد انا لنحب ربنا فانزل الله تعالى. قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ الاية- وروى ابن إسحاق وابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير انها نزلت فى وفد نجران لمّا قالوا انما نعبد المسيح حبّا لله وقال البغوي نزلت فى اليهود والنصارى حيث قالوا نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ وقال الضحاك عن ابن عباس رضى الله عنهما وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قريش وهم فى المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام وجعلوا فى آذانها الشنوف وهم يسجدون لها فقال والله يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة أبيكم ابراهيم وإسماعيل فقال قريش انما نعبدها حبّا لله لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى فقال الله تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ الحب بضم الحاء وكسره وكذا الحباب بهما والمحبة مصادر من أحبه يحبه فهو محبوب على غير قياس ومحبّ قليل وحببته أحبه حبا من ضرب يضرب شاذ- وهو عبارة عن اشتغال قلب المحب بالمحبوب وأنسه به بحيث يمنعه عن الالتفات الى غيره ولا يكون له بد من دوام التوجه اليه والاشتغال به وهذا هو المعنى من قولهم العشق نار فى القلوب تحرق ما سوى المحبوب- يعنى يقطع عن قلبه التوجه الى غير المحبوب فيجعله نسيا منسيا كان لم يكن فى الوجود غير محبوبه حتى يسقط عن نظر بصيرته نفسه فلا يرى نفسه كما لا يرى غيره ومقتضى تلك الصفة ابتغاء مرضات المحبوب وكراهة ما يكرهه طبعا وبالذات بلا ملاحظة طمع فى ثوابه او خوف من عقابه وان اجتمع مع ذلك طمع وخوف ايضا- هذا تعريف المحبة من العبد واما محبة الله تعالى لعبده فالله سبحانه منزه عن القلب واشتغاله ولا يمنعه شأن عن شأن فهى فى حقه تعالى عبارة عن الانس الساذج المقتضى لجذب العبد الى جنابه وعدم إهماله وتركه الى غيره- ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 32]

وجذب الله العبد الى جنابه سبب للمحبة من العبد لله تعالى فمحبة العبد لله تعالى فرع لمحبة الله تعالى إياه وظل لها قال الله تعالى وألقيت عليك محبّة منّى وقال يحبّهم ويحبّونه قدم يحبهم على يحبونه هذا ما ذكرت هو المحبة الذاتية وما ذكر البيضاوي ان المحبة ميل النفس الى الشيء لكمال أدرك فيه بحيث يحمله على ما يقربه اليه فهو بيان للمحبة الصفاتية وهى بمراحل عن المحبة الذاتية الا ترى ان الام يحب ولدها بلا ملاحظة كمال فيه فذلك قريب من المحبة الذاتية وليست منها لان محبة الام تتفرع على علم انتساب الولد إليها واما محبة الله تعالى فهى اعزوا على من ذلك فقد ورد فى الصحيحين وغيرهما عن ابى هريرة وابن عباس وغيرهما مرفوعا بألفاظ مختلفة ان لله تبارك وتعالى مائة رحمة منها رحمة واحدة قسّمها بين الخلائق يتراحمون بها وادخر لاوليائه تسعة وتسعين- واما ما ذكر البغوي ان حب المؤمنين لله تعالى اتباعهم امره وإيثار طاعته وابتغاء مرضاته وحب الله المؤمنين ثناؤه عليهم وثوابه لهم وعفوه عنهم فليس هذا تعريفا للمحبة بل بيان لمقتضاه وما يدل عليه فَاتَّبِعُونِي الفاء للسببية وذلك لان المحبة سبب لابتغاء مرضات الله تعالى- والمرضى من غير المرضى لا يدرك بالرأى بل بتعليم الله تعالى بتوسط الرسل فثبت ان المحبة سبب لاتباع الرسل والاتباع دليل على وجودها وعدمه دليل على عدمها فمن ادعى المحبة مع مخالفة سنة الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كذاب يكذبه كتاب الله تعالى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ جواب للامر تقديره ان تتبعونى يحببكم الله- فان قيل مقتضى هذه الاية ان محبة الله تعالى العبد يتفرع على اتباع الرسول المتفرع على محبة من العبد لله تعالى المسبوق بمحبة من الله للعبد فيلزم الدور- قلنا هذه محبة اخرى من الله تعالى سوى المحبة السابقة فمحبة العبد لله تعالى محفوف بمحبتين من الله سبحانه سابق ولاحق فالمحبة السابقة ما ذكرناه سابقا والمحبة اللاحقة هى التي تقتضى الرحمة والتفضل الكامل الذي ورد فى الحديث ان جزءا واحدا منها اى من الرحمة قسمها الله بين الخلائق وادخر لاوليائه تسعة وتسعين- ولاقتضاء تلك المحبة اللاحقة من الله تعالى المغفرة والرحمة عطف عليه قوله وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قال البغوي لما نزلت هذه الاية قال عبد الله بن ابى لاصحابه ان محمدا يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا ان نحبه كما أحبت النصارى عيسى بن مريم فنزل. قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 33]

وَالرَّسُولَ يعنى ان إطاعة الله والرسول واحد فان إطاعة الرسول من حيث هو رسول الله انما هى إطاعة الله تعالى لا غير ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل أمتي يدخلون الجنة الا من ابى قالوا ومن يأبى يا رسول الله قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصانى فقد ابى متفق عليه من حديث ابى هريرة حيث جعل دخول الجنة فرع اطاعته- وقال عليه السلام من أطاع محمدا فقد أطاع الله ومن عصى محمدا فقد عصى الله ومحمد فرق بين الناس رواه البخاري فى حديث طويل عن جابر فَإِنْ تَوَلَّوْا يحتمل ان يكون ماضيا وان يكون مضارعا بحذف أحد التاءين أصله فان تتولوا اى تعرضوا عن إطاعة الله والرسول صلى الله عليه وسلم فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (32) وضع المظهر موضع الضمير ولم يقل لا يحبهم لقصد العموم والدلالة على ان التولي كفر والكفر ينفى المحبة وان المحبة مخصوصة بالمؤمنين وجاز ان يكون جزاء الشرط محذوفا وقوله تعالى فانّ الله لا يحبّ الكفرين مسبب له دليل عليه أقيم مقامه تقديره فان تولّوا فانّ الله لا يحبهم لانه لا يحبّ الكفرين والجملة الشرطية تدل على ان التولي عن الاطاعة دليل على عدم محبة الله تعالى إياه- ومحبة العبد محفوف بالمحبتين من الله سابق ولا حق والله اعلم. إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى افتعال من الصفوة وهى الخالص من كل شىء يعنى اختار لنفسه ولمحبته ورسالته آدَمَ أبا البشر عليه السلام حتى اسجد له ملائكته واسكنه فى جنته واخرج من ذريته الأنبياء كلهم وهو أول النبيين المصطفين وَنُوحاً حين اختلف الناس وصاروا كفارا بعد ما كانوا على شريعة الحق ودين آدم عليه السلام فاختاره الله تعالى على من سواه وأهلك الكفار كلهم بدعائه وجعل ذريته هم الباقين وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ قيل أراد بال ابراهيم وال عمران أنفسهما كما فى قوله تعالى وبقيّة ممّا ترك ال موسى وال هرون يعنى موسى وهارون- وقال آخرون أراد بال ابراهيم إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وسائر أنبياء بنى إسرائيل ومحمدا صلى الله عليه وسلم- واما عمران فقال مقاتل هو عمران بن يصهر بن قاهت بن لاوى بن يعقوب والد موسى وهارون وقيل عمران بن ماثان من أولاد سليمان بن داود عليهما السلام والد مريم أم عيسى وقال الحسن ووهب كذلك لكنهما قالا ابو مريم عمران بن أشهم بن امون من أولاد سليمان بن داود وبين عمرانين الف وثمانون سنة وقيل الف وثمان مائة ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 34]

سنة والظاهر ان المراد بال عمران هاهنا عمران ابو مريم لدلالة سياق الكلام عليه فان قوله تعالى إذ قالت امراة عمرن واقع فى مقام البيان لما سبق من الاصطفاء- وانما خص هؤلاء بالذكر لان الأنبياء والرسل كانوا كلهم او أكثرهم من نسلهم عَلَى الْعالَمِينَ (33) ان كان ما ذكر شاملا لنبينا صلى الله عليه وسلم وابراهيم عليه السلام كما هو شامل لموسى وعيسى فاصطفاؤهم على العالمين أجمعين ظاهر وبه يستدل على افضلية خواص البشر على خواص الملائكة والا فالمراد بالعالمين عالمى زمانهم- قال البغوي قال ابن عباس رضى الله عنهما قالت اليهود نحن أبناء ابراهيم وإسحاق ويعقوب ونحن على دينهم فانزل الله تعالى هذه الاية يعنى ان الله اصطفى هؤلاء بالإسلام وأنتم على غير دين الإسلام وقال البيضاوي لما أوجب طاعة الرسل وبين انها الجالبة لمحبة الله عقب ذلك بيان مناقبهم تحريضا عليها وقال بعض الأفاضل لما أمرهم بمتابعة النبي صلى الله عليه وسلم وجعل متابعته سببا لمحبة الله وعدم اطاعته سببا لسخطه وسلب محبته أكد ذلك بتعقيبه بما هو عادة الله تعالى من اصطفاء أنبيائه على مخالفيهم ورفعهم وتذليل أعدائهم واعدامهم تخويفا للمتمردين عن متابعته- فذكر اصطفاء آدم على من عداه حتى جعله مسجودا للملائكة ولعن عدوه إبليس واصطفاء نوح على أعدائه كفار اهل الأرض أجمعين حتى اهلكهم بالطوفان وجعل ذرّيّته هم الباقين واصطفاء ال ابراهيم على العالمين مع ان العالم كانوا كلهم كافرين فى زمن ابراهيم حتى جعل دينهم شائعا وذلل مخالفيهم واصطفاء موسى وهارون حتى القى السحرة ساجدين وأغرق فرعون وجنوده فلم يبق منهم أحد مع كثرتهم قلت وجعل متابعى عيسى عليه السلام بعد رفعه الى السماء مع كونهم مغلوبين بالكلية غالبين الى يوم القيامة حيث قال وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ولذا خص آدم ونوحا والآلين ولم يذكر ابراهيم ونبينا سيد المرسلين إذ ابراهيم لم يغلب على العالم بالكلية وهذا الكلام لبيان ان نبينا صلى الله عليه وسلم سيغلب والله اعلم. ذُرِّيَّةً فعّيلة من الذر وهى صغار النمل والياء للنسبة ووجه ذلك انهم استخرجوا من صلب آدم كالذر او فعولة من الذرء بمعنى الخلق أبدلت همزتها ياء ثم قلبت الواو ياء وكسرت ما قبلها وأدغمت فى الياء ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 35]

ويسمى الأولاد والآباء ذرية فالاولاد ذرية لانه ذراهم والآباء ذرية لانه ذرا الأبناء منهم قال الله تعالى واية لهم انّا حملنا «1» ذرّيّتهم فى الفلك المشحون اى آباءهم- ويقع على الواحد والجمع منصوب على الحالية او البدلية من الآلين او منهما ومن نوح بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ مبتدا وخبر فى موضع النصب صفة لذرية يعنى اصطفى نوحا والآلين حال كونهما خلقة مستخرجة كالذر بعضها كائنة من نسل بعض او بعضها من شيعة بعض فى التناصر واتحاد الدين كما فى قوله وانّ من شيعته لابرهيم ولو اعتبر فى الذرية معنى الاشتقاق وقد اعتمد على ذى الحال فلا يبعد ان يقال ان بعضها فاعل له ومن بعض متعلق به يعنى خلقة مخلوقة او مستخرجة بعضها من بعض- وجاز ان يكون معنى بعضها من بعض ان عادة الله تعالى اصطفاء واحد «2» من قوم فلا ينبغى ان يستبعد قريش اصطفاء النبي صلى الله عليه وسلم حال كونه واحدا منهم وَاللَّهُ سَمِيعٌ يسمع اقوال الناس باستبعاد اصطفاء بعضهم من بعض عَلِيمٌ (34) يعلم من يصلح للاصطفاء- او سميع بقول امراة عمران عليم بنيتها-. إِذْ قالَتِ إذ متعلق بعليم او منصوب بإضمار اذكر امْرَأَتُ عِمْرانَ ابن ماثان او ابن أشهم وكان بنو ماثان رءوس بنى إسرائيل وأحبارهم وملوكهم واسم امرأة عمران حنّة بنت قاقودا وهى كانت عقيمة وقد أسنت فبينا هى فى ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخا فتحركت لذلك نفسها للولد وكانت من اهل بيت كانوا من الله بمكان فدعت الله ان يهب لها ولدا فحملت بمريم كذا اخرج ابن جرير عن ابن إسحاق وعن عكرمة نحوه رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً منصوب على الحالية اى معتقا لخدمة بيت المقدس لا اشغله بشىء من الدنيا خالصا مفرغا لعبادة الله تعالى- وكان هذا النذر مشروعا فى دينهم فى الغلمان أخرجه ابن جرير عن قتادة والربيع كان إذا حرّر غلام جعل فى الكنيسة يكنسها ويخدمها ولا يبرحها حتى يبلغ الحلم ثم يخير ان أحب اقام فيه وان أحب ذهب حيث شاء- ولم يكن أحد من الأنبياء والعلماء الا ومن نسله محرّر لبيت المقدس ولم يكن يحرر الا الغلمان فلعل حنة بنت الأمر على التقدير او طلبت ذكرا فَتَقَبَّلْ مِنِّي فتح الياء نافع وابو جعفر- ابو محمد وابو عمرو وأسكنها الباقون يعنى تقبل منى ما نذرته إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ لقولى الْعَلِيمُ (35) بنيتي فقال لها زوجها ويحك ما صنعت ارايت

_ (1) فى الأصل جعلنا لعله من سباق قلم او من الناسخ (2) فى الأصل واحدا- ابو محمد عفا الله عنه

[سورة آل عمران (3) : آية 36]

ان كان ما فى بطنك أنثى لا يصلح لذلك فوقعا من ذلك فى هم فهلك عمران وحنة حامل بمريم. فَلَمَّا وَضَعَتْها الضمير لما فى بطنها وتأنيثه لانه كان فى الواقع أنثى او على تأويل النفس او الحبلة قالَتْ تحسرا وقد كانت ترجوا غلاما رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى او قالت اعتذارا الى الله فى جعلها محررة لخدمة البيت وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ قرا ابن عامر وابو بكر ويعقوب بإسكان العين وضم التاء على التكلم على انه من كلام امراة عمران تسلية منها لنفسها اى لعل لله تعالى فيه سرا والأنثى كان خيرا والباقون بفتح العين واسكان التاء على الغيبة فهو استيناف من الله تعظيما لموضوعها وتجهيلا لها بشأنها وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى جاز ان يكون هذه الجملة من قولها اعتذارا الى الله فى جعلها محررة لخدمة البيت يعنى ليس الذكر فى خدمة الكنيسة لقوته وصلاحيته كالانثى لعورتها وضعفها وما يعتريها من الحيض والنفاس فاللام فى الكلمتين للجنس- وجاز ان يكون من كلام الله تعالى اى ليس الذكر الذي طلبت كالانثى التي وهبت بل هى أفضل من الذكر واللام فيهما للعهد وهذا التأويل اولى من الاولى إذ لو كان على وجه الاعتذار لقالت وليست الأنثى كالذكر وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ عطف على ما قبلها من مقالتها وما بينهما اعتراض- ومعناه العابدة فى لغتهم قالت ذلك لان يجعلها الله تعالى كاسمها عابدة وفى تقديم المسند اليه اشارة الى تخصيصها بالتسمية يعنى ليس لها اب فهى يتيمة وفيه استعطاف وَإِنِّي فتح الياء نافع وأسكنها الباقون أُعِيذُها أجيرها بِكَ وَذُرِّيَّتَها أولادها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (37) المطرود اصل الرجم الرمي بالحجارة عن ابى هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من مولود يولد الا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل من مسه الا مريم وابنها متفق عليه يعنى ببركة هذه الاستعاذة- وعنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم كل بنى آدم يطعن الشيطان فى جنبيه بإصبعيه غير عيسى بن مريم ذهب يطعن فظعن فى الحجاب- قلت وقد صح ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة حين زوجها عليا اللهم انّى أعيذها بك وذرّيّتها من الشّيطين الرجيم وكذا قال لعلى حينئذه رواه ابن حبان من حديث انس ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم اولى بالقبول من دعاء ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 37]

امراة عمران فارجو عصمتها وأولادها من الشيطان وعدم مسه إياهم- وحصر عدم المس فى مريم وابنها الثابت بالحديث على هذا يكون حصرا إضافيا بالنسبة الى الأعم الأغلب-. فَتَقَبَّلَها بمعنى قبلها يعنى مريم من حنة مكان الذكر او المعنى استقبلها اى أخذها فى أول أمرها حين ولدت كتعجل بمعنى استعجل رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ القبول هاهنا ليس بالمعنى المصدري والا يقال قبولا حسنا بل هو اسم لما يقبل به الشيء كالسعوة واللدود اى بوجه حسن يقبل به النذائر والقبول الحسن هو قبول المرادين اهل الاجتباء دون قبول المريدين اهل الهداية فان الله تعالى اصطفاها لنفسه وفضلها على نساء العالمين وطهرها من الذنوب ومن الحيض من غير سابقة عمل منها واجتهادها- وان كان القبول بالمعنى المصدري فتقديره بامر ذى قبول حسن وذلك الأمر هو الاختصاص وكون مبدا تعينها من مبادى نعينات اهل الاصطفاء وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً مصدر من غير باب الفعل والمعنى أنبتها فنبتت نباتا حسنا فكانت تنبت فى اليوم كما ينبت المولود فى العام- اخرج ابن جرير عن عكرمة وقتادة والسدى ان حنة لما ولدت مريم لفتها فى خرقة وحملتها الى المسجد فوضعتها عند الأحبار أبناء هارون وهم يومئذ يلون بيت المقدس ما تلى الحجبة من الكعبة فقالت دونكم هى النذيرة فتنافس فيها الأحبار لما كانت بنت امامهم وصاحب قربانهم فقال لهم زكريا انا أحقكم بها عندى خالتها وهى أشياع بنت قاقودا أم يحيى عليه السلام فابوا الا القرعة فانطلقوا وكانوا سبعة وعشرين رجلا الى نهر جار قال السدى هو نهر الأردن فالقوا أقلامهم فى الماء على ان من ثبت قلمه فى الماء وصعد فهو اولى بها قيل كانوا يكتبون التورية فالقوا أقلامهم التي كانت بايديهم فارتز قلم زكريا فارتفع فوق الماء وانحدرت أقلامهم ورسبت فى النهر قاله محمد بن إسحاق وقال السدى وجماعة بل ثبت قلم زكريا وقام فوق الماء كانه فى طين وجرت أقلامهم- وقيل جرى قلم زكريا مصعدا الى أعلى الماء وجرى أقلامهم مع جرى الماء فذهب بها الماء- فسهمهم وقرعهم زكريا وكان رأس الأحبار ونبيهم وَكَفَّلَها قرا حمزة وخلف- ابو محمد والكسائي وعاصم بتشديد الفاء من باب التفعيل والفاعل هو الله تعالى لتقرره فى الأذهان او الضمير المرفوع ... ...

مستتر فيها راجع الى ربها والباقون بالتخفيف والفاعل زكريّاء بالمد عند الجمهور مرفوع لفظا وقرا حمزة وخلف- ابو محمد والكسائي وحفص عن عاصم بالقصر منصوب المحل بالمفعولية وابو بكر عن عاصم بالمد منصوبا لفظا والمعنى على قراة الجمهور قام بامرها زكريا وعلى قراءة الكوفيين ضمها الله بالقرعة زكريا بن اذن بن مسلم بن صدون من أولاد سليمان بن داود عليهم السلام فبنى زكريا لها بيتا واسترضع لها- وقال محمد بن إسحاق ضمها الى خالتها أم يحيى حتى إذا شبّت وبلغت مبلغ النساء بنى لها محرابا فى المسجد وجعل بابه فى وسطها لا يرقى إليها الا بالسلّم مثل باب الكعبة ولا يصعد إليها غيره وكان يأتيها بطعامها وشرابها ودهنها كل يوم كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا بالمد والقصر كما مر فى سائر القران لم يعطف هذه الجملة لكونها مقررة لما قبلها اعنى تقبلها بقبول حسن او لعدم الجامع باعتبار المسند او المسند اليه- وكلما ظرف زمان فيه معنى الشرط منصوب بما وقع جوابه اعنى وجد الْمِحْرابَ اى الغرفة التي بنى لها والمحراب اشرف المجالس ومقدمها- ويقال ايضا للمسجد المحراب لانه محل محاربة مع الشيطان- قال المبرد لا يكون المحراب الا ان يرتقى اليه بدرج اخرج ابن جرير عن الربيع بن انس قال كان إذ اخرج اغلق عليها سبعة أبواب فاذا دخل عليها غرفتها وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً اى فاكهة فى غير حينها فاكهة الصيف فى الشتاء وفاكهة الشتاء فى الصيف قالَ زكريا استبعادا يا مَرْيَمُ أَنَّى اى من اين وقيل من اىّ جهة لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ اخرج ابن جرير عن ابن عباس ان رزقها كان ينزل من الجنة- وقال الحسن حين ولدت مريم لم تلقم ثديا قط وكان يأتيها رزقها من الجنة وقد تكلمت وهى صغيرة كعيسى إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (37) بغير تقدير لكثرته او بغير استحقاق تفضلا منه يحتمل ان يكون من كلامها او من كلام الله تعالى- وهذه القصة دليل على كرامة الأولياء- وجعل ذلك معجزة لزكريا يدفعه اشتباه الأمر عليه حيث قال انى لك هذا اخرج ابو يعلى فى مسنده من حديث جابر ان فاطمة رضى الله عنها أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم رغيفين وبضعة لحم فرجع بهما إليها وقال هلمى يا بنية فكشفت عن الطبق فاذا هو مملو بالخبز واللحم فقال أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ فقال الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بنى إسرائيل ثم جمع عليا ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 38]

والحسن والحسين وجميع اهل بيته حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو فاوسعت على جيرانها-. هُنالِكَ اى فى ذلك المكان او ذلك الوقت حين راى زكريا كرامة مريم وسعة رحمة الله وراى ان اهل بيته قد انقرضوا وليس له ولد يرثه العلم والنبوة وخاف مواليه اى بنى أعمامه ان يضيعوا الدين بعده دخل المحراب وغلق الأبواب ودَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ يا رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ اى من عندك وعلى خرق عادة جرت منك (حيث كانت امرأته عاقرا وهو كان شيخا كبيرا) كما تهب الرزق لمريم على خرق العادة ذُرِّيَّةً اى ولدا يطلق على الواحد والجمع والذكر والأنثى طَيِّبَةً انّثها نظرا الى لفظ الذرية يعنى صالحا معصوما طاهرا من الذنوب إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (38) اى مجيبه. فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ قرا حمزة وخلف- والكسائي فناديه بالألف والامالة على التذكير لان الفاعل اسم ظاهر مؤنث غير حقيقى والباقون بالتاء لتانيث لفظ الملائكة وكونها جمعا مكسرا- عن ابراهيم قال كان عبد الله يذكّر الملائكة فى القران- قال ابو عبيد اختار ذلك خلافا للمشركين فى قولهم الملائكة بنات الله وكان المنادى جبرئيل وحده أخرجه ابن جرير عن ابن مسعود فوجه إيراد صيغة الجمع اى الملائكة قال المفضل بن سلمة إذا كان القائل رئيسا يجوز الاخبار عنه بالجمع لاجتماع أصحابه معه وكان جبرئيل رئيس الملائكة وقلما يبعث الا ومعه جمع فجرى على ذلك وقيل معنى نادته الملائكة اى من جنسهم كقولك زيد يركب الخيل وَهُوَ اى زكريا قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ اى فى المسجد وذلك ان زكريا كان الحبر الكبير الذي يقرب القربان ويفتح باب المذبح فلا يدخل أحد حتى يأذن لهم فى الدخول- فبينا هو قائم يصلى فى المسجد عند المذبح والناس ينتظرون ان يأذن لهم فى الدخول إذا هو برجل شابّ عليه ثياب بيض ففزع منه وهو جبرئيل فناداه يا زكريا أَنَّ اللَّهَ قرا حمزة وابن عامر انّ بكسر الهمزة على إضمار القول تقديره فنادته الملئكة فقالت انّ الله والباقون بالفتح اى نادته بان الله يُبَشِّرُكَ قرا حمزة يبشرك بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين وكذا بابه بالتخفيف حيث وقع فى كل القران من بشر يبشر وهى لغة تهامة الا قوله فبم تبشّرون فانهم اتفقوا على تشديدها ووافقه الكسائي هاهنا فى موضعين وفى سبحان والكهف وعسق ووافقهما ابن كثير وابو عمرو فى عسق والباقون بضم الياء وفتح الباء وتشديد الشين من التفعيل ... ...

بِيَحْيى سمى به لان الله تعالى أحيا به عقرامه كذا قال ابن عباس وقال قتادة لان الله تعالى أحيا قلبه بالايمان والطاعة حتى لم يعص ولم بهم بمعصية مُصَدِّقاً حال مقدرة بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ يعنى بعيسى عليه السلام سمى به لان الله تعالى قال له كن من غيراب فكان فوقع عليه اسم الكلمة لانه بها كان- وقيل سمى عيسى كلمة لانه يهتدى به كما يهتدى بكلام الله- قالت الصوفية كان مبدا تعينه صفة الكلام وكان يحيى أول من أمن بعيسى وصدّقه وكان يحيى اكبر من عيسى بستة أشهر- وفى الصحيحين فى حديث المعراج انهما كانا ابني خالة وقد ذكر فيما سبق ان يحيى كان ابن خالة لمريم- وعلى تقدير صحة تلك الرواية فالقول بانهما كانا ابني خالة مبنى على التجوز كما قال عليه الصلاة لفاطمة اين ابن عمك يعنى عليا وهو ابن عم لابيها- وقد قتل يحيى قبل رفع عيسى الى السماء- وقال ابو عبيدة أراد بكلمة من الله كتاب الله وآياته وَسَيِّداً يسود «1» قومه ويفوقهم فى العلم والعبادة والورع وجميع خصال الخير قال مجاهد الكريم على الله وقيل الحليم الذي لا يغضبه شىء وقال سفيان الذي لا يحسد وقيل هو القانع وقيل هو السخي وقال جنيد هو الذي جار بالكونين عوضا عن المكون وَحَصُوراً أصله من الحصر وهو الحبس والمنع فقيل كان لا يأتى النساء فقيل كان عنينا كما جاء فى الحديث قلت وان كان عنينا فليس المراد هاهنا كونه عنينا لانه ليس بمدح والمقام مقام المدح فالاولى ان يقال انه كان منوعا حابسا نفسه عن اتباع الشهوات والملاهي- اخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم وابن عساكر عن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم ما من عبد لله يلقى الله الا أذنب الا يحيى بن زكريا فان الله يقول وسيّدا وحصورا قال وانما كان ذكره مثل هدبة الثوب وأشار بانمله- وقوله صلى الله عليه وسلم انما كان ذكره مثل هدبة الثوب ليس بيانا لكونه حصورا بل بيانه ما سبق اعنى كونه معصوما وهذا بيان للواقع وأخرجه ابن ابى شيبة واحمد فى الزهد وابن ابى حاتم من وجه اخر عن ابن عمر موقوفا وهو أقوى اسنادا من المرفوع- واخرج ابن ابى حاتم وابن عساكر عن ابى هريرة ان نبى الله صلى الله عليه وسلم قال كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه ان شاء يعذبه وان شاء يرحمه الا يحيى بن زكريا فانه كان سيّدا وحصورا

_ (1) قال فى النهاية للجزرى السيد يطلق على الرب والمالك والشريف والفاضل والكريم والحليم ومتحمل أذى قومه والزوج والرئيس والمقدم- وأصله من ساد يسود فهو سيؤد فقلبت الواو ياء لاجل الباء الساكنة قبلها فادغمت- منه رح

[سورة آل عمران (3) : آية 40]

ونبيّا من الصّلحين ثم أهوى النبي صلى الله عليه وسلم الى قذاة من الأرض فاخذها وقال كان ذكره مثل هذه القذاة- اخرج عبد الرزاق فى تفسيره عن قتادة موقوفا وابن عساكر فى تاريخه عن معاذ بن جبل مرفوعا ان يحيى عليه السلام مر فى صباه بصبيان فدعوه الى اللعب فقال ما للعب خلقنا وَنَبِيًّا ناشيا مِنَ أصلاب الصَّالِحِينَ (39) يعنى النبيّين المعصومين او كائنا من عداد من لم يأت صغيرة ولا كبيرة-. قالَ زكريا مناجيا الى الله سبحانه من غير التفات الى جبرئيل رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ صدر هذا القول منه بمقتضى الطبع استبعادا عن مقتضى العادة او استعظاما وتعجبا كل ذلك بمقتضى الطبع فان مقتضى الطبع قد يغلب على مقتضى العقل والا فالعقل والعلم يحكمان بانه لا استبعاد فى قدرة الله تعالى ولا تعجب كما ان موسى عليه السلام اعترض على خضر بعد ما عهد منه وقال ستجدنى ان شاء الله صابرا ولا اعصى لك امرا- وقال عكرمة والسدى انه لما سمع نداء الملائكة جاءه الشيطان فقال يا زكريا هذا الصوت ليس من الله انما هو من الشيطان ولو كان من الله لاوحاه إليك فقال ذلك دفعا للوسوسة وقال الحسن انه قال ذلك استفهاما عن كيفية حدوثه يعنى باىّ وجه يكون لى غلام بان تجعلنى وامراتى شابين وتزيل عقمها او تهب لى الولد من امراة اخرى او تهبه إيانا مع كوننا على حالتنا الاولى وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ هذا مقلوب اى قد بلغت الكبر وشخت او المعنى أدركني كبر السن وضعفنى وكان يومئذ ابن سنتين وتسعين سنة كذا قال الكلبي وقال الضحاك كان ابن عشرين ومائة سنة وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة وَامْرَأَتِي عاقِرٌ لا تلد يستوى فيه المذكر والمؤنث قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (30) خبر مبتدا محذوف اى الأمر كذلك اى يولد لك مع كونك شيخا وامرأتك عاقرا او خبر والمبتدا الله يعنى كذلك الله وبيانه يفعل ما يشاء من العجائب او الله مبتدا والجملة بعده خبره وكذلك فى محل النصب على المصدرية يعنى الله يفعل ما يشاء فعلا كذلك الفعل اى مثل ما وعدناك وان كان على خلاف العادة او على الحالية من ما يشاء. قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي فتح الياء نافع وابو عمر وابو جعفر- ابو محمد أسكنها الباقون آيَةً اى علامة اعلم بها وقت حمل امراتى فازيد فى العبادة شكرا لك قالَ آيَتُكَ ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 42]

أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ يعنى لا تقدر على التكلم مع الناس مع قدرتك على الذكر ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً اى الا اشارة بنحو يد او رأس وأصله التحريك والاستثناء منقطع وقيل متصل والمراد بالكلام ما دل على ما فى الضمير وقال عطاء أراد به صوم ثلاثة ايام لانهم كانوا إذا صاموا لم يتكلموا الا رمزا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً يعنى حين يظهر لك الاية شكرا وَسَبِّحْ اى صل بِالْعَشِيِّ اى من الزوال الى ذهاب بعض الليل يعنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء وَالْإِبْكارِ (41) من صلوة الفجر الى الضحى. وَإِذْ قالَتِ عطف على إذ قالت امراة عمرن الْمَلائِكَةُ يعنى جبرئيل عليه السلام شفاها يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ اى اختارك لنفسه بالتجليات الذاتية الدائمية التي عبرها الصوفية بكمالات النبوة وهى بالاصالة للانبياء عليهم السلام وبالتبعية والوراثة للصديقين وكانت هى صديقة قال الله تعالى وامّه صدّيقة وَطَهَّرَكِ عن الذنوب بالحفظ والمغفرة وعدم تطرق الشيطان إليها كما مر من حديث ابى هريرة برواية الشيخين وقيل طهرها من مسيس الرجال وقيل من الحيض وَاصْطَفاكِ اى فضلك عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (42) اى عالمى زمانهم عن على قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة متفق عليه وفى رواية قال ابو كريب وأشار وكيع الى السماء والأرض وعن انس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امراة فرعون رواه الترمذي وعن ابى موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء الا مريم بنت عمران وآسية امراة فرعون وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام متفق عليه- قلت لعل معنى قوله صلى الله عليه وسلم لم يكمل من النساء من الأمم السابقة الا مريم وآسية يدل عليه قوله عليه السلام وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام فان هذه الجملة تدل على فضل عائشة على مريم وآسية- وفى الصحيحين من حديث عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا فاطمة الا ترضين ان تكونى سيدة ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 43]

نساء اهل الجنة او نساء المؤمنين وروى ابو داود والنسائي والحاكم عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل نساء اهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد واخرج احمد والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم عن حذيفة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال نزل ملك من السماء فاستأذن الله ان يسلم علىّ فبشرنى ان فاطمة سيدة نساء اهل الجنة فهذه الأحاديث تدل على ان فاطمة أفضل من مريم لان نساء اهل الجنة عام لا يحتمل التخصيص بزمان دون زمان بخلاف قوله تعالى اصطفيك على نساء العلمين فانه يحتمل ان يكون المراد منه عالمى زمانها كما قلنا لكن ورد فيما روى ابو يعلى وابن حبان والحاكم والطبراني عن ابى سعيد الخدري ان النبي صلى الله عليه وسلم قال فاطمة سيدة نساء اهل الجنة الا ما كان من مريم وروى الترمذي عن أم سلمة عن فاطمة قالت أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم انى سيدة نساء اهل الجنة الا مريم بنت عمران فهذين الحديثين يدلان على استثناء مريم من المفضولية ولا يدلان على كونها أفضل من فاطمة عليها السلام وما فى الصحيحين من حديث المسور بن مخرمة قوله صلى الله عليه وسلم فاطمة بضعة منى وعند احمد والترمذي والحاكم عن ابن الزبير نحوه يقتضى فضل فاطمة على جميع الرجال والنساء كما قال مالك لا نعدل ببضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا لكن عند جمهور اهل السنة خص منه من علم فضلهم قطعا من الأنبياء وبعض الصديقين وبقي من سواهم فى العموم والله اعلم. يا مَرْيَمُ اقْنُتِي اى أطيلي القيام فى الصلاة شكرا لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) اى مع المصلين بالجماعة ولم يقل مع الراكعات لان النساء تتبع الرجال دون العكس فيكون أشمل-. ذلِكَ مبتدا اى ما ذكر من القصص مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ اى اخباره خبره نُوحِيهِ إِلَيْكَ خبر بعد خبر وجاز ان يكون أحدهما خبرا والاخر حالا وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ للاقتراع تقرير لما سبق من كونه وحيا على سبيل التهكم لمنكريه لان اسباب العلم منحصرة فى الثلاثة العقل او سماع الخبر او الحس وكون القصص غير مدرك بالعقل بديهي وعدم السماع معلوم لا شبهة فيه عندهم لكونه صلى الله عليه وسلم اميّا وكون الاخبار منقطعة فبقى ان يكون باحتمال العيان ولا يظن به عاقل فبيان القصص منه صلى الله ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 45]

عليه وسلم على ما هو الواقع المعلوم عدل اهل العلم بالأخبار معجزة له صلى الله عليه وسلم ودليل قطعى على كونه نبيا وكون ما يتلو عليهم وحيا من الله تعالى والله اعلم أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ جملة استفهامية متعلقة بمحذوف دل عليه ما قبله اى يلقون أقلامهم يقولون ايّهم يكفل مريم او ليعلموا ايّهم يكفل مريم وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (43) فى كفالتها-. إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ بدل من إذ قالت الاولى وما بينهما معترضات ذكرت منة على النبي صلى الله عليه وسلم بالايحاء اليه وتنبيها للكفار على جهلهم وعنادهم يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ مبتدا والضمير فيه الى الكلمة نظرا الى المعنى فان معناه مذكر يعنى عيسى عليه السلام الْمَسِيحُ خبر لاسمه والجملة فى موضع صفة لكلمة قال فى القاموس المسيح ان يخلق الله الشيء مباركا او ملعونا من الاضداد والمسيح عيسى صلى الله عليه وسلم سمى لبركته والدجال لشومه وملعونيته انتهى- وأصله بالعبرية مشيحا ومعناه المبارك وقيل سمى عيسى مسيحا لانه مسح منه الاقذار وطهر من الذنوب وقال ابن عباس سمى عيسى مسيحا لانه ما مسح ذا عاهة الا برئ وقيل سمى بذلك لانه كان يسيح فى الأرض ولا يقيم فى المكان- فى القاموس المسيح الكثير السياحة وقال ابراهيم النخعي المسيح الصديق وهو عيسى والمسيح الكذاب وهو الدجال فهو من الاضداد كذا فى القاموس وفى الصحاح قال بعضهم المسيح هو الذي مسح احدى عينيه وقد روى ان الدجال لعنه الله ممسوح اليمنى وقيل فى عيسى ممسوح اليسرى ومعنى القولين ان الدجال قد مسحت وأزيلت عنه الخصال المحمودة من الايمان والعلم والعقل والحلم وسائر الأخلاق الحميدة وان عيسى قد مسحت وأزيلت عنه الخصال الذميمة بالكلية من الجهل والشرة والحرص والبخل وغير ذلك قال صاحب القاموس ذكرت ولاشتقاق لفظ المسيح خمسين قولا فى شرحى لمشارق الأنوار وغيره عِيسَى لفظ عبرانى قيل هو معرّب اليشوع بمعنى السيد خبر بعد خبر وجاز ان يكون خبر مبتدا محذوف اى هو عيسى وهذا علمه والمسيح لقبه والاسم أعم منهما ومن الكنية فانه عبارة عن كل ما يميز الشيء عما عداه ابْنُ مَرْيَمَ لما كانت صفة تميز له تميز الأسماء نظمت فى سلكها- ولم يقل ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 46]

أسماؤه المسيح عيسى ابن مريم لان الاسم اسم جنس مضاف للاستغراق والاستغراق وان كان بمعنى كل فرد لكن يجوز حمل للمتعدد على مجموع يتضمنه الاستغراق بمعنى كل واحد نحو ما «1» من دابّة الّا امم أمثالكم وجاز ان يكون ابن مريم خبر مبتدا محذوف اى هو- ولا يجوز ان يكون ابن مريم صفة لعيسى فى التركيب لان اسمه عيسى فحسب وليس اسمه عيسى بن مريم وانما قال ابن مريم والخطاب لها تنبيها على انه يولد من غير اب إذ الأولاد ينسب الى الآباء ولا ينسب الى الام الا إذا فقد الأب والله اعلم وَجِيهاً حال مقدرة لكلمة وهى وان كانت نكرة لكنها موصوفة وتذكيره لتذكير المعنى اى شريفا رفيقا ذا جاه وقدر فِي الدُّنْيا بالنبوة وكونه مطاعا للخلائق وَالْآخِرَةِ بالشفاعة للامم وعلو درجته فى غرف الجنة وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) لله تعالى بالقرب الذاتي والتجليات الذاتية الدائمية عطف على وجيها. وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ يعنى رضيعا حال من الضمير المرفوع ليكلم وَكَهْلًا معطوف عليه يعنى يكلم الناس رضيعا وكهلا على نسق كلام الأنبياء بلا تفاوت من أول عمره الى آخره- وفيه اشارة الى انه يعمر ولا يموت حتى يكهل والى ان سنه لا يتجاوز الكهولة قال الحسن بن الفضل وكهلا يعنى بعد نزوله من السماء فانه رفع الى السماء قبل سن الكهولة وقال مجاهد معناه حليما والعرب يمدح الكهولة لانه الحالة الوسطى فى استحكام العقل وجودة الرأى والتجربة فان قبل ذلك يقل التجربة اولا يبلغ العقل الى كماله وبعد ذلك يضعف العقل- وقوله ويكلّم النّاس عطف على ومن المقرّبين- وفى ذكر يكلّم النّاس فى المهد تسلية لمريم من خوف لوم الناس إياها على إتيانها بولد من غير زوج وَمِنَ الصَّالِحِينَ (47) جاز ان يكون معطوفا على كهلا- وان يكون معطوفا على يكلم الناس اى كائنا من الصالحين لا يتطرق اليه نوع من النقص والفساد فى الدين وذلك شأن الأنبياء فكانّ معناه ومن النبيين. قالَتْ مريم رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ تعجب او استبعاد عادى او استفهام من ان يكون بتزوج او غيره قالَ الله على لسان جبرئيل كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً اى قدّر ان يكون شىء فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) يعنى كما انه تعالى قادر على ان يخلق الأشياء بالتدريج

_ (1) وفى القران وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ

[سورة آل عمران (3) : الآيات 48 إلى 49]

بأسباب عادى ومواد قادر ان يخلقها دفعة بلا اسباب. وَيُعَلِّمُهُ قرا نافع وابو جعفر- ابو محمد وعاصم ويعقوب بالياء على الغيبة عطفا على يخلق او على يبشرك والباقون بالنون على التكلم عطفا على ما ذكر على طريقة الالتفات- او ابتدا تطييبا لقلبها وازاحة لهمها من خوف اللوم لما علمت انها تلد من غير زوج الْكِتابَ اى الكتابة والخط فكان احسن الناس خطا فى زمانه وقيل المراد به جنس الكتب المنزلة يعنى يعلمه علوم الكتب السماوية المنزلة وخص الكتابان لمزيد الاهتمام حيث كان الواجب عليه الاقتداء بهما فى فروع الأعمال واما فى اصول الدين فمقتضى الكتب كلها واحد وَالْحِكْمَةَ الفقه وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولًا منصوب بمضمر معطوف على يعلمه والتنوين للتعظيم تقديره ونجعله رسولا عظيما إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ 5 قيل كان رسولا فى حالة الصبا وقيل انما أرسل بعد البلوغ- وكان أول أنبياء بنى إسرائيل يوسف عليه السلام وآخرهم عيسى عليه السلام أَنِّي منصوب بنزع الخافض متعلق برسولا اى رسولا بانى او بالعطف على الأحوال المتقدمة متضمنا معنى النطق يعنى ناطقا بانى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ اى معجزة دالة على رسالتى وانما قال باية وقد جاء بايات لان الكل فى الدلالة على صدقة كايه واحدة مِنْ رَبِّكُمْ جاز ان يكون ظرفا مستقرا صفة لاية وان يكون ظرفا لغوا متعلقا بجئتكم أَنِّي فتح الياء نافع وابو جعفر- ابو محمد وابن كثير وابو عمرو وأسكنها الباقون وقرا نافع وابو جعفر- ابو محمد بكسر الهمزة على الاستيناف والباقون بالفتح فيجوز نصبه على انه بدل من انّى قد جئتكم ويجوز جره على انه بدل من اية ويجوز رفعه على تقدير المبتدا اى هى انّى أَخْلُقُ اصور واقدر لَكُمْ مِنَ الطِّينِ صورة كَهَيْئَةِ الهيئة الصورة المهياة الطَّيْرِ قرا ابو جعفر الطّائر هاهنا وفى المائدة فَأَنْفُخُ فِيهِ اى فى الطين او الضمير راجع الى الكاف فى كهيئة اى فى ذلك المماثل فَيَكُونُ طَيْراً قرا الأكثرون بالجمع لانه خلق طيرا كثيرا وقرا نافع ويعقوب وابو جعفر طائرا على الافراد لان كل واحد منها كان طائرا- قال البغوي لم يخلق غير الخفاش وانما خص الخفاش لانها أكمل الطير خلقا لان لها ثديا وأسنانا وهى تحيض قال وهب كان يطير ما دام الناس ينظرون اليه فاذا غاب عن أعينهم سقط ميتا ليتميز ما لصنع العبد فيه مدخل مما لا مدخل فيه بِإِذْنِ اللَّهِ اى بامره وقوله كن نبه به على ان إحياءه من الله تعالى لا منه وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ الذي ولد ... ...

أعمى او الممسوح العين كذا قال ابن عباس وقال الحسن والسدى هو الأعمى وقال عكرمة هو الأعمش يعنى ضعيف البصر مع سيلان الدمع كثيرا وقال مجاهد هو الذي يبصر بالنهار دون الليل وَالْأَبْرَصَ الذي به وضح وهذان الداءان يعجز عنهما الأطباء وكان فى زمن عيسى الطب غالبا فاراهم المعجزة من جنس ذلك كما كان فى زمن موسى السحر غالبا فارى عجز كل سحار عليم وفى زمن نبينا صلى الله عليه وسلم كان البلاغة فى الكلام فاعجزهم القران وقال فأتوا بسورة من مثله قال وهب بن منبه ربما اجتمع على عيسى من المرضى فى اليوم الواحد خمسون الفا من أطاق ان يبلغه بلغه ومن لم يطق مشى اليه عيسى وكان يدعو للمرضى والزمنى والعميان وغيرهم بهذا الدعاء اللهم أنت اله من فى السماء واله من فى الأرض لا اله فيهما غيرك وأنت جبّار من فى السموات وجبّار من فى الأرض لا جبّار فيهما غيرك وأنت ملك من فى السماء وملك من فى الأرض لا ملك فيهما غيرك وقدرتك فى الأرض كقدرتك فى السماء سلطانك فى الأرض كسلطانك فى السماء أسئلك باسمك الكريم ووجهك المنير وملكك القديم انك على كل شىء قدير قال وهب هذا الفزع والجنون يقرا عليه ويكتب ويسقى ماؤه ان شاء الله تعالى يبرا وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ كرر قوله بإذن الله دفعا لتوهم الالوهية فان الاحياء ليس من جنس الافعال البشرية قال البغوي قال ابن عباس قد أحيا اربعة انفس عازر وابن العجوز- وابنه العاشر- وسام بن نوح عليه السلام اما عازم فكان صديقا له فارسلت أخته الى عيسى عليه السلام ان أخاك عازر يموت وكان بينه وبين عيسى مسيرة ثلاثة ايام فاتاه هو وأصحابه فوجده قد مات منذ ثلاثة ايام فقال لاخته انطلقي بنا الى قبره فانطلقت معهم الى قبره فدعا الله فقام عازم وودكه يقطر فخرج من قبره وبقي وولد له واما ابن العجوز مرّ به ميتا على عيسى على سرير يحمل فدعا عيسى فجلس على سريره ونزل عن أعناق الرجال ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع الى اهله فبقى وولد له- واما ابنة العاشر فكان والدها يأخذ العشور ماتت له بنت بالأمس فدعا الله عز وجل فاحياها وبقيت وولدت- واما سام بن نوح فان عيسى جاء الى قبره فدعاه باسم الله الأعظم ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 50]

فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه خوفا من قيام الساعة ولم يكونوا يشيبون فى ذلك الزمان فقال قد قامت القيامة قال لا ولكن دعوتك باسم الله الأعظم ثم قال له مت قال بشرط ان يعيذنى الله من سكرات الموت فدعا الله ففعل وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ مما لم اعائنه فكان يخبر الرجل بما أكل البارحة وبما يأكل اليوم وبما ادخره للعشاء قال السدى كان عيسى فى الكتاب يحدث الغلمان بما صنع اباؤهم ويقول للغلام انطلق فقد أكل أهلك كذا وكذا ورفعوا لك كذا وكذا فينطلق الصبى الى اهله ويبكى عليهم حتى يعطوه ذلك الشيء فيقولون من أخبرك بهذا فيقول عيسى فحبسوا صبيانهم عنه وقال لا تلقوا مع هذا الساحر فجمعوهم فى بيت فجاء عيسى يطلبهم فقالوا ليسوا هاهنا فقال فما فى هذا البيت قالوا خنازير قال عيسى كذلك يكونون ففتحوا عنهم فاذاهم خنازير ففشا ذلك فى بنى إسرائيل فهمت به بنوا إسرائيل فلما خافت عليه امه حملته على حمير لها وخرجت هاربة الى ارض مصر- وقال قتادة انما هذا فى المائدة وكانت خوانا ينزل عليهم أينما كانوا كالمن والسلوى فامروا ان لا يخونوا ولا يخبؤا فخانوا وخبؤا فجعل عيسى يخبرهم بما أكلوا من المائدة وما ادخروا منها فمسخهم الله خنازير إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور من الأمور الخارقة للعادة لَآيَةً على صدق عيسى فى دعوى النبوة لَكُمْ لتهتدوا بها إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) اى موفقين للايمان فامنوا-. وَمُصَدِّقاً عطف على رسولا او منصوب بفعل مقدر دل عليه قد جئتكم اى وجئتكم مصدقا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وهكذا شأن الأنبياء يصدقون الكتب السماوية كلها ويصدق بعضهم بعضا وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ اى انسخ حرمة بعض ما فى التورية من اللحوم والشحوم المحرمة فيها والنسخ لا ينافى التصديق كما ان القران ينسخ بعضه بعضا مقدر بإضمار جئتكم او مردود على قوله بانّى قد جئتكم باية او معطوف على معنى مصدقا اى لا صدق ولا حل وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ جاز ان يكون المراد بالآية هاهنا آيات الإنجيل وجاز ان يقال انه تكريرا للتأكيد- ولتقريبها الى الحكم ولذلك رتب عليه قوله فَاتَّقُوا اللَّهَ اتقوا عذاب الله ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 51]

فى مخالفتى وتكذيبى وَأَطِيعُونِ (50) فيما أمركم به من توحيد الله وطاعته. إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ تفصيل لما أجمل من قوله فاتّقوا الله وأطيعون فان فى قوله انّ الله ربّى وربّكم اشارة الى استكمال القوة النظرية بالاعتقاد الحق الذي غايته التوحيد أقرّ اولا فى هذه الجملة بالعبودية على نفسه سدّا لباب الفتنة التي يأتى من قومه من قولهم ابن الله وثالث ثلاثة وفى قوله فاعبدوه اشارة الى استكمال القوة العملية بإتيان المأمورات والانتهاء عن المناهي ثم أكد الجملتين بقوله هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (51) يعنى الجمع بين الامرين هو الطريق المشهود له بالخير وهو المعنى من قوله صلى الله عليه وسلم قل امنت بالله ثم استقم فى جواب من قال مر لى فى الإسلام لا اسئل منه بعدك رواه اصحاب السنن واحمد والبخاري فى التاريخ-. فَلَمَّا ظرف زمان فيه معنى الشرط جوابه قال من انصارى أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ اى من بنى إسرائيل الْكُفْرَ يعنى سمع منهم تكذيبه والقول بمثل عزير ابن الله وابصر منهم ما يدل على الكفر وفى الكلام حذف اختصار يدل على المحذوف ما مر من البشارة تقديره فولدت مريم عيسى وكلم عيسى قومه فى المهد وبلغ الكمال حتى صار نبيا عالما بالتورية والإنجيل ودعا الناس الى الهدى والتي بالمعجزات المذكوران وأنكره بنو إسرائيل وكذبوه وأتوا بما يدل على الكفر فلما أحس عيسى منهم ذلك قالَ مَنْ أَنْصارِي فتح الياء نافع وابو جعفر- ابو محمد وأسكنها الباقون إِلَى اللَّهِ الى هاهنا بمعنى مع كما فى قوله تعالى لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ او بمعنى فى او بمعنى اللام يعنى من انصارى مع الله او فى الله يعنى فى سبيل الله او لله- او هو بمعناه ويعتبر فى النصرة معنى الاضافة يعنى من الذين يضيفون أنفسهم الى الله فى نصرى فعلى هذه الوجوه الجار والمجرور ظرف لغو- وجاز ان يكون ظرفا مستقرا على انه حال من الياء اى من انصارى ملتجيا الى الله او ذاهبا الى ما امر به اوضا ما اليه قالَ الْحَوارِيُّونَ حوارى الرجل خالصته من الحور بمعنى البياض الخالص قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ندب الناس يوم الخندق ثلاثا فانتدب كل مرة زبير بن العوام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لكل نبى حواريّا وحوار بي الزبير متفق عليه ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 53]

وفى القاموس الحوارى الناصر او ناصر الأنبياء والقصار والحميم سمى اصحاب عيسى به لخلوص نيتهم فى الدين ولكونهم ناصرا له كذا قال الحسن وسفيان وقيل كانوا ملوكا استنصر بهم عيسى من اليهود سموا بها لما كانوا يلبسون الثياب البيض واخرج ابن جرير عن ابى ارطاة كانوا قصارين يحورون الثياب اى يبيضونها وقال الضحاك سموا بها لصفاء قلوبهم يعنى لتطهرهم من الذنوب وقال ابن المبارك سموا به لما عليهم اثر العبادة ونورها- واصل الحور عند العرب شدة البياض وقال الكلبي وعكرمة الحواريون الأصفياء وكانوا اثنى عشر رجلا قال روح بن القاسم سالت قتادة عن الحواريين قال هم الذين يصلح لهم الخلافة وعنه قال الحواريون الوزراء وقال مجاهد والسدى كانوا صيادين السمك وقيل كانوا ملاحين نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ اى أنصار دينه آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ يا عيسى يوم تشهد الرسل لقومهم وعليهم بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) فيه دليل على ان الايمان والإسلام واحد. رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ من الكتب الإنجيل وغيره. وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ عيسى عليه السلام فى كل ما أمرنا به فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) بوحدانيتك ولانبيائك بالصدق وقال عطاء مع النبيين لان كل نبى شاهد لامته وقال ابن عباس مع محمد صلى الله عليه وسلم وأمته لانهم يشهدون للرسل على البلاغ. وَمَكَرُوا اى الذين أحس عيسى منهم الكفر حيث أراد واقتله- قال الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس استقبل عيسى رهطا من اليهود فلما راوه قالوا قد جاء الساحرين الساحرة فقذفوه وامه فلعنهم عيسى ودعا عليهم فمسخهم الله خنازير فلما راى ذلك يهودا رأس اليهود وأميرهم فزع لذلك وخاف دعوته فاجتمعت كلمة اليهود على قتل عيسى وبادروا اليه ليقتلوه فبعث الله جبرئيل فادخله خوخة فى سقفها روزنة فرفعه الله الى السماء من تلك الروزنة فامر يهودا رأس اليهود رجلا من أصحابه يقال له طيطيانوس ان يدخل الخوخة ويقتله فلما دخل القى عليه شبه عيسى فلما خرج ظنوا انه عيسى فقتلوه وذلك قوله تعالى وَمَكَرَ اللَّهُ والمكر فى الأصل حيلة يجلب بها غيره الى مضرة فلا يسند الى الله تعالى ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 55]

الا على سبيل المقابلة والازدواج قال الزجاج مكر الله عز وجل مجازاتهم على مكرهم فسمى الجزاء باسم الابتداء لانه فى مقابلته وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (54) اى أقواهم وأقدرهم على إيصال الضرر من حيث لا يحتسب.. إِذْ قالَ اللَّهُ ظرف لمكر الله او لمضمر مثل وقع ذلك يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ اى الى محل كرامتى ومقر ملائكتى قال الحسن والكلبي وابن جريج معناه انى قابضك ورافعك الى من الدنيا من غير موت قال البغوي لهذا المعنى تأويلان أحدهما انى رافعك الى وافيا لم ينالوا منك شيئا من قولهم توفيت كذا اى استوفيته إذا أخذته تاما- والاخر انى متسلمك من قولهم توفيت منه كذا اى تسلمته- واخرج ابن جرير عن الربيع بن انس المراد بالتوفى النوم وكان عيسى قد نام فرفعه الله نائما الى السماء فيحنئذ معناه انى منيمك ورافعك الى كما قال هو الّذى يتوفّيكم باللّيل- وقال بعضهم المراد بالتوفى الموت روى على بن ابى طلحة عن ابن عباس معناه انى مميتك قال البغوي فعلى هذا ايضا له تأويلان أحدهما ما قاله وهب توفى الله عيسى ثلاث ساعات من النهار ثم رفعه اليه وقال محمد بن إسحاق النصارى يزعمون الله توفاه سبع ساعات من النهار ثم أحياه ورفعه كذا اخرج ابن جرير عنه- ثانيهما ما قاله الضحاك معناه انى متوفيك بعد انزالك من السماء ومؤخرك الى أجلك المسمى عاصما إياك من قتل اليهود ورافعك الى قبل ذلك والواو للجمع المطلق لا للترتيب وهذا التأويل يأباه قوله تعالى فى المائدة فلمّا توفّيتنى كنت أنت الرّقيب عليهم فانه يدل على انه قومه انما تنصروا بعد توفيه ولا شك انهم تنصروا بعد رفعه الى السماء فظهر ان المراد بالتوفى اما الرفع الى السماء واما التوفى قبل الرفع والظاهر عندى ان المراد بالتوفى هو الرفع الى السماء بلا موت يشهد به الوجدان بعد ملاحظة قوله تعالى وما قتلوه وما صلبوه ولولا نفى الموت عنه لما كان من نفى القتل فائدة إذ الغرض من القتل الموت والله اعلم- عن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال والذي نفسى بيده ليوشكن ان ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ... ...

حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها ثم قال ابو هريرة فاقرءوا ان شئتم وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ الاية متفق عليه وفى رواية لهما كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم وفى رواية لمسلم وليتركن القلاص فلا يسعى عليها وليذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد وليدعون الى المال فلا يقبله أحد- وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فى نزول عيسى قال ويهلك فى زمانه الملل كلها الا الإسلام ويهلك الدجال فيمكث فى الأرض أربعين سنة ثم يتوفى فيصلى عليه المسلمون- كذا قال البغوي وروى ابن الجوزي فى كتاب الوفاء عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عيسى بن مريم الى الأرض فيتزوج ويولد له ويمكث خمسا وأربعين سنة ثم يموت فيدفن معى فى قبرى قاقوم انا وعيسى بن مريم فى قبر واحد بين ابى بكر وعمر- وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين الى يوم القيامة قال فينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم تعالى صل لنا فقال لا ان بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الامة رواه مسلم وفى حديث المعراج ان النبي صلى الله عليه وسلم راى عيسى بن مريم فى السماء الثانية متفق عليه وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا من سوء جوارهم وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعنى يعلونهم بالحجة والسيف فى غالب الأحوال- ومتبعوه الحواريون ومن كان من بنى إسرائيل على دينه الحق قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون من امة محمد صلى الله عليه وسلم الذين صدقوه واتبعوا دينه فى التوحيد ووصيته باتباع النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال ومبشّرا برسول يأتي من بعدي اسمه احمد- وقيل أراد بهم النصارى فهم فوق اليهود الى يوم القيامة الى الان لم يسمع غلبة اليهود عليهم وذهب ملك اليهود فلم يبق لهم ملك ودولة والملك والدولة من بنى إسرائيل فى النصارى فعلى هذا يكون الاتباع بمعنى الادعاء والمحبة لا اتباع الدين ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ضمير المخاطب لعيسى ومن تبعه ومن كفر به وغلّب المخاطبين على الغائبين ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 56]

فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) من امر الدين ثم فصّل ذلك الحكم فقال. فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا بالقتل والاسر وضرب الجزية والذل وَالْآخِرَةِ بالنار وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (52) يمنعهم من عذابنا. وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ قرا حفص بالياء على الغيبة والباقون بالنون على التكلم أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) اى لا يرحم الكافرين وإذا لم يرحمهم عذبهم على ما اقتضاه كفرهم- قال اهل التاريخ حملت مريم بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة وولدت عيسى بمضىء خمس وستين سنة من غلبة الإسكندر على ارض بابل واوحى الله الى عيسى وهو ابن ثلاثين سنة ورفعه الله من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وكانت نبوته ثلاث سنين وعاشت مريم بعد رفعه ست سنوات «1» وفى رواية انه لمّا قتل وصلب من شبه بعيسى جاءت مريم وامراة اخرى كان عيسى دعالها فابّراها الله من الجلون تبكيان عند المصلوب فجاءهما عيسى فقال لهما علام تبكيان ان الله رفعنى ولم يصبنى الأخير وان هذا شىء شبّه لهم فلما كان بعد سبعة ايام قال الله عز وجل لعيسى اهبط على مريم المحد لابنها فى جبلها فانه لم يبك أحد بكاءها ولم يحزن أحد حزنها- ثم لتجمع لك الحواريون فتثبهم فى الأرض دعاة الى الله عز وجل فاهبطه الله تعالى عليها فاشتعل الجبل حين هبط نورا فجمعت له الحواريون فبثهم فى الأرض دعاة ثم رفعه الله اليه وتلك الليلة هى التي تدّخر فيها النصارى فلما أصبح الحواريون حدّث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى إليهم. ذلِكَ مبتدا خبره نَتْلُوهُ يعنى الذي ذكر من امر عيسى ومريم والحواريين نتلوه عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ حال من الضمير المنصوب فى نتلوه- وجاز ان يكون نتلوه حالا من المشار اليه والعامل فيه معنى الاشارة والخبر من الآيات- وان يكونا خبرين وان ينتصب ذلك بمضمر يفسره نتلوه- والمراد بالآيات اما آيات القران او المعجزات الدالة

_ (1) فى بالأصل سنة

[سورة آل عمران (3) : آية 59]

على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فى دعوى نبوته فانه لم يكن عالما بتلك القصص واخبر على ما كان عند اهل العلم منهم وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) اى القران ذى الحكمة وقال مقاتل الحكيم المحكم الممنوع من الباطل وقيل الذكر الحكيم هو اللوح المحفوظ وهو معلق بالعرش من درة بيضاء طوله ما بين السماء الأرض. إِنَّ مَثَلَ عِيسى يعنى شأنه الغريب عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ كشأنه ثم فسره وبين وجه التشبيه فقال خَلَقَهُ اى صور قالبه يعنى آدم مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ اى لذلك القالب كُنْ بشرا حيّا فَيَكُونُ (59) حكاية عن الحال الماضية او المعنى قدر خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون وجاز ان يكون ثم لتراخى الخبر عن الخبر دون المخبر يعنى اخبر اولا انه خلق آدم من تراب ثم اخبر بانه انما خلقه بان قال له كن فكان يعنى لم يكن هناك اب ولا أم ولا حمل ولارضاع ولا فطام- فشأن عيسى فى الغرابة شابه شأن آدم من حيث كونه بلا اب فقط وشأن آدم اغرب منه بوجوه فشبه الغريب بالاغرب وما هو خارق للعادة بالاخرق ليكون اقطع لنزاع الخصم واحسم لمادة الشبهة- نزلت الاية فى وفد نجران لما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مالك تشتم صاحبنا قال ما أقول قالوا تقول انه عبد قال أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته القاها الى العذراء البتول فغضبوا وقالوا وهل رايت إنسانا قط من غير اب فانزل الله تعالى لالزامهم واقحامهم هذه الاية- واخرج ابن ابى حاتم من طريق العوفى عن ابن عباس نحوه واخرج عن الحسن قال اتى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم راهبا نجران فقال أحدهما من ابو عيسى وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتعجل حتى يأمره ربه فنزل عليه ذلك نتلوه عليك الى قوله من الممترين فانهم كانوا يعترفون بخلق آدم بغير اب وأم من تراب- وما أجهل النصارى لعنهم الله قالوا هل رايت إنسانا قط من غير اب وما تفكّروا فى أنفسهم انهم هل راوا إنسانا تلد شاة او شاة تلد إنسانا مع اتحاد الجنس فى الحيوانية واختلافهما فى النوع فكيف حكموا بان الله الأحد الصمد القديم لذاته الذي ليس كمثله شىء ولد عيسى جسما مخلوقا حادثا يأكل الطعام وينام ويموت بل هو الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد (فائدة) فى هذه الاية دلالة على ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 60]

حجية القياس لان الله سبحانه نبه على الحكم بجواز خلق عيسى من غير اب قياسا على خلق آدم-. الْحَقُّ خبر مبتدا محذوف او فاعل لفعل محذوف يعنى هو الحق او جاء الحق وجاز ان يكون مبتدا خبره مِنْ رَبِّكَ اى الحق المذكور من الله وعلى التقديرين الأولين من ربّك متعلق بجاء المحذوف او حال من الضمير فى الحق فَلا تَكُنْ ايها المخاطب المنكر مِنَ الْمُمْتَرِينَ (70) الشاكّين فى امر عيسى عليه السلام كما افترت اليهود حتى بهتوا امه وافترت النصارى حتى قالوا انه ابن الله. فَمَنْ شرطية وجاز ان يكون استفهامية لانكار وجود من يحاجه من بعد ان النصارى عجزوا من المخاصمة حَاجَّكَ اى جادلك من النصارى فِيهِ اى فى عيسى او فى الحق مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ بان عيسى عبد الله ورسوله- وفى ذكر هذا القيد للمباهلة تنبيه على ان المسلم لا ينبغى ان يباهل الا بعد كمال اليقين فَقُلْ يا محمد تَعالَوْا امر من التفاعل من العلو قال الفراء معناه كانه قال ارتفعوا قلت كانه يطلب منه ان يظهر على مكان عال ليبصر ما خفى عن بصره ثم استعير وغلب استعماله فى طلب التأمل والتوجه من المخاطب بالرأى فيما خفى عنه- فحاصل المعنى هلموا بالرأى والعزم- وقد يستعمل للدعاء الى مكان قريب من الداعي نَدْعُ مجزوم فى جواب الأمر أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ يعنى ندع كل منا ومنكم نفسه واعزة اهله من الأبناء والنساء فنضمهم الى أنفسنا حتى يعم ما نزل بالكاذب من العذاب اجمعهم وقدمهم على النفس لان الرجل يخاطر بنفسه لهم ويحارب دونهم ولان الأصل فى الدعاء المغائرة بين الداعي والمدعو والمغائرة بين الرجل وبين ابنائه ونسائه حقيقى وبينه وبين نفسه اعتباري فقدم الحقيقي على الاعتباري- روى مسلم والترمذي عن سعد بن ابى وقاص قال لما نزلت هذه الاية دعا رسول الله عليّا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال اللهم هؤلاء اهل بيتي ثُمَّ نَبْتَهِلْ افتعال ومعناه التفاعل واختير الافتعال هاهنا على التفاعل لان المقصود منه جلب اللعنة الى نفسه ان كان كاذبا ودفعها الى خصمه ان كان صادقا وجلب الشر الى نفسه اسرع وقوعا من دفعه الى غيره فكان الغرض منه ... ...

اكتساب اللعنة- والبهلة بالضمة والفتحة وأصله الترك يقال بهلت الناقة إذا تركتها بلا اصرار وفى اللعينة الترك من الرحمة والبعد من رحمة الله تعالى فى الدنيا والاخرة وذلك يقتضى وقوع العذاب لان العصمة من العذاب لا يتصور الا برحمته- وفى كلمة ثم اشارة الى ان اللائق من العاقل التأخير والتراخي فى المباهلة فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (61) عطف تفسيرى على نبتهل وبالفاء اشارة الى ان وقوع العنة لا يتراخى عن الابتهال بل يعقبه بلا مهلة قال البغوي فلما قرا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الاية على وفد نجران دعاهم الى المباهلة قالوا حتى نرجع وننظر فى أمرنا نأتيك غدا فخلا بعضهم ببعض فقالوا للعاقب وكان ذا رأيهم يا عبد المسيح ما ترى قال والله لقد عرفتم يا معشر النصارى ان محمدا نبى مرسل وو الله مالا عن قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ونبت صغيرهم ولئن فعلتم ذلك لتهلكن فان أبيتم الا الاقامة على ما أنتم عليه من القول فى صاحبكم فوادعوا لرجل وانصرفوا الى بلادكم- فاتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غذا رسول الله صلى الله عليه وسلم محتضنا الحسين أخذا بيد الحسن وفاطمة يمشى خلفه وعلىّ خلفها وهو يقول إذا دعوت فامّنوا- فقال اسقف نجران يا معشر النصارى انى لارى وجوها لو سالوا الله ان يزيل جبلا عن مكانه لازاله فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصرانى الى يوم القيامة فقالوا يا أبا القاسم قد راينا ان لا نلاعنك وان نتركك على دينك ونثبت على ديننا- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فان أبيتم المباهلة فاسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم فابوا قال فانى أنابذكم فقالوا ما لنا بحرب العرب طاقة ولكنا نصالحك على ان لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على ان نؤدى إليك كل عام الفى حلة الفا فى صفر والفا فى رجب فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وقال والذي نفسى بيده ان العذاب قد تدلى على اهل نجران ولو تلاعنوا لمسخو قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي نارا ولا ستأصل الله نجران واهله حتى الطير على الشجر ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا وكذا اخرج ابو نعيم فى الدلائل من طرق عن ابن عباس- ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 62]

واستدل الروافض قبحهم الله بهذه الاية على نفى خلافة الخلفاء الثلاثة رضى الله عنهم وكون علىّ عليه السلام هو الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا المراد بالأبناء فى هذه الاية الحسن والحسين وبالنساء فاطمة وبانفسنا علىّ «1» فجعل الله سبحانه عليّا نفس محمد صلى الله عليه واله وسلم وأراد الله تعالى به كون على رضى الله عنه مساويا له صلى الله عليه وسلم فى الفضائل وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اولى بالتصرف فى الناس من أنفسهم قال الله تعالى النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فكان علىّ كذلك فهو الامام- والجواب عنه بوجوه أحدها ان الأنفس بصيغة الجمع يدل على نفس النبي ونفس من تبعه ولا يدل ذلك على كون نفسهما واحدا مع كونه ظاهر البطلان- ثانيها انه جاز ان يكون علىّ، ايضا مرادا بالأبناء كالحسن والحسين بعموم المجاز فان الختن يطلق عليه الابن عرفا- وثالثها انه جاز ان يكون المراد بانفسنا من يتصل به نسبا ودينا كما فى قوله تعالى ولا تخرجون «2» أنفسكم من دياركم وقوله تعالى تقتلون أنفسكم وقوله تعالى ظنّ المؤمنون والمؤمنات بانفسهم خيرا وقوله تعالى ولا تلمزوا أنفسكم فحينئذ لا يلزم المساوات بينهما أصلا- ورابعها ان مساوات علىّ النبي صلى الله عليه وسلم فى جميع الصفات باطل باتفاق الفريقين والمساوات فى بعضها لا يفيد المساوات فيما نحن فيه- خامسها انه لو كانت الاية دالة على كون على اولى بالتصرف لزم كونه كذلك فى حياته صلى الله عليه وسلم وأنتم لا تقولون به لكن هذه القصة تدل على كون هؤلاء الكرام أحب الناس الى رسول الله صلى الله عليه وسلم. إِنَّ هذا يعنى ما ذكر من قصص عيسى ومريم لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ هو فصل بين اسم ان وخبرها او مبتدا والقصص خبره والجملة خبر ان وجاز دخول اللام على الفصل لان أصلها ان تدخل على المبتدا ولذا سميت لام الابتداء وجاز دخولها على الخبر إذا لم يكن بينهما ضمير فصل وان كان هناك ضمير فصل دخلت عليه لكونه اقرب الى المبتدا من الخبر وَما مِنْ إِلهٍ من مزيدة لتأكيد استغراق النفي ردا على النصارى فى قولهم بالتثليث إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) هذا فى التركيب نظير قوله تعالى إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ يعنى انه تعالى لا يساويه أحد

_ (1) فى الأصل لا تخرجوا- (2) فى الأصل عليا

[سورة آل عمران (3) : آية 63]

فى العزة والقدرة التامة والحكمة البالغة فكيف يشاركه فى الالوهية. فَإِنْ تَوَلَّوْا عن الحجج واعرضوا عن التوحيد فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63) وعيد لهم تقديره فان تولّوا فانّ الله يعذبهم فحذف يعذبهم وأقيم عليم بالمفسدين مقامه اقامة العلة مقام المعلول فان علمه تعالى بافسادهم فى الآفاق باشاعة الكفر والمعاصي وصد الناس عن الايمان وفى أنفسهم بكفر ان المنعم وعصيانه وترك شكره ومخالفة رسوله سبب لتعذيبهم والله اعلم وفيه اشارة الى ان التولي عن الحق إفساد والله اعلم- قال المفسرون قدم وفد نجران المدينة فالتقوا مع اليهود فاختصموا فى ابراهيم عليه السلام فزعمت النصارى انه كان نصرانيا وهم على دينه واولى الناس به وقالت اليهود بل كان يهوديا وهم على دينه واولى الناس به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا الفريقين برىء من ابراهيم ودينه بل كان حنيفا مسلما وانا على دينه فاتبعوا دينه الإسلام فقالت اليهود ما تريد الا ان نتخذك ربّا كما اتخذت النصارى عيسى ربا وقالت النصارى يا محمد ما تريد الا ان نقول فيك ما قالت اليهود فى عزيز فانزل الله تعالى. قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ الخطاب يعم اهل الكتابين تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ قال البغوي العرب تسمى كل قصة لها شرح كلمة ومنه سميت القصيدة كلمة سَواءٍ مصدر بمعنى مستوية ولم يؤنث لان المصدر لا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ ظرف متعلق بسواء يعنى لا يختلف فيه القران والتورية والإنجيل أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ يعنى لا نشرك به أحدا غيره فى العبادة لا إنسانا ولا صنما ولا ملكا ولا شيطانا محل ان رفع على إضمار هو او جريد لا من الكلمة وقيل نصب بنزع الخافض اى بان لا نعبد وَلا نُشْرِكَ بِهِ فى وجوب الوجود شَيْئاً كما فعلت اليهود والنصارى حيث قالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله فعبدوهما وقالت النصارى ثالث ثلاثة وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا اى بعض الناس بَعْضاً اى بعضهم أَرْباباً يعنى لا يطيع بعض الناس بعضا مِنْ دُونِ اللَّهِ اى بغير اذن من الله تعالى- عن عدى بن حاتم انه لما نزلت اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله قال عدى بن حاتم ما كنا نعبدهم يا رسول الله قال اليس كانوا ... ...

يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم قال نعم قال هو ذاك رواه الترمذي وحسنه فما كان من إطاعة الرسول فهو إطاعة الله لا غير قال الله تعالى ومن يطع الرّسول فقد أطاع الله وكذا ما كان من إطاعة العلماء والأولياء والسلاطين والحكام على مقتضى الشرع قال الله تعالى أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وما كان منها على خلاف مقتضى الشرع فهو الاتخاذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله عن على رضى الله عنه لا طاعة لاحد فى معصية الله انما الطاعة فى المعروف رواه الشيخان فى الصحيحين وابو داود والنسائي وعن عمران بن حصين والحكيم بن عمرو الغفاري لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق- ومن هاهنا يظهر انه إذا صح عند أحد حديث مرفوع من النبي صلى الله عليه وسلم سالما عن المعارضة ولم يظهر له ناسخ وكان فتوى ابى حنيفة رحمة الله مثلا خلافه وقد ذهب على وفق الحديث أحد من الائمة الاربعة يحب عليه اتباع الحديث الثابت ولا يمنعه الجمود على مذهبه من ذلك كيلا يلزم اتخاذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله روى البيهقي فى المدخل بإسناد صحيح الى عبد الله بن المبارك قال سمعت أبا حنيفة يقول إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين وإذا جاء عن اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نختار من قولهم وإذا جاء من التابعين زاحمناهم- وذكر عن روضة العلماء قال اتركوا قولى بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول الصحابة- ونقل انه قال إذا صح الحديث فهو مذهبى- وانما قلت فى العمل بالحديث ان يكون ذلك الحديث قد ذهب اليه أحد من الائمة الاربعة كيلا يلزم العمل على خلاف الإجماع فان اهل السنة قد افترق بعد القرون الثلاثة او الاربعة على اربعة مذاهب ولم يبق مذهب فى فروع المسائل سوى هذه الاربعة فقد انعقد الإجماع المركب على بطلان قول يخالف كلهم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجتمع أمتي على الضلالة وقال الله تعالى وَ (مَنْ) ... يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً وايضا لا يحتمل كون الحديث مختفيا عن للائمة الاربعة وعن أكابر العلماء من تلامذتهم فتركهم قاطبة العمل بحديث دليل على كونه منسوخا او مأوّلا- (فائدة) لا يجوز لاحد ان يقول فى امر افتى علماء الشرع على حرمته او كراهته ان مشائخ ... ...

الصوفية سنوا كذلك ونحن نتبع سنتهم والصحيح ان الصوفية الكرام ما فعلوا قط على خلاف مقتضى الشرع وانما الفساد من جهال اتباعهم (فائدة) لا يجوز ما يفعله الجهال بقبور الأولياء والشهداء من السجود والطواف حولها واتخاذ السرج والمساجد عليها ومن الاجتماع بعد الحول كالاعياد ويسمونه عرسا عن عائشة وابن عباس قالا لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم مرض طفق يطرح خميصة له على وجهه فاذا اغتم كشفها عن وجهه ويقول وهو كذلك لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد- قالت فحذّر عن مثل ما صنعوا متفق عليه وكذا روى احمد والطيالسي عن اسامة بن زيد- وروى الحاكم وصححه عن ابن عباس لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج- وروى مسلم من حديث جندب بن عبد الملك قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل ان يموت بخمس وهو يقول الا لا تتخذوا القبور مساجد انى أنهاكم عن ذلك فَإِنْ تَوَلَّوْا يعنى اهل الكتاب عن تلك الكلمة العادلة المستقيمة المستوية المتفق عليها الكتب والرسل فَقُولُوا ايها النبي والمؤمنون اشْهَدُوا يا اهل الكتاب بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) بالكتب السماوية كلها دونكم عن ابن عباس ان أبا سفيان بن حرب أخبره ان هرقل أرسل اليه فى ركب من قريش وكانوا اتجارا بالشام فى المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مادّ فيها أبا سفيان وكفار قريش فاتوه وهم بايليا فدعاهم فى مجلسه وحوله عظماء الروم ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به دحية الى عظيم بصرى فدفعه الى هرقل فاذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله الى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى اما بعد فانى أدعوك بدعاية الإسلام اسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فان توليت فان عليك اثم الأريسيين ويا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ متفق عليه (فائدة) قراءة النبي صلى الله عليه وسلم هذه الاية على وفد نجران وكتابته الى هرقل وتسليمهم وعدم ردهم إياها بالإنكار وبالقول بان هذه الكلمة ليست فى كتبنا ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 65]

حجة قاطعة على نبوته صلى الله عليه وسلم وكون تلك الكلمة مجمعا عليها الكتب والرسل فظهر ان قولهم بان عزيرا ابن الله وعيسى ابن الله انما كان بناء على آرائهم الفاسدة والتقليد دون الاستناد الى الكتب ومن ثم احتجوا على النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم هل رايت إنسانا من غيراب- قال البيضاوي انظر الى ما روعى فى هذه القصة من المبالغة فى الإرشاد وحسن التدرّج فى الحجاج بيّن اولا احوال عيسى وما تعاور عليه من الأطوار المنافية للالوهية ثم ذكر ما يحل عقدتهم ويزيح شبهتهم بقوله مثل عيسى عند الله كمثل آدم فلما راى عنادهم ولجاجهم دعاهم الى المباهلة بنوع من الاعجاز ثم لما راى انهم اعرضوا عنها وانقادوا بعض الانقياد عاد عليهم بالإرشاد وسلك طريقا أسهل والزم بان دعاهم الى ما وافق عليه عيسى والإنجيل وسائر الأنبياء والكتب ثم لما لم يجد ذلك ايضا عليهم وعلم ان الآيات والنذر لا يغنى عنهم اعرض عن ذلك وقال اشهدوا بانّا مسلمون والله اعلم- روى ابن إسحاق بسنده المتكرر عن ابن عباس رضى الله عنهما قال أجمعت نصارى نجران وأحبار اليهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت الأحبار ما كان ابراهيم الا يهوديا وقالت النصارى ما كان الا نصرانيا فانزل الله تعالى. يا أَهْلَ الْكِتابِ الخطاب يعم الفريقين لِمَ تُحَاجُّونَ تختصمون فِي دين إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ فحدث دين اليهود وَما أنزلت الْإِنْجِيلُ فحدث دين النصارى إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ اى بعد ابراهيم بزمان طويل كان بين ابراهيم وموسى الف سنة وبين موسى وعيسى وهو اخر أنبياء بنى إسرائيل الفا سنة أَفَلا تَعْقِلُونَ (65) بطلان قولكم لعلهم كانوا يدعون ان ابراهيم فى فروع الأعمال كان عاملا باحكام التورية او الإنجيل بل ما اخترعه الفريقان بعد موت موسى ورفع عيسى وتحريفهم الكتابين وهذا هو محل النزاع بين الفريقين وظاهر البطلان فان فروع الأعمال ينسخ فى الشرائع بعد مضى الدهور على ما هو عادة الله تعالى نظرا الى مصالح كل عصر فكيف يكون دين ابراهيم اليهودية او النصرانية- واما فى اصول الدين وما لا يحتمل النسخ من الفروع كحرمة العبادة لغير الله تعالى والكذب والظلم فالشرائع والملل الحقة كلها متفقة عليها لا يحتمل فيها الاختلاف والله اعلم.

[سورة آل عمران (3) : آية 66]

ها أَنْتُمْ قرا نافع وابو جعفر- ابو محمد وابو عمرو حيث وقع بالمد من غير همز «1» - وورش اقل مد او قنبل بالهمز من غير الف بعد الهاء والباقون بالمد والهمز- فالبزى يقصر على أصله فى المنفصل والباقون على أصولهم فى المد- فها للتنبيه على قراءة الكوفيين ومن معهم- ابو محمد والبزي وابن ذكوان وعلى قراءة قنبل أصله ءانتم أبدلت همزة الاستفهام هاء كقولهم هرقت فى ارقت فصار هانتم وكذا على قراءة ورش غير انه يبدل الهمزة الثانية الفا كما هو مذهبه عند اجتماع الهمزتين إذا كانتا مفتوحتين وعلى قراءة ابى عمرو وقالون وهشام جاز الأمر ان فان كان أصله ءانتم على الاستفهام أبدلت الهمزة الاولى هاء كما قيل على قراءة قنبل وورش وزيدت الف فاصلا بين الهمزتين على أصلهم ثم حذفت الهمزة الثانية تخفيفا على قراءة ابى عمرو وقالون وبقيت على قراءة هشام- وان كان أصله ها أنتم على الخبر فلا تغير فى قراءة هشام وعند ابى عمرو وقالون حذفت الهمزة تخفيفا فالكلام اما استفهام إنكاري- او تنبيه عن حالهم الذي غفلوا عنه- وأنتم مبتدا وهؤُلاءِ خبره وما بعده جملة اخرى مبيّنة للاولى وجاز ان يكون هؤلاء منادى بحذف حرف النداء والجملة التالية خبر لانتم تقديره يا هؤلاء أنتم أو ها أنتم حاجَجْتُمْ اى خاصمتم وقيل هؤلاء بمعنى الذي وما بعده صلته والموصول مع الصلة خبر لانتم- قال نحاة الكوفة جاز وضع اسم الاشارة موضع الموصول يعنى ءانتم او ها أنتم الذي جادلتم فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ من امر موسى وعيسى وادعيتم انكم على دينهم وقد علمتم ما كان دينهم من التورية والإنجيل وان كنتم لبستم بعض ما هو فى التورية والإنجيل من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وان دين موسى وعيسى سينسخ بدين محمد النبي الأمي المبعوث فى اخر الزمان فافتضحتم فيه بإظهاره تعالى ما لبستموه مع علمكم بما فى التورية والإنجيل فَلِمَ تُحَاجُّونَ ايها الحمقاء الغافلون عن ظهور بطلان قولكم فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ من دين ابراهيم وشريعته حيث لم يذكر فى التورية والإنجيل دينه وملته وكان قبلكم بالوف سنين وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما انزل على كل نبى من الاحكام وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (66) الا ما علمكم الله فى كتابكم بل أنتم لا تعلمون أصلا حيث تركتم ما انزل الله عليكم ونبذتم كتاب الله وراء ظهوركم حتى لم تؤمنوا بمحمد وقد أخذ الله ميثاقكم فتفتضحون فى تلك

_ (1) هكذا فى التيسير للداني ومعناه انه قرا قالون وابو عمرو وابو جعفر بألف بعد الهاء وهمزة مسهلة وهم فى المد على أصولهم وورش لطريق الا رزق بهمزة مسهلة من غير الف ومد وبابدال الهمزة انا مع مد اللازم- ابو عبد عفا الله عنه

[سورة آل عمران (3) : آية 67]

المحاجة بالطريق الاولى إذ لا يصلح محاجة الجاهل العالم- وفيه تنبيه على ان محاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحة لكونه عالما بتعليم الله تعالى ثم بين الله تعالى دين ابراهيم فقال. ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا يعنى ما كان دين ابراهيم موافقا لدين موسى وعيسى فى كثير من الفروع وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مائلا عن العقائد الزائغة وقيل الحنيف الذي يوحد ويضحى ويختن ويستقبل الكعبة ولم يكن ذلك فى اليهود والنصارى مُسْلِماً منقاد الله تعالى فيما امر به غير متبع لهواه وأنتم لا تنقادون ما أمركم الله به حيث لا تؤمنون بالنبي الأمي الذي تجدونه مكتوبا عندكم فى التورية والإنجيل وتشركون بالله فتقولون ثالث ثلاثة وتقولون عزير ابن الله والمسيح ابن الله فكيف تدعون انكم على دين ابراهيم وملته وَما كانَ ابراهيم مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) بل كان من الموحدين. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ اولى مشتق من الولي بمعنى القريب يعنى أخصهم وأقربهم دينا بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ من أمته حيث كانوا على دينه بلا شبهة وَهذَا النَّبِيُّ محمد صلى الله عليه وسلم وَالَّذِينَ آمَنُوا بمحمد صلى الله عليه وسلم لموافقتهم لابراهيم فى اكثر الشرائع فانهم يوحدون ويضحون ويختتنون ويصلون الى الكعبة ويحجون ويعتمرون ويتمون بكلمات ابتلى بها ابراهيم ربّه فاتمّهنّ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) بمحمد صلى الله عليه وسلم فانهم يومنون بجميع الأنبياء من أولهم الى آخرهم بخلاف اليهود والنصارى- قال البغوي روى الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس ورواه محمد بن إسحاق عن ابن شهاب بإسناده انه لما هاجر جعفر بن ابى طالب وأناس من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الى الحبشة وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم الى المدينة وكان وقعة بدر اجتمعت قريش فى دار الندوة وقالوا ان لنا فى الذين هم عند النجاشي من اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ثار ممن قتل منكم ببدر فاجمعوا مالا واهدوه الى النجاشي لعله يدفع إليكم من عنده من قومكم ولينتدب لذلك رجلان من ذوى رأيكم فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن ابى معيط مع الهدايا الادم وغيره فركبا البحر وأتيا الحبشة فلما دخلا على النجاشي سجد اله ... ...

وسلما عليه وقالا له ان قومنا لك ناصحون شاكرون ولصلاحك محبون وانهم بعثوا إليك لنحذرك هؤلاء الذين قدموا عليك لانهم قوم رجل كذاب خرج فينا يزعم انه رسول الله ولم يتابعه منا أحد الا السفهاء وانا كنا قد ضيّقنا عليهم والجأناهم الى شعب بأرضنا لا يدخل عليهم أحد ولا يخرج منهم أحد قد قتلهم الجوع والعطش فلما اشتد عليه الأمر بعث إليك ابن عمه ليفسد عليك دينك وملكك ورعيتك فاحذرهم وادفعهم إلينا لنكفيكهم قالوا واية ذلك انهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك ولا يحيونك بالتحية التي يحييك الناس رغبة عن دينك وسنتك- قال فدعاهم النجاشي فلما حضروا صاح جعفر بالباب يستأذن عليك حزب الله فقال النجاشي مروا هذا الصائح فليعد كلامه ففعل جعفر فقال النجاشي نعم فليدخلوا بإذن الله وذمته- فنظر عمرو بن العاص الى صاحبه فقال الا تسمع كيف يرطنون اى يكلمون- منه رح بحزب الله وما أجابهم به النجاشي فساءهما ذلك- ثم دخلوا عليه فلم يسجدوا له- فقال عمرو بن العاص الا ترى انهم يستكبرون ان يسجدوا لك فقال لهم النجاشي ما منعكم ان تسجدوا لى وتحيونى بالتحية التي يحيينى بها من أتاني من الآفاق- قالوا نسجد لله الذي خلقك وملّكك وانما كانت تلك التحية ونحن نعبد الأصنام فبعث الله فينا نبيا صادقا وأمرنا بالتحية التي رضيها الله وهى السلام تحية اهل الجنة فعرف النجاشي ان ذلك حق وانه فى التورية والإنجيل قال أيكم الهاتف يستأذن عليك حزب الله قال جعفر انا قال فتكلم قال انك ملك من ملوك اهل الأرض ومن اهل الكتاب ولا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم وانا أحب ان أجيب عن أصحابي فمر هذين الرجلين فليتكلم أحدهما ولينصت الاخر فتسمع محاورتنا- فقال عمرو لجعفر تكلم فقال جعفر للنجاشى سل هذين الرجلين أعبيد نحن أم أحرار قال بل أحرار كرام قال النجاشي نجوا من العبودية- ثم قال جعفر سل هما هل اهرقنا دما بغير حق فيقتص مئا قال عمرو لا ولا قطرة قال جعفر سل هل أخذنا اموال الناس بغير حق فعلينا قضاؤها قال النجاشي ان كان قنطارا فعلىّ قضاؤه قال عمرو لا ولا قيراطا- قال النجاشي فما تطلبون منهم قال عمرو كنا وهم على دين واحد وامر واحد على دين ابائنا فتركوا ذلك واتبعوا غيره فبعثنا إليك قومهم لتدفعهم إلينا فقال النجاشي ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 69]

ما هذا الدين الذي كنتم عليه والدين الذي اتبعتموه اصدقنى- قال جعفر اما الدين الذي كنا عليه فتركناه فهو دين الشيطان كنا نكفر بالله ونعبد الحجارة واما الذي تحولنا اليه فدين الله الإسلام جاءنا به من الله رسول وكتاب مثل كتاب ابن مريم موافقا له- فقال له النجاشي تكلمت بامر عظيم فعلى رسلك ثم امر النجاشي فضرب بالناقوس فاجتمع اليه كل قسّيس وراهب فلما اجتمعوا عنده قال النجاشي أنشدكم الله الذي انزل الإنجيل على عيسى هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبيا مرسلا- قالوا اللهم نعم قد بشرنا به عيسى وقال من أمن به فقد أمن بي ومن كفر به فقد كفر بي- فقال النجاشي لجعفر ماذا يقول لكم هذا الرجل وما يأمركم به وما ينهاكم عنه قال يقرا علينا كتاب الله ويأمرنا بالمعروف وينهى عن المنكر ويأمر بحسن الجوار وصلة الرحم وبر اليتيم ويأمر بان نعبد الله وحده لا شريك له قال اقرأ علىّ مما يقرا عليكم- فقرا عليهم سورة العنكبوت والروم ففاضت عين النجاشي وأصحابه من الدمع فقالوا زدنا يا جعفر من هذا الحديث الطيب فقرا عليهم سورة الكهف- فاراد عمرو ان يغضب النجاشي فقال انهم يشتمون عيسى وامه- فقال ما تقولون فى عيسى وامه فقرا عليهم سورة مريم فلما اتى على ذكر مريم وعيسى رفع النجاشي نفثه من سواكه قدر ما يقذى العين قال والله ما زاد المسيح على ما يقولون هذا- ثم اقبل على جعفر وأصحابه فقال اذهبوا فانتم سيوم كلمة حبشية بمعنى امنون- منه رح بأرضى يقول امنون من سبكم او اذاكم غرّم ثم قال ابشروا ولا تخافوا فلاد هورة «1» اليوم على حزب ابراهيم- قال عمرو يا نجاشى ومن حزب ابراهيم- قال هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاءوا من عنده ومن اتبعهم فانكر ذلك المشركون وادعوا فى دين ابراهيم- ثم رد النجاشي على عمرو وصاحبه المال الذي حملوه وقال انما هديتكم الىّ رشوة فاقبضوها فان الله ملّكنى ولم يأخذ منى رشوة قال جعفر فانصرفنا فكنا فى خير دار وأكرم جوار وانزل الله تعالى ذلك اليوم على رسوله صلى الله عليه وسلم فى خصومتهم فى ابراهيم وهو بالمدينة قوله عز وجل انّ اولى النّاس الاية-. وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ نزلت فى معاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر رضى الله عنهم حين دعاهم اليهود الى دينهم- يعنى تمنت جماعة

_ (1) الدهورة جمعك الشيء وقد فك فى مهواة كانه أراد لا ضيعة عليهم ولا يترك حفظهم وتعهدهم والواو زائدة- نهاية جزرى منه رحمه الله

[سورة آل عمران (3) : آية 7]

من اليهود لَوْ يُضِلُّونَكُمْ عن دينكم ويردونكم الى الكفر- لو مصدرية بمعنى ان عاملة فى المعنى دون اللفظ فى محل النصب لودّت- او هى للتمنى بيان للوداد وَما يُضِلُّونَ أحدا إِلَّا أَنْفُسَهُمْ يعنى انما يعود وبال الإضلال الى أنفسهم فيضاعف لهم العذاب والمسلمون محفوظون من شرهم بحفظ الله تعالى فلا يلزم إضلال الضال وَما يَشْعُرُونَ (69) ان اضرارهم يعود إليهم. يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ الناطقة بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته فى التورية والإنجيل او بالقران وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) اى تعترفون فيما بينكم على سبيل الكتمان انه نبى حق مذكور نعته فى التورية والإنجيل او أنتم تعلمون بالمعجزات انه نبى حق. يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ اى تخلطون الحق الذي انزل على موسى من آيات التورية بالباطل الذي كتبته ايديكم بالتحريف وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ النازل فى التورية من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) ذلك وتفعلون ما تفعلون عمدا وروى ابن إسحاق عن ابن عباس رضى الله عنهما قال قال عبد الله بن الضيف وعدى بن زيد والحارث بن عوف بعضهم لبعض نؤمن بما انزل على محمد وأصحابه غدوة ونكفر به عشية حتى يلبس عليهم دينهم لعلهم يصنعون كما نصنع فيرجعون عن دينهم فانزل الله تعالى فيهم يا أهل الكتب لم تلبسون الحقّ بالباطل وتكتمون الحقّ وأنتم تعلمون. وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ الى قوله واسع عليم آمِنُوا يعنى أظهروا الايمان باللسان بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا يعنى بالقران وَجْهَ النَّهارِ يعنى اوله فانه أول ما يواجه وَاكْفُرُوا به آخِرَهُ يعنى اخر النهار وقولوا انا نظرنا فى كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمدا «1» ليس بذاك وظهر لنا كذبه لَعَلَّهُمْ اى المسلمون يشكّون فى دينهم ويَرْجِعُونَ (72) عن دينهم ظنّا منهم بانكم رجعتم لخلل ظهر لكم- قال البغوي قال الحسن تواطأ على ذلك اثنا عشر حبرا من يهود خيبر وقرى عرينة- وكذا اخرج ابن جرير عن السدى- وقال مجاهد ومقاتل والكلبي هذا فى شأن القبلة لما صرفت الى الكعبة شق ذلك على اليهود وقال كعب بن الأشرف وأصحابه أمنوا بامر الكعبة وصلوا إليها أول النهار ثم اكفروا وارجعوا الى قبلتكم اخر النهار

_ (1) فى الأصل محمد- . ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 73]

وَلا تُؤْمِنُوا عطف على أمنوا بالّذى انزل يعنى لا تؤمنوا حقيقة الايمان بمواطاة القلب ولا تصدقوا لاحد إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ اى لاهل دينكم- او المعنى لا تظهروا ايمانكم وجه النهار الا لمن كان على دينكم قبل ذلك فان رجوعهم أرجى وأهم- وجاز ان يكون لا تؤمنوا بيانا لا كفروا والمعنى واكفروا اخر النهار ولا تؤمنوا اخر النهار الا لاهل دينكم قُلْ يا محمد للكفار إِنَّ الْهُدى الذي اعطى المسلمين هُدَى اللَّهِ لا تستطيعون ان تطفؤا نور الله بأفواهكم والله متم نوره فلا يضر المؤمنين مكركم- او المعنى قل يا محمد لنفسك وللمؤمنين انّ الهدى هدى الله لا يضركم كيد كائد أَنْ يُؤْتى قرا ابن كثير بالمد «1» على الاستفهام والباقون بلا مد على الخبر- متعلق بمحذوف يعنى مكرتم ذلك المكر حسدا او امكرتم لان يؤتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ من الكتاب والحكمة أَوْ يُحاجُّوكُمْ عطف على يؤتى منصوب بان والضمير المرفوع عائد الى أحد وهو وان كان مفردا لفظا لكنه جمع معنى بمعونة المقام لانه فى حيز النفي او الاستفهام يعنى او مكرتم لان يغلبكم أحد عِنْدَ رَبِّكُمْ يوم القيامة لكونهم على الهدى دونكم يعنى ان الحسد حملكم على ذلك المكر ولا ينبغى ذلك المكر والحسد وجاز ان يكون ان يؤتى متعلقا بلا تؤمنوا وعلى هذا ثلاث تأويلات أحدها ان يكون اللام فى لمن تبع دينكم زائدة كما فى قوله تعالى ردف لكم اى ردفكم والمستثنى منه أحد فاعل يؤتى والمستثنى مقدم عليه واو فى او يحاجّوكم بمعنى الواو لكونه فى حيز النفي نحو لا تطع منهم اثما او كفورا والمعنى لا تصدقوا ولا تقرّوا بان يؤتى أحد مثل ما أوتيتم الا من تبع دينكم ولا تصدقوا بان يغلبكم أحد عند ريكم- ثانيها ان يكون اللام للانتفاع او زائدة والاستثناء مفرغ واحد فى قوله تعالى ان يؤتى أحد مظهر موضع المضمر ابرز لحذف المرجع من الصدر والمعنى لا تصدقوا أحدا او لا تقروا لاحد اى فى حق أحد الا لمن تبع دينكم يعنى الا من تبع دينكم او الا فى حق من تبع دينكم بان يؤتى ذلك الأحد مثل ما أوتيتم او بان يغلبكم أحد عند ربكم لانكم أصح دينا هذا على قراءة الجمهور واما على قراءة ابن كثير فمعناه أتصدقون وتقرون بان يؤتى أحد مثل ما أوتيتم او يحاجوكم عند ربكم لا ينبغى ذلك الإقرار والتصديق منكم وهذا معنى قول مجاهد وثالثها ان تكون لا تؤمنوا بمعنى لا تظهروا

_ (1) اى بالهمزتين محققة ومسهلة والباقون بهمزة واحدة محققة- ابو محمد عفا الله عنه

[سورة آل عمران (3) : آية 74]

واللام صلة والمعنى لا تظهروا ايمانكم بان يؤتى أحد مثل ما أوتيتم او يحاجوكم عند ربكم الا لمن تبع دينكم يعنى إلا خفية لاشياعكم ولا تفشوه الى المسلمين كيلا يزيد ثباتهم ولا الى المشركين كيلا يدعوهم الى الإسلام- ومعناه على قراءة ابن كثير اتظهرون عند غيركم ان يؤتى أحد مثل ما أوتيتم او يحاجوكم عند ربكم لا ينبغى ذلك الإظهار- وعلى هذه التأويلات جملة قل انّ الهدى هدى الله معترضة لبيان ان كيدهم لا يفيدهم ولا يضر بالمسلمين وعلى قراءة الجمهور جاز ان يكون ان يؤتى خبر انّ على ان هدى الله بدل عن الهدى واو فى او يحاجّوكم بمعنى حتى والمعنى ان هدى الله الإيتاء لمن شاء من أحد مثل ما أوتيتم من الكتاب حتى يغلبوكم يوم القيامة عند ربكم- وقيل معناه قالت اليهود لسفلتهم لا تؤمنوا الا لمن تبع دينكم ان يؤتى اى لئلا يؤتى كما فى قوله تعالى يبيّن الله لكم ان تضلّوا اى لئلا تضلوا يعنى لا تصدقوهم لئلا يعلموا مثل ما علمتم فيكون لكم الفضل عليهم بالعلم ولئلا يحاجوكم عند ربكم فيقولوا عرفتم ان ديننا حق ولم تؤمنوا وهذا معنى قول ابن جريح وهو ابعد التأويلات قُلْ يا محمد لليهود إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ لا بايديكم يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وقد اتى محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه وَاللَّهُ واسِعٌ الفضل عَلِيمٌ (73) بمن هو اهل له. يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ ونبوته مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74) . وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعنى عبد الله بن سلام وأشباهه مؤمنى اهل الكتاب مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ اى مال كثير يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ لاجل ديانتهم وايمانهم قال البغوي قال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضى الله عنهما ان رجلا أودع عبد الله بن سلام الفا ومائتى اوقية من ذهب فاداه وَمِنْهُمْ يعنى كعب بن الأشرف وأشباهه من كفار اليهود كذا قال مقاتل مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ قال البغوي استودع رجل من قريش فخاص بن عازورا من اليهود دينارا فخانه قرا ابو عمرو وابو جعفر بخلاف عنه- او محمد وابو بكر وحمزة يؤدّه ولا يؤدّه إليك ونؤته منها فى الموضعين وفى النساء نولّه ونصله وفى الشورى نؤته منها بإسكان الهاء فى السبعة لان الهاء وضعت موضع الجزم وهو الياء الذاهب وقرا قالون وابو جعفر ويعقوب باختلاس كسرة الهاء اعتبروا الياء الساكنة المحذوفة موجودة والهاء بعد الحرف الساكن ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 76]

يختلس حركته وكذا عن هشام بخلاف عنه- ابو محمد فى الباب كله وقرا الباقون بإشباع الكسرة لان الأصل فى الهاء بعد المتحرك الإشباع والوقف للجميع بالإسكان إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً قال ابن عباس قائما اى ملحا يقال يقوم عليه يعنى يطالبه بالالحاح والتقاضي والترافع الى الحكام ذلِكَ اى عدم الأداء والاستحلال بِأَنَّهُمْ اى بسبب ان اليهود الكفار قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ اى فى شأن من ليس باهل الكتاب سَبِيلٌ اى سبيل مؤاخذة عند الله قالوا اموال العرب حلال لنا لانهم ليسوا على ديننا ولا حرمة لهم فى كتابنا وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم فى الدين وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ان الله أحل لهم ذلك وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) انهم يكذبون. بَلى يعنى ليس كما قالوا بل عليهم سبيل فى المؤمنين او عصمة المال بالايمان او عقد الذمة- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت ان أقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكوة فاذا فعلوا ذلك عصموا منى دماؤهم وأموالهم الا بحق الإسلام وحسابهم على الله متفق عليه من حديث ابى موسى وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فان هم أبوا يعنى ان كان الكفار أبوا عن الإسلام فسل هم الجزية فان هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم متفق عليه فى حديث طويل من حديث سليمان بن بريد عن أبيه مَنْ شرطية او موصولة أَوْفى بِعَهْدِهِ الضمير المجرور راجع الى من يعنى بعهده الذي عاهد رب المال بأداء الامانة- او راجع الى الله تعالى اى عهد الله عهد اليه فى التورية من الايمان بجميع الأنبياء وبمحمد صلى الله عليه وسلم والقران وأداء الامانة وَاتَّقى الكفر والخيانة فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (72) وضع المظهر موضع الضمير اشعارا بان التقوى ملاك الأمر كله وهو يعم الوفاء بالعهد وغيره من أداء الواجبات والاجتناب عن المناهي ولذلك العموم ناب مناب الراجع الى من اوفى- والجملة مستأنفة مقررة لجملة سدت بلى مسدها عن عبد الله بن عمرو ان النبي صلى الله عليه وسلم قال اربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كان فيه خصلة منها كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر- متفق عليه وفى الصحيحين عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اية المنافق ثلاث زاد مسلم وان صام وصلى وزعم انه مسلم ثم اتفقا إذا حدث ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 77]

كذب وإذا وعدا خلف وإذ اؤتمن خان- والله اعلم- روى الشيخان فى الصحيحين عن ابى وائل عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقى الله وهو عليه غضبان فانزل الله تعالى تصديق ذلك. إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا الاية- فدخل الأشعث بن قيس فقال ما حدثكم ابو عبد الرحمن فقالوا كذا وكذا فقال فىّ نزلت كانت لى بير فى ارض ابن عم لى فاتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بينتك او يمينه قلت إذا يحلف عليها يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين صبر وهو فيها فاجر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقى الله يوم القيامة وهو عليه غضبان كذا روى البغوي بسنده من طريق البخاري وفى رواية ابى داود وابن ماجة وغيرهما عن الأشعث بن قيس قال كان بينى وبين رجل من اليهود ارض فجحدنى فقدّمته الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ألك بينة قلت لا قال لليهودى احلف قلت يا رسول الله إذا يحلف ويذهب بما لى فانزل الله تعالى هذه الاية وروى البخاري عن عبد الله بن ابى اوفى ان رجلا اقام سلعة وهو فى السوق فحلف بالله لقد اعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلا من المسلمين فنزلت هذه الاية قال الحافظ ابن حجر فى شرح البخاري لا منافاة بين الحديثين بل يحمل ان النزول كان بالسببين جميعا والمعنى ان الذين يشترون بعهد الله فى أداء الامانة وايمانهم الكاذبة ثمنا قليلا يعنى شيئا من متاع الدنيا قليلا كان او كثيرا فانها بالنسبة الى نعماء الجنة قليل جدا- واخرج ابن جرير عن عكرمة ان الاية نزلت فى حيى بن اخطب وكعب بن الأشرف وغيرهما من اليهود الذين يكتمون ما انزل الله فى التورية فى شأن محمد صلى الله عليه وسلم وبدلوه وكتبوه بايديهم غيره وحلفوا انه من عند الله لئلا يفوتهم المأكل والرشى التي كانت لهم من اتباعهم- قال ابن حجر والاية محتملة لكن العمدة فى ذلك ما ثبت فى الصحيح- قلت سياق الكلام يقتضى صحة ما روى ابن جرير عن عكرمة والحديثين المذكورين فى الصحيحين لا ينافيان رواية ابن جرير كما لا يتنافيان لجواز كون اسباب النزول كلها جميعا والله اعلم وعن علقمة بن وائل عن أبيه قال جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة ... ...

الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمي يا رسول الله ان هذا غلبنى على ارض لى فقال الكندي هى ارضى وفى يدى ليس له فيها حق فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمى ألك بينة قال لا قال فلك يمينه قال يا رسول الله ان الرجل فاجر لا يبالى على ما حلف عليه فليس يتورع من شىء قال ليس لك منه الا ذلك فانطلق ليحلف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أدبر لئن حلف على ماله ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض- رواه مسلم وفى رواية هو امرؤ القيس بن عابس الكندي وخصمه ربيعة بن عبدان- وفى رواية لابى داود انه صلى الله عليه وسلم قال لا يقطع أحد مالا بيمين الا لقى الله وهو اجزم فقال الكندي هى ارضه وقال البغوي روى انه لما هم الكندي ان يحلف نزلت هذه الاية فامتنع امرا القيس ان يحلف وأقر لخصمه ودفعها اليه أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ اى لا نصيب لهم فِي نعيم الْآخِرَةِ عن ابى امامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة فقال له رجل وان كان شيئا يسيرا يا رسول الله قال وان كان قضيبا من أراك رواه مسلم- وفى رواية قالها ثلاثا وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ قيل معناه لا يكلمهم الله كلاما يسرهم ولا ينظر إليهم نظر رحمة والصحيح ان هذا كناية عن الغضب والاعراض فكانّ قوله صلى الله عليه وسلم فى حديث عبد الله والأشعث لقى الله وهو عليه غضبان وفى حديث وائل ليلقين الله وهو عنه معرض تفسير لهذين الجملتين وَلا يُزَكِّيهِمْ اى لا يثنى عليهم والظاهر ان معناه لا يغفر الله ذنبه لانه من حقوق العباد وفيه القصاص لا محالة- عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدواوين ثلاثة فديوان لا يعبا الله به شيئا وديوان لا يترك الله منه شيئا وديوان لا يغفر الله اما الديوان الذي لا يغفر الله فهو الشرك واما الديوان الذي لا يعبا الله به شيئا فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم تركه او صلوة تركها واما الديوان الذي لا يترك منه شيئا فظلم العباد بعضهم بعضا القصاص لا محالة رواه الحاكم واحمد وروى الطبراني مثله من حديث سلمان وابى هريرة والبزار مثله من حديث انس- وان كان الاية فى اليهود فى كتمان نعت النبي صلى الله عليه وسلم فعدم المغفرة لاجل كفرهم وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (77) على ما فعلوه عن ابى ذر ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 78]

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة لا يكلّمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيمة ولا يزكّيهم ولهم عذاب اليم قال فقراها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا فقال أبو ذر خابوا وخسروا منهم يا رسول الله قال المسبل إزاره والمنان الذي لا يعطى شيئا الا منة والمنفق سلعته بالحلف الكاذب رواه مسلم واحمد وابو داود والترمذي والنسائي- وعن ابى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل ورجل بايع رجلا بسلعة بعد العصر فحلف له بالله لاخذه بكذا وكذا فصدّقه وهو على غير ذلك ورجل بايع اماما لا يبايعه الا للدنيا فان أعطاه منها وفى وان لم يعط منها لم يف- متفق عليه ورواه احمد والاربعة وفى رواية متفق عليها عنه مرفوعا ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم رجل حلف على سلعة لقد اعطى بها اكثر مما اعطى وهو كاذب ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال رجل مسلم ورجل منع فضل مائة فيقول الله اليوم أمنعك فضلى كما منعت فضل ما لم يعمل يداك وعن سلمان نحوه بلفظ شيخ زان وعائل مستكبر ورجل جعل الله بضاعته لا يشترى الا بيمينه ولا يبيع الا بيمينه رواه الطبراني والبيهقي وروى الطبراني عن عصمة بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه. وَإِنَّ مِنْهُمْ اى من اهل الكتاب لَفَرِيقاً طائفة وهم كعب بن الأشرف ومالك بن الضيف وحيى بن اخطب وابو ياسر وسفنة بن عمرو الشاعر يَلْوُونَ اى يصرفون أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ اى متلبسا بقراءة الكتاب عن المنزل الى ما حرفوه لِتَحْسَبُوهُ اى لتظنوا ايها المؤمنون ذلك المحرف المفهوم من قوله تعالى يلون كائنا مِنَ الْكِتابِ المنزل وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ المنزل وَيَقُولُونَ اى اليهود تصريحا هُوَ اى ذلك المحرف كائن مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فيه تشنيع عليهم وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تأكيد لما سبق يعنى ما هو من الكتاب وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) انه كذب تأكيد بعد تأكيد وتسجيل عليهم بتعمد الكذب على الله قال الضحاك عن ابن عباس ان الاية نزلت فى اليهود والنصارى جميعا وذلك انهم حرفوا التورية والإنجيل والحقوا بكتاب الله ما ليس منه- اخرج إسحاق وابن جرير ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 79]

وابن المنذر وابن ابى حاتم والبيهقي فى الدلائل عن ابن عباس قال قال ابو رافع القرظي (حين اجتمعت أحبار اليهود والنصارى من اهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم الى الإسلام) أتريد يا محمد ان نعبدك كما تعبد النصارى عيسى قال معاذ الله ان امر بعبادة غير الله ما لذلك بعثني الله ولا بذلك أمرني فانزل الله تعالى ما كان لبشر الى قوله مسلمون- واخرج عبد فى تفسيره عن الحسن قال بلغني ان رجلا قال يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض افلا نسجد لك قال لا ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لاهله فانه لا ينبغى ان يسجد لاحد من دون الله فانزل الله تعالى هذه الاية- وقال مقاتل والضحاك كان نصارى نجران يقولون ان عيسى أمرهم ان يتخذوه ربا فانزل الله تعالى. ما كانَ جائز لِبَشَرٍ يعنى لمحمد ولا لعيسى صلى الله عليهما- والبشر اسم جنس كالانسان ذكرا كان او أنثى واحدا كان او جمعا وقد يثنى كما فى قوله تعالى أنؤمن لبشرين مثلنا ويجمع ابشارا كذا فى القاموس وقال البغوي البشر جميع ابن آدم جمع لا واحد له من لفظه كالقوم والجيش ويوضع موضع الواحد أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ يعنى الحكمة والسنة او إمضاء الحكم وَالنُّبُوَّةَ «1» ثُمَّ يَقُولَ عطف على يؤتى منصوب بان لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ اى من دون توحيد الله- وفيه اشارة الى ان عبادة غير الله تنافى عبادة الله وعبادته منحصر فى توحيده- وان فى محل الرفع على انه اسم كان يعنى ما كان إيتاء الكتاب والنبوة وبعد ذلك القول بعبادة غير الله جائزا لبشر لمنافاة بين النبوة التي هى دعاء الناس الى الايمان بالله وحده وهذا القول الذي هو دعاء الى الشرك وَلكِنْ عطف على يقول بتقدير القول يعنى ولكن يقول كُونُوا رَبَّانِيِّينَ وجاز ان يكون ولكن كونوا معطوفا على مفهوم ما سبق فانه يفهم منه لا تكونوا قائلين للناس كونوا عبادا لى ولكن كونوا ربانيين مبلغين ما أتاكم ربكم- قال على وابن عباس فى تفسير قوله تعالى كونوا ربانيين كونوا فقهاء علماء وقال قتادة حكماء علماء وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس فقهاء معلمين وقال عطاء علماء حلماء نصحا لله فى خلقه وعن سعيد بن جبير الذي يعمل بعلمه وقال ابو عبيد سمعت رجلا عالما يقول الرباني العالم بالحلال والحرام والأمر والنهى العارف بانباء الامة ما كان وما يكون وقيل الربانيون فوق الأحبار والأحبار العلماء والربانيون الذين

_ (1) ترك فى الأصل والنبوة لعله من الناسخ- ابو محمد عفا الله عنه

[سورة آل عمران (3) : آية 80]

جمعوا بين العلم والبصارة بين الناس وحاصل الأقوال الرباني الكامل المكمل فى العلم والعمل والإخلاص ومراتب القرب سمى بذلك لانهم يربون العلم ويقومون به ويربون المتعلمين لصغار العلوم قبل كبارها وكل من قام بإصلاح شىء وإتمامه فقد ربه يربه وعن على انه يرب علمه بعمله واحده ربان كما يقال ريان وعطشان ثم ضمت اليه ياء النسبة- وقيل هو منسوب الى الرب بزيادة الالف والنون للمبالغة كاللحيانى لعظيم اللحية والرقبانى لعظيم الرقبة وطويلهما إذ لو أريد النسبة الى اللحية والرقبة بدون المبالغة لقيل لحيى ورقبى- قال محمد بن الحنفية يوم مات ابن عباس مات ربانى هذه الامة بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ قرا الكوفيون وابن عامر بالتشديد من التعليم اى يعلمون الناس والباقون بالتخفيف من علم وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) اى تديمون على قراءة الكتاب ويحفظونه وجاز ان يكون معناه تدرسونه على الناس فيكون بمعنى تعلّمون من التعليم- قال فى الصحاح درس الدار معناه بقي اثرها ودرس الكتب والعلم اى تناول اثره بالحفظ- ولما كان تناول ذلك بمداومة القراءة عبر عن ادامة القراءة بالدرس قال الله تعالى ودرسوا ما فيه وبما كنتم تدرسون يعنى تديمون القراءة وتحفظون وقوله بما كنتم متعلق بقوله كونوا وما مصدرية والمعنى كونوا ربانيين بسبب كونكم عالمين الكتاب ومعلميه الناس دائمين على قراءته وحفظه فان فائدة العلم العمل به وإصلاح نفسه وفائدة التعليم إصلاح غيره وذلك فرع إصلاح نفسه لئلا يخاطب بقوله تعالى لم تقولون ما لا تفعلون وقوله تعالى أتأمرون النّاس بالبرّ وتنسون أنفسكم. وَلا يَأْمُرَكُمْ قرا نافع وابو جعفر- ابو محمد وابن كثير وابو عمرو والكسائي بالرفع على الاستيناف يعنى ولا يأمركم الله وجاز ان يكون حالا من فاعل يقول يعنى يأمركم بعبادة نفسه والحال انه لا يأمركم بل ينهى من أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً وقرا ابن عامر ويعقوب وخلف- ابو محمد وعاصم وحمزة لا يأمركم بالنصب عطفا على قوله ثم يقول ويكون لا مزيدة لتأكيد معنى النفي فى قوله ما كان لبشر ان يؤتيه الله الكتب والحكم والنّبوّة ثم يأمر الناس بعبادة نفسه ويأمر ان يتخذ الملائكة والنبيين أربابا كما فعل قريش والصابئون حيث قالوا الملائكة بنات الله واليهود والنصارى حيث قالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله وجاز ان يكون لا غير ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 81]

زائدة والمعنى ليس له ان يأمر بعبادته ولا يأمر بل ينهى باتخاذ اكفائه من الأنبياء والملائكة أربابا أَيَأْمُرُكُمْ استفهام على التعجب والإنكار بِالْكُفْرِ يعنى بعبادة غير الله تعالى بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) بالله تعالى- ان كان الخطاب مع المسلمين المستأذنين السجود للنبى صلى الله عليه وسلم كما رواه الحسن فلا غبار عليه وكذا ان كان رد القول النصارى ان عيسى أمرهم ان يتخذوه ربا لانهم كانوا مسلمين فى زمن عيسى عليه السلام واما على تقدير كونه خطابا لليهود والنصارى القائلين أتريد يا محمد ان نعبدك فتأويله ان هذا الخطاب على سبيل الفرض والتقدير يعنى على تقدير ان تسلموا وتنقاد والأمر محمد صلى الله عليه وسلم أيأمركم حينئذ بالكفر بعد الإسلام-. وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ أراد ان الله أخذ الميثاق من كل نبى ان يؤمن بمن بعده ويأمر أمته ان يتبعوه وهذا معنى قول ابن عباس وقال على بن ابى طالب لم يبعث الله نبيّا آدم ومن بعده الا أخذ عليه العهد فى امر محمد صلى الله عليه وسلم وأخذ العهد على قومه لتؤمنن به ولئن بعث وهم احياء لينصرنه- وقيل معناه أخذ الله ميثاق اهل الكتاب ففى الكلام اما حذف مضاف تقديره أخذ الله ميثاق أولاد النبيّين وهم بنو إسرائيل اهل الكتاب واما سماهم نبيين تهكما لانهم كانوا يقولون نحن اولى بالنبوة من محمد لانا اهل الكتاب والنبيون كانوا منا- واما اضافة الميثاق الى النبيين اضافة الى الفاعل والمعنى إذ أخذ الله الميثاق الذي وثقه النبيون على أممهم ويؤيده قراءة ابن مسعود وابى بن كعب وإذ أخذ الله ميثاق الّذين أوتوا الكتب والصحيح هو المعنى الاول المنطوق من القراءة المتواترة فاخذ الله الميثاق من موسى ان يؤمن بعيسى ويأمر قومه ان يؤمنوا به ومن عيسى ان يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ويأمر قومه ان يؤمنوا به ومن ثم قال عيسى يبنى اسراءيل انّى رسول الله إليكم مصدّقا لمّا بين يدىّ من التّورية ومبشّرا برسول يأتي من بعدي اسمه احمد والقراءة المتواترة لا ينافى قراءة ابن مسعود لان العهد من المتبوع عهد من التابع لَما آتَيْتُكُمْ قرا حمزة بكسر اللام على انها جارة وما مصدرية اى لاجل ايتائى إياكم بعض الكتاب ثم مجيىء رسول مصدق له أخذ الله الميثاق ... ...

لتؤمنن به ولتنصرنه- او موصولة يعنى اخذه للذى اتيتكموه وجاءكم رسول مصدق له والباقون بفتح اللام توطية للقسم لان أخذ الميثاق بمعنى الاستحلاف وما حينئذ يحتمل ان يكون شرطية ولتؤمنن به ساد مساد جواب القسم وجزاء الشرط جميعا والمعنى أخذ الله ميثاق النبيين واستحلفهم لئن اتيتكم من كتاب ثم جاءكم رسول مصدق له لتومنن به- ويحتمل ان يكون موصولة مبتدا بمعنى الذي وخبره لتؤمنن به يعنى للذى اتيتكم من كتاب ثم جاءكم رسول مصدق له لتؤمنن به قرا نافع وابو جعفر- ابو محمد آتيناكم على التعظيم كما فى قوله تعالى واتينا داود زبورا والآخرون بالإفراد مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ اى سنة او فقه فى الدين ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما للكتاب الذي جاء مَعَكُمْ جملة ثم جاء عطف على الصلة والعائد فيه الى الموصول مظهر وضع موضع المضمر وهو لما معكم تقديره مصدقا له- قيل المراد بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم خاصة لكونه مبعوثا الى كافة الأنام وهو المستفاد من قول ابن عمرو ما ذكر من قول على- والصحيح عندى ان اللفظ عام ولا دليل على التخصيص ولا شك ان الايمان بجميع الأنبياء والقول بلا نفرّق بين أحد من رسله واجب على جميع الأمم السابقة واللاحقه وقد قال الله تعالى شرع لكم من الدّين ما وصّى به نوحا والّذى أوحينا إليك وما وصّينا به ابراهيم وموسى وعيسى ان اقيموا الدّين ولا تتفرّقوا فيه وقول على وابن عباس رضى الله عنهما بتخصيص ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لالزام اهل الكتاب المعاندين فان الكلام معهم انما كان فى امر محمد صلى الله عليه وسلم لا غير وليس المقصود من قولهما نفى الحكم عما عداه وجاز ان يكون تخصيص العهد لمحمد صلى الله عليه وسلم لاظهار فضله وفى قوله تعالى مصدّقا لما معكم اشارة الى ان تكذيبه يستلزم تكذيب ما معكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ اى بالرسول وَلَتَنْصُرُنَّهُ بانفسكم ان أدركتموه او بامركم بالنصر لمن أدركه من اتباعكم ان لم تدركوه- قال البغوي حين استخرج الله الذرية من صلب آدم والأنبياء فيهم كالمصابيح والسرج أخذ عليهم الميثاق فى امر محمد صلى الله عليه وسلم قالَ استيناف بيان لاخذ الميثاق كانه قيل كيف أخذ الله الميثاق- او ناصب لاذ اى قال إذ أخذ الله الميثاق وعلى الاول ناصبه إذ كرع أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي اى عهدى استفهام تقرير قالُوا اى الأنبياء أو هم والأمم جميعا يوم الميثاق ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 82]

أَقْرَرْنا قالَ الله للرسل فَاشْهَدُوا على أنفسكم وعلى اتباعكم بالإقرار يوم القيامة وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) عليكم وعليهم وقال سعيد بن المسيب قال الله تعالى لملائكته فاشهدوا عليهم كناية عن غير مذكور . فَمَنْ تَوَلَّى من اتباع الرسل بَعْدَ ذلِكَ الإقرار وهم اليهود والنصارى فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (84) الخارجون من الايمان الى الكفر هذا صريح فى ان الميثاق كان على النبيين والأمم أجمعين واكتفى بذكر المتبوعين عن الاتباع-. أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ معطوف على فاولئك هم الفاسقون والهمزة توسطت للانكار او على محذوف تقديره أيفسقون فغير دين الله يبغون- او تقديره أيتولون فغير دين الله يبغون وتقديم المفعول للتخصيص والإنكار للمخصص تقديره أتخصصون غير دين الله بالطلب وفيه اشارة الى ان طلب دين الله لا يجامع طلب غير دينه- قرا ابو عمرو ويعقوب وحفص عن عاصم يبغون بالياء على الغيبة نظرا الى قوله فاولئك هم الفاسقون والجمهور بالتاء على الخطاب نظرا الى قوله اتيتكم وقيل تقديره قل لهم أفغير دين الله تبغون قال البغوي ادعى كل من اليهود والنصارى انه على دين ابراهيم واختصموا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام كلا الفريقين برىء من دين ابراهيم فغضبوا وقالوا لا نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك فانزل الله تعالى أفغير دين الله يبغون وَلَهُ اى لله أَسْلَمَ اى خضع «1» وانقاد- والجملة حال من الله الواقع فى حيز المفعول مَنْ فِي السَّماواتِ اى الملائكة وَالْأَرْضِ اى الجن والانس طَوْعاً اى طائعين باختيارهم وهم الملائكة والمؤمنون من الثقلين انقادوا باختيارهم فيما أمروا به من الأوامر التكليفية والافعال الاختيارية ورضوا بقضاء الله سبحانه وأحبوا ما اجرى عليهم محبوبهم من الأوامر التكوينية وَكَرْهاً اى كارهين «2» بالسيف او معاينة

_ (1) اخرج الطبراني بسند ضعيف عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فى قوله تعالى له اسلم من فى السّموت والأرض طوعا قال اما من فى السموات فالملائكة واما من فى الأرض فمن ولد على الإسلام واما كرها فمن اتى به من سبايا الأمم فى السلاسل والاغلال يقادون الى الجنة وهم كارهون- منه رحمه الله (2) قيل هذا يوم الميثاق حين قال الست بربّكم قالوا بلى فقاله بعضهم طوعا وبعضهم كرها وقال قتادة المؤمن اسلم طوعا فنفعه والكافر اسلم كرها فى وقت اليأس فلم ينفعه- وقال الشعبي هو استعاذتهم بالله عن اضطرارهم قال الله تعالى فاذا ركبوا فى الفلك دعوا الله مخلصين له الدين- منه رح [.....]

[سورة آل عمران (3) : آية 84]

ما يلجئ الى الإسلام كنتق الجبل وادراك الغرق والاشراف على الموت فى الأوامر التكليفية او مسخرين بلا اختيارهم فى الأوامر التكوينية وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) قرا حفص ويعقوب بالياء للغيبة على ان الضمير راجع الى من والجمهور بالتاء للخطاب على نسق تبغون وكذا قرا ابو عمرو مع انه قرا يبغون بالغيبة على طريقة الالتفات او لان الباغين هم المتولون والراجعون جميع «1» الناس-. قُلْ يا محمد آمَنَّا امر رسوله ان يتكلم عن نفسه على طريقة الملوك إجلالا له- أو أمره ان يخبر عن نفسه وعن متابعيه بالايمان وجاز ان يكون الخطاب لكل مخاطب منهم امر كل واحد ان يخبر عن نفسه وإخوانه المؤمنين بالله وحده وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا يعنى القران فان كان الكلام اخبارا عن جميع المؤمنين فنزوله عليهم بتوسط تبليغه النبي صلى الله عليه وسلم إياهم او يقال المنسوب الى واحد من الجمع قد ينسب إليهم والنزول قد يعدى بالى كما فى سورة البقرة لانه ينتهى الى الرسل وقد يعدى بعلى لانه من فوق وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ يعنى الأنبياء من أولاد يعقوب من الكتب والصحف وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى خصهما بالذكر بعد دخولهما فى الأسباط اما لمزيد فضلهما واما لان المنازعة كانت غالبا مع اليهود والنصارى فلدقع توهم مخالفة موسى وعيسى خصهما بالذكر او المراد بما اوتى الوحى الخفي وبما انزل الوحى الجلى- او المراد بما اوتى من المعجزات والفضائل وَالنَّبِيُّونَ كرر فى البقرة ما اوتى ولم يكرر هاهنا لتقدم ذكر الإيتاء حيث قال لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ عند رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ بالتصديق والتكذيب وَنَحْنُ لَهُ اى لله مُسْلِمُونَ (84) منقادون-. وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ غير التوحيد والانقياد لحكم الله او المراد غير دين محمد صلى الله عليه وسلم الناسخ لجميع الأديان دِيناً تميز وجاز ان يكون مفعولا ليبتغ وغير الإسلام حالا منه مقدما عليه لتنكيره فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ لانه غيرما امر الله به وارتضاه وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (85) لانه معرض عن الإسلام وطالب لغيره فهو فاقد للنفع واقع فى الخسران بابطال الفطرة السليمة قال

_ (1) اخرج البيهقي فى الدعوات عن ابن عباس إذا استصعب دابة أحدكم او كان سموسا فليقرأ هذه الاية فى أذنيها أفغير دين الله يبغون الاية- منه رحمه الله

[سورة آل عمران (3) : آية 86]

البغوي نزلت هذه الاية وما بعدها فى اثنى عشر رجلا ارتدوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة وأتوا مكة كفارا منهم الحارث بن سويد الأنصاري. كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ الى الجنة والثواب استفهام للانكار يعنى لا يهدى الله واستبعاد لهم عن الهداية قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ كما فعل هؤلاء الرجال اثنى عشر وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ عطف على ما فى ايمانهم من معنى الفعل يعنى بعد ان أمنوا وشهدوا- ولك ان تجعل الفعل بمعنى المصدر كما فى قوله تسمع بالمعيدي خير من ان تراه يعنى بعد ايمانهم وشهادتهم وان تقدر زمانا مضافا الى الفعل يعنى بعد ايمانهم وزمان شهدوا- وجاز ان يكون معطوفا على كفروا لان العطف بالواو لا يقتضى الترتيب- وجاز ان يكون الجملة حالا بإضمار قد- وفيه دليل على ان الإقرار باللسان خارج عن حقيقة الايمان وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ اى الدلائل الواضحة كالقران وسائر المعجزات وَاللَّهُ لا يَهْدِي طريق الجنة الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) اى الكافرين. أُولئِكَ مبتدا جَزاؤُهُمْ بدل اشتمال من المبتدا او مبتدا ثان وما بعده خبره والمجموع خبر المبتدا أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ اى غضبه المستلزم لبعده من رحمته وَالْمَلائِكَةِ اى الدعاء منهم بالبعد من الرحمة وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) المراد به المؤمنون منهم او المراد مؤمنهم وكافرهم أجمعين فان الكفار ايضا يلعنون منكرى الحق وان كانوا لا يعرفون الحق بعينه او هم يلعن بعضهم بعضا يوم القيامة قال الله تعالى يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا. خالِدِينَ فِيها اى فى اللعنة او فى النار وان لم يجر ذكرها لدلالة الكلام عليها حال من الضمير فى عليهم لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) اى يمهلون. إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ الارتداد وَأَصْلَحُوا عطف تفسيرى على تابوا اى صاروا صالحين اى مسلمين او أصلحوا ايمانهم وأنفسهم إذ أصلحوا ما أفسدوا فى الأرض فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ يقبل توبتهم ويغفر ما فرطوا فى حقوق الله تعالى رَحِيمٌ (89) بهم يدخلهم الجنة- روى النسائي وابن حيان والحاكم عن ابن عباس قال كان رجل من الأنصار اسلم ثم ارتد ثم ندم فارسل الى قومه ان أرسلوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لى توبة ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 90]

فنزلت قوله تعالى كيف يهدى الى قوله فانّ الله غفور رحيم فارسل اليه قومه فاسلم- واخرج ابن المنذر فى مسنده وعبد الرزاق عن مجاهد قال جاء الحارث بن سويد فاسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم كفر فرجع الى قومه فانزل الله فيه القران كيف يهدى الله قوما كفروا الى قوله رحيم فحملها اليه رجل من قومه فقراها عليه فقال الحارث انك والله ما علمت لصدوق وان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صدق منك وان الله لا صدق الثلاثة فرجع فاسلم فحسن إسلامه-. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً قال قتادة والحسن نزلت فى اليهود كفروا بعيسى عليه السلام والإنجيل بعد ايمانهم بموسى والتورية ثمّ ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقران- وقال ابو العالية نزلت فى اليهود والنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم لما رواه بعد ايمانهم بنعته وصفته فى كتبهم ثمّ ازدادوا كفرا اى ذنوبا فى حال كفرهم- وقال مجاهد نزلت فى الكفار أجمعين أشركوا بعد إقرارهم بان الله تعالى خالقهم ثمّ ازدادوا كفرا اى أقاموا على كفرهم حتى هلكوا عليه وقال الحسن كلما نزلت اية كفروا به فازدادوا كفرا- وقال الكلبي نزلت فى اصحاب الحارث بن سويد لما رجع الحارث الى الإسلام اقام بقيتهم على الكفر بمكة- وقال بعض الأفاضل المراد بالّذين كفروا ثمّ ازدادوا كفرا المنافقون فان كفرهم زائد على كفر المجاهدين بالكفر لانهم احتملوا مشقة إخفاء الكفر ومشقة الصلاة والصوم مع كمال كراهتهم وهذا نهاية محبة الكفر لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ان كان المراد بالّذين كفروا ما قالوا صاحب الأقوال المتقدمة فمعناه لن تقبل توبتهم من الذنوب ما داموا على الكفر لكن توبتهم من الكفر مقبولة ما لم يغر غرفانه لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فمن دخل من اصحاب الحارث بن سويد فى الإسلام قبلت توبته وان كان المراد به المنافقون على ما قال بعض الأفاضل فمعناه لن تقبل توبتهم باللسان مع إصرارهم على الكفر بالجنان وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) عن سبيل الحق. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَلم يتوبوا من الكفر حتى ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ يوم القيامة- ادخل الفاء فى خبر ان شبه الذين بالشرط وإيذانا بكون الموت على الكفر سببا لعدم القبول مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ اى قدر ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 92]

ما يملؤها ذَهَباً منصوب على التميز يعنى لن يقبل منه ملء الأرض ذهبا فرضنا انه تصدق به فى الدنيا وعدم قبول ما دونها يعلم منه بالطريق الاولى فان الايمان شرط لقبول الصدقات والعبادات بل العبادة لا يكون عبادة الا بالنية المترتبة على الايمان والإخلاص وَلَوِ افْتَدى بِهِ اى يملا الأرض ذهبا فى الاخرة فرضا لا يقبل منه ايضا وجاز ان يكون معناه لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا يفتدى به من عذاب يوم القيامة ولو افتدى بمثله معه كقوله تعالى ولو انّ للّذين ظلموا ما فى الأرض جميعا ومثله معه- والمثل يحذف ويراد كثير الان المثلين فى حكم شىء واحد- وقيل الواو فى ولو افتدى به زائدة مقحمة والمعنى لا يقبل منه ملء الأرض ذهبا لو افتدى به وكون لو هاهنا للوصل لا يستقيم لانه يقتضى كون نقيض الشرط اولى بالجزاء فيكون تقديره لن يقبل من أحدهم ملء الأرض لو لم يفتد به ولو افتدى به كما فى قوله تعالى يكاد زيتها يضىء ولو لم تمسسه نار يعنى يضىء لو مسه النار ولو لم تمسسه وقد يوجه بان المراد من قوله لا يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا لا يقبل منه فدية أصلا لان غاية ان يفتدى ملء الأرض ذهبا وذلك لا يقبل منه فكيف ما هو اقل منه فالمعنى لا يقبل منه فدية أصلا لو لم يفتد بملا الأرض بل باقل منه ولو افتدى به أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ مبالغة فى التحذير واقناط لان من لا يقبل منه الفداء قلّما يعفى تكرما وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (91) فى دفع العذاب ومن مزيدة للاستغراق عن انس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى لاهون اهل النار عذابا يوم القيامة لو ان لك ما فى الأرض من شىء أكنت تفتدى به فيقول نعم فيقول أردت منك أهون من هذا وأنت فى صلب آدم ان لا تشرك بي شيئا فابيت الا ان تشرك بي- متفق عليه. لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ فى القاموس البر الصلة والجنة والخير والاتساع فى الإحسان والصدق والطاعة- قلت البر المضاف الى العبد الطاعة والصدق والاتساع فى الإحسان وضده الفجور والعقوق والبر المضاف الى الله الرضاء والرحمة والجنة وضده الغضب ... ...

والعذاب فقال ابن مسعود وابن عباس ومجاهد المراد هاهنا الجنة وقال مقاتل بن حبان التقوى وقيل الطاعة وقيل الخير وقال الحسن لن تكونوا أبرارا يعنى كثير الخير والمتسع فى الإحسان والطاعة- قال البيضاوي لن تبلغوا حقيقة البر الذي هو كمال الخير او لن تنالوا بر الله الذي هو الرحمة والرضاء والجنة- فاللام على الاول للجنس وعلى الثاني للعهد- عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليكم بالصدق فان الصدق يهدى الى البر والبر يهدى الى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإياكم والكذب فان الكذب يهدى الى الفجور والفجور يهدى الى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا رواه مسلم واحمد والترمذي- وعن ابى بكر الصديق مرفوعا عليكم بالصدق فانه مع البر وهما فى الجنة وإياكم والكذب فانه مع الفجور وهما فى النار الحديث رواه احمد وابن ماجة والبخاري فى الأدب حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ 5 كلمة من للتبعيض والمراد بما تحبون اصناف المال كلها فان الناس يحبونها ويؤثرونها ويميل اليه القلوب فمن لم ينفق شيئا من الأموال حتى الزكوة المفروضة ما نال البر بل كان فاجرا- فبهذه الاية ثبت فرضية انفاق البعض من كل صنف من المال وثبت انه من كان عنده مال طيب ومال خبيث لا يجوز له الانفاق من الخبيث بدلا من الطيب نظيره قوله تعالى يايّها الّذين أمنوا أنفقوا من طيّبت ما كسبتم وممّا أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمّموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه الّا ان تغمضوا فيه والقدر القليل جدا لا يجزى عن الواجب اجماعا ولان عنوان الاحبية لا يقتضى ذلك- فالاية مجملة فى مقدار الواجب من كل مال والتحق الأحاديث الواردة فى مقادير الزكوة بيانا لها بقي الكلام فى ان الاية تدل على وجوب الزكوة فى كل مال ناميا كان او لا بالغا قدر النصاب او لا فاضلا عن الحاجة الاصلية او لا حال عليه الحول او لا لكن ثبت بالآيات والأحاديث (مثل قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ- وقوله عليه الصلاة والسلام ليس فى العوامل ولا الحوامل ولا العلوفة صدقة- وقوله عليه الصلاة والسلام فى جواب من قال هل علىّ غيرها قال «1» لا الا ان تطوع وقوله عليه الصلاة

_ (1) فى الأصل لا بغير قال-

والسلام لا صدقة الا عن ظهر غنى وغير ذلك-) انه لا زكوة الّا فى السوائم او النقدين او عروض التجارة إذا بلغت نصابا وحال عليه الحول والا فى الزرع والثمار وانعقد عليه الإجماع- فقلنا ان هذه الاية مخصوصة بالبعض- فالمراد بالآية الزكوة كذا روى الضحاك عن ابن عباس وقال مجاهد والكلبي هذه الاية نسختها اية الزكوة وليس هذا القول بشىء لجواز حملها على الزكوة كما سمعت فكيف يجوز القول بالنسخ- ولو كان المراد هاهنا وجوب الانفاق من أحب الأموال كما قيل فذلك لا يقتضى عدم الوجوب فى غير ذلك الأموال ولا على وجوب مقدار سوى مقدار الزكوة فكيف يتصور النسخ على ان هذه الاية مدنية وآيات الزكوة مكيات والله اعلم وفى تعبير الأموال بما تحبون اشارة الى ان كلما كان من الأموال أحب كان إنفاقه فى سبيل أفضل وبدلالة النص يثبت ان الواجب وان كان انفاق البعض لكن من أنفق كل ما هو أحب اليه من الأموال كان ابر الناس وأطوع والله اعلم- وقال الحسن كل انفاق يبتغى به المسلم وجه الله تعالى حتى التمرة ينال به هذا البر ومقتضى قول الحسن ان الانفاق هاهنا يشتمل الانفاق الواجب والمستحب غير ان نفى البر واطلاق الفجور لا يجوز الا عند فقد الانفاق مطلقا حتى الزكوة المفروضة- وقال عطاء لن تنالوا البر يعنى شرف الدين والتقوى حتى تنتصدقوا وأنتم أصحاء أشحاء عن انس بن مالك قال كان ابو طلحة اكثر الأنصار بالمدينة مالا وكان أحب أمواله اليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب قال انس فلما نزلت لن تنالوا البرّ حتّى تنفقوا ممّا تحبّون قام ابو طلحة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ان الله تعالى يقول فى كتابه لن تنالوا البرّ حتّى تنفقوا ممّا تحبّون وان أحب أموالي الىّ بيرحاء وانها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث شئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بخ ذلك مال رابح وقد سمعت ما قلت فيها انى ارى ان تجعلها فى الأقربين فقال ابو طلحة افعل يا رسول الله فقسمها ابو طلحة فى أقاربه وبنى عمه- متفق عليه وجاء زيد بن الحارثة بفرس كان يحبه فقال هذا فى سبيل الله فحمل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم اسامة بن زيد فقال زيد انما أردت ان أتصدق به فقال ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 93]

صلى الله عليه وسلم ان الله قد قبله منك أخرجه ابن المنذر عن محمد بن المنكدر مرسلا وفيه ان الفرس يقال له سبيل- ورواه ابن جرير عن عمر بن دينار مرسلا وعن ابى أيوب السجستاني معضلا قال البغوي روى عن مجاهد قال كتب عمر بن الخطاب رضى الله عنه الى ابى موسى الأشعري ان يبتاع له جارية من سبى جلولا يوم فتحت فدعا بها فاعجبته فقال ان الله عز وجل يقول لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ فاعتقها عمر- وعن حمزة بن عبد الله بن عمر قال خطرت على قلب عبد الله بن عمر هذه الاية لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قال ابن عمر فذكرت ما أعطاني الله عز وجل فما كان اعجب حينئذ شىء الىّ من فلانة هى حرة لوجه الله تعالى وقال لولا انى أعود فى شىء جعلته لله لنكحتها هذه الأحاديث والآثار تدل على ان الانفاق كما يطلق على التصدق يطلق على الاعادة والاقراض والاعتاق ونحو ذلك مما يبتغى به وجه الله ايضا وعلى ان الأفضل الانفاق على اقرب الأقارب وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ محبوب او غيره ومن لبيان ما فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) يعنى ان الله يجازيه على حسب العمل والنية ذكر السبب اعنى العلم موضع المسبب اعنى الجزاء او الثواب للدلالة على ان علم الكريم بإحسان عبده موجب للجزاء والثواب لا محالة وفيه غاية المبالغة فى علمه تعالى حيث لم يقل وما أنفقتم بصيغة الماضي وذكر صيغة المستقبل للدلالة على انه تعالى عالم به قبل إنفاقه صغيرا كان الانفاق او كبيرا- وفيه اشارة الى انه تعالى غنى عن إبداء الانفاق وتحريض على الإخفاء- قال البغوي قالت اليهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم انك تزعم انك على ملة ابراهيم وكان ابراهيم لا يأكل لحوم الإبل وألبانها وأنت تأكلها فلست أنت على ملته فقال النبي صلى الله عليه وسلم كان ذلك حلالا لابراهيم فقالوا كلّ ما نحرّمه اليوم كان ذلك حراما على نوح وابراهيم حتى انتهى إلينا وكانوا ينكرون نسخ الاحكام فانزل الله تعالى. لتكذيبهم كُلُّ الطَّعامِ مصدر بمعنى المفعول معناه تناول الغذاء والمراد هاهنا الغذاء واللام للعهد يعنى كل مطعوم من الطيبات التي حرم فى التورية بظلم من الذين هادوا فلا يشتمل ذلك الميتة والدم ولحم الخنزير وغير ذلك من الخبائث كالسباع ونحوها كانَ حِلًّا مصدر يقال حل الشيء حلّا نعت به فيستوى فيه المذكر والمؤنث والجمع والواحد ... ...

قال الله تعالى لاهنّ حلّ لهم يعنى كان ذلك المطعومات حلالا لِبَنِي إِسْرائِيلَ اى لاولاد يعقوب كما كان حلالا على يعقوب وأبويه ابراهيم وإسحاق إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ يعنى يعقوب عَلى نَفْسِهِ وهى لحوم الإبل وألبانها وذلك لانه كان به عرق النساء فنذر ان شفى الله له لم يأكل أحب الطعام اليه وكان ذلك أحبه اليه أخرجه احمد والحاكم وغيرهما عن ابن عباس مرفوعا بسند صحيح- وكذا ذكر البغوي عن ابى العالية وعطاء ومقاتل والكلبي وذكر البغوي رواية جويبر عن ابن عباس انه لما أصاب يعقوب عرق النساء وصف له الأطباء ان يجتنب لحمان الإبل فحرمها يعقوب على نفسه وقال البغوي قال الحسن حرم إسرائيل على نفسه لحم الجزور تعبد الله عز وجل فسال ربه ان يجيز ذلك له فحرمه الله على ولده وقال عطية انما كان ذلك محرما عليهم بتحريم إسرائيل فانه كان قد قال ان عافانى الله لم يأكله ولد لى ولم يكن محرما عليهم من الله تعالى مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ الظرف لا يجوز ان يتعلق بحرم إسرائيل كما هو الظاهر إذ لا فائدة حينئذ فى التقييد فان تحريم إسرائيل لا يتصور بعد نزول التورية ولو جعل متعلقا بكان حلا لزم قصر الصفة قبل تمامها فهو متعلق بمحذوف دل عليه ما سبق وهو كانه فى جواب متى كان حلّا وتقديره كان حلّا من قبل ان تنزّل التّورية فلما نزّل التورية حرم عليهم الطيبات بظلمهم قال الله تعالى فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وقال وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وقال الكلبي كانت بنوا إسرائيل إذا أصابوا ذنبا عظيما حرم الله عليهم طعاما طيبا اوصب عليهم رجزا وهو الموت- وقال الضحاك لم يكن شىء من ذلك حراما عليهم ولا حرمه الله فى التورية وانما حرموه على أنفسهم اتباعا لابيهم ثم أضافوا تحريمه الى الله عز وجل فكذبهم الله- وهذا ليس بشىء حيث قال الله تعالى حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وقال حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما لما فى الصحيحين انه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا ثمنها قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 94]

إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (93) امر الله سبحانه رسوله بمحاجتهم بكتابه وتبكيتهم بما فيه من انه قد حرم عليهم بظلمهم ما لم يكن محرما قبل ذلك فبهتوا ولم يأتوا بالتورية- وفيه دليل على نبوته صلى الله عليه وسلم وكونه على ملة ابراهيم عليه السلام ورد على اليهود فى منع النسخ. فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وقال ان الله حرم ذلك على نوح وابراهيم مِنْ بَعْدِ ذلِكَ اى من بعد لزوم الحجة عليهم بالتورية فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ الذين يكابرون الحق بعد الوضوح-. قُلْ يا محمد صَدَقَ اللَّهُ فى قوله انّ اولى النّاس بإبراهيم للّذين اتّبعوه وهذا النّبىّ والّذين أمنوا وكذب اليهود والنصارى فى ادعائهم انهم على دين ابراهيم وانه كان هودا او نصارى فَاتَّبِعُوا يا هؤلاء الذين يبتغون دين ابراهيم مِلَّةَ إِبْراهِيمَ يعنى الإسلام دين محمد وأمته فانه هو ملة ابراهيم اما بناء لكمال مشابهته به او لانه هو ملته فى زمنه- ولم يقل فاتّبعوا ابراهيم لان الواجب اتباع هذا الدين من حيث انه يتبع محمدا صلى الله عليه وسلم لا من حيث انه يتبع ابراهيم إذ لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم مثل أنبياء بنى إسرائيل الذين بعثوا لتبليغ شريعة موسى عليه السلام- والملة كالدين اسم لما شرع الله لعباده على لسان الأنبياء ليتوصلوا بها الى مدارج القرب وصلاح الدارين والفرق بينه وبين الدين ان الملة لا يضاف الا الى النبي الذي يسند اليه ولا يضاف الى الله ولا الى احاد الامة ولا يستعمل الا فى جملة الشرائع دون احاده فلا يقال ملة الله ولا ملتى ولا ملة زيد ولا يقال للصلوة ملة الله كما يقال دين الله- واصل الملة من أمللت الكتاب كذا فى الصحاح حَنِيفاً حال من ابراهيم اى مائلا من الأديان الباطلة الى الدين الحق- والاولى ان يقال مائلا من الافراط والتفريط الى الاعتدال فانه كان فى دين اليهود الافراط والشدة وفى دين النصارى التفريط وَما كانَ ابراهيم مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) تعريض على اليهود والنصارى فانهم كانوا يشركون ومع ذلك كانوا يدعون انهم على دين ابراهيم قال البغوي قالت اليهود للمسلمين بيت المقدس قبلتنا أفضل من الكعبة واقدم وهو مهاجر الأنبياء وقال المسلمون بل الكعبة أفضل فانزل الله تعالى. إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ ... ...

وُضِعَ لِلنَّاسِ اى وضعه الله تعالى لهم قبلة- وقيل وضع للناس يحج اليه- وقال الحسن والكلبي معناه ان أول مسجد ومعبد «1» وضع للناس يعبد الله فيه كما قال الله تعالى فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ يعنى المساجد لَلَّذِي اى للبيت الذي بِبَكَّةَ قيل هى مكة نفسها والعرب يعاقب بين الباء والميم يقال نميط ونبيط ولازم ولازب وراتب وراتم وقيل بكة بالباء موضع البيت او هو مع المطاف ومكة بالميم اسم البلد سميت بكة لان الناس يتباكون فيها اى يزدحمون- وقال عبد الله بن زبير لانها تبك أعناق الجبابرة اى يدقها فلم يقصده جبار بسوء الا قصمه الله كاصحاب الفيل واما مكة سميت بها لقلة الماء واختلف العلماء فى معنى أوليته فقال ابن عمرو مجاهد وقتادة والسدى هو أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق السماء والأرض خلقه الله قبل الأرض بألفي عام وكانت زبدة بيضاء على الماء فدحيت الأرض من تحته- وقيل هو أول بيت بنى فى الأرض روى عن على بن الحسين عليه وعلى ابائه السلام ان الله وضع تحت العرش بيتا وهو البيت المعمور فامر الملائكة ان يطوفوا به ثم امر الملائكة الذين هم سكان الأرض ان يبنوا فى الأرض بيتا على مثاله وقدره فبنوه وسموه الصراح وامر من فى الأرض ان يطوفوا به كما يطوف اهل السماء بالبيت المعمور وروى ان الملائكة بنوه قبل خلق آدم بألفي عام فكانوا يحجونه فلما حجه آدم قالت الملائكة برّ حجك حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام- ويروى عن ابن عباس قال أراد به انه أول بيت بناه آدم فى الأرض أخرجه الارزقى فى تاريخ مكة وفى الصحيحين عن ابى ذر قلت يا رسول الله اىّ مسجد وضع فى الأرض اولا قال المسجد الحرام قلت ثم اىّ قال المسجد الأقصى قلت كم كان بينهما قال أربعون سنة- ثم أينما أدركتك الصلاة فصلها فان الفضل فيه وقيل هو أول بيت بناه آدم فرفع زمن الطوفان- وقيل انطمس فى الطوفان ثم بناه ابراهيم قيل ثم هدم فبناه قوم من جرهم ثم العمالقة ثم قريش اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم والبيهقي انه لما بنى ابراهيم البيت بعد ما رفع زمن الطوفان بوّاه الله مكان البيت فبعث ريحا يقال لها ريح الخجوج لها جناحان ورأس فى صورة حية فكنست لها ما حول الكعبة عن أساس البيت الاول فبناه على الأساس القديم- وقيل المراد انه أول بالشرف دون الزمان

_ (1) فى الأصل متعبد-

[سورة آل عمران (3) : آية 97]

يروى ذلك عن على عليه السلام- قال الضحاك أول بيت وضعت فيه البركة حيث قال الله تعالى مُبارَكاً منصوب على الحال اى ذا بركة وكثرة فى الاجر والثواب فان بعض العبادات يختص به كالحج والهدايا والعمرة وما عداها من الصلاة والصوم والاعتكاف يكثر أجرها فيه من سائر الامكنة- ومن ثم قال ابو يوسف رحمه الله من نذر ان يصلى فى المسجد الحرام ركعتين لا يجزئ عنه ان يصلى فى غيره لحديث انس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوة الرجل فى بيته بصلوة وصلاته فى مسجد «1» القبائل بخمس وعشرين صلوة وصلاته فى المسجد الذي يجمع فيه بخمس مائة صلوة وصلاته فى المسجد الأقصى بألف صلوة وصلاته فى مسجدى بخمسين الف صلوة وصلاته فى المسجد الحرام بمائة الف صلوة- رواه ابن ماجة- وروى الطحاوي عن عطاء بن الزبير قال صلوة فى مسجدى هذا أفضل من الف صلوة فيما سواه من المساجد الا المسجد الحرام وصلوة فى المسجد الحرام أفضل من مائة صلوة فى هذا- وروى عن عبد الله بن الزبير عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه مثله ولم يرفعه- وروى نحوه عن جابر بن عبد الله مرفوعا- وروى ابن الجوزي عن جابر مرفوعا بلفظ وصلوة فى المسجد الحرام أفضل من مائة الف صلوة لكن ابو حنيفة ومحمد رحمهما الله يقولان هذا لفضل محمول على الصلوات المكتوبات خاصة دون النوافل لحديث زيد بن ثابت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة صلوة المرء فى بيته الا المكتوبة متفق عليه- قلت والاعتكاف فى حكم الصلوات المكتوبات لانه تربص فى المسجد لانتظار الصلوات المكتوبات فكانه فيها- وروى ابن الجوزي فى فضائل مكة عن عبد الله بن عدى بن الحمراء انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو واقف بالحرورة فى سوق مكة والله انك لخير ارض الله وأحب ارض الله الى الله عز وجل ولولا انى أخرجت منك ما خرجت وكذا روى ابن الجوزي من حديث ابى هريرة مرفوعا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (92) لانه قبلتهم وفيه آيات عجيبة تهدى الى الايمان بالله ورسوله عطف على مبركا-. فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ منها ان الطير تطير فلا تعلوا فوقه- ومنها ان الجارحة تقصد صيدا خارج الحرم فاذا دخلت الصيد فى الحرم كفت عنه ومنها مَقامُ إِبْراهِيمَ

_ (1) فى الأصل فى المسجد القبائل

مبتدا محذوف خبره او بدل من آيات بدل البعض من الكل وهو الحجر الذي قام عليه ابراهيم لبناء البيت حين ارتفع البناء وكان فيه اثر قدميه فاندرس من كثرة المسح بالأيدي فاثر الصخرة الصماء وغوصهما فيها الى الكعبين- وتخصيصها بهذه الاية «1» من بين الصخار وبقاؤه دون اثار سائر الأنبياء وحفظه مع كثرة أعدائه ألوف سنة كل ذلك اية- ومن ثم قيل ان مقام ابراهيم عطف بيان للايات وقيل أراد بمقام ابراهيم جميع الحرم وَمَنْ دَخَلَهُ اى الحرم كانَ آمِناً من القتل والنهب جملة ابتدائية او شرطية معطوفة من حيث المعنى على مقام ابراهيم يعنى آيات بينات منها مقام ابراهيم ومنها الامن لمن دخل الحرم فان العرب فى الجاهلية كانت تقتل بعضهم بعضا وتغير بعضهم على بعض ومن دخل الحرم لا يتعرضونه كذا قال الحسن وقتادة واكثر المفسرين نظيره قوله تعالى أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ- وقال ابو حنيفة رحمه الله معناه من دخله كان أمنا لا يجوز قتله- فمن وجب عليه القتل «2» قصاصا او حدا خارج الحرم فالتجا الى الحرم لا يستوفى منه لكنه لا يطعم ولا يبائع ولا يشارى حتى يخرج فيقتل كذا قال ابن عباس وقال الشافعي وغيره يستوفى منه القصاص وان دخل فيه واما إذا ارتكب الجريمة فى الحرم يستوفى منه عقوبته اتفاقا ومر فى تفسير قوله تعالى وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ انه لا يجوز فى الحرم البداية فى القتال مع الكفار ايضا فلو غلب الكافرون ودخلوا الحرم والعياذ بالله أخرجهم بالأيدي او ضربهم بالسياط ونحوها او حاصرهم وحبس عنهم الطعام والشراب حتى يخرجوا عن الحرم فيقاتلهم او يبتدءون بالقتال فيقاتلهم ثمه- فهذه الاية خبر بمعنى الأمر يعنى من دخله فامّنوه كقوله تعالى فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ يعنى لا ترفثوا ولا تفسقوا- وقيل معناه من دخله معظما له متقربا الى الله عز وجل كان أمنا يوم القيامة من العذاب- اخرج ابو داود الطيالسي فى مسنده والبيهقي فى شعب الايمان من حديث انس والطبراني فى الكبير والبيهقي فى الشعب من حديث سلمان والطبراني فى الأوسط من حديث جابر والدارقطني فى سننه من حديث حاطب انه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مات فى أحد الحرمين

_ (1) فى الأصل الا لاية (2) فى الأصل قتل-

بعث يوم القيامة أمنا من النار- واخرج الحارث بن ابى اسامة فى مسنده عن سالم بن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابعث يوم القيامة بين ابى بكر وعمر ثم اذهب الى اهل بقيع الغرقد فيبعثون معى ثم انظر الى اهل مكة حتى يأتونى فابعث بين اهل الحرمين- واخرج ابو نعيم فى دلائل النبوة عن سالم عن أبيه موصولا واخرج الخطيب عن ملك عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم احشر يوم القيامة بين ابى بكر وعمر حتى اقف بين الحرمين فيأتى اهل المدينة واهل مكة وَلِلَّهِ اى استقر له وافترض عَلَى النَّاسِ المراد بالناس الأحرار العقلاء البالغون فلا يجب الحج على المجانين والصبيان لعدم اهليتهم للخطاب ولا على العبيد بالإجماع فلو حج الكافر او الصبى العاقل او العبد ثم اسلم الكافر وبلغ الصبى وأعتق العبد يجب عليه حجة الإسلام ثانيا بالإجماع وسند الإجماع حديث ابن عباس ايّما صبى حج ثم بلغ الحنث فعليه ان يحج حجة اخرى وأيما أعرابيّ حج ثم هاجر فعليه ان يحج حجة اخرى وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة اخرى رواه الحاكم والمراد بالأعرابي الذي لم يهاجر من لم يسلم فان مشركى العرب كانوا يحجون قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ورواه ابن ابى شيبة فذكر نحوه وروى ابو داود مرسلا عن محمد بن كعب القرظي وفى الباب عن جابر وسنده ضعيف وهذه الأحاديث تلقته الامة بالقبول وانعقد على مقتضاه الإجماع فجاز به تخصيص الكتاب حِجُّ الْبَيْتِ قرا ابو جعفر وحمزة وخلف- ابو محمد والكسائي وحفص بكسر حاء حجّ البيت فى هذا الحرف خاصة والباقون بالفتح والكسر لغة نجد والفتح لغة اهل الحجاز وهما لغتان فصيحتان ومعناهما واحد وفى المدارك ان بالكسر اسم وبالفتح مصدر- والحج فى اللغة القصد والمراد هاهنا عبادة مخصوصة فيها إجمال التحق بيانه بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالآيات مثل قوله تعالى ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وقوله تعالى وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ونحو ذلك (مسئلة) اجمع الامة على ان الحج أحد اركان الإسلام فرض على الأعيان عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى الإسلام على خمس شهادة ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله واقام الصلاة وإيتاء الزكوة والحج وصوم رمضان متفق عليه وفى الباب أحاديث كثيرة «1» مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ اى الى البيت سَبِيلًا الموصول بدل من الناس

_ (1) عن عمرانه قال لو ترك الناس الحج لقاتلتهم عليه كما نقاتلهم على الصلاة- الزكوة- منه رحمه الله

بدل البعض خصص له فلا يجب الحج على غير المستطيع والسبيل الطريق منصوب على المفعولية واليه حال منه مقدم عليه والمراد به الذهاب على طريقة جرى النهر يعنى من استطاع ذهابا الى البيت ولاجل قصر الحكم على المستطيع اجمع العلماء على انه يشترط لوجوب الحج ان يكون الطريق أمنا والمنازل الماهولة معمورة يوجد فيه الزاد والماء وعند فوات الا من لا يجب الحج وكون البحر «1» بينه وبين مكة إذا كانت السلامة غالبة لا يمنع وجوب الحج عندهم خلافا لاحد قول الشافعي وكذلك يشترط عند ابى حنيفة ومالك الصحة فلا يجب عندهما على الضعيف والزمن وان كان له مال يمكن ان يستنيب من يحج عنه لانه غير مستطيع بنفسه والحج عبادة بدنية والمقصود من العبادات البدنية اتعاب النفس فلا يحصل مقصوده بالاستنابة وقال الشافعي واحمد هو مستطيع بماله قال البغوي يقال فى العرف فلان مستطيع لبناء داروان كان لا يفعله بنفسه وانما يفعله بماله وباعوانه- قلنا هو غير مستطيع على الحج الذي هو عبارة عن اركان مخصوصة وانما هو مستطيع على الانفاق والمقصود فى البناء ليس إتيانه بنفسه بخلاف العبادات البدنية فلا يجرى فيه ذلك العرف واحتج الشافعي واحمد بحديث ابن عباس رضى الله عنهما قال كان الفضل ردف النبي صلى الله عليه وسلم فجاءت امراة من خثعم فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر اليه وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل الى الشق الاخر فقالت يا رسول الله ان فريضة الله على عباده فى الحج أدركت ابى شيخا كبيرا لا يستطيع ان يمسك على الرحل أفأحج عنه قال نعم وفى رواية لا يستطيع ان يستوى على الراحلة فهل تقضى عنه ان أحج عنه قال نعم وذلك فى حجة الوداع- متفق عليه والجواب انه حديث احاد لا يجوز به نسخ الكتاب المقتضى لاشتراط الاستطاعة وقد قيل فى الجواب ان معناه فريضة الله على عباده فى الحج الذي وقع بشرط الاستطاعة صادف ابى بصفة عدم الاستطاعة افاحج عنه اى هل يجوز لى ذلك او هل فيه اجر ومنفعة له فقال نعم وتعقب بان فى بعض ألفاظه والحج مكتوب عليه ونحوه وأجيب بانه لو صح تلك الألفاظ فهو ظن من امراة ظنت ظنا وتعقب بان النبي صلى الله عليه وسلم أجابها عن سوالها ولو كان ظنها

_ (1) وفى فتاوى قاضيخان مذهب ابى حنيفة انه لو كان بينه وبين مكة بحر فهو مخوف الطريق يعنى لا يفترض عليه الحج وجيحون وسيحون والدجلة والفرات انهار وليست ببحار- منه رحمه الله

غلطا لبينه لها وأجيب بانه انما أجابها عن سوالها افاحج عنه فقال حجى عنه لما راى من حرصها على إيصال الخير والثواب لابيها ويؤيده ما رواه عبد الرزاق من حديث ابن عباس فزاد فى الحديث حجى عن أبيك فان لم تزده خيرا لم تزده شرا- لكن جزم الحفاظ بانها رواية شاذة والاولى ان يحمل الحديث على من استقر فى ذمته صحيحا ثم طرا عليه ضعف وزمانة فانه لا يسقط عنه الحج بل يجب عليه ان يحج عنه غيره من ماله ما دام حيّا او يوصى به عند موته وإذا مات ولم يحج يحج عنه وارثه او يحج عنه أجنبيا من ماله ان شاء فالحج عن الغير قضاء بمثل غير معقول ثبت بهذا الحديث كما ثبت الفدية عن الصوم فى حق الشيخ الفاني بنص الكتاب- وافتراض الحج كان عام الحديبة سنه بقوله تعالى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ وهذه قصة حجة الوداع فلعل أباه ضعف فى تلك السنين بعد الوجوب والله اعلم وكذا يشترط البصارة عند ابى حنيفة فلا يجب الحج على الأعمى وان وجد قائدا لأنه غير مستطيع بنفسه والاستطاعة بالغير غير معتبر عنده وقال ابو يوسف ومحمد والجمهور الأعمى إذا وجد قائدا يجب عليه الحج وكذا الخلاف فى وجوب الجمعة على الأعمى ولاجل اشتراط الاستطاعة يشترط عند ابى حنيفة فى حق المرأة ان يكون معها زوجها او ذو محرم منها إذا كان بينها وبين مكة ثلاثة مراحل وقال احمد يشترط ذلك مطلقا طال المسافة او قصرت فان لم يكن لها رجل كذلك او كان ولا يخرج معها او كان لا يخرج معها الا بأجرة وهى لا تقدر على الاجرة لا يجب عليها الحج وذلك لانها ممنوعة عن السفر الا ومعها زوجها او ذو محرم منها والمهجور شرعا كالمهجور عادة فصارت غير مستطيعة- وجه قول ابى حنيفة فى اشتراط مسافة ثلاثة ايام حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تسافر المرأة ثلاثا الا معها ذو محرم- متفق عليه وفى رواية لمسلم لا يحل لامراة تؤمن بالله واليوم الاخر تسافر مسيرة ثلاث «1» ليال الا ومعها ذو محرم- وفى رواية فوق ثلاث وفى الباب مقيدا بثلاثة ايام حديث ابى هريرة رواه مسلم والطحاوي- وفى رواية للطحاوى فوق ثلاث ليال- وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ ثلاثة ايام رواه الطحاوي- وحديث ابى سعيد الخدري رواه مسلم والطحاوي بلفظ ثلاثة ايام فصاعدا- وفى رواية لمسلم بلفظ فوق ثلاث وبلفظ اكثر من ثلاث- وقال احمد التقييد بالثلاث او اكثر من

_ (1) فى الأصل ثلاثة

الثلاث اتفاقي مع ان المفهوم غير معتبر عند ابى حنيفة فكيف يستدل به على اباحة السفر فيما دون ذلك ولو كان احترازيا لتعارض رواية ثلاث برواية فوق ثلاث ووجه قول احمد فى المنع فى ما دون الثلاث انه وقع فى الصحيحين حديث ابى هريرة بلفظ مسيرة يوم وليلة وفى رواية لمسلم مسيرة يوم وفى لفظ له مسيرة ليلة وفى حديث ابى سعيد الخدري عند مسلم وغيره مسيرة يومين وعند الطحاوي مسيرة ليلتين وفى حديث ابى هريرة عند ابى داود والطحاوي لا تسافر المرأة بريدا الا مع زوج او ذى رحم محرم ورواه ابن حبان فى صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم- وللطبرانى فى معجمه ثلاثة أميال فظهران التقييد بيوم او يومين او ثلاثة ايام ليس الا تمثيلا لاقل الاعداد واليوم الواحد أول العدد واقله والبريد مرحلة واحدة غالبا والاثنان أول الكثير واقله والثلاث أول الجمع واقله وقد ورد من الأحاديث بلا تقييد منها حديث ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسافر المرأة الا مع ذى محرم ولا يدخل عليها رجل الا ومعها محرم فقال رجل يا رسول الله انى أريد ان اخرج فى جيش كذا وكذا وامراتى تريد الحج قال اخرج معها- متفق عليه- وفى الباب حديث ابى سعيد الخدري وابى هريرة- وقال الشافعي جاز للمرءة ان تخرج للحج مع نساء ثقات وفى رواية مع امراة واحدة ثقة وإذا خرجت مع نساء ثقات يشترط ان يكون مع إحداهن ذو محرمها- وفى المنهاج انه لا يشترط ذلك وفى رواية عن الشافعي جاز لها الخروج من غير نساء وقال مالك لتخرج للحج جماعة من النساء ان كان الطريق أمنا والحجة عليهما ما روينا- والمراد بالاستطاعة الاستطاعة على سفر معتاد بحيث لا يلحقه حرج ومن ثم يشترط عند الجمهور ان يكون له زاد وراحلة فاضلا عما لا بد منه وعن الديون وعن نفقة عياله الى حين عوده فان المشغول بالحاجة الاصلية كالمعدوم ولذا لا يجب فيه الزكوة ومن لا زاد له اولا راحلة له لا يستطيع السفر غالبا والحرج مدفوع فى الشرع «1» وقال داود لا يشترط لوجوب الحج زاد ولا راحلة- وقال مالك ان كان هو ممن له عادة بالسؤال

_ (1) وان كان الا فاقى فقيرا وتبرع ولده بالزاد والراحلة لا يثبت بها الاستطاعة خلافا للشافعى وان كان المتبرع أجنبيا له فيه قولان وقيل فى الأجنبي لا يثبت الاستطاعة قولا واحدا وله فى الولد قولان- فتاوى قاضيخان- منه رحمه الله

او كان يمكنه ان يكتسب فى الطريق لا يشترط له الزاد وان كان قادرا على المشي لا يشترط له الراحلة وقد قال الله تعالى وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ قلنا الواقع فى جواب الأمر يكون اخبارا عن الواقع ولا يكون دليلا على وجوب الحج بلا راحلة والقدرة على المشي امر خفى وقد يزول القدرة فى أثناء الطريق فلا بد من اشتراط زاد وراحلة من ابتداء السفر كيلا يفضى الى الهلاك- واحكام الشرع عامة الا ترى انه يجوز للسلطان قصر الصلاة وإفطار الصوم فى مسافة السفر مع عدم المشقة ولا يجوز لمن يشق عليه الصوم فى ادنى من مسافة السفر- والحجة للجمهور حديث انس عن النبي صلى الله عليه وسلم فى قوله تعالى مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قيل يا رسول الله ما السبيل قال الزاد والراحلة «1» - رواه الدارقطني والبيهقي والحاكم وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين- ورواه الحاكم من طريق حماد بن سلمة وقال صحيح على شرط مسلم ورواه سعيد بن منصور فى سننه من طرق اخر صحيحة عن الحسن مرسلا- ورواه الشافعي والترمذي وابن ماجة والدارقطني من حديث ابن عمر قام رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما يوجب الحج قال الزاد والراحلة قال الترمذي حسن لكن فيه ابراهيم بن يزيد الجوزي المكي قال احمد والنسائي متروك الحديث ورواه ابن ماجة والدارقطني من حديث ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الزاد والراحلة- يعنى فى تفسير هذه الاية وسنده ضعيف ورواه الدارقطني من حديث جابر بن عبد الله ومن حديث على بن ابى طالب وابن مسعود وعائشة وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وطرقها كلها ضعيفة- ومن الحجة على وجوب التزود فى الحج قوله تعالى وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى - روى البخاري وغيره عن ابن عباس قال كان اهل اليمن يحجون فلا يتزودون ويقولون نحن متوكلون فاذا قدموا مكة سألوا الناس فانزل الله تعالى

_ (1) قال بعض العلماء ان كان الرجل تاجرا يعيش بالتجارة فملك مقدار ما لو رقع منه الزاد والراحلة لذهابه وإيابه ونفقة أولاده وعياله من وقت خروجه الى وقت رجوعه ويبقى له بعد رجوعه رأس مال التجارة التي كان يتجربها كان عليه الحج والا فلا- وان كان صاحب ضيعة ان كان له من الضياع ما لو باع مقدار ما يكفى الزاد والراحلة ذاهبا وجائيا ونفقة عياله وأولاده ويبقى له من الضيعة قدر ما يعيش بغلة الباقي يفترض عليه الحج والا فلا- وان كان حرّاثا أكارا فملك مالا يكفى الزاد والراحلة ذاهبا وجائيا ونفقة أولاده وعياله من خروجه الى رجوعه ويبقى له آلات الحراثين من البقر ونحو ذلك كان عليه الحج والا فلا- فتاوى قاضيخان منه رحمه الله-

وَتَزَوَّدُوا الاية- وَمَنْ كَفَرَ يعنى أنكر وجوب الحج كذا قال ابن عباس والحسن وعطاء- اخرج عبد بن حميد فى تفسيره عن نقيع قال قرا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الاية فقام رجل من هذيل فقال يا رسول الله فمن تركه فقد كفر قال من تركه لا يخاف عقوبته ولا يرجو ثوابه- نقيع تابعي فالحديث مرسل- وقال سعيد بن المسيب نزلت فى اليهود حيث قالوا الحج الى مكة غير واجب واخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن الضحاك مرسلا انه لما نزل صدر الاية جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ارباب الملل فخطبهم وقال ان الله كتب عليكم الحج فحجوا فامنت به ملة واحدة يعنى المسلمين وكفرت به خمس ملل يعنى المشركين واليهود والنصارى والصابئين والمجوس فنزل وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ- واخرج سعيد بن منصور عن عكرمة قال لما نزلت وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً الاية قالت اليهود فنحن مسلمون فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ان الله فرض على المسلمين حج البيت فقالوا لم يكتب علينا وأبوا ان يحجوا فانزل الله وَمَنْ كَفَرَ الاية- والظاهر انه وضع من كفر موضع من لم يحج تأكيدا لوجوبه وتغليظا على تاركه ومعنى كفر انه لم يشكر المنعم على صحة جسمه وسعة رزقه وهذان التأويلان جاريان فى حديث ابى امامة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال من لم تحبسه حاجة ظاهرة او مرض حابس او سلطان جائر ولم يحج فليمت ان شاء يهوديا وان شاء نصرانيا رواه البغوي والدارمي فى مسنده وأورده ابن الجوزي فى الموضوعات وتعقبه الحفاظ وحديث على عليه السلام من ملك زادا وراحلة يبلغه الى بيت الله ولم يحج فلا عليه ان يموت يهوديا او نصرانيا رواه الترمذي وضعفه فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (97) أكد الله سبحانه امر الحج فى هذه الاية بوجوه 1 بالدلالة على وجوبه بصيغة الخبر- 2 وابرازه فى صورة الاسمية- و 3 إيراده على وجه يفيد انه حق واجب لله فى رقاب الناس- 4 وتعميم الحكم اولا وتخصيصه ثانيا فانه كايضاح بعد إبهام وتكرير للمراد- 5 وتسمية ترك الحج كفرا من حيث انه فعل الكفرة- 6 وذكر الاستغناء فانه فى هذا الموضع يدل على المقت والخذلان- 7 ووضع المظهر بلفظ عام شامل لمرجع الضمير موضعه لما فيه من مبالغة التعميم والدلالة على الاستغناء عنه بالبرهان والاشعار بعظم السخط ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 98]

والله اعلم- واضافة الحج الى البيت يقتضى ان سبب وجوب الحج هو البيت ولذا لا يتكرر الحج فى العمر لعدم تكرر البيت- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج مرة فمن زاد فتطوع- رواه احمد والنسائي- والبيت عبارة عن لطيفة ربانية فى بعد موهوم مهبط لتجليات ذاتية مختصة به وليس اسما لسقف او جدارا وحجر او تراب الا ترى انه لو نقل الحجارة والتراب الى موضع اخر وترك ذلك المكان خاليا او بنى بناء اخر لا يجوز السجود الى موضع اخر بل الى تلك العرضة الشرقاء فصورة الكعبة مع كونها من عالم الخلق امر مبطن لا يدركه حس ولا خيال بل هو مع كونه من المحسوسات ليس بمحسوس وكونه فى جهة ليس له جهة متمثل ولا مثل له هذا شأن صورت الكعبة فما ادراك ما حقيقتها سبحان من جعل الممكن مراءة للوجوب- وجعل العدم مظهرا للوجوب والوجود- وفوق حقيقة الكعبة حقيقة القران وفوق ذلك حقيقة الصلاة وهناك ينتهى سير السالك بتوسط النبي صلى الله عليه وسلم وتحصل فى تلك المقامات الفناء والبقاء وفوق ذلك مقام المعبودية الصرفة لا مجال للسير هناك الا بالنظر قف يا محمد فان الله يصلى كناية عن ذلك المقام والله هو العلام. قُلْ يا محمد يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ السمعية والعقلية الدالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم فيما يدعيه من وجوب الحج وغيره وتخصيصهم بالخطاب لان كفرهم مع علمهم بالكتاب أقبح وَاللَّهُ شَهِيدٌ والحال انه مطلع عَلى ما تَعْمَلُونَ (90) من الكفر والتحريف فيجازيكم عليها ولا ينفعكم استسرار الحق. قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ تمنعون عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعنى عن الإسلام الذي هو الموصل اليه تعالى شأنه مَنْ آمَنَ يعنى أراد الايمان منصوب على المفعولية من تصدون يعنى تصدون عن الايمان من أراد ان يؤمن كرر الخطاب والاستفهام مبالغة فى التقريع ونفى العذر واشعارا بان كل واحد من الامرين مستقبح فى نفسه مستقل باستجلاب العذاب تَبْغُونَها اى السبل عِوَجاً اى معوجة مصدر بمعنى المفعول او المعنى تبغون لها عوجا اى اعوجاجا- وجملة تبغون حال من فاعل تصدون- وكانت اليهود يلبسون على الناس الحق بتحريف صفة النبي صلى الله عليه وسلم والقول بان دين موسى مؤبد- ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 100]

وبما يحرشون بين المؤمنين ليختلف كلمتهم ويأتون الأوس والخزرج ويذكّرونهم ما كان بينهم فى الجاهلية من العداوة وَأَنْتُمْ شُهَداءُ على ما تعملون او على ما فى التورية مكتوبا عندكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وان دين الله هو الإسلام وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) وتختانون فى صد المؤمنين عن الايمان اخرج ابن إسحاق وابو الشيخ وابن جرير عن زيد مرسلا وذكره البغوي انه مرّ شمّاس بن قيس اليهودي وكان شيخا عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين على نفر من الأوس والخزرج فى مجلس جمعهم يتحدثون فغاظه ما راى من ألفتهم وصلاح ذات بينهم فى الإسلام بعد ان كان بينهم فى الجاهلية من العداوة وقال ما اجتمع ملا بنى قيلة بهذه البلاد لا والله ما لنا معهم إذ اجتمعوا بها من قرار فامر شابّا من اليهود كان معه فقال اعمد إليهم واجلس معهم ثم ذكّرهم يوم بعاث وما كان قبله وانشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الاشعار وكان بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس مع الخزرج وكان الظفر فيه للاوس على الخزرج فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب أوس بن قبطى أحد بنى حارثة من الأوس وجبار بن صخر أحد بنى سلمة من الخزرج فتقاولا ثم قال أحدهم لصاحبه ان شئتم والله رددتها الان جذعة وغضب الفريقان جميعا وقالا قد فعلنا السلاح السلاح موعدكم الظاهرة وهى حرة فخرجوا إليها وانضمت الأوس والخزرج بعضها الى بعض على دعواهم التي كانوا عليها فى الجاهلية فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين فقال يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وانا بين أظهركم بعد إذ كرّمكم الله فى الإسلام وقطع به عنكم امر الجاهلية والف بينكم ترجعون الى ما كنتم عليه كفارا الله الله فعرف القوم انها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم فالقوا السلاح من أيديهم وبكوا وعانقوا بعضهم بعضا ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين فانزل الله تعالى فى أوس وجبار ومن كان معهما. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يعنى الأنصار إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعنى شماسا وأصحابه يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ بالله ونبيه والقران كافِرِينَ (100) يعنى على اعمال ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 101]

الكفر قال زيد فقال جابر فما رايت قط يوما أقبح اولا واحسن آخرا من ذلك اليوم- ونزل فى شماس بن قيس يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ الاية خاطب الله المؤمنين بنفسه وامر رسوله بخطاب اهل الكتاب إجلالا للمؤمنين واشعارا بانهم أحقاء بان يكلمهم الله واخرج الفرياني وابن ابى حاتم عن ابن عباس قال كانت الأوس والخزرج فى الجاهلية بينهم شر فبينما هم جلوس ذكروا ما بينهم حتى غضبوا وقام بعضهم الى بعض بالسلاح فنزلت. وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ عطف على يردّوكم والاستفهام للتعجب والإنكار وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ على لسان الرسول غضة طرية يعنى القران وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ينهاكم ويعظكم ويزيح شبهكم يعنى والحال ان الأسباب الداعية الى الايمان المانعة من الكفر مجتمعة لكم قال قتادة فى هذه الاية علمان بينان كتاب الله ونبى الله اما نبى الله فقد قضى واما كتاب الله فابقاه الله رحمة منه ونعمة قلت ولكن نبى الله صلى الله عليه وسلم أرشدنا الى من ينوبه يعده من خلفائه الى يوم القيامة عن زيد بن أرقم قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خطيبا فحمد الله واثنى عليه ثم قال اما بعد ايها الناس انما انا بشر يوشك ان يأتيني رسول ربى فاجيبه وانى تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال واهل بيتي أذكركم الله فى اهل بيتي أذكركم الله فى اهل بيتي- وفى رواية كتاب الله هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة رواه مسلم- ورواه الترمذي بلفظ انى تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الاخر كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض وعترتى اهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفونى فيهما- وروى الترمذي عن جابر قال رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فيقول يا ايها الناس انى تركت فيكم ما ان أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتى اهل بيتي- قلت أشار النبي صلى الله عليه وسلم الى اهل البيت لانهم اقطاب الإرشاد فى الولايات أولهم على عليه السلام ثم ابناؤه الى الحسن العسكري وآخرهم غوث الثقلين محى الدين عبد القادر الجيلي رضى الله عنهم أجمعين لا يصل أحد من الأولين والآخرين الى درجة الولاية الا بتوسطهم كذا قال المجدد رضى الله عنه ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 102]

ثم اولياء امة النبي صلى الله عليه وسلم وعلماؤها كلهم اتباع لاهل البيت داخلون فيهم بحكم الوراثة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العلماء ورثة الأنبياء وَمَنْ يَعْتَصِمْ اصل العصمة المنع فكل مانع شيئا فهو عاصم والاعتصام ان يتمسك بشىء حتى يمتنع عن الهلاك بِاللَّهِ اى بدينه وبدوام التوجه اليه فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) طريق واضح لا يضل سالكه ابدا- قال البغوي قال مقاتل بن حبان كانت بين الأوس والخزرج عداوة فى الجاهلية وقتال حتى هاجر النبي صلى الله عليه وسلم الى المدينة فاصلح بينهم فافتخر بعده منهم رجلان ثعلبة بن غنم من الأوس واسعد بن زرارة من الخزرج فقال الأوس منا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ومنا حنظلة غسيل الملائكة وعاصم بن ثابت بن أفلح حمى الدبر ومنا سعد بن معاذ اهتز عرش الرحمن له ورضى الله بحكمه فى بنى قريظة- وقال الخزرجي منا اربعة احكموا القران أبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وابو زيد ومنا سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم وجرى الحديث بينهما فغضبا وانشدا الاشعار وتفاخرا «1» فجاء الأوس والخزرج ومعهم السلاح فاتاهم النبي صلى الله عليه وسلم وانزل الله تعالى. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ اصل تقاة وقية قلبت واوها المضمومة تاء كما فى تودة وتخمة والياء الفا لانفتاحها بعد حرف صحيح ساكن وموافقة الفعل- اخرج عبد الرزاق والفرياني وابن جرير وابن ابى حاتم وابن مردوية فى تفاسيرهم والطبراني فى المعجم والحاكم فى المستدرك وصححه وابو نعيم فى الحلية عن ابن مسعود موقوفا وقال ابو نعيم روى عنه مرفوعا ايضا هو ان يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر ويذكر فلا ينسى- وقال البغوي قال ابن مسعود وابن عباس هو ان يطاع فلا يعصى وهذا إجمال ما ذكر- قلت اما قوله يذكر فلا ينسى فمناطه فناء القلب واما قوله يطاع فلا يعصى ويشكر فلا يكفر فمناطه فناء النفس واطمينانه والايمان الحقيقي- فمقتضى هذه الاية وجوب اكتساب كما لات الولاية وكذا يقتضيه سبب نزوله فان تفاخر الأوس والخزرج انما كان من بقايا رذائل النفس فامروا بتهذيبها وتطهيرها عن الرذائل وتحلية القلب والنفس بمكارم الأخلاق وخشية الله ودوام الذكر-

_ (1) . في الأصل وتفاخروا.

وقال مجاهدان تجاهدوا فى سبيل الله حق جهاده ولا يأخذكم فى الله لومة لائم وتقوموا لله بالقسط ولو على أنفسكم وابائكم وأبنائكم- وعن انس قال لا يتقى الله عبد حق تقاته حتى يحزن لسانه- قلت وقول مجاهد وانس بيان للطريق الموصل الى كمالات الولاية فان الرياضات والمجاهدات بقلة الطعام والمنام مع الذكر على الدوام وحفظ اللسان عن فضول الكلام المستلزم للعزلة وقلة المخالطة مع العوام وترك مبالاة الناس فى رعاية حقوق الملك العلام هى الطريقة الموصلة الى تلك الكمالات- قال البغوي قال اهل التفسير فلما نزلت هذه الاية شق ذلك عليهم فقالوا يا رسول الله ومن يقوى على هذا فانزل الله تعالى فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فنسخت هذه الاية- قال مقاتل ليس فى ال عمران من المنسوخ الا هذه الاية- قلت ليس المراد منه ان ان حق التقوى صار منسوخا وجوبه كيف ورذائل النفس من الكبر والغضب فى غير محله والحسد والحقد والنفاق وسوء الأخلاق وجب الدنيا وقلة الالتفات الى الله واشتغال القلب بغيره ما زال حراما ولا يتصور نسخ حرمتها حتى تصير مباحة- بل المراد منه ان ازالة رذائل النفس دفعة ليست فى مقدور البشر بل يتوقف ذلك جريا على عادة الله تعالى على مصاحبة ارباب القلوب والنفوس الزاكية والمجاهدات المذكورة فالله سبحانه رخص لعباده فى ذلك وأوجب عليهم بذل الجهد فى تزكية النفس وتصفية القلب ما استطاع فمن اعرض عن ذلك بالكلية والتفت الى الشهوات فعليه اثم الرذائل كلها إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ومن اشتغل فى طلب الطريقة وبذل جهده فى دفع الرذائل ومات قبل تحصيل الكمالات فقد اتى بما وجب عليه وأرجو ان يغفر له ما ليس فى وسعه والله اعلم وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) بالإسلام الحقيقي المنقادون لله تعالى فى أوامره ونواهيه مخلصون له مفوضون أموركم اليه راضون بقضائه يعنى لا تكونن على حال سوا حال الإسلام حتى يدرككم الموت فالنهى عن الفعل المقيد بحال او وصف او غيرهما قد يتوجه بالذات الى الفعل نحو لا تزن فى ارض الله وقد يتوجه الى القيد كما فى هذه الاية وقد يتوجه الى المجموع دون كل واحد منهما نحو لا تأكل السمك وتشرب اللبن وقد يتوجه الى كل واحد منهما نحو لا تزن حليلة جارك- عن ابن عباس رضى الله ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 103]

عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ايّها النّاس اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ الاية فلو ان قطرة من الزقوم قطرت على الأرض لامرّت على اهل الدنيا معيشتهم فكيف بمن هو طعامه وليس له طعام غيره رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح-. وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ يعنى بدين الإسلام قال الله تعالى فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها او بكتابه لقوله صلى الله عليه وسلم كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض وقد مرّ استعار له الحبل من حيث ان التمسك به سبب للنجاة عن التردي فى النار كما ان التمسك بالحبل سبب للنجاة عن التردي من فوق وللوثوق به والاعتماد عليه بالاعتصام ترشيحا للمجاز جَمِيعاً حال من فاعل اعتصموا او من مفعوله اعنى بحبل الله او منهما جميعا فعلى تقدير كونه حالا من الفاعل معناه حال كونكم مجتمعين فى الاعتصام يعنى خذوا فى تفسير كتاب الله وتأويله ما اجتمع عليه الامة ولا تذهبوا الى خبط آرائكم على خلاف الإجماع عن ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم ان تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وان تعتصموا بحبل الله جميعا وان تناصحوا من ولى الله أمركم- ويسخط لكم قيلا «1» وقالا واضاعة المال وكثرة السؤال- رواه مسلم واحمد- وعن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله لا يجمع أمتي على ضلالة ويد الله على الجماعة ومن شذ شذ فى النار رواه الترمذي- وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اتبعوا السواد الأعظم فانه من شذ شذ فى النار رواه ابن ماجة وعن معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاذة والقاصية والناحية وإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعامة رواه احمد- وعن ابى ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه رواه احمد وابو داود وعلى تقدير ان يكون حالا من المفعول فالمعنى اعتصموا بجميع كتاب الله ولا تقولوا نومن ببعض الكتاب ونكفر ببعض فان بعض طاقات الحبل لا يقوى على الحفظ وَلا تَفَرَّقُوا عطف على ما سبق وهذه الجملة تأكيد على أحد التأويلين وتأسيس على الاخر «2» يعنى لا تفرقوا عن الحق باختلاف كاهل الكتاب- عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله

_ (1) فى الأصل قيل وقال. (2) فى الأصل الاخرى. [.....]

عليه وسلم ليأتين على أمتي كما اتى على بنى إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى ان كان منهم من اتى امه علانية لكان فى أمتي من يصنع ذلك وان بنى إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم فى النار الا ملة واحدة قالوا من هى يا رسول الله قال ما انا عليه وأصحابي- رواه الترمذي وفى رواية احمد وابى داود عن معاوية ثنتان وسبعون فى النار وواحدة فى الجنة وهى الجماعة وانه سيخرج من أمتي أقوام تتجارى «1» بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب لصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله- قلت فلم يتفرق الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا فى خلافة ابى بكر وعمرو عثمان وأول بغى كان على الامام الحق خروج اهل المصر على عثمان رضى الله عنه- وأول اختلاف وقع فى امر الخلافة كان من معاوية غفره الله تعالى وقال كُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى - وأول اختلاف وقع فى الدين اختلاف الحرورية الذين خرجوا على على عليه السلام- ثم أوقع الخلاف ورفض الحق عبد الله بن سبا منشأ الروافض- ثم ظهر مذهب الاعتزال فى زمن التابعين فتشبثوا بأذيال الفلاسفة واشتغلوا بقيل وقال وأحبوا كثرة الجدال وتركوا ظواهر كتاب الله المتعال وسنة نبيه ومذهب السلف اهل الكمال بتقليد آرائهم الكاسدة المنشئات الضلال- وَاذْكُرُوا يا معشر الأنصار نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ التي من جملتها الهداية للاسلام المودي الى التالف إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً قبل الإسلام فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ بالإسلام فَأَصْبَحْتُمْ اى صرتم بِنِعْمَتِهِ برحمته وهدايته إِخْواناً فى الدين والولاية والمحبة- قال محمد بن إسحاق وغيره من اهل الاخبار كانت الأوس والخزرج أخوين لاب وأم فوقعت بينهما عداوة بسبب قتيل فتطاولت العداوة والحرب بينهم مائة وعشرين سنة الى ان أطفاه الله بالإسلام والف بينهم برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان بدو إسلامهم وألفتهم ان سويد بن الصامت أخا بنى عمرو بن عوف يسميه قومه الكامل القوة والصبر- نهايه منه رح لجلده ونسبه قدم مكة حاجّا او معتمرا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث وامر بالدعوة فتضدى له حين سمع به ودعاه الى ربه عز وجل والى الإسلام فقال له سويد فلعل الذي معك

_ (1) اى يتواقعون فى الأهواء الفاسدة ويتداعون فيها تشبيها بجرى الفرس- والكلب بالتحريك داء معروف يعرض للكلب فمن عرضه قتله- نهايه- منه رحمه الله

مثل الذي معى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وما الذي معك قال مجلة لقمان يعنى حكمته فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اعرضها علىّ فعرضها فقال ان هذا حسن ومعى أفضل من هذا قران انزل الله عز وجل نورا وهدى فتلا عليه القران ودعاه الى الإسلام فلم يبعد منه وقال ان هذا القول حسن ثم انصرف الى المدينة فلم يلبث ان قتله الخزرج قبل يوم بعاث وان قومه ليقولون قد قتل وهو مسلم ثم قدم ابو الحيسر انس بن رافع ومعه فئة من بنى الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قوم من الخزرج فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم فجلس إليهم فقال هل لكم الى خير مما جئتم له قالوا وما ذاك قال انا رسول الله بعثني الى العباد ادعوهم ان لا تشركوا بالله شيئا وانزل علىّ الكتاب ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القران- فقال إياس بن معاذ وكان غلاما حدثا اى قوم هذا والله خير مما جئتم له فاخذ ابو الحيسر حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس وقال دعنا منك فلعمرى لقد جئنا لغير هذا فصمت إياس وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرفوا الى المدينة وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج ثم لم يلبث إياس بن معاذ ان هلك- فلما أراد الله عز وجل اظهار دينه وإعزاز نبيه خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الموسم الذي لقى فيه النفر من الأنصار يعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع فى كل موسم فلقى عند العقبة رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا وهم ستة نفرا سعد بن زرارة- وعوف بن الحارث وهو ابن عفراء- ونافع بن مالك العجلاني- وعطية بن عامر- وعقبة بن عامر- وجابر بن عبد الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنتم قالوا نفر من الخزرج قال أمن موالى يهود قالوا نعم قال أفلا تجلسون حتى أكلمكم قالوا بلى فجلسوا معه فدعاهم الى الله عز وجل وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القران- قال وكان مما صنع الله لهم فى الإسلام وان اليهود «1» كانوا معهم ببلادهم وكانوا اهل كتاب وعلم وهم كانوا اهل أوثان وشرك وكانوا إذا كان بينهم شىء قالوا ان نبيا الان مبعوث قد أظل زمانه نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد ارم فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم الى الله عز وجل قال بعضهم لبعض يا قوم تعلمون والله انه النبي الذي توعدكم به اليهود فلا تسبقنكم اليه

_ (1) فى الأصل ان يهود كان

فاجابوه وصدقوه واسلموا وقالوا انا قد تركنا قوما ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم وعسى الله ان يجمعهم بك وسنقدم عليهم فندعوهم الى أمرك فان يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين الى بلادهم قد أمنوا فلما قدموا المدينة ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم الى الإسلام حتى فشا فيهم فلم يبق دار من دور الأنصار الا وفيها ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان العام المقبل اتى الموسم من الأنصار اثنا «1» عشر رجلا اسعد بن زرارة- وعوف ومعاذ ابنا عفراء- ورافع بن مالك العجلاني- وذكوان بن عبد القيس- وعبادة بن الصامت- وزيد بن ثعلبة- وعباس بن عبادة- وعقبة بن عامر- وعطية بن عامر فهولاء خزرجيون- وابو الهيثم بن التيهان وعويمر بن الساعدة من الأوس فلقوه بالعقبة وهى العقبة الاولى فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء على ان لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا الى آخره فان وفيتم فلكم الجنة وان غشيتم بشىء من ذلك فاخذتم بحده فى الدنيا فهو كفارة له وان ستر عليكم فامركم الى الله ان شاء عذبكم وان شاء غفر لكم قال وذلك قبل ان يعرض عليهم الحرب فلما انصرف القوم بعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف وامره ان يقرائهم القران ويعلمهم الإسلام ويفقههم وكان مصعب يسمى بالمدينة المقرئ وكان منزله على اسعد بن زرارة- ثم ان اسعد بن زرارة خرج بمصعب فدخل به حائطا من حوائط بنى ظفر فجلسا فى الحائط واجتمع إليهما رجال ممن اسلم فقال سعد بن معاذ لا سيد بن حضير انطلق الى هذين الرجلين الذين قد أتيا دارنا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما فان اسعد ابن خالى ولولا ذلك لكفيتك وكان سعد بن معاذ وأسيد بن حضير سيدى قومهما من بنى عبد الأشهل وهما مشركان فاخذ أسيد بن حضير حربته ثم اقبل الى مصعب واسعد وهما جالسان فى الحائط فلما راه اسعد بن زرارة قال لمصعب هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله تعالى فيه قال مصعب ان يجلس أكلمه قال فوقف عليهما متشتما فقال ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا اعتزلا ان كان لكما فى أنفسكما حاجة فقال له مصعب او تجلس فتسمع فان رضيت امرا قبلته وان كرهته كف عنك ما تكره

_ (1) فى الأصل اثنى عشر

قال أنصفت ثم ركز حربته وجلس إليهما فكلمه مصعب بالإسلام وقرا عليه القران فقال والله لعرفنا فى وجهه الإسلام قبل ان يتكلم فى اشراقه وتسهله ثم قال ما احسن هذا وأجمله كيف تصنعون إذا أردتم ان تدخلوا فى هذا الدين قالا له تغتسل وتطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلى ركعتين فقام واغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق ثم قام فركع ركعتين ثم قال ان ورائي رجلا ان اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسارسله اليكما الان وهو سعد بن معاذ ثم أخذ حربته فلما وقف على النادي قال له سعد ما خلفت قال كلمت الرجلين فو الله ما رايت بهما بأسا وقد نهيتهما فقالا نفعل ما أحببت- وقد حدثت ان بنى حارثة خرجوا الى اسعد بن زرارة ليقتلوه وذلك انهم عرفوا انه ابن خالك ليخفروك» فقام سعد مغضبا مبادرا للذى ذكره من بنى حارثة فاخذ الحربة وقال والله ما أراك أغنيت شيئا فلما راهما مطمئنين عرف ان أسيدا انما أراد ان يسمع منهما فوقف عليهما متشتما ثم قال لا سعد بن زرارة لولا ما بينى وبينك من القرابة ما رمت اى ما قصدت- منه رح هذا منى تغشانا فى دارنا بما نكره وقد قال اسعد لمصعب جاءك والله سيد قومه ان يتبعك لم يخالفك منهم أحد- فقال له مصعب او تقعد فتسمع فان رضيت امرا ورغبت فيه قبلته وان كرهته عزلناك ما تكره قال سعد أنصفت ثم ركز الحربة فجلس فعرض عليه الإسلام وقرا عليه القران فقالا فعرفنا والله فى وجهه الإسلام قبل ان يتكلم فى اشراقه وتسهله ثم قال كيف تصنعون إذ أنتم أسلمتم ودخلتم فى هذا الدين قال تغتسل وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلى ركعتين فقام واغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق وركع ركعتين- ثم أخذ حربته فاقبل عامدا الى نادى قومه ومعه أسيد بن حضير فلما راه قومه مقبلا قالوا نحلف بالله لقد رجع سعد إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم- قال يا بنى عبد الأشهل كيف تعلمون امرى فيكم قالوا سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة «2» - قال فان كلام رجالكم ونسائكم علىّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله قال فما امسى فى دار بنى عبد الأشهل رجل ولا امراة الا مسلم او مسلمة

_ (1) حفرت الرجل اى أجرته وحفظته وخفّرته إذ أكدت خفيرا وحاميا وتخفرت به إذا استجرت به والخفارة الزمام وأخفرت الرجل إذ انقضت عهده وذمامه والهمزة فيه للازالة اى زالت خفارته- نهايه منه رحمه الله (2) النقيبة منحج الفعال مظفر المقال والنقيبة النفس وقيل الطبيعة والخليقة- نهايه- منه رحمه الله-

ورجع اسعد بن زرارة ومصعب الى منزل اسعد بن زرارة فاقام عنده يدعوا الناس الى الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار الا وفيها رجال ونساء مسلمون الا ما كان من دار بنى امية بن زيد وحطمة ووائل وواقف وذلك انه كان منهم ابو قيس ابن الاسلت الشاعر وكانوا يسمعون منه ويطيعونه فوقف بهم عن الإسلام حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق- قالوا ثم ان مصعب بن عمير رجع الى مكة وخرج معه من الأنصار من المسلمين سبعون رجلا مع حجاج قومهم من اهل الشرك حتى قدموا مكة فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من اوسط ايام التشريق وهى بيعة العقبة الثانية قال كعب بن مالك وكان قد شهد ذلك فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام ابو جابر أخبرناه وكنا نكتم من معنا من المشركين من قومنا أمرنا فكلمناه وقلنا له يا أبا جابر انك سيد من ساداتنا وشريف من اشرافنا وانا نرغب بك عما أنت فيه ان تكون حطبا للنار غدا ودعوناه للاسلام فاسلم وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه فشهد معنا العقبة وكان نقيبا فبتنا تلك الليلة مع قومنا فى رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلك مستخفين تسلك القطا حتى اجتمعنا فى الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا نسيبة بنت كعب أم عمارة احدى نساء بنى النجار واسماء بنت عمرو بن عدى أم منيع احدى نساء بنى سلمة فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب فقال يا معشر الخزرج (انما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج خزرجها واوسها) ان محمدا صلى الله عليه وسلم منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممن على مثل رأينا وهو فى عز فى قومه ومنعة فى بلده وانه قد ابى الا الانقطاع إليكم واللحوق بكم فان كنتم ترون انكم وافون له بما دعوتموه اليه ومانعوه ممن خالفه فانتم وما تحملتم من ذلك وان كنتم ترون انكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الان فدعوه فانه فى عز ومنعة قال فقلنا قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله وخذ لنفسك ولربك ما شئت قال فتكلم ... ...

رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القران ودعا الى الله تعالى ورغّب فى الإسلام ثم قال ابايعكم على ان تمنعونى مما تمنعون منه نساءكم وابناءكم فاخذ البراء بن معرور بيده ثم قال والذي بعثك بالحق لنمنعك مما نمنع أزرنا «1» فبايعنا يا رسول الله فنحن اهل الحرب واهل الحلفة ورثناها كابرا عن كابر قال فاعترض القول (والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم) ابو الهيثم بن التيهان فقال يا رسول الله ان بيننا وبين الناس حبالا يعنى العهود وانا قاطعوها فهل عسيت ان فعلنا ذلك ثم أظهرك الله ان ترجع الى قومك وتدعنا فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لا الدم الدم والهدم الهدم أنتم منى وانا منكم أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اخرجوا الى منكم اثنى عشر نقيبا «2» كفلاء على قومهم ككفالة حواريين لعيسى بن مريم فاخرجوا اثنى عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس قال عاصم بن عمرو بن قتادة ان القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري يا معشر الخزرج هل تدرون على ما تبايعون هذا الرجل انكم تبايعون على حرب الأحمر والأسود فان كنتم ترون انكم إذا نهكت اى اتلفت- منه رح أموالكم مصيبة واشرافكم قتلى اسلمتموه فمن الان فهو والله ان فعلتم خزى فى الدنيا والاخرة وان كنتم ترون انكم وافون له بما دعوتموه اليه على نهكة الأموال وقتل الاشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والاخرة قالوا فانا ناخذه على مصيبة الأموال وقتل الاشراف فما لنا بذلك يا رسول الله ان نحن وافينا قال الجنة قالوا ابسط يدك فبسطيده فبايعوه وأول من ضرب على يده البراء بن معرور ثم تتابع القوم فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بانفذ صوت سمعته قط يا اهل الحباحب هل لكم فى مذمم والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا عدو الله هذا اسم شيطان- وهو الحية- منه ر ح ازبّ العقبة اسمع اى عدو الله انا والله لا فرغن لك ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ارفضوا الى رحالكم فقال العباس بن عبادة بن نضلة والذي بعثك بالحق لئن شئت لنميلن غدا على اهل منى «3»

_ (1) نمنع أزرنا اى نساءنا وأهلنا كنى عنهن بالأزر وقيل أراد أنفسنا وقد يكنى عن النفس بالإزار- نهايه منه رح (2) النقيب كالعريف على القوم المقدم عليهم الذي يتعرف اخبارهم وينقب عن أحوالهم اى يفتش وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم كل واحد منهم نقيبا على قومه وجماعته ليأخذوا عليهم الإسلام ويعرفوهم شرائطه- نهايه منه رحمه الله (3) فى الأصل على اهل منا-

[سورة آل عمران (3) : آية 104]

بأسيافنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا الى رحالكم قال فرجعنا الى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا فلما أصبحنا غدت علينا جلة من قريش حتى جاءونا فى منزلنا فقالوا يا معشر الخزرج بلغنا انكم جئتم صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا وانه والله ما حى من العرب ابغض إلينا ان تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم قال فانبعث من هناك من مشركى قومنا يحلفون لهم بالله ما كان من هذا شىء وما علمناه وصدقوا لم يعلموا وبعضنا ينظر الى بعض وقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي وعليه نعلان جديدان فقلت له كلمة كانّى أريد ان أشرك القوم بها فيما قالوا يا جابرا ما تستطيع ان تتخذ وأنت سيد من ساداتنا مثل نعلى هذا الفتى من قريش- قال فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما الىّ قال والله لتنتعلنهما- قال يقول ابو جابر مه والله احفظت الفتى فاردد اليه نعليه- قال لا أردهما فال صالح والله ان صدق الفال لا سلبنه- قال ثم انصرف الأنصار الى المدينة وقد شدّد العقد فلما قدموا المدينة اظهر الإسلام بها وبلغ ذلك قريشا فاذوا اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه ان الله تعالى قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها وأمرهم بالهجرة الى المدينة واللحوق بإخوانهم من الأنصار فاول من هاجر الى المدينة أخو سلمة بن عبد الله المخزومي ثم عامر بن ربيعة ثم عبد الله بن جحش ثم تتابع اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إرسالا الى المدينة فجمع الله اهل المدينة اوسها وخزرجها بالإسلام وأصلح ذات بينهم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وَكُنْتُمْ عَلى شَفا طرف حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ اى متقاربين الوقوع فيها لم يكن بينكم وبين الوقوع فيها الا ان تموتوا على كفركم فَأَنْقَذَكُمْ اى اخلصكم الله بالإسلام مِنْها الضمير للحفرة او للنار او للشفا وتأنيثه لتأنيث المضاف اليه ولانه بمعنى الشفة فان شفا البير وشفتها طرفها كالجانب والجانبة وأصله شفو فقلبت الواو الفا فى المذكر وحذفت فى المؤنث كَذلِكَ التبيين يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ دلائله لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) لتثبتوا على الهدى وتزدادوا فيه-. وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ من للتبعيض لان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من فروض الكفاية ولانه لا يصلح له كل أحد حيث يشترط له شروط من العلم والتمكن على الاحتساب وطلب من الجميع ... ...

[سورة آل عمران (3) : الآيات 105 إلى 106]

خاطب الجميع وطلب فعل البعض ليدل على انه واجب على الكل حتى لو ترك الكل أثموا جميعا ولكن يسقط بفعل بعضهم وهذا شأن فروض الكفاية- وجاز ان يكون من للتبيين ويكون النهى عن المنكر واجبا على كل أحد واقله ان ينكر بقلبه يعنى كونوا أُمَّةٌ يَدْعُونَ الناس إِلَى الْخَيْرِ يعنى خير العقائد والأخلاق والأعمال التي فيها صلاح الدين والدنيا اخرج ابن مردوية عن ابى جعفر محمد الباقر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الخير اتباع القران وسنتى- قال السيوطي معضل عن عثمان انه قرا وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ويستغيثون على ما أصابهم وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ- قلت يعنى يدعون لدفع البلاء عن الناس وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ اى ما عرف من الشرع حسنه واجبا كان او مندوبا وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ يعنى ما أنكره الشرع من المحرمات والمكروهات عطف الخاص على العام إيذانا بفضله وَأُولئِكَ يعنى الداعون الى الخير والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) خاب وخسر من لم يفعل ذلك عن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من راى منكم منكرا فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان- رواه مسلم وعن النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل المدهن فى حدود الله والواقع فيها مثل قوم استهموا سفينة فصار بعضهم فى أسفلها وصار بعضهم فى أعلاها فكان الذي فى أسفلها يمر بالماء على الذين فى أعلاها فتاذوا به فاخذ فاسا فجعل ينقر أسفل السفينة فاتوه فقالوا مالك قال تاذيتم بي ولا بد لى من الماء فان أخذوا على يديه انجوه ونجّوا أنفسهم وان تركوه اهلكوه واهلكوا أنفسهم- رواه البخاري- وعن حذيفة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال والذي نفسى بيده لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر او ليوشكن الله تعالى ان يبعث عليكم عذابا من عنده ثم ليدعوا به فلا يستجاب لكم رواه الترمذي- وعن ابى بكر الصديق قال يا ايها الناس انكم تقرءون هذه الاية. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان الناس إذا راو منكرا فلم يغيروه يوشك ان يعمهم الله بعذابه- رواه ابن ماجة والترمذي وصححه وروى ابو داود نحوه وعن جرير بن عبد الله نحوه رواه ابو داود وابن ماجة- وعن عدى بن عدى الكندي قال حدثنا ... ...

مولى لنا انه سمع جدى يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على ان ينكروه فلا ينكرون فاذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة رواه البغوي فى شرح السنة وعن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا وقعت بنو إسرائيل فى للعاصى نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم فى مجالسهم وأاكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض فلعنهم عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ - قال فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان متكيا قال لا والذي نفسى بيده حتى تاطروهم اى تعطفوا عليهم- نهايه- منه رح اطرا العطف- منه رح رواه الترمذي وابو داود- فان قيل هل يجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بهذه الاية على من لا يأتى بالمعروف ويرتكب المنكر قلنا نعم يجب عليه الأمر بالمعروف عبارة وإتيانه اقتضاء والنهى عن المنكر عبارة والانتهاء عنه اقتضاء كيلا يلزمه قوله تعالى أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وقوله تعالى لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ- عن اسامة بن زيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى فى النار فتندلق اى تخرج من مكانه الأمعاء- منه اقتابه فى النار فيطحن فيها كطحن الحمار برحاء فيجتمع اهل النار عليه ويقولون اى فلان ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر قال كنت أمركم بالمعروف ولم آته وأنهاكم عن المنكر واتيه- متفق عليه وعن انس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال رايت ليلة اسرى بي رجالا يقرض شفاههم بمقاريض من نار قلت من هؤلاء يا جبرئيل قال هؤلاء خطباء من أمتك يأمرون بالبر وينسون أنفسهم- رواه البغوي فى شرح السنة والبيهقي فى شعب الايمان نحوه- وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا يعنى اليهود تفرقوا على ثنتين وسبعين فرقة وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ الدلائل الواضحة القاطعة من الآيات المحكمة والاخبار المتواترة المحكمة من الأنبياء ونحو ذلك كاجماع هذه الامة سواء كان ذلك الاختلاف فى اصول الدين كاختلاف اهل الأهواء مع اهل السنة او فى الفروع المجمع عليها كمسئلة غسل الرجلين ومسح الخفين فى الوضوء وخلافة الخلفاء الاربعة واحترز بهذا القيد عن اختلاف بالاجتهاد فى ما ثبت بالادلة الظنية فان الاختلاف فيها ضرورى ... ...

ضرورة حطاء بعض المجتهدين فى الاجتهاد- فذلك الاختلاف بعد بذل الجهد بلا مكابرة وتعصب معفوّ بل هو رحمة وسعة للناس روى عبد بن حميد فى مسنده والدارمي وابن ماجة والعبد رى فى الجمع بين الصحيحين وابن عساكر والحاكم عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سالت ربى عن اختلاف أصحابي من بعدي فاوحى الله يا محمد ان أصحابك عندى كالنجوم بعضها أقوى من بعض- وفى رواية بعضها أضوء من بعض ولكل نور فمن أخذ بشىء مما هم عليه من اختلافهم فهو عندى على هدى- ورواه الدارقطني فى فضائل الصحابة وابن عبد البر عن جابر والبيهقي فى المدخل عن ابن عباس- وروى البيهقي ايضا فى المدخل بسند ضعيف عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به ولا عذر لاحد فى تركه فان لم يكن فى كتاب الله فسنة نبى ماضية فان لم يكن سنة نبى فما قال أصحابي ان أصحابي بمنزلة النجوم فى السماء فايها أخذتم به اهتديتم واختلاف أصحابي لكم رحمة واخرج البيهقي فى المدخل وابن سعد فى الطبقات عن القاسم بن محمد قال اختلاف اصحاب محمد رحمة لعباد الله والبيهقي عن عمر بن عبد العزيز نحوه وَأُولئِكَ الذين تفرقوا بعد القواطع لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ التنوين عوض عن المضاف اليه يعنى تبيض وجوه المؤمنين وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ اى وجوه الكافرين او التنوين للتكثير اى وجوه كثيرة ويوم منصوب على الظرفية من الظرف المستقر اى لهم او بعظيم او باذكر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس انه قرا هذه الاية قال تبيض وجوه اهل السنة وتسود وجوه اهل البدعة- اخرج الديلمي فى مسند الفردوس بسند ضعيف عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال تبيض وجوه اهل السنة وتسود وجوه اهل البدع فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ يقال لهم أَكَفَرْتُمْ بالقطعيات وتفرقتم فى الدين واتبعتم تأويل المتشابهات بَعْدَ إِيمانِكُمْ بالنبي والكتاب والاستفهام للتوبيخ والتعجيب عن حالهم فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) والاية فى اهل الأهواء من هذه الامة ومن الأمم السابقة كذا قال ابو امامة وقتادة روى احمد وغيره عن ابى امامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال هم الخوارج- وايضا فى اهل الأهواء حديث اسماء بنت ابى بكر قالت قال ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 107]

رسول الله صلى الله عليه وسلم انى على الحوض حتى انظر من يرد علىّ منكم وسيؤخذ ناس دونى فاقول يا رب منى ومن أمتي فيقال هل شعرت ما عملوا بعدك والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم- رواه البخاري وعن ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسى كافرا ويمسى مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل رواه مسلم واحمد والترمذي- وقيل هذه الاية فى المرتدين- وقيل فى اهل كتاب كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ايمانهم بموسى والتورية او بعد ايمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه وقيل فى جميع الكفار كفروا بعد ما اشهدهم الله على أنفسهم او بعد ما تمكنوا من الايمان بالنظر الى الدلائل. وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ يعنى اهل السنة فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ يعنى الجنة والثواب المخلد عبر عن الجنة بالرحمة تنبيها على ان المؤمن وان استغرق عمره فى طاعة الله لا يدخل الجنة الا برحمته وفضله- عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال سددوا وقاربوا وابشروا فانه لا يدخل الجنة أحدا عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا انا الا ان يتغمدنى الله بمغفرة ورحمة- رواه الشيخان فى الصحيحين واحمد- وروى الشيخان عن ابى هريرة نحوه ولمسلم من حديث جابر لا يدخل أحدا منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار ولا انا الا رحمة من الله وقد ورد هذا ايضا من حديث ابى سعيد رواه احمد ومن حديث ابى موسى وشريك بن طارق رواهما البزار- ومن حديث شريك بن طريق واسامة بن شريك واسد بن كرز رواها الطبراني واستشكل هذا مع قوله تعالى ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وأجيب بان للجنة منازل ودرجات ينال بالأعمال وذلك محمل الاية واما اصل دخولها والخلود فيها بفضل ورحمته وذلك معنى الأحاديث ويدل عليه قول ابن مسعود تجوزون الصراط بعفو الله وتدخلون الجنة برحمة الله وتقسمون المنازل بأعمالكم رواه هناد فى الزهد وابو نعيم عن عون بن عبد الله مثله هُمْ فِيها اى فى الرحمة او الجنة خالِدُونَ (107) أخرجه مخرج الاستيناف للتأكيد كانّه فى جواب كيف يكونون فيها وللتنبيه على ان الرحمة نعمة والخلود نعمة مستقلة. تِلْكَ الآيات آياتُ اللَّهِ الواردة فى وعده ووعيده نَتْلُوها عَلَيْكَ خبر بعد خبر ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 109]

متلبسة بِالْحَقِّ بحيث لا شبهة فيها وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (108) إذ لا يتصور منه الظلم لانه لا يجب عليه فعل شىء ولا تركه فيظلم بترك ما وجب عليه لانه المالك على الإطلاق يتصرف فى ملكه كيف يشاء- قلت والظاهر ان المراد بالظلم هاهنا ما هو ظلم من العباد فيما بينهم والمعنى ان الله لا يريد ان ينقص ثواب من عمل خيرا بفضله ولا ان يزيد فى عذاب العاصي على قدر جريمته والكفر بالله تعالى أعظم الخطايا لا ذنب فوقه فيعذب بالنار المخلدة عذابا لا يكون عذاب فوقه جزاء وفاقا. وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقا وملكا فهو تعليل لعدم ارادة الظلم على التأويل الاول وبيان لقدرته على اجراء وعده ووعيده على التأويل الثاني وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109) فيجازى كلا على حسب وعده ووعيده- قال البغوي قال عكرمة ان مالك بن الضيف ووهب بن يهودا من اليهوديين قالا لابن مسعود ومعاذ بن جبل وسالم مولى ابى حذيفة نحن أفضل منكم وديننا خير مما تدعونا اليه فانزل الله تعالى. كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ اضافة صفة الى موصوفه مثل اخلاق ثياب والمفضل منه محذوف يعنى كنتم امة خير الأمم كلها وكان تدل على ثبوت خبرها لاسمها فى الماضي ولا يدل على عدم سابق ولا انقطاع لاحق الا بقرينة خارجية قال الله تعالى وكان الله غفورا رحيما فهذه الجملة دلت على خيريتهم فيما مضى ويدل على خيريتهم فى الحال والاستقبال قوله تعالى تأمرون إلخ ويحتمل ان يكون كنتم فى علم الله او فى الذكر فى الأمم السابقة خير امة أُخْرِجَتْ يعنى أظهرت وأوجدت والخطاب اما للصحابة خاصة كذا قال جويبر عن الضحاك وروى عن عمر بن الخطاب قال كنتم خير امة يكون لا ولنا ولا يكون لاخرنا- وعن ابن عباس انهم هم الذين هاجروا مع النبي صلى الله عليه وسلم الى المدينة- وعن عمر انه قال لو شاء الله لقال أنتم ولكن قال كنتم فى خاصة اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ومن صنع مثل صنيعهم «1» كانوا خير امّة أخرجت للنّاس- واما لامة محمد صلى الله عليه وسلم عامة وكلا المعنيين ثابت بالنصوص وعلى كل منهما انعقد الإجماع فان امة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من الأمم كلها والأفضل منهم قرن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين قال الله تعالى وَلَقَدْ كَتَبْنا

_ (1) وعن قتادة عن عمر فى قوله تعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ انه تلا هذه الاية ثم قال يا ايها الناس من سرّه ان يكون فى الامة التي أخرجت للناس فليؤد شرط الله فيها- منه رحمه الله فى الأصل ملتبسة-

فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ وقال ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا الاية وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة حرمت على الأنبياء حتى أدخلها وحرمت على الأمم حتى يدخلها أمتي رواه الطبراني فى الأوسط بسند حسن عن عمر بن الخطاب وروى ايضا عن ابن عباس مرفوعا الجنة محرمة على جميع الأمم حتى أدخلها انا وأمتي الاول فالاول وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انى لارجو ان يكون من تبعني ربع اهل الجنة ثم قال أرجو ان يكون ثلث اهل الجنة ثم قال أرجو ان يكون الشطر رواه احمد والبزار والطبراني بسند صحيح عن جابر وقال صلى الله عليه وسلم اهل الجنة عشرون ومائة صفا ثمانون منها من هذه الامة والباقون من سائر الأمم رواه الترمذي وحسنه والحاكم وصححه وروى الطبراني مثله من حديث ابى موسى وابن عباس ومعاوية بن جندة وابن مسعود- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انكم تتمون سبعين امة أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل رواه الترمذي وحسنه وابن ماجة والدارمي من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده والبغوي عن ابى سعيد الخدري نحوه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل أمتي مثل المطر لا يدرى اوله خير أم آخره رواه الترمذي عن انس ورزين عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده نحوه وقال عليه السلام ان الله تجاوز عن أمتي الخطاء والنسيان وما استكرهوا عليه رواه ابن ماجة والبيهقي وفى الفصل الثاني قوله صلى الله عليه وسلم خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجىء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته رواه الشيخان فى الصحيحين والترمذي واحمد من حديث ابن مسعود والطبراني نحوه ومسلم عن عائشة نحوه والترمذي والحاكم عن عمران بن حصين نحوه وقوله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا أصحابي فلو ان أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه متفق عليه من حديث ابى سعيد الخدري وقوله عليه الصلاة والسلام ما من أحد من أصحابي يموت بأرض الا بعث قائدا ونور الهم يوم القيامة رواه الترمذي عن بريدة لِلنَّاسِ قيل هذا متعلق بخير امة قال ابو هريرة معناه خير الناس للناس يجيئون بهم فى السلاسل فتدخلونهم فى الإسلام أخرجه ابو عمرو- قلت رجال هذه الامة اكثر إرشادا وأقوى تأثيرا فى الناس بالجذب الى الله تعالى من رجال الأمم ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 111]

السابقة وكان قطب ارشاد كمالات الولاية على عليه السلام ما بلغ أحد من الأمم السابقة درجة الأولياء الا بتوسط روحه رضى الله عنه ثم كان بتلك المنصب الائمة الكرام ابناؤه الى الحسن العسكري وعبد القادر الجيلي ومن ثم قال ووقتى قبل قلبى قد صفالى وهو على ذلك المنصب الى يوم القيامة ومن ثم قال شعرا: فلت شموس الأولين وشمسناه ... ابدا على أفق العلى لا تغرب وقيل للناس متعلق باخرجت يعنى أخرجت للناس تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ استيناف لبيان خيريتهم او خبرثان لكنتم او صفة ثانية لامة والمراد تفضيلهم على امم موصوفين بهذه الصفات يعنى كنتم امة كذلك خيرا من كل امة كذلك وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ قيل المراد بالايمان بالله الايمان بكل ما يجب ان يؤمن به لانه المعتد به يدل عليه قوله تعالى ولو أمن اهل الكتب مع كونهم مؤمنين بالله وقوله عليه الصلاة والسلام فى حديث طلحة بن عبيد الله أتدرون ما الايمان بالله وحده قالوا الله ورسوله اعلم قال شهادة ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله واقام الصلاة وإيتاء الزكوة وصيام رمضان وان تعطوا من المغنم الخمس متفق عليه وانما اخر ذكر الايمان وكان حق الايمان بالله ان يقدم لقصد الاشعار على انهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ايمانا بالله وتصديقا لا رياء فصار كانه قيد للامر بالمعروف او لقصد ارتباط قوله وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ كلهم كما تؤمنون لَكانَ خَيْراً لَهُمْ فانهم يدخلون حينئذ فى خير الأمم قلت وجاز ان يكون المراد بالايمان بالله الايمان الحقيقي يعنى تخلية القلب عما سواه وتزكية النفس عن الرذائل وتمرينه بالمحبة الصرفة التي لا تشوب فيها اقتضاء نفسه من الأغراض الدنيوية او الاخروية مِنْهُمُ اى من اهل الكتاب الْمُؤْمِنُونَ ايمانا يعتد به كعبد الله بن سلام وأصحابه وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (110) الخارجون عن الايمان الى الكفر هذه الجملة مبيّنة لما سبق فان المطلوب ايمان الجميع والموجود ايمان بعضهم دون أكثرهم وفيه دفع لسوء الظن بالمؤمنين منهم الذي نشاء من قوله تعالى ولو أمن إلخ. لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً اى ضرارا يسيرا باللسان ونحوه قال مقاتل لمّا أراد رءوس اليهود السوء بمن أمن منهم عبد الله بن سلام وأصحابه انزل الله تعالى هذه ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 112]

الاية لتسليتهم وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ اليهود ايها المؤمنون يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ منهزمين ولا يضروكم بقتل او نهب او اسر ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (111) بل يكون النصر لكم عليهم هذه الاية بيان لقوله لن يضرّوكم وهو اخبار بالغيب وقد وقع كذلك على قريظة والنضير وبنى قينقاع وخيبر وفدك. ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ اى اليهود الذِّلَّةُ اى الهوان وذلك بسلب العصمة عن دمائهم وأموالهم وأهليهم أَيْنَ ما ثُقِفُوا وجدوا إِلَّا متلبسين بِحَبْلٍ كائن مِنَ اللَّهِ يعنى القران او دين الإسلام الحاكم بعدم تعرض الكفار المستأمنين واهل الذمة قال الله تعالى وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ وقال حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ عهد من المؤمنين بالأمان بعد الاستيمان او عقد الذمة بعد قبول الجزية فالمراد بحبل الله وحبل الناس واحد ولو كان كل واحد منهما على حدة لكان الأنسب او مقام الواو- والمستثنى منصوب على الحالية يعنى ضربت عليهم الذلة فى جميع الأحوال الا فى حال الاستيمان او عقد الذمة وَباؤُ اى رجعوا الى ما كانوا عليه من الموت او الحيوة بعد الموت قال الله تعالى كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ مستوجبين له وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ فهى محيطة بهم «1» احاطة البيت المضروب على اهله يعنى ضربت عليهم البخل والحرص فان البخيل لا ينفق ماله ويكون دائما على هيئة المساكين والحريص يكون دائما فى تعب وجدّ لطلب المال قال البيضاوي اليهود غالبا فقراء مساكين ذلِكَ اى ما ذكر من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ اى بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء بِغَيْرِ حَقٍّ يعنى انهم يعرفون كونهم ظالمين غير محقين ذلِكَ الكفر والقتل بِما عَصَوْا ربهم تعنتا وعنادا عمدا لا خطأ وَكانُوا يَعْتَدُونَ (112) حدود الله وقيل معناه ان ضرب الذلة فى الدنيا واستيجاب الغضب فى الاخرة كما هو معلل بكفرهم وقتلهم فهو مسبب على عصيانهم واعتدائهم من حيث انهم مخاطبون بالفروع ايضا قلت وعلى هذا التأويل كان المناسب إيراد العاطف بين الاشارتين-

_ (1) فى الأصل به-

[سورة آل عمران (3) : آية 113]

اخرج ابن ابى حاتم والطبراني وابن مندة فى الصحابة عن ابن عباس قال لمّا اسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن شعبة وأسيد بن تبيعة واسد بن عبيد ومن اسلم من يهود معهم فامنوا وصدقوا ورغبوا فى الإسلام قالت أحبار يهود واهل الكفر منهم ما أمن بمحمد وتبعه الّا شرارنا ولو كانوا خيارنا ما تركوا دين ابائهم وذهبوا الى غيره فانزل الله فى ذلك. لَيْسُوا سَواءً الى قوله مِنَ الصَّالِحِينَ واخرج احمد والنسائي وابن حبان عن ابن مسعود قال اخر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوة العشاء ثم خرج الى المسجد فاذا الناس ينتظرون الصلاة فقال اما انه ليس من اهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم وأنزلت هذه الاية لَيْسُوا سَواءً يعنى ليست اليهود متساويين فيما ذكر من المساوى بل منهم على ضد ما ذكر بيانه قوله تعالى مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ فى الصلاة كما يدل عليه ما بعده- وقال ابن عباس اى مهتدية قائمة على امر الله لم يضيعوه- وقال مجاهد عادلة من أقمت العود فقام- وقال السدى مطيعة قائمة على كتاب الله وحدوده والمراد بهذه الامة عبد الله بن سلام وأمثاله من اليهود يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ اى القران حال من فاعل قائمة او صفة بعد صفة لامة آناءَ اللَّيْلِ اى ساعاته واحده انى ظرف للقيام والتلاوة وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) عطف على قائمة وجاز ان يكون حالا من فاعل قائمة ومعناه وهم يصلون قال ابن مسعود المراد به صلوة العشاء لان اهل الكتاب لا يصلونها- وعن عبد الله بن عمر قال مكثنا ذات ليلة ننتظر الصلاة العشاء الاخرة فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل فلا ندرى الشيء شغله او غير ذلك فقال حين خرج انكم تنتظرون صلوة ما ينتظرها اهل دين غيركم ولولا ان يثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة ثم امر المؤذن فاقام الصلاة وصلى رواه مسلم قلت والظاهر ان المراد به قيام الليل دون صلوة العشاء لان سياق الاية يقتضى كون دوام حالهم ذلك رقصة تأخير صلوة العشاء واقعة حال ونزول الاية فى تلك القصة لم يذكر فى الصحيح- وايضا صيغة يتلون للجمع والتالي فى صلوة العشاء انما هو الامام دون القوم الا مجازا- وقال عطاء المراد بامة قائمة أربعون «1» رجلا من اهل نجران من العرب واثنان «2»

_ (1) فى الأصل أربعين (2) فى الأصل اثنين-

[سورة آل عمران (3) : آية 114]

وثلاثون «1» من الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه السلام وصدقوا محمّدا صلى الله عليه وسلم وكان من الأنصار فيهم عدة قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم منهم اسعد بن زرارة والبراء ابن معرور ومحمد بن مسلمة ومحمود بن مسلمة وابو قيس صرمة بن انس كانوا موحدين يغتسلون من الجنابة ويقومون لما عرفوا من شرائع الحنيفة حتى جاءهم الله بالنبي صلى الله عليه وسلم فصدقوه ونصروه. يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ لكمال خشيتهم وقصر أملهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بادروا بالأعمال هرما ناغضا وموتا خالسا ومرضا حابسا وتسويفا مويسا- رواه البيهقي عن ابى امامة وقوله يؤمنون وما عطف عليه صفات اخر لامة وصفهم بخصائص متضادة لخصائص اليهود فانهم كانوا منحرفين عن الحق نائمين غافلين بالليل والنهار مشركين بالله ملحدين فى صفاته واصفين اليوم الاخر بخلاف ما هو عليه آمرون بالمنكر ناهون عن المعروف يسارعون فى الشرور وَأُولئِكَ الموصوفون «2» بتلك الصفات على وجه الكمال مِنَ الصَّالِحِينَ (114) ممن صلحت أجسادهم بصلاح قلوبهم وزكاء نفوسهم. وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ يعنى لن نضيعه ولن ننقص ثوابه سمى ذلك كفرانا كما سمى توفية الثواب شكرا وعدى الى المفعولين لتضمنه معنى الحرمان قرا حمزة والكسائي وحفص بالياء على الغيبة اخبارا عن الامة القائمة على نسق ما سبق والباقون بالتاء على نسق كنتم خير امّة وابو عمرو يرى القرائتين جميعا وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) تبشير وتعليل لقوله تعالى فلن يكفروه فان علم الكريم بحسنات عبده علة للاثابة وفيه اشعار بان الصالح والمتقى اسماء للموصوفين بالصفات المتقدمة. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً مر تفسيره فى أوائل السورة وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ ملازموها هُمْ فِيها خالِدُونَ (116) . َلُ ما يُنْفِقُونَ ما مصدرية اى مثل انفاق الكفار عداوة للنبى صلى الله عليه وسلم او مفاخرة وبطرا كانفاق كفار قريش فى الحروب او تقربا كانفاق اليهود على علمائهم وكفار قريش للاصنام او رياء كانفاق المنافقين ي

_ (1) فى الأصل وثلثين- (2) فى الأصل الموصوفين-[.....]

[سورة آل عمران (3) : آية 118]

ِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ اى برد شديد كذا فى القاموس وحكى عن ابن عباس انها السموم الحارة التي تقتل صابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالكفر والمعاصي أَهْلَكَتْهُ يعنى كما ان الريح المذكور تهلك الحرث كذلك انفاق الكفار أموالهم تهلكهم باستجلاب الانفاق عذاب الله إليهم او باستيصال أموالهم بلا منفعة فى الدنيا ولا فى الاخرة- وجاز ان يكون ما فى ما ينفقون موصولة والتشبيه مركبا أريد تشبيه القصة بالقصة ولذلك لم يبال بإدخال كلمة التشبيه على الريح دون الحرث ويجوز ان يراد تشبيه المال الذي أنفقوه وضيعوه بالحرث المذكور ويقدر كمثل مهلك ريح وهو الحرث ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بذلك لكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117) بارتكاب انفاق أموالهم لا على وجه يفيدهم عند الله تعالى او بارتكاب ما استحق به اهل الحرث العقوبة- اخرج ابن جرير وابن إسحاق عن ابن عباس قال كان رجال من المسلمين يواصلون رجالا من اليهود لما كان بينهم من الجوار والحلف فى الجاهلية فانزل الله تعالى. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً البطانة السريرة ويقال الصاحب الذي يعرّفه الرجل أسراره ثقة به مِنْ دُونِكُمْ اى من دون المسلمين اى من هو ادنى منكم رتبة وأسفل فيه نعت للمسلمين بانهم هم الأعلون فى الدنيا والاخرة وارشاد على طلب الأعالي للمصاحبة دون الأداني فان العزلة خير من الجليس السوء والجليس الصالح خير من العزلة- وصيغة من دونكم يشتمل اهل الأهواء ايضا من الروافض والخوارج وغيرهم فلا يجوز مباطنتهم كما لا يجوز مباطنة الكفار وقوله من دونكم متعلق بقوله لا تتخذوا او ظرف مستقر صفة لبطانة اى لا تتخذوا من دون المسلمين بطانة او بطانة كائنة من دونهم لا يَأْلُونَكُمْ اى لا يقصرون اى من هو على غير دينكم لكم خَبالًا شرا وفسادا بل يبذلون جهدهم فيما يورثكم شرا وفسادا منصوب على انه مفعول ثان للايألونكم على تضمين معنى المنع او النقص او منصوب بنزع الخافض اى لا يألونكم فى الخبال وَدُّوا ما عَنِتُّمْ ما مصدرية اى تمنوا شدة الضر والمشقة بكم قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ حيث لا يتمالكون أنفسهم لفرط بغضهم فيقولون فيكم ما يسوءكم بلا اختيار وقصد وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ من البغضاء أَكْبَرُ مما يبدون لانهم ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 119]

يظهرون مودتكم مكرا وخديعة قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ الدالة على عداوتهم او على وجوب الإخلاص لله وموالات المؤمنين ومعادات الكفار والجمل الاربعة «1» مستانفات على التعليل ويجوز ان يكون الثلاث الاول صفات لبطانة- وعلى كلا التقديرين التعليل بهذه الجمل او التقييد بها يفيد ان الكافر إذا لم يكن له عداوة مع مؤمن لاجل إيمانه ولا يقصد خبالا وكان بينه وبين مؤمن مودة لقرابة او غير ذلك لا بأس به كما كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ابى طالب وعباس قبل إسلامه عن عباس رضى الله عنه انه قال يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشىء فانه كان يحومك او يغضب لك قال نعم هو فى الضحضاح فى الأصل ما اجتمع من الماء على وجه: الأرض ما يبلغ الكعبين فاستعير للنار- نهايه منه رح ضحضاح من نار ولولا انا لكان فى الدرك الأسفل من النار- رواه مسلم واخرج البزار مثله عن جابر ومسلم عن حذيفة وابى سعيد الخدري إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) شرط استغنى عن الجزاء بما سبق يعنى فانتهوا عن موالاتهم وعادوهم او أخلصوا لله ووالوا المسلمين. ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ لقرابتهم منكم او لصداقتهم وَلا يُحِبُّونَكُمْ لمخالفة فى الدين- ها للتنبيه عن غفلتهم فى خطائهم وأنتم مبتدا وأولاء خبره يعنى أنتم أولاء الخاطؤن فى محبة الكفار وما بعده جملة مبينة لخطائهم قال الرضى الجملة الواقعة بعد اسم الاشارة لبيان المستغرب ولا محل لها من الاعراب وهى مستانفة- وقال البيضاوي هو خبر ثان لانتم او خبر لاولاء والجملة خبر أنتم وجاز ان يكون أولاء بمعنى الذي وما بعده صلته والموصول مع الصلة خبر أنتم وجاز ان يكون جملة تحبونهم حالا والعامل فيه معنى الاشارة وجاز ان يكون أولاء منادى بحذف حرف النداء وما بعده خبر أنتم يعنى أنتم يا أولاء الخاطئون بموالات الكفار تحبونهم- وجاز ان يكون أولاء منصوبا بفعل يفسره ما بعده والجملة خبر أنتم والمشار اليه باولاء الكفار والواو فى ولا يحبّونكم للحال والمعنى ها أنتم ايها المؤمنون تحبون أولاء الكفار والحال انهم لا يحبونكم وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ واللام للجنس اى تؤمنون بجنس الكتب كله- او للعهد اى تؤمنون بالتورية كلها- والجملة حال من مفعول لا يحبونكم بتقدير المبتدا حتى يصح الواو للحال تقديره وأنتم تؤمنون وتقديم المسند اليه على الخبر الفعلى للحصر يعنى الكفار لا يؤمنون والمعنى لا يحبونكم والحال أنتم تؤمنون بكتابهم

_ (1) فى الأصل الأربع-

[سورة آل عمران (3) : آية 120]

كله فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بشىء من كتابكم بل لا يؤمنون بكل التورية ايضا حيث ينكرون نعت النبي صلى الله عليه وسلم وفيه توبيخ بانهم فى باطلهم أصلب منكم فى حقكم وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا نفاقا آمَنَّا كما أمنتم بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقران وَإِذا خَلَوْا الى أنفسهم عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ أجل الْغَيْظِ فى الصحاح الغيظ أشد غضب وهو الحرارة التي يجدها الإنسان فى ثور ان دم قلبه يعنى يعضون انا ملهم تأسفا وتحسرا حين يرون دولتكم ولا يجدون سبيلا الى اضراركم من أجل غيظهم عليكم او لكراهتهم قولهم أمنا واضطرارهم اليه- وجاز ان يكون هذا مجازا عن شدة الغيظ وان لم يكن ثمه عض قُلْ يا محمد او خطاب لكل مؤمن وتحريض لهم بعداوتهم وحث لهم بخطابهم خطاب الأعداء فانه اقطع للمحبة من جراحة السنان مُوتُوا ايها الكفار والمنافقون بِغَيْظِكُمْ قيل هذا دعاء عليهم بدوام الغيظ وزيادته بتضاعف قوة الإسلام وفيه ان المدعو عليه لا يخاطب بل الله سبحانه يخاطب فى الدعاء والظاهر انه اخبار بانكم لن تروا ما يسركم واعلام بانا مطلعون على عداوتكم إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (119) اى بامور ذات الصدور يعنى ما فى صدورهم من الغيظ وهو يحتمل ان يكون داخلا فى المقول اى قل لهم ان الله يعلم ما فى قلوبكم فيفضحكم فى الدنيا ويعذبكم فى الاخرة ولا يفيدكم اخفاؤكم- وجاز ان يكون خارجا عنه متصلا بما قبله كالجمل اللاحقة يعنى وان لم تعلموا انهم لا يحبونكم ويعضون عليكم الأنامل فالله يعلم ذلك فعليكم اتباع ما أمركم الله به من البغض فى الله دون المحبة لاجل وصلات بينكم-. إِنْ تَمْسَسْكُمْ ايها المؤمنون حَسَنَةٌ نعمة من ظهور الإسلام وغلبتكم على عدوكم ونيل الغنيمة وخصب فى المعاش تَسُؤْهُمْ تحزنهم ذلك حسدا وفى لفظا المس اشعار الى انهم يحزنون على ادنى حسنة أصابتكم وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ اى ما يسوءكم من إصابة عدو منكم او حدب او نكبة يَفْرَحُوا بِها شماتة بما أصابكم الجملة الشرطية بيان لتناهى عداوتهم متصلة بالشرطية السابقة وبينهما اعتراض وَإِنْ تَصْبِرُوا على إذا هم او على المصائب كلها او ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 121]

على مشاق التكليف وَتَتَّقُوا موالاتهم وغيرها مما حرم الله عليكم لا يَضُرُّكُمْ قرا اهل الكوفة والشام بضم الضاد والراء من الضرر مجزوم فى جواب الشرط وضمة الراء للاتباع كضمة مد واهل الحرمين والبصرة بكسر الضاد وسكون الراء للجزم من ضار يضير الأجوف كَيْدُهُمْ يعنى قصد الكفار اضراركم على سبيل الإخفاء شَيْئاً من الضر يعنى لا يضركم كيدهم بفضل الله وحفظه الموعود للصابرين والمتقين ولان المجد فى الأمر المتدرب بالاتقاء والصبر يكون قليل الانفعال جريّا على الخصم ولان المؤمن يرجو فى المصيبة ثوابها الموعود فيفرح بها أشد مما يفرح فى النعمة والعاشق بعلمه ان ما أصابه انما هو من محبوبه يلتذّ بالمصيبة اكثر مما يلتذّ بالنعمة لان مراد المحبوب ألذّ عنده من مراد نفسه عن ابن عباس قال كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال يا غلام احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك وإذا سالت فاسئل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم ان الامة لو اجتمعت على ان ينفعوك بشىء لم ينفعوك الا بشىء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا ان يضروك بشىء لم يضروك الا بشىء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجف الصحف- رواه احمد والترمذي وقال حسن صحيح وعن ابى ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انى لا علم اية لو أخذ الناس بها لكفتهم وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ رواه احمد وابن ماجة والدارمي وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ربكم عز وجل لو ان عبيدى أطاعوني لاسقيت عليهم المطر بالليل واطلعت عليهم الشمس بالنهار ولم أسمعهم صوت الرعد- رواه احمد وعن صهيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عجبا لامر المؤمن ان امره له كله خير وليس ذلك لاحد الا للمؤمن ان أصابته سراء شكر فكان خيرا له وان أصابته ضراء صبر فكان خيرا له رواه مسلم إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ اى الكفار من اضرارهم بالمؤمنين مُحِيطٌ (13) بعلمه فيجازيهم عليه ويحفظكم عن اضرارهم ان شاء ويجازيكم على الضراء ان أراد بكم. وَاذكر إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ تنزلهم وتسوّى وهى لهم مَقاعِدَ مواطن ومواقف من الميمنة والقلب والساقة لِلْقِتالِ متعلق ... ...

بتبوئ وَاللَّهُ سَمِيعٌ لاقوالهم عَلِيمٌ (131) لنياتهم قال الحسن هو يوم بدر وقال مقاتل يوم الأحزاب- وقال سائر المفسرين وهو الصحيح انه هو يوم أحد اخرج ابن ابى حاتم وابو يعلى عن المسور بن مخرمة انه قال لعبد الرحمن بن عوف أخبرني عن قصتكم يوم أحد قال اقرأ بعد العشرين ومائة من ال عمران تجد قصتنا وإذ غدوت من أهلك الى قوله إذ همّت طائفتن منكم ان تفشلا قال هم الذين طلبوا الامان من المشركين الى قوله وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ الاية قال هو تمنى المؤمنين لقاء العدو الى قوله أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ قال هو صاح الشيطان يوم أحد قتل محمد الى قوله أَمَنَةً نُعاساً قال القى عليهم النوم الى اخر «1» ستين اية (يعنى الى قوله تعالى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ويتلوه قوله تعالى لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ) قال ابن إسحاق رحمه الله وكان مما انزل الله تعالى فى يوم أحد يعنى فى شأن يوم أحد ستون اية من ال عمران فيها صفة ما كان فى يومهم ذلك ومعاتبة من غاب منهم قال مجاهد والكلبي والواقدي غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزل عائشة رضى الله عنها فمشى على رجليه الى أحد فجعل يصف أصحابه للقتال كما يقوم القدح- واخرج ابن جرير والبيهقي فى الدلائل من طريق محمد بن إسحاق عن رجاله ورواه عبد الرزاق فى مصنفه عن معمر عن الزهري ان المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء ثانى عشر شوال سنة ثلاث من الهجرة وكانوا ثلاثة آلاف فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ودعا عبد الله بن ابى بن سلول ولم يدعه قط قبلها فقال هو واكثر الأنصار أقم يا رسول الله بالمدينة لا تخرج إليهم فو الله ما خرجنا الى عدو منا قط الا أصاب منا ولادخلها علينا الا أصبنا منه فكيف وأنت فينا فدعهم فان أقاموا أقاموا بشر مجلس وان دخلوا قاتلهم الرجال فى وجوههم ورماههم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم وان رجعوا رجعوا خائبين فاعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الرأى وكان هذا رأى الأكابر من المهاجرين والأنصار وقال حمزة بن عبد المطلب وسعد بن عبادة والنعمان بن مالك فى طائفة من الأنصار رضى الله عنهم (غالبهم احداث لم يشهدوا البدر وطلبوا الشهادة وأحبوا إلقاء العدو وأكرمهم الله بالشهادة يوم الأحد) اخرج بنا يا رسول الله الى هذه الا كلب لا يرون انا حببنا عنهم وضعفنا- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم

_ (1) فى الأصل الى الأخر

انى رايت فى منامى بقرا فاولتها خيرا ورايت فى ذباب سيفى ثلما فاولتها هزيمة ورايت انى ادخلت يدى فى درع حصينة فاولتها المدينة فان رايتم ان تقيموا بالمدينة وكان يعجبه ان يدخلوا عليهم المدينة فيقاتلوهم فى الازقة- روى احمد والنسائي والدارمي بسند صحيح بلفظ رايت فى درع حصينة ورايت بقرا تنحر فاولت ان الدرع الحصينة المدينة وان البقر خير والله- وروى البزار والطبراني عن ابن عباس قال لما نزل ابو سفيان وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه انى رايت فى المنام سيفى ذا الفقار انكسر وهى مصيبة ورايت بقرا تذبح وهى مصيبة ورايت علىّ درعى وهى مدينتكم لا يصلون إليها ان شاء الله قال ابن إسحاق وابن عقبة وابن سعد وغيرهم كانت هذه الرؤيا ليلة الجمعة- قال عروة وكان الذي راى بسيفه ما أصاب وجهه- وقال ابن هشام واما الثلم فى السيف فرجل من اهل بيتي يقتل وفى رواية ثم هززته يعنى السيف مرة اخرى فعاد احسن ما كان فاذا هو ما جاء الله به من الفتح- وقال حمزة والذي انزل عليك لا اطعم اليوم طعاما حتى أجالدهم بسيفى خارج المدينة وكان يوم الجمعة صائما ويوم السبت صائما- وقال «1» النعمان بن مالك يا رسول الله لا تحرمنا الجنة فو الذي نفسى بيده لادخلنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قال انى أحب الله ورسوله وفى لفظ اشهد ان لا اله الا الله وانك رسول الله ولا أفر يوم الزحف فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقت فاستشهد يومئذ وحث مالك بن سنان الخدري وإياس بن عتيك على الخروج للقتال- فلما أبوا الا ذلك صلى الجمعة بالناس فوعظهم وأمرهم بالجد والاجتهاد وأخبرهم ان لهم النصر ما صبروا ففرح الناس بالشخوص الى عدوهم وكره ذلك المخرج بشر كثير وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بالناس وحضر اهل العوالي ورفعوا النساء فى الآطام ودخل بيته ومعه ابو بكر وعمر وقد صف الناس له ما بين حجرته الى منبره ينتظرون خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء سعد بن معاذ وأسيد بن حضير فقال للناس استكرهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلتم له ما قلتم والوحى ينزل اليه من السماء فردوا الأمر اليه فما أمركم به فافعلوا فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لبس لامته ولبس الدرع اى السلاح- منه رح

_ (1) فى الأصل وقال وقال

فاظهرها وحزم وسطه بمنطقة من حمائل السيف من آدم واعتم وتقلد السيف- وندم الناس على إكراهه فقالوا يا رسول الله استكرهناك ولم يكن لنا ذلك فان شئت فاقعد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعوتكم الى هذا الحديث فابيتم وما ينبغى لنبى إذا لبس لامته ان يضعها حتى يقاتل انظروا ما أمركم به فاتبعوه امضوا على اسم الله فلكم النصر ما صبرتم ووجد مالك بن عمرو النجاري قد مات ووضعوه عند موضع الجنائز فصلى عليه ثم خرج ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسه السكب وتقلد القوس وسعد بن عبادة وسعد بن معاذ وكل منهما دارع والناس عن يمينه وشماله حتى «1» إذا انتهى الى رأس الثنية رأى كتيبة خشنا لها رحل فقال ما هذا قالوا «2» هؤلاء حلفاء عبد الله بن ابى من اليهود فقال اسلموا فقيل لا فقال انا لا نستنصر باهل الشرك على اهل الشرك وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فعسكر بالشيخين وهما اطمان- وعرض «3» على رسول الله صلى الله عليه وسلم عسكر فاستصغر غلمانا فردهم رد سبعة عشر وهم أبناء اربعة عشر وعرضوا عليه وهم أبناء خمسة عشر فاجازهم منهم عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت واسامة بن زيد وزيد بن أرقم والبراء بن عاذب وابو سعيد الخدري وأوس بن ثابت الأنصاري- وأجاز رافع بن خديج بعد الرد لما قيل انه رام فقال سمرة بن جندب أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم رافع بن خديج وردنى وانا اصرعه فاعلم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تصارعا فصرع سمرة رافعا فاجازه- فلما فرغ العرض وغابت الشمس اذن بلال بالمغرب فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه ثم اذن بالعشاء فصلى بهم وبات بالشيخين واستعمل على الحرس تلك الليلة محمد بن مسلمة فى خمسين رجلا يطوفون بالعسكر ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان السحر فصلى الصبح ثم قال اين الأدلاء من رجل يخرج بنا من كثب لا يمر بنا عليهم فقام ابو خثيمة الحارثي فقال انا يا رسول الله فسلك به فى حرة بنى حارثة وبين أموالهم حتى سلك فى مال لمربع بن قنطى وكان منافقا ضرير البصر فلما سمع حس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين قام يحثو التراب فى وجوههم ويقول ان كنت رسول الله فانى لا أحل لك ان تدخل حائطى وأخذ حفنة من تراب ثم قال والله لو اعلم انى لا أصيب غيرك لضربت بها وجهك- فابتدر لا القوم

_ (1) فى الأصل حتى انتهى. (2) فى الأصل قال. (3) فى الأصل وعرض رسول الله.

[سورة آل عمران (3) : آية 122]

ليقتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتلوه فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر وقد بدر اليه سعد بن زبدة الأشهلي قبل نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربه بالقوس فشجه- وكان رسول الله خرج الى أحد فى الف رجل وقيل فى تسعمائة وخمسين رجلا فلما بلغوا بالمهملات الخلط اى مقام خلط العسكرين- منه رح السوط انحزل عبد الله بن ابى بثلث الناس ورجع فى ثلاثمائة وقال علام نقتل أنفسنا وأولادنا فتبعهم ابو جابر السلمى فقال أنشدكم فى نبيكم وفى أنفسكم فقال عبد الله بن ابى لو نعلم قتالا لاتّبعنكم وبقي رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سبعمائة وفرسه وفرس لابى بردة وقال ابن عقبة لم يكن مع المسلمين فرس- وهمت بنوا سلمة من الخزرج وبنوا حارثة من الأوس وكانا جناحى العسكر بالانصراف مع عبد الله بن أبيّ فعصمهم الله فلم ينصرفوا فذكّرهم الله تعالى عظيم نعمته وقال. إِذْ هَمَّتْ بدل من قوله إذ غدوت او ظرف عمل فيه سميع عليم طائِفَتانِ يعنى بنى حارثة وبنى سلمة مِنْكُمْ فيه تعريض على ابن أبيّ انهم ليسوا منكم ولذا لم يذكر رجوعهم أَنْ تَفْشَلا اى ان تجبنا وتضعفا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما اى محبهما او المعنى عاصمهما عن اتباع تلك الخطرة او المعنى والله ناصرهما ومتولى أمرهما فما لهما تفشلان ولا يتوكلان وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) وتقديم الظرف للحصر يعنى فليتوكلوا عليه لا على غيره فلا يفشلوا بفرار المنافقين عن جابر بن عبد الله قال فينا نزلت هذه الاية- قالوا ما سرّنا انا لم نهم بالذي هممنا به وقد اخبر الله تعالى انه ولينا- ثم ذكّرهم ما يوجب التوكل مما يسّر لهم الله من الفتح يوم بدر وهم فى حالة قلة وذلة فقال. وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ الأكثرون على ان بدرا اسم لموضع بين مكة والمدينة وقيل اسم لبير هناك قيل كانت بدر بيرا «1» الرجل يقال له بدر قاله الشعبي وأنكره الآخرون وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ جمع ذليل حال من الضمير- وانما قال اذلة ولم يقل ذلائل ليدل على قلتهم مع ذلتهم لضعف الحال وقلة المراكب والسلاح فانهم كانوا ثلاثمائة رجل «2» ومعهم سبعين بعيرا يعتقبون عليها وفرسان فرس لمقداد وفرس لزبير بن العوام فَاتَّقُوا اللَّهَ فى الثبات لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) ما أنعم به عليكم بتقواكم من نصره او لعلكم بنعم الله عليكم فتشكرون فوضع الشكر موضع الانعام لانه سببه وفيه تنبيه

_ (1) فى الأصل بير- (2) فى الأصل رجلا-

[سورة آل عمران (3) : آية 124]

على انه لا بد ان يكون نظر العبد فى الانعام على الشكر وانه انما يرغب فى الانعام لانه وسيلة للشكر. إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ظرف لنصركم على ما قال قتادة انه كان هذا يوم بدر أمدهم الله تعالى بألف من الملائكة كما قال فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف كما ذكر هاهنا- اخرج ابن ابى شيبة فى المصنف وابن ابى حاتم عن الشعبي انه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين يوم بدر ان كرز بن جابر المحاربي يريد ان يمد المشركين فشق ذلك عليهم فانزل الله تعالى أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) قرا ابن عامر بفتح النون وتشديد الزاء من التفعيل على التكثير هاهنا وفى العنكبوت انّا منزلون والآخرون بسكون النون والتخفيف من الانزال استفهام لانكار ان لا يكفيهم ذلك- وجئ بلن اشعارا بانهم كانوا كالايسين من النصر لضعهم وقلتهم وقوة العدو وكثرتهم. بَلى إيجاب لما بعد لن اى بلى يكفيهم ذلك- ثم وعدهم بالزيادة بشرط الصبر والتقوى حثّا عليهما وتقوية لقلوبهم إِنْ تَصْبِرُوا على القتال وَتَتَّقُوا خلاف ما يأمركم به رسول الله صلى الله عليه وسلم وَيَأْتُوكُمْ اى المشركون مِنْ فَوْرِهِمْ هذا اى من ساعتهم هذه وهو فى الأصل مصدر فارت القدر فورا إذا غلت فاستعير للسرعة ثم اطلق للحال التي لا تراخى عنه والمعنى ان يأتوكم فى الحال حال ضعفكم وقوتهم- قلت الظاهر ان التقييد بالفور لا مفهوم له بل للترقى والمعنى ان يأتوكم بالتراخي بعد ما تقوون على قتالهم ينصركم الله بالطريق الاولى وان يأتوكم من فورهم هذا ايضا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ الامداد اعانة الجيش بالجيش بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) روى ابن ابى شيبة وابن ابى حاتم عن الشعبي انه بلغت كرزا الهزيمة فلم يمد المشركين فلم يمد المسلمين بخمسة آلاف والله اعلم- قرا ابن كثير وابو عمرو وعاصم مسوّمين بكسر الواو على وزن اسم الفاعل والباقون بالفتح على وزن اسم المفعول من التسويم بمعنى الاعلام «1» قال قتادة والضحاك كانوا قد اعلموا بالعهن فى نواصى الخيل وإذ نابها- واخرج ابن ابى شيبة فى المصنف

_ (1) اخرج الطبراني وابن مردوية بسند ضعيف عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قوله تعالى مسومين اى معلمين قال ابن عباس كان سماء الملائكة يوم بدر عمائم سود ويوم أحد عمائم حمر- منه رحمه الله

عن عمرو بن إسحاق مرسلا انه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه يوم بدر تسوّموا فان الملائكة قد تسوّمت بالصوف الأبيض فى قلانسهم ومغافرهم «1» - وكذا اخرج ابن جرير وزاد وقال وهو أول يوم وضع فيه الصوف او بمعنى الاسامة يعنى الإرسال يعنى مرسلين قال عروة بن الزبير كانت الملائكة على خيل بلق عليهم عمائم صفر- وقال على وابن عباس رضى الله عنهم كانت عليهم عمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم- وقال هشام بن عروة والكلبي عليهم عمائم صفر مرخاة على أكتافهم- قال قتادة فصبروا يوم بدر واتقوا فامدهم بخمسة آلاف كما وعد- وقال الحسن فهؤلاء الخمسة آلاف ردء للمؤمنين الى يوم القيامة يعنى بشرط الصبر والتقوى وقال ابن عباس ومجاهد لم يقاتل الملائكة فى المعركة الا يوم بدر وفيما سوا ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون انما يكونون عددا ومددا- وقال جماعة وعد الله المسلمين يوم بدر ان صبروا على طاعته واتقوا محارمه ان يمدهم فى حروبهم كلها فلم يصبروا الا فى يوم الأحزاب- فامدهم حين حاصروا قريظة والنضير- قال عبد الله بن ابى اوفى كنا محاصرى قريظة والنضير ما شاء الله تعالى فلم يفتح لنا فرجعنا فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسل فهو يغسل رأسه إذ جاءه جبرئيل عليه السلام فقال وضعتم أسلحتكم ولم يضع الملائكة أوزارها فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخرقة فلف بها رأسه ولم يغسله ثم نادى فينا فقمنا حتى اتينا قريظة والنضير فيومئذ امدّنا الله تعالى بثلاثة آلاف من الملائكة ففتح لنا فتحا يسيرا- وقال الضحاك وعكرمة كان قوله تعالى إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ الاية حكاية عن يوم أحد وعدهم المدد ان صبروا واتقوا فلم يصبروا وخالفوا الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يمدوا وعلى هذا قوله تعالى إِذْ تَقُولُ بدل ثان من إذ غدوت- وقال مجاهد والضحاك معنى قوله تعالى من فورهم من غضبهم هذا لانهم انما رجعوا للحرب يوم أحد من غضبهم ليوم بدر وقد امدّ الله تعالى رسوله فى تلك الوقعة بجبرئيل وميكائيل لصبره وتقواه عن سعد بن ابى وقاص قال رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه عليهما ثياب بيض كاشد القتال ما رايتهما قبل ولا بعد متفق عليه والرجلان جبرئيل وميكائيل- قال محمد بن إسحاق لما كان يوم أحد

_ (1) المغفر هو ما يلبسه الدارع على رأسه من الرادع- منه رحمه الله

[سورة آل عمران (3) : آية 126]

انجلى القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي سعد بن مالك يرمى وفتى شاب ينبل له فلما فنى النبل أتاه به جبرئيل فنثره فقال ارم أبا إسحاق مرتين فلما انجلت المعركة سئل عن ذلك الرجل فلم يعرف. وَما جَعَلَهُ اللَّهُ اى ما جعل امدادكم بالملائكة إِلَّا بُشْرى اى بشارة لَكُمْ بالنصر وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ «1» فلا تجزعون من كثرة أعدائكم وقلتكم فان الإنسان معتاد بتشبث الأسباب فيطمئن قلبه عند ملاحظة الأسباب بالنصر عند كثرة الأعوان وَمَا النَّصْرُ فى الحقيقة إِلَّا مِنْ «2» عِنْدِ اللَّهِ لا من العدة والعدد لان الأسباب كلها عادية وافعال العباد بشرا كان او ملائكة مخلوقة لله تعالى الْعَزِيزِ الغالب الذي لا يغلب عليه أحد الْحَكِيمِ (126) الذي ينصر او يخذل بوسط وبغير وسط على مقتضى الحكمة تفضلا من غير ان يجب عليه شىء. لِيَقْطَعَ متعلق بقوله لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ او بقوله يمددكم او بقوله وما النّصر ان كان اللام للعهد طَرَفاً اى طائفة مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا فى القاموس الطرف الناحية وطائفة من الشيء والرجل الكريم يعنى نصركم لكى يهلك جماعة منهم فقتل من قادتهم وسادتهم يوم بدر سبعون واسر سبعون- ومن حل الاية على حرب أحد فقال قد قتل منهم يومئذ ستة عشر وكانت النصرة للمؤمنين حتى خالفوا امر رسول الله صلى الله عليه فانقلب عليهم أَوْ يَكْبِتَهُمْ فى الصحاح الكبت الرد بعنف وفى القاموس كبته يكبته صرعه وأخزاه وصرفه وكسر؟؟؟ رد العدو بغيظة واذلة قلت وهذه المعاني كلها لازمة للهزيمة وكلمة او للتنويع لا للترديد يعنى نصركم لكى يهلك طائفة من الكفار ويهزم سائرهم فَيَنْقَلِبُوا الى بلادهم خائِبِينَ (127) لم ينالوا شيئا مما أرادوا- روى مسلم واحمد عن انس ان النبي صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته

_ (1) فى الأصل به قلوبكم. (2) عن عياض الأشعري قال شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء ابو عبيدة ويزيد بن ابى سفيان وابن حسنة وخالد بن الوليد وعياض وليس عياض هذا قال وقال عمر إذا كان قتالا فعليكم ابو عبيدة فكتبنا اليه انه قد جاء إلينا الموت فاستمددناه فكتب إلينا انه قد جاءنى كتابكم تستمدونى وانى أدلكم على من هو أعز نصرا واحضر جندا الله عز وجل فاستنصروه فان محمدا صلى الله عليه وسلم قد نصر يوم بدر فى اقل من عدتكم فاذا جاءكم كتابى هذا فقاتلوهم ولا تراجعونى فقاتلناهم فهزمنا اربع فراسخ- منه رح

[سورة آل عمران (3) : آية 128]

يوم أحد وشج وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال كيف يصلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم الى ربهم فانزل الله تعالى. لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ شىء اسم ليس ولك خبره واللام بمعنى الى كما فى قوله مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ ومن الأمر حال من شىء روى احمد والبخاري عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اللهم العن فلانا وفى رواية اللهم العن أبا سفيان اللهم العن الحرث بن هشام اللهم العن سهيل بن عمرو اللهم العن صفوان بن امية فنزلت هذه الاية الى آخرها فتيب عليهم كلهم وروى البخاري عن ابى هريرة نحوه قال الحافظ ابن حجر طريق الجمع انه صلى الله عليه وسلم دعا على المذكورين فى صلاته بعد ما وقع له من الأمر المذكور يوم أحد فنزلت الاية فى الامرين معا فيما وقع له وفيما نشأ عنه من الدعاء عليهم- وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن إسحاق لما راى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يوم أحد ما نال أصحابهم من جزع الاذان والأنوف وقطع المذاكير قالوا لئن انا لنا الله منهم لنفعلن بهم مثل ما فعلوا ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد فانزل الله تعالى هذه الاية- وقيل أراد النبي ان يدعوا عليهم بالاستيصال فنزلت هذه الاية وذلك لعلمه تعالى فيهم بان كثيرا منهم يسلمون لكن يشكل ما رواه مسلم من حديث ابى هريرة انه صلى الله عليه وسلم كان يقول فى الفجر اللهم العن رعلا وذكوان وعصية حتى انزل الله تعالى هذه الاية فان قصة رعل وذكوان كان بعد ذلك وهم اهل بير معونة بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين رجلا من القراء ليعلموا الناس القران والعلم أميرهم المنذر بن عمرو- فقتلهم عامر بن الطفيل فوجد من ذلك وجدا شديدا وقنت شهرا فى الصلوات كلها يدعو على جماعة من تلك القبائل باللعن والسنين- قال الحافظ ثم ظهرت لى علة فى حديث ابى هريرة هذه وان فيه إدراجا فان قوله حتى انزل الله منقطع من رواية الزهري عمّن بلغه بيّن ذلك مسلم وهذا البلاغ لا يصح- ويحتمل ان يقال ان قصة رمل وذكوان كان عقيب غزوة أحد باربعة أشهر فى صفر سنة اربع من الهجرة فلعلها نزلت فى جميع ذلك وتأخير نزول الاية عن سبب نزولها قليلا غير مستبعد- وورد فى سبب نزول الاية ايضا ما أخرجه البخاري فى تاريخه وابن إسحاق عن سالم بن عبد الله بن عمر قال جاء رجل من قريش الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 129]

انك تنهى عن الشيء ثم تحول فحول قفاه الى النبي صلى الله عليه وسلم وكشف استه فلعنه ودعا عليه فانزل الله تعالى هذه الاية ثم اسلم الرجل فحسن إسلامه وهو مرسل غريب أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ان اسلموا أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فى الدنيا بالقتل والاسر وفى الاخرة بالنار ان أصروا على الكفر فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (128) تعليل للتعذيب قال الفراء كلمة او فى قوله او يتوب عليهم بمعنى حتى وقال ابن عيسى انها بمعنى الّا ان كقولك لا لزمنك او تعطينى حقى يعنى ليس مفوضا إليك من أمرهم من التعذيب او الانجاء شىء حتى يتوب الله عليهم بإسلامهم فتفرح به او يعذبهم بظلمهم فتشفى منهم- وقيل يحتمل ان يكون او يتوب عليهم معطوفا على الأمر او على شىء بإضمار ان والمعنى ليس لك من أمرهم او من التوبة عليهم او من تعذيبهم شىء انما أنت عبد مامور بانذارهم وجهادهم والأمر كله لله قال التفتازانيّ فهو من قبيل عطف الخاص على العام وفى مثله بكلمة او نظر وأجيب بان هذا إذا كان الأمر بمعنى الشأن- ولك ان تجعل الأمر بمعنى التكليف والإيجاب- والمعنى ليس ما تأمر به من عندك وليس الأمر وإيجاب الواجبات بيدك ولا التوب عليهم ولا التعذيب قلت ولو كان نزول الاية متصلا بما قبله فالظاهر ان يكون قوله او يتوب عليهم معطوفا على قوله او يكبتهم والمعنى نصركم الله ببدر ليقطع ويهلك طائفة من الذين كفروا بالقتل او يكبت طائفة منهم بالهزيمة او يتوب على طائفة منهم بالإسلام او يعذب طائفة منهم بالأسر وأخذ الفدية فهو بيان لانواع احوال الكفار وقوله لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ جملة معترضة لمنعه عن الدعاء عليهم. وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقا وملكا فله الأمر كله لا لغيره يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ مغفرته بفضله بعد توفيقه للاسلام سواء تاب او لم يتب وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه صريح فى نفى وجوب التعذيب عليه وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129) فلا تبادر بالدعاء عليهم- اخرج الفرياني عن مجاهد قال كانوا يتبايعون الى الاجل فاذا حل الاجل زادوا عليهم وزادوا فى الاجل فنزلت. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً اى زيادات مكررة فهو نهى عن الربوا مع توبيخ على ما كانوا يعملونه لا ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 131]

للاحتراز وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما نهيتم عنه من الربوا وغيره لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) راجين الفلاح. وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (131) قال البيضاوي فيه تنبيه على ان النار بالذات معدة للكافرين وبالعرض لعصاة المؤمنين- قلت والظاهر ان النعت للتخصيص والنار المعدة للكافرين مغائرة للنار المعدة للعصاة فيكون فيه اشارة الى ان أكل الربوا يوجب قساوة القلب بحيث ربما يفضى الى الكفر ويؤيده ما فى المدارك انه كان ابو حنيفة رحمه الله يقول هى أخوف اية فى القران حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين ان لم يتقوه فى اجتناب محارمه وقد أمد ذلك بما اتبعه من تعليق رجاء المؤمنين لرحمته بتوفرهم على طاعته وطاعة رسوله بقوله. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) راجين رحمته وعلى كلا التأويلين يعنى سواء كانت النار بالذات معدة للكافرين وبالعرض للعصاة او كانت النار المعدة للكافرين مغائرة للنار المعدة للعصاة فى هذه الاية رد على المرجئة حيث قالوا لا يضر مع الايمان معصية قال اكثر المفسرين ان لعل وعسى من الله تعالى للتحقيق والظاهر انه لا يفيد الوجوب بل يفيد الرجاء مع بقاء الخوف وقال البيضاوي ان لعل وعسى فى أمثال ذلك دليل على عرة التوصل الى ما جعل خبرا له. وَسارِعُوا معطوف على أطيعوا قرا نافع وابن عامر بحذف واو العطف والباقون بالواو إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ قال ابن عباس الى الإسلام وروى عنه الى التوبة قاله عكرمة وقال على بن ابى طالب رضى الله عنه الى أداء الفرائض- وروى عن انس بن مالك انها التكبيرة الاولى ومرجع الأقوال كلها الى ما يستحق به مغفرة الذنوب الموجب للتفصى من النار ورحمة الله تعالى الموجب لدخول الجنة من الإسلام والاعتقادات الحقة والأخلاق والأعمال الصالحة وقد مر فيما سبق حديث ابى امامة بادروا بالأعمال هرما ناغضا الحديث وعن ابى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بادروا بالأعمال سبعا ما تنظرون الا فقرا منسيا او غنى مطغيا او مرضا مفسدا او هرما مفندا او موتا مجهزا او الدجال فانه شر منتظر او الساعة والسّاعة أدهى وامرّ رواه الترمذي والحاكم عَرْضُهَا اى سعتها صفة للجنة السَّماواتُ وَالْأَرْضُ اى كعرضهما وسعتهما وهذا على التمثيل دون الحقيقة فان أوسع ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 134]

المسافات المكانية فى ظن العوام سعة السموات والأرض فمثل فى هذه الاية بها كما مثل فى قوله تعالى خلدين فيها ما دامت السّموات والأرض المسافة الزمانية للخلود فى الجنة بمدة دوامها يعنى عند ظنكم قال البغوي سئل انس بن مالك رضى الله عنه عن الجنة أفي السماء أم فى الأرض فقال فاى ارض وسماء تسع الجنة فقيل فاين هى قال فوق السموات السبع تحت العرش وقال قتادة كانوا يرون ان الجنة فوق السموات السبع وان جهنم تحت الأرضين السبع- اخرج ابو الشيخ فى العظيمة من طريق ابى الزعراء عن عبد الله قال الجنة فى السماء السابعة العليا (قلت يعنى فوقها) والنار فى الأرض السابعة السفلى قلت يعنى تحتها أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) حقيقة التقوى وهم الذين اتقوا من شغل قلوبهم بغير الله ومن رذائل أنفسهم ويجرى فيه التأويلان كما جريا فى النار التي أعدت للكافرين-. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ اى المسرة بكثرة المال وَالضَّرَّاءِ اى النقص فى الأموال كذا فى القاموس اى لا يخلون فى حال ما من الانفاق بما قدروا عليه من قليل او كثير قال البغوي أول ما ذكر من اخلاقهم الموجبة للجنة السخاء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار وجاهل سخى أحب الى الله من عابد بخيل رواه الترمذي عن ابى هريرة وذكر البغوي بلفظ أحب الى الله من العالم البخيل- ورواه البيهقي عن جابر والطبراني عن عائشة وعن ابن عباس مرفوعا السخاء خلق الله الأعظم رواه ابن النجار- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم السخاء شجرة من أشجار الجنة أغصانها متدليات فى الدنيا فمن أخذ يغصن منها قادة ذلك الغصن الى الجنة والبخل شجرة من أشجار النار أغصانها متدليات فى الدنيا فمن أخذ بغصن من أغصانها قاده ذلك الغصن الى النار رواه الدارقطني والبيهقي عن على عليه السلام وابن عدى والبيهقي عن ابى هريرة رضى الله عنه وابو نعيم فى الحلية عن جابر رضى الله عنه والخطيب عن ابى سعيد رضى الله عنه وابن عساكر عن انس رضى الله عنه والديلمي فى مسند الفردوس عن معاوية رضى الله عنه وعن ابى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبق درهم مائة الف فقال رجل وكيف ذاك يا رسول الله فقال رجل له مال كثير أخذ من عرضه مائة الف درهم تصدق بها ورجل ... ...

ليس له الا درهمان فاخذ أحدهما فتصدق به رواه النسائي وصححه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ الكظم حبس النفس عند امتلائها يعنى الكافين أنفسهم عن إمضاء الغيظ مع القدرة من كظمت القربة إذا ملاتها وشددت رأسها عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملا الله قلبه أمنا وايمانا رواه احمد وعبد الرزاق وابن ابى الدنيا فى ذم الغضب- وروى البغوي عن انس مرفوعا بلفظ من كظم غيظا وهو يقدران ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤس الخلائق حتى يخيره من اىّ الحور شاء وروى ابن ابى الدنيا عن ابن عمر مرفوعا من كف غضبه ستر الله عورته وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ قال الكلبي العافين عن المملوكين سوء الأدب- وقال زيد بن اسلم ومقاتل العافين عمن ظلمهم وأساء إليهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان هؤلاء من أمتي قليل الا من عصم الله- رواه الثعلبي فى تفسيره عن مقاتل والبيهقي فى مسند الفردوس من حديث ابن مالك وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (133) اللام للجنس ويدخل تحته هؤلاء او للعهد فيكون اشارة إليهم ووضع المظهر موضع المضمر للمدح والاشارة الى ان تلك صفات المحسنين عن الثوري الإحسان ان تحسن الى المسيء فان الإحسان الى المحسن متاجّرة- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان فى الصحيحين من حديث عمر فى قصة سوال جبرئيل الإحسان ان تعبد ربك كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك قلت فالمحسنون هم الصوفية ولعل كظم الغيظ كناية عن فناء النفس لان الغيظ منشاه رذائل النفس من الكبر والحسد والحقد والبخل ونحو ذلك ولعل العفو عن الناس كناية عن فناء القلب لان بفناء القلب يسقط الناس عن نظر اعتباره ويرى الافعال كلها منسوبة الى الله تعالى فلا يرى جواز مواخذة أحد من الناس بشىء مما اتى به الا لحق الله تعالى على حسب ما امر به امتثالا وتعبدا ولعل الانفاق فى السراء والضراء عبارة عن عدم اشتغال قلوبهم بامتعة الدنيا والله اعلم- لمّا ذكر الله سبحانه فى هذه الاية المتقين المحسنين العارفين عقبهم بذكر اللاحقين ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 135]

بهم التائبين فقال. وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً فعلى هذا الموصول مبتدا وجملة أولئك جزاؤهم الاية خبره- وجاز ان يكون الموصول معطوفا على المتقين او على الذين ينفقون فعلى هذا جملة أولئك مستانفة والأظهر هو الاول قال ابن مسعود قال المؤمنون يا رسول الله كانت بنوا إسرائيل أكرم على الله منا كان أحدهم إذا أذنب أصبح وكفارته مكتوبة فى عتبة بابه اجدع انفك او اذنك افعل كذا فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فانزل الله تعالى هذه الاية- وقال عطاء نزلت فى نبهان التمّار وكنيته ابو معبد أتته امراة حسناء تبتاع منه تمرا فقال لها ان هذا التمر ليس بجيد وفى البيت أجود منه فذهب بها الى بيته فضمها الى نفسه وقبلها فقالت له اتق الله فتركها وندم على ذلك فاتى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر ذلك له فنزلت هذه الاية- وقال مقاتل والكلبي أخي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجلين أحدهما من الأنصار والاخر من ثقيف فخرج الثقفي فى غزاة واستخلف الأنصاري على اهله فاشترى لهم اللحم ذات يوم فلما أرادت المرأة ان تأخذ منه دخل على اثرها وقبل يدها ثم ندم وانصرف ووضع التراب على رأسه وهام على وجهه- فلما رجع عليه الثقفي لم يستقبله الأنصاري فسال امرأته عن حاله فقالت لا اكثر الله فى الاخوان مثله ووصفت له الحال والأنصاري يسيح فى الجبال تائبا مستغفرا فطلبه الثقفي حتى وجده فاتى به أبا بكر رجاء ان يجد عنده راحة وفرجا وقال الأنصاري هلكت وذكر القصة فقال ابو بكر ويحك ما علمت ان الله تعالى يغار للغازى ما لا يغار للمقيم ثم لقيا عمر فقال مثل ذلك فاتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له مثل مقالتهما فانزل الله تعالى هذه الاية- واصل الفحش القبح والخروج عن الحد والمراد بالفاحشة هاهنا الكبيرة لخروجه عن الحد فى القبح والعصيان وقال جابر الفاحشة الزنى أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالصغائر او بما دون الزنى من القبلة والمعانقة واللمس وقيل فعلوا فاحشة قولا او ظلموا أنفسهم فعلا وقيل الفاحشة ما يتعدى الى غيره وظلم النفس ما ليس كذلك وهذا اظهر ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ يعنى ذكروا وعيد الله وان الله سائلهم فندموا وتابوا واستغفروا وقال مقاتل بن حبان ذكروا لله باللسان عند الذنوب قلت يمكن ان يقال المراد بذكر الله صلوة الاستغفار لحديث علىّ عن ابى بكر رضى الله عنهما انه ... ...

سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من عبد مؤمن وفى رواية ما من رجل يذنب ذنبا فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلى ثم يستغفر الله الا غفر الله له رواه ابو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان وزاد الترمذي ثم قرا وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ الاية وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ استفهام بمعنى النفي حتى صح المفرغ يعنى لا يغفر الذنوب أحد الا الله فان العافين عن الناس من الناس انما يعفون حقوقهم دون الذنوب والمعاصي التي هى حقوق الله تعالى او يقال العافي عن الناس منهم يعفوا رجاء لمغفرة الله تعالى فهو المتجر وغافر الذنب بلا غرض ومنفعة انما هو الله تعالى والجملة معترضة بين المعطوفين لبيان سعة رحمة الله وعموم المغفرة والحث على الاستغفار والوعد بقبول التوبة وجاز ان يكون حالا بتقدير القول يعنى قائلين ومن يغفر او معطوفة على مفعول ذكروا يعنى ذكروا الله وذكروا مغفرته وتوحده فى تلك الصفة وَلَمْ يُصِرُّوا الإصرار التقعد فى الذنب والتشدد فيه والامتناع من الإقلاع كذا فى الصحاح يعنى لم يقيموا عَلى ما فَعَلُوا من الذنوب وبهذا يظهر ان العزم على ترك الفعل شرط للاستغفار كالندم على الفعل فلا بد للاستغفار من العزم على الترك وان صدر منه بعد ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصر من استغفر وان عاد فى اليوم سبعين مرة- رواه ابو داود والترمذي من حديث ابى بكر الصديق وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم المستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه رواه البيهقي وابن عساكر عن ابن عباس (مسئلة) الإصرار على الصغيرة تكون كبيرة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار رواه الديلمي فى مسند الفردوس وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) حال من الضمير فى لم يصروا يعنى تركوا الإصرار على المعصية لعلمهم كونها معصية خوفا من الله تعالى لا لكسالة او تنفر طبعى «1» او خوف من العباد او عدم تيسر فان الجزاء انما هو على كف النفس بنية الطاعة دون عدم الفعل مطلقا لكن عدم الفعل مطلقا مانع من الجزاء المترتب على المعصية فان من العصمة ان لا تقدر وقال الضحاك وهم يعلمون الله يملك مغفرة الذنوب وقال

_ (1) فى الأصل طبيعى

[سورة آل عمران (3) : آية 136]

الحسين بن الفضل وهم يعلمون ان له ربا يغفر الذنوب وقيل وهم يعلمون ان الله لا يتعاظمه العفو عن الذنوب وان كثرت- وقيل يعلمون انهم ان استغفروا غفر لهم عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان عبدا أذنب ذنبا فقال رب أذنبت ذنبا فاغفره لى فقال ربه اعلم عبدى ان له ربا يغفر الذنب ويأخذ به غفرت لعبدى ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ذنبا فقال رب أذنبت ذنبا اخر فاغفره لى فقال اعلم عبدى ان له ربا يغفر الذنب ويأخذ به غفرت لعبدى ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ذنبا فقال رب أذنبت ذنبا اخر فاغفره لى فقال اعلم عبدى ان له ربا يغفر الذنب ويأخذ به غفرت لعبدى فليفعل ما شاء متفق عليه وعن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال الله عز وجل من علم انى ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي ما لم يشرك بي شيئا رواه الطبراني والحاكم بسند صحيح. أُولئِكَ ان كانت الجملة مستانفة فالمشار إليهم المتقون والتائبون جميعا وان كان هذا خبرا للموصول فالمشار إليهم هم التائبون جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وتنكير جنات للدلالة على ان ما لهم أدون مما للمتقين الموصوفين بالصفات المذكورة فى الاية المقدمة ولذا فصل آيتهم ببيان انهم محسنون مستوجبون لمحبة الله تعالى حافظون على حدود الشرع وفصل هذه الاية بقوله وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (136) فان المتدارك لتقصيره كالعامل لتحصيله بعض ما فوت على نفسه لكن كم بين المحسن والمتدارك والمحبوب والأجير- ولعل تبديل لفظ الجزاء بالأجر لهذه النكتة والمخصوص بالمدح محذوف اى نعم اجر العاملين المغفرة والجنات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم التائب من الذنب كمن لا ذنب له رواه البيهقي وابن عساكر عن ابن عباس والقشيري فى الرسالة وابن النجار عن علىّ (فائدة) ولا يلزم من اعداد الجنة للمتقين والتائبين جزاء لهم ان لا يدخلها المصرون كما لا يلزم من اعداد النار للكافرين جزاء لهم ان لا يدخلها غيرهم- وجاز ان يقال العصاة المصرون على الكبائر يدخلهم الله الجنة بعد تطهيرهم من الذنوب بالمغفرة اما بعد العذاب بالنار فان النار فى حق المؤمن كالكير يدفع خبث الفلز واما بالمغفرة ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 137]

بلا تعذيب فحينئذ يلحق العاصي بالتائب فى التطهّر- قال ثابت البناني بلغني ان إبليس بكى حين نزلت هذه الاية وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً الى آخرها-. قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) السنة الطريقة المتبعة فى الخير او الشر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سن سنة حسنة فله أجرها واجر من عمل بها من غير ان ينقص من أجورهم شىء ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير ان ينقص من أوزارهم شىء وجاز ان يكون فى الكلام حذف المضاف اى اهل سنن وقيل السنن بمعنى الأمم والسنة الامة قال الشاعر ما عاين الناس من فضل كفضلهم ولا راوا مثلهم فى سالف السنن ومعنى الاية قد مضت قبلكم طرق من الخير والشرا واهل طرق فانظروا كيف كان عاقبة طريقة التكذيب وما ال اليه امر المكذبين من الهلاك وقال مجاهد قد مضت وسلفت منى سنن فيمن كان قبلكم من الأمم الماضية الكافرة بامهالى واستدراجى إياهم حتى بلغ الكتاب اجله الذي اجلته لاهلاكهم ثم أهلكتهم ونصرت انبيائى ومن تبعهم فسيروا وانظروا لتعتبروا وقال عطاء السنن الشرائع وقال الكلبي مضت لكل امة سنة ومنهاج إذا اتبعوها رضى الله عنهم ومن كذبه ولم يتبعه أهلكه الله فانظر ما عاقبة المكذبين. هذا اى القران او قوله قد خلت او مفهوم قوله فانظروا بَيانٌ لِلنَّاسِ عامة وَهُدىً من الضلالة وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) خاصة فانهم هم المنتفعون به- وقيل هذا اشارة الى ما لخص من امر المتقين والتائبين وقوله قد خلت اعتراض للحث على الايمان والتوبة-. وَلا تَهِنُوا اى لا تضعفوا ولا تجبنوا عن جهاد أعدائكم بما نالكم من القتل والجرح يوم أحد وكان قد قتل يومئذ من المهاجرين خمسة منهم حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير ومن الأنصار سبعون رجلا وَلا تَحْزَنُوا على من قتل منكم وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ والحال انكم أعلى شأنا منهم فانكم ترجون من الاجر والثواب على ما أصابكم ما لا يرجوه الكفار وقتلاكم فى الجنة وقتلاهم فى النار نظيره قوله تعالى وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ قال الكلبي ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 140]

امر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بطلب القوم بعد ما أصابهم من الجراح يوم أحد فاشتد ذلك على المسلمين فنزلت هذه الاية- او المعنى أنتم الأعلون عاقبة الأمر بالنصر من الله والظفر قال ابن عباس انهزم اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الشعب فاقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد ان يعلوا عليهم الجبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم لا يعلن علينا اللهم لا قوة لنا الا بك- وبات نفر من المسلمين رماة فصعد والجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموا فذلك قوله تعالى وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) يعنى ان صح ايمانكم فلا تهنوا ولا تحزنوا فان مقتضى الايمان رجاء الثواب وقوة القلب بالتوكل على الله او المعنى ان صح ايمانكم فانتم الأعلون فى العاقبة فانه حقّ علينا نصر المؤمنين. إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ يوم أحد قرا حمزة والكسائي وأبو بكر قرح بضم القاف حيث جاء والباقون بالفتح وهما لغتان معناهما عض السلاح ونحوه مما يخرج البدن كذا فى القاموس وقال الفراء القرح بالفتح الجراحة وبالضم الم الجراحة فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ اى قوم الكفار من قريش قَرْحٌ مِثْلُهُ يوم بدر وهم لم يضعفوا عن معاودتكم للقتال فانتم اولى بذلك نزلت هذه الاية تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حين انصرفوا من أحد مع الكآبة والحزن وليجتروا على عدوهم وَتِلْكَ الْأَيَّامُ يعنى اوقات النصر نُداوِلُها نصرفها بَيْنَ النَّاسِ يعنى كذلك جرت عادتنا فيكون النصر تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء والأيام صفة لتلك وهو مبتدا خبره نداولها او الأيام خبر ونداولها حال والعامل فيه معنى الاشارة عن البراء بن عازب قال جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرجالة وكانوا خمسين رجلا عبد الله بن جبير فقال ان رايتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم وان رايتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم فهزمهم قال وانا والله رايت النساء يشتددن قد بدت خلا خلهن واسوقهن رافعات ثيابهن- فقال اصحاب عبد الله بن جبير الغنيمة اى قوم الغنيمة ظهر أصحابكم فما تنتظرون فقال عبد الله بن جبير أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا والله لناتين الناس فلنصيبن من الغنيمة فلما أتوهم صرفت وجوههم فاقبلوا منهزمين فذاك قوله تعالى وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ إذ يدعوهم الرسول ... ...

فى أخراهم فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثنى عشر رجلا فاصابوا منا سبعين- وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر مائة وأربعين سبعين أسيرا وسبعين قتيلا فقال ابو سفيان افى القوم محمد ثلاث مرات فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم ان يجيبوه ثم قال افى القوم ابن ابى قحافة ثلاث مرات ثم قال افى القوم ابن الخطاب ثلاث مرات ثم رجع الى أصحابه فقال اما هؤلاء قد قتلوا فما ملك عمر رضى الله عنه نفسه فقال كذبت والله يا عدو الله ان الذين عددت لاحياء كلهم وقد بقي لك ما يسوءك فقال يوم بيوم بدر والحرب سجال انكم ستجدون فى القوم مثلة لم آمر بها ولا تسؤنى ثم أخذ يرتجز اعل هبل اعل هبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم الا تجيبوه قالوا يا رسول الله ما نقول قال قولوا الله أعلى وأجل قال ان لنا العزى ولا عزى لكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الا تجيبوه قالوا يا رسول الله ما نقول قال قولوا الله مولانا ولا مولى لكم رواه البخاري وغيره وفى رواية فقال ابو سفيان قد أنعمت هلم يا عمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر آته فانظر ما شأنه فجاءه فقال ابو سفيان أنشدك الله يا عمر اقتلنا محمدا قال اللهم لا انه يسمع كلامك الان قال أنت عندى اصدق من ابن قمية وابر وقد قال ابن قمية لهم انى قتلت محمدا ثم قال ابو سفيان الا ان موعدكم بدر الصغرى على رأس الحول فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قل نعم هو بيننا وبينكم موعد وانصرف ابو سفيان الى أصحابه وأخذ فى الرحيل وروى هذا المعنى عن ابن عباس وفى حديثه قال ابو سفيان يوم بيوم وان الأيام دول والحرب سجال فقال عمر لا سواء قتلانا فى الجنة وقتلاكم فى النار- قال الزجاج الدولة يكون للمسلمين على الكفار لقوله تعالى إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ وانما كانت يوم أحد للكفار على المسلمين لمخالفتهم امر رسول الله صلى الله عليه وسلم وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا عطف على علة محذوفة وفائدة الحذف الإيذان بان العلة المحذوفة متعددة يطول ذكرها واللام متعلق بنداولها اى نداولها لحكم ومصالح لا يحصى وليعلم الله المؤمنين ممتازين عند الناس بالصبر والثبات على الايمان من غيرهم وجاز ان يقال المعطوف عليه غير محذوف بل هو المفهوم من قوله تعالى وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها كانه قال داو لنا بينكم الأيام لان هذه عادتنا وليعلم والخلق ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 141]

والافناء من قبيل مداولة الأيام- والقصد فى أمثاله ونقائضه ليس الى اثبات علمه تعالى ونفيه بل الى اثبات المعلوم فى الخارج ونفيه على طريقة البرهان لان علم الله تعالى لازم للمعلوم وبالعكس ونفى المعلوم مستلزم لنفى العلم كيلا ينقلب العلم جهلا فاطلق الملزوم وأريد به اللازم فمعنى الاية ليتحقق امتياز المؤمنين من غيرهم عند الناس- وقيل معناه ليعلم الله علما يتعلق به الجزاء وهو العلم بالشيء موجودا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ اى يكرم ناسا منكم بالشهادة يريد شهداء أحد- او المعنى وليتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة بالثبات والصبر على الشدائد- اخرج ابن ابى حاتم عن عكرمة قال لما ابطأ على النساء الخبر خرجن يستخبرن فاذا رجلان مقبلان على بعير فقالت امراة ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالا حى قالت فلا أبالي يتخذ الله من عباده شهداء- فنزل القران على ما قالت وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) الكافرين المنافقين الذين لم يظهر منهم الثبات على الايمان جملة معترضة بين المعطوفين وفيه تنبيه على ان الله لا ينصر الكافرين على الحقيقة وانما يغلبهم أحيانا استدراجا لهم وابتلاء للمؤمنين. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ التمحيض التطهير والتصفية الَّذِينَ آمَنُوا من الذنوب وَيَمْحَقَ المحق نقض الشيء قليلا قليلا الْكافِرِينَ (141) يعنى ان كانت الدولة على المؤمنين فللتميز والاستشهاد والتمحيص وان كانت على الكافرين فلمحقهم ومحو اثارهم. أَمْ حَسِبْتُمْ أم منقطعة بمعنى بل احسبتم أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ والاستفهام للانكار وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ يعنى ولما يتحقق الجهاد من بعضكم وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) نصب بإضمار ان والواو للجمع كما فى نحو لا تأكل السمك وتشرب اللبن او جزم للعطف على يعلم الله وحركت الميم لالتقاء الساكنين بالفتح لفتحة ما قبلها- اخرج ابن ابى حاتم من طريق العوفى عن ابن عباس ان رجالا من الصحابة كانوا يقولون ليتنا نقتل كما قتل اصحاب بدر او ليت لنا يوما ليوم بدر نقاتل فيه المشركين ونبلى فيه خيرا او نلتمس الشهادة والجنة والحيوة والرزق فاشهدهم الله أحدا فلم يلبثوا الا من شاء الله منهم فانزل الله تعالى. وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ فى سبيل الله ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 144]

او المراد به الحرب فانه سبب للموت مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ تشاهدوه وتعرفوا شدته فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) حال من فاعل رايتموه وفائدته بيان ان المراد بالروية روية البصر دون العلم يعنى عاينتم الموت حين قتل دونكم من قتل من إخوانكم وفيه توبيخ على انهم تمنوا الحرب وتسببوا لها ثم جبنوا وانهزموا عنها او على تمنى الشهادة فانها يستلزم تمنى غلبة الكفار- اخرج ابن ابى حاتم عن الربيع قال لما أصابهم يوم أحد ما أصابهم من القرح وتداعوا نبى الله قالوا قد قتل فقال أناس لو كان نبيا ما قتل وقال ناس قاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم حتى يفتح الله عليكم او تلحقوا به واخرج ابن المنذر عن عمر قال تفرقنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فصعدت الجبل فسمعت يهوديا يقول قتل محمد فقلت لا اسمع أحدا يقول قتل محمدا لاضربت عنقه فنظرت فاذا رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يتراجعون- واخرج البيهقي فى الدلائل عن ابى نجيح ان رجلا من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط فى دمه فقال له أشعرت ان محمدا قتل فقال ان كان محمد قتل فقد بلّغ فقاتلوا عن دينكم فنزلت على هذه الروايات. وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ «1» يعنى ليس هو ربّا يستحيل عليه الفناء والموت وما هو يدعوا الناس الى عبادته- فى القاموس الحمد الشكر والرضاء والجزاء وقضاء الحق والتحميد حمد الله مرة بعد مرة ومنه محمد كانّه حمد مرة بعد مرة قلت الى ما لا نهاية لها قال البغوي محمد هو المستغرق لجميع المحامد لان الحمد لا يستوجبه الا الكامل والتحميد فوق الحمد فلا يستحقه الا المستولى على الأمد فى الكمال قال حسان بن ثابت ((شعر)) الم تر ان الله أرسل عبده ببرهانه والله أعلى وامجد وشقه من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد قَدْ خَلَتْ مضت وماتت مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ فسيموت هو ايضا أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى

_ (1) اخرج البخاري عن ابن عباس ان أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس فقال اجلس يا عمرو قال ابو بكر اما بعد من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات- ومن كان يعبد الله فان الله حىّ قال الله وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ الى الشّكرين قال فو الله لكانّهم لم يعلموا ان الله انزل هذه الاية حتى تلاها ابو بكر فتلاها منه الناس كلهم فما اسمع بشرا من الناس الا يتلوها وروى عن ابى هريرة وعروة وغيرهما نحو ذلك قال ابراهيم قال أبو بكر لو منعونى عقالا اعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لجاهدتهم ثم تلا وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ- منه رحمه الله [.....]

أَعْقابِكُمْ اى رجعتم الى دينكم الاول من الكفر انكار على ارتدادهم بموته صلى الله عليه وسلم بعد علمهم بموت من سبقه من الأنبياء وبقاء دينهم- وقيل الفاء للسببية والهمزة لانكار ان يجعل موته سببا لارتدادهم وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ اى يرتد عن دينه فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً بارتداده بل يضر نفسه وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ «1» (144) على نعمة الإسلام بالثبات عليه- ذكر اصحاب المغازي انه نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشعب من أحد فى سبعمائة وجعل عبد الله بن جبير على الرجالة كما ذكرنا من حديث البراء بن عازب فجاءت قريش وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد وعلى ميسرتهم عكرمة بن ابى جهل ومعهم النساء يضر بن بالدفوف ويقلن الاشعار فقاتلوا حتى حميت الحرب فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفا فقال من يأخذ هذا السيف بحقه ويضرب العدو حتى يثخن فاخذ ابو دجانة سماك بن حرسة الأنصاري رضى الله عنه فلما اخذه اعتم بعمامة حمراء وجعل يتبختر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انها لمشية يبغضها الله الا فى هذا الموضع فعلق به هام المشركين الهام الرأس وهام القوم اشرافهم- منه رح وحمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على المشركين فهزموهم وانزل الله تعالى نصره على المسلمين وصدقهم وعده فحسوا المشركين بالسيف حتى كشفوهم عن العسكر ونهكوهم قتلا- وقد حملت خيل المشركين على المسلمين ثلاث مرات كل ذلك تنضح بالنبل فترجع مغلوبة وكانت الرماة يحمى ظهور المسلمين ويرشقون اى يرمون- منه رح خيل المشركين بالنبل فلا يقع الا فى فرس او رجل فتولى هو ارب- وقتل على بن ابى طالب طلحة بن طلحة صاحب لواء المشركين وكبر المسلمون وشددوا على المشركين يضربونهم حتى اختلت صفوفهم قال الزبير بن العوام فرايت هندا وصواحبها هاربات مصعدات فى الجبل باديات خدامهن ما دون أخذهن شيئا- فلما نظر الرماة اصحاب عبد الله بن جبير الى القوم قد انكشفوا اذهبوا الى عسكر المشركين ينتهبون كما ذكرنا من حديث البراء لم يبق مع أميرهم عبد الله بن جبير الا دون العشرة نظر خالد الى الجبل وقلة اهله واشتغال المسلمين بالغنيمة وراى ظهورهم خالية صاح فى خيله من المشركين ثم حملهم من خلفهم وتبعه عكرمة فهزموهم وقتلوهم

_ (1) عن على رضى الله عنه فى قوله وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ قال الثابتين على دينهم أبا بكر وأصحابه فكان على يقول ابو بكر امير الشاكرين- منه رحمه الله

وثبت أميرهم عبد الله بن جبير رضى الله عنه فقالت حتى قتل فجردوه ومثلوا به أقبح المثل فبينما المسلمون قد شغلوا بالنهب والغنائم حمل خالد بن الوليد على اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من خلفهم فهزموهم وقتلوهم قتلا ذريعا وتفرق المسلمون من كل وجه وتركوا ما انتهبوا وخلوا من أسروا وكانت الريح أول النهار صباء فصارت دبورا وكرّ الناس منهزمين فصاروا أثلاثا ثلثا جريحا وثلثا منهزمين وثلثا قتيلا- روى البيهقي عن المقداد والذي بعثه بالحق ما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكانه شبرا واحدا وانه لقى وجه العدو وتفيء اليه طائفة من أصحابه وتفترق مرة فربما رايته قائما يرمى عن قوسه ويرمى بالحجر وثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر رجلا ثمانية من المهاجرين ابو بكر وعمر وعلى وطلحة وزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن ابى وقاص وابو عبيدة بن الجراح وسبعة من الأنصار الحباب بن منذر وابو دجانة وعاصم بن ثابت والحارث بن صمة وسهل بن حنيف وسعد بن معاذ وقيل سعد بن عبادة ومحمد بن مسلمة رضى الله عنهم أجمعين- روى عبد الرزاق مرسلا عن الزهري قال ضرب وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعون ضربة بالسيف وقاه الله شرها كلها ورمى عتبة بن وقاص لعنه الله رسول الله صلى الله عليه وسلم باربعة أحجار فكسر منها رباعيته اليمنى السفلى وجرح شفته السفلى قال الحافظ المراد السن الذي بين الثنية والناب قال حاطب بن «1» بلتعة فقتلت عتبة بن وقاص وجئت برأسه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسره ذلك ودعا لى رواه الحاكم وشجه صلى الله عليه وسلم عبد الله بن شهاب الزهري واسلم بعد ذلك وسال الدم حتى اخضل الدم لحيته الشريفة ورماه عبد الله بن قمية فشج وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر فى وجنته واقبل عبد الله بن قمية يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم فذبه مصعب بن عمر وهو صاحب رأية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله ابن قمية وهو يرى انه قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع وقال انى قتلت محمدا وصارخ صارخ الا ان محمدا قد قتل ويقال ان ذلك الصارخ إبليس لعنه الله- روى الطبراني عن ابى امامة انه قال صلى الله عليه وسلم لابن قمية أقمأك الله فسلط الله عليه تيس جبل فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة اى استاصلك الله- منه رح

_ (1) الصحيح حاطب بن ابى بلتعة-

قطعة- ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم الى صخرة ليعلوها وكان قد ظاهر بين در عين فلم يستطع فجلس تحته طلحة فنهض حتى استوى عليها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجب طلحة- ووقعت هند والنسوة معها يمثلن بالقتلى من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يجد عن الاذان والأنوف حتى اتخذت هند من ذلك قلائد وأعطتها وحشيا ونقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع ان تسيغها فلفظتها وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس الىّ عباد الله فاجتمع اليه ثلاثون رجلا كل يقول وجهى دون وجهك ونفسى دون نفسك وعليك السلام فحموه حتى كشفوا عنه المشركين ورمى سعد بن ابى وقاص حتى اندقت ستة قوسه ونثر رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته فقال له ارم فداك ابى وأمي رواه البخاري وكان ابو طلحة رجلا راميا شديد النزع كسر يومئذ قوسين او ثلاثا وكان الرجل يمر معه بجعبة من النبل فيقول انثرها لابى طلحة وكان إذا رمى استشرفه النبي صلى الله عليه وسلم لينظر الى موضع نبله- وأصيب يد طلحة بن عبيد الله فيبست وقى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم روى ابو داود الطيالسي وابن حبان عن عائشة قالت قال ابو بكر ذلك اليوم كله لطلحة- وذكر محمد بن عمر انّ طلحة أصيب يومئذ فى رأسه فنزف الدم حتى غشى عليه فنضح ابو بكر الماء فى وجهه حتى أفاق فقال ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خيرا هو أرسلني إليك فقال الحمد لله كل مصيبة بعده جلل- وأصيبت عين قتادة بن النعمان يومئذ حتى وقعت على وجنته فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم فعادت كاحسن ما كانت- فلمّا انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركه ابى بن خلف الجمحي وهو يقول لا نجوت وان نجوت فقال القوم يا رسول الله الا يعطف عليه رجل منا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوه حتى إذا دنا منه (وكان أبيّ قبل ذلك يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول عندى رمكة اعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك عليها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل انا أقتلك ان شاء الله) فلما دنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة ثم استقبله فطعنه فى عنقه وخدشه خدشة فتد هداه عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور ويقول قتلنى محمد فحمله أصحابه وقالوا ليس عليك بأس قال بلى لو كانت ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 145]

هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلهم أليس قال لى انا أقتلك فلو بزق علىّ بعد تلك المقالة قتلنى فلم يلبث الا يوما حتى مات بموضع يقال له سرف- روى البخاري فى الصحيح عن ابن عباس قال اشتد غضب الله على من قتله نبى واشتد غضب الله على من دمى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا وفشا فى الناس ان محمدا قد قتل فقال بعض المسلمين ليت لنا رسولا الى عبد الله بن أبيّ فياخذ لنا أمانا من ابى سفيان وبعض الصحابة جلسوا والقوا بايديهم وقال أناس من اهل النفاق ان كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الاول فقال انس بن النضر عم انس بن مالك رضى الله عنه يا قوم ان كان قد قتل محمد صلى الله عليه وسلم فان رب محمد لم يقتل وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وموتوا على ما مات ثم قال اللهم انى اعتذر إليك مما يقول هؤلاء يعنى المسلمين وابرا إليك مما جاء به هؤلاء يعنى المنافقين ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل- ثم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق الى الصخرة وهو يدعو الناس فاول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك قال عرفت عينيه تحت المغفر تزهران فناديت با على صوتى يا معشر المسلمين ابشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشار الىّ ان اسكت فانحازت اليه طائفة من أصحابه فلامهم النبي صلى الله عليه وسلم على الفرار فقالوا يا نبى الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا انك قد قتلت فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين فانزل الله تعالى وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ الاية -. وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ اى الا بمشية الله وقضائه او باذنه لملك الموت فى قبض روحه كِتاباً مصدر مؤكد اى كتب كتابا مُؤَجَّلًا صفة له اى موقتا لا يتقدم ولا يتاخر فيه تحريض وتشجيع على القتال وَمَنْ يُرِدْ بعمله ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها اى من الدنيا تعريض بمن شغلهم الغنائم عن القتال يعنى نؤته منها ما نشاء مما قدرناه له وَمَنْ يُرِدْ بعمله ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها اى من الاخرة يعنى ثوابها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) قلت لعل المراد بهذه الجملة انه من يرد بعمله نفس الشكر لا يريد به ثواب الدنيا ولا ثواب الاخرة سيجزيه الله تعالى جزاء ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 146]

لا يدركه فهم ولا يتطرق اليه وهم يدل عليه إبهام الجزاء يعنى يكون جزاؤه ذاته «1» تعالى فى القاموس الشكر عرفان الإحسان ونشره عن انس بن مالك ان النبي صلى الله عليه وسلم قال من كانت نيته طلب الاخرة جعل الله غناه فى قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا راغمة ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقر بين عينيه وشتت عليه شمله ولا يأتيه منها الا ما كتب له رواه البغوي- وعن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انما الأعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته الى الله والى رسوله فهجرته الى الله ورسوله ومن كانت هجرته الى دنيا يصيبها او امراة يتزوجها فهجرته الى ما هاجر اليه متفق عليه. وَكَأَيِّنْ قرا ابن كثير بالمد والهمز على وزن كاعن وبتلين الهمزة ابو جعفر والباقون بهمزة مفتوحة والتشديد ومعناه كم من نبىّ قتل قرا الكوفيون وابن عامر من المفاعلة على البناء للفاعل والباقون قتل من المجرد على البناء للمفعول مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة جموع كثيرة وقال ابن مسعود الرّبّيّون الألوف وقال للكلبى الربية الواحدة عشرة آلاف وقال الضحاك الربية الواحدة الف وقال الحسن فقهاء علماء وقيل هم الاتباع فالربانيون الولاة والربيون الرعية- وقيل منسوب الى الرب وهم الذين يعبدون الرب- واسناد قتل على قراءة اهل الحجاز والشام «2» الى الربيون لا الى ضمير النبي ويكون معه ربيون حالا عنه لانه يستلزم حينئذ الإضمار ويكون تقدير الكلام ومعه ربيون كثير ولما قال سعيد بن جبير ما سمعنا ان نبيا قتل فى القتال وكلمة كايّن تدل على الكثرة فالمعنى كايّن من نبىّ قتل معه اى فى عسكره وفى قتاله ربيون- وكذا على قراءة الباقين اسناد القاتلة الى ربيون بالمطابقة ويفهم منه قتال النبي استلزاما فَما وَهَنُوا اى ما وهن من بقي منهم بعد القتل وما جبنوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ من الجروح والشدائد وقتل الاصحاب وَما ضَعُفُوا عن الجهاد وَمَا اسْتَكانُوا يعنى ما استسلموا وما خضعوا لعدوهم وما ذلوا وما تضرعوا ولكن صبروا على امر ربهم وطاعة نبيهم وجهاد عدوهم واصل استكن من السكون فان الخاضع الذليل يسكن لصاحبه فيفعل به ما يريد وهذا

_ (1) هر كس كه ترا شناخت جان را چهـ كند ... فرزند وعيال خان ومان را چهـ كند ديوانه كنى هر دو جهانش بخشى ... ديوانه تو هر دو جهان را چهـ كند منه رحمه الله (2) هو سباق قلم والصحيح اهل البصرة- ابو محمد عفا عنه

[سورة آل عمران (3) : آية 147]

تعريض لمن طلب الامان عن ابى سفيان او جبنوا عن الحرب وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) فينصرهم ويعظم قدرهم. وَما كانَ قَوْلَهُمْ خبر كان إِلَّا أَنْ قالُوا اسمه وانما جعل اسما لكونه اعرف لدلالته على جهة النسبة وزمان الحدوث رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا الصغائر وَإِسْرافَنا اى تجاوزنا عن حد العبودية فِي أَمْرِنا فى شأننا يعنى الكبائر وَثَبِّتْ أَقْدامَنا على صراطك المستقيم وعلى الجهاد فى مقابلة العدو وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (147) يعنى ما كان غير هذا القول مقالتهم بعد ما أصابهم الشدائد ووجه هذه المقالة ان الله سبحانه وعد للمؤمنين النصر والغلبة حيث قال حقّا علينا نصر المؤمنين وقال انّ جندنا لهم الغالبون وان ما يصيبهم من ضر ومصيبة فانما هو لاجل ذنوبهم وإسرافهم فى أمرهم حيث قال الله تعالى ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ فيجب على المؤمن عند إصابة الضر الاعتراف بذنبه ليحصل الندم والاستغفار ثم دعاء النصر منه تعالى وطلب التثبت وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ والدعاء بعد الاستغفار والتطهر من الذنوب اقرب الى الاجابة. فَآتاهُمُ اللَّهُ ببركة هذا القول ثَوابَ الدُّنْيا من النصر والغنيمة والملك وحسن الذكر وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ من الجنة ومراتب القرب ورضوان من الله اكبر وخص ثوابها بالحسن لانه المعتد به عنده ولفضله وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148) وضع المظهر موضع المضمر للاشعار بانهم هم المحسنون لان الإحسان ان تعبد ربك كانك تراه يعنى بكمال الحضور وطرد الغفلة فمقتضاه هذا القول وهذه المعرفة يعنى معرفة ان السراء والضراء انما هو من الله تعالى وان الكريم لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ من النعمة حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ من الطاعة فحينئذ يغير ما بهم من النعمة ويذيقهم بعض النقمة كى يتنبهوا ويستغفروا وكى يتطهروا عن الذنوب باستيفاء جزائها فى الدنيا-. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا قال على رضى الله عنه يعنى المنافقين فى قولهم للمؤمنين عنه الهزيمة ارجعوا الى إخوانكم وادخلوا فى دينهم ولو كان محمد نبيا ما قتل- وقيل معناه ان تطيعوا أبا سفيان ومن معه وتستكينوا لهم وتستأمنوهم يَرُدُّوكُمْ ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 150]

عَلى أَعْقابِكُمْ يعنى يرجعوكم الى ما كنتم عليه قبل الإسلام من الشرك فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (149) مغبونين خسران الدنيا والاخرة. بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ محبكم وناصركم وحافظكم على دينه فلا تتولوا غيره تعالى وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) فاستغنوا به عن ولاية غيره ونصره- روى ان أبا سفيان والمشركين لمّا ارتحلوا يوم أحد 16 شوال متوجهين الى مكة انطلقوا حتى إذا بلغوا بعض الطريق ندموا وقالوا بئس ما صنعنا قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم الا الشريد تشرد البعير إذا نفر وذهب فى الأرض- منه رح تركناهم ارجعوا فاستأصلوهم فلما عزموا على ذلك قذف الله فى قلوبهم الرعب حتى رجعوا عما هموا به وانزل الله تعالى. سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا يعنى أبا سفيان وأشياعه الرُّعْبَ اى الخوف قرا ابن عامر والكسائي وابو جعفر ويعقوب بضم العين حيث وقع والباقون بسكونها- وجاز ان يكون إلقاء هذا الرعب حين أراد المشركون نهب المدينة عند الارتحال الى مكة ولو كان نزول الاية بعد تلك الوقعة فالسين لمجرد التأكيد مجردا عن التسويف وصيغة المضارع حكاية عن الحال الماضي بِما أَشْرَكُوا اى بسبب اشراكهم بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً اصل السلطنة القوة والمراد به الحجة والمعنى أشركوا بالله الهة لم يقم على اشراكها حجة وبرهانا بل اقام الله الحجج والبراهين العقلية والنقلية على التوحيد وَمَأْواهُمُ اى المشركين النَّارُ عطف على سنلقى وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) النار فالمخصوص بالذم محذوف ووضع المظهر موضع المضمر للتغليظ والتعليل- قال محمد بن كعب لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أحد الى المدينة وقد أصابهم ما أصابهم قال ناس من أصحابه عليه السلام من اين هذا وقد وعدنا الله النصر فانزل الله تعالى. وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ بالنصر بشرط التقوى والصبر حين نصركم فى ابتداء القتال كما ذكرنا إِذْ تَحُسُّونَهُمْ متعلق بصدقكم اى تقتلونهم قتلا ذريعا من احسه إذا أبطل حسه وقال ابو عبيدة الحسن الاستيصال بالقتل بِإِذْنِهِ اى بقضائه حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ اى جبنتم وضعفتم وقيل معناه ضعف رأيكم وملتم الى الغنيمة فان الحرص من ضعف العقل وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ كما مرّ انه تنازع اصحاب عبد الله بن جبير حين راوا غلبة المؤمنين وانهزام المشركين فقال أكثرهم انهزم القوم فما مقامنا فقال ... ...

عبد الله أنسيتم ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا لم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا النأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة وقال عبد الله ومن معه لا تجاوز امر رسول الله صلى الله عليه وسلم وَعَصَيْتُمْ امر الرسول صلى الله عليه وسلم- وقيل الواو زائدة ومعناه إذا فشلتم تنازعتم وهذا ليس بشىء لانه يقتضى تقدم الفشل على التنازع والواقع ان الفشل اى الجبن انما وجد بعد التنازع والعصيان فانهم اجترءوا أول الأمر حيث كروا على عسكر المشركين للنهب وقيل فى الكلام تقديم وتأخير تقديره حتى إذا تنازعتم فى الأمر وعصيتم فشلتم فلا إشكال على كون الواو زائدة- والأظهر ان الواو ليست بزائدة وجواب إذا محذوف يعنى إذا فشلتم وتنازعتم فى الأمر وعصيتم منعكم نصره والقاكم فيما أصابكم والواو لمطلق الجمع دون الترتيب فلا يقتضى تقديم الفشل على التنازع والعصيان مِنْ بَعْدِ متعلق بفشلتم ما أَراكُمْ الله ما تُحِبُّونَ من الظفر والغنيمة مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا يعنى تركوا المركز واقبلوا على النهب وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ يعنى ثبتوا مع عبد الله بن جبير- قال عبد الله بن مسعود ما شعرت ان أحدا من اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى كان يوم أحد نزلت هذه الاية يعنى لم يرد أحد من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الدنيا الا هؤلاء النفر فى ذلك اليوم فقط حتى نزلت فيهم هذه الاية ثُمَّ صَرَفَكُمْ ايها المسلمون بشوم عصيانكم عَنْهُمْ اى عن الكفار بالهزيمة حتى حالت الحالة فغلبوكم لِيَبْتَلِيَكُمْ اى ليمتحنكم حتى يظهر المؤمنين من المنافقين او المعنى لينزل البلاء عليكم بما صنعتم وبهذا يظهر انه قد يبتلى العامة بمعصية بعضهم فيكون ذلك عقوبة للعاصى وسببا لمزيد الاجر للمطيع وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ فلم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة تفضلا او بعد ما ندمتم على المخالفة وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) يتفضل عليهم بالعفو إذا شاء او يتفضل عليهم فى الأحوال كلها فان إنزال المصيبة بالمؤمنين بعد معصيتهم ايضا تفضل من الله تعالى حيث يمحصهم من الذنوب- روى البغوي بسنده عن على بن ابى طالب قال الا أخبركم بأفضل اية من كتاب الله حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم ويعفوا عن كثير وسافسرها لك يا علىّ ما أصابكم من مرض او عقوبة او بلاء فى الدنيا فبما كسبت ايديكم ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 153]

والله عز وجل أكرم من ان يثنى عليهم العقوبة فى الاخرة وما عفا الله عنه فى الدنيا فالله احكم من ان يعود بعد عفوه-. إِذْ تُصْعِدُونَ متعلق بصرفكم او بيبتليكم او عفا عنكم او بمقدر كاذكر- قرا ابو عبد الرحمن السلمى والحسن وقتادة تصعدون بفتح التاء من المجرد والقراءة المجمع عليها بضم التاء من الافعال- قال المفضل صعد واصعد وصعّد بمعنى واحد- وقال ابو حاتم اصعدت إذا مضيت حيال وجهك يعنى فى مستوى الأرض وصعدت إذا ارتقيت فى جبل وقال المبرد اصعد ابعد فى الذهاب قال البغوي كلا الامرين وقعا فكان منهم مصعد وصاعد وَلا تَلْوُونَ أعناقكم عَلى أَحَدٍ يعنى لا يلتفت بعضكم الى بعض لشدة الدهش وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ يقول الىّ عباد الله فانا رسول الله من يكر فله الجنة- الجملة فى موضع الحال فَأَثابَكُمْ فجازاكم عن فشلكم وعصيانكم عطف على صرفكم جعل الاثابة وهو من الثواب موضع العقاب على طريقة قوله تعالى فبشّرهم بعذاب اليم اشارة الى انه تعالى عاقبكم على ما فعلتم مكان ما كنتم ترجون من الثواب غَمًّا بِغَمٍّ اى غما متصلا بغم من الاغتمام من القتل والجرح وظفر المشركين والإرجاف بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم- قيل الغم الاول فوت الغنيمة والثاني ما نالهم من القتل والجرح والهزيمة- وقيل الغم الاول ما أصابهم من القتل والجرح والثاني ما سمعوا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل فانساهم الغم الاول- وقيل الغم الاول اشراف خالد بن الوليد بخيل المشركين والثاني اشراف ابو سفيان عليهم وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق يومئذ يدعو الناس حتى انتهى الى اصحاب الصخرة فلما راوه وضع رجل سهما فى قوسه فاراد ان يرميه فقال انا رسول الله ففرحوا حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرح النبي صلى الله عليه وسلم حين راى من يمتنع به فاقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا فاقبل ابو سفيان وأصحابه حتى وقفوا على باب الشعب فلما نظر المسلمون إليهم همهم ذلك وظنوا انهم يميلون عليهم فيقتلونهم فانساهم هذا ما نالهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لهم ان يعلونا اللهم ان تقتل هذه العصابة لا تعبد فى الأرض ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى انزلوهم- قلت لعل ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 154]

قوله تعالى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ صار نازلا فى هذا المقام حيث القى الرعب فى قلب ابى سفيان ومن معه- قلت وجاز ان يكون الغم الثاني ما روى انه لمّا أخذ ابو سفيان وأصحابه الرحيل الى مكة اشفق رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من ان يغير المشركون على المدينة فيهلك الذراري والنساء فبعث رسول الله صلى الله عليا وسعد بن ابى وقاص لينظرا فقال ان ركبوا الإبل وجنبوا الخيل فهو الظعن وان ركبوا الخيل وجنبوا الإبل فانهم يريدون المدينة فهى الغارة والذي نفسى بيده لان ساروا عليها لا سيرن إليهم ثم لاناخرنهم فسار على وسعد وراءهم فاذا هم قد ركبوا الإبل وجنبوا الخيل بعد ما تشاوروا فى نهب المدينة فقال صفوان بن امية لا تفعلوا وقيل معنى الاية فاثابكم غما بسبب غم اذقتم النبي صلى الله عليه وسلم بعصيانكم له لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ من الفتح والغنيمة وَلا ما أَصابَكُمْ من القتل والجرح والهزيمة ولا زائدة ومعناه لكى تحزنوا على ما فاتكم وما أصابكم- وقيل معنى الاية اثابكم غما بغم لتمتروا على الصبر فى الشدائد فلا تحزنوا فيما بعد على نفع فائت ولا على ضر لا حق- قلت وجاز ان يكون المعنى فاثابكم الله غما بغم يعنى اعطاكم الله ثواب غم متصلا بغم وأخبركم بذلك على لسان نبيكم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم بل تفرحوا بثوابه- وقيل الضمير المرفوع فى اثابكم للرسول صلى الله عليه وسلم اى فاساءكم فى الاغتمام من اسيته بمالى اى جعلته أسوتي فيه- والباء للسببية او البدلية يعنى اغتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما نزل عليكم كما اغتممتم ولم يثربكم على عصيانكم تسلية لكم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (153) عالم بأعمالكم وبما قصدتم بها. ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ يا معشر المسلمين مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً يعنى اطمينانا فى القلوب وسكينة يدركه الصوفي عند نزول الرحمة نُعاساً بدل اشتمال من امنة- وجاز ان يكون مفعولا لا نزل وامنة حال منه مقدم عليه ولعل النعاس هاهنا عبارة عن استغراق يحصل للصوفى عند نزول الرحمة بحيث يغفل عما سواه لكمال مشابهته بالنعاس يَغْشى قرا حمزة وخلف ابو محمد والكسائي بالتاء ردا الى الامنة والباقون بالياء ردا الى النعاس طائِفَةً مِنْكُمْ ... ...

وهم المؤمنون حقا- روى البخاري وغيره عن انس ان أبا طلحة قال غشينا النعاس ونحن فى مصافنا يوم أحد قال فجعل سيفى يسقط من يدى واخذه ويسقط واخذه- وقال ثابت عن انس عن ابى طلحة قال رفعت رأسى يوم أحد فجعلت ما ارى أحدا من القوم الا وهو يميل تحت جحفته من النعاس وَطائِفَةٌ مبتدا وهم المنافقون قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ صفة لطائفة يعنى ألقتهم أنفسهم فى الهموم وكانوا محرومين عن نزول الامنة والسكينة عليهم- او المعنى ما كان همهم الإخلاص أنفسهم يَظُنُّونَ خبر لطائفة بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ منصوب على المصدرية اى يظنون غير الظن الحق اى الذي يحق ان يظن به تعالى يعنى انه لا ينصر محمدا صلى الله عليه وسلم- او انه لو كان محمد نبيا ما قتل ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ بدل من غير الحق او منصوب بنزع الخافض يعنى كظن اهل الجاهلية والشرك والجملة صفة اخرى لطائفة او حال او استيناف على وجه البيان لما قبله- وجملة وطائفة إلخ حال من فاعل يغشى او من مفعوله يَقُولُونَ للرسول صلى الله عليه وسلم او فى أنفسهم بدل من يظنون هَلْ لَنا استفهام بمعنى الإنكار مِنَ الْأَمْرِ الذي وعد الله من النصر مِنْ شَيْءٍ يعنى ما لنا من ما وعد نصيب قط- قيل اخبر ابن أبيّ بقتل بنى الخزرج فقال ذلك والمعنى انا منعنا تدبير أنفسنا وتصريفها باختيارنا فلم يبق لنا من الأمر شىء- او هل يزول عنا هذا القهر فيكون لنا من الأمر شىء اخرج ابن راهويه انه قال عبد الله بن الزبير عن أبيه الزبير بن العوام لقد رايتنى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد علينا الخوف أرسل الله علينا النوم فما منا أحد إلا وذقنه فى صدره- والله انى لا سمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشانى ما أسمعه الا كالحلم يقول لو كان لنا من الأمر شىء ما قتلنا هاهنا فحفظتها فانزل الله فى ذلك ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً الى قوله وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ قُلْ يا محمد إِنَّ الْأَمْرَ اى الحكم كُلَّهُ لِلَّهِ يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد- او امر الغلبة الحقيقية لله وأوليائه فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ وان كان فى بعض الأحيان لم يظهر ذلك لحكمة- قرا ابو عمر «1» وكلّه بالرفع على الابتداء وما بعده خبره والباقون بالنصب على التأكيد والجملة معترضة يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ حال من ضمير يقولون اى يقولون مظهرين انهم مسترشدون طالبون للنصر ويقولون مخفين بعضهم الى بعض غير ذلك يَقُولُونَ بدل من يخفون او استيناف على وجه البيان يعنى يقولون مخفين منكرين لقولك

_ (1) فى الأصل ابو عامر-

[سورة آل عمران (3) : آية 155]

انّ الأمر كلّه لله لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ كما وعد محمد صلى الله عليه وسلم او زعم انّ الأمر كلّه لله ولاوليائه- أولو كان لنا اختيار وتدبير لم نبرح المدينة كما كان يقول ابن أبيّ وغيره ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ فى اللوح المحفوظ وقدّر الله عليهم القتل إِلى مَضاجِعِهِمْ اى يخرجون الى مصارعهم ولم ينفعهم الاقامة بالمدينة بل لا يستطيعون الاقامة وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ اى ليمتحن ما فى صدوركم ويظهر سرائرها من الإخلاص والنفاق معطوف على محذوف متعلق بقوله برز تقديره لبرزوا الى مضاجعهم لنفاذ القضاء ولمصالح كثيرة وللابتلاء- او متعلق بفعل محذوف والجملة معطوفة على جملة سابقة يعنى ثمّ انزل عليكم تقديره وفعل ذلك ليبتلى او معطوف على قوله كيلا تحزنوا وَلِيُمَحِّصَ اى ليكشف ويميز ما فِي قُلُوبِكُمْ او المعنى يخلص ما فى قلوبكم ايها المؤمنون من الوساوس وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (152) قبل إظهارها وغنى عن الابتلاء وانما فعل ذلك لتمرين المؤمنين واظهار حال المنافقين واقامة الحجة عليهم-. إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ اى انهزموا منكم يا معشر المسلمين يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ جمع المسلمين وجمع المشركين يوم أحد وقد انهزم أكثرهم ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم الا ثلاثة عشر كما ذكرنا ولا مع عبد الله بن جبير الا عشرة إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ اى طلب زلتهم او حملهم على الزلة يعنى المعصية بإلقاء الوسوسة فى قلوبهم قيل ازل واستزل بمعنى واحد بِبَعْضِ ما كَسَبُوا اى بشوم ذنوبهم قال بعضهم بتركهم المركز وقال الحسن ما كسبوا هو قبولهم وسوسة الشيطان وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ هذا هو الذي قال ابن عمر لمّا وقع بعض اهل المصر فى عثمان رضى الله عنه وذكر فراره يوم أحد وغيبته عن بدر وعن بيعة الرضوان فقال اما فراره يوم أحد فاشهد ان الله عفا عنه واما تغيبه عن بدر فانه كانت تحته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لك اجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه واما تغييه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه فبعثه الى مكة وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان الى مكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى هذا يد عثمان فضرب بها على يده وقال هذه لعثمان ثم قال ابن عمر اذهب بها الان معك رواه البخاري فلا يجوز لاحد الطعن ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 156]

فى الصحابة لاجل هذا الفرار وايضا كان هذا الفرار قبل ورود النهى عنه إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155) . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا يعنى المنافقين عبد الله بن ابى وأصحابه فانه من تشبه بقوم فهو منهم رواه ابو داود عن ابن عمر مرفوعا والطبراني عن حذيفة مرفوعا لا سيما إذا كان وجه المشابهة موجبا للكفر كما فى ما نحن فيه فان ذلك القول انكار للقدر وهو كفر وَقالُوا كلمة قالوا صيغة ماض لكنه بمعنى الاستقبال بدليل جعل ظرفه إذا دون إذ وإذا للمستقبل وان دخل على الماضي وانما أورد صيغة الماضي لتدل على تحققه قطعا كما فى قوله تعالى إذا السّماء انشقّت لِإِخْوانِهِمْ فى النسب او فى النفاق قال بعض المفسرين يعنى قالوا لاجل إخوانهم وفيهم لان قولهم لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا يدل على انهم لم يكونوا مخاطبين قلت وجاز ان يكون جعل القول لاخوانهم باعتبار بعضهم الحاضرين وضمير لو كانوا إليهم باعتبار بعضهم المقتولين او الأموات والاسناد الى الجميع باعتبار البعض شائع وتفسير الاخوة باخوة النفاق لا بتصور الا فى المخاطبين والا فالذين كانوا غزّى لم يكونوا منافقين غالبا إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ اى ذهبوا فيها وأبعدوا للتجارة او غيرها وإذا متعلق بقالوا ويعتبر ذلك الزمان ممتدا وقع فيه الضرب والموت والقول- قال البيضاوي وكان حقه إذ لقوله قالوا لكنه جىء على حكاية الحال الماضي واعترض عليه بان الماضي مع إذا كلمة استقبال لا يكون للحال فكيف يصح حكاية عن الحالة الماضية بفرض وجود ذلك الزمان الان او بفرضك متكلما فى الماضي فالاولى ما قلنا ان قالوا للاستقبال أَوْ كانُوا غُزًّى جمع غازى كعاف وعفّى يعنى كانوا على سفر او غزّى فماتوا او قتلوا لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا مقولة قالوا- وانما قالوا ذلك لعدم ايمانهم بالقدر فكذلك القدرية لِيَجْعَلَ اللَّهُ اللام للعاقبة كما فى قوله تعالى ليكون لهم عدوّا وحزنا ذلِكَ الاعتقاد الذي دل عليه القول حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ قوله ليجعل اما متعلق بقالوا فالمعنى يصير عاقبة قولهم واعتقادهم ذلك حسرة واما متعلق بلا تكونوا والمعنى لا تكونوا مثلهم فى النطق بهذا القول والاعتقاد وذلك اشارة الى ما دل عليه النهى والمعنى لا تكونوا مثلهم ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة فى قلوبهم فان مخالفتكم إياهم يغمهم وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ لا تأثير للسفر والجهاد فى الموت ولا لضدهما فى الحيوة فانه قد يموت المقيم القاعد دون المسافر الغازي وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) تهديد للمؤمنين على مما ثلتهم على قراءة الخطاب وقرا ابن كثير وحمزة وخلف ابو محمدو الكسائي يعملون بالياء ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 157]

على الغيبة على انه وعيد للذين كفروا. وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ فى سبيله- قرا نافع وحمزة والكسائي بكسر الميم متّم متّ متنا حيث وقع من مات يمات على وزن خاف يخاف وابن كثير وابو عمرو ابن عامر وابو بكر بالضم حيث وقع من مات يموت على وزن قال يقول وحفص بالضم فى هذين الحرفين خاصة وفى الباقي بالكسر لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) قرا حفص بالياء على الغيبة- والباقون بالتاء على الخطاب جواب للقسم سار مسد الجزاء للشرط يعنى ان السفر والجهاد لا تأثير له فى الموت ولا لضده فى الحيوة فان الله هو يحيى ويميت ولئن كان له نوع تأثير فى الموت على سبيل جرى العادة فما يترتب على ذلك الموت من مغفرة من الله ورحمته خير مما يجمعون من الدنيا ومنافعها لو لم يموتوا فليطلب ذلك الخير ولا يجوز التحسر على ما فات من الدنيا. وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ على اى وجه كان لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158) لا الى غيره فعليكم بذل الجهد فى تحصيل الانس به تعالى والمحبة حتى يكون حشركم الى المحبوب وخلاصا عن سجن الفراق-. فَبِما رَحْمَةٍ تقديم الجار والمجرور للحصر وما مزيدة للتأكيد ومزيد الدلالة على الحصر كائنة مِنَ اللَّهِ عليك وعلى أمتك لِنْتَ لَهُمْ اى للمؤمنين ورفقت بهم واغتممت لاجلهم بعد ما خالفوك بتوفيق الله تعالى وحسن الهامه ثم بين وجه كون ذلك اللين رحمة بقوله وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا سىء الخلق جافيا غَلِيظَ الْقَلْبِ قاسية لَانْفَضُّوا تفرقوا مِنْ حَوْلِكَ ولم يسكنوا إليك وحينئذ يتخلعوا عن ربقة الإسلام واستحقاق الجنة ويقل أجرك بقلة اتباعك فَاعْفُ عَنْهُمْ فيما كان حقك وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ فى حقوق الله تعالى وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ امر الحرب وغيره مما يتعلق بالمشاورة «1» وليس فيه عندك علم من الله تعالى استظهارا برأيهم وتطيبا لنفوسهم وتمهيد السنة المشاورة للامة- روى البغوي بسنده عن عائشة قالت ما رايت رجلا اكثر استشارا «2» للرجال من رسول الله صلى الله عليه وسلم فَإِذا عَزَمْتَ على شىء بعد المشاورة فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ اى فوض أمرك اليه واعتمد عليه وكان هذا شأنه عليه الصلاة والسلام ولذا قال بعد ما خرج للقتال يوم أحد لا ينبغى لنبى ان يلبس لامته فيضعها حتى يقاتل يعنى بعد المشاورة اعتمد على الله تعالى لا على رأيك وآراء المتشاورين «3» لان بناء

_ (1) روى عن ابن عباس وشاورهم فى الأمر أبا بكر وعمرو فى رواية عن ابن عباس قال نزلت هذه الاية فى ابى بكر وعمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو اجتمعتما فى مشورة ما خالفتكما- وعن ابن عمر كتب ابو بكر الى عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشاور فى الحرب فعليك به- وعن الضحاك قال كان عمر بن الخطاب يشاور حتى المرأة- منه رحمه الله (2) فى الأصل استشارة- (3) فى الأصل مستشارين-

[سورة آل عمران (3) : آية 160]

المشاورة استخراج ما عندهم من العلم بالأصلح بتلاحق الافكار بناء على جرى العادة ولا يعلم ما فى الواقع من الغيب الا الله تعالى- وقد يتخبط العقول فى النظر وقد يفعل الله تعالى على خرق العادة فلا وجه للاعتماد على الآراء- والتوكل ان يلتجىء الى الله خاصة ويطلب منه ان يجعل عاقبة سعيه خيرا ويحسن الظن به فى ذلك قيل التوكل ان لا تعصى الله من أجل رزقك وهذا القول مستلزم للالتجاء ولا التجاء فى المعصية وقيل معناه ان لا يطلب لنفسك ناصرا غير الله ولا لرزقك خازنا غيره ولا لعملك شاهدا غيره- قلت وتخصيص الالتجاء والطلب منه تعالى لا يتصور بدون هذه الأمور عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلون الجنة سبعون الفا من أمتي بغير حساب قيل يا رسول الله من هم قال هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون متفق عليه وكذا روى البغوي عن عمران بن حصين- وعن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو انكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو اخماصا وتروح بطانا رواه الترمذي وابن ماجة- فان قيل الظاهر من حديث ابن عباس ان التوكل ترك التشبث بالأسباب العادية كالاكتواء والاستراق- قلت لابل ترك الاعتماد على الأسباب الا ترى الاستيشار من باب التشبث بالأسباب فالله سبحانه امر بالاستشارة ثم امر بترك الاعتماد عليه وقوله عليه الصلاة والسلام فى الحديث وعلى ربهم يتوكلون ليس تفسيرا لقوله لا يكتوون ولا يسترقون فان العطف يقتضى المغائرة- ولعل ذلك السبعون الف لا يتشبّثون بالأسباب غالبا- او المراد ترك التشبث ببعض الأسباب المكروهة كيف وتشبث الأسباب من لوازم هذه النشئة فان الاكل والشرب من اسباب الحيوة عادة والصلاة والصوم من اسباب دخول الجنة غالبا والواجب إتيانها إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) عليه وكونه محبوبا لله تعالى هو المقصد الأسنى- وايضا التوكل على الله يفضى الى ان ينصرهم الله ويهديهم الى الصلاح قال الله تعالى وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ وقال فى الحديث القدسي انا عند ظن عبدى بي. إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ أحد إذ يستحيل ان يكون المنصور من الله مغلوبا فانه يستلزم عجزه تعالى عن ذلك علوا كبيرا وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ ومنعكم نصره فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ يعنى لا أحد ينصركم لان افعال العباد مخلوقة لله تعالى فلا يتصور حقيقة النصر من أحد على تقدير خذ لانه منه تعالى مِنْ بَعْدِهِ اى من بعد خذ لانه او المعنى بعد ما جاوزتم الله فى الاستنصار لا يتصور النصر من غيره- فهذه الاية برهان على وجوب التوكل على الله عقلا بعد ما ثبت ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 161]

وجوبه سمعا بصيغة الأمر وَعَلَى اللَّهِ خاصة فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) لعلمهم وايمانهم بانه لا ناصر سواه. وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ قرا ابن كثير وابو عمرو وعاصم يغلّ بفتح الياء وضم الغين على البناء للفاعل والباقون بضم الياء وفتح الغين على البناء للمفعول- والغلول الخيانة فى الغنائم فعلى القراءة الاولى قال محمد بن إسحاق هذا فى الوحى والمعنى انه ما كان لنبى ان يكتم شيئا من الوحى رغبة او رهبة او مداهنة- وقيل ان الأقوياء ألحوا على النبي صلى الله عليه وسلم يسئلونه فى المغنم فانزل الله تعالى وما كان لنبىّ ان يغلّ فيعطى قوما ويمنع آخرين بل عليه ان يقسم بينهم بالسوية- واخرج ابو داود والترمذي وحسنه عن ابن عباس قال نزلت هذه الاية فى قطيفة حمراء افتقدت يوم بدر فقال بعض الناس لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها فانزل الله تعالى وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ يعنى ان الاخذ من الغنيمة لا يحل للنبى وهو غلول- وقال الكلبي ومقاتل نزلت فى غنائم أحد حين ترك الرماة المركز للغنيمة وقالوا نخشى ان يقول النبي صلى الله عليه وسلم من أخذ شيئا فهو له وان لا يقسمها كالم يقسمها يوم بدر فتركوا المركز ووقعوا فى الغنائم فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم الم اعهد إليكم لن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم امرى قالوا تركنا بقية إخواننا وقوفا فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل ظننتم انا تغل فلا نقسم لكم فانزل الله تعالى هذه الاية واخرج ابن ابى شيبة فى المصنف وابن جرير عن الضحاك مرسلا انه بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طلايع فغنم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسم على من معه ولم يقسم للطلائع فنزلت هذه الاية فيكون تسمية حرمان بعض المستحقين غلولا تغليظا ومبالغة- وعلى القراءة الثانية لها وجهان أحدهما ان يكون المعنى ما كان للنبى ان ينسب الى الغلول ويكون مرجع القراءتين واحدا- وثانيهما ان يكون معناه ما كان لنبى ان يخان يعنى ان يخونه أمته- قال قتادة ذكر لنا انها نزلت فى طائفة غلت من أصحابه- واخرج الطبراني فى الكبير بسند رجاله ثقات عن ابن عباس قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم جيشا فردت رأيته ثم بعث فردت بغلول رأس غزال من ذهب فنزلت هذه الاية وما كان لنبىّ ان يغلّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ قال الكلبي يمثل له ذلك الشيء فى النار فيقال له انزل فخذه فينزل فيحمله على ظهره فاذا بلغ موضعه وقع فى النار ثم كلف ان ينزل اليه فيخرجه يفعل ذلك به عن ابى هريرة قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر فلم يغنم ذهبا ولا فضة الا الأموال والثياب والمتاع قال فوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو وادي القرى وكان رفاعة بن زيد وهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا اسود يقال له مدعم قال فخرجنا ... ...

حتى إذا كنا بوادي القرى فبينما مدعم يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه سهم عائر فاصابه فقتله- فقال الناس هنيئا له الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا والذي نفسى بيده ان الشملة التي أخذ يوم خيبر من الغنائم لم يصبها المقاسم يشتعل عليه نارا فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك او شراكين الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم شراك او شرا كان من ناد رواه البغوي- وفى الصحيحين عنه هذا الحديث بلفظ اهدى رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما يقال له مدعم الحديث نحوه- وعن يزيد بن خالد الجهني انه قال توفى رجل يوم خيبر فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فزعم يزيد «1» ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلوا على صاحبكم فتغيرت وجوه الناس لذلك فزعم يزيد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان صاحبكم قد غل فى سبيل الله قال ففتحنا متاعه فوجدنا خرزات من خرز اليهود ما يساوى درهمين رواه مالك وابو داود والنسائي وعن ابى حميد الساعدي قال استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة فلما قدم قال هذا لكم وهذا اهدى لى فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله واثنى عليه ثم قال اما بعد فانى استعمل الرجل منكم على العمل مما ولانى الله فيأتى أحدكم فيقول هذا لكم وهذا اهدى لى أفلا جلس فى بيت أبيه وامه حتى يأتيه هديته ان كان صادقا- والله لا يأخذ أحدكم شيئا بغير حقه الا لقى الله يحمله يوم القيامة فلا اعرفن أحدا منكم لقى الله تعالى يحمل بعيرا له رغاء او بقرة لها خوار او شاة يتعر متفق عليه وفى رواية ثم رفع يديه ثم قال اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت- وعن عدى بن عميرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطا فما فوقه كان غلولا يأتى به يوم القيامة رواه مسلم وعن ابى هريرة قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظّم الغلول وقال الا لا القين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول يا رسول الله أغثني أقول لا املك لك من الله شيئا قد أبلغتك ثم ذكر على رقبته فرس على رقبته شاة على رقبته صامت فذكر نحوه متفق عليه- وعن عمر بن الخطاب مرفوعا نحوه رواه ابو يعلى والبزار- وورد نحو هذا من حديث سعد بن عبادة وهلب عند احمد وابن عمرو عائشة عند البزار وابن عباس وعبادة بن الصامت وابن مسعود عند الطبراني كلهم فى سعاة الصدقة إذا غلوا منها وعن ابى مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أعظم الغلول عند الله ذراع من الأرض تجدون

_ (1) فى الأصل زيد- ابو محمد عفا الله عنه

[سورة آل عمران (3) : آية 162]

الرجلين جارين فى الأرض او فى الدار فيقطع أحدهما من حق صاحبه ذراعا إذا يقطعه طوّقه من سبع ارضين يوم القيامة- وروى عن قيس بن ابى حازم عن معاذ بن جبل قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم الى اليمن قال لا تصيبن شيئا بغير اذنى فانه غلول ومن يغلل يأت بما غلّ يوم القيمة وروى عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا وجد ثم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه واضربوه- وروى عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه رواه ابو داود عن عبد الله بن عمرو قال كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كركرة فمات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو فى النار فذهبوا ينظرون فوجدوا عباءة قد غلها رواه البخاري وعن ابن عباس قال حدثنى عمر قال كان يوم خيبر اقبل نفر من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا فلان شهيد فلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا فلان شهيد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا انى رايته فى النار فى بردة غلها او عباءة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابن الخطاب اذهب فناد فى الناس انه لا يدخل الجنة الا المؤمنون ثلاثا قال فخرجت فناديت الا انه لا يدخل الجنة الا المؤمنون ثلاثا رواه مسلم ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ يعطى جزاء ما كسبت وافيا كاملا كان المناسب بما سبق ثم يوقى ما كسب لكنه عمم الحكم ليكون كالبرهان على المقصود والمبالغة فيه وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (161) فلا ينقص ثواب مطيعهم ولا يزاد فى عقاب عاصيهم. أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ بالطاعة وهم المهاجرون والأنصار كَمَنْ باءَ رجع بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ بالمعاصي والغلول وهم المنافقون وبعض الفساق وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) جهنم. هُمْ يعنى من اتبع رضوان الله ومن باء بسخط من الله دَرَجاتٌ شبهو بالدرجات لما بينهم من التفاوت فى الثواب والعقاب او المعنى هم أولوا درجات متفاوتة عِنْدَ اللَّهِ بعض المؤمنين اقرب الى الله من بعض وبعض الكفار والعصاة فى درك أسفل من النار من بعض وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (163) عالم بأعمالهم فيجازيهم على حسبها-. لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ قيل المراد من أمن من قومه خاصة- وتخصيصهم مع ان نعمة البعثة عامة لسائر المؤمنين لزيادة انتفاعهم به واكتسابهم مزيد الفضل بسببه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس تبع لقريش مؤمنهم لمؤمنهم وكافرهم لكافرهم متفق عليه- وقال عليه السلام لا يزال هذا الأمر يعنى الخلافة فى قريش ما بقي منهم اثنان متفق عليه- وقيل أراد به مؤمنوا العرب كلهم لانه ليس حى من احياء العرب إلا وله فيهم نسب الا بنى تغلب ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 165]

قال الله تعالى هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ ومعنى كونه من أنفسهم يعنى من جنسهم عربيّا مثلهم ليفهموا كلامه بسهولة ويكونون واقفين على حاله فى الصدق والامانة مفتخرين به- عن سلمان قال قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تبغضني فتفارق دينك قلت يا رسول الله كيف أبغضك وبك هدانا الله قال تبغض العرب فتبغضنى رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن- وقيل أراد به جميع المؤمنين كما فى قوله تعالى لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ يعنى من الانس دون الملائكة حتى يتحقق التأثير والتأثر لكمال المناسبة قال الله تعالى لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا. يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ يعنى القران بعد ما كانوا جهالا وَيُزَكِّيهِمْ اى يطهر قلوبهم عن العقائد الفاسدة والاشتغال بغير الله ونفوسهم عن الرذائل وأبدانهم عن الأنجاس والاخباث والأعمال القبيحة وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ يعنى العلوم المستنبطة من الكتاب او ما يصلح ان يكتب فى الصحف وَالْحِكْمَةَ العلوم الحقة المستحكمة التي يستفيدها الحكيم من الحكيم بلا توسط كتاب ولا بيان وَإِنْ كانُوا مخففة من المثقلة واسمه ضمير الشأن يعنى انه كانوا مِنْ قَبْلُ بعثته لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (164) اى ظاهر. أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ يوم أحد من قتل سبعين والهزيمة قَدْ أَصَبْتُمْ يوم بدر من الكفار مِثْلَيْها روى احمد والشيخان والنسائي عن البراء قال أصاب المشركون منا يوم أحد سبعين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة سبعين أسيرا وسبعين قتيلا- قلت جعل الله سبحانه الأسير مثل القتيل لكونهم قادرين على قتلهم وكان قتلهم هو المرضى من الله تعالى وانما كان عدم القتل باختيارهم الفداء من عند أنفسهم- والظرف يعنى لما متعلق بقوله تعالى قُلْتُمْ متعجبين انّى هذا الهزيمة والقتل علينا ونحن مسلمون وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم والهمزة لانكار هذا القول والمنع عنه والجملة معطوفة على ما سبق من قصة أحدا ما على قوله لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ يعنى لقد صدقكم الله وعده وقلتم انى هذا حين المصيبة واما على قوله اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ ويحتمل العطف على قوله لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ يعنى وجود الرسول صلى الله عليه وسلم منه منه تعالى عليكم وأنتم تريدون ان تنسبوا اليه المصيبة وتجعلوها بسببه او معطوف على محذوف تقديره انما وعدكم النصر بشرط الصبر والتقوى لم تصبروا ولما أصابتكم مصيبة قلتم انى هذا او تقديره أتنازعتم ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 166]

وعصيتم الرسول وفشلتم ولما أصابتكم مصيبة قلتم انى هذا وجاز ان يكون معطوفا على القول المحذوف اشارة الى ان قولهم كان غير واحد تقديره أقلتم أقوالا غير واحد لا ينبغى ولما أصابتكم مصيبة قلتم انى هذا قُلْ يا محمد هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ اى بما اقترفتم من المعصية بترك المركز فان الوعد كان مشروطا بالصبر والتقوى وقيل يعنى باختياركم الفداء عن أسارى بدر اخرج ابن ابى حاتم عن عمر بن الخطاب قال عوقبوا يوم أحد بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء فقتل منهم سبعون وفرّ اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكسر رباعيته وهشّمت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه فانزل الله تعالى أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ الاية وقال البغوي روى عبيدة السلماني عن على قال جاء جبرئيل عليه السلام الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ان الله كره ما صنع قومك فى أخذهم الفداء من الأسارى وقد أمرك ان تخيّرهم بين ان يقدموا فيضرب أعناقهم وبين ان يأخذوا الفداء على ان يقتل منهم عدتهم فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله عشائرنا وإخواننا لابل نأخذ فداهم فتقوى به على قتال عدونا ويستشهد مناعدتهم فقتل يوم أحد سبعون عدد أسارى اهل بدر فهذا قوله هو من عند أنفسكم (فائدة) روى سعيد بن منصور عن ابى الصخر مرسلا قال قتل يوم أحد سبعون اربعة من المهاجرين حمزة ومصعب بن عمير وعبد الله بن جحش وشماس بن عثمان وسائرهم من الأنصار وروى ابن حبان والحاكم عن أبيّ بن كعب قال أصيب يوم أحد من الأنصار اربعة وستون ومن المهاجرين ستة- قال الحافظ وكان الخامس سعد مولى حاطب بن بلتعة «1» والسادس ثقيف بن عمرو الأسلمي- وروى البخاري عن قتادة قال ما نعلم حيا من احياء العرب اكثر شهيدا من الأنصار- قال قتادة حدثنا انس قال قتل منهم يوم أحد سبعون ويوم بير معونة سبعون ويوم اليمامة سبعون- ونقل الحافظ محب الطبري عن مالك ان شهداء أحد خمسة وسبعون منها أحد وسبعون من الأنصار- وعن الشافعي انهم اثنان وسبعون- وسرد فى العيون اسماء شهداء أحد فبلغ ستة وتسعين من المهاجرين أحد عشر ومن الأوس ثمانية وثلاثون ومن الخزرج سبعة وأربعون- وفى العيون عن الدمياطي مائة واربعة او خمسة وكتاب الله يدل على كونهم سبعين إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من النصر والخذلان وغيرهما قَدِيرٌ (165) . وَما أَصابَكُمْ من المصيبة يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ جمع المسلمين وجمع المشركين

_ (1) الصحيح ابن ابى بلتعة-

[سورة آل عمران (3) : آية 167]

يعنى يوم أحد فَبِإِذْنِ اللَّهِ فهو قد حصل بقضاء الله وقدره وسماه اذنا لانه بالأمر التكويني فى قوله كن فيكون والمستحيل فى ما لا يشرع هو الأمر التكليفي دون الأمر التكويني وَلِيَعْلَمَ يعنى لمصالح كثيرة وليعلم الْمُؤْمِنِينَ (136) . وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا ممتازين عند الناس يعنى يتحقق امتيازهم عند الناس فيعرفوا ايمان هؤلاء وكفر هؤلاء وَقِيلَ لَهُمْ اى للمنافقين عطف على نافقوا او كلام مبتدا تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا هذا مقولة القول يعنى قاتلوا الكفار فى سبيل الله ان استطعتم والا فادفعوهم بتكثيركم سواد المؤمنين فاستقيموا ولا تفروا او المعنى قاتلوا فى سبيل الله بالإخلاص ان كنتم مؤمنين حقا او ادفعوا الأعداء عن ذراريكم ان لم تقاتلوا الله تعالى قالُوا يعنى المنافقين عبد الله بن أبيّ وأصحابه فى جواب المؤمنين حين انصرفوا عن أحد وكانوا ثلاثمائة لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا هذه المصادمة قتالا لَاتَّبَعْناكُمْ لكنه ليس بقتال بل إلقاء بالأنفس فى التهلكة او المعنى انه لو تكونوا على الحق ونعلمه قتالا فى سبيل الله لاتبعناكم او المعنى او نعلم انه قتال معنا لاتبعناكم لكن ليس هذا قتالا معنا ولا قصد للمشركين الا قتالا معكم او المعنى لو نحسن قتالا لاتبعناكم فيه انما قالوه استهزاء بهم هُمْ اى المنافقون لِلْكُفْرِ اللام بمعنى الى اى الى الكفر يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ اى الى الايمان يعنى ان المنافقين كانوا مترددين بين الايمان والكفر كالشاة العائرة بين الغنمين ان أصابهم فى الإسلام خير اطمأنوا به وان أصابتهم فتنة انقلبوا الى الكفر فلما كان يوم أحد يوم الفتنة صاروا اقرب الى الكفر فانه أول يوم ظهر فيه كفرهم ونفاقهم- وقيل معناه هم لاهل الكفر اقرب نصرة منهم لاهل الايمان فان انخزالهم ومقالهم تقوية للمشركين وتخذيل للمؤمنين يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ يعنى يظهرون الإسلام بأفواههم ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ واضافة القول الى الأفواه تأكيد لنفى صدوره عن الاعتقاد وتحقير لهم يعنى ليس لهم من الايمان الا مجرد القول وهذه الجملة بيان لحالهم مطلقا لا فى هذا اليوم ولذا فصل عما سبق وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (167) من النفاق منكم. الَّذِينَ قالُوا مرفوع بدلا من الضمير المرفوع فى يكتمون او منصوب على الذم او الوصف للذين نافقوا- او مجرور بدلا من الضمير فى بأفواههم او قلوبهم لِإِخْوانِهِمْ اى لاجل إخوانهم فى النسب وفى حقهم عمن قتل يوم أحد وَقَعَدُوا حال بتقدير قد اى قالوا قاعدين عن القتال لَوْ أَطاعُونا فى القعود ما قُتِلُوا كما لم نقتل قرا هشام ما قتّلوا بالتشديد للتكثير والباقون بالتخفيف قُلْ لهم يا محمد فَادْرَؤُا فادفعوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (168) ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 169]

ان الحذر يدفع القدر- روى الترمذي وحسنه وابن ماجة وابن خزيمة وصححه والبغوي عن جابر بن عبد الله قال لقينى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لى يا جابر مالى أراك منكسرا قلت يا رسول الله استشهد ابى وترك عيالا ودينا قال أفلا أبشرك بما لقى الله به أباك قلت بلى يا رسول الله قال ما كلم الله تعالى أحدا قط الا من وراء الحجاب وأحيا أباك وكلمه كفاحا قال يا عبدى تمن علىّ أعطيك قال يا رب أحيني فاقتل فيك الثانية قال الرب تبارك وتعالى انه قد سبق منى انهم لا يرجعون قال فانزلت فيهم. وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا الاية- وروى مسلم واحمد وابو داود والحاكم والبغوي عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله عز وجل أرواحهم فى أجواف طير خضر ترد انهار الجنة وتأكل من ثمارها وتسرح فى الجنة حيث شاءت وتأوى الى قناديل من ذهب تحت العرش- فلما راوا طيب مقيلهم ومطعمهم ومشربهم وراوا ما أعد الله لهم من الكرامة قالوا يا ليت قومنا راوا ما نحن فيه من النعمة وما صنع الله بنا كى يرغبوا فى الجهاد ولا ينكلوا عنه فقال الله تعالى عز وجل انا مخبر عنكم ومبلغ إخوانكم ففرحوا بذلك واستبشروا فانزل الله تعالى وروى ابن المنذر عن انس قال لما قتل حمزة وأصحابه يوم أحد قالوا يا ليت مخبرا يخبر إخواننا الذي صرنا اليه من كرامة الله فاوحى إليهم ربهم انا رسولكم الى إخوانكم فانزل الله تعالى لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا الى قوله تعالى لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ وقيل ان اولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة تحسروا على الشهداء وقالوا نحن فى النعمة وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا فى القبور فانزل الله تعالى وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا قرا هشام لا يحسبنّ بالياء للغيبة والباقون بالتاء للخطاب وقرا ابن عامر قتّلوا هنا وفى الحج بتشديد التاء فيهما لكثرة المقتولين- والباقون بالتخفيف والخطاب لاولياء الشهداء او للرسول صلى الله عليه وسلم وجاز ان يكون خطابا للمنافقين الذين قالوا لو أطاعونا ما قتلوا ويكون حينئذ داخلا تحت قل وعلى قراءة هشام الضمير راجع الى اولياء الشهداء وجاز اسناده الى ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم او الضمير راجع الى المنافقين الذين قالوا لو أطاعونا وجاز اسناده الى الذين قتلوا او المفعول محذوف لانه فى الأصل مبتدا جائز الحذف عند القرينة وانما لا يجوز حذف أحد المفعولين بلا قرينة لانه شطر الجملة فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعنى فى الجهاد لفظ فى سبيل الله عام يشتمل من مات فى شىء من امور الخير غير ان لفظ القتل لا يشتمله عبارة لكن بدلالة النص يدخل فيه بالطريق الاولى او ... ...

بالمساوات او بالقياس من جاهد فى الله مع نفسه جهادا اكبر فانه أشد وأشق من الجهاد الأصغر أَمْواتاً غير مشتعرين باللذات والنعماء بَلْ أَحْياءٌ روى ابو حاتم عن ابى العالية فى قوله تعالى بل احياء قال فى صور طير خضر يطيرون فى الجنة حيث شاءوا قال البغوي أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش الى يوم القيامة روى ابن مندة عن طلحة بن عبد الله رضى الله عنه قال أردت مالى بالغابة فادركنى الليل فاويت الى قبر عبد الله بن عمرو بن حرام فسمعت قراءة من القبر ما سمعت احسن منها فجئت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال ذاك عبد الله الم تعلم ان الله قبض أرواحهم فجعلها فى قناديل من زبرجد وياقوت ثم علقها وسط الجنة فاذا كان الليل ردت إليهم أرواحهم فلا تزال كذلك حتى إذا طلع الفجر ردت أرواحهم الى مكانها التي كانت فيها- وعلى هذا القول يكتسب الشهيد الدرجات وثواب الطاعات بعد الموت ايضا- والشهيد لا يبلى فى القبر ولا يأكله الأرض وهذا ايضا اثر من اثار حياته روى البيهقي من طرقه عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما وابن سعد والبيهقي من طرق اخر عنه ومحمد بن عمرو عن شيوخه عن جابر قال استصرخنا الى قتلانا يوم أحد حين اجرى معاوية العين فاتيناهم فاخرجناهم رطابا تثنى أطرافهم قال شيوخ محمد بن عمرو وجدوا والد جابر ويده على جرحه فاميطت يده عن جرحه فانبعث الدم فردت الى مكانها فسكن الدم قال جابر فرايت ابى فى حفرته كانه نائم والنمرة التي كفن فيها كما هى والخرمة على رجليه على هيئته وبين ذلك ست وأربعون سنة وأصابت المسحاة رجل رجل منهم «1» قال الشيوخ وهو حمزة فانبعث الدم قال ابو سعيد الخدري لا ينكر بعد هذا منكر ولقد كانوا يحفرون التراب فكلما حفروا نثرة من التراب فاح عليهم ريح المسك- قال البغوي قال عبيد بن عمير مر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أحد على مصعب بن عمير وهو مقتول فوقف عليه ودعا له ثم قرا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشهد ان هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة الا فاتوهم وزوروهم وسلموا عليهم فو الذي نفسى بيده لا يسلم عليهم أحد الى يوم القيامة الا ردوا عليه وروى الحاكم والبيهقي عن ابى هريرة والبيهقي عن ابى ذر وابن مردوية عن خباب بن الأرت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمصعب بن عمير وهو مقتول على طريقه فوقف عليه فدعا له ثم قرا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ الاية ثم قال لقد رايتك بمكة وما بها ارق حلة ولا احسن لمة منك-

_ (1) فى الأصل فيهم

[سورة آل عمران (3) : آية 170]

(مسئلة) هل يبلغ غير الشهيد درجة الشهيد قلت نعم وما ورد فى فضائل الشهداء لا يقتضى نفى الحكم عمن عداهم وقد روى ابو داود والنسائي عن عبيد بن خالد ان النبي صلى الله عليه وسلم أخي بين رجلين فقتل أحدهما فى سبيل الله ثم مات اخر بعد جمعة او نحوها فصلوا عليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما قلتم قالوا دعونا الله ان يغفر له ويرحمه ويلحقه بصاحبه فقال النبي صلى الله عليه وسلم فاين صلاته بعد صلاته وعمله بعد عمله او قال صيامه بعد صيامه لما بينهما ابعد مما بين السماء والأرض- وقد ذكرنا بحث مقر الأنبياء والشهداء والصديقين والمؤمنين وغيرهم فى تفسير سورة المطففين ومسئلة حيوة الشهداء فى سورة البقرة فى تفسير قوله تعالى وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ اى ذو زلفى وقرب منه تعالى قربا بلا كيف قال الشيخ الشهيد شيخى وامامى رضى الله عنه ورضى عنا بسره السامي انه يرى بنظر الكشف تجليات ذاتية على الشهداء لما بذلوا ذواتهم فى سبيل الله قال الله تعالى وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ فهم قدموا لانفسهم بدل الذوات فجزاهم الله تعالى بالتجليات الذاتية الصرفة يُرْزَقُونَ (169) من الجنة تأكيد لكونهم احياء. فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أبهم الله سبحانه ما أتاهم لكونه بحيث لا يدركه فهم ولا يحيط بتفصيله عبارة روى ابن ابى شيبة وعبد الرزاق فى المصنف واحمد ومسلم وابن المنذر عن مسروق قال سالنا عبد الله يعنى ابن مسعود عن هذه الآيات فقال قد سالنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أرواحهم فى جوف طير خضر ولفظ عبد الرزاق أرواح الشهداء كطير خضر لها قناديل من ذهب معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوى الى تلك القناديل فاطلع عليهم ربهم اطلاعة فقال هل تشتهون شيئا ففعل ذلك ثلاث مرات وفى رواية فقال سلونى ما شئتم فقالوا يا رب كيف نسئلك ونحن نسرح فى الجنة فى ايها شئنا- فلما راوا انهم لم تتركوا من ان يسئلوا شيئا قالوا يا ربنا نريد ان ترد أرواحنا فى أجسادنا حتى نقاتل فى سبيلك مرة اخرى فلما راى ان ليس لهم حاجة تركوا وَيَسْتَبْشِرُونَ يسرون ويفرحون بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ الذين تركوهم احياء فى الدنيا على مناهج الايمان والطاعة والجهاد او المعنى لم يلحقوا بهم فى الدرجة مِنْ خَلْفِهِمْ زمانا او رتبة أَلَّا خَوْفٌ بدل اشتمال من الذين اى بان لا خوف عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) قيل معناه يحتمل انهم يستبشرون بإخوانهم الذين لم يلحقوا بهم ان لا خوف عليهم يعنى على الشهداء من جهتهم اى من جهة الاخوان لاجل حقوق العباد فى ذمتهم ومخاصمتهم معهم لانه تعالى سيرضيهم ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 171]

منهم ويمنعهم عن المخاصمة- قلت ويحتمل انهم يستبشرون بإخوانهم وأحبائهم الذين لم يلحقوا بهم فى درجتهم ان لا خوف على إخوانهم ولا هم يحزنون لما اعطى الله للشهداء درجة الشفاعة فى إخوانهم واحبابهم اخرج ابو داود وابن حبان عن ابى الدرداء قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الشهيد يشفع فى سبعين من اهل بيته واخرج احمد والطبراني مثله من حديث عبارة بن الصامت والترمذي وابن ماجة مثله من حديث المقدام بن معد يكرب- واخرج ابن ماجة والبيهقي عن عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يشفع يوم القيامة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء- وأخرجه البزار وزاد فى آخره ثم المؤذنون- قلت لعل المراد بالعلماء الذين سبقوا على الشهداء فى الشفاعة العلماء الراسخون علماء الحقيقة- يَسْتَبْشِرُونَ كرره للتأكيد او يقال الاول بشارة بدفع الضرر وهذا بشارة بجلب النفع. بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ثوابا لاعمالهم وَفَضْلٍ زيادة عليه من الله تعالى وذلك رؤية الله ومراتب قربه وتنكيرهما للتعظيم وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) قرا الجمهور بفتح انّ عطفا على فضل فهو من جملة المستبشر به- عن ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تكفل الله لمن جاهد فى سبيل الله لا يخرجه من بيته الا الجهاد فى سبيله وتصديق كلمته ان يدخله الجنة او يرجعه الى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من اجر وغنيمة وقال والذي نفسى بيده لا يكلم أحد فى سبيل الله والله اعلم بمن يكلم فى سبيله الا جاء يوم القيامة وجرحه تبعث دما اللون لون الدم والريح ريح المسك رواه ( «1» ) وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهيد لا يجد الم القتل الا كما يجد أحدكم الم القرصة «2» رواه الدارمي والترمذي وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب ورواه النسائي بسند صحيح ورواه الطبراني فى الوسط عن ابى قتادة بسند صحيح- والاية تدل على عدم ضياع اجر المؤمنين عامة شهيدا كان او غيره كانّ الشهداء يستبشرون بحال جميع المؤمنين- وقرا الكسائي على انه استيناف معترض دال على ان ذلك اجر لهم على ايمانهم ومن لا ايمان له اعماله محبطة لا اجر عليها- وقيل هذه الاية نزلت فى شهداء بدر كانوا اربعة عشر رجلا ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين وهذا القول ضعيف وقراءة قتّلوا بالتشديد يأبى عنه لدلالتها لكثرة المقتولين- وقال قوم نزلت هذه الاية فى شهداء بير معونة وكان سبب ذلك على ما روى محمد بن إسحاق

_ (1) هكذا بياض فى الأصل- وفى حاشية نقل البغوي- ابو محمد عفا عنه- (2) القرص أخذك لحم الإنسان بإصبعيك حتى تولمه ولسع البراغيث- قاموس- منه رح

وعبد الله بن ابى عن انس رضى الله عنه وغيره قال قدم عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الا سنة العامري على رسول الله صلى الله عليه وسلم واهدى له فرسين وراحلتين فابى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يقبلها وقال لا اقبل هدية مشرك فاسلم ان أردت ان اقبل هديتك فلم يسلم ولم يبعد وقال يا محمد ان الذي تدعوا اليه حسن جميل فلو بعثت رجالا من أصحابك الى اهل نجد رجوت ان يستجيبوا لك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انى أخشى عليهم اهل نجد فقال ابو براء أنالهم جار فبعث المنذر بن عمر رضى الله عنه أخا بنى ساعدة فى سبعين رجلا من خيار المسلمين من الأنصار يسمون القراء وفيهم عامر بن فهيرة مولى ابى بكر فى صفر سنة اربع حتى نزلوا بير معونة وهى ارض بين ارض بنى عامر وحرة بنى سليم فبعثوا حرام بن ملحان رضى الله عنه بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الى عامر بن الطفيل فى رجال من بنى عامر فقال حرام بن ملحان انى رسول رسول الله إليكم انى اشهد ان لا اله الا الله وان محمدا عبده ورسوله فامنوا بالله ورسوله فخرج اليه رجل من كسر البيت برمح فضرب به فى جنبه حتى خرج من الشق الاخر فقال الله اكبر فزت ورب الكعبة ثم استصرخ عامر بن الطفيل عليهم ببني عامر فابوا ان يجيبوه الى ما دعاهم اليه وقالوا لا تخفروا جوار ابى براء فاستصرخ عليهم قبائل من بنى سليم عصية ورعل وذكوان فاجابوه فخرجوا حتى غشوا القوم فاحاطوا بهم فى رحالهم فقاتلوهم حتى قتلوا كلهم الا كعب بن زيد تركوه وبه رمق فعاش حتى قتل يوم الخندق وأخذوا عمرو بن امية أسيرا فلما أخبرهم انه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم واخبر له الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا عمل ابى براء فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه اخفار عامر إياه روى محمد بن إسحاق كان يقول عامر بن الطفيل كان يقول من الرجل منهم لما قتل رايته رفع بين السماء والأرض حتى رايت السماء من دونه قالوا هو عامر بن فهيرة ثم بعد ذلك حمل ربيعة بن ابى براء على عامر بن الطفيل فطعنه على فرسه فقتله- وفى الصحيحين عن قتادة عن انس ان رعلا وذكوان وعصية وبنى لحيان أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعموا انهم اسلموا واستمدوا على عدوهم فامدهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم القراء فى زمانهم كانوا يحطبون بالنهار ويصلون بالليل حتى كانوا ببئر معونة فقتلوهم وغدروا بهم فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقنت شهرا يدعو فى الصبح على احياء من احياء العرب على رعل وذكوان وعصية وبنى لحيان- وروى احمد والشيخان والبيهقي عن انس والبيهقي عن ابن مسعود والبخاري عن عروة ان أناسا ... ...

جاءوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ابعث معنا رجالا يعلمون القران والسنة فبعث إليهم سبعين رجلا من الأنصار يقال لهم القراء فتعرضوا لهم فقتلوهم قبل ان يبلغوا المكان قالوا اللهم بلغ نبينا وفى لفظ إخواننا انا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا فاوحى الله انا رسولهم إليكم انهم قد رضوا ورضى عنهم قال انس فقرأنا فيهم بلغوا عنا قومنا انا قد لقينا ربنا فرضى عنا وارضانا ثم نسخ- فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين صباحا على رعل وذكوان وعصية وبنى لحيان الذين عصوا الله ورسوله- قال البغوي فى قول انس فرفعت بعد ما قراناها زمانا وانزل الله عز وجل وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الاية- قلت والاختلاف وان وقع فى سبب نزول هذه الاية كما ذكرنا لكن بحسب عموم اللفظ جميع الشهداء داخلون فى حكم هذه الاية والله اعلم- ((مسئلة)) اجمعوا على ان الشهيد لا يغسل لان شهداء أحد لم يغسلوا وامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم ان ينزع الحديد والجلود وان يدفنوا بدمائهم وثيابهم رواه ابو داؤد وابن ماجة عن ابن عباس وروى النسائي بسند صحيح عن عبد الله بن ثعلبة قوله صلى الله عليه وسلم زملوهم بدمائهم فانه ليس كلم يكلم فى سبيل الله الا هو يأتى يوم القيامة بدماء لونه لون الدم وريحه ريح المسك وفى الباب حديث جابر رمى رجل بسهم فى صدره فمات فادرج فى ثيابه كما هو ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه ابو داؤد بإسناد على شرط مسلم (مسئلة) واختلفوا فى مجنب استشهد هل يغسل أم لا فقال ابو حنيفة واحمد يغسل وقال مالك والشافعي لا يغسل لعموم قوله صلى الله عليه وسلم زملوهم بدمائهم ولنا قصة حنظلة بن ابى عامر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انى رايت الملائكة يغسل حنظلة بن ابى عامر بين السماء والأرض بماء المزن فى صحاف الفضة قال ابو أسيد الساعدي فذهبنا فنظرنا اليه فاذا رأسه يقطر ماء فرجعت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبرته فارسل الى امرأته فسالها فاخبرته انه خرج وهو جنب فولده يقال بنو غسيل الملائكة رواه ابن الجوزي من حديث محمد بن سعد مرسلا ورواه ابن حبان فى صحيحه والحاكم والبيهقي من حديث ابن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جده- قال الحافظ ظاهره ان الضمير فى قوله عن جده يعود على عباد فيكون الحديث من مسند الزبير وهو الذي يمكنه السماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تلك الحال- ورواه الحاكم فى الإكليل من حديث ابى أسيد وفى اسناده ضعف ورواه ... ...

الحاكم فى المستدرك والطبراني والبيهقي من حديث ابن عباس وفى اسناد الحاكم معلى بن عبد الرحمن متروك وفى اسناد الطبراني حجاج مدلس وفى اسناد البيهقي ابو شيبة الواسطي ضعيف- ((مسئلة)) اختلفوا فى الصلاة على الشهيد فقال الشافعي لا يصلى عليه وقال ابو حنيفة ومالك يصلى عليه وعن احمد كالمذهبين قلنا الصلاة اما لمغفرة الذنوب او لرفع الدرجات تكريما للميت والشهيد اولى بالتكرمة ولو كان التكريم فى ترك الصلاة كان النبي صلى الله عليه وسلم اولى به وقد صلى عليه اجماعا- والأصل هو الصلاة احتج الشافعي بحديث جابر بن عبد الله ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين رجلين من قتلى أحد فى الثوب الواحد ثم يقول أيهما اكثر قراتا فاذا أشير الى أحدهما قدمه فى اللحد وقال انا شهيد على هؤلاء يوم القيامة وامر بدفنهم فى ثيابهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا رواه البخاري والنسائي وابن ماجة وابن حبان وحديث انس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوم أحد يكفن الرجلين والثلاثة فى الثوب الواحد ودفنهم ولم يصل عليهم رواه احمد وابو داؤد والترمذي وقال حديث حسن والحاكم وصححه وقد أعله البخاري وقال انه غلط فيه اسامة بن زيد فقال عن الزهري عن انس ورجح رواية الليث عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب عن جابر يعنى هو الحديث الاول والله اعلم- وأجيب عن احتجاج الشافعي بانه يحتمل ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على شهداء أحد لما كان به من الم الجراح وكسر الرباعية ولعله صلى عليهم غيره صلى الله عليه وسلم ويؤيد هذا الاحتمال ما روى ابو داؤد فى المراسيل والحاكم والطحاوي من حديث انس ايضا قال مر النبي صلى الله عليه على حمزة وقد مثل به ولم يصل على أحد من الشهداء غيره زاد الطحاوي قال عليه السلام انا شهيد عليكم يوم القيامة- فان قيل روى هذا الحديث الدارقطني وقال لم يقل هذه الزيادة غير عثمان بن عمرو وليست محفوظة قلنا قال ابن الجوزي عثمان مخرج عنه فى الصحيحين والزيادة من الثقة مقبولة قال الطحاوي لو كان ترك الصلاة على الشهيد سنة لما صلى على حمزة فظهر انه صلى على حمزة لفضله ولم يصل على غيره لما كان به من وجع وقد ورد ما يعارض ما تقدم عدة أحاديث عن عدة من الصحابة منها حديث جابر قال فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة حين جاء الناس من القتال فقال رجل رايته عند تلك الشجرة فلما راه ورأى ما مثل به شهق وبكى فقام رجل من الأنصار فرمى عليه بثوب ثم جىء بحمزة فصلى عليه ثم بالشهداء فيوضعون الى جانب حمزة فيصلى عليهم ثم يرفعون ويترك حمزة حتى صلى على الشهداء ... ...

كلهم وقال حمزة سيد الشهداء عند الله يوم القيامة رواه الحاكم وقال صحيح الاسناد ولم يخرجاه الا ان فى سنده مفضل بن صدقة ابو حماد الحنفي قيل هو متروك وضعفه النسائي ويحيى لكن قال الأهوازي كان عطاء بن مسلم يوثقه وكان احمد بن محمد بن شعيب يثنى عليه ثناء تاما وقال ابن عدى ما ارى به بأسا فالحديث لا يسقط عن درجة الحسن ومنها حديث ابن عباس قال امر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمزة فسجى ببردة ثم صلى عليه وكبر سبع تكبيرات ثم اتى بالقتلى فيوضعون الى حمزة فيصلى عليهم وعليه معهم حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلوة رواه ابن إسحاق قال حدثنى من لا اتهمه عن مقسم مولى ابن عباس عنه وفى مقدمة مسلم عن شعبة عن الحسن بن عمارة عن الحكم عن مقسم عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد فسالت الحكم فقال لم يصل عليهم قال السهيلي الحسن بن عمارة ضعيف- وقال الحافظ وروى هذا الحديث الحاكم وابن ماجة والطبراني والبيهقي من طريق يزيد بن زياد عن مقسم عن ابن عباس مثله قال الحافظ يزيد فيه ضعف يسير وقال ابن الجوزي قال ابن المبارك ارم به وقال البخاري منكر الحديث وقال النسائي متروك- ومنها حديث ابن مسعود نحوه يعنى صلى على حمزة سبعين صلوة رواه احمد والحديث ضعيف وقال ابن همام لا ينزل عن درجة الحسن- ومنها حديث ابى مالك الغفاري أخرجه ابو داؤد فى المراسيل انه صلّى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد عشرة عشرة فى كل عشرة حمزة حتى صلى عليه سبعين صلوة قال الحافظ رجاله ثقات وابو مالك تابعي اسمه غزوان- وقد اعل الشافعي هذا الحديث بأنه متدافع لان الشهداء كانوا سبعين فاذا اتى بهم عشرة عشرة يكون قد صلى سبع صلوات وأجيب بان المراد انه صلى على سبعين نفسا وحمزة معهم كلهم وعند اجتماع هذه الأحاديث يثبت انه قد صلّى على قتلى أحد ووجه التطبيق بين ما روى انه صلى الله عليه وسلم لم يصل عليهم وما روى انه صلى عليهم وانه لم يصل بنفسه الشريفة الا أول مرة على حمزة ثم امر الناس بالصلوة على كلهم وصلى على حمزة الصلاة مع كل من القتلى انه من أسند الصلاة الى النبي صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد كلهم فمعناه انه امر بالصلوة فاسند اليه مجازا ومن نفى عنه الصلاة فهو على الحقيقة نظرا الى الأكثر ومن فصّل وقال صلى على حمزة لا غير فقد اتى بما هو الواقع وفى الباب ما رواه النسائي والطحاوي عن شداد بن الهاد مرسلا ان رجلا من الاعراب جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم فامن به واتبعه وقال أهاجر معك فاوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة ... ...

فلما كانت غزوة غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها أشياء فقسم وقسم له الحديث وفيه فقال الاعرابى ما على هذا اتبعك ولكن اتبعك على ان ارمى هاهنا وأشار الى حلقه بسهم فاموت فادخل الجنة الحديث وفيه فاتى به النبي صلى الله عليه وسلم يحمل قد أصابه سهم حيث أشار فقال النبي صلى الله عليه وسلم اهو هو قالوا نعم قال صدّق الله فصدقه وكفنه النبي صلى الله عليه وسلم فى جبته صلى الله عليه وسلم ثم قدمه فصلى عليه وكان مما ظهر من صلاته عليه اللهم ان هذا عبدك خرج مهاجرا فى سبيلك فقتل شهيدا انا اشهد عليه وهذا مرسل والمرسل عندنا حجة ((فصل)) روى البخاري وغيره عن عقبة بن عامر ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين يعنى قبيل وفاته عليه السلام وحمله البيهقي على الدعاء وليس بشىء لان الدعاء لم يكن مرة بعد ثمانى سنة وانما هى صلوة الجنازة وقد ورد فى بعض ألفاظه خرج يوما فصلى على اهل أحد صلاته على الميت رواه الطحاوي وغيره- فان قيل الحنفية لا يجيزون الصلاة على الميت بعد ثلاثة ايام قلت انما لا يجيزون لان الميت ينفسخ فى القبر فى ثلاثة ايام واما الشهيد فقد ثبت انه لا يأكله الأرض وهو ابدا كيوم دفنه فلا بأس بالصلوة عليه وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم والله اعلم- روى الفرياني والنسائي والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس انه قال لما رجع المشركون عن أحد قالوا لا محمدا قتلتم ولا الكواعب أردفتم بئسما صنعتم ارجعوا فسمع بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فندب المسلمين فانتدبوا الحديث قال محمد بن عمرو لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد يوم السبت 15 باتت وجوه الأوس والخزرج على بابه خوفا من كرة العدو فلما طلع الفجر من يوم أحد 16 اذّن بلال وخرج ينتظر خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما خرج أخبره رجل مزنّى قول ابى سفيان حين بلغوا الروحاء ارجعوا نستأصل من بقي وصفوان بن امية يأبى ذلك عليهم ويقول يا قوم لا تفعلوا فان القوم قد حربوا وأخاف ان يجتمع عليكم من تخلف من الخزرج فارجعوا والدولة لكم فانى لا أمن ان رجعتم ان تكون الدولة عليكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ارشدهم صفوان وما كان برشيد والذي نفسى بيده لقد سومت لهم الحجارة ولو رجعوا لكانوا كامس الذاهب ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر فذكر لهما فقالا يا رسول الله اطلب العدو ولا يقمحون الاقماح رفع الراس وغمض البصر- نهايه مندوح على الذرية- فامر بلالا ان ينادى ان رسول الله ... ...

صلى الله عليه وسلم يأمركم بطلب عدوكم ولا يخرج معنا الا من شهد القتال أمس قال أسيد بن حضير وبه تسع جراحات يريد ان يداويها لما سمع النداء سمعا وطاعة لله ورسوله ولم يعرج على دواء جرحه وخرج من بنى سلمة أربعون جريحا بالطفيل بن النعمان ثلاثة عشر جرحا وبخراش بن الصمة عشر جراحات وبكعب بن مالك بضعة عشر جرحا وبعطية بن عامر تسع جراحات ووثب المسلمون الى سلاحهم وما عرجوا على دواء جراحاتهم قال ابن عقبة واتى عبد الله بن أبيّ فقال يا رسول الله انا اركب معك قال لا قال ابن إسحاق ومحمد بن عمرو اتى جابر بن عبد الله فقال يا رسول الله ان مناديك نادى ان لا يخرج معنا الا من حضر القتال بالأمس وقد كنت حريصا على الحضور ولكن ابى خلفنى على أخوات لى سبع وفى لفظ تسع وقال لا ينبغى لى ولك ان نترك هذه النسوة ولا رجل معهن ولست بالذي او ثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لعل الله تعالى يرزقنى الشهادة وكنت رجوتها فتخلفت عليهن فاستأثر على بالشهادة فأذن لى يا رسول الله أسير معك فاذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جابر فلم يخرج معه أحد لم يشهد القتال بالأمس غيرى استأذنه رجال لم يحضروا القتال فابى ذلك عليهم قال ابن إسحاق ومتابعوه انما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبا للعدو ليبلغهم انه خرج فى طلبهم فيظنوا بهم قوة وان الذي أصابتهم لم يوهنهم عن عدوهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ابو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وابو عبيدة بن الجراح فى سبعين رجلا حتى بلغوا حمراء الأسد موضع من المدينة على ثمانية أميال على يسار الطريق إذا أردت ذا الحليفة وحمل سعد بن عبادة ثلاثين بعيرا وساق جزرا لتفحر فنحروا فى يوم الاثنين 7 او يوم الثلاثاء 18 وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرهم فى النهار بجمع الحطب فاذا امسوا أمران توقد النيران فتوقد كل رجل نارا فاوقدوا خمسمائة نار ولقى معبد الخزاعي وهو يومئذ مشرك وجزم ابو عمرو وابن الجوزي بإسلامه- وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا كان بها فقال يا محمد والله لقد عز علينا ما أصابك من أصحابك ولوددنا ان الله كان قد عفاك ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقى أبا سفيان بالروحاء وقد اجمعوا للرجعة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا لقد أصبنا جلة أصحابهم وقادتهم لتكرن ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 172]

على بقيتهم فلنفرغنّ عنهم فلما راى ابو سفيان معبدا قال وماوراءك قال محمد قد خرج فى أصحابه يطلبكم فى جمع لم ار مثله قط يتخرقون عليكم تخرقا قد اجتمع معه من كان تخلف عنه فى يومكم وندموا على صنيعهم وفيهم من الخنق عليكم شىء لم ار مثله قط قال ويلك ما تقول قال والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصى الخيل قال فو الله لقد اجمعنا الكرة عليهم لنستاصل بقيتهم قال فانى والله أنهاك عن ذلك فثنى ذلك مع كلام صفوان أبا سفيان ومن معه وقت أكبادهم فانصرفوا سراعا خائفين من الطلب- ومر بابى سفيان ركب من عبد القيس فقال اين تريدون قالوا نريد المدينة للميرة فقال فهل أنتم مبلغون عنى محمدا رسالة واحمل لكم ابلكم هذه زبيبا بعكاظ غدا إذا ووافيتمونا قالوا نعم قال فاذا جئتموه فاخبروا انا قد اجمعنا اليه والى أصحابه لنستأصلهم بقيتهم- وانصرف ابو سفيان الى مكة ومر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد فاخبروه بالذي قاله ابو سفيان فقال رسول الله صلى الله حسبنا الله ونعم الوكيل فاقام رسول الله صلى الله عليه وسلم هناك الاثنين 17 والثلاثاء 18 والأربعاء 19 وانزل الله تعالى. الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ دعاءه بالخروج للقتال مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ الجراح يوم أحد الموصول منصوب على المدح او مبتدا خبره الجملة الواقعة بعده لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا من للبيان والمقصود من ذكر الوصفين المدح والتعليل دون التقييد لان المستجيبين كلهم كانوا محسنين متقين أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) وجاز ان يكون الموصول صفة للمؤمنين وتم الكلام على قوله مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ وما بعده ابتداء وقال مجاهد وعكرمة خلافا لاكثر المفسرين انه نزلت هذه الاية فى غزوة بدر الصغرى وذلك ان أبا سفيان يوم أحد حين أراد ان ينصرف قال يا محمد موعد ما بيننا وبينك موسم بدر الصغرى القابل ان شئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بيننا وبينك ان شاء الله فلما كان العام المقبل خرج ابو سفيان من مكة فى قريش وهم الفان ومعهم خمسون فرسا حتى نزل مجنة فى ناحية مر الظهران ثم القى الله الرعب فى قلبه فبدا له الرجوع فلقى نعيم بن مسعود الا شجعى وقد قدم معتمرا فقال له ابو سفيان يا نعيم انى وأعدت محمدا وأصحابه ان نلتقى بموسم بدر الصغرى وان هذه عام جدب ولا يصلحنا الا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن وقد بدا لى ان لا اخرج إليها واكره ان يخرج محمد ولا اخرج انا فيزيدهم ذلك جرءة ولان الخلف من قبلهم أحب ... ...

الىّ من ان يكون من قبلى فالحق بالمدينة فثبطهم وأعلمهم انى فى جمع كثير ولا طاقة لهم بنا ولك عندى عشرة من الإبل أضعها على يدى سهيل بن عمرو ويضمنها فضمنها سهيل- واتى نعيم المدينة فوجد الناس يتجهزون لميعاد ابى سفيان فقال اين تريدون فقالوا واعدنا أبا سفيان بموسم بدر الصغرى ان نقتتل بها فقال بئس الرأى رايتم أتوكم فى دياركم وقراركم فلم يفلت منكم إلا شريد فتريدون ان تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم والله لا يفلت منكم أحد فكره بعض اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج واستبشر المنافقون واليهود وقالوا محمد لا يفلت من هذا الجمع فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خشى ان لا يخرج معه أحد وجاء ابو بكر وعمرو قد سمعا ما سمعا وقالا يا رسول الله ان الله مظهر دينه ومعزّ نبيه وقد واعدنا القوم موعدا لا نحب ان نتخلف فسر لموعدهم فو الله ان ذلك لخير فسرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسى بيده لاخرجن ولو وحدي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حسبنا الله ونعم الوكيل فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أصحابه وأتوا بدر الصغرى فجعلوا يلقون المشركين ويسئلونهم عن قريش فيقولون قد جمعوا لكم يريدون ان يرعبوا المسلمين فيقول المؤمنون حسبنا الله ونعم الوكيل حتى بلغوا بدرا وكانت موضع سوق لهم فى الجاهلية يجتمعون إليها يقوم لهلال ذى القعدة الى ثمان ليال خلون منه فاذا مضت ثمان ليال تفرق الناس الى بلادهم فاقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر أبا سفيان وقد انصرف ابو سفيان من مجنة الى مكة فلم يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحد من المشركين وواقفوا السوق وكانت معهم تجارات ونفقات فباعوا وأصابوا للدرهم درهمين وانقلبوا الى المدينة سالمين غانمين فحينئذ نزل قوله تعالى الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ إلخ والصحيح هو القول الاول واقتضاه صنيع البخاري ورجحه ابن جرير قلت ويؤيد القول الاول سياق الاية حيث قال الله تعالى الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ مدحهم بانهم خرجوا للجهاد واستجابوا لله والرسول مع كونهم مجروحين متالمين بالجراحات وليس ذلك الا فى غزوة حمراء الأسد واما غزوة بدر الصغرى فكانت بعد سنة وحينئذ كانوا أصحاء سالمين وبعدية إصابة القرح ان لم يحمل على الفور فلا وجه لتخصيص هذه الاية بغزوة بدر الصغرى بل يصدق على غزوة الخندق وغيرها ايضا والله اعلم.

[سورة آل عمران (3) : آية 173]

الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ ان كان نزول الآيتين معا فيكون الّذين قال لهم النّاس بدلا من الّذين استجابوا وان كان نزولهما على التعاقب والتفرق فالموصول هاهنا ايضا اما منصوب على المدح او خبر مبتدا محذوف تقديره هم الذين قال لهم الناس او مبتدا خبره فانقلبوا قال اكثر المفسرين المراد بالناس هاهنا الركب من عبد القيس الذين جاءوا من ابى سفيان والنبي صلى الله عليه وسلم فى حمراء الأسد كما مرّ ذكره وقال مجاهد وعكرمة المراد بالناس هاهنا نعيم بن مسعود الأشجعي الذي جاء فى المدينة بخبر ابى سفيان والمشركين والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتجهزون لغزوة البدر الصغرى للموعد واطلق عليه الناس لانه من جنسه كما يقال فلان يركب الخيل وما له الا فرس واحد او لانه انضم اليه ناس من المدينة وأذاعوا كلامه- والظاهر عندى ان نزول هذه الاية فى غزوة بدر الصغرى والمراد بالناس نعيم بن مسعود الأشجعي والاية الاولى نزلت فى غزوة حمراء الأسد وبينهما سنة ووجه قولى ان الظاهر نزول هذه الاية فى بدر الصغرى ان قوله إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ يدل على حدوث جمعهم الان بعد ما لم يكن وذا لا يتصور الا فى بدر الموعد واما حين انصرافهم من المدينة بعد وقعة أحد فهم كانوا مجتمعين فلا يناسبه قوله قد جمعوا لكم والله اعلم وكذا قال الامام الرازي حيث قال مدح الله تعالى المؤمنين على غزوتين يعرف أحدهما بغزوة حمراء الأسد وهى المذكورة فى الاية المتقدمة والثانية بغزوة البدر الصغرى وهى المذكورة فى هذه الاية والله اعلم إِنَّ النَّاسَ يعنى أبا سفيان وغيره من المشركين قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ جموعا وآلات «1» الحرب فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً عطف على قال لهم النّاس والضمير المستكن لله تعالى او للمقول او لمصدر قال او لفاعله ان أريد به نعيم وحده- والبارز راجع الى الموصول والمعنى انهم لم يلتفتوا ولم يضعفوا وأظهروا حمية الإسلام وبهذا العمل اقتربوا الى الله سبحانه وصعدوا مدارج الرفعة وزيادة الايمان بزيادة مدارج القرب ومن قال ان الايمان لا يزيد ولا ينقص فنظره مقصور على الايمان المجازى وَقالُوا عطف على زادهم حَسْبُنَا اللَّهُ حسب مصدر بمعنى الفاعل اى محسبنا وكافينا من احسبه إذا كفاه ويدل على انه بمعنى المحسب انه لا يستفيد بالاضافة تعريفا فى قولك هذا رجل حسبك كما لا يستفيد اسم الفاعل وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) اى نعم الموكول اليه الأمور هو المخصوص بالمدح محذوف وفى عطف

_ (1) فى الأصل والآلات الحرب-[.....]

[سورة آل عمران (3) : آية 174]

نعم الوكيل وهو إنشاء على جملة حسبنا الله وهو خبر مبارزة بين الفحول فقيل العطف من الحاكي ولا عطف فى الكلام المحكي تقديره قالوا حسبنا الله وقالوا نعم الوكيل يعنى قالوا هذا القول وهذا القول والظاهر ان المحكي هو المشتمل على العطف لما روى عن ابن عباس قال حسبنا الله ونعم الوكيل قالها ابراهيم حين القى فى النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا انّ النّاس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل رواه البخاري فان افراد الضمير فى قوله قالها ابراهيم يدل على ان الواو من المحكي ولو كان من الحكاية لقال حسبنا الله ونعم الوكيل قالهما ابراهيم بضمير التثنية فقال بعض الأفاضل فى توجيه العطف ان قولهم حسبنا الله كناية عن قولهم اعتمدنا على الله وقولهم نعم الوكيل كناية عن قولهم انا وكلنا أمورنا الى الله- والصحيح عندى ان الجمل التي لا محل لها من الاعراب جاز ان يعطف بعضها على بعض من غير مبالاة بالاختلاف خبرا وإنشاء وقد ورد فى الحديث انه جاءت امراة فقالت يا رسول الله ان ابى زوجنى ابن أخيه ونعم الأب هو الحديث وقال الله تعالى أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ. فَانْقَلَبُوا فانصرفوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ بما ذهبوا به معهم من المدينة من الايمان والعافية والأموال والعز وَفَضْلٍ زيادة فى الايمان بكثرة الثواب وزيادة فى الأموال بربح فى التجارة وزيادة فى العز حيث ذهبوا القتال العدو وفشل عدوهم وزيادة الأموال انما يتصور فى غزوة بدر الصغرى فانهم واقفوا هناك سوقا فاتجروا وربحوا كما ذكرنا واما فى غزوة حمراء الأسد فلم يكن هناك تجارة لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ الجملة حال من فاعل لم يصبهم اى فى حال لم يصبهم أذى من جراحة او قتل او نهب وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ الذي هو مناط الفوز بخير الدارين قال البغوي قالوا هل يكون هذا غزوا فاعطاهم الله ثواب الغزو ورضى عنهم وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) فيه تحسر للمتخلف وتخطية رأيه. إِنَّما ذلِكُمُ يعنى نعيما او أبا سفيان الشَّيْطانُ خبر وما بعده بيان شيطنته او ما بعده صفة على طريقة ولقد امر على اللئيم يسبنى او الشيطان صفة والخبر ما بعده وجاز ان يكون ذلكم اشارة الى قولهم إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ والشيطان خبره بتقدير المضاف يعنى ذلك القول فعل الشيطان القى فى أفواههم ليرهبوكم وتجبنوا عنهم يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 176]

القاعدين عن الخروج مع الرسول صلى الله عليه وسلم وجاز ان يكون أولياءه منصوبا بنزع الخافض والمفعول محذوف تقديره يخوفكم باوليائه وكذلك قراءة أبيّ بن كعب وقال السدى يعظم أولياءه فى صدوركم لتخافوهم لما قرا ابن مسعود يخوفكم أولياءه وعلى هذين الوجهين أولياءه ابو سفيان وأصحابه فَلا تَخافُوهُمْ إذ لا قوة لاحد الا بالله الضمير المنصوب للناس الثاني على الوجه الاول وللاولياء على الوجهين الأخيرين وَخافُونِ ان لا اجعلهم غالبين عليكم كما جعلت يوم أحد فان الغلبة من عندى فلا تخالفوني فى امرى ونهيى وجاهدوا مع رسولى- اثبت الياء فى الوصل فقط ابو عمرو- وكذا ابو جعفر وفى الحالين يعقوب- ابو محمد وحذفها الباقون فى الحالين إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) فان مقتضى الايمان ان يخاف الله ولا يخاف غيره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سالت فاسئل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم ان الامة لو اجتمعت على ان ينفعوك بشىء لا ينفعونك الا بشىء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا ان يضروك بشىء لا يضرونك الا بشىء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف رواه احمد والترمذي عن ابن عباس-. وَلا يَحْزُنْكَ قرا نافع بضم الياء وكسر الزاء من الافعال هذا وقوله تعالى ليحزننى وليحزن حيث وقع الا فى الأنبياء لا يحزنهم الفزع وقرا ابو جعفر من الافعال فى الأنبياء خاصة لا غير والباقون بفتح الياء وضم الزاء فى الكل الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ قال الضحاك هم كفار قريش وقال غيره هم المنافقون يسارعون فى الكفر بمظاهرة الكفار وهو الأصح يعنى لا يحزنك مسارعتهم فى الكفر لا خوفا على الإسلام والمسلمين لما إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ اى اولياء الله بمسارعتهم فى الكفر وانما يضرون بها أنفسهم شَيْئاً يحتمل المفعول والمصدر ولا ترحما على الكافرين لانه يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا نصيبا فِي ثواب الْآخِرَةِ حيث كانوا مخلوقين أشقياء وكان مبادى تعيناتهم مستندة الى اسمه المضل ونحوه فلذلك خذلهم حتى سارعوا فى الكفر وَلَهُمْ مع الحرمان عن الثواب عَذابٌ عَظِيمٌ (176) . إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ يعنى استبدلوا الكفر بالايمان وهم اهل الكتاب كانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل مجيئه فاذا جاء بالبينات اختاروا الكفر وتركوا الايمان حرصا على الدنيا وعنادا لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (177) وَلا يَحْسَبَنَّ قرا حمزة بالتاء خطابا للنبى صلى الله عليه وسلم ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 179]

تعريضا بالذين كفروا لانهم هم الحاسبون دون النبي صلى الله عليه وسلم او لكل من يحسب والباقون بالياء على الغيبة فعلى قراءة الجمهور فاعله الَّذِينَ كَفَرُوا وقوله تعالى أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ مفعول قائم مقام المفعولين والاملاء الامهال وإطالة العمر وتخليتهم وشأنهم وعلى قراءة حمزة الّذين كفروا مفعول وما بعده بدل منه وهو ينوب عن المفعولين او هو المفعول الثاني على تقدير مضاف فى أحد المفعولين يعنى لا تحسبن الذين كفروا اصحاب ان الاملاء خير لانفسهم او لا تحسبن حال الذين كفروا ان الاملاء خير لهم وما مصدرية كان حقها ان يفصل فى الخط ولكنها وقعت فى الامام متصلة فاتبع أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ استيناف لبيان علة ما تقدم من الحكم لِيَزْدادُوا إِثْماً اللام لام الارادة والاية حجة لنا على المعتزلة فى مسئلتى الأصلح وارادة المعاصي وعند المعتزلة اللام لام العاقبة وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (178) قال مقاتل نزلت فى مشركى مكة وقال عطاء فى قريظة والنضير عن ابى بكر قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم اىّ الناس خير قال من طال عمره وحسن عمله قيل فاىّ الناس شر قال من طال عمره وساء عمله رواه احمد والترمذي والدارمي- وعن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادى مناد يوم القيامة اين أبناء الستين وهو العمر الذي قال الله تعالى أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ رواه البيهقي فى الشعب-. ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ اللام لتأكيد النفي الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ من اختلاط المخلصين بالمنافقين والخطاب لعامة المخلصين والمنافقين المختلطين فى عصر النبي صلى الله عليه وسلم حَتَّى يَمِيزَ قرا حمزة «1» والكسائي هاهنا وفى الأنفال بضم الياء وكسر «2» الميم واسكان الياء مخففة من الافعال والباقون بفتح الياء من ماز يميز يقال مزت الشّيء ميزا إذا فرقته يعنى يفرق الْخَبِيثَ الكافر مِنَ الطَّيِّبِ اى المؤمن اما بالوحى الى النبي صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ او بالوقائع مثل واقعة أحد حيث تميز فيه المنافقون بالانخذال عن المؤمنين وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ حتى تعرفوا المنافقين من المؤمنين قبل التميز من الله تعالى

_ (1) الصحيح قرا حمزة والكسائي ويعقوب وخلف- ابو محمد عفا الله عنه (2) الصحيح بضم الياء وفتح الميم وكسر الياء الثانية مشددة من التفعيل إلخ ابو محمد عفا الله عنه

[سورة آل عمران (3) : آية 180]

وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فيطلعه على البعض من علوم الغيب أحيانا كما اطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على احوال المنافقين بنور الفراسة نظير هذه الاية قوله تعالى فى سورة الجن عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ وقد ذكرنا بحث الاطلاع على علم الغيب فى تفسير تلك الاية- قال البغوي قال السدىّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عرضت علىّ أمتي فى صورها فى الطين كما عرضت على آدم وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر فبلغ ذلك المنافقين فقالوا استهزاء زعم محمد انه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ممن لم يخلق بعد ونحن معه وما يعرفنا فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام على المنبر فحمد الله واثنى عليه ثم قال ما بال أقوام طعنوا فى علمى لا تسئلونى عن شىء فيما بينكم وبين الساعة الا نبأتكم به فقام عبد الله بن حذافة السهمي فقال من ابى يا رسول الله فقال حذافة فقام عمر فقال يا رسول الله رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبالقران اماما وبك نبيا فاعف عنا عفا الله عنك فقال النبي صلى الله عليه وسلم فهل أنتم منتهون هل أنتم منتهون ثم نزل عن المنبر فانزل الله تعالى هذه الاية- قال الشيخ جلال الدين السيوطي لم اقف على هذه الرواية قلت لو صحت هذه الرواية فوجه مناسبة الاية برد قولهم ان الرسول مجتبى بالاطلاع على الغيب ليس له ان يشارك غيره معه فى هذا العلم الا بإذن الله فيما يأذنه فهو يعرف كفركم ولا يظهر لاجتبائه بتلك المعرفة فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ «1» بصفة الإخلاص كيلا تفضحوا وَإِنْ تُؤْمِنُوا بالإخلاص وَتَتَّقُوا النفاق والمعاصي فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179) . وَلا يَحْسَبَنَّ قرا حمزة بالتاء خطابا للنبى صلى الله عليه وسلم او لكل من يحسب والباقون بالياء وضمير الفاعل راجع الى النبي صلى الله عليه وسلم او الى كل من يحسب وقوله الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ اى يبخلون بالزكاة مفعوله الاول بتقدير المضاف اى لا تحسبن بخل الذين ليطابق المفعولين هُوَ ضمير الفصل خَيْراً لَهُمْ مفعوله الثاني وجاز ان يكون الموصول فاعلا للفعل على قراءة الجمهور والمفعول الاول محذوفا وجاز ان يكون الضمير المرفوع اعنى هو هو المفعول الاول وضع موضع الضمير المنصوب والمعنى على التقديرين لا يحسبن الذين يبخلون بالزكاة بخلهم خيرا لهم او إيتاء الله المال خيرا لهم او ما أتاهم الله خيرا لهم وهذا التقدير أوفق بقوله تعالى سيطوّقون ما بخلوا به بَلْ هُوَ يعنى البخل او إيتاء الله المال او ما أتاهم الله شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ

_ (1) وفى الأصل ورسوله-

ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ نزلت الاية فى ما نعى الزكوة كذا قال ابن مسعود وابن عباس وابو وائل والشعبي والسدىّ- عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعا اقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم تأخذ بلهزمتيه يعنى شدقيه ثم يقول انا مالك انا كنزك ثم تلا وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ الاية رواه البخاري- وعن ابى ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من رجل يكون له ابل او بقر او غنم لا يؤدى حقها الا اتى بها يوم القيامة أعظم ما يكون وأسمنه تطاه بأخفافها وتنطحه بقرونها كلما جاءت أخراها ردت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس متفق عليه- وروى عطية عن ابن عباس ان هذه الاية نزلت فى أحبار اليهود كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته وأراد بالبخل كتمان العلم وبقوله سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ انهم يحملون أوزارهم واثامهم وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعنى انه الباقي بعد فناء خلقه وهم يموتون ويتركون الأموال فيعطى أموالهم لمن يشاء من ورثتهم او من غيرهم ويبقى عليهم الحسرة والعقوبة فمالهم يبخلون ولا ينفقون أموالهم فى سبيل الله وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ قرا ابن كثير وابو عمرو بالياء للغيبة والضمير راجع الى الذين يبخلون والباقون بالتاء خطابا للناس أجمعين او للذين يبخلون على الالتفات خَبِيرٌ (180) فيجازى عليه- اخرج محمد بن إسحاق وابن جرير وابن ابى حاتم عن ابن عباس انه كتب النبي صلى الله عليه وسلم مع ابى بكر الصديق رضى الله عنه الى يهود بنى قينقاع يدعوهم الى الإسلام واقام الصلاة وإيتاء الزكوة وان يقرضوا الله قرضا حسنا فدخل ابو بكر ذات يوم بيت مدارسهم فوجد ناسا كثيرا من اليهود قد اجتمعوا الى رجل منهم يقال له فخاص بن عازورا وكان من علمائهم ومعه حبر اخر يقال له اشيع فقال ابو بكر لفخاص اتق الله واسلم فو الله انك لتعلم ان محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاءكم بالحق من عند الله تجدونه مكتوبا عندكم فى التورية فامن وصدق واقرض الله قرضا حسنا يدخلك الجنة ويضاعف لك الثواب فقال فخاص يا أبا بكر تزعم ان ربنا يستقرض أموالنا وما يستقرض الا الفقير من الغنى فان كان ما تقول حقا فان الله إذا لفقير ونحن اغنياء وانه ينهاكم عن الربوا ويعطينا ولو كان غنيا ما أعطانا الربوا فغضب ابو بكر وضرب وجه فخاص ضربة شديدة وقال والذي نفسى بيده لولا العهد بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو الله فذهب فخاص الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 181]

يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابى بكر ما حملك على ما صنعت فقال يا رسول الله ان عدو الله قال قولا عظيما زعم ان الله فقير وانهم اغنياء فغضبت لله وضربت وجهه فجحد ذلك فخاص فانزل الله تعالى ردا على فخاص وتصديقا لابى بكر. لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ كذا قال عكرمة والسدى ومقاتل واخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس قال أنت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم حين انزل الله تعالى مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً قالت اليهود ان الله فقير يستقرض منا وذكر الحسن ان قائل هذا الكلام حيى بن اخطب سَنَكْتُبُ فى كتاب الحفظة يعنى يكتب الكرام الكاتبون بامرنا نظيره وانّا له كتبون ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ قرا حمزة سيكتب بالياء وضمها وفتح التاء على البناء للغائب المجهول وقتلهم بالرفع والباقون بالنون وضم التاء على البناء للمتكلم المعروف وقتلهم بالنصب الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ يعنى رضاءهم بفعل ابائهم الذين قتلوا الأنبياء بغير حق ضم الى قولهم ذلك قتلهم الأنبياء تنبيها على ان هذا ليس أول جريمة منهم وَنَقُولُ فى الاخرة على لسان الملائكة جزاء لما قالوا وما فعلوا قرا الجمهور بالتكلم على نسق سنكتب وحمزة بالغيبة يعنى يقول الله ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (181) فعيل بمعنى الفاعل يعنى عذاب النار المحرق كما فى عذاب اليم او الاضافة بيانية ومعناه العذاب المحرق يقال لهم ذلك إذا القوا فيها والذوق ادراك الطعوم ويستعمل فى ادراك سائر المحسوسات مجازا- ولما كان كفر اليهود لما كلهم الرشى من اتباعهم لاجل تلك المناسبة ذكر فى الجزاء الذوق. ذلِكَ العذاب بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ من القتل وغير ذلك من المعاصي وعبر بالأيدي عن الأنفس لان اكثر الأعمال المحسوسة بهن وافعال القلوب واللسان يلزمها ويظهرها اعمال الجوارح وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (187) عطف على ما قدمت ووجه سببية نفى الظلم من الله تعالى لتعذيب الكفار ان نفى الظلم يستلزم العدل المقتضى اثابة المحسن ومعاقبة المسيء فان قيل نفى الظلم لازم لذاته تعالى لان الظلم من القبائح التي يجب تنزيه الله تعالى عنه وإذا كان نفى الظلم مستلزما للعدل المستلزم لاثابة المحسن ومعاقبة العاصي يلزم وجوب الاثابة والمعاقبة وذلك مذهب المعتزلة خلافا لاهل السنة قلنا الظلم فى اللغة وضع الشيء فى غير موضعه المختص به اما بنقصان او بزيادة واما بعدول عن وقته او مكانه وذلك غير متصور من الله تعالى لانه يستلزم ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 183]

التصرف فى غير ملكه بغير اذن المالك او على خلاف ما امره به والله سبحانه لو عذب اهل السموات والأرض بغير جرم منهم لا يكون ذلك ظلما لانه المالك على الإطلاق يتصرف فى ملكه كيف يشاء فالظلم المنفي فى هذا المقام ليس بمعناه الحقيقي بل أريد هاهنا فعله تعالى بعبده ما يعد ظلما لو جرى فيما بينهم وان لم يكن ذلك ظلما لو صدر منه تعالى ونفى الظلم بهذا المعنى ليس بواجب عليه سبحانه بل هو مبنى على الفضل وجاز ان يقال معنى الاية ان عدم انتقام الأنبياء من الذين قتلوهم وظلموهم وكذبوهم فى صورة الظلم على الأنبياء وذلك وان لم يجب على الله تعالى فى ذاته لكن مقتضى فضله على الأنبياء الانتقام من أعدائهم وتعذيبهم فالمراد بالعبيد هاهنا الأنبياء وفيه منقبة لهم بكمال انقيادهم وعبوديتهم طوعا مثل انقياد جميع الأشياء له تعالى يسرا وكرها- وهاهنا توجيه اخر وهو ان يقال ان فيه اشارة الى ان الكفار استحقوا العذاب بحيث لو لم يعذبهم الله تعالى لكان ظلما عليهم ومنعا لحقهم فهذه الجملة كانها تأكيد لوقوع العذاب عليهم- قال الكلبي ان كعب بن الأشرف ومالك بن الضيف ووهب بن يهود او زيد بن التابوت وفخاص بن عازورا وحيى بن اخطب أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا يا محمد تزعم ان الله بعثك رسولا إلينا وانزل عليك كتابا وانّ الله عهد إلينا فى التورية الّا نؤمن لرسول يزعم انه من عند الله حتّى يأتينا بقربان تأكله النّار فان جئتنا به صدقناك فانزل الله تعالى. الَّذِينَ قالُوا محله الجر بدلا من الموصول السابق او الرفع بناء على انه خبر مبتدا محذوف اى هم الذين قالوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا يعنى أمرنا واوصانا فى التورية أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ اى لا نصدق رجلا يدّعى الرسالة من عند الله حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ- القربان فى الأصل كل ما يتقرب به العبد الى الله عز وجل من نسيكة وصدقة وعمل صالح فعلان من القربة ثم صار اسما للذبيحة التي كانوا يتقربون بها الى الله تعالى وكانت القرابين والغنائم لا تحل لبنى إسرائيل فكانوا إذا قربوا قربانا او غنموا غنيمة جاءت نار بيضاء من السماء لا دخان لها لها دوى وحفيف فيأكل ويحرق ذلك القربان والغنيمة فيكون ذلك علامة القبول وإذا لم تقبل بقيت على حالها- قال السدى ان الله تعالى امر بنى إسرائيل من جاءكم يزعم انه رسول الله فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار حتى يأتيكم المسيح ومحمد فاذا أتياكم فامنوا بهما فانهما يأتيان بغير قربان قال الله تعالى اقامة للحجة عليهم قُلْ يا محمد ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 184]

قَدْ جاءَكُمْ يا معشر اليهود رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ المعجزات الواضحات سوى القربان وَبِالَّذِي قُلْتُمْ من القربان كزكريا ويحيى وسائر من قتلوهم من الأنبياء فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ يعنى كذّبهم أسلافهم وقتلوهم واتبعهم أولادهم الذين كانوا فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم على تكذيبهم والرضاء بالكفر بهم فلذلك توجه إليهم هذا الاستفهام الإنكاري إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (183) شرط حذف جزاؤه يعنى ان كنتم صادقين فى انّ امتناعنا عن الايمان بك لاجل ذلك العهد فلم لم تؤمنوا بزكريا ويحيى وأمثالهما فاذا لم تؤمنوا بهم ظهران امتناعكم عن الايمان ليس لاجل هذا بل عنادا وتعصبا. فَإِنْ كَذَّبُوكَ فلا تحزن فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فعلى هذا التأويل جزاء الشرط محذوف أقيم سببه مقامه وجاز ان يكون المعنى فان كذبوك فتكذيبك تكذيب لرسل من قبلك حيث أخبروا ببعثك جاؤُ بِالْبَيِّناتِ المعجزات الواضحات وَالزُّبُرِ كصحف ابراهيم وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (184) كالتورية والإنجيل وعلى التأويل الاول تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم يعنى فاصبر كما صبروا وعلى التأويل الثاني الزام لليهود فان تكذيب محمد عليه الصلاة والسلام تكذيب للذين جاءوا بالقربان- قرا هشام بالزّبر وبالكتب المنير بزيادة الباء فيهما وهكذا خطّ هشام عليهما فى كتابه عن أصحابه عن ابن «1» عامر وقرا ابن ذكوان بزيادة الباء فى بالزبر وحده والباقون بغير باء فيهما- والزبر جمع زبور وهو الكتاب المقصور على الحكم من زبرت الشيء إذا احسنته-. كُلُّ نَفْسٍ مؤمنة او فاجرة ذائِقَةُ الْمَوْتِ قال البغوي فى الحديث انه لمّا خلق الله آدم اشتكت الأرض الى ربها لما أخذ منها فوعدها ان يرد فيها ما أخذ منها فما من أحد الا ويدفن فى التربة التي خلق منها والحاصل انه ليست الحيوة الدنيا ونعماؤها جزاء للطاعات وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ اى جزاء أعمالكم يَوْمَ الْقِيامَةِ ان خيرا فخيرا وان شرا فشرا فاجازيك على الصبر والطاعة وأجازي الكفار على تكذيب الحق- وهذه الاية ايضا تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم- ولفظا التوفية يشعر بانه قد يكون بعض الأجور قبلها قال الله تعالى وآتيناه يعنى ابراهيم أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ- وعن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم القبر روضة من رياض الجنة او حفرة من حقر النار رواه الترمذي

_ (1) فى الأصل ابى عامر-

[سورة آل عمران (3) : آية 186]

ورواه الطبراني فى الأوسط عن ابى هريرة فَمَنْ زُحْزِحَ اى ابعد عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ اى ظفر بالمطلوب ونال المراد وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا اى العيش فيها إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ (185) المتاع ما يتمتع وينتفع به والغرور اما مصدر من غرّه يغرّه غرا وغرورا فهو مغرور وغرّه اى خدعه وأطمعه بالباطل او جمع غار شبه الدنيا بالمتاع الذي يدلس به البايع على المستام ويغرّه حتى يشتريه يعنى «1» متاعا نظرا الى الظاهر ولا حقيقة لها وذلك لان لذاتها مشوبة بالمكاره والالام ومع ذلك لا بقاء لها كالاحلام- قال قتادة هى متاع متروكة يوشك ان تضمحل باهلها فخذوا من هذا المتاع بطاعة الله ما استطعتم والغرور الباطل وقال الحسن هى كخضر النبات ولعب النبات لا حاصل له عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل اعددت لعبادى الصالحين ما لا عين رات ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فاقرءوا ان شئتم فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وان فى الجنة لشجرة يسير الراكب فى ظلها مائة عام لا يقطعها واقرءوا ان شئتم وظلّ ممدود ولموضع سوط من الجنة خير من الدنيا وما فيها واقرءوا ان شئتم فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ رواه البغوي بسنده والفصل الاول متفق عليه عنه وكذا الفصل الثاني والثالث فى الصحيحين غير قوله اقرءوا ان شئتم ظلّ ممدود اقرءوا ان شئتم فمن زحزح الاية-. لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ بالأمور التكليفية من الزكوة والصدقات والصوم والصلاة والحج والجهاد وبالمصائب من الجوائح والعاهات والخسران والأمراض وموت الأحباب وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً من هجاء الرسول صلى الله عليه وسلم والطعن فى الدين وإغراء الكفرة على المسلمين أخبرهم بذلك قبل وقوعها لتؤطنوا أنفسهم على الصبر والاحتمال وتستعدوا للقائها- رومى ابن المنذر وابن ابى حاتم فى مسنده بسند حسن عن ابن عباس انها نزلت فيما كان بين ابى بكر وفخاص من قوله إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ كذا قال عكرمة ومقاتل والكلبي وابن جريح ان النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر الى فخاص بن عازورا سيد بنى قينقاع ليستمده وكتب اليه

_ (1) فى الأصل متاع

كتابا وقال لابى بكر لا تفتاتن علىّ بشىء حتى ترجع فجاء ابو بكر وهو متوشح بالسيف فاعطاه الكتاب فلما قرا قال قد احتاج ربك الى ان نمده فهم ابو بكر ان يضربه بالسيف ثم ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تفتاتن علىّ بشىء حتى ترجع فكف ونزلت هذه الاية- وذكر عبد الرزاق عن الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك انها نزلت فى كعب بن الأشرف فانه كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم ويسب المسلمين ويحرض المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فى شعره ويشبب بنساء المسلمين- قلت وذلك بعد وقعة بدر لما راى دولة الإسلام وقتل صناديد قريش وذهب الى مكة ينتدب المشركين لقتال النبي صلى الله عليه وسلم وقالت قريش اديننا اهدى أم دين محمد قال بل دينكم وهجاه حسان بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم- وفى الصحيح فقال النبي صلى الله عليه وسلم من لى بابن الأشرف فانه قد أذى الله ورسوله شعره وقوى المشركين علينا فقال محمد بن مسلمة الأنصاري رضى الله عنه انا لك يا رسول الله هو خالى انا اقتله قال أنت افعل ان قدرت على ذلك فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب الا ما تعلق نفسه فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تركت الطعام والشراب قال يا رسول الله قلت قولا ولا أدرى هل أفي به أم لا فقال انما عليك الجهد وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور سعد بن معاذ فقال توجه اليه وأشك له الحاجة وسله ان يسلفك طعاما فاجتمع محمد بن مسلمة وعباد بن بشر وابو نائلة سلكان بن سلامة وكان أخا كعب من الرضاعة والحارث بن عبس والحارث بن أوس بن معاذ بعثه عمه سعد بن معاذ وابو عبس بن حبر فقالوا يا رسول الله نحن نقتله فائذن لنا فلنقل بيننا فانه لا بدلنا ان نقول فيك قال قولوا ما بدا لكم وأنتم فى حل من ذلك فقدّموا بانائلة فجاءه فتحدث معه وتناشدوا الشعر وكان ابو نائلة يقول الشعر ثم قال ويحك يا ابن الأشرف انى قد جئتك لحاجة أريد ذكرها فاكتم علىّ قال افعل قال كان قدوم هذا الرجل بلادنا بلاء عادتنا العرب ورمونا عن قوس واحدة وانقطعت عنا السبل حتى ضاعت العيال وجهدت الأنفس فقال كعب لقد كنت أخبرتك ان الأمر سيصير الى هذا فقال ابو نائلة ان معى أصحابا أردنا ان تبيعنا طعامك ونرهنك ونوثق لك وتحسن فى ذلك قال ترهنونى ابناءكم قالوا انا نستحيى ان نعير أبناءنا فيقال هذا رهينة وسق وهذا رهينة وسقين قال ... ...

ترهنونى نساءكم قالوا كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب ولا نأمنك واية امرأة تمتنع منك لجمالك ولكنا نرهنك الحلقة يعنى السلاح وقد علمت حاجتنا الى السلاح قال نعم ان فى السلاح لوفاء وأراد ابو نائلة ان لا ينكر السلاح إذا راه فواعده ان يأتيه فرجع ابو نائلة الى أصحابه فاخبرهم فاجمعوا أمرهم على ان يأتوه إذا امسى لميعاده- ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشاء فاخبروه روى ابن إسحاق واحمد بسند صحيح عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشى معهم الى بقيع الغرقد ثم وجههم ثم قال انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى بيته فى ليلة مقمرة مثل النهار ليلة اربع عشرة من شهر ربيع الاول- فمضوا حتى انتهوا الى حصن ابن الأشرف ليلا وقال ابو نائلة لاصحابه انى فاتل شعره فاذا رايتمونى استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه فهتف به ابو نائلة وكان ابن الأشرف حديث عهد بعرس فوثب فى ملحفه فاخذت امرأته بناحيتها وقالت انك امرؤ محارب وان اصحاب الحرب لا ينزلون فى هذه الساعة وانى اسمع صوتا يقطر منه الدم فكلّمهم من فوق الحصن فقال انه ميعاد علىّ وانما هو ابن أختي محمد بن مسلمة ورضيعى ابو نائلة لو وجدوني نائما ما أيقظوني وان الكريم إذا دعى الى طعنة بليل أجاب- فنزل إليهم متوشحا بملحفة يفوح منها ريح الطيب فتحدث معهم ساعة ثم قالوا يا ابن الأشرف هل لك فى ان نتماشا الى شعب العجوز فنتحدث فيه بقية ليلتنا هذه قال ان شئتم فخرجوا يتماشون فمشوا ساعة فقال ابو نائلة نجد منك ريح الطيب قال تحتى فلانة من أعطر نساء العرب- قال فتأذن لى ان أهم قال نعم فادخل ابو نائلة يده فى رأس كعب ثم شم يده فقال ما رايت كالليلة طيبا أعطر قط وكان كعب يدهن بالمسك الغتيت بالماء والعنبر حتى يتلبد فى صدغيه وكان جعدا جميلا- ثم مشى ابو نائلة ساعة ثم عاد لمثلها حتى اطمان اليه وسلسلت يده فى شعره- ثم عاد فاخذ بقرون رأسه حتى استمكن وقال لاصحابه اضربوا عدو الله فاختلف أسيافهم فلم تغن شيئا قال محمد بن مسلمة فذكرت مغولا «1» فى سيفى فاخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن الا أوقدت عليه نار قال فوضعته فى تندؤته ثم تحاصلت عليه حتى بلغت عانته ووقع عدو الله- وعند ابن سعد فطعن ابو عيس فى

_ (1) المغول بالكسر شبه سيف قصير يشتمل به الرجل تحت ثيابه فيغطيه وقيل هو حديدة دقيقة لها حد ماض وقفا- وقيل هو سوط فى جوفه سيف دقيق يشده العاتك على وسطه ليقال به الناس- نهايه منه رح

خاصرته فجزوا رأس كعب وقد أصيب الحارث بن أوس بن معاذ بجرح فى رأسه أصابه بعض اسيافنا- فخرجنا نشتد نخاف من يهود الارصاد وقد ابطا علينا صاحبنا الحارث بن أوس لجرح فى رأسه ونزفه الدم فناداهم اقرءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم منى السلام فعطفوا عليه فاحتملوه حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما بلغوا بقيع الغرقد اخر الليل كبروا وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى- فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرهم بالبقيع كبر وعرف ان قد قتلوه- ثم أتوه يعدون حتى وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا على باب المسجد- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم افلحت الوجوه- قالوا ووجهك يا رسول الله ورموا برأسه بين يديه فحمد الله تعالى على قتله- ثم أتوا بصاحبهم الحارث فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم على جرحه فلم يؤذه- فرجعوا الى منازلهم- فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه فوثب محيصة بن مسعود على شغينة رجل من تجار يهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله- وكان خويصة بن مسعود إذ ذاك لم يسلم وكان أسن من محيصة- فلما قتله جعل خويصة يضربه ويقول اى عدو الله قتلته اما والله لربّ شحم فى بطنك من ماله- قال محيصة والله لو أمرني بقتلك من أمرني بقتله لضربت عنقك- قال لو أمرك محمد بقتلى لقتلتنى قال نعم قال والله ان دينا بلغ بك هذا العجب فاسلم خويصة- فخافت اليهود فلم يطلع عظيم من عظمائهم- ولم ينطقوا وخافوا ان يبيتوا كما بيّت ابن الأشرف- وعند ابن سعد فاصبحت اليهود مذعورين فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا قتل سيدنا عيلة فذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صنيعه وما كان يحض عليه ويحرض فى قتاله ويؤذيه ثم دعاهم ان يكتبوا بينهم وبينه صلحا فكان ذلك الكتاب مع على رضى الله عنه (مسئلة) احتج الشافعي بهذه القصة على جواز قتل من سبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكفار او انتفصه او أذاه سواء كان بعهد او بغير عهد- وقال ابو حنيفة لا يقتل المعاهد بسبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لان سبّه كفر والكفر لا ينافى العهد وعند ابى حنيفة انما قتل ابن الأشرف لانه نقض العهد وذهب الى مكة لتحريض المشركين على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عاهده ان لا يعين عليه أحدا وقد اعانهم (مسئلة) لا يجوز ان يقال ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 187]

ان هذا كان غدرا من محمد بن مسلمة وابو نائلة رضى الله عنهما وقد قال ذلك رجل فى مجلس امير المؤمنين على رضى الله عنه فضرب عنقه وانما يكون الغدر بعد أمان ولم يؤمنه محمد بن مسلمة ولا رفقته رضى الله عنهم بحال وانما كلمه فى امر البيع والرهن الى ان تمكن منه (فائدة) وقع فى الصحيح ان الذي خاطب كعبا محمد بن مسلمة واكثر اهل المغازي على انه ابو نائلة ويمكن الجمع بينهما بان يكون كل منهما كلمه فى ذلك وَإِنْ تَصْبِرُوا على ما ابتليتم به وَتَتَّقُوا مخالفة امر الله تعالى فَإِنَّ ذلِكَ الصبر والتقوى مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) مصدر بمعنى المفعول اى من معزومات الأمور التي يجب عليها العزم او مما عزم الله عليه اى امر به وبالغ فيه والعزم فى الأصل ثبات الرأى على الشيء نحو إمضائه وقال عطاء يعنى من حقيقة الايمان- قلت والمراد بالصبر عدم الجزع والانقياد عند ابتلاء الله العبد وترك الاعتراض عليه وذا لا ينافى الانتقام من الكفار إذا آذوا المسلمين كما دل عليه قصة ابن الأشرف لعنه الله والله اعلم-. وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ اى اذكر وقت أخذ الله مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ اى العلماء منهم أخذ منهم العهد فى التورية لَتُبَيِّنُنَّهُ اى الكتاب لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ قرا ابن كثير وابو عمرو وابو بكر بالياء على الغيبة فيهما والباقون بالتاء على الخطاب فَنَبَذُوهُ اى الكتاب وَراءَ ظُهُورِهِمْ يعنى ضيعوه وتركوا العمل به وكتموا ما فيه من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وَاشْتَرَوْا بِهِ اى أخذوا بدله ثَمَناً قَلِيلًا يعنى المأكل والرشى فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (187) ما يختارون لانفسهم قال قتادة هذا ميثاق اخذه الله تعالى على اهل العلم فمن علم شيئا فليعلمه وإياكم وكتمان العلم فانه هلكة- وقال ابو هريرة يوما أخذ الله على اهل الكتاب ما حدثتكم بشىء ثم تلا هذه الاية وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سئل عن علم يعلمه فكقمه الجم يوم القيامة بلجام من النار- رواه احمد والحاكم بسند صحيح- وأخرجه ابن ماجة من حديث انس- قال البغوي قال الحسن بن عمارة أتيت الزهري بعد ان ترك الحديث فالفيته على بابه فقلت ان رايت ان تحدثنى فقال اما علمت انى تركت الحديث فقلت اما ان تحدثنى واما ان أحدثك فقال حدّثنى فقلت حدثنى الحكم بن عيينة عن يحيى الجزار قال سمعت ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 188]

على بن ابى طالب رضى الله عنه يقول ما أخذ الله على اهل الجهل ان يتعلموا حتى أخذ عن اهل العلم ان يعلموا قال فحدثنى أربعين حديثا- ورواه الثعلبي فى تفسيره من طريق الحارث عن ابى اسامة وهو فى مسند الفردوس من حديث على مرفوعا-. لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا اى بما فعلوا من إضلال الناس والتدليس وكتمان الحق او من مطلق المعاصي وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا من الوفاء بالميثاق واظهار الحق والاخبار بالصدق وغير ذلك من الحسنات وجه فرحهم كون ما فعلوا بتمسكاتهم فى تكذيب نبوته صلى الله عليه وسلم وجاز ان يكون المراد بالموصول المنافقين الذين لم يفعلوا الطاعات على الحقيقة ويظهر ونهار ياء ويحبون ان يحمدوا بانهم زهاد مطيعين لله فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ قرا الكوفيون لا تحسبنّ فلا تحسبنّهم بالتاء على الخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم وبفتح الباء على الافراد فعلى هذا المفعول الاول للفعل الاول الموصول والثاني بمفازة والفعل الثاني تأكيد للفعل الاول وفاعله ومفعوله الاول وقرا ابن كثير وابو عمرو بالياء للغيبة فيهما وضم الباء فى لا يحسبنّهم لان الضمير راجع الى الذين فعلى هذا الفاعل للفعل الاول الموصول ومفعولاه محذوفان تدل عليهما مفعولا مؤكده او المفعول الاول محذوف ومفعوله الثاني بمفازة والفعل الثاني تأكيد للاول وفاعله ومفعوله الاول يعنى لا يحسبنّ الّذين يفرحون أنفسهم بمفازة وقرا نافع وابن عامر بالياء للغيبة فى الاول على ان مفعوليه «1» محذوفان يدل عليهما المفعولان للفعل الثاني وبالتاء خطابا للنبى صلى الله عليه وسلم وحده فى الفعل الثاني مِنَ الْعَذابِ فى الدنيا بالفضيحة والذم والرد وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (188) فى الاخرة روى الشيخان وغيرهما من طريق حميد بن عبد الرحمن بن عوف- وكذا روى البغوي من طريق البخاري عن علقمة بن وقاص ان مروان قال لبوابه اذهب يا رافع الى ابن عباس فقل لئن كان كل امرئ منا فرح بما اوتى وأحب ان يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذ بن أجمعين فقال ابن عباس ومالكم ولهذه انما دعا النبي صلى الله عليه وسلم اليهود فسالهم عن شىء فكتموه إياه فاخبروه بغيره فخرجوا قد أروه انهم اخبروه بما سالهم عنه واستجدوا بذلك اليه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ما سالهم عنه ثم قرا ابن عباس وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ الى قوله يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ

_ (1) فى الأصل مفعولاه

[سورة آل عمران (3) : آية 189]

يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا- واخرج الشيخان عن ابى سعيد الخدري ان رجالا من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فاذا قدم اعتذروا اليه وحلفوا وأحبوا ان يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا الاية- واخرج عبد فى تفسيره عن زيد بن اسلم ان رافع بن خديج وزيد بن ثابت كانا عند مروان فقال مروان يا رافع فى اىّ شىء نزلت هذه الاية لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا قال رافع أنزلت فى ناس من المنافقين كانوا إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم اعتذروا وقالوا ما حبسنا عنكم الا الشغل فلود دنا انا كنا معكم فانزل الله فيهم هذه الاية وكانّ مروان أنكر ذلك فخرج رافع من ذلك فقال لزيد أنشدك بالله هل تعلم ما أقول قال نعم قال الحافظ ابن حجر يمكن الجمع بينهما بانها نزلت فى الفريقين- وحكى الفراء انها نزلت فى قول اليهود ونحن اهل الكتاب الاول والصلاة والطاعة ومع ذلك لا يقرون بمحمد صلى الله عليه وسلم وروى ابن ابى حاتم من طرق عن جماعة من التابعين نحو ذلك ورجحه ابن جرير ولا مانع ان تكون نزلت فى ذلك ايضا- قال البغوي قال عكرمة نزلت فى فخاص واشيع وغيرهما من الأحبار يفرحون باضلالهم الناس وبنسبة الناس إياهم الى العلم وليسوا باهل علم- وقال مجاهدهم اليهود فرحوا بما اعطى الله ال ابراهيم وهم براء من ذلك- وقال قتادة ومقاتل أتت يهود خيبر نبى الله صلى الله عليه وسلم فقالوا نحن نعرفك ونصدقك وانّا على رأيكم ونحن لكم ردء وليس ذلك فى قلوبهم فلما خرجوا قال لهم المسلمون أحسنتم هكذا فافعلوا فحمدوهم ودعوا لهم فانزل الله هذه الاية. وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خزائن المطر والرزق والنبات وغيرها يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) فيقدر على عقابهم- وفى هذه الاية رد لقولهم انّ الله فقير- اخرج الطبراني وابن ابى حاتم عن ابن عباس قال أتت قريش اليهود فقالوا بما جاءكم موسى من الآيات قالوا عصاه ويده بيضاء للناظرين- وأتوا النصارى فقالوا كيف كان عيسى قالوا «1» كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى- فاتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا فدعا ربه فنزلت. إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وما فيهما

_ (1) فى الأصل قال-

[سورة آل عمران (3) : آية 191]

من العجائب وافاضة الوجود على ماهيات لا يقتضى لذواتها وجودها وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ تعاقبهما على نسق بديع ونظام حكيم وما يتعاقبان عليه لَآياتٍ دلائل واضحة على وجود الصانع وكمال علمه وقدرته وإرادته وحكمته لِأُولِي الْأَلْبابِ (190) لذوى العقول المنزهة عن شوائب الأوهام ووساوس الشيطان عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويل لمن قراها ولم يتفكر فيها أخرجه ابن حبان فى صحيحه- وعن ابن عباس انه وقد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فراه استيقظ فتسوك وتوضأ وهو يقول انّ فى خلق السّموت والأرض حتى ختم السورة ثم قام فصلى ركعتين أطال فيهما القيام والركوع والسجود ثم انصرف فنام حتى نفخ ثم فعل ذلك ثلاث مرات ست ركعات كل ذلك يستاك ويتوضأ ويقرأ هذه الآيات ثم أوتر بثلاث رواه مسلم. الَّذِينَ صفة لاولى الألباب فان مقتضى العقل الاتصاف بالذكر والفكر والتسبيح والايمان والاستغفار والدعاء والتضرع اليه- ومن لم يتصف بها فهو كالانعام بل أضل منها فان الانعام يسبحون الله نوع تسبيح يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ قال البغوي قال على رضى الله عنه وابن عباس رضى الله عنهما والنخعي وقتادة هذا فى الصلاة يصلى قائما فان لم يستطع فقاعدا فان لم يستطع فعلى جنب ونظير هذه الاية فى سورة النساء فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ وحديث عمران بن حصين رضى الله عنه قال كانت بي بواسير فسالت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلوة المريض فقال صل قائما فان لم تستطع فقاعدا فان لم تستطع فعلى جنب أخرجه البخاري واصحاب السنن الاربعة زاد النسائي فان لم يستطع فمستلقيا لا يكلّف الله نفسا الّا وسعها- وعن على عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يصلى المريض قائما ان استطاع فان لم يستطع صلى قاعدا فان لم يستطع ان يسجد أومأ وجعل سجوده اخفض من ركوعه فان لم يستطع يصلى على جنبه الايمن مستقبل القبلة فان لم يستطع ان يصلى على جنبه الايمن صلى مستلقيا رجلاه مما يلى القبلة رواه الدار قطنى وفى اسناده حسين بن زيد ضعفه ابن المديني والحسن بن الحسن المغربي وهو متروك ومن هاهنا قال الشافعي ان المريض إذا عجز عن القيام صلى قاعدا وإذا عجز عن القعود يضطجع على جنبه الايمن مستقبل القبلة ... ...

فان لم يستطع استلقى على ظهره ويستقبل رجليه الكعبة حتى يكون ايماؤه فى الركوع والسجود الى القبلة وبه قال مالك واحمد غير انه لو صلى مستلقيا وهو قادر على الصلاة على جنبه الايمن جاز عندهما خلافا للشافعى- وقال ابو حنيفة إذا عجز عن القعود صلى مستلقيا ورجلاه الى الكعبة فان لم يستطع ان يصلى مستلقيا صلى على جنبه- قال ابو حنيفة ان هذه الاية والتي فى سورة النساء ليستافى صلوة المريض بل المراد بها عند عامة المفسرين المداومة على الذكر فى عموم الأحوال لان الإنسان قلما يخلوا عن هذه الحالات الثلاث- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب ان يرتع فى رياض الجنة فليكثر ذكر الله رواه ابن ابى شيبة والطبراني من حديث معاذ ولو سلمنا ان الاية فى صلوة المريض فهى لا تنفى صلوة المستلقى ولا تدل على الترتيب الذي ذكره الشافعي وكذا ما فى الصحيح من حديث عمران بن حصين قال ابن همام كان مرض عمران بن حصين البواسير وهو يمنع الاستلقاء ولذا لم يذكر الا ان ما رواه النسائي وزاد فيه صلوة المستلقى لو صح لكان حجة للشافعى وحديث على ضعيف لا يصلح للاحتجاج- ثم وجه قول ابى حنيفة فى تقديم الاستلقاء على الصلاة على جنبه ان المقصود الأهم فى الصلاة الركوع والسجود ولذا قال ابو حنيفة من لم يستطع الركوع والسجود ويقدر على القيام الأفضل ان يصلى قاعدا بالإيماء فان ايماءه اقرب الى السجود خلافا للجمهور- وايماء المستلقى على ظهره إذا كان رجلاه الى الكعبة يقع الى الكعبة بخلاف ايماء من يصلى على جنبه مستقبلا الى القبلة يقع الى جهة رجليه فكان الاستلقاء اولى- وقال الشافعي ومالك واحمد القيام كالركوع والسجود فى كونه مقصودا فلا يجوز الصلاة قاعدا لمن يقدر على القيام وان لم يقدر على الركوع والسجود بل عليه ان يصلى قائما بالإيماء ولا شك ان مدة القيام فى الصلاة اكثر من مدة الركوع والسجود فمن صلى مستلقيا يكون غالب حاله التوجه الى السماء لا الى جهة الكعبة ومن صلى على جنبه يكون غالب حاله التوجه الى الكعبة وذلك هو المأمور به فى قوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ والله اعلم وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وما أبدع فيهما وما أودع فيهما ليستدل بها على وجود صانع قادر عليم حكيم واحد لا شريك له عن على رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عبادة كالتفكر أخرجه البيهقي فى شعب الايمان وابن حبان ... ...

فى الضعفاء وضعفاه- وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر الى السماء والنجوم فقال اشهد ان لك ربا وخالقا اللهم اغفر لى فنظر الله اليه فغفر له رواه ابو الشيخ «1» ابن حبان والثعلبي- والفكر عبارة عن ترتيب امور معلومة لتحصيل مجهول فى القاموس هو اعمال النظر فى الشيء قال الجوهري فى الصحاح الفكرة قوة مطرقة للعلم الى المعلوم والتفكر جولان تلك القوة بحسب نظر العقل وذلك للانسان دون الحيوان ولا يقال الا فيما يمكن ان يحصل له صورة فى القلب ولهذا روى تفكروا فى آلاء الله ولا تتفكروا فى الله لكون الله تعالى منزها بان يوصف بصورة- وقال بعض العلماء الفكر مقلوب عن الفرك لكن يستعمل الفكر فى المعاني وهو فرك الأمور وبحثها طلبا للوصول الى حقيقتها انتهى كلام الجوهري- قلت ورد فى الحديث تفكروا فى كل شىء ولا تفكروا فى ذات الله تعالى فان بين السماء السابعة الى كرسيه سبعة آلاف نور وهو فوق ذلك رواه ابو الشيخ فى العظمة عن ابن عباس وعنه بلفظ تفكروا فى الخلق ولا تفكروا فى الخالق فانكم لا تقدرون قدره وعن ابى ذر نحوه بلفظ تفكروا فى خلق الله ولا تفكروا فى الله فتهلكوا وروى ابو نعيم فى الحلية عن ابن عباس تفكروا فى خلق الله ولا تفكروا فى الله- وروى ابو الشيخ والطبراني فى الأوسط وابن عدى والبيهقي بسند ضعيف بلفظ تفكروا فى آلاء الله ولا تفكروا فى الله فهذه الأحاديث تدل على المنع عن التفكر فى مرتبة الذات واقتصاره فى مراتب الافعال والصفات والأسماء- وبهذا يظهر امتناع تعلق العلم الحصولى بحضرت «2» الذات بلا شائبة الأسماء والصفات وقال المجدد رضى الله عنه العلم الحضوري ايضا ساقط من تلك المرتبة العليا لان جولانه الى نفس العالم وما هو عينه يعنى الى مرتبة العينية والاتحاد وذلك كفر الحقيقة والله سبحانه اقرب إلينا من أنفسنا فهو سبحانه وراء الوراء ثم وراء الوراء ثم وراء الوراء فى جانب القرب لا فى جانب البعد فلا سبيل للعلم الحضوري ايضا الى تلك المرتبة الأسنى- فدوام الحضور والعلم اللدني البسيط الحاصل للصوفى المتعلق بحضرت الذات وراء العلمين لا يدرى ما هو ولا يجوز اطلاق التفكر عليه الا مجازا كما اطلق عليه بعض الصوفية- وقد ورد فى الشرع التعبير عنه بالذكر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله فى كل احيانه انما هو ذلك لا الذكر اللساني فانه لا يمكن استدامته- ولما

_ (1) فى الأصل ابو الشيخ وابن حبان (2) مسئلة امتناع تعلق العلم الحصولى بحضرت الذات بل العلم المتعلق بالذات وراء العلم الحضوري ايضا-

كان دوام الذكر أهم وأسنى وانما الفكر طريقا إليها وصف الله سبحانه اولى الألباب اولا بدوام الذكر وبعد ذلك بالتفكر الموصل الى علم هو كالظل له حيث قال الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ يعنى يديمون الذكر فى جميع الأحوال وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ- وايضا فى تقديم الذكر على الفكر تنبيه بان العقل غير مستقل بافادة الاحكام الحقة ما لم يستضئ بنور الذكر والهداية من الله سبحانه رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا على ارادة القول اى يتفكرون قائلين ذلك- والباطل ضد الحق كذا فى القاموس والحق قد يطلق على موجود متاصل الوجود لا يحتاج فى تحققه ووجوده ولا فى شىء من الأشياء الى غيره وهو الله سبحانه وقد يطلق على موجود فى الخارج بلا نحت الوهم والخيال وان كان مقتبسا تحققه من الوجود الحق- وقد يطلق على موجود يشتمل وجوده على حكم ومصالح لا يكون عبثا ضائعا من غير حكمة ذاهبا بلا فائدة يترتب عليه- والباطل ضد الحق على المعاني كلها فباعتبار المعنى الاول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الا احسن القول قول لبيد كل شىء ما خلا الله باطل وجاز اعتبار المعنى الثاني فى البيت يعنى كل معبود ما خلا الله باطل الحقيقة له منحوت للوهم والخيال وباعتبار المعنى الثالث اطلق الباطل على الشيطان قال الله تعالى لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ والباطل هاهنا ان كان بالمعنى الثاني فمعنى الاية ما قال اهل الحق أساسا للاستدلال على الصانع (خلافا للسوفسطائية) ان حقائق الأشياء ثابتة والعلم بها متحقق- وان كان بالمعنى الثالث فالمعنى ما خلقت الخلق عبثا بل لحكمة عظيمة دليلا على معرفتك باعثا على شكرك وطاعتك- وهذا اشارة الى السموات والأرض وتذكيره بارادة المتفكر فيه او لانهما فى معنى المخلوق او الى الخلق على انه أريد به المخلوق من السموات والأرض او أريد به التخليق وجاز ان يراد به التفكر فى خلق كل جزء من اجزائها فهذا اشارة الى هذا الجزء- وباطلا منصوب على الحالية من هذا وجاز ان يكون باطلا بمعنى هازلا حالا من فاعل خلقت فعلى هذا قوله تعالى سُبْحانَكَ مؤكد للحال يعنى انه تعالى منزه عن الهزل لكونه رذيلة وعلى التأويل الاول اعتراض فَقِنا عَذابَ النَّارِ (191) للاخلال بالنظر فيه والقيام بما يقتضيه- والفاء تدل على ان خلق السموات والأرض للاستدلال والشكر والطاعة يقتضى ثواب المطيع وعذاب العاصي غالبا ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 192]

والعلم ينفى البطلان والعبث عنهما يستلزم الرجاء والخوف وهما يقتضيان طلب الثواب والاستعاذة من العذاب وقدم الاستعاذة لان دفع الضرر أهم من جلب النفع- وقيل دخلت الفاء لمعنى الجزاء تقديره إذا نزهناك فقنا عذاب النار. رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ تكرير ربنا للمبالغة فى الابتهال والدلالة على استقلال المطالب وعلو شأنها والتمسك بايفاء صفة الربوبية وباعترافهم بانه هو الذي رباهم- ومعنى خزاه قهره وكفه عن هواه وخزى كرضى وقع فى بلية وأخزاه الله فضحه كذا فى القاموس وَما لِلظَّالِمِينَ اى ما لهم يعنى لمن دخل النار وضع المظهر موضع المضمر للدلالة على ان ظلمهم سبب لادخالهم النار مِنْ أَنْصارٍ (192) لان النصرة دفع بقهر ولا يتصور القهر فى مقابلة القهار والا يلزم عجزه وهو ينافى الربوبية وهذا لا ينفى الشفاعة- فان قيل قد قال الله تعالى يوم لا يجزى الله النّبىّ والّذين أمنوا معه ومن اهل الايمان من يدخل النار وقد قال هاهنا مَنْ «1» تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ فكيف التوفيق قلنا معناه فقد أخزيته ما دام هو فى النار او المراد بالذين أمنوا معه المؤمنون الكاملون وقال انس وقتادة معناه انك من تخلده فى النار فقد أخزيته كذا قال سعيد بن منصور ان هذه خاصة لمن لا يخرج منها وروى عن جابر إخزاء المؤمن تأديبه وان فوق ذلك لخزيا-. رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً قال ابن مسعود وابن عباس واكثر الناس يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم وقال القرطبي يعنى القران فليس كل أحد يلقى النبي صلى الله عليه وسلم قلت من سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم بالتواتر فقد سمعه- أوقع الفعل على المسمع وحذف المسموع لدلالة وصفه عليه وفيه مبالغة ليست فى إيقاعه على المسموع وفى تنكير المنادى وإطلاقه ثم تقييده تعظيم لشأن المنادى وشأن النداء فانه لا منادى أعظم ممن ينادى للايمان ولا نداء أعظم من ذلك النداء يُنادِي لِلْإِيمانِ النداء يعدى بالى واللام لتضمنها معنى الانتهاء والاختصاص أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ ان مفسرة للنداء إذ فيه معنى القول او مصدرية بتقدير الباء اى بان أمنوا فَآمَنَّا به فيه اشعار على ان الايمان على حقيقته يترتب على الادلة السمعية واستدل به ابو منصور الماتريدى على بطلان الاستثناء فى الايمان ووجوب القول انا مؤمن حقا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا الفاء للسببية فان الايمان سبب للمغفرة ولا يتصور المغفرة بلا ايمان ذُنُوبَنا يعنى الكبائر وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا

_ (1) فى الأصل ومن-

[سورة آل عمران (3) : آية 194]

يعنى الصغائر والتفعيل للتكثير فان وقوع السيئات يغلب يعنى استرها مرة بعد اخرى وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (193) جمع برّا وبارّ بمعنى الصادق وكثير الخير والمتسع فى الإحسان- ومعنى التوفى مع الأبرار التوفى حال الاختصاص بصحبتهم معدودين فى زمرتهم لا المعية الزمانية فان ذلك غير متصور عادة ولا مفيد- ولم يقل وتوفنا بارين هضما لانفسهم وإعدادا لانفسهم غير بارين وفيه نهاية الخضوع وهو المحبوب عند الله تعالى- فان قيل هذا سوال الموت وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تمنى الموت والدعاء به من قبل ان يأتيه كما ذكرنا فى تفسير سورة البقرة فى قوله تعالى فتمنّوا الموت ان كنتم صدقين قلنا قد ذكرنا تحقيق المسألة هناك ان التمني بالموت انما لا يجوز إذا كان لضر نزل به فى مال او جسم او نحوه لا مطلقا على ان المقصود من هذا الدعاء هاهنا الدعاء باستدامة وصف البر والإحسان ابدا الى وقت الموت وحلول الاجل وليس الغرض منه السؤال بتعجيل الموت كما ان قوله تعالى وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ليس المقصود منه النهى عن الموت فانه غير مقدور للعبد بل النهى عن حال غير حال الإسلام فى شىء من الازمنة حتى يأتيه الموت عند حلول اجله وهو مسلم-. رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا من الثواب فى الجنة والروية والرضاء ومراتب القرب والنصر على الأعداء فى الدنيا عَلى رُسُلِكَ على تصديق رسلك او المعنى ما وعدتنا على السنة رسلك او متعلق بمحذوف تقديره ما وعدتنا منزلا على رسلك وجاز ان يكون على بمعنى مع يعنى اتنا مع رسلك وشاركهم معنا فى أجرنا والغرض منه أداء حق الرسالة وتكثير فضل أنفسهم ببركة مشاركة الرسل والمراد بضمير المتكلم فى قوله ما وعدتنا معشر المسلمين يعنى اتنا ما وعدت المسلمين الصالحين فهذا السؤال ليس مبنيا على الخوف من خلف الوعد منه تعالى عن ذلك بل مخافة ان لا يكون السائل من الموعودين بسوء عاقبته نعوذ بالله منها او لقصور فى إيمانه وطاعته وجاز ان يكون هذا السؤال تعبدا واستكانة فان الله غالب على امره يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يسئل عمّا يفعل وهم يسئلون وقيل لفظه دعاء ومعناه الخبر اى لتؤتينا تقديره فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا ... وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ لتوتينا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ من الفضل والرحمة- وقيل انما سالوا تعجيل ما وعدهم الله من النصر على الأعداء قالوا معناه قد علمنا انك لا تخلف وعدك من النصر لكن لا صبرلنا ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 195]

على حلمك فعجل خزيهم وانصرنا عليهم وَلا تُخْزِنا اى لا تفضحنا ولا تدخلنا النار يَوْمَ الْقِيامَةِ اى يوم القيام من القبور دفعة واحدة بان تعصمنا عن ارتكاب ما يقتضى الخزي وتغفر لنا وتستر ما صدر عنا عن ابى هريرة قال يدنى الله العبد منه يوم القيامة ويضع كتفه عليه فيسرّه من الخلائق ويرفع اليه كتابه فى ذلك السر فيقول الله عز وجل اقرأ كتابك فيمر بالحسنة فتبيض بها وجهه ويسر بها قلبه ويقول اتعرف يا عبدى فيقول نعم اى رب اعرف فيقول انى قد قبلتها منك فبخر ساجدا فيقول ارفع رأسك وانظر فى كتابك فيمر بالسيئة فيسود بها وجهه ويوجل بها قلبه فيقول الله تعالى أتعرف يا عبدى فيقول نعم اى رب اعرف فيقول انى اعرف بها منك انى قد غفرتها لك فلا يزال يمر بحسنة يقبل فيسجد وبسيّئة يغفر فيسجد فلا يرى الخلائق منه الا السجود حتى يناجى الخلائق بعضه بعضا طوبى لهذا العبد الذي لم يعص الله قط ولا يدرون ما قد لقى فيما بينه وبين الله مما قد وقف عليه رواه عبد الله بن احمد فى زوائد الزهد- واخرج البيهقي عن ابى موسى نحوه وفى الباب عن ابن عمر فى الصحيحين إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (194) بإثابة المؤمن واجابة الداعي ولمّا كان السؤال بقوله اتنا ما وعدتنا موهما لاحتمال خلف الوعد عقبه بهذه الجملة دفعا لذلك الوهم-. فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ اى طلبتهم وهو أخص من أجاب- ويعدى بنفسه وباللام كذا قال البيضاوي وقيل أجاب واستجاب بمعنى واحد أَنِّي اى بانى او قائلا انى لا أُضِيعُ اى لا أحبط عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ ايها المؤمنون مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى عن أم سلمة قالت يا رسول الله انى اسمع الله يذكر الرجال فى الهجرة ولا يذكر النساء فنزلت هذه الاية أخرجه الترمذي والحاكم وصححه وابن ابى حاتم وعبد الرزاق وسعيد بن منصور بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ قال الكلبي فى الدين والنصرة والموالاة- وقيل فى النسب والانسانية فان كلكم من آدم وحواء الذكر من بطن الأنثى والأنثى من صلب الذكر فتثأب النساء على الأعمال كما يثاب الرجال- والجملة معترضة لبيان شركة النساء مع الرجال فيما وعد للعمال ثم فصل عمل العاملين على سبيل التعظيم فقال فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي فى طاعتى ودينى او بسبب ايمانهم بي ومن اجلى وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا قرا ابن عامر وابن كثير قتّلوا بتشديد التاء للتكثير قال الحسن يعنى انهم قطعوا فى المعركة والباقون بالتخفيف وقرأ حمزة والكسائي قتلوا وقتلوا بتقديم المبنى للمفعول على المبنى ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 196]

للفاعل على عكس قراءة الجمهور وعكس الترتيب فى الذكر لا يوجب الاختلاف فى المعنى لان الواو لمطلق الجمع دون الترتيب وقيل فى وجه قراءة حمزة والكسائي ان معناه قتل بعضهم وقاتل بقيتهم ولم يهنوا وما استكانوا بقتل أصحابهم يقول العرب قتلنا بنى فلان اى بعضهم وقيل معناه قتلوا وقد قاتلوا قبل ذلك يعنى ما قتلوا منهزمين بل مقبلين على القتال والله اعلم لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ لاسترنها وأمحونها وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً قال المبرد مصدر مؤكد اى لاثيبنهم بذلك ثوابا والأظهر ان ثوابا حال من جنات وكانه أراد جعل ثوابا من عند الله جزاء فوق الجنات مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تفضلا منه على ثواب جزاء اعماله- وفيه التفات من التكلم الى الغيبة وجملة لاكفرن وما عطف عليه جواب قسم محذوف والقسم مع الجواب خبر للموصول وَاللَّهُ عِنْدَهُ فى قدرته ويختص به حُسْنُ الثَّوابِ (195) اى الثواب الحسن او احسن الثواب الذي لا يقدر عليه غيره- او المعنى والله تعالى درجات قربه وعنديته احسن ثوابا من الجنات وما فيها- قال البغوي كانت المشركون فى رخاء ولين من العيش يتجرون ويتنعمون فقال بعض المؤمنين ان اعداء الله تعالى فيما نرى من الخير ونحن فى الجهد فانزل الله تعالى. لا يَغُرَّنَّكَ الخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم والمراد منه أمته او الخطاب لكل أحد تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعنى ضربهم فى الأرض وتصرفهم فِي الْبِلادِ (196) للتجارات والمكاسب- والمعنى لا تنظر الى ما هم فيه من السعة ولا تغتر بظاهر ما ترى من تبسطهم فى المعاش- فالنهى فى المعنى للمخاطب وانما جعل للتقلب تنزيلا للسبب منزلة المسبب للمبالغة- عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تغبطن فاجرا فانك لا تدرى ما هو لاق بعد موته ان له عند الله قاتلا لا يموت يعنى النار رواه البغوي. فى شرح السنة مَتاعٌ قَلِيلٌ خبر مبتدا محذوف اى ذلك متاع قليل- او مبتدا خبره ظرف محذوف اى لهم متاع قليل لقصر مدته وقلته كمّا وكيفا عن المسور بن شداد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الدنيا فى الاخرة الا مثل ما جعل أحدكم إصبعه فى اليم فلينظر بم يرجع- رواه مسلم ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (197) ما مهدوا لأنفسهم يعنى جهنم. لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 199]

فِيها لكن للاستدراك عند النحاة اى دفع توهم نشا مما قبل وذلك التوهم ان متاع الكافرين المتنعمين فى الدنيا لمّا كان قليلا فمتاع المتقين المعرضين عن اللذات يكون اقل قليلا فقال الله تعالى لدفع ذلك التوهم لكن الّذين اتّقوا الاية يعنى ان المتقين اكتسبوا فى الدنيا ما يكون لهم وسيلة لنعماء الاخرة فهم تمتعوا من الدنيا ما لا مزيد عليه- وعند علماء المعاني لكن لرد اعتقاد المخاطب وذلك ان الكافرين يزعمون انهم متمتعون من الدنيا والمتقين فى خسران عظيم نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ صفة لنزلا- والنزل ما يعد للضيف النازل من الضيافة- ففى لفظة نزلا بيان لرفعة قدر المتقين حيث جعلهم أضياف الله والكريم يجعل خير ما عنده وما يقدر عليه للضيف- ونزلا منصوب على الحال من جنات والعامل فيه الظرف- وقيل انه مصدر مؤكد والتقدير أنزلوها نزلا- وجاز ان يكون منصوبا على التميز- وقيل تقديره جعل ذلك نزلا وَما عِنْدَ اللَّهِ من الثواب ودرجات القرب والرضاء والرحمة خَيْرٌ من متاع الدنيا ومن كل شىء لِلْأَبْرارِ (198) وضع المظهر موضع المضمر للمدح والتعظيم- عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال جئت فاذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مشربة وانه لعلى حصير ما بينه وبينه شىء وتحت رأسه وسادة من آدم حشوها ليف وان عند رجليه قرطا مصبورا وعند رأسه أهب معلقة فرايت اثر الحصير فى جنبه فبكيت فقال ما يبكيك فقلت يا رسول الله ان كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله فقال اما ترضى ان تكون لهما الدنيا ولنا الاخرة- وفى رواية قلت يا رسول الله ادع الله فليوسع على أمتك فان فارس والروم قد وسع عليهم وهم لا يعبدون الله قال اوفى هذا أنت يا ابن الخطاب أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم فى الحيوة الدنيا- متفق عليه وعن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا سجن المؤمن وسنته فاذا فارق الدنيا فارق السجن والسنة رواه البغوي فى شرح السنة- وعن قتادة بن النعمان ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا أحب الله عبدا حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمى سقيمه الماء رواه احمد والترمذي والله اعلم- روى النسائي عن انس وابن جرير نحوه عن جابر قال لما جاء نعى النجاشي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوا عليه قال يا رسول الله تصلى على عبد حبشى فانزل الله تعالى. وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ الاية وكذا فى المستدرك عن عبد الله بن الزبير قال نزلت فى النجاشي- ... ...

[سورة آل عمران (3) : آية 200]

قال البغوي لما مات النجاشي نعاه جبرئيل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى اليوم الذي مات فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم النجاشي فخرج الى البقيع وكشف له الى ارض الحبشة فابصر سرير النجاشي وصلى عليه وكبر اربع تكبيرات واستغفر له فقال المنافقون انظروا الى هذا يصلى على علج حبشى نصرانى لم يره قط وليس على دينه فانزل الله هذه الاية- وقال عطاء نزلت فى اهل نجران أربعين رجلا اثنان وثلاثون من ارض الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى فامنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم واخرج ابن جرير عن ابن جريح قال نزلت فى عبد الله بن سلام وأصحابه- وقال مجاهد نزلت فى مومنى اهل الكتاب كلهم وان من اهل الكتاب لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ حق إيمانه بصفاته وأسمائه دخلت اللام على اسم ان للفصل بالظرف وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ من القران وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ من التورية والإنجيل والزبور خاشِعِينَ لِلَّهِ اى خاضعين متواضعين حال من فاعل يؤمن وجمعه باعتبار المعنى لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ حال بعد حال اى غير مشترين بايات التورية التي فيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم ثَمَناً قَلِيلًا كما يفعله المحرفون من الأحبار لاجل المأكل أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ اى اجرا مخصوصا بهم زائدا على أجور غيرهم كما فى قوله تعالى أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ- وعن ابى موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة لهم أجران رجل من اهل الكتاب أمن بنبيّه وأمن بمحمد الحديث متفق عليه إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (199) لعلمه بالأعمال وما يستوجبه من الجزاء واستغنائه عن التأمل روى انه تعالى يحاسب الخلق فى قدر نصف نهار من ايام الدنيا- والمراد ان الاجر الموعود سريع الوصول إليهم فان سرعة الحساب كناية عن سرعة الجزاء-. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا على دينكم ومشاق التكليفات ومخالفة الهوى وعلى محبة ربكم وطاعته لا تدعوها فى شدة ولا رخاء وعلى جهاد أعدائكم وعلى البليات والشدائد- قال جنيد الصبر حبس النفس على المكروه بغير جزع وَصابِرُوا يعنى غالبوا اعداء الله فى الصبر على شدائد الحرب فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ... ...

ما لا يَرْجُونَ تخصيص بعد التعميم- والمصابرة كما يوجد فى مقابلة الكفار فى الجهاد الأصغر يوجد فى مقابلة النفس فى الجهاد الأكبر ايضا فان النفس يتحمل من الشدائد والمكاره فى طلب الدنيا وشهواتها ما لا يخفى وقد يتحمل لنيل النعيم الباقية فى الجنات العلى فلا بد للصوفى ان يتحمل اكثر من ذلك كلها فى طلب المولى جلّ وعلى وَرابِطُوا أبدانكم وخيولكم فى الثغور مترصدين للغزو- او أنفسكم وقلوبكم وأبدانكم فى ذكر الله والطاعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة فى المساجد وحلق الذكر واصل الربط الشد يعنى شد الخيل فى الثغور ثم قيل ذلك لكل مقيم فى ثغر يدفع عمن وراءه وان لم يكن له مركب ثم قيل لكل مقيم على شىء يدفع عنه ما يمنعه- والمرابطة المغالبة فى الرباط على من عداه يعنى ان الأعداء يربطون لمحاربتكم فانتم غالبوهم فى ذلك- عن سهل بن سعد الساعدي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رباط يوم فى سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها والروحة يروحها العبد فى سبيل الله او الغدوة خير من الدنيا وما عليها- رواه البغوي من طريق البخاري والفصل الاول فى الصحيحين عن سهل والفصل الثالث فيهما عن انس- وعن سلمان الخير ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من رابط يوما وليلة فى سبيل الله كان له اجر صيام شهر مقيما ومن مات مرابطا اجرى له مثل ذلك الاجر واجرى عليه من الرزق واو من من الفتان رواه البغوي- ورواه مسلم بلفظ رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وان مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله واجرى عليه رزقه وأمن من الفتان- وأخرجه احمد وابن ابى شيبة بلفظ من رابط يوما او ليلة فى سبيل الله كان كعدل صيام شهر رمضان وقيامه لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته الا لحاجة- وعن فضالة بن عبيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كل ميت يختم على عمله الا الذي مات مرابطا فى سبيل الله فانه ينمى له عمله الى يوم القيامة ويأمن فتنة القبر رواه الترمذي وابو داود ورواه الدارمي عن عقبة بن عامر- وعن عثمان رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رباط يوم فى سبيل الله خير من الف يوم فيما سواه من المنازل رواه الترمذي والنسائي- وقال البغوي قال ابو سلمة بن عبد الرحمن لم يكن فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه ولكنه انتظار الصلاة خلف الصلاة- ودليل هذا التأويل ... ...

حديث ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الا أخبركم بما يمحوا الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا الى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط رواه البغوي وروى مسلم والترمذي عن ابى هريرة نحوه وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) الفلاح الفوز بالمحبوب بعد الخلاص من المكروه- ولعل لتغيّب المال لئلا يتكلوا على الآمال عن تقديم الأعمال- عن عثمان بن عفان من قرا اخر ال عمران فى ليلة كتب له قيام ليلة رواه الدارمي- وعن ابى امامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرءوا الزهراوين البقرة وال عمران فانهما تأتيان يوم القيامة كانهما غمامتان- او كانهما غيابتان او كانهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما رواه مسلم وعن النواس بن سمعان قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول يؤتى بالقران يوم القيامة واهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وال عمران كانهما غمامتان او ظلتان سوداوان بينهما شرق او كانها فرقان من طير صوافّ تحاجّان عن صاحبهما رواه مسلم- وعن مكحول قال من قرا سورة ال عمران «1» يوم الجمعة صلت عليه الملائكة الى اللّيل رواه الدارمي- الحمد لله ربّ العلمين وصلى الله تعالى على خير خلقه محمد واله وأصحابه أجمعين- وقع الفراغ من تفسير سورة ال عمران يوم الاثنين ثامن ذى القعدة سنة الف ومائة وسبع وتسعين من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم- يتلوه تفسير سورة النساء ان شاء الله تعالى-

_ (1) وروى الطبراني بسند ضعيف عن ابن مليك من قرا السورة التي تذكر فيه ال عمران يوم الجمعة صلى الله عليه وملائكته حتى تحجب الشمس لشخص- منه رحمه الله تعالى- بتصحيح: مولانا غلام نبى تونسوى الراجي الى مغفرة ربه القوى (محمد غفران مظفر نگرى) .

فهرس للتفسير المظهرى سورة ال عمران

فهرس للتّفسير المظهرى سورة ال عمران بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سورة ال عمران- 2 تحقيق اسم الله الأعظم وما ورد فيه- 4 حديث ان خلق أحدكم يجمع فى بطن امه أربعين يوما نطفة الحديث ونحوه- 7 بحث الآيات المحكمات والمتشابهات وتأويل المتشابهات وان ما يتعلق به التكليف لا يجوز تأخير بيانه عن وقت الحاجة إلخ 9 حديث ما من ثلب الا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن ونحوه- 13 مسئلة الخلف فى الوعد محال لا فى الوعيد- 13 قصة غزوة بدر اجمالا- 14 بحث تزيين الشهوات- 17 بحث ما ورد فى نعماء الجنة وان فيها جميع ما يشتهونه- 19 السر فى ان نعيم الدنيا غير مرضية لله تعالى بخلاف نعيم الاخرة- 21 وسر شغف يعقوب بيوسف عليهما السلام- 21 مسئلة مجرد الايمان سبب لاستحقاق المغفرة وما ورد فيه- 22 الاستغفار بالأسحار- 22 حديث ينزل الله سبحانه الى السماء الدنيا كل ليلة- 22 حديث الإسلام ان تشهد ان لا اله الا الله إلخ- 24 ما ورد فى قوله تعالى شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ إلخ- 24 حديث اىّ الناس أشد عذابا قال رجل قتل نبيا ورجل امر بالمنكر- 26 قوله تعالى قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ- 29 مسئلة الوجود خير محض مستفاد من الواجب وحصة الشر المستند الى العدم ذاتى نتمكن- 30 ما ورد فى قراءة قل اللهمّ ملك الملك- 31 فصل الحب فى الله والبغض فى الله والنهى عن ولاية الفاسق 32 مسئلة العقبة 33 حديث ان الله يد فى العبد فيضع عليه كتفه- 34 حديث ما منكم من أحد الا سيكلمه ربه- 35 الحب ما هو من العبد لله وما هو من الله لعبده واستلزام حب الله اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم- 37 حديث كل ابن آدم يطعن الشيطان فى جنبه غير عيسى- 41 وبيان عصمة فاطمة وأولاده عليهم السلام- 42 ذكر كرامة مريم وكرامة فاطمة- 43 ما ورد فى فضل يحيى عليه السلام 45 ما ورد فى فضائل مريم- وخديجة- وعائشة وفاطمة وآسية امرأة فرعون- 47 فضائل عيسى عليه السلام ومعجزاته 50 ما ورد فى رفع عيسى عليه السلام الى السماء ونزوله قبل القيامة 56 مسئلة حجية القياس- 60 قصة المباهلة ورد ما استدل به الروافض على نفى خلافة الخلفاء الثلاثة رضى الله عنهم- 61 ما ورد فى انه لا يجوز الاخذ بقول العلماء والصوفية فيما لا مستند لهم من الشرع- 64 حديث لا طاعة للمخلوق فى معصية الخالق- 64 مسئلة إذا صح الحديث على خلاف مذهبه يجب العمل به 64 مسئلة لا يجوز اتخاذ المساجد والسرج على القبور والطواف ونحو ذلك- 65 حديث كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الى هرقل 65 قصة هجرة جعفر الى النجاشي ومنازعة كفار قريش معه بحضرة النجاشي- 68 اختلاف القراء فى الإشباع والاختلاس والإسكان فى يؤدّه ونؤته وأمثالها- 73 حديث أمرت ان أقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا اله الا الله 74 ما ورد فى آيات المنافق- 74 حديث من حلف على يمين صبر- 75 ما ورد فى يمين الغموس 76 حديث الدواوين ثلاثة لا يعبأ به- ولا يترك شيئا ولا يغفر- 76 حديث ثلاثة لا يكلمهم الله الاية المسيل إزاره والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب وفى رواية منها رجل على فضل ماء فى فلاة يمنعه ورجل بايع اماما للدنيا- وفى رواية منها شيخ زان عائل متكبر- 77 حديث يقول الله لاهون اهل النار عذابا لو ان لك ما فى الأرض اكنت تفتدى به قال نعم الحديث- 86 قوله تعالى لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا وذكر الزكوة والصدقة من أحب أمواله- 86 حديث وعليكم بالصدق وإياكم والكذب- 87 اوّل بيت وضع بيت الله- 92 ما ورد فى فضل الصلاة فى المسجد الحرام وللاقصى وغيرهما وهل هو فى الفرائض فقط او مطلقا- 93 ما ورد فى حرمة البيت وما فيه من الآيات- 94 مسئلة وجوب الحجج وشرائط وجوبه وما فيها من اختلاف الائمة وحجج كلمهم- 95 التغليظ فى ترك الحجج- 100 بحث صورة الكعبة وخليقة الكعبة والقران والصلاة- 101 قصة كيد اليهود لايقاظ الفتنة بين الأنصار بعد ايتلافهم 102 حديث انى تارك فيكم كتاب الله واهل بيتي وذكر اقطاب الإرشاد- 103 حق التقوى بغناء القلب والنفس وغيرهما ووجوب طريقة الصوفية 104 ما ورد فى اتباع الإجماع وما ورد فى تفرق الامة الى ثلاث وسبعين فرقة- 106 حديث ان الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا- 106 قصة بدو اسلام الأنصار وبدو ألفتهم وبيعة العقبة الاولى- 108 وبيعة العقبة الثانية- 112 ما ورد فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ومن يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم- 114 حديث اختلاف العلماء رحمة يعنى فى الضروع- 116 قوله تعالى فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ فى اهل الأهواء- 116 ... ...

وكذا حديث انى على الحوض حتى انظر من يرد علىّ منكم وسيؤخذ ناس دونى- 117 حديث بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم- 117 حديث لا يدخل الجنة أحدا عمله- 117 ما ورد فى فضل هذه الامة- وفى فضل الصحابة رضى الله عنهم- 118 ذكر قوة ارشاد رجال هذه الامة- 119 حديث اتدرون ما الايمان بالله وحده- 120 حديث تأخير صلوة العشاء- 122 النهى عن مباطنة الكفار واهل الأهواء وطلب الأعالي للمصاحبة- 124 وما يدل على جواز مودة الكفار إذ لم يكن له عداوة مع مؤمن لاجل إيمانه- 125 حديث هل نفعت أبا طالب شيئا- 125 ما ورد فى انه من يصبر ويتقى ويتوكل على الله لا يضره شىء فى الدنيا- 127 قصة خروج النبي صلى الله عليه وسلم للغزو يوم أحد ونزول القران فى غزوة أحد من قوله تعالى وَإِذْ غَدَوْتَ الى قوله تعالى لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ ستين اية- 127 ذكر غزوة بدر مجملا- 132 ذكر محاصرة قريظة- 133 ذكر قتال جبرئيل وميكائيل يوم أحد- 133 ما روى انه صلى الله عليه وسلم لعن الكفار يوم أحد ودعا على رعل وذكران شهرا- ونزول النهى عنه- 135 النهى عن أكل الربوا وانه ربما يوجب تسارة يفضى الى الكفر 137 حديث بادروا بالأعمال سبعا- 137 ما ورد فى فضل السخاء- 138 ما ورد فى كظم الغيظ- 139 ما ورد فى الإحسان وكونه محبوبا لله- 139 ما ورد فى الاستغفار وصلوة الاستغفار- 141 حديث ما أصر من استغفر- 141 حديث المستغفر من الذنوب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه- 141 مسئلة الإصرار على الصغيرة كبيرة- 141 قصة القتال يوم أحد.. 144 ومن يرد بعمله نفس الشكر لا الدنيا ولا الاخرة- 151 مسئلة إنزال المصيبة بالمؤمنين تفضل من الله تعالى بهم- 155 مسئلة لا يجوز الطعن فى الصحابة لاجل الفرار يوم أحد- 160 حديث من تشبه بقوم فهو منهم- 160 ما ورد فى المشاورة- 161 بحث التوكل وما هو- 162 ما ورد فى الغلول- 163 فضائل قريش وفضائل العرب- 165 عدد شهداء أحد- 167 فضائل الشهداء- 169 مسئلة هل يبلغ درجة الشهيد غيره- 171 قصة سرية بيرمعونة- 173 مسئلة الشهيد لا يغسل اجماعا- وهل يغسل مجنب استشهد 174 مسئلة اختلاف الائمة فى الصلاة على الشهيد- 175 فصل ما ورد انه صلى الله عليه وسلم صلى على شهداء أحد بعد ثمانى سنة 177 قصة غزوة حمراء الأسد- 178 قصة غزوة بدر الصغرى- 180 حديث إذا سالت فسئل الله وإذا استعنت فاستعن بالله إلخ- 183 حديث اىّ الناس خير قال من طال عمره وحسن عمله اىّ الناس شر قال من طال عمره وساء عمله- 184 ما ورد فى البخل وترك الزكوة 186 حديث القبر روضة من رياض الجنة إلخ- 189 قصة سرية محمد بن مسلمة وابى نائلة لقتل كعب بن الأشرف- 191 مسئلة هل يجوز قتل الكافر المعاهد بسبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم- 193 مسئلة الصبر ما هو وانه لا ينافى الانتقام من الكفار- 194 ما ورد فى كتمان العلم- 194 مسئلة صلوة المريض على جنبه او مستلقيا- 197 تحقيق معنى الفكر وما ورد فى النهى عن التفكر فى ذات الله تعالى وامتناع تعلق العلم الحصولى بل العلم الحضوري ايضا فى مرتبة الذات وان العلم فى تلك المرتبة وراء العلمين- 199 حديث لا تغبطن فاجرا إلخ 204 حديث ما الدنيا فى الاخرة الا مثل ما جعل أحدكم إصبعه فى اليم إلخ- 204 حديث عمران كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله- 205 ما ورد فى كون الدنيا سجن المؤمن ونحو ذلك- 205 حديث صلوة الجنازة على النجاشي غائبا- 206 ما ورد فى الصبر والمصابرة والرباط وانتظار الصلاة بعد الصلاة- 207 فضائل سورة ال عمران وخواتمه 25 ذيقعدة سنه 1197 هـ 208 تمت فهرس سورة ال عمران إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ هذا كتاب جليل صنف لتذكرة الشيخ الشهيد سيّدنا ومولانا ميرزا جانجانان مظهر قدس سره الموسوم بالتّفسير المظهرى منه النّساء تأليف الشيخ الأكمل بيهقى الوقت علم الهدى مولانا القاضي محمد ثناء الله العثماني الحنفي المظهرى النقشبندي الفاني فتى رضى الله عنه وعن ابائه ومشائخه ولد رحمه الله فى سنة ثلاث وأربعين بعد الف ومائة من الهجرة او قبله بسنة او سنتين بفانى فت ونشابها فحفظ القران وعمره سبع سنين واشتغل بعده بأخذ العلوم النقلية والعقلية فتبحر فيها ثم ارتحل الى الدهلى فلزم العلامة البحر الفهامة مولانا الشاه ولىّ الله المحدث الدهلوي فسمع الحديث منه بتمامه وكماله وتفقه فيه- وأخذ الطريقة العالية النقشبندية اولا من شيخ الشيوخ مولانا خواجه محمد عابد السنامى ثم انسلك بخدمت الشهيد مولانا الشيخ ميرزا جانجانان مظهر وأخذ منه الطريقة الاحمدية بكماله ثم رجع الى وطنه واقام به وأفنى عمره الشريف فى نشر العلوم وفصل الخصومات وإفتاء الاسئلة والف كتبا عديدة فى التفسير والفقه وغيرها تجاوز عددها من ثلاثين ولم يزل مقبلا متوجها الى الله وازديادا مجتهدا فى الخيرات الى ان أدركته المنية فتوفى فى غرة الرجب المرجب سنة الف ومائتين وخمس وعشرين من الهجرة على صاحبها التحية مكتبه رشيديّه سركى رود كوئه.

سورة النساء

القسم الثاني من الجزء الثاني [سورة النساء] نحمدك اللهمّ مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممّن تشاء وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء بيدك الخير انّك على كلّ شىء قدير ربّنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنّا سيّئاتنا وتوفّنا مع الأبرار، وصلّ وسلّم وبارك على حبيبك ونبيّك سيّدنا وشفيعنا ومولانا محمّد الامّىّ المبعوث الى جميع الخلق رحمة وهدى صلّى الله عليه وسلّم وعلى اله وأصحابه أجمعين سورة النّساء مدنيّة وآياتها مائة وستّ وسبعون روى البيهقي فى الدلائل من طرق عن ابن عباس قال نزلت سورة النساء بالمدينة وكذا اخرج ابن المنذر عن قتادة واخرج البخاري عنه ربّ يسّر وتمّم بالخير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّاسُ خطاب للموجودين عند النبي صلى الله عليه وسلم ويتبعهم الناس أجمعون اتَّقُوا رَبَّكُمُ اى العقاب بان تطيعوا الَّذِي خَلَقَكُمْ فى بدو الأمر مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعنى آدم عليه السلام وَخَلَقَ عطف على خلقكم او على محذوف تقديره خلقها وخلق مِنْها زَوْجَها يعنى حواء بالمد من ضلع من أضلاعها اليسرى، عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم استوصوا بالنساء خيرا فانها خلقت من ضلع آدم الحديث متفق عليه، واخرج ابو الشيخ عن ابن عباس قال خلق حواء من قصرى أضلاعه، واخرج ابن ابى شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم عن مجاهد قال خلق حواء من آدم وهو نائم فاستيقظ الحديث وجملة خلقها وخلق منها زوجها «1» تقرير لخلقكم من نفس واحدة، وَبَثَّ مِنْهُما اى نشر من آدم وحواء رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً كثيرة غيركم ايها المخاطبون اكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها إذ الحكمة تقتضى ان تكون النساء اكثر من الرجال حتى أباح الله تعالى لرجل أربعا من النساء وذكّر كثيرا حملا على الجمع ورتب

_ (1) اخرج إسحاق وابن عساكر عن ابن عباس قال ولد لادم أربعون ولدا عشرون غلاما وعشرون جارية منه رحمه الله

الأمر بالتقوى على هذه القصة لما فيها من الدلالة على كمال القدرة والنعمة المقتضيين الخشية والطاعة وفيه تمهيد للامر بالتقوى فى صلة الأرحام وأداء حقوق العباد وَاتَّقُوا اللَّهَ عطف على اتّقوا ربّكم كانه قيل اتقوه لربوبيته وخلقه إياكم خلقا بديعا ولكونه مستجمعا لجميع صفات الكمال او لكونه مستحقا بذاته للخشية والطاعة الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ قرا اهل الكوفة بتخفيف السين على حذف احدى التاءين والباقون بالتشديد على ادغام التاء فى السين يعنى يسئل به بعضكم بعضا ويقول أسئلك بالله وَالْأَرْحامَ بالنصب عطفا على الله يعنى واتقوا الأرحام ان تقطعوها عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحم معلقة بالعرش تقول ألا من وصلني وصله الله ومن قطعنى قطعه الله متفق عليه وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلق الله الخلق فلما فرغ منه قامت الرحم فاخذت بحقوى «1» الرحمن فقال مه قالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال ألا ترضين ان اصل من وصلك واقطع من قطعك قالت بلى يا ربّ قال فذاك متفق عليه وعن عبد الله بن عمر وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس الواصل المكافي ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها رواه البخاري وعن انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب ان يبسط له فى رزقه وينساه له فى اثره فليصل رحمه متفق عليه وعن ابى هريرة ان الرجل قال يا رسول الله ان لى قرابة أصلهم ويقطعونى واحسن إليهم ويسيئون اليّ واحلم عنهم ويجهلون علىّ فقال لئن كنت كما قلت فكانما تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك رواه مسلم وقرا حمزة بالجر عطفا على الضمير المجرور وهذه الاية دليل للكوفيين على جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار فان القراءة متواترة والمعنى يتساءلون بالله وبالأرحام «2» ويقول للاستعطاف بالله وبالرحم افعل كذا إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1) حافظا مطلقا فلا تغفلوا عنه، قال مقاتل والكلبي ان رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ يتيم له فلما بلغ اليتيم طلب

_ (1) الحقو معقد الإزار وسمى به الإزار مجازا قال فى النهاية لما جعل الرحم شجنه من الرحمن استعار بما الاستمساك به كما يستمسك القريب بقريبه والنسيب بنسيبه والحقو فيه مجاز وتمثيل منه رحمه الله-[.....] (2) اخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم عن مجاهد تساءلون به والأرحام قال يقول أسئلك بالله وبالرحم وكذا اخرجوا عن مجاهد وابراهيم والحسن منه رحمه الله-

[سورة النساء (4) : آية 2]

المال فمنعه عمه فترافعا الى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت. وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ الاية فلما سمع العم قال اطعنا الله واطعنا الرسول نعوذ بالله من الحوب الكبير فدفع اليه ماله فقال النبي صلى الله عليه وسلم من يوق شح نفسه ويطع ربّه هكذا فانه يحلّ داره يعنى جنته فلما قبض الفتى ماله أنفقه فى سبيل الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم ثبت الاجر وبقي الوزر فقال ثبت الاجر للغلام وبقي الوزر على والده رواه الثعلبي والواحدي وذكره البغوي والخطاب للاولياء والأوصياء واليتامى جمع يتيم وهو صغير لم يكن له اب ولاجد مشتق من اليتم «1» بمعنى الانفراد ومنه الدرة اليتيمة، قال البيضاوي اما على انه لما جرى مجرى الأسماء كفارس وصاحب جمع على يتائم ثم قلب فقيل يتامى او على انه جمع على يتمى كاسرى لانه من باب الآفات ثم جمع يتامى كاسرى وأسارى والاشتقاق يقتضى وقوعه على الصغار والكبار لبقاء معنى الانفراد عن الآباء لكن العرف خصّصه بمن لم يبلغ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتم بعد الاحتلام ولا صمات يوم الى الليل رواه ابو داود بإسناد حسن عن على فالحديث اما مبنى على العرف او هو بيان للشريعة يعنى لا حكم اليتم بعد البلوغ ومعنى الاية أتوا أموالهم إذا بلغوا بالإجماع ولدلالة قوله تعالى وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ فانه لما منع المال من السفيه مع كونه عاقلا بالغا فلأن يمنع من الصغير اولى فاليتيم فى الاية اما مورد على الأصل او على الاتساع بقرب عهدهم بالصغر حثا على ان يدفع إليهم أموالهم أول بلوغهم وَلا تَتَبَدَّلُوا اى لا تستبدلوا والتفعّل بمعنى الاستفعال سائغ يقال تعجل بمعنى استعجل الْخَبِيثَ اى مال اليتيم الذي هو عليكم حرام خبيث بِالطَّيِّبِ اى الحلال من أموالكم، قال سعيد بن جبير والزهري والسدى كان اولياء اليتامى يأخذون الجيّد من مال اليتيم ويجعلون مكانه الزدى فربما كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من مال اليتيم ويجعل مكانها المهزولة ويأخذ الدرهم الجيّد ويجعل مكانه الزيف ويقول درهم بدرهم فنهوا عن ذلك وقال مجاهد معنى الاية لا تتعجل الرزق الحرام قبل ان يأتيك الرزق الحلال الموعود من الله وقيل معناه لا تستبدلوا الأمر الخبيث وهو اختزال أموالهم بالأمر الطيّب الذي هو حفظها ودفعها الى المالك وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ اى اليتامى مضمومة إِلى أَمْوالِكُمْ وقيل الى هاهنا بمعنى مع كذا روى ابن المنذر عن قتادة إِنَّهُ اى ذلك الاكل كانَ حُوباً كَبِيراً (2)

_ (1) فى الأصل اليتيم

[سورة النساء (4) : آية 3]

ذنبا عظيما كذا قال ابن عباس عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتنبوا السبع الموبقات فذكر منها أكل مال اليتيم متفق عليه. وَإِنْ خِفْتُمْ ايها الأولياء أَلَّا تُقْسِطُوا اى ان لا تعدلوا وتجوروا من قسط بمعنى جار ومنه القاسطون والهمزة للسلب يعنى خفتم ان تجوروا فِي الْيَتامى اللاتي فى حجوركم إذا نكحتموهن فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ الاجنبيات غير تلك اليتامى ويطلق اليتامى على الذكور والإناث، روى البخاري فى الصحيح عن الزهري قال كان عروة بن الزبير يحدث انه سال عائشة عن هذه الاية قال هى اليتيمة فى حجر وليها فيرغب يعنى الولي غير المحرم مثل ابن العم فى جمالها ومالها ويريد ان يتزوجها بأدنى من سنة نسائها يعنى ادنى من مهر مثلها فنهوا عن نكاحهن الا ان يقسطوا لهنّ فى إكمال الصداق وأمروا بنكاح من سواهن من النساء قالت عائشة ثم استفتى الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم فانزل الله تعالى يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ الى قوله وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ فبين الله فى هذه الاية ان اليتيمة إذا كانت ذات جمال او مال رغبوا ولم يلحقوا بسنتها بإكمال الصداق وإذا كانت مرغوبا عنها فى قلة الجمال والمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء قال فكما تتركونها حين ترغبون عنها ليس لكم ان تنكحوها إذا ترغبوا فيها الا ان تقسطوا لها فى الاوفى من الصداق وتعطوها حقها وقال البغوي قال الحسن كان الرجل من اهل المدينة تكون عنده الأيتام فيهن من يحل له نكاحها فيتزوجها لاجل مالها وهى لا تعجبه كراهية ان يدخله غريب وقال عكرمة فى تفسير الاية وهى رواية عطاء عن ابن عباس انه كان الرجل من قريش يتزوج العشر من النساء والأكثر فاذا صار معدما من مؤن نسائه مال الى مال يتيم فى حجره فانفقه فقيل لهم لا تزيدوا على اربع حتى يحوجكم الى أخذ اموال اليتامى وقيل لمّا نزل الوعيد فى أكل اموال اليتامى كانوا يتحرجون فى أموالهم ويترخصون فى النساء ويتزوجون ما شاءوا وربما لا يعدلون فنزلت فقال الله تعالى فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فى حقوق اليتامى فخافوا ايضا ان لا تعدلوا بين النساء فانكحوا مقدار ما يمكنكم القيام بحقوقهن أخرجه ابن جرير وهو قول سعيد بن جبير والضحاك والسدى وقيل كانوا يتحرجون عن ولاية اليتامى ولا يتحرجون من الزنى فقيل لهم ان خفتم ان لا تعدلوا فى امر اليتامى فخافوا الزنى فانكحوا ... ...

ما طاب لكم وهذا قول مجاهد وانما عبر عنهن بما ذهابا الى الصفة لان ما يجىء فى صفات من يعقل فكانّه قيل الطيبات من النساء او اجراهن مجرى غير العقلاء لنقصان عقلهن كما فى ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ قيل معنى ما طاب لكم ما أدركت البلوغ يقال طابت التمرة اى أدركت وهذا اولى بتأويل رواه البخاري عن عائشة يعنى لا تنكحوا اليتامى وانكحوا البالغات لكن كلمة لكم يابى عنه إذ كان المناسب حينئذ فانكحوا ما طاب من النساء وقيل معناه ما حلّ لكم من النساء لان منهن المحرمات كاللاتى فى اية التحريم وهذا انسب بقول مجاهد يعنى خافوا الزنى وانكحوا ما حل لكم لكن على هذا التأويل يلزم ان يكون الاية مجملة والإجمال خلاف الأصل فالاولى ان يقال معناه ما استطاب منهن أنفسكم ومالت أنفسكم إليهن وهذا انسب بجميع التأويلات فالمعنى على قول عائشة ان خفتم ان لا تقسطوا فى اليتامى لضعفهن وعدم من يذب عنهن فوت حقوقهنّ فانكحوا ما طاب لكم من النساء فان الحامى حينئذ بحقوقهن ميلان أنفسكم إليهن سواء كانت يتيمة او بالغة وايضا كون المنكوحة مرغوبة للنفس امنع من وقوعه فى الزنى وايضا يناسب ان يقال لا تزيدوا على اربع بل اقتصروا على المرغوبات فان المرغوبات قل وجودهن والله اعلم (مسئلة) ولهذا سنّ للخاطب ان ينظر الى وجه المخطوبة وكفيها قبل النكاح اجماعا، وقال داود بجواز النظر الى سائر جسدها سوى السوئتين عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب أحدكم المرأة فان استطاع ان ينظر الى ما يدعوه الى نكاحها فليفعل رواه ابو داود وعن المغيرة بن شعبة قال خطبت امراة فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم هل نظرت إليها قلت لا قال فانظر إليها فانه أحرى ان يؤدم بينكما رواه احمد والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ معدولة عن اعداد مكررة وهى ثنتين ثنتين وثلاث ثلاث واربع اربع وهى غير منصرفة للعدل والصفة فانها بنيت صفات بخلاف أصولها فانها لم تبن لها، وقيل لتكرير العدل فانها معدولة عن لفظ ثنتين وعن معناه اعنى ثنتين مرة بعد اخرى منصوبة على الحال من ما طاب مفعول فانكحوا منكرة عند البصريين وقال الكوفيون هى معرفة لامتناع دخول حرف التعريف عليها فهى منصوبة على البدلية من ما طاب، ... ...

(مسئلة) أجاز الروافض بهذه الاية تسعا من المنكوحات وكذا نقل عن النخعي وابن ابى ليلى لاجل العطف بالواو التي هى للجمع قالوا معنى الاية فانكحوا ثنتين وثلاثا وأربعا ومجموع ذلك تسع وأجاز الخوارج ثمانى عشرة نظرا الى تكرار المعنى وكلا القولين باطلان، اما قول الخوارج فلان مثنى وأخواتها معدول عن عدد مكرر لا تقف الى حد بإزاء ما يقابله لا لمكرر مرتين فمن قال لجماعة خذوا من هذه الدراهم مثنى معناه لياخذ كل رجل منكم منها درهمين درهمين وليس المعنى خذوا منها اربعة دراهم ولو كان كذلك فلا يستقيم معنى فانكحوا مثنى وثلث وربع إذ لا يتصور لجميع الناس نكاح امرأتين او ثلاث او اربع او تسع او ثمان عشرة ولذا قال صاحب الكشاف لو أفردت لم يكن معنى يعنى لو قيل فانكحوا ثنتين وثلاثا وأربعا لم يستقم المعنى واماما قالت الروافض ان المراد بها اباحة تسع لكل رجل فلانه فى عرف البليغ لا يؤدى معنى التسع بلفظ ثنتين وثلاث واربع كما لا يخفى بل المعنى انه يجوز لكل أحد نكاح ثنتين وكذا يجوز لكل نكاح ثلاث وكذا يجوز لكل نكاح اربع قال البيضاوي لو ذكرت باو لذهب تجويز الاختلاف فى العدد وفيه انه لو كان كذلك لذهب بالواو تجويز الاتفاق «1» والحق انه لا تفاوت فى فهم المقصود بين مثنى او ثلث وبين مثنى وثلاث إذ لا يلتفت فى أحد الصورتين الى اشتراط ان يكون جميع الامة على نحو واحد من هذه الاقسام المجوزة البتة او على أنحاء مختلفة البتة وانما جىء بالواو لانه اقرب لافادة التوزيع عند مقابلة المجموع بالمجموع- (مسئلة) لا يجوز ان يتزوج ما فوق الاربعة من النساء عند الائمة الاربعة وجمهور المسلمين وحكى عن بعض الناس اباحة اىّ عدد شاء بلا حصر لان قوله تعالى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ يفيد العموم ولفظ مثنى تعداد عرفى لا قيد كما يقال خذ من هذا البحر ما شئت قربة وقربتين وثلاثا ولو سلمنا كونه قيدا فالمعنى اباحة نكاح ما طاب عن النساء حال كونهن مثنى وثلاث وربع وذا لا يدل على ففى الحكم عما زاد على الأربع الا بمفهوم العدد ولا عبرة بالمفهوم الا ترى ان قوله تعالى جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ لا يدل على انه تعالى لم يجعل من الملائكة رسولا ذا «2» اجنحة زائدة على اربعة جناح كيف وقد صح انه صلى الله عليه وسلم

_ (1) لا يظهر وجه هذه الملازمة فان الواو لمطلق الجمع فالمعنى انكحوا ايها المخاطبون هذه الأنواع، وهو صريح فى تجويز الجمع بين انواع القسمة منه رحمه الله فى الأصل ثلث واربع- (2) فى الأصل ذى

راى جبرئيل وله ستمائة جناح والأصل فى النكاح الحل على العموم لقوله تعالى وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ وقوله وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وقد صح انه صلى الله عليه وسلم تزوج تسعا والأصل عدم الخصوصية الا بدليل ولنا ان الاية نزلت فى قيس بن الحارث قال البغوي روى ان قيس بن الحارث كانت تحته ثمانى نسوة فلما نزلت هذه الاية قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق أربعا وامسك أربعا قال فجعلت أقول للمرءة التي لم تلد منى يا فلانة أدبري والتي قد ولدت أقبلي فكان من النبي صلى الله عليه وسلم بيانا للاية وهو اعلم بمراد الله تعالى فظهران الأصل فى النكاح الحرمة والتضييق كما ذكرنا فى تفسير سورة البقرة فى مسئلة حرمة إتيان النساء فى أدبارهن فى تفسير قوله تعالى فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ وما قيل ان الأصل فيه الحل ممنوع وقوله تعالى وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ المراد به ماوراء المحرمات من الأمهات وغيرهن المذكورات وذا لا يدل على العدد عموما ولا خصوصا بل على حل كل واحدة منهن وكذا قوله وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ الاية فان مقابلة الجمع بالجمع يقتضى انقسام الآحاد على الآحاد فظهران الاية ما سيقت الّا لبيان العدد المحلل لا لبيان نفس الحل لانه عرف من غيرها قبل نزولها كتابا وسنة فكان ذكره هنا مقيّدا بالعدد ليس الا لبيان قصر الحل عليه او هى لبيان الحل المقيد بالعدد لا مطلقا كيف وهو حال ممّا طاب فيكون قيدا فى العامل وهو الاحلال المفهوم من فانكحوا وايضا عدم جواز ما فوق الأربع من النساء ثبت بحديث ابن عمران غيلان بن سلمة الثقفي اسلم وله عشر نسوة فى الجاهلية فاسلمن معه فقال النبي صلى الله عليه وسلم امسك أربعا وفارق سائرهن رواه الشافعي واحمد والترمذي وابن ماجة وحديث نوفل بن معاوية قال أسلمت وتحتى خمس نسوة فسالت النبي صلى الله عليه وسلم فقال فارق واحدة وامسك أربعا فعمدت الى اقدمهن صحبة عندى عاقر منذ ستين سنة ففارقتها رواه الشافعي والبغوي فى شرح السنة وعلى حصر الحل فى اربع انعقد الإجماع وقول بعض الناس فى مقابلة الإجماع باطل ولم يذهب الى التعميم أحد من اهل البدع ايضا فانه حصر الخوارج فى ثمان عشرة والروافض فى تسع، مسئلة إذا اسلم الرجل وتحته اكثر من اربع او اختان او أم وبنتها واسلمن معه او هنّ ... ...

كتابيات فعند مالك والشافعي واحمد ومحمد بن الحسن انه يختار من الأكثر أربعا ومن الأختين ونحوهما واحدة وقال ابو حنيفة ان كان تزوجهن بعقدة واحدة فرق بينه وبينهن وان كان على التعاقب فنكاح من يحل سبقة جائز ونكاح من تأخر فوقع به الجمع او الزيادة على الأربع باطل الّا فى أم وبنتها إذا دخل بهما لحرمة المصاهرة وما ذكرنا من الأحاديث وحديث الضحاك بن فيروز الديلمي عن أبيه قال قلت يا رسول الله انى أسلمت وتحتى اختان قال اختر أيتهما شئت رواه الترمذي وابو داود وابن ماجة حجة للجمهور على ابى حنيفة- (مسئلة:) لا يجوز للعبد ان يتزوج اكثر من امرأتين عند الثلاثة وقال مالك وداود وربيعة يتزوج أربعا لشمول هذه الاية الأحرار والعبيد، قلنا المخاطبون بهذه الاية الأحرار دون العبيد بدليل اخر الاية فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إذ لا ملك للعبيد وروى ابن الجوزي فى التحقيق عن عمر رضى الله عنه ينكح العبد امرأتين ويطلق طلقتين وتعتد الامة حيضتين وكذا روى البغوي فى المعالم وزاد فان لم تكن تحيض فشهرين او شهرا ونصفا، قال ابن الجوزي قال الحاكم اجمع اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ان العبد لا ينكح اكثر من امرأتين، رواه ابن ابى شيبة والبيهقي- فَإِنْ خِفْتُمْ اى خشيتم ايها الذين تريدون النكاح أَلَّا تَعْدِلُوا بين الأزواج المتعددة فَواحِدَةً اى فانكحوا واحدة وذروا الجمع وقرا ابو جعفر فواحدة بالرفع على انه فاعل فعل محذوف او خبر مبتدا محذوف فتكفيكم واحدة او فالمقنع واحدة أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعنى السراري لانه لا يلزم فيهن من الحقوق ما يلزم فى المنكوحات ولا قسم لهن ولا حصر فى عددهن (مسئلة:) تعليق الاختصار على الواحدة او التسرى بخوف الجور يدل على انه عند القدرة على أداء حقوق الزوجات والعدل بينهن الأفضل الإكثار فى النكاح والنكاح على التائق فرض عين اجماعا ان كان قادرا على النفقة وعلى غير التائق مسنون مستحبّ ما لم يخف الفتنة والتقصير فى أداء الحقوق، عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر الشباب من استطاع منكم الباه فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فان الصوم له «1» وجاء متفق عليه،

_ (1) دق عروق الخصيتين، قاموس 12 منه رح، فى الأصل طليقتين 12-

[سورة النساء (4) : آية 4]

وفى الصحيحين عن انس عن النبي صلى الله عليه وسلم لكنى أصوم وأفطروا تزوج النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى وعن انس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالباه وينهى عن التبتل نهيا شديدا ويقول تزوجوا الولود الودود انى مكاثر بكم الأتقياء يوم القيامة رواه احمد وعن ابى ذرّ ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لعكاف بن خالد هل لك من زوجة قال لا قال ولا جارية قال لا قال وأنت موسر بخير قال وانا موسر قال أنت اذن من اخوان الشياطين ان سنتنا النكاح شراركم غرابكم واراذل موتاكم غرابكم اباء الشياطين وقال داود النكاح فرض عين على القادر على الوطي والانفاق تمسّكا بهذه الاية فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ والله اعلم ذلِكَ اى الاقتصار على الواحدة او التسرّى أَدْنى من أَلَّا تَعُولُوا (3) «1» اى ان لا تميلوا يقال عال الميزاب إذا مال وعال الحاكم إذا جار وعول الفريضة الميل عن حدّ السهام المسمات وقال مجاهدان لا تضلوا وقال الفراء ان لا تجاوزوا ما فرض الله عليكم واصل العول المجاوزة ومنه عول الفرائض وقال الشافعي لا يكثر عيالكم وقال البغوي وما قاله أحد وانما يقال من كثرة العيال أعال يعيل إعالة، قال ابو حاتم كان الشافعي اعلم بلسان العرب منا فلعله لغة ويقال هى لغة حمير وقال البيضاوي انه من عال الرجل عياله يعولهم إذا مأنهم فعبّر عن كثرة العيال بكثرة المؤن على الكناية وقرأ طلحة بن مصرف الّا تعيلوا فهى يؤيد قول الشافعي ولعلّ المراد بالعيال الأزواج وان أريد الأولاد فلان التسرى مظنة قلة الولد بالاضافة الى التزوج لجواز العزل فيه كتزوج الواحدة بالاضافة الى تزوج الاربعة،. وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ اى مهورهن سمى صداقا وصدقة قال الكلبي وجماعة هذا خطاب للاولياء اخرج ابن ابى حاتم عن ابى صالح قال كان الرجل إذا زوج ابنته أخذ صداقها دونها فنهاهم عن ذلك فانزل الله تعالى هذه الاية وكذا قال البغوي ان ولى المرأة كان إذا زوّجها فان كانت معهم فى العشيرة لم يعطها من مهرها قليلا ولا كثيرا وان كان زوجها غريبا حملوها اليه على بعير ولم يعطوها من مهرها غير ذلك وقال الحضرمي كان اولياء النساء يعطى هذا أخته على ان يعطيه الاخر أخته ولا مهر بينهما فنهوا عن ذلك وأمروا بتسمية المهر فى العقد ويسمّى هذا النكاح شغارا-

_ (1) أخرج ابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه عن عائشة عن النبي ص أي لا تجوروا. منه رحمه الله.

(مسئلة:) ونكاح الشغار باطل عند مالك واحمد وكذا عند الشافعي ان قال فى صلب العقد ان بضع كل واحدة منهما صداق الاخرى فان لم يقل ذلك بل قال زوجتك ابنتي على ان تزوجنى ابنتك بغير صداق فقال زوّجتك فالنكاح صحيح عند الشافعي ايضا ولزم المهر فيهما خلافا لمالك واحمد وهذا الخلاف مبنى على تفسير الشغار وقال ابو حنيفة العقد ان جائز ان ولزم مهر المثل فيهما على كلا الصورتين ولو قال زوّجتك بنتي على ان تزوجنى نبتك ولم يقل بغير صداق ولم يذكر الصداق فقيل جاز النكاح اتفاقا ولا يكون شغارا ولو زاد قوله على ان يكون بضع بنتي صداقا لبنتك فلم يقبل الاخر بل زوّجه بنته ولم يجعلها صداقا كان النكاح الثاني صحيحا اتفاقا والاوّل صحيحا عند ابى حنيفة دون الائمة الثلاثة احتجوا على بطلان الشغار بحديث ابن عمر رضى الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح الشغار والشغار ان يزوّج الرجل ابنته على ان يزوّجه الاخر ابنته وليس بينهما صداق متفق عليه ورواه ايضا اصحاب السنن الاربعة وفى رواية لمسلم لا شغار فى الإسلام وجه الاحتجاج ان النفي رفع لوجوده الشرعي والنهى يقتضى فساد المنهي عنه والفاسد فى النكاح لا يفيد الملك اتفاقا وبالمعقول بان كل بضع يكون فى الشغار صداقا ومنكوحا فيكون مشتركا بين الزوج ومستحق المهر وهو باطل وأجاب الحنفية بان متعلق النهى والنفي مسمّى الشغار والمأخوذ فى مفهومه خلوه عن الصداق، وكون البضع صداقا ونحن قائلون بنفي هذه الماهية وما صدق عليه شرعا فلا نثبت النكاح كذلك بل نبطله فبقى نكاحا سمّى فيه ما لا يصلح مهرا فينعقد موجبا لمهر المثل كالنكاح المسمّى فيه خمرا او خنزيرا فما هو متعلق النهى لم نثبته وما أثبتناه لم يتعلق به النهى بل اقتضت العمومات صحته وقد أبطلنا كونه صداقا فبقى كله منكوحا، وقال جماعة الاية خطاب للازواج أمروا بايتاء نسائهم الصدقات نِحْلَةً قال ابو عبيدة يعنى عطاء من طيب نفس فهو منصوب على المصدرية من أتوا او على الحال من فاعل أتوا او من الصّدقات اى ناحلين او منحولة من الله عليكم اى من خالص ما أعطاه الله لكم لا من مال الغير او من مال الشبهة وقال ابو عبيدة لا يكون النحلة الّا مسمات معلومة وقال قوم عطية وهبة يعنى من الله تعالى، وتفضلا منه عليهنّ فهو منصوب على انه حال من الصدقات، ولمّا كان الصّداق عطية من الله تعالى على النساء ... ...

[سورة النساء (4) : آية 5]

صارت فريضة وحقّا لهنّ على الأزواج ونظرا الى هذا قال قتادة فريضة، وقال ابن جريج فريضة مسماة وقال الزجاج تدينا من قولهم انتحل فلان كذا إذا دان به فعلى هذا مفعول له او حال من الصدقات اى دينا من الله شرعه، فَإِنْ طِبْنَ اى الزوجات لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ لمّا كان معنى قوله تعالى وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ أتوا كل واحدة منهن صداقها أفرد الضمير الراجع الى الصداق المفهوم من الكلام يعنى طابت كل واحدة عن شىء من صداقها ولك ان تجعل الضمير راجعا الى صداق ذكر فى ضمن الجمع وقيل الضمير للايتاء نَفْساً تميز عن الاسناد فى طبن يعنى ان طابت انفسهن والمعنى فان وهبن لكم من الصداق شيئا عن طيب انفسهنّ فجعل الله سبحانه العمدة طيب النفس للمبالغة ونقل الفعل من النفوس الى أصحابها وعداه بعن لتضمين معنى التجافي والتجاوز وقال كلمة منه بعثا لهم على الاقتصار على الموهوب وان كان قليلا وترك الطمع فى الكل او الكثير، فَكُلُوهُ اى خذوه يعنى ذلك الشيء الموهوب هَنِيئاً مَرِيئاً (4) اى حلالا بلا تبعة الهنيء الطيب المساغ الذي لا ينغصه شىء وقيل ما يلتذ به الإنسان والمريء محمود العاقبة التام فى الهضم الذي لا يضرّ وهما صفتان من هنى يهنى على وزن ضرب يضرب ومرى يمرى على سمع يسمع أقيمتا مقام مصدريهما، او وصف مصدر محذوف او جعلتا حالا من الضمير قرا ابو جعفر هنيّا مريّا بتشديد الياء فيهما من غير همز وكذلك برىّ وبريّون وبريّا وكهيّة والباقون يهمزونها. وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ «1» يعنى نسائكم وصبيانكم سماهم سفهاء استخفافا لعقولهم كذا قال الضحاك ومجاهد والزهري والكلبي وغيرهم وهو أوفق بقوله تعالى أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً اى ما تقومون بها وتعيشون، قال الضحاك بها يقام الحج والجهاد واعمال البر وبه فكاك الرقاب من النار وقال ابن عبّاس لا تعمد الى مالك الذي خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك وبنيك فيكونوا هم الذين يقومون عليك ثم تنظر الى ما فى أيديهم ولكن امسك وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم فى رزقهم وتربيتهم كما قال الله تعالى وَارْزُقُوهُمْ فِيها اى منها

_ (1) اخرج الحاكم وصححه والبيهقي فى الشعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم رجل كانت تحته امراة سيئة الخلق فلم يطلقها ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد ورجل اتى سفيها ماله وقد قال الله تعالى وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ منه رحمه الله

[سورة النساء (4) : آية 6]

وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (5) لينا تطيب به أنفسهم وقال سعيد بن جبير وعكرمة ان هذه الاية فى مال اليتيم يكون عندك يقول الله سبحانه لا تؤته إياه وأنفق عليه وانما أضاف الأموال الى الأولياء لانهم قوامها ومدبروها، وهذا التأويل يناسب سوابق هذه الاية ولو أحقها فان الخطاب فيما سبق ولحق للاولياء وانما قال وارزقوهم فيها ولم يقل منها ليدل على ان تجعلوها مكانا لمرزقهم بان تتجروا فيها وتتربحوا حتى تكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال فيأكلها الانفاق. وَابْتَلُوا الْيَتامى يعنى اختبروا عقولهم قبل البلوغ بان تدفعوا إليهم قليلا من المال حتى يتصرف فيه ويستبين حاله فان كان رشيدا يظهر رشده اوّل الأمر ففى هذه الاية دليل على جواز اذن الصبى العاقل فى التجارة وبه قال ابو حنيفة رحمه الله وقال الشافعي لا يجوز اذن التجارة للصبى والمراد بالابتلاء ان يكل اليه مقدمات العقد والاول اظهر حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ اى صلاح النكاح والتوالد وذلك فى الغلام بالاحتلام والاحبال والانزال إذا وطى وفى الجارية بالحيض والاحتلام والحبل فان لم يوجد شىء من ذلك فيهما فباستكمال خمس عشرة سنة غلاما كان او جارية عند مالك واحمد والشافعي وابى يوسف ومحمد وهو رواية عن ابى حنيفة وعليه الفتوى والمشهور عن ابى حنيفة باستكمال سبع عشرة فى الجارية وثمان عشرة فى الغلام وفى رواية تسع عشرة فى الغلام، احتج الجمهور بحديث انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ماله وما عليه وأقيمت عليه الحدود رواه البيهقي فى الخلافيات وسنده ضعيف وفى الصحيحين عن ابن عمر انه عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وهو ابن اربع عشرة سنة فلم يجزه ثم عرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فاجازه وعند احمد الإنبات ايضا علم على البلوغ وقال الشافعي هو علم فى المشركين وفى المسلمين عنه قولان وقال ابو حنيفة لا عبرة به والحجة فى الباب حديث عطية القرظي قال عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة فشكوا فىّ فامر النبي صلى الله عليه وسلم ان ينظروا هل نبت بعد فنظروا فلم يجدونى أنبت فخلى عنى والحقنى بالسبي رواه اصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم فَإِنْ آنَسْتُمْ اى أبصرتم مِنْهُمْ بعد البلوغ رُشْداً اى هداية فى التصرفات وصلاحا فى المعاملات كذا قال ابو حنيفة ومالك ... ...

واحمد وقال الشافعي صلاحا فى الدين وحفظا للمال وعلما بما يصلحه، روى البيهقي من طريق على بن طلحة عن ابن عباس فى قوله تعالى آنستم منهم رشدا معناه رايتم منهم صلاحا فى دينهم بعد الحلم وحفظا لاموالهم وروى مثله الثوري فى جامعه عن منصور عن مجاهد والبيهقي من طريق يزيد بن هارون عن هشام بن حسان عن الحسن فالفاسق غير رشيد عند الشافعي رشيد عند غيره فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ من غير تأخير عن البلوغ، قوله فادفعوا جزاء لان الشرطية وإذا بلغوا ظرف فيه معنى الشرط متعلق بادفعوا وحتى للابتداء وما قبلها سبب لما بعدها ولا يجوز ان يكون حتى جارة متعلقا بالجملة السّابقة لان إذا لتضمنه معنى فى لا يصلح ان يدخل عليه حتى الجارة فالمعنى وابتلوا اليتامى حتى تدفعوا إليهم أموالهم إذا بلغوا النكاح وآنستم منهم رشدا فالابتلاء سبب للدفع والدفع مشروط بشرطين البلوغ وإيناس الرشد ولذا قال الشافعي ومالك واحمد وابو يوسف ومحمد لا يدفع إليهم أموالهم ابدا ما لم يونس منهم الرشد خلافا لابى حنيفة حيث قال إذا بلغ خمسا وعشرين سنة يدفع اليه ماله لان المنع باعتبار اثر الصبا وهو فى أوائل البلوغ وينقطع بتطاول الزمان فلا يبقى المنع، ولهذا قال ابو حنيفة لو بلغ رشيدا ثم صار سفيها لا يمنع المال عنه لانه ليس بأثر الصبا، قال ابو حنيفة تنكير رشدا فى الاية يفيد التقليل يعنى نوعا من الرشد حتى لا ينتظر به تمام الرشد فاذا بلغ خمسا وعشرين سنة فقد يصير جدا فى هذا السن فلا يخلو عن نوع من الرشد فى التصرفات وان منع المال عنه بطريق التأديب، ولا تأديب بعد هذا ظاهرا او غالبا فلا فائدة فى المنع فلزم الدفع. (مسئلة:) السفيه الذي لا يدفع اليه ماله لا ينفذ تصرّفه القولى فى ماله مطلقا من البيع والاعتاق وغير ذلك عند الشافعي وعند محمد ينفذ ما لا يحتمل الفسخ كالعتق ولا ينفذ ما يحتمله، كالبيع الّا بإذن وليه وعند ابى يوسف واكثر العلماء ينفذ تصرّفاته ما لم يحجر عليه القاضي ويجوز للقاضى حجره فاذا حجره القاضي لا ينفذ بيعه ولا كل تصرّف يؤثر فيه الهزل وينفذ عتقه وعلى العبد ان يسعى فى قيمته عند ابى يوسف ومحمد وعن محمد انه لا يجب السعاية وعند ابى حنيفة لا يجوز للقاضى الحجر على العاقل البالغ لاجل السفه او الدين او الفسق لان فيه اهدار آدميته والحاقه بالبهائم وهو أشد ضررا من التبذير فلا يتحمل الا على لدفع الأدنى ... ...

والحجة للشافعى ومالك واحمد وغيرهم فى حجر السفيه هذه الاية فانها تدل على منع الأموال عن السفيه وهو لا يفيد بدون الحجر لانه يتلف بلسانه ما منع من يده وقال ابو حنيفة منع المال مفيد لان غالب السفه فى الهبات والصدقات وذلك موقوف على اليد إذ لا يتم الهبة الا بالقبض، والحجة لابى حنيفة حديث انس ان رجلا كان فى عقدته ضعف وكان يبايع وان اهله أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا يا رسول الله احجر «1» عليه فدعاه نبى الله فنهاه عن البيع فقال يا رسول الله لا اصبر عن البيع فقال إذا بايعت فقل لا خلابة رواه الترمذي واحمد وقال الترمذي هذا حديث صحيح وجه الاحتجاج ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يحجر عليه ولم يمنع نهى تحريم وأجيب عنه بان ذلك الرجل لم يكن مبدرا قصدا بل كان يلحقه الخسران فى المبايعة لضعف عقله فامكن تداركه بقوله لا خلابة وكلامنا فى سفيه مبذر مضيع باختياره، قال البغوي والدليل على جواز الحجر اتفاق الصحابة عليه روى الشافعي عن محمد بن الحسن عن ابى يوسف القاضي عن هشام بن عروة عن أبيه ان عبد الله بن جعفر ابتاع أرضا سبخة بستين الف درهم فقال على لاتين عثمان فلا حجرن عليك فاتى ابن جعفر الزبير فاعلمه بذلك فقال الزبير انا شريكك فى بيعك فاتى على عثمان رضى الله عنهم وقال احجر على هذا فقال الزبير انا شريكه فقال عثمان كيف احجر على رجل فى بيع شريكه فيه الزبير، وروى ابو عبيد فى كتاب الأموال بسنده عن ابن سيرين قال قال عثمان لعلى الا تأخذ على يد ابن أخيك يعنى عبد الله بن جعفر وتحجر عليه اشترى سبخة بستين الف درهم ما تسرنى انها لى بنعلي فذكر القصة كما مرّ، قال البغوي فكان ذلك اتفاقا منهم على جواز الحجر حتى احتال الزبير لدفعه. (مسئلة:) إذا بلغ الصغير رشيدا ثم صار سفيها مبذّرا جاز الحجر عليه عند من أجاز الحجر عليه فيما بلغ سفيها كما يدل عليه قصة ابن جعفر رضى الله عنهما والحجة لهم فى جواز حجر المديون حديث كعب بن مالك عن أبيه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ ماله وباعه؟؟؟ فى دين كان عليه رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي- وروى ابو داود فى المراسيل من حديث عبد الرزاق مرسلا وكذا روى سعيد فى سننه وابن الجوزي من حديث ابن المبارك عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك مرسلا قال كان معاذ بن جبل شابا

_ (1) فى الأصل اهجر عليه.

سخيا وكان لا يمسك شيئا فلم يزل يد اين حتى غرق ماله كله فى الدين فاتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه ليكلم غرماءه فلو تركوا لاحد لتركوا لمعاذ من أجل رسول الله فباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله حتى قام معاذ بغير شىء قال عبد الحق المرسل أصح من المتصل وقال ابن الصلاح فى الاحكام هو حديث ثابت وكان ذلك فى سنة تسع من الهجرة وجعل لغرمائه خمسة اسباع حقوقهم فقالوا يا رسول الله بعه لنا قال ليس لكم اليه سبيل وقال ابو حنيفة فى المديون ان القاضي لا يحجر عليه ولا يبيع ماله لانه نوع حجر ولانه تجارة لا عن تراض وقد قال الله تعالى إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ ولكن يحبسه ابدا حتى يبيعه فى دينه إيفاء لحق الغرماء ودفعا لظلمه والجواب عن قصة معاذ انا لا نسلم ان النبي صلى الله عليه وسلم باع ماله ولم يرض به معاذ ومحال ان لا يرصى معاذ بفعل النبي صلى الله عليه وسلم فكان النبي صلى الله عليه وسلم باع ماله برضاه فهو من باب بيع الوكيل او الفضولي مع الاجازة اللاحقة من المالك وقول الراوي حجر على معاذ ماله واباعه زعم منه زعم بيع ماله حجرا «1» عليه كيف وقد اخرج البيهقي من طريق الواقدي هذا الحديث وزاد ان النبي صلى الله عليه وسلم بعثه بعد ذلك الى اليمن ليجبره وروى الطبراني فى الكبير ان النبي صلى الله عليه وسلم لما حج بعث معاذا الى اليمن وانه أول من تأجر فى مال الله فظهر ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يحجر معاذا عن التصرفات، مسئلة: إذا أفلس وفرق ماله وبقي عليه دين وله حرفة تفضل أجرتها عن كفايته قال احمد جاز للحاكم اجازته فى قضاء دينه وعنه لا يؤجره وهو قول غيره من الائمة، احتج احمد بحديث رواه الدارقطني عن زيد بن اسلم قال رايت شيخا بالاسكندرية يقال له سرق فقلت ماذا لاسم قال اسم سمانيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن ادعه قلت ولم سماك قال قدمت المدينة وأخبرتهم ان مالى يقدم فبايعونى فاستهلكت أموالهم فاتوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أنت سرق وباعني باربعة ابعر فقال الغرماء للذى اشترانى ما تصنع به قال اعتقه قالوا فلسنا بأزهد فى الاجر منك فاعتقونى بينهم وبقي اسمى قال ابن الجوزي قد علم انه لم يبع رقبته لانه حر وانما باع منافعه والمعنى أعتقوني من الاستخدام قلت لا وجه لحمل هذا الحديث على الاجارة لانه اجارة على عمل مجهول فالحديث متروك بالإجماع،

_ (1) فى الأصل بيع ماله عليه مجرا عليه

وكان لرسول الله ولاية التصرف فى الناس ما ليس لغيره وروى مسلم عن ابى سعيد أصيب رجل فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال تصدقوا عليه فلم يبلغ وفاء دينه فقال خذوا ما وجدتم وليس لكم الّا ذلك فهذا الحديث صريح انه لا سبيل الى المديون الّا فى استيفاء ديونهم من ماله والله اعلم، وَلا تَأْكُلُوها يعنى اموال اليتامى يا معشر الأولياء إِسْرافاً فى القاموس السرف محركة ضدّ القصد وفى الصحاح السرف تجاوز الحد فى كل فعل يفعله الإنسان قال الله تعالى فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ وقال يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لكن ذلك فى الانفاق أشهر، فيقال تارة باعتبار القدر يعنى الكثرة كما فى قوله تعالى كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا وتارة باعتبار الكيفية ولهذا قال سفيان ما أنفقت فى غير طاعة الله فهو سرف وان كان قليلا قال الله تعالى أَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ، قلت فاكل مال اليتيم وان كان قليلا فهو إسراف ان كان الولي غنيا وان كان فقيرا فالتجاوز عن المعروف إسراف وافراط وَبِداراً اى مبادرة أَنْ يَكْبَرُوا فياخذوا منكم أموالهم فاسرا فاو بدارا مصدر ان فى موضع الحال وان يكبروا فى موضع المصدر منصوب المحل ببدارا يعنى لا تأكلوا مسرفين ومبادرين كبرهم ويجوز ان يكونا مفعولى «1» لهما اى لاسرافكم ومبادرتكم فى الاكل وجاز ان يكون ان يكبروا منصوب المحل على انه مفعول له للمبادرة اى لمبادرتكم لاجل مخافة ان يكبروا فيأخذوا من ايديكم وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ اى ليمتنع من مال اليتيم فلا يأخذ منه قليلا ولا كثيرا استعف ابلغ من عف كانه طلب زيادة العفة، وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان رجلا اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انى لفقير ليس لى شىء ولى يتيم فقال كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متاثل رواه ابو داود والنسائي وابن ماجة وعن ابن عباس ان رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ان فى حجرى يتيما أفآكل من ماله قال بالمعروف غير متاثل مالا منه ولا واق مالك بماله رواه الثعلبي والمراد اجرة عمله بقدر قيامه وهو قول عائشة وبه نأخذ وقال عطاء وعكرمة يأكل باطراف أصابعه ولا يسرف

_ (1) فى الأصل مفعولا لهما

[سورة النساء (4) : آية 7]

ولا يكتسى منه وقال النخعي لا يلبس الكتان ولا الحلل ولكن ما سد الجوعة ووارى العورة ولا قضاء فى هذه الأقوال كلها وقال الحسن وجماعة يأكل من تمر نخيله ولبن مواشيه بالمعروف ولا قضاء عليه وامّا الفضة والذهب فلا فان أخذ فعليه رده وقال الكلبي المعروف ركوب الدابة وخدمة الخادم وليس له ان يأكل من ماله شيئا وروى البغوي بسنده عن القاسم ابن محمد انه جاء رجل الى ابن عباس فقال ان لى يتيما وان له ابلا افاشرب من لبن ابله فقال ان كنت تبغى ضالة ابله وتهنا جرباها وتلط حوضها وتسقيها يوم وردها فاشرب غير مضر بنسل ولا ناهك فى الحلب وقال الشعبي لا يأكل الا ان يضطر اليه كما يضطر الى الميتة وقال قوم المعروف القرض اى يستقرض من مال اليتيم إذا احتاج اليه فاذا أيسر قضاه وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير وقال عمر بن الخطاب انى أنزلت نفسى من مال الله بمنزلة ولى اليتيم ان استغنيت استعففت وان افتقرت أكلت بالمعروف فاذا أيسرت قضيت فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ بعد بلوغهم وإيناس رشد منهم فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ هذا امر ارشاد وليس بواجب والاولى الاشهاد لدفع التهمة وانقطاع الخصومة واحتج الشافعي ومالك بهذه الاية على ان القيم لا يصدق فى دعواه بالدفع الا بالبينة وقال ابو حنيفة إذا لم يكن له بينة يصدق مع اليمين لانه أمين ينكر الضمان عليه ويدل على ذلك قوله تعالى وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (6) اى محاسبا ومجازيا وشاهدا لا حاجة الى شاهد غيره بل يصدق الولي مع اليمين ويفوض امره الى الله تعالى والباء زائدة على فاعل الفعل، اخرج ابو الشيخ ابن حبان فى كتاب الفرائض من طريق الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس قال كان اهل الجاهلية لا يورثون النبات ولا الصغار من الذكور حتى يدركوا فمات رجل من الأنصار يقال له أوس بن ثابت وترك ابنتين وابنا صغيرا فجاء ابنا عمه خالد وعرفطة وهما عصبتاه فأخذا ميراثه كله فاتت امرأته رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فقال ما أدرى ما أقول فنزلت. لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ اى المتوارثون بالقرابة ولم يقل للنساء نصيب منه اهتماما لشأنهن مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ بدل من قوله ممّا ترك باعادة العامل وفائدته التوبيخ على عدم مبالاتهم فى القليل نَصِيباً مَفْرُوضاً (7) ... ...

نصب على انه مصدر مؤكد كقوله فريضة من الله، او حال من فاعل الظرف إذا المعنى ثبت لهم نصيب حال كونه مفروضا اى مقطوعا والحال فى الحقيقة قوله مفروضا لكن بحسب الظاهر جعل الحال نصيبا ومفروضا صفة له ويسمى الحال موطئة لانه مقدمة لذكر ما هو الحال حقيقة او على اختصاص بمعنى اعنى نصيبا مقطوعا واجبا لهم لا يجوز لاحد التبديل فيه، وفيه دليل على ان الوارث لو اعرض عن نصيبه او ابرا عنه لا يسقط حقه وفى الاية إجمال من وجهين أحدهما فى تعيين النصيب وثانيهما فى المراد بالاقرب وكلا الامرين ورد بيانهما من الشرع وذكر الوالدين مع دخولهما فى الأقربين اهتماما لشانهما ولانّ سبب النزول ميراث الوالد وذكر البغوي ان أوس بن ثابت الأنصاري توفى وترك امراة يقال لها أم كحة وثلث بنات له منها فقام رجلان هما ابنا عمّ الميت واوصياه «1» سويد وعرفجة فاخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئا وكانوا فى الجاهلية لا يرثون النساء ولا الصغار وان كان الصغير ذكرا انما كانوا يورثون الرجال ويقولون لا نعطى الا من قاتل وحاز الغنيمة فجاءت أم كحة فقالت يا رسول الله ان أوس بن ثابت مات وترك على بنات وانا امرأته وليس عندى ما أنفقه عليهن وقد ترك أبوهن مالا حسنا وهو عند سويد وعرفجة ولم يعطيانى ولا بناتي شيئا وهن فى حجرى لا يطعمن ولا يسقين فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول الله ولدها لا يركب فرسا ولا يحمل كلا ولا ينكأ عدوا فانزل الله هذه الآية فارسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الى سويد وعرفجة لا تفرقا من مال أوس بن ثابت شيئا فان الله جعل لبناته نصيبا ممّا ترك ولم يبيّن كم هو حتى انظر ما ينزل فيهنّ فانزل الله تعالى يوصيكم الله فى أولادكم فلما نزلت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الى سويد وعرفجة ان ادفعا الى أم كحة الثمن والى بناته الثلثين ولكما باقى المال، قلت ولما نزل عقيبه يوصيكم الله لم يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة والله اعلم، قال سعد وقع فى الكتب المعتبرة والروايات الصحيحة أوس بن ثابت وهو أخو حسان بن ثابت استشهد بأحد قال الشيخ جلال الدين السيوطي وفيه نظر لانه كان أخا حسان ولم يكن لبنى العم مع الأخ سبيل ونقله ابن حجر فى الاصابة عن ابن مندة وخطّاه بانه ليس أحد من

_ (1) فى الأصل ووصياه

[سورة النساء (4) : آية 8]

اخوته أوس ولا من بنى أعمامه عرفطة ولا خالدا ثم ذكر الشيخ السيوطي ان جماعة من الصحابة يسمى اوسا مع اختلاف اسماء ابائهم فلعل الذي نزل فيه الاية أحد هؤلاء والله اعلم. وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ اى قسمة المواريث أُولُوا الْقُرْبى غير الأقربين الذين لا يرثون وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ اى شيئا مما ترك او مما يقسم تصدقا عليهم قال الحسن كانوا يعطون التابوت والأواني ورث الثياب والمتاع والشيء الذي يستحيى من قسمته وقال سعيد بن جبير والضحاك هذه الاية منسوخة باية يوصيكم الله وقال ابن عباس والشعبي والنخعي والزهري ومجاهد وجماعة انها محكمة قال قتادة عن يحيى بن يعمر ثلث آيات محكمات مدنيات تركهن الناس هذه الاية واية الاستيذان يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وقوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى الاية فقيل الأمر للوجوب حق واجب فى اموال الصغار والكبار فان كان الورثة كبارا تولوا اعطاءهم وان كانوا صغارا اعطى وليهم وروى محمد بن سيرين ان عبيدة السلماني قسم اموال أيتام فامر بشاة فذبحت فصنع طعاما لاهل هذه الاية وقال لولا هذه الاية لكان هذا من مالى والصحيح انه امر ندب قال ابن عباس ان كانت الورثة كبار ارضحوا لهم ويستقلوا ما يعطوا ولا يمنّوا عليهم وان كانوا صغارا اعتذر الولي او الوصي إليهم فيقول انى لا املك هذا المال انما هو للصغار ولو كان لى منه شىء أعطيتكم وان يكبروا فسيعرفون حقوقكم وهذا القول هو المعنى من قوله تعالى وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (8) . وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ الضياع، الظاهر ان الأمر للاقوياء من الورثة وهذه الاية متصلة بقوله تعالى لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ الاية وقوله تعالى وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ الاية يعنى ليعطى الأقوياء أنصباء النساء والضعفاء من الورثة وليرضحوا من التركة غير الورثة من الضعفاء والفقراء والمساكين وليخشوا على أولاء الضعفاء الضياع كما لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم الضياع واشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم او المعنى ليخشوا الله فى تضييع ضعفاء الورثة كانه تنازع الفعلان ليخش وليتقوا فى قوله تعالى فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ فى اسم الله تعالى واعمل الثاني كما هو مذهب البصريين وحذف من الاول ولو ... ...

[سورة النساء (4) : آية 10]

اعمل الاوّل لقيل فليتقوه، أمرهم بالتقوى الذي هو غاية الخشيه بعد ما أمرهم بها مراعاة للمبدا والمنتهى وقال الكلبي هذا امر للاوصياء والأولياء بان يخشوا الله ويتقوه فى امر اليتامى ويحسنوا إليهم ويفعلوا بهم ما يحبون ان يفعل بذراريهم الضعاف متصل بقوله تعالى وابتلوا اليتامى ويكون قوله للرّجال نصيب الى هنا جملا معترضات وفائدته ان ولاية اليتامى وابتلاءهم وقسمة التركة انما يتصوّر بعد دفع ما تقرر فى الجاهلية ان لا ميراث للضعفاء انما هو لمن يحارب وجاز ان يكون امرا للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب واليتامى والمساكين متصوّرين انهم لو كانوا أولادهم وبقوا خلفهم ضعافا هل يجوّزوا حرمانهم، وقيل هذه الاية فى الرجل يحضره الموت فيقول من بحضرته ان أولادك وورثتك لا يغنون عنك شيئا أعتق واعط فلانا كذا وفلانا كذا حتى يأتى على عامة ماله فهو امر للحاضرين المريض عند الإيصاء بان يخشوا ربهم او يخشوا على أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم فلا يتركوه ان يضرّبهم ويصرف المال عنهم، او امر للموصين بان ينظروا للورثة الضعاف الذين خافوا عليهم الضياع ولا يسرفوا فى الوصية ولا يزيدوا فى الوصية على الثلث كيلا تحجف لورثته وجواب لو خافوا ولو مع ما فى حيزه صلة للذين وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً (9) يعنى يقول الاترياء من الورثة ضعفاءهم بالشفقة وحسن الأدب او الأولياء لليتامى قولا حسنا شفقة كما يقولون لاولادهم بالشفقة او الحاضرون الوصية يأمروا الموصى بالتصدق دون الثلث او الحاضرون القسمة اعتذروا الى الفقراء او الموصى يقول فى الوصية قولا حسنا فيوصى بما دون الثلث ويراعى فى الوصية حسن النية مع الإخلاص لله تعالى، قال البغوي قال مقاتل بن حبان لما أكل مرثد بن زيد رجل من غطفان مال ابن أخيه وهو يتيم صغير نزلت. إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً مصدرا وحال اى أكلا ظلما او ظالمين إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً ما يجر الى النار ويؤل اليه، فى الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم رايت ليلة اسرى بي قوما لهم مشافر كمشافر الإبل أحدهما قارصة على منخريه والاخرى على بطنه وخزنة جهنم يلقمونهم جمر جهنم وصخرها فقلت يا جبرئيل من هؤلاء قال الذين يأكلون اموال اليتامى ظلما رواه ابن جرير ... ...

[سورة النساء (4) : آية 11]

وابن ابى حاتم من حديث ابى سعيد الخدري اخرج ابن ابى شيبة فى مسنده وابن ابى حاتم فى تفسيره وابن ابى حبان فى صحيحه عن ابى بردة انه صلى الله عليه وسلم قال يبعث الله قوما من قبورهم يتاجج أفواههم نارا فقيل من هم فقال الم تر ان الله يقول إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (10) قرا الجمهور بفتح الياء اى يدخلونه وابن عامر وابو بكر بضم الياء اى يدخلون النّار ويحرقون والسعير فعيل بمعنى المفعول من سعرت النار إذا لهبتها اخرج الائمة الستة عن جابر بن عبد الله قال عادنى رسول الله صلى الله عليه وسلم وابو بكر فى بنى سلمة فوجدنى النبي صلى الله عليه وسلم لا اعقل شيئا فدعا بماء فتوضأ ثم رش عليّ فافقت فقلت ما تأمرنى ان اصنع فى مالى فنزلت يوصيكم الله الاية واخرج احمد وابو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم عن جابر قال جاءت امراة سعد بن الربيع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله هاتان بنتا سعد بن الربيع قتل معك فى أحد شهيدا وان عمتهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا ولا تنكحان الّا ولهما مال فقال يقضى الله فى ذلك فنزلت اية الميراث فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الى عمّهما فقال أعط لا بنتي سعد الثلثين واعظ امّهما الثمن وما بقي فهو لك قال الحافظ تمسّك من قال ان الاية نزلت فى قصة ابنتي سعد ولم تنزل فى قصّة جابر خصوصا بان جابرا لم يكن له يومئذ ولد قال والجواب انها نزلت فى الامرين معا ويحتمل ان يكون نزول اوّلها فى قصّة ابنتي سعد وآخرها وهو قوله وان كان رجل يورث كللة المتصل بهذه الاية فى قصّة جابر ويكون مراد جابر بقوله فنزلت. يُوصِيكُمُ اللَّهُ إلخ الاية المتصلة بها وروى له سبب ثالث اخرج ابن جرير عن السدى قال كان اهل الجاهلية لا يورّثون الجواري ولا الضعفاء من الغلمان لا يرث الرجل من ولده الّا من أطاق القتال فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر وترك امراة يقال لها أم كحة وخمس بنات فجاءت الورثة يأخذون ماله فشكت أم كحة ذلك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فانزل الله هذه الاية فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ ثم قال فى أم كحة وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ الاية وقد ورد فى قصة سعد بن الربيع وجه اخر اخرج القاضي إسماعيل ... ...

فى احكام القران من طريق عبد الملك بن محمد بن حزم ان عمرة بنت حرام كانت تحت سعد بن الربيع فقتل عنها بأحد وكان له منها ابنة فاتت النبي صلى الله عليه وسلم لطلب ميراث ابنتها ففيها نزلت يُوصِيكُمُ اللَّهُ يأمركم ويعهد إليكم فِي شأن ميراث أَوْلادِكُمْ وجاز ان يكون فى بمعنى اللام كما فى قوله عليه السّلام دخلت امراة النار فى هرة وهذا إجمال تفصيله لِلذَّكَرِ منهم مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ منهم إذا اجتمع الصنفان يعنى ان كان مع الأنثيين او اكثر ذكر واحدا واكثر يعطى لكل واحد منهم مثل حظ الثنتين منهن ويعلم بدلالة النص انه ان كان ذكر واحد او اكثر مع واحدة أنثى يعطى للانثى نصف حظ ذكر واحد ووجه تخصيص التنصيص على حظ الذكر تفضيله والتنبيه على ان التضعيف كاف للتفضيل فلا يحر منّ بالكلية وقد اشتركا فى الجهة، هذا حكمهم عند اجتماع الصنفين وان كان الأولاد صنفا واحدا أنثى فقط فَإِنْ كُنَّ اى الأولاد وانث الضمير باعتبار الخبر او الضمير راجع الى بنات مذكورات فى ضمن الأولاد نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ خبر ثان او صفة نساء يعنى زائدة على ثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ الميت منكم وَإِنْ كانَتْ المولودة المذكورة فى ضمن الأولاد واحِدَةً قرا نافع بالرفع على ان كانت تامّة والباقون بالنصب على الخبرية فَلَهَا النِّصْفُ ولم يذكر فى الاية حكم الأنثيين فقال ابن عباس حكمهما حكم الواحدة لانه الأقل المتيقن من النصيبين المذكورين والصحيح ان لهما الثلثان وعليه انعقد الإجماع فقيل لفظ فوق زائدة كما فى قوله تعالى فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ ويؤيده من السنة ما ذكرنا من قصّة سعد بن الربيع ونزول الاية فيهما وقيل ثبت حكمهما بالقياس على الأختين فان الله سبحانه جعل لاخت واحدة النصف كما جعل لبنت واحدة وجعل للاخوة والأخوات المختلطين للذكر مثل حظّ الأنثيين كما جعل للاولاد المختلطين هكذا وجعل للاختين الثلثان فكذا للبنتين فثبت بالسنة والإجماع ان حكم ما فوق الثنتين من الأخوات كحكم الثنتين منهما الثابت بالنصّ وحكم البنتين كحكم ما فوقهما الثابت بالنص ولا وجه لالحاق الثنتين منهما بالواحدة ولان البنت لمّا كان حظها مع ابن واحد ذكر الثلث لا ينقص منه ابدا فمع بنت واحدة غيرها اولى ان لا ينقص حظها من الثلث والله اعلم والسكوت عن حكم الذكر إذا لم يكن معه أنثى يدل على ... ...

ان المال كله له لانه اولى بالميراث من الأنثى فلا جائز حرمانه ولو كان له بعض المال لم يجز السكوت عن بيانه وقت الحاجة ولا يرث معه غيره بالعصبية لانه اقرب العصبات فلا يترك شيئا لغيره ولانه جعل الله سبحانه للذكر مثل حظ الأنثيين وقد جعل للانثى عند الانفراد النصف فللذكر عند الانفراد ضعف النصف وهو الكل وإذا كان للولد الذكر عند الانفراد جميع المال يحجب مع ولد ذكر صلبى أولاد الابن ذكورا كان او إناثا او مختلطين بالإجماع (مسئلة) اجمعوا على ان أولاد الابن لهم حكم أولاد الصلب عند عدم الولد فللذكور او ذكر منفرد منهم جميع المال ولواحدة منفردة من الإناث النصف وللاكثر منها منفردات الثلثان وللذكر مثل حظ الأنثيين عند الاختلاط ولهم عند الاختلاط مع واحدة صلبية او اكثر ما بقي منها او منهن للذكر مثل حظ الأنثيين كذا روى الطحاوي عن عائشة انها أشركت بين بنات ابن وبنى ابن مع بنتين وبين الاخوة والأخوات لاب مع أختين لاب وأم فيما بقي ولذكر واحدا واكثر مع بنت او بنات جميع ما بقي منهن لقوله عليه السلام الحقوا الفرائض باهلها فما أبقت الفرائض فلا ولى رجل ذكر متفق عليه من حديث ابن عباس ولبنت ابن واحدة او اكثر منفردات مع واحدة صلبية السدس تكملة للثلثين لما رواه البخاري عن الهذيل بن شرحبيل قال جاء رجل الى ابى موسى وسلمان بن ربيعة فسالهما عن رجل مات عن ابنة وابنة ابن واخت لاب وأم فقالا للبنت النصف وللاخت النصف وائت ابن مسعود فانه سيتابعنا فاتى ابن مسعود فقال قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ساقضى فيها بما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للبنت النصف ولابنة الابن السدس تكملة للثلثين وما بقي فللاخت فاتينا أبا موسى فاخبرناه بقول ابن مسعود فقال لا تسئلونى ما دام هذا الحبر فيكم ولا يرثن مع الصلبيتين لاحرازهما تمام الثلثين الا ان يكون بحذائهن او أسفل منهن غلام فيعصبهن، وَلِأَبَوَيْهِ اى أبوي الميت منكم لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا بدل من لابويه بتكرير العامل وفائدته دفع توهم اشتراكهما فى السدس والتفصيل بعد الإجمال تأكيدا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ الميت إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ ذكر او أنثى صلبى او ولد ابن غير ان الأب يأخذ السدس ... ...

مع أنثى عند عدم ولد ذكر بالفرض وما بقي من ذوى الفروض بالعصوبة لانه اولى رجل ذكر بعد الأبناء وأبناء الابن فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ صلبى ولا ولد ابن وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ يعنى ثلث جميع المال ان لم يكن معهما وارث صاحب فرض غيرهما وثلث ما بقي بعد فرض أحد الزوجين ان كان معهما أحد الزوجين ولا يتصور معهما غير الزوجين لان الاخوة والأخوات والجد لا يرثون مع الأب والجدة مع الام والمفروض عدم الولد، او المعنى وورثه أبواه فقط فلامه الثلث مما ترك بقرينة تقيد السدس به فعلى هذا يعرف ميراثهما مع أحد الزوجين بالمقايسة فكما كان للام نصف ما للاب عند عدم غيرهما تضعيفا للذكر على الأنثى مع اتحاد القرابة يعنى ثلث الكل والثلثان فكذا مع غيرهما يعنى ثلث ما بقي والثلثان عن ابن مسعود قال كان عمر بن الخطاب إذا سلك طريقا فاتبعناه وجدنا سهلا وانه سئل عن امراة وأبوين فقال للمرءة الربع وللام الثلاث ما بقي وما بقي فللاب وبه قال زيد بن ثابت ان للام ثلث ما بقي بعد فرض أحد الزوجين فى مسئلة زوج وأبوين ومسئلة زوجة وأبوين وعليه انعقد الإجماع ولو كان مكان الأب الجد فلها ثلث الكل وروى البيهقي من طريق عكرمة قول ابن عباس ان للام فى المسألتين ثلث الكل وبه قال شريح ووافقه ابن سيرين فى زوجة وأبوين وخالفه فى زوج وأبوين روى البيهقي عن النخعي انه قال خالف ابن عباس جميع اهل الفرائض فى ذلك والسكوت عن حكم الأب بعد قوله وورثه أبواه يدل على ان الباقي يعنى الثلثين للاب لانه اولى بالميراث من الام فلا جائز حرمانه وقد نبّه على ميراثه بقوله ورثه ولو كان له بعض المال لم يجز السكوت عن بيانه ولا يرث معه غيره بالعصبية لانه اقرب العصبات عند عدم الولد فلا يترك لغيره شيئا وهذه الاية تدل على انه لو ورثته «1» امه فقط بدون الأب يكون لها الثلث بالطريق الاولى ولا دليل على الزيادة فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ لاب او لام أولهما والمراد بالاخوة ما فوق الواحد اجماعا سواء كانوا ذكورا او إناثا او مختلطين وكذا المراد بكل جمع وقع فى باب الفرائض والوصايا اجماعا وقال ابن عباس لا يحجب الام من الثلث ما دون الثلاثة روى الحاكم وصححه ان ابن عباس دخل على عثمان فقال له محتجا بانه كيف ترد الام الى السدس بالأخوين وليسا باخوة فقال عثمان لا أستطيع ردّ شىء كان قبلى ومضى فى البلدان

_ (1) فى الأصل لو ورثه-

وتوارث عليه الناس فاحتج عثمان بالإجماع وأجاب زيد بن ثابت بجواب اخر قالوا يا أبا سعيد ان الله يقول فان كان له اخوة وأنت تحجبها باخوين فقال ان العرب يسمى الأخوين اخوة- فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ وهذه الاية تدل بالمفهوم المخالف وما قبله بالمفهوم الموافق ان للام مع أخ او اخت واحدة الثلث فانه إذا كان لها مع الأب الثلث فلها مع الأخ او الاخت الثلث بالطريق الاولى قرا حمزة والكسائي فلامّه فى الموضعين هاهنا وفى القصص فى امّها وفى الزخرف فى امّ الكتب فى الوصل فقط بكسر الهمزة اتباعا للكسرة التي قبلها والباقون بضمها على الأصل وإذا أضيف الام الى جمع ووليت همزته كسرة وجملته اربعة مواضع فى النحل من بطون امّهاتكم وكذا فى النور والزمر والنجم فحمزة يكسر الهمزة والميم فى الوصل والكسائي يكسر الهمزة فى الوصل ويفتح الميم والباقون يضمون الهمزة ويفتحون الميم فى الحالين- (مسئلة) اجمعوا على ان الاخوة والأخوات يحجبن الام من الثلث الى السدس وان كانوا محجوبين بالأب وعن ابن عباس انهم يأخذون السدس الذي حجبوا عنه الام خلافا للجمهور (مسئلة) الجد الصحيح اعنى اب الأب وان علاله حكم الأب عند عدم الأب ولا شىء لاب الام لانه لا يصلح ان يكون مكان الأب لانه ليس من جهته ولا مكان الام لانه ليس من جنسه ويسمّى جدا فاسدا فالجد الصحيح عصبة عند عدم الولد وله السدس مع ولد ذكر والسدس والتعصيب مع ولد أنثى وخالف حكمه حكم الأب فى انه لا يرد الام من الثلث الى السدس او الربع مع أحد الزوجين اجماعا واختلفوا فى انه هل يحجب الاخوة كالاب أم لا فقال ابو حنيفة يحجبهم كلهم سواء كانوا من الأب او الام او منهما وهو المروي عن ابى بكر وكثير من الصحابة وقال مالك والشافعي واحمد وابو يوسف «1» ومحمد لا يحجب الاخوة والأخوات ان كانوا من الأبوين او من الأب ويحجبهم ان كانوا من الام قال ابن الجوزي محتجا بعدم حجبهم ان التوريث بالاخوة منصوص عليه فى القرآن فلا يثبت حجبهم الا بنصّ قلنا لو كان كذلك فلم قلتم يحجب أولاد الام مع الجدّ وهم منصوص توريثهم فى القران وايضا تقولون بان ابن الابن يحجب الاخوة كلهم لقيامه مقام الابن فلم لا تقولون بحجبهم بالجد لقيامه مقام الأب ولنا قوله صلى الله عليه وسلم الحقوا الفرائض باهلها فما بقي فهو لاولى رجل ذكر ولا شك ان الجد اولى من الأخ لانه

_ (1) فى الأصل ابى يوسف-

اصل الميت دون الأخ ولنا ايضا انه إذا اجتمع الجد مع الاخوة فلا وجه للمقاسمة لاختلاف جهة قرابتهم ولا يسقط الجد بالاخوة اجماعا حيث لم يذهب اليه أحد فيسقط الاخوة بالجد فان قيل قال الشيخ ابن حجر فيه نظر لان ابن حزم حكى أقوالا ان الاخوة تقدم على الجد فاين الإجماع قلنا بعد انقراض اهل تلك الأقوال اجتمع الامة على أحد القولين اما إسقاط الاخوة او المقاسمة فثبت الإجماع ومذهبهم مروى عن زيد بن ثابت وحكم الجد مع الاخوة عندهم سواء كانت الاخوة لابوين او لاب ان للجد أفضل الامرين من المقاسمة وثلث جميع المال ان لم يكن معهم ذو فرض اخر وتفسير المقاسمة ان يجعل الجد فى القسمة كاحد الاخوة وبنو العلات يدخلون فى القسمة مع بنى الأعيان إضرارا للجد فاذا أخذ الجد نصيبه فبنوا لعلات يخرجون من البين خائبين بغير شىء والباقي لبنى الأعيان للذكر مثل حظ الأنثيين وإذا كانت من بنى الأعيان اخت واحدة أخذت فرضها نصف الكل بعد نصيب الجد فان بقي شىء فلبنى العلات للذكر مثل حظ الأنثيين والّا فلا شىء لهم كحد واخت لابوين وأختين لاب فبقى للاختين عشر المال وتصح من عشرين ولو كانت فى هذه المسألة اخت لاب لم يبق لها شىء وإذا كان مع الجدّ والاخوة ذو فرض غيرهم فللجد حينئذ أفضل الأمور الثلاثة اما سدس جميع المال كجدّ وجدّة وبنت وأخوين فقد لا يبقى شىء كبنتين وامّ وزوج فيفرض للجدّ سدس ويزاد فى العول وقد يبقى دون السدس كبنتين وزوج فيفرض للجد سدس وتعال وقد يبقى سدس كبنتين وأم فيفوز له الجدّ ويسقط الاخوة فى هذه الصور الثلث وامّا ثلاث الباقي بعد سهم ذوى الفروض غيرهم كجدّ وجدة وأخوين واخت وامّا المقاسمة كزوج وجدّ وأخ ولا يكون الاخت لابوين او لاب صاحبة فرض مع الجد عندهم الّا فى الاكدرية وهى زوج وأم وجدّ واخت فللزوج النصف وللام الثلث وللجد السدس وللاخت النصف فتعول الستة الى تسعة ثم يضم الجد نصيبه اعنى التسع الى نصيب الاخت اعنى الثلث فيقسمان أثلاثا لان المقاسمة خير للجدّ وتصح المسألة من سبع وعشرين تسعة للزوج وستة للام وثمانية للجد واربعة للاخت وسميت المسألة أكدرية لانها واقعة امراة من بنى أكدر ولو كان مكان الاخت أخ او اختان فلا عول ولا أكدرية وحينئذ لا شىء للاخوة (فائدة) وقع فى الصحابة فى مسئلة الجد مع الاخوة اختلافا كثيرا روى البيهقي عن الشعبي ان الحجاج ساله عن أم واخت وجدّ فقال اختلف فيها خمسة من ... ...

اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان وعلى وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس قال فما قال فيها عثمان قلت جعلها أثلاثا قال فما قال فيها ابو تراب قلت جعلها من ستة أسهم للاخت ثلاثة وللام سهمين وللجد سهما قال فما قال ابن مسعود قلت جعلها من ستة للاخت ثلاثة وللجد سهمين وللام سهما قال فما قال فيها زيد بن ثابت قلت جعلها من تسعة اعطى الاخت الثلاثة والجد اربعة والام سهمين وروى البيهقي من طريق ابراهيم النخعي قال كان عمر وعبد الله لا يفضلان أخا على جدّ وروى ابن حزم من طريقه عن عمر للاخت النصف وللام السدس وللجد ما بقي وما ذهب اليه ابو حنيفة من قول ابى بكر أوفق بالنص والقياس. (مسئلة) الجدة الصحيحة عند ابى حنيفة من لم يدخل فى نسبته الى الميّت جد فاسد ترث الجدات الصحيحات عنده وان كثرن ان كن متحاذيات غير ساقطات وقال مالك وداود لا ترث من الجدات الا اثنان أم الأب وأمهاتها وأم الام وأمهاتها والقربى منهما تحجب البعدى وهو أحد قولى الشافعي وقال احمد وهو الراجح المشهور من قولى الشافعي انه ترث منهن ثلاثا أم امّه وأم أبيه وأم جدّه وحظهن من التركة واحدة كانت او اكثر السدس اجماعا وإذا كانت جدة ذات قرابة واحدة كام أم الأب والاخرى ذات قرابتين كام أم الام وهى ايضا أم اب الأب يقسم السدس بينهما عند ابى يوسف أنصافا باعتبار الأبدان وعند محمد أثلاثا باعتبار الجهات وفى الباب حديث قبيصة بن ذويب قال جاءت الجدة الى ابى بكر تطلب ميراثها فقال لها مالك فى كتاب الله شىء ومالك فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شىء فارجعى حتى اسئل الناس فسال فقال المغيرة بن شعبة حضرت جدة رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس فقال ابو بكر هل معك غيرك فقال محمد بن مسلمة مثل ما قال المغيرة فانفذ لها ابو بكر ثم جاءت الجدة الاخرى الى عمر تسئله ميراثها فقال هو ذلك السدس فان اجتمعتما فهو بينكما وأيهما خلت به فهو لها رواه مالك واحمد والترمذي وابو داؤد والدارمي وابن ماجة وروى ابن وهب ان الجدّة التي أعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم هى أم الام وهى التي جاءت الى ابى بكر والتي جاءت الى عمر هى أم الأب فسال الناس فلم يجد أحدا يخبره بشىء فقال غلام من بنى حارثة لم لا تورثها يا امير المؤمنين وهى لو تركت الدنيا وما فيها لورثها فورثها عمر ... ...

وفى المؤطا وسنن البيهقي ان الجدتين جاءتا الى ابى بكر فاراد ان يجعل السدس للتى من قبل الام فقال له رجل من الأنصار مالك تترك التي لو ماتت وهو حى كان إياه ترث فجعل ابو بكر السدس بينهما رواه الدارقطني من طريق ابن عيينة وبين ان الأنصاري هو عبد الرحمن بن سهل ابن حارثة قالوا أم الام أتيحت مقام الام فاعطى اقل حصّتها وأم الأب أعطيت قياسا على أم الام لانها أم أحد الأبوين والحجة لابى حنيفة ان النبي صلى الله عليه وسلم اعطى السدس ثلاث جدات ثنتان من قبل الام وواحدة من قبل الأب رواه الدارقطني بسند مرسل وابو داؤد فى المراسيل بسند اخر عن ابراهيم النخعي والدارقطني والبيهقي من مرسل الحسن وذكر البيهقي عن محمد بن نصر انه نقل اتفاق الصحابة والتابعين على ذلك الا ما روى عن سعد بن ابى وقاص انه أنكر ذلك ولا يصح اسناده عنه- (مسئلة) الام تحجب الجدات كلّها لحديث بريدة ان النبي صلى الله عليه وسلم جعل للجدة السدس إذا لم يكن دونها أم رواه ابو داود والنسائي وفى اسناده عبيد الله العتكي مختلف فيه وصححه ابن السكن- (مسئلة) الأب يحجب الجدات الابويات فقط عند الثلاثة خلافا لاحمد فى أحد قوليه وعنه مثل قول الجماعة احتج احمد بحديث ابن مسعود قال فى الجدة مع ابنها انها اوّل جدة أطعمها رسول الله صلى الله عليه وسلم سدسا مع ابنها وابنها حى رواه الترمذي والدارمي قلنا ضعّفه الترمذي والحجة للجمهور ان الأقرب تحجب الأبعد والله اعلم، مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ متعلق من حيث اللفظ بالظرف المستقر فى قوله تعالى فلامّه السّدس ومن حيث المعنى على سبيل التنازع لكل ظرف من الظروف المستقرة فى الجمل السابقة من قوله تعالى لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ ... فَلَهَا النِّصْفُ ... ، لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ... ، فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فيقدر فى جميع ما تقدم اى هذه الأنصباء لهؤلاء الورثة من ما بقي من بعد إنفاذ وصية يُوصِي بِها قرا ابن كثير وابن عامر وابو بكر بفتح الصاد على البناء للمفعول والباقون بالكسر لانه جرى ذكر الميت من قبل ورجع اليه الضمائر ان كان ثمه وصية أَوْ من بعد أداء دَيْنٍ ان كان على الميت وانما قال باو دون الواو للدلالة على ان كل واحد ... ...

منهما مقدّم على الميراث سواء كان معه اخر اولا وقدم الوصية على الذين وهى متاخرة عن الدين فى الحكم لانه مندوب إليها الجميع والدين لكونه مانعا من المغفرة الظاهر باقتضاء السنة الاسلامية ان يكون على الندرة عن ابى قتادة قال رجل يا رسول الله أرايت ان قتلت فى سبيل الله صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر يكفر الله عنى خطاياى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم الا الدين كذلك قال جبرئيل رواه مسلم وعن عبد الله بن عمر وان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يغفر للشهيد كل ذنب الا الدّين رواه مسلم (مسئلة) اجمعوا على انه اوّل حق يتعلق بالتركة تجهيز الميت ثم يؤدى ديونه من جميع ماله ثم ينفذ وصاياه من ثلث ما بقي من التركة بعد الدين ثم يقسم ما بقي بين الورثة عن على عليه السلام قال انكم تقرءون هذه الاية مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية رواه الترمذي وابن ماجة- (مسئلة) وتنفيذ الوصايا من الثلث لحديث سعد بن ابى وقاص قال مرضت عام الفتح مرضا أشفيت على الموت فاتانى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودنى فقلت يا رسول الله ان لى مالا كثيرا وليس يرثنى الا ابنتي أفأوصي بمالى كله قال لا قلت فثلثى مالى قال لا قلت فالشطر قال لا قلت فالثلث قال الثلث والثلث كثير انك ان تذر ذرّيتك اغنياء خير من ان تذرهم عالة يتكففون الناس وانك لن تنفق نفقة تبتغى بها وجه الله الا اجرت بها حتى اللقمة ترفعها الى فى امرأتك متفق عليه وروى الترمذي بلفظ اخر وفيه أوص بالعشر فما زلت انا قصه حتى قال أوص بالثلث والثلث كثير وحديث معاذ مرفوعا بلفظ ان الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة لكم فى حسناتكم ليجعل زكوة أموالكم رواه الطبراني بسند حسن ورواه الطبراني واحمد عن ابى الدرداء مرفوعا ورواه ابن ماجة والبزار والبيهقي عن ابى هريرة والعقيلي عن ابى بكر الصديق رضى الله عنهم آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً اى لا تعلمون من انفع لكم من الأصول والفروع فى الدنيا والاخرة عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا دخل الرجل الجنة سال عن أبويه وزوجته وولده فقال انهم لم يبلغوا درجتك وعملك ... ...

[سورة النساء (4) : آية 12]

فقال يا ربّ انى قد عملت لى ولهم فيؤمر بالحاقهم به رواه الطبراني فى الكبير وابن مردوية فى تفسيره قال البغوي قال ابن عباس أطوعكم لله عز وجلّ ارفعكم درجة يوم القيامة والله يشفّع المؤمنين بعضهم فى بعض فان كان الوالد ارفع درجة فى الجنة رفع اليه ولده والمكان الولد ارفع درجة رفع اليه والده لتقرّ بذلك أعينهم ولما كان الناس لا يعلمون من هو انفع لهم من الورثة لم يفوض تقسيم التركة إليهم يعنى لو كنتم تعلمون ذلك لملتم الى ترجيح الانفع وإذا لم تعلموا فلا يجوز لكم ترجيح بعض الورثة على بعض قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز الوصية لوارث الا ان يشاء الورثة رواه الدارقطني من حديث ابن عباس ورواه ابو داود مرسلا عن عطاء الخراسانى ووصله يونس عن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس، والدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وروى ابو داود عن ابى امامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فى خطبته عام حجة الوداع ان الله قد اعطى كل ذى حق حقّه فلا وصية لوارث او المعنى لا تعلمون اى المورثين انفع لكم، من اوصى فعرّضكم للثواب بامضاء الوصية او من لم يوص وترك لكم الأموال كلها وجملة أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فى محل النصب على المفعولية من لا تدرون وهو خبر آباؤكم والجملة معترضة مؤكدة لام القسمة او تنفيذ الوصية، فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ مصدر مؤكد منصوب بفعل واجب الحذف يسميه النحاة توكيدا لنفسه لانها مضمون جملة سابقة لا محتمل لها غيره لان الجمل المفصلة بقوله تعالى يوصيكم الله لا يحتمل مضمونا لها غير كونها فريضة او مصدر منصوب بقوله تعالى يوصيكم لانه فى معنى يفرض عليكم إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بالمصالح حَكِيماً (11) فيما فرض وقسم من المواريث وغيرها-. وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ اى زوجاتكم إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ اى صاحب فرض او عصبة من الأولاد سواء كان بواسطة او بلا واسطة فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ اى للزوجات واحدة كانت او اكثر الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ من الصلب او ولد الابن فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ ... ...

وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وكذا ترث المعتدة من الطلاق الرجعى دون البائن ان كان الزوج طلقها صحيحا وكذا ان طلقها فى مرض موته رجعيا اجماعا غير ان أبا حنيفة يقول ترث ان مات وهى فى العدة وقال احمد ترث وان انقضت عدتها ما لم تتزوج قبل موته وقال مالك ترث وان تزوجت وللشافعى اقوال كالمذاهب الثلاثة وكذا ان طلق فى مرض موته طلاقا بائنا عند ابى حنيفة واحمد الّا ان أبا حنيفة يشترط فى إرثها ان لا يكون الطلاق عن طلب منها لانها ان طلبت رضيت بابطال حقّها وللشافعى قولان اظهرهما انها لا ترث، روى احمد عن معمر ان غيلان بن سلمة اسلم وتحته عشر نسوة فقال النبي صلى الله عليه وسلم اختر منهن أربعا فلما كان عهد عمر طلق نساءه وقسم ماله بين بنيه فبلغ ذلك عمر فقال انى لا ظن الشيطان مما يسترق من السمع سمع موتك فقذفه فى نفسك وأعلمك انك لا تمكث الا قليلا وايم الله لتراجعن نساءك ولترجعن مالك او لاورثهن منك ولامرت بقبرك فيرجم كما رجم قبر ابى رغال وحكم البخاري بصحة الموقوف منه عن الزهري عن سالم عن أبيه بخلاف اوّل القصة قلت هذا الحديث سند للاجماع على الا يراث بعد الطلاق الرجعى والحجة للجمهور على ايراثها بعد البائن ان عثمان رضى الله عنه ورث تماظر بنت الا صبغ بن زياد الكلبية وقيل بنت عمرو بن الشريد السلمية من عبد الرحمن بن عوف لمّا بتّ طلاقها فى مرضه ومات وهى فى العدة بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد فكان اجماعا وقال ما اتهمته ولكن أردت السنة وبمذهبنا ذهب عمر وابنه وعثمان وابن مسعود والمغيرة ونقله ابو بكر الرازي عن على وابى بن كعب وعبد الرحمن بن عوف وعائشة وزيد بن ثابت ولم يعلم عن صحابى خلافه وهو مذهب النخعي والشعبي وسعيد ابن المسيّب وابن سيرين وعروة وشريح وربيعة بن عبد الرحمن وطاؤس بن شبرمة والثوري والحماد بن ابى سليمان والحارث- وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يعنى الميت او الوارث يُورَثُ صفة رجل فان كان المراد به الميت فالمعنى يورث منه وان كان المراد به الوارث فهو من أورث كَلالَةً خبر كان او خبره يورث وكلالة حال من الضمير فيه وجاز ان يكون كلالة مفعولا له ان كان المراد بالكلالة قرابة ليست من جهة الولاد وهو فى الأصل مصدر بمعنى الكلال اعنى الاعياء يقال كلّ الرجل ... ...

فى مشيبه كلالا والسيف عن ضربته كلولا وكلالة واللسان عن الكلام فاستعير لقرابة ليست بالبعضية يعنى ليس أحدهما متوالدا من الاخر لانها كالة بالاضافة إليها، ثم وصف بها من لا يرث منه والد ولا ولد ومن يرث ممن ليس له والد ولا ولد بمعنى ذى كلالة كذا قال البيضاوي وقال البغوي هو اسم للمورث الذي لا ولد له ولا والد وهو قول على وابن مسعود رضى الله عنهما لانه مات عن ذهاب طرفيه فكلّ عمود نسبه، وقال سعيد بن جبير هو اسم لوارث ليس والدا للميت ولا ولده لانهم يتكلّلون الميت من جوانبه وليس فى عمود نسبه أحد كالاكليل يحيط بالرأس ووسط الرأس منه خال وعليه حديث جابر حيث قال انما يرثنى كلالة اى يرثنى ورثة ليسوا لى بولد ولا والد وسئل ابو بكر عن الكلالة فقال انى ساقول فيها برأيى فان كان صوابا فمن الله وان كان خطأ فمنى ومن الشيطان أراه ما خلا الوالد والولد فلما استخلف عمر قال انى لاستحيى الله ان أرد شيئا قاله ابو بكر رواه البيهقي عن الشعبي ورواه ابن ابى حاتم فى تفسيره والحاكم بإسناد صحيح عن ابن عباس عن عمر قوله وفى حديث مرفوع عن ابى هريرة فسّر الكلالة بانها غير الوالد والولد رواه الحاكم واخرج ابو الشيخ عن البراء قال سالت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلالة قال ما خلا الوالد والولد وكذا اخرج ابو داود فى المراسيل عن ابى سلمة بن عبد الرحمن عنه صلى الله عليه وسلم قال من لم يترك والدا ولا ولدا فورثته كلالة قلت والمراد بالوالد والولد فى تفسير الكلالة الذكر من الأصول او الفروع حتى انه إذا كان للميت بنت او أم فهو كلالة ايضا يدل عليه حديث جابر فان جابر بن عبد الله كان له عند نزول الاية بنت فقط ولم يكن له والد لان أباه عبد الله بن حرام مات يوم أحد قبل هذا والاخوة والأخوات ترث مع الام والبنت بالإجماع والمراد بالولد أعم من ولد الابن حتى لا يرث الاخوة مع ابن الابن بالإجماع وكذا المراد بالوالد اعمّ من الجدّ لعدم الفصل بين الوالد والولد فى تفسير الكلالة والله اعلم أَوِ امْرَأَةٌ عطف على رجل ونظم الاية وان كان رجل او امراة يورث يعنى أحدهما كلالة وَلَهُ الضمير عائد الى رجل لانه مذكر مبتدا به او الى أحدهما من رجل وامراة المذكورين وهو مذكر والجملة الظرفية معطوف على خبر كان ان كان المراد برجل الميت وان كان المراد به الوارث فالضمير عائد الى المورث المفهوم من السياق كضمير لامه والجملة الظرفية حال من ضمير يورث والمعنى وان كان رجل او امراة ... ...

يورث أحدهما من الميت كلالة وهو يعنى الوارث للميّت أَخٌ أَوْ أُخْتٌ اجمعوا على ان المراد بالأخ والاخت هاهنا الأخ والاخت لام فقط يدل عليه قراءة أبيّ وسعد بن ابى وقاص روى البيهقي ان سعدا قال الراوي أظنه ابن ابى «1» وقاص كان يقرا وله أخ او اخت من امّ، وروى ابو بكر بن المنذر ايضا عن سعد كذلك وحكى الزمخشري عنه وعن أبيّ بن كعب وقيل قرا ابن مسعود كذلك قال الحافظ ابن حجر لم أره عن ابن مسعود ومن هاهنا يظهر انه يجوز العمل بالقراءة الغير المتواترة كما هو مذهب ابى حنيفة إذا صح اسناده خلافا للشافعى فى الأصول، قال البغوي قال ابو بكر الصديق فى خطبته الا ان الاية التي انزل الله فى أول سورة النساء فى بيان الفرائض أنزلها فى الولد والوالد والاية الثانية فى الزوج والزوجة والاخوة من الام والاية التي ختم بها السورة فى الاخوة والأخوات من الأب والام والاية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها فى اولى الأرحام بعضهم اولى ببعض فى كتب الله فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ اجمعوا على ان أولاد الام إذا كانوا اثنين فصاعدا يشتركون فى الثلث ذكرهم وأنثاهم فى الاستحقاق والقسمة سواء واختلفوا فى مسئلة حمارية وهى زوج وأم واخوان لام وأخ لابوين فللزوج النصف وللام السدس وللاخوة من أم الثلث ولا شىء لاخ لابوين واحدا كان او اكثر عند ابى حنيفة واحمد وداود لانه عصبة ولم يبق من اصحاب الفرائض شىء وقال مالك والشافعي يشارك الأخ لابوين الأخوين لام فى الثلث الذي هو فرض لهما، ذكر الطحاوي ان عمر كان لا يشرك حتى ابتلى بمسئلة فقال له الأخ لاب وأم يا امير المؤمنين هب ان أبانا كان حمارا السنا من امّ واحدة فشركهم ولذلك سمّى المسألة حمارية ورواه الحاكم فى المستدرك والبيهقي فى السنن من حديث زيد بن ثابت وصححه الحاكم وفيه ابو امية بن يعلى الثقفي ضعيف ورواه من طريق الشعبي عن عمر وعلى وزيد بن ثابت انه لم يزدهم الأب إلا قربا واخرج الدارقطني من طريق وهب بن منبه عن مسعود بن الحكم الثقفي قال اتى عمر فى امراة تركت زوجها وامّها وإخوتها لامها وإخوتها لابيها وأمها فبشرك الاخوة للام الاخوة للاب والام فقال له رجل انك لم تشرك بينهم عام كذا فقال تلك على ما قضيبنا وهذه على ما قضينا وأخرجه عبد الرزاق

_ (1) فى الأصل ابن وقاص-[.....]

وأخرجه البيهقي من طريق ابن المبارك عن معمر لكن قال عن الحكم عن ابن مسعود وصوبه النسائي واخرج البيهقي ايضا ان عمر أشرك «1» بين الاخوة وان عليا لم يشرك- (مسئلة) ويسقط أولاد الام بالولد وولد الابن والأب والجد بالإجماع وانما الخلاف فى سقوط الاخوة من الأب او منهما مع الجد كما سبق وكان القياس سقوطهم مع الام لانه من يدلى الى الميت بشخص فانه يسقط مع ذلك الشخص لكن تركنا القياس بالإجماع ولان الام لا ترث جميع المال مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها قرا ابن كثير وابن عامر وعاصم بفتح الصاد على البناء للمفعول والباقون بكسر الصاد على البناء للفاعل أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ حال من فاعل يوصى على قراءة من قرأ على البناء للفاعل وامّا على قراءة من قرأ على البناء للمفعول فهو حال من فاعل فعل مضمر يدل عليه الكلام فان الفعل المبنى للمفعول يدل على فعل مبنى للفاعل كما فى قول الشاعر ليبك يزيد ضارع لخصومة اى غير مضار لورثته بالزيادة على الثلث فى الوصية او الإقرار بدين كاذبا او الوصية بقصد الإضرار بالورثة دون القربة عن ابى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضار ان فى الوصية فتجب لهما النار ثم قرا ابو هريرة من بعد وصيّة يّوصى بها او دين غير مضارّ الى قوله وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ رواه احمد والترمذي وابو داود وابن ماجة وعن انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قطع ميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة يوم القيامة رواه ابن ماجة ورواه البيهقي فى شعب الايمان عن ابى هريرة وعن على لان اوصى بالخمس احبّ الىّ من ان اوصى بالربع ولان اوصى بالربع احبّ الىّ من ان اوصى بالثلث رواه البيهقي وروى ايضا عن ابن عباس انه قال الذي يوصى بالخمس أفضل من الذي يوصى بالربع الحديث ((فائدة)) قيد الله تعالى الوصية والدين هاهنا بقوله غير مضار لا فيما سبق مع انه معتبر فى الجميع لان قرابة الولاد وحسن معاشرة الزواج مانع من الضرار غالبا وفى بنى الاخياف مظنة الضرار قوىّ فلذا قيده بذلك- ((فصل)) الوصية منها الواجب والمندوب والمباح والحرام والمكروه فمن كان عليه من دين او زكوة او نذر او حج او فائتة صلوة او صوم يجب عليه ان يوصى بأداء ما وجب عليه وبفدية

_ (1) فى الأصل شرك

[سورة النساء (4) : الآيات 13 إلى 14]

الصلاة والصوم من ماله فينفذ الديون من جميع ماله ويقدم من الديون ما هو معروفة الأسباب على غير ذلك عند ابى حنيفة وقال الشافعي هما سواء وما عدا الدين ينفذ من ثلث ماله ولا يجوز ان يهمل مثل هذه الوصية، عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حق امرئ مسلم له شىء يوصى فيه يبيت ليلتين الّا ووصيته مكتوبة عنده متفق عليه وفى رواية لمسلم ثلاث ليال ومن ليس عليه واجب يستحبّ ان يوصى بالتصدّق بما دون الثلث بالعشر او الخمس او الربع ويباح الى الثلث ان كان الورثة اغنياء لما مرّ من الأحاديث وان كان الورثة فقراء فحينئذ يكره الوصية تنزيها وترك الوصية اولى لما فيه من الصدقة على القريب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة على المسكين صدقة وهى على ذى الرحم صدقة وصلة رواه احمد والترمذي وابن ماجة والدارمي ويحرم من الوصية ما فيه مضار للورثة او قصد الإضرار بهم وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ مصدر مؤكد اى يوصيكم وصية او منصوب بغير مضار على المفعول به يعنى حال كونه غير مضار وصية من الله وهو الثلث فما دونه بالزيادة او وصية بالأولاد والأزواج والأقارب بالإسراف فى الوصية والإقرار الكاذب وَاللَّهُ عَلِيمٌ بالمضار وغيره حَلِيمٌ (12) لا يعاجل بالعقوبة. تِلْكَ الاحكام فى امر اليتامى والوصايا والمواريث حُدُودُ اللَّهِ اى شرائعه التي لا يجوز التجاوز عنها وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (14) قرا نافع وابن عامر ندخله فى الموضعين بالنون على التكلم والباقون بالياء على الغيبة وأفرد الضمير فى يدخله فى الموضعين نظرا الى الفظة من وخالدين وخالدا منصوبان على الحال وجمعه مرة وافراده اخرى نظرا الى لفظة من ومعناه ولا يجوز ان يكون خالدا صفة لنار والّا لوجب إبراز الضمير لكونه جاريا على غير من هو له والله اعلم ويذكر حكم بنى الأعيان والعملات فى اخر السورة ولنذكر هاهنا ما بقي من مسائل الفرائض اشباعا للمقام- (مسئلة) اجمعوا على انه إذا ازدادت الفرائض على سهام التركة دخل النقص على كل واحد منهم على قدر حصّته وتسمى المسألة عائلة اى مائلة عن مساوات التركة الأسهم بالتعارض ... ...

وعدم الترجيح وبالقياس على الديون إذا زادت على التركة وقد انعقد عليه الإجماع فى زمن عمر رضى الله عنه حين ماتت امراة عن زوج وأختين فجمع الصحابة فاستشارهم فقال ارايت لو مات رجل وترك ستة دراهم وعليه لرجل ثلاثة ولرجل اربعة أليس جعل المال سبعة اجزاء فاخذت الصحابة بقوله رضى الله عنهم ثم خالف ابن عباس بعد موت عمر فانكره فقيل له الا قلت ذلك فى حضرة عمر فقال هيبة وكان مهيبا فقيل له رأيك مع الجماعة احبّ إلينا من رأيك منفردا روى البيهقي عن ابن عباس فقال ترون الذي احصى رمل عالج عددا يجعل فى مال نصفا ونصفا وثلثا إذا ذهب نصف ونصف بالمال فاين موضع الثلث فقيل له من اوّل من عال الفرائض قال عمر وذكر القصّة قال ابن عباس وايم الله لو قدم من قدم الله واخر من اخر ما عالت فريضة وكذا اخرج الحاكم وفى رواية وايها قدم الله قال كل فريضة لم يهبطها الله عن فريضة الا الى فريضة فهذا ما قدم الله وكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها الا ما بقي فتلك التي اخر الله فالذى قدم كالزوجين والام والذي اخر كالاخوات والبنات فاذا اجتمع من قدم الله ومن اخر بدئ بمن قدم فاعطى حقه كاملا فان بقي شىء كان لهن وان لم يبق شىء فلا شىء لهن وتبع ابن عباس فى هذا القول محمّد بن الحنفية- (مسئلة) اجمعوا على ان ما ابقته اصحاب الفرائض فهو لاولى رجل ذكر لما مر من الحديث ويسمى ذلك الرجل عصبة ويرث ذلك الرجل جميع المال عند عدم ذى فرض وأقربهم الى الميت الابن ثم ابنه وان سفل ثم الأب ثم أبوه وان علا ثم الأخ لاب وأم ثم الأخ لاب ثم ابن الأخ لاب وأم ثم ابن الأخ لاب وهكذا حكم من سفل منهما ثم العم لاب وأم ثم لاب ثم ابنهما هكذا وان سفل كل منهما ثم عمّ الأب هكذا لاب وأم ثم لاب ثم ابناهما وان سفل هكذا وهكذا أعمام الأجداد الى ما لا نهاية لها عن على قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اعيان بنى الأب والام يتوارثون دون بنى العلات يرث الرجل اخوه لابيه وامه دون أخيه لابيه رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم ولا خلاف فى هذا الا ما مرّ الخلاف فى مقاسمة الاخوة للجد (مسئلة) اجمعوا على ان من حظه النصف والثلثان من النساء تصير عصبة مع أخيها لقوله تعالى لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فى الأولاد والاخوة ومن ليس باهل فرض من النساء ... ...

واخوه عصبة لا تصير عصبة كالعمة وبنت الأخ- (مسئلة) واخر العصبات مولى العتاقة بالإجماع روى البيهقي وعبد الرزاق انّ رجلا اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل فقال انى اشتريته وأعتقته فما امر ميراثه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ان ترك عصبة فالعصبة أحق والا فالولاء لك وفى الصحيحين انما الولاء لمن أعتق ثم عصبات مولى العتاقة ولا ولاء للنساء الا ما اعتقن او أعتق من اعتقن روى النسائي وابن ماجة من حديث ابنة حمزة ان ابنة حمزة اعتقت فمات مولاها وترك ابنته ومولاته يعنى ابنة حمزة فاعطى النبي صلى الله عليه وسلم ابنته النصف ولابنة حمزة النصف وروى الدارقطني والطحاوي هذا الحديث مرسلا وقال البيهقي اتفق الرواة على ان ابنة حمزة هى المعتقة دون أبيها وفى الباب عن ابن عباس رواه الدارقطني- (مسئلة) وان بقي شىء من اصحاب الفرائض وليست للميت عصبة يردّ ذلك على اصحاب الفرائض بقدر حصصهم غير الزوجين عند ابى حنيفة واحمد وقال مالك والشافعي لا يرد والباقي لبيت المال وافتى المتأخرون من اصحاب الشافعي بالرد على اصحاب الفرائض لعدم انتظام أم بيت المال نقل القاضي عبد الوهاب المالكي عن ابى الحسن ان الصحيح عن عثمان وعلى وابن عباس وابن مسعود انهم كانوا لا يورثون ذوى الأرحام ولا يردون على أحد من اصحاب الفرائض وروى الطحاوي بسنده عن ابراهيم قال عمر وعبد الله يورثان الأرحام قال الراوي قلت أفكان على يفعل ذلك قال كان أشدهم فى ذلك وروى بسنده من طريقين عن سويد بن غفلة ان رجلا مات وترك ابنة وامراة ومولاة قال سويد انى لجالس عند على إذ جاءه مثل هذه الفريضة فاعطى ابنته النصف وامرأته الثمن ثم رد ما بقي على ابنته ولم يعط المولى شيئا وروى عن ابى جعفر من طريقين كان على رضى الله عنه يرد بقية المواريث على ذوى السهام من ذوى الأرحام وروى الطحاوي بسنده عن مسروق قال اتى عبد الله فى اخوة لام دام فاعطى الاخوة الثلث واعطى الام سائر المال وقال الام عصبة من لا عصبة له وكان لا يرد على اخوة لام مع الام ولا على ابنة ابن مع ابنة الصلب ولا على أخوات لاب مع اخت لاب وأم ولا على امراة ولا على جدة ولا على زوج قال الطحاوي النظر عندنا ما ... ...

ذهب اليه على رضى الله عنه دون ما ذهب اليه ابن مسعود رض ان يكون ذوو الفروض فيما يرد عليهم من فصول المواريث كذلك وان لا يقدم من قرب رحمه على من كان ابعد رحما من الميت بل يقسم بقدر حصصهم لانا قد راينا فى فرائضهم التي فرض لهم قد ورثوا جميعا بارحام مختلفة ولم يكن بعضهم بقرب رحمه اولى بالميراث ممن بعد رحمه وهذا هو قول ابى حنيفة وابى يوسف ومحمد (مسئلة) اجمعوا على انه عند اجتماع جهتى فرض وتعصيب يعتبر الجهتان «1» جميعا فاذا ماتت عن أبناء عم ثلاثة أحدهم أخ لام لها والاخر زوج لها يعطى السدس لاحدهم بالاخوة والنصف للثانى بالزوجية والباقي بين الثلاثة بالعصبية ويصح المسألة من ثمانية عشر خمسة منها للاول واحد عشر للثانى واثنان للثالث واختلفوا فيما إذا اجتمع جهتا فرض فقال مالك والشافعي يرث باقواهما فقط وعند ابى حنيفة واحمد يرث بهما جميعا وذا لا يتصوّر الا فى مجوسى نكح المحارم ثم اسلم او مسلم وطى بشبهة وذلك كام هى اخت لاب بان نكح المجوسي بنته فولدت بنتا ثم نكح البنت الثانية فولدت ولدا فللولد الثالث الثانية امه وأخته لاب والاولى جدته وأخته لاب- (مسئلة) اختلفوا فى ميراث ذوى الأرحام سوى اصحاب الفروض والعصبات بعد إجماعهم على عدم توريثهم مع أحد من اصحاب الفروض سوى الزوجين واحد من العصبات الّا ما روى عن سعيد بن المسيّب ان الخال يرث مع البنت فذهب ابو حنيفة واحمد الى توريثهم وحكى عن على وابن مسعود وابن عباس وذهب مالك والشافعي الى عدم توريثهم ويكون المال لبيت المال قالوا حكى ذلك عن ابى بكر وعمر وعثمان وزيد والزهري والأوزاعي وافتى المتأخرون من الشافعية بتوريثهم لعدم انتظام امر بيت المال والحجة لنا فى توريث ذوى الأرحام قوله تعالى وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ وقد ذكر البغوي عن ابى بكر انه قال فى خطبته انها نزلت فى اولى الأرحام بعضها اولى ببعض، قالوا لا دليل لكم فى هذه الاية لان الناس كانوا يتوارثون بالتبني كما تبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وكانوا يتعاقدون فى الجاهلية على ان الرجل يرث الرجل فانزل الله تعالى وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ دفعا لذلك وردّا للمواريث الى ذوى الأرحام

_ (1) فى الأصل الجهتين-

وقال ادعوهم لابائهم هو اقسط عند الله والمراد باولى الأرحام فى الاية هم العصبات واصحاب الفروض قلنا على تقدير تسليم نزول الاية لذلك العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب واللفظ عام شامل لاصحاب الفروض والعصبات وغيرهم ولنا من الأحاديث حديث امامة بن سهل ان رجلا رمى بسهم فقتله وليس له وارث إلا خال فكتب فى ذلك ابو عبيدة الى عمر فكتب عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال الخال وارث من لا وارث له رواه احمد والبزار وروى الطحاوي بلفظ الله ورسوله مولى من لا مولى له والخال وارث من لا وارث له وحديث المقدام بن معد يكرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال الخال وارث من لا وارث له يرثه ويعقل عنه رواه احمد وابو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه وابن حبان وحكى ابن ابى حاتم عن ابى زرعة انه حديث حسن وأعله البيهقي بالاضطراب ورواه الطحاوي بلفظ من ترك ما لا فلورثته وانا وارث من لا وارث له اعقل عنه وارثه والخال وارث من لا وارث له يعقل عنه ويرثه وفى رواية مثله الا انه قال أرثه وافك عنانه والخال وارث من لا وارث له يرث ما له يفك عنانه قلت معنى قوله عليه السّلام انا وارث من لا وارث له ان من لا وارث له فما له لبيت المال والنبي صلى الله عليه وسلم كان متوليا لبيت المال وحديث عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الخال وارث من لا وارث له رواه الترمذي والنسائي والطحاوي وأعله النسائي بالاضطراب ورجح الدارقطني والبيهقي وقفه وحديث واسع بن حبان قال توفى ثابت بن الدحداح وكان أتيا وهو الذي ليس له اصل يعرف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعاصم بن عدى هل تعرفون له فيكم نسبا قال لا يا رسول الله فدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا لبابة بن المنذر ابن أخته فاعطاه ميراثه، رواه الطحاوي وروى الطحاوي اثار عمر بن الخطّاب انه جعل فى العمة والخالة الثلثين للعمة وو الثلث للخالة الثلثان لقرابة الأب والثلث لقرابة الام، احتجوا بحديث ابى هريرة قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ميراث العمة والخالة قال لا أدرى حتى يأتينا جبريل ثم قال اين السّائل عن ميراث العمة والخالة قال فاتى الرجل فقال سارنى جبرئيل لا شىء لهما، رواه الدارقطني والحديث ضعيف قال الدارقطني لم يسنده غير مسعدة عن محمّد بن عمرو ... ...

وهو ضعيف وضاع للحديث والصواب مرسل وقال احمد بن حنبل حرقنا حديثه ورواه الحاكم من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر وصححه وفى اسناده عبد الله بن جعفر المدني وهو ضعيف وروى الحاكم له شاهدا من حديث شريك بن عبد الله ان الحارث بن ابى عبيد أخبره ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ميراث العمة والخالة فذكره وفيه سليمان بن داؤد متروك وأخرجه الدارقطني من وجه اخر غير شريك مرسلا وحديث زيد بن اسلم عن عطاء بن يسار ان رجلا من الأنصار جاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله رجل هلك وترك عمته وخالته فسال النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف على حماره فوقف ثم رفع يديه وقال اللهم رجل هلك وترك عمته وخالته فيسئله الرجل ويفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ثلاث مرات ثم قال لا شىء لهما رواه الطحاوي بطرق والدارقطني والنسائي والحديث مرسل ورواه ابو داود فى المراسيل ووصله الحاكم فى المستدرك بذكر ابى سعيد وفى اسناده ضعف ووصله الطبراني فى الصغير ايضا من حديث ابى سعيد فى ترجمة محمد بن الحرث المخزومي وليس فى الاسناد من ينظر فى حاله غيره ووجه التطبيق بين الأحاديث ان النبي صلى الله عليه وسلم سئل اوّلا عن ميراث العمة والخالة وذلك قبل نزول قوله تعالى وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ وحينئذ لم ينزل عليه شىء فى ذلك فقال لا شىء لهما ثم نزل توريث ذوى الأرحام فحينئذ قال الخال وارث من لا وارث له والله اعلم- (مسئلة) اصناف ذوى الأرحام اربعة (1) فروع الميت (2) وأصوله (3) وفروع أصله القريب (4) وفروع أصله البعيد فيحجب الاوّل الثاني والثاني الثالث والثالث الرابع ويحجب الأقرب من كل صنف الأبعد وعند الاستواء من يدنى بوارث يحجب من يدنى بذي رحم ويعتبر فى فروع الاخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات قوة القرابة ان كان حيّز قرابتهم واحدة فبنت العم لابوين اولى من بنت العم لاب وعند اختلاف حيز قرابتهم لا اعتبار لقوة القرابة كعمة لاب وخالة لاب وأم لا يحجب أحدهما صاحبته يعطى الثلثان لقرابة الأب والثلث لقرابة الام روى الطحاوي عن عمر كما ذكرنا ومن له جهتا قرابة يتضاعف حظه ويقسم المال فى ذوى الأرحام باعتبار أبدانهم عند ابى حنيفة وابى يوسف والحسن وعند محمد يعتبر عدد ... ...

أبدانهم وصفة من يدنى بهم الى الميّت وتفصيل الكلام يقتضى بسطا لا يسعه المقام- (مسئلة) اجمعوا على ان القتل عمدا مانع من الإرث وكذا القتل خطأ عند الثلاثة وقال مالك يرث من المال القاتل خطأ دون الدية لنا عموم قوله صلى الله عليه وسلم القاتل لا يرث رواه الترمذي وابن ماجة من حديث ابى هريرة وفيه إسحاق بن عبد الله الهروي متروك الحديث وروى النسائي والدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه والبيهقي والدارقطني من حديث ابن عباس نحوه احتج مالك بحديث عبد الله بن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة قال لا يتوارث اهل ملتين والمرأة ترث من دية زوجها وماله وهو يرث من ديتها ومالها ما لم يقتل أحدهما صاحبه عمدا فان قتل أحدهما صاحبه عمدا لم يرث من ديته رواه الدارقطني وفيه الحسن بن صالح مجروح وبحديث هشام بن عروة عن أبيه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال الرجل يقتل وليه خطأ انه يرث من ماله ولا يرث من ديته وفيه مسلم بن على قال يحيى ليس بشىء وقال الدارقطني متروك ورواه الدارقطني من حديث سعيد بن المسيب مرسلا لا يرث قاتل عمد ولا خطأ من الدية رواه ابو داود قلنا هذه الأحاديث لا تدل على ميراث القاتل خطأ الا بالمفهوم والمفهوم ليس بحجة عندنا ثم هو يخالف الأصول وهو الميراث فى بعض التركة (مسئلة) اجمعوا على ان المسلم لا يرث الكافر ولا الكافر المسلم لقوله عليه السّلام لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم رواه الشيخان واصحاب السنن الاربعة من حديث اسامة بن زيد وحكى عن معاذ وابن المسيب والنخعي انه يرث المسلم الكافر ولا عكس كما يتزوج المسلم الكتابية من غير عكس واستثنى احمد من هذا الحكم أمرين أحدهما ان المسلم يرث عنده من معتقه الكافر بالولاء محتجا بحديث جابر مرفوعا لا يرث المسلم النصراني الا ان يكون عبده او أمته رواه الدارقطني وقال الدارقطني روى موقوفا وهو المحفوظ قلنا المراد بالعبد والامة الماذونان فى التجارة فان مالهما مال المولى اطلق عليه الميراث مجازا وامّا المعتق فليس بعبد، وثانيهما انه إذا كان للميّت المسلم أقارب كفّارا فاسلموا قبل قسمة التركة فعنده يستحقون الميراث وفى رواية عنه لا يستحقون كمذهب الجمهور احتج احمد بحديث ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل قسم قسّم فى الجاهلية فهو على ما قسّم وكل قسم أدركه ... ...

الإسلام فانه على قسم الإسلام رواه ابو داود وحديث ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان من ميراث قسّم فى الجاهلية فهو على قسمة الجاهلية وما كان من ميراث أدركه الإسلام فهو على قسمة الإسلام رواه ابن ماجة وليس فى الحديثين حجة فان المعنى يقسم فى الإسلام على فرائض الله لا على نسق الجاهلية وكذا لا حجة لهم فيما يحتجون به من حديث عروة بن الزبير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من اسلم على شىء فهو له رواه ابن الجوزي- (مسئلة) يرث النصراني اليهودي وبالعكس كذا كل اهل ملتين من الكفر عند ابى حنيفة والشافعي لان الكفر ملة واحدة والأصل هو الميراث وقال مالك واحمد لا يرث لقوله صلى الله عليه وسلم لا يتوارث اهل ملتين شتى رواه احمد والنسائي وابو داود وابن ماجة والدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفيه يعقوب بن عطاء ضعيف ورواه ابن حبان من حديث ابن عمر فى حديث ورواه الترمذي واستغربه من حديث جابر وفيه ابن ابى ليلى ضعيف وأخرجه البزار من حديث ابى هريرة بلفظ لا يرث ملّة من ملّة وفيه عمرو بن راشد وهو لين الحديث ورواه النسائي والحاكم والدارقطني بهذا اللفظ من حديث اسامة بن زيد قال الدارقطني هذا اللفظ فى حديث اسامة غير محفوظ ووهم عبد الحق فعزاه الى مسلم ورواه البيهقي من حديث اسامة بلفظ لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ولا يتوارث اهل ملتين وفى اسناده الخليل ابن مرة ضعيف ثم المراد بالملتين هو الإسلام والكفر والله اعلم (مسئلة) اجمعوا على ان الأنبياء لا يورثون وان ما تركوه صدقة يصرف فى مصالح المسلمين ولم يخالف فى هذه المسألة الا الشيعة وهم يطعنون على خير البرية بعد الأنبياء ابى بكر الصديق رضى الله عنه انه منع فاطمة عن ميراث أبيها واحتج بحديث تفرد بروايته قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة وترك بهذا الحديث وهو من الآحاد قوله تعالى يُوصِيكُمُ اللَّهُ الاية مع ان هذا الحديث يعارض قوله تعالى وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وقوله تعالى حكاية عن زكريا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ قاتلهم الله انى يوفكون الم يعلموا ان الحديث وان كان بالنسبة إلينا من الآحاد لكنه فى حق الصديق الذي سمع بأذنه من فىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فوق ... ...

[سورة النساء (4) : آية 15]

المتواتر لان المحسوسات فوق المتواترات على ان ما قالوا ان الحديث تفرد بروايته ابو بكر باطل بل رواه جماعة من الصحابة منهم خذيفة بن اليمان وابو الدرداء وعائشة وابو هريرة وروى البخاري ان عمر رضى الله عنه قال بمحضر من الصحابة منهم على وعباس وعبد الرحمن بن عوف وزبير بن العوام وسعد بن ابى وقاص أنشدكم بالله الذي باذنه تقوم السّماء والأرض أتعلمون ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا نورث ما تركناه صدقة يريد بذلك نفسه قالوا اللهم نعم ثم اقبل على على وعباس فقال أنشدكما بالله هل تعلمان ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك قالا اللهم نعم الحديث وقد صح روايات هؤلاء الصحابة فى كتب الحديث فى مسانيدهم فالحديث المذكور بالنسبة إلينا ايضا يبلغ درجة الشهرة وتلقته الامة بالقبول واجمعوا عليه وقد ورد ما يؤيد ذلك فى كتب الشيعة ايضا روى محمد بن يعقوب الرازي فى الكافي عن ابى البختري عن ابى عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام انه قال العلماء ورثة الأنبياء وذلك ان الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وانما أورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشىء منها فقد أخذ بحظ وافر وكلمة انما عندهم للحصر وقوله تعالى وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ المراد به ميراث العلم كما يدل عليه الاية حيث قال وورث سليمان داود وقال يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ فان قوله علمنا بيان لذلك الميراث وكذا قوله تعالى يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ المراد به ميراث العلم إذ لا يمكن ان يرث يحيى بن زكريا من جميع ال يعقوب ميراث المال وانما هو ميراث العلم والله اعلم. وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ يعنى الزنى وهى يشتمل السحاقات ايضا لعموم اللفظ ويشتمل ايضا ان يؤتى المرأة الاجنبية فى دبرها مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا يعنى اطلبوا ايها الحكام من قاذفيهن شهداء عَلَيْهِنَّ بانا رايناهن كالميل فى المكحلة أَرْبَعَةً مِنْكُمْ يعنى رجالا اربعة من المؤمنين العدول فلا يجوز فى الحدود شهادة النساء اجماعا فَإِنْ شَهِدُوا يعنى الاربعة فَأَمْسِكُوهُنَّ فاخبسوهن فِي الْبُيُوتِ واجعلوها عَلَيْهِنَّ سجنا حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ اى يستوفى أزواجهن الْمَوْتُ يعنى ملائكة الموت أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ قيل او بمعنى الى ان لَهُنَّ سَبِيلًا (15) يعنى حكما جاريا مشروعا، روى مسلم عن عبادة بن الصامت ان النبي صلى الله عليه وسلم قال خذوا عنى خذوا عنى قد جعل الله ... ...

[سورة النساء (4) : آية 16]

لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيّب بالثيّب جلد مائة والرجم (فائدة) اختلفوا فى ان الإمساك فى البيت هل كان حدا فنسخ أم كان حبسا ليظهر الحد والصحيح عندى انه لم ينسخ بل الله سبحانه امر بالحبس الى ان ينزل الحد فيجرى عليه وبعد نزول الحد هذا الحكم باق حتى يقام عليه الحدّ قال فى الهداية قال فى الأصل يحبسه يعنى الحاكم حتى يسئل يعنى عن عدالة الشهود وسنذكر مسائل حد الزنى فى سورة النور ان شاء الله تعالى. وَالَّذانِ قرا ابن كثير هنا وفى طه انّ هذانّ وفى الحج هذانّ وفى القصص هاتينّ وفى فصلت أرنا الّذينّ بتشديد النون وتمكين مدّ الالف «1» قبلها فى الخمسة والباقون بالتخفيف من غير تمكين يَأْتِيانِها يعنى الفاحشة وهى الزنى او اللواطة مِنْكُمْ فَآذُوهُما والمراد باللذان عند الأكثر الزاني والزانية وبقوله تعالى فاذوهما «2» قال عطاء وقتادة فعيروهما باللسان اما خفت الله اما استحييت الله وقال ابن عباس هو باللسان واليد يؤذى بالتغيير وضرب النعال وعلى تقدير كون المراد بهذه الاية الزاني والزانية يشكل انه ذكر فى الاية الاولى الحبس وذكر فى هذه الاية الإيذاء فكيف الجمع فقيل الاية الاولى فى الثيّب وهذه فى البكر وقيل هذه الاية سابقة على الاولى نزولا كان عقوبة الزناة الأذى ثم الحبس ثم الجلد والظاهر عندى انّ المراد باللذان يأتيان الفاحشة الرجال الذين عملوا عمل قوم لوط وهو قول مجاهد وحينئذ لا إشكال والإيذاء غير مقدر فى الشرع فهو مفوض الى رأى الامام كذا قال ابو حنيفة رحمه الله يعزرهما الامام على حسب ما يرى ومن تعزيره إذا تكرر فيه الفعل والتعزير ولم ينزجر ان يقتل عند ابى حنيفة محصنا كان او غير محصن سياسة قال ابن همام لا حدّ عليه عند ابى حنيفة لكنه يعزر ويسجن حتى يموت ولو اعتاد اللواطة قتله الامام وقال مالك والشافعي واحمد وابو يوسف ومحمد اللواطة يوجب الحد فقال مالك واحمد فى اظهر الروايتين وهو أحد اقوال الشافعي حدّه الرجم بكل حال ثيبا كان او بكرا وفى قول للشافعى حدّه القتل بالسيف وأرجح اقوال الشافعي وهو قول ابى يوسف ومحمد ورواية عن احمد ان حدّه حدّ الزنى يجلد البكر ويرجم المحصن لانه فى معنى الزنى لانه قضاء شهوة فى محل مشتهى على سبيل الكمال على وجه تمحض حراما لقصد سفح الماء بل هو أشدّ من الزنى لانه حرمته منتهية

_ (1) قال رحمه الله ذلك تغليبا لان تمكين الالف لا يوجد الا فى الثلاثة الاول وذلك واجب وفى الأخريين تمكين الياء وهو جائز لان حركة ما قبلها مخالف ابو محمد عفا الله عنه (2) فى الأصل آذوهما

بالنكاح فيثبت فيه حكم الزنى بدلالة النص وبما روى البيهقي من حديث ابى موسى مرفوعا إذا اتى الرجل الرجل فهما زانيان وفيه محمد بن عبد الرحمن القشيري كذّبه ابو حاتم ورواه ابو الفتح الأزدي فى الضعفاء والطبراني فى الكبير من وجه اخر عن ابى موسى وفيه البشر بن الفضل البجلي مجهول وقد أخرجه ابو داود الطيالسي فى مسنده عنه ولابى حنيفة انه ليس بزنى لغة ولذلك اختلفت الصحابة فى موجبه وهو اندر من الزنى لعدم الداعي اليه من الجانبين فليس فى معناه ووجه قول من قال يقتل حدّا حديث ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به رواه احمد وابو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم والبيهقي عن عكرمة عنه قال الترمذي انما يعرف من حديث ابن عباس من هذا الوجه وقال الحاكم صحيح الاسناد وقال البخاري عمرو بن ابى عمر الراوي عن عكرمة صدوق لكنه روى عن عكرمة مناكير واستنكره النسائي وقال ليس بالقوى وقال ابن معين ثقة ينكر عليه حديث عكرمة عن ابن عباس هذه وقد اخرج له الجماعة واخرج الحاكم بطرق اخر وسكت عنه وتعقبة الذهبي بان عبد الرحمن العمرى ساقط ورواه ابن ماجة والحاكم من حديث ابى هريرة واسناده أضعف من الاول بكثير كذا قال الحافظ وقال حديث ابى هريرة لا يصح وأخرجه البزار من طريق عاصم بن عمر العمرى وعاصم متروك وقد رواه ابن ماجة ايضا من طريقه بلفظ فارجموا الأعلى والأسفل وقال ابن الصلاح فى أحكامه لم يثبت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم فى اللواطة ولا انه حكم به فيه وثبت عنه انه قال اقتلوا الفاعل والمفعول قال ابو حنيفة ولمّا كان هذا لحديث بهذه المثابة من التردد لا يجوز به الاقدام على القتل مستمرا على انه حدّ كيف ولا يجوز عندنا الزيادة على الكتاب بحديث الآحاد وان كان صحيحا وقد ثبت بالكتاب الإيذاء وهو التعزير فان قيل كون الاية فى اللواطة لم يثبت قطعا بل قال اكثر المفسرين ان المراد به الزاني والزانية قلنا الاية تشملها لعموم لفظها وان كانت واردة فى الزناة لان الفاحشة كما يطلق على الزنى يطلق على اللواطة ايضا قال الله تعالى فى قوم لوط اتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العلمين وفى الباب عن الصحابة روايات مختلفة روى البيهقي فى شعب الايمان من طريق ابن ابى الدنيا عن محمد بن المنكدر ان خالد بن الوليد ... ...

[سورة النساء (4) : آية 17]

كتب الى ابى بكر انه وجد رجلا فى بعض نواحى العرب ينكح كما تنكح المرأة فجمع ابو بكر الصحابة فسالهم فكان أشدهم فى ذلك قولا على قال هذا ذنب لم يعص به الّا امة واحدة صنع الله به ما علمتم نرى ان نحرقه بالنار فاجتمع رأى الصحابة على ذلك وروى ابن ابى شيبة فى مصنفه والبيهقي عن ابن عباس قال ينظرا على بناء فى القرية فيرمى منه منكوسا ثم يتبع بالحجارة وكان مأخذ هذا القول ان قوم لوط اهلكوا بذلك حيث حملت قراهم ونكست بهم ولا شك فى اتباع الهديم بهم وهم نازلون وذكر عن ابن الزبير يحبسان فى أنتن المواضع حتى يموتا وروى البيهقي عن على من طرق انه رجم لوطيا ويجمع هذه الأقوال وحديث ابن عباس المرفوع وما فى معناه ان الرجل إذا اعتاد باللواطة وتكرر منه الفعل ولم ينزجر بالتعزير يقتل باىّ وجه كان ويدل على التكرار والاعتياد لفظ المرفوع من وجدتم يعمل عمل قوم لوط ولم يقل من عمل عمل قوم لوط وبه قال ابو حنيفة والله اعلم، فَإِنْ تابا عن الفاحشة وَأَصْلَحا العمل فيما بعد فَأَعْرِضُوا عَنْهُما فاقطعوا عنهما الإيذاء إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً التوبة فى الأصل بمعنى الرجوع فهى من العبد الرجوع عن المعصية ومن الله تعالى الرجوع عن ارادة العذاب او هو من الله تعالى بمعنى قبول التوبة او توفيق التوبة رَحِيماً (16) يرحم التائبين. إِنَّمَا التَّوْبَةُ اى الرجوع عن ارادة العذاب بالمغفرة او قبول التوبة عَلَى اللَّهِ اى كالمتحتم عليه بمقتضى وعده لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ متلبسين «1» بِجَهالَةٍ قال البغوي قال قتادة اجمع اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ان كل معصية جهالة عمدا كان اولم يكن وكل من عصى الله فهو جاهل وكذا اخرج ابن جرير عن ابى العالية وقال الكلبي لم يجهل انه ذنب لكنه جهل عقوبته وقيل معنى الجهالة اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية قلت معنى الجهالة ذهوله عن عذاب الله عند ثوران النفس وغلبة الشهوة البهيمية او السبعية ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ من للتبعيض اى يتوبون فى اىّ جزء من الزمان القريب قيل معنى القريب قبل ان يحيط السوء بحسناته فحبطها وقيل قبل ان يشرب فى قلوبهم حبّه، فيطبع عليها ويرين السوء على قلبه وقال السدى والكلبي القريب ان يتوب فى صحته قبل مرض موته والصحيح ان المراد به فى حياته قبل حضور الموت

_ (1) فى الأصل ملتبسبن-

[سورة النساء (4) : آية 18]

ومعائنة ملائكة العذاب كذا قال عكرمة والضحاك ويدل عليه قوله تعالى حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قوله عليه الصلاة والسّلام ان الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر رواه احمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم والبيهقي عن ابن عمر والحديث صحيح وعن ابى سعيد الخدري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان الشيطان قال وعزتك وجلالك لا أبرح اغوى بنى آدم ما دامت الأرواح فيهم فقال له ربّه فبعزتى وجلالى لا أبرح اغفر لهم ما استغفرونى رواه احمد وابو يعلى وعن ابى موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل حتى تطلع الشمس من مغربها رواه مسلم وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تاب قبل ان تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه رواه مسلم سمى الله تعالى مدة العمر قريبا نظرا الى ما بعده قال الله تعالى قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لاستحالة الخلف فيما وعد الله سبحانه وجعل على نفسه كالمتحتم فهذه الجملة كالنتيجة لما سبق وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً يعلم المخلص فى التوبة حَكِيماً (17) لا يعاقب بعد التوبة. وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ وقع فى النزع وراى ملائكة العذاب قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ يعنى حين يساق روحه فحينئذ لا يقبل من كافر ايمان ولا من عاص توبة وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ فى موضع الجر بالعطف على الذين يعملون السيئات يعنى ليست التوبة للذين يموتون وَهُمْ كُفَّارٌ حال من فاعل يموتون يعنى لا يغفرهم الله ولا يرجع عن تعذيبهم او لا يقبل توبتهم فى الاخرة حين يقولون رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ او لا يقبل توبتهم فى الدنيا عن بعض المعاصي إذا ماتوا على الكفر بل يعذبون على الكفر وجميع المعاصي أُولئِكَ أَعْتَدْنا اى هيئنا من العتيد بمعنى الحاضر لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (18) تأكيد لعدم قبول توبتهم- روى البخاري وابو داؤد والنسائي عن ابن عباس قال كان إذا مات الرجل كان أولياءه أحق بامراته ان شاء بعضهم تزوجوها وان شاءوا زوّجوها فهم أحق بها من أهلها فنزلت. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً اى تأخذوهن كما ... ...

يؤخذ الميراث وتزوجوهن كارهات او مكرهات عليه قرأ حمزة والكسائي كرها بضم الكاف هاهنا وفى التوبة والباقون بفتحها قال الكسائي هما لغتان وقال الفراء بالضم ما اكره عليه وبالفتح ما كان من نفسه بالمشقة قال البغوي كانوا فى الجاهلية إذا مات الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها او قريبه من عصبته فالقى ثوبه على تلك المرأة او على خبائها فصار أحق بها من نفسها ومن غيره فان شاء تزوجها بغير صداق الا الصداق الاول الذي أصدقها الميت وان شاء زوجها غيره وأخذ صداقها وان شاء عضلها ومنعها من الأزواج يضارها لتفتدى منه بما ورثته من الميّت كذا اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن ابن عباس قال فنهوا عن ذلك وزاد البغوي فان ماتت المرأة ورثها من القى عليها الثوب وان ذهبت المرأة الى أهلها قبل ان يلقى عليها ولى زوجها ثوبه فهى أحق بنفسها فكانوا على هذا حتى توفى ابو قيس بن الاسلت الأنصاري وترك امرأته كبيشة بنت معن الانصارية فقام ابن له من غيرها يقال له حصن وقال مقاتل ابن حبان اسمه قيس بن ابى قيس فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها ثم تركها فلم يقربها ولم ينفق عليها يضارها لتفتدى منه فاتت كبيشة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله انّ أبا قيس توفى وورث نكاحى ابنه فلا هو ينفق عليّ ولا يدخل بي ولا يخلى سبيلى فقال اقعدى فى بيتك حتى يأتى فيك امر الله فانزل الله تعالى لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ عطف على ان ترثوا منصوب بان ولا لتأكيد النفي واصل المعضل التضييق والمعنى ولا تمنعوهن من التزويج لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ من المهور الخطاب للمؤمنين عامة وضمير لتذهبوا راجع الى المخاطبين باعتبار بعض افرادهم يعنى اولياء الميّت وضمير اتيتموهنّ باعتبار بعض اخر يعنى الأزواج الأموات والمعنى ولا تعضلوهنّ ايها الأولياء لتفتدين فتذهبوا ببعض ما اتاهن أزواجهن المترفين من المهور وقيل الخطاب بالنهى عن توارث النساء والعضل مع الأزواج كانوا يحبسون النساء من غير حاجة ورغبة حتى يرثوا منهن او يختلعن بمهورهن والظاهر عندى ان الخطاب فى لا يحلّ لكم مع الأولياء وتم الكلام بقوله كرّها وهذا كلام مستانف خطاب مع الأزواج ولا تعضلوهن صيغة نهى مجزوم قال البغوي قال ابن عباس هذا فى الرجل يكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضاها ... ...

[سورة النساء (4) : آية 20]

لتفتدى وتردّ اليه ما ساق إليها من المهر فنهى الله عن ذلك وعلى هذا فقوله تعالى لا تَعْضُلُوهُنَّ معطوف على لا يَحِلُّ لَكُمْ عطف الجملة على الجملة لا عطف المفرد على المفرد، فان قيل يلزم عطف الإنشاء على الاخبار قلنا قوله تعالى لا يَحِلُّ لَكُمْ وان كان اخبارا لفظا فهو إنشاء معنى ومعناه النهى عن ميراثهن وايضا عطف الجملة على الجملة فيما لا محل لها من الاعراب مع اختلافهما خبرا وإنشاء جائز إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ قرا ابن كثير وابو بكر مبيّنة هنا وفى الأحزاب والطلاق بفتح الياء والباقون بكسرها فيهن والاستثناء فى محل النصب على الظرفية او على انه مفعول له او على انه حال من مفعول لا تعضلوهنّ تقديره لا تعضلوهن للاقتداء فى وقت الا وقت ان يأتين بفاحشة او لا تعضلوهن لغرض الافتداء بسبب الّا لان يأتين بفاحشة او لا تعضلوهن للافتداء ولا لغير ذلك من علة الّا لان يأتين او فى حال من الأحوال الّا حال ان يأتين بفاحشة والفاحشة قال ابن مسعود وقتادة هى النشوز وقال الحسن هو الزنى يعنى ان المرأة إذا نشزت او ذنت حل للزوج ان يسئلها الخلع وقد ذكرنا مسائل الخلع فى سورة البقرة وقال عطاء كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها فنسخ ذلك بالحدود وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ بالانصاف فى الفعل وأداء الحقوق والإحسان فى القول عطف على لا تعضلوا او على لا يحلّ لكم وقال الحسن رجع الى اوّل الكلام يعنى آتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً وعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ لسوء المنظر او سوء الأخلاق فاصبروا عليهن ولا تفارقوهن ولا تضاروهن فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ فى ذلك الشيء خَيْراً كَثِيراً (19) يعنى ثوابا جزيلا او ولدا صالحا جملة عسى مع فاعله فى الأصل علة لجزاء الشرط أقيم مقام الجزاء وفاعل عسى مجموع المعطوف والمعطوف عليه ومناط الرجاء هو المعطوف فقط والمعنى الخير مرجو عند الكراهة-. وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ يعنى تطليق امراة من غير نشوز من قبلها ولا فاحشة وتزوج امراة اخرى مكانها وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ الضمير راجع الى زوج لانه أراد به الجمع فانه جنس يطلق على الواحد والجمع ولولا ارادة الجمع لما استقام المقابلة بجماعة الرجال وانقسام الآحاد على الآحاد وفى أتيتم حذف مضاف تقديره واتى أحدكم إحداهن يعنى التي يريد أحدكم طلاقها قِنْطاراً اى مالا كثيرا صداقا اخرج ابن جرير عن انس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتيتم ... ...

إحداهنّ قنطارا قال الفا ومائتين ومن هاهنا يظهر انه لا تقدير لاكثر الصداق وعليه انعقد الإجماع وبهذه الاية استدلت امراة على جواز المغالات فى المهر حين منع «1» عنها عمر فقال عمر كل افقه من عمر حتى المخدرات والمستحب اجماعا ان لا يغالى فيه قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه الا لا تغالوا فى صدقات النساء فانها لو كانت مكرمة فى الدنيا وتقوى عند الله لكان أولاكم بها نبى الله صلى الله عليه وسلم ما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئا من نسائه ولا انكح شيئا من بناته على اكثر من اثنى عشر اوقية رواه احمد واصحاب السنن الاربعة والدارمي وروى ابن حبان فى صحيحه والخطابي عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير النساء أيسرهن صداقا وروى ابن حبان عن عائشة انه صلى الله عليه وسلم قال من يمن المرأة سهل أمرها وقلة صداقها وروى احمد والبيهقي أعظم النساء بركة أيسرهن صداقا واسناده جيّد وعن ابى سلمة قالت سالت عائشة كم كان صداق النبي صلى الله عليه وسلم قال كان صداقه لازواجه اثنتي عشر اوقية ونش قالت أتدري ما النش قلت لا قالت نصف اوقية رواه مسلم فتلك خمسمائة درهم هذا صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم لازواجه لكن أم حبيبة أصدقها النجاشي عن النبي صلى الله عليه وسلم اربعة آلاف درهم رواه ابو داؤد والنسائي وقال ابن إسحاق عن ابى جعفر أصدقها اربعة مائة دينار وفى خلاصة «2» السير فى نكاح خديجة أصدقها رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة اوقية من ذهب والاوقية من الذهب سبعة مثاقيل وروى احمد وابو داود عن عائشة ان جويرية وقعت فى سهم ثابت بن قيس بن شماس وابن عم له فتخلصها ثابت من ابن عمّه بنخلات بالمدينة وكاتبها فادى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان من كتابتها وتزوجها وكان ذلك مهرا لها وفى سبيل الرشاد ان ثابت بن قيس وابن عم له كاتبا جويرية على تسع أواق من ذهب

_ (1) عن ابى عبد الرحمن السلمى قال قال عمر بن الخطاب لا تغالوا فى مهور النساء فقالت امراة ليس لك ذلك يا عمران الله يقول وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً من ذهب قال وكذلك فى قراءة ابن مسعود فقال عمران امراة خاصمت عمر فخصمته، وعن بكر بن عبد الله المزني قال قال عمر خرجت وانا أريد أنهاكم عن كثرة الصداق فعرضت لى اية من كتاب الله آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً، قلت هذان الحديثان يدلان على رجوع عمر عن النهى عن المغالات فى المهر والصحيح عندى ان عمر رضى الله عنه نهى عن المغالات على سبيل التنزيه دون التحريم ورجع عن النهى التحريمي والله اعلم منه رحمه الله (2) قيل كان صداق خديجة عشرين بكرة وقيل اربعمائة دينار، كذا فى شرح خلاصة السير منه رحمه الله-

[سورة النساء (4) : آية 21]

فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ اى من القنطار شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ استفهام انكار وتوبيخ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (20) منصوبان على الحال او على العلة يعنى تأخذونه باهتين وآثمين او بسبب بهتانكم وارتكابكم الإثم والبهتان الباطل من القول وقد يستعمل فى الفعل الباطل وهو المراد هاهنا ولذا فسر هاهنا بالظلم وقيل كان الرجل إذا أراد نكاح جديدة بهت التي تحته بفاحشة حتى يلجئها الى الافتداء. وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ استفهام الإنكار عن الاسترداد بعد التقرر ووجوب الأداء والحال انه قَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ يعنى أفضتم إليهن قال الشافعي يعنى دخلتم بهن فان الإفضاء عنده كناية عن الجماع ومن ثم قال الشافعي فى اظهر قوليه لا يتقرر المهر بالخلوة بدون الوطي فان طلقها قبل الوطي بعد الخلوة الصحيحة التي لا مانع فيها من الوطي طبعا ولا شرعا يجب نصف المهر عنده وقال ابو حنيفة واحمد يستقر المهر بالخلوة الصحيحة وان لم يطأ ومعنى الإفضاء الدخول فى الفضاء والفضاء فى اللغة الصحراء والمراد هاهنا المكان الخالي وقال مالك ان خلا بها وطالت مدة الخلوة استقر المهر وان لم يطأ وحد ابن القاسم الخلوة بالعام واحتج الشافعي على وجوب نصف المهر بعد الخلوة قبل الوطي بقوله تعالى وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ قلنا المجاز فى قوله مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ متحتّم لان المس ليس حقيقة بمعنى الجماع فالقول بانه فى معنى الجماع تسمية الاخصّ باسم الاعمّ ليس اولى من القول بانه مجاز عن الخلوة لان الخلوة سبب للمسّ والمسّ غاية لها فهو من تسمية السبب باسم المسبب ولنا اتفاق الصدر الاوّل على وجوب كمال المهر بالخلوة سواء وطئ بها او لا كذا نقل الشيخ ابو بكر الرازي فى أحكامه وحكى الطحاوي فيه اجماع الصّحابة وقال ابن المنذر هو قول عمر وعلى وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وجابر ومعاذ بن جبل وابى هريرة روى البيهقي عن الأحنف عن عمر وعلى انهما قالا إذا اغلق بابا وارخى سنرا فلها الصداق كاملا وعليها العدة وفيه انقطاع وفى المؤطا عن يحيى ابن سعيد عن سعيد بن المسيّب ان عمر قال إذا أرخت الستور فقد وجب الصداق وروى عبد الرزاق فى مصنفه عن ابى هريرة قال قال عمر نحوه وروى الدارقطني عن على قال إذا اغلق بابا وارخى سترا وراى عورة فقد وجب عليه الصداق وروى ابو عبيد فى كتاب النكاح من رواية زرارة بن اوفى قال قضى الخلفاء الراشدون المهديون إذا اغلق الباب وارخى الستر فقد وجب الصّداق والعدة ... ...

[سورة النساء (4) : آية 22]

وروى الدارقطني فى الباب حديثا مرفوعا عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مرسلا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كشف خمار امراة ونظر إليها فقد وجب الصداق دخل بها او لم يدخل وفى اسناده ابن لهيعة ضعيف لكن قال ابن الجوزي ابن لهيعة قد روى عنه العلماء وأخرجه ابو داود فى المراسيل عن ابن ثوبان ورجاله ثقات والمرسل عند ناحجة وقد روى عن ابن مسعود وابن عباس كمذهب الشافعي لكن لم يصح روى البيهقي عن الشعبي عن ابن مسعود فيمن خلا بامرأة ولم يحصل وطى لها نصف الصداق وهو منقطع وروى الشافعي عن ابن عباس مثله وفى اسناده ضعف وأخرجه ابن ابى شيبة عنه من وجه اخر وكذا البيهقي وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (21) عهدا وثيقا عطف على افضى قال الحسن وابن سيرين والضحاك وقتادة هو قول الولي عند العقد زوجتكها على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف او تسريح بإحسان وقال الشعبي وعكرمة هو ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال اتقوا الله فى النساء فانكم أخذتموهن بامانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله تعالى رواه مسلم من حديث جابر وروى ابن جرير من حديث ابن عمر نحوه يعنى أوثق الله عليكم لهن فكأنهنّ أخذن الميثاق اخرج ابن ابى سعد عن محمد بن كعب القرظي قال كان الرجل إذا توفى عن امرأته كان ابنه أحق بها ان ينكحها ان شاء ان لم تكن امه او ينكحها من شاء فلما مات ابو قيس بن سلمة قام ابنه محصن فورث نكاح امرأته ولم يورثها من المال شيئا فاتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال ارجعي لعل ينزل فيك شىء ورواه ابن ابى حاتم والفرياني والطبراني عن عدى بن ثابت عن رجل من الأنصار نحوه بلفظ توفى ابو قيس بن الاسلمة وكان من صالحى الأنصار فخطب ابنه قيس امرأته فقالت انما اعدّك ولدا وأنت من صالحى قومك فاتت النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرته فقال ارجعي الى بيتك فنزلت. وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ ما موصولة يعنى التي نكحها آباؤكم وانما ذكر ما دون من لانه أريد به الصفة وقيل ما مصدرية بمعنى المفعول مِنَ النِّساءِ بيان ما نكح على الوجهين وفائدة البيان مع ظهور ان منكوحات الآباء لا تكون الّا من النساء التعميم إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ الظاهر ان الاستثناء منقطع ومعناه لكن ما قد سلف فانه لا مؤاخذة عليه وقيل استثناء من المعنى اللازم للنهى كانه قيل تعذبون بنكاح ما نكح ... ...

آباؤكم الا بما قد سلف إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً يعنى أقبح المعاصي عند الله لم يرخص فيه لامة من الأمم وَمَقْتاً ممقوتا لله وعند ذى المروات كان العرب يقول لولد الرجل من امراة أبيه مقيت وكان منهم الأشعث بن قيس وابو معيط عمرو بن امية والمقت أشد البغض وَساءَ سَبِيلًا (22) سبيل من يفعله عن البراء بن عازب رضى الله عنه قال مرّبى خالى ومعه لواء فقلت اين تذهب قال بعثني النبي صلى الله عليه وسلم الى رجل تزوج بامراة أبيه اتيه برأسه رواه الترمذي وابو داؤد وفى رواية له وللنسائى وابن ماجة والدارمي فامرنى ان اضرب عنقه وأخذ ماله وفى هذه الرواية قال مرّ بي عمّى بدل خالى (فائدة) المراد بالآباء الأصول بعموم المجاز اجماعا حتى يحرم منكوحة الجد وان علا سواء كان الجد من قبل الأب او من قبل الام والنكاح قيل معناه الوطي حقيقة كذا قال ابن الجوزي فى التحقيق وبناء على هذا احتج بهذه الاية على ثبوت حرمة المصاهرة فى الزنى ومعنى الاية على هذا لا تطؤا موطوات الآباء سواء كان الوطي بنكاح صحيح او فاسدا وملك يمين او بشبهة او بزنى وفى القاموس النكاح الوطي والعقد له وهذه العبارة تفيد الاشتراك وفى الصحاح اصل النكاح العقد ثم استعير للجماع ومحال ان يكون فى الأصل للجماع ثم استعير للعقد لان اسماء الجماع كلها كنايات لاستقباحهم ذكره كاستقباحهم تعاطيه ومحال ان يستعير من لا يقصد فحشا اسم ما يستقبحونه بما يستحسنوه قال الله تعالى وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ الى غير ذلك من الآيات والصحيح عندى ان المراد بالنكاح فى هذه الاية العقد دون الجماع للاجماع على ان منكوحة الأب التي وقع عليها عقد النكاح ولم يطأها يحرم على الابن لا خلاف فى ذلك وثبوت حرمة المصاهرة بالزنى مختلف فيه، فحمل الاية على معنى يوجب حكما مجمعا عليه اولى من خلاف ذلك فان قيل إذا أريد بالنكاح فى الاية العقد فما وجه القول بتحريم موطوءة الأب بملك اليمين مع انّ حرمتها ايضا مجمع عليه قلنا وجه ذلك دلالة النص فان المقصود من النكاح انما هو الوطي وهو سبب للجزئية فاذا كان النكاح الذي هو سبب للوطى الحلال موجبا لحرمته المصاهرة كان الوطي الحلال موجبا لها بالطريق الاولى- (مسئلة) الزنى لا يوجب حرمة المصاهرة عند الشافعي ومالك وقال ابو حنيفة واحمد يوجب ... ...

وهى رواية عن مالك وزاد احمد عليه فقال إذا اتى رجل امراة فى دبرها او اتى رجلا فى دبره حرمت على الواطى أم المفعول به وبنته رجلا كان او امراة وقد ذكرنا ان الاستدلال على حرمة المصاهرة بهذه الاية ضعيف فالاولى الاستدلال عليه بالقياس على الوطي الحلال لان علة التحريم كون الوطي سببا للولد ووصف الحل ملغاة شرعا بان وطى الامة المشتركة وجارية الابن والمكاتبة والمظاهر منها وامة المجوسية والحائض والنفساء ووطى المحرم والصائم فان كله حرام ويثبت به حرمة المصاهرة اجماعا فعلم ان المعتبر فى الأصل هو ذات الوطي من غير نظر لكونه حلالا او حراما قال ابن همام قد روى أصحابنا فيه أحاديث منها قال رجل يا رسول الله انى زينت بامراة فى الجاهلية أفأنكح ابنتها قال لا ارى ذلك ولا يصلح ان تنكح امراة تطلع من ابنتها على ما تطلع عليه منها وهو مرسل منقطع وفيه ابو بكر بن عبد الرحمن بن ابنة حكيم ومن طريق ابن وهب عن ابى أيوب عن ابن جريح ان النبي صلى الله عليه وسلم قال فى الذي يتزوج المرأة فيغمز لا يزيد على ذلك لا يتزوج ابنتها وهو مرسل منقطع الا ان هذا لا يقدح عندنا إذا كانت الرّجال ثقات انتهى كلامه احتج الشافعي بحديثين أحدهما حديث عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرام لا يفسد الحلال رواه الدارقطني وفيه عثمان بن عبد الرحمن الوقاصى قال يحيى بن معين ليس بشىء كان يكذب ضعّفه ابن المديني جدّا وقال البخاري والنسائي والرازي وابو داود ليس بشىء وقال الدارقطني متروك وقال ابن حبان كان يروى عن الثقات الموضوعات لا يجوز الاحتجاج به، ثانيهما حديث ابن عمر نحو حديث عائشة رواه الدارقطني وابن ماجة وفيه عبد الله ابن عمر أخو عبيد الله قال ابن حبان فحش خطاؤه فاستحق الترك وفيه إسحاق بن محمد العروى قال يحيى ليس بشىء كذّاب وقال البخاري تركوه (مسئلة) ابن المزنية يحرم عليه منكوحة أبيه الزاني كما يحرم بنت المزنية على أبيها الزاني لانهما ابنه وبنته حقيقة لغة والخطاب انما هو باللغة العربية ما لم يثبت نقل كلفظ الصلاة ونحوه فيصير منقولا شرعيا وكذا إذا لا عن رجل امرأته بنفي نسب ابنه وبنته فنفى القاضي نسبهما من الأب والحقهما بالأم لا يجوز لابن الملاعنة ان ينكح منكوحة الملاعن ولا للملاعن ان ينكح ابنة الملاعنة لانه يحتمل ان يكذب الملاعن نفسه ويدعيها فيثبت نسبهما منه، ... ...

[سورة النساء (4) : آية 23]

(مسئلة) مس الرجل امرأة والمرأة رجلا بشهرة له حكم الوطي عند ابى حنيفة فى وجوب حرمة المصاهرة وكذا نظره الى فرجها الداخل ونظرها الى ذكره بشهوة يوجب حرمة المصاهرة عنده ولو مسّ فانزل او نظر الى فرجها فانزل او اولج امراة فى دبرها فانزل قيل يوجب حرمة المصاهرة عنده والصحيح انه لا يوجب الحرمة عنده ايضا وعند الائمة الثلاثة المسّ والنظر لا يوجبان الحرمة وجه قول ابى حنيفة ان المسّ والنظر سببان داعيان الى الوطي فيقامان مقامه فى موضع الاحتياط وإذا انزل لم يبق داعيا الى الوطي والمس بشهوة ان ينتشر الآلة لو يزداد انتشارا هو الصحيح. حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ يعنى أصولكم على عموم المجاز وقيل الام يطلق على الأصل لغة حقيقة فى القاموس أم كل شىء أصله ومنه أم القرى مكة وأم الكتاب الفاتحة او اللوح المحفوظ فيشتمل الجدات من قبل الأب او الام وان علون اجماعا وَبَناتُكُمْ يعنى فروعكم كذلك على عموم المجاز فيشتمل بنات الابن وبنات البنت وان سفلن اجماعا وَأَخَواتُكُمْ تعم ما كانت منها لاب او لام أولهما وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ تعم أخوات الأب لاحد الأبوين أولهما وأخوات الام لاحد الأبوين أولهما وتلحق بهن اجماعا عمات الأب وعمات الام وخالاتهما والعمات والخالات للجد والجدة وان علون سواء كن من قبل الأب او من قبل الام وسواء كن اخت أبيه او امه او جده أوجدته لاحد الأبوين أولهما كأنّ المراد بهما على عموم المجاز الفرع القريب للاصل البعيد ويحل الفرع البعيد للاصل البعيد اجماعا كبنت العم او العمة او الخال او الخالة وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ يعنى فروع الأخ والاخت بناتهما وبنات ابنائهما وبنات بناتهما وان سفلن سواء كان الأخ والاخت لابوين او لاحدهما، ذكر الله سبحانه المحرمات من النسب سبعا ويؤل امرهن الى اربعة اصناف أصله وفرعه وفرع أصله القريب وان بعد والفرع القريب للاصل البعيد واخصر من ذلك ان يقال يحرم النكاح بين الشخصين ان يكون بينهما ولا داو يكون أحدهما فرعا لاحد أبوي الاخر وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وكذا العمات والخالات وبنات الأخ وبنات الاخت من الرضاعة اجماعا على حسب ما فصلناه فى النسب لقوله صلى الله عليه وسلم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ويروى ما يحرم من الولادة متفق عليه من حديث عائشة وعن على انه قال يا رسول الله هل ... ...

لك فى بنت عمك حمزة فانها أجمل فتاة فى قريش فقال له اما علمت ان حمزة أخي من الرضاعة وان الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب رواه مسلم وعن عائشة قالت جاء عمّى من الرضاعة فاستأذن علىّ فابيت ان اذن له حتى اسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فسالته فقال انه عمك فأذنى له قالت فقلت يا رسول الله انما أرضعتني المرأة ولم يرضعنى الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انه عمك فيلج عليك وذلك بعد ما ضرب علينا الحجاب متفق عليه وعن عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندها وانها سمعت صوت رجل يستأذن فى بيت حفصة فقالت عائشة قلت يا رسول الله هذا رجل يستأذن فى بيتك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أراه فلانا لعم حفصة من الرضاع فقلت يا رسول الله لو كان فلان حيا لعمها من الرضاعة ادخل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم ان الرضاعة يحرم ما يحرم من الولادة رواه البغوي، (فائدة:) احتج ابو حنيفة ومالك بهذه الاية وبقوله عليه السّلام مطلقا يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب على ان الرضاع قل او كثر يحرم ما يحرم من النسب وهو أحد اقوال احمد وقال الشافعي لا يحرم إلا خمس رضعات مشبعات فى خمس اوقات جائعات متفاصلات عرفا وهو القول الثاني لاحمد وعن احمد ثلاث رضعات وبه قال ابو ثور وابن المنذر وداود وابو عبيد وجه التقدير بثلاث حديث ابن الزبير عن عائشة ان نبى الله صلى الله عليه وسلم قال لا تحرم المصة والمصتان وعن أم الفضل مرفوعا بلفظ لا يحرم الرضعة او الرضعتان وفى رواية اخرى عنها لا يحرم الاملاجة والإملاجتان وفيه قصّة وهذه الروايات رواها مسلم وكذا روى احمد والنسائي وابن حبان والترمذي من حديث ابن الزبير عن أبيه عن عائشة وأعله الطبري بالاضطراب لما روى عن ابن الزبير عن أبيه وعنه عن عائشة وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة وجمع ابن حبّان بامكان ان ابن الزبير سمع من كل منهم وقال البخاري الصحيح عن ابن الزبير عن عائشة وذكر الزبير تفرّد به محمد بن دينار وفيه ضعف واختلاف وإسقاط عائشة فى بعض الروايات إرسال ولا بأس به ورواه النسائي من حديث ابى هريرة وقال ابن عبد البر لا يصح مرفوعا قالوا ثبت بهذا الحديث ان الرضعة والرضعتان لا تحرمان فبقى التحريم فى ثلاث رضعات ووجه القول بالخمس حديث عائشة ... ...

قالت كان فيما انزل من القران عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخ بخمس معلومات فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى فيما يقرا من القران رواه مسلم ورواه الترمذي بلفظ انزل فى القران عشر رضعات فنسخ من ذلك خمس وصار الى خمس رضعات فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك، قلنا حديث الآحاد لا يعارض نصّ الكتاب المتواتر وعند التعارض يقدم التحريم احتياطا وايضا حديث عائشة كان فيما انزل من القران الحديث وان كان صحيحا سندا لكنه متروك لانقطاعه باطنا فانه يدل على انه صلى الله عليه وسلم توفى وهى فيما يقرأ مع انه ليس كذلك قطعا والا ثبت قول الروافض ذهب كثير من القرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا القول كفر لاستلزامه انكار قوله تعالى انّا له لحفظون والتأويل بان معنى قولها توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعنى قارب الوفاة يقتضى نسخ الخمس قبيل الوفاة كما نسخ العشر قبل ذلك وهو الصحيح قال ابن عباس حين قيل له ان الناس يقولون الرضعة لا يحرم قال كان ذلك ثم نسخ، وعن ابن مسعود الى امر الرضاع الى ان قليله وكثيره يحرم وروى عن ابن عمران القليل يحرم وعنه قيل له ابن الزبير يقول لا بأس بالرضعة والرضعتين فقال قضاء الله خير من قضاء ابن الزبير قال الله تعالى وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ والتأويل بان معناه توفى صلى الله عليه وسلم وهى فيما يقرأ تعنى حكمها فيما يقرا غير مرضى لان القراءة انما يتعلق باللفظ دون الحكم، (مسئلة) اجمعوا على ان الرضاع بعد مدة الرضاع لا يوجب التحريم لانه لا يحصل التوليد والنمو بالرضاع الا فى المدة فلا يطلق بعد تلك المدة على المرضعة امّا وقال داود يوجب التحريم ابدا لحديث عائشة قالت جاءت سهلة بنت سهيل امراة ابى حذيفة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله انى ارى فى وجه ابى حذيفة من دخول سالم وهو حليفه فقال صلى الله عليه وسلم ارضعى سالما خمسا تحرمى عليه رواه الشافعي ورواه مسلم وغيره بغير ذكر العدد والجواب ان الإجماع يدل على كون الحديث منسوخا وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يحرم من الرضاع الا ما فتق الأمعاء فى الثدي وكان قبل الفطام رواه الترمذي من حديث أم سلمة وقال حديث صحيح وعنه عليه السّلام لا يحرم من الرضاع الا ما أنبت اللحم وانشر العظم رواه ابو داود من حديث ابن مسعود وفى الصحيحين عن عائشة قالت دخل علىّ ... ...

رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندى رجل فقال يا عائشة من هذا قالت أخي من الرضاعة قال يا عائشة انظرن من اخوانكن فانما الرضاعة من المجاعة، (مسئلة) مدة الرضاع التي يوجب فيها التحريم سنتان وبه قال ابو يوسف ومحمد بن الحسن والشافعي واحمد ومالك وسعيد بن المسيّب وعروة والشعبي وهو المروي عن عمر وابن عباس رواهما الدارقطني وعن على وابن مسعود أخرجهما ابن ابى شيبة وفى رواية عن مالك سنتان وشهر وفى اخرى عنه شنتان وشهران وفى اخرى عنه ما دام محتاجا الى اللبن وقال ابو حنيفة سنتان وستة أشهر وقال زفر ثلاث سنين لنا قوله تعالى وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ جعل الله تعالى التمام بهما ولا مزيد على التمام وقوله تعالى وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً وادنى مدة الحمل ستة أشهر فبقى للفصال سنتان وقوله تعالى وفصاله فى عامين وقوله صلى الله عليه وسلم لارضاع الّا ما كان فى الحولين رواه الدارقطني من حديث ابن عباس وقال تفرد برفعه الهيثم بن جميل وكان ثقة حافظا وكذا وثقه احمد والعجلى وقال ابن عدى كان يغلط ورواه سعيد بن منصور عن ابن عينية فوقفه، وجه قول ابى حنيفة انه تعالى قال وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ذكر شيئين وضرب لهما مدة فكان لكل واحد منهما بكمالها كالاجل المضروب للدينين على شخصين الا انه قام المنقص فى مدة الحمل قول عائشة الولد لا يبقى فى بطن امه اكثر من سنتين ولو بقدر فلكة مغزل وفى رواية ولو بقدر ظل معزل ومثله لا يقال الا سماعا لان المقدرات لا تدرك بالرأى فبقى مدة الفصال على الظاهر وهذا ليس بشىء بوجوه أحدها ان جعل قول عائشة منقصا لمدة الحمل ليس اولى من جعل قوله عليه السّلام لارضاع بعد حولين وقوله تعالى يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ منقصا لمدة الرضاع ثانيها انه يلزم حينئذ الجمع بين الحقيقة والمجاز فى لفظ ثلاثين شهرا حيث أريد به باعتبار الحمل اربعة وعشرون شهرا وباعتبار الفصال ثلاثون، ثالثها انه يلزم من هذا التأويل استعمال ثلاثين فى اربعة وعشرين باعتبار الحمل مع انه لا يتجوز بشىء من اسماء العدد فى الاخر نصّ عليه كثير من المحققين لانها بمنزلة الاعلام فى مسمّياتها وذكر لقول ابى حنيفة وغيره وجه اخر انه لا بد من تغيير الغذاء لينقطع الا نبات باللبن وذلك بزيادة مدة يتعود الصبى ... ...

فيها بغيره ولم يحد ذلك الزيادة مالك وحده زفر بحول لانه يشتمل على فصول اربعة وقدّره ابو حنيفة بستة أشهر لانه ادنى مدة الحمل نظرا الى ان غذاء الجنين يغائر غذاء الرضيع، قلنا انّ الشرع لم يحرم اطعام الرضيع غير اللبن قبل الحولين ليلزم اعتبار زيادة مدة القعود على الحولين فجاز ان يتعود بالطعام مع اللبن قبل الحولين وهو مختار ابن همام والطحاوي، وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ اشتملت كلمة الأمهات الجدّات سواء كن من قبل الأب او الام قريبة كانت او بعيدة والتحقت بهن بالحديث امّهاتهن وجداتهن من الرضاع والتحقت بالنساء الموطوءات بملك اليمين او بشبهة اجماعا والموطوءات بالزنى عند ابى حنيفة رحمه الله وكذا الا حنيفة الملموسة بشهوة عنده وَرَبائِبُكُمُ جمع ربيبة والربيب ولد المرأة من غيره سمّى به لانه يربّه كما يربّ ولده فى غالب الأمر فعيل بمعنى المفعول وانما لحقته التاء لانه صار اسما ويشتمل الربائب بعموم المجاز او بالقياس بنات أبناء الزوجات وبنات بناتهن وان سفلن وبنات الموطوءات بملك يمين او بشبهة ولو بواسطة او وسائط اجماعا وبنات المزّنيات وان سفلن عند ابى حنيفة اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ هذه الصفة خارجة مخرج العادة لا مفهوم لها اجماعا وقال داود لا يحرم من الربائب الا اللاتي فى حجورهم كذا روى عبد الرزاق وابن ابى حاتم بسند صحيح عن على رضى الله عنه فالمراد بالإجماع الإجماع بعد القرن الاول، مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ الموصول مع الصلة صفة لنسائكم مقيدة لها اجماعا ولا يجوز ان يكون صفة للنسائين لان عامليها مختلفان ولا يجتمع عاملان على معمول واحد الّا فى رواية عن الفراء وقوله من نسائكم ظرف مستقر جاز كونها صلة للموصول الاول ويكون قوله فى حجوركم متعلّقا به وجاز كونها منصوبا على الحالية من الضمير فى حجوركم والأظهر انه حال من ربائبكم وعلى تقدير كونه حالا من ربائبكم لا يجوز تعليقها بالأمهات ايضا لان كلمة من إذا علقتها بالربائب كانت ابتدائية وإذا علقتها بالأمهات لم يجز ذلك بل يجب ان تكون بيانا لنسائكم والكلمة الواحدة لا يحمل على معنيين عند جمهور الأدباء وان جوّز الشافعي عموم المشترك وايضا يوجب كونها بيانا لنسائكم كونها حالا منها ولا يجوز ان يكون شىء «1» واحد حالا من ربائبكم ومن نسائكم مع اختلاف العامل فيهما عند أحد فان ربائبكم مرفوع لقيامه مقام الفاعل ونسائكم مجرور بالاضافة قال البيضاوي الّا إذا جعلتها للاتصال

_ (1) فى الأصل شيئا واحدا

يعنى جعلت كلمة من اتصالية لا ابتدائية ولا بيانية فلا يكون المعنيان مختلفين بل تكون من مستعملة فى القدر المشترك بينهما وهو الاتصال اى الملابسة وحينئذ يكون الظرف حالا من الأمهات والريائب وهما مرفوعان من جهة واحدة وهذا التأويل مع بعده مردود بالحديث المرفوع والإجماع عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جدّه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أيما رجل نكح امراة فدخل بها فلا يحل له نكاح ابنتها وان لم يدخل بها فلينكح ابنتها وأيما رجل نكح امراة فلا يحل له ان ينكح امّها دخل بها او لم يدخل رواه الترمذي وقال هذا حديث لا يصح من قبل اسناده انما رواه ابن لهيعة والمثنى بن الصبّاح عن عمرو بن شعيب وهما يضعفان فى الحديث قال الشيخ ابن حجر وفى الباب عن ابن عباس من قوله أخرجه ابن ابى حاتم فى تفسيره بإسناد قوى اليه انه كان يقول إذا طلق الرجل امراة قبل ان يدخل بها او ماتت لم يحل له أمها ونقل الطبراني فيه الإجماع «1» لكن اختلفت الرواية فيه عن زيد بن ثابت ففى مسند ابن ابى شيبة عنه انه كان لا يرى بأسا إذا طلقها ويكرهها او ماتت عنه وروى مالك عن يحيى بن سعيد عنه انه سئل عن رجل تزوج امراة ثم ماتت قبل ان يصيبها هل يحل له أمها قال لا الام مبهمة وانما الشرط فى الربائب وروى عن على كرم الله وجهه تقييد التحريم فيهما أخرجه ابن ابى حاتم وبه قال مجاهد وكذا روى ابن ابى شيبة وغيره عن زيد بن ثابت وابن عباس وكذا روى عبد الرزاق وابن ابى حاتم عن ابن الزبير فلو صح الرواية عن على ومجاهد وغيرهما فى تقييد التحريم فلعل المراد من قول الطبراني اجماع من بعد القرن الاوّل والثاني، والباء فى قوله دخلتم بهن للتعدية او للمصاحبة اى ادخلتموهن الستر او دخلتم معهن الستر وهى كناية عن الجماع كقولهم بنى عليها وضرب عليها الحجاب واللمس بشهوة والنظر الى فرجها الداخل بشهوة حكمها حكم الجماع عند ابى حنيفة فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ تصريح بعد اشعار دفعا للقياس وَحَلائِلُ جمع حليلة وهى الزوجة سميت حليلة لانها تحل للزوج او تحل فراشه ويلتحق بالزوجات الموطوءات بملك اليمين او بشبهة اجماعا والموطوءات

_ (1) روى ان رجلا تزوج امراة ولم يدخل بها ثم راى أمها فاعجبته فاستفتى ابن مسعود فامره ان يفارقها ثم يتزوج أمها ففعل فولدت له أولادا ثم اتى ابن مسعود المدينة فسال عمر وفى لفظ فسال اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا لا يصلح فلما رجع الى الكوفة قال للرجل انها عليك حرام ففارقها، قلت هذا يدل على الإجماع منه رحمه الله

يزنى عند ابى حنيفة أَبْنائِكُمُ يشتمل بعموم المجاز الفروع من أبناء الأبناء والبنات وان بعدوا الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ خروج بهذا القيد المتبنى فانهم كانوا يطلقون الابن على المتبنى ولو مجازا اخرج ابن جرير عن ابن جريح قال قلت لعطاء قوله تعالى وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ قال كنا نتحدث انها نزلت فى محمد صلى الله عليه وسلم حين نكح امراة زيد بن حارثة قال المشركون فى ذلك فنزلت وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ ونزلت وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ونزلت ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ واما ابن الابن وابن البنت بواسطة او بلا واسطة فلم يخرجا بهذا القيد لانهما من الأصلاب ولو بالواسطة واما الابن بالرضاع وفروعه فانهم وان خرجوا بهذا القيد لكن حرمة حلائلهم ثبتت بنص الحديث اعنى قوله صلى الله عليه وسلم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وعليه انعقد الإجماع وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فى محل الرفع عطفا على أمهاتكم وبناتكم يعنى حرمت عليكم الجمع فى النكاح وفى الوطي بملك اليمين بين الأختين «1» بالنسب ويلتحق «2» بهما بنصّ الحديث الأختان بالرضاع سواء كانتا لاب او لام أولهما من النسب او من الرضاع ولا يحرم الزنى باحده الأختين النكاح بالأخرى كما لا يحرم نكاح الاخرى بعد موت أحدهما او انقضاء العدة من الطلاق والتحقت به بالسنة والإجماع حرمة الجمع بين امراة وعمّتها وامراة وخالتها وكذا عمة أبيها او أمها او خالة أحدهما وعمات أجدادها وجداتها وان بعدن عن اىّ جهة كن، عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجمع بين المرأة وعمّتها ولا بين المرأة وخالتها متفق عليه ورواه ابو داود والترمذي والدارمي بلفظ لا تنكح المرأة على عمّتها ولا العمة على بنت أخيها ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها لا الكبرى على الصّغرى ولا الصّغرى على الكبرى ورواه النسائي الى قوله بنت أختها وصححه الترمذي وروى البخاري عن جابر نحوه قال ابن عبد البر طرق حديث ابى هريرة متواترة عنه وفى الباب عن ابن عباس رواه احمد وابو داود والترمذي وابن حبان وعن ابى سعيد رواه ابن ماجة بسند ضعيف وعن على رواه البزار وعن ابن عمر رواه ابن حبان وفيه ايضا عن سعد بن ابى وقاص وزينب امراة ابن مسعود وابى امامة وعائشة

_ (1) اخرج احمد وابو داؤد والترمذي وحسنه وابن ماجه عن فيروز الديلمي انه أدركه الإسلام وتحته اختان فقال له النبي صلى الله عليه وسلم طلق أيهما شئت منه رحمه الله- (2) فى الأصل التحقق-

وابى موسى وسمرة بن جندب وروى ابن حبان فى صحيحه وابن عدى من حديث عكرمة عن ابن عباس الحديث المذكور وزاد فى آخره انكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامهن واخرج ابو داؤد فى المراسيل عن عيسى بن طلحة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ان تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة ورواه ابن حبان بلفظ انكن إذا فعلتن ذلك «2» قطعتن أرحامهن والإجماع على حرمة الجمع بين الأختين من الرضاع يدل على انه كما يحرم قطيعة وصلة الرحم يحرم قطيعة وصلة الرضاع وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إكرام المرضعة عن ابى الطفيل الغنوي قال كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا قبلت امراة فبسط النبي صلى الله عليه وسلم رداءه حتى قعدت عليه فلما ذهبت قيل هذه أرضعت النبي صلى الله عليه وسلم رواه ابو داؤد والحاصل انه يحرم من النسب والرضاع ما يكون أحدهما فرعا للاخر او ذاعا لاصله القريب ومن المصاهرة يحرم على المرأة اصول الزوج وفروعه مطلقا وعلى الرجل اصول الزوجة مطلقا وفروعها بشرط الدخول بها ولا يحرم من أقارب الزوج والزوجة بالمصاهرة ما عدى عمودى النسب الا الجمع بين امراة وفرع أصلها القريب «1» للاحتراز عن قطعية الرحم او قطعية وصلة الرضاع والله اعلم إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ قيل استثناء من المعنى اللازم للنهى يعنى يعذبون بنكاحهن الا بما قد سلف والظاهر ان الاستثناء منقطع بمعنى لكن يعنى لكن ما قد سلف فان الله يغفره ولا يؤاخذ به إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (23) يغفرهم ويرحمهم لعذر الجهل عن الشرائع

_ (2) سئل عن عمر عن جاريتين أختين توطا أحدهما بعد الاخرى قال عمر ما احبّ ان اجيزهما جميعا ونهاه واخرج مالك والشافعي عن قبيصة بن ذويب ان رجلا سال عثمان بن عفان عن الأختين فى ملك اليمين هل يجمع بينهما قال احلّتهما اية وحرمتهما اية وما كنت اصنع ذلك فخرج من عنده فلقى رجلا من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أراه على بن ابى طالب فساله عن ذلك فقال لو كان لى من الأمر شىء ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا وروى هذا الشك عن على من ابى صالح عن على قال فى الأختين المملوكتين احلّتهما اية وحرّمتهما اية ولا امر ولا انهى ولا أحل ولا احرم ولا افعل انا ولا اهل بيتي رواه ابن ابى شيبة والبيهقي وروى ابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود قال تحرم من الإماء ما تحرم من الحرائر الا العدد وكذا روى عبد الرزاق عن عمار بن ياسر قلت ما روى عن على انه أحلتهما اية وحرمتهما اية ليس مبنيا على الشك بل مراده ترجيح المحرم على المبيح وقد روى عنه ابن عبد البر فى الاستذكار ان إياس بن عامر ساله ان لى أختين أمتين اتخذت إحداهن سرية وولدت لى أولادا ثم رغبت فى الاخرى فما اصنع قال تعتق التي كنت تطأ ثم تطأ الاخرى ثم قال انه يحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم عليك فى كتاب الله من الحرائر الا العدد او قال الا الأربع ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك فى كتاب الله من للنسب منه رحمه الله تعالى (1) فى الأصل قطعتم

[سورة النساء (4) : آية 24]

قال الله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً «1» ... حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ وقال الله تعالى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا. وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ عطف على أمهاتكم يعنى حرمت عليكم المحصنات من النّساء اى ذوات الأزواج لا يحل للغير نكاحهن ما لم يمت زوجها او يطلقها وتنقضى عدّتها من الوفاة او الطلاق سمّيت المتزوجات محصنات لانه احصنهن التزويج او الأزواج قال البغوي قال ابو سعيد الخدري رضى الله عنه نزلت فى نسائكن يهاجرن الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهن ازواج فيتزوجهن بعض المسلمين ثم يقدم أزواجهن مهاجرين فنهى الله المسلمين عن نكاحهن قلت لعل المراد من الحديث ان المرأة المهاجرة إذا كان زوجها مسلما لا يحل نكاحها وان كان فى دار الحرب لعدم اختلاف الدين حقيقة والدار حكما وامّا إذا أسلمت وهاجرت وزوجها كافر فى دار الحرب فنكاحها حلال لقوله تعالى «2» يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ... «3» فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ الى قوله تعالى وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ لكن عند ابى حنيفة وصاحبيه تقع الفرقة بينها وبين زوجها بمجرد الخروج من دار الحرب لاختلاف الدارين حقيقة وحكما ولا عدة عليها بعد الفرقة عنده وعندهما عليها العدة وعند مالك والشافعي واحمد يقع الفرقة بعد ثلاث حيض من وقت إسلامها ان دخل بها وان لم يدخل بها فمن وقت إسلامها ولا اثر عندهم لاختلاف الدارين إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ قال عطاء أراد بهذه الاستثناء ان تكون أمته فى نكاح عبده فيجوز له ان ينزعها منه وهذا القول مردود بالإجماع والصحيح ما روى مسلم وابو داود والترمذي والنسائي عن ابى سعيد الخدري قال أصبنا سبايا من سبى أوطاس لهن ازواج فكرهنا ان نقع عليهن ولهن ازواج فسالنا النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يقول الا ما أفاء الله عليكم فاستحللتم بها فروجهن واخرج الطبراني عن ابن عباس قال نزلت يوم حنين لمّا فتح الله حنينا أصاب المسلمون نساء من نساء اهل الكتاب لهن ازواج وكان الرجل إذا أراد ان يأتى المرأة قالت ان لى زوجا فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فانزلت هذه الآية

_ (1) وفى القران قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى إلخ [.....] (2) فى الأصل يا ايّها النّبىّ إذا جاءكم لعله من الناسخ (3) وفى القرآن اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ إلخ-

فهذه الاية تدل على ان المرأة إذا سبيت مع زوجها او بدونه وقعت الفرقة بينها وبين زوجها ويحل لمن ملكها وطيها بعد الاستبراء لما روى ان منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى يوم أوطاس الا لا تنكح الحبالى حتى يضعن حملهن ولا الحيالى حتى يحضن رواه ( «1» ) وكذا يحل للمالك تزويجها لغيره وظهران السبي يوجب الصفا للسّابى فى ملك البضع كما يوجب الصفا فى ملك الرقبة وبه قال مالك والشافعي واحمد قالوا ان سبايا أوطاس سبين مع أزواجهن وقال ابو حنيفة لا يقع الفرقة بالسبي الا إذا سبى أحد الزوجين بدون الاخر فان الموجب للفرقة عنده اختلاف الدارين حقيقة وحكما دون السبي قالت الحنفية ان مع اختلاف الدارين لا ينتظم مصالح النكاح فشابه المحرمية والسبي يوجب الصّفا فى ملك الرقبة دون ملك البضع لعدم الاستلزام بينهما وهذا استدلال فى مقابلة النص قال ابن همام روى فى سبايا أوطاس ان النساء سبين وحدهن ورواية الترمذي يفيد ذلك روى عن ابى سعيد قال أصبنا سبايا أوطاس ولهن ازواج فى قومهن فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الاية قلت وليس فى لفظ الترمذي ما يدل قطعا انهن كلهن سبين بغير ازواج والظاهر فيه قول الشافعي ولو صح انهن سبين كلهن بغير ازواج فالعبرة لعموم اللفظ دون خصوص السبب وقد ذكر الله سبحانه الاستثناء من ذوات الأزواج بعنوان ملك اليمين لا بعنوان اختلاف الدّارين وقالت الحنفية الاية ليست على عمومها اجماعا فان مقتضى اللفظ حل المملوكة مطلقا سواء ملكت بالسبي او الشراء او الإرث او نحو ذلك ولا شك ان المشتراة المتزوجة خارجة عن هذا الحكم اجماعا فخصصنا عنها المسبيّة مع زوجها ايضا قلت لا بد لتخصيص العام وان كان ظنيا من دليل شرعى نصّ او اجماع او قياس ولا يجوز التخصيص بالرأى على ان الإجماع على كون الامة المشتراة المتزوجة خارجة عن هذا الحكم ممنوع قال البغوي قال ابن مسعود أراد الله تعالى بهذه الاية ان الجارية المتزوجة إذا بيعت يقع الفرقة بينها وبين زوجها ويكون بيعها طلاقا رواه ابن ابى شيبة وابن جرير وعبد بن حميد عنه قلت يمكن ان يقال المراد بالمحصنات الجرائر ذوات الأزواج والتحق بهن بالقياس الإماء ذوات الأزواج فمعنى الاية حرّمت عليكم الحرائر ذوات الأزواج الّا ما ملكت ايمانكم بالسبي والاستيلاء عليهن فحينئذ لا يحتاج الى تخصيص المملوكة بالشراء او الإرث من حكم الحل لا قبل الشراء ليست من المحصنات بل من المملوكات بخلاف المسبية فانها كانت قبل السبي حرّة

_ (1) هكذا بياض فى الأصل-

كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ مصدر مؤكد اى كتب الله عليكم كتابا تحريم من ذكرن اخرج ابن جرير من طريق عبيدة عن عمر بن الخطاب فى قوله تعالى كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ قال الأربع وابن المنذر من طريق ابن جريح عن ابن عباس قال واحدة الى اربع فى النكاح وَأُحِلَّ لَكُمْ قرأ ابو جعفر وحمزة والكسائي وحفص على البناء للمفعول والباقون على البناء للفاعل وضمير الفاعل راجع الى الله تعالى فى كتاب الله معطوف على حرّمت او على فعل مضمر الذي نصب كتاب الله فان قيل العطف يقتضى المشاركة وجملة كتاب الله مؤكد لما سبق من التحريم فما وجه مشاركة هذه الجملة معها فى التوكيد قلنا تحليل ماوراء ذلك يؤكد تحريم ذلك فان قيل على تقدير العطف على حرمت اىّ نكتة فى إيراد حرمت مجهولا وأحل معروفا على قراءة الجمهور قلنا التحليل انعام بخلاف التحريم فصرح بإسناد الانعام الى ذاته دون اسناد التحريم ما وَراءَ ذلِكُمْ يعنى ما سوى المحرمات المذكورات فى الآيات السابقة وخصّ عنه بالسنة والإجماع والقياس ما ذكرنا من المحرمات فى الشرح وما فوق الأربع من النساء أَنْ تَبْتَغُوا اى تبتغوهن يعنى ما وراء ذلكم من النساء بِأَمْوالِكُمْ بنكاح او باشتراء مُحْصِنِينَ حال من فاعل تبتغوا اى حال كونكم متعففين فان العفة تحصين الفرج عن الفاحشة والنفس عن اللوم والعقاب غَيْرَ مُسافِحِينَ حال بعد حال والسفاح الزنى من السفح وهو صبّ المنى فانه الغرض منه دون بقاء النسل وقوله أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ بدل اشتمال من قوله ما وَراءَ ذلِكُمْ لان المقصود بإسناد الحل الى ما وَراءَ ذلِكُمْ ليس الّا ابتغاءهن بالأموال حلالا فان النساء ما وراء المحرّمات المذكورات لا تحل لاحد مطلقا بل مقيدا بنكاح صحيح «1» او بملك يمين وهو المراد بالابتغاء بالأموال كما ان «2» فى قواك أعجبني زيد علمه ليس المقصود بالإسناد ذات زيد بل علمه وجاز ان يكون قوله ان تبتغوا متعلّقا بقوله احلّ لكم بتقدير الباء يعنى أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ بسبب أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ بنكاح او باشتراء فعلى هذا

_ (1) ومن هاهنا يظهران قوله تعالى وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ ليس بعلم يدل على حل كل امرأة غير المحرمات المذكورة ولا ظاهر فى جواز كل ابتغاء بالمال بل هو مجمل منه ما هو نكاح صحيح موجب للاحصان ومنه ما هو سفاح مما ثبت بالسنة او الإجماع من شرائط النكاح كالشهادة او الإعلان والولي ونحو ذلك التحقق بيانا لمجمل الكتاب فلا يرد ما قيل ان اشتراط الشهادة ونحوها يلزم فيه الزيادة على الكتاب او تخصيص الكتاب بخبر الآحاد منه رحمه الله (2) فى الأصل كما ان فى ان قولك

يظهران المهر من لوازم النكاح لتقييد الاحلال به ويدل على ذلك قوله تعالى وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ لدلالته على ان النكاح بلا مهر من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وكان القياس عدم صحة النكاح عند انعدام التسمية لكنا تركنا القياس لقوله تعالى لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً فانها تدل على صحّة النكاح بغير التسمية فقلنا ان المهر من لوازم النكاح وأحكامه وليس من شرائطه ذكره وعليه انعقد الإجماع لكن عند الشافعي ان تزوج ولم يسم لها مهرا او تزوج على ان لا مهر لها ومات عنها قبل ان يدخل بها لا يجب لها المهر وعند الجمهور يجب لها مهر المثل كما يجب بالدخول اجماعا لنا ان المهر وجب حقّا للشرع لما ذكرنا من تقييد الحل بالابتغاء بالأموال ولان الباء للالصاق فالله سبحانه أحل الابتغاء ملصقا بالمال فالقول بتراخيه الى وجود الوطي كما قاله الشافعي فى المفوضة ترك العمل بمضمون الباء ولحديث علقمة انه سئل ابن مسعود عن رجل تزوج امراة ولم يفرض لها شيئا ولم يدخل بها حتى مات فقال ابن مسعود لها مثل صداق نساءها لاوكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بروع بنت وأشق امراة منا مثل ما قضيت ففرح بها ابن مسعود رواه ابو داؤد والترمذي والنسائي والدارمي قال البيهقي جميع روايات هذا الحديث وأسانيدها صحاح فان قيل لو كان المهر من لوازم النكاح لزم ثبوته فى المفوضة ان طلقت قبل الدخول ايضا ولم يقل به أحد غير احمد فى بعض الروايات عنه حيث قال يجب نصف مهر المثل والأصح عنه كقول الجمهور انه لا يجب قلنا المتعة لها عوض عن نصف المهر ولذا قلنا بوجوب المتعة لها- (مسئلة) اختلفوا فيما إذا تزوج بشرط ان لا مهر لها فقال مالك لا يصح هذا النكاح لانه عقد معاوضة كالبيع والبيع بشرط ان لا ثمن لا يصح اجماعا فكذا النكاح قلنا ليس النكاح عقد معاوضة وانما وجب المهر حكما شرعا إظهارا لشرف المحل ولو كان عقد معاوضة كالبيع لما صح النكاح عند ترك التسمية كما لا يصح البيع عند ترك ذكر الثمن فالشرط بان لا مهر شرط فاسد وبه لا يفسد النكاح ويلغوا لشرط والثمن ركن فى البيع لا يصح البيع بدونه فافترقا- فائدة: - هذه الاية تقتضى ان المهر لا بد ان يكون مالا لان الحلّ مقيّد بالابتغاء بالأموال ... ...

والمنافع المعلومة ملحق بالأموال شرعا ولذا جازت الاجارة بالنصوص والإجماع مع انها بيع المنافع وكان القياس يأبى عن جوازها لان المعقود عليه وهى المنفعة ليست بمال وايضا هى معدومة واضافة التمليك الى ما سيوجد لا يصح لكن الشرع اعتبرها ما لا وجوز الاجارة لمكان الحاجة واقام ما ينتفع به اعنى الدار مثلا فى اجارة الدار مقام المنفعة فى حق اضافة العقد واعتبار وجوده ولما ظهر كون المنافع ملحقا بالأموال- (مسئلة) جاز ان ينكح على سكنى داره وخدمة عبده وركوب دابته والحمل عليها وزراعة ارضه ونحوها من منافع الأعيان مدة معلومه لان الحاجة الى النكاح متحقق كالحاجة الى الاستيجار وإمكان الدفع ثابت بتسليم محالها فصار هو ابتغاء بالمال- (مسئلة) ولو نكح ان يخدمها بنفسه سنة قال محمد يجب قيمة الخدمة لان المسمى يلحق بالأموال الا ان خدمة الزوج للزوجة تناقض مقتضى عقد النكاح لان مقتضاه المالكية والخدمة من مقتضيات المملوكية فاذا عجز عن تسليم المسمى وجب قيمته وعند ابى حنيفة وابى يوسف يجب مهر المثل لان اعتبار المنافع مالا انما كان عند إمكان التسليم فاذا امتنع للمناقضة لم يعتبر مالا فلم يصح فوجب مهر المثل- (مسئلة) ولو نكح على خدمة حرّ اخر يصح ويجب على الزوج قيمتة الخدمة اتفاقا ان لم يرض ذلك الرجل او كانت الخدمة تستدعى مخالطتها مع رجل اجنبى (مسئلة) ولو نكح على ان يرعى الزوج غنمها او يزرع ارضها لم يجز فى رواية لانه من باب الخدمة والصحيح انه جاز ذلك لانه لم يتمحض لها خدمة إذ العادة اشتراك الزوجين فى القيام على مصالح مالهما ويدل على صحته قصّة موسى وشعيب عليهما السّلام من غير بيان ففيه فى شرعنا روى احمد وابن ماجة عن عتبة بن المنذر قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرا طسم حتى بلغ قصّة موسى فقال ان موسى اجر نفسه ثمان سنين او عشرا على عفة فرجه وطعام بطنه لكن هذه القصّة لا يصلح حجة الا إذا كان الغنم ملكا للبنت دون شعيب عليه السلام والظاهر خلافه (مسئلة) ولو نكح على تعليم سورة من القران جاز عند مالك والشافعي وهى رواية عن احمد ولم يجز عند ابى حنيفة واحمد فيجب عندهما مهر المثل وهذا الاختلاف مبنى على اختلافهم ... ...

فى جواز الاستيجار على القرب كالحج والاذان وتعليم القران ونحو ذلك فمن جوّز الاستيجار عليها جوّز جعلها مهرا فى النكاح لانها من المنافع التي ألحقت بالأموال شرعا ومن لم يجوّز الاستيجار لم يجوّز جعلها مهرا وللشافعى فى اثبات جواز جعل القران مهرا طريقان أحدهما الاحتجاج على جواز الاستيجار على القرب مطلقا وثانيهما الاحتجاج على خصوصية هذه المسألة اعنى جعل تعليم القران مهرا وله فى الطريق الاول حديثان أحدهما عن ابى سعيد ان ناسا من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتوا على حى من احياء العرب فلم يقروهم فبيناهم كذلك إذ لدغ سيّد أولئك فقال معكم من دواء أوراق فقال انكم لم تقروا ولن نفعل حتى تجعلوا لنا جعلا فجعلو لهم «1» قطيعا من الشاء فجعل يقرا بام القران ويجمع بزاقه ويتفل فبرا فاتوا بالشاء وقالوا لا نأخذ حتى نسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسالوه فضحك وقال وما يدريك انها رقية خذوها واضربوا لى بسهم ثانيهما عن ابن عباس ان نفرا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّوا بماء فيه لديغ او سليم «2» فعرض لهم رجل من اهل الماء فقال هل فيكم راق ان فى الماء رجلا لديغا او سليما فانطبق رجل فجاء فقرا بفاتحة الكتاب فبرأ فجاء بالشاء الى أصحابه فكرهوا ذلك وقالوا أخذت على كتاب الله اجرا حتى قدموا المدينة فقالوا يا رسول الله أخذ على كتاب الله اجرا فقال عليه السّلام ان احقّ ما أخذتم عليه اجرا كتاب الله وفى رواية أصبتم واضربوا لى معكم سهما الحديثان فى الصحيحين وروى احمد وابو داود نحو ذلك عن خارجة بن الصلت عن عمه وأجيب عن هذين الحديثين بان القوم كانوا كفارا جاز أخذ أموالهم وبان الرقية ليست قربة محضة جاز أخذ الاجرة عليها وللشافعى فى الطريق الثاني حديث سهل بن سعد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امراة فقالت يا رسول الله انى وهبت نفسى لك فقامت طويلا فقام رجل فقال يا رسول الله زوّجنيها ان لم يكن لك فيها حاجة فقال هل عندك من شىء تصدقها قال ما عندى الا إزاري هذا قال التمس ولو خاتما من حديد فالتمس فلم يجد شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل معك من القران شىء قال نعم سورة كذا وسورة كذا فقال قد زوّجتكها بما معك من القران وفى رواية فانطلق فقد زوّجتكها فعلمها من القران متفق عليه وأجيب عن هذا الحديث بانه كما انه كان من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ان ينكح امراة بلا مهران وهبت نفسها له كذلك كان له ان

_ (1) فى الأصل فجعلوهم (2) السليم اللديغ سمى به تفولا منه رح

يزوجها غيره بلا مهر بعد ما وهبت نفسها له روى ابن الجوزي عن مكحول ان رسول الله صلى عليه وسلم زوّج رجلا على ما معه من القران قال وكان مكحول يقول ليس ذلك لاحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا ذكر الطحاوي عن ليث انه قال لا يجوز هذا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجاب ابن الجوزي عن هذا الحديث بانه كان لضرورة الفقر فى اوّل الإسلام، قلت هذا كانّه ادعاء نسخ والنسخ لا يثبت بمجرد الاحتمال وكذا كونه من الخصائص، ولابى حنيفة ومن معه فى اثبات ما ادّعوه طريقان أحدهما الاحتجاج على عدم جواز الاستيجار للقرب وثانيها فى خصوصية عدم صلوح التعليم مهرا ولهم فى الطريق الاول أحاديث منها حديث عبادة بن الصامت قال علّمت ناسا من اصحاب الصّفة الكتابة والقرآن فاهدى الىّ رجل منهم قوسا فقلت ارمى عليها فى سبيل الله فسالت النبي صلى الله عليه وسلم فقال ان يسرّك ان تطوق طوقا من نار فاقبلها رواه احمد وابو داؤد وفيه المغيرة قال ابن الجوزي ضعيف ومنها حديث ابى بن كعب قال علّمت رجلا القران فاهدى لى قوسا فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ان أخذتها أخذت قوسا من نار فرددتها رواه ابن الجوزي ومنها حديث عبد الرحمن بن سهل الأنصاري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اقرءوا «1» القران ولا تغلوا «2» فيه ولا تجفوا «3» عنه ولا تأكلوا به ولا تستكبروا به رواه الطبراني ومنها حديث مطرف بن عبد الله ان عثمان بن ابى العاص قال يا رسول الله اجعلنى امام قومى قال اقتد باضعفهم واتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه اجرا رواه احمد ولهم فى؟؟؟ السائق الثاني انا لو سلمنا جواز الاستيجار على القرب فتعليم القرآن خاصة لا يجوز الاستيجار عليه لان من شرائط صحة الاجارة كون العمل معلوما او الوقت معلوما والتعليم قد يحصل بقليل العمل وقد يحصل بكثيره وايضا التعليم يتوقف على وصف فى المتعلّم وذلك ليس فى وسع المعلم فلا يجوز الاستيجار عليه وإذا ظهر عدم جواز الاستيجار عليه ظهران الشرع ما الحقه بالأموال فلا يجوز جعله مهرا لتقتييد الاحلال بابتغاء النساء بالأموال، وحديث سهل بن سعد حديث احاد لا يجوز العمل به

_ (1) فى الأصل اقرأ القران (2) قوله لا تغلوا اى لا تجاوزوا الحد قال فى النهاية انما قال ذلك لان من أخلاقه وآدابه التي امر بها القصد فى الأمور وخير الأمور أوساطها وكلا طرفى قصد الأمور ذميم منه رحمه الله- (3) لا تجفوا اى تعاهدوه ولابتعدوا عن تلاوته والجفاء البعد عن الشيء نهاية منه رحمه الله-

فى مقابلة نصّ الكتاب اعنى قوله تعالى أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ قال البيضاوي قوله تعالى أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مفعول له لقوله تعالى احلّ لكم يعنى ليس قيدا للاحلال والمعنى أحل لكم ماوراء ذلكم ارادة ان تبتغوا النساء باموالكم بالصرف فى مهورهن او أثمانهن فى حال كونكم محصنين غير مسافحين وانما قدر البيضاوي المضاف ليكون المفعول له فعلا لفاعل «1» الفعل المعلل له والصحيح انه لا حاجة الى تقدير المضاف لان حذف حرف الجر مع ان وانّ قياس فجاز ان يقدر اللام من غير اشتراط اتحاد الفاعل ثم قال البيضاوي نظرا الى هذا التأويل انه احتج به الحنفية على ان المهر لا بدّ ان يكون مالا ولا حجة فيه ومعنى قوله لا حجة فيه ان التحليل لفائدة عدم صرف الأموال فى السّفاح الموجب لخسران الدنيا والآخرة لا يقتضى ان لا يحصل التحصيل بدون المال، قلت هذا التأويل يقتضى كون حل ماوراء المحرمات مطلقا وان لا يكون قوله ان تبتغوا قيدا له وليس كذلك لظهور ان الحل مقيد بالنكاح او ملك اليمين وكون المهر لا بد ان يكون مالا امر مجمع عليه حتى ان من نكح على ميتة او تراب او رماد مثلا مما ليس بمال يجب عليه مهر المثل اجماعا كمن نكح بلا مهر وانما جوّز الشافعي النكاح على تعليم سورة من القران الحاقا له بالمال كما جوّز الاستيجار عليه وقد ذكرنا ما له وما عليه فالتأويل الصحيح هو الذي ذكرنا الذي يستنبط بها المسائل المجمع عليها والله اعلم- (مسئلة) من أعتق امة وجعل عتقها صداقها بان قال اعتقتك على ان تزوجنى نفسك بعوض العتق صح العتق بالإجماع وقال احمد ان كان هذا بحضرة شاهدين صح النكاح لقصّة نكاح صفية وعنه لا يصح كقول الجمهور وهى بالخيار فى تزويجه فان تزوجته فلها مهر مثلها عند الجمهور خلافا لابى يوسف وسفيان الثوري لهما الحديث الصحيح انه صلى الله عليه وسلم تزوج صفية وجعل عتقها صداقها وقصّة جويرية فى سبايا بنى المصطلق انها وقعت فى سهم ثابت بن قيس وابن عمّ له فكاتبها فجاءت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينه فى كتابتها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أقضي عنك كتابتك وأتزوجك قالت نعم قال قد فعلت رواه احمد وابو داؤد من حديث عائشة قلنا انه نكاح بغير مال إذ رقبة الامة لا تصير ملكها فصار حكمه حكم نكاح بلا مهر فيجب مهر المثل والحديث لا يصلح حجة لان النكاح بلا مهر

_ (1) فى الأصل للفاعل

كان من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وان أبت ان تتزوجه يجب على الامة السعاية فى قيمتها عند ابى حنيفة والشافعي وابى يوسف ومحمد وقال مالك وزفر لا يجب عليها السّعاية وجه قول ابى حنيفة وصاحبيه والشافعي ان المولى اجعل العتق عوضا من البضع فاذا أبت عن التزويج بقي العتق بلا عوض ولم يرض به المولى فوجب السعاية عليها كما إذا أعتق على خدمة سنة فمات المولى يجب على العبد قيمة نفسه عند ابى حنيفة وابى يوسف وقيمة الخدمة عند محمد ووجه قول مالك وزفران العتق لمّا لم يصلح عوضا عن النكاح فبقى العتق بغير عوض فلا سعاية عليها ان أبت كما لا سعاية عليها ان اجابت وهذا القول اظهر، (مسئلة) اكثر المهر لاحد له اجماعا لما ذكرنا فى تفسير قوله وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً واختلفوا فى اقل المهر فقال الشافعي واحمد لاحد لاقل المهر فكل ما جاز ان يكون ثمنا فى البيع جاز ان يكون صداقا فى النكاح والحجة لهما اطلاق قوله تعالى أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ وقال ابو حنيفة ومالك اقل المهر مقدر شرعا وهو ما يقطع فيه يد السّارق مع اختلافهما فى قدر ذلك فعند ابى حنيفة عشرة دراهم او دينار وعند مالك ربع دينار او ثلثة دراهم احتج ابو حنيفة ومالك على كونه مقدرا من الله تعالى بقوله تعالى قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ قالوا الفرض هو التقدير فكان المهر مقدرا شرعا فمن لم يجعله مقدرا كان مبطلا للكتاب وأسند التقدير الى نفسه فمن جعل التقدير مفوضا الى العبد كان مبطلا لموجب ضمير المتكلم قلنا هذه الاية فى النفقة دون المهر قال الله تعالى قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ إذ ليس للمملوكة مهر ولو ثبت بهذه الاية تقدير المهر لزم تقدير الثمن فى المملوكة ايضا ولم يقل به أحد واحتج الشافعي لعدم التقدير بأحاديث منها ما ذكرنا من حديث سهل بن سعد وفيه التمس ولو خاتما من حديد وهو حديث صحيح ومنها حديث عامر بن ربيعة ان امراة من فزارة تزوجت على نعلين فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضيت من نفسك ومالك بنعلين قالت نعم فاجازه رواه الترمذي وصححه وقال ابن الجوزي لا يصح لان فى سنده عاصم بن عبيد الله قال يحيى بن معين ضعيف لا يحتج بحديثه قال ابن حبان كان فاحش الخطا فترك ومنها حديث جابر بن عبد الله ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو ان رجلا اعطى امراة صداقها ملا يده ... ...

طعاما كانت له حلالا وفى رواية بلفظ من اعطى فى نكاح ملا كف فقد استحل قال من دقيق او طعام او سويق رواه الدارقطني وروى ابو داود بلفظ ملا كفيه سويقا او تمرا وفى جميع طرقه صالح بن مسلم بن رومان ضعّفه يحيى والرازي وذكر فى بعض طرقه موسى بن مسلم مكان صالح بن مسلم ولا يعرف موسى ورواه الدارقطني من حديث عبد الله بن مؤمل عن ابى الزبير عن جابر قال كنا تنكح المرأة على الحفنة والحفنتين قال احمد أحاديث ابن المؤمل منكر وقال يحيى هو ضعيف ومنها حديث ابى سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انكحوا الأيامى وادوا العلائق قيل ما العلائق بينهم يا رسول الله قال ما تراضى عليه الأهلون ولو قضيب من أراك رواه الدارقطني من طريق إسماعيل بن عياش عن برد بن سنان عن ابى هارون العبدى عنه واسمعيل بن عياش ضعّفوه قال ابن حبّان خرج عن الاحتجاج به وابو هارون العبدى اسمه عمارة ابن جون قال حماد بن زيد كان كذابا وقال احمد ليس بشىء وقال شعبة ان اقدم فيضرب عنقى احبّ الى من ان أحدث عنه قال السعدي كذاب مفتر وروى الدارقطني والبيهقي نحوه من طريق محمد بن عبد الرحمن السلماني عن أبيه عن ابن عباس وقيل عن ابن عمر رواه الدارقطني والطبراني وقال يحيى بن معين محمد بن عبد الرحمن ليس بشىء وقال ابن حبان حدث عن أبيه بنسخه شبيها بماتى حديث كلها موضوعة وأخرجه البيهقي من حديث عمر واسناده ضعيف ايضا، ورواه ابو داود فى المراسيل من طريق عبد الملك بن المغيرة الطائفي عن عبد الرحمن السليماني مرسلا حكى عبد الحق المرسل أصح وروى البيهقي عن يحيى بن عبد الرحمن عن أبيه عن جدّه من استحل بدرهم فقد استحل وأخرجه ابن شاهين بلفظ يستحل النكاح بدرهمين فصاعدا واحتج ابو حنيفة بحديث جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الا لا يزوج النساء الا الأولياء ولا يزوجن الا من الأكفاء ولا مهر اقل من عشرة دراهم رواه الدارقطني والبيهقي قال ابن الجوزي روينا هذا الحديث من طرق مدارها على مبشر بن عبيد قال ابن حنبل مبشر ليس بشىء أحاديثه موضوعات كذب يضع الحديث وقال الدارقطني يكذب وقال ابن حبان يروى عن الثقات الموضوعات قال ابن همام لهذا الحديث شاهد يعضده وهو ما روى عن على موقوفا لا يقطع اليد فى اقل من عشرة دراهم ولا يكون المهر اقل من عشرة دراهم وقال محمد بلغنا ذلك عن على وعبد الله بن عمرو عامر ... ...

وابراهيم ورواه بإسناده الى جابر فى شرح الطحاوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن فى حديث على داود الأزدي عن الشعبي عن على قال يحيى بن معين داود ليس حديثه بشىء قال ابن حبان كان داود يقول بالرجعة ثم ان الشعبي لم يسمع عن على وفى بعض طرقه غياث بن ابراهيم قال احمد والبخاري والدارقطني غياث بن ابراهيم متروك وقال يحيى كان كذابا وقال ابن حبان يضع الحديث وقد روى عن على لا مهر اقل من خمسة دراهم وفيه الحسن بن دينار قال احمد لا يكتب حديثه وقال يحيى ليس بشىء وقال ابو حاتم كذاب قلت فظهران حديث التقدير بعشرة دراهم لم يصح بل صح ما ليضاده وهو حديث سهل بن سعد ولو صح حديث التقدير بعشرة لم يجز به الزيادة على الكتاب المفيد للاطلاق وما قيل ان المهر وجب حقا للشرع وسببه اظهار الخطر للبضع ومطلق المال لا يقتضى الخطر كحبة حنظة وكسرة خبز فهو تعليل يعود على النص بالابطال فى موجبه وهو الإطلاق فيرد والله اعلم فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ قال جماعة المراد بالاستمتاع عقد المتعة وهى عقد يراد بها ملك البضعة الى مدة معينة بمهر معين بانت المرأة بعد انقضاء تلك المدة بلا طلاق وتستبرئ رحمها وليس بينهما ميراث ولا تسمى المرأة بها زوجة ولا الرجل زوجا روى عبد الرزاق فى مصنفه عن ابن جريح عن عطاء عن ابن عبّاس انه كان يراها الان حلالا ويقرا فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ قال وقال ابن عباس وفى حرف ابى بن كعب الى أجل مسمى قال وكان يقول يرحم الله عمر ما كانت المتعة الا رحمة من الله يرحم الله بها عباده ولولا نهى عمر ما احتيج الى الزنى ابدا وروى ابن عبد البر انه سئل ابن عباس عن المتعة أسفاح هى أم نكاح قال لا نكاح ولا سفاح قيل فما هى قال المتعة كما قال الله تعالى قلت وهل عليها حيضة قال نعم قلت ويتوارثان قال لا وروى تحليلها عن جماعة من الصحابة روى النسائي والطحاوي عن اسماء بنت ابى بكر قالت فعلناها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى مسلم عن جابر قال تمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وابى بكر وصدر خلافة عمر ولما كان اخر خلافة عمر نهانا عنها فلم نعد وروى الطحاوي عنه وعن سلمة بن الأكوع ان النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم فاذن فى المتعة وفى الصحيحين عن ابن مسعود قال رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان ننكح المرأة الى أجل مسمى ثم قرا يعنى ابن مسعود يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ... ...

وهذه الآثار لا تمنع كونها منسوخة غير اثر ابن عباس وقراءة ابن مسعود يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وروى عبد الرزاق فى مصنفه عن معاوية انه استمتع بامراة بالطائف وذكر عمرو بن شيبة فى اخبار المدينة بإسناده ان سلمة بن امية استمتع بامراة فبلغ ذلك عمر فتوعده وروى عبد الرزاق فى مصنفه عن معبد بن امية حل المتعة قال الحافظ وافتى بها من التابعين ابن جريح وطاءوس وعطاء واصحاب ابن عباس وسعيد بن جبير وفقهاء مكة ولهذا قال الأوزاعي فيما رواه الحاكم عنه فى علوم الحديث يترك من قول اهل الحجاز خمس فذكر منها متعة النساء من قول اهل مكة وإتيان النساء فى أدبارهن من قول اهل المدينة (مسئلة) والإجماع انعقد على عدم جواز المتعة وتحريمها لا خلاف فى ذلك فى علماء الأمصار الا من طائفة من الشيعة والحجة على تحريم المتعة قوله تعالى وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ، إذ لا شك ان المرأة بالمتعة لا تسمّى زوجة ولذا لا توارث بينهما فان كان تأويل الاية على ما قال ابن عباس فالاية منسوخة روى مسلم عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني ان أباه حدّثه انه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يايّها الناس انى كنت أذنت لكم فى الاستمتاع من النساء وان الله قد حرم ذلك الى يوم القيامة فمن كان عنده شىء منهن فليخل سبيله ولا تأخذوا ممّا اتيتموهن شيئا وروى مسلم ايضا عنه قال اذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمتعة فانطلقت انا ورجل الى امراة من بنى عامر كانها بكرة عيطاء فعرضنا عليها أنفسنا فقالت ما تعطينى فقلت ردائى وقال صاحبى ردائى وكان رداء صاحبى أجود من ردائى وكنت أشبّ منه فاذا نظرت الى رداء صاحبى أعجبها وإذا نظرت الى اعجبتها ثم قالت أنت ورداءك يكفينى فمكثت معها ثلاثا ثم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من كان عنده شىء من النساء التي يتمتع بهنّ فليخلّ سبيلها وروى ابن ماجة بإسناد صحيح عن عمر انه خطب فقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذن لنا فى المتعة ثلاثا ثم حرّمها والله لو اعلم أحدا تمتع وهو محصن الا رجمته بالحجارة وفى رواية خطب عمر فقال ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها لا اوتى أحد نكحها الا رجمته وسئل ابن عمر عن المتعة فقال حرام فقيل له ابن عباس يفتى بها قال فهلّا تزمزم بها فى زمان عمر وروى مسلم عن سلمة بن الأكوع ... ...

قال رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أوطاس ثلاثا ثم نهانا عنها وروى مسلم عن سبرة بن معبد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح حين دخلنا مكة ثم لم يخرج منها حتى نهانا عنها واخرج الحازمي بسنده عن جابر قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى غزوة تبوك حتى إذا كنا عند العقبة مما يلى الشام جاءت نسوة فذكرنا تمتعنا وهن تظعن فى رحالنا فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إليهن فقال من هؤلاء النسوة فقلنا يا رسول الله نسوة تمتعنا بهن قال فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احمرت وجنتاه وتمعر وجهه وقام فينا خطيبا فحمد الله واثنى عليه ثم نهى عن المتعة فتواد عنا يومئذ الرجال والنساء فلم نعد ولا نعود اليه ابدا وروى الطحاوي عن ابى هريرة قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة تبوك فنزل ثنية الوداع فراى مصابيح ونساء يبكون فقال ما هذا فقيل نساء تمتع بهن ازواجهنّ وفارقوهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله حرم وأهدر المتعة بالطلاق والنكاح والعدة والميراث وفى لفظ عند الدارقطني بإسناد حسن هدم المتعة بالطلاق والعدة والميراث وروى البخاري ومسلم عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن على عن أبيهما عن على انه سمع ابن عباس يلين فى متعة النساء فقال مهلا يا ابن عباس فان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الانسية وفى رواية عن على انه قال لابن عباس انك رجل تائه وروى مسلم عن عروة بن الزبير ان عبد الله بن الزبير قام بمكة فقال ان ناسا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة يعرض برجل يعنى ابن عباس فانه ذهب بصره فى آخر عمره فناداه يعنى ابن عباس فقال انك لجلف «1» جاف فلعمرى لقد كانت المتعة تفعل على عهد امام المتقين يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ابن الزبير فجرب بنفسك فو الله لان فعلتها لارجمنك باحجارك فقال ابن ابى عمرة الأنصاري انها كانت رخصة فى اوّل الإسلام لمن اضطر إليها كالميتة والدّم ولحم الخنزير ثم احكم الله الدّين ونها عنها واخرج البيهقي عن الزهري انه قال ما مات ابن عباس حتى رجع عن فتواه بحل المتعة وكذا ذكر ابو عوانة فى صحيحه،

_ (1) الجلف الأحمق ومعناه الحقيقي الشاة المسلوخة التي قطع رأسها وقوائمها ويقال للدنى ايضا شبه الأحمق بهما والجفا البعد عن الشيء منه رحمه الله

واخرج ابو داود فى ناسخه وابن المنذر والنحاس من طريق عطاء عن ابن «1» عطفى هذه الاية قال نسخها يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ... ، وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ... ، وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ الاية وكذا روى البيهقي وغيره عن ابن مسعود وابو داود والبيهقي عن سعيد بن المسيّب قال نسخت اية الميراث المتعة وروى الترمذي عن ابن عبّاس انه قال انما كانت المتعة فى اوّل الإسلام كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يرى انه مقيم فتحفظ له متاعه وتصلح له شيئه حتى إذا نزلت الآية إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ قال ابن عباس فكل فرج سواهما فهو حرام قلت لعل ابن عباس انما رجع عن فتواه بعد مناظرة ابن الزبير وغيره من العلماء حين اطلع على حقيقة الأمر وظهر كونها منسوخة وقد حكى انه انما كان يفتى بإباحتها حالة الاضطرار والعنت فى الاسفار لما روى الحارمى من طريق الخطابي عن ابى المنهال عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس سارت بفتياك الركبان وقال فيها الشعراء فقال ما قالوا قلت قالوا قد قلت للشيخ لما طال محبسه يا صاح هل لك فى فتوى ابن عباس هل لك فى رخصة الأطراف أنسة يكون مثواك حتى يصدر الناس، فقال سبحان الله ما بهذا أفتيت وما هى الّا كالميتة والدم ولحم الخنزير لا يحل الا للمضطر وكذا روى ابن المنذر فى تفسيره والبيهقي فى سننه بلفظ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ لا والله ما بهذا أفتيت ولا هذا أردت ولا احللتها الا للمضطر انتهى، وابن جريج ايضا رجع عن فتواه وروى ابو عوانة فى صحيحه عن ابن جريح انه قال بالبصرة اشهدوا انى قد رجعت عنها يعنى عن الفتوى بحل المتعة بعد ان حدثهم ثمانية عشر حديثا انه لا بأس به فان قيل وقع فى بعض روايات مسلم الرخصة بالمتعة وتحريمها عام أوطاس وفى بعضها حرّمها يوم الفتح وفى الصحيحين حرمها يوم خيبر وفى بعض الروايات ورود النهى فى غزوة تبوك فكيف التوفيق قلنا غزوة أوطاس كان مقارنا بالفتح فعام أوطاس ويوم الفتح واحد والتوفيق بين يوم الفتح ويوم خيبر ان المتعة رخصت فيها مرتين ثم نسخت كل مرة واستقر الأمر على التحريم الى يوم القيامة كذا قال ابن همام وفى صحيح مسلم باب نكاح المتعة وانه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ واستقر تحريمه الى يوم القيامة وقال البغوي قال الربيع بن سليمان سمعت الشافعي يقول لا اعلم فى الإسلام شيئا أحل ثم حرم ثم أحل ثم حرم

_ (1) هكذا فى الأصل لعله ابن عباس

غير المتعة وقال بعضهم نسخت ثلاث مرات وقيل اكثر واما غزوة تبوك فلم يرد هناك رخصة وانما فعل من فعل هناك بناء على عدم علمهم بالتحريم المؤبد ومن ثم غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمعر وجهه وخطب ونهى عن المتعة وقال الحارمى انه صلى الله عليه وسلم لم يكن أباحها لهم قط وهم فى بيوتهم وأوطانهم وانما أباحها لهم فى اوقات بحسب الضرورات حتى حرّمها عليهم فى اخر سنينه فى حجة الوداع وكان تحريمه تابيدا يعنى بين الحرمة فى اخر سنينه فى حجة الوداع حتى استقر عليه الأمر والله اعلم وقال اكثر المفسرين المتعة ليست مرادة من هذه الاية بل معنى قوله فما استمتعتم به منهن ما انتفعتم وتلذدتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح فاتوهن أجورهن اى مهوهن كذا قال الحسن ومجاهد واخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم عن ابن عباس قال الاستمتاع النكاح وهو قوله وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً، (مسئلة) قيل هذه الاية بهذا التأويل تدل على ان المرأة لا تستحق المهر الا بالدخول فهى حجّة لمالك حيث قال المرأة لا تملك الصداق الا بالدخول او الموت دون العقد وانما تستحق بالعقد نصف المسمى خلافا للجمهور فعندهم تملك بالعقد لكن يسقط نصف المهر بالطلاق قبل الدخول بالنص قلنا الباء فى قوله تعالى أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ للالصاق فهى تدل على لصوق وجوب المال بالابتغاء يعنى العقد وتنافى تراخيه الى الدخول كما ذكرنا ثمه وهذه الاية تدل على وجوب الأداء وعدم احتمال السقوط بالاستمتاع- ولا تدل على عدم الوجوب قبل ذلك بنفس العقد بل هو مسكوت عنه فى هذه الآية فلا تعارض بين الآيتين ولا حجة لمالك وإذا ملكت المهر بالعقد جاز لها ان تمنع الزوج من الدخول بها او يسافر بها حتى يؤدى مهرها وجاز اعتاقها لا اعتاقه عبدا سمى مهرا والله اعلم، فَرِيضَةً حال من الأجور بمعنى مفروضة او صفة مصدر محذوف اى إيتاء مفروضا او مصدر مؤكد اى فرض فريضة وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ فمن حمل ما قبله على المتعة قال معناه إذا عقد الى أجل بمال فاذا تم الاجل فان شاءت المرأة زادت فى الاجل وزاد الرجل فى الاجر والا تفارقا ومن حمل على الاستمتاع بالنكاح الصحيح قال المراد به لا جناح عليكم فيما تراضيتم به من ان تحطّ المرأة بعض المفروض ... ...

[سورة النساء (4) : آية 25]

عن الزوج او تهبه كله او يزيد الرجل لها على قدر المفروض، (مسئلة) وهذه الاية تدل على ان الزيادة فى المهر تلحق بأصل العقد وكذا الحط فللمرءة ان يطالب الزيادة كما ان لها طلب اصل المهر فهى حجة على الشافعي حيث قال الزيادة هبة مستانفة ان قبضها مضت وان لم يقبضها بطلت، وجه الاحتجاج ان الأمر لو كان كما قال الشافعي فلا فائدة فى هذه الاية وبناء على لحوق الزيادة بأصل المهر قال احمد ان مات الزوج او دخل بها يجب المهر كله مع الزيادة وان طلقها قبل الدخول ينتصف الزيادة مع المسمى وكذا قال ابو حنيفة غير انه قال تسقط الزيادة بالطلاق قبل الدخول ولا ينتصف لقوله تعالى وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ خصّ الوجوب بنصف المفروض فى العقد فقط وقال مالك الزيادة ثابتة ان دخل بها وان طلقها قبل الدخول فلها نصف الزيادة مع نصف المسمى وان مات قبل الدخول وقبل القبض بطلت، (مسئلة) لو حطت المرأة بعض مهرها صح اتفاقا فلو وهبت اقل من النصف وقبض الباقي وطلقت قبل الدخول رجع الزوج عليها الى تمام النصف عند ابى حنيفة وعند ابى يوسف ومحمد ينتصف المقبوض فقط إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بالمصالح حَكِيماً (24) فيما شرع من الاحكام. وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا الطول والطائل والطائلة الفضل والقدرة والغناء والسعة كذا فى القاموس ومعناه هاهنا الاستطاعة وهى القدرة فهو منصوب على المصدرية أَنْ يَنْكِحَ منصوب على انه مفعول به يعنى من لم يستطع منكم استطاعة ان ينكح وجاز ان يكون طولا مفعولا به ومعناه الاعتلاء وهو يلازم الفضل والغناء وان ينكح منصوبا بنزع الخافض متعلّقا بطولا يعنى من لم يستطع منكم ان يعتلى ويرتفع الى ان ينكح وجاز ان يكون طولا علة للاستطاعة المنفية وان ينكح مفعولا به للمنفى يعنى ومن لم يستطع منكم بسبب الغناء ان ينكح وجاز ان يكون طولا بمعنى الغناء وان ينكح متعلقا بفعل مقدر صفة لطولا يعنى من لم يستطع منكم غنى يبلغ به ان ينكح الْمُحْصَناتِ اى الحرائر سميت محصنات لكونهن ممنوعات عن ذل الرق الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ تقديره فلينكح امراة كائنة مما ملكنه أَيْمانُكُمْ يعنى ايمان بعض منكم يعنى من إماء غيركم فان النكاح بمملوكة نفسه لا يجوز لعدم الحاجة الى نكاحها كائنة مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ ... ...

احتج الشافعي ومالك واحمد بهذه الاية على تحريم نكاح الامة عند طول الحرة وتحريم نكاح الامة الكتابية مطلقا لان الأمر المقدر اعنى فلينكح للاباحة فاباحة نكاح الامة مشروطة بشرط عدم طول الحرة وبشرط إيمانها لان الوصف ملحق بالشرط وعدم الشرط يوجب نفى الحكم وإذا انتفى الإباحة ثبت التحريم وهذا القول مروى عن جابر وابن مسعود روى البيهقي من طريق ابى الزبير انه سمع جابرا يقول لا ينكح الامة على الحرة وينكح الحرة على الامة ومن وجد صداق حرة فلا ينكح امة ابدا واسناده صحيح وروى ابن المنذر عن ابن مسعود قال انما أحل الله نكاح الإماء لمن لم يستطع طولا وخشى العنت على نفسه قالت الحنفية اوّلا بان الاستدلال بمفهوم المخالفة غير صحيح عندنا وعدم الشرط لا يوجب نفى الحكم لان أقصى مراتب الشرط ان يكون علة وعدم العلة لا يوجب عدم المعلول لجواز وجوده بعلة اخرى فالتعليق بالشرط والتقييد بالوصف انما يوجب وجود الحكم على تقدير الشرط والوصف وتقدير عدم الشرط والوصف مسكوت عنه فان ثبت الحكم على ذلك التقدير بعلة اخرى فذاك والا فيعدم الحكم عدما اصليا لا حكما شرعيا وفيما نحن فيه اباحة نكاح الإماء مطلقا مؤمنة كانت او كتابية سواء كان الزوج قادرا على نكاح الحرة او لم يكن ثابت بعموم قوله تعالى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ وقوله تعالى وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ وثانيا بان الاستدلال بالمفهوم عند القائلين به مشروط بان لا يكون التقييد خارجا مخرج العادة ولا يتصوّر من التقييد فائدة غير الاحتراز وهاهنا جاز ان يكون الكلام خارجا مخرج العادة فان العادة ان الرجل الحرّ لا يرغب الى نكاح الامة الّا عند عدم طول الحرة والمسلم لا يرضى بالمعاشرة مع الكافرة ولاجل ذلك قيد المحصنات بالمؤمنات وليس ذلك القيد للاحتراز اجماعا ومن ثم قال الشافعي لا يجوز نكاح الامة مع طول الحرة الكتابية ايضا وجاز ان يكون التقييد لبيان الأفضل وثالثا بانا لو سلمنا إفادة المفهوم نفى الإباحة فنفى الإباحة لا يستلزم ثبوت الحرمة بل قد يكون فى ضمن الكراهة ونحن نقول بالكراهة كما صرح فى البدائع ووجه كراهة نكاح الامة الكتابية بل الحرة الكتابية ايضا استلزامه موالات الكفار وقد نهينا عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تر للمتحابين مثل النكاح رواه ابن ماجة عن ابن عباس وقال الله تعالى لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ وقال لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وقال رسول الله ... ...

صلى الله عليه وسلم تنكح المرأة لاربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك متفق عليه من حديث ابى هريرة ولمسلم عن جابر ان المرأة تنكح على دينها ومالها وجمالها فعليك بذات الدّين تربت يداك ورواه الحاكم وابن حبان من حديث ابى سعيد وابن ماجة والبزار والبيهقي من حديث عبد الله بن عمرو نحوه ووجه كراهة نكاح الإماء انها توجب ارقاق الولد والرق موت حكما وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تخيروا لنطفكم فانكحوا الأكفاء وانكحوا إليهم رواه ابو داؤد والحاكم وصححه البيهقي عن عائشة وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ والتفاضل انما هو بالايمان والأعمال بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ يعنى بعضكم من جنس بعض الأحرار والأرقاء كلهم من نفس واحدة آدم عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله قد اذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها بالآباء انما هو مومن تقى وفاجر شقى الناس كلهم بنوا آدم وآدم من تراب رواه الترمذي وابو داؤد من حديث ابى هريرة وروى احمد والبيهقي عن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انسابكم هذه ليست بمسبة على أحد كلكم بنو آدم طف الصّاع بالصّاع لم تملؤه ليس لاحد على أحد فضل الآبدين وتقوى كفى بالرجل ان يكون بذيا فاحشا بخيلا فهذان الجملتان لتأنيس الناس بنكاح الإماء ومنعهم عن الاستنكاف منهن فَانْكِحُوهُنَّ اى الفتيات المؤمنات بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ يعنى اربابهن الضمير راجع الى الفتيات والمراد بها الإماء وهى تعم القنة والمكاتبة والمدبرة وأم الولد والأمر هاهنا للوجوب والإيجاب راجع الى القيد يعنى لا يجوز نكاح الإماء الّا بإذن سيّدها وكذا العبد ولذلك ذكر صيغة فانكحوهن ولم يكتف بان يقول فممّا ملكت ايمانكم من فتيتكم المؤمنات بإذن اهلهنّ لان الأمر هناك للاباحة وهاهنا للوجوب ولا يجوز الجمع بين معنى الإيجاب والإباحة فى صيغة واحدة وعدم جواز نكاح الرقيق بلا اذن السيّد امر مجمع عليه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما عبد تزوج بغير اذن مولاه فهو عاهر رواه ابو داود والترمذي من حديث جابر وقال حديث حسن وفى السّنن ايضا عن ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم إذا نكح العبد بغير اذن مولاه فنكاحه باطل (مسئله:) اختلفوا فى ان نكاح الرقيق بغير اذن السيّد هل ينعقد ويتوقف نفاذه على اذن المولى أم لا ينعقد أصلا فقال ابو حنيفة ومالك وهى رواية عن احمد انه ينعقد موقوفا، ... ...

وقال الشافعي لا ينعقد أصلا، للجمهور ان العبد يتصرف باهليته وانما يشترط اذن المولى لفوات حقه فى الوطي فى الامة وشغل الذمة بالمهر فى العبد وفى الاية انما اعتبر اذن المولى دون عقده وللشافعى قوله صلى الله عليه وسلم فنكاحه باطل وان الباء فى الاية للالصاق فلا بد ان يكون الاذن ملاصقا بالنكاح فلا يتوقف على اذن متأخر وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ قال مالك بظاهر هذه الاية ان المهر للامة وعند الجمهور مهرها ملك لسيّدها لانها مملوكة ملحقة بالجمادات لا يتصوّر كونها مالكة وقالوا فى تأويل الآية اتوهن مهورهن بإذن أهلهن فخذف ذلك لتقدم ذكره او المعنى أتوا مواليهنّ فخذف المضاف للعلم بان المهر للسيّد ضرورة دينية وفى هذين التأويلين ضعف لان العطف لا يقتضى مشاركة المعطوف والمعطوف عليه فى القيد المتأخر وانما الاشتراك فيما تقدم ولا بد لحذف المضاف من دليل ولا بد من نكتة لاختيار اتوهن على أتوهم مع سبق ذكر الأهل قال المحقق التفتازانيّ النكتة تأكيد إيجاب المهور والاشعار بأنها أجور الابضاع ومن هذا الجهة يسلم المهر إليهن وانما يأخذ الموالي من جهة ملك اليمين والأقرب ان يقال ان الامة مالكة للمهر يدا كالعبد المأذون والاذن فى النكاح كالاذن فى التجارة فيجب التسليم اليهنّ، ولك ان تحمل أجورهن على نفقاتهن فتستغنى عن اعتبار الاذن بِالْمَعْرُوفِ يعنى بلا مطل ونقصان ويمكن ان يقال المراد بالمعروف ايتاءهن بإذن أهلهن فان الإيتاء بغير اذن أهلهن منكر شرعا مُحْصَناتٍ عفيفات غَيْرَ مُسافِحاتٍ زانيات جهارا وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ احباب يزنون بهن سرّا قال الحسن المسافحة هى ان كل من دعاها تبعته وذات خدن ان تختص بواحد لا تزنى الا معه والعرب كانوا يحرمون الاولى ويجوّزون الثانية قوله غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ بيان لمحصنات وقوله محصنات حال من مفعول فَانْكِحُوهُنَّ وآتُوهُنَّ على سبيل التنازع، وقيد نكاحهن بالاحصان لبيان الأفضل عند ابى حنيفة والشافعي وقال احمد لا يجوز النكاح مع الزانية حرة كانت او امة حتى تتوب حيث قال الله تعالى الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وسنذكر تفسيرها فى سورة النور ان شاء الله تعالى وقال مالك يكره التزويج بالزانية مطلقا وقيد إيتاء المهر بالاحصان انما جاء بناء على تقييد النكاح به لان النكاح إذا كان فى حالة الإحصان كان الأداء ايضا فى تلك الحالة ... ...

غالبا نظرا على استصحاب الحال فلا يرد ان وجوب أداء المهر غير مقيد بالعفة اجماعا- فَإِذا أُحْصِنَّ قرا حمرة والكسائي وابو بكر بفتح الالف والصاد على البناء للفاعل اى حفظن فروجهنّ بالتزويج وقرا الآخرون بضم الالف وكسر الصاد على البناء للمفعول اى حفظهنّ أزواجهن والإحصان فى اللغة المنع وجاء فى القران بمعنى الحرية والعفة والزواج والإسلام يعتبر فى كل مقام ما يناسبه وفى كل منها نوع من المنع والمراد هاهنا التزويج لان الكلام فى الامة المسلمة والعفة تنافى قوله تعالى فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ يعنى الزنى فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ يعنى الحرائر اى الابكار منهن ولا يجوز ان يراد بها المتزوجات عن الحرائر لانّ حدهن الرجم وذا لا يتصوّر التنصيف فيه مِنَ الْعَذابِ يعنى الحد- (مسئلة) وحد الزنى فى الحر رجلا كان او امراة مائة جلدة ان كان غير محصن عند أبي حنيفة رحمه الله لقوله تعالى الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ، وعند الشافعي واحمد مائة جلدة وتغريب عام وقال مالك انما التغريب فى الرجال دون النساء والدليل على اثبات التغريب مع الجلد ما ذكرنا من حديث عبادة بن الصّامت البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام رواه مسلم وقد مرّ وعن زيد بن خالد قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يأمر فيمن زنى ولم يحصن جلد مائة وتغريب عام رواه البخاري قال مالك البكر لا يشتمل المرأة فلا يثبت التغريب فى النساء وهذا ليس بشىء فان سياق الحديث فى النساء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذوا عنى خذوا عنى قد جعل الله لهنّ سبيلا البكر بالبكر الحديث وعدم شمول البكر المرأة ممنوع كيف وقد قال عليه السّلام البكر تستأذن وكلمة من زنى فى حديث زيد عام فى الذكر والأنثى وقال ابو حنيفة هذه زيادة على الكتاب لا يجوز بخبر الآحاد وسنذكر زيادة البحث فى هذا الباب فى سورة النور ان شاء الله تعالى (مسئلة) وحدّ الرقيق رجلا كان او امراة متزوجا كان او غير متزوج خمسون سوطا عند الائمة الاربعة اما الامة فبعبارة هذا النصّ وامّا العبد فبدلالة النصّ بطريق المساوات ولا تغريب على الرقيق عند الائمة الثلاثة واحد قولى الشافعي وأصح قولى الشافعي انه يغرب نصف عام وقال ابو ثور يرجم المحصن يعنى المتزوج من الأرقاء وهذه الاية حجة للجمهور عليه لانها تدل على نصف حدّ الأحرار وذا لا يتصوّر الا فى الجلد وامّا الرجم فلا يقبل التنصيف ... ...

وذهب ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير الى انه لاحد على غير المتزوجة من الأرقاء عملا بمفهوم الشرط من هذه الاية ومفهوم الشرط غير معتبر عند ابى حنيفة وعند الائمة الثلاثة لا مفهوم للشرط فى هذه الاية بل المراد منه التنبيه على ان المملوك وان كان محصنا بالتزويج فلا رجم عليه انما حده الجلد بخلاف الحرّ وهذا الحكم العام يثبت بعموم قوله صلى الله عليه وسلم إذا زنت امة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم ان زنت فليجلدها الحدّ ولا يثرب عليها ثم ان زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل شعر متفق عليه من حديث ابى هريرة فان لفظ امة نكرة فى حيز الشرط فتعم وعليه انعقد الإجماع وعن على رضى الله عنه قال ايها الناس اقيموا على ارقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن فان امة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فامرنى ان اجلدها فاذا هى حديث عهد بنفاس فخشيت ان جلدتها ان اقتلها فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحسنت رواه مسلم وروى عن عبد الله بن عياش بن ابى ربيعة قال أمرني عمر ابن الخطاب فى فتية من قريش فجلدنا ولائد من ولائد الامارة خمسين خمسين فى الزنى ذلِكَ اى شرع الحد لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ اى لمن خاف مشقة الضرب مِنْكُمْ حتى لا تقربوا الزنى وَأَنْ تَصْبِرُوا عن قضاء الشهوة ولا تقربوا الزنى خَيْرٌ لَكُمْ فى الدنيا والاخرة، وقال اكثر المفسّرين ذلك اشارة الى نكاح الإماء يعنى نكاح الإماء مختص بمن خشى العنت يعنى خاف الوقوع فى الزنى منكم فان الزنى سبب للمشقة فى الدنيا والاخرة وان تصبروا عن نكاح الإماء متعففين خير لكم كيلا يخلق الولد رقيقا ولا ترتكبوا الفعل المكروه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرائر صلاح البيت والإماء هلاكه رواه الثعلبي والديلمي فى مسند الفردوس من حديث ابى هريرة وفى التحرير انه ضعيف قلت لعل هلاك البيت بمعنى ان أولاد الإماء تكون مماليك لساداتهن فيخلوا عنهم بيوت أزواجهن وهذا التأويل يناسب قوله تعالى وَاللَّهُ غَفُورٌ لمن لم يصبر عن نكاح الإماء رَحِيمٌ (25) حيث رخص لكم فى نكاح الإماء وهذه الاية على هذا التأويل حجة للشافعى ومالك على اشتراط خوف الوقوع فى الزنى لجواز نكاح الإماء فان اللام للاختصاص قال البغوي وهو قول جابر وبه قال طاؤس وعمرو بن دينار ولا يشترط ذلك عند ابى حنيفة لكنه يكره نكاح الامة عنده من غير ضرورة بمقتضى هذه الاية- ... ...

(فائدة:) قال الشافعي واحمد نكاح الإماء ضرورى لاستلزامه رق الأولاد ولاشتراطه بعدم طول الحرة وتقييد نكاح الامة بالايمان فلا يجوز نكاح ما فوق الواحدة من الإماء للحرّ لاندفاع الضرورة بالواحدة وقال ابو حنيفة يجوز نكاح الامة مطلقا من غير الضرورة مسلمة كانت او كتابية عند طول الحرة وعدمه وان كان مكروها من غير ضرورة لاطلاق قوله تعالى وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ وقوله تعالى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ واستلزام رق الأولاد ولو كان علة لعدم الجواز من غير ضرورة لما جاز للعبد ايضا نكاح الامة عند القدرة على نكاح الحرة ولم يقل به أحد وايضا يجوز للعبد نكاح الثنتين من الإماء عندكم فاولى ان يكون ذلك جائزا للحرّ فان حلّه اكثر من حلّ العبد ولذلك جاز للحرّ نكاح اربع من النساء بالنص وللعبد نكاح «1» ثنتين بالحديث كما مرّ وايضا النصّ المبيح أربعا من النساء مطلق لا يجوز تقييده بالحرائر والله اعلم وقول مالك فى تجويز اربع من الإماء والحرائر للحرّ كقول ابى حنيفة رحمهما الله تعالى- (مسئلة) لا يجوز نكاح الامة على الحرة عند الائمة الاربعة غير ان مالكا يقول بالجواز ان رضيت الحرة خلافا لغيره ويجوز نكاح الحرة على الامة من غير إفساد فى نكاح الامة اجماعا فالائمة الثلاثة يقولون بعدم جواز نكاح الامة على الحرة لمفهوم قوله تعالى وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا لان من كان فى نكاحه حرة فله طول الحرة وهذا الاستدلال لا يقتضى التفرقة بين الحرّ والعبد وبين رضاء الحرة وعدمه وابو حنيفة يقول بعدم جواز نكاح الامة على الحرة لما روى سعيد بن منصور فى السنن عن ابن علية عن من سمع الحسن ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى ان تستنكح الامة على الحرة قال وتنكح الحرة على الامة ورواه البيهقي والطبري فى تفسيره بسند متصل الى الحسن واستغربه من رواية ما مر الأحول عنه وانما المعروف رواية عمرو بن عبيد عن الحسن قال الحافظ وهو المبهم فى رواية سعيد بن منصور ورواه عبد الرزاق عن الحسن ايضا مرسلا وكذا رواه ابن ابى شيبة عنه والمرسل عندنا حجة وكذا عند الشافعي إذا اعتضد بأقوال الصحابة وهاهنا قد اعتضد، روى ابن ابى شيبة والبيهقي عن على موقوفا ان الامة لا ينبغى لها ان يتزوج على الحرة وفى لفظ لا تنكح الامة على الحرة وسنده حسن، واخرج عن ابن مسعود نحوه وروى عبد الرزاق من طريق ابى الزبير انه سمع جابرا يقول لا تنكح الامة على الحرة وتنكح الحرة على الامة وللبيهقى نحوه،

_ (1) فى الأصل وللعبد نكاح نكاح ثنتين-[.....]

[سورة النساء (4) : آية 26]

وزاد من وجد صداق حرة فلا ينكح امة ابدا واسناده صحيح وهو عند عبد الرزاق ايضا مفردا واخرج ابن ابى شيبة عن سعيد بن المسيّب تزوج الحرة على الامة ولا تتزوج الامة على الحرة وفى الباب حديث عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم طلاق العبد اثنتان الحديث الى ان قال ويتزوج الحرة على الامة ولا يتزوج الامة على الحرة رواه الدارقطني وفيه مظاهر بن اسلم ضعيف لكن يرد على اصل ابى حنيفة هاهنا انه يلزم تخصيص الكتاب اعنى قوله تعالى وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ بحديث الآحاد اللهم الا «1» ان يقال هذا الحديث تأيد بالإجماع ويجوز للعبد نكاح الامة على الحرة عند الشافعي وقال ابو حنيفة لا يجوز لاطلاق ما روينا من المرسل وكذا ما استدل به الائمة الثلاثة على عدم الجواز للحر من المفهوم موجود فى العبد ايضا والله اعلم. يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ اى لان يبين لكم شرائع دينكم ومصالح أموركم واللام زائدة لتأكيد معنى الاستقبال او يقال للتعليل وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وهذه الاية دليل على انّ شرائع من قبلنا ما لم يظهر كونها منسوخة فى شريعتنا واجب علينا إتيانها إذا ثبت عندنا بالكتاب والسنة ولا عبرة لرواية اليهود فانهم كفار متهمون الا إذا روى منهم مثل عبد الله بن سلام وكعب الأحبار بعد إيمانه وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ويغفر لكم ذنوبكم التي ارتكبتموها قبل بيانها وقيل يوفقكم للتوبة او لاتيان ما يكفر سيئاتكم وَاللَّهُ عَلِيمٌ بالمصالح حَكِيمٌ (26) فى وضعها،. وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ كرّره للتأكيد والمبالغة وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ يعنى الفجار فامّا من وضع شهوته فيما امر به الشرع فهو متبع للشرع دون الشهوة وقيل المراد بهم الزناة وقيل المجوس حيث يحلّون المحارم وقيل اليهود فانهم يحلّون الأخوات من الأب وبنات الأخ والاخت أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً (27) عن الحق يعنى مستحلين الحرام فانه أعظم ميلا الى الباطل من اقتراف الذنب مع الاعتقاد بحرمته. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ولذلك شرع لكم الشريعة الحنفية السمحة السهلة وأحل بعض ما كان محرّما على من قبلكم اخرج ابن ابى شيبة فى المصنف وابن المنذر فى التفسير عن مجاهد قال مما وسّع الله به على هذه الامة نكاح الامة والنصرانية واليهودية وذكر فى المدارك هذا القول لابن عباس وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (28) لا يصبر عن الشهوات ولا يتحمل مشاق الطاعات

_ (1) فى الأصل اللهمّ ان يقال-

[سورة النساء (4) : آية 29]

وكلما كان الزمان اقرب الى الساعة ازداد فيهم الضعف ولهذا خفف الله عن هذه الامة،. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ يعنى لا يأكل أحد منكم مال غيره من المسلمين ومن تبعهم من اهل الذمّة ولا بأس بأكل مال الحربي الغير المعاهد من غير عذر بِالْباطِلِ اى بوجه ممنوع شرعا كالغصب والسّرقة والخيانة والقمار والربوا والعقود الفاسدة إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً قرا الكوفيون بالنصب على انه خبر لتكون واسمه مضمر تقديره الّا ان تكون جهة الاكل تجارة والباقون بالرفع بالفاعلية وتكون تامة والاستثناء منقطع يعنى لكن كلوا وقت كون وجه الاكل تجارة او وقت كون التجارة الصّادرة عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انما البيع عن تراض رواه ابن ماجة وابن المنذر عن ابى سعيد اى من المعطى والعاطى او المعنى لكن اقصدوا كون وجه الاكل تجارة او كون تجارة والتجارة البيع بالتكلم او بالتعاطى وهو مبادلة المال بالمال والاجارة يعنى مبادلة المال بالمنافع المعلومة خصّ التجارة بالذكر من الوجوه التي بها يحل أخذ المال من الغير لانها اغلب وأطيب «1» عن رافع ابن خديج قال قيل يا رسول الله اىّ الكسب أطيب قال عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور رواه احمد وعن المقدام بن معد يكرب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكل أحد طعاما قطّ خيرا من ان يأكل من عمل يديه وان نبى الله داود كان يأكل من عمل يديه رواه البخاري وعن عائشة انّ أطيب ما أكلتم من كسبكم وان أولادكم من كسبكم رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وهذه الاية

_ (1) اخرج الاصبهانى عن ابى امامة مرفوعا ان التاجر إذا كان فيه اربع خصال طاب كسبه إذا اشترى لم يذم وإذا باع لم يمدح ولم يدلس فى البيع ولم يحلف فيما بين ذلك واخرج احمد والحاكم عن عبد الرحمن بن شبلى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول التّجارهم الفجار قالوا يا رسول الله أليس قد أحل الله البيع قال بلى ولكنهم يحلفون فيأثمون ويحدثون فيكذبون واخرج الحاكم وصححه عن رفاعة بن رافع ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان التجار يبعثون يوم القيامة فجارا الّا من اتقى الله وبرّ وصدق واخرج الترمذي وحسّنه والحاكم عن ابى سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم التاجر الصدوق الامين مع النبيين والصدّيقين والشهداء وابن ماجة والحاكم عن ابن عمر مرفوعا التاجر الصدوق الامين المسلم مع الشهداء يوم القيامة واخرج الطبراني عن صفوان بن امية مرفوعا ان عون الله مع صالحى التجار والاصبهانى عن انس مرفوعا، التاجر الصدوق تحت ظلّ العرش يوم القيامة، واخرج الاصبهانى عن معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا وإذا وعدوا لم يخلفوا وإذا اؤتمنوا لم يخونوا وإذا اشتروا لم يدموا وإذا باعوا لم يمدحوا وإذا كان عليهم لم يمطلوا وإذا كان لهم لم يعيروا منه رحمه الله تعالى- فى الأصل بين المسلمين-

لا تدل على نفى غير التجارة من الوجوه كالمهر والهبة والصدقة والعارية وغير ذلك لانها ليست من الباطل بل هى ثابتة بالنصوص الشرعية، احتج الحنفية بهذه الآية على انه لا خيار فى المجلس لاحد المتبايعين بعد الإيجاب والقبول وبه قال مالك لانها تدل على جواز الاكل بالتجارة عن تراض وان كان قبل افتراقهما عن المجلس وجواز الاكل مبنى على تمام البيع وتمام البيع يقتضى عدم بقاء الخيار لاحدهما وقال الشافعي واحمد لكل واحد منهما الخيار ما لم يتفرقا عن المجلس لحديث ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المتبايعان كل واحد بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا الّا بيع الخيار متفق عليه وعن حكيم بن خرام قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا فان صدقا وبينابورك لهما فى بيعهما وان كتما وكذبا محقت بركة بيعهما متفق عليه قالت الحنفية هذه أحاديث لا يجوز العمل بها على خلاف مقتضى الكتاب ومقتضى الكتاب عدم بقاء الخيار كما ذكرنا وهذه الأحاديث محمولة على خيار القبول وفيه اشارة اليه فانهما متبايعان حالة المباشرة لا بعدها او يحتمله فيحمل عليه والمراد بالتفرق تفرق الأقوال كذا فى الهداية قال ابن همام كون تفرق الأقوال مرادا بالتفرق كثير فى الشرع والعرف قال الله تعالى وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ... إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ قلت والصحيح عندى ان الاية تدل على جواز الاكل وتمام البيع قبل الافتراق من المجلس لكن لا يدل على نفى ولاية الفسخ عنهما فالاولى ان يقال بثبوت خيار المجلس للمتعاقدين كما اثبت ابو حنيفة خيار الرؤية وخيار العيب بعد تمام البيع كيلا يلزم ترك العمل بالحديث الصحيح وما قالوا انهما متبايعان حالة المباشرة لا بعدها ممنوع بل قبل قبول الاخر انما هو بايع واحد لا متبايعان وبعد الإيجاب والقبول ما دام المجلس باقيا حالة المباشرة قائم عرفا وشرعا لان ساعات المجلس كلها تعتبر ساعة واحدة فهما متبايعان ما دام المجلس باقيا حقيقة والقول بان المراد بالتفرق التفرق فى الأقوال قول بالمجاز مع إمكان الحقيقة على ان بعض ألفاظ الحديث يأبى عن هذا التأويل فانه روى مسلم حديث ابن عمر بلفظ إذا تبايع المتبايعان فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا فان كلمة الفاء فى قوله فكل واحد منهما بالخيار تدل على تعقيب الخيار عن التبايع وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال البيعان بالخيار ما لم يتفرقا الّا ان تكون صفقة خيار ولا يحل له ان يفارق صاحبه خشية ان يستقيله رواه الترمذي وابو داود والنسائي وعن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يتفرقن اثنان الا عن تراض ... ...

رواه ابو داود وعن جابر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خيّرا عرابيا بعد البيع رواه الترمذي وقال هذا حديث صحيح غريب فان هذه الأحاديث صريحة فى جواز الا قالة بعد البيع قبل الافتراق عن المجلس والله اعلم- وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ قيل معناه لا يقتل أحدكم نفسه عن ثابت بن الضحاك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قتل نفسه بشىء فى الدنيا عذب به يوم القيامة رواه البغوي من طريق الشافعي وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تردى من جبل فقتل نفسه فهو فى نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها ابدا ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته فى يده يتوجأ بها فى نار جهنم خالدا مخلدا فيها ابدا رواه البخاري ومسلم والترمذي بتقديم وتأخير والنسائي ولابى داود ومن جشاسما فسمه بيده يتجشأه فى نار جهنم وعن جندب بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جرح من رجل فيمن كان قبلكم اراب فجزع منه فأخرج سكينا فجزّ بها يده فمارقا الدم حتى مات فقال الله عز وجل بادرني عبدى بنفسه فحرمت عليه الجنة رواه البغوي وروى ابو داؤد وابن حبان والحاكم فى صحيحه عن عمرو بن العاص انه تأوّل هذه الاية فى التيمم لخوف البرد فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال احتلمت فى ليلة باردة وانا فى غزوة ذات السلاسل فاشفقت لى ان اغتسلت ان أهلك فتيمّمت ثم صليت فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا عمرو صليت باصحابك وأنت جنب فقلت انى سمعت الله عز وجل يقول وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا وقال الحسن وعكرمة وعطاء بن ابى رباح والسدىّ معناه لا تقتلوا «1» إخوانكم كما قوله تعالى ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ يعنى إخوانكم فى الدين وقتل المسلم من أعظم الكبائر بعد الشرك عن جرير قال قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم استنصت الناس ثم قال لا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض رواه البخاري وقيل معناه لا تقتلوا أنفسكم بأكل المال بالباطل وهذا يحتمل المعنيين أحدهما ان أكل مال الغير بالباطل قتل وإهلاك لنفس الاكل لكونه موجبا لتصليته نار جهنم وثانيهما ان أكل مال الغير إهلاك لدلك الغير، إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (29) يعنى أمركم بالحسنات ونهاكم عن السيّئات لفرط رحمته عليكم

_ (1) عن عاصم بن بهدلة ان مسروقا اتى صفين فقام بين الصفين فقال يا ايها الناس انصتوا ارايتم لو ان مناديا يناديكم من السماء ورأيتموه وسمعتم كلامه فقال ان الله ينهاكم عما أنتم عليه اكنتم منتهين قالوا سبحان الله قال فو الله نزل بذلك جبرئيل على محمد صلى الله عليه وسلم وما ذلك بابين عندى منه ان الله قال وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً منه رحمه الله

[سورة النساء (4) : آية 30]

وقيل ان معناه انه امر بنى إسرائيل بقتل أنفسهم ليكون لهم توبة وكان بكم رحيما حيث لم يكلفكم به بل جعل توبتكم الندم والاستغفار. وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اى أكل مال غيره او قتل نفسا معصومة عُدْواناً اى تعديا على الغير عمدا وَظُلْماً على نفسه بتعريضها للعقاب مصدر ان فى موضع الحال او مفعول لهما فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ندخله فى الاخرة ناراً يعنى نار جهنم وَكانَ ذلِكَ اى اصلاء النار عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (30) سهلا هذا الوعيد فى حق المستحل للتخليد وفى حق غيره لبيان استحقاقه دخول النار مع جواز المغفرة من الله تعالى ان شاء-. إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ قال على رضى الله عنه الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار او غضب او لعنة او عذاب وكذا قال الضحاك انه ما أوعد الله عليه حدا فى الدنيا او عذابا فى الاخرة قلت والكبائر على ثلاثة مراتب، المرتبة الاولى وهى اكبر الكبائر الإشراك بالله ويلتحق به كل ما فيه تكذيب بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وثبت بدليل قطعى امّا تكذيبا صريحا، بلا تأويل ويسمّى كفرا او بتأويل ويسمى هوى وبدعة كاقوال الروافض والخوارج والقدرية والمجسمة وأمثالهم ومن هاهنا قال على وابن مسعود اكبر الكبائر الإشراك بالله والا من من مكر الله والقنوط من رحمة الله واليأس من روح «1» الله قلت قال الله تعالى فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ... ، وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ... ، إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ والمرتبة الثانية ما فيه إتلاف حقوق العباد من المظالم فى الدماء والأموال والاعراض قال سفيان الثوري الكبائر ما كان فيه المظالم بينك وبين العباد فانها اكبر ممّا بينك وبين الله تعالى لان الله كبير يغفر الذنوب جميعا كل شىء بالنسبة اليه صغير قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبى وقال الله تعالى وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدواوين عند الله ثلاثة فديوان لا يعبأ الله به شيئا وديوان لا يترك الله منه شيئا وديوان لا يغفر الله امّا الديوان الذي لا يغفره الله فهو الشرك وامّا الدّيوان الذي لا يعبأ الله به شيئا فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربّه من صوم تركه او صلوة تركها فانّ الله تعالى يغفر ذلك

_ (1) روى البزار والطبراني فى الأوسط عن ابن عباس قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الكبائر قال الشرك بالله والياس من روح الله والامن من مكر الله منه رحمه الله-

ويتجاوز لمن يشاء وامّا الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا فظلم العباد بعضهم بعضا القصاص لا محالة رواه احمد والحاكم وروى الطبراني مثله من حديث سلمان وابى هريرة والبزار مثله من حديث انس وعن انس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادى مناد من بطنان العرش يوم القيامة يا امة محمد ان الله عز وجل قد عفا عنكم جميعا المؤمنين والمؤمنات تواهبوا لمظالم وادخلوا الجنّة برحمتي رواه البغوي وعن ابى بكرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى خطبته يوم النحر فى حجة الوداع ان دماءكم وأموالكم واعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا فى بلدكم هذا فى شهركم هذا متفق عليه ورواه الترمذي وصححه عن عمرو بن الأحوص وعن اسامة بن شريك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حرج الأعلى رجل اقترض عرض مسلم وهو ظالم فذلك الذي حرج وأهلك رواه ابو داؤد وقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ «1» يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ «2» لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً، بيان للمرتبتين المذكورتين الكفر والظلم على العباد وفى إيراد هذه الاية بعد قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ ... ، وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ اشارة الى ان الظلم على اموال العباد وأنفسهم من أعظم الكبائر والأحاديث الصحاح التي وردت فى عدّ الكبائر انما ورد فيها غالبا المظالم من حقوق العباد والإشراك منها حديث انس وعبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس فى رواية عبد الله عند البخاري وفى رواية انس وشهادة الزور بدل اليمين الغموس متفق عليه وروى ابن مردوية عن انس انها سبع وزاد وقذف المحصنة وأكل مال اليتيم وأكل الربوا والفرار عن الزحف ومنها حديث ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وماهن قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله الا بالحق وأكل الربوا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الرجف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات متفق عليه وفى رواية زاد ابن راهويه وغيره عقوق الوالدين والإلحاد بالبيت الحرام ومنها حديث ابن مسعود قال قال رجل يا رسول الله اىّ الذنب اكبر عند الله قال ان تدعو لله ندّا وهو خلقك قال ثم اىّ قال ان تقتل ولدك خشية ان بطعم معك قال ثم اىّ قال ان تزنى حليلة جارك فانزل الله تصديقها وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ

_ (1) فى الأصل والذين إلخ (2) فى الأصل ولهم عذاب مهين

وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ الاية متفق عليه قيد رسول الله صلى الله عليه وسلم الزنى بحليلة الجار لان فيه إتلاف حق الجار وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لان يزنى الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من ان يزنى بحليلة جاره رواه احمد عن المقداد بن اسود ورواته ثقات ورواه الطبراني عنه فى الكبير والأوسط ومنها حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من اكبر الكبائر ان يسبّ الرجل والديه قال وكيف يسبّ الرجل والديه قال يسبّ أبا الرجل فيسبّ أباه ويسبّ امه فيسبّ امه رواه البغوي وغيره ومنها حديث ابى بكرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم الا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا قالوا بلى يا رسول الله قال الإشراك بالله وعقوق الوالدين (وجلس وكان متكيا) الا وقول الزور الا وقول الزور الا وقول الزور فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت رواه البخاري، (فائدة) مبالغة النبي صلى الله عليه وسلم فى التهديد فى قول الزور لشمولها كثيرا من الكبائر الإشراك بالله وشهادة الزور واليمين الغموس والقذف والدعوى الباطل والكذب على النبي صلى الله عليه وسلم فانه صلى الله عليه وسلم قال من كذب على متعمدا فليتبوا مقعده من النار متفق عليه والغيبة التي هى أشد من الزنى رواه البيهقي عن ابى سعيد وجابر مرفوعا والنميمة، عن عبد الرحمن ابن غنم واسماء مرفوعا شرار عباد الله مشاؤن بالنميمة رواه احمد ومدح الفاسق عن انس مرفوعا إذا مدح الفاسق غضب الرب واهتز له العرش رواه البيهقي ولعن من لا يستحقه فانه من لعن شيئا ليس له اهل رجعت اللعنة عليه رواه الترمذي عن ابن عباس وابو داؤد عنه وعن ابى الدرداء مرفوعا والطعن والفحش عن ابن مسعود مرفوعا ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش ولا البذيء رواه الترمذي وغير ذلك من المعاصي ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يضمن لى ما بين لحييه وما بين رجليه اضمن له الجنة رواه البخاري عن سهل بن سعد وروى مالك والبيهقي عن صفوان بن سليم مرسلا انه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيكون المؤمن جبانا قال نعم قيل أيكون بخيلا قال نعم قيل أيكون كذابا قال لا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اية المنافق ثلاث وان صام وصلى وزعم انه مسلم إذا حدث كذب وإذا وعد اخلف وإذا اؤتمن خان رواه مسلم والبخاري نحوه وفى الصحيحين عن عبد الله بن عمرو مرفوعا اربع من كن فيه كان منافقا خالصا

ومن كان فيه خصلة كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجروا لله اعلم والمرتبة الثالثة من الكبائر ما يتعلق منها بحقوق الله تعالى كالزنى والشرب، اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عمرو انه سئل عن الخمر فقال سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هى اكبر الكبائر وأم الفواحش من شرب الخمر ترك الصلاة ووقع على امه وعمته وخالته كذا روى عبد ابن حميد عن ابن عباس، عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن ولا يسرق «1» السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة يرفع الناس اليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن ولا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن فاياكم إياكم متفق عليه وفى رواية عن ابن عباس ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن رواه البخاري قلت واللواطة فى معنى الزنى وقد قال الله تعالى فيها أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ وأشد من السرقة قطع الطريق فان فيه قوله تعالى إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الاية ويلحق بالسرقة التطفيف قال الله تعالى وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ والخيانة فبئست البطانة وهى من علامات النفاق وأعظم الذنوب من هذا الباب ما يستحقره الفاعل ويزعمه سهلا فان استحقار الذنب وان كان صغيرا يبعده عن المغفرة ويدل على التمرد وربما يفضى الى الكفر وما استعظمه وخاف عنه فهو يستحق المغفرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن يرى ذنبه كأنّ جبلا على راسه والمنافق يرى ذنبه كذباب على انفه قال به هكذا فطارت وعن انس قال انكم لتعملون أعمالا هى أدق فى أعينكم من الشعر ان كنا نعد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات رواه البخاري واحمد مثله عن ابى سعيد بسند صحيح وبهذا التحقيق يظهر انه من قال بحصر الكبائر فى سبع ونحو ذلك فقد اخطأ وان «2» الصغيرة بالإصرار وكذا بالاستحقار يصير كبيرة اخرج ابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير انّ رجلا سال ابن عباس عن الكبائر أسبع هى قال هى الى «3» سبعمائة اقرب الا انه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع اصرار، وقال كل شىء عصى الله به فهو كبير فمن عمل شيئا

_ (1) السرقة والخيانة والتطفيف من القسم الثاني منه رحمه الله (2) اخرج الترمذي وابن ابى حاتم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الجمع بين الصلاتين من غير عذر من الكبائر وكذا اخرج ابن ابى شيبة عن عمرو ابى موسى وابى قتادة من قولهم منه رحمه الله- (3) فى الأصل الى السبعمائة

منها فليستغفر الله فان الله لا يخلد فى النار من هذه الامة الا راجعا عن اسلام او جاحدا فريضة او مكذبا بقدر قلت ومعنى قول ابن عباس لا كبيرة مع استغفار المراد بالكبيرة ما تعلق منها بحقوق الله تعالى وامّا ما تعلق بحقوق العباد فلا بدّ فيه من ردّ المظالم واسترضاء المظلوم- (فائدة:) أساس المعاصي كلها قساوة القلب الموجب للغفلة عن الله سبحانه ورذائل النفس الداعية الى الشهوات السّبعية والبهيمية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان فى جسد بنى آدم لمضغة إذ أصلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب وقال الله تعالى وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ولا يتصوّر التنزه عن المعاصي الّا بدوام الحضور وصفاء القلوب والنفوس وذا لا يتصوّر الا بجذب من الله تعالى بتوسط المشائخ فعليك التشبّث بأذيالهم فهم قوم لا يشقى جليسهم ولا يخاب انيسهم- (فائدة:) ما قيل ان العبد يبلغ درجة لا يضره ذنب عمله ليس معناه ان بعض الناس يسقط عنهم التكاليف الشرعية ويباح لهم المحرمات فانه كفر وزندقة بل معناه ان العبد بعد تصفية القلب وتزكية النفس إذا دام حضوره لا يصدر عنه ذنب الّا نادرا وكلما صدر عنه ذنب صغير او كبير يستعظم ذلك ويندم ويغتم كانما هلك نفسه واهله وماله وولده بحيث يصير ذلك الندم والتوبة والاغتمام موجبا لمزيد درجته ونزول الرحمة عليه أولئك يبدل الله شيئاتهم حسنات ذكر العارف الرومي قصّة إيقاظ الشيطان معاوية رضى الله عنه لصلوة الصبح وتلك القصّة وان لم اطلع على صحة سندها لكن يكفى للتمثيل مجرد الفرض، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسى بيده لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم كانّ هذا الحديث اشارة الى هذه الحالة والله اعلم نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ يعنى الصغائر مثل النظرة واللمسة والقبلة ولشباهها قال النبي صلى الله عليه وسلم العينان تزنيان واليدان تزنيان والرجلان تزنيان ويصدّق ذلك الفرج او يكذّبه كل ذلك يكفرهن الصلاة والصوم والاذكار ان شاء الله تعالى إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس والجمعة الى الجمعة ورمضان الى رمضان مكفرات لما بينهنّ إذا اجتنب الكبائر رواه مسلم وَنُدْخِلْكُمْ ... ...

[سورة النساء (4) : آية 32]

مُدْخَلًا كَرِيماً (31) قرا نافع مدخلا هاهنا وفى الحج بفتح الميم والباقون بالضم وعلى كلا القرائتين يحتمل المكان فيكون مفعولا به والمصدر على ان المفعول به محذوف اى ندخلكم الجنّة الحسناء او ندخلكم الجنة دخولا حسنا والله اعلم- قال مجاهد قالت أم سلمة يا رسول الله ان الرجال يغزون ولا نغزوا ولهم ضعف ما لنا من الميراث ولو كنا رجالا غزونا كما غزوا وأخذنا من الميراث ما أخذوا فنزلت. وَلا تَتَمَنَّوْا الاية كذا روى الترمذي والحاكم عن أم سلمة وصححه وقيل لما جعل الله عز وجلّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فى الميراث قالت النساء نحن أحق وأحوج الى الزيادة من الرجال لانا ضعيفات وهم أقوى واقدر على طلب المعاش فانزل الله تعالى هذه الاية وقال قتادة والسدى لما نزل قوله تعالى لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ قال الرجال انا لنرجوان نفضل على النساء بحسناتنا فى الاخرة فيكون أجرنا على الضعف من اجر النساء كما فضلنا عليهن بالميراث فانزل الله تعالى وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لانّ ذلك التفضيل قسمة من الله تعالى صادرة عن حكمة وتدبير والتمني يفضى الى الحسد ولا يفيد شيئا بل ينبغى لكل واحد بذل جهده فى كسب ما يمكنه من الحسنات فان ذلك يوجب القرب عند الله والفضل فى الدار الاخرة لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مكتوب لهم عند الله من الأموال والثواب والفضل مِمَّا اكْتَسَبُوا اى بسبب ما كسبوا من الجهاد وغير ذلك من العبادات المختصة بهم وغير المختصة بهم ومن الغنيمة والإرث والتجارة على ما قدر لهم وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ من المال والثواب مِمَّا اكْتَسَبْنَ من إطاعة الأزواج وحضانة الأولاد وحفظ الفروج وغير ذلك مما يختصّ بهن وما لا يختصّ بهن من العبادات ومن المهور والنفقات والإرث وغير ذلك على ما قدر لهن وَسْئَلُوا اللَّهَ «1» كثرة ثواب الدنيا والاخرة مِنْ فَضْلِهِ اى من خزائنه التي لا ينفد فانه تعالى يعطى ثواب حسنة عشرة أمثالها الى سبعمائة ضعف الى ما شاء الله وكذا يعطى بركة الاكساب فى الدنيا ويفضل بعضهم على بعض فى الرزق ولا يفيد التمني شيئا ولا يجوز الحسد قرا ابن كثير والكسائي

_ (1) اخرج الترمذي عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سلوا الله من فضله فان الله يجب ان يسئل واخرج ابن جرير عن رجل من الصحابة لم يسمّه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سلوا الله من فضله فانه يحب ان يسئل وان من أفضل العبادة انتظار الفرج واخرج احمد عن انس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سال رجل مسلم الله الجنة ثلاثا الّا قالت الجنة اللهم ادخله الجنة وما استجار رجل مسلم الله من النار ثلاثا الا قالت النار اللهم اجره من النار اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ قال العبادة ليس من امر الدنيا منه رحمه الله

[سورة النساء (4) : آية 33]

وسلوا وسل فسل يعنى الأمر الحاضر منه إذا كان قبله واو او فاء بنقل حركة الهمزة الى السين وحذف تلك الهمزة وقرا حمزة فى الوقف على أصله والباقون بسكون السين مهموزا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (32) فهو عليم بما يستحقه كل انسان من الفضائل وهذا يقتضى سبق استعداد لكل امرئ بما فضله الله به والاستعداد متفرع على استناد الأشياء الى الأعيان الثابتة كما قرّره الصوفية العلية رضى الله عنهم-. وَلِكُلٍّ المضاف اليه محذوف والظرف متعلق بقوله جَعَلْنا اى جعلنا لكل مال او لكل أحد من الأموات مَوالِيَ اى ورثة يحرزون الأموال ويرثون الأموات مِمَّا تَرَكَ اى تركه ظرف مستقر صفة لمال مقدر على التقدير الاوّل ولا بأس بالفصل بالعامل لان حقه التقديم وظرف لغو متعلق بفعل مقدر دلّ عليه الموالي على التقدير الثاني اى يرثون مما تركه وذلك الفعل المقدر صفة لموالى وقوله الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ على التقدير الاوّل فاعل لترك وعلى التقدير الثاني استيناف مفسّر للموالى وفاعل ترك ضمير راجع الى كل تقديره هم الوالدان والأقربون وجاز ان يقال لكل خبر وجعلنا موالى صفة والعائد محذوف وقوله مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ صفة لمبتدا محذوف تقديره لكل جماعة من ورثة جعلناهم موالى حظ ممّا ترك الوالدان والأقربون وَالَّذِينَ «1» عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ معطوف على الوالدان والأقربون فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ جملة مبينة عن الجملة المتقدمة وجاز ان يكون الموصول مبتدأ متضمنا بمعنى الشرط وقوله تعالى

_ (1) روى ابو داود فى ناسخه عن داود بن الحصين قال كنت اقرأ على أم سعد ابنة الربيع وكانت يتيمة فى حجر ابى بكر فقرأت عليها والّذين عاقدت ايمانكم فقالت لا ولكن وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ انها نزلت فى ابى بكر وابنه عبد الرحمن حين ابى ان يسلم فحلف ابو بكر انه لا يورثه فلما اسلم امره الله ان يورثه نصيبه قلت وعلى هذا التأويل لا حجة بالآية على ايراث مولى الموالاة روى عبد بن حميد وابن ابى حاتم عن ابى مالك قال كان الرجل فى الجاهلية يأتى القوم فيعقدون له انه رجل منهم ان كان ضرّا او نفعا او دما فانه فيهم مثلهم ويأخذون له من أنفسهم مثل الذي يأخذون منه فكانوا إذا كان قتال قالوا يا فلان أنت منا فانصرنا وان كانت منفعة قالوا أعطنا أنت منا ولم ينصروه كنصرة بعضهم بعضا إذا استنصر وإن نزل به امر أعطاه بعضهم ومنعه بعضهم ولم يعطوه مثل الذي يأخذون منه فاتوا لنبى صلى الله عليه وسلم فسالوه وتحرجوا من ذلك وقالوا قد عاقدنا فى الجاهلية فانزل الله تعالى والّذين عاقدت ايمانكم فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ يعنى أتوهم مثل الذي تأخذون منهم واخرجاه من وجه اخر عن ابى مالك قال هو حليف القوم يقول اشهدوا أمركم ومشورتكم واخرج عبد ابن حميد وابن جرير عن ابن عمرو ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح أوفوا بحلف الجاهلية فانه لا يزيد الإسلام الا شدة ولا تحدثوا حلفا فى الإسلام واخرج احمد ومسلم عن جبير بن مطعم ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لا حلف فى الإسلام وايّما حلف كان فى الجاهلية فلم يزده الإسلام الا شدة واخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رقعه كل حلف كان فى الجاهلية لم يزده الإسلام الا حدة وشدة واخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الزهري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حلف فى الإسلام منه رحمه الله

[سورة النساء (4) : آية 34]

فاتوهم خبره وجاز ان يكون الموصول منصوبا بمضمر يفسّره ما بعده على طريقة زيدا فاضربه لكن على التأويل الثاني يلزم وقوع الخبر جملة طلبية وتركيب الإضمار على شريطة التفسير يفيد الاختصاص ولا اختصاص هاهنا فالاولى هو التأويل الاوّل ولا عبرة بالوقف على الأقربون فانه غير منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم وذلك التأويل مناسب لمذهب ابى حنيفة فان عنده يرث مولى الموالاة يعنى الأعلى دون الأسفل جميع التركة او ما بقي بعد فرض أحد الزوجين ان لم تكن للميت عصبة ولا ذو فرض نسبى ولا ذو رحم عند ابى حنيفة رحمه الله وعند وجود أحد منهم لا ميراث له اجماعا وعند الجمهور كان ذلك الحكم فى الجاهلية وفى ابتداء الإسلام وكان نصيب الحليف السدس من مال الحليف ثم نسخ ذلك الحكم بقوله تعالى وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ فلا يرث مولى الموالاة عندهم بحال بل يكون التركة لبيت المال عند عدم الورثة وأورد على ذلك بان النسخ يتفرع على التعارض ولا تعارض هاهنا إذ لا دلالة فى قوله تعالى وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ على نفى ارث الحليف والصحيح انه يدلّ على نفى ارث الحليف لان تمام الاية إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً صريح فى ان الموالي لا بدلهم من الوصية وبدون الوصية ليس لهم شىء غير ان أبا حنيفة يقول ان ارث موالى الموالاة منسوخ عند وجود أحد من اولى الأرحام ونحن نقول به وبقي ارثهم ثابتا عند عدم اولى الأرحام كيف لا وماله حقه فيصرفه الى حيث شاء والصرف الى بيت المال ضرورة عدم المستحق لا انه مستحق كما يقول به الشافعي لان ورثة بيت المال مجهولون والمجهول لا يصلح مستحقا (مسئلة) وللمولى الأسفل ان يسقط ولاءه عن الأعلى ما لم يعقل عنه لانه عقد غير لازم بمنزلة الوصية وكذا للاعلى ان يتبرا عن ولائه لعدم اللزوم الا انه يشترط فى هذا ان يكون بمحضر من الآخر كما فى عزل الوكيل قصدا بخلاف ما إذا عقد الأسفل مع غيره بغير محضر من الاول فحينئذ يسقط ولاؤه عن الاول وإذا عقل الأعلى عن الأسفل فحينئذ لم يكن له ان يتحول بولائه الى غيره إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً (33) تهديد على منع نصيبهم اخرج ابن ابى حاتم عن الحسن قال جاءت امراة الى النبىّ صلى الله عليه وسلم تستعدى على زوجها انه لطمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم القصاص فانزل الله تعالى الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ الاية فرجعت بغير قصاص وأخرجه ابن ابى شيبة وابو داود فى المراسيل واخرج ابن جرير ... ...

عن الحسن نحوه، وروى الثعلبي والواحدي وكذا ذكر البغوي أنها نزلت فى سعد بن الربيع وكان من النقباء وفى امرأته حبيبة بنت زيد بن ابى زهير قاله مقاتل وقال الكلبي امرأته بنت محمد بن مسلمة وذلك انها نشزت عليه فلطمها فانطلق أبوها معها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال افرشته كريمتى فلطمها فقال النبي صلى الله عليه وسلم لتقتصّ منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم ارجعوا هذا جبرئيل أتانى فانزل الله تعالى هذه الآية فقال النبىّ صلى الله عليه وسلم أردنا امرا وأراد الله امرا والذي أراد الله خير ورفع القصاص واخرج ابن مردوية عن على قال اتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من الأنصار بامرأة له فقالت يا رسول الله انه ضربنى فاثرفى وجهى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس له ذلك فانزل الله تعالى الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ يقومون عليهن قيام الولاة على الرعية مسلّطون على تأديبهم وسموا الرجال قواما لذلك والقوام والقيّم بمعنى واحد والقوام ابلغ وهو القائم بالمصالح والتدبير والتأديب وعلل ذلك بامرين وهبى وكسبى فقال بِما فَضَّلَ اللَّهُ اى بسبب تفضيل الله بَعْضَهُمْ يعنى الرجال عَلى بَعْضٍ يعنى على النساء فى اصل الخلقة بكمال العقل وحسن التدبير وبسطة فى العلم والجسم ومزيدا لقوة فى الأعمال وعلو الاستعداد ولذلك خصّوا بالنبوة والامامة والولاية والقضاء والشهادة فى الحدود والقصاص وغيرهما ووجوب الجهاد والجمعة والعيدين والاذان والخطبة والجماعة وزيادة السهم فى الإرث ومالكية النكاح وتعدد المنكوحات والاستبداد بالطلاق وكمال الصوم والصلاة من غير فتور وغير ذلك وهذا امر وهبى ولذلك الفضل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أمرت أحدا ان يسجد لاحد لامرت المرأة ان تسجد لزوجها رواه احمد عن معاذ وعن عائشة نحوه والترمذي عن ابى هريرة وابو داؤد عن قيس بن سعد وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فى نكاحهن من المهور والنفقات الراتبة وهذا امر كسبى ثم قسمهنّ على نوعين اما النوع الاول فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ مطيعات لله تعالى فى أداء حقوق ازواجهنّ حافِظاتٌ لما يجب عليهن حفظه من الفروج واموال الأزواج وأسرارهم لِلْغَيْبِ اى فى غيبة الأزواج او المراد بالغيب ما غاب عن الناس من اسرار الأزواج وأموالهم الخفية واللام صلة بِما حَفِظَ اللَّهُ اخرج ابن جرير عن طلحة ابن مطرف قال فى قراءة ابن مسعود فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ فاصلحوا اليهنّ واخرج عن السدى فاحسنوا اليهنّ قرا ابو جعفر بنصب الجلالة وما حينئذ موصولة وضمير ... ...

الفاعل راجع اليه والمعنى بالأمر الذي حفظ حق الله او طاعة الله وهو التعفف والشفقة على الأزواج وقرأ العامة بالرفع وما حينئذ اما مصدرية يعنى بحفظ الله اياهن بالأمر على حفظ الغيب والتوفيق او يقال اسناد الحفظ إليهن باعتبار الكسب والى الله تعالى باعتبار الخلق والخلق سبب للكسب وامّا موصولة يعنى بالذي حفظ الله لهنّ على الأزواج من المهر والنفقة والقيام بحفظهن والذبّ عنهنّ عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير «1» النساء امراة إذا نظرت إليها سرتك وان أمرتها اطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك فى مالها ونفسها ثم تلا الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ الاية رواه البغوي ورواه ابن جرير بلفظ مالك ونفسها وروى النسائي والحاكم والبيهقي فى شعب الايمان عنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم اى النساء خير قال التي تسرّه إذا نظر وتطيعه إذا امر ولا تخالفه فى نفسها ولا مالها بما يكره وفى رواية تحفظ فى نفسها وماله قال السيوطي فى اكثر طرق الحديث فى نفسها وماله وكذا روى ابن ماجة من حديث ابى امامة وفى بعض الطرق فى نفسها ومالها قال الطيبي أراد بما لها مال الزوج أضاف إليها لادنى ملابسة لانها هى المتصرفة فيه، عن انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة إذا صلت خمسها وصامت شهرها وأحصنت فرجها واطاعت بعلها فليدخل من اىّ أبواب الجنة شاءت رواه ابو نعيم فى الحلية وعن أم سلمة مرفوعا ايّما امراة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة رواه الترمذي واما النوع الثاني فقال وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ اى عصيانهن وتكبرهن واصل النشوز الارتفاع ومنه النشز للموضع المرتفع قيل معنى تخافون تعلمون وفى القاموس جعل من معانى الخوف العلم ومنه وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً وقيل المراد بخوف النشوز خوف دوام النشوز والإصرار عليه ولا يجوز العقوبة قبل ظهور النشوز قلت خوف النشوز يكفى للوعظ فَعِظُوهُنَّ بالقول يعنى خوفوهن عقوبة الله والضرب والهجران وَاهْجُرُوهُنَّ حال كونكم فِي الْمَضاجِعِ إذا لم ينفعهن الوعظ يعنى لا تدخلوهنّ فى اللحف او هو كناية عن الجماع او ان يوليها ظهره فى المضجع وهو الأظهر حيث قال فى المضاجع ولم يقل

_ (1) عن عمر قال ما استفاده رجل بعد الايمان بالله من امرأة حسنة الخلق ودود ولود وما استفاد رجل بعد الكفر بالله شرّا من امراة سيئة الخلق حديدة اللسان وعن عمر بن الخطّاب قال النساء ثلاث امراة عفيفة مسلمة هبنة لينة ودود ولود تعين أهلها على الدهر ولا تعين الدهر على أهلها وقليل ما تجدها وامراة لم تزد على ان تلد الولد والثالثة غل قمل يجعلها الله فى عنق من يشاء وإذا أراد ان ينزعه نزعه رواه ابن ابى شيبة والبيهقي منه رحمه الله

عن المضاجع وَاضْرِبُوهُنَّ ان لم ينفع الهجران قال اكثر المفسّرين يعنى ضربا غير مبرج اى غير شاق وانما قيدوا بهذا لما روى مسلم عن جابر فى قصّة حجة الوداع فى خطبته صلى الله عليه وسلم فاتقوا الله فى النساء فانكم أخذتموهن بامان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن ان لا يوطئن فروشكم أحدا تكرهونه فان فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرج ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف قلت وهذا حديث احاد لا يجوز تقييد مطلق الكتاب بمثله واطلاق الكتاب وسياقه يقتضى ان يكون السياسة على قدر الجريمة فان خاف نشوزها بان ظهرت اماراته منها من المخاشنة وسوء الخلق وعظها فان أظهرت النشوز هجرها فان أصرّت عليه ضربها على قدر نشوزها فان أتت بفاحشة او تركت الصّلوة المكتوبة او صيام رمضان او غسل الجنابة او الحيض بضربها او يحبسها بقدر ما يرى ان تنزجر بها وان كان نشوزها ادنى من ذلك وأصرّت ولم تنزجر بالوعظ والهجران ضربها غير مبرج فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ من أول الأمر او بعد ما نشرت وتابت من النشوز فَلا تَبْغُوا اى لا تطلبوا يقال بغوت الأمر إذا طلبته عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا اى سبيل الإيذاء مفعول به لتبغوا يعنى اجعلوا بعد التوبة ما كان منهن من النشوز كان لم يكن لان التائب من الذنب كمن لا ذنب له إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (34) فلا تظلموا من تحت ايديكم واتقوا الله العلى الكبير فانه اقدر عليكم منكم على من تحت ايديكم او انه تعالى مع علو شانه متجاوز عن سيئاتكم ويتوب عليكم فانتم أحق بعفو حقوقكم عن أزواجكم، عن عبد الله بن زمعة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها فى اخر اليوم متفق عليه وعن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه قال قلت يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه قال ان يطعمها إذا طمت ويكسوها إذا اكتسيت ولا يضرب الوجه ولا يقبح ولا يهجر الا فى البيت رواه احمد وابو داؤد وابن ماجة وعن إياس بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تضربوا إماء الله فجاء عمر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ذئرن النساء على أزواجهن فرخص فى ضربهن فاطاف بال رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثيرة يشكون أزواجهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد طاف بآل محمد نساء كثيرة يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم رواه ابو داود وابن ماجة والدارمي وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خيركم خيركم لاهله وانا خيركم لاهلى رواه الترمذي والدارمي ورواه ابن ماجة عن ابن عباس.

[سورة النساء (4) : آية 35]

وَإِنْ خِفْتُمْ ايّها الحكّام شِقاقَ يعنى العداوة والخلاف لان كلا من الأعداء يفعل ما يشق على صاحبه او يميل الى شق اخر غير شق مختار لصاحبه بَيْنِهِما اى بين الزوجين، او رد ضميرهما من غير سبق المرجع لجريان ذكر ما يدل عليهما وهو النشوز لانه عصيان المرأة عن مطاوعة الزوج او يقال ذكر المرأة وضمير الزوج فى قوله تعالى وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ وأضيف الشقاق الى الظرف مجازا كما فى قوله تعالى مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ والخوف بمعنى الظنّ يعنى إذا ظهر من الزوجين ما ظننتم به تباغضهما واشتبه حالهما فى الحق والباطل فَابْعَثُوا الى الرجل حَكَماً يعنى رجلا عاقلا عادلا يصلح للحكومة مِنْ أَهْلِهِ وَابعثوا الى المرأة رجلا اخر حَكَماً مِنْ أَهْلِها وانما قيد بكون الحكمين من أهلهما لان الأقارب اعرف ببواطن الأحوال واطلب للصلاح وهذا القيد استحبابى ولو بعثوا أجنبيين جاز فيبحث الحكمان عن أحوالهما ويعرفان الظالم منهما فان كان الظلم من الزوج امراه بامساك بمعروف او تسريح بإحسان وان كان النشوز منها امراها باطاعة الزوج او الافتداء روى البغوي بسنده من طريق الشافعي عن عبيدة انه قال فى هذه الاية انه جاء رجل وامراة الى على بن ابى طالب رضى الله عنه ومع كل واحد منهما قيام من الناس فامرهم علىّ فبعثوا «1» حكما من اهله وحكما من أهلها ثم قال للحكمين تدريان ما عليكما، عليكما ان رايتما ان تجمعا تجمعا وان رايتما ان تفرّقا تفرقا قالت المرأة رضيت بكتاب الله بما علىّ فيه ولى وقال الرجل اما الفرقة فلا فقال على كذبت والله حتى تقر بمثل الذي أقرت به فقال مالك يجوز لحكم الزوج ان يطلق المرأة بدون رضاء الزوج ولحكم المرأة ان يختلع بدون رضاء المرأة ويجب عليها المال إذا راى الصلاح فى ذلك حيث ملّك علىّ الحكمين الجمع والتفريق وكذّب الزوج على نفى الفرقة وعند جمهور العلماء ليس للحكمين ذلك بل ان كان الزوجان وكلهما بالتطليق والخلع فعلا ذلك والا أصلحا بينهما بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ما أمكن والا شهدا عند الحاكم بظلم أحد الزوجين فجبر الحاكم الظالم منهما اما الزوج على إمساك بمعروف او تسريح بإحسان وامّا الزوجة على ترك النشوز أو الافتداء وقول على للرجل حتى تقر دليل على انّ رضاه شرط للفرقة فما لم يؤكله المطلاق ويفوض امره اليه لا ينفذ طلاقه إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما الضمير الاول

_ (1) عن ابن عباس بعثت انا ومعاوية حكمين فقيل لنا ان رأيتما ان تجمعا جمعتما وان رايتما ان تفرقا فرقتما والذي بعثهما عثمان رضى الله عنه منه رحمه الله،

[سورة النساء (4) : آية 36]

للحكمين والثاني للزوجين يعنى ان قصد الحكمان «1» إصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة، أوقع الله بحسن سعيهما بين الزوجين الوفاق والالفة وجاز ان يكون المراد بالإصلاح ما هو اعمّ من الوفاق والفراق يعنى ان أراد اما هو الأصلح من ابقاء النكاح او إيقاع الطلاق يوفق الله بينهما ذلك الأصلح او الضمير ان للحكمين يعنى ان قصد الإصلاح ونصر المظلوم ولم يكن ارادة أحدهما اعانة قريبة على الباطل يوفق الله بينهما فيتفقان على الكلمة الواحدة حتى يتم المراد او الضميران للزوجين يعنى ان يريد الزوجان إصلاح ما بينهما او طلبا ما هو الأصلح القى الله بينهما الالفة او وفقهما الله بما هو الأصلح وفيه تنبيه على ان من أصلح نيته فيما يفعل أصلح الله عاقبة امره إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بما فى الضمائر وبعواقب الأمور خَبِيراً (35) بالظالم من الزوجين فيجازيه-. وَاعْبُدُوا اللَّهَ فى الصحاح العبودية اظهار التذلل والعبادة ابلغ منها لانها غاية التذلل ولا يستحقها الا من له غاية العظمة ونهاية الإفضال قلت ولهذا نهى عن الإشراك به تعالى فى العبادة وقال وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً منصوب على المفعولية والتنوين للتحقير وفيه توبيخ اى لا تشركوا به حقيرا مع عدم تناهى كبريائه إذ كل ممكن بالنسبة الى الواجب حقير جدّا او على المصدرية يعنى لا تشركوا به شيئا من الإشراك خفيا ولا جليا والعبادة ضربان عبادة بالتسخير لا يمكن لشىء من الممكنات الاستنكاف عنها وعبادة بالاختيار وهو المأمور به فى الآية والمراد به امتثال أوامره والانتهاء عما نهى عنه قال الصوفية العلية العبادة عبارة عن جعل العبد نفسه عديم الارادة والاختيار كالميّت بين يدى الغسّال فى امتثال أوامره ونواهيه راضيا بما قضى فيه حتى يكون فى أوامره التكليفية والتكوينية على انهج واحد قال الله تعالى وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، عن معاذ بن جبل قال كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا معاذ هل تدرى ما حق الله على العباد قال قلته ورسوله اعمل قال حقه عليهم ان يعبدوه ولا يشركوا به شيئا اتدرى يا معاذ ما حق الناس على الله إذا فعلوا ذلك قال قلت الله ورسوله اعلم قال فانّ حق الناس على الله ان لا يعذبهم قال قلت يا رسول الله الا ابشر الناس قال دعهم يعملون رواه البغوي وفى الصحيحين نحوه قلت وعند الصوفية معنى لا يعذبهم ان لا يعذبهم بعذاب الهجر والفراق وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً يعنى أحسنوا بهما إحسانا،

_ (1) فى الأصل ان قصدا الحكمين [.....]

عن معاذ قال أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر كلمات قال لا تشرك بالله وان قتلت او حرقت ولا تعقن والديك وان امراك ان تخرج من أهلك ومالك الحديث رواه احمد وَبِذِي الْقُرْبى مصدر بمعنى القرابة يعنى أحسنوا بذي القرابة عن سلمان بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة على المسكين صدقة وهى على ذى الرحم صدقة وصلة رواه احمد والنسائي وابن حبان والحاكم والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن خزيمة وصححه ولفظه وعلى القريب صدقتان صدقة وصلة وبهذه الاية يظهر وجوب نفقة الوالدين والأقارب لكن يشترط ان يكون غنيا لقوله تعالى يسئلونك ماذا ينفقون قل العفو يعنى الفاضل عن حاجته وقال عليه السلام خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول رواه البخاري عن ابى هريرة وحكيم ومسلم عن حكيم ويشترط لوجوب نفقة الأقارب غير الوالدين كونه عاجزا عن الكسب بان يكون صغيرا او زمنا او امراة ولا يشترط ذلك فى الوالدين وجه الوجوب انه ليس من الإحسان ان يكون هو غنيا ويموت قريبه جوعا وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ والإحسان الواجب فى هؤلاء ان يؤتيهم زكوة ماله وما زاد على ذلك فمستحبّ عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انا وكافل اليتيم فى الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا رواه البخاري وعن ابى امامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من مسح رأس يتيم لم يمسحه الا لله كان له بكل شعر تمرّ عليها يده عشر حسنات ومن احسن الى يتيمة او يتيم عنده كنت انا وهو فى الجنة كهأتين وفرق بين إصبعيه رواه البغوي وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى يعنى الجار الذي قرب جواره او يكون جارا وذا قرابة فى النسب او فى الدين وَالْجارِ الْجُنُبِ يعنى الجار الذي بعد جواره او يكون جارا بلا قرابة وبلا اشتراك فى الدين عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيران ثلاثة فجادله ثلاثة حقوق حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام وجارله حقان حق الجوار وحق الإسلام وجادله حق واحد حق الجوار وهو المشرك من اهل الكتاب رواه الحسن بن سفيان والبزار فى مسنديهما وابو الشيخ فى كتاب الثواب وابو نعيم فى الحلية وروى ابن عدى فى الكامل من حديث عبد الله بن عمر ونحوه والحديثان كلاهما ضعيفان وعن عائشة قالت يا رسول الله انّ لى جارين فالى أيهما اهدى قال الى أقربهما منك بابا رواه البخاري وعن ابى ذر قال قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا طبخت عرقة ... ...

فاكثر مائها وتعاهد جيرانك رواه مسلم وعن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال جبرئيل يوصينى بالجار حتى ظننت انه سيورثه رواه البخاري وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة هو الرفيق فى السفر وقال ابن جريح وابن زيد الذي يصحبك رجاء نفعك فيشتمل التلميذ وتلميذ استاده وقال على وعبد الله وابراهيم النخعي هو المرأة تكون مع جنبه وَابْنِ السَّبِيلِ قيل هو المسافر والأكثرون على انه الضيف عن ابى شريح الخزاعي ان النبىّ صلى الله عليه وسلم قال من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليحسن الى جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليقل خيرا او ليصمت رواه البغوي وفى الصحيحين عن ابى شريح الكعبي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة والضيافة ثلاثة ايام فما بعد ذلك فهو صدقة ولا يحل له ان يثوى عنده حتى يحرجه وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليقل خيرا او ليصمت متفق عليه وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ اى العبيد والإماء، قلت ويدخل فيه البهائم ايضا، عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمملوك طعامه وكسوته وان لا يكلف من العمل ما لا يطيق رواه مسلم وعن ابى ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إخوانكم جعلهم الله تحت ايديكم فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه ممّا يلبس ولا يكلف من العمل ما يغلبه فان كلفه ما يغلبه فليعنه عليه متفق عليه وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صنع لاحدكم خادمه طعامه وقد ولى حره ودخانه فليقعده معه وليأكل فان كان الطعام مشفوها قليلا فليضع به فى يده منه أكلة او اكلتين رواه مسلم وعن ابى مسعود الأنصاري قال كنت اضرب غلاما لى فسمعت من خلفى صوتا اعلم أبا مسعود لله اقدر عليك منك عليه فالتفت فاذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله هو حرّ لوجه الله تعالى فقال اما لو لم تفعل للفحتك النار او لمسّنتك النار رواه مسلم وعن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يقول فى مرضه الصّلوة وما ملكت ايمانكم رواه البيهقي فى شعب الايمان وروى احمد وابو داؤد عن علي نحوه وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث من كن فيه يسر الله حقه وادخله الجنة ... ...

[سورة النساء (4) : آية 37]

رفق بالضعيف وشفقة على الوالدين واحسان الى المملوك رواه الترمذي وعن عبد الله بن عمرو قال جاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كم نعفو من الخادم فسكت ثم أعاد عليه الكلام فصمت فلما كانت الثالثة قال اعفوا عنه كل يوم سبعين مرة رواه الترمذي وروى ابو داؤد عن عبد الله ابن عمرو وعن سهل بن حنظلة قال مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعير قد لحق ظهره ببطنه فقال اتقوا الله فى هذه البهائم المعجمة فاركبوها صالحة واتركوها صالحة رواه ابو داود وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أنبئكم بشراركم الذي يأكل وحده ويجلد عبده ويمنع رفده رواه رزاين وعن ابى سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ضرب أحدكم خادمه فذكر الله فارفعوا ايديكم رواه الترمذي، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ اى يبغض ذكر عدم الحبّ وأراد به البغض مَنْ كانَ مُخْتالًا متكبرا يأنف عن أقاربه وجيرانه وأصحابه لا يلتفت إليهم فَخُوراً (36) يتفاخر عليهم، عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما رجل يتبختر فى بردين وقد أعجبته نفسه خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها الى يوم القيامة (كذا بياض فى الأصل) وعن ابن عمر قال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا ينظر الله يوم القيامة الى من جرّثوبه خيلاء متفق عليه وعن عياض بن حمار الأشجعي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان الله اوحى الىّ ان تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغى أحد على أحد رواه مسلم وعن جابر بن عبد الله ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا معشر المسلمين اتقوا الله فان ريح الجنة يوجد من مسيرة الف عام وانه لا يجد عاق ولا قاطع رحم ولا شيخ زان ولا جار إزاره خيلاء وانما الكبرياء لربّ العلمين، الحديث رواه الطبراني فى الأوسط. الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ممّا وجب عليه بدل من من كان بدل الكل لانّ المختال الفخور يبخل عن إيفاء بنى نوعه التواضع او لانه أراد بالمختال هذا الفرد وجمع الموصول نظرا الى معنى من وجاز ان يكون منصوبا على الذم او مرفوعا على انه خبر مبتدا محذوف اى هم الذين او مبتدا خبره محذوف تقديره الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ أحقاء لكل ملامة او أحقاء بالعذاب ويدل على التقدير الثاني التذئيل بقوله أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ الاية قرا حمزة والكسائي بالبخل هاهنا وفى الحديد بفتح الباء والخاء والباقون بضم الباء وسكون الخاء وهما لغتان قال البغوي قال ابن عباس وابن زيد نزلت ... ...

[سورة النساء (4) : آية 38]

الاية فى كردم بن زيد وحيى بن اخطب ورفاعة بن زيد بن التابوت واسامة بن حبيب ونافع بن ابى نافع وبحرى بن عمرو من اليهود كانوا يأتون رجالا من الأنصار ويخالطونهم فيقولون لا تنفقوا أموالكم فانا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون كذا اخرج ابن إسحاق وابن جرير بسند صحيح عن ابن عباس فعلى هذا المراد بالبخل البخل بالمال وقال سعيد بن جبير المراد بالبخل كتمان العلم اخرج ابن ابى حاتم من طريق عطية العوفى وهو ضعيف عن ابن عباس انها نزلت فى الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ولا بخل فوق إمساك العلم بصفة النبي صلى الله عليه وسلم وامر بعضهم بعضا بذلك وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعنى المال او العلم وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ وضع الظاهر موضع المضمر اشعارا بان من هذا شأنه فهو كافر لنعمة الله ومن كان كافرا لنعمة الله هيّئنا له عَذاباً مُهِيناً (37) كما أهان النعمة بالبخل والكتمان ووضع ضمير المتكلم موضع الغائب لتفخيم العذاب ومزيد التهويل عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار ولجاهل سخى احبّ الى الله من عابد بخيل رواه الترمذي وعن ابى سعيد مرفوعا خصلتان لا تجتمعان «1» فى مؤمن البخل وسوء الخلق رواه الترمذي وعن ابى بكر الصديق عنه صلى الله عليه وسلم لا يدخل «2» الجنة خبّ «3» ولا بخيل ولا منان رواه الترمذي-. وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ رياء مفعول له للانفاق يعنى ينفقون لان يراه الناس ويقولوا ما أجودهم والموصول معطوف على الموصول يعنى الذين يبخلون ووجه المشاركة بينهما فى الذم ان الانفاق رياء كعدم الانفاق او ان البخل والإسراف طرفا انفاق على ما لا ينبغى بالإفراط والتفريط سيان فى استجلاب الذّم والعذاب او مبتدا وخبره محذوف يعنى فالشيطان قرين له يدل على المحذوف قوله تعالى وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً او معطوف على الكفرين فان الانفاق رياء كفر واشراك خفىّ ولذلك عطف عليه وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى انا اغنى الشركاء «4»

_ (1) وعن ابى بكر الصديق قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يدخل الجنة سيّىء الملكة منه رحمه الله (2) خبّ اى خدّاع وهو الجربز الذي يسعى بين الناس بالفساد منه رحمه الله (3) فى الأصل لا يجتمع (4) فى الأصل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انا اغنى الشركاء. هـ

[سورة النساء (4) : آية 39]

عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معى غيرى تركته وشركه وفى رواية فانا منه برىء هو للذى عمله رواه مسلم وفى حديث عمر بن الخطّاب عن معاذ مرفوعا ان يسير الرياء شرك هذه الاية نزلت فى اليهود كما ذكرنا وقال السدى فى المنافقين وقيل فى مشركى مكة المنفقين أموالهم فى عداوة النبي صلى الله عليه وسلم وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً صاحبا وخليلا فَساءَ قَرِيناً (38) المخصوص بالذم محذوف يعنى الشيطان ففيه تحذير عن متابعة الشيطان ومصاحبته او المخصوص من يكن الشيطان له قرينا ففيه اشارة الى ما فعلوه من الشرور من البخل والرياء وغير ذلك انما هو بمقارنة الشيطان وجاز ان يكون وعيدا لهم بان الشيطان يقرن بهم فى النار. وَماذا عَلَيْهِمْ يعنى ما الذي عليهم او اىّ مضرة يلحقهم لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فان شكر المنعم حسن لذاته لا يحتمل المضرة أصلا عقلا ولا نقلا وَأَنْفَقُوا فى سبيل الله لتحصيل مرضات الله وطمع ثوابه بعشرة أمثاله الى سبعمائة ضعف والى ما شاء الله مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ اى شيئا قليلا من كثير رزقهم الله يعنى ربع العشر فى النقود او اقل منه فى السوائم بعد ما كان نصابا فاضلا عن الحوائج فان ذلك غير شاقّ على أحد ولا حرج فيه أصلا فالاستفهام للتوبيخ على جهلهم المركب حيث يزعمون ما فيه كمال المنفعة مضرة، وفيه تحريض على الفكر لطلب الجواب حتى يظهر لهم الفوائد الجليلة والعوائد الجميلة فيما يدعو اليه الله ورسوله وتنبيه على ان المدعو الى امر إذا علم انه لا ضرر فى ذلك الأمر ينبغى ان يجيب احتياطا فكيف عند ظهور منافعه وعوائده وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (39) وعيد لهم-. إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ المثقال مفعال من الثقل والذرة هى النملة الصغيرة الحمراء وقيل الذرة اجزاء الهباء المرئية فى الكوة ولا يكون لها ثقل والمعنى ان الله لا يظلم شيئا وفيه اشارة الى ان ما اعدّ الله تعالى للكافرين من العذاب المهين عدل ليس بظلم بل ترك تعذيبهم بعد اتلافهم حقوق الله تعالى من التوحيد والعبادة وحقوق الوالدين والأقربين وغيرهم كانّه ظلم بالنسبة الى من ما منعوا عن الحقوق ويمكن ان يقال انهم استحقوا العذاب بحيث لو منعوا عن التعذيب كانوا كانهم ظلموا والظلم عبارة عن وضع الشيء فى غير محلّه وفعل شىء لا يجوز فعله وذلك غير متصور من الله تعالى فانه تعالى خالق الأشياء مالك الملك ... ...

لو عذب العالمين من غير ذنب لا يكون ظلما لكن المراد هاهنا انه لا يفعل فعلا لو صدر ذلك الفعل من غيره عد ظلما يعنى انه تعالى لا ينقص من أجور الطاعات ولا يزيد فى عقاب المعاصي روى البغوي بسنده عن انس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان الله لا يظلم المؤمن حسنة ثياب عليها الرزق فى الدنيا ويجزى بها فى الاخرة وامّا الكافر فيطعم فى الدنيا حتى إذا افضى الى الاخرة لم يكن له حسنة يعطى بها خيرا رواه احمد ومسلم وعن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلص المؤمنون من النار وأمنوا فما مجادلة أحدكم لصاحبه فى الحق يكون له فى الدنيا باشدّ مجادلة من المؤمنين بربهم فى إخوانهم الذين ادخلوا النار قال يقولون ربّنا إخواننا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويحجّون معنا قال فيقول اذهبوا فاخرجوا من عرفتم منهم فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم لا تأكل النار صورهم فمنهم من أخذته النار الى انصاف ساقيه ومنهم من أخذته الى كعبيه فيخرجونهم فيقولون ربنا قد أخرجنا من امرتنا قال ثم يقول اخرجوا من كان فى قلبه وزن دينار من الايمان ثم من كان فى قلبه وزن نصف دينار حتى يقول من كان فى قلبه مثقال ذرّة قال ابو سعيد فمن لم يصدق هذا فليقرا هذه الاية إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً قال فيقولون ربنا قد أخرجنا من امرتنا فلم يبق فى النار أحد فيه خير ثم يقول الله عز وجلّ شفعت الملائكة وشفعت الأنبياء وشفع المؤمنون وبقي ارحم الراحمين قال فيقبض قبضة من النّار او قال قبضتين ناسا لم يعملوا لله خيرا قطّ قد احترقوا حتى صاروا حمما فيؤتى بهم الى ماء يقال له ماء الحياة فيصب عليهم فينبتون كما ينبت الحبّة فى حميل السيل قال فيخرج أجسادهم مثل اللؤلؤ فى أعناقهم الخاتم عتقاء الله فيقال لهم ادخلوا الجنّة فما تمنيتم او رأيتم شيئا فهو لكم، قال فيقولون ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العلمين قال فيقول فانّ عندى لكم أفضل منه فيقولون ربنا وما أفضل من ذلك فيقول رضائى عنكم فلا أسخط عليكم ابدا رواه البغوي بسنده وفى الصحيحين نحوه فى حديث طويل وليس فيهما قول ابى سعيد فمن لم يصدق هذا فليقرا هذه الاية وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل مدّ البصر ثم يقول الله أتنكر هذا شيئا أظلمك كتبتى الحافظون فيقول لا يا ربّ فيقول افلك عذر او حسنة فبهت الرجل قال لا يا ربّ ... ...

فيقول بلى ان لك عندنا حسنة وانه لا ظلم عليك اليوم فيخرج له بطاقة فيها اشهد ان لا اله الا الله وان محمدا عبده ورسوله فيقول احضر وزنك فيقول يا ربّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فقال انك لا تظلم قال فيوضع السجلات فى كفة والبطاقة فى كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة قال فلا يثقل مع اسم الله شىء رواه ابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه وقال قوم معنى هذه الاية إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ للخصم على الخصم بل يأخذ له منه ولا يظلم مثقال ذرّة يبقى له بل يثيبه عليها ويضعفها له كما قال وَإِنْ تَكُ حذف النون من غير قياس تشبيها بنون الرفع ولم يعد الواو التي حذفت لالتقاء الساكنين بعد حذف النون وهذا خلاف قياس اخر وكانهم لم يعيدوها تحرزا عن صورة ابقاء حرف العلة فى اخر الكلمة مع الجازم حَسَنَةً واحدة قرا اهل الحجاز بالرفع على ان تكون تامة وحسنة فاعلها والباقون بالمنصب على انها ناقصة وضمير الاسم راجع الى مثقال ذرّة وانث الضمير لتانيث الخبر او لاضافة المثقال الى مؤنث يعنى ان يك مثقال ذرّة حسنة يُضاعِفْها اى يجعلها أضعافا كثيرة عن ابى هريرة قال والله لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول انّ الله ليضاعف الحسنة الفى الف حسنة رواه ابن جرير وابن ابى شيبة وَيُؤْتِ صاحبه مِنْ لَدُنْهُ تفضّلا زائدا على ما وعد فى مقابلة العمل أَجْراً عَظِيماً (40) قال البغوي قال ابو هريرة إذا قال الله اجرا عظيما فمن يقدر قدره عن ابن مسعود قال إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم نادى مناد الا من كان يطلب مظلمة فليجىء الى حقّه فليأخذ فيفرح المرء ان يكون له الحق على والده او ولده او زوجته او أخيه فيأخذ منه وان كان صغيرا ومصداق ذلك فى كتاب الله عز وجلّ فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ الاية ويؤتى بالعبد وينادى مناد على رءوس الأولين والآخرين هذا فلان فمن كان له عليه حق فليأت الى حقّه ثم يقال له ات هؤلاء حقوقهم فيقول يا رب من اين وقد ذهبت الدنيا فيقول الله عزّ وجلّ لملائكته انظروا فى اعماله وأعطوهم منها فان بقي مثقال ذرّة حسنة قالت الملائكة يا ربنا بقي له مثقال ذرّة حسنة فيقول الله ضعّفوه لعبدى وأدخلوه بفضل رحمتى الجنة ومصداق ذلك فى كتاب الله عزّ وجلّ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وان كان عبدا شقيا قالت الملائكة الهنا فنيت حسناته وبقي طالبون فيقول الله عزّ وجلّ خذوا ... ...

[سورة النساء (4) : آية 41]

من سيئاتهم فاضيفوها الى سيئاته ثم صكّوا له صكا الى النار رواه البغوي وكذا روى ابن المبارك وابو نعيم وابن ابى حاتم-. فَكَيْفَ خبر مبتدا محذوف يعنى كيف هؤلاء الكفار والاستفهام للتهويل والفاء للتفريع على مفهوم ما سبق يعنى إذا علمت ان الله لا يظلم على أحد بل يأخذ لكلّ صاحب حق حقه ممن ظلمه ولا يترك منه شيئا فكيف حال هؤلاء الذين لم يؤدّوا حقوق الله وحقوق العباد إِذا جِئْنا متعلق بالتهويل المستفاد من الاستفهام مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ يعنى نبى ذلك الامة يشهد عليهم بما عملوا من خير او شرّ وما أجابوه وما كذبوه وَجِئْنا بِكَ يا محمد عَلى هؤُلاءِ يعنى أمتك امة الدعوة شَهِيداً (41) يشهد النبي صلى الله عليه وسلم مكى جميع الامة من رآه ومن لم يره اخرج ابن المبارك عن سعيد بن المسيّب قال ليس من يوم الّا وتعرض على النبي صلى الله عليه وسلم أمته غدوة وعشية فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم وروى البخاري عن ابن مسعود قال قال لى النبي صلى الله عليه وسلم اقرأ علىّ قلت يا رسول الله اقرأ عليك وعليك انزل قال نعم فقرات سورة النساء حتى إذا أتيت هذه الاية فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً قال حسبك الان فالتفت اليه فاذا عيناه تذر فان وقيل المشار اليه بهؤلاء الأنبياء فانهم يشهدون على الأمم والنبي صلى الله عليه وسلم يشهد على صدقهم وقيل المشار اليه مؤمنوا هذه الامة يشهدون للانبياء على الأمم والنبي صلى الله عليه وسلم يصدّقهم ويزكيهم وقد ذكرنا شهادتهم على الأمم فى البقرة فى تفسير قوله تعالى لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ. يَوْمَئِذٍ يعنى يوم إذا كان كذلك يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ لو للتمنى يعنى يتمنى الذين أتوا بالكفر والعصيان جميعا او بأحدهما قرا نافع وابن عامر تشوّى بفتح التاء وتشديد السين بإدغام تاء التفعل فى السين وحمزة والكسائي بفتح التاء وتخفيف السين على حذف تاء التفعل واصله على القراءتين تتسوى والباقون بضم التاء والتخفيف على البناء للمفعول من التفعيل قال قتادة وابو عبيدة يعنى لو تخرقت الأرض فصاروا فيها ثمّ تسوى الأرض عليهم وقيل معناه ودوا انهم لم يبعثوا وقال الكلبي يقول الله للبهائم والوحوش والطيور والسباع كونوا ترابا فتسوى بهن الأرض فعند ذلك يتمنى الكافر وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ ... ...

حَدِيثاً (42) قال عطاء ودوا لو تسوّى بهم الأرض وانهم لم يكونوا كتموا امر محمد صلى الله عليه وسلم ولا نعته يعنى جملة لا يكتمون معطوف على تسوّى داخل فى التمني وصيغة المضارع بمعنى الماضي، وقال الآخرون بل هو كلام مستانف يعنى لا يقدرون على كتمانه لان ما عملوه لا يخفى على الله، وجوارحهم تشهد عليهم فعلى هذا جملة لا يكتمون معطوف على يودّ وقيل الواو للحال من فاعل يودّ يعنى يودّون ان تسوى بهم الأرض وحالهم انهم لا يكتمون من الله حديثا ولا يكذبونه بقولهم وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ قال سعيد بن جبير قال رجل لابن عباس انى لاجد فى القرآن أشياء تختلف علىّ قال هات ما اختلف عليك قال فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ ... وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ وقال وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً وقال وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فقد كتموا وقال أَمِ السَّماءُ بَناها الى قوله وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض ثم قال أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ الى قوله طائعين فذكر فى هذه الآيات خلق الأرض قبل خلق السماء وقال وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً فكانه كان ثم قضى فقال ابن عباس فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ هذا فى النفخة الاولى إذا نفخ فى الصور فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ثم فى النفخة الاخرى أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ واما قوله تعالى ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ... ، وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً فانهم لمّا راوا يوم القيامة ان الله يغفر لاهل الإسلام ذنوبهم ولا يغفر للمشركين جحد المشركون رجاء ان يغفر لهم فقالوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فيختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون فعند ذلك يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً وخلق الله الأرض فى يومين ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فى يومين آخرين ثم دحى الأرض فى يومين فخلقت الأرض وما فيها من شىء فى اربعة ايام وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً اى لم يزل كذلك فلا يختلف عليك القران فان كلا من عند الله كذا اخرج البخاري وغيره وقال الحسن انها مواطن ففى موطن لا يتكلمون فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً وفى موضع يتكلمون ويكذبون ويقولون ما كُنَّا مُشْرِكِينَ وما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ وفى موطن يعترفون على أنفسهم وهو قوله تعالى فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ وفى موضع يَتَساءَلُونَ وفى موضع يسئلون ... ...

[سورة النساء (4) : آية 43]

الرجعة واخر تلك المواطن ان يختم على أفواههم وتتكلم جوارحهم وهو قوله تعالى وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حديثا والله اعلم- روى ابو داود والترمذي وحسنه والحاكم عن على عليه السّلام قال صنع لنا عبد الرحمن ابن عوف طعاما فدعانا وسقانا من الخمر وذلك قبل تحريم الخمر فاخذت الخمر منا وحضرت الصلاة فقدّمونى فقرات قل يا ايّها الكافرون اعبد ما تعبدون بحذف لا هكذا الى اخر السّورة فانزل الله تعالى. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى يعنى لا تقربوها فى حال سكركم حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ذكر هذا القيد لتعيين حدّ السكر الذي يمنع قربان الصلاة فان قيل الشكر إذا بلغ حدا لا يعلم الرجل ما يقول فحينئذ لا يصح خطابه فكيف خوطب بالنهى عن اقتراب الصلاة قلنا الخطاب توجه بعد الصحو والمراد به النهى عن اقتراب المسكر فى اوقات الصلاة قال البغوي فكانوا بعد نزول هذه الاية يجتنبون السكر فى اوقات الصلاة حتى نزل تحريم الخمر يعنى اية المائدة او يقال هذا نهى ومعناه النفي يعنى لا صلوة لكم وأنتم سكارى وحَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ غاية لنفى الصلاة على التقدير الثاني وعلى التقدير الاول حتى لتعليل النهى بمعنى كى وقال الضحاك بن مزاحم أراد به سكر النوم نهى عن الصلاة عند غلبة النوم عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نعس أحدكم وهو يصلى فلير قد حتى يذهب عنه النوم فان أحدكم إذا صلى وهو ينعس لعله يذهب يستغفر فيسبّ نفسه متفق عليه ورواه ابو داود والترمذي وابن ماجة وفى هذه الاية تنبيه على انه يجب على المصلى ان يحضر قلبه حتى يعلم ما يقول ويتعلم معانى القران ويتدبر فيه ويتحرز عما يلهيه ويشغل قلبه والله اعلم واخرج الطبراني عن الاسلع قال كنت اخدم النبي صلى الله عليه وسلم وارحل له فقال لى ذات يوم يا اسلع قم فارحل فقلت يا رسول الله أصابتني جنابة وكذا روى ابن مردوية بلفظ أصابتني جنابة فى ليلة باردة فخشيت ان اغتسل بالماء البارد فاموت او امرض فأتاه جبرئيل باية الصعيد فارانى التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين الى المرفقين فقمت فيتممت ثم رحلت وكذا اخرج الفريابي وابن المنذر وابن ابى حاتم عن على عليه السّلام قال هذه الاية قوله وَلا جُنُباً فى المسافر تصيبه الجنابة فيتيمم انتهى وسنذكر فى سورة المائدة ان شاء الله تعالى انّ اوّل اية ... ...

نزلت لرخصة التيمم اية المائدة وهى اسبق من هذه ولعل نزول هذه الاية لرخصة التيمم لمن خشى المرض او الموت باستعمال الماء البارد فى ليلة باردة كما يدل عليه حديث الاسلع والله اعلم والجنب الذي أصابته الجنابة ويستوى فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع فصحّ عطفه على وأنتم سكارى وفى القاموس الجنابة المنى وقالت الحنفية الجنابة فى اللغة خروج المنى على وجه الشهوة يقال اجنب الرجل إذا قضى شهوته من المرأة بالانزال وقال بعض العلماء الجنابة يطلق على مجرد الجماع انزل اولم ينزل نقل الحافظ ابن حجر عن الشافعي ان كلام العرب يقتضى ان الجنابة يطلق بالحقيقة على الجماع وان لم يكن معه إنزال قال فان كل من خوطب بان فلانا اجنب من فلانة يفهم انه أصابها وان لم ينزل واصل الجنابة البعد سمى الجماع جنابة لمجانبته الناس وبعده منهم فى تلك الحالة فذهب داود الى انه لا يجب الغسل بالجماع ما لم ينزل زعما منه ان الجنابة هو خروج المنى واحتج على ذلك بحديث أبيّ بن كعب انه قال يا رسول الله إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل قال يغتسل ما مس المرأة منه ثم يتوضا ويصلى متفق عليه وحديث ابى سعيد الخدري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل الى رجل من الأنصار فجاء ورأسه يقطر فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلّنا اعجلناك قال نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عجلت او قحطت فعليك الوضوء متفق عليه وفى لفظ مسلم قصّة وفيه انما الماء من الماء- (مسئلة) واجمع الائمة الاربعة وجمهور المسلمين على وجوب الغسل بالجماع وان لم ينزل فان كانت الجنابة بمعنى الجماع كما قاله الشافعي وهو المناسب للاشتقاق فالحكم ثابت بإطلاق هذه الاية وان كانت بمعنى خروج المنى بشهوة فهذا المعنى ثابت فى الجماع امّا حقيقة وامّا حكما لان الجماع سبب لخروج المنى غالبا والذكر عند الجماع يغيب عن النظر والمعنى قد يرق فلا يدرك خروجه فاقيم السبب مقام المسبّب كالنوم أقيم مقام الحدث لانه مظنة خروج الريح غالبا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العينان وكاء السية فاذا نامت العينان استطلق الوكاء رواه احمد وابو داؤد وابن ماجة والدارقطني عن على وايضا الحجة على وجوب الغسل بالجماع مطلقا الأحاديث والإجماع عن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهد بها وجب الغسل متفق عليه وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ...

إذا قعد بين الشعب الأربع والزق الختان الختان فقد وجب الغسل رواه مسلم وروى الترمذي وصححه بلفظ إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل فعلته انا ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاغتسلنا والحديثان اللذان احتج بهما داؤد منسوخان روى احمد واصحاب السنن عن سهل بن سعد حدثنى ابى بن كعب ان الأنصار كانوا يقولون الماء من الماء رخصة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رخصها فى اوّل الإسلام ثم أمرنا بالاغتسال بعد، صححه ابن خزيمة وابن حبّان وقال الإسماعيلي هو صحيح على شرط البخاري فان قيل جزم ابن هارون والدارقطني ان الزهري لم يسمعه عن سهل وقال الحافظ ابن حجر وقع عند ابى داؤد ما يقتضى انقطاعه فقال عن عمرو بن الحرب عن ابن شهاب حدثنى بعض من ارضى ان سهل بن سعد أخبره ان أبيّ بن كعب أخبره قلنا ان سند ابى داؤد صحيح لان الثقة إذا قال أخبرني ثقة او من ارضى يكون الحديث صحيحا وهذا لا يستلزم ان يكون سند احمد وابن ماجة وغيرهما منقطعا لانه يمكن ان الزهري سمعه عن ثقة عن سهل ثم لقى سهلا فحدثه، (مسئلة) ويجب الغسل بخروج المنى ايضا اجماعا غير ان أبا حنيفة ومحمدا «1» ومالكا واحمد يشترطون ان يكون الخروج بدفق وشهوة عند الانفصال وقال ابو يوسف بدفق وشهوة عند الانفصال والخروج جميعا وقال الشافعي خروج المنى موجب للغسل وان لم يقارن اللذة سواء كان بتدفق أو لا- احتج الشافعي بحديث على انه صلى الله عليه وسلم لما سئل عن المذي فقال فيه الوضوء وفى المنى الغسل رواه الطحاوي وما مرّ من قوله صلى الله عليه وسلم انما الماء من الماء وحديث أم سلمة انها قالت جاءت أم سليم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت هل على المرأة غسل إذا احتلمت قال نعم إذا رات الماء متفق عليه قال الجمهور اللام فى قوله صلى الله عليه وسلم المنى والماء للعهد والمعهود ما كان منه بدفق وشهوة وقول الشافعي أحوط واللام عنده للجنس (مسئلة) رؤية المستيقظ المنى او المذي يوجب الغسل وان لم يتذكر الاحتلام والشهوة لان النوم او ان غفلة ومظنة الاحتلام والمنى قد يرق بطول الزمان او فساد الغذاء فالشك يبلغ الى درجة الظن فى كونه منيا فيوجب الغسل روى الترمذي عن عائشة قالت سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاما قال يغتسل وعن الرجل يرى انه قد احتلم

_ (1) فى الأصل محمد-

ولم يجد بللا قال لا غسل عليه وفيه عبد الله بن عمر يروى عن عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمّد عنها قال الترمذي ضعّفه يحيى بن سعيد من قبل حفظه، إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حال متداخل من قوله جنبا استثناء من أعم أحواله او صفة لقوله جنبا وعلى التقديرين الاستثناء مفرغ اى لا تقربوا الصلاة جنبا فى حال من الأحوال الّا حال كون الجنب مسافرين او جنبا موصوفا بصفة من الصّفات الا بصفة كونهم مسافرين وذلك إذا لم يجد الماء او لم يقدر على استعماله ويتيمم ويشهد له ما روينا فى شأن نزوله وتعقيبه بذكر التيمم كأنّه عبر عن المتيمّم بالمسافر لان غالب حاله عدم الماء وفيه دليل على ان التيمم لا يرفع الحدث بل يستره وبه قال جمهور العلماء وقال داؤد التيمم يرفع الحدث وكذا وقع فى بعض كتب الحنفية ان التيمم يرفع الحدث عنده وان وجدان الماء ناقض المتيمم مثل سائر نواقض الوضوء والصحيح عندى انه لا يرفع الحدث ولو كان رافعا للحدث فوجدان الماء لا يتصوّر كونه حدثا وكون وجدان الماء غاية لطهورية الصعيد يقتضى ظهور الحدث السّابق المستور لا ورود الحدث الجديد، وجه قول داود انه يرفع الحدث قوله صلى الله عليه وسلم الصعيد الطيّب وضوء المسلم وان لم يجد الماء عشر سنين الحديث رواه اصحاب السنن من حديث ابى ذرّ وقال الترمذي حديث صحيح وقوله صلى الله عليه وسلم جعلت لى الأرض كلّها مسجدا وتربتها طهورا رواه مسلم وابن خزيمة وغيرهما قلنا هذان الحديثان وما فى معناهما مبنيان على المجاز يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم فى اخر حديث ابى ذرّ المذكور فاذا وجد الماء فليمسّ بشرته فانه ان كان طهورا على الحقيقة لم يجب عليه استعمال الماء بعد رفع الحدث وفى الصحيحين عن عمران بن حصين ذكر قصّة وفيه امر لمجنب عند عدم الماء بالتيمم ثم إذا وجد الماء امره بالغسل ولو كان التيمم رافعا للجنابة لم يأمره بالغسل- (فائدة:) ما ذكرنا من التفسير قول على وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقال بعض المفسرين معنى هذه الاية لا تقربوا مواضع الصلاة يعنى المساجد بحذف المضاف جنبا الّا عابرى سبيل يعنى الا مجتازين من المسجد بغير مكث لما روى ابن جرير عن يزيد بن ابى حبيب ان رجالا من الأنصار كانت أبوابهم فى المسجد كانت تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم فيريدون الماء ولا يجدون ممرّا الّا فى المسجد فانزل الله قوله وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ وهذا قول ابن مسعود وسعيد بن المسيّب ... ...

والضحاك والحسن وعكرمة والنخعي والزهري وبناء على هذا التفسير قال مالك والشافعي جاز للجنب المرور من المسجد على الإطلاق وهو قول الحسن فان اللفظ عام وان كان سبب نزول الاية خاصا يعنى ضرورة عدم وجدان الممرّ الا فى المسجد وعندنا لا يجوز المرور فى المسجد للجنب لان تأويل الاية على هذا الوجه يتوقف على تقدير المضاف والأصل عدم التقدير وايضا لو كان معنى الاية لا تقربوا مواضع الصلاة لزم حرمة دخول مساجد البيوت للجنب ولم يقل به أحد وايضا لا معنى لقوله لا تَقْرَبُوا مواضع الصلاة وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ فانه صريح فى النهى عن قربان الصلاة ولا يمكن فى المعطوف تقدير غير ما ذكر او قدر فى المعطوف عليه- (مسئلة) لا يجوز المكث فى المسجد عند مالك والشافعي ايضا كما لا يجوز عند ابى حنيفة وقال احمد يجوز، لنا قوله صلى الله عليه وسلم وجهوا هذه البيوت عن المسجد فانى لا أحل المسجد لحائض ولا جنب رواه ابو داود وابن ماجة والبخاري فى التاريخ والطبراني عن أفلت بن خليفة عن جسرة بنت دجاجة عن عائشة وقال الحافظ رواه ابو داؤد من حديث جسرة عن أم سلمة وقال ابو زرعة الصحيح حديث جسرة عن عائشة فان قيل ضعّف الخطابي هذا الحديث فقال أفلت بن خليفة العامري الكوفي مجهول الحال وقال ابن الرفعة متروك قلنا قول ابن الرفعة مردود لم يقله أحد من ائمة الحديث بل قال احمد ما ارى به بأسا وصححه ابن خزيمة وحسنه ابن القطان فلا يضرّ ان جهله بعض الناس وهذا الحديث كما هو حجة للجمهور على احمد فهو باطلاقه حجة على الشافعي بل انما سيق الكلام لمنع المرور جنبا فى المسجد والله اعلم- (مسئلة) لا يجوز للجنب الطواف لانه فى المسجد ولاقراءة القران عند الجمهور وقال مالك يجوزان يقرا آيات يسيرة للتعوذ وقال داود يجوز مطلقا لنا قوله صلى الله عليه وسلم لا تقرا الحائض والجنب شيئا من القران وقد مرّ فى البقرة فى تفسير قوله تعالى وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ولانه لا يجوز للجنب مس مصحف فيه نقوش دالة على القران كما سنذكر فى تفسير قوله تعالى لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ فلان لا يجوز له إيراد حروف القران على اللسان اولى وامّا جواز قراءة القران للمحدث مع كونه ممنوعا عن المس بالنص المذكور فلان الحدث لا يسرى فى الفم بل على ظاهر البدن او لان الحدث غالب الوقوع فلم يجعل مانعا عن القراءة دفعا للحرج بخلاف الجنابة فانها ... ...

نادرة وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه لم يكن يحجبه شىء من القران سوى الجنابة رواه احمد واصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن الجارود والبيهقي وصححه الترمذي وابن السكن والبيهقي وعبد الحق والبغوي فى شرح السنة وفى الصحيحين انه صلى الله عليه وسلم قرأ عشر آيات خواتيم ال عمران قبل الوضوء- حَتَّى تَغْتَسِلُوا غاية للنهى عن قربان الصلاة للجنب غير المسافر المعذور فانه جائز له بالتيمم لما سيجيئ او غاية لنفى الصّلوة فى حالة الجنابة، لا يقال كيف يقع الاغتسال نهاية عدم القربان حالة الجنابة مع ان الجنابة يرتفع بالاغتسال لانا نقول كلمة حتى تدخل على ما يجاوز الجزء الأخير ايضا كما فى نمت البارحة حتى الصباح كذا هاهنا فان قيل اىّ فائدة فى هذا القيد مع انّ المقصود يعنى النهى عن الصلاة حالة الجنابة يحصل بدونه، قلنا فائدته، بيان ما يزيل الجنابة وسنذكر مسائل الغسل فى سورة المائدة فى تفسير قوله تعالى وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ان شاء الله تعالى وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى جمع مريض أَوْ عَلى سَفَرٍ الاشتراط بالمرض او السفر خرج مخرج العادة الغالبة لان فقد الماء غالبا انما يكون لمرض او سفر فلا مفهوم لهذين الشرطين عند الجمهور وقال الشافعي ان كان صحيحا مقيما فى موضع لا يعدم الماء فيه غالبا بان كان فى قرية انقطع ماؤها يصلى بالتيمم ويجب عليه إعادتها نظرا الى مفهوم هذين الشرطين قلنا مفهوم هذين الشرطين غير معتبر اجماعا ولذلك تجب عليه الصلاة بالتيمم بالإجماع فلا وجه لوجوب الاعادة لان سبب الوجوب واحد لا يتكرر فلا يتكرر الواجب ولكون مفهوم هذين الشرطين غير معتبر لا يجب الاعادة اتفاقا على فاقد ماء صحيح مقيم فى موضع يعدم فيه الماء غالبا- عن ابى ذرّ انه كان مقيما «1» بالربذة ويفقد الماء أياما فسال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال التراب كافيك ولو لم تجد الماء عشر حجج وفى رواية الصعيد الطيّب وضوء المسلم ولو الى عشر حجج رواه اصحاب السنن وصححه ابو داؤد وقوله تعالى مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ تفصيل للجنب تقدير الكلام وان كنتم جنبا مرضى او على سفر وانما حذف قوله جنبا لما سبق ذكره وذكر السفر هاهنا مع سبق ذكره بقوله الا عابرى سبيل لبيان التسوية بينه وبين المرض بالحاق الواجد بالفاقد بجامع العجز عن الاستعمال ثم عطف على المقدر يعنى جنبا قوله أَوْ جاءَ أَحَدٌ

_ (1) فى الأصل مقيم-

مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ الغائط المطمئن من الأرض والمجيء من الغائط كناية عن الاستفراغ الحاصل بخروج البول او البراز لان العادة ان الرجل يذهب للبول او البراز الى المطمئن من الأرض فالمعنى إذا أحدث أحدكم من أجل البول او البراز- (مسئلة) هذه الاية تدل على ان الخارج من السّبيلين إذا كان معتادا ينقض الوضوء ولا تدل على ان غير المعتاد الخارج منهما ليس بناقض كما قال به مالك- (مسئلة) وعند الجمهور غير المعتاد ايضا ناقض وهى رواية عن مالك لحديث عائشة فى الاستحاضة انه صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت حبيش اغسلي عنك الدم وتوضئ لكلّ صلوة متفق عليه ولا على ان النجس الخارج من غير السبيلين كالقئ والدم ليس بناقض كما قاله الشّافعى وقال احمد اليسير منه ليس بناقض وعند ابى حنيفة ينقض مطلقا بشرط كونه نجسا وما ليس بسائل من الدم ليس ببخس وكذا القليل من القيء لانه فى حكم البزاق والحجة لنا القياس على الخارج من السّبيلين لان العلة لوجوب التطهير خروج النجاسة لا غير، فان قيل وجوب الوضوء بخروج النجاسة غير معقول فلا يجوز فيه القياس، قلنا كون خروج النجاسة مؤثرا فى زوال الطهارة معقول والاقتصار على الأعضاء الاربعة غير معقول لكنه يتعدى بتعدي الاوّل ولنا ايضا الأحاديث منها حديث معدان عن ابى الدرداء ان النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ فلقيت ثوبان فى مسجد دمشق فذكرت ذلك له فقال صدق انا صببت له وضوءه، رواه احمد عن حسين المعلم عن يحيى بن كثير عن الأوزاعي عن يعيش بن الوليد المخزومي عن أبيه عن معدان عنه قالوا قد اضطربوا فرواه معمر عن يحيى بن كثير عن يعيش عن خالد بن معدان عن ابى الدرداء والجواب ان اضطراب بعض الرواة لا يؤثر فى ضبط غيره قال الأثرم قلت لاحمد قد اضطربوا فى هذا الحديث فقال حسين المعلم يجوده وقال الترمذي حديث حسن أصح شىء فى هذا الباب ومنها حديث عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا قاء أحدكم فى صلاته او قلس فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على ما مضى ما لم يتكلم رواه الدارقطني من حديث إسماعيل ابن عياش حدثنى عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح عن أبيه عن عبد الله بن ابى مليكة عنها فان قيل قال الدارقطني الحفاظ من اصحاب ابن جريج يروونه عن ابن جريح عن أبيه مرسلا واما حديثه ... ...

عن ابن «1» مليكة عن عائشة يرويه إسماعيل بن عياش قال ابو حاتم الرازي ليس بشىء قلنا قال يحيى بن معين إسماعيل بن عياش ثقة والزيادة من الثقة مقبولة ومن عادة المحدثين تقديم الإرسال ثم المرسل عندنا حجة وفى الباب أحاديث اخر ضعيفة لم نذكرها مخافة التطويل واحتج احمد على الفرق بين القليل والكثير بحديث ابى هريرة مرفوعا ليس فى القطرة ولا فى القطرتين من الدم وضوء الّا ان يكون دما سائلا وحديث ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص فى دم الحيوان يعنى الدّماميل رواهما الدارقطني لكن حديث ابى هريرة فيه محمد بن الفضل بن عطية كذبه احمد ويحيى بن حبان وفى الثاني بقية يرويه بلفظ عن وهو مدلس قال الدارقطني هذا باطل احتج مالك والشافعي بحديث انس انه صلى الله عليه وسلم احتجم وصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه رواه الدارقطني والبيهقي وفى اسناده صالح بن مقاتل ضعيف، قال الحافظ ابن حجر قال ابن العربي ان الدارقطني صححه وليس كذلك بل قال صالح ليس بالقوى وذكره النووي فى فصل الضعيف، وحديث ثوبان ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فدعا بوضوء فتوضأ فقلت يا رسول الله أفريضة الوضوء من القيء قال لو كان فريضة لوجدته فى القران رواه الدارقطني وفيه عتبة بن السّكن متروك الحديث قال البيهقي هو منسوب الى الوضع- أَوْ لامَسْتُمُ كذا قرا جمهور القراء هاهنا وفى المائدة وقرا حمزة والكسائي فيهما او لمستم النِّساءَ قال على وعائشة وابن عبّاس وابو موسى الأشعري والحسن ومجاهد وقتادة كنى به الجماع وبه قال ابو حنيفة والثوري وعلى هذا التأويل لا يستقيم العطف على جنبا ان كان الجنابة بمعنى الجماع ويستقيم ان كان الجنابة بمعنى الانزال كما قالت به الحنفية وقال ابن مسعود وعمرو ابن عمر والشعبي المراد به معناه الحقيقي وهو التقاء البشرتين وبناء على ذلك قالوا ينتقض الوضوء بمسّ المرأة بلا حائل بينهما، روى عن ابن مسعود فى تفسير هذه الاية قال معناه ما دون الجماع وروى البيهقي عنه القبلة من اللمس وفيها الوضوء وروى الشافعي ومالك عن ابن عمر بلفظ من قبّل امرأته او حبسها بيده فعليه الوضوء وبه قال احمد والزهري والأوزاعي وهى رواية عن الشافعي ان مسّ المرأة مطلقا ينقض «2» الوضوء وقال مالك والشافعي والليث وإسحاق وهى رواية عن احمد ان كان المسّ

_ (1) والصحيح ابن ابى مليكة (2) قال عمر ان القبلة من اللمس فتوضؤا منها وقال عثمان اللمس باليد منه رحمه الله

بشهوة والمرأة مشتهاة ينتقض الوضوء والا فلا ويشترط الشافعي ان يكون المسّ بباطن الكف قياسا على مسّ الذكر فانه يحمل المطلق على المقيّد ولو كانا فى حادثتين وقد ورد فى مسّ الذكر قوله عليه السّلام إذا افضى أحد كم بيده الى فرجه قالوا لفظ الإفضاء يعطى هذا المعنى قلنا حديث مسّ الذكر بلفظ الإفضاء غير صحيح وإعطاء الإفضاء هذا المعنى ممنوع وحمل المطلق على المقيد فى الحادثتين باطل على أصلنا فتأويل الآية على مذهب ابى حنيفة وان كنتم جنبا يعنى قاضين الشهوة بالانزال مرضى او على سفر او محدثين بالخارج من السبيلين او جامعتم ولو بلا إنزال فتيمّموا وعلى مذهب الشافعي إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً اى جامعتم النساء مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ او محدثين بالخارج من السبيلين او يمسّ المرأة فتيمّموا ولو لم يقل تقدير الكلام ان كنتم جنبا مرضى ولا يقدر هناك كلمة جنبا فلا بدّ ان يقال ان كلمة او فى قوله تعالى أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ بمعنى الواو فتقدير الكلام وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فعلى هذا يجب ان يكون لامستم بمعنى الجماع دون مسّ المرأة حتى يستفاد من الاية جواز التيمّم للمجنب إذ لا يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز وكان عمر رضى الله عنه بناء على عدم التقدير وزغمه اللمس بمعنى المسّ لم ير جواز التيمم للجنب كما يدل عليه قصّة منازعة عمار معه كما سيجيئ استدل ابن الجوزي على كون مسّ المرأة بشهوة ناقضا للوضوء بحديث رواه عن معاذ بن جبل انه كان قاعدا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل فقال يا رسول الله ما تقول فى رجل أصاب من امراة لا تحل له فلم يدع شيئا يصيبه الرجل من امرأته الا قد أصابه منها غير انه لم يجامعها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وضوءا حسنا ثم قم فصلّ وهذا الحديث لا يصلح حجة فى هذا المقام لان سوال الرجل لم يكن عن نقض الوضوء بمسّ تلك المرأة بل كان سوالا عن كيفية استغفاره وما يحكم الله فيه من عقوبة فعلّمه النبي صلى الله عليه وسلم ان الوضوء والصلاة يكفّران لذنبه كما ورد فى حديث ابى هريرة إذا توضأ المسلم فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة الحديث وحديث عثمان مرفوعا من توضأ وضوئي ثم صلى ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه متفق عليه وفى الصحيحين عن انس قال جاء رجل فقال يا رسول الله أصبت حدّا فاقم علىّ قال الراوي فلم يسئل عنه وحضرت الصلاة فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث وليس فيه الأمر بالوضوء وعن ابن مسعود قال جاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم ... ...

قال يا رسول الله عالجت امراة فى أقصى المدينة وانى أصبت منها ما دون ان امسّها الحديث نحو ما ذكر وزاد ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقم الصّلوة فى النّهار وزلفا من اللّيل انّ الحسنات يذهبن السّيئات ولنا حديث عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى وانا معترضة بين يديه «1» اعتراض الجنازة فاذا سجد غمزنى فقبضت رجلى وفى رواية قال الراوي والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح متفق عليه ولهذا الحديث طرق كثيرة للشيخين وغيرهما وعنها فقدته من الليل فلمسته بيدي فذهب يدى على قدمه وهو ساجد وهو يقول أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا احصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك رواه البخاري وفى رواية للطبرانى ادخلت يدى فى شعره لانظر اغتسل أم لا، قال الحافظ ظاهر هذا السياق يقتضى تغاير القصّتين وعنها انها كانت ترجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معتكف رواه البخاري والظاهر ان لبثه صلى الله عليه وسلم فى المسجد معتكفا لا يكون على غير وضوء وعنها وعن ميمونة وعن أم سلمة كان يغتسل معها من اناء واحد قلت والسنة الوضوء قبل الغسل ومن المحال ان لا يمس يده يدها وعن ابى قتادة كان يصلى وهو حامل امامة بنت زينب متفق عليه وعن عائشة كان فى حجرى وانا حائض فيقرا القران متفق عليه وقد توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجر عائشة ولا يجوّز العقل وفاته صلى الله عليه وسلم على غير طهر فهذه الأحاديث حجة لنا على من قال ان مسّ المرأة ناقض للوضوء مطلقا ولاجل هذه الأحاديث خصّص الشافعي ومن معه الاية فقالوا لا ينقض الوضوء من المسّ الّا ما كان بشهوة والحجة لنا عليهم حديث عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ثم خرج الى الصلاة ولم يتوضأ رواه البزار وحسنه ورواه الترمذي وابن ماجة وغيرهم عن وكيع عن الأعمش عن حبيب بن ابى ثابت عن عروة عنها فان قيل ضعّفه البخاري وقال ان حبيبا لم يسمع عروة قلنا رواته ثقات وشهادة عدم السّماع شهادة على النفي، ورواه احمد وابن ماجة من طريق حجاج عن عمرو بن شعيب عن زينب السهمية عن عائشة كان عليه السلام يتوضأ ثم يقبل ثم يصلى ولا يتوضأ فان قيل زينب السهمية مجهولة قلنا حديث المجهول من القرن الثاني مقبول فان قيل الحجاج مجروح قلنا تابعه الأوزاعي فى رواية الدارقطني عن عمرو وهو من أوثق الناس ورواه الدار قطنى من طريق سفيان الثوري عن ابى روق

_ (1) فى الأصل بين يديها

عن ابراهيم التيمي عن عائشة فان قيل قال الترمذي لا يعرف لابراهيم سماع عن عائشة ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم فى هذا الباب شىء قلت إمكان السماع يكفى لصحة الحديث لا معرفة السّماع على ان المرسل عندنا حجة وابراهيم تابعي ثقة ولعل مراد الترمذي انه لا شىء فى هذا الباب حديث مرفوع متصل صحيح بنفسه والا فرجال هذا المرسل ثقات فان قيل لم يروه عن ابراهيم غير ابى روق وعطية بن الحارث ولا يعلم حدث به عن ابى روق غير الثوري وابى حنيفة واختلفا فيه أسنده الثوري عن عائشة وأسنده ابو حنيفة عن حفصة وابراهيم لم يسمع منها قلنا هؤلاء الاربعة ثقات ائمة ويمكن ان ابراهيم روى حديثين مرسلين أحدهما عن عائشة والثانية عن حفصة فبلّغ للثورى حديثه عن عائشة ولابى حنيفة عن حفصة وهذه العلة ليست بقادحة عند الفقهاء وقد روى هذا الحديث عن الثوري عن ابى روق عن ابراهيم التيمي عن أبيه عن عائشة بوصل اسناده، فان قيل قد اختلف فى لفظ الحديث فروى عثمان بن ابى شيبة ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم وقال غير عثمان كان يقبل ولا يتوضأ قلنا بعد كون الرجال ثقات هذا الأمر غير قادح عند الفقهاء لامكان الجمع بين القولين بان يكونا حديثين او يكون حديثا واحدا كأنّه قال يقبّل وهو صائم ولا يتوضأ فروى بعضهم ببعض الألفاظ وبعضهم ببعض آخر وذلك جائز عند البخاري قال الحافظ ابن حجر قال الشافعي روى سعيد بن بنانة عن محمد بن عمر ابن عطاء عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يقبّل ولا يتوضأ قال الشافعي لا اعرف حال سعيد فان كان ثقة فالحجة ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال الحافظ روى من عشرة أوجه أوردها البيهقي فى الخلافيات وضعّفها قلت الضعيف ايضا بتعدد الطرق يرتفع الى درجة الحسن وقد علمت ان رواة هذه الطرق لم يتهم بالكذب وفى الباب حديث ابى امامة قال قلت يا رسول الله الرجل يتوضأ للصلوة ثم يقبل اهله او يلاعبها ينتقض الوضوء بذلك قال لا رواه الدارقطني فيه ركن بن عبد الله متروك وإذا اعتضد طرق هذا الحديث بعضها ببعض مع كونها حسنة فى نفسها او مرسلة صحيحة صحّ انه صلى الله عليه وسلم كان لا يتوضأ من القبلة فظهر ان مسّ المرأة ليس بناقض ولو كان ناقضا لنقل ذلك برواية أحد من الصحابة خصوصا عن أزواجه صلى الله عليه وسلم مع كثرتهنّ وشدّة حرصهنّ على بيان العلم وكثرة مخالطته صلى الله عليه وسلم وملامسته اياهن كما ترى فى حديث ... ...

رواه الحاكم عن عائشة ما كان يوم الّا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتينا فيقبل ويلمس الحديث فظهر ان المراد باللمس فى الاية انما هو الجماع وايضا لو كان المراد باللمس ما دون الجماع لزم تقليل الفائدة مع تكثير العبارة لان جواز التيمم للمحدث يفهم من قوله تعالى أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ والمقصود من الاية بيان خليفة التراب للماء لاعدّ الأحداث لانه قد ترك كثير من الأحداث عن الاية اتفاقا كالنوم والإغماء والجنون والخارج من غير السبيلين والقهقهة وأكل لحوم الجزور ومس الذكر فلا فائدة فى ذكر اللمس فان النوم مضطجعا ومتكيا والإغماء والجنون مطلقا حدث بالإجماع لقوله صلى الله عليه وسلم ولكن من غائط وبول ونوم صححه ابن خزيمة والترمذي من حديث صفوان بن عسال وكذا نوم الراكع والساجد عند مالك ونوم القائم ايضا عند الشافعي والنوم الطويل على اىّ هيئة كان عند احمد لكن عند ابى حنيفة إذا نام على حالة من احوال الصلاة لا ينقض لقوله صلى الله عليه وسلم ليس على من نام ساجدا وضوء حتى يضطجع فاذا اضطجع استرخت مفاصله رواه عبد الله بن احمد عن ابن عباس وروى ابو داود والترمذي بلفظ لا وضوء على من نام قاعدا والبيهقي بلفظ لا يجب الوضوء على من نام جالسا او قائما او ساجدا ومدار الطرق على يزيد ابى خالد الدالاني وان ضعّفه بعض الائمة لكن الصحيح ما قال الذهبي انه حسن الحديث وقال احمد لا بأس به والإغماء والجنون أشد وأقوى من النوم فى الغفلة ولذلك اجمعوا على انه حدث على اىّ حال كان- (مسئلة) والقهقهة فى صلوة ذات ركوع وسجود حدث عند ابى حنيفة لقوله صلى الله عليه وسلم من ضحك فى صلاته قهقهة فليعد الوضوء والصلاة رواه ابن عدى عن ابن عمر وفيه بقية أخرجه مسلم متابعا واختلف فيه والتحقيق انه ثقة مدلس فلو روى عن ثقة بلفظ حدثنا كما فى هذا الحديث فهو حجة وقوله صلى الله عليه وسلم فى قصة أعمى من كان منكم قهقه فليعد الوضوء والصلاة رواه الدارقطني من حديث معبد الخزاعي والصحيح انه صحابى ابن أم معبد ومن رواية الامام ابو حنيفة ووهم ابن الجوزي حيث قال وهم فيه ابو حنيفة وروى الدارقطني عن رجل من الأنصار وفيه خالد بن عبد الله الواسطي ولا نعلم أحدا طعن فيه وقال اكثر المحدثين الصحيح انه مرسل عن ابى العالية ... ...

والمرسل عندنا حجة، وما احتج به الخصم من حديث جابر مرفوعا الضحك ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء فيه عبد الرحمن بن إسحاق ابو شيبة ضعيف كذا قال يحيى وقال احمد ليس بشىء منكر (مسئلة) وأكل لحوم الإبل حدث عند احمد لقوله صلى الله عليه وسلم توضؤا من لحوم الإبل رواه اصحاب السنن من حديث البراء وصححه المحدثون وروى مسلم نحوه عن جابر واحمد نحوه عن أسيد بن حضير وذى العزة وما احتج به الخصم من حديث ابن عباس مرفوعا الوضوء مما يخرج وليس ممّا يدخل رواه الدارقطني والبيهقي ضعيف منكر- (مسئلة) ومس الذكر حدث عند مالك واحمد وكذا عند الشافعي ان كان بباطن الكف لقوله صلى الله عليه وسلم من مسّ ذكره فلا يصل حتى يتوضأ رواه الائمة الثلاثة واصحاب السنن الاربعة وغيرهم من حديث عروة عن بسرة، قالت الحنفية هذا الحديث لا يصح وهو منقطع والتحقيق انه حديث صحيح متصل رواه عروة عن مروان عن بسرة ثم لقى بسرة فسمعه منها ورواته، كلهم فى الصحيحين وصححه احمد والترمذي ويحيى والدارقطني وقال البخاري أصح شىء فى الباب وروى الترمذي واحمد عن زيد بن جالد مرفوعا من مسّ فرجه فليتوضأ وروى الترمذي واحمد والبيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا نحوه صححه البخاري فيما حكى عنه الترمذي وفى الباب ما روى ابن ماجة عن ابى أيوب وهو ضعيف والحاكم عن سعد بن ابى وقاص وأم سلمة والبيهقي عن ابن عبّاس وهو ضعيف والطبراني وصححه عن على بن طلق وذكر ابن مندة حديث النعمان وانس وابى بن كعب ومعاوية بن جندة وقبيصة والترمذي حديث اروى بنت انس ولابى حنيفة حديث طلق بن على قيل يا رسول الله أيتوضأ أحدنا من مسّ ذكره قال هل هو الّا بضعة منك رواه احمد واصحاب السنن وصححه عمرو بن على القلاس وابن المديني وابن حبّان والطبراني وابن حزم وضعّفه الشافعي وابو زرعة وابو حاتم والدارقطني والبيهقي قلت لهذا الحديث خمسة طرق اربعة منها ضعاف ورجال طريقة واحدة منها ثقات الا قيس بن طلق راويه عن أبيه مختلف فيه ضعفه احمد ووثقه البجلي وعن يحيى روايتين فمن قال بتوثيقه فالحديث عنده صحيح والا فضعيف والحق عندى ان الحديث حسن لكن حديث بسرة أقوى منه وفى الباب حديث ابى امامة وعصمة بن مالك وعائشة وكلها ضعاف وادعى ابن حبان ان حديث طلق منسوخ لان من رواة كون مسّ الذكر ناقضا ابو هريرة وإسلامه فى سنة ستّ وطلق اتى عند رسول الله صلى الله ... ...

عليه وسلم أول الهجرة وهم يؤسّسون مسجد المدينة كذا روى الدارقطني قلت سند هذه الرواية ضعيف على ان مجىء طلق اوّل الهجرة لا يدل على عدم مجيئة ثانيا بعد اسلام ابى هريرة وايضا حديث ابى هريرة ضعيف فلا يثبت به نسخ حديث بسرة «1» والله اعلم فَلَمْ تَجِدُوا ماءً اى لم تقدروا على استعماله كذا ثبت تفسيره بالسنة والإجماع، وعدم القدرة على استعمال الماء أعم من ان يكون لعدم الماء او لبعده ميلا او بحيث ان ذهب الى الماء وتوضأ غابت القافلة او لفقد فمعز الدولة إخراج الماء من البير مثلا او لمانع من حية او سبع أوعد ومسلّط على الماء او خوف عطش او لخوف حدوث مرض لشدة برد او نقاحة او لمرض مانع من التحرك للوضوء وعدم من يناوله او لمرض خيف زيادته باستعمال الماء او بالحركة او خيف تلف نفس او عضو وفى رواية عن الشافعي يشترط فى المرض خوف تلف نفس او عضو- اخرج ابن ابى حاتم عن مجاهد قال نزلت هذه الاية فى رجل من الأنصار كان مريضا فلم يستطع ان يقوم فيتوضأ ولم يكن له خادم يناوله فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فانزل الله تعالى وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى الاية واخرج ابن جرير عن ابراهيم النخعي قال أصاب اصحاب النبىّ صلى الله عليه وسلم جراحة فغشت فيهم ثم ابتلوا بالجنابة فشكوا ذلك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى الاية كلها وعن عمرو بن العاص قال احتلمت فى ليلة باردة فى غزوة ذات السلاسل فاشفقت لى ان اغتسلت ان أهلك فتيمّمت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا عمرو صليت باصحابك وأنت جنب فقلت انى سمعت الله عز وجل يقول وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ الاية فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا علقه البخاري ورواه ابو داود والحاكم وعن ابن عمر انه اقبل من ارضه بالجرف فحضرت العصر بمربد النعم فتيمم فمسح وجهه ويديه وصلى العصر ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يعد رواه الشافعي ومالك فى المؤطا مختصرا والجرف موضع على فرسخ من المدينة كذا قال ابو إسحاق والمربد على ميل من المدينة وروى البيهقي عن ابن عمر انه يكون فى السفر

_ (1) هكذا فى الأصل والنقول كلها لكن عندى فيه نظر لان حديث بسرة وابى هريرة كلاهما فى شىء واحد وهو ان مسّ الذكر حدث ناقض للوضوء والبحث هاهنا فى حديث طلق هل هو منسوخ أم لا فلعل الناسخ الاول فهم بسرة سهوا فى مقام طلق والله اعلم 2 بو محمد عفا الله عنه

فيحضر الصلاة والماء منه على غلوة او غلوتين او نحو ذلك ثم لا يعدل اليه قلت هذا عند خوف ذهاب القافلة ولفظ العدول يقتضى كون الماء على يمينه او يساره لا تلقاء وجهه- (مسئلة) قال الشافعي المسافر إذا فقد الماء يشترط للتيمم طلب الماء فى رحله ومن رفقائه وان كان فى صحراء لا حائل دون نظره ينظر حواليه وان كان دون نظره تل او جدار عدل عنه لانه تعالى قال فَلَمْ تَجِدُوا ماءً ولا يقال لم يجد الا لمن طلب وقال ابو حنيفة طلب الماء من الرفيق ليس بشرط لانه غير واجد للماء إذ ليس فى ملكه فَتَيَمَّمُوا يعنى فاقصدوا، فى القاموس التيمم التوخي والتعمد الياء بدل من الهمزة ويممه قصده واليمامة القصد ولذلك قال ابو حنيفة رحمه الله النية شرط فى التيمم بخلاف الوضوء والغسل وقال زفر لا يشترط النية فى التيمم كما لا يشترط فى الوضوء والغسل والحجة عليه هذه الاية وقال الائمة الثلاثة يشترط فى الوضوء والغسل ايضا وسنذكر هذه المسألة فى سورة المائدة ان شاء الله تعالى صَعِيداً الصعيد اسم لوجه الأرض ترابا كان او رملا او جصا او نورة او حجرا او غير ذلك قال الزجاج لا اعلم خلافا بين اهل اللغة فى ذلك قلت ولذلك لم يذكر البيضاوي فى تفسير الصعيد التراب مع كونه شافعيا وقال البغوي قال ابن عباس الصعيد هو التراب وفى القاموس الصّعيد التراب او وجه الأرض وذكر فى الهداية انه فسّر ابن عباس صعيدا طيّبا اى ترابا منبتا وقال الحافظ ابن حجر لم أجده لكن روى البيهقي وابن ابى حاتم عنه أطيب الصّعيد تراب الحرث ورواه ابن مردوية فى تفسيره من حديث ابن عباس مرفوعا ولفظ أطيب يفيد ان غير تراب الحرث ايضا صعيد طيّب، قلت ولو كان لفظ الصعيد مشتركا بين التراب ووجه الأرض كما قاله صاحب القاموس فالمراد به هاهنا وجه الأرض دون التراب بقرينة قوله تعالى فى المائدة ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ لان فى إيجاب التراب المنبت حرج خصوصا على من أسكنهم الله بواد غير ذى زرع او ارض سبخة او رمل او جبل لا يجدونه الا بحرج عظيم وايضا يدل على التأويل بوجه الأرض حديث ابى هريرة فضلت على الأنبياء بستّ أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب واحلّت لى الغنائم وجعلت لى الأرض طهورا ومسجدا وأرسلت الى الخلق كافة وختم بي النبوة رواه مسلم والترمذي وصححه وروى الطبراني بسند صحيح عن السائب بن يزيد فضّلت و ... ...

بخمس ولم يذكر إعطاء جوامع الكلم وختم النبوة وزاد ادّخرت «1» شفاعتى لامتى والباقي نحوه وروى البيهقي بسند صحيح عن ابى امامة فضلت بأربع جعلت لى الأرض كلها ولامتى مسجدا وطهورا فايما رجل من أمتي اتى الصلاة فلم يجد ما يصلى عليه وجد الأرض مسجدا وطهورا وذكر الرسالة الى الناس كافة والنصرة بالرعب مسيرة شهرين وحلّ الغنائم وعند احمد بلفظ فعنده طهوره ومسجده وفى رواية عمرو بن شعيب فاينما أدركتني الصلاة تمسحت وفى الصحيحين عن جابر أعطيت خمسا لم يعط أحد من الأنبياء قبلى فعدّ منها وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا وعن انس عند ابن الجارود وابن المنذر بلفظ جعلت لى كل ارض طيبة مسجدا وطهورا فان ألفاظ هذه الأحاديث كلّها تدل على ان الأرض بجميع اجزائها طهوركما هى بجميع اجزائها مسجد اجماعا فان اللام فى الأرض للجنس، وحديث ابى امامة ونحوه ادلّ واصرح على ذلك فهذه الاية حجّة لابى حنيفة فى جواز التيمم على كل شىء من جنس الأرض سواء كان سبخة او رملا او حجرا بلا نقع او غير ذلك وقال مالك يجوز بالنبات ايضا إذا كان متصلا بالأرض لاطلاق الصعيد عليه طبعا وقال ابو يوسف لا يجوز الا بالرمل او التراب وقال الشافعي واحمد لا يجوز الا بالتراب احتجوا بحديث حذيفة بلفظ فضلنا على الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء رواه مسلم وبحديث على وفيه وجعل التراب لى طهورا، قالوا هذا خاص فينبغى ان يحمل عليه العام قلنا هذا استدلال بمفهوم اللقب ومفهوم اللقب ليس بحجّة عند الجمهور وتخصيص العام بالخاص انما يتصوّر عند التعارض ولا تعارض هاهنا فان جواز التيمم بالتراب لا ينفى جواز التيمم بغيره بل هو ساكت عنه وتخصيص التراب بالذكر لبيان الأفضل، وزاد ابو يوسف جواز التيمم بالرمل لحديث ابى هريرة ان ناسا من اهل البادية أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا انا نكون بالرمال الأشهر الثلاثة او الاربعة فيكون فينا الجنب والنفساء والحائض ولسنا نجد الماء فقال عليكم بالأرض ثم ضرب بيده على الأرض لوجهه ضربة واحدة ثم ضرب ضربة اخرى فمسح بها على يديه الى المرفقين رواه ابن الجوزي وقال هذا الحديث لا يصحّ فان فيه المثنى بن الصباح قال احمد والرازي ليس بشىء وقال النسائي متروك طَيِّباً اى طاهرا ولا جائز ان يراد به منبتا لان طهارة الصعيد شرط بالإجماع فلو أريد به

_ (1) فى الأصل ذخرت

الإنبات ايضا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز ولما كانت الطهارة فى الصعيد شرطا بدليل قطعىّ نصّ الكتاب والإجماع قال ابو حنيفة إذا تنجس الأرض ثم تطهر باليبس يجوز عليها الصلاة ولا يجوز بها التيمم لان ذكوة الأرض يبسها ثبت بحديث الآحاد فلا يتادّى بها ما ثبت اشتراطها بدليل قطعى وقالت الائمة الثلاثة لا يجوز عليها الصلاة ايضا وحديث ذكوة الأرض يبسها لا يعرف والمعتمد عليه عندى للحكم بطهارة الأرض بيبسها ما رواه البخاري عن حمزة بن عبد الله قال كانت الكلاب بتول وتقبل وتدبر فى المسجد فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرشون شيئا من ذلك وهكذا فى سنن ابى داود والإسماعيلي وابى نعيم «1» والبيهقي والله اعلم فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ الباء زائدة واستيعاب الوجه بالمسح فريضة اجماعا وَأَيْدِيكُمْ اليد اسم للعضو الى المنكب ولذلك حكى عن الزهري ان الواجب فى التيمم المسح الى الآباط وكذا حكى عن الصحابة انهم بعد نزول هذه الاية مسحوا الى الآباط والمناكب وذلك قبل تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم مراد الله تعالى بهذه الاية، عن عمار بن ياسر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم عرّس بذات الجيش ومعه عائشة فانقطع عقدتها من جزع ظفار فحبس الناس ابتغاء عقدتها ذلك حتى أضاء الفجر وليس مع الناس ماء فانزل الله تعالى على رسوله رخصة التطهير بالصعيد الطيّب فقام المسلمون فضربوا الأرض ثم رفعوا أيديهم ولم يفيضوا من التراب شيئا فمسحوا بها وجوههم الى المناكب ومن بطون أيديهم الى الآباط رواه ابن الجوزي من طريق احمد وروى ابن ماجة بلفظ فتيممنا الى المناكب وفى رواية له فتيممنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المناكب لكن ظهر بتعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالإجماع ان جميع اليد ليس بمراد فهى مجمل فى المقدار فبيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم ان مقدار اليد فى التيمم مقدارها فى الوضوء يعنى الى المرفقين- عن عمار قال «2» كنت فى القوم حين نزلت اية التيمم فامرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربنا واحدة للوجه ثم ضربة اخرى لليدين الى المرفقين رواه البزار ذكر الحافظ ابن حجر فى تخريج أحاديث الرافعي ولم يطعن فيه وروى ابو داود من حديث عمار انه قال الى المرفقين لكن فى سنده قال قتادة حدثنى محدث عن الشعبي وذلك المحدث مبهم الّا ان لفظ المحدث يدل على توثيقه فلا بأس به وقد مرّ حديث الاسلع فى شأن نزول الاية قال فارانى

_ (1) فى الأصل ابو نعيم (2) فى الأصل قال قال

رسول الله صلى الله عليه وسلم التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين الى المرفقين لكن فى سنده ربيع ابن بدر ضعيف غير انه يعضد حديث عمار والتحق حديث عمار واسلع بيانا للاية (مسئلة) وبناء على هذا قال ابو حنيفة والشافعي الواجب فى التيمم المسح الى المرفقين ويؤيد هذا المذهب حديث جابر قال جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أصابتني جنابة وانى تمعكت فى التراب فقال عليه السلام التيمم ضربة للوجه وضربة للذراعين الى المرفقين وفى رواية ضرب بيده الأرض فمسح وجهه ثم ضرب يديه فمسح بهما الى المرفقين رواه الحاكم وقال صحيح الاسناد ولم يخرجاه وقال الدارقطني رجاله كلهم ثقات وحديث ابن الصمة قال مررت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلمت عليه فلم يرد علىّ حتى قام الى جدار فحته بعصا كانت معه ثم وضع يده فمسح وجهه وذراعيه رواه الشافعي والنسائي من طريقه وقال النسائي حديث حسن فان قيل فيه ابو عصمة وتابعه ابو خارجة قال ابن الجوزي يتكلم فيهما وفيه ابو الحويرث قال الحافظ فيه من الضعف قلت هذه الثلاثة لم يتهم أحد منهم بالكذب فارتقى الحديث الى درجة الحسن وهذا الحديث فى الصحيحين فمسح بوجهه ويديه وحديث عبد الله بن ابى اوفى سئل عن التيمم قال امر النبي صلى الله عليه وسلم عمارا ان يفعل هكذا وضرب بيديه الأرض ثم نفضهما ومسح على وجهه ويديه وفى رواية ومرفقيه مكان يديه رواه ابن ماجة ولم يخرج الذهبي فى الضعفاء أحدا من رجال هذا السند الا انه قال عثمان بن ابى شيبة شيخ للبخارى تكلم فيه وهو صدوق فالحديث حسن وفى الباب أحاديث أخر ضعاف منها حديث ابن عمر مثل حديث ابن الصمة رواه ابو داود ومداره على محمد بن ثابت وهو ضعيف وعنه وعن عائشة قوله صلى الله عليه وسلم التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين الى المرفقين رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي وفى حديث ابن عمر على بن ظبيان ضعّفه القطان وابن معين وقال الحاكم صدوق وروى ايضا من طريق سليمان ابن داود وهو متروك وفى حديث عائشة الحريش بن الحريث قال ابو حاتم منكر الحديث وعن ابن عمر ايضا تيممنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ضربنا بايدينا على الصعيد الطيب ثم نفضنا أيدينا فمسحنا بها وجوهنا ثم ضربنا ضربة اخرى فمسحنا من المرافق الى الأكف رواه الدارقطني وفيه سليمان بن أرقم متروك وفى الباب حديث ابى امامة رواه الطبراني واسناده ضعيف وقال مالك ... ...

واحمد يجوز فى التيمم الاقتصار على ضربة واحدة يمسح بها وجهه وكفيّه لحديث عمار قال كنت فى سرية فاجتنبت فتمعكت فى التراب فلما أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له فقال انما يكفيك هكذا وضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده الى الأرض ثم نفخ فيها ومسح بها وجهه وكفيه وفى رواية عنه ان نبى الله صلى الله عليه وسلم قال فى التيمم ضربة للوجه والكفين رواهما احمد وفى الصحيحين بطرق فبعض ألفاظ البخاري انما كان يكفيك هكذا فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفية الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه وروى مسلم انما يكفيك ان تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفّيك وعند البخاري يكفيك الوجه والكفين قلت حديث الصحيحين يدل على ان عمّارا وقت نزول الاية لم يعرف ان التيمم يكفى للمجنّب وانما علم حينئذ انه للمحدث ولذلك تمعك للجنابة قياسا عليه قالوا ما رواه الشيخان من حديث عمار أقوى، قلنا وان كان أقوى من كل واحد واحد ممّا ذكرنا من الأحاديث لكن أحاديثنا لكثرة الرواة وطرق شتى صحيحة وضعيفة يبلغ فى القوة مبلغ حديث الصحيحين فتعارضا فرجّحنا بوجوه أحدها ان ما احتج به احمد متاخر عن وقت نزول الاية والمتأخر لا يصلح بيانا لمجمل الكتاب إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة فلو حمل هذا الحديث على ظاهره لكان ناسخا لكتاب الله ولا يجوز نسخ الكتاب بحديث الآحاد فيسقط حديث الصحيحين لاجل معارضة الكتاب وامّا أحاديثنا فمنها ما هو صريح فى كونه بيانا للاية مقارنا لنزولها فالتحق بالكتاب بيانا وثانيها بان حديث الصحيحين يحتمل التأويل بان يقال اطلق الكف وأريد به اليد مجازا إطلاقا لاسم الجزء على الكل او يقال انما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان صورة الضرب ونفى التمعك وليس المراد به بيان جميع ما لا بد منه للتيمم كما قال فى الغسل انما يكفيك ان تحثى على راسك ثلاث حثيات ولم يذكر فيه المضمضة والاستنشاق وغسل جميع البدن لان المقصود هناك بيان عدم الحاجة الى نقض الضفائر ثالثها بانه إذا تعارض الحديثان سقطا وعملنا بالقياس على الوضوء رابعها الاخذ بالاحتياط- (مسئلة) قال ابو حنيفة يجوز التيمم لخوف فوت ما يفوت لا الى خلف كصلوة العيد ابتداء وبناء وصلوة الجنازة لغير الولي لا لخوف فوت الوقت والجمعة وقال مالك والشافعي لا يجوز لخوف فوت العيد والجنازة لعدم الضرورة فى إتيانهما فان صلوة العيد ليست بواجبة ... ...

عندهما بل سنة وصلوة الجنازة فرض كفاية يتادى بغيره ويجوز لخوف فوت الوقت والجمعة لكن عند الشافعي يجب الاعادة ايضا وقال احمد لا يجوز لخوف فوت شىء منها لان طهورية الصعيد مشروطة بعدم وجدان الماء ولم يوجد والحجة لابى حنيفة انه صلى الله عليه وسلم تيمم لردّ السّلام كما مرّ- (مسئلة) إذا وجد الماء بعد الصّلوة فى الوقت بالتيمم لا يجب عليه الاعادة وان كان الوقت باقيا وقال عطاء وطاؤس ومكحول وابن سيرين والزهري يجب الاعادة لنا حديث ابى سعيد الخدري ان رجلين خرجا فى سفر فحضرت الصّلوة وليس معهما ماء فتيمّما صعيدا طيّبا وصلّيا ثم وجدا الماء فى الوقت فاعاد أحدهما الوضوء والصلاة ولم يعد الاخر فاتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال للذى لم يعد أصبت السنة وأجزأتك صلوتك وقال للذى أعاد لك الاجر مرتين رواه ابو داود والنسائي والحاكم والدارمي- (مسئلة) من كان بعض أعضائه صحيحا وبعضه جريحا يغسل الصحيح ويتيمم للجريح عند الشافعي واحمد وهو المختار عندى للفتوى وقال ابو حنيفة ومالك ان كان الأكثر صحيحا يغسل الصحيح ويمسح على الجريح ولا يتيمم والا يتيمم ولا يغتسل لنا انه صحيح بعض أعضائه وهو واجد للماء من وجه فلا يسقط غسله ومريض من وجه حيث لا يقدر على استعمال الماء فى جميع بدنه فيتيمم ويؤيده حديث جابر قال خرجنا فى سفر فاصاب رجلا حجر فشجّه فى رأسه ثم احتلم فسال أصحابه هل تجدون لى رخصة فى التيمم فقالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلوه قتلهم الله الا سالوا إذا لم يعلموا فان شفاء العي السؤال انما كان يكفيه ان يتيمم ويعصر او يعصب على جرحه ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده رواه الدارقطني ومن طريقه ابن الجوزي- (مسئلة) يجوز بتيمم واحد صلوات كثيرة ما لم يحدث او يجد الماء وقال الشافعي واحمد يجب ان يتمم لوقت كل صلوة، لنا قوله صلى الله عليه وسلم الصعيد الطيّب وضوء المسلم وان لم يجد الماء عشر سنين فاذا وجد الماء فليمس بشرته فان ذلك خير رواه اصحاب السّنن من حديث ابى ذرّ قال الترمذي حديث صحيح احتج الشافعي بقول ابن عباس من السنة ان لا يصلى بالتيمم اكثر من صلوة واحدة رواه الدارقطني والبيهقي قال الرافعي قول الصحابي من السنة ينصرف الى سنة الرسول ... ...

صلى الله عليه وسلم فله حكم الرفع وفى الباب اثر على رواه ابن ابى شيبة وعن عمرو بن العاص موقوفا انه كان يتيمم لكل صلوة وبه كان يفتى قتادة روى الدارقطني بسنده عن قتادة وكان ابن عمر يتيمّم لكل صلوة رواه البيهقي قلنا لا يصح شىء من هذه الآثار امّا اثر ابن عباس قال ابن الجوزي فيه ابو يحيى عن حسن بن عمارة وهما متروكان وقال الحسن ضعيف جدّا وامّا اثر على ففيه الحجاج بن ارطاة تركه ابن مهدى والقطان وقال احمد والدارقطني لا يحتج به وقال ابن معين والنسائي ليس بالقوى وامّا اثر عمرو بن العاص فهو منقطع بين قتادة وعمر وإرسال شديد وامّا اثر ابن عمر ففيه عامر الأحول مختلف فيه ليّنه احمد وغيره ووثقه ابو حاتم ومسلم ثم هذه الآثار لا يعارض المرفوع الصحيح وايضا نحملها على الاستحباب وقول ابن عباس من السنة يعنى مستحب ليس بواجب- (مسئلة) فاقد الطهورين لا يصلى عند ابى حنيفة ومالك وعليه القضاء عند ابى حنيفة دون مالك وعند الشافعي واحمد يصلى ويجب عليه الاعادة عند الشافعي دون احمد إذا وجد الماء لنا هذه الاية حيث قال ولا جنبا يعنى لا تقربوا الصلاة جنبا الّا عابرى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى الاية نهى عن الصلاة جنبا وجعل غاية النهى الغسل لواجد الماء والتيمم للفاقد فبقى فاقد الطّهورين داخلا فى النهى لعدم الغاية فان قيل المسافر خارج عن النهى قلنا انما هو المسافر المتيمم ولولا ذلك لجاز للمسافر الصلاة بغير تيمم ويمكن للشافعى ان يقول الخارج عن النهى المسافر مطلقا ثم أوجب عليه التيمم ويشترط لوجوب التيمم القدرة على الصعيد كيلا يلزم التكليف بما لا يطاق فاذا لم يقدر على الصعيد سقط عنه التيمم وبقي خارجا عن النهى ولنا ايضا قوله صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلوة الا بطهور رواه الترمذي والصلاة نكرة فى حيّز النفي فهو عام والقول بانه محمول على من يقدر على الطهور تخصيص للنصّ بلا دليل ولنا ايضا حديث عمار بن ياسر قال لعمر بن الخطّاب اما تذكر انا كنا على سفر انا وأنت فاصابتنا جنابة فامّا أنت فلم تصل وامّا انا فتمعكت فى التراب فصليت فذكرت ذلك للنبىّ صلى الله عليه وسلم فقال انما يكفيك هكذا متفق عليه حيث لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على عمر لاجل ترك الصلاة واحتج الشافعي بحديث عائشة انها استعارت من اسماء قلادة فهلكت فارسل رسول الله صلى عليه وسلم ناسا من أصحابه فى طلبها فادركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء فلما أتوا النبي صلى الله ... ...

[سورة النساء (4) : آية 44]

عليه وسلم شكوا ذلك اليه فنزلت اية التيمم فقال أسيد بن حضير جزاك الله خيرا فو الله ما نزل بك امر قطّ الا جعل الله لك منه مخرجا وجعل للمسلمين فيه بركة متفق عليه وفى رواية فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء فانزل الله اية التيمم فتيمّموا فقال أسيد بن حضير وهو أحد النقباء ما هى باوّل بركتكم يا ال ابى بكر قالت عائشة فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقدة فيه والجواب ان هذا الحديث حجة لنا لا علينا حيث لم ينقل انه صلى الله عليه وسلم صلّى وانما فعلوا ذلك بآرائهم ولو كانت الصّلوة جائزة لما تيمّموا بعد نزول الاية وقول الشافعي بوجوب إعادة الصّلوة مع وجوب الصّلوة بلا طهور باطل على قاعدة الأصول فان سبب الوجوب الوقت واحد لا يتصوّر ان يكون سببا لتكرار الواجب وقول مالك لا قضاء عليه لانه لا تقصير من جانبه فى ترك الصّلوة ايضا باطل لان قوله صلى الله عليه وسلم ما فاتكم فاقضوا امر بالقضاء عند الفوات اعمّ من ان يكون بتقصير منه اولا، الا ترى انّ وجوب القضاء على النائم مجمع عليه مع انه لا تقصير منه إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا حيث يسّر الأمر لكم ورخّص لكم غَفُوراً (43) يغفر لكم ما شربتم المسكر وصليتم فى السّكر ومع الجنابة قبل نزول هذه الاية والله اعلم اخرج ابن إسحاق عن ابن عباس رضى الله عنهما انه قال كان رفاعة بن زيد بن التابوت من عظماء اليهود إذا كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لوّى لسانه وقال راعنا سمعك يا محمّد حتى نفهمك ثم طعن فى الإسلام وعابه وذكر البغوي عن ابن عباس قال فى رفاعة بن زيد ومالك ابن دحشم نزلت. أَلَمْ تَرَ خطاب لغير معيّن يدل عليه قوله تضلّوا وأعدائكم او خطاب لسيّد القوم فى مقام خطابهم والرواية مجاز عن النظر والّا فالرؤية سواء كان من البصر او القلب لا يتعدى بالى ويحتمل تضمين معنى النظر على انها روية البصر او تضمين معنى الانتهاء سواء كانت الرؤية من البصر او القلب ولذا عدى بالى حيث قال إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يعنى يهود المدينة وتنكير نصيبا للتحقير يعنى أوتوا حظّا يسيرا من الكتاب اى التوراة وهو القراءة باللسان دون التفقه والإذعان بالجنان يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ اى الكفر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم يستبدلونها بالهداية التي كانوا عليها قبل البعثة فانهم كانوا يؤمنون بالنبي الأمي المبعوث فى اخر الزمان وكانوا يستفتحون على الذين كفروا، او المعنى يستبدلون ... ...

[سورة النساء (4) : آية 45]

الضلالة بالهداية التي تمكنوا على تحصيلها باتباع النبي صلى الله عليه وسلم وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا ايها المؤمنون السَّبِيلَ (44) الى الحق والاستفهام للتقرير والتعجيب والتحذير يعنى قد رأيت وعلمت عداوتهم بك وبالمؤمنين مع علمهم بكونك على الحق فاحذرهم فانّ أعدى الأعداء من أراد بكم الضلالة الموجبة للهلاك الابدى ولا تستنضحوهم فى أموركم. وَاللَّهُ أَعْلَمُ منكم بِأَعْدائِكُمْ هذه الجملة تأكيد للتحذير وَكَفى بِاللَّهِ الباء زائدة فى المرفوع لتأكيد الاتصال الاسنادى بالاتصال الإضافي لافادة زيادة حرف الإلصاق لزوم الكفاية للفاعل وَلِيًّا فى النفع يلى أموركم وينفعكم وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً (45) فى دفع الضر يكفيكم مكرهم وينصركم عليهم فاكتفوا به عن غيره فى الولاية والنصرة فانه اعلم واقدر فثقوا به ولا تتولوا ولا تستنصروا غيره ووليا ونصيرا منصوبان اما على التمييز واما على الحال. مِنَ الَّذِينَ هادُوا قيل متصل بما قبله بيان ل الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ او بيان لاعدائكم او متعلق بقوله نصيرا اى ينصركم من الذين هادوا فعلى هذا قوله يُحَرِّفُونَ حال متداخل او مترادف لما قبله وقيل مِنَ الَّذِينَ هادُوا كلام مستانف ظرف مستقر مسند الى مقدر بعده تقديره من الّذين هادوا فريق يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ جمع كلمة وقيل اسم جنس وليس بجمع يدل عليه تذكير الضمير الراجع اليه فى قوله تعالى عَنْ مَواضِعِهِ وأجيب بانّ تقديره يحرّفون بعض الكلم عن مواضعه واختار التفتازانيّ كونه اسم جنس وقال من نفى كونه جمعا نفى كونه جمعا اصطلاحا ومن اثبت الجمعية أراد انه جمع معنى ولؤيد كونه كلاما مستانفا قراءة ابن مسعود ومن الّذين هادوا بزيادة الواو وما فى مصحف حفصة من الّذين هادوا من يحرّقون الكلم اى يغيرونها ويزيلونها عن مواضعها التي وضعها الله تعالى فيها من التوراة والمراد بالكلم نعت محمد صلى الله عليه وسلم لما روى البيهقي عن ابن عباس قال وصف الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم فى التورية اكحل أعين ربعة جعد الشعر حسن الوجه فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حسده أحبار يهود فغيّروا صفته فى كتابهم وقالوا لا نجد نعته عندنا وقالوا نجد النبي الأمي طويلا ازرق سبط الشعر وقالوا للسفلة هذا ليس هذا فلبسوا بذلك على الناس وانما فعلوا ذلك لان الاخبار كانت لهم ما كلمة يطعمهم إياهم السفلة فخافوا ان تؤمن السفلة «1» فيتنقطع

_ (1) فى الأصل ان يومنوا السفلة [.....]

تلك المأكلة وقال البغوي قال ابن عبّاس كانت اليهود يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسئلونه عن الأمر فيخبرهم فيرى انهم يأخذون بقوله فاذا انصرفوا من عنده حرفوا كلامه فعلى هذا المراد بالكلم مطلق الكلم وقيل معنى تحريف الكلم من التوراة عن مواضعه تأويله على ما يشتهونه غير ما أراد الله تعالى منها كما يفعل اهل الأهواء من هذه الامة فى القران وجاز ان يكون معنى تحريف الكلم ان يقولوا كلمة ذات جهتين يحتمل المدح والذم والتوقير والتحقير فيظهرون المدح ويضمرون به الذم وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا عطف على قوله يحرّفون وليس هذا من جملة التحريفات ان كان المراد تحريف التوراة والمعنى انهم يقولون للنبى صلى الله عليه وسلم هذا فهو بيان لكفرهم حيث يقولون لا نطيعك بعد السماع وجاز ان يكون المعنى يقولون عند أصحابهم سمعنا قول محمد وعصيناه او يكون قولهم سمعنا عند النبي صلى الله عليه وسلم وعصينا عند قومهم فهو بيان لنفاقهم وجاز ان يكون هذا بيانا لبعض تحريفاتهم حيث يقولون بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم سمعنا وهى كلمة ذات جهتين يعنى سمعنا سماع اجابة ويريدون به سماعا بلا اجابة وجاز ان يكون قوله تعالى حكاية عنهم سمعنا وعصينا كناية عن تحقق عصيانهم بعد السماع فانّ المحقق نزل منزلة القول يعنى انهم يسمعونك ثم يعصونك وَاسْمَعْ منا غَيْرَ مُسْمَعٍ قيل كانوا يقولون للنبى صلى الله عليه وسلم اسمع ثم يقولون فى أنفسهم لا سمعت دعاء عليه بالصمم او الموت والظاهر انهم كانوا يقولون ذلك جهارا وهى كلمة ذات جهتين يحتمل التعظيم والدعاء اى اسمع غير مسمع مكروها من قولهم اسمع فلان فلانا اى سبّه ويحتمل السبّ اى اسمع منا ندعوا عليك بلا سمعت او غير مسمع جوابا ترضاه او اسمع غير مجاب الى ما تدعو اليه او اسمع كلاما غير مسمع إياك لان اذنك تأبى عنه فيكون مفعولا به وَراعِنا هذه ايضا كلمة ذات الجهتين فانّ معناه بالعربية ارقبنا وانتظرنا نكلمك ومعناه بالعبرانية او السّريانية السبّ فانهم كانوا يتسابّون بما يشبه ذلك يقولون راعينا فكانوا يقولون ذلك سخرية بالدّين وهزوا برسول ربّ العالمين صلى الله عليه وسلم لعنهم الله أجمعين لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ مفعول له لقوله تعالى يقولون يعنى يقولون ذلك لان يفتلوا بألسنتهم الحق بالباطل والتوقير فى الظاهر بالشتم المضمر وَطَعْناً فِي الدِّينِ اى لاجل الطعن فى الدين حيث يقولون لو كان نبيّا حقّا لاخبر بما اضمرنا فيه، ... ...

[سورة النساء (4) : آية 47]

وَلَوْ ثبت أَنَّهُمْ قالُوا سرّا وعلانية سَمِعْنا وَأَطَعْنا مكان قولهم سمعنا وعصينا وَاسْمَعْ بغير الحاق غير مسمع وَانْظُرْنا مكان راعنا لَكانَ قولهم ذلك خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ اى اعدل وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ اى خذلهم وابعدهم عن الهدى بِكُفْرِهِمْ اى بسبب كفرهم فذلك اللعنة موجب لعدم توفيقهم الى ما هو خير لهم واعدل فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46) منصوب على المصدرية او على الظرفية يعنى الّا ايمانا قليلا وتصديقا لا يعبا به شرعا- وذلك الايمان ببعض الكتب وبعض الرسل او الايمان فى الظاهر بالنفاق ويجوزان يراد بالقلة العدم وقيل معناه الا قليلا منهم كعبد الله بن سلام ويتجه عليه ان نصب المستثنى فى الكلام المنفي غير مختار عند النحاة وان جوّزه ابن الحاجب مع ان القراء متفقون على النصب وايضا لا بدّ حينئذ حمل قوله تعالى لعنهم على لعن أكثرهم وقال التفتازانيّ هو استثناء من قوله تعالى لَعَنَهُمُ اللَّهُ والله اعلم- اخرج ابن إسحاق عن ابن عباس قال كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود منهم عبد الله بن صوريا وكعب بن أسيد فقال لهم يا معشر يهود اتقوا الله واسلموا فو الله انكم لتعلمون ان الذي جئتكم به لحق فقالوا ما نعرف ذلك يا محمد وأصروا على الكفر فانزل الله تعالى. يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ التورية آمِنُوا بِما نَزَّلْنا على محمد من القران مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ من التورية مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً التنوين عوض للمضاف اليه اى وجوهكم اصل الطمس ازالة الأثر والمعنى نمحوا اثار الوجوه من الانف والعين والفم والحاجب فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها اى نجعلها كالاقفاء وقيل نجعل الوجوه منابت الشعر كوجوه القردة لان منابت شعور الآدميين فى ادبار وجوههم قال ابن عباس نجعلها كخف البعير وقال قتادة والضحّاك نعميها والمراد بالوجه العين فان قيل قد وعدهم الله تعالى بالطمس ان لم يؤمنوا يدل على ذلك ما روى ان عبد الله بن سلام رضى الله عنه لما سمع هذه الاية جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم قبل ان يأتى اهله ويده على وجهه واسلم وقال يا رسول الله ما كنت ارى ان اصل إليك حتى يتحول وجهى فى قفائى وكذلك ما روى عن كعب الأحبار لما سمع هذه الاية اسلم فى زمن عمر فقال يا ربّ امنت يا رب أسلمت مخافة ان يصيبه وعيد هذه الآية ... ...

[سورة النساء (4) : آية 48]

لكنهم لم يؤمنوا ولم يفعل بهم ذلك قلنا قيل هذا الوعيد يأتى ويكون طمس ومسخ فى اليهود قبل قيام السّاعة وقيل كان وعيدا بشرط عدم ايمان كلهم فلمّا اسلم عبد الله بن سلام وأصحابه رفع ذلك من الباقين وقيل أوعدهم الله بأحد الامرين على سبيل منع الخلو بالطمس او اللعن وقد لعنوا فثبت الوعيد والصحيح عندى انه يطمسهم يوم القيامة ان لم يؤمنوا- اخرج ابن عساكر والخطيب عن معاذ بن جبل ان النبي صلى الله عليه وسلم تلا يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً قال يحشر أمتي عشرة أفواج صنف على صورة القردة وصنف على صورة الخنازير وصنف على صورة الكلاب وصنف على صورة الحمر الحديث وقد ذكرنا فى تفسير تلك الاية وقال مجاهد أراد بقوله نَطْمِسَ وُجُوهاً اى نتركهم فى الضلالة فيكون المراد طمس وجه القلب والرد عن بصائر الهدى لكن يرد عليه ان ذلك التأويل يقتضى كون قلوب اليهود نقية قبل ذلك وقال ابن زيد معناه نمحو اثارهم من المدينة فنردها على أدبارها حتى يعودوا الى حيث جاءوا منه وهو الشام، وقد مضى تأويله بإجلاء بنى نضير الى أذرعات وأريحا بالشام أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ من اليهود على لسان داود وعيسى بن مريم وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (47) نافذا كائنا لا محالة لا يقدر أحد على دفعه- اخرج الطبراني وابن ابى حاتم عن ابى أيوب الأنصاري قال جاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ان لى ابن أخ لا ينتهى عن الحرام قال وما دينه قال يصلى ويوحّد قال استوهب منه دينه فان ابى فاتبعه منه فطلب الرجل ذلك منه فابى عليه فاتى النبي صلى الله عليه وسلم فاخبره فقال وجدته شحيحا على دينه فنزلت. إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ تعالى فى وجوب الوجود او العبادة إذا مات وهو مشرك وامّا إذا تاب عن الشرك وأمن فيغفر له ما قد سلف منه من الشرك وغيره اجماعا لان التائب من الذنب كمن لا ذنب له يعنى كانه لم يصدر عنه ذلك الذنب قط قال الله تعالى قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ يعنى ما سوى الشرك من الذنوب صغيرة كانت او كبيرة صدرت عنه خطأ او عمدا وان مات مذنبا لم يتب لِمَنْ يَشاءُ تعميم المغفرة لما دون الشرك وتقييدها بالمشية مبطل لمذهب المرجئة حيث قالوا بوجوب المغفرة لكل ذنب وقالوا لا يضر ذنب مع الايمان كما لا ينفع عمل مع الشرك ... ...

ومذهب المعتزلة حيث قيّدوا مغفرة الذنوب بالتوبة فان الاية تدل على نفى التقييد بالتوبة لان سوق الكلام للتفرقة بين حال المشرك والمذنب والتقييد بالمشية يبطل القول بوجوب المغفرة للتائب ووجوب التعذيب لغيره فان قيل التقييد بالمشية لا ينافى الوجوب بل يستلزم وجوب المشية بعد ثبوت المغفرة قلنا فحينئذ لا فائدة فى هذا التقييد ومذهب الخوارج حيث قالوا كل ذنب شرك صاحبه مخلد فى النار اخرج ابو يعلى وابن المنذر وابن عدى بسند صحيح عن ابن عمر قال كنا نمسك عن الاستغفار لاهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وسلم إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ قال انى ادخرت دعوتى شفاعتى لاهل الكبائر من أمتي فامسكنا عن كثير ممّا كان فى أنفسنا ثم نطقنا بعد ورجونا قال البغوي ناقلا عن الكلبي انّ الاية نزلت فى وحشي بن حرب وأصحابه وذلك انه لمّا قتل حمزة كان قد جعل له على قتله ان يعتق فلم يوف له بذلك فلمّا قدم مكة ندم على ما صنع هو وأصحابه فكتبوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم انا قد ندمنا على ما صنعنا وانه ليس يمنعنا عن الإسلام الا انا سمعناك تقول وأنت بمكة وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الآيات وقد دعونا مع الله الهة وقتلنا النّفس الّتى حرم الله تعالى وزنينا فلولا هذه الآيات لاتبعناك فنزلت إِلَّا مَنْ تابَ ... «1» وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً الآيتين فبعث بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فلما قرءوا كتبوا اليه انّ هذا شرط شديد نخاف ان لا نعمل عملا صالحا فنزلت هذه الاية إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ الاية فبعث بها إليهم فبعثوا اليه انا نخاف ان لا نكون من اهل مشية فنزلت يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ الاية فبعث بها إليهم فدخلوا فى الإسلام ورجعوا الى النبي صلى الله عليه وسلم فتقبل منهم ثم قال للوحشى أخبرني كيف قتلت حمزة فلمّا أخبره فقال ويحك غيب وجهك عنى فلحق الوحشي بالشام وكان بها الى ان مات فان قيل هذه القصّة يدل على نسخ تقييد المغفرة بالمشية فيثبت مذهب المرجئة قلنا هذا التقييد لا يحتمل النسخ إذ لا يجوز وجود شىء من الأشياء مغفرة كانت او غيرها بدون مشية الله لكن نزول قوله تعالى يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا فى شأن الوحشي دل على كونه من اهل المشية والله اعلم وقال البغوي ناقلا عن ابى مجلز عن ابن عمر انه لما نزل قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا الاية قام رجل فقال والشّرك يا رسول الله فسكت ثم قام اليه

_ (1) وفى القران إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ إلخ-

[سورة النساء (4) : آية 49]

مرتين او ثلاثا فنزلت إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ الاية «1» - وقال ناقلا عن مطرف بن عبد الله ابن الشخير عن ابن عمر قال كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات الرجل على كبيرة شهدنا انه من اهل النار حتى نزلت هذه الآية فامسكنا عن الشهادات وقال حكى عن على ان هذه الاية أرجى اية فى القران وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى معنى الافراء الإفساد والافتراء استعمل فى الكذب والشرك والظلم كذا فى الصحاح فالمعنى فقد أفسد وكذب إِثْماً منصوب على المصدرية يعنى ارتكب الكذب والفساد كذبا وفسادا عظيما وجازان يكون منصوبا على المفعولية والمعنى على التجريد اختلق اثما عَظِيماً (48) يستحقر دونه الآثام وهذا وجه الفرق بينه وبين سائر الآثام عن جابر رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثنتان موجبتان فقال رجل يا رسول الله ما الموجبتان قال من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار رواه مسلم وعن ابى ذرّ رضى الله عنه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثوب ابيض وهو نائم ثم أتيته وقد استيقظ فقال ما من عبد قال لا اله الا الله ثم مات على ذلك الّا دخل الجنة قلت وان زنى وان سرق قال وان زنى وان سرق قلت وان زنى وان سرق قال وان زنى وان سرق قلت وان زنى وان سرق قال وان زنى وان سرق على رغم انف ابى ذرّ وكان ابو ذر إذا حدث بهذا قال وان رغم انف ابى ذرّ متفق عليه وفى الباب أحاديث كثيرة والله اعلم- اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس واخرج ابن جرير نحوه عن عكرمة وابى مالك ومجاهد وغيرهم انه كانت اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم ويقربون قربانهم ويزعمون انهم لا خطايا لهم ولا ذنوب فانزل الله تعالى. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ الاستفهام للتعجيب

_ (1) روى ابو يعلى وابن ابى حاتم عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من عبد يموت لا يشرك بالله شيئا الّا حلّت له المغفرة ان شاء غفر له وان شاء عذبه ان الله استثنى فقال إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ واخرج ابو يعلى عن انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجز له ومن وعده على عمل عقابا فهو بالخيار واخرج الطبراني عن سلمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذنب لا يغفر وذنب لا يترك وذنب يغفر فامّا الذي لا يغفر فالشرك وامّا الذي يغفر فذنب بينه وبين الله وامّا الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا منه رحمه الله

من حال من يزكى نفسه لان غرضه من تزكية نفسه اعتلاؤه بين الناس ولا يحصل ذلك بتزكيته نفسه بل يوجب ذلك دناءة فى أعين الناس وانما يحصل الاعتلاء والزكاء بتزكية الله تعالى وجعله عاليا ناميا فيما بين عباده ذكر البغوي والثعلبي عن الكلبي انها نزلت فى رجال من اليهود منهم بحرى بن عمرو والنعمان بن اوفى ومرحب بن زيد أتوا بأطفالهم الى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد هل على هؤلاء ذنب فقال لا قالوا ما نحن الا كهيئتهم ما عملنا بالنهار يكفّر عنا بالليل وما عملنا بالليل يكفر عنا بالنهار فانزل الله تعالى هذه الاية وقال الحسن والضحّاك وقتادة نزلت فى اليهود والنصارى حين قالوا نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ وقالوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى، قلت وان كان سبب نزول الاية خاصّا لكن الحكم عام وقال ابن مسعود هو تزكية بعضهم لبعض، روى عن طارق بن شهاب عن ابن مسعود قال انّ الرجل ليغدوا من بيته ومعه دينه فيأتى الرجل لا يملك له ولا لنفسه ضرّا ولا نفعا فيقول والله أنت لذيت وذيت فيرجع الى بيته وما معه من دينه شىء ثم قرأ الم تر الى الّذين يزكّون أنفسهم (مسئلة) لا يجوز لاحد ان يزكى نفسه ويثنى عليها وينسبها الى الطهارة من الذنوب، وايضا لا يجوز ان يحكم لغيره بالطهارة الأعلى سبيل حسن الظن المأمور به فان الحكم بغير العلم لا يجوز قال الله تعالى وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ وتزكية نفسه يفضى الى العجب والكبر المنهيين ايضا وفى نفس الأمر ما لكل أحد عند الله تعالى من القرب والثواب لا يعلمه الّا الله تعالى ولذلك قال بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي اى يحكم بالطهارة او يطهر من الذنوب بالمغفرة ويصلح مَنْ يَشاءُ فانه القادر على التطهير وبما ينطوى عليه الإنسان هو العليم الخبير وفيه اشعار بأنه يجوز تزكية نفسه او غيره باعلام من الله تعالى بتوسط الوحى او الإلهام بشرط ان لا يكون ذلك على وجه البطر والتكبر فانها من رذائل النفس وهذا هو محمل ما ورد فى الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم انا سيد ولد آدم ولا فخر وقد مر فى البقرة وقوله صلى الله عليه وسلم والله انى لامين فى السّماء أمين فى الأرض لمّا عرّض المنافقون بانه جارّ فى القسمة وقوله صلى الله عليه وسلم والله لا تجدون بعدي اعدل عليكم منى رواه الطبراني والحاكم بسند صحيح عن ابى هريرة واحمد عن ابى سعيد وقوله صلى الله عليه وسلم ابو بكر وعمر سيّدا كهول اهل الجنة والحسن والحسين سيّدا شباب اهل الجنة وفاطمة سيدة نساء اهل الجنة وكذا ما ورد فى كلام الأولياء بناء على الهام من الله تعالى كقول غوث الثقلين قدمى ... ...

[سورة النساء (4) : آية 50]

هذه على رقبة كل ولى الله وَلا يُظْلَمُونَ الضمير راجع الى من يشاء الله تزكيته فانهم يثابون على زكائهم ولا ينقص من ثوابهم او الى الناس أجمعين المفهوم فى ضمن ما سبق يعنى ان الله لا يظلم الناس فى التزكية فتيلا بل لا يزكى الا من يستأهله ولا يترك الا من لا يستأهله او الى الذين يزكون أنفسهم فانهم يعاقبون على قدر جريمتهم ولا يظلمون فَتِيلًا (49) فى الصّحاح هو ما تقتله بين أصابعك من خيط او وسخ ويضرب بها المثل فى الشيء الحقير وقيل هو الخيط الذي فى شق النواة منصوب على المصدر اى لا يظلمون ظلما فتيلا اى ادنى ظلم بقدر الفتيل. انْظُرْ يا محمد كَيْفَ يَفْتَرُونَ اى اليهود يكذبون عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ انهم ابناؤه واحباؤه او يغفرهم بالليل ما يعملون بالنهار وبالنهار ما يعملون بالليل وَكَفى بِهِ الى بافترائهم هذا إِثْماً مُبِيناً (50) ظاهر البطلان لان بطلان كونهم أبناء الله واحباؤه بديهي لا يحتاج الى دليل وقولهم هذا ظاهر فى المأثم من بين سائر اثامهم وجملة كفى به حال بتقدير قد من فاعل يفترون والله اعلم قال المفسّرون خرج كعب بن الأشرف فى سبعين راكبا من اليهود الى مكة بعد واقعة أحد ليحالفوا قريشا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل كعب على ابى سفيان فاحسن مثواه ونزلت اليهود فى دور قريش فقال اهل مكة انكم اهل كتاب ومحمد صاحب كتاب ولا نامن ان يكون هذا مكرا منكم فان أردت ان نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وأمن بهما ففعل ذلك ثم قال كعب لاهل مكة ليجىء منكم ثلاثون ومنا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد ربّ هذا البيت لنجهدنّ على قتال محمّد ففعلوا فنزلت. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ اخرج الطبراني والبيهقي فى الدلائل عن ابن عباس نحوه واختلفوا فى تفسير الجبت والطّاغوت فقال عكرمة هما صنمان كان المشركون يعبدونهما من دون الله ويؤيّده ما روينا من القصّة وروى عنه ان الجبت بلسان الحبشة الشيطان قلت لعل ذلك الصنم سمى باسمه وقال ابو عبيدهما كل معبود يعبد من دون الله لكن العطف يقتضى المغايرة والتحقيق ان الجبت أصله الجبس وهو الذي لا خير فيه فقلبت سينه تاء والطّاغوت فعلوت من الطغيان والتجاوز ... ...

عن الحد فى الكفر والعصيان أصله طغووت قلبت اللام بالعين ثم قلبت الواو الفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار طاغوت كذا فى الصحاح والقاموس فعلى هذا جاز اطلاق الجبت على كل ما لا خير فيه والطاغوت على كل ما تجاوز الحد فى العصيان ولذا سمى بالجبت حيى بن اخطب وبالطاغوت كعب ابن الأشرف كذا قال الضحاك وقال عمرو الشعبي ومجاهد الجبت السحر والطاغوت الشيطان وقال محمد بن سيرين الجبت الكاهن والطاغوت الساحر وقال سعيد بن جبير وابو العالية بعكس ذلك وروى البغوي بسنده عن قبيصة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال العيافة «1» والطرق «2» والطيرة «3» من الجبت يعنى لا خير فى شىء منها قلت فالظاهر ان المراد بالجبت هاهنا الأوثان إذ لا خير فيها أصلا وبالطاغوت شياطين الأوثان وكان لكل صنم شيطان يعبر عنه فيغتر به الناس روى البيهقي عن ابى الطفيل رضى الله عنه انه بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد لهدم العزى يوم فتح مكة قال ابو الطفيل فقطع خالد السمرات ثم رجع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبره فقال هل رايت شيئا قال لا قال فاتك لم تهدمها فرجع خالد فلما رات السدنة خالدا انبعثوا فى الجبل وهم يقولون يا عزى خبلتيه «4» يا عرى عورته والا فموتى برغم فخرجت اليه امراة سوداء عريانة ناشزة الرأس تحثوا لتراب على رأسها ووجهها فجرّد خالد سيفه وهو يقول يا عزى كفرانك لا سبحانك انى رأيت الله قد هانك، فضربها بالسيف فجزلها باثنتين ثم رجع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبره فقال نعم تلك العزى قد يئست ان تعبد ببلادكم ابدا- كذا فى سبيل الرشاد والله اعلم اخرج احمد وابن ابى حاتم عن ابن عبّاس قال لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش الا ترى هذا المنصبر المنبتر من قومه يزعم انه خير منا ونحن اهل الحجيج واهل السدانة واهل السقاية قال أنتم خير منه فنزلت فيهم إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ونزلت هذه الاية وَيَقُولُونَ يعنى كعب الأشرف وأصحابه لِلَّذِينَ كَفَرُوا من اهل مكة ابى «5» سفيان وغيره هؤُلاءِ يعنى

_ (1) العيافة زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها يقال عاف يعيف عيفا إذا زجر وحدس وطن نهاية منه رح (2) الطرق الضرب بالحصى الذي تفعله النساء نهاية منه رح (3) الطيرة التشاوم بالشيء وأصله فيما يقال التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما نهاية حزرى منه رحمه الله تعالى (4) الخبل الجنون والفساد أصله من النقصان ثم صار الهلاك خبالا نهاية منه رحمه الله (5) فى الأصل ابو سفيان-

[سورة النساء (4) : آية 52]

كفّار مكة أَهْدى أقوم وارشد مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بمحمد صلى الله عليه وسلم سَبِيلًا (51) دينا وطريقا واخرج ابن إسحاق عن ابن عباس قال كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبنى قريظة حيى بن اخطب وسلام بن ابى الحقيق وابو رافع والربيع بن ابى الحقيق وابو عمارة وهودة بن قيس وكان سائرهم من بنى النضير فلما قدموا على قريش قالوا هؤلاء أحبار اليهود واهل العلم بالكتب الاولى فسئلوهم أديننا خير أم دين محمد فقالوا دينكم خير من دينه وأنتم اهدى منه وممن تبعه فانزل الله تعالى هذه الاية الى قوله ملكا عظيما، وذكر البغوي انه لمّا سال ابو سفيان كعبا عن ذلك قال كعب اعرضوا على دينكم فقال ابو سفيان نحن ننحر للحجيج الكوماء ونسقيهم الماء ونقر الضيف ونفك العاني ونصل الرحم ونعمّر بيت ربّنا ونطوف به ونحن اهل الحرم ومحمد فارق دين ابائه وقطع الرحم وفارق الحرم وديننا القديم ودين محمد الحديث فقال كعب والله أنتم اهدى سبيلا مما عليه محمد. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ابعدهم من رحمته وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ إياه فَلَنْ تَجِدَ ايها المخاطب لَهُ نَصِيراً (52) فى الدنيا فى الحروب وفى الاخرة بدفع العذاب بالشفاعة او غيرها وفيه ردّ للاستنصار بهم ومخالفتهم مع قريش على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم- ثم وصف الله تعالى اليهود بالبخل والحسد وهما من شرّ الخصال حيث يمنعون مالهم ويتمنون زوال مال غيرهم فقال. أَمْ لَهُمْ اى لليهود نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ أم منقطعة ومعنى الهمزة التي فى ضمنها انكار ان يكون لهم نصيب من الملك ونفى ما زعمت اليهود ان الملك سيصير إليهم او المراد بنصيب من الملك الرياسة التي أنكر اليهود النبوة لخوف فواتها فانكر الله تعالى رياستهم لفقد لوازمها وهو السخاء بأبلغ الوجوه وذلك بإثبات كمال الشح فيهم وجاز ان يقال فيه تعريض بان انكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لو نفع انما ينفع لمن خاف فوت ملكه بظهور نبوته فانكار من لا نصيب له من الملك فى غاية السفه فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (53) يعنى ان كان لهم نصيب من الملك فاذن لا يؤتون أحدا ما يوازى نقيرا لغاية بخلهم وكما شحّهم فكيف يؤتيهم الله تعالى الملك وجاز ان يكون المعنى انهم لو كانوا ملوكا بخلوا بالنقير فما ظنكم بهم إذا كانوا أذلاء متفاقرين فهو بيان لغاية بخلهم والنقير هو النقرة فى ظهر النواة وهو مثل فى القلة كالفتيل، ... ...

[سورة النساء (4) : آية 54]

اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عبّاس انه قال اهل الكتاب يزعم محمد انه اوتى ما اوتى فى التواضع وله تسع نسوة وليس همه الّا النكاح فاىّ ملك أفضل من هذا فانزل الله تعالى. أَمْ بل يَحْسُدُونَ الاية اى اليهود واخرج ابن سعد عن عمر مولى عفرة ابسط منه النَّاسَ قال ابن عباس والحسن ومجاهد وجماعة المراد بالناس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده حسدوه على ما أحل الله له من النساء كما مرّ وقيل المراد به محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال قتادة المراد بالناس العرب حسدهم اليهود على النبوة وما أكرمهم الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم وقيل المراد بالناس الناس أجمعون لان من حسد النبوة فكأنّما حسد الناس كلهم كمالهم ورشدهم عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعنى النبوة والكتاب ورضوان الله تعالى والنصر على الأعداء والإعزاز فى الدنيا والنساء وغير ذلك مما يشتهونه فى الدنيا من الحلال وجعل النبىّ الموعود منهم فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الذين هم أسلاف محمد صلى الله عليه وسلم وأبناء جده يعنى إسماعيل وإسحاق ويعقوب وسائر أنبياء بنى يعقوب عليهم السّلام الْكِتابَ التورية والإنجيل والزبور واللام للجنس وَالْحِكْمَةَ العلم اللدني او العلوم التي اعطوا مما سوى الكتاب وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (54) ملّك يوسف وطالوت وداؤد وسليمان عليهم السلام وغيرهم فلا يبعد ان يعطى محمد صلى الله عليه وسلم واتباعه مثل ما اعطوا او أفضل من ذلك وقد كان لسليمان عليه السلام الف امراة ثلاثمائة مهرية وسبعمائة سرية وكان لداود مائة امراة ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ الا تسع نسوة قال البغوي فلما قال الله تعالى لهم ذلك سكتوا يعنى عن ذكر كثرة نساء النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من النعماء وجازان يراد بقوله فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً مع كثرة حسادهم وقوتهم كنمرود وفرعون وغيرهما فلم ينفع الحسد للحساد ولم يضر بالمحسودين-. فَمِنْهُمْ او من اليهود مَنْ آمَنَ بِهِ بمحمد صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام وأصحابه او بما ذكر من حديث ال ابراهيم وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ اى اعرض عنه ولم يؤمن وقال السدى الضمير المجرور فى آمَنَ بِهِ وصَدَّ عَنْهُ راجع الى ابراهيم وذلك ان ابراهيم زرع ذات سنة وزرع الناس فهلك زرع الناس وزكا زرع ابراهيم عليه السلام فاحتاج اليه الناس فكان يقول ... ...

[سورة النساء (4) : آية 56]

من أمن بي أعطيته فمن أمن به أعطاه ومن لم يؤمن به منعه والمعنى على هذا ان لم يوهن عدم ايمان بعض الناس بإبراهيم امر ابراهيم فكذا لا يوهن كفر هؤلاء الأشقياء أمرك وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (55) اى نارا مسعور لا موقدة يعذبون بها من ان يعجلوا بالعقوبة بالدنيا-. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كالبيان والتقرير لما سبق كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ اى احترقت بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها بان يعاد ذلك الجلد بعينه على صورة اخرى كقولك بدلت الخاتم قرطا او بان يزال عنه اثر الإحراق ليعود إحساسه بالعذاب وهو المعنى من قول ابن عبّاس يبدلون جلودا بيضاء كامثال القراطيس ذكر عنه البغوي وكذا اخرج ابن ابى خاتم فى الاية عن ابن عمر واخرج الطبراني وابن ابى حاتم وابن مردوية عن ابن عمر قال قرئ عند عمر هذه الاية فقال معاذ عندى تفسيرها يبدل فى ساعة مائة مرة فقال هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى رواية أبيّ مكان معاذ واخرج ابن مردوية وابو نعيم فى الحلية من وجه اخر بلفظ تبدل فى الساعة الواحدة عشرون ومائة مرة وأخرجه البيهقي من وجه ثالث بلفظ تحرق وتجدد فى مقدار ساعة ستة آلاف مرة واخرج البيهقي عن الحسن فى الاية قال تأكل النار كل يوم سبعين الف مرة كلما أكلتهم قيل لهم عودوا فيعودون كما كانوا- واخرج ابن ابى الدنيا عن حذيفة ان فى جهنم سباعا من نار وكلابا من نار وكلاليب من نار وسيوفا من نار وانه يبعث ملائكة يعلقون اهل النار بتلك الكلاليب بأحقابهم ويقطعونهم بتلك السيوف عضوا عضوا ويلقونهم الى تلك السباع والكلاب كلما قطعوا عضوا عاد مكانه عضو جديد قلت يعنى عضوا جديدا من اجزاء العضو السّابق جلدا جديدا من اجزاء الجلد السّابق وقيل يخلق مكانه جلدا اخر والعذاب فى الحقيقة للنفس العاصية المدركة لالالة إدراكها فلا محذور، قال عبد العزيز بن يحيى ان الله عز وجل يلبس اهل النار جلودا لا تألم فيكون زيادة عذاب عليهم كلما احترق جلد بدلهم جلدا غيره كما قال سرابيلهم من قطران فالسّرابيل تؤلمهم وهى لا تألم لِيَذُوقُوا اى ليدوم لهم «1» ذوق الْعَذابَ اسناد الذوق الى الكفار دون الجلود يؤيد قول عبد العزيز ومن قال ان العذاب للنفس العاصية والله اعلم- عن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما بين منكبى الكافر مسيرة ثلاثة ايام

_ (1) فى الأصل له-

[سورة النساء (4) : آية 57]

للراكب المسرع رواه البخاري ومسلم وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرس الكافر مثل أحد وغلظ جلده مسيرة ثلاث رواه مسلم، واخرج ابن المبارك عنه بلفظ ضرس الكافر يوم القيامة أعظم من أحد يعلمون لتمتلى جهنم منهم وليذوقوا العذاب وعند الترمذي والبيهقي فخذه مثل البيضاء ومقعده من جهنم ما بين مكة والمدينة وغلظ جلده اثنان وأربعون ذراعا وعند احمد والترمذي والحاكم وصححه والبيهقي عرض جلده سبعون ذراعا وعضده مثل البيضاء وفخذه مثل ورقان، وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يعظم اهل النار فى النار حتى ان بين شحمة اذن أحدهم الى عاتقه مسيرة سبعمائة عام وان غلظ جلده سبعون ذراعا وان فرسه مثل أحد واخرج الترمذي والبيهقي وهنا دعنه مرفوعا ان الكافر ليجر لسانه الفرسخين وعند الترمذي الفرسخ والفرسخين واخرج احمد والحاكم عن ابن عباس بين شحمة اذن أحدهم وبين عاتقه مسيرة أربعين خزيفا يجرى فيه اودية من القيح والدم قيل انهار قال لابل اودية إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً لا يمتنع عليه ما يريده حَكِيماً (56) يعاقب على وفق حكمته. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ اخرج الحاكم وصحّحه عن ابى سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مطهرة من الحيض والغائط والنخامة والبزاق واخرج هناد عن مجاهد قال مطهرة عن الحيض والغائط والبول والمخاط والبصاق والنخام والولد والمنى وعن عطاء مثله. وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (57) عن ابى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان فى الجنة لشجرة يسير الراكب فى ظلّها مائة عام ما يقطعها اقرءوا ان شئتم وَظِلٍّ مَمْدُودٍ متفق عليه وزاد احمد فى آخره وان ورقها ليخمر الجنة واخرج ابن ابى حاتم عن الربيع بن انس فى قوله تعالى وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا قال هو ظل العرش الذي لا يزول والظليل صفة مشتقة من الظلّ للتأكيد كقولهم شمس شامس وليل لئيل ويوم ايوم وفيه اشارة الى دوام نعماء الجنة والله اعلم- اخرج ابن مردويه من طريق الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس قال لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دعا عثمان بن طلحة فلما أتاه قال ادّنى المفتاح فاتاه به فلما بسط يده قام العباس فقال يا رسول الله بابى أنت وامّى اجمعه لك مع السقاية وخلف عثمان يده فقال ... ...

[سورة النساء (4) : آية 58]

رسول الله صلى الله عليه وسلم هات المفتاح يا عثمان فقال هات بامانة الله فقام ففتح الكعبة ثم خرج فطاف بالبيت ثم نزل عليه بردّ المفتاح فدعا عثمان بن طلحة فاعطاه المفتاح ثم قال. إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها حتى فرغ من الاية واخرج سنيد فى تفسيره عن حجاج بن جريح والأزرقي عن مجاهد قال نزلت هذه الاية فى عثمان بن طلحة أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منه مفتاح الكعبة فدخل به البيت يوم الفتح فخرج وهو يتلو هذه الآية فدعا عثمان فناوله المفتاح قال وقال عمر بن الخطّاب لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكعبة وهو يتلو هذه الاية فداه ابى وأمي وما سمعته يتلو قبل ذلك فالظاهر انها نزلت فى جوف الكعبة وروى ايضا نحوه عن سعيد بن المسيّب وفيه خذوها يا بنى طلحة خالدة لا يظلمكموها الّا كافر وروى ابن سعد عن ابراهيم بن محمد العبدري عن أبيه ومحمد بن عمرو عن شيوخه قالوا قال عثمان بن طلحة لقينى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة فدعانى الى الإسلام فقلت يا محمد اتعجب لك حيث تطمع ان اتبعك وقد خالفت دين قومك وجئت بدين محدث وكنا نفتح الكعبة فى الجاهلية الاثنين والخميس فاقبل يوما يريد ان يدخل الكعبة مع الناس فاغلظت عليه ونلت منه فحلم عنى ثم قال يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت فقلت لقد هلكت قريش وذلّت قال بل عمرت وعزت ودخل الكعبة فوقعت كلمة منى موقعا ظننت ان الأمر سيصير الى ما قال فاردت الإسلام فاذا قومى يزبروننى زبرا شديدا فلما كان يوم الفتح قال لى يا عثمان ايت بالمفتاح فاتيته به فاخذه منى ثم دفعه الىّ وقال خذها خالدة تالدة لا ينزعها منكم الّا ظالم يا عثمان ان الله استأمنكم على بيته فكلوا مما وصل إليكم من هذا البيت بالمعروف فلما وليت نادانى فرجعت اليه فقال الم يكن الذي قلت لك فذكرت قوله لى بمكة قبل الهجرة فقلت بلى اشهد انك رسول الله وروى الفاكهاني عن جبير بن مطعم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ناول عثمان المفتاح قال له غيّبه قال الزهري فلذلك يغيب المفتاح قلت ولعل الوجه فى الأمر بتغييب المفتاح ان الناس كانوا يطمعون فى ان يكون المفتاح عندهم كما ذكرنا من رواية ابن مردوية طمع عباس فيه وروى ابن عابد والأزرقي ان عليا قال للنبى صلى الله عليه وسلم اجمع لنا الحجابة والسقاية فنزلت هذه الاية فدعا عثمان فقال خذوها يا بنى طلحة خالدة ... ...

مخلدة لا ينزعها منكم الّا ظالم وروى عبد الرزاق والطبراني عن الزهري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج من البيت قال علىّ رضى الله عنه انا أعطينا النبوة والسقاية والحجابة ما من قوم بأعظم نصيبا منا فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته ثم دعا عثمان بن طلحة فدفع اليه وقال غيّبوه وذكر البغوي انه لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح اغلق عثمان باب البيت وصعد السطح فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المفتاح فقيل له انه مع عثمان فابى وقال لو علمت انه رسول الله لم امنعه المفتاح فلوى على رضى الله عنه عنقه فأخذ منه المفتاح وفتح الباب فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت وصلى ركعتين فلما خرج ساله العباس المفتاح ان يعطيه ويجمع له بين السّقاية والسدانة فانزل الله تعالى هذه الاية فامر رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا ان يرد المفتاح الى عثمان ويعتذر اليه ففعل ذلك على فقال له عثمان أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق فقال لقد انزل الله فى شأنك وقرأ عليه الاية فقال عثمان اشهد ان محمّدا رسول الله وكان المفتاح معه فلما مات دفعه الى أخيه شيبة فالمفتاح والسدانة فى أولادهم الى يوم القيامة (فائدة:) نزول الاية وان كان فى إعطاء المفتاح لبنى طلحة لكن الاية بعموم لفظها يفيد وجوب أداء كل امانة الى أهلها عن انس قال قلّما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الّا قال لا ايمان لمن لا امانة له ولا دين لمن لا عهد له رواه البيهقي فى شعب الايمان وفى الصحيحين عن ابى هريرة وعبد الله بن عمرو مرفوعا انه صلى الله عليه وسلم ذكر من علامات النفاق إذا اؤتمن خان «1» (فائدة:) ليس أداء الامانة منحصرا فى مال الوديعة ونحو ذلك بل كل حق لاحد على أحد امانة

_ (1) قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما يرفع من الناس الإماتة واخر ما يبقى الصلاة ورب مصل لا خير فيه رواه الحكيم عن زيد بن ثابت واخرج ابن جرير عن ابن عباس انه لم يرخص لموسر ولا لمعسر واخرج البيهقي عن ميمون ابن مهران قال ثلاثة يؤدين الى البر والفاجر الرحم توصل كانت برة او فاجرة والامانة تؤدى الى البر والفاجر والعهد يوفى للبر والفاجر واخرج عبد الرزاق وابن ابى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن ابى حاتم والبيهقي عن ابن مسعود رض قال ان القتل فى سبيل الله يكفر الذنوب كلها الا الأمانة يجاء بالرجل يوم القيامة وان كان قتل فى سبيل الله فيقال له ادّ أمانتك فيقول من اين وقد ذهبت الدنيا فقال انطلقوا به الى الهاوية فينطلق به فتتمثل أمانته كهيئتها فى قعر جهنم فيحملها فيصعد بها حتى إذا ظن انه خارج بها زلت من عاتقه فهوت وهوى معها ابد الآبدين قال زاذان فاتيت البراء بن عازب فقلت اما سمعت ما قال أخوك ابن مسعود قال صدق ان الله يقول إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها والامانة فى الصلاة والامانة فى الغسل من الجنابة والامانة فى الحديث والامانة فى الكيل والامانة فى الوزن والامانة فى الدين وأشدّ ذلك فى الودائع منه رحمه الله-

يجب أداؤه لاهله كما يدل عليه سبب نزول هذه الاية فلهذا قال الصوفية العلية ان الوجود وتوابعه وكل كمال فى الممكن فهو ليس لذاته بل مقتبس من مرتبة الوجوب جلّت عظمته وامانة مودعة مستعارة منه تعالى ومقتضى هذه الاية وجوب ردّ تلك الأمانات الى أهلها «1» بحيث يرى نفسه عاريا منها كما ان السّلطان إذا لبس كنّاسا لباس الامارة فالواجب على الكنّاس ان يرى نفسه فى كل حين عاريا كما كان منتسبا لباسه الى مالكه وإذا غلب على الصّوفى هذه الملاحظة وجد نفسه فى نفسه معدوما خاليا عن الوجود وعن سائر الكمالات مبدأ للشرور والمناقص وذلك هو مرتبة الفناء ثم قد ينتفى عنه هذه الرؤية المستعارة ايضا وذلك فناء الفناء ثم يرى نفسه موجودا بوجود مستعار من الله تعالى متصفا بصفات مضافة اليه سبحانه باقيا ببقائه وذلك مرتبة البقاء ومن هاهنا قال الله تعالى فى الحديث القدسي كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به الحديث فاذا وصل الصوفي الى تلك المرتبة المعبر عنها بالفناء والبقاء المكنى عنها بأداء الامانة لا يتصور حينئذ ان يصدر من الصوفي تزكية لنفسه حيث يرى نفسه معدوما خاليا عن الكمالات وجاز له حينئذ التكلم بما أعطاه الله من الكمالات والتحديث بما أنعم الله عليه من الفضائل والمقامات والمعاملات لان الكمالات حينئذ مضافة الى الله تعالى وكل ثناء واقع على تلك الكمالات راجعة الى الله سبحانه ويظهر استغراق المحامد لله وانحصار المدائح فى الله تعالى فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فكأنّ هذه الاية متصلة بقوله تعالى فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ «2» ... بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وما بينهما اعتراض ومعنى الآيتين لا تزكوا أنفسكم فان كمالاتكم ليست ناشية من أنفسكم بل الله يزكى من يشاء بإعطاء نور من أنواره ورشحة من بحار كماله والله يأمركم ان تؤدوا الأمانات التي عندكم من الكمالات الى أهلها حتى لا يتصوّر منكم تزكية نفوسكم ويتاتى منكم أداء بعض محامد ربكم ومن هاهنا يظهر لك جواب ما اعترض بعض الجهال على كلمات المشائخ المشعرة بالتفاخر فانها بعد أداء الأمانات الى أهلها ناشية على سبيل التحديث بالنعمة بإذن ربّهم على مقتضى الحكمة والله اعلم-

_ (1) فى الأصل الى اهله- (2) هكذا فى الأصل والنقول لعله سباق قلم او تصحيف من الناسخ لان قوله تعالى المتقدم ليس هكذا بل هو أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ نعم وقع فى سورة والنجم فلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى 2 بو محمد عفا الله عنه

[سورة النساء (4) : آية 59]

وَإِذا حَكَمْتُمْ الظرف متعلق بمحذوف دل عليه ما بعده تقديره ويأمركم ان تحكموا بالعدل إذا حكمتم اى قضيتم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ تفسير للمحذوف لا محلّ له من الاعراب والحكم بالعدل ايضا من باب أداء الامانة والإخلال به خيانة- عن ابى ذرّ قال قلت يا رسول الله استعملني قال يا أبا ذرّ انك ضعيف وانها امانة وانها يوم القيامة خزى وندامة الا من أخذ بحقّها وادي الذي عليه فيها وفى رواية قال يا أبا ذرّ انى أراك ضعيفا وانى احبّ لك ما احبّ لنفسى لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم رواه مسلم وكذا ما يذكر بعد ذلك من إطاعة الله والرسول واولى الأمر ايضا امانة إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا ما نكرة منصوبة على التمييز موصوفة بيعظكم او موصولة مرفوعة على الفاعلية اى نعم شيئا او نعم الشيء الذي يَعِظُكُمْ بِهِ والمخصوص محذوف اى أداء الامانة والعدل فى الحكم إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بأقوالكم واحكامكم بَصِيراً (58) بما تفعلون فى الأمانات عن عبد الله بن عمرو بن العاص يرفعه الى النبي صلى الله عليه وسلم قال المقسطون على منابر من نور على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين هم الذين يعدلون فى حكمهم وأهلهم وما ولوا رواه مسلم وعن ابى سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان احبّ الناس الى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسا امام عادل وان ابغض الناس الى الله يوم القيامة وأشدّهم عذابا وفى رواية ابعدهم منه مجلسا امام جائر رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب وعن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتدرون من السّابقون الى ظلّ الله عز وجل يوم القيامة قالوا الله ورسوله اعلم قال الذين إذا اعطوا الحق قبلوا وإذا سئلوه بذلوا وحكموا للناس كحكمهم لانفسهم رواه احمد وروى البيهقي فى شعب الايمان نحوه عن عمر بن الخطاب مرفوعا. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ روى الشيخان واصحاب السنن عن ابن عباس قال نزلت هذه الاية فى عبد الله ابن حذافة إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم فى سرية واخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن السدى قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فى سرية وفيها عمار بن ياسر فساروا قبل القوم الذين يريدن فاصبحوا وقد هرب القوم غير رجل اتى عمّارا وقال قد ... ...

أسلمت وشهدت ان لا اله الا الله وان محمدا عبده ورسوله قال عمار ينفعك إسلامك فاقم فلمّا أصبحوا أغار خالد فقال خل عن الرجل فانه قد اسلم وهو فى أمان منى فاستبّا وارتفعا الى النبي صلى الله عليه وسلم فاجاز أمان عمار ونهاه ان يجير الثانية على امير فاستبّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا خالد لا تسبّ عمارا فانه من سبّ عمارا سبّه الله ومن ابغض عمارا أبغضه الله ومن لعن عمارا لعنه الله فاعتذر اليه خالد فرضى فانزل الله هذه الاية «1» ، اخرج ابو شيبة وغيره عن ابى هريرة قال هم الأمراء وفى لفظ هم أمراء السّرايا هذا لفظ عام يشتمل الملوك وأمراء الأمصار والقضاة وأمراء السّرايا والجيوش قال على رضى الله عنه حق على الامام ان يحكم بما انزل الله ويؤدى الامانة فاذا فعل ذلك فحق على الرعية ان يسمعوا ويطيعوا عن حذيفة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتدوا بالذين من بعدي ابى بكر وعمر رواه الترمذي وعن ابى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصانى فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصانى متفق عليه وعن عبادة بن الصامت قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فى العسر واليسر والمنشط والمكره وان لا ننازع الأمر اهله وان نقوم او نقول بالحق حيث ما كنا وان لا نخاف فى الله لومة لائم متفق عليه وعن انس رضى الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال اسمع وأطع ولو لعبد حبشى كأن رأسه زبيبة رواه البخاري وعن ابى امامة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فى حجة الوداع فقال اتقوا الله وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وادّوا زكوة أموالكم وأطيعوا إذا أمركم تدخلوا جنة ربكم رواه الترمذي ويشتمل هذه الاية ايضا الزوج يأمر امرأته والسيّد يأمر عبده والوالد يأمر والده عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالامام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته والرجل راع فى اهل بيته وهو مسئول عن رعيته والمرأة راعية على بيت زوجها وولده وهى مسئولة عنهم وعبد الرجل راع فى مال سيّده وهو مسئول عنه فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته متفق عليه وكذا

_ (1) عن عكرمة فى قوله تعالى أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ قال ابو بكر وعمرو عن الكلبي قال ابو بكر وعمر وعثمان وعلى وابن مسعود وعن عكرمة انه سئل عن أمهات الأولاد فقال هن أحرار قيل بأيّ شىء تقول قال بالقرءان قالوا بماذا فى القران قال قول الله عز وجل أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وكان عمر من اولى الأمر قال اعتقت وان كان سقطا عن عمران بن حصين قال كان عمر إذا استعمل رجلا كتب فى عهده اسمعوا له وأطيعوا ما عدل فيكم وعن عمر قال اسمع وأطع وان امر عليك عبد حبشى مجدع ان ضربك فاصبر وان ضربك فاصبر وان أراد امرا ينتقض دينك فقل دمى دون دينى منه رحمه الله-

يشتمل الفقهاء والعلماء والمشائخ بل اولى لانهم ورثة الأنبياء وخازنوا احكام الله واحكام رسوله اخرج ابن جرير والحاكم وغيرهما عن ابن عبّاس هم اهل الفقه والدين وفى لفظ هم اهل العلم وابن ابى شيبة والحاكم وصححه وغيرهما عن جابر بن عبد الله نحوه وعن ابى العالية ومجاهد كذلك وقال الله تعالى وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم العلماء ورثة الأنبياء رواه احمد والترمذي وابو داود وابن ماجة من حديث كثير بن قيس وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابة رضوان الله عليهم الناس لكم تبع وان رجالا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون فى الدّين رواه الترمذي عن ابى سعيد الخدري والله اعلم (مسئلة) وهذا الحكم يعنى وجوب إطاعة الأمير مختص بما لم يخالف امره الشرع يدل عليه سياق الآية فان الله تعالى امر الناس بطاعة اولى الأمر بعد ما أمرهم بالعدل فى الحكم تنبيها على ان طاعتهم واجبة ما داموا على العدل ونصّ على ذلك فيما بعد فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ، الاية قال بعض الأفاضل صيغة اولى الأمر يفيد ان متابعتهم واجبة فيما ولوه من الأمر وجعلهم الله تعالى واليا فيه وانما هو العدل فى الحكم ولو جعلت الأمر على الإيجاب لكان أشدّ دلالة على ذلك فان وجوب طاعتهم فيما كان لهم على الناس إيجابه فان قال الأمير أعط فلانا من مالك الفا لا يجب عليك اطاعته- (مسئلة) إذا قال القاضي قضيت على هذا بالرجم فارجمه او بالقطع فاقطعه او بالضرب فاضربه وسعك ان تفعل وعن محمد انه رجع عن هذا وقال لا يأخذ بقوله حتى يعاين الحجّة واستحسن المشائخ هذه الرواية لفساد الحال فى اكثر القضاة وقال الامام ابو منصور ان كان عدلا عالما يقبل قوله لانعدام تهمة الخطاء والخيانة وان كان عدلا جاهلا يستفسر فان احسن التفسير وجب تصديقه والا فلا وان كان فاسقا لا يقبل الا ان يعاين سبب الحكم لتهمة الخطاء والخيانة كذا فى الهداية روى البخاري وغيره عن ابن عباس قال نزلت هذه الاية فى عبد الله ابن حذافة بن قيس إذ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم فى سرية كذا أخرجه مختصرا قال الداودي ان عبد الله بن حذافة خرج على جيش فغضب فاوقد نارا وقال اقتحموا فامتنع بعضهم وهم بعضهم ... ...

ان يفعل قال الحافظ ابن حجر فالمقصود بنزول هذه الاية فى تلك القصّة قوله تعالى فَإِنْ تَنازَعْتُمْ اختلفتم- روى سعيد بن منصور وغيره عن مجاهد يعنى ان تنازع العلماء فردّوه الى الله والى الرسول فِي شَيْءٍ مما أمركم به أميركم يعنى قال بعضكم لا يجوز لنا إطاعة الأمير فى هذا الأمر وقال بعض يجب إطاعة الأمير فَرُدُّوهُ يعنى ذلك الأمر إِلَى اللَّهِ اى الى كتابه وَالرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم ما دام حيّا والى سنته بعد وفاته والإجماع والقياس فيما لا نصّ فيه راجعان الى الكتاب والسنة، فان أباح الشرع ذلك الأمر أطيعوا أميركم فيه والا فلا، عن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال السمع والطاعة على المرء المسلم فيما احبّ وكره ما لم يؤمر بمعصية فاذا امر بمعصية فلا سمع ولا طاعة متفق عليه وعن على رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا طاعة لاحد فى معصية انما الطاعة فى المعروف متفق عليه وعن عمران بن حصين والحكيم ابن عمرو الغفاري قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق رواه احمد والحاكم وصححه قال فى المدارك حكى ان مسلمة بن عبد الملك بن مروان قال لابى حازم ألستم أمرتم بطاعتنا بقوله تعالى وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فقال ابو حازم أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله تعالى فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ- (مسئلة) إذا رفع الى القاضي حكم حاكم أمضاه الا ان يخالف الكتاب كما إذا قضى بشاهد واحد مع يمين المدعى حيث يخالف قوله تعالى وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ الاية، او السنة المشهورة كما إذا حكم بثبوت الحل للزوج الاوّل بعد الطلقات الثلاث بنكاح الزوج الثاني بدون الوطي وهو يخالف حديث عائشة فى قصّة امراة رفاعة قوله صلى الله عليه وسلم لا حتى تذوقى عسيلته ويذوق عسيلتك وقد ذكرناه فى سورة البقرة او الإجماع كما إذا حكم بجواز بيع متروك التسمية عامدا فانه مخالف لما اتفقوا عليه فى الصدر الاوّل فحينئذ لا يجوز امضاؤه كذا فى الهداية (مسئلة) إذا افتى المجتهد وظهران فتواه مخالف للكتاب او السنة وجب علينا اتباع الكتاب والسنة روى البيهقي فى المدخل بإسناد صحيح الى عبد الله بن المبارك قال سمعت أبا حنيفة يقول إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين وذكر عن روضة العلماء عن ابى حنيفة قال اتركوا قولى بخبر الرسول صلى الله عليه وسلم وقول الصحابة رضى الله عنهم ونقل عنه انه قال ... ...

[سورة النساء (4) : آية 60]

إذا صح الحديث فهو مذهبى وجاز ان يكون قوله تعالى فان تنازعتم خطابا للائمة على سبيل الالتفات إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ شرط مستغن عن الجزاء بما سبق ذلِكَ الرد الى الله والرسول خَيْرٌ لكم من جمودكم على ما تقرر فى أذهانكم وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) مالا من تأويلكم بلا ردّ والله اعلم- اخرج ابن جرير عن الشعبي قال كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة فقال اليهودي أحاكمك الى النبي صلى الله عليه وسلم لانه قد علم انه لا يأخذ الرشوة فى الحكم وقال المنافق نتحاكم الى اليهود لعلمه انهم يأخذون الرشوة ويميلون فى الحكم فاتفقا على ان يأتيا كاهنا فى جهينة فيتحاكما اليه واخرج الثعلبي عن ابن عباس وابن ابى حاتم من طريق ابن لهيعة عن ابى الأسود مرسلا وكذا ذكر البغوي قول الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس ان منافقا وسماه الكلبي بشرا خاصم يهوديا فدعاه اليهودي الى النبي صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافق الى كعب بن الأشرف وابى اليهودي ان يخاصمه الا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمّا راى المنافق ذلك اتى معه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهودى فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال انطلق بنا الى عمر فاتيا عمر رضى الله عنه فقال اليهودي اختصمت انا وهذا الى محمد (صلى الله عليه وسلم) فقضى لى عليه فلم يرض بقضائه وزعم انه مخاصم إليك فقال عمر رضى الله عنه للمنافق أكذلك قال نعم قال لهما رويدكما حتى اخرج اليكما فدخل عمر رضى الله عنه البيت وأخذ السيف واشتمل عليه ثم خرج فضرب به المنافق حتى برد وقال هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله فنزلت. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يعنى المنافقين يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ الاية وقال جبرئيل ان عمر فرّق بين الحق والباطل فسمى بالفاروق وسمى بالطاغوت كعب بن الأشرف او كاهن من جهينة لفرط طغيانه او لتشبيهه بالشيطان أو لأن التحاكم اليه تحاكم الى الشيطان واخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس قال كان ابو برزة الأسلمي كاهنا يقضى بين اليهود فيما يتنافرون فيه فتنافر اليه ناس من المسلمين فانزل الله تعالى هذه الاية واخرج ابن ابى حاتم من طريق عكرمة او سعيد عن ابن عباس قال كان الحلاس ... ...

[سورة النساء (4) : آية 61]

ابن الصامت ومعتب بن قشير ورافع بن زيد وبشر يدّعون الإسلام فدعاهم من قومهم من المسلمين فى خصومة كانت بينهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعوهم الى الكهان حكّام الجاهلية فانزل الله تعالى هذه الاية قال البغوي قال السّدى كان ناس من اليهود اسلموا ونافق بعضهم وكانت قريظة والنضير فى الجاهلية إذا قتل رجل من بنى قريظة رجلا من بنى النضير قتل به او أخذ مائة وسق تمر وإذا قتل رجل من نضير رجلا من قريظة لم يقتل واعطى ديته ستين وسقا وكانت نضير وهم حلفاء الأوس «1» اشرف واكثر من قريظة وهم حلفاء الخزرج فلمّا جاء الإسلام وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم الى المدينة قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فاختصموا فى ذلك فقالت بنوا النضير كنا وأنتم اصطلحنا على ان نقتل منكم ولا تقتلون منا وديتكم ستون وسقا وديتنا مائة وسق فنحن نعطيكم ذلك فقال الخزرج هذا شىء فعلتموه فى الجاهلية لكثرتكم وقلتنا فقهرتمونا ونحن وأنتم اليوم اخوة وديننا ودينكم واحد فلا فضل لكم علينا فقال المنافقون منهم انطلقوا الى ابى برزة الكاهن الأسلمي وقال المسلمون من الفريقين لابل الى النبي صلى الله عليه وسلم وابى المنافقون وانطلقوا الى ابى برزة ليحكم فانزل الله تعالى اية القصاص وهذه الاية وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ يعنى أمروا ان يخالفوا الطاغوت ويتبرؤا عنه كما فى قوله تعالى يَوْمَ ... يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ والمؤمنون أمروا بمخالفة اليهود والكهان والشياطين والتبري عنهم قال الله تعالى لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من اتى كاهنا فصدّقه بما يقول او اتى امراة حائضا او اتى امراة فى دبرها فقد برئ مما نزل على محمّد رواه احمد واصحاب السنن الاربعة بسند صحيح عن ابى هريرة وروى الطبراني بسند ضعيف من حديث واثلة من اتى كاهنا فساله عن شىء حجبت عنه التوبة أربعين ليلة فان صدّقه بما قال كفر وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ شيطان الانس والجنّ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً (60) عن الحق. وَإِذا قِيلَ لَهُمْ اى للمنافقين الذين يزعمون انهم أمنوا، مقولة القول تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ يعنى القران وَإِلَى الرَّسُولِ عطف قوله الىّ الرّسول على قوله ما انزل الله يدل على ان الرسول كان قد يحكم بعلمه سوى القران من الوحى الغير المتلو وبالاجتهاد والظرف اعنى إذا قيل لهم متعلق بقوله رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ وضع المظهر موضع المضمر للتقبيح

_ (1) فيه نظر (أبو محمد عفا الله عنه) .

[سورة النساء (4) : آية 62]

والتفضيح وبيان سبب الصدّ يَصُدُّونَ يعرضون عَنْكَ الى غيرك لطمعهم بالحكم بالباطل بالرشوة ونحوها والجملة واقع موقع الحال من المنافقين صُدُوداً (61) مصدر او اسم للمصدر الذي هو الصدّ وفى الصحاح الصدود يكون انصرافا عن الشيء وامتناعا وقد يكون بمعنى الصرف والمنع نحو فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ- قيل لمّا قتل عمر رضى الله عنه المنافق جاء أولياؤه طالبين بدمه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحلفون بالله ان أردنا بالتحاكم الى عمر الا إحسانا يحسن عمر الى صاحبنا وتوفيقا اى إصلاحا يصلح بين الخصمين فانزل الله تعالى فَكَيْفَ استفهام للتعجب، من حلفهم بعد صدّهم صدّا ظاهرا ومن انهم كيف يقدرون عليه ولا يستحيون وتقدير الكلام فكيف لا يستحيون وإِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ يعنى قتل عمر واحدا منهم وإذ المجرد الظرف دون الاستقبال بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من الاعراض عن قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والتحاكم الى غيره ثُمَّ جاؤُكَ للاعتذار وطلب الدم عطف على أصابتهم فكيف يَحْلِفُونَ مع ظهور كذبهم حال من فاعل جاءوك بِاللَّهِ الباء امّا صلة ليحلفون او للقسم وجواب القسم على الوجهين إِنْ أَرَدْنا بتحكيمنا غيرك إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (62) يعنى الا الفصل بالوجه الحسن والتوفيق بين الخصمين ولم نرد مخالفتك ولم نسخط لحكمك يعنى خفنا ان يحدث عداوة بالحكم المرّ وهبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان نقول يصلح بيننا فجئنا عمر ليصلح بيننا ويبقى الالفة وجاز ان يكون إذا بمعنى الاستقبال للشرط والمراد بالمصيبة العذاب من الله تعالى او الانتقام من النبي صلى الله عليه وسلم ويدلّ على الجزاء قوله فكيف يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إلخ فوقع الشرط بين اجزاء الدال على الجزاء، والمراد التعجّب من حلفهم فى الاستقبال وجاز ان يكون تقدير الكلام فكيف يكون حالهم او كيف يصنعون إذا أصابتهم مصيبة عذاب من الله او انتقام منك او من أصحابك بما قدّمت أيديهم وقوله ثُمَّ جاؤُكَ امّا معطوف على أصابتهم او على يصدّون وما بينهما اعتراض وكيف سوال عن حالهم عند العذاب فى الاخرة او فى الدنيا وجاز ان يكون إذا للشرط ويحلفون جزاء للشرط والشرط والجزاء بيانا من كيفية حالهم. أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ من النفاق فلا يفيدهم اليمين الغموس الّا غموسا فى النار فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ اى عن قبول ... ...

[سورة النساء (4) : آية 64]

اعتذارهم او عن اجابتهم فى مطالبة دم المقتول فان دمه هدر وَعِظْهُمْ ان ينتهوا من النفاق ويؤمنوا بالإخلاص وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ اى فى حق أنفسهم قَوْلًا بَلِيغاً (63) يبلغ صميم قلوبهم بالتأثير قال الحسن القول البليغ ان يقول لهم انكم تقتلون على نفاقكم فانه يبلغ من نفوسهم كل مبلغ وقيل هو التخويف بالله تعالى وذكر فى الكشاف احتمال تعلق فى أنفسهم ببليغا يعنى بليغا فى أنفسهم وضعّفه البيضاوي بان معمول الصفة لا يتقدم على الموصوف وأجيب بالحمل على الحذف والتفسير وجاز ان يكون معنى الاية فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ اى عن عقابهم لمصلحة استبقائهم وعظهم باللسان وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ يعنى فى الخلوة فان النصح فى السرّ انفع قولا بليغا-. وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ اى لالزام طاعته على الناس فانه المقصود من الرسالة بِإِذْنِ اللَّهِ اى بسبب اذنه وامره المبعوث إليهم بان يطيعوه فمن لم يرض بحكمه ولم يطعه استوجب القتل لانه كانّه لم يقبل رسالته وَلَوْ ثبت أَنَّهُمْ اى المنافقون إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالنفاق والتحاكم الى الطاغوت جاؤُكَ تابئين بالإخلاص وهو خبر انّ والظرف متعلق به فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ بالتوبة عن النفاق واعتذروا الى الرسول صلى الله عليه وسلم بالإخلاص وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ عدل عن الخطاب الى الغيبة تعظيما لشأنه وتنبيها على انّ شأن الرسول يقتضى قبول العذر وان عظم الجرم لَوَجَدُوا اللَّهَ لعلموه تَوَّاباً قابلا للتوبة رَحِيماً (64) عليهم وجاز ان يكون وجد بمعنى صادف فحينئذ توابا منصوب على الحال ورحيما بدل منه او حال من الضمير فيه او حال مرادف له والله اعلم اخرج الائمة الستة عن الزبير بن العوام رضى الله عنه انه خاصم رجلا من الأنصار الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى شراج من الحرة كانا يسقيان به كلاهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اسق يا زبير ثم أرسل الى جارك فغضب الأنصاري فقال يا رسول الله ان كان ابن عمتك فتلوّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال اسق ثم احبس حتى يبلغ الجدر فاستوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ حقّه للزبير وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير بامر فيه سعة له وللانصارى فلما احفظ الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم استوفى للزبير حقه فى صريح الحكم قال الزبير والله احسب قوله تعالى. فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ الاية نزلت فى ذلك وكذا اخرج الطبراني فى الكبير والحميدي فى مسنده عن أم سلمة قالت خاصم ... ...

[سورة النساء (4) : آية 66]

الزبير رجلا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى للزبير فقال الرجل انما قضى له لانه ابن عمته فنزلت قال البغوي روى ان الأنصاري الذي خاصم الزبير كان اسمه حاطب بن ابى بلتعة قلت أخرجه ابن ابى حاتم عن سعيد بن المسيب فى هذه الاية قال نزلت فى الزبير بن العوام وحاطب ابن ابى بلتعة «1» اختصما فى ماء فقضى النبي صلى الله عليه وسلم ان يسقى الأعلى ثم الأسفل قلت وتسمية حاطب بن ابى بلتعة فى هذه القصّة وهم لان حاطبا لم يكن من الأنصار بل من المهاجرين شهد بدرا ولعل ذلك رجل منافق من الأوس او الخزرج سمّى أنصاريا لكونه منهم نسبا قال البغوي لمّا خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّا على المقداد فقال لمن كان القضاء فقال الأنصاري لابن عمته ولوّى شدقه ففطن له يهودى كان مع المقداد فقال قاتل الله هؤلاء يشهدون انه رسول الله ثم يتهمونه فى قضاء يقضى بينهم وايم الله لقد أذنبنا مرة فى حيوة موسى فدعانا موسى الى التوبة منه فقال اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين الفا فى طاعة ربنا حتى رضى عنا فقال ثابت بن شماس بن قيس اما والله ان الله ليعلم منى الصدق لو أمرني محمد صلى الله عليه وسلم ان اقتل نفسى لفعلت وقال البغوي قال مجاهد والشعبي نزلت هذه الاية فى بشر المنافق واليهودي الذي اختصما الى عمر الذي مرّ ذكره كما يقتضيه السياق ومعنى الاية فلا اى ليس الأمر كما فعل الذين يزعمون انهم مؤمنون ثم لا يرضون بحكمك ثم استأنف القسم فقال وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وجاز ان يكون لا زائدة كما فى لا اقسم والمعنى وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ، حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ اى اختلف بينهم واختلط عليهم الأمر ومنه الشجر لالتفات أغصانه ثُمَّ لا يَجِدُوا عطف على يحكموك فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ضيقا مما حكمت به وقال مجاهد شكّا فان الشاكّ فى ضيق امره وَيُسَلِّمُوا اى ينقادوا لك تَسْلِيماً (65) انقيادا طوعا بلا كره منهم. وَلَوْ ثبت أَنَّا كَتَبْنا اى فرضنا عَلَيْهِمْ اى على الذين يزعمون انهم أمنوا ولم يرضوا بحكمك وهم المنافقون ولا جائز ان يكون الضمير راجعا الى جميع المؤمنين الموجودين فى ذلك الزمان وهم الصّحابة رضى الله عنهم لان سوق الكلام فى المنافقين وكيف يتصوّر الحكم فى حق الصحابة بانه لو كتب عليهم ما فعلوه وقد مدح الله تعالى عليهم بقوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ

_ (1) فى الأصل هنا ابن بلتعة-[.....]

[سورة النساء (4) : آية 67]

أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وبقوله يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ ونحو ذلك واثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله خير القرون قرنى وبقوله ان الله اختارني واختار لي أصحابا ولو كان الضمير عايدا الى الصحابة لزم فضل اصحاب موسى عليه السّلام عليهم فانهم قتلوا أنفسهم حين أمروا به للتوبة، أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ للتوبة عن اعراضهم عن حكمك الى غيرك وان مفسرة لان فى كتبنا معنى القول او مصدرية يعنى أمرنا بقتل أنفسهم كما أمرنا بنى إسرائيل حين عبدوا العجل أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ كما أمرنا بنى إسرائيل بالخروج من مصر وجاز ان يكون المعنى امرناهم بالخروج من ديارهم للجهاد وتعريض أنفسهم على القتل فيه قرأ ابو عمرو ويعقوب بكسر النون فى ان اقتلوا وضم الواو فى او اخرجوا للاتباع او التشبيه بواو الجمع وقرا عاصم وحمزة بكسرهما على الأصل والباقون بضمّهما اجراء لهما مجرى همزة الوصل ما فَعَلُوهُ اى القتل او الخروج او المكتوب عليهم إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ قرا ابن عامر الّا قليلا بالنصب على الاستثناء والباقون بالرفع على انّ المختار فى كلام غير موجب هو البدل وانما يفعل ذلك القليل بتوفيق الله تعالى ايّاهم الإخلاص بعد النفاق والله اعلم، اخرج ابن جرير عن السّدى قال لمّا نزلت وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من يهود فقال اليهودي والله لقد كتب الله علينا ان اقتلوا أنفسكم فقتلنا أنفسنا فقال ثابت والله لو كتب الله علينا ان اقتلوا أنفسكم لقتلنا أنفسنا فانزل الله تعالى وَلَوْ ثبت أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ من متابعة الرسول ومطاوعته طوعا ورغبة لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (66) تحقيقا لايمانهم او تثبيتا لثواب أعمالهم ونصبه على التمييز قال الحسن ومقاتل لمّا نزلت هذه الاية قال عمر وعمار ابن ياسر وعبد الله بن مسعود وناس من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والله لو أمرنا لفعلنا والحمد لله الذي عافانا فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال ان من أمتي لرجالا الايمان فى قلوبهم اثبت من الجبال الرواسي. وَإِذاً اى إذا فعلوا ذلك عطف على قوله لَكانَ خَيْراً لَهُمْ او استيناف كانه قيل ما لهم بعد التثبت فقال وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ والواو للاستيناف وأورد عليه انه لا يليق إيراد الشرط فى جواب ما يكون لهم بعد التثبت بل يكفى اتيناهم وأجيب بان ... ...

[سورة النساء (4) : آية 68]

تقدير الشرط للاشارة الى بعدهم عن التثبت لما فى لو معنى الدلالة على الامتناع وجاز ان يكون الواو للقسم تقديره والله إذا لَآتَيْناهُمْ وجاز ان يكون الواو للعطف على المقدر اى إذا لهم اجر التثبت وإذا لاتينهم مِنْ لَدُنَّا تفضلا زائدا على ثواب أعمالهم وثواب التثبت أَجْراً عَظِيماً (67) . وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مفعول ثان مُسْتَقِيماً (68) يصلون يسلوكه الى جناب القدس والله اعلم- اخرج الطبراني بسند لا بأس به وابو نعيم والضياء وحسّنه عن عائشة قالت جاء رجل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله انك لاحبّ الىّ من نفسى وولدي وانى لا كون فى البيت فاذكرك فما اصبر حتى اتى فانظر إليك وإذا ذكرت موتى وموتك عرفت انك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين وانى ان دخلت خشيت ان لا أراك فلم يردّ النبي صلى الله عليه وسلم شيئا حتى نزل جبرئيل بقوله تعالى. وَمَنْ يُطِعِ الله فى أداء الفرائض وَالرَّسُولَ فى اتباع سننه فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ الاية واخرج الطبراني عن ابن عباس نحوه وابن ابى حاتم عن مسروق قال قال اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ينبغى لنا ان نفارقك فانك لو متّ لرفعت فوقنا فلم نرك اخرج ابن جرير عن الربيع انّ اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا قد علمنا ان النبي صلى الله عليه وسلم له فضل على من أمن به فى درجات الجنة فمن اتبعه وصدقه كيف لهم إذا اجتمعوا فى الجنة ان يرى بعضهم بعضا فانزل الله هذه الاية فقال النبي صلى الله عليه وسلم ان الأعلين ينحدرون الى من هو أسفل منهم فيجتمعون فى رياضها فيذكرون ما أنعم الله عليهم ويثنون عليه واخرج مسلم وابو داود والنسائي عن ربيعة بن كعب الاسلمىّ قال كنت أتيت النبىّ صلى الله عليه وسلم فاتيته بوضوئه وحاجته فقال لى سلنى فقلت يا رسول الله أسئلك مرافقتك فى الجنة قال او غير ذلك قلت هو ذلك قال فاعنّى على نفسك بكثرة السجود واخرج عن عكرمة قال اتى فتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا نبى الله ان لنا منك نظرة فى الدنيا ويوم القيامة لا نراك فانك فى الدرجات العلى فانزل الله تعالى هذه الاية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت معنى فى الجنة ان شاء الله تعالى واخرج ابن جرير نحوه من مرسل سعيد بن جبير ومسروق والربيع ... ...

وقتادة والسدى وذكر البغوي انها نزلت فى ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم رضى الله عنه وكان شديد الحبّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصّبر عنه فأتاه ذات يوم قد تغير لونه يعرف الحزن فى وجهه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما غيّر لونك فقال يا رسول الله ما لى مرض ولا وجع غير انى إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك ثم ذكرت الاخرة فاخاف ان لا أراك لانك ترفع مع النبيين وانى ان دخلت الجنة كنت فى منزلة ادنى من منزلتك وان لم ادخل الجنة لا أراك ابدا فنزلت وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ ذكر الله سبحانه للذين أنعم الله عليهم اربعة اصناف على ترتيب منازلهم فى القرب وحثّ كافة الناس ان لا يتاخروا عنهم، اوّل الأصناف الأنبياء عليهم السلام الذين مبادى تعيناتهم صفات الله تعالى وهم المستغرقون فى التجليات الذاتية الصرفة الدائمية بلا حجاب الصفات المعبر عنها بكمالات النبوة الفائزون الراسخون فى هذا المقام بالاصالة المبعوثون لتكميل الخلائق وجذبهم الى مراتب القرب على حسب استعداد افراد الامة وكسبهم وحسب مشية الله تعالى المبلّغون من الله تعالى أحكامه الى الناس ما يصلح دنياهم وآخرتهم- وثانيهم الصدّيقون وهم المبالغون فى الصدق المتصفون بكمال متابعة الأنبياء ظاهرا وباطنا المستغرقون فى كمالات النبوة والتجلّيات الذاتية الصرفة الدائمية بلا حجاب بالوراثة والتبعية وثالثهم الشهداء الباذلون أنفسهم فى سبيل الله ليفاض عليهم نوعامن التجليات الذاتية بسبب بذلهم ذواتهم فى سبيل الله ورابعهم الصالحون الذين أصلحوا أنفسهم بازالة الرذائل وقلوبهم بشرب بحار الحبّ ودوام الذكر المانع عن الاشتغال بغير الله سبحانه وأبدانهم عن المعاصي فصلحوا لتجلّيات الظلال والافعال بعد حصول الفناء والبقاء على الكمال وتحصلوا برخا من التجلّيات الذاتية ان شاء الله تعالى ولو من وراء حجب الصّفات وهم الذين سموا بلسان القوم بالأولياء ووعد الله سبحانه سائر المؤمنين بعد دخول الجنة معيتهم وزيارتهم على قدر ما أطاعوا الله ورسوله والمراد بالصّديقين هاهنا غير الأنبياء وكذا بالصالحين غير الأنبياء والصدّيقين ولذلك فسرنا بما ذكرنا والا فالصديق أعم من النبي والصالح أعم من الجميع ولذا يطلق الصديق والصالح على الأنبياء قال الله تعالى فى ابراهيم إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا وقال فى ... ...

[سورة النساء (4) : آية 70]

يحيى وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ وفى عيسى وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ فائدة: لمّا استشهد شيخى وامامى قدسنا الله بسره السامي توجه قلبى الى تاريخ وفاته فوقع فى قلبى بغتة هذه الاية فاذا قوله تعالى فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ تاريخ لوفاته اعنى النا «1» ومائة وخمسا وتسعين سنة سبحان من جعل للانسان بطاعته الى نفسه سبيلا وَحَسُنَ أُولئِكَ الأصناف الاربعة المذكورون رَفِيقاً (69) نصب على التميز او الحال ولم يجمع لاطلاقه على الواحد والجمع. ذلِكَ يعنى مرافقتهم مع المنعم عليهم من غير عمل كاعمالهم الْفَضْلُ صفة لاسم الاشارة او خبره مِنَ اللَّهِ خبر أو حال وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (70) بسبب ذلك اللحوق والمرافقة وانما هى المحبّة يعنى ان المحبّة التي هى سبب للحوق المحبّ بالمحبوب من غير عمل كعمله امر لا يعلمه الا الله تعالى ولا يظهر ذلك على الكرام الكاتبين ايضا عن انس ان رجلا قال يا رسول الله الرجل يحب قوما ولم يلحق بهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم المرء مع من احبّ رواه احمد والشيخان وكذا فى الصحيحين عن ابن مسعود وعن انس قال قال رجل يا رسول الله متى السّاعة قال ويلك ما اعددت لها قال ما اعددت لها الا انى أحب الله ورسوله قال أنت مع من أحببت قال انس فما رايت المسلمين فرحوا بشئ بعد الإسلام فرحهم بها متفق عليه، وجاز ان يكون المشار اليه بذلك مرتبة الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يعنى انهم لم ينالوا تلك الدرجة الا بفضل من الله دون عملهم فان سبب وصولهم الى الله تعالى الاجتباء غالبا عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قاربوا وسدّدوا واعلموا انه لا ينجو أحد منكم بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا انا الا ان يتغمدنى الله برحمة منه وفضل متفق عليه-. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ الحذر والحذر كالاثر والأثر والمثل والمثل ما يحذر به من العدو من السّلاح وغيره فَانْفِرُوا اخرجوا الى الجهاد ثُباتٍ «2» جماعات متفرقات جمع ثبة ويجمع ايضا على ثبين جبرا لما حذف من عجزه أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (71) مجتمعين على حسب المصالح. وَإِنَّ مِنْكُمْ عطف على خذوا حذركم عطف قصّة على قصّة او معترضة الى قوله فليقاتل لَمَنْ اللام للابتداء دخلت على اسم ان للفصل بالخبر

_ (1) فى الأصل الف ومائة وخمس وتسعون سنة (2) روى عن ابن عبّاس فى قوله انفروا ثبات قال عشرة فما فوقها وعن مجاهد قال فرقا قليلا منه رحمه الله، فى الأصل مذكورين-

[سورة النساء (4) : آية 73]

لَيُبَطِّئَنَّ جواب قسم محذوف تقديره ان منكم والله ليبطئن يعنى يتخلفون عن الجهاد ويتثاقلون وهم المنافقون من بطّا بمعنى ابطا وهو لازم او المعنى يثبطون غيرهم عن الجهاد كما ثبّط ابن ابى ناسا يوم أحد من بطّا منقولا من بطوء كثقّل من ثقل فَإِنْ أَصابَتْكُمْ ايها المؤمنون مُصِيبَةٌ من قتل او هزيمة قالَ ذلك المنافق المبطئ قال أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ مع المؤمنين شَهِيداً (72) حاضرا فلم يصبنى ما أصاب المؤمنين. وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ من فتح وغنيمة لَيَقُولَنَّ أكد الفعل تنبيها على فرط تحسّرهم كَأَنْ مخففة من المثقلة اسمه ضمير الشأن محذوف لَمْ تَكُنْ قرا ابن كثير وحفص ويعقوب بالتاء على التأنيث والباقون بالياء على التذكير بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ جملة معترضة بين ليقولنّ والمقولة وهو التمني للتنبيه على ضعف عقيدتهم وان قولهم هذا قول من لا مواصلة بينكم وبينه وانما يريد المال بمرافقتكم ويحسدون على ان تفوزوا او حال عن الضمير فى ليقولن او داخل فى المقول اى يقول المبطئ فيما بينهم ومع ضعفة المسلمين كان لم تكن بينكم وبين محمد مودة حيث لم يستعن بكم فتفوزوا كما فازوا يا قوم لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ اى مع المؤمنين فى الوقعة وقيل يا اطلق للتنبيه مجازا فَأَفُوزَ منصوب على جواب التمني فَوْزاً عَظِيماً (73) فاخذ من الغنيمة حظّا وافرا قال البغوي جملة كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ متصلة بالجملة الاولى تقديره فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً ... كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ قال البيضاوي وهو ضعيف إذ لا يفصل بين بعض الجملة بما لا يتعلق بها لفظا ومعنى-. فَلْيُقاتِلْ عطف على خذوا حذركم وفيه التفات من الخطاب الى الغيبة وجاز ان يكون الفاء جزائية والتقدير ان بطّا هؤلاء المنافقون فليقاتل فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ اى يبيعون الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وهم المخلصون الباذلون أنفسهم فى طلب الاخرة فالموصول مرفوع على الفاعلية وقيل يشرون هاهنا بمعنى يشترون اى يختارون الدنيا على الاخرة وهم المنافقون يعنى ينبغى لهم ان يؤمنوا بالإخلاص ويتركوا ما يصنعون من النفاق ويقاتلوا فى سبيل الله كيلا يكون عليهم حسرة فى الدنيا والاخرة وجاز ان يكون الموصول فى محلّ ... ...

[سورة النساء (4) : آية 75]

النصب على المفعولية والمراد به الكفار والمنافقون الذين يختارون الدنيا على الاخرة والضمير المرفوع فى فليقاتل راجع الى الذين أمنوا الذين خوطبوا بقوله خذوا حذركم وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (74) فى الاخرة، وعد المقاتل بالأجر العظيم على اجتهاده فى إعلاء كلمة الله سواء قتل فلم يتيسر له الاعلاء لما بذل ما فى وسعه من الجهد او غلب وحصل له الملك والغنيمة فان إحرازه الغنائم لا ينقص من اجره شيئا إذا لم يكن همته المال بل إعزاز الدين فحسب عن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال انتدب الله لمن خرج فى سبيله لا يخرجه الا ايمان بي وتصديق برسلى ان ارجعه بما نال من اجر وغنيمة او ادخله الجنة متفق عليه والترديد لمنع الخلو- وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل المجاهد فى سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بايات الله لا يفتر من صيام ولا صلوة حتى يرجع المجاهد فى سبيل الله وفى رواية حتى يرجعه الله الى اهله بما يرجعه من غنيمة واجر او يتوفاه فيدخله الجنة-. وَما لَكُمْ مبتدا وخبر لا تُقاتِلُونَ حال والعامل فيه الظرف المستقر والمعنى اى شىء ثبت لكم تاركين القتال والاستفهام للانكار على الترك والاستبطاء فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ عطف على اسم الله او على سبيل الله يعنى فى سبيل الله وفى خلاص المستضعفين «1» بحذف المضاف او فى سبيل المستضعفين وهو تخليصهم عن أيدي المشركين بمكة ويجوز نصبه على الاختصاص فان سبيل الله يعمّ أبواب الخير وتخليص ضعفاء المسلمين من أيدي الكفار أعظمها مِنَ الرِّجالِ الضعفاء وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الذين كانوا يلقون من المشركين بمكة أذى كثيرا الَّذِينَ يدعون الله ويَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ يعنى مكة الظَّالِمِ صفة لقرية من حيث اللفظ وذكّر لاسناده الى ظاهر مذكّر مذكور بعده اعنى أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يلى أمرنا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (75) يمنع المشركين عنا فاستجاب الله دعاءهم وفتح مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وولى عليهم عتاب بن أسيد جعله الله لهم نصيرا ينصف المظلوم

_ (1) اخرج البخاري عن ابن عباس قال كنت انا وأمي من المستضعفين منه رح.

[سورة النساء (4) : آية 76]

من الظالم. الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ موصل الى اللَّهِ يعنى طاعته وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فى طاعة الشيطان وسبيل يلحقهم بالشيطان فى دركات جهنم فَقاتِلُوا ايّها المؤمنون أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ اى جنوده وهم الكفار ثم شجعهم بقوله إِنَّ كَيْدَ اى مكر الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (76) فانه لا يقدر الّا على الوسوسة قال يوم بدر للكفار لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فلما راى الملائكة هرب وخذلهم ونكص على عقبيه وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ والله اعلم- اخرج النسائي والحاكم عن ابن عباس ان عبد الرحمن بن عوف وأصحابه أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قبل الهجرة فقالوا يا نبى الله كنا فى عزّ ونحن مشركون فلمّا أمنا صرنا اذلة فقال انى أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم فلما حوله الله الى المدينة امره بالقتال فحينئذ جبن بعض الناس فكفوا أيديهم فانزل الله تعالى. أَلَمْ تَرَ استفهام للتعجب ومناط التعجب تقاعد فريق منهم عن القتال وخشيتهم عن الناس عند الأمر بالقتال بعد تصديهم كلهم للقتال عند الأمر بالكف والتصدي يفهم من الأمر بالكف لان الكف انما يتحقق فيما يتصدى له المكفوف إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ قال البغوي عن الكلبي ان المراد بهم عبد الرحمن بن عوف الزهري والمقداد بن الأسود الكندي وقدامة بن مطعون الجحمي وسعد بن ابى وقاص وجماعة كانوا يلقون من المشركين بمكة أذى كثيرا قبل ان يهاجروا ويقولون يا رسول الله ائذن لنا فى قتالهم فانهم قد آذونا فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ عن القتال فانى لم اومر بقتالهم وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ واشتغلوا بما أمرتم به وفيه تنبيه على ان الجهاد مع النفس لاصلاح قلبه ونفسه مقدم على الجهاد مع الكفار فان الاوّل لاصلاح نفسه وهو أهم من الثاني الذي هو الإصلاح «1» لغيره واخلاء العالم الكبير عن الفساد ولذلك جعل الله تعالى الاول من الفروض على الأعيان والثاني من الفروض على الكفاية فَلَمَّا هاجروا الى المدينة وكُتِبَ فرض عَلَيْهِمُ الْقِتالُ مع المشركين شق ذلك على بعضهم وجبنوا كما يقول الله تعالى إِذا للمفاجاة جواب لمّا فَرِيقٌ مبتدأ مِنْهُمْ صفة يَخْشَوْنَ النَّاسَ خبره كَخَشْيَةِ اللَّهِ اضافة

_ (1) في الأصل لإصلاح لغيره.

المصدر الى المفعول فى محل النصب على المصدرية يعنى يخشون من الناس خشية كخشيتهم من الله او على حال من فاعل يخشون يعنى يخشون الناس حال كونهم مثل اهل خشية الله منه أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً عطف عليه ان جعلته حالا اى حال كونهم أشدّ خشية من اهل خشية الله منه لا ان جعلته مصدرا لان افعل التفضيل إذا نصب ما بعده لم يكن من جنسه بل حينئذ معطوف على اسم الله تعالى اى كخشية الله او كخشية أشدّ خشية من خشية الله واو للتخيير لا للشكّ اى ان قلت ان خشيتهم الناس كخشية الله فانت مصيب وان قلت انها أشد فانت مصيب لانه حصل مثلها وزيادة- وهذا الكلام مبنى على التجوز فانهم لمّا تقاعدوا عن الحرب باستيلاء النفس جبنا ولم يسارعوا الى امتثال امر الله تعالى فى قتالهم قيل فيهم يخشون الناس اكثر من خشية الله إطلاقا للسبب اعنى شدة الخشية على المسبب اعنى التقاعد وعدم الامتثال بالأمر وهذا لا يستلزم ان يكون فى الواقع خشيتهم من الناس اكثر من خشيتهم من الله فانه كفر بل قد يكون ارتكاب المعصية من سؤلة النفس والغفلة عن عذاب الله والطمع فى غفرانه لا من الاعتقاد بان الناس أشدّ عذابا من الله واقدر وبناء على ظاهر هذه الاية قالت الخوارج مرتكب الكبيرة كافر فان الاية تدل على ان القاعدين «1» عن الجهاد يخشون من الناس أشد من خشية الله واستدلوا على ذلك من العقليات ان العاقل إذا تيقن ان الحية فى هذا الحجر لا يدخل يده فى ذلك الحجر قطعا وإذا ادخل يده فيه يعلم منه قطعا انه لم يتيقن يكون الحية فيه فكذا من ارتكب كبيرة يعلم انه لم يؤمن بايات الوعيد ولو تيقن بوقوع العذاب على الكبيرة لم يرتكبها وبما ذكرنا اندفع هذا الاستدلال وظهران الاية مبنى على المجاز وَقالُوا «2» رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ فنقتل لَوْلا أَخَّرْتَنا هلا أمهلتنا فى الدنيا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ الى زمان الموت فنموت على الفرش ذكر الجملتين بلا عطف ليدل على انّ قولهم تارة كذا وتارة كذا وليسا بكلام واحد وليس هذا سوالا عن وجه الحكمة فى إيجاب القتال فانها معلومة بل هو تمنى واستزادة فى مدّة الكف عن القتال حذرا عن الموت ويحتمل انهم ما تفوهوه ولكن قالوه فى أنفسهم فحكى الله تعالى عنهم قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا اى منفعتها والاستمتاع بها قَلِيلٌ من منافع الاخرة ومع ذلك سريع التقضي وان طال فلا يفيدكم استزادة العمر وان زاد فرضا وَثواب

_ (1) وفى الأصل القاعدون (2) فى الأصل قالوا-

[سورة النساء (4) : آية 78]

الْآخِرَةُ خَيْرٌ من ثواب الدنيا وأبقى لِمَنِ اتَّقى من الشرك والعصيان فاستزادوا ثواب الاخرة بالتقوى عن التقاعد وامتثال امر الله تعالى فى الجهاد وكانه جواب عن قولهم لم كتبت علينا القتال يعنى كتبنا لتكثير تمتيعكم هذا على تقدير كون قولهم لم كتبت سؤالا عن وجه الحكمة وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77) يعنى لا تنقصون ادنى شىء من ثوابكم فلا ترغبوا عنه او المعنى لا تنقصون من اجالكم المقدرة بالقتال- قرا ابن كثير وابو جعفر وحمزة والكسائي بالياء لتقدم الغيبة والباقون بالتاء للخطاب ونزلت ردّا لقول المنافقين الذين قالوا فى قتلى أحد لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا. أَيْنَ ما تَكُونُوا ما زائدة لتأكيد معنى الشرط فى اين يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ فى قصورا وحصون مرتفعة وقال قتادة معناه فى قصور محصنة وقال عكرمة مجصّصة والشيد الجصّ وفى إيراد هذه الاية فى هذا المقام اشعار الى جواب قولهم لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ يعنى بالقتال لا يستعجل الاجل والحذر لا يبعد الاجل ولا يرد القدر- ولمّا قالت اليهود والمنافقون بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ما زلنا نعرف النقص فى ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه نزلت وَإِنْ تُصِبْهُمْ اى المنافقين واليهود حَسَنَةٌ اى خصب ورخص فى السعر وزيادة فى الأموال والأولاد يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لنا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ قحط او بلية يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ اى من شومك وان كان الفاعل هو الله تعالى قُلْ يا محمد كُلٌّ اى كل واحد من الحسنة والسيئة مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بخلقه على حسب إرادته تفضلا او انتقاما على مقتضى حكمته ولا يجوز من الله تعالى الانتقام من أحد بشوم غيره فنسبتهم السيئة الى النبي صلى الله عليه وسلم بسبب شومه مع انغماسهم فى الكفر والمعاصي ظاهر البطلان فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ الكافرين لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ يعنى لا يقربون الفهم والتفقه فضلا من ان يفقهوا حَدِيثاً (78) يعنى القران فانهم لو فهموه وتدبروا معانيه لعلموا ان الخير والشرّ كل من عند الله وان الله لا يعذب أحدا بعمل غيره اولا يفهمون حديثا ما كالانعام او شيئا حادثا فيتفكروا فيما صدر عنهم من الأعمال هل هو حسنة يوجب الانعام ... ...

[سورة النساء (4) : آية 79]

او سيئة يقتضى النقمة. ما أَصابَكَ ايّها الإنسان مِنْ حَسَنَةٍ نعمة فَمِنَ اللَّهِ أنعم عليكم تفضلا منه من غير استحقاق عليه سبحانه واستيجاب فان كل ما فعله انسان من الطاعة لو سلم صدوره عنه غير مشوب بالمعصية قابلا للقبول وان كان عامرا لجميع أوقاته فهو مخلوقة لله تعالى نعمة منه تعالى حيث حماه عما لا يرضى عنه ووفقه لمرضاته مستوجب على العبد الشكر على توفيقه فكيف يقتضى عليه استحقاق شىء من ثواب الدنيا او الاخرة مع ان الوجود وتوابعه (مما يتوقف عليه صدور الطاعة وما لا يتوقف عليه) نعماء من الله تعالى لا تعد ولا تحصى لا يمكن ان يكون ذلك الطاعة بإزائه شكرا لها ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحد يدخل الجنة الا برحمة الله قيل ولا أنت قال ولا انا متفق عليه من حديث ابى هريرة وَما أَصابَكَ ايّها الإنسان مِنْ سَيِّئَةٍ بلاء فَمِنْ نَفْسِكَ روى ابن المنذر عن مجاهد انه كان فى قراءة أبيّ بن كعب وابن مسعود ما أصابك من سيّئة فمن نفسك وانا كتبتها عليك اى من شامة نفسك استجلابا لا من شامة غيرك يعنى خلق الله تعالى تلك المصيبة والبلاء انتقاما لبعض معاصيك وجزاء لسيئاتك فان كان الإنسان كافرا كان أنموذجا لبعض ما يعدله من العقاب وان كان الإنسان مؤمنا كان كفارة لذنوبه وباعثا لرفع درجاته عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مصيبة تصيب المسلم الا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها متفق عليه وعن ابى سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من نصب او وصب حتى الشوكة يشاكها الا كفر الله من خطاياه متفق عليه وعن ابى موسى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تصيب عبدا نكبة فما فوقها وما دونها الا بذنب وما يعفو اكثر رواه الترمذي ففى هذه الاية جواب عن نسبتهم السوء الى النبي صلى الله عليه وسلم وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا منصوب على المصدرية او الحالية وقصد به التؤكيد ان علق الجار بالفعل وان علق برسولا قصد به التعميم كما فى قوله تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ وفى هذه الجملة ايضا ردّ على قولهم هذه من عندك حيث نسبوا الشوم اليه عليه السّلام وما هو الا رسول من الله تعالى أرسل رحمة عامّة للناس أجمعين وانما حرم الكفار من الرحمة وأصابهم ما أصابهم من النقمة فى الدنيا والاخرة بشوم أنفسهم حيث لم يطيعوا رسول الله ... ...

[سورة النساء (4) : آية 80]

صلى الله عليه وسلم وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (79) يشهد على رسالته فى الدنيا بنصب المعجزات وعند اختصامهم عند الله يوم القيامة كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً الإلزام الكفار وتعذيبهم فان الملك يومئذ لله الواحد القهار يحكم بعلمه لا حاجة حينئذ الى شهادة غيره والله اعلم- قال البغوي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أطاعني فقد أطاع الله ومن أحبني فقد احبّ الله فقال بعض المنافقين ما يريد هذا الرجل الا ان نتخده ربّا كما اتخذت النصارى عيسى بن مريم فانزل الله تعالى. مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ لانه فى الحقيقة مبلغ والأمر هو الله تعالى وَمَنْ تَوَلَّى عن طاعتك فلا تهتم فَما أَرْسَلْناكَ يا محمد عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (80) حال من الكاف يعنى انما عليك البلاغ وعلينا الحساب ما أرسلناك لحفظ أعمالهم ومحاسبتهم. وَيَقُولُونَ اى المنافقون إذا امرتهم بشىء طاعَةٌ يعنى أمرنا طاعة كان حقها النصب على المصدرية يعنى نطيعك طاعة لكن رفع للدلالة على الدوام والثبات فَإِذا بَرَزُوا خرجوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ قرا ابو عمرو وحمزة بإدغام التاء فى الطاء والباقون بالإظهار ومعنى بيّت غيّر وبدّل والتبييت بمعنى التبديل كذا قال قتادة والكلبي وقال الأخفش معنى بيّت قدر تقول العرب للشىء إذا قدر قد بيت يشبهونه ببيت الشعراء او ببيت مبنى وقال ابو عبيدة والقتيبي معناه قدروا ليلا غير ما أعطوك العهد نهارا من البيتوتة مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ الضمير فى تقول راجع الى طائفة يعنى زورت طائفة منهم خلاف الذي قالت عندك من الطاعة وجازان يكون للخطاب يعنى زورت طائفة منهم خلاف الذي قلت ايها النبي وعهدت إليهم وَاللَّهُ يَكْتُبُ يعنى كتبة الله من الملائكة تكتب باذنه ما يُبَيِّتُونَ ليوفى عليهم جزاء تزويرهم او المعنى يكتب الله فى جملة ما يوحى إليك حتى تطلع على أسرارهم فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ يعنى لا تلتفت إليهم فالاعراض بمعنى قلة المبالاة والتجافي عنهم او المعنى لا تعاتبهم ولا تخبر بأسمائهم وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فى الأمور كلّها وفى شأنهم وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81) إذا فوضت اليه أمرهم ينتقم لك منهم ولا يضرونك بشىء. أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ اى المنافقون ويتاملون فى الْقُرْآنَ نظمه ومعانيه وينظرون ما فيه من الغرائب حتى يظهر لهم انه ليس من جنس كلام البشر فيحصل لهم الايمان ويذرون ... ...

[سورة النساء (4) : آية 83]

النفاق واصل التدبر النظر فى ادبار الشيء فيه دليل على صحة القياس وَلَوْ كانَ هذا القران مختلقا كائنا مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ كما زعم الكفار لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (82) من تناقض المعنى وتفاوت النظم بحيث يكون بعضه فصيحا وبعضه ركيكا وبعضه صعب المعارضة وبعضه دون ذلك ومطابقة بعض احباره المستقبلة دون بعض لنقصان القوة البشرية وامّا الناسخ والمنسوخ فليس من باب الاختلاف بل النسخ بيان لمدة الحكم الذي اختلف بناء على اختلاف الأحوال فى الحكم والمصالح بحسب اختلاف الزمان والله اعلم- قال البغوي كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث السّرايا فاذا غلبوا او غلبوا بادر المنافقون يستخبرون عن حالهم فيحدّثون به قبل ان يحدّث به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيضعّفون به قلوب المؤمنين وقيل كان ضعفة الرأى من المسلمين إذا بلغهم خبر السّرايا او أخبرهم الرسول بما اوحى اليه من وعد بالظفر او تخويف اشاعوا ذلك الخبر وتكون فيه مفسدة فانه إذا سمع الخصم الا من يسعى فى حفظ نفسه وإذا سمع الخوف يسعى فى القتال والفساد فانزل الله تعالى. وَإِذا جاءَهُمْ اى المنافقين او ضعفة الرأى من المسلمين أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ اى الفتح والسلامة أَوِ الْخَوْفِ اى الهزيمة والاختلاف أَذاعُوا بِهِ اشاعوه وَلَوْ رَدُّوهُ اى ذلك الخبر إِلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ اى ذوى الرأى من الصحابة كابى بكر وعمر وعثمان وعلى سموا باولى الأمر لانهم بصراء بالأمور او لانهم يؤمرون منهم غالبا أو لأن النبي صلى الله عليه وسلم يستشار منهم قبل ان يأمر الناس بشىء او يأمر الناس بالاقتداء بهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم امّا وزير اى من اهل الأرض فابو بكر وعمر رواه الترمذي عن ابى سعيد وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتدوا بالذين من بعدي ابى بكر وعمر رواه الترمذي لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ الاستنباط الاستخراج يقال استنبط الماء إذا استخرجه يعنى يستخرجون بانظارهم ما يليق بذلك الأمر من الاشاعة او الإخفاء والمراد بالذين يستنبطون هم النبي صلى الله عليه وسلم وأولوا الأمر من أصحابه فههنا وضع المظهر موضع المضمر وكان المقام تعلموه والعلم هاهنا بمعنى المعرفة يقتضى مفعولا واحدا، ومنهم حال من الذين والمعنى لعلم المستنبطون من النبي واولى الأمر ما يليق بذلك الخبر او ... ...

[سورة النساء (4) : آية 84]

المراد بالمستنبطين هم المذيعون ومنهم على هذا صلة للفعل والمعنى لعلم المذيعون الذين يستخرجون العلم من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما يليق بذلك الأمر وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ الاضافة للعهد يعنى لولا فضل الله ورحمته بإرسال الرسول وإنزال الكتاب لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ بالكفر والضلال إِلَّا قَلِيلًا (83) استثناء من ضمير المخاطب- او استثناء مفرغ يعنى اتباعا قليلا يعنى لاتبعتم الشيطان الّا بعضا «1» منكم بحسن الرأى والعصمة من الله تعالى كزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وهذا نوع اخر من فضل الله او لاتبعتم الشيطان الا اتباعا قليلا فى بعض الأمور والحاصل ان عصمتكم عن اتباع الشيطان غالبا مستفاد من الرسول والقران حيث لا يكفى عقولكم فى معرفة حسن كثير من الأشياء وقبحه فلا تستعجلوا فى اشاعة الاخبار ايضا من غير اذن منه صلى الله عليه وسلم روى مسلم عن عمر بن الخطاب قال لما اعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه دخلت المسجد فاذا الناس ينكتون بالحصا ويقولون طلّق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتى لم يطلّق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ونزلت هذه الاية وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ الاية فكنت انا استنبط ذلك الأمر والله اعلم ولمّا ذكر الله سبحانه ما فعل المبطئون وما قالوا إذا جبنوا امر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بالقتال ولو كان وحده ووعده بالنصر ونبه ان تقاعد عيره لا يضره ولا مؤاخذة عليه بفعل غيره فقال. فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وان قعدوا عن الجهاد وتركوك وحدك لا تُكَلَّفُ أنت إِلَّا نَفْسَكَ إلا فعل نفسك لا يضرك مخالفتهم وتقاعدهم «2» قال البغوي ان النبي صلى الله عليه وسلم واعد أبا سفيان بعد حرب أحد موسم بدر الصغرى فى ذى القعدة فلمّا بلغ الميعاد دعا الى الخروج

_ (1) فى الأصل بعض (2) اخرج ابن سعد عن خالد بن معدان ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بعثت الى النّاس كافة فان لم يستجيبوا لى قالى العرب فان لم يستجيبوا لى فالى الفرس فان لم يستجيبوا لى فالى بنى هاشم فان لم يستجيبوا لى فالىّ وحدي منه رحمه الله-

[سورة النساء (4) : آية 85]

فكرهه بعضهم فانزل الله تعالى هذه الاية كذا اخرج ابن جرير عن ابن عباس «1» وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ على القتال إذ ما عليك الا البلاغ والتحريض عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا اى قتالهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بدر الصغرى فى سبعين راكبا وأنجز الله وعده فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وقد مرّ القصة فى ال عمران وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً صولة وأعظم سلطانا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (84) تعذيبا من قريش ومن غيرهم فيه تهديد لمن لم يتبع الرسول خوفا من الكفار قال البغوي الفاء فى قوله تعالى فقاتل جواب عن قوله وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ... فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ- والله اعلم-. مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً راعى بها حق مسلم ودفع بها عنه ضررا او جلب نفعا لوجه الله تعالى يَكُنْ لَهُ اى للشافع نَصِيبٌ مِنْها وهو ثواب الشفاعة قال مجاهد هى شفاعة بعضهم لبعض ويؤجر الشفيع على شفاعته وان لم يشفّع كذا روى ابن ابى حاتم «2» وغيره عن الحسن وعن ابى موسى قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه رجل يسئل او طلب حاجة اقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا توجرؤا ويقضى الله على لسان نبيه ما شاء متفق عليه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدال على الخير كفاعله رواه البزار عن ابن مسعود والطبراني عنه وعن سهل بن سعد- (فائدة) ومن الشفاعة الحسنة الدعاء لمسلم عن ابى الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا الرجل لاخيه بظهر الغيب قالت الملائكة أمين ولك بمثل ذلك، وقال ابن عبّاس الشفاعة الحسنة الإصلاح بين الناس وقيل هو حسن القول فى الناس ينال به الثواب والخير، وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً الموجبة للحرمان وقال ابن عباس هى المشى بالنميمة وقيل هى الغيبة واساءة القول فى الناس ينال به الشرّ يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ اى حظ مِنْها اى من وزرها- عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعان على قتل مؤمن بشرط كلمة لقى الله مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله رواه ابن ماجة وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (85) قال ابن عباس اى مقتدرا من اقات على الشيء إذا قذر

_ (1) اخرج ابن ابى حاتم وابن عبد البر عن سفيان بن عيينة قال سمعت ابن شبرمة يقراها عسى الله ان يكف من بأس الذين كفروا قال سفيان وهى فى قرأته ابن مسعود منه (2) فى الأصل كذا ابن ابى حاتم

[سورة النساء (4) : آية 86]

واشتقاقه من القوت فانه يقوّى البدن وقال مجاهد شاهدا وقال قتادة حافظا وقيل مقيتا لكل حيوان اى معطيا له قوته-. وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ التحية مصدر حياك الله على الاخبار ثم استعمل للدعاء بذلك وكانت العرب تقول حياك الله اى أطال حياتك او نحو ذلك ثم أبدل ذلك بعد الإسلام بالسّلام وجعل الله تحية بيننا بالسّلام عن عمران بن حصين قال كنا فى الجاهلية نقول أنعم الله بك عينا وأنعم صباحا فلما كان الإسلام نهينا عن ذلك رواه ابو داود وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا فلمّا خلقه قال اذهب فسلّم على أولئك النفر وهم نفر من الملائكة جلوس فاسمع ما يحيونك فانها تحيتك وتحيّة ذريتك فذهب فقال السّلام عليكم فقالوا السّلام عليك ورحمة الله قال فزادوه ورحمة الله متفق عليه فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها اى ردوا مثلها على حذف المضاف، الأمر للوجوب وكلمة او للتخيير فالواجب فى جواب السّلام ردّ مثلها لانه ادنى الامرين ويستحبّ الرد بأحسن منها بزيادة الرحمة والبركة- وكلما زاد فى السّلام او فى الجواب كان اكثر ثوابا وأفضل، عن عمران بن حصين ان رجلا جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال السلام عليكم فرد عليه فجلس فقال النبي صلى الله عليه وسلم عشر ثم جاء آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله فرد عليه فقال عشرون ثم جاء اخر فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فرد عليه فجلس فقال ثلثون رواه الترمذي وابو داود وعن معاذ بن انس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه وزاد ثم اتى اخر فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته، فقال أربعون هكذا يكون الفضائل رواه ابو داود وقيل كمال الزيادة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته روى ان رجلا سلم على ابن عباس فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثم زاد شيئا آخر فقال ابن عباس ان السلام انتهى الى البركة ذكره البغوي وروى احمد فى الزهد وابن ابى حاتم والطبراني فى الكبير وابن مردوية من حديث سلمان الفارسي ان رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم السلام عليك فقال وعليك السلام ورحمة الله وبركاته وقال اخر السلام عليك ورحمة الله وبركاته فقال وعليك السلام قال الرجل نقصتنى فاين ما قال الله وتلا الاية فقال انك لم تترك لى فضلا فرددت عليك مثله ... ...

قلت وهذا الحديث يدل على ان قوله وعليك السّلام يكفى فى جواب من قال السّلام عليك ورحمة الله وبركاته اما لان المماثلة فى نفس السّلام يكفى وامّا لان اللام فى وعليك السلام للعهد فتضمن فى الجواب ما كان مذكورا فى كلام البادي بالسلام من الرحمة والبركة (مسئلة) وإذا سلم على جماعة وردّ واحد منهم يسقط عن الباقين لانه فرض كفاية كذا فى السراجية- عن على بن ابى طالب رضى الله عنه قال يجزى عن الجماعة إذا مروا ان يسلم أحدهم ويجزئ عن الجلوس ان يرد أحد هم ذكره البغوي فى المصابيح موقوفا ورواه البيهقي فى شعب الايمان مرفوعا وروى ابو داود وقال ورفعه الحسن بن على وهو شيخ ابى داود وامّا إذا سلّم على واحد من الجماعة بعينه فيقول يا فلان السلام عليك او عليكم فحينئذ يجب على ذلك الرجل الجواب ولا يسقط برد غيره من الجماعة وكذا لا يسقط عن الجماعة برد واحد من غيرهم، كذا فى بيان الاحكام- (مسئلة) البداية بالسّلام مسنون وهو احسن وأفضل عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا اولا أدلكم على شىء إذا فعلتم تحاببتم أفشوا السلام بينكم رواه مسلم، وعن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم البادي بالسلام برىء من الكبر رواه البيهقي فى شعب الايمان وعن ابى امامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان اولى الناس بالله من بدا بالسلام رواه احمد والترمذي وابو داود وعن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما ان الرجل سال رسول الله صلى الله عليه وسلم اىّ الإسلام خير يعنى اىّ خصال الإسلام خير قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تطعم الطعام وتقرا السلام على من عرفت ومن لم تعرف متفق عليه مسئلة- يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير روى الشيخان فى الصحيحين هذا اللفظ من حديث ابى هريرة مرفوعا وزاد البخاري فى رواية ويسلم الصغير على الكبير مسئلة ويسلم على الغلمان والنساء لحديث انس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على غلمان فسلم عليهم متفق عليه، وحديث جرير ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على نسوة فسلم عليهن رواه احمد وفى فتاوى الغرائب ان السّلام يكره على المرأة الشابّة والأمر دوان سلما لا يجب الجواب قلت وهذا ... ...

عند خوف الفتنة (مسئلة:) ويسلم على اهل بيته حين يدخل عن انس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا بنى إذا دخلت على أهلك فسلم يكون بركة عليك وعلى اهل بيتك رواه الترمذي (مسئلة) وان دخل بيتا ليس فيها أحد فليقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فان الملائكة يردون عليه كذا فى الشرعة قال الله تعالى فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً، (مسئلة:) يسن السّلام قبل الكلام لحديث جابر مرفوعا السّلام قبل الكلام رواه الترمذي (مسئلة:) وسن ان يسلم على الأخ المسلم كلما لقيه وان حالت بينهما شجرة او جدار جدّد السلام عليه لحديث ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا لقى أحدكم أخاه فليسلم عليه فان حالت بينهما شجرا وجدارا وحجر ثم لقيه فليسلم عليه رواه ابو داود (مسئلة:) ويسن السلام ايضا عند الوداع عن قتادة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخلتم بيتا فسلّموا على اهله فاذا خرجتم فاودعوا اهله بالسلام رواه البيهقي فى الشعب مرسلا وعن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا انتهى أحدكم الى مجلس فليسلّم فان بدا له ان يجلس فليجلس ثم إذا قام فليسلم فليست الاولى بأحق من الاخرة رواه الترمذي وابو داود (مسئلة:) إذا بلّغ رجل بتسليم من الغائب فليقل للمبلغ عليك وعليه السّلام روى غالب عن أبيه عن جدّه قال بعثني ابى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اتيه فاقرأه السّلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليك وعلى أبيك السّلام رواه ابو داود (مسئلة:) لا يجوز البداية السّلام على الكفار لقوله صلى الله عليه وسلم لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام فاذا لقيتم أحدهم فى طريق فاضطروه الى أضيقه رواه مسلم عن ابى هريرة وان كان فى القوم اختلاط «1» من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود يسلم عليهم رواه الشيخان من حديث اسامة بن زيد مرفوعا لكن ينوى بالسلام المسلمين منهم كيلا يلزم بداية السّلام على الكافر مسئلة: لا بأس برد السلام على اهل «2» الذمّة لكن لا يزيد على قوله وعليك لقوله صلى الله عليه وسلم إذا سلم عليكم اهل الكتاب فقولوا وعليكم متفق عليه عن انس- (مسئلة:) لا يجب رد السّلام فى الصلاة والخطبة بل لا يجوز ويبطل

_ (1) فى الأصل اخلاط- (2) قال ابن عباس من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه وان كان يهوديا او نصرانيا او مجوسيا ذلك بان الله يقول إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ الاية رواه ابن ابى شيبة والبخاري فى الأدب المفرد وغيرهما منه رحمه الله

[سورة النساء (4) : آية 87]

صلاته ولا يجب فى قراءة القران جهرا ورواية الحديث ومذاكرة العلم والاذان والاقامة وجاز جوابه فى تلك المواضع إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (86) اى محاسبا مجازيا وقال مجاهد حفيظا يعنى يحاسب الله تعالى على كل شىء من حقوق العباد كالسّلام وتشميت العاطس وغير ذلك عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمن على المؤمن ست خصال يعوده إذا مرض ويشهده إذا مات ويجيبه إذا دعاه ويسلم عليه إذا لقيه ويشمّته إذا عطس وينصح له إذا غاب او شهد رواه النسائي وروى الترمذي والدارمي عن على عليه السلام نحو ذلك وذكر السادس ويحبّ له ما يحبّ لنفسه ولم يذكر وينصح له والمال واحد وعن ابى سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال وإياكم والجلوس بالطرقات فقالوا ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها قال فاذا أبيتم الّا المجلس فاعطوا الطريق حقه قالوا وما حق الطريق يا رسول الله قال غضّ البصر وكف الأذى وردّ السلام والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر متفق عليه وعن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فى هذه القصّة قال وارشاد السبيل رواه ابو داود وعن عمر رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فى هذه القصّة قال وتعينوا الملهوف وتهدوا الضال رواه ابو داود (مسئلة) ومن تمام التحية المصافحة والمعانقة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تمام تحيّاتكم بينكم المصافحة رواه احمد والترمذي عن ابى امامة- وعن ابى ذرّ قال ما لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قط إلا صافحني وبعث الىّ ذات يوم ولم أكن فى أهلي فلما جئت أخبرت فاتيته وهو على سرير فالتزمنى وكانت تلك أجود وأجود رواه ابو داود وعن الشعبي ان النبي صلى الله عليه وسلم تلقى جعفر بن ابى طالب فالتزمه وقبّل ما بين عينيه رواه ابو داود والبيهقي فى الشعب مرسلا وفى شرح السنة عن البياضي متصلا وكذا روى فى شرح السنة عن جعفر بن ابى طالب قال تلقانى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتنقنى وعن عطاء الخراسانى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تصافحوا يذهب الغلّ وتهادّوا تحابوا وتذهب الشحناء رواه مالك مرسلا وعن البراء بن عازب المسلمان إذا تصافحا لم يبق بينهما ذنب إلا سقط رواه البيهقي فى شعب الايمان-. اللَّهُ مبتدا لا إِلهَ إِلَّا هُوَ اما خبر مبتدا والجملة معترضة مؤكدة لتهديد قصد ... ...

[سورة النساء (4) : آية 88]

بما قبلها وما بعدها وقوله تعالى لَيَجْمَعَنَّكُمْ خبر بعد خبر عديل لقوله تعالى حسيبا او يقال الله مبتدا والتهليل جملة معترضة وخبر المبتدا ليجمعنكم اى والله ليحشرنهم من القبور إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ اى مفضين اليه او فى يوم القيامة والقيام والقيامة كالطلاب والطلابة وهى قيامهم للحساب لا رَيْبَ فِيهِ اى فى اليوم او فى الجمع حال من اليوم او صفة للمصدر اى جمعا وَمَنْ أَصْدَقُ يعنى لا أحد اصدق مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (87) قولا هذه الجملة بمنزلة التعليل لقوله لا ريب فيه فانّ اخباره تعالى لا يحتمل تطرق الكذب اليه بوجه من الوجوه لانه نقص مستحيل على الله تعالى فما ثبت بقوله تعالى فهو حق لا ريب فيه قرا حمزة والكسائي اصدق وكل صاد ساكنة بعدها دال بإشمام الزاء- اخرج البخاري وغيره عن زيد بن ثابت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج الى أحد رجع ناس ممّن خرج معه فكان اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين فرقة تقول نقاتلهم وفرقة تقول لا نقاتلهم فنزلت. فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ قوله «1» فئتين حال عاملها الظرف المستقر يعنى لكم او معنى الفعل اى ما تصنعون حال كونكم فئتين وفى المنفقين حال من فئتين اى متفرقين فيهم او من الضمير اى فما لكم تفترقون فيهم ومعنى الافتراق يستفاد من فئتين والفاء للتفريع على كونه تعالى اصدق حديثا يعنى فما لكم تختلفون فيه لم لا تفوضون الأمر الى من هو اصدق حديثا فاعتقدوا بما أخبركم وامتثلوا بما يأمركم واخرج سعيد بن منصور وابن ابى حاتم عن سعد بن معاذ قال خطب «2» رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من لى بمن يوذينى ويجمع فى بيته من يوذينى فقال سعد بن معاذ ان كان من الأوس قتلناه وان كان من إخواننا من الخزرج امرتنا فاطعناك فقام سعد بن عبادة فقال ما بك يا ابن معاذ طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد عرفت ما هو منك فقام أسيد بن حضير فقال انك

_ (1) نقل الناسخ فى الأصل على حاشيته حديثا انها طيبة إلخ وأشار ان موضعه بعد قوله تعالى فِئَتَيْنِ فنقله الناقلون هاهنا لكن السياق السياق يأتى عن ذلك وعندى ان موضع هذا الحديث بعد قول الرجال الذين خرجوا من المدينة شاكين من وبائها وحماها او بعد قول ناس من قريش ولكنا اجتوينا المدينة إلخ فلهذا الوجه نقلناه على حاشية ص 834 2 بو محمد عفا الله عنه- (2) واخرج ابن ابى حاتم عن زيد بن اسلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال كيف ترون فى الرجل يجادل بين اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسئ القول لاهل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد برّاها الله ثم قرا ما انزل الله فى براءة عائشة فنزل القران فى ذلك فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ منه رحمه الله [.....]

[سورة النساء (4) : آية 89]

يا ابن عبادة منافق وتحبّ المنافقين فقام محمد بن مسلمة فقال اسكتوا ايها الناس فانّ بيننا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يأمرنا فننفذ امره فانزل الله تعالى هذه الاية واخرج احمد عن عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه ان قوما من العرب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فاثابهم وباء المدينة وحماها فاركسوا وخرجوا من المدينة فاستقبلهم نفر من الصحابة فقالوا ما لكم رجعتم قالوا أصابنا وباء المدينة «1» فقالوا ما لكم فى رسول الله أسوة حسنة فقال بعضهم نافقوا وقال بعضهم لم ينافقوا فانزل الله تعالى هذه الاية وفى اسناده تدليس وانقطاع قال البغوي قال مجاهدهم قوم خرجوا الى المدينة واسلموا ثم ارتدوا واستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها فخرجوا وأقاموا بمكة فاختلف المسلمون فيهم فقيل هم منافقون وقيل هم مؤمنون وقال بعضهم هم ناس من قريش قدموا المدينة واسلموا ثم ندموا على ذلك فخرجوا كهيئة المتنزهين حتى تباعدوا من المدينة فكتبوا الى رسول الله صلى الله انا على الذي فارقناك عليه من الايمان ولكنا اجتوينا المدينة واشتقنا الى ارضنا ثم انهم خرجوا فى تجارة لهم نحو الشام فبلغ ذلك المسلمين فقال بعضهم نخرج إليهم فنقتلهم ونأخذ ما معهم لانهم رغبوا عن ديننا وقالت طائفة كيف تقتلون قوما على دينكم بان لا يذروا ديارهم فنزلت وقال بعضهم هم قوم اسلموا بمكة ولم يهاجروا وكانوا يظاهرون المشركين فنزلت وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ اى ردّهم الى الكفر اصل الركس ردّ الشيء مقلوبا بِما كَسَبُوا اى عملوا الردة واللحوق بدار الحرب أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ اى تجعلوه من المهتدين او تقولوا هؤلاء مهتدون وقد أضلّهم الله وفى الاية دليل على ان خالق افعال العباد هو الله تعالى والكسب من العبد وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88) طريقا الى الحقّ-. وَدُّوا تمنوا أولئك الذين رجعوا الى الكفر لَوْ يعنى ليتكم تَكْفُرُونَ بيان للوداد كَما كَفَرُوا اى كفرا ككفرهم فَتَكُونُونَ سَواءً مستوين معهم فى الضلال عطف على تكفرون ولو نصب على جواب التمني لجاز من جهة النحو لكنه لا يجوز لانه لم يرد فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ منع عن موالاتهم حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ معكم

_ (1) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انها طيبة وانها تتفى الخبث كما تنفى النار خبث الفضة منه رح

[سورة النساء (4) : آية 90]

بعد ايمانهم صابرا محتسبا لا لغرض من اغراض الدنيا قال عكرمة الهجرة على ثلاثة أوجه هجرة المؤمنين فى اوّل الإسلام وهجرة المنافقين وهى الخروج فى سبيل الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صابرا محتسبا وهجرة سائر المؤمنين عمّا نهى الله عنه فَإِنْ تَوَلَّوْا عن الايمان او عن الهجرة بعد الايمان فان الهجرة يومئذ كانت فريضة فَخُذُوهُمْ أسارى وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ كسائر الكفرة وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا كرّر النهى عن الولاية للتأكيد او يقال السابق نهى عن اتخاذهم اولياء قبل الاخذ وهذا عن موالاتهم بعد الاخذ وَلا نَصِيراً (89) وهذا دليل على عدم جواز الاستنصار بالكفار ذكر الزهري ان الأنصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع ابن أبيّ عن أحد فى الاستعانة بحلفائهم من يهود المدينة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبيث لا حاجة لنا بهم. إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ استثناء من قوله فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ فان قيل ما وجه صحة الاعتراض بين المستثنى والمستثنى منه مع انه لا مدخل له فى الاستثناء قلنا قوله تعالى لا تتخذوا ذكر تأكيدا للقتل كانه قيل فاقتلوهم ولا تتركوا قتلهم بطمع الولاية والنصرة والمعنى الّا الذين يتصلون وينتهون إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ قال البغوي وهم الاسلميون وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وادع هلال بن عويمر الأسلمي قبل خروجه الى مكة ان لا يعينه ولا يعين عليه ومن وصل الى هلال من قومه وغيرهم ولجاء اليه فلهم من الجوار مثل ما لهلال كذا روى ابن ابى حاتم عن مجاهد واخرج ابن ابى حاتم وابن مردوية عن الحسن ان سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال لمّا ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على اهل بدر وأحد واسلم من حولهم قال سراقة بلغني انه يريدان يبعث خالد بن الوليد الى قومى بنى مدلج فاتيته فقلت أنشدك النعمة بلغني انك تريد ان تبعث الى قومى وانا أريد ان توادعهم فان اسلم قومك اسلموا ودخلوا فى الإسلام وان لم يسلموا لم يخشين مغلوب قومك عليهم فاخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد خالد فقال اذهب معهم فافعل ما تريد فصالحهم خالد على ان لا يعينوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وان أسلمت قريش اسلموا معهم وانزل الله إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فكان من وصل إليهم كان منهم على عهدهم واخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس قال نزلت إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ... ...

[سورة النساء (4) : آية 91]

مِيثاقٌ فى هلال بن عويمر الأسلمي وسراقة بن مالك المدلجي وفى بنى خزيمة بن عامر بن عبد مناف وقال الضحاك عن ابن عباس هم بنو بكر بن زيد مناة كانوا فى الصلح والهدنة وقال مقاتل هم خزاعة أَوْ جاؤُكُمْ عطف على الصلة اى الا الذين وصلوا الى قوم او جاءوكم او الا الذين يصلون الى قوم او يجيئونكم او عطف على صفة قوم يعنى الا الذين يصلون الى قوم معاهدين او قوم كافين عن القتال والاول اظهر لقوله فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فان ترك التعرض للاعتزال عن القتال لا للاتصال بالمعتزلين حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ حال بإضمار قد او بيان لجاءوكم وقيل صفة لمحذوف اى جاءوكم قوما حصرت اى ضاقت صدورهم أَنْ يُقاتِلُوكُمْ اى عن ان أو لأن او كراهة ان يقاتلوكم أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ يعنى ضاقت صدورهم عن قتالكم للعهد الذي بينكم وبينهم وعن قتال قومهم قريشا معكم وهم بنوا مدلج كانوا عاهدوا ان لا يقاتلوا المسلمين وعاهدوا قريشا ان لا يقاتلوهم نهى الله تعالى عن قتال المرتدين إذا لحقوا بالمعاهدين لان من انضمّ الى قوم معاهدين فلهم حكمهم فى حقن الدّماء لان قتالهم يستلزم قتال المعاهدين ولا يجوز ذلك وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ بازالة الرعب عنهم فَلَقاتَلُوكُمْ ولم يكفوا عنكم، أعاد اللام تنبيها على انه جواب مستقل ويس المجموع جوابا واحدا فانّ التسليط لا يستلزم المقاتلة بل بعد التسليط يتوقف المقاتلة على مشية الله تعالى وفى هذه الاية اشارة الى منة الله تعالى على المؤمنين حيث القى الرعب فى قلوب أعدائهم فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ اى اعتزلوا قتالكم فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ الصلح والانقياد فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90) طريقا الى الاخذ والقتل وذلك الطريق هو اباحة دمائهم-. سَتَجِدُونَ قوما آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ فلا تتعرضوا لهم وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ فلا يتعرضوا لهم قال الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس هم اسد وغطفان كانوا حاضرى المدينة تكلموا بالإسلام رياء وهم غير مسلمين وكان الرجل يقول له قومه بماذا أسلمت فيقول امنت بهذا القرد وبهذا العقرب والخنفساء وإذا لقوا اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا انا على دينكم يريدون بذلك الامن من الفريقين كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ ... ...

اى دعوا الى الكفر او الى قتال المسلمين أُرْكِسُوا فِيها اى قلبوا وأعيدوا فى الفتنة أقبح قلب وإعادة فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ عطف على يعتزلوا وَكذا قوله يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ اى ان لم يعتزلوا قتالكم ولم ينقادوا لكم بطلب الصلح ولم يكفوا أيديهم عن الشر فَخُذُوهُمْ أسارى وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ اى حيث مكنتم منهم وظفرتم بهم وَأُولئِكُمْ اى اهل هذه الصفة جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً (91) اى حجة ظاهرة اذنا بالقتل والقتال لظهور عداوتهم وانكشاف حالهم فى الكفر والغدر والإضرار بالمسلمين- والله اعلم قال البغوي ان عياش بن ربيعة المخزومي انى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة فاسلم ثم خاف ان يظهر إسلامه لاهله فخرج هاربا الى المدينة وتحصن فى أطم من اطامها فجزعت امه لذلك جزعا شديدا وقالت لا بنيها الحارث وابى جهل ابني هشام وهما أخواه لامه والله لا يظلنى سقف ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى تأتونى به فخرجا فى طلبه وخرج معهما الحارث بن زيد بن ابى انيسة حتى أتوا المدينة فاتوا عياشا وهو فى الأطم وقالا له انزل فان امّك لم يؤويها سقف بيت بعدك وقد خلفت ان لا تأكل طعاما ولا شرابا حتى ترجع إليها ولك الله علينا لانكرهك على شىء ولا نحول بينك وبين دينك فلما ذكروا له جزع امّه وأوثقوا بالله نزل إليهم وأخرجوه من المدينة ثم أوثقوه «1» بنسعة فجلده كل واحد منهم مائة جلدة ثم قدموا به على امه فلما أتاها قالت والله لا أخليك من وثاقك حتى تكفر بالذي امنت به ثم تركوه موثقا مطروحا فى الشمس ما شاء الله فاعطاهم الذي أرادوا فاتاه الحارث بن زيد فقال يا عياش اهذا الذي كنت عليه فو الله لان كان هدى لقد تركت الهدى ولئن كان ضلالة لقد كنت عليها فغضب عياش من مقالته فقال والله لا ألقاك خاليا ابدا الّا قتلتك ثم انّ عيّاشا اسلم بعد ذلك وهاجر ثم اسلم الحارث بن زيد بعده وهاجر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عياش حاضرا يومئذ ولم يشعر بإسلامه فبينا عيّاش يسير بظهر قبا إذ لقى الحارث فقتله فقال الناس ويحك اى شىء صنعت انه قد اسلم فرجع عياش

_ (1) النسعة بالكسر سير مضفور يجعل زماما للبعير وغيره وقد ينسج عريضة على صدر البعير- نهاية يعنى نوادر منه رحمه الله

[سورة النساء (4) : آية 92]

الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله قد كان من امرى وامر الحارث ما قد علمت وانى لم أشعر بإسلامه حتى قتلته واخرج ابن جرير عن عكرمة قال كان الحارث بن زيد بن عامر بن لوى يعذب عياش بن ابى ربيعة مع ابى جهل ثم خرج الحارث مهاجرا الى النبي صلى الله عليه وسلم فلقيه عياش بالحرة فقتله بالسيف وهو يحسب انه كافر ثم جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فنزلت. وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً الاية واخرج نحوه عن مجاهد والسدى واخرج ابن إسحاق وابو يعلى والحارث بن ابى اسامة وابو مسلم الكحى عن القاسم بن محمد نحوه واخرج ابن ابى حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوه ومعنى الاية ما كان لمؤمن من حيث انه مؤمن اى ما وقع له ولا يقع عنه ولا يوجد ولا يحصل على يديه ان يقتل مؤمنا بغير حق فان ذلك من أعظم محظورات دينه وإيمانه مانع عنه فهو اخبار بعدم صدور قتل المؤمن من المؤمن والمقصود منه المبالغة كانه نزل ايمان من قتل مؤمنا متعمدا لكمال نقصانه منزلة العدم وهو المعنى من قوله صلى الله عليه وسلم لا يقتل حين يقتل وهو مؤمن رواه البخاري عن ابن عباس مرفوعا وفى الصحاح ان الشيء إذا كان وصفا لازما لشىء قليل الانفكاك عنه يستعمل هناك كان كما فى قوله تعالى كانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً ... ، كانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً قلت فعلى هذا إذا كان الشيء منفكا عنه غالبا نادر الحصول او عديم الحصول يستعمل هناك ما كان كما فى قوله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ مع ان الله تعالى عذبهم يوم أحد بالقتل والهزيمة حين اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا من مخالفة امر النبي صلى الله عليه وسلم وقيل هو نفى ومعناه النهى كما فى قوله تعالى ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِلَّا خَطَأً منصوب على الحالية او العلية او المصدرية يعنى كائنا على اىّ حال الا خاطئا او لاجل شىء الا للخطأ او قتلا الا قتلا خطأ فالاستثناء مفرغ وجاز ان يكون استثناء من قوله لمؤمن، لا يقال المختار حينئذ الجرّ مع ان القراء اتفقوا على النصب لان المختار مع الفصل الكثير بين المستثنى والمستثنى منه النصب على الاستثناء صرح به الشهيد ووافقه الرضى وجاز ان يكون الاستثناء منقطعا لان قوله ان يقتل يدل على قتل العمد كما هو شأن الافعال الاختيارية فقتل الخطأ غير داخل فيما سبق والمعنى لكن ان قتله ... ...

خطأ فجزاؤه كذلك وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً اعلم ان القتل نوعان قتل عمد وقتل خطأ وقد ذكرنا تفسير العمد على اختلاف الأقوال وحكمه من القصاص ووجوب المال وكيفية القصاص فى سورة البقرة فى تفسير قوله تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ، بقي الكلام هناك فى انه هل تجب الكفارة فى قتل العمد أم لا فقال ابو حنيفة ومالك لا تجب وقال الشافعي تجب وعن احمد روايتان كالمذهبين قال الشافعي وجبت الكفارة فى القتل خطأ بهذه الاية فتجب بالقتل عمدا بالطريق الاولى وعن واثلة بن الأسقع قال اتينا النبي صلى الله عليه وسلم فى صاحب لنا قد استوجب النار بالقتل فقال أعتقوا عنه رقبة يعتق لكل عضو منه عضوا منه من النار كذا ذكره الرافعي قلنا الحديث رواه احمد وابو داود والنسائي وابن حبان والحاكم ولفظهم قد استوجب فقط ولم يقولوا النار بالقتل فلا حجة فيه ودلالة النصّ ممنوع لان القتل عمدا كبيرة محضة لا يمكن الطهارة عنه بالكفارة ولو كان كذلك لا نفتح باب القتل عمدا بخلاف الخطأ فانه دائر بين العصيان بترك الحزم وإتيان المباح فيمكن الطهارة منه بامر دائر بين العبادة والعقوبة وهذا هو الفرق بين اليمين الغموس والمنعقدة فى وجوب الكفارة فى الثاني دون الاول عندنا «1» وامّا القتل خطأ فعلى اقسام أحدها شبيه العمد واختلفوا فى تفسيره فقال ابو حنيفة هو القتل عمدا بما ليس موضوعا للقتل وقال ابو يوسف ومحمد هو القتل عمدا بما يلبث غالبا وقال الشافعي هو ضربه عمدا ضربا لا يموت به غالبا فمات فمن ضرب سوطا او سوطين عمدا فمات فهو شبيه العمد بالاتفاق ومن ضرب بسوط صغير ووالى حتى مات فهو عمد عند الشافعي وشبيه بالعمد عند ابى حنيفة وصاحبيه ومن ضرب بحجر عظيم او خشبة عظيمة لا تلبث غالبا فهو عمد عند الكل وشبيه بالعمد عند ابى حنيفة قال ابو حنيفة لا قصاص ولو رماه بابا قبيس وما هو شبيه بالعمد فى النفس فهو عمد فيما دون النفس اجماعا احتج ابو حنيفة بقوله

_ (1) ولنا ايضا على عدم الكفارة فى القتل عمدا واليمين الغموس ما رواه ابن ابى شبية والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لقى الله لا يشرك به شيئا وادي ركوة ماله طيبة نفسه محتسبا وسمع وأطاع فله الجنة وخمس ليس لهن كفارة قتل النفس بغير حق وبهت مؤمن والفرار من الزحف ويمين صابرة يقطع بها ما لا بغير حق منه رحمه الله

صلى الله عليه وسلم الا ان قتل الخطأ شبه العمد قتل السوط والعصا وسيأتى وجه الاحتجاج ان السوط والعصا يعم الصغير والكبير قال الجمهور العصا لا يطلق الا على الصغير عرفا والله اعلم، وثانى انواع الخطأ ما اخطأ فى القصد وهو ان يرمى شخصا يظنه صيدا فاذا هو آدمي او حربيّا فاذا هو مسلم وثالثها ما اخطأ فى الفعل وهو ان يرمى غرضا فاصاب مؤمنا، رابعها ما اجرى مجرى الخطأ مثل النّائم ينقلب على رجل مؤمن فقتله خامسها القتل بالتسبيب كحافر بئر وواضع حجر فى غير ملكه وحكم جميع الاقسام المذكورة وجوب الدية على العاقلة اجماعا لانه قتل لم يجب فيه القصاص فوجب الدية تحرّزا عن اهدار دم معصوم وايضا حكم جميعها وجوب الكفارة على القاتل وحرمانه عن الإرث اجماعا الا عند ابى حنيفة فى القتل بالتّسبيب لانه ليس بقتل حقيقة لانه تصرف فى الجثة ولم يوجد وانما وجد التصرف فى محل اخر ووجه قول الجمهور ان الشرع أنزله قاتلا حتى وجبت الدية اجماعا فعموم قوله تعالى وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ يقتضى وجوب الكفارة ايضا كيف ومقتضى الاية ان الدية قد يجب فى القتل وقد لا يجب بخلاف الكفارة فانه يجب لا محالة وايضا الكفارة لدفع الإثم فالقول بوجوب الكفارة على النائم إذا انقلب على رجل فقتله مع انه صلى الله عليه وسلم قال رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى استيقظ الحديث وعدم وجوبها على من حفر بيرا فى غير ملكه ظلما حتى مات بالوقوع فيه مؤمن غير مرضى (مسئلة:) وفى رواية عن ابى حنيفة لا يجب الكفارة فى الشبيه بالعمد ذكر فى الكفاية شرح الهداية انه قال الجرجاني وحدت رواية عن أصحابنا ان الكفارة لا يجب فى شبه العمد، قلت وهذا هو الأظهر لان القصاص انما سقط هناك بشبهة من جهة الآلة واما المعصية فكمالها انما يبتنى على القصد فى قتل المؤمن فاذا كان بالقصد فهو كبيرة محضة بل أقبح من القتل بالسّيف الا ترى انه لا يجوز قتل من وجب قتله بالقصاص الا بالسّيف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله كتب الإحسان على كل شىء فاذا قتلتم فاحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فاحسنوا الذبحة وليحد شفرته وليرح ذبيحته رواه احمد ومسلم واصحاب السنن الاربعة من حديث شدّاد بن أوس وقوله تحرير رقبة خبر مبتدا محذوف تقديره فجزاؤه تحرير رقبة واجب على القاتل والتحرير الاعتاق والحر العتيق الكريم من الشيء، ... ...

قال فى القاموس الحر خيار كل شىء سمى به لان الكرم والخير فى الأحرار والرقبة عبر بها عن النسمة كما عبر عنها بالرأس وتحرير الرقبة يقتضى ان يكون كاملا فى الرقبة فلا يجوز اعتاق أم الولد حيث استحقت العتق ولا يجوز بيعها قال عليه السلام أعتقها ولدها وكذا لا يجوز اعتاق المدبّر عند ابى حنيفة ويجوز عند الشافعي حيث لا يجوز بيعه عند ابى حنيفة ويجوز عند الشافعي ويجوز اعتاق المكاتب ما لم يؤد شيئا عند ابى حنيفة لان الكتابة يحتمل الفسخ برضائهما ولا يجوز عند الشافعي كما لا يجوز عتق من ادى بعض مكاتبته اتفاقا ولا يجوز اعتاق المجنون والأعمى والأخرس والاصمّ الذي لا يسمع أصلا ومقطوع اليدين او الرجلين او يد ورجل من جانب واحد لان فائت جنس المنفعة كالهالكة معنى ويجوز اعتاق مقطوع أحد اليدين واحد الرجلين من خلاف والأعور والأعمش والأبرص والارمد لانه ناقص المنفعة لا فائدة به ويجوز اعتاق العنين والحصى والمجبوب لان منفعة النسل زائد على ما يطلب من المماليك وكذا يجوز اعتاق الامة الرتقاء والقرناء لبقاء منفعة الاستخدام (مسئلة:) يشترط لوجوب الكفارة ان يكون القاتل عاقلا بالغا مسلما لانها عبادة فيشترط لها ما يشترط لسائر العبادات وقال الشافعي لا يشترط شيئا من ذلك قياسا على ضمان الأموال كالدية قلنا هذا قياس مع الفارق (مسئلة:) يشترط للكفارة عند الشافعي رحمه الله الاعتاق باختياره فلو اشترى أباه بنية الكفارة لا يجوز عنده وعند ابى حنيفة يشترط اقتران النية بسبب اختياري موجب للعتق فيجوز عنده إذا نوى الكفارة عند شراء قريبه وكذا إذا وهب له او اوصى له ونوى ولو ورث أباه او ابنه ونوى الكفارة عند ذلك لا يجوز اجماعا مُؤْمِنَةٍ اجمعوا على اشتراط الايمان فى كفّارة القتل بناء على هذا النصّ دون كفارة اليمين والظهار والصوم لكن يكفى ان يكون محكوما بإسلامها فلو أعتق صغيرا أحد أبويه مسلم جاز وروى ابن المنذر وابن جرير وابن ابى حاتم عن ابن عباس قال يعنى بالمؤمنة من قد عقل الايمان وصام وصلى وكل رقبة فى القران لم تسم مؤمنة؟؟؟ يجوز المولود فما فوقه ممن ليس له امانة، كذا اخرج عبد الرزاق عن قتادة وقال فى حرف أبيّ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ لا يجزى فيها صبىّ- وَدِيَةٌ عطف على تحرير رقبة يعنى جزاؤه دية قال فى القاموس الدية بالكسر حق القتيل وهى مجملة فى المقدار ومن يجب عليه بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم (مسئلة:) يجب الدية على العاقلة والقاتل كاحدهم عند ابى حنيفة وعند الشافعي لا يجب على القاتل شىء منها وهذا يعنى وجوب الدية على العاقلة وان كان غير ظاهر الاستنباط من القران لكنه ثبت بالسنة ... ...

المشهورة والإجماع عن ابى هريرة قال اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الاخرى بحجر فقتلتها وما فى بطنها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان دية جنينها غرة عبدا ووليدة وقضى بدية المرأة على عاقلتها وفى لفظ جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عصبة القاتلة وغرة لما فى بطنها وأحاديث الآحاد بمصاعدة الإجماع يقوى قوة الكتاب روى البيهقي من طريق الشافعي انه قال وجدنا عامّا فى اهل العلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فى جناية الحر المسلم على الحرّ خطأ مائة من الإبل على عاقلة الجاني وعامّا فيهم ايضا انها فى ثلاث سنين فى كل سنة ثلثها، وروى البيهقي من طريق ابن لهيعة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب قال من السنة ان تنجم الدية فى ثلاث سنين وممّا حكى عن الشافعي يستفاد الإجماع كذا نقل الترمذي فى جامعه وابن المنذر وروى ابن ابى شيبة وعبد الرزاق والبيهقي من طريق الشعبي عن عمر وهو منقطع ان عمر بن الخطاب جعل الدية الكاملة فى ثلاث سنين وجعل نصف الدية فى سنتين وما دون النصف فى سنة، وكذا روى البيهقي ايضا عن على من رواية يزيد بن ابى حبيب وهو منقطع وفيه ابن لهيعة- (مسئلة) لا يجب على العاقلة ما يجب من المال فى قتل العمد بالصلح او بعفو بعض الورثة او غير ذلك بل فى مال القاتل وايضا لا يجب على العاقلة ما ثبت بإقرار القاتل ولا فى قتل العبد سواء كان العبد قاتلا او مقتولا وكل ذلك فى مال الجاني روى الدار قطنى والطبراني فى مسند الشاميين من حديث عبادة «1» بن الصّامت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تجعلوا على العاقلة من دية المعترف شيئا واسناده واه فيه محمد بن سعيد كذاب والحارث بن نبهان منكر الحديث وروى الدارقطني والبيهقي عن عمر موقوفا العبد والعمد والصلح والاعتراف لا يعقله العاقلة وهو منقطع وفى اسناده عبد الملك بن حسين ضعيف قال البيهقي والمحفوظ عن عامر عن الشعبي من قوله وروى البيهقي عن ابن عباس لا يحمل العاقلة عمدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا ما جنى المملوك وفى المؤطا عن الزهري مضت السنة ان العاقلة لا يحمل شيئا من ذلك وروى البيهقي عن ابى الزناد عن الفقهاء من اهل المدينة نحوه، (مسئلة:) العاقلة قبيلته وعصباته عند الشافعي وعند ابى حنيفة اهل ديوانه فان لم يكن من اهل الديوان فقبيلته ويضم الأقرب فالاقرب وللمعتق عاقلة المعتق ولمولى الموالاة مولاه وعاقلة مولاه (مسئلة) لا يزاد على رجل واحد

_ (1) فى الأصل عبادة الصامت-

من العاقلة على اربعة دراهم فى كل سنة عند ابى حنيفة وفى رواية عنه فى ثلاث سنين على اربعة دراهم وقال الشافعي على نصف دينار (مسئلة:) ومن لا عاقلة له فدية مقتوله فى بيت المال، (فصل) فى مقدار الدية (مسئلة) : اجمعوا على ان فى شبيه العمد دية مغلظة وهو الواجب فى العمد إذا سقط القصاص بعارض قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عقل شبه العمد مغلّظا مثل قتل العمد ولا يقتل صاحبه وذلك ان ينزو الشيطان بين الناس فيكون رميا فى عميا فى غير فتنة ولا سلاح رواه احمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفى غيرها من انواع الخطاء دية مخففة ولا تغليظ الا فى الإبل توقيفا والدية المغلظة عند ابى حنيفة وابى يوسف مائة من الإبل ارباعا خمس وعشرون بنت مخاض وكذا بنت لبون وكذا حقة وكذا جزعة وعند محمد والشافعي وغيرهما ثلاثون جذعة وثلاثون حقة وأربعون ثنية كلها خلفات فى بطونها أولادها احتج الشافعي ومن معه بحديث عبد الله بن عمرو ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الا انّ دية قتل شبه العمد قتل السّوط والعصا فيه مائة منها أربعون فى بطونها أولادها رواه احمد وابو داؤد والنسائي وصحّحه ابن حبّان وروى الترمذي وابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عبد الله بن عمرو من قتل متعمدا سلّم الى اولياء المقتول فان أحبوا قتلوا وان احبّوا أخذوا العقل ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين «1» خلفة فى بطونها أولادها وعن عبادة بن الصّامت الا ان فى الدية العظمى مائة من الإبل منها أربعون خلفة فى بطونها أولادها رواه الدارقطني والبيهقي وفى اسناده انقطاع قال ابو حنيفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى نفس المؤمن مائة من الإبل وكون الناقة ذات حمل فى بطنها ولدها لا يعلم يقينا ولو علمت فالحمل حيوان من وجه وله عرضة الانفصال ففى إيجاب الخلفات الحاملات إيجاب للزيادة على ما قدره الشرع يعنى المائة وهذا استدلال فى مقابلة النصّ والظاهر ان المراد بكونها فى بطنها ولدها صلاحها لذلك والله اعلم (مسئلة:) والدية المخففة من الإبل أخماس فعند ابى حنيفة واحمد عشرون جذعة وعشرون حقة وعشرون بنت لبون وعشرون بنت مخاض وعشرون ابن مخاض وعند مالك والشافعي كذلك لكن ابن لبون مكان ابن مخاض، والحجة لابى حنيفة واحمد ما روى احمد واصحاب السّنن والبزار والدارقطني والبيهقي من حديث حجاج بن ارطاة

_ (1) فى الأصل أربعون

عن زيد بن جبير عن حشف بن مالك عن ابن مسعود قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى دية الخطأ عشرون بنت مخاض وعشرون ابن مخاض ذكور وعشرون بنت لبون وعشرون حقة وعشرون جذعة واحتج مالك والشافعي بما رواه الدارقطني عن ابى عبيدة ان أباه يعنى ابن مسعود قال دية الخطأ أخماس عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنات مخاض وعشرون بنات لبون وعشرون أبناء لبون ذكور قال الدارقطني هذا اسناد حسن ورواته ثقات وامّا حديث حشف بن مالك فضعيف غير ثابت عند اهل المعرفة بوجوه أحدها انه مخالف لما رواه ابو عبيدة عن أبيه بالسند الصحيح وابو عبيدة اعلم بحديث أبيه ومذهبه من حشف بن مالك وابن مسعود اتقى لربّه وأشحّ على دينه من ان يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قضى يقضاء ويفتى بخلافه قال وحشف رجل مجهول لم ير وعنه الّا زيد بن جبير ثم لا يعلم أحد رواه عن زيد غير الحجاج بن ارطاة وهو رجل مدلس ثم قد رواه عن الحجاج أقوام فاختلفوا عنه، وقال ابن الجوزي يعارض قول الدارقطني هذا ان أبا عبيدة لم يسمع من أبيه فكيف جاز له ان يسكت عن ذكر هذا وكيف يقال عن الثقة مجهول واشتراط المحدثين ان يروى عنه اثنان لا وجه له وقال الحافظ ابن حجر تعقب البيهقي الدارقطني وقال وهم الدارقطني فيه والجواد قد يغتر قال وقد رايته فى جامع سفيان الثوري عن منصور عن ابراهيم عن عبد الله، وعن ابى اسحق عن علقمة عن عبد الله، وعن عبد الرحمن بن يزيد بن هارون عن سليمان التيمي عن ابى مجلد عن ابى عبيدة عن عبد الله وعند الجميع بنى مخاض والله اعلم، (مسئلة) والدية من الذهب الف دينار ومن الورق اثنا عشر الف درهم عند احمد وقال ابو حنيفة عشرة آلاف درهم وقال الشافعي الأصل الإبل فان عدمت فعلى قولين أحدهما يعدل الى الف دينار او اثنى عشر الف درهم والثاني الى قيمتها حين القبض زائدة وناقصة والدية من الذهب الف دينار يثبت من حديث ابى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وسنذكره وفى المدية من الورق حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم انه جعل الدية اثنى عشر الفا رواه اصحاب السّنن من حديث عكرمة واختلف فيه على عمرو بن دينار فقال محمد بن مسلمة الطائفي عنه عن عكرمة عن ابن عبّاس عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال سفيان بن عيينة ... ...

عن عمرو بن دينار عن عكرمة مرسلا كذا رواه عبد الرزاق فى مصنفه قال ابن ابى حاتم عن أبيه المرسل أصح قال ابن حزم هكذا رواه مشاهير اصحاب ابن عينية ووجه قول ابى حنيفة ان الدراهم كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وزن ستة وهى الان من زمن عمر وزن سبعة فاثنا عشر الفا على وزن ستة تقارب عشرة آلاف وزن سبعة ووجه قول الشافعي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوّم على اهل القرى فاذا غلت رفع فى قيمتها وإذا اهانت نقص من قيمتها رواه الشافعي عن مسلم عن ابن جريج عنه ورواه ابو داود والنسائي من حديث محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه- (مسئلة) لا يثبت الدية الا من هذه الأنواع الثلاثة عند الجمهور وقال ابو يوسف ومحمد واحمد منها ومن البقر مائتا بقرة ومن الغنم ألفا شاة ومن الحلل مائتا حلة كل حلة ثوبان لحديث عطاء عن جابر بن عبد الله قال فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الدية على اهل الإبل مائة من الإبل وعلى اهل البقرة مائتى بقرة وعلى اهل الشاة الفى شاة وعلى اهل الحلل مائتى حلية رواه ابو داود وابن الجوزي من طريقه وسكت عن الطعن فيه ورواه ابو داود فى المراسيل عن عطاء قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا- (مسئلة:) دية ما دون النفس عامتها مذكور فى حديث ابى بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم عن أبيه عن جدّه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب الى اهل اليمن وكان فى كتابه ان من اعتبط «1» مؤمنا قتلا فانه قوديده الا ان يرضى اولياء المقتول وفيه ان الرجل يقتل بالمرأة وفيه فى النفس الدية مائة من الإبل وعلى اهل الذهب الف دينار وفى الالف إذا اوعب جذعة الدية مائة من الإبل وفى الأسنان الدية وفى الشفتين الدية وفى البيضتين الدية وفى الذكر الدية وفى الصلب الدية وفى العينين الدية وفى اليدين مائة من الإبل وفى اليد خمسون وفى الرجلين الدية وفى الرجل الواحد نصف الدية وفى المامومة ثلث الدية وفى الجائفة ثلث الدية وفى المنقلة خمس عشرة من الإبل وفى كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل وفى السنّ خمس من الإبل رواه النسائي والدارمي وفى رواية مالك فى العين خمسون وفى الموضحة خمس اختلف اهل الحديث فى صحة هذا الحديث قال ابو دلود فى المراسيل قد أسند هذا الحديث ولا يصح وصححه الحاكم وابن حبان والبيهقي ونقل عن احمد انه قال أرجو أن

_ (1) اعتبط اى قتله بلا جناية منه ولا جريمة توجب قتله وكل من مات بغير علة فقد اعتبط ومات فلان عبطة اى شابا ضحيحا وعبطت الناقة ذبحت من غير مرض، نهاية منه رحمه الله

يكون صحيحا وقد صحح الحديث بالكتاب المذكور جماعة من الائمة لا من حيث الاسناد بل من حيث الشهرة فقال الشافعي فى رسالته لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم انه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن عبد البر هذا كتاب مشهور عند اهل السير معروف ما فيه عند اهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الاسناد لانه أشبه التواتر فى مجيئه لتلقى الناس له بالقبول والمعرفة وقال الحاكم قد شهد عمر بن عبد العزيز وامام عصره الزهري بالصّحة لهذا الكتاب ثم ساق ذلك بسنده إليهما واخرج عبد الرزاق بسنده عن سعيد بن المسيّب قضى ابو بكر فى الجائفة إذا أنفذت فى الجوف بثلثي الدية، كذا روى ابن ابى شيبة وروى الدارقطني موقوفا عن زيد بن ثابت فى الهاشمة عشر من الإبل وكذا اخرج عنه عبد الرزاق والبيهقي وروى مرفوعا ولا يصح وروى ابن ابى شيبة والبيهقي عن ابن ابى إسحاق عن مكحول ان النبي صلى الله عليه وسلم جعل فى الموضحة خمسا من الإبل ولم يوقت فيما دون ذلك شيئا وروى عبد الرزاق عن شيخ له عن الحسن ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقض فيما دون الموضحة بشىء ورواه البيهقي عن ابن شهاب وربيعة وابى الزناد وإسحاق بن ابى طلحة مرسلا وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابع اليد والرجل سواء وقال الأسنان سواء الثنية والضرس سواء وهذه وهذه سواء رواه ابو داود والبزار بتمامه وابن ماجة مختصرا وابن حبان وفى صحيح البخاري بلفظ هذه وهذه سواء يعنى الخنصر والإبهام ولابى داود والنسائي وابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه بلفظ الأصابع والأسنان سواء فى كل إصبع عشر من الإبل وفى كل سنّ خمس من الإبل وروى ابن ابى شيبة عن ابى خالد عن عوف سمعت شيخا فى زمن الحجاج وهو ابو المهلّب عمّ ابى قال رمى رجل رجلا بحجر فى رأسه فى زمن عمر فذهب سمعه وعقله ولسانه وذكره فلم يقرب النساء فقضى فيه عمر بأربع ديات وهو حىّ (مسئلة) دية المرأة على النصف من دية الرجل نفسا وجرحا وقال الشافعي ما دون الثلث لا ينصف ثم رجع الشافعي عن هذا القول الى قول الجمهور وروى الشافعي عن محمد بن الحسن عن ابى حنيفة عن حماد عن ابراهيم عن عليّ قال عقل المرأة على النصف من عقل الرجل فى النفس وما دونها وروى سعيد بن منصور عن زكريا وغيره عن الشعبي ان عليا كان يقول جراحات النساء على النصف من دية الرجل فيما قل وكثر وروى البغوي عن على بن الجعد عن ... ...

شعبة عن الحكم عن الشعبي عن زيد بن ثابت قال جراحات الرجال والنساء سواء الى الثلث فما زاد فعلى النصف وقال ابن مسعود الا السن والموضحة فانهما سواء وقال علىّ على النصف وروى سعيد بن منصور عن هشيم عن مغيرة عن ابراهيم عن عمر انّ الخنصر والإبهام سواء وان جراح الرجال والنساء سواء فى الأسنان والموضحة وما خلى ذلك فعلى النصف كذا روى البيهقي عن سفيان عن جابر عن الشعبي عن شريح قال كتب الىّ عمر فذكر نحوه وروى النسائي من رواية إسماعيل بن عباس عن ابن جريح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عقل المرأة كعقل الرجل الى ثلث الدية فاختار مالك قول زيد بن ثابت وعمرو ابن مسعود ومن معهم وقال الشافعي كان مالك يذكر انه السنة وكنت أتابعه عليه وفى نفسى منه شىء ثم ظهر انه، يريد انه سنة اهل المدينة فرجعت عنه وكان قول على أعجبها الى الشعبي واختاره الجمهور لان حال المرأة انقص من حال الرجل ومنفعتها اقل وقد ظهر اثر النقصان فى التنصيف فى النفس اجماعا فكذا فى أطرافها واجزائها اعتبارا بها وبالثلث وما فوقه (مسئلة) دية العبد قيمته ودية الامة قيمتها بالغا ما بلغ عند الشافعي وابى يوسف وكذا عند ابى حنيفة ومحمد غير انهما قالا إذا كان قيمة العبد عشرة آلاف او اكثر والامة خمسة آلاف او اكثر ينقص من كل واحد منهما عشرة دراهم وجراح العبد من قيمته كجراح الحر من ديته، روى البيهقي عن عمر وعلىّ انهما قالا فى الحر يقتل العبد عليه ثمنه بالغا ما بلغ وروى عبد الرزاق ان عمر جعل فى العبد ثمنه كعقل الحرّ فى ديته وفيه انقطاع وروى ابن ابى شيبة عن على واخرج الشافعي بسند صحيح الى الزهري جراح العبد من قيمته كجراح الحرّ من ديته وجه قول ابى حنيفة انه تعالى قال وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ يعم الحرّ والعبد ولذا تجب الكفارة بقتل العبد فما وجب بقتل العبد خطأ انما هودية وضمان نفسه من حيث الآدمية فلا يجوز ان يكون زائدا او مساويا لدية الحرّ بل يجب ان يكون ناقصا عنه الا ترى ان دية الحرة مع كمال آدميتها ينقص من دية الحرّ فدية العبد وهو آدمي من وجه ومال من وجه اولى ان ينقص ولو غصب عبدا قيمته عشرون الفا وهلك فى يده يجب قيمته بالغا ما بلغت بالإجماع لان ضمان الغصب بمقابلة المالية لا غير- (مسئلة:) إذا جنى العبد جناية خطأ قيل لمولاه امّا ان تدفعه ... ...

بها او تفديه وقال الشافعي جنايته فى رقبته يباع فيها الا ان يقضى المولى الأرش وفائدة الاختلاف فى اتباع الجاني بعد العتق او المولى قال الشافعي انما يطالب العبد بعد العتق دون المولى وقال ابو حنيفة ان اعتقه بعد العلم بالجناية كان المولى مختارا للفداء وان أعتق قبل العلم بالجناية يجب على المولى الأقل من الأرش والقيمة والله اعلم- مُسَلَّمَةٌ مؤداة إِلى أَهْلِهِ اى اهل المقتول يعنى ورثة يصرفونها مصارف تركته فى تجهيزه وما بقي فى أداء ديونه ثم ما بقي فى إنفاذ وصاياه من الثلث وما زادان شاءوا وما بقي يقسم بين الورثة كسائر المواريث إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا يعنى ان يعفوا الى الورثة او المقتول بعد الجرح قبل ان يموت سمى الله سبحانه العفو صدقة للحثّ عليه والتنبيه على فضله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل معروف صدقة رواه البخاري من حديث جابر ومسلم من حديث حذيفة وايضا فيه حث على ادائه لمن يستنكف عن قبول الصّدقة فانها من أوساخ الأموال استثناء مفرغ متعلق بمحذوف اى واجبة على عاقلته او بمسلّمة وهو فى محل النصب على انه حال من العاقلة او الأهل او على انه ظرف زمان يعنى واجبة على العاقلة كائنين على اىّ حال كانوا الا حال تصدّق ورثة القاتل عليهم او مسلمة الى اهله كائنين على اى حال الا حال تصدّقهم على العاقلة او مسلمة فى كل زمان الأزمان تصدقهم على العاقلة فَإِنْ كانَ القتيل مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ يعنى الكفار والعدو يطلق على الواحد والجمع وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ اى فجزاؤه تحرير رقبة مؤمنة فقط دون الدية قالوا معناه إذا كان الرجل المسلم فى دار الحرب لم يهاجر إلينا بعد إسلامه او هاجر ثم رجع الى دار الحرب مسلما فقتله مسلم خطأ تجب الكفارة بقتله للعصمة المؤثمة بالإسلام ولا يجب الدية لان العصمة المقومة بالدار ولم يوجد ولان العاقلة انما تعقل لتركهم النصرة ولا نصرة لهم فى دار الحرب اخرج ابن المنذر عن جرير بن عبد الله البجلي انّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من اقام مع المشركين فقد برئت منه الذمّة وقيل المراد منه إذا كان المقتول مسلما فى دار الإسلام وهو من نسب قوم كفار وقرابته فى دار الحرب حرب للمسلمين كما كان الحارث ابن زيد فالواجب فيه تحرير رقبة مؤمنة فقط وليس فيه دية لانه ليس بين قومه وبين المسلمين ... ...

عهد فلا سبيل لهم للوجوب على المسلمين ولانه لا وراثة بين المسلم والكفار والاوّل أصح لان المقتول إذا لم يكن له وارث فديته يوضع فى بيت المال وعموم الآية يرجّح الأخير وَإِنْ كانَ «1» القتيل مِنْ قَوْمٍ كفّار بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ من المعاهدين واهل الذمة فَدِيَةٌ يعنى فجزاؤه دية واجبة على عاقلة القاتل مُسَلَّمَةٌ مؤداة إِلى أَهْلِهِ اى ورثة المقتول وذا لا يتصوّر الا إذا كان المقتول كافرا ذمّيّا او معاهدا او مسلما كان له وارث مسلم والا فديته توضع فى بيت المال قال فى المدارك فيه دليل على ان دية الذمّى كدية المسلم قلت لا دليل فيه لان الدية لفظ مجمل ورد بيانه من النبي صلى الله عليه وسلم مختلفا كما ذكرنا من الاختلاف فى دية الرجل والمرأة والحرّ والعبد فكذا جاز الاختلاف بين دية المسلم والكافر (مسئلة) دية المسلم والكافر سواء عند ابى حنيفة رحمه الله وقال مالك دية الكافر من اىّ نوع كان ستة آلاف درهم يعنى نصف دية المسلم على قوله وقال الشافعي دية اليهودي والنصراني اربعة آلاف درهم ودية المجوسي وكذا الوثني ثمانى مائة درهم وقال احمد ان كان القتل عمدا فديته على المسلم مثل دية المسلم فى ماله وان كان خطأ فعنه روايتان كقولى مالك والشافعي فى الكتابي واما دية المجوسي والوثني فثمانى مائة درهم، احتج مالك بحديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جدّه قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح الحديث بطوله وفيه لا يقتل مؤمن بكافر ودية الكافر نصف دية المسلم وفى رواية دية المعاهد نصف دية الحرّ رواه ابو داود وكذا روى الترمذي وقال السيوطي حسن، وروى احمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم بطريقين لفظ أحدهما دية الكافر نصف دية المسلم ولفظ الآخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى ان عقل اهل الكتابين نصف عقل المسلم ووجه قول الشافعي فى اهل الكتابين حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمان مائة دينار او ثمانية آلاف درهم ودية

_ (1) اخرج ابن ابى شيبة وابن ابى حاتم والحاكم وصححه والطبراني والبيهقي فى سننه عن ابن عباس فى قوله فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ قال كان الرجل يأتى النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم يرجع الى قومه فيكون فيهم وهم مشركون فيصيبه المسلمون خطأ فى سرية إذا أغارت فيعتق الذي يصيبه رقبة وفى قوله وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ قال كان الرجل يكون معاهدا وقومه اهل عهد فيسلم إليهم ديته ويعتق الذي أصابه رقبة منه رحمه الله

اهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين قال فكان كذلك حتى استخلف عمر فقام خطيبا فقال ان الإبل قد غلت قال ففرضها عمر على اهل الذهب الف دينار وعلى اهل الورق اثنى عشر الف درهم وعلى اهل البقرة مائتى بقرة وعلى اهل الشاء الفى شاة وعلى اهل الحلل مائتى حلة، قال وترك دية اهل الذمّة لم يرفعها فيما رفع من الدية رواه ابو داود وروى الشافعي عن فضيل بن عياص عن منصور بن المعتمر عن ثابت الحداد عن ابن المسيّب ان عمر مضى فى دية اليهودي والنصراني باربعة آلاف درهم وفى دية المجوسي ثمان مائة درهم وكذا روى الدارقطني بسنده عن سعيد بن المسيّب وروى البيهقي من طريق الشافعي عن سفيان عن صدقة ابن بشار قال أرسلنا يعنى صدقة الى سعيد بن المسيب يسئله عن دية المعاهد قال قضى فيه عثمان باربعة آلاف درهم وروى البيهقي والدارقطني عن عمر فى المجوسية اربعمائة درهم وروى ابن حزم فى الإيصال من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن حبيب عن ابى الخير عن عقبة بن عامر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال دية المجوسي ثمانى مائة درهم وكذا اخرج الطحاوي وابن عدى والبيهقي واسناده ضعيف من أجل ابن لهيعة قال عقبة بن عامر قتل رجل فى خلافة عثمان كليا يصيد لا يعرف مثله فى الكلاب فقوّم ثمانى مائة درهم فالزمه عثمان بتلك القيمة فصار دية المجوسي قيمة الكلب وروى البيهقي من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن ابى حبيب عن ابن شهاب ان عليّا وابن مسعود كانا يقولان فى دية المجوسي ثمانى مائة درهم والحجة لابى حنيفة حديث ابن عمران النبي صلى الله عليه وسلم قال دية الذمّى دية المسلم رواه الطبراني فى الأوسط وذكر فى الهداية بلفظ دية كل ذى عهد فى عهده الف دينار قال صاحب الهداية وكذا قضى ابو بكر وعمر قلت اما حديث ابن عمر فرواه الدارقطني ايضا وقال لم يروه عن نافع عن ابن عمر غير ابى بكر القرشي عبد الله بن عبد الملك النهدي وهو متروك وقال هذا الحديث باطل لا اصل له وكذلك قال ابن حبان هذا باطل لا اصل له من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يحل الاحتجاج بابى بكر وروى الدارقطني ايضا حديث اسامة بن زيد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل دية المعاهد كدية المسلم وقال فيه عثمان بن عبد الرحمن الوقاصى متروك وروى الدارقطني ايضا حديث ابن عباس قال جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية العامريين دية المسلم قال ابو بكر بن عياش روايه كان لهما عهد قال الدارقطني ... ...

فيه ابو سعيد سعيد بن المرزبان البقّال قال يحيى ليس بشىء ولا يكتب حديثه وقال القلاس متروك وامّا اثر عمر فروى عبد الرزاق فى مصنفه عن رباح عن عبيد الله عن حميد عن انس انّ يهوديا قتل عيلة فقضى عمر باثنى عشر الف درهم ورباح ضعيف وروى الطحاوي والحاكم من حديث جعفر بن عبد الله بن الحكم ان رفاعة بن اشمول اليهودي قتل بالشام فجعل عمر ديته الف دينار واحمد رحمه الله حمل ما احتج به ابو حنيفة على القتل عمدا وما احتج به غيره على القتل خطأ والله اعلم وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فى مال القاتل ان كان القاتل واجدا للرقبة مالكا لها او قادرا على تحصيلها بوجود ثمنها فاضلا عن الديون وعن حوائجه الاصلية فَمَنْ لَمْ يَجِدْ رقبة فَصِيامُ يعنى فالواجب على القاتل فى جميع الصّور المذكورة صيام شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ فمن أفطر يوما فى خلال الشهرين بلا عذر او نسى النية او نوى صوما اخر وجب عليه الاستيناف اجماعا لاشتراط التتابع وان أفطرت المرأة بحيض فلا استيناف عليها اجماعا ومن أفطر بعذر مرض او سفر يجب عليه الاستيناف عند الجمهور خلافا لاحد قولى الشافعي وهو القديم منه كذا روى ابن ابى حاتم عن مجاهد فان عجز عن الصّوم لا يجزيه الإطعام عند ابى حنيفة ومالك وأصح قولى الشافعي وقال الشافعي فى أحد قوليه واحمد يجزيه قياسا على الظهار كذا روى ابن ابى حاتم عن مجاهد قلنا هو قياس من غير جامع وفى مورد النصّ والمذكور فى الاية كل الواجب تَوْبَةً منصوب على العلية اى شرع ذلك له لكى يتوب الله عليه او على المصدرية اى تاب الله عليكم توبة او فليتب توبة او على انه بحذف المضاف حال من الصّيام ان جعل فاعلا للظرف ومن ضميره فى الظرف ان جعل مبتدا والمعنى فعليه صيام شهرين والتوبة بمعنى ان الصيام سبب لقبول التوبة ولك ان تجعل النصب على المدح فيكون مدحا للصيام بجعله توبة مِنَ اللَّهِ صفة للتوبة وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بحال من قتل حَكِيماً (92) فيما قدّر والله اعلم قال البغوي ان مقيس بن ضبابة الكندي اسلم هو واخوه هشام فوجد أخاه هشاما قتيلا فى بنى النجار فاتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فارسل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه رجلا من بنى فهر الى بنى النجار ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم ان علمتم قاتل هشام ابن ضبابة ان تدفعوا الى مقيس فيقتصّ منه وان لم تعلموا ان تدفعوا اليه ديته فابلغهم ... ...

[سورة النساء (4) : آية 93]

الفهري ذلك فقالوا سمعا وطاعة لله ولرسوله ما نعلم له قاتلا لكنا نؤدى ديته فاعطوه مائة من الإبل ثم انصرفا راجعين نحو المدينة فاتى الشيطان مقيسا فوسوس اليه فقال تقبل دية أخيك فتكون عليك مسبة اقتل الذي معك فتكون نفس مكان نفس وفضل الدية فتغفل الفهري فرماه بصخر فشدخه ثم ركب بعيرا وساق بقيتها راجعا الى مكة كافرا فنزل. وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً من حيث انه مؤمن يعنى سخطا لايمانه او مستحلا لقتله كما قتل مقيس فهريا مُتَعَمِّداً وما ذكر البغوي من قصّة مقيس يمكن الاستدلال به على ابى حنيفة فى ان القتل بالمثقل ايضا من قبيل العمد وقد قال ابو حنيفة هو شبه العمد ويمكن الجواب عنه على رواية الجرجاني ان شبه العمد من حيث الإثم حكمه حكم العمد ولذا قلنا لا كفارة له وانما خالف العمد فى سقوط القصاص لتمكن الشبهة من جهة الآلة ومقتضى هذه الاية الإثم دون القصاص، (فائدة:) قال البغوي مقيس ابن ضبابة هو الذي استثناه النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة عمن امّنه فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة واخرج ابن جرير من طريق ابن جريح عن عكرمة ان رجلا من الأنصار قتل أخا مقيس ابن ضبابة فاعطاه النبي صلى الله عليه وسلم الدية فقبلها ثم وثب على قاتل أخيه فقتله فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا أومنه فى حل ولا حرم فقتل يوم الفتح فقال ابن جريح فيه نزلت هذه الاية وهذه الرواية مرسلة ظاهرا لكن روى ابو داود عن عكرمة انه قال كل شىء أقول لكم فى التفسير فهو عن ابن عباس فعلى هذا يكون متصلا وهذه الرواية تدل على ان قاتل هشام كان معروفا ولعل ذلك القتل كان خطأ حيث حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية ورواية البغوي تدلّ على ان القاتل لم يعلم والحكم فى مثل ذلك القسامة والدية ومسائل القسامة وشرائطها والاختلاف فيها يقتضى بسطا لا حاجة الى ذكره هاهنا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها لاجل كفره لازما لسخطه من الايمان او لاستباحته القتل او المراد بالخلود المكث الطويل اخرج الطبراني بسند ضعيف عن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ان جازاه وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ طرده من الرحمة وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً (93) روى الشيخان عن ابن عباس انه لا يقبل نوبة قاتل المؤمن عمدا وقال البغوي حكى عن ابن عباس ان قاتل المؤمن عمدا لا توبة له فقيل له اليس قد قال الله تعالى ولا يقتلون «1» النّفس الّتى حرّم الله الّا بالحقّ الى ان قال وَمَنْ يَفْعَلْ

_ (1) فى الأصل ولا تقتلوا بصيغه النهى لكنه سهو- ابو محمد عفا الله عنه

ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً إِلَّا مَنْ تابَ فقال كانت هذه فى الجاهلية وذلك ان ناسا من اهل الشرك كانوا قد قتلوا وزنوا فاتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ان الذي تدعونا «1» اليه لحسن لو تخبرنا ان لما عملنا كفارة فنزل وَالَّذِينَ لا «2» يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ الى قوله إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ فهذه أولئك وامّا التي فى النساء فالرجل إذا عرف الإسلام بشرائعه ثم قتل فجزاؤه جهنم وروى عن ابن عبّاس خلافه ذكر فى التفسير انه قال ابن عبّاس فجزاؤه جهنم خالدا فيها لو جازاه الله لكنه يتفضل عليه ولا يخلده لايمانه واخرج سعيد ابن منصور والبيهقي فى السنن عن ابن عباس ان رجلا أتاه فقال ملأت حوضى انتظرت بهيمتى ترد عليه فقال لم استيقظ الا برجل قد اسرع ناقته وثلم الحرض وسال الماء فقمت فزعا فضربته بالسّيف فامره بالتوبة قال سعيد بن منصور حدثنا سفيان بن عيينة قال كان اهل العلم إذا سئلوا قالوا لا توبة له فاذا ابتلى رجل قالوا له تب قلت وجه الجمع بين القولين لابن عباس وغيره من اهل العلم ان قتل العمد جناية على حق العبد وجناية على حق الله تعالى فقولهم لا توبة له معناه لا توبة له فى حق العبد وفيه القصاص لا محالة امّا فى الدنيا او فى الاخرة كما ينطق به النصوص وهو المعنى من قوله صلى الله عليه وسلم كل ذنب عسى الله ان يغفره الا من مات مشركا او من يقتل مؤمنا متعمدا رواه ابو داود من حديث ابى الدرداء ورواه النسائي وصححه الحاكم عن معاوية وامّا قول العلماء بقبول التوبة فمعناه تفيد التوبة لاستدراك حق الله تعالى وقال زيد بن ثابت لما نزلت التي فى الفرقان وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ عجبنا من لينها فلبثنا سبعة أشهر ثم نزلت الغليظة بعد اللينة فنسخت اللينة وأراد بالتغليظ هذه الاية والقول بان هذه الاية ناسخة لما فى الفرقان زعم من زيد بن ثابت رضى الله عنه إذ لا تدل هذه الاية على انه لا توبة له بل المذكور فى هذه الآية جزاء القتل عمدا وذا لا يتصوّر الّا إذا لم يتب ومات فان تاب فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له اعنى فى حق الله تعالى وامّا فى حق العبد فلا بد فيه ردّ المظالم واسترضاؤه، (فائدة) احتجت المعتزلة بهذه الاية على خلود مرتكب الكبيرة فى النار والخوارج على انّ مرتكب الكبيرة كافر وامّا اهل السنة والجماعة فياوّلون هذه الاية كما ذكرنا للاجماع على ان المؤمن لا يخلد فى النار وان مات بلا توبة وان الكبيرة لا يخرج المؤمن من إيمانه مستندا ذلك الإجماع

_ (1) فى الأصل تدعون- (2) فى الأصل والذين يدعون 853

على ما تواتر من الكتاب والسنة من قوله تعالى فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وقد ذكرنا الكلام فى تفسيره فى موضعه وقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى حيث ذكر عنوان القاتل بقوله الَّذِينَ آمَنُوا وقوله صلى الله عليه وسلم من قال لا اله الا الله دخل الجنة وان زنى وان سرق متفق عليه عن ابى ذرّ- وقوله صلى الله عليه وسلم من مات لا يشرك بالله دخل الجنة رواه مسلم عن جابر وقوله صلى الله عليه وسلم بايعونى على ان لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين ايديكم وأرجلكم ولا تعصوا فى معروف فمن وفى منكم فاجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب فى الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو الى الله ان شاء عفا عنه وان شاء عاقبه فبايعناه على ذلك متفق عليه من حديث عبادة بن الصّامت، (فصل) فيما ورد فى القاتل عمدا، عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اوّل ما يقضى بين الناس يوم القيامة فى الدّماء متفق عليه وعنه قال رجل يا رسول الله اىّ الذنب اكبر قال ان تدعو لله ندّا وهو خلقك قال ثم اىّ قال ان تقتل ولدك خشية ان يطعم معك الحديث متفق عليه وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتنبوا السبع الموبقات وعدّ منها قتل النفس التي حرم الله الّا بالحق متفق عليه وفى حديث عن بن عبّاس مرفوعا لا يقتل حين يقتل وهو مؤمن رواه البخاري وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم رواه الترمذي والنسائي ورواه ابن ماجة عن البراء بن عازب وروى النسائي من حديث بريدة قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدّنيا وعن ابى سعيد وابى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو ان اهل السّماء والأرض اشتركوا فى دم مؤمن لاكبّهم الله فى النار رواه الترمذي وعن عبد الله بن عمرو قال رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول ما اطيبك وما أطيب ريحك وما أعظمك وما أعظم حرمتك والذي نفسى بيده لحرمة المؤمن أعظم من حرمتك ماله ودمه رواه ابن ماجة وعن ابى الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يزال المؤمن معتقا صالحا ما لم يصب دما حراما فاذا أصاب دما حراما بلّح رواه ابو داود وعن ابى هريرة ... ...

[سورة النساء (4) : آية 94]

من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة لقى الله وهو مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله، رواه ابن ماجة وروى الطبراني من حديث ابن عباس نحوه وابن الجوزي عن ابى سعيد الخدري نحوه وابو نعيم فى الحلية عن عمر بن الخطاب موقوفا نحوه والله اعلم، روى البخاري والترمذي والحاكم وغيرهم عن عكرمة عن ابن عباس قال مرّ رجل من بنى سليم بنفرس اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسوق غنما له فسلم عليهم فقالوا ما سلم علينا الا ليتعوّذ منا فعمدوا اليه فقتلوه وأتوا بغنمه الى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ يعنى سافرتم وذهبتم فِي سَبِيلِ اللَّهِ للجهاد فَتَبَيَّنُوا قرا حمزة والكسائي فى الموضعين هاهنا وفى الحجرات بالتاء المثناة الفوقانية والثاء المثلثة من التثبت اى قفوا حتى تعرفوا المؤمن من الكافر وقرا الباقون بالتاء المثناة الفوقانية والباء الموحدة والياء المثناة التحتانية والنون من التبيّن يقال تبينت الأمر إذا تامّلته، وطلبت بيانه يعنى لا تعجلوا قبل وضوح الأمر ذكر البغوي من طريق الكلبي عن ابن عبّاس ان اسم المقتول مرداس بن نهيك من اهل فدك وكان مسلما ولم يسلم من قومه غيره فسمعوا بسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم تريدهم وكان على السرية رجل يقال له غالب بن فضالة الليثي فهربوا واقام الرجل لانه كان على دين المسلمين فلما راى الخيل خاف ان يكونوا غير اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فالجأ غنمه الى عاقول من جبل وصعد هو الى الجبل فلما تلاحقت الخيل سمعهم يكبرون فلما سمع التكبير عرف انهم من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكبر ونزل وهو يقول لا اله الا الله محمد رسول الله السّلام عليكم فتغشاه اسامة بن زيد فقتله واستاق غنمه ثم رجعوا الى النبي صلى الله عليه وسلم فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجدا شديدا وقد كان قد سبقهم قبل ذلك الخبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قتلتموه ارادة ما معه ثم قرا هذه الاية على اسامة بن زيد فقال يا رسول الله استغفر لى فقال فكيف بلا اله الا الله قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مراة قال اسامة رضى الله عنه فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيدها حتى وددت انى لم أكن أسلمت الا يومئذ ثم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر لى بعد ثلاث مرات وقال أعتق رقبة كذا روى الثعلبي من طريق الكلبي وروى ابو ظبيان عن اسامة ... ...

رضى الله عنه قال قلت يا رسول الله انما قال خوفا من السّلاح قال افلا شققت عن قبله حتى تعلم أقالها أم لا واخرج البزار من وجه اخر عن ابن عبّاس قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد فلمّا أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا وبقي رجل له مال كثير فقال اشهد ان لا اله الّا الله فقتله المقداد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كيف لك بلا اله الا الله غدا وانزل الله تعالى هذه الاية واخرج احمد والطبراني وغيرهما عن عبد الله بن ابى حد رد الأسلمي وروى ابن جرير نحوه من حديث ابى عمرة قال عبد الله بن ابى حدرد بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى نفر من المسلمين فيهم ابو قتادة ومحلم بن حثامة بن قيس الليثي فمرّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعي فسلم علينا فحمل عليه محلم فقتله «1» فلمّا قدمنا النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر نزل فينا القران يعنى هذه الاية واخرج ابن مندة عن جزء بن الحدرجان قال وفد أخي فداد الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم انا مؤمن فلم يقبلوا منه فقتلوه فبلغنى ذلك فخرجت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الاية فاعطانى النبي صلى الله عليه وسلم دية أخي واخرج ابن جرير من طريق السدى وعبد من طريق قتادة وابن ابى حاتم من طريق ابن لهيعة عن ابى الزبير انّ قوله تعالى وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ كذا قرا نافع وابن عامر وحمزة ومعناه الاستسلام والانقياد وقرا الباقون السّلام يعنى السلام عليكم وقيل المراد بكلا القرائتين هو القول بالسلام عليكم نزلت فى مرداس وهذا شاهد حسن لما رواه الثعلبي وغيره عن ابن عباس لَسْتَ مُؤْمِناً وانما فعلت ذلك متعوّذا تَبْتَغُونَ حال من الضمير فى تقولوا مشعر بما هو سبب لترك التثبت وطلب البيان عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا اى منافعها من المال والغنيمة سمّى به لفنائه والعرض اسم لما لا دوام له فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ فى الدنيا والاخرة يغنيكم فى الدنيا عن مثل هذه الافعال لاجل المال واعدّ فى الاخرة اجورا كثيرة لمن أمن واتقى كَذلِكَ كُنْتُمْ الكاف فى كذلك خبر كان

_ (1) واخرج ابن جرير عن ابن عمر قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محلم بن حثامة مبعثا فلقيهم عامر بن الأضبط فحياهم بتحية الإسلام وكانت بينهم إحنة فى الجاهلية فرماه محلم بسهم فقتله فجاء الخبر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر له فقال لا غفر الله لك فقام وهو يتلقى دموعه سردته فما مضت به ساعة حتى مات فدفنوه فلفظته الأرض فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال النبي صلى الله عليه وسلم ان الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم ولكن الله أراد ان يعظهم ثم طرحوه فى جبل والقوا عليه الحجارة فنزلت هذه الاية منه رحمه الله-

قدم عليها مِنْ قَبْلُ اى قبل هذا حين دخلتم فى الإسلام وقلتم كلمة التوحيد فعصمت بها دماؤكم وأموالكم من غير ان يعلم مواطاة قلوبكم بألسنتكم فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بالاشتهار بالايمان والاستقامة فى الدين او المعنى كذلك كنتم قبل الهجرة تأمنون فى قومكم من المؤمنين بلا اله الا الله فمن الله عليكم بالهجرة وقال قتادة كذلك كنتم ضلالا من قبل فمن الله عليكم بالإسلام ووفقتم بقول لا اله الا الله وقال سعيد بن جبير كذلك كنتم تكتمون ايمانكم من المشركين فمن الله عليكم بإظهار الإسلام فَتَبَيَّنُوا كرر الأمر بالتثبت والتبيين امّا لتأكيد امر التثبت وتعظيمه وتأكيد ترتب الحكم على حالهم حيث علل الحكم بالمذكور من حالهم ثم قرع عليه فتأكد الترتيب ويقال هذا متفرع على قوله فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ يعنى فتثبتوا فى أخذ الغنيمة وتبيّنوا حتى يظهر لكم ان هذه الغنيمة هل هى مسوقة إليكم من عند الله تعالى حلالا أم هو محرم من اعراض الحيوة الدنيا او يقال الأمر بالتبيين والتثبت اولا لنفى العجلة فى القتل حتى يظهر منه امارة الإسلام وثانيا لنفى العجلة فى القتل بعد ظهور امارات الإسلام حتى يظهر كفره ونفاقه إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (94) عالما بأعمالكم وأغراضكم فيجازيكم على أعمالكم على حسب أغراضكم ونياتكم، (فائدة:) فى هذه الاية دليل على صحة ايمان المكره لاجراء احكام الدنيا عليه وان المجتهد قد يخطى وان خطأه مغفوران كان بلا تقصير منه فى طلب الحق وان المجتهد يجب عليه التثبت والتبين وكمال الجهد ولا يلتفت الى ما لاح له فى اوّل نظره وانه إذا اتى بما وجب عليه من التثبت والتبين فهو ماجور وان اخطأ فى اجتهاده وانه لا يجوز الحكم بكفر من قال لا اله الا الله مع انه مشترك بين الكتابي والمسلم ولا يعجل فى قتله حتى يتبين امره والله اعلم إذا راى الغزاة فى بلد او قرية شعار الإسلام فالواجب ان يكفوا عنهم فان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزى قوما فان سمع اذانا كفّ عنهم وان لم يسمع أغار عليهم وروى البغوي من طريق الشافعي عن ابن عصام عن أبيه ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث سرية قال إذا رايتم مسجدا او سمعتم مؤذنا فلا تقتلن أحدا والله اعلم روى البخاري وابو داود والترمذي والنسائي عن زيد بن ثابت والبخاري عن البراء بن عازب والطبراني عن زيد بن أرقم وابن حبان من حديث ابن عاصم والترمذي عن ابن عباس نحوه ... ...

[سورة النساء (4) : الآيات 95 إلى 96]

ان رسول الله صلى الله عليه وسلم املى على زيد بن ثابت. لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ... وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال زيد فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملئها علىّ فقال يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان رجلا أعمى وفى حديث ابن عباس قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم انا عميان فانزل الله تعالى عليه وفخذه على فخذى يعنى على فخذ زيد بن ثابت فثقلت علىّ حتى خفت ان ترض فخذى ثم سر عنه فانزل الله تعالى مكانه لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ عن الجهاد مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فى موضع الحال من القاعدين او من الضمير الذي فيه غَيْرُ بالرفع صفة للقاعدين او بدل منه وغير هاهنا اكتسب التعريف لان غير اولى الضرر هو من لا ضرر له فلا يرد ان ابدال النكرة من المعرفة يقتضى نعتها والتوجيه بان القاعدين معرفة فى حكم النكرة لانه لم يقصد به قوم بأعيانهم ضعيف لان المعرفة وان كان فى حكم النكرة لكن لا يوصف بشىء مما يوصف به النكرة الا بجملة فعلية فعلها مضارع كما فى قوله ولقد امر على اللئيم يسبنى، وقرا نافع وابن عامر والكسائي بالنصب على الاستثناء ونصبه على الحال مشكل لكونه معرفة أُولِي الضَّرَرِ فى الصحاح الضر سوء الحال امّا فى نفسه لقلة العلم والفضل والعفّة وامّا فى بدنه لعدم جارحة او نقص فيها وامّا فى حالة الظاهر من قلة مال او جاه وفى القاموس الضرر سوء الحال كالضر ومنه الضرير فى ذاهب البصر قلت والمراد هاهنا غير اولى الزمانة او المرض او الضعف فى البدل او البصر او المال بقرينة قوله تعالى وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ يعنى لا مساوات بينهم وبين غير المجاهدين بانفسهم وأموالهم من غير عذر وامّا غير المجاهدين بعذر الزمانة او العمى او نحو ذلك من الأمراض وغيرها او عدم وجدان ما ينفقون فى سبيل الله من الأموال فهم قد يساوون المجاهدين فى سبيل الله إذا كان نيتهم المجاهدة لو قدروا عليها روى البخاري عن انس وابن سعد عنه وعن جابران رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة قال ان فى المدينة لا قواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد الا كانوا معكم قالوا يا رسول الله وهم بالمدينة قال نعم وهم بالمدينة حبسهم العذر وروى مقسم عن ابن عباس قال لا يستوى القاعدون من المؤمنين عن بدر والخارجون الى بدر فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ المؤمنين ... ...

غير اولى الضرر لان المعرفة إذا أعيدت معرفة فالثانية «1» عين الاولى دَرَجَةً منصوب بنزع الخافض اى بدرجة او على المصدرية لوقوعها موقع المرة من التفضيل كانه قيل فضلهم تفضيلة كقولهم ضربته سوطا او على الحال بمعنى ذوى درجة والجملة موضحة للجملة السّابقة من نفى الاستواء وانما لم يقتصر على هذه الجملة مع كونه مغنية عن نفى المساوات لان نفى المساوات يتضمن التفضيل اجمالا ودلالة وفى التفصيل بعد الإجمال والتصريح بعد الدلالة مزيد التأكيد والتمكن فان قيل عدم مساوات من عمل بطاعة اىّ طاعة كان ومن لم يعملها بديهي غير مخفى فاىّ فائدة فى بيانه قلنا فائدته التنبيه على ذلك والترغيب فى الجهاد والاولى ان يقال انه قد يتاتى فى حالة القعود عن الجهاد من الطاعات بفراغ القلب وأداء حقوق الله تعالى وحقوق الناس ما لا يتاتى فى حالة الجهاد فيوهم ذلك فضل القاعد على المجاهد ففائدة هذه الاية دفع ذلك التوهم عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل المجاهد فى سبيل الله كمثل الصّائم القائم القانت بايات الله لا يفتر من صيام ولا صلوة حتى يرجع المجاهد فى سبيل الله متفق عليه وَكُلًّا اى كل واحد من المجاهدين والقاعدين بلا عذر وَعَدَ اللَّهُ المثوبة الْحُسْنى يعنى الجنّة بايمانهم فيه دليل على ان الجهاد فرض على الكفاية ولو كان فرضا على الأعيان لاستحق القاعد العقاب دون الثواب، (فصل) اجمعوا على انه إذا كان الكفار قارين فى بلادهم فعلى الامام ان لا يخلو سنة من السنين عن غزوة يغزوها بنفسه او بسراياه حتى لا يكون الجهاد معطلا لان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون لم يهملوا الجهاد فاذا قام على الجهاد فئة من المسلمين بحيث حصل بهم دفع شرّ الكفار وإعلاء كلمة الله تعالى سقط عن الباقين وحينئذ لا يجوز للعبد ان يخرج الى الجهاد بغير اذن المولى ولا للمرءة بغير اذن الزوج ولا للمديون بغير اذن الدائن ولا للولد إذا منعه أحد أبويه لان بغيرهم مقنعا فلا ضرورة الى ابطال حقوق العباد وان لم يقم به أحد اثم جميع الناس الا اولى الضرر منهم واجمعوا على انه يجب على اهل كل قطر من الأرض ان يقاتلوا من يلونهم من الكفّار فان عجزوا ساعدهم الأقرب فالاقرب وكذا إذا تهاونوا مع القدرة يجب القيام به على الأقرب فالاقرب الى منتهى الأرض (مسئلة) واجمعوا على انه إذا التقى

_ (1) فى الأصل فالثانى عين الاول

الصفان وجب على المسلمين الحاضرين الثبات وحرم عليهم الفرار الا ان يكونوا متحرفين لقتال او متحيّزين الى فئة او يكون الكفار اكثر من ضعف عدد المسلمين فيباح لهم الفرار لكن الثبات حينئذ أفضل، (مسئلة:) يشترط للجهاد الزاد والراحلة مع سلامة الأسباب والآلات عند الائمة الثلاثة إذا تعين الجهاد على اهل بلد وكان بينهم وبين موضع الجهاد مسافة سفر وقال مالك لا يشترط ذلك لنا قوله تعالى غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ومن لا زاد له ولا راحلة فهو من اهل الضرر وقوله تعالى وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ الاية (مسئلة) واجمعوا على انه إذا هجم العدو دار قوم من المؤمنين يجب على كل مكلّف من الرجال حرا كان او عبدا غنيا كان او فقيرا ممّن لا عذر له من اهل تلك البلدة الخروج الى الجهاد وحينئذ يكون من فروض الأعيان فلا يظهر فيه حق العبد كالمولى والدائن والأبوين كما فى الصلاة والصوم وقال ابو حنيفة تخرج المرأة ايضا بغير اذن زوجها فان وقع بهم الكفاية سقط عمّن ورائهم وان لم يقع بهم الكفاية يجب على من يليهم اعانتهم وان قعد من يليهم يجب على من ورائهم الأقرب فالاقرب والله اعلم، وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ فى سبيل الله باموالهم وأنفسهم عَلَى الْقاعِدِينَ المؤمنين غير اولى الضرر أَجْراً عَظِيماً (95) منصوب على المصدرية لان فضّل بمعنى اجر او على انه المفعول الثاني له لتضمنه معنى الإعطاء كانه قيل وأعطاهم زيادة على القاعدين اجرا عظيما. دَرَجاتٍ فى القرب والجنة كائنة مِنْهُ تعالى وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً كل واحد من الثلاثة بدل من اجرا الدرجات لغير المذنب والمغفرة للمذنب والرحمة يعمّهما وجاز ان ينصب درجات على المصدر كقولهم ضربتهم أسواطا واجرا على الحال منها تقدمت عليها لكونها نكرة ومغفرة ورحمة على المصدرية بإضمار فعليهما كرّر تفضيل المجاهدين وبالغ فيها اجمالا وتفصيلا حيث أومى الى التفضيل اوّلا بنفي المساوات ثم صرح بالتفضيل مجملا بقوله درجة ثم فضل تفصيلا بقوله أَجْراً عَظِيماً دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ترغيبا فى الجهاد وتعظيما لامره، ولا تنافى فى توحيد الدرجة اوّلا وتكثيرها ثانيا لان المراد تفضيل كل مجاهد على كل قاعد اولا وفيما بعد تفضيل الجميع على الجميع ومقتضاه انقسام الآحاد على الآحاد أو لأن المراد اختلاف حال المجاهدين فمنهم من فضل بدرجة ومنهم من فضل بدرجات وقيل أراد بقوله فَضَّلَ اللَّهُ ... ...

الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ درجة فى الدنيا من الغنيمة والظفر والسلطنة وجميل الذكر وأفرد الدرجة تحقيرا لما فى الدنيا وأراد بقوله فضّل الله الثاني ما أعد الله لهم فى الاخرة وقيل المراد بالدرجة الاولى ارتفاع منزلتهم عند الله تعالى وبالدرجات منازلهم فى الجنة وقيل المجاهدون الأولون من جاهد الكفار لهم درجة والآخرون من جاهد نفسه أعد الله لهم اجرا عظيما درجات القرب منه تعالى ومغفرة ورحمة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المجاهد يعنى المجاهد الكامل من جاهد نفسه فى طاعة الله والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب رواه البيهقي فى شعب الايمان عن فضالة وقيل القاعدون فى الاية الاولى اولى الضرر منهم فضل الله المجاهدين عليهم درجة لان المجاهدين باشروا الجهاد مع النية واولى الضرر من القاعدين كانت لهم نية ولم يتيسّر لهم الجهاد وكلا من المجاهدين والقاعدين المعذورين وعد الله الحسنى على نياتهم كذا قال مقاتل والقاعدون الثاني غير معذورين فضل الله المجاهدين عليهم اجرا عظيما درجات منه ومغفرة ورحمة عن ابى سعيد الخدري ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا أبا سعيد من رضى بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وجبت له الجنة قال فعجب لها ابو سعيد فقال أعدها عليّ يا رسول الله ففعل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم واخرى يرفع الله بها للعبد مائة درجة فى الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض قال وما هى يا رسول الله قال الجهاد فى سبيل الله الجهاد فى سبيل الله رواه مسلم وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمن بالله ورسوله واقام الصّلوة وصام رمضان كان حقا على الله عز وجل ان يدخله الجنة جاهد فى سبيله او جلس فى ارضه التي ولد فيه قالوا يا رسول الله أفلا نبشر الناس بذلك قال ان فى الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين فى سبيله ما بين كلّ درجتين كما بين السّماء والأرض فاذا سالتم الله فاسئلوا الفردوس فانه اوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر انهار الجنة رواه البخاري وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لذنوبهم رَحِيماً (96) بهم يعطيهم درجات عظام والله اعلم ذكر البغوي ان ناسا من اهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا منهم قيس بن الفاكة بن المغيرة وقيس بن الوليد بن المغيرة وأشباههما فلما خرج المشركون الى بدر خرجوا معهم فقتلوا مع الكفار وروى البخاري عن ابن عبّاس انّ ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين ... ...

[سورة النساء (4) : آية 97]

على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأتى السهم يرمى به فيصيب أحدهم فيقتله او يضرب فيقتل قلت قوله يكثر سواد المشركين يدل على انهم لم يكونوا يقاتلون وأخرجه ابن مندة وسمى منهم فى روايته قيس بن الوليد بن المغيرة وابو القيس بن الفاكة بن المغيرة والوليد بن عتبة بن ربيعة وعمرو ابن امية سفيان وعلى بن امية بن خلف وذكر شأنهم انهم خرجوا الى بدر فلما راوا قلة المسلمين دخلهم شك وقالوا غرّ هؤلاء دينهم فقتلوا ببدر قلت وهذه الرواية يعنى قوله دخلهم شكّ يدل على ارتدادهم ونظم القران لا يدل على كفرهم وأخرجه ابن ابى حاتم وزاد فيهم الحارث ابن ربيعة بن الأسود والعاص بن عتبة بن حجاج واخرج الطبراني عن ابن عباس قال كان قوم بمكة قد اسلموا فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم كرهوا ان يهاجروا وخافوا واخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال كان قوم من اهل مكة قد اسلموا وكانوا يخفون الإسلام فاخرجهم المشركون معهم يوم بدر فاصيب بعضهم فقال المسلمون هؤلاء كانوا مسلمين فاكرهوا فاستغفروا لهم فنزلت. إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ يحتمل الماضي والمضارع بحذف أحد التاءين والتوفى قبض الروح الْمَلائِكَةُ قيل أراد به ملك الموت وحده لما ورد فى قوله تعالى قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ والعرب قد يخاطب الواحد بلفظ الجمع والصحيح انه أراد ملك الموت وأعوانه لما روى احمد والنسائي من حديث ابى هريرة بطوله وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا احتضر المؤمن أتت ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء فيقولون اخرجى راضية مرضية عنك الى روح الله وريحان وربّ غير غضبان الحديث وامّا الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسيح فيقولون اخرجى ساخطة مسخوطة عليك الى عذاب الله عز وجل الحديث وروى احمد عن البراء بن عازب حديثا طويلا وفيه ان العبد المؤمن إذا كان فى انقطاع من الدنيا واقبال من الاخرة نزل اليه ملائكة بيض الوجوه كأنّ وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة ثم جلسوا منه مد البصر ثم يجىء ملك الموت عليه السّلام حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجى الى مغفرة من الله ورضوان قال فيخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء فيأخذها فاذا أخذها لم يدعوها فى يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها فى ذلك الكفن وذلك الحنوط الحديث وانّ العبد الكافر ... ...

إذا كان فى انقطاع من الدنيا واقبال من الاخرة نزل اليه من السّماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون معه مدّ البصر ثم يجىء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة اخرجى الى سخط من الله قال فتفرق فى جسده فينزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فاذا أخذها لم يدعوها فى يده طرفة عين حتى يجعلوها فى تلك المسوخ الحديث وفى رواية ابن جرير وابن المنذر وابن عباس انه لما نزلت هذه الاية كتب المسلمون الى من بقي منهم بمكة وانه لا غنى لهم فخرجوا فلحقهم المشركون فردوهم فنزلت فيهم فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ فكتب إليهم المسلمون بذلك فقالوا نخرج فان اتبعنا أحد قاتلناه فخرجوا فلحقوهم فنجامنهم من نجا وقتل من قتل فنزلت ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا الاية ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ بترك فريضة الهجرة والمقام بدار الشرك وارتكاب معصية موافقة الكفار حال من الضمير المفعول قال البغوي قيل لم يكن يقبل الإسلام بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم الّا بالهجرة ثم نسخ ذلك بعد فتح مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا هجرة بعد فتح مكة رواه ابو داود واحمد بسند صحيح عن مجاشع بن مسعود وابن جرير عن الضحاك والصحيح ان الهجرة من دار الكفر على من قدر عليها فريضة محكمة بالإجماع غير منسوخة وهذه الاية دليل على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكن فيه اقامة شرائع الإسلام ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم لا هجرة بعد فتح مكة ان مكة بعد الفتح صارت دار الإسلام ولم تبق الهجرة من مكة بعد الفتح واجبة ومن هاجر من مكة بعد الفتح لا يعدّ من المهاجرين ولا يدرك ثوابهم وكون الهجرة فريضة لا يستلزم عدم قبول إسلامهم والحكم بانهم ليسوا بمؤمنين بل يقتضى عصيانهم وترك موالاتهم، قال الله تعالى والّذين أمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شىء حتّى يهاجروا وان استنصروكم فى الدّين فعليكم النّصر الّا على قوم بينكم وبينهم ميثاق قالُوا اى الملائكة توبيخا، جملة قالوا خبر انّ والعائد محذوف اى قالوا لهم وجاز ان يكون حالا من الملائكة بتقدير قد او من الضمير المنصوب فى تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ بتقدير قد والضمير اى وقد قالوا لهم فِيمَ كُنْتُمْ مقولة قالوا اى فى اىّ شىء كنتم فى الإسلام كما يدل عليه إقراركم به أم فى الكفر كما يدل عليه مقامكم مع الكفار وموافقتكم بهم بلا عذر قالُوا يعنى المتوفين الذين تركوا فريضة الهجرة هذا خبر انّ ... ...

[سورة النساء (4) : آية 98]

على تقدير كون ما قبله حالا وجملة مستانفة على تقدير كونه خبر ان كانّه فى جواب السائل ما قالت المتوفون إذا قالت الملائكة ما ذكر فاجيب بانهم قالوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ اى ارض مكة لم نقدر على مقاومة الكفار ومخالفتهم او كنا عاجزين عن اظهار الدين وإعلاء كلمته قالُوا اى الملائكة تكذيبا لهم وتبكيتا جملة مستانفة فى جواب ما قالت الملائكة حين اعتذر المتوفون أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها يعنى كنتم قادرين على الخروج من مكة الى ارض لا تمنعون فيها من اظهار الإسلام ومخالفة الكفار وإعلاء كلمة الله كما فعل المهاجرون الى المدينة والحبشة ونصب فتهاجروا على جواب الاستفهام فَأُولئِكَ اى المتوفون ظالمى أنفسهم مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ الفاء للتعقيب والسببية يعنى لاجل تركهم الهجرة مأويهم جهنم وذا لا يستلزم الكفر ولا الخلود فى جهنم والجملة معطوفة على جملة قبلها مستنتجة منها وجاز ان يكون جملة فاولئك خبر ان والفاء فيه لتضمن الاسم معنى الشرط وما قبله حال او استيناف وَساءَتْ مَصِيراً (97) مصيرهم او جهنم قال النبي صلى الله عليه وسلم من فر بدينه من ارض الى ارض وان كان شبرا من الأرض استوجبت له الجنة وكان رفيقه أبوه ابراهيم ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم أخرجه الثعلبي من حديث الحسين مرسلا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير مال المسلم الغنم يتبع بها شعف الجبال يفر بدينه من الفتن رواه البخاري وغيره وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الإسلام بهدم ما كان قبله وان الهجرة تهدم ما كان قبلها وان الحج يهدم ما كان قبله رواه مسلم عن عمرو بن العاص-. إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ استثناء منقطع لعدم دخولهم فى الموصول وضميره والاشارة اليه فانهم ليسوا بظالمى أنفسهم إذ لا وجوب الا بعد القدرة لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها مِنَ الرِّجالِ كالشيخ الفاني والمريض والضعيف والزمن الذي لا يستطيع السفر راجلا ولا يقدر على الراحلة وذى عيال لا يستطيع نقلهم ويخاف عليهم الضياع ان هاجر بدونهم وَالنِّساءِ فانهن مستضعفات غالبا وَالْوِلْدانِ يعنى الصبيان ذكرهم فى الاستثناء مبالغة فى الأمر والاشعار بانهم على صدد وجوب الهجرة إذا بلغوا وقدروا على الهجرة او المراد بالولدان أولياؤهم فان أولياءهم إذا قدروا على نقلهم من دار الشرك وجب عليهم ذلك والا فهم من المستضعفين ... ...

[سورة النساء (4) : آية 99]

ولم يذكر العبيد فان العبد إذا كان قادرا على الهجرة يجب عليه ذلك ولا يمنعه حق المولى لان حقوق العباد لا تظهر فى الفروض على الأعيان قال محمد بن إسحاق فى رواية يونس بن بكير حدثنى عبد الله بن المكرم ومحمد بن يحيى عن شيوخه قال نادى منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعنى إذا حاصر الطائف ايّما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر فخرج من الحصن بضعة عشر رجلا سماهم الحافظ محمد بن يوسف الصالحي الشافعي فى سبيل الرشاد وروى احمد عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من خرج إلينا من العبيد فهو حر فخرج العبيد فيهم ابو بكرة فاعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى الصحيحين عن ابى عثمان النهدي قال سعد وهو اوّل من رمى بسهم فى سبيل الله وابو بكرة «1» كان بسور حصن الطائف نزل الى النبي صلى الله عليه وسلم ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف فشق ذلك على اهل الطائف مشقة شديدة واغتاظوا على غلمانهم فاعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم كل رجل منهم الى رجل من المسلمين يمونه ويحمله وأمرهم ان يقرءوهم القران واعلموهم السنن فلما أسلمت ثقيف تكلمت اشرافهم فى هؤلاء المعتقين منهم الحارث بن كلدة يردونهم فى الرق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك عتقاء الله لا سبيل إليهم لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً الحيلة الحذق وجودة النظر والقدرة على التصرف يعنى لا يقدرون على الهجرة ولا يجدون أسبابها وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) اى لا يعرفون السبيل بنفسه ولا يجدون الدليل. فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ذكر الله سبحانه صيغة الاطماع ولفظ العفو إيذانا بان ترك الهجرة امر خطير حتى ان المعذور ايضا ينبغى ان لا يأمن ويترصد الفرصة ويتعلق بها قلبه وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً (99) قال ابن عباس كنت انا وأمي ممن عذر الله يعنى من المستضعفين وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو لهؤلاء المستضعفين فى الصلاة، روى البخاري وغيره عن ابى هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قال سمع الله لمن حمده فى الركعة الاخيرة من صلوة العشاء قنت اللهم انج عياش بن ابى ربيعة اللهم انج الوليد بن الوليد اللهم انج سلمة بن هشام اللهم انج المستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهمّ اجعلها سنين كسنى يوسف

_ (1) فى الأصل أبا بكرة

[سورة النساء (4) : آية 100]

وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً قال على بن ابى طلحة عن ابن عباس مراغما اى متحولا يتحول اليه مشتق من الرغام وهو التراب وقيل طريقا يراغم قومه اى يفارقهم على رغم أنوفهم وهو ايضا من الرغام بمعنى التراب وقال مجاهد متزحزحا عما يكره وقال ابو عبيد المراغم المهاجر يقال راغمت قومى اى هاجرتهم وهو المضطرب والمذهب فى القاموس المراغمة الهجران والتباعد والمراغم بالضم وفتح الغين المذهب والمهرب والحصن والمضطرب وَسَعَةً فى الرزق والمعاش وسعة فى الصدر بالأمن وزوال الخوف واظهار الدّين قال البغوي روى انه لما نزلت هذه الاية سمعها رجل من بنى ليث شيخ كبير مريض يقال له جندع بن ضمرة فقال والله ما انا ممن استثنى الله عز وجل وانى لاجد حيلة ولى من المال ما يبلّغنى المدينة وابعد منها والله لا أبيت الليلة بمكة أخرجوني فخرجوا به يحملونه على سرير حتى أتوا به التنعيم فادركه الموت فصفق بيمينه على شماله ثم قال اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك عليه رسولك فمات فبلغ خبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا لو وافى المدينة لكان أتم واوفى اجرا وضحك المشركون فقالوا ما أدرك هذا ما طلب واخرج ابن ابى حاتم وابو يعلى بسند جيّد عن ابن عباس قال خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجرا فقال لاهله احملوني فاخرجونى من ارض المشركين الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمات فى الطّريق قبل ان يصل النبي الى صلى الله عليه وسلم فنزلت وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً حال من الضمير فى يخرج إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ اى الى حيث امر الله ورسوله ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ قبل بلوغه مهاجره عطف على يخرج فَقَدْ وَقَعَ اى ثبت والوقوع بمعنى الوجوب وهو مجاز عن تأكيد حصول الاجر بوعد الله تعالى إذ لا يجب على الله شىء أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (100) واخرج ابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير عن ابى ضمرة الزرقي الذي كان مصاب البصر وكان بمكة فلما نزلت إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ الاية فقال انى بلغني وانى لذو حيلة فتجهز مريدا الى النبي صلى الله عليه وسلم فادركه الموت بالتنعيم فنزلت هذه الاية واخرج ابن جرير نحو ذلك عن سعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدىّ والضحّاك وغيرهم سمى فى بعضها ضمرة بن العيص وفى بعضها العيص بن ضمرة وفى بعضها جندب بن ضمرة الجندعي وفى بعضها الضمري وفى بعضها ... ...

[سورة النساء (4) : الآيات 101 إلى 102]

رجل من بنى ضمرة وفى بعضها رجل من خزاعة وفى بعضها من بنى ليث وفى بعضها من بنى كنانة وفى بعضها من بنى بكر واخرج ابن سعد فى الطبقات عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ان جندع بن ضمرة الضمري الجندعي كان بمكة فقال لبنيه أخرجوني من مكة فقد قتلنى غمّها فقالوا الى اين فاومى بيده نحو المدينة يريد الهجرة فخرجوا به فلمّا بلغوا اضاءة بنى عمارة مات فانزل الله تعالى فيه هذه الاية واخرج ابن ابى حاتم وابن مندة والباوزدى فى الصحابة عن هشام بن عروة عن أبيه ان الزبير بن عوام قال هاجر خالد بن حرام الى ارض الحبشة فنهشه حيّة فى الطريق فنزلت فيه هذه الاية واخرج الأموي فى مغازيه عن عبد الملك بن عمير قال لمّا بلغ اكتم بن صيفى مخرج النبي صلى الله عليه وسلم أراد ان يأتيه فابى قومه ان يدعوه قال فليأت من يبلّغه عنى ويبلّغنى عنه فانتدب له رجلان فاتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقالا نحن رسل اكتم بن صيفى وهو يسئلك من أنت وما أنت وبما جئت فقال انا محمد بن عبد الله وانا عبد الله ورسوله ثم تلا إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ الاية فاتيا اكتم فقالا له ذلك فقال اى قوم انه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها فكونوا فى هذا لامر رؤساء ولا تكونوا اذنابا فركب بعيره متوجها الى المدينة فمات فى الطريق فنزلت فيه هذه الاية وهذا مرسل واسناده ضعيف واخرج ابو حاتم فى كتاب المعمرين من طريقين عن ابن عباس انه سئل عن هذه الاية فقال نزلت فى اكتم بن صيفى قيل فاين الليثي قال كان هذا قبل الليثي بزمانة هى خاصة عامة، (فائدة:) قالوا كل هجرة لطلب علم او حج او جهاد او فرار الى بلد يزداد فيه طاعة او قناعة او زهدا او ابتغاء رزق طيّب فهى هجرة الى الله ورسوله ومن أدركه الموت فى طريقه فقد وقع اجره على الله والله اعلم- اخرج ابن جرير عن على قال سال قوم من بنى النجار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله انا نضرب فى الأرض فكيف نصلى فانزل الله تعالى. وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ اى سافرتم فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ اى اثم كذا فى القاموس أَنْ تَقْصُرُوا اى فى ان تقصروا مِنَ الصَّلاةِ الرباعية دون الثنائية والثلاثية اجماعا الى ركعتين والجار والمجرور صفة لمحذوف اى شيئا من الصلاة عند سيبويه ومفعول لتقصروا بزيادة من عند الأخفش وهاهنا ابحاث البحث الاوّل فى مقدار مسافة السفر المرخص للقصر وقد مرّ هذا البحث فى ... ...

سورة البقرة فى رخصة إفطار الصّوم (البحث الثاني) فى انه هل يجوز الإتمام فى السفر أم لا، فقال ابو حنيفة وبعض اصحاب مالك لا يجوز قال البغوي وهو المروي عن عمر وعلى وابن عمر وجابر وابن عباس وبه قال الحسن وعمر بن عبد العزيز وقتادة ومالك وقال الشافعي واحمد وهو المشهور من مذهب مالك انه يجوز قال البغوي وهو المروي عن عثمان وسعد بن ابى وقاص والحجة للشافعى ظاهر هذه الاية فان نفى الجناح يقال فى الرخص لا فيما يكون حتما وحديث عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصر فى السفر ويتم ويفطر ويصوم رواه الشافعي وابن ابى شيبة والبزار والدارقطني وقال الدارقطني اسناده صحيح واعترض عليه بانه من رواية مغيرة بن زياد عن عطاء بن «1» رباح وقد ضعّفه احمد وقال ابو زرعة لا يحتج بحديثه لكن ابن الجوزي أخرجه من طريق عمر بن سعيد عن عطاء والمغيرة بن زياد قد وثقه وكيع ويحيى بن معين وحديث عبد الرحمن بن اسود عن عائشة قالت خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عمرة فى رمضان فافطر وصمت وقصر وأتممت فقلت بابى أنت وأمي أفطرت وصمت وقصرت وأتممت قال أحسنت يا عائشة رواه النسائي والدارقطني وحسنه والبيهقي وصححه واعترض عليه بان عبد الرحمن بن اسود دخل على عائشة وهو صغير لم يسمع منها وقال الدارقطني دخل عليها وهو مراهق وفى تاريخ البخاري وغيره ما يشهد لذلك وروى الدارقطني هذا الحديث عن عبد الرحمن بن اسود عن أبيه عن عائشة واختلف قول الدارقطني فيه فقال فى السير اسناده حسن وقال فى العلل المرسل أشبه واعترض عليه ايضا بانه صلى الله عليه وسلم لم يعتمر فى رمضان باتفاق اصحاب السير لكن قوله فى عمرة رمضان فى رواية الدارقطني وليس فى رواية غيره والله اعلم احتج ابو حنيفة بحديث يعلى بن امية قال سالت عمر بن الخطّاب قلت ليس عليكم جناح ان تقصروا من الصّلوة ان خفتم ان يفتنكم الّذين كفروا وقد أمن الناس فقال لى عمر عجبت منه فسالت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته رواه مسلم وحديث انس بن مالك رجل من بنى عبد الله بن كعب ليس له رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث قال أغارت علينا خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته يتغذى فقال ادن فكل فقلت انى صائم فقال ادن أحدثك عن الصوم ان الله وضع عن المسافر الصّوم

_ (1) ابن ابى رباح [.....]

وشطر الصلاة وعن الحامل والموضع الصوم فيالهف نفسى ان لا أكون طعمت من طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه ابن الجوزي من طريق الترمذي والشافعي احتج بهذا الحديث لمذهبه حيث قرن الصوم بالصّلوة ورخصة المسافر فى فطر الصوم رخصة التخيير اجماعا، وجه احتجاج ابى حنيفة ان الوضع هو الاسقاط لكن استعماله فى رخصة الصوم يدل على ان المراد به هاهنا التخيير ولو مجازا والجمع بين الحقيقة والمجاز لا يجوز حتى يقال انه فى حق الصوم للتخيير وفى حق الصلاة للاسقاط ووجه احتجاج ابى حنيفة بحديث يعلى بن امية عن عمر انّ التصدق بما لا يحتمل التمليك إسقاط محض وان كان المتصدق ممن لا يلزم وطاعته كولى القصاص إذا عفى فممّن يلزم طاعته اولى وان الأمر بقبول الصدقة للوجوب واحتج ابو حنيفة ايضا بأثر عمر بن الخطاب قال صلوة السفر ركعتان وصلوة الأضحى ركعتان وصلوة الفطر ركعتان وصلوة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم أخرجه النسائي وابن ماجة واثر ابن عباس قال فرض الله الصّلوة على نبيكم فى الحضر أربعا وفى السّفر ركعتين وفى الخوف ركعة رواه مسلم واثر عائشة قالت فرضت الصلاة ركعتين فاقرت صلوة السّفر وزيد فى صلوة الحضر متفق عليه وفى لفظ قال الزهري قلت لعروة فما بال عائشة تتم فى السفر قال انها تاوّلت كما تاوّل عثمان وفى لفظ للبخارى فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ثم لمّا هاجر النبي صلى الله عليه وسلم فرضت أربعا فتركت صلوة السفر على الاول وبحديث ابن عمر قال صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله وقد قال الله تعالى لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ رواه البخاري وفى الصحيحين بلفظ صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان لا يزيد فى السفر على ركعتين وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك وايضا فيهما عنه صلى الله عليه وسلم صلى بمنى ركعتين وابو بكر بعده وعمر بعد ابى بكر وعثمان صدرا من خلافته ثم ان عثمان صلى بعده أربعا وبما روى احمد ان عثمان صلى بمنى اربع ركعات فانكر الناس عليه فقال ايها الناس انى تاهلت بمكة منذ قدمت وانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من تاهل فى بلد فليصل صلوة المقيم وجه الاحتجاج ان انكار الناس على عثمان فى إتمامه وبيانه العذر بالتأهل بمكة دليل واضح على انه لا يجوز الإتمام ولو جاز ... ...

لما أنكروا عليه ولما اعتذر بالتأهل بل ببيان التخيير- وأجيب عن الآثار بان اثر عمر بن الخطاب ان صلوة السفر ركعتان تمام فى الاجر غير قصر يعنى لا نقصان فى صلوته وكيف يقول عمر غير قصر مع انه تعالى يقول فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا فانه صريح فى كونه قصرا وحديث الآحاد وان كان مرفوعا ساقط فى مقابلة نصّ الكتاب فكيف الموقوف واثر ابن عباس متروك بالإجماع حيث لم يذهب أحد الى ان الصّلوة فى الخوف ركعة واثر عائشة لا يجوز العمل به لان عمل الراوي على خلاف ما يرويه جرح فى الحديث ولا شك ان عائشة كانت تتم فى السفر وروت عن النبي صلى الله عليه وسلم رخصة التخيير فيجب ان يحمل قولها تركت صلوة السفر على الاول على من ان من اختار الركعتين فكانّ الصلاة تركت فى حقه على الحالة الاولى وامّا حديث ابن عمر فشهادة على النفي وحديث عائشة شهادة على الإثبات فهو اولى او يقال معناه لم يزد على ركعتين غالبا وايضا ذكر ابن عمران عثمان صلى صدرا من خلافته ركعتين ثم صلى أربعا ولم يذكر انكار الناس عليه وهذا دليل التخيير وايضا قوله لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ تدل على الاولوية دون الوجوب وانكار الناس على عثمان واعتذاره جاز ان يكون لترك الاولى واحتج الحنفية بالمعقول بان الشفع الثاني لا يقضى ولا يأثم بتركه وهذا اية النافلة بخلاف الصوم فانه يقضى وبخلاف الحج على الفقير فانه يصير فريضة إذا دخل الميقات وان التخيير بين الواجبات لا يكون الا لنوع يسر فى كلا الامرين كما فى صوم رمضان للمسافر فان فيه ايضا نوع يسر بسهولة فى الصوم مع الناس ما ليس فى انفراده ولا كذلك فى الاثنين والأربع فان اليسر فى الاثنين متيقن وامّا جمعة السافر وظهره فكل واحد منهما جنس اخر من الصلاة وفى كل منهما نوع يسر حيث يشترط فى الجمعة ما لا يشترط فى الظهر والتخيير بلا مراعاة يسر للمكلّف مناف لشأن العبودية وأجيب بان التخيير بين القليل والكثير مفيد فاختيار القليل لليسر واختيار الكثير لزيادة الاجر وزيادة الاجر فى الأربع لا يوجب نقصانا فى الثنتين نظيره القراءة فى الصلاة فان المصلى مخيّربين ان يقرا ادنى ما يجوز به الصلاة وحينئذ لا نقصان فى صلوته وبين ان يقرا القران كله فى ركعة وكلّما قرا فى الصلاة وان كان جميع القران وقع من الفريضة لانه فرد من افراد المأمور به حيث قال الله تعالى فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ويرد عليه ان تقريركم هذا يدل على ان الإتمام للمسافر أفضل واكثر ثوابا من القصر ... ...

كما انّ زيادة القراءة فى الصلاة أفضل اجماعا وانما يكره الزيادة على القدر المسنون فى حقّ الامام رعاية للقوم وامّا فى المنفرد وكذا فى حق الامام إذا كان القوم راغبين فلا كراهة اجماعا لكن القصر فى السفر أفضل من الإتمام اجماعا وما روى عن الشافعي من أحد قوليه ان الإتمام أفضل فقد رجع عنه وأجاب الحنفية عن استدلال الشافعي بهذه الاية ان الناس لما كانوا الفوا بالإتمام كان مظنة ان يخطر ببالهم ان عليهم نقصانا فى القصر فنفى عنهم الجناح لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمانوا اليه نظيره قوله تعالى إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ورد بان هذا ترك بظاهر الاية من غير موجب فلا يجوز والله اعلم البحث الثالث ان سفر المعصية يبيح القصر عند ابى حنيفة لعموم هذه الاية وقالت الائمة الثلاثة لا يبيح وليس لهم ما يمكن التعويل عليه من الحجة البحث الرابع إذا فارق المسافر بيوت المصر صلى ركعتين عند الائمة الاربعة وفى رواية عن مالك إذا كان من المصر على ثلثة أميال وحكى عن الحارث بن ربيعة انه أراد سفرا فصلى بهم ركعتين فى منزله وفيهم الأسود وغير واحد من اصحاب عبد الله وعن مجاهد انه كان إذا خرج نهارا لم يقصر حتى يدخل الليل وان خرج ليلا لم يقصر حتى يدخل النهار، لنا ان الاقامة يتعلق بدخول المصر فالسفر يتعلق بخروجها وروى ابن ابى شيبة عن على رضى الله عنه انه خرج من البصرة فصلى الظهر أربعا يعنى قبل التجاوز عن بيوت المصر ثم قال لو جاوزنا هذا الحصن لصلينا ركعتين وكذا إذا رجع من السفر وأراد دخول بلده صلى ركعتين ما لم يدخل بيوت مصره فاذا دخل البيوت صلى أربعا اجماعا ذكر البخاري تعليقا قال خرج على فقصر وهو يرى البيوت فلمّا رجع قيل له هذه الكوفة قال لا حتى ندخلها يريد انه صلى ركعتين والكوفة بمراء منهم وروى عبد الرزاق قال أخبرنا الثوري عن وفا بن إياس الأسدي قال خرجنا مع على ونحن ننظر الكوفة فصلى ركعتين ثم رجعنا فصلى ركعتين وهو ينظر الى القرية فقلنا له الا نصلى أربعا قال لا حتى ندخلها البحث الخامس فى انه فى أثناء السفر إذا نوى فى بلد او قرية اقامة اربعة ايام غير يومى الدخول والخروج صلى أربعا عند مالك والشافعي، وعن احمد ان نوى اقامة مدة يفعل فيها اكثر من عشرين صلوة أتم وقال ابو حنيفة لا يتم حتى ينوى اقامة خمسة عشر يوما فى مصر او قرية ولا عبرة بنية الاقامة فى الصحراء والاخبية ... ...

لنا ما صح انه صلى الله عليه وسلم دخل مكة فى حجة الوداع صبيحة رابعة ذى الحجة يوم الأحد فلما كان يوم التروية ثامن ذى الحجة يوم الخميس توجه الى منى وبعد طلوع الشمس من يوم عرفة توجه الى عرفة فاذا فرغ من الحج بات بالمحصّب ليلة الأربعاء ثم طاف عليه السّلام طواف الوداع سحرا قبل الصبح وخرج صبيحة وهو اليوم الرابع عشر فتمت عشر ليال واقام بمكة الى يوم التروية اربعة ايام ولياليها كوامل فظهر بذلك بطلان قول مالك والشافعي دون قول احمد حيث صلى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة عشرين صلوة لا مزيد عليه احتج ابو حنيفة بالآثار اخرج الطحاوي عن ابن عباس وابن عمر قالا إذا قدمت بلدة وأنت مسافر وفى نفسك ان تقوم خمس عشرة ليلة فاكمل الصلاة بها وان كنت لا تدرى متى تظعن فاقصرها وروى ابن ابى شيبة بسنده عن مجاهد ان ابن عمر كان إذا جمع على اقامة خمسة عشر أتم وقال محمد فى كتاب الآثار ثنا ابو حنيفة ثنا موسى بن مسلم عن مجاهد عن ابن عمر قال إذا كنت مسافرا فوطنت نفسك على اقامة خمسة عشر يوما فاتمم الصلاة وان كنت لا تدرى متى تظعن فاقصر مسئلة: - لو دخل مصرا يريد ان يخرج غدا او بعد غد او متى أنجز حاجته ولم ينو مدة الاقامة حتى بقي على ذلك سنين قصرا بدا كذا قال الجمهور وهو أحد اقوال الشافعي وفى قول يقصر اربعة عشر يوما وأرجح أقواله يقصر سبعة عشر ويتم ثمانية عشر لحديث ابن عباس قال سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرا فصلى سبعة عشر يوما ركعتين ركعتين قال ابن عباس فنحن نصلى الى سبعة عشر ركعتين ركعتين فاذا قمنا اكثر من ذلك صلينا أربعا رواة الترمذي وقال هذا حديث صحيح ولا حجة فيه لانه اتفقت الا قامة تلك المدة والظاهر لو زادت دام القصر وقد روى احمد وابو داود عن جابر قال اقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة وروى عبد الرزاق بسنده ان ابن عمر اقام بآذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة ورواه البيهقي بسند صحيح وروى البيهقي بسنده ان ابن عمر قال ارتج علينا الثلج ونحن بآذربيجان ستة أشهر فى غزاة فكنا نصلى ركعتين وفيه انه كان مع غيره من الصحابة يفعلون ذلك واخرج عبد الرزاق عن الحسن قال كنا مع عبد الرحمن بن سمرة ببعض بلاد فارس سنين فكان لا يجمع ولا يزيد على ركعتين واخرج عن انس بن مالك انه كان مع عبد الملك بن مروان بالشام ... ...

شهرين فيصلى ركعتين ركعتين مسئلة: - الملاح إذا سافر فى سفينة فيها اهله وماله وكذا المكاري الذي يسافر دائما يقصر عند الثلاثة لاطلاق النص وقال احمد لا يقصر- مسئلة نية الاقامة من اهل الكلاء وهم الاخبية قيل لا يصح والصحيح انهم مقيمون لان الاقامة اصل فلا يبطل بالانتقال من مرعى الى مرعى (مسئلة) إذا اقتدى المسافر بمقيم فى جزء من صلاته أتم أربعا عند الجمهور وقال مالك ان أدرك ركعة من صلوته أتم والا فلا وقال إسحاق بن راهويه يقصر المسافر خلف المقيم روى احمد عن موسى بن سلمة قال كنا مع ابن عباس بمكة فقلت انا إذا كنّا معكم صلينا أربعا وإذا رجعنا صلينا ركعتين قال تلك سنة ابى القاسم صلى الله عليه وسلم مسئلة من فاته صلوة الحضر فقضاها فى السفر قضاها تامّة قال ابن المنذر لا اعرف فيه خلافا الّا شيئا يحكى عن الحسن والمزني انه يقصر وان فاتته صلوة فى السفر فقضاها فى الحضر يقصر عند ابى حنيفة ومالك واحد قولى الشافعي وعند احمد يتم وهو أصح قولى الشافعي (مسئلة) ان صلى المسافر بالمقيمين صلى ركعتين وأتم المقيمون صلاتهم اجماعا عن عمران بن حصين قال غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت معه الفتح فاقام بمكة ثمان عشر ليلة لا نصلى الا ركعتين يقول يا اهل مكة صلّوا أربعا فانا قوم سفر رواه الترمذي وصححه- إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ اى ينالكم بمكروه من قتل او جرح او اسر او سلب مال، الَّذِينَ كَفَرُوا هذا شرط استغنى عن الجزاء بما سبق يعنى ان خفتم الفتنة من الكفّار فاقصروا من الصلاة فالخوف شرط لجواز القصر بظاهر هذا النصّ وبه قالت الخوارج والإجماع على انه ليس بشرط بل الكلام خارج مخرج الغالب فان غالب اسفار النبي صلى الله عليه وسلم كان مظنة الخوف فلا حكم لهذا الشرط كما فى قوله تعالى وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً وقد تظاهرت السنن على قصر الصلاة فى حالة الامن كما ذكرنا حديث يعلى بن امية عن عمر وروى الشافعي عن ابن عبّاس قال سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة أمنا لا يخاف الّا الله يصلى ركعتين- وعن حارثة بن وهب الخزاعي صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن اكثر ما كنا قطّ وامنة بمنى ركعتين متفق عليه وقيل قوله ان خفتم متصل بما بعده من صلوة الخوف منفصل عما قبله وهذا وان كان بعيدا من حيث النظم لكنه قريب من حيث المعنى ... ...

إذ الخوف فى صلوة الخوف شرط قطعا اجماعا ولم يذكر فيما بعد ويؤيده ما قال البغوي انه روى عن ابى أيوب الأنصاري انه قال نزل قوله فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ هذا القدر ثم بعد حول سالوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلوة الخوف فنزل إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ الاية قال البغوي ومثله فى القران كثير يجىء الخبر بتمامه ثم ينسق عليه خبر اخر هو فى الظاهر كالمتّصل به وهو منفصل عنه كقوله تعالى الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وهذه حكاية عن امراة العزيز وقوله ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ اخبار عن يوسف عليه السّلام واخرج ابن جرير عن على عليه السلام قال سال قوم من بنى نجار رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا يا رسول الله انا نضرب فى الأرض فكيف نصلى فانزل الله تعالى وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ثم انقطع الوحى فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر فقال المشركون لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم فهلا شددتم عليهم فقال قائل منهم ان لهم اخرى مثلها فى اثرها فانزل الله بين الصلاتين إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا الى قوله عَذاباً مُهِيناً قلت فعلى هذا جزاء الشرط محذوف يدل عليه ما بعده يعنى إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فلا تتركوا الحزم والجهاد فى حالة الصلاة إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (101) ظاهر العداوة واخرج احمد والحاكم وصححه والبيهقي فى الدلائل عن ابى عياش الزرقي قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن وليد وهم بيننا وبين القبلة فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر فقالوا قد كانوا على حالة لو أصبنا غرتهم ثم قالوا يأتى عليهم الان صلوة هى احبّ إليهم من أبنائهم وأنفسهم قال فنزل جبرئيل بهذه الاية بين الظهر والعصر. وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ الاية قال فحضرت فامرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخذوا بسلاح قال فصففنا خلفه صفين قال ثم ركع فركعنا جميعا ثم رفع فرفعنا جميعا ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالصّف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم فلمّا سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا فى مكانهم ثم تقدم هؤلاء الى مصاف هؤلاء وجاء هؤلاء الى مصاف هؤلاء قال ثم ركع فركعوا جميعا ثم رفع فرفعوا جميعا ... ...

ثم سجد النبي صلى الله عليه وسلم ثم انصرف فصلّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرة بعسفان ومرة بأرض بنى سليم وروى مسلم صلوة الخوف عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذا من حديث جابر قوله تعالى وَإِذا كُنْتَ يا محمد حاضرا فِيهِمْ وأنتم تخافون العدو قيدنا بهذا القيد للاجماع على كون الحكم مقيدا به وان كان قوله تعالى ان خفتم الاية متصلا بما بعده كما قيل فهو قرينة على هذا التقييد وعلى هذا جاز ان يكون هذه الاية معطوفة على قوله ان خفتم والشرط مجموع الامرين الخوف وكونه صلى الله عليه وسلم فيهم وبناء على اشتراط كونه صلى الله عليه وسلم فيهم كما ينطق به ظاهر النصّ قال ابو يوسف رحمه الله انّ صلوة الخوف كانت مختصة به صلى الله عليه وسلم غير مشروع بعده وعامة العلماء على انها ثابت الحكم بعد النبي صلى الله عليه وسلم والائمة نواب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كل عصر فكان الخطاب متنا ولا لكل امام وهذا جرى على عادة القران فى الخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم وان كان المقصود جميع الامة كما فى قوله تعالى فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ والحجة على جواز صلوة الخوف بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين صلوا صلوة الخوف بعد النبي صلى الله عليه وسلم من غير نكير بعضهم على بعض فصار اجماعا روى ابو داود انهم غزوا مع عبد الرحمن بن سمرة كابل فصلى بنا صلوة الخوف وروى عن على عليه السّلام انه صلاها يوم الصفين وذكر الرافعي انه صلى المغرب صلوة الخوف ليلة الهرير بالطائفة الاولى ركعة وبالثانية ركعتين وقال البيهقي يذكر عن جعفر ابن محمّد عن أبيه ان عليا صلى المغرب صلوة الخوف ليلة الهرير وقال الشافعي وحفظ عن علىّ انه صلى صلوة الخوف ليلة الهرير كما روى صالح بن خوات عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى البيهقي من طريق قتادة عن ابى العالية عن ابى موسى الأشعري انه صلى صلوة الخوف بأصبهان وروى البيهقي عن سعد بن ابى وقاص انه صلى صلوة الخوف بحرب مجوس بطبرستان ومعه الحسن ابن على وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عمرو بن العاص وروى ابو داود والنسائي من طريق ثعلبة بن زهرم قال كنا مع سعيد بن العاص فقال أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوة الخوف فقال حذيفة انا فصلى مع هؤلاء ركعة ومع هؤلاء ركعة فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ يعنى فاجعلهم طائفتين فليقم أحدهما معك ... ...

فصل بهم وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ قال مالك يجب حمل السّلاح فى صلوة الخوف وهو أحد قولى الشافعي وقال اكثر العلماء الأمر للاستحباب فَإِذا سَجَدُوا يعنى إذا أتم المصلون ركعة مع الامام وجاز ان يكون معناه فاذا صلوا اطلق السجود وأريد به الصلاة بتمامها تسمية الكل باسم الجزء فَلْيَكُونُوا اى المصلون مِنْ وَرائِكُمْ ايها الائمة الى تجاه العدو وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فى محل الرفع صفة لطائفة فَلْيُصَلُّوا اى تلك الطائفة الاخرى مَعَكَ يحتمل ان يراد بالصلوة الصلاة بتمامها وان يراد بالصلوة الركعة الثانية وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ المراد بالحذر ما يتحذر به من العدو كالدرع والجنة وبالسّلاح ما يقاتل به- اعلم انه روى صلوة الخوف عن النبي صلى الله عليه وسلم على وجوه أحدها ما ذكرنا من حديث ابى عياش الزرقي وحديث جابر قصة صلاته صلى الله عليه وسلم بعسفان إذا كان العدو بيننا وبين القبلة ثانيها ما رواه الشيخان فى الصحيحين عن جابر قال أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بذات الرقاع وفيه فصلى بطائفة ركعتين ثم تاخروا فصلى بالطائفة الاخرى ركعتين قال فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم اربع ركعات وللقوم ركعتان متفق عليه وهذا الحديث يحتمل الوجهين أحدهما انه صلى الله عليه وسلم صلى أربعا بتسليمة واحدة وكل طائفة صلى معه ركعتين ركعتين وثانيهما ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى بكل طائفة ركعتين وسلم على كل ركعتين كذا وقع صريحا فى حديث جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى بالناس صلوة الظهر فى الخوف ببطن نخل فصلى بطائفة ركعتين ثم سلم ثم جاء طائفة اخرى فصلى بهم ركعتين رواه البغوي من طريق الشافعي وشيخ الشافعي مجهول لكن وثقه الشافعي فقال أخبرني الثقة ابو عليّة او غيره، عن يونس عن الحسن عن جابر ورواه ابن الجوزي من طريق الدارقطني عن عنبسة عن الحسن عن جابر قال ابن الجوزي لا يصح قال يحيى بن معين عنبسة ليس بشىء وقال النسائي متروك وقال ابو حاتم كان يضع الحديث وروى هذا الحديث ابو داود وابن حبان والحاكم والدارقطني من حديث ابى بكرة ففى رواية ابى داود وابن حبان انها الظهر وفى رواية الدارقطني انها المغرب وأعلها ابن القطّان بان أبا بكرة اسلم بعد وقوع صلوة الخوف قال الحافظ هذا ليس بعلة فانه يكون ... ...

مرسل الصحابي ثالثها ما رواه الشيخان عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عن من صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع واخرج البخاري بطريق اخر عن صالح بن خوات عن سهيل بن ابى حثمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ان طائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائما وأتموا لانفسهم ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفة الاخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ثم ثبت جالسا واتمّوا لانفسهم ثم سلم بهم رابعها ما رواه الترمذي والنسائي عن ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بين ضحنان وعسفان فقال المشركون لهؤلاء صلوة هى احبّ إليهم من ابائهم وأبنائهم وهى العصر فاجمعوا أمركم فتميلوا عليهم ميلة واحدة وان جبرئيل اتى النبي صلى الله عليه وسلم فامره ان يقسّم أصحابه شطرين فيصلى بهم ويقوم طائفة اخرى وراءهم وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم فيكون لهم ركعة ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان رواه الترمذي والنسائي وهكذا قال البغوي انه روى عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم فى صلوة الخوف صلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا قال البغوي ورواه زيد بن ثابت وقال كانت للقوم ركعة ركعة وللنبى صلى الله عليه وسلم ركعتان وتاوّله قوم على صلوة شدة الخوف وقالوا الفرض فى هذه الحالة ركعة واحدة خامسها ما رواه البخاري فى الصحيح عن سالم بن عمر عن أبيه قال غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد فوازينا العدو فصاففنا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى لنا فقامت طائفة معه وأقبلت طائفة على العدو وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم معه وسجد سجدتين ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم يصل فجاءوا فركع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم ركعة وسجد سجدتين ثم سلم فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين وروى نافع نحوه وزاد فان كان خوف هو أشد من ذلك صلوا رجالا على أقدامهم او ركبانا مستقبلى القبلة او غير مستقبليها قال نافع لا ارى قال ابن عمر ذلك الّا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس فى رواية ابن عمر هذه اىّ الطّائفتين يتم صلاته اوّلا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم واختار ابو حنيفة من وجوه صلوة الخوف هذا الوجه الأخير ولم يجوّز سواه وقال يذهب الطائفة الثانية بعد سلام الامام وجاه العدو ويجىء الطائفة الاولى فيتم صلاته اوّلا ثم يجىء الطائفة الثانية فيتم صلاته ... ...

ويسلم لما ذكر محمد فى كتاب الآثار هكذا من رواية ابى حنيفة قول ابن عباس والموقوف فيه كالمرفوع ولم يجوّز سواه اما الوجه الثاني صلاته عليه السّلام ببطن نخل فهو يستلزم اقتداء المفترض بالمتنفل قال الطحاوي انه كان فى وقت كانت الفريضة تصلى مرتين ثم نسخ ذلك ولو كانت الفريضة مشروعة تكرارها لما احتيج الى شرع صلوة الخوف مع المنافى وامّا الوجه الثالث صلاته صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع فهو يستلزم ان يركع المؤتم ويسجد قبل الامام وذلك لم يعهد وان انتظار الامام المأموم على خلاف مقتضى الامامة وامّا الوجه الرابع صلاته صلى الله عليه وسلم بين ضحنان وعسفان يكون للقوم ركعة واحدة فمتروك العمل بالإجماع لانهم اتفقوا على ان الخوف لا ينقص عدد الركعات وامّا الوجه الاوّل صلاته صلى الله عليه وسلم بعسفان حين كان العدو بينه وبين القبلة فهو مخالف لكتاب الله تعالى حيث قال الله تعالى فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وفى هذا الوجه تقوم الطائفتان جميعا وقال الله تعالى وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا وفى هذا الوجه انهم قد صلوا وقال الشافعي واحمد ومالك جميع الصفات المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم فى صلوة الخوف معتد بها وانما الخلاف فى الترجيح وقال احمد بن حنبل ما اعلم فى هذا الباب الّا حديثا صحيحا واختار الشافعي من الوجوه المذكورة اربعة أوجه واحمد ثلاثة ان كان العدو بينه وبين القبلة فالمختار عندهما الوجه الاول صلاته بعسفان وان كان فى جهة غير جهة القبلة فالمختار عند الشافعي امّا الوجه الثاني صلاته عليه السلام ببطن نخل واقتداء المفترض بالمتنفل صحيح عنده خلافا لاحمد وامّا الوجه الثالث صلاته عليه السّلام بذات الرقاع وعند احمد هو المختار فحسب قالوا هذا الوجه أشدّ موافقة لظاهر القران وأحوط للصلوة وابلغ للحراسة عن العدو وذلك لان الله تعالى قال فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ اى إذا صلوا ثم قال وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا وهذا يدل على ان الطائفة الاولى قد صلوا وقال فليصلّوا معك، ومقتضاه ان بصلوا تمام الصلاة وظاهره يدل على ان كل طائفة تفارق الامام بعد تمام الصلاة وفيه الاحتياط لامر الصلاة من حيث انه لا يكثر فيها العمل والذهاب والمجيء والاحتياط لامر الحرب من حيث انهم إذا لم يكونوا فى الصلاة كان أمكن للحرب والهرب ان احتاجوا اليه والوجه الرابع للشافعى وهو الثالث لاحمد حين يلتحم القتال ويشتد الخوف فيصلى كيف أمكن راكبا و ... ...

ماشيا ويعذر فى ترك القبلة وفى الأعمال الكثيرة لحاجة وان عجز عن ركوع وسجود اومأ والسجود اخفض وقال ابو حنيفة لا يجوز الصلاة فى حالة القتال ماشيا والقتال والعمل الكثير يفسد الصلاة عنده ويجوز الصلاة راكبا يومى ايماء او قائما على قدميه وقد مرّت هذه المسألة فى سورة البقرة فى تفسير قوله تعالى فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً- (فائدة) قال الحافظ رويت صلوة الخوف عن النبي صلى الله عليه وسلم على اربعة عشر نوعا ذكرها ابن حزم فى جزء مفرد بعضها فى صحيح مسلم ومعظمها فى سنن ابى داود وذكر الحاكم منها ثمانية انواع وابن حبان تسعة مسئلة يجوز صلوة الخوف فى الحضر عند الجمهور خلافا لمالك فيصلى بكل طائفة ركعتين ويصلى المغرب بالأولى ركعتين وبالثانية ركعة والله اعلم- وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اى يتمنون لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ عطف على تغفلون اى يحملون ويشدون عليكم مَيْلَةً واحِدَةً بجملتهم وكلمة لو للتمنى والجملة بيان للوداد وجاز ان يكون لو مصدرية والجملة فى محل النصب على انه مفعول ودوا وهذا بيان ما لاجله أمروا بأخذ السلاح والصلاة بهذه الكيفية والله اعلم، قال الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم غزى محاربا وبنى انمار فنزلوا ولا يرون من العدو واحدا فوضع الناس أسلحتهم وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة له قد وضع سلاحه حتى قطع الوادي والسماء ترش فحال الوادي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ظل شجرة فبصر به غويرث بن الحارث المحاربي فقال قتلنى الله ان لم اقتله ثم انحدر من الجبل ومعه السيف قد سلّه من غمده فقال يا محمد من يعصمك منى الان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال اللهم اكفنى غويرث بن الحارث بما شئت ثم أهوى بالسيف الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضربنه فانكب بوجهه من زلّخة «1» زلّخها بين كتفيه وندر سيفه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخذ ثم قال يا غويرث من يمنعك منى الان قال لا أحد قال تشهد ان لا اله الا الله وان محمدا عبده ورسوله وأعطيك سيفك قال لا ولكن اشهد ان لا أقاتلك ابدا ولا أعين عليك عدوا فاعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه فقال غويرث

_ (1) زلخة بضم الزاء وتشديد اللام وفتحها وجع يأخذ فى الظهر لا يتحرك الإنسان من شدته واشتقاقها من الزلخ وهو الزلق نهاية- منه رحمه الله وفى القران ودّ

[سورة النساء (4) : آية 103]

والله لانت خير منى قال النبي أجل انا أحق بذلك منك فرجع غويرث الى أصحابه فقالوا ويلك ما منعك منه قال لقد أهويت اليه بالسّيف لاضربنه فو الله ما أدرى من زلخنى بين كتفى فخررت بوجهي وذكر حاله فنزل قوله تعالى وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ يبلّ السلاح أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى لا تستطيعون حمل السّلاح لثقلها أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ اى فى ان تضعوا وقع الشرط فى خلال جملة تصلح للجزاء فحذف الجزاء استغناء تقدير الكلام وان كان بكم أذى من مطر او كنتم مرضى فلا جناح عليكم فى ان تضعوا أسلحتكم، رخص الله سبحانه فى وضع الأوزار بعذر المطر او المرض وذلك يدل على ان الأمر بأخذ السلاح فيما سبق للوجوب كما قال مالك والشافعي دون الاستحباب وَخُذُوا حِذْرَكُمْ من التحصن بالحصن او التحيز الى المنعة فى مثل هذه الحالة أمرهم فى تلك الحالة بأخذ الحذر كيلا يهجم عليهم العدو فان حفظ الأنفس عن الضياع بلا فائدة (يعود الى إعلاء كلمة الله) واجب وهذه الجملة اعنى الأمر بأخذ الحذر فى مثل تلك الحالة وجه المناسبة للاية بما ذكرنا من شأن نزولها كأنّ الله سبحانه ارشد نبيه صلى الله عليه وسلم ان لا يبعد عن المعسكر وحده لحاجة الإنسان عند خوف العدو إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (102) فى الدنيا بالقتل والاسر وفى الاخرة بالنار وفيه وعد للمؤمنين بالنصر على الكافرين بعد الأمر بالحزم ليتقوى قلوبهم وليعلموا ان الأمر بالحذر ليس لضعفهم وغلبة عدوهم بل لان الواجب التشبث بالأسباب على مقتضى جرى العادة وان تحافظوا على التيقظ والتدبر مع التوكل على الله ثم الكلبي فى الرواية المذكورة قال وسكن الوادي فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم الوادي الى أصحابه وأخبرهم الخبر وقرأ عليهم هذه الآية واخرج البخاري عن ابن عباس قال نزلت إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى فى عبد الرحمن بن عوف كان جريحا يعنى رخص هو لاجل الجرح فى وضع الاسلحة. فَإِذا «1» قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ اى فرغتم منها يعنى من صلوة الخوف فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ يعنى فدوموا على الذكر بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير وغير ذلك فى جميع الأحوال عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل احيانه رواه ابو داود والظاهر ان المراد بالآية والحديث دوام الحضور بالقلب إذ لا يتصور دوام الذكر باللسان

_ (1) فى الأصل وإذا-

وقيل المراد به إذا فرغتم من صلوة الخوف فاذكروا الله يعنى صلوا قياما فى حالة الصحة وقعودا او على جنوبكم بحسب الطاقة فى حالة المرض او الزمانة او الجرح او الضعف او المراد إذا أردتم الصلاة فى حالة الخوف فصلوا قياما ان قدرتم عليه وقعودا ان عجزتم عن القيام وعلى جنوبكم ان عجزتم عن القعود فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ اى سكنت قلوبكم بزوال الخوف فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ فعدلوا واحفظوا أركانها وشرائطها ولا يجوز حينئذ فى الصلاة ما يجوز فى حالة الخوف إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً اى مكتوبا مفروضا مَوْقُوتاً (103) محدودا بالأوقات لا يجوز إخراجها عنها ما أمكن كانه تعليل لتشريع صلوة الخوف والصلاة قاعدا او راقدا عند العذر ولا دليل فى هذه الاية على جواز الصلاة فى حالة الحرب والمسابقة كما قال به الشافعي واستدل عليه البيضاوي بهذه الاية لانه لو كانت الصلاة جائزة فى حالة المسابقة لذكرها كما ذكرها قاعدا وعلى الجنوب فاذا لم يذكر فالاصل عدم الجواز والاية مجملة فى الأوقات ورد بيانها بالسنة، مسئلة اجمعوا على انّ وقت الظهر بعد الزوال الى وقت العصر والعصر الى غروب الشمس الا انه يكره تحريما بالإجماع بعد اصفرار الشمس والوقت المختار عند الشافعي ان لا يؤخر العصر عن مصير الظل مثلين ووقت المغرب بعد غروب الشمس والعشاء بعد غروب الشفق الى طلوع الفجر لكن المختار بالإجماع ان لا يؤخر العشاء بعد نصف الليل والفجر بعد طلوع الصبح المعترض الى طلوع الشمس واختلفوا فى اخر وقت الظهر والمغرب فالجمهور على ان وقت الظهر الى بلوغ ظل كل شىء مثله سوى فىء الزوال والمغرب الى غروب الشفق خلافا لابى حنيفة فى اخر الظهر حيث قال الى المثلين وخلافا لمالك والشافعي فى أحد قوليه فى اخر المغرب حيث قالا لا يؤخر المغرب فى الاختيار عن غروب الشمس والأصل فى الباب حديث امامة جبرئيل عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال امّنى جبرئيل عند البيت مرتين فصلى بي الظهر فى الاولى منهما حين كان الفيء مثل الشراك ثم صلى العصر حين كان كل شىء مثل ظله ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم ثم صلى العشاء حين غاب الشفق ثم صلى الفجر حين «1» برق الفجر وحرم الطعام على الصّائم وصلى المرة الثانية الظهر حين صار ظل كل شىء مثله كوقت العصر بالأمس وصلى العصر حين صار ظل كل شىء مثليه ثم المغرب بوقته الاول والعشاء الاخر حين ذهب ثلث الليل ثم صلى الصبح حين اصفرت الأرض ثم التفت

_ (1) فى الأصل حتى

الىّ جبرئيل فقال يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك والوقت فيما بين هذين رواه ابو داود والترمذي وقال حسن صحيح وابن حبان فى صحيحه والحاكم وقال صحيح الاسناد لكن فيه عبد الرحمن بن الحرث ضعّفه احمد والنسائي وابن معين وابو حاتم ووثقه ابن سعد وابن حبان وقد توبع عليه اخرج عبد الرزاق عن العمرى عن عمرو بن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه عن ابن عباس نحوه قال ابن دقيق العبد هى متابعة حسنة وصححه ابو بكر بن العربي وابن عبد البر وقد روى حديث امامة جبرئيل عن عدة من الصحابة منهم جابر بمعناه وفيه فصلى العشاء فى اليوم الثاني حين ذهب نصف الليل او قال ثلث الليل قال البخاري أصح حديث فى المواقيت حديث جابر وعن بريدة قال انّ رجلا سال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الصلاة فقال له صل معنا هذين يعنى اليومين فلمّا زالت الشمس امر بلالا فاذن ثم امره فاقام الظهر ثم امره فاقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية ثم امره فاقام المغرب حين غابت الشمس ثم امره فاقام العشاء حين غاب الشفق ثم امره فاقام الفجر حين طلع الفجر فلما كان اليوم الثاني امره فابرد بالظهر فابردها فانعم ان يبردها وصلى العصر والشمس مرتفعة آخرها فوق الذي كان وصلى المغرب قبل ان يغيب الشفق وصلى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل وصلى الفجر فاسفرها ثم قال اين السائل عن وقت الصلاة فقال الرجل انا يا رسول الله قال وقت صلاتكم بين ما رايتم رواه مسلم وعن ابى موسى نحو حديث بريدة وفيه اخّر النبي صلى الله عليه وسلم المغرب يعنى فى اليوم الثاني حتى كان عند سقوط الشفق رواه مسلم وعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل كل شىء كطوله ما لم يحضر العصر ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ووقت المغرب ما لم يغب «1» الشفق ووقت العشاء الى نصف الليل الأوسط ووقت الفجر من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس رواه مسلم، وفى حديث ابى هريرة اوّل وقت المغرب حين تغرب الشمس واخر وقتها حين تغيب الأفق وان اوّل وقت العشاء الاخرة حين تغيب الأفق وان اخر وقتها حين ينتصف الليل وان اوّل وقت الفجر حين يطلع واخر وقتها حين تطلع الشمس رواه الترمذي من حديث محمد بن فضيل عن الأعمش عن ابى صالح عن ابى هريرة وخطأ البخاري رفعه وهذه الأحاديث حجة للجمهور على مالك والشافعي فى ان اخر وقت المغرب الى ان يغيب الشفق واما اخر وقت العصر الى غروب الشمس فمستفاد من قوله تعالى إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ فَقالَ

_ (1) فى الأصل ما لم يغرب

إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ وقوله صلى الله عليه وسلم من أدرك ركعة من الصبح قبل ان تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل ان تغرب الشمس فقد أدرك العصر متفق عليه من حديث ابى هريرة وامّا اخر وقت العشاء ما لم تطلع الفجر فلم يوجد فى شىء من الأحاديث صحيح ولا ضعيف لكن اختلف الأحاديث الصحاح فيه روى عن ابن عباس وابى موسى الأشعري وابى سعيد الخدري انه صلى الله عليه وسلم آخرها الى ثلث الليل وروى عن ابى هريرة وانس انه صلى الله عليه وسلم آخرها حتى انتصف الليل وروى ابن عمر انه صلى الله عليه وسلم آخرها حتى ذهب ثلثا اللّيل وروت عائشة انه اعتم بها حتى ذهب عامة الليل وكل هذه الأحاديث فى الصحيح قال الطحاوي يفيد مجموع هذه الأحاديث ان الليل كله وقت لها لكن على ثلاث مراتب الى الثلث أفضل والى النصف دونه وما بعده دونه، ثم ساق بسنده الى نافع بن جبير قال كتب عمر الى ابى موسى الأشعري وصل العشاء اىّ الليل شئت ولا تغفلها وعند مسلم فى قصّة ليلة التعريس عن ابى قتادة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس فى النوم تفريط انما التفريط ان يؤخر صلوة حتى يدخل وقت الاخرى وهذا يدل على ان وقتها الى طلوع الفجر وقد اجمعوا على انه إذا اسلم الكافر او طهرت الحائض او بلغ الصبى وقد بقي من الليل شىء يجب عليه العشاء وامّا أحاديث امامة جبرئيل وامامة النبي صلى الله عليه وسلم للسّائل عن وقت الصّلوة فمحمولة على المختار من الوقت ما لا كراهة فيه ولذا قال ابو حنيفة رحمه الله تأخير المغرب عن اوّل الوقت مكروه تنزيها لا تحريما لما صحّ عنه صلى الله عليه وسلم انه اخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق وتأخير العشاء عما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم والعصر الى اصفرار الشمس مكروه تحريما وأشدّ كراهة تأخير العصر الى الاصفرار لورود النهى عن الصّلوة فى ذلك الوقت وكونه منسوبا الى الشيطان وامّا ما ورد فى حديث امامة جبرئيل اخر وقت العصر حين صار ظل كل شىء مثليه فمنسوخ من قوله صلى الله عليه وسلم وقت العصر ما لم تصفى الشمس وامّا اخر وقت الظهر فلم يوجد فى حديث صحيح ولا ضعيف انه يبقى بعد مصير ظل كل شىء مثله ولذا خالف أبا حنيفة فى هذه المسألة صاحباه ووافقا الجمهور واحتج ابو حنيفة بما مرّ من حديث بريدة فلما كان اليوم الثاني امره فامره «1» فابرد بالظهر فابردها فانعم ان يبردها ولقوله صلى الله عليه وسلم إذا اشتد الحرّ فابردوا بالصلوة فان شدة الحرّ من فيح جهنم رواه الستة قال ابو حنيفة وأشدّ الحر

_ (1) هكذا فى الأصل-

فى ديارهم فى هذا الوقت حين صار ظل كل شىء مثله فكان حديث الإبراد ناسخا لحديث امامة جبرئيل فانه اوّل أحاديث الباب وإذا ثبت بقاء وقت الظهر بعد صيرورة الظل مثل الشيء نسخا لامامة جبرئيل بحديث الإبراد ثبت نسخ حديث امامة جبرئيل فى حق اوّل وقت العصر ايضا لانّ قوله تعالى إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً يقتضى كون «1» الوقت لكل صلوة وقتا على حدة ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انما التفريط ان يؤخر صلوة حتى تدخل وقت الاخرى لكن امامة جبرئيل فى اليوم الثاني العصر عند صيرورة ظل كل شىء مثليه يفيد انه وقته ولم ينسخ فيستمر ما علم ثبوته من بقاء وقت الظهر الى ان يدخل هذا الوقت المعلوم كونه وقتا للعصر وهذا الاستدلال ضعيف جدّا ودلالة حديث الأبرار على بقاء وقت الظهر بعد المثل ممنوع بل الأبرار امر إضافي وشدة الحرّ انما يكون عند الزوال وبعض الأبرار يحصل قبيل بلوغ الظل مثل الشيء ولو كان الحرّ فى ديارهم حين بلوغ ظل الشيء مثله أشد مما قبله لكان مقتضى الأمر بالابرار تعجيل الصلاة فى اوّل الوقت والله اعلم (مسئلة) الشفق الحمرة عند الجمهور وهو رواية عن ابى حنيفة رحمه الله والمشهور من مذهبه انه البياض التي بعد الحمرة لان اللفظ مشترك بينهما ولا يزول وقت المغرب ولا يدخل وقت العشاء بالشك ولان الأحوط ذلك فانه لا يجوز الصلاة قبل الوقت ويجوز بعده احتج الجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم الشفق الحمرة فاذا غاب الشفق وجبت الصلاة رواه ابن عساكر فى غرائب مالك من حديث عتيق بن يعقوب عن مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعا ورواه ابن عساكر من حديث ابى حذافة عن مالك وقال حديث عتيق أمثل اسنادا وصحح البيهقي وقفه وذكر الحاكم فى المدخل حديث ابى حذافة وجعله مثالا لما رفعه المخرجون من الموقوفات ورواه ابن خزيمة فى صحيحه من حديث محمد بن يزيد الواسطي عن شعبة عن قتادة عن ابى أيوب عن ابن عمر ورفعه وقت المغرب الى ان يذهب حمرة الشفق قال ابن خزيمة ان صحّت هذه الرواية بهذا اللفظ اغنت عن جميع الروايات لكن تفرّد بها محمد بن يزيد وانما قال فيه اصحاب شعبة ثور الشفق مكان حمرة الشفق قال الحافظ ابن حجر محمد بن يزيد صدوق وقال البيهقي روى هذا الحديث عن عمرو على وابن عباس وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس وابى هريرة ولا يصح فيه شىء والله اعلم ذكر البغوي ان أبا سفيان وأصحابه لما رجعوا يوم أحد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم

_ (1) فى الأصل كون لكل صلوة-

[سورة النساء (4) : آية 104]

طائفة فى اثارهم فشكوا الم الجراحات فانزل الله تعالى. وَلا تَهِنُوا اى لا تضعفوا ايّها المؤمنون فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ فى طلب الكفار بالقتال إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ الم الجراحات فَإِنَّهُمْ اى الكفار يَأْلَمُونَ من الجراحات كَما تَأْلَمُونَ يعنى ضرر القتال دائر بين الفريقين غير مختصّ بكم وَتَرْجُونَ من الاجر والثواب مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ اى الكفار فينبغى ان تكونوا ارغب فى القتال منهم واصبر وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بأعمالكم وضمائركم حَكِيماً (104) فيما يأمر وينهى والله اعلم، ما ذكر البغوي يدل على ان الاية نزلت فى غزوة حمراء الأسد ويدل عليه قوله تعالى إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ وقال البيضاوي نزلت فى بدر الصغرى ولا دليل عليه ولم يذكر اصحاب السير نزول هذه الاية فى أحد الغزوتين ولا يدل عليه سياق الكلام بل ذكروا فيه نزول الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ الاية اية ال عمران والله اعلم، روى الترمذي والحاكم وغيرهما عن قتادة بن النعمان قال كان اهل بيت يقال لهم بنوا أبيرق بشر وبشير ومبشر وكان بشير رجلا منافقا يقول الشعر يهجو به اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ينحله «1» بعض العرب يقول قال فلان كذا وكانوا اهل بيت حاجة وفاقة فى الجاهلية والإسلام وكان الناس انما طعامهم بالمدينة التمر والشعير فابتاع عمّى رفاعة بن زيد حملا من الدرر «2» مك فجعله فى مشربة «3» له فيها سلاح ودرع وسيف فعدى «4» عليه من تحت فنقبت المشربة وأخذ الطعام والسّلاح فلما أصبح أتاني عمّى رفاعة فقال يا ابن أخي انه قد عدى علينا فى فى ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا وذهب بطعامنا وسلاحنا فتجسسنا فى الدار وسالنا فقيل لنا راينا بنى أبيرق استوقد وافى هذه الليلة ولا نرى فيما نرى الأعلى بعض طعامكم فقال بنوا أبيرق ونحن نسئل فى الدار والله ما نرى صاحبكم الّا لبيد بن سهيل رجل منا له صلاح واسلام فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال انا اسرق فو الله ليخالطنكم هذا السيف او لتبيننّ هذه السرقة قالوا إليك عنا ايها الرجل فما أنت بصاحبها فسالنا فى الدار حتى لم نشك انهم أصحابها فقال لى عمّى يا ابن أخي لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فاتيته فقلت اهل بيت منا اهل جفاء عمدوا الى عمّى فنقبوا مشربة له وأخذوا سلاحه وطعامه فليردوا علينا سلاحنا فامّا الطعام

_ (1) اى ينسبه إليهم من النخلة بمعنى النسبة بالباطل نهاية (2) الدقيق الحرارى نهاية منه رح (3) بالضم والفتح الغرفة نهاية منه رح (4) اى سرق ماله وظلم نهاية منه رح

[سورة النساء (4) : آية 105]

فلا حاجة لنا فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سانظر فى ذلك فلما سمع بنوا أبيرق أتوا «1» رجلا منهم يقال له أسير بن عروة فكلموه فى ذلك فاجتمع فى ذلك أناس من اهل الدار فقالوا يا رسول الله ان قتادة بن النعمان وعمه عمدا الى اهل بيت نا اهل اسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا يثبت قال قتادة فاتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمدت الى اهل بيت ذكر منهم اسلام وصلاح ترميهم بالسرقة فلم نلبث ان نزل القران. إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ الآيات الى قوله عظيما، فلما نزل القران اتى رسول الله بالسلاح فرده الى رفاعة ولحق بشير المشركين فنزل على سلافة بنت سعد فانزل الله وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى الى قوله ضللا بعيدا، قال الحاكم صحيح على شرط مسلم واخرج ابن سعد فى الطبقات بسنده عن محمود بن لبيد قال عدا بشير بن الحارث على علية رفاعة بن زيد عمّ قتادة بن النعمان فنقبها من ظهرها وأخذ طعاما له ودرعين باداتهما فاتى قتادة النبي صلى الله عليه وسلم فاخبره بذلك فدعا بشيرا فساله فانكر ورمى بذلك لبيد بن سهيل رجلا من اهل الدار ذا حسب ونسب فنزل القران بتكذيب بشير وبراءة لبيد إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ الآيات فلما نزل القران فى بشير وعثر عليه هرب الى مكة مرتدا فنزل على سلافة بنت سعد فجعل يقع فى النبي صلى الله عليه وسلم وفى المسلمين فنزل القران فيه وهجاه حسان بن ثابت حتى رجع وكان ذلك فى شهر الربيع الثاني سنة اربع من الهجرة وقال البغوي روى الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس وأخرجه ابن جرير عنه قال نزلت هذه الاية فى رجل من الأنصار يقال له طعمة بن أبيرق بنى ظفر بن الحارث سرق درعا من جار له يقال له قتادة بن النعمان وكانت الدرع فى جراب فيه دقيق فجعل الدقيق ينتثر من خرق فى الجراب حتى انتهى الى الدار ثم خبأها عند رجل من اليهود يقال له زيد السمين فالتمست الدرع من عند طعمة فحلف والله ما أخذها وماله بها علم فقال اصحاب الدرع لقد راينا اثر الدقيق حتى دخل داره فلما خلف تركوه واتبعوا اثر الدقيق الى منزل اليهودي فاخذوه فقال اليهودي دفعها الىّ طعمة بن أبيرق فجاء بنوا ظفر وهم قوم طعمة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسالوه ان يجادل عن صاحبهم وقال له انك ان لم تفعل افتضح صاحبنا فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يعاقب اليهودي وقال البغوي ويروى عن ابن عبّاس رواية اخرى انّ

_ (1) فى الأصل وأتوا-

طعمة سرق الدرع فى جراب فيه نخالة فخرق الجراب حتى كان يتناثر منه النخالة طول الطريق فجاء به الى دار زيد السمين وتركه على بابه وحمل الدرع الى بيته فلما أصبح صاحب الدرع جاء على اثر النخالة الى دار زيد السمين فاخذه وحمله الى النبي صلى الله عليه وسلم فهمّ النبي صلى الله عليه وسلم ان يقطع يد زيد اليهودي وقال البغوي قال مقاتل ان زيد السمين أودع درعا عند طعمة فجحدها طعمة فانزل الله تعالى هذه الاية إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ متلبسا بِالْحَقِّ اى بالأمر والنهى والعلوم الحقة لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ قال البيضاوي الرؤية ليست بمعنى العلم والا لاستدعى ثلثة مفاعيل والروية بمعنى الابصار ظاهر الانتفاء فالمعنى بما عرفك الله واوحى إليك وقال بعض الأفاضل يمكن حمله على معنى العلم بحذف مفعوله الثاني والثالث اى بما علمكه الله حقا وهو وان كان محتاجا الى زيادة الحذف لكنه غنى عن التجوز قلت والظاهر عندى ان الرؤية بمعنى العلم وما الموصولة عبارة عن مضمون جملة يتعلق بها العلم والضمير العائد الى الموصول محذوف فى حكم المذكور مغنى عن المفعولين لقيام مضمون الجملة مقامها كانه قيل لتحكم بين الناس بكون طعمة سارقا ولبيد او زيد «1» بريا وهذه الاية دليل على ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعمل بالمظنون لكنها لا ينفى الاجتهاد عن النبي صلى الله عليه وسلم لانه إذا حصل للنبى صلى الله عليه وسلم ظن بالاجتهاد وقرر الله سبحانه ولم يطلعه على الخطأ ظهر عنده بيقين انه الحق بخلاف المجتهد ويؤيده ما روى عن عمرو بن دينار ان رجلا قال لعمر احكم بما أراك الله قال مه انما هذا للنبى صلى الله عليه وسلم خاصّة وجاز ان يكون هذا الحكم عاما ويقال ان المجتهد إذا ظهر عنده الحكم بدليل ظنى من خبر الآحاد او القياس فالعمل به واجب بدلائل قطعية من الكتاب والسنة والإجماع ما لم يظهر دليل راجح يخالفه فالحكم المظنون عند المجتهد بعد بذل جهده وان كان غير معلوم عنده انه فى نفس الأمر لكنه معلوم عنده انه واجب «2» العمل وقال الشيخ ابو منصور رحمه الله معنى الاية بما ألهمك الله بالنظر فى الأصول المنزلة وقال فيه دليل على جواز الاجتهاد فى حقه

_ (1) فى الأصل لبيدا او زيدا (2) وعن ابن وهب قال قال لى مالك الحكم الذي يحكم بين الناس على وجهين فالذى حكم بالقران والسنة الماضية فذلك الحكم الواجب والصّواب والحكم الذي يجتهد فيه العالم نفسه فيما لم يأت فيه شىء فلعله ان يوافق والثالث التكلف لما لا يعلم فما أشبه ذلك ان لا يوافق منه رحمه الله.

[سورة النساء (4) : آية 106]

وَلا تَكُنْ عطف على أنزلنا بتقدير القول يعنى وقلنا لا تكن او عطف على الكتاب لكونه منزلا يعنى أنزلنا إليك الكتاب وأنزلنا إليك لا تكن لِلْخائِنِينَ يعنى لاجلهم وللذب عنهم والمراد بهم بنوا أبيرق خَصِيماً (105) للبراء وهم لبيد بن سهيل او زيد السمين اليهودي. وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ ممّا قلت لقتادة بن النعمان كذا فى رواية الترمذي والحاكم عن قتادة وقال البغوي استغفر الله مما هممت به من معاقبة اليهودي وقال مقاتل استغفر الله من جدالك عن طعمة إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (106) لمن استغفره-. وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ اى يخونونها فان وبال خيانتهم يعود عليهم او جعل المعصية خيانة لانفسهم لما جعلت ظلما عليها والضمير لابن أبيرق وأمثاله اوله ولقومهم حيث شاركوه فى الإثم وسالوا النبي صلى الله عليه وسلم ان يجادل عنه إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُ اى يبغض مَنْ كانَ خَوَّاناً اى مبالغا فى الخيانة مصرّا عليها أَثِيماً (107) بانكار الحق والكذب ورميه بالسرقة البريء منه قيل انه خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره كقوله فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ قال البغوي الاستغفار فى حقّ الأنبياء على أحد الوجوه الثلاثة امّا لذنب تقدم على النبوة او لذنوب أمته وقرابته او لمباح جاء فى الشرع تحريمه فتركه والاستغفار معناه السمع والطاعة لحكم الشرع. يَسْتَخْفُونَ «1» اى يستترون حياء وخوفا من الفضيحة يعنى قوم بنى أبيرق مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ اى لا يستحيون من الله وهو أحق ان يستحيى منه وأحق ان يخاف الفضيحة لديه او لا يمكنهم الاستخفاء من الله تعالى وَهُوَ مَعَهُمْ لا يخفى عليه سرهم ولا طريق معه الا ترك ما يستقبحه ويؤاخذ عليه إِذْ يُبَيِّتُونَ اى يزورون ليلا ويتقولون وقد مر معنى التبييت فى قوله تعالى بيّت طائفة ما لا يَرْضى الله مِنَ الْقَوْلِ قال البغوي ذلك ان قوم طعمة قالوا فيما بينهم نرفع الأمر الى النبي صلى الله عليه وسلم فانه يسمع قول طعمة ويمينه لانه مسلم ولا يسمع قول اليهودي لانه كافر فلم يرض الله بذلك القول وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (108) لا يفوت منه شىء-

_ (1) عن ابن حميد وابن ابى حاتم عن ابن مسعود موقوفا من صلى صلوة عند الناس لا يصلى بها إذا خلا فهى استهانة استهان بها ربّه ثم تلا هذه الاية يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ منه رحمه الله [.....]

[سورة النساء (4) : آية 109]

ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ أنتم مبتدا وهؤلاء منادى بحذف حرف النداء وما بعده خبر المبتدا او يقال هؤلاء خبر مبتدا وقوله جادَلْتُمْ الى آخره جملة مبيّنة بوقوع هؤلاء خبرا وصلة عند من يجعله موصولا عَنْهُمْ يعنى عن ابن أبيرق وأمثاله وقومه والجدال شدة المخاصمة من الجدل وهو شدة الفتل وهو يريد قتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج وقيل الجدال من الجدالة بمعنى الأرض فكأنّ كل واحد من الخصمين يريد إلقاء صاحبه على الأرض فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يعنى لا أحد يجادل الله عن أمثال ابن أبيرق إذا أراد تعذيبهم يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109) محاميا يحميهم ويدفع عنهم عذاب الله لان من وكل اليه الأمر يحافظ عليه وأم فى مثل هذا الموضع حيث وقع بعده حرف استفهام مثل أم ماذا كنتم وأم كيف ينفع ليست بمتصلة ولا منقطعة بل هى بمعنى بل ويجوز الحمل على أحد معنييه بتأويل. وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً «1» قبيحا يسوء به غيره أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ بما يختص به وقيل المراد بالسوء ما دون الشرك وبالظلم الشرك وقيل الصغيرة والكبيرة ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ «2» لَّهَ بالتوبة ورد المظالم يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً لذنوبه رَحِيماً (110) متفضلا عليه فيه حث لابن أبيرق وقومه على التوبة والاستغفار. وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً صغيرا او كبيرا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ حيث يتضرر به نفسه لا يتعدى وباله الى غيره وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بما كسب عبده حَكِيماً (111) فى مجازاته. وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً صغيرة او ما لا عمد فيه أَوْ إِثْماً كبيرة او ما كان عن عمد ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً كما رمى ابن أبيرق لبيدا او زيد السمين ووحد الضمير لمكان او فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً اى كذبا يبهت «3» ويتحير به العقول وَإِثْماً ذنبا مُبِيناً (112) ظاهرا بسبب رمى البريء وتبرئة النفس الخاطئة

_ (1) اخرج ابن راهويه فى مسنده عن عمر بن الخطاب قال لمّا نزلت مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً لبثنا ما ينفضا طعام ولا شراب حتى انزل الله بعد ذلك وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً منه رحمه الله- (2) روى من طرق متعددة عن على قال سمعت أبا بكر يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من عبد أذنب ذنبا فقام فتوضأ فاحسن وضوءه ثم قام فصلى واستغفر من ذنبه الا كان حقا على الله ان يغفره لانه يقول وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً رواه ابن ابى حاتم وابن السنى وابن مردوية منه رحمه الله (3) عن زيد بن اسلم ان عمر بن الخطاب اطلع على ابى بكر وهو يمد لسانه قال ما تصنع يا خليفة رسول الله قال ان هذا الذي أورد فى الموارد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس شىء من الجسد الا يشكو ذرب اللسان على حدته منه رحمه الله-

[سورة النساء (4) : آية 113]

وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ايها النبي وَرَحْمَتُهُ اى عصمته ولطفه من الاطلاع على سرّهم لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ اى بنوا ظفر أَنْ يُضِلُّوكَ فى القضاء بالتزوير ويلبسوا عليك الأمر حتى تدافع عن ابن أبيرق والجملة جواب لولا وليس القصد فيه الى نفى همّهم بل الى نفى تأثيره فيه كانّه نزل وجود الهمّ منزلة العدم لعدم تأثيره وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ فان ضرر اضلالهم انما يعود إليهم وَما يَضُرُّونَكَ بعصمة الله مِنْ شَيْءٍ منصوب المحل على المصدرية اى شيئا من الضرر كان مقتضى الظاهر وما أضلوا الا أنفسهم وما أضرّوك من شىء عدل الى المضارع لحكاية الحال وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ اى القران وَالْحِكْمَةَ اى العلوم الحقة بالوحى الغير المتلوّ وَعَلَّمَكَ العلوم بالاسرار والمغيبات قال قتادة علمه الله بيان الدنيا والاخرة من حلاله وحرامه ليحتج بذلك على صحة ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ جملة وانزل الله وعلّمك جملة حالية بتقدير قد متعلق بنفي الإضلال ونفى الضرر على سبيل التنازع وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113) إذ لا فضل أعظم من النبوة والله اعلم. لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ النجوى السرّ كذا فى القاموس وناجيته ساررته قال فى الصحاح أصله ان تخلو به فى نجوة من الأرض يعنى ما ارتفع منها وقيل أصله من النجاة وهو ان يعاونه على ما فيه خلاصة قال البغوي النجوى هو الاسرار فى التدبير وقيل النجوى ما يتفرد بتدبيره قوم سرّا كان او جهارا ويؤيّده قوله تعالى وَأَسَرُّوا النَّجْوى ومعنى الاية لا خير فى كثير ممّا يزور به بينهم وجاز ان يكون المصدر بمعنى الفاعل والمراد به الرجال المتناجون كما فى قوله تعالى وَإِذْ هُمْ نَجْوى والضمير المجرور عائد الى قوم ابن أبيرق الذين يستخفون من الناس إذ هم يبيون ما لا يرضى الله من القول وقال مجاهد الاية عامّة فى حق جميع الناس فعلى تقدير عوده الى قوم ابن أبيرق قوله تعالى إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ الاستثناء منقطع لان من امر بصدقة غير داخلين فيهم وعلى تقدير عود الضمير الى جميع الناس استثناء متصل من الضمير المذكور وقيل هذا استثناء من قوله كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ فان كان النجوى بمعنى الفاعل فلا خفاء فيه وان كان بمعنى المصدر يقدر المضاف فى المستثنى يعنى لا خير فى كثير من نجويهم الّا نجوى من امر بصدقة ويرد عليه ان هذا الاستثناء لا يجوز لانه مثل جاءنى كثير من الرجال الّا ... ...

زيد لعدم الجزم بدخول زيد فى كثير ولا فى خروجه فلا يصح المتصل ولا المنقطع وأجيب بان المراد لا خير فى كثير من نجوى واحد منهم الا نجوى من امر وهذا الجواب لا يتأتى إذا كان النجوى بمعنى المتناجى إذ لا معنى لان يقال لا خير فى كثير من متناجى كل واحد منهم والظاهر ان الّا هاهنا بمعنى غير صفة كما فى قوله تعالى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا أَوْ مَعْرُوفٍ اى ما يعرف حسنها شرعا من اعمال البر قيل المراد القرض واعانة الملهوف وصدقة التطوع وبالصدقة الزكوة المفروضة أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ عطف على معروف تخصيص بعد تعميم لمزيد الاهتمام او يقال قد يباح لاجل الإصلاح بين الناس ما ليس بمعروف فى غيره كالكذب عن أم كلثوم بنت عقبة بن ابى معيط وكانت من المهاجرات الاول قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالكذاب من أصلح بين الناس فقال خيرا او نمى خيرا متفق عليه عن ابى الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة والصلاة قال قلنا بلى قال إصلاح ذات البين وإفساد ذات البين هى الحالقة رواه ابو داود والترمذي وقال هذا حديث صحيح وعن اسماء بنت يزيد قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل الكذب الّا فى ثلاث كذب الرجل امرأته ليرضيها والكذب فى الحرب والكذب ليصلح بين الناس رواه احمد والترمذي وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اى الأمر بأحد هذه الأشياء او أحد هذه الأشياء المذكورة يعنى الصدقة وأختيه والظاهر هو الاول واختار البيضاوي الثاني وقال بنى الكلام على الأمر ورتّب الجزاء على الفعل ليدل على انه لما دخل الأمر فى زمرة الخيّرين كان الفاعل ادخل فيهم وان العمدة والغرض هو الفعل والأمر وصلة اليه ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ قيد الفعل به لان من فعل رياءا وسمعة لم يستحق الاجر انما الأعمال بالنيات متفق عليه من حديث عمر مرفوعا فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ قرا حمزة وابو عمرو بالياء على الغيبة والباقون بالتاء «1» على الخطاب أَجْراً عَظِيماً (114) يستحقر فى جنبه اعراض الدنيا روى الشيخان فى الصحيحين واحمد عن ابى شريح الخزاعي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليقل خيرا او ليصمت وروى البيهقي عن انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رحم الله امرأ تكلم فغنم او سكت فسلم

_ (1) الصحيح بالنون على التكلم

[سورة النساء (4) : آية 115]

ولما ذكر الله سبحانه جزاء المستثنيين الخيار عقبه جزاء من بقوا بعد الاستثناء «1» من الشرار فقال. وَمَنْ يُشاقِقِ اى يخالف مشتق من الشق كانّ كلا من المتخالفين فى شق غير شق الاخر الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى اى بعد ما ثبت عنده بدليل قطعىّ وظهر ما حكم به الرسول صلى الله عليه وسلم قيد بهذا احترازا عمّن خالف الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يبلغه الخبر بما حكم به الرسول او بلغه بطريق اتهم بعض رواته او اخطأ المجتهد فى فهم مراده بعد بذل الجهد وقيل معنى خالف الرسول انه ارتد عن الدّين بعد ظهور التوحيد وصدق الرسول بالمعجزات كما حكى عن طعمة وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ اى غير ما هم عليه أجمعون من اعتقاد او عمل ولا بأس بمخالفة البعض إذا وافق البعض لقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بايهم اقتديتم اهتديتم نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى اى نجعله فى الدنيا واليا لما تولى من الضلال وو نخلى بينه وبين ما اختاره من الكفر وقيل معناه نكله فى الاخرة الى ما اتكل عليه فى الدنيا كما فى الصحيحين عن ابى سعيد الخدري وعن عبد الله بن عمرو بن العاص فى حديث طويل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم القيامة اذن مؤذن ليتبع كل امة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب الا يتساقطون فى النار وَنُصْلِهِ اى ندخله جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (115) جهنم «2» او التولية عن الحق قال البغوي نزلت هذه الاية فى طعمة ابن أبيرق وذلك انه لما ظهرت عليه السرقة خاف على نفسه من قطع اليد والفضيحة هرب الى مكة وارتد عن الدين فقال الله تعالى وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ الاية وهذه الاية دليل على حرمة مخالفة الإجماع لانه تعالى رتّب الوعيد على المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين ولا وجه لكون أحدهما سببا له دون الاخر والا للغا ذكر الاخر ولا لكون مجموعهما سببا لان المشاقة محرمة بانفرادها بالنصوص القطعية فظهر ان كل واحد منهما سبب للوعيد فثبت ان اتباع غير سبيلهم محرم فثبت ان اتباع سبيلهم واجب لان الإنسان لا محالة سالك سبيلا روى البيهقي والترمذي عن ابن عمرو ابن عباس قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجمع الله هذه الامة على الضلالة

_ (1) فى الأصل بعد الثنيا (2) عن مالك قال كان عمر بن عبد العزيز يقول من رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاه الأمر من بعدة سننا الاخذ بها تصديق بكتاب الله واستكمال بطاعته وقوة على دين الله ليس لاحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر فيها خالفها من اقتدى بها مهتد ومن استنصر بها منصور ومن يخالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا منه رحمه الله.

[سورة النساء (4) : آية 116]

ابدا ويد الله على الجماعة ومن شذ شذ فى النار والله اعلم قال البغوي روى ان طعمة بن أبيرق نزل على رجل من بنى سليم من اهل مكة يقال له الحجاج بن علاظ فنقب بيته فسقط عليه حجر فلم يستطع ان يدخله ولا ان يخرج حتى أصبح فاخذ ليقتل فقال بعضهم دعوه فانه قد لجا إليكم فتركوه فاخرجوه من مكة فخرج مع تجار من قضاعة نحو الشام فنزلوا منزلا فسرق بعض مطاعهم فهرب فطلبوه فاخذوه ورموه بالحجارة حتى قتلوه فصار قبره تلك الحجارة وقيل انه ركب سفينة الى جدة فسرق فيها كيسا فيه دنانير فاخذ فالقى فى البحر وقيل انه نزل فى حرة بنى سليم فكان يعبد صنما لهم الى ان مات فانزل الله تعالى فيه. إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ من الصغائر والكبائر بالتوبة وبلا توبة لِمَنْ يَشاءُ مغفرته وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فى وجوب الوجود وتاصله او فى العبادة شيئا فَقَدْ ضَلَّ عن سبيل الحق ضَلالًا بَعِيداً (116) لا يمكن وصوله الى النجاة والمغفرة وقال البغوي قال الضحاك عن ابن عباس رضى الله عنهما ان هذه الاية السابقة نزلت فى شيخ من الاعراب جاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا نبى الله انى شيخ منهمك فى الذنوب الا انى لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وامنت به ولم اتخذ من دونه وليا ولم اواقع المعاصي جرءة على الله وما توهمت انى أعجز الله هربا وانى لنادم تائب مستغفر فماذا حالى، وكذا اخرج الثعلبي عنه والله اعلم قال البغوي ونزل فى اهل مكة قوله تعالى. إِنْ يَدْعُونَ اى ما يعبدون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء هو العبادة ثم قال وقال رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي الاية رواه احمد واصحاب السنن الاربعة، ولان من عبد شيئا دعاه لحوائجه ومصالحه مِنْ دُونِهِ تعالى إِلَّا إِناثاً قال اكثر المفسرين معناه الّا أوثانا ووجه تسميتها بالإناث اما لان العرب كانوا يزعمونها إناثا ويسمونها بأسماء الإناث اللات والعزى ومناة ونحوها ويقولون ربة بنى فلان وأنثى بنى فلان لما روى عبد الله بن احمد فى زوائد المسند وابن المنذر وابن ابى حاتم عن ابى بن كعب انه قال الّا إناثا قال مع صنم جنية وامّا لانه لا حقيقة لها الا اسماءها قال الله تعالى ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها فاعتبرت إناثا باعتبار تأنيث أسمائها وامّا لانها كانت ... ...

[سورة النساء (4) : آية 118]

جمادات والإناث يطلق على الجمادات لغة فى القاموس الإناث جمع الأنثى كالاناثى والموات كالشجر والحجر وصغار النجوم فهذا اطلاق لغوى أصلي من غير تجوّز كما قيل فى كتب النحو الضمير بالألف والتاء ونون الجماعة لغير العقلاء فى الأصل يقال سفن جاريات ونخل باسقات وصرن الأيام ليالى وانما جعل ضمير جماعة النساء بها لتنزيلهن منزلة غير العقلاء لنقصان عقلهن وقال الحسن وقتادة الّا إناثا اى مواتا لا روح فيه سماها إناثا لانها تخبر عن الموات كما تخبر عن الإناث او لان الإناث أدون الجنسين كما ان الموات أرذل من الحيوان وعلى هذين الوجهين الإطلاق مجازى وقرأ ابن عباس الّا اثنا جمع الأوثان جمع وثن قلبت الواو همزة وقال الضحاك أراد بالإناث الملائكة فانهم كانوا يقولون الملائكة بنات الله قال الله تعالى وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً وذلك انه كان فى كل وثن شيطانا يتزا اى للسدنة والكهنة ويكلمهم كما ذكرنا فيما سبق وقيل المراد به إبليس فانه هو الذي أمرهم بعبادتها فعبادتها طاعته وعبادته مَرِيداً (117) المارد والمريد الذي لا يعلق بخير واصل التركيب للملاسة ومنه صرح ممرد وغلام امرد والمراد هاهنا العاتي الخارج عن طاعة الله. لَعَنَهُ اللَّهُ صفة ثانية للشيطان وَقالَ عطف على لعن اى شيطانا مريدا جامعا بين لعنة الله وهذا القول الدال على فرط عداوته للناس والتوصيف بهذا القول يدل على ان المراد بالشيطان إبليس فانه إذا ابى عن سجود آدم ولعنه الله قال وعزتك وجلالك لا أبرح اغوى بنى آدم ما دامت الأرواح فيهم كذا فى الصحيح من الحديث وهو المعنى من قوله تعالى لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (118) اى مقدرا قدر لى قال الحسن من كل الف تسعمائة وتسعا وتسعين الى النار وواحدا الى الجنة قلت كذا ورد فى حديث بعث النار او المعنى نصيبا مقطوعا عمن عداه يعنى جماعة أشقياء ممتازة من السعداء. وَلَأُضِلَّنَّهُمْ عن الحق بإلقاء الوسوسة فى قلوبهم وتزيين الشهوات عندهم فنسبة الإضلال اليه انما هو بالمجاز عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتى الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول من خلق ربّك فاذا بلغه فليستعذ بالله ولينته متفق عليه وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ الأماني الباطلة ان ... ...

لا بعث ولا عذاب وطول الحيوة وادراك الاخرة مع ارتكاب المعاصي عن انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الشيطان يجرى من الإنسان مجرى الدم متفق عليه وعن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان للشيطان لمّة بابن آدم وللملك لمة فاما لمة الشيطان فايعاد بالشر وتكذيب بالحق وامّا لمة الملك فايعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم انه من الله فليحمد الله ومن وجد الاخرى فليستعذ بالله من الشيطان الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ رواه الترمذي وقال حديث غريب وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ البتك القطع والشق والتبتيك للتكثير والتكرير اى ليقطعن ويشققن آذانَ الْأَنْعامِ وهى عبارة عما كانت تفعل بالبحائر قال قتادة والسدى كانوا يبتكون آذانها لطواغيتهم قال فى القاموس البحر الشق وشق الاذن ومنه البحيرة كانوا إذا أنتجت الناقة عشرة ابطن بحروها اى شقوا اذنها وتركوها ترعى وحرموا لحمها إذا ماتت على نسائهم وأكلها الرجال وفيه اشارة الى تحريم كل ما أحل الله وتنقيص كل ما خلق كاملا بالفعل او بالقوة وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ عن وجهه صورة «1» او صفة «2» ويندرج فيه فقوعين الحامى وخصاء العبيد والوشيم «3» والوشير «4» والمثلة واللواطة والسحق وعبادة الشمس والقمر والحجارة لانها ما وضعت لها واستعمال الجوارح والقوى فيما لا يعود على النفس كمالا وتغيير فطرة الله التي هى الإسلام، عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مولود الا يولد على الفطرة فابواه يهود انه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء «5» هل تحسون فيها من جدعاء «6» ثم يقول فِطْرَتَ اللَّهِ

_ (1) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الله الواشمات والمتوشمات والمتنمصات والمتفلحات للحسن المغيرات خلق الله رواه احمد والشيخان عن ابن مسعود وروى احمد والشيخان عن ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة وروى احمد عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلعن القاشرة والمقشورة والواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة منه رحمه الله (2) عن ابن عمر ان عمر بن الخطاب كان ينهى عن اختصاء البهائم ويقول هل النماء الا فى الذكور وامّا خصاء البهائم فلا يأس به عند ابى حنيفة كذا فى الهداية كذا روى عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الحسن وروى ابن ابى شيبة وابن المنذر عن محمد بن سيرين والحسن لكن روى ابن ابى شيبة والبيهقي وابن المنذر ان عمر بن الخطاب كان ينهى عن خصاء البهائم وروى ابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صبر الروح واخصاء البهائم واخرج ابن ابى شيبة والبيهقي عن ابن عمر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خصاء الخيل والبهائم وروى ابن ابى شيبة وغيره عن ابن عباس انه قال فيه نزلت وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وروى ابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم عن ابن عباس ولامرنهم ليغيرن خلق الله قال دين الله منه رحمه الله (3) الوشم غرز الابرة فى البدن وذر النيلج عليه منه رح (4) الوشر تحديد المرأة أسنانها وترقيقها منه رح (5) جمعاء اى سليمة من العيوب مجتمعة الأعضاء كاملتها نهاية (6) جدعاء اى مقطوعة الأطراف او أحدها والجدع قطع الانف او الاذن او الشفة نهاية منه رح

[سورة النساء (4) : آية 120]

الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ متفق عليه يعنى لا تبدلوا خلق الله وجاز ان تكون هذه الجمل الخمس حكاية عمّا يأتيه الشيطان فعلا فحينئذ لا يختص هذا القول بإبليس، برهن الله سبحانه على ان الشرك ضلال غاية الضلال بان ما تشركون به تعالى جمادات لا تضر ولا تنفع بل هى اسماء سميتموها بأسماء الإناث لا حقيقة لها وبان الإشراك طاعة للشيطان المريد المنهمك فى الشر والضلال لا يعلق بشىء من الخير والهدى وبانه ملعون لضلالته فلا يستجلب مطاوعته الا اللعن والضلال وبانه فى غاية العداوة للانسان والسعى فى إهلاكهم فموالات من هذا شأنه بعيد عن العقل ضلال غايته فضلا عن عبادته ثم حكم بما هو كالنتيجة لما سبق من البرهان فقال وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا ربّا يطيعه مِنْ دُونِ اللَّهِ بايثاره ما يدعوه اليه على ما امر الله تعالى فيه اشارة الى ان عبادة الله بالاشراك غير مقبول عند الله تعالى بل هو عبادة لغير الله فقط ولا يجتمع عبادة الله مع عبادة غيره عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى انا اغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معى غيرى تركته وشركه وفى رواية فانا منه برئ وهو للذى عمله رواه مسلم فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (119) حيث ضيع رأس ماله واشترى النار بالجنة. يَعِدُهُمْ بالخواطر الفاسدة او بلسان أولياءه ما لا ينجزه ويحتمل ان يتصور بصورة انسان ويعدهم كما فعل يوم بدر إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ الاية وَيُمَنِّيهِمْ الأماني الباطلة التي لا ينالونها من طول العمر ونيل الدنيا ونحو ذلك وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً (120) باطلا وهو اظهار النفع فيما فيه الضرر واظهار الضرر فيما فيه النفع قال الله تعالى الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ يعنى بالإنفاق فى سبيل الله وصلة الرحم ويأمركم بالفحشاء. أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (121) اى هربا او مهربا فى القاموس حاص عنه يحيص حيصا وحيصة ومحيصا عدل وحاد وكلمة عنها حال منه وليس صلة لانه اسم مكان او مصدر فلا يعمل فيما قبله. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اى تحت قصورها وغرفها الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا اى ... ...

[سورة النساء (4) : آية 123]

وعد الله وعدا وحق ذلك حقا فالمصدر الاول مؤكد لنفسه لان مضمون الجملة الاسمية وعد التي قبلها والثاني مؤكد لغيره ويجوز نصب الموصول بفعل يفسره ما بعده ووعد الله بقوله سندخلهم لانه بمعنى نعدهم ادخالهم الجنة وعدا حقا على انه حال من المصدر وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122) اى لا أحد جملة مؤكدة بليغة فى التأكيد والمقصود من الاية معارضة المواعيد الشيطانية الكاذبة لقرنائه بوعد الله الصادق لاوليائه وجاز ان يكون جملة معترضة بالواو وفائدتها التأكيد او معطوفة على محذوف اى صدق الله ومن اصدق من الله وجاز ان يكون عطفا على خالدين بتقدير القول اى وقائلين من اصدق والله اعلم اخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس قالت اليهود والنصارى لا يدخل الجنة غيرنا وقالت قريش انا لا نبعث فانزل الله تعالى. لَيْسَ الأمر منوطا بِأَمانِيِّكُمْ يا اهل مكة حيث تقولون لا بعث ولا نشور وتقولون هؤلاء الأصنام شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ وتقولون ان كان الأمر كما يزعم اصحاب محمد لنكونن خيرا منهم واحسن حالا ويدل على كون الخطاب لاهل مكة سياق الاية وبه قال مجاهد وَلا الأمر منوطا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ اليهود والنصارى حيث يقولون نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ويقولون لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى، ولَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ بل امر النجاة والثواب وضدهما منوط بالايمان والأعمال الصالحة وضدّها ثم فصّل الجملة فقال مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً من الكفر والمعاصي يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا يوصل اليه خيرا وَلا نَصِيراً (123) يدفع عنه شرا، كلمة من عامة شاملة للمؤمن والكافر وان كان سبب النزول خاصا اعنى أماني الكفار من اهل مكة واهل الكتاب فان العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب كذا ذكر البغوي قول ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهم ان الاية عامة فى حق كل عامل وقوله تعالى يجز به مقيد بعدم المغفرة كغيره من آيات الوعيد والجزاء يعم ما يصيبه فى الدنيا وما يصيبه فى الاخرة ان لم يغفر الله تعالى عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوله عصابة من أصحابه بايعونى على ان لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين ايديكم وأرجلكم ولا تعصوا فى معروف فمن وفى منكم فاجره على الله ومن أصاب من ذلك ... ...

شيئا فعوقب على ذلك فى الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو الى الله ان شاء عفا عنه وان شاء عاقبه فبايعناه على ذلك متفق عليه وقوله تعالى لا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً لا يدل على ان هذا الحكم خاص بالكفار ولا يضر ذلك بالمؤمنين فان مولاهم الله تعالى كفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا فيغفرهم الله تعالى ان شاء يشفع لهم الملائكة والأنبياء والصالحون بإذن الله تعالى ولا يطلبون من دون الله وليا ولا نصيرا وامّا الكفار فيطلبون الولاية والنصرة ممّا عبدوها دون الله تعالى فلا يجدونها لهم اولياء ولا أنصارا ويدل على عموم هذه الاية المؤمنين والكفار حديث ابى بكر الصديق رضى الله عنه قال كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فانزلت هذه الاية مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر الا اقرئك اية أنزلت عليّ قال قلت بلى قال فاقرانيها قال ولا اعلم انى وجدت انفصاما فى ظهرى حتى تمطيت لها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك ما لك يا أبا بكر فقلت يا رسول الله بابى أنت وامّى أينا لم يعمل سوءا وانا لمجزيون بكل سوء عملناه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اما أنت وأصحابك المؤمنون فيجزون بذلك فى الدنيا حتى تلقوا الله وليست لكم ذنوب وامّا الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا يوم القيامة رواه البغوي بسنده والترمذي وعبد ابن حميد وابن المنذر وأخرجه احمد وابن حبان والحاكم بلفظ قال ابو بكر فمن ينجو مع هذا فقال عليه السلام اما تحزن اما تمرض اما يصيبك البلاء قال بلى يا رسول الله قال هو ذلك وروى احمد والبخاري فى تاريخه وابو يعلى والبيهقي نحوه عن عائشة وقال البغوي قال الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس رضى الله عنهما لما نزلت هذه الاية شقت «1» على المسلمين وقالوا يا رسول الله وايّنا لم يعمل سوءا غيرك فكيف الجزاء قال منه ما يكون فى الدنيا فمن يعمل حسنة فله عشر حسنات ومن جوزى بالسيئة نقصت واحدة من عشر وبقيت له تسع حسنات فويل لمن غلبت احاده أعشاره وامّا ما كان جزاء فى الاخرة فيقابل من حسناته وسيئاته فيلقى مكان كل سيئة حسنة وينظر فى الفضل فيعطى الجزاء فى الجنة فيؤتى كل ذى فضل

_ (1) وعن محمد بن المنتشر قال قال عمر لبثنا حين نزلت مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ما ينفعنا طعام ولا شراب حتى انزل الله بعد ذلك ورخص وقال وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً منه رحمه الله

[سورة النساء (4) : آية 124]

فضله «1» والله اعلم قلت ما ذكرنا تخريج ابن ابى حاتم عن ابن عباس فى سبب نزول قوله تعالى ليس بامانيّكم هو الظاهر من حيث الرواية والدراية ولكن روى له سبب اخر ايضا أخرجه ابن جرير عن مسروق مرسلا ونحوه عن قتادة والضحاك والسدىّ وعن ابن عباس من طريق العوفى ان قوله تعالى لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ نزلت فى تفاخر النصارى واهل الإسلام وفى لفظ تفاخر اهل الأديان جلس ناس من اليهود وناس من النصارى وناس من المسلمين فقال هؤلاء نحن أفضل وقال هؤلاء نحن أفضل قال البغوي قال اهل الكتاب نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم فنحن اولى بالله منكم وقال المسلمون نبينا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضى على الكتب وقد أمنا بكتابكم ولم تؤمنوا بكتابنا فنحن اولى وعلى هذا الخطاب فى لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ مع المؤمنين ولا خفاء حينئذ فى عموم قوله تعالى مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً- واخرج ابن جرير ايضا عن مسروق وكذا ذكر البغوي عن الأعمش عن ابن الضحى عنه انه قال لما نزلت لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ قال اهل الكتاب نحن وأنتم سواء فنزلت هذه الاية. وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ يعنى بعضها وشيئا منها بدليل قوله تعالى فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى فى موضع الحال من المستكن فى يعمل ومن لتبيين الإبهام او فى موضع الحال من الصّالحات اى كائنة من ذكر او أنثى ومن للابتداء واو على التأويلين فيه تأكيد بشمول الحكم فى مَنْ يَعْمَلْ قال بعض الأفاضل فى تبيين العامل بالذكر والأنثى توبيخ للمشركين فى إهلاكهم إناثهم وَهُوَ مُؤْمِنٌ حال من المستكن فى يعمل قيد جزاء الحسنات بشرط الايمان ولم يقيد جزاء السيئات بشرط الكفر لان كل سيئة صغيرة كانت او كبيرة غير مرضية لله منهية فاتيانها يقتضى العقاب ان لم يتداركه المغفرة

_ (1) واخرج ابن ابى شيبة واحمد والبخاري ومسلم عن ابى هريرة وابى سعيد انهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم بهم الا كفر الله به من سيئاته وفى الصحيحين وغيرهما عن عائشة نحوه واخرج ابن الى الدنيا والبيهقي عن بريدة الأسلمي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما أصاب رجلا من المسلمين نكبة فما فوقها حتى ذكر الشوكة الا لاحد خصلتين الا ليغفر الله من الذنوب ذنبا لم يكن يغفر له الا بمثل ذلك او يبلغ به من الكرامة كرامة لم يبلغها الّا بمثل ذلك، واخرج ابن سعد والبيهقي عن ابى فاطمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال والذي نفسى بيده ان الله ليبتلى المؤمن وما يبتليه الّا لكرامة عليه وان العبد لتكون له الدرجة فى الجنة لا يبلغها بشىء من عمله حتى يبتليه بالبلاء ليبلغ به تلك الدرجة وروى البيهقي عن ابى هريرة نحوه منه رحمه الله-[.....]

ولذلك عمّ الوعيد على السيئات للفريقين المؤمنين والكفار وامّا الحسنات فلا يعتد بشىء منها ما لم يقترن بالايمان لان اعمال الكفار ليست خالصة لله تعالى وما ليس بخالص له تعالى فهو شرك ومعصية وليست بحسنة فان قيل فعلى هذا لا حاجة الى هذا القيد لان عنوانها بالصالحات يغنى عنه فان اعمال الكفار ليست من الصالحات فى شىء قلنا نعم لكن قيد بذلك للتصريح ودفع توهم الكفار ان من أعمالهم ما هو حسنة كالنفقات وصلة الأرحام ونحو ذلك فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وان كانوا فساقا ماتوا بلا توبة امّا بمغفرة ذنوبهم او بعد جزاء سيئاتهم قرا ابن كثير وابو جعفر وابو عمرو وابو بكر يدخلون بضم الياء وفتح الخاء على البناء للمفعول هاهنا وفى سورة مريم وحم المؤمن وزاد ابو عمرو يدخلونها فى سورة فاطر والباقون على البناء للفاعل، وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124) اى مقدار النقير وهو النقرة التي تكون فى ظهر النواة وهذه الاية بعبارته تدل على عدم تنقيص ثواب المطيع وبالدلالة بالطريق الاولى على عدم الزيادة فى عذاب العاصي لان الأذى فى زيادة العذاب أشد منه فى تنقيص الثواب فاذا لم يرض ارحم الراحمين بهذا فكيف يرضى باشد منه وقال بعض الأفاضل لترك هذا القيد فى قوله تعالى وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً وجه «1» اخر وهو ان مقام تهديد الكافر لتنفيره عن الشرك يقتضى تركه هناك ومقام ترغيب المؤمن بالعمل الصالح والمواظبة على الانقياد يقتضى ذكره هاهنا قلت وعندى ان معنى قوله تعالى وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً انه لا ينقص أحد من ثواب طاعاته ولا يزاد أحد على عقاب سيئاته ولما كان قوله تعالى وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ شاملا لجميع المؤمنين الصلحاء والفساق لان الفاسق ايضا لا يخلو عن إتيان عمل صالح أدناه شهادة ان لا اله الا الله وهو أعلى شعاب الايمان ففى هذه الاية بشارة للفريقين من المؤمنين المطيعين والعصاة بالأمرين حميعا عدم تنقيص الثواب وعدم زيادة العذاب وامّا قوله تعالى وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً وان كان شاملا للفريقين المؤمنين والكفار وكان الفساق من المؤمنين داخلين فى كلا الآيتين لكن لما كان جزاء سيئات الكفار غير متناه لعدم تناهى قبح الكفر بالله فكان زيادة العذاب على سيئات الكفار غير متصور لاستحالة الزيادة على ما لا تناهى له او يقال يجوز الزيادة فى عذاب الكفار على سيئاتهم قال الله تعالى زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ فلذلك لم يذكر هذه الجملة هناك كيلا

_ (1) فى الأصل وجها اخر-

[سورة النساء (4) : آية 125]

يكون بشارة للكفار فان قيل الظلم قبيح وان كان فى حق الكفار والله سبحانه منزه عن القبائح فكيف يجوز الزيادة على عذاب الكافر قلنا الظلم عبارة عن التصرّف فى غير ملكه والله سبحانه مالك الملك يتصرّف فى ملكه كيف يشاء فلو عذب العالمين بغير جرم لا يكون منه تعالى ظلما وقوله تعالى لا يُظْلَمُونَ نَقِيراً وأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ مبنى على التجوز معناه ان الله سبحانه لا يفعل بالمؤمنين ما لو فعله بهم غيره تعالى يعد ظلما والله اعلم ذكر البغوي عن مسروق انه قال لما نزلت لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ الاية قال اهل الكتاب نحن وأنتم سواء فنزلت وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ كما ذكر سابقا ونزلت ايضا. وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ يعنى أخلص نفسه لله بحيث لا يكون لقلبه تعلقا علميا ولا حبيا بغيره تعالى ويكون نفسه وقلبه وقالبه منقادا لاوامره تعالى منتهيا عن مناهيه لا يثبت لنفسه ولا لغيره فى دائرة الإمكان لشىء من الأشياء وجودا متاصلا فضلا من اتخاذه معبودا او محبوبا او موجودا بوجود مستقل بنفسه وفى هذا الاستفهام اشارة الى ان ذلك غاية مبلغ الكمال وَهُوَ مُحْسِنٌ ات بالحسنات تارك للسيئات متصف بدوام الحضور والإخلاص قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حديث سوال جبرئيل ما الإحسان ان تعبد ربك كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك متفق عليه من حديث عمر رضى الله عنه وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ خصّ ابراهيم عليه السّلام بالذكر مع ان دين الأنبياء كلهم واحد وهو صرف نفسه وأعضائه وقواه ظاهرا وباطنا فى مرضات الله تعالى مشتغلا به تعالى معرضا عن غيره تعالى لاتفاق جميع الأمم على كونه نبيا حقا حميدا فى كل دين ولكون دين الإسلام موافقا لشريعة ابراهيم عليه السلام فى كثير من فروع الأعمال كالصلوة الى الكعبة والطواف بها ومناسك الحج والختان وحسن الضيافة وغير ذلك من كلمات ابتلاه الله تعالى بها فاتمهن حَنِيفاً حال من ابراهيم او من الملة او من المستكن فى واتبع يعنى مستقيما على الطريق الحق مائلا عن الطرق الباطلة وصف ابراهيم به لانه استقام على الإسلام واعتزل عن عبادة الأصنام مع ما كان أبوه وقومه عاكفين على عبادتهن وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا (125) صديقا صافى المحبة والخلة مشتق من الخلال فانه ودّ يخلل النفس ويخالطها وقيل من الخلل فان كل واحد من الخليلين يسد ... ...

خلل الاخر وقال الزجاج الخليل الذي ليس فى محبته خلل او من الخل وهو الطريق فى الرمل فانهما يتوافقان فى الطريق او من الخلة بمعنى الخصلة فانهما يتوافقان فى الخصال وقيل هو من الخلة بمعنى الحاجة فان كل واحد من الخليلين يحتاج اليه صاحبه قيل سمى ابراهيم خليلا اى فقيرا الى الله لانه لم يجعل فقره وفاقته الّا الى «1» الله تعالى روى عنه عليه السّلام انه لما القى الى النار جاءه جبرئيل فقال هل لك حاجة قال امّا إليك فلا فقال سل ربك قال حسبى عن سوالى عمله بحالي فان قيل لا يستقيم هذا المعنى فان قوله تعالى وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا يقتضى الخلة من الجانبين ولا يتصور الحاجة من الجانبين قلنا قد عرفت فى مبدا الكتاب ان اسماء الله تعالى وصفاته يؤخذ باعتبار الغايات دون المبادي فانه تعالى رحمن رحيم وهما مشتقان من الرحمة بمعنى رقة القلب المقتضى للتفضل والإحسان فاطلاقهما عليه سبحانه باعتبار التفضل والإحسان لا باعتبار رقة القلب إذ هو منزه عن القلب ورقته فكذا اطلاق الخلة عليه سبحانه باعتبار صفاء المحبة المبنى على الحاجة فى غيره تعالى لا باعتبار الحاجة تعالى عن ذلك علوّا كبيرا وقوله تعالى وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا جملة معترضة لا محل لها من الاعراب وفائدتها التأكيد فى وجوب اتباع ملته لان من بلغ من الله منزلة اتخذه الله خليلا كان جديرا بالاتباع قال المجدّد رضى الله عنه الخليل هو النديم الذي يعرض المرء عليه اسرار محبّه ومحبوبه اخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم فى تفاسيرهم عن زيد بن اسلم قال ان اوّل جبار كان فى الأرض نمرود وكان الناس يخرجون يمتارون من عنده الطعام فخرج ابراهيم عليه السلام يمتار مع من يمتار فاذا مرّ به ناس قال من ربّكم قالوا أنت حتى مرّ ابراهيم فقال من ربّك قال رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ ... فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ فرده بغير طعام فرجع ابراهيم

_ (1) فكان يعطى ولا يأخذ ولا يتوجه الى أحد غيره تعالى اخرج البيهقي فى الشعب عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا جبرئيل لم اتخذ الله ابراهيم خليلا قال لا طعامه الطعام يا محمد واخرج ابن المنذر عن ابن أبزى انه سال ابراهيم ملك الموت باىّ شىء اتخذني ربى خليلا قال بانك تحب ان تعطى ولا تأخذ واخرج الديلمي عن ابى هريرة نحوه عن النبي صلى الله عليه وسلم وسنده واه وعن زبير بن بكار قال اوحى الله الى ابراهيم أتدري لم اتخذتك خليلا قال لا يا رب قال لانى اطلعت على قلبك فوجدتك تحبّ ان ترزا ولا ترزا يعنى تعطى ولا تعطى منه رحمه الله

الى اهله فمرّ على كثيب من رمل اعفر فقال الا أخذ من هذا فاتى به أهلي تطيب نفوسهم حين ادخل عليهم فاخذ منه فاتى اهله فوضع أشياءه ثم نام فقامت امرأته ففتحته فاذا هى بأجود طعام راه أحد فصنعت له منه فقربته اليه وكان عهده باهله انه ليس عندهم طعام فقال من اين هذا قالت من الطعام الذي جئت به فعرف ان الله رزقه فحمد الله واخرج ابن ابى شيبة فى المصنف عن ابى صالح قال انطلق ابراهيم عليه السّلام يمتار فلم يقدر على الطعام فمر بسهلة حمراء و «1» أخذ منها ثم رجع الى اهله فقالوا ما هذا قال حنطة حمراء ففتحوها فوجدوها حنطة حمراء فكان إذا زرع منها شىء خرج سنبلة من أصلها الى فرعها متراكما وذكر البغوي انه قال الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس كان ابراهيم عليه السلام أبا الضيفان وكان منزله على ظهر الطريق يضيف من مر به من الناس فاصاب الناس سنة فحشروا الى باب ابراهيم عليه السلام يطلبون الطعام وكانت الميرة له كل سنة من صديق له بمصر فبعث غلمانه بالإبل الى الخليل الذي بمصر فقال خليله لغلمانه لو كان ابراهيم انما يريده لنفسه لاحتملنا ذلك له فقد دخل علينا ما دخل على الناس من الشدة فرجع رسل ابراهيم عليه السّلام فمروا ببطحاء فقالوا لو انا حملنا من هذه البطحاء لبزى الناس انا قد جئنا بميرة فانا نستحيى ان نمر بهم وإبلنا فارغة فملئوا تلك الغرائر سهلة ثم أتوا ابراهيم فاعلموه وسارة نائمة فاهتم ابراهيم لمكان الناس ببابه فغلبته عيناه فنام واستيقظت سارة وقد ارتفع النهار فقالت سبحان الله ما جاء الغلمان قالوا بلى قالت فما جاءوا بشىء قالوا بلى فقامت الى الغرائر ففتحتها فاذا هو أجود خوارى تكون فامرت الخبازين فخبزوا وأطعموا الناس فاستيقظ ابراهيم عليه السلام فوجد ريح الطعام فقال يا سارة من اين هذا قالت من عند خليلك المصري فقال هذا من عند خليلى الله قال فيومئذ اتخذ الله ابراهيم- (فائدة:) ولما كان نبينا سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم ارفع درجة من مقام الخلة حيث كان مستقرا فى مقام المحبوبية الصرفة وكان مروره صلى الله عليه وسلم على مقام الخلة كعابر سبيل سمى نفسه لذلك العبور والمرور خليلا حيث قال لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكنه أخي وصاحبى وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا رواه مسلم من حديث ابن مسعود

_ (1) فى الأصل إذا أخذ

وقال لو كنت متخذا خليلا غير ربى لاتخذت أبا بكر خليلا متفق عليه من حديث ابى سعيد الخدري وقال الا وصاحبكم خليل الله رواه الترمذي عن ابى هريرة واخرج الحاكم وصححه عن جندب انه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول قبل ان يتوفى ان الله اتخذني خليلا كما اتخذ ابراهيم خليلا واخرج الطبراني عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله اتخذ ابراهيم خليلا وان صاحبكم خليل الله وان محمّدا سيد بنى آدم يوم القيامة ثم قرا عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً «1» لكن لاجل غدم استقراره فى هذا المقام لعلو شأنه وعدم اقتضاء المحبوبية بعد ما ارتفع عن هذا المقام غير انه كان طالبا لحصول ذلك المقام بالتفصيل لبعض اتباعه حتى يكون ذلك التفصيل معدودا فى كماله بناء على ان كمالات الاتباع بنذ من كمال المتبوع قال العلماء من اهل السنة بالإجماع فى كتب اصول الدين كرامات الأولياء معجزات لنبيه وقال عليه السلام من سنّ سنة حسنة فله أجرها واجر من عمل بها من غير ان ينقص من أجورهم شىء وقال عليه الصلاة والسلام الدال على الخير كفاعله ويرشدك ما روينا ان اعمال الامة وكمالاتهم داخلة فى اعمال النبي صلى الله عليه وسلم وكماله ولطلب ذلك التفصيل له ولاتباعه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الصلاة المأثورة اللهم صل على محمّد وال محمّد كما صليت على ابراهيم وعلى ال ابراهيم فاستجاب الله تعالى هذا الدعاء واعطى بعد الف سنة ذلك للمجدد رضى الله عنه فاستقر فى مقام الخلة واتصف بتفصيله ولم يتيسر ذلك قبله رضى الله عنه لاحد اما لرفعة شأن بعض السّابقين من أكابر الصحابة وائمة اهل البيت الذين رسخوا فى مقام المحبوبية الصرفة بتبعية النبي صلى الله عليه وسلم واما لعدم وصولهم الى تلك المقام ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل أمتي كمثل المطر لا يدرى اوله خير أم آخره او كحديقة اطعم فوجا منها عاما وفوجا منها عاما لعل آخرها فوجا هى اعرضها عرضا وأعمقها عمقا وأحسنها حسنا رواه رزين

_ (1) اخرج الترمذي وابن مردوية عن ابن عباس انه صلى الله عليه وسلم قال ابراهيم خليل الله وهو كذلك الأواني حبيب الله ولا فخر وانى اوّل شافع واوّل مشفّع ولا فخر وانا اوّل من يحرك حلق الجنة فيفتحها الله فيدخلنيها ومعى فقراء المؤمنين ولا فخر وانا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر واخرج ابن جرير والطبراني عن ابن عباس قال ان الله اصطفى ابراهيم بالخلة واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمّدا بالرؤية منه رحمه الله

[سورة النساء (4) : آية 126]

من حديث جعفر بن محمّد وهذا امر ثبت بالكشف الصحيح ولا علينا لو أنكره أحد وانما كلامنا مع من يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ «1» وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ وانما ذكرت هذا الكلام لان بعض قاصرى الافهام كانوا يعترضون على كلام المجدد رضى الله عنه فى هذا المقال ويزعمونه مستحيلا وكفرا والإنسان عدو لما جهل وبما ذكرنا لك اتضح ان هذا القول دعوى امر ممكن يقتضى الحسن الظنّ بالاكابر قبوله او السكوت عنه وكان من الناس من يقول لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ فقال الله تعالى أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ وكان من الناس من يقول اانزل «2» عليه الذّكر مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ قال الله تعالى سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ ولا يلزم من رسوخ بعض أكابر الصحابة وائمة اهل البيت فى مقام المحبوبية الصرفة فضلهم على ابراهيم عليه السلام لان وصول الصحابة والائمة الى مقام المحبوبية كان بالتبعية والوراثة وما كان لابراهيم عليه السلام كان بالاصالة وشتان ما بينهما وما ذكرنا من استقرار المجدد رضى الله عنه فى مقام الخلة لا ينافى ترقياته «3» من ذلك المقام وسيره وعبوره بالتبعية والوراثة الى مقام المحبوبية الصّرفة فان السير والعبور غير الاستقرار والمقام والله اعلم. وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقا وملكا تقديم الظرف لقصد الحصر يعنى ليس لاحد غيره تعالى دخل فى خلق شىء من الممكنات وملكه وانما خص ذكر ما فى السموات وما فى الأرض لظهورهما وهذه الجملة متصلة بقوله تعالى وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ تعليل له يعنى إذا كان جميع الأشياء خالصا لله تعالى فالواجب على كل أحد تخليص وجهه لله تعالى او هى متصلة بقوله تعالى وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا يعنى انه له تعالى ما فى السموات وما فى الأرض يختار منها ما يشاء ومن يشاء او هى متصلة بذكر الأعمال مقرر بوجوب طاعته على اهل السموات والأرض وكمال قدرته على مجازاتهم على الأعمال وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (126) احاطة لا كيف لها يعنى ليس شىء من الأشياء مستقلا بنفسه بل كل شىء موجود بوجوده محتاج اليه فى ذاته

_ (1) فى الأصل هدى الله. (2) وفى القران أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ إلخ فى سورة القمر. (3) ومى تواند كه گفته شود كه ترقى در مقام خلّت كه حاصل بود خواسته باشند پس فرمودند طلب صلوة رحمت وخلت كه حضرت ابراهيم عليه السلام بان امتياز دارند بخواهيد وامة مامور شده بدعاء ترقى در مرتبه خلت وظاهر است كه حصول آن از بعضى كم هست از بعضى زياده و پيداست كه درجات قرب حضرت حق سبحانه يا بجذب فضل او سبحانه هست يا باعمال مرضيه خودشان يا باعمال مرضيه صالحان امت است الدال على الخير كفاعله وگفته اند كه بعضى معانى بر دلهاء عارفان مى آيند ألفاظ وعبارت از ان قاصر مى بود پس سكوت اولى منه رحمه الله.

[سورة النساء (4) : آية 127]

وصفاته وأفعاله مشمول بعواطفه وافضاله فلا يجوز لاحد الا ان يسلم وجهه خالصا له وقيل محيط احاطة علم وقدرة فيجازيهم على حسب أعمالهم ان خيرا فخيرا وان شرّا فشرّا والله اعلم اخرج الحاكم فى المستدرك عن ابن عباس قال كان اهل الجاهلية لا يورثون المولود حتى يكبر ولا يورثون المرأة فلما كان الإسلام قال الله تعالى. وَيَسْتَفْتُونَكَ اى يستخبرونك فى الصحاح الفتوى الجواب عما يشكل من الاحكام فِي النِّساءِ اخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير قال كان الرجل الذي قد بلغ لا يورث الصغير ولا المرأة شيئا فلما نزلت المواريث فى سورة النساء شق ذلك على الناس وقالوا يرث الصغير والمرأة كما يرث الرجل فسالوا النبي صلى الله عليه وسلم فانزل الله تعالى هذه الاية وكذا اخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد وقال البغوي قال الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس نزلت هذه الاية فى بنات أم كحة وميراثهن عن ابيهن وقد مضت القصة فى اوّل السورة «1» وروى البخاري عن عائشة فى هذه الاية قال هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها قد شركته فى ماله فيعضلها قال البغوي فيرغب عنها ان يتزوجها لدمامتها ويكره ان يزوج غيره فيدخل عليه فى ماله فيحبسها حتى تموت فيرثها فنهاهم الله عن ذلك وفى رواية عنها قالت هى اليتيمة فى حجر الرجل وهو وليها فيرغب فى نكاحها إذا كانت ذات جمال ومال باقل من سنة صداقها وإذا كانت مرغوبا عنها فى قلة المال والجمال تركها قُلِ يا محمد اللَّهُ يُفْتِيكُمْ يبيّن لكم حكمه فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ الموصول معطوف على اسم الله او ضميره المستكن فى يفتيكم وجاز للفصل يعنى يفتيكم الله فيهن ويفتيكم فيهن كتابه «2» يعنى اية الميراث او قوله تعالى وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً ونحو ذلك وجاز ان يكون الجملة معترضة لتعظيم المتلوّ عليهم على ان الموصول مبتدا وفى الكتاب خبره والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ ويجوز ان ينصب الموصول بفعل محذوف على معنى ويبيّن لكم ما يتلى عليكم او يخفض على القسم كانه قيل واقسم بما يتلى عليكم فِي يَتامَى النِّساءِ متعلق بيتلى ان عطف الموصول على ما قبله او كان الموصول منصوبا او مجرورا اى يتلى عليكم

_ (1) اخرج القاضي إسماعيل فى احكام القران عن عبد الملك بن محمد بن حزم ان عمرة بنت حزم كانت تحت سعد بن الربيع فقتل عنها بأحد وكانت له منها ابنة فانت النبي صلى الله عليه وسلم تطلب ميراث أبيها ففيها نزلت ويستفتونك فى النّساء منه رحمه الله (2) وروى البخاري ومسلم عن عائشة انها قالت الذي ذكر الله اية يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ الاية الاولى التي قال الله وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ الاية منه رحمه الله

[سورة النساء (4) : آية 128]

فى شأنهن والا فبدل من فيهن او صلة اخرى ليفتيكم على معنى يفتيكم فيهن بسبب يتامى النساء كما فى قوله عليه السلام «1» دخلت امراة النار فى هرة والاضافة بيانية لان المضاف اليه جنس المضاف اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ اى ما فرض من الميراث والصداق وغير ذلك من الحقوق وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ يعنى فى ان تنكحوهن إذا كن جميلات او عن ان تنكحوهن إذا كن دميمات روى ابن المنذر عن الحسن وابن سيرين فى هذه الاية قال أحدهما ان ترغبوا فيهن وقال الاخر ان ترغبوا عنهن واخرج ابن ابى شيبة عن الحسن ان ترغبوا عنهن والواو اما للعطف او للحال وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ عطف على يتامى النساء فانهم كانوا لا يورثونهم كما ذكرنا ويأكلون أموالهم اى ما يتلى عليكم فى اليتامى وذلك قوله تعالى وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ- وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ بالعدل فى ميراثهم وأموالهم ايضا عطف على يتامى النساء يعنى يتلى عليكم فى ان تقوموا لليتامى بالقسط هذا إذا جعل فى يتامى النساء متعلقا بيتلى وان جعلته بدلا فالوجه نصبها عطفا على موضع فيهن ويجوز نصب ان تقوموا بإضمار فعل اى ويأمركم ايها الائمة او ايها الأولياء ان تقوموا لليتامى بالعدل والانصاف وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فى حق النساء واليتامى وغير ذلك فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (127) فيثيبكم عليه روى البخاري وابو داود والحاكم عن عائشة والترمذي مثله عن ابن عباس انه توقعت سودة ان يفارقها النبي صلى الله عليه وسلم فسالت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسنت فقالت يومى لعائشة فانزل الله تعالى. وَإِنِ امْرَأَةٌ مرفوع بفعل مضمر يفسّره ما بعده اى خافَتْ وجاز ان يكون خافت صفة والمقدر كانت تقديره وان كانت امراة خافت يعنى توقعت مِنْ بَعْلِها مكروها يعنى نُشُوزاً اى ترفعا عن صحبتها كراهة لها يعنى خافت ان يطلقها لما ظهر لها ذلك بالأمارات أَوْ إِعْراضاً بوجهه عنها بان يقل مجالستها ومحادثتها ويمنعها عن حقوقها وهى تريد ان لا يطلقها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا أصله ان يتصالحا أبدلت التاء صادا وأدغمت كذا قرا أكثرهم وقرا الكوفيون يصلحا بضم الياء وسكون الصاد من أصلح بَيْنَهُما بان تحطّ المرأة بعض المهر او كله او النفقة او نصيبها من القسم او تهب له شيئا

_ (1) فى الأصل وفى النقول كما فى قوله تعالى دخلت امراة إلخ وهو وهم لعله من الناسخ 2 بو محمد عفا الله عنه

تستميله به إليها قال البغوي يقول الزوج انك قد دخلت فى السن وانى أريد ان أتزوج امراة شابة جميلة اوثرها عليك فى القسم ليلا ونهارا فان رضيت بهذا فاقيمى وان كرهت خلّيت سبيلك فان رضيت كانت هى المحسنة ولا تجبر على ذلك وان لم ترض بدون حقها كان على الزوج ان يوفيها حقها من القسم والنفقة او يسرحها بإحسان فان أمسكها ووفاها حقها مع كراهة فهو المحسن وقال مقاتل بن حبان هو ان الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة فيتزوج عليها الشابة فيقول للكبيرة أعطيك من مالى نصيبا على ان اقسم لهذه الشابة اكثر مما اقسم لك فترضى بما اصطلحا عليه فان أبت ان ترضى فعليه ان يعدل بينهما فى القسم وعن على رضى الله عنه فى هذه الاية قال تكون المرأة عند الرجل فتبنو عينه عنها من دمامة او كبر فتكره المرأة فرقته فان أعطته من مالها فهو له حل وان «1» أعطته من أيامها فهو حل له وفى كلمة بينهما اشارة الى ان الأحب ان يتصالحا من غير مدخلية ثالث لئلا يطلع غيرهما على ما بينهما ممّا يعاب صُلْحاً منصوب على المصدرية والمفعول به بينهما او هو محذوف قيل انما يتم نصبه على المصدرية لو جاء الصلح بمعنى الإصلاح والتصالح قلنا كون الصلح فردا للاصلاح يكفى فى جعله مصدرا على انه جاز ان يكون المصدر من غير بابه كما فى قوله تعالى أنبته «2» الله نباتا وعلى القراءة الثانية جاز ان ينتصب صلحا على المفعول به على ارادة ان يوقعا بينهما صلحا خاليا عن الفساد ويستفاد من هذه الاية بالدلالة انه لو خاف الرجل نشوز المرأة لا جناح عليهما فى الإصلاح ايضا ويحتمل ان يجعل هذا الحكم تحت قوله تعالى وَالصُّلْحُ خَيْرٌ من الفرقة او من الخصومة او من سوء المعاشرة او المعنى الصلح خير من الخيرات يعنى من جملتها كما ان الخصومة شر من جملة الشرور وهذه الجملة معترضة لدفع توهم الكراهة التي تستفاد من قوله لا جناح فانه لنفى الإثم ولان إعطاء المرأة شيئا من حقها تشابه الرشوة وهذه الاية وان كانت واردة فى المصالحة بين الزوجين لدفع الخصومة الواقعة لحقوق النكاح لكن اللفظ عام يشتمل كل صلح واقع بعد دعوى صحيح وذلك على ثلاثة اضرب صلح مع اقرار وصلح مع سكوت وصلح مع انكار وكل ذلك جائز عند الائمة الثلاثة لاطلاق هذه الاية وقال الشافعي لا يجوز الصلح مع انكار وسكوت لقوله صلى الله عليه وسلم كل صلح جائز بين المسلمين الا صلحا أحل حراما او حرم حلالا والمسلمون على شروطهم الا شرطا حرم حلالا رواه الحاكم عن كثير بن عبد الله بن عوف

_ (1) ليس فى الأصل وان أعطته من أيامها فهو حل له- (2) وفى القران وأنبتها نباتا حسنا-

عن أبيه عن جده وجه الاستدلال ان البدل كان حلالا على الدافع حراما على الاخذ فينقلب الأمر ولان المدعى عليه يدفع المال لقطع الخصومة وهذا رشوة قال الائمة الثلاثة هذا الحديث حجة لنا لا علينا لاطلاق قوله صلى الله عليه وسلم كل صلح جائز ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم الا صلحا أحل حراما بعينه كالخمر او حرم حلالا بعينه كما ان يصالح امرأته على ان لا يطأ ضرتها الا ترى ان الرجل إذا أراد ان يطلق امرأته والمرأة صالحته على ان لا يطلقها وتترك قسمها لضرتها جاز اجماعا حيث أسقطت حقها مع ان ترجيح بعض النساء فى القسم كان حراما ثم صار حلالا بعد رضائها والصلح بعد السكوت او الإنكار صلح بعد دعوى صحيح فيقتضى بجوازه لان المدعى يأخذ عوضا عن حقه فى زعمه وهذا مشروع والمدعى عليه يدفع لدفع الخصومة عن نفسه وهذا مشروع ايضا إذ المال وقاية للانفس ودفع الرشوة لدفع الظلم امر جائز غير ان من علم ان عليه حقا للمدعى ولم يقر له فعجز المدعى عن اثبات حقه فصالح على بعض حقه لا يحل للمدعى عليه ذلك عند الله تعالى اجماعا لانه هضم الحق وامّا إذا لم يعلم ذلك وادعى عليه فالصلح جائز عند الثلاثة ومنعه الشافعي- مسئلة: - فان وقع الصلح عن اقرار اعتبر فيه ما يعتبر فى البياعات ان وقع عن مال بمال فيجرى فيه الشفعة ويردّ بالعيب ويثبت فيه خيار الروية والشرط ويفسده جهالة البدل لا جهالة المصالح عنه لانه يسقط فلا يفضى الى المنازعة ويشترط القدرة على تسليم البدل وان وقع عن مال بمنافع يعتبر بالاجارة فيشترط التوقيت فيها ويبطل الصلح بموت أحدهما فى المدة، مسئلة والصلح عن السكوت والإنكار فى حق المدعى عليه لافتداء اليمين وفى حق المدعى بمعنى المعاوضة فان صالح عن دار لا يجب فيه الشفعة بخلاف ما إذا صالح على دار مسئلة ولو ادعى دارا فصالح على قطعة منها لم يصح الصلح لان ما قبضه من عين حقه وهو على دعواه فى الباقي الّا ان يزيد درهما فى بدل الصلح او يلحق به ذكر البراءة عن دعوى الباقي مسئلة: - ويصح الصلح عن جناية العمد والخطأ لانه حق من الحقوق وقد قال الله تعالى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ، وعن دعوى النكاح من الرجل فكان دفع المال من جانبها بمنزلة الخلع وعن دعوى الرق وكان بمنزلة الاعتاق على مال مسئلة: - وإذا وقع الصلح عن دين يحمل ... ...

على انه استوفى بعض حقه وأسقط باقيه فمن صالح عن الف جياد حال على خمسمائة زيوف مؤجل جاز لانه أسقط بعض حقه قدرا ووصفا واجّل الباقي وعن الف زيوف على خمسمائة جياد لم يجز لان الجياد غير مستحق له وهى زائد وصفا فصار معاوضة الف بخمسمائة وزيادة وصف وهو ربوا ولو صالح عن الدراهم بالدنانير يشترط قبض الدنانير قبل الافتراق لانه صرف والله اعلم واخرج سعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب ان ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج فكره منها امرا امّا كبرا او غيره فاراد طلاقها فقالت لا تطلقنى واقسم لى ما بدأ لك فانزل الله تعالى وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ الاية وله شواهد موصول أخرجه الحاكم من طريق سعيد بن المسيّب عن رافع بن خديج قال البغوي نزلت فى غمرة، ويقال خويلة ابنة محمد بن مسلمة وفى زوجها اسعد بن الربيع ويقال رافع بن خديج تزوجها وهى شابة فلما علا الكبر تزوج عليها امراة شابة واثر عليها وجفا ابنة محمد بن مسلمة فاتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت اليه فنزلت هذه الاية واخرج الحاكم عن عائشة قالت نزلت هذه الاية والصلح خير فى رجل كانت تحته امراة قد ولدت أولادا فاراد ان يستبدلها فراضته على ان تقر عنده ولا يقسم لها وقال البغوي قال سعيد بن جبير كان رجل له امراة قد كبرت وله أولاد فاراد ان يطلقها ويتزوج غيرها فقالت لا تطلقنى ودعنى على ولدي واقسم لى فى كل شهرين ان شئت وان شئت فلا تقسم لى، فقال ان كان تصلح على ذلك فهو احبّ الىّ فاتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فانزل الله تعالى وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ واخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال جاءت المرأة حين أنزلت هذه الاية وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فقالت انى أريد ان تقسم لى من نفقتك وقد كانت رضيت ان تدعها فلا يطلقها ولا يأتيها فانزل الله تعالى وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ اى جعل الشح حاضرا لها مطبوعة عليها «1» لا يغيب عنها ابدا، والشح البخل مع الحرص كذا فى الصحاح والقاموس يعنى الشح لا يذهب عن أحد غالبا فلا تكاد المرأة ان تسمح بالاعراض عنها والتقصير فى حقها ولا الرجل يسمح بان يمسكها ويقوم بحقها على ما ينبغى إذا كرهها او احبّ غيرها وهذه الجملة ايضا معترضة كانت الجملة الاولى للترغيب فى المصالحة وهذه الجملة لتمهيد العذر فى المماكسة ولكونهما معترضتين اغتقر عدم

_ (1) فى الأصل عليه

[سورة النساء (4) : آية 129]

مجانستهما فان الاولى اسمية والثانية فعلية وَإِنْ تُحْسِنُوا فى المعاشرة اى يحسن الأزواج بأداء حقوق الزوجات والاقامة معهن بالعدل ولو مع الكراهة وتحسن الزوجات بأداء حقوق الأزواج ولو على خلاف ما تشتهى انفسهن وَتَتَّقُوا النشوز والاعراض وتنفيص الحق فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ من الإحسان والإضرار خَبِيراً (128) فيجازيكم عليه اقام كونه عالما بأعمالهم مقام إثابته إياهم عليها الذي هو جواب الشرط حقيقة اقامة السبب مقام المسبب-. وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا ايها الناس أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ يعنى العدل بين النساء وعدم الميل الى واحدة منهن بوجه من الوجوه مع كونها محبوبة اليه متعذر «1» جدّا وتمام العدل ان يسوى بينهن فى القسم والنفقة والتعهد والنظر والإقبال والممالحة والمفاكهة وغيرها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ويقول اللهم هذه قسمى فيما املك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا املك يعنى المحبة أخرجه احمد والاربعة وابن حبان والحاكم وصححه من حديث ابى هريرة ورواه اصحاب السنن الاربعة والدارمي عن عائشة وَلَوْ حَرَصْتُمْ اى بالغتم فى تحرى ذلك فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ يعنى فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فى القسم والنفقة اى لا تتبعوا أهواءكم أفعالكم فَتَذَرُوها اى المرغوبة عنها كَالْمُعَلَّقَةِ وهى التي ليست بمطلقة ولا ذات بعل عن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من كانت له امرأتان فمال الى أحدهما جاء يوم القيامة وشقه مائل رواه اصحاب السنن الاربعة والدارمي وَإِنْ تُصْلِحُوا ما كنتم تفسدون من امورهن- وَتَتَّقُوا فيما يستقبل فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (129) يغفر لكم ما مضى من ميلكم. وَإِنْ يَتَفَرَّقا اى الزوج والزوجة بالطلاق يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا اى كل واحد منهما عن الاخر مِنْ سَعَتِهِ من غناه وقدرته المرأة بزوج اخر والزوج بامراة اخرى وَكانَ اللَّهُ واسِعاً مقتدرا على كل شىء او واسع الفضل والرحمة او واسعا وسعة لا كيف لها كل خير ووجود ظل لوسعة خيراته ووجوده حَكِيماً (130) متقنا فى أفعاله وأحكامه

_ (1) قال ابن مسعود يعنى فى الجماع رواه ابن المنذر وعن مجاهد وعبيدة يعنى فى الحب رواه البيهقي وغيره منه رحمه الله [.....]

(مسئلة:) بمقتضى هذه الاية والسنة يجب على الزوج التسوية بين نسائه فى القسم فان ترك التسوية بينهن فى فعل القسم عصى الله تعالى وعليه قضاؤه للمظلومة والتسوية شرط فى البيتوتة دون الجماع لانه يدور على النشاط وليس ذلك فى وسعه ولو كانت فى نكاحه حرة وامة فللحرة الثلثان من القسم وللامة الثلث بذلك ورد الأثر قال ابن همام قضى به ابو بكر وعلى رضى الله عنهما وبالقضاء عن على احتج احمد وتضعيف ابن حزم إياه بالمنهال ابن عمر وبابن ابى ليلى ليس بشىء لانهما ثقتان حافظان وإذا تزوج جديدة على قديمات فالقديمة والجديدة فى القسم سواء عند ابى حنيفة رحمه الله لاطلاق الحديث المذكور وعند الائمة الثلاثة يبيت عند الجديدة سبع ليال على التوالي ان كانت بكرا وان كانت ثيبا فثلاث ليال ثم يسوى بعد ذلك بين الكل- ولا يجب قضاء هذه الليالى للقديمات لحديث ابى قلابة عن انس رضى الله عنه قال من السنة إذا تزوج البكر على الثيب اقام عندها سبعا ثم قسم وإذا تزوج الثيب اقام عندها ثلاثا ثم قسم قال ابو قلابة لو شئت لقلت ان أنسا رفعه الى النبي صلى الله عليه وسلم متفق عليه وإذا أراد الرجل السفر فعند ابى حنيفة رحمه الله لا حق لهن فى القسم حالة السفر يسافر بمن شاء منهن والاولى ان يقرع بينهن فيسافر بمن خرجت قرعتها وعند الشافعي واحمد لا يجوز له الخروج بإحداهن الا برضائهن او بالقرعة وعن مالك روايتان كالمذهبين فان سافر من غير قرعة ولا تراض وجب عليه القضاء لهن عند الشافعي واحمد وعند ابى حنيفة ومالك لا يجب احتج الشافعي واحمد بحديث عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا اقرع بين نسائه فايتهن خرج سهمها خرج بها متفق عليه قال ابو حنيفة كان هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم لتطيّب قلوبهن فكان مستحبا ولم يكن واجبا لانه لا حق للمرءة عند مسافرة الزوج الا ترى ان له ان لا يستصحب واحدة منهنّ اجماعا فكذا له ان يسافر بواحدة منهن ويرد عليه ان تركهن كلهن لا يستوجب الغيرة والإيذاء بخلاف إيثار إحداهن على سائرهن وان رضيت احدى الزوجات بترك قسمها لصاحبتها جاز لحديث عائشة ان سودة لما كبرت قالت يا رسول الله قد جعلت يومى منك لعائشة فكان ... ...

[سورة النساء (4) : آية 131]

رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومين يومها ويوم سودة متفق عليه ولها ان ترجع فى ذلك لانها أسقطت حقا لم يجب بعد فلا يسقط قال البغوي قال سليمان بن يسار عن ابن عباس فى قوله تعالى فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما انه قال فان صالحته عن بعض حقّها من القسم، او النفقة فذلك جائز ما رضيت وان أنكرت بعد الصلح فذلك لها ولها حقها (مسئلة) ولا يجوز ترك القسم لاجل المرض الا برضائهن لحديث عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسئل فى مرضه الذي مات فيه اين انا غدا يريد يوم عائشة فاذن له أزواجه يكون حيث شاء فكان فى بيت عائشة حتى مات عندها رواه البخاري-. وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقا وملكا تنبيه على كمال وسعته وقدرته وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ اليهود والنصارى ومن قبلهم من الأمم والكتاب للجنس مِنْ قَبْلِكُمْ متعلق بوصينا او باوتوا وَإِيَّاكُمْ عطف على الذين أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ان مفسرة لوصينا فانه بمعنى القول وجاز ان يكون مصدرية بحذف حرف الجرّ والمراد بالتقوى التقوى عن الشرك بدليل قوله تعالى وَإِنْ تَكْفُرُوا وجاز ان يكون التقوى عبارة عن ترك المعاصي وبالكفر الكفران بترك طاعته وعدم امتثال أوامره او التقوى عبارة عن وقاية قلبه عن الاشتغال بغير الله والكفر الاشتغال بغيره وقوله وان تكفروا عطف على وصينا بتقدير القول يعنى وقلنا لهم ولكم ان تكفروا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ فهو قادر على عقوبتكم بما يشاء لا منجى عن عقوبته لكم او يقال فان لله ملائكة السّموات والأرض وهم أطوع له منكم او يقال معناه انه تعالى غنى عنكم لا ينتفع بعبادتكم ولا يتضرر بكفركم والنفع والضرر انما يعود إليكم بما يأمركم وينهاكم تفضلا عليكم وعلى هذا فقوله تعالى وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا يعنى عن الخلق وطاعتهم كانه بيان وتأكيد لما سبق حَمِيداً (131) فى ذاته حمده الخلق اولم يحمد. وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ كرره ثالثا للدلالة على كونه مستأهلا لان يتوكل عليه فهو تمهيد لقوله تعالى وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132) جاز ان يكون هذا راجعا الى قوله يغنى الله كلّا من سعته فان ذلك القول يدل على انه تعالى توكل بكفايتهما وكفى به وكيلا.

[سورة النساء (4) : آية 133]

إِنْ يَشَأْ اذهابكم يُذْهِبْكُمْ اى يفنيكم يا أَيُّهَا النَّاسُ فان مجرد مشيته تعالى كافية فى اعدامكم وَيَأْتِ بِآخَرِينَ اى يوجد قوما آخرين أطوع منكم مكانكم او خلقا اخر مكان الانس وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ الاعدام والإيجاد قَدِيراً (133) كامل القدرة لا يعجزه شىء هذه الاية ايضا تقرير لغنائه وقدرته وتهديد لمن كفر به وخالف امره، اخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن ابى حاتم من حديث ابى هريرة انه لما نزلت هذه الاية ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على ظهر سلمان وقال انهم قوم هذا فهذه الاية حينئذ بمعنى قوله تعالى إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ الاية وفى الصحيحين عن ابى هريرة قال كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزلت سورة الجمعة فلما نزلت وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ قيل من هؤلاء يا رسول الله وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على سلمان ثم قال لو كان الايمان عند الثريا لنا له رجال من هؤلاء وعنه عند الترمذي انه صلى الله عليه وسلم تلا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ قالوا من هؤلاء يا رسول الله فضرب على فخذ سلمان ثم قال هذا وقومه ولو كان الدين «1» عند الثريا لتناوله رجال من الفرس وعنه عند الترمذي قال ذكرت الأعاجم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لانابهم او ببعضهم أوثق منى بكم او ببعضكم قلت لعل فى هذه الأحاديث اشارة الى مشائخ ما وراء النهر بهاء الدين النقشبندي وأمثاله فان هؤلاء الكرام من الأعاجم توطنا وان كان أكثرهم من ال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه نسبا قد أحيوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما أميتت وما رضوا بالبدعة وان كانت حسنة ولنعم ما قال الجامى شعر سكة كه در يثرب وبطحا زدند نوبت آخر ببخارا زدند- وايضا الى علماء ماوراء النهر مثل ابى عبد الله البخاري وأمثاله من المحدثين والفقهاء والله اعلم. مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا كالمرائى بالأعمال والمجاهد لاجل الملك او الغنيمة فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تقديره فقد خسروا خطأ فى الطلب إذ عند الله ثواب الدارين فليطلبهما وليقل رَبَّنا

_ (1) قال الشيخ محمد بن يوسف الصالحي انه قال الشيخ يعنى جلال الدين السيوطي رحمه الله ان المراد بهذا الحديث ابو حنيفة وأصحابه رحمهم الله لا شك فيه لانه لم يبلغ من أبناء فارس فى العلم مبلغه ولا مبلغ أصحابه وانه كان جد الامام ابى حنيفة منهم منه رحمه الله-

[سورة النساء (4) : آية 135]

آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً او ليطلب الأشرف منهما فان من جاهد خالصا لله لم يخطئه الغنيمة وله فى الاخرة ما هى فى جنبه كالعدم وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (134) عارفا بالأغراض فيجازى كلا على حسب نيته قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كانت هجرته الى دنيا يصيبها او امراة ينكحها فهجرته الى ما هاجر اليه متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه والله اعلم اخرج ابن ابى حاتم عن السدى قال اختصم الى النبي صلى الله عليه وسلم رجلان غنى وفقير فكان ضلعه مع الفقير يرى ان الفقير لا يظلم الغنى فانزل الله تعالى. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ بالغين فى بذل الجهد فى اقامة العدل مواظبين على القيام به فالواجب على القاضي التسوية بين الخصمين فى الجلوس والإقبال عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ابتلى أحدكم بالقضاء فليساو بينهم فى المجلس والاشارة والنظر ولا يرفع صوته على أحد الخصمين اكثر من الاخر رواه إسحاق ابن راهويه فى مسنده والدارقطني نحوه شُهَداءَ خبر بعد خبر او حال لِلَّهِ تقيمون شهاداتكم خالصا لوجه الله وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ اى ولو كانت الشهادة على نفسه وهو الإقرار على نفسه أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ يعنى ولو كانت الشهادة على والديكم وأقربيكم فلا تكتموها وقولوا الحق ولا تحابوا غنيا لغناه ولا ترحموا فقيرا لفقره كذا اخرج البيهقي وغيره عن ابن عباس إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فلا تمتنعوا عن الشهادة ولا تجوروا فيها ميلا او ترحما فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما منكم فلو لم يكن الشهادة عليهما او لهما صلاحا لما شرعت أقيمت علة الجواب مقامه وكان حقه اولى به لان المذكور أحد الامرين من الغنى والفقير بكلمة او لكن ثنى الضمير نظرا الى ان المرجع ما دل عليه المذكور وهو جنس الغنى والفقير والوجه للعدول عن الظاهر تعميم الاولوية ودفع توهم الاختصاص بأحدهما كذا ذكر التفتازانيّ ويرد عليه ان الواحد غير متعين فلا توهم قال الرضى الضمير الراجع الى المذكور الذي عطف بعضه على بعض يجوز فيه ان يوحد الضمير وان يطابق المتعدد وذلك يدور على القصد قلت جاز ان يكون مرجع الضمير المشهود له والمشهود عليه الذين دل عليهما الكلام ... ...

[سورة النساء (4) : آية 136]

يعنى مشروعية الشهادة مصلحة لكليهما للمشهود له مصلحة عاجلة وللمشهور عليه مصلحة اجلة كى تفرغ ذمته عن حقوق الناس وجاز ان يكون معنى الاية كونوا شهداء لله تشهدون بوحدانيته وصفات كماله وحقيّة كتبه ورسله وأحكامه ولو كانت الشهادة مضرة على أنفسكم او والديكم وأقاربكم بان تقتلوا ويسلب أموالكم ان يكن الشاهد غنيا يضر تلك الشهادة غناه او فقيرا يسدّ شهادته دفع حاجته فالله اولى بهما من أنفسهما فينبغى ان يرجحا الله على أنفسهما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا اى لان تعدلوا عن الحق او كراهة ان تعدلوا عن العدل او المعنى لا تتبعوا الهوى لتكونوا عادلين وَإِنْ تَلْوُوا قرا ابن عامر وحمزة وان تلوا بضم اللام واسكان الواو يعنى تلوا القيام بأداء الشهادة من الولاية وقيل أصله تلووا كما قرا الجمهور حذفت أحد الواوين تخفيفا وألقيت حركتها على اللام يعنى ان تحرفوا الشهادة وتلووا السنتكم عن شهادة الحق وقيل معناه تدافعوا فى أداء الشهادة الى غيركم، وقيل هذا خطاب مع الحكام من لهم الأشداق اى ان تميلوا الى أحد الخصمين أَوْ تُعْرِضُوا عن شهادة الحق وحكومة العدل فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (135) فيجازيكم عليه. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ حقيقة الايمان وكمال الايمان ان يعرف ببصيرته انه تعالى هو المتأصل فى الوجود خالقا لكل شىء من الاعراض والجواهر نافعا ضارا وليس شىء ممّا سواه موصوفا بحسن وكمال الا مستعارا منه تعالى فلا يبقى لقلبه علاقة علمى ولا حبى الا به تعالى ويكون نفسه بعلاقة الحبّ به تعالى مجبولا على إتيان ما امره الله وانتهاء ما نهى عنه حتى يكره صدور المعصية منه أشدّ ممّا يكره ان يقع فى النار قال البغوي قال ابو العالية وجماعة هذا خطاب للمؤمنين فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا اى اقيموا واثبتوا على الايمان ومرجع هذا التفسير الى ما قلت ان شاء الله تعالى وقال الضحاك أراد بالخطاب اليهود والنصارى يقول يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بموسى وعيسى آمَنُوا بمحمد والقران وقال مجاهد أراد به المنافقين يقول يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا باللسان آمَنُوا بالقلب وقيل المراد به اهل الشرك يعنى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا باللات والعزى آمَنُوا بالله ورسوله وهذه الأقوال واهية إذ الكفار اليهود والنصارى والمشركون لا يخاطبون بعنوان الذين أمنوا وكذا المنافقون فان الايمان ... ...

[سورة النساء (4) : آية 137]

ليس من صفات اللسان الا مجازا والحمل على الحقيقة ما أمكن اولى- وقال البغوي قال الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس وكذا اخرج الثعلبي عنه انه قال نزلت هذه الاية فى عبد الله بن سلام واسد وأسيدا بنى كعب وثعلبة بن قيس وسلام بن اخت عبد الله بن سلام وسلمة بن أخيه ويامين بن يامين فهؤلاء مؤمنوا اهل الكتاب أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا انا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتورية وعزير ونكفر بمن سواه من الكتب والرسل فقال الله تعالى أمنوا بالله ورسوله يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ يعنى القران وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ اى قبل القران من التورية والإنجيل والزبور وسائر الكتب والصحف قال ابن عباس فامنوا بكلّهم قرا الكوفيون ونافع الفعلين بفتح النون والهمزة والزاء على البناء للفاعل والباقون الفعلين بضم النون والهمزة وكسر الزاء على البناء للمفعول وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يعنى بشىء من ذلك فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً (136) من المقصد بحيث لا يكاد يعود الى طريقة الصواب فان الايمان بكل واحد منها ملازم للاخر فالكفر بواحد منها بعد من الله وضل «1» عن سواء السبيل وبالكفر بجميع ذلك بالطريق الاولى- قلت بل بالكفر بشىء من صفاته كما ان المعتزلة كفروا بكونه تعالى متكلما او خالقا لافعال العباد وبقولهم انه تعالى يريد شيئا ولا يوجد ذلك الشيء يلزم عجزه تعالى عن إتيان مراده فيلزمهم الكفر بالله تعالى بما هو عليه قال بعض الأكابر المعتزلة يقولون بان العباد خالقون لافعالهم والله تعالى خالق للعباد فينسبون خلق افعال العباد الى الله تعالى بالواسطة وامّا العوام فهم أسوأ حالا من المعتزلة لغفلتهم عن نسبة الافعال الى الله تعالى مطلقا لا يزعمون النفع والضرر الا عن السلاطين او اللصوص او السموم او الترياقات فلا بد لقطع مادة الغفلة من التشبث «2» بأذيال الصوفية حتى يسقط عن البصائر كل ما عدا الله تعالى. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً قال قتادة هم اليهود أمنوا بموسى ثم كفروا من بعد بعبادتهم العجل ثم أمنوا بالتورية ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله تعالى وسلم عليه وعلى جميع الأنبياء وقيل هم جميع اهل الكتاب

_ (1) فى الأصل وضل سواء السبيل- (2) فى الأصل التشبث

[سورة النساء (4) : آية 138]

أمنوا بنبيهم ثم كفروا به وأمنوا بالكتاب الذي نزل عليه ثم كفروا به وكفرهم تركهم العمل عليه ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم وقيل هذا فى قوم مرتدين أمنوا ثم ارتدوا ثم أمنوا ثم ارتدوا ثم أمنوا ثم ارتدوا- حكى عن على رضى الله عنه انه لا يقبل توبة مثل هذا لقوله تعالى لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ لكن الإجماع انعقد على قبول توبته قال مجاهد معنى قوله تعالى ثم ازدادوا كفرا اى ماتوا عليه وقيل معنى قوله تعالى لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (137) انه يستبعد منهم ان يتوبوا عن الكفر ويثبتوا على الايمان فانه ران على قلوبهم بكفرهم وعميت أبصارهم عن الحق واللام فى ليغفر لهم وليهديهم للجحود اى لتأكيد النفي والفعل بتأويل المصدر بان المصدرية المقدرة بمعنى الفاعل يعنى لم يكن الله غافرا لهم ولا هاديهم سبيلا وقيل خبر كان محذوف تعلق به اللام يعنى لم يكن الله مريدا ليغفر لهم والله اعلم- ويؤيد قول من قال الاية السابقة فى المرتدين تعقيب تلك الاية بقوله تعالى. بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ الذين يؤمنون فى الظاهر كلما لقوك او لقوا أحدا من المخلصين وكفروا فى السرّ كلّما خلوا الى شياطينهم ثم ازدادوا كفرا بالإصرار على النفاق والعزم على الإفساد ووضع بشّر مكان انذرتهكما بهم كذا قال الزجاج وقيل البشارة كل خبر يتغير بشرة الوجه سارا كان او غير سار بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (138) . الَّذِينَ منصوب او مرفوع على الذم بمعنى أريد الذين أو هم الذين او بدل او نعت للمنافقين يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ يعنى اليهود أَوْلِياءَ أنصارا و؟؟؟ لما يتوهمون فيهم القوة مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ يطلبون عِنْدَهُمُ عند الكفار الْعِزَّةَ القوة والغلبة على محمد صلى الله عليه وسلم بمعونتهم وموالاتهم والاستفهام للانكار او التهكم او التعجب ووجه الإنكار وأخويه قوله تعالى فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (139) لا يتعزز الّا من أعزه الله وقد كتب العزة لاوليائه فقال وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ-. وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ اى فى القران- قرا عاصم بفتح النون والزاء على البناء للفاعل يعنى قد نزل الله عليكم والباقون بضم النون وكسر الزاء على البناء للمفعول والقائم مقام الفاعل أَنْ مخفة من المثقلة يعنى انه إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ ... ...

[سورة النساء (4) : آية 141]

بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها حالان من الآيات جىء بهما لتقييد النهى عن المجالسة فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ اى مع الذين يكفرون ويستهزءون حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ اى غير الاستهزاء فحينئذ لا بأس بمجالستهم لضرورة دعت ومن غير ضرورة يكره مجالستهم مطلقا وقال الحسن لا يجوز مجالستهم وان خاضوا فى حديث غيره وفى هذه الاية اشارة الى ما نزل سابقا بمكة فى سورة الانعام وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ- قال الضحاك عن ابن عباس دخل فى هذه الاية كل محدث فى الدين وكل متبدع الى يوم القيامة إِنَّكُمْ ايها المؤمنون إِذا يعنى إذا قعدتم عند من يكفرون ويستهزءون بالآيات ورضيتم به كفار مِثْلُهُمْ غير ان الرضاء بالكفر من غير تفوه نفاق أفرد كلمة مثل لانه كالمصدر او للاستغناء بالاضافة الى الجمع إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ القاعدين عند الكفار الراضين بالكفر والاستهزاء وَالْكافِرِينَ المستهزئين الخائضين فى القران فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (140) كما اجتمعوا فى الدنيا على الكفر والمجالسة. الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ الدوائر والأحداث بدل من الذين يتخذون او ذم منصوب او مرفوع او مبتدا خبره فَإِنْ كانَ لَكُمْ ايها المؤمنون فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ يعنى ظفرا «1» وغنيمة قالُوا لكم أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ على دينكم وفى الجهاد فاجعلوا لنا نصيبا من الغنيمة وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ من الحرب وظهور على المسلمين قالُوا للكافرين أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ الاستحواذ الاستيلاء يعنى الم نغلبكم مع المؤمنين قبل ذلك فابقيناكم وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اى ندفع عنكم صولة المؤمنين بتخذيلهم عنكم ومراسلتنا إياكم اخبارهم وأمورهم وقال المبرد معناه الم نغلبكم على رأيكم ونمنعكم من المؤمنين اى عن الدخول فى جملتهم فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وبين المنافقين يَوْمَ الْقِيامَةِ فيدخل المؤمنين الجنة والمنافقين النار، روى الشيخان فى الصحيحين والحاكم فى حديث طويل عن ابى سعيد الخدري إذا كان يوم القيامة ينادى مناد ليذهب كل قوم الى ما كانوا يعبدون الحديث فيقول الله تعالى ايها الناس لحقت كل امة بما يعبد وبقيتم فيقولون نحن ننتظر ربنا فيكشف عن ساق فيسجد له كل مؤمن ويبقى من كان يسجد له رياء وسمعة فيذهب

_ (1) فى الأصل ظفر وغنيمة

[سورة النساء (4) : آية 142]

كما يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا- زاد الحاكم كلما أراد ان يسجد خرّ على قفاه الحديث بطوله وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) قال علىّ فى الاخرة رواه ابن جرير وكذا روى عن ابن عباس وهو الظاهر وقال عكرمة عن ابن عباس اى حجة كذا روى ابن جرير وعبد بن حميد عن السدى وقيل ظهورا على اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وامّا ظهور الكافرين على المؤمنين فى هذا الزمان فلضعف ايمانهم وكثرة عصيانهم وقيل يعنى سبيلا الى استيصالهم احتج الشافعي بهذه الاية على فساد اشتراء الكافر العبد المسلم، وقال ابو حنيفة الشراء صحيح لصدور العقد من اهله مضافا الى محله لكن يجبر الكافر ان يبيع العبد بحكم هذه الاية نظرا للجانبين واحتج ابو حنيفة بهذه الاية على حصول البينونة بنفس الارتداد إذا كانت تحته مسلمة والله اعلم-. إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ سبق الكلام فيه فى اوّل سورة البقرة وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ مع المؤمنين قامُوا كُسالى متثاقلين كالمكره كراهة على الفعل لا يرجون بها ثوابا ولا يخافون على تركها عذابا بل يُراؤُنَ النَّاسَ صلاتهم ليخالوهم مؤمنين وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) يعنى ذكرا قليلا او فى زمان قليل والمراد بالذكر الصلاة ووجه التقليل ان المرائى لا يفعل الا بحضرة من يراه «1» وهو اقل أحواله وجملة يراءون حال من فاعل قاموا كقوله كسالى ولا يذكرون الله معطوف على يراءون او حال من فاعل يراءون. مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ حال من فاعل لا يذكرون او من فاعل يراءون اى يراءونهم غير ذاكرين او منهما على سبيل التنازع او منصوب على الذم والمعنى مترددين بين الايمان والكفر مشتق من الذبذبة بمعنى جعل الشيء مضطربا واصله الذب بمعنى الطرد والدفع والمذبذب الذي يدفع من كلا الجانبين فلا يتقرر فى جانب واحد لا مستقرين مطمئنين إِلى هؤُلاءِ المؤمنين ظاهرا وباطنا حتى يؤفى معهم أجورهم فى الاخرة وَلا إِلى هؤُلاءِ الكفار بالكلية حتى يعامل بهم فى الدنيا ما يعامل بالكافرين وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ إياه عن طريق الحق فَلَنْ تَجِدَ ايها المخاطب لَهُ سَبِيلًا (143)

_ (1) اخرج ابو يعلى عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حسن الصلاة حين يراه الناس وأساءها حيث لم يرها فتلك استهانة استهان بها ربّه منه رحمه الله-

[سورة النساء (4) : آية 144]

الى الحق والصواب نظيره قوله تعالى وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ- عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير الى هذه مرة والى هذه اخرى رواه مسلم،. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ فان موالاتهم أهلك المنافقين وصيرهم الى النفاق فاحذروهم أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا بموالاتهم لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً (143) حجة «1» بنية فى تعذيبكم. إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ قرا اهل الكوفة الدّرك بسكون الراء والباقون بفتحها وهما لغتان- قال السيوطي الدركات الطبقات والمنازل ويختص بما يستافل ويقال فيما علا درجات الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ اخرج ابن المبارك عن ابن مسعود فى هذه الاية قال توابيت من حديد تضمت عليهم أسفل النار وذكر البغوي بلفظ فى توابيت من حديد مقفلة فى النار وقال البغوي قال ابو هريرة توابيت يقفل عليهم تتوقد فيه النار من فوقهم ومن تحتهم واخرج ابن وهب عن كعب الاخبار قال ان فى النار لبيرا لما فتحت ابوابها بعد مغلقها ما جاء على جهنم يوم منذ خلقها الله تعالى الّا يستعيذ بالله من حرّها وهى الدرك الأسفل من النار وانما استحق المنافقون الدرك الأسفل من النار لانهم أخبث الكفرة حيث ضمّوا الى الكفر الاستهزاء بالله والرسول والإسلام والخداع للمسلمين ولانهم أمنوا من السيف والجزية فى الدنيا فاستحقوا الدرك الأسفل تعديلا وَلَنْ تَجِدَ ايها المخاطب لَهُمْ نَصِيراً (145) يخرجهم من النار ويمنعهم من عذاب الله. إِلَّا الَّذِينَ تابُوا من النفاق وأمنوا وَأَصْلَحُوا أعمالهم وَاعْتَصَمُوا وثقوا بِاللَّهِ وتمسّكوا بدينه وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ من الرياء- لا يريدون بالايمان والأعمال الا وجه الله تعالى خالصا، اخرج ابن عساكر عن ابى إدريس قال ما يبلغ عند حقيقة الإخلاص حتى لا يجب ان يحمده أحد على شىء من عمل عمل لله عزّ وجلّ وروى ابن ابى شيبة واحمد عن ابى ثمامة قال قال الحواريون لعيسى عليه السلام يا روح الله من المخلص لله قال الذي يعمل لله لا يحب ان يحمده الناس عليه واخرج الحكيم الترمذي فى نوادر الأصول عن زيد بن أرقم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال لا اله الا الله

_ (1) روى ابن ابى حاتم وابن مردوية وغيرهما عن ابن عباس قال كل سلطان فى القران فهو حجة منه رحمه الله

[سورة النساء (4) : آية 147]

مخلصا دخل الجنة قيل يا رسول الله ما إخلاصها قال ان تحجزه عن المحارم واخرج الحاكم وصححه والبيهقي فى الشعب عن معاذ بن جبل انه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه الى اليمن أوصني قال أخلص دينك يكفيك القليل من العمل واخرج ابن ابى الدنيا فى الإخلاص والبيهقي فى الشعب عن ثوبان قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول طوبى للمخلصين أولئك مصابيح الهدى ينجلى عنهم كل فتنة ظلماء فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ المخلصين الذين سبقوهم بالايمان والإخلاص فى الجنة قال الفراء اى من المؤمنين وَسَوْفَ يُؤْتِ حذفت الياء فى الخط تبعا للفظ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ المخلصين فى الاخرة أَجْراً عَظِيماً (146) الجنة ورضوان الله ومراتب القرب. ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ نعمة الله وَآمَنْتُمْ به استفهام للانكار والتقرير معناه انه تعالى لا يعذب المؤمن الشاكر لان تعذيبه عباده لا يزيد فى ملكه وتركه عقابهم لا ينقص من سلطانه وليس تعذيبه تعالى لاستجلاب نفع او دفع ضرر عنه وهو الغنى المتعالي عن النفع والضرر وانما يعذب العباد جريا على عادته فى ترتيب المسبب العادي على السبب العادي كسوء مزاج يؤدى الى المرض فاذا زال مرضه القلبي من الكفر والنفاق فى الدنيا بالايمان والشكر ونقّى نفسه عنه يخلص من تبعته قال البغوي فى الاية تقديم وتأخير تقديره ان أمنتم وشكرتم قلت لا حاجة الى هذا القول فان الواو للجمع المطلق دون الترتيب وقيل انما قدم الشكر لان الناظر يدرك النعمة اوّلا فيشكر شكرا مبهما ثم يمعن النظر حتى يعرف المنعم فيؤمن به قلت لعل المراد بالشكر ضد الكفر اعنى الايمان المجازى العامي وبالايمان الايمان الحقيقي وَكانَ اللَّهُ شاكِراً مثيبا على الشكر يقبل اليسير ويعطى الجزيل عَلِيماً (147) بحقيقة ايمانكم. لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ يعنى يبغض الجهر بالسوء وغير الجهر ايضا لكن الجهر افحش وانما حصّ الجهر بالذكر لمطابقة الحادثة إِلَّا مَنْ ظُلِمَ «1» الّا جهر من

_ (1) اخرج ابن جرير عن ابن زيد قال كان ابى يقرا لا يحبّ الله الجهر بالسّوء الّا من ظلم قال ابن زيد يقول من حلم على جملك النوق فجهر له بالسوء حتى ينزع واخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم عن ابن عبّاس قال لا يحبّ الله ان يدعو أحد على أحد الّا ان يكون مظلوما فانه رخص له ان يدعو على من ظلمه وان يصبر فهو خير له واخرج ابن ابى شيبة والترمذي عن عائشة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من دعا على من ظلمه فقد انتصف واخرج ابن جرير وابن المنذر عن الحسين قال الرجل يظلم الرجل فلا يدع عليه ولكن ليقل اللهم اعنى عليه اللهم استخرج لى حقى وحل بينه وبين ما يريد ونحو هذا منه رحمه

[سورة النساء (4) : آية 149]

ظلم بالدعاء على الظالم والتظلم منه وقيل الجهر بالسوء من القول هو الشتم الّا من ظلم فانه ان ردّ عليه مثله فلا حرج عليه لقوله تعالى وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ الاية عن انس وابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المستبان ما قالا فعلى البادي ما لم يعتد المظلوم رواه مسلم وقال البغوي قال مجاهد هدا فى الضيف إذا نزل بقوم فلم يقروه ولم يحسنوا ضيافته فله ان يشكو ويذكر ما صنع به اخرج هناد فى كتاب الزهد عن مجاهد ان رجلا أضاف بالمدينة فاساءه قراه فتحول عنه فجعل ثينى عليه بما أولاه فرخص له ان يثنى عليه بما أولاه ونزلت هذه الاية وكذا اخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عنه ان رجلا ضاف قوما فلم يطعموه فاشتكاهم فعوقب عليه فنزلت هذه الاية وعن عقبة بن عامر انه قال قلنا يا رسول الله انك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقرونا فما ترى فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان نزلتم بقوم فامروا لكم بما ينبغى للضيف فاقبلوا فان لم يأمروا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغى لهم متفق عليه وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً لشكوى المظلوم ودعائه عَلِيماً (148) بما فعل الظالم. إِنْ تُبْدُوا خَيْراً يعنى طاعة وبرّا وقيل معناه تبدوا خيرا بالظالم مكان الجهر بالسوء فتمحوا السيئة بالحسنة أَوْ تُخْفُوهُ اى تفعلوا ذلك الخير سرا وقيل المراد بالخير المال يعنى ان تبدوا صدقة او تخفوها أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ يعنى عن مظلمة وتمحوه عن قلوبكم وان لم تفعلوا بالظالم خيرا قال البيضاوي وغيره والعفو عن المظلوم هو المقصود وذكر إبداء الخير وإخفاءه توطية وتمهيدا بدليل قوله تعالى فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً (149) اى يكثر العفو عن العصاة مع كمال قدرته على الانتقام فانتم اولى بذلك لانه تجارة فى حقكم فهذه الاية حث المظلوم على العفو بعد ما رخص له فى الانتصار حملا على مكارم الأخلاق- عن ابن عمر انه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم كم اعفوا عن الخادم قال كل يوم سبعين مرة رواه ابو داود والترمذي وابو يعلى والله اعلم. إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ قال البغوي نزلت فى اليهود فانهم لما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقران وبعيسى والإنجيل فكانهم كفروا بجميع الأنبياء لان بعضهم مصدق لبعض وكفروا بالله حيث جحدوا باياته وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ... ...

[سورة النساء (4) : آية 151]

وَرُسُلِهِ بان يؤمنوا بالله دون الرسل كاهل الشرك وكاليهود حيث أمنوا بالله وبموسى على زعمهم وكفروا بعيسى وبمحمد صلى الله عليه وعليهم وغيرهما من الرسل والقران والإنجيل وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ من الأنبياء وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ منهم وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ اى بين الايمان والكفر سَبِيلًا (150) دينا وطريقا. أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ الكاملون فى الكفر إذ لا واسطة بين الايمان والكفر فان الايمان بالله انما يتم بالايمان برسله أجمعين وتصديقهم فيما بلغوا عنه اجمالا وتفصيلا والحق واحد مشترك بين أديان الأنبياء كلهم فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ حَقًّا مصدر مؤكد بغيره اى حق ذلك الأمر حقا او صفة لمصدر الكافرين بمعنى هم الذين كفروا كفرا حقّا اى يقينا محققا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ أجمعين ومنهم اليهود عَذاباً مُهِيناً (151) . وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ كلهم أجمعين وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ الموصول مبتدا والظاهر ان خبره أولئك سنؤتيهم أجورهم «1» وقيل خبره محذوف تقديره أولئك هم المؤمنون حقا او تقديره أضدادهم ومقابلوهم ووجه هذا القول ان يكون هذه الاية على وتيرة ما سبق وانما دخل بين على أحد مع اقتضائه المتعدد لعمومه من حيث انه وقع فى سياق النفي أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ قرا حفص بالياء على الغيبة والباقون بالنون على التكلم أُجُورَهُمْ الموعود لهم وتصديرهم بسوف لتأكيد الوعد والدلالة على انه كائن لا محالة وان تأخر وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لما فرط منهم رَحِيماً (152) عليهم يضاعف حسناتهم اخرج ابن جرير عن محمّد بن كعب القرظي قال جاء ناس من اليهود الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ان موسى جاءنا بالالواح من عند الله فأتنا بالالواح حتى نصدّقك، وسمى البغوي ذلك اليهود كعب بن الأشرف وفخاص بن عازورا فقالا ذلك فانزل الله تعالى. يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ وكان هذا السؤال منهم سوال تحكم واقتراح لا سوال الانقياد والله تعالى لا ينزل الآيات على اقتراح العباد اخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي انه لما نزل قوله تعالى يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ الى قوله بُهْتاناً عَظِيماً جثا رجل من اليهود فقال ما انزل الله عليك ولا على موسى ولا على عيسى

_ (1) والصحيح سوف يؤتيهم ابو محمد عفا الله عنه

[سورة النساء (4) : آية 154]

ولا على أحد شيئا فانزل الله تعالى وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ فَقَدْ سَأَلُوا الضمير عائد الى اهل الكتاب أضاف الحكم إليهم باعتبار ان السؤال صدر عن بعضهم وهم السبعون الذين خرج بهم موسى عليه السلام الى الجبل والفاء للسببية والتقدير لا تستكبر منهم هذا السؤال لانهم قد سالوا الاية وقيل الفاء جواب شرط مقدر اى ان استكبرت ما سال هؤلاء عنك فقد سال أسلافهم مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ يعنى ما اقترحوا عليك ليس باول جهالاتهم فَقالُوا تفسير للسوال أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً اى اراءة جهرة او رؤية جهرة على انه مصدر من غير لفظه يعنى عيانا او مجاهرين يعنى معاينين له وقال ابو عبيدة معناه قالوا جهرة أرنا الله فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ اى أهلكتهم نار جاءت من السماء بِظُلْمِهِمْ بسبب ظلمهم على أنفسهم وهو تعنتهم وسوالهم بما كان خلاف العادة والحكمة وذلك لا يقتضى امتناع الرؤية مطلقا ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ الها هذه جناية اخرى ارتكبها اوائلهم مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ يعنى المعجزات الواضحات فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ ولم نستأصلهم هذا استدعاء الى التوبة يعنى عفونا عن اوائلكم حين تابوا فتوبوا أنتم حتى نعفو عنكم وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً (153) اى تسلّطا ظاهرا حتى أمرهم بان يقتلوا أنفسهم او حجة ظاهرة وهى الآيات التسع على من خالفه. وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ اى بسبب ميثاقهم حتى يقبلوه وَقُلْنا لَهُمُ على لسان موسى والطور مظل عليهم ادْخُلُوا الْبابَ يعنى باب ايليا سُجَّداً مطاطئين رءوسكم وَقُلْنا لَهُمُ على لسان داؤد، ويحتمل ان يكون هذا القول ايضا على لسان موسى حين ظلل عليهم الجبل فانه شرع السبت لكن الاعتداء والمسخ كان فى زمن داؤد عليه السلام لا تَعْدُوا قرا ورش بفتح العين وتشديد الدال وقالون بإخفاء حركة العين وتشديد الدال أصله تعتدوا أدغمت التاء فى الدال والنص عن قالون بالإسكان والباقون بإسكان العين وتخفيف الدال يعنى لا تظلموا أنفسكم بقتل الحيتان فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (154) على قبول حكم التورية وعدم الاعتداء فى السبت حتى قالوا سمعنا واطعنا. فَبِما نَقْضِهِمْ ما زائدة لتأكيد مضمون الكلام والباء متعلق بمحذوف تقديره ... ...

[سورة النساء (4) : آية 156]

فخالفوا حكم التورية ونقضوا الميثاق ففعلنابهم ما فعلنا ولعناهم بسبب نقضهم ويجوز ان يكون متعلقا بحرّمنا عليهم طيّبت احلّت لهم وقوله فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا بدل من قوله فَبِما نَقْضِهِمْ لكن يلزم حينئذ تكرار الفاء وجاز ان يكون الفاء للعطف فحينئذ لم يحتج الى جعله بدلا، ويمكن ان يقال قوله فبما نقضهم ظرف مستقر خبر للمبتدا المحذوف والباء بمعنى فى تقديره فهم فى نقضهم مِيثاقَهُمْ الذي واثقوا بموسى عليه السلام وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ الواردة فى التورية فى نعت محمد صلى الله عليه وسلم وبالقران والإنجيل وغيرهما وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ للنبى صلى الله عليه وسلم قُلُوبُنا غُلْفٌ اوعية للعلوم او فى اكنة مما تدعونا اليه وليس الأمر كذلك بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها اى ختم على قلوبهم بِكُفْرِهِمْ فجعلها محجوبة عن العلم او خذلها ومنعها التوفيق للتدبر فى الآيات فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) اى ايمانا قليلا لا يعتد به وهو الايمان ببعض الكتب وبعض الرسل او الا قليلا منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه وقيل معناه لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا وَبِكُفْرِهِمْ ثانيا بعيسى وهو معطوف على بكفرهم وكرر الباء للفصل بينه وبين ما عطف عليه والكفر المطلق من اسباب الطبع كالكفر بعيسى وليس هذا من قبيل عطف الشيء على نفسه للعموم والخصوص او يقال عطف مجموع الكفر وما عطف عليه على الكفر كما يقال قال الامام وسائر الناس او هو معطوف على قوله فَبِما نَقْضِهِمْ ويكون تكرير ذكر الكفر إيذانا لتكرر كفرهم، فانهم كفروا بموسى ثم بعيسى وداود وسليمان ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين، او يقال مجموع هذا مع ما عطف عليه معطوف على مجموع قبله فلا تكرار. وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (156) يعنى نسبتها الى الزنى. وَقَوْلِهِمْ مفتخرين إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ اى بزعمه ويحتمل انهم قالوا ذلك استهزاء- وجاز ان يكون رسول الله منصوبا على المدح استينافا من الله تعالى او وضع الله سبحانه الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح حتى يستحق القائلون الذم وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ روى ان رهطا من اليهود سبوه وامه فدعا عليهم فمسخهم الله قردة وخنازير فاجتمعت اليهود على قتله فاخبره الله بانه يرفعه الى السماء كما مر القصة فى ال عمران ووقع فى بعض الروايات انه ... ...

[سورة النساء (4) : آية 158]

قال عيسى لاصحابه أيكم يرضى ان يلقى عليه شبهى فيقتل ويصلب ويدخل الجنة فقام رجل منهم فالقى الله عليه شبهه فقتل وصلب كذا اخرج النسائي عن ابن عباس- وفى رواية ذكره البغوي ان الله تعالى القى شبه عيسى عليه السلام على الذي دل اليهود عليه وذكرنا فى سورة ال عمران من رواية الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس انه امر يهودا رأس اليهود رجلا من أصحابه يقال له طيطانوس ان يدخل بيتا كان عيسى فيه ليقتله فرفعه الله الى السماء والقى الله شبهه على طيطانوس فلما خرج ظنوا انه عيسى فاخذ وصلب وقيل انهم حبسوا عيسى عليه السلام فى بيت وجعلوا عليه رقيبا فالقى الله شبهه على الرقيب فقتلوه والله اعلم، وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ اى فى قتله لَفِي شَكٍّ مِنْهُ اى تردد من قتله قال الكلبي اختلافهم فيه هو ان اليهود قالت نحن قتلناه وقالت طائفة من النصارى نحن قتلناه، وقالت طائفة منهم ما قتله هؤلاء ولا هؤلاء بل رفعه الله الى السماء ونحن ننظر اليه وقيل كان الله القى شبه عيسى عليه السلام على وجه طيطانوس ولم يلقه على جسده فاختلفوا فيه فقال بعضهم قتلنا عيسى فان الوجه وجه عيسى وقال بعضهم لم نقتله لان جسده ليس بجسد عيسى وقال السدى اختلافهم من حيث انهم قالوا ان كان هذا عيسى فاين صاحبنا وان كان صاحبنا فاين عيسى وقيل الضمير فى قوله الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ راجع الى عيسى اختلفوا فى شأن عيسى فقال بعضهم انه كان كاذبا فقتلناه حقّا وتردد آخرون وقال من سمع منه ان الله يرفعنى الى السماء انه رفع الى السماء ما لَهُمْ بِهِ اى بقتله مِنْ عِلْمٍ انه قتل او لم يقتل إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ استثناء منقطع اى ولكنهم يتبعون الظن فى قولهم انا قتلنا وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (157) يعنى ما قتلوا عيسى متيقن هذا الأمر يقينا وقيل معناه ما قتلوا عيسى قتلا يقينا عندهم كما زعموه انا قتلنا المسيح او ما قتلوه متيقنين انه عيسى كذا قال الفراء. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ رد وانكار لقتله واثبات لرفعه وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً منيعا بالنقمة على اليهود ولا يغلبه أحد على ما يريده حَكِيماً (158) حكم باللعنة والغضب على اليهود فسلط عليهم صطيونس بن استسيانوس الرومي فقتل منهم مقتلة عظيمة او حكيما فيما دبر بعيسى عليه السلام-.

[سورة النساء (4) : آية 159]

وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أحد إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ يعنى الا من ليؤمنن جملة خبرية مؤكدة لجمله انشائية قسمية صفة لمستثنى مفرغ مقدر بِهِ اى بعيسى عليه السلام كذا قال اكثر المفسرين وعامة اهل العلم وروى عن عكرمة ان الهاء كناية عن محمد صلى الله عليه وسلم وقيل هى راجعة الى الله عز وجل والمال واحد فان الايمان بالله لا يعتد ما لم يؤمن بجميع رسله والايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم يستلزم الايمان بعيسى عليه السلام وبالعكس، قَبْلَ مَوْتِهِ اى قبل موت ذلك الأحد من اهل الكتاب عند معانية ملائكة العذاب عند الموت حين لا ينفعه إيمانه- هذا رواية على بن طلحة عن ابن عبّاس رضى الله عنهما قال فقيل لابن عباس ارايت ان خرمن فوق بيت قال يتكلم به فى الهواء فقيل ارايت ان ضرب عنقه قال تلجلج لسانه والحاصل انه لا يموت كتابىّ حتى يؤمن بالله عز وجل وحده لا شريك له وان محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله وان عيسى عبد الله ورسوله قيل يؤمن الكتابي فى حين من الأحيان ولو عند معاينة العذاب قلت لعل ذلك لان الكتابي يعرف نبوة موسى والتورية وكلاهما ناطق بحقية عيسى والإنجيل وداود وزبور ومحمد صلى الله عليه وسلم والقران وانما يكفر عنادا وتعصّبا فقد ينصف فيعتقد فى نفسه ان محمدا صلى الله عليه وسلم حق شهد به موسى والتورية من قبل ولو لم يخطر ذلك الخطرة فى باله فلا شك انه حين يرى ملائكة العذاب يزعم حينئذ ان ما كان يقول محمد صلى الله عليه وسلم كان حقّا فهذه الاية كالوعيد والتحريض على معاجلة الايمان به قبل ان يضطروا اليه ولا ينفعهم ايمانهم وقيل الضميران لعيسى والمعنى انه إذا نزل عيسى من السماء أمن به اهل الملل أجمعون ولا يبقى أحد من اهل الأديان الا يؤمن به حتى يكون الملة واحدة ملة الإسلام وهذا التأويل مروى عن ابى هريرة رضى الله عنه روى الشيخان فى الصحيحين عن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال والذي نفسى بيده ليوشكن ان ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها قال ابو هريرة فاقرءوا ان شئتم وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ اى قبل موت عيسى بن مريم وفى بعض الروايات كان ابو هريرة يعيدها ثلاثة مرات وعنه ... ...

[سورة النساء (4) : آية 160]

عن النبي صلى الله عليه وسلم فى نزول عيسى قال ويهلك فى زمانه الملل كلها الا الإسلام الحديث روى ابن جرير والحاكم وصححه عن ابن عباس موقوفا فلا يبقى أحد من اهل الكتاب الا يؤمن به قلت نزول عيسى قبل يوم القيامة حق وان يهلك فى زمانه الملل كلها الا الإسلام حق ثابت بالصحاح من الأحاديث المرفوعة لكن كونه مستفادا من هذه الاية وتأويل الاية بإرجاع الضمير الثاني الى عيسى ممنوع انما هو زعم من ابى هريرة ليس ذلك فى شىء من الأحاديث المرفوعة وكيف يصح هذا التأويل مع ان كلمة ان من اهل الكتب شامل للموجودين فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم البتة سواء كان هذا الحكم خاصا بهم اولا فان حقيقة الكلام للحال ولا وجه لان يراد به فريق من اهل الكتاب يوجدون حين نزول عيسى عليه السلام فالتأويل الصحيح هو الاول ويؤيده قراءة أبيّ بن كعب اخرج ابن المنذر عن ابى هاشم وعروة قالا فى مصحف ابى بن كعب وان من اهل الكتب الّا ليؤمننّ به قبل موتهم وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عيسى او محمد صلى الله عليهما وسلم او الله عز وجل على حسب إرجاع الضمير فى ليؤمننّ به عَلَيْهِمْ شَهِيداً (159) فان الله سبحانه يشهد على عباده وكفى بالله شهيدا والأنبياء يشهدون على أممهم ومحمد صلى الله عليه وسلم يكون عليهم شهيدا-. فَبِظُلْمٍ عظيم مِنَ الَّذِينَ هادُوا وهو ما تقدم ذكره من نقضهم الميثاق وكفرهم بايات الله وقتلهم الأنبياء وبهتانهم على مريم وقولهم تفاخرا قتلنا المسيح حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ قبل ذلك وهى ما ذكر فى سورة الانعام وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ الى قوله تعالى ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ ويحتمل ان يراد طيبات الجنة ويلائم هذا قوله تعالى وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ الاية ويحتمل ان يراد الأرزاق الطيبة فى الدنيا والمراد بالتحريم جعلهم محرومين مصروفين عنها بالأمر التكويني يعنى انهم مع كثرة الرزق الحلال الطيب فى الدنيا جعلهم الله تعالى محرومين عنها فلا يأكلون الا رزقا حراما خبيثا حتى تكون النار اولى بهم- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل لحم نبت من الحرام فالنار اولى به وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعنى عن الايمان والاتباع لمحمد صلى الله عليه وسلم كَثِيراً (160) اى كثيرا من الناس او صدا كثيرا. وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَ ... ...

[سورة النساء (4) : آية 162]

قَدْ نُهُوا عَنْهُ فى التورية وفيه دليل على ان النهى يوجب التحريم وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ بالرشوة والخداع والغصب وغير ذلك من الوجوه المحرمة قوله بصدّهم مع ما عطف عليه معطوف على بظلمهم متعلق بقوله حرّمنا ومعطوف على قوله حرّمنا قوله تعالى وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (161) فى نار جهنم ثم لما كان الكلام السابق منشأ لتوهم شمول الحكم لجميع اهل الكتاب استدرك وقال. لكِنِ «1» الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ اى من اهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه مؤمنى اهل الكتاب الثابتون على ما هو مقتضى العلم بالكتاب وَالْمُؤْمِنُونَ يعنى اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار او المعنى والمؤمنون منهم والمراد بهم وبالراسخون واحد والراسخون مبتدأ خبره يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ اى القران وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يعنى سائر الكتب المنزلة على الرسل وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ قال البغوي حكى عن عائشة وابان بن عثمان انه غلط من الكاتب ينبغى ان يكتب والمقيمون الصلاة وكذلك قوله تعالى فى سورة المائدة إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وقوله تعالى إِنْ هذانِ لَساحِرانِ قالوا ذلك خطأ من الكاتب وقال عثمان ان فى المصحف لحنا سيقيمه العرب بألسنتها فقيل له الا تغيره فقال دعوه فانه لا يحل حراما ولا يحرم حلالا، والصحيح انّ هذا القول سهو من القائلين عفا الله تعالى عنهم وانعقد الإجماع على انه هو الحق الصحيح فاختلفوا فى توجيهه فقيل هو نصب على المدح لبيان فضل الصلاة تقديره امدح المقيمين وقيل منصوب بتقدير اعنى المقيمين الصلاة- وهم المؤتون الزكوة وقيل انه منصوب على التوهم لان السابق كان مقام لكن المثقلة وضع موضعه المخففة وقيل موضعه خفض معطوف على ما انزل إليك معناه يؤمنون بما انزل إليك وبالمقيمين الصلاة يعنى الأنبياء وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ عطف على الراسخون او مبتدا خبره أولئك وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ عطف على المؤتون قدم عليه الايمان بالأنبياء

_ (1) اخرج ابن إسحاق والبيهقي فى الدلائل عن ابن عباس قال نزلت فى عبد الله بن سلام وأسيد بن شعبة وثعلبة بن شعبة حين فارقوا يهودا واسلموا منه رحمه الله-

[سورة النساء (4) : آية 163]

والكتب وما يصدقه من الصلاة والزكوة لانه المقصود بسوق الاية فان اهل الكتاب كانوا يؤمنون بالله واليوم الاخر فى زعمهم وانما المقصود هاهنا تحريضهم على ما ليس لهم من الايمان وهو الايمان بالأنبياء والكتب كلهم وجاز ان يكون المراد بالأول الايمان المجازى وبالثاني الايمان الحقيقي المترتب عليه وعلى إتيان الشرائع أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً (162) قرا حمزة سيؤتيهم يعنى الله تعالى بالياء على الغيبة والباقون بالنون على التكلم- روى ابن إسحاق عن ابن عباس قال قال عدى بن زيد ما نعلم ان الله انزل على بشر من شىء من بعد موسى فانزل الله تعالى. إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ بدا بذكره عليه السلام لانه كان أبا البشر مثل آدم قال الله تعالى وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ ولانه أول نبى من أنبياء الشريعة وأول نذير على الشرك وأول من عذبت أمته لردهم دعوته وأهلك اهل الأرض بدعائه وكان أطول الأنبياء عمرا وجعل معجزته فى نفسه فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً ولم يسقط له سن ولم يشب له شعر ولم ينقص له قوة وصبر على أذى قومه على طول عمره وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ إدريس وهود وصالح وشعيب وغيرهم وَكما أَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وهم أولاد يعقوب اما ابناؤه اثنا عشر او أنبياء بنى إسرائيل من ذريتهم- وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ خص هؤلاء من الأسباط لمزيد الفضل وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (163) عطف على أوحينا قرا الأعمش وحمزة زبورا بضم الزاء وهو اسم للكتاب الذي انزل عليه قال البغوي كان فيه التحميد والتمجيد والثناء على الله عز وجل وكان داود يخرج الى البرية فيقوم ويقرا الزبور ويقوم معه علماء بنى إسرائيل فيقومون خلفه ويقوم الناس خلف العلماء ويقوم الجن خلف الانس الأعظم فالاعظم ويجىء الدواب التي فى الجبال فيقمن بين يديه تعجبا لما يسمعن منه والطير ترفرف «1» على رءوسهم عن ابى موسى الأشعري قال قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم لو رايتنى البارحة وانا اسمع لقراءتك لقد أعطيت مزمارا من مزامير ال داود قال اما والله يا رسول الله لو علمت

_ (1) يقال رفرف الطائر بجناحيه إذا بسطهما عند السقوط الى شىء يحوم عليه ليقع فوقه- نهايه منه رحمه الله

[سورة النساء (4) : آية 164]

انك تسمع لحبرّته «1» تحبيرا وكان عمر رضى الله عنه إذ أراه يقول ذكرنا يا أبا موسى فيقرا عنده. وَرُسُلًا منصوب بمضمر دلّ عليه أوحينا تقديره وأرسلنا رسلا، قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ هذا اليوم مثل آدم عليه السلام وشيث وإدريس وزكريا ويحيى وذا الكفل وغيرهم وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ عن ابى ذرّ قال قلت يا رسول الله اى الأنبياء كان اوّل قال آدم قلت ونبى كان قال نعم نبى مكلم قلت يا رسول الله كم المرسلون قال ثلاثمائة وبضعة عشر جما غفيرا وعن ابى امامة عنه صلى الله عليه وسلم قال قلت يا رسول الله كم وفاء عدة الأنبياء قال مائة الف واربعة وعشرون الفا الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمّا غفيرا رواه احمد وابن ابى حاتم وروى الحاكم بسند ضعيف وابو يعلى وابو نعيم فى الحلية عن انس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انه تعالى بعث ثمانية آلاف نبى اربعة آلاف من بنى إسرائيل واربعة آلاف من سائر «2» الناس وهذه الاية تدل على ان معرفة الأنبياء بأعيانهم لا يشترط لصحة الايمان بل من شرطه ان يؤمن بهم جميعا ولو كان معرفة كل شرطا لقصّ الله علينا جميعهم وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً (164) وهو منتهى مراتب الوحى خص به موسى عليه السلام من بينهم وقد فضل الله محمدا صلى الله عليه وسلم ورفعه درجات. ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ... «3» وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى وأعطاه مثل ما اعطى كل واحد من الأنبياء مع مزيد فضل قال الفراء العرب تسمى ما يوصل الى الإنسان كلاما باىّ طريق وصل ولكن لا يحققه بالمصدر فاذا حقق بالمصدر لم يكن الا حقيقة الكلام يقال على سبيل المجاز أراد الجدار ان ينقض ولا يقال أراد الجدار ارادة

_ (1) يقال حبرت الشيء تحبيرا إذا احسنته نهاية منه رحمه الله- (2) روى ابن حبان فى صحيحه والحاكم وابن عساكر والحكيم الترمذي فى نوادر الأصول وعبد بن حميد عن ابى ذرّ قال قلت يا رسول الله كم الأنبياء قال مائة الف نبى واربعة وعشرون الفا قلت يا رسول الله كم الرسل منهم قال ثلاثمائة وثلاثة عشر جما غفيرا ثم قال يا أبا ذرّ اربعة بانيون آدم وشيث ونوح وخنوخ وهو إدريس وهو اوّل من خط بالقلم واربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك واوّل نبىّ من بنى إسرائيل موسى وآخرهم عيسى واوّل نبىّ آدم وآخرهم نبيّك منه رحمه الله (3) وبين هذين الآيتين فى القران أفتمارونه على ما يرى

[سورة النساء (4) : آية 164]

رُسُلًا منصوب على المدح او بإضمار أرسلنا او على الحال ويكون رسلا هذا تمهيدا لقوله. مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا اللام متعلق بأرسلنا او بقوله مبشرين ومنذرين، يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ إرسال الرُّسُلِ إليهم حجة اسم كان وخبره للناس او على الله والاخر حال ولا يجوز تعلقه بحجة لانه مصدر وبعد ظرف لها او صفة حجة يعنى لئلا يقول الناس رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فنتبعه، عن المغيرة قال قال سعد ابن عبادة لو رايت رجلا مع امراتى لضربته بالسيف غير مصفح «1» فبلغ ذلك رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم فقال تعجبون من غيرة سعد والله لانا أغير منه والله أغير منى ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب اليه العذر من الله ومن أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين ولا أحد أحب اليه المدحة من الله تعالى ومن أجل ذلك وعد الله الجنة رواه البخاري وغيره قال البغوي فى هذه الاية دليل على ان الله تعالى لا يعذب الخلق قبل بعثة الرسل كما قال الله تعالى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا، وقالت الحنفية لا يعذب الله على الشرائع من المأمورات والمنهيات الّا بعد بعثة الرسل وامّا وجوب نفس التوحيد فغير متوقف عليه لدلالة الآيات الآفاقية والانفسية عليه وكفاية ادراك العقل فيه والله اعلم وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً لا يغلب فيما يريد حَكِيماً (165) فيما دبر من امر النبوة وخصّ كل نبى بنوع من الوحى والاعجاز والفضل واعطى خاتم النبيين لاجل بعثته الى كافة الخلق الموجودين الى يوم القيامة ما اعطى كل نبى- روى ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس قال دخل جماعة من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم والله انكم تعلمون انى رسول الله فقالوا ما نعلم ذلك، وقال البغوي ان رؤساء مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد انا سالنا عنك اليهود وعن صفتك فى كتابهم فزعموا انهم لا يعرفونك فانزل الله تعالى. لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ على نبوتك بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ من القران المعجز بالنظم والمعنى الدال على نبوتك أَنْزَلَهُ متلبسا «2» بِعِلْمِهِ الخاص به تعالى وهو العلم بالمغيبات الماضية والمستقبلة والعلم بتأليفه بحيث يعجز عن إتيان مثل اقصر سورة منه غيره او العلم بمن هو اهل للنبوة ونزول

_ (1) قال فى النهاية يقال اصفحه بالسيف إذا ضربه بعرضه دون حده وهو مصفّح والسيف مصفح- منه رح [.....] (2) فى الأصل ملتبسا

[سورة النساء (4) : آية 167]

الكتاب عليه وبعلمه الذي يحتاج اليه الناس فى إصلاح معاشهم ومعادهم، فالجار والمجرور على الاوّلين حال عن الفاعل وعلى الثالث عن المفعول وجاز ان يكون مفعولا مطلقا اى انزالا متلبسا «1» بعلمه والجملة كالتفسير لما قبلها وَالْمَلائِكَةُ ايضا يَشْهَدُونَ على نبوتك حيث يأتونك لا عانتك فى القتال ظاهرين كما كان فى غزوة بدر وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (166) يعنى كفى بما اقام من الحجج على نبوتك عن الاستشهاد بغيره او يقال جزاء المؤمنين والكافرين فى الاخرة بيد الله تعالى فكفى به شهيدا إذ الحاكم بالعدل إذا كان عالما شهيدا لا يحتاج الى شهادة غيره.. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا غيرهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعنى عن الايمان بالنبي صلى الله عليه وسلم بكتمان ما ورد نعته فى التورية وتحريفه ومنع الناس عن اتباعه وهم اليهود قَدْ ضَلُّوا عن الحق ضَلالًا بَعِيداً (167) لانهم جمعوا بين الضلال والإضلال. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله ورسله وَظَلَمُوا محمّدا صلى الله عليه وسلم بانكار نبوته بعد العلم بها او ظلموا الناس بصدهم عما فيه صلاحهم يعنى اليهود لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ فى الاخرة طَرِيقاً (168) . إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ اى الطريق المؤدى إليها خالِدِينَ فِيها أَبَداً اى مقدرين الخلود فيها إذا دخلوها حال مقدرة وَكانَ ذلِكَ اى ادخالهم النار عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (169) لا يصعب عليه شىء هذه الاية فى حق من سبق حكمه فيهم انهم يموتون على الكفر والله اعلم ولما قرر الله سبحانه امر النبوة وبين الطريق الموصل الى العلم بها ووعيد من أنكرها خاطب الناس بالدعوة عامة فقال. يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ محمد صلى الله عليه وسلم بِالْحَقِّ بالقران والدين الحق مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا به خَيْراً لَكُمْ اى ايمانا خيرا لكم او وائتوا امرا خيرا لكم ممّا أنتم عليه وقال البغوي تقديره يكن الايمان خيرا لكم ومنعه البصريون قالوا كان لا يحذف مع اسمه الا فيما لا بد منه ولانه يؤدى الى حذف الشرط وجوابه ويرد على عدم تجويز حذف كان مع اسمه قولهم الناس مجزيون بأعمالهم «2» ان خيرا فخيرا وَإِنْ تَكْفُرُوا فالله غنى عنكم لا يتضرر بكفركم كما لا ينتفع بايمانكم وانما يعود نفع ايمانكم وضرر كفركم إليكم،

_ (1) فى الأصل ملتبسا- (2) فى الأصل بأعمالكم

[سورة النساء (4) : آية 171]

ونبه على غنائه تعالى بقوله فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خلقا وملكا وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بمن يؤمن ومن لا يؤمن حَكِيماً (170) لا يسوى بينهما فى الجزاء-. يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ قيل الخطاب للفريقين اليهود والنصارى فاليهود غلت فى تنقيص عيسى حتى كذبوه وسبوا امه والنصارى فى رفعه حتى اتخذوه الها واصل الغلو مجاوزة الحد وقال البغوي نزلت فى النصارى وهم اصناف اربعة اليعقوبية والملكائية والنسطورية والمرقوسية فقالت اليعقوبية والملكائية ان عيسى هو الله وقالت النسطورية عيسى ابن الله وقالت المرقوسية ثالث ثلاثة ويقال الملكائية يقولون عيسى هو الله واليعقوبية يقولون ابن الله والنسطورية يقولون ثالث ثلاثة علمهم رجل من اليهود يقال له بولس سيأتى فى سورة التوبة ان شاء الله تعالى وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ يعنى نزهوه عن الشريك والصاحبة والولد وكونه جسما محتاجا الى الاكل وغير ذلك إِنَّمَا الْمَسِيحُ مبتدا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عطف بيان من المسيح رَسُولُ اللَّهِ خبر مبتدا يعنى ليس كما قالت النصارى انه ابن الله ولا كما قالت اليهود انه كذاب بل هو رسول الله وَكَلِمَتُهُ يعنى اثر قوله كن فكان بشرا من غير اب أَلْقاها حال بتقدير قد يعنى أوصلها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ عطف على الخبر اى ذو روح صادر منه تعالى بخلقه كسائر الحيوانات لا يمكن ان يكون الها واستد الى نفسه تشريفا وقيل سمى روحا لانه كان يحيى الموتى او القلوب الميتة وقيل الروح هو النفخ الذي نفخه جبرئيل فى درع مريم فحملت بإذن الله سمى النفخ روحا لانه ريح تخرج من الروح واضافه اليه تعالى لانه كان بامره من غير مادة وقيل وروح منه يعنى رحمة منه وقد كان رحمة لمن اتبعه وأمن به وقيل الروح الوحى الى مريم بالبشارة والى جبرئيل بالنفخ والى عيسى ان كن فكان وقيل أراد بالروح جبرئيل وهو معطوف على الضمير المستتر فى القاها ويجوز العطف للفصل يعنى القاها الله سبحانه الى مريم وألقاه جبرئيل بامره، أسند الإلقاء الى الله سبحانه لكونه امرا والى جبرئيل لكونه فاعلا او الى الله لكونه خالقا والى جبرئيل لكونه كاسبا، عن عبادة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم من شهد ان لا اله الا الله وان ... ...

[سورة النساء (4) : آية 172]

محمدا عبده ورسوله وان عيسى عبد الله ورسوله وكلمته القاها الى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق ادخله الجنة على ما كان من عمل متفق عليه فَآمِنُوا بِاللَّهِ كما يليق بتنزيهاته وَرُسُلِهِ ومنهم عيسى وَلا تَقُولُوا الالهة ثَلاثَةٌ الله والمسيح ومريم كما يدل عليه قوله تعالى أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وقيل كانوا يقولون بالأقانيم الثلاثة الله وعيسى وجبرئيل ويسمونهم بالأب والابن وروح القدس قالوا كانت ذات لها العلم والحيوة فانتقلت صفة العلم واستعلت وصارت جسما وسميت بعيسى وصفة الحيوة فسميت جبرئيل انْتَهُوا عن التثليث وائتوا امرا خَيْراً لَكُمْ مما أنتم عليه او انتهاء خيرا لكم او يكن الانتهاء خيرا لكم إِنَّمَا اللَّهُ مبتدا إِلهٌ خبره واحِدٌ صفة للتأكيد يعنى لا تعدّد فيه بوجه ما سُبْحانَهُ اى أسبحه سبحانا من أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ فانه انما يكون لمن يتصور له مثل ويتطرق اليه فناء ولذلك سمى الله سبحانه ذلك القول شتما فى حقه، عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى كذبنى ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمنى ولم يكن له ذلك وامّا تكذيبه إياي فقوله لن يعيدنى كما بدانى وليس أول الخلق باهون عليّ من إعادته وامّا شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وانا الأحد الصمد الذي لم الد ولم اولد ولم يكن لى كفوا أحد وفى رواية ابن عباس فقوله لى ولد وسبحانى ان اتخذ صاحبة او ولدا رواه البخاري لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يعنى جميع من عداه ملكا وخلقا فمن يماثله حتى يتصور كونه ولدا له فهذه الجملة كانه تعليل لما سبق وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171) حافظا ومدبرا لكل من سواه فهو تعالى غنى عن الولد فان الحاجة الى الولد ليكون وكيلا لابيه قائما مقامه والله اعلم، - قال البغوي (وعزاه الواحدي فى اسباب النزول الى الكلبي) انه قال وفد نجران يا محمد انك تعيب صاحبنا قال واىّ شىء أقول قال تقول انه عبد الله ورسوله قال انه ليس بعار لعيسى ان يكون عبد الله فنزلت. ْ يَسْتَنْكِفَ اى لن يأنف ولن يتعظم الاستنكاف التكبر مع الانفة من نكفت الدمع إذا نحيّته بإصبعك كيلا يرى اثره عليك ... ...

ْمَسِيحُ من نْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ فان عبوديته تعالى شرف وكمال يباهى به فانه اصل كل كمال فان الممكن لا يوجد ولا يتصف بشىء من الكمالات ما لم ينتسب الى الله تعالى ولا نسبة له اليه تعالى الا بالعبودية وانما المذلة والاستنكاف من عبودية غيره تعالى فانه ممكن مثله لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ عطف على المسيح يعنى ولا يستنكف الملائكة المقربون من ان يكونوا عبيدا لله تعالى احتج بالآية من زعم بتفضيل الملائكة على البشر لان الترقي يكون من الأدنى الى الأعلى يقال فلان لا يستنكف من هذا ولا من هو أعلى منه ولا يقال لا يستنكف منه زيد ولا عبده وأجيب بانه تعالى لم يقل ذلك للترقى من الأدنى الى الأعلى رفعا لمنزلتهم بل ردّا على عبدة الملائكة كما هو رد على عبدة المسيح او يقال لعله أراد بالعطف المبالغة باعتبار التكثير دون اعتبار التكبير كقولك أصبح الأمير لا يخالفه رئيس ولا مرءوس قال البيضاوي وان أراد به التكبير فغايته تفضيل المقربين من الملائكة وهم الكروبيون الذين حول العرش او من هو أعلى منهم من الملائكة على المسيح من الأنبياء وذلك لا يستلزم فضل أحد الجنسين على الاخر مطلقا والنزاع فيه وقال بعض الأفاضل ان الأظهر فى الدفع ان الترقي بنفي استنكاف الملائكة لانهم اولى بالاستنكاف لا لفضلهم بمعنى كثرة الثواب بل لانهم لا يرون فيما بينهم عبادا بخلاف البشر فان فى بنى نوعهم كثرة العبودية وشيوع الرقية قلت والاولى عندى ان يقال ان الترقي ليس لفضل الملائكة على الأنبياء فضلا كليا بل لشرفهم من وجه وفضلهم فضلا جزئيا ولا نزاع فيه والمعنى ان البشر مع احتياجه لبقاء شخصه ونوعه الى الاكل والشرب والجماع وغير ذلك وقرب زمان حدوثه وقصر عمره وقرب فنائه كيف يستنكف عن عبودية الله ومخلوقيته وكيف يدعى الالوهية لنفسه مع ان الملائكة مع تجردهم وعدم احتياجهم وطول أعمارهم وشدة بطشهم وعدم ابتلائهم بالامراض والمصائب والشدائد لا يدعون الالوهية ولا يستنكفون عن عبادة الله والله اعلم وايضا ان النصارى افرطوا فى شأن عيسى عليه السلام وبرءوه من العبودية لما راوا انه ولد بغير اب وانه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى، وكان ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون فى بيوتهم فيقال لهم هذه الأوصاف فى ... ...

[سورة النساء (4) : آية 173]

الملائكة أتم منها فى عيسى وهم لا يستكبرون عن العبودية وايضا الاشارة الى افضلية الملائكة على عيسى ولو من وجه خرج مخرج جواب النصارى حين افرطوا فى شأن عيسى حتى أنزلوه منزلة لم تكن له كما ان الله تعالى اعتبر فضل خضر على موسى حين سئل هل أحد اعلم منك فقال لا فقال الله تعالى بلى عبدنا الخضر حتى قال موسى لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً وقال له هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً- مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ الاستكبار دون الاستنكاف ولذلك عطف عليه وانما يستعمل الاستكبار حيث لا استحقاق بخلاف التكبر فانه قد يكون باستحقاق سَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً (172) فيجازيهم-. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كالمسيح والملائكة والمؤمنين فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ على حسب وعده إياهم وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ما شاء من التضعيفات والمعاملات فى مقام القرب والروية ما لا عين رات ولا اذن سمعت ولا خطر ببال أحد واخرج الطبراني وغيره بسند ضعيف عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدهم من فضله الشفاعة فيمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف فى الدنيا وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (173) فان قلت التفصيل غير مطابق للاجمال فان الضمير المنصوب فى قوله تعالى فسيحشرهم عائد الى من يستنكف فالمجمل كان ذكر المستنكفين وفى التفصيل ذكر الفريقين وأجيب بانه ليس هذا تفصيلا للمنطوق بل لما دل عليه فحوى الكلام كانه قال فسيحشر المستنكفين اليه جميعا فيجازيهم يوم يحشر العباد كلهم للجزاء فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا إلخ او يقال جزاء مقابليهم بالإحسان تعذيب لهم بالغم والحسرة فكانّه فصل تعذيبهم بوجهين، قال التفتازانيّ هذا الجواب ليس بمستقيم لدخول امّا على الفريقين لا على الجزاء للمستنكفين وقدر صاحب الكشاف فى المجمل فسيحشرهم والمؤمنين لاقتضاء التفصيل ذلك، او لان أحد المتقابلين يدل على ذكر الاخر قلت بل ذكر الفريقين فيما سبق غير المستنكفين فى ضمن قوله تعالى نْ يَسْتَنْكِفَ ... ...

[سورة النساء (4) : آية 174]

الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ والمستنكفون فى ضمن قوله تعالى مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فبين الله جزاء الفريقين-. يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعنى المعجزات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم او المعنى قد جاءكم حجة عليكم من ربكم وهو النبي صلى الله عليه وسلم وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (174) يعنى القران فانه ينكشف به الحق كما ينكشف الأشياء بالنور. فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ يعنى جنة وثوابا قدر له بإزاء إيمانه وعمله رحمة منه تعالى لا قضاء لحق وجب عليه خلافا للمعتزلة وَفَضْلٍ احسان زائد على ما وعد له فى الرؤية ودرجات القرب وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ اى الى صراط الله سبحانه الموصل الى الذات البحت المتعالي عن الشيون والاعتبارات صِراطاً مُسْتَقِيماً (175) وهو الإسلام والطاعة وسلوك طريق الصوفية فى الدنيا وطريق الجنة ومقام الرؤية والقرب فى الاخرة وصراطا حال من المضاف المحذوف فى اليه او يقال تقديره يهديهم مقربين اليه او مقربا إياهم اليه فهو حال من الفاعل او المفعول وصراطا مفعول ثان او يقال صراطا مستقيما بدل من اليه والله اعلم- اخرج ابن مردوية عن عمر انه سال النبي صلى الله عليه وسلم كيف يورث الكلالة فانزل الله تعالى. يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ومر معنى الكلالة فى اوّل السورة وروى النسائي من طريق ابى الزبير عن جابر قال اشتكيت فدخل علىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله اوصى لاخواتى بالثلث قال احسن قلت بالشطر قال احسن- ثم خرج ثم دخل علىّ فقال لا أراك تموت فى وجعك هذا ان الله انزل وبين ما لاخواتك وهو الثلثان فكان جابر يقول نزلت هذه الاية فىّ قال الحافظ ابن حجر العسقلاني هذه قصّة اخرى لجابر غير التي تقدمت فى اوّل السورة- فائدة: - اجمع العلماء على ان هذه الاية فى بيان ميراث الاخوة والأخوات لاب وأم كما ذكرنا فى اوّل السورة عن ابى بكر الصديق رضى الله عنه وقيس عليهم بالإجماع الاخوة والأخوات لاب ... ...

عند فقد بنى الأعيان إِنِ امْرُؤٌ مرفوع بفعل مضمر يفسره ما بعده هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ صفة لامرئ او حال من المستكن فى هلك والولد يعم الذكر والأنثى يعنى ليس له ولد ذكر ولا أنثى وَلَهُ أُخْتٌ واحدة لاب وأم يحتمل العطف والحال فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ اى المرء يَرِثُها اى يرث جميع مال أخته ان هلكت عن أخ لها لاب وأم إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها اى للمتوفاة وَلَدٌ ذكر ولا أنثى وعدم كون الأب والجد للميت مفهوم من الكلالة فَإِنْ كانَتَا اى من ترث بالاختية اثْنَتَيْنِ فصاعدا بدون الذكر، اجمعوا على ان حكم الزائد على اثنتين حكم الثنتين فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ الأخ وَإِنْ كانُوا اى من يرث بالاخوة إِخْوَةً اى جماعة وحكم الاثنين فى الباب حكم الجماعة بالإجماع رِجالًا وَنِساءً مختلطين كان حق الكلام وان كانوا اخوة وأخوات رجالا ونساء لكن غلّب المذكر فَلِلذَّكَرِ اى فالواجب للذكر منهم مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يعنى ان كان مع الأنثيين او اكثر ذكر واحد او اكثر يعطى لكل واحد منهم مثل ما يعطى للانثيين ويعلم بدلالة النص انه ان كان ذكر واحد او اكثر مع أنثى واحدة يعطى للانثى نصف ما يعطى لذكر واحد منهم والحاصل انه يجعل لكل ذكر سهمان ولكل أنثى سهم- (مسئلة) اجمعوا على انه كما يشترط عدم الولد لكون نصيب الاخت النصف ونصيب الأختين فصاعدا الثلثين «1» كذلك يشترط لذلك الحكم عدم ولد الابن وان سفل وعلى انه لا نصيب للاخوة والأخوات أصلا مع ذكر من الأولاد او أولاد الابن وان كان واحدا ومع أنثى واحدة او اكثر منهم للاخوة والأخوات ذكرا كان او أنثى واحدا كان او اكثر الباقي بعد فرض الإناث من الأولاد وأولاد الابن اعنى بعد النصف للواحدة والثلثين للاكثر منهن اما للاخوة فلقوله صلى الله عليه وسلم الحقوا الفرائض باهلها وما أبقت فلاولى رجل ذكر متفق عليه من حديث ابن عباس- وكذا للاخت واحدة كانت او اكثر مع البنت واحدة كانت او اكثر لقوله صلى الله عليه وسلم اجعلوا الأخوات مع البنات عصبة ولحديث الهذيل عن شرحبيل قال جاء رجل الى ابى موسى وسليمان بن ربيعة فسالهما عن رجل مات عن ابنة وابنة ابن واخت لاب

_ (1) فى الأصل الثلثان

وأم فقالا للبنت النصف وللاخت النصف وائت ابن مسعود فانه سيتا بعنا فاتى ابن مسعود فقال ل قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ساقضى بما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للبنت النصف ولابنة الابن السدس تكملة للثلثين وما بقي فللاخت «1» رواه البخاري- (مسئلة) واجمعوا على انه لا يرث الاخوة والأخوات لاب مع أخ واحد ذكر لاب وأم لحديث على رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اعيان بنى الام يتوارثون دون بنى العلات يرث الرجل اخوه لابيه وامه دون أخيه لابيه رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم من حديث الحرث عن على والحرث ضعيف وقد قال الترمذي لا يعرف الا من حديثه لكن العمل عليه وكان عالما بالفرائض وقد قال النسائي لا بأس به وقول الترمذي العمل عليه حكاية عن الإجماع (مسئلة) واجمعوا على ان للاخت لاب واحدة كانت او اكثر مع اخت واحدة لاب وأم السدس تكملة للثلثين قياسا على بنت الابن واحدة كانت او اكثر مع بنت واحدة صلبية ولا يرثن مع الثنتين من الأخوات لاب وأم لاحرازهما تمام الثلثين الا ان يكون معهن ذكر فيعصبهن فيقسم الثلث الباقي بعد حظ الأختين لاب وأم او النصف الباقي بعد حظ اخت واحدة من الأعيان بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين (مسئلة:) واجمعوا على ان بنى العلات لهم حكم بنى الأعيان عند عدم واحد منهم امّا لهذه الاية ان قيل ان لفظ الأخ والاخت يشملهم وترجيح بنى الأعيان على بنى العلات بالسنة لكن يلزم على هذا الجمع بين معينى المشترك، واما بالنقل المستفيض فلاخت واحدة منهم النصف وللثنتين فصاعدا الثلثان ويجوز الذكر منفردا جميع المال وعند الاختلاط للذكر مثل حظ الأنثيين ويحجبهم الابن وابن الابن والأب والجد ولهم مع الإناث من الأولاد مثل ما لبنى الأعيان معهن والله اعلم يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا اى يبين الله لكم ضلالكم الذي من شأنكم إذا خليتم وطباعكم لتحترزوا عنه وتتخيروا خلافه او يبين لكم الحق والصواب كراهة ان تضلوا

_ (1) وكان ابن عباس يقول ليس للاخت شىء مع البنت ما بقي فللعصبة ويقول لا تجدونه فى كتاب الله وفى قضاء رسول الله وقال الله تعالى إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ لكن ما قلنا ثبت بالسنة وعليه انعقد الإجماع منه رحمه الله-

وقال الكوفيون لئلا تضلوا فحذف لا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176) فهو يعلم مصالح العباد فى المحيا والممات والله اعلم- عن البراء بن عازب قال اخر سورة نزلت كاملة براءة واخر اية نزلت خاتمة سورة النساء يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ متفق عليه وقال البغوي عن ابن عباس اخر اية نزلت اية الربوا واخر سورة نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وروى عنه ان اخر اية نزلت قوله تعالى وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ويروى انه بعد ما نزلت سورة النصر عاش النبي صلى الله عليه وسلم عامّا ونزلت بعدها سورة براءة وهى اخر سورة نزلت كاملة فعاش بعدها ستة أشهر ثم نزلت فى طريق حجة الوداع يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ فسميت اية الصيف ثم نزلت بعدها وهو واقف بعرفة الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فعاش بعدها أحدا وثمانين يوما ثم نزلت اية الربوا ثم نزلت وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ فعاش بعدها أحد «1» او عشرين يوما والله اعلم- وفى قوله وعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد سورة براءة سنة أشهر نظر لانها نزلت حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضى الله عنه أميرا للحج سنة تسع من الهجرة بعد خروج ابى بكر فبعث النبي صلى الله عليه وسلم عليّا رضى الله عنه بأربعين اية من اوّل سورة براءة يقرا على الناس فعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزوله خمسة عشر شهرا وأياما فلعل الراوي قال ستة عشر تكميلا للايام شهرا فسقط لفظ عشر وكذا فى قوله بعد ما نزلت النصر عاش النبي صلى الله عليه وسلم عاما نظر فان النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة عام الفتح كان يقرا سورة النصر كما ذكر فى تفسير سورة النصر وكان الفتح قبل موته صلى الله عليه وسلم بثلثين شهرا والله اعلم «2» - تمّ تفسير سورة النساء من تفسير المظهرى حادى عشر شهر رجب سنة الف ومائة وثمان وتسعين من الهجرة على صاحبها صلى الله عليه وسلم بتصحيح: مولانا غلام نبى تونسوى الراجي الى مغفرة ربه القوى

_ (1) فى الأصل أحد (2) عن عمر بن الخطاب قال من قرا البقرة والنساء وال عمران كتب عند الله من الحكماء منه رحمه الله . ... ...

فهرست سورة النساء

فهرست سورة النساء إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ هذا كتاب جليل صنف لتذكرة الشيخ الشهيد سيّدنا ومولانا ميرزا جانجانان مظهر قدس سره الموسوم بالتّفسير المظهرى منه النّساء تأليف الشيخ الأكمل بيهقى الوقت علم الهدى مولانا القاضي محمد ثناء الله العثماني الحنفي المظهرى النقشبندي الفاني فتى رضى الله عنه وعن ابائه ومشائخه ولد رحمه الله فى سنة ثلاث وأربعين بعد الف ومائة من الهجرة او قبله بسنة او سنتين بفانى فت ونشابها فحفظ القران وعمره سبع سنين واشتغل بعده بأخذ العلوم النقلية والعقلية فتبحر فيها ثم ارتحل الى الدهلى فلزم العلامة البحر الفهامة مولانا الشاه ولىّ الله المحدث الدهلوي فسمع الحديث منه بتمامه وكماله وتفقه فيه- وأخذ الطريقة العالية النقشبندية اولا من شيخ الشيوخ مولانا خواجه محمد عابد السنامى ثم انسلك بخدمت الشهيد مولانا الشيخ ميرزا جانجانان مظهر وأخذ منه الطريقة الاحمدية بكماله ثم رجع الى وطنه واقام به وأفنى عمره الشريف فى نشر العلوم وفصل الخصومات وإفتاء الاسئلة والف كتبا عديدة فى التفسير والفقه وغيرها تجاوز عددها من ثلاثين ولم يزل مقبلا متوجها الى الله وازديادا مجتهدا فى الخيرات الى ان أدركته المنية فتوفى فى غرة الرجب المرجب سنة الف ومائتين وخمس وعشرين من الهجرة على صاحبها التحية مكتبه رشيديّه سركى رود كوئه ... ...

(فهرس للتفسير المظهرى سورة النساء) مضمون/ صفحه سورة النساء- 2 حديث استوصوا بالنساء خيرا فانها خلقت من ضلع آدم- 2 ما ورد فى صلة الرحم وقطعه- 3 حديث لا يتم بعد الاحتلام 4 مسئلة للخاطب ان ينظر الى وجه المخطوبة- 6 مسئلة لا يجوز التزوج ما فوق الأربع من النساء 7 مسئلة إذا اسلم وتحته اكثر من اربع نسوة او أختين- 8 مسئلة لا يجوز للعبد اكثر من امرأتين 9 الأفضل كثرة النكاح وفرضيته على التائق- 9 مسئلة نكاح الشغار باطل- 11 مسئلة لا يجوز دفع ماله الى امرأته ونبيه 12 فيحتاج إليهم- مسئلة بلوغ الغلام والجارية- 13 مسئلة حجر السفيه- 14 مسئلة الرشيد صار سفيها- 15 مسئلة الحجر للدين- 15 مسئلة المفلس المديون هل يجوز إجارته 16 لقضاء الدين- مسئلة هل يجوز للولى الاكل من مال اليتيم- 17 وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى الاية 20 ما ورد فى حرمة أكل مال اليتيم 21 مسائل الفرائض 23 حكم الأولاد وأولاد الابن- 24 حكم الوالدين- مسئلة الاخوة يحجبن الام من الثلث 26 مسئلة الجد الصحيح مع الاخوة- 26 مسئلة الجدة الصحيحة- 28 مسئلة ترتيب الحقوق يتعلق بالتركة- 30 مسئلة تنفيذ الوصايا من الثلث 30 حديث إذا دخل الرجل الجنة سال عن أبويه 30 وزوجته وولده- حديث لا وصية لوارث- 31 حكم الأزواج والزوجات وحكم امرأة الفار- 31 حكم أولاد الام- 33 ما ورد فى المقدار فى الوصية وقطع ميراث الورثة- 35 فصل اقسام الوصية- 35 مسئلة العول- 36 مسئلة العصبات بنفسه وبغيره ومولى العتاقة 37 مسئلة الرد- 38 مسئلة إذا اجتمع جهتى فرض وتعصيب- 39 مسئلة ميراث ذوى الأرحام- 39 مسئلة اصناف ذوى الأرحام- 41 مسئلة القتل مانع من الإرث- 42 مسئلة المسلم لا يرث الكافر وبالعكس- 43 مسئلة يرث النصرانىّ اليهودىّ وبالعكس- 43 مسئلة الأنبياء لا يورثون- 43 مسئلة اللواطة وما يجب فيه- 45 أحاديث قبول توبة العبد ما لم يغرغوا وتطلع الشمس من مغربها 48 ما ورد فى مغالات المهر ومقدار مهر بنات النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه- 51 ... ...

مسئلة هل يستقر المهر بالوطى او بالخلوة الصحيحة 52 مسئلة حرمة منكوحات الآباء- 53 مسئلة حرمة المصاهرة بالزنى وبالمس بشهوة 55 او النظر الى فرجها- مسائل المحرمات بالنسب وبالرضاع- 56 مسئلة الرضاع وان قلّ يحرّم 57 مسئلة الرضاع بعد مدة الرضاع لا يحرم- 58 مسئلة مدة الرضاع سنتان- 59 مسئلة المحرمات بالمصاهرة- 60 مسئلة الجمع بين الأختين ونحوهما 62 حديث إكرام المرضعة وحرمة قطع وصلة الرضاع 63 مسئلة وقوع الفرقة بين الزوجين بالسبي او باختلاف الدارين حقيقة او حكما- 65 مسئلة المهر من لوازم النكاح وليس من 67 شرائطه ذكره- مسئلة إذا تزوج بشرط ان لا مهر لها- 67 مسائل ما يصلح مهرا وما لا يصلح 68 مسئلة تقدير اقل المهر- 72 مسئلة المتعة حرام- 75 مسئلة هل يستحق المرأة المهر بالعقد او بالدخول 78 مسئلة الزيادة فى المهر والحط عنه يلحق بأصل العقد 79 مسئلة هل يجوز للحر نكاح الامة عند طول الحرة 80 وهل يجوز للحر المسلم نكاح الامة الكتابية وكراهة نكاح الإماء- مسئلة نكاح الرقيق بغير اذن السيد- 81 مسئلة هل يجوز النكاح مع الزانية- 82 مسئلة حد الزنى فى الحر والرقيق- 83 مسئلة نكاح الإماء ضرورى فهل يجوز فوق الواحدة او يجوز مطلقا 85 مسئلة لا يجوز نكاح الامة فوق الحرة- 85 حديث اىّ الكسب أطيب 87 مسئلة خيار المجلس فى البيع- 88 مسئلة قتل الرجل نفسه او غيره وقوله تعالى ولا تقتلوا 89 أنفسكم- مسئلة بيان الكبائر من الذنوب ومراتبها- 90 فائدة مبالغة النبي صلى الله عليه وسلم فى التهديد 92 فى الكذب- فائدة أساس المعاصي قساوة القلب- 94 فائدة تأويل ما قيل ان العبد يبلغ درجة لا يضره ذنب عمله 94 مسئلة ارث مولى الموالاة- 97 مسئلة للاسفل ان يسقط ولاءه عن الأعلى وللاعلى التبري عنه- 97 ما ورد فى المرأة الصالحة- 98 مسئلة جواز ضرب المرأة الناشزة 100 مسئلة حقوق المرأة على زوجها- 100 حديث خيركم خيركم لاهله- 100 مسئلة بعث الحكمين للاصلاح بين الزوجين 101 وما يجوز للحكمين- مسئلة عبادة الله وعدم الإشراك- 102 مسئلة الإحسان بالوالدين والأقربين 103 واليتامى والمساكين والجار والمصاحب وابن السبيل والمملوك- ما ورد فى التواضع والنهى عن التكبر والعقوق 105 وقطع الرحم- ما ورد فى السخاء والبخل- 105 ما ورد فى الرياء- 106 ... ...

حديث لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق فى الدنيا ويجزى بها فى الاخرة- واما الكافر فيطعم فى الدنيا ولم تكن له حسنة فى الاخرة- أحاديث شفاعة المؤمنين بعضهم لبعض وسعة رحمة الله- 108 حديث مؤاخذة حقوق الناس وتضعيف الحسنات 109 حديث ليس من يوم الا وتعرض على النبي صلى الله عليه وسلم أمته غدوة وسعية- 110 حديث سمع النبي صلى الله عليه وسلم سورة النساء 110 حتى بلغ فكيف إذا جئنا من كلّ امّة بشهيد وجئنا بك الاية فقال حسبك فاذا عيناه تذرفان- 110 مسئلة النهى عن السكر عند الصلاة- 112 حديث إذا نعس أحدكم فى الصلاة فليرقد 112 مسئلة وجوب الغسل بالجماع وان لم ينزل 113 وبالمنى- وروية المستيقظ المنى او المذي- مسئلة التيمم لا يرفع الحدث بل يستر- 115 مسئلة هل يجوز المرور فى المسجد للجنب- 116 مسئلة لا يجوز المكث فى المسجد للجنب- 116 مسئلة لا يجوز للجنب الطواف ولا قراءة القران ولا مسه- 116 مسئلة من لم يجد الماء وهو صحيح مقيم يتمم وهل يعيد الصلاة ان كان بموضع لا يعدم فيها الماء غالبا- 117 مسائل نواقض الوضوء- الخارج من السبيلين ومس المرأة والنوم والإغماء والجنون والقهقهة فى الصلاة وأكل دم الجزور ومس الذكر 118 مسئلة ما يشترط للتيمم عدم القدوة على استعمال الماء باى سبب كان 125 مسئلة هل يشترط للمسافر طلب الماء من رفيقه او رحله 126 مسئلة يشترط النية فى التيمم- 126 مسئلة الصعيد اسم لوجه الأرض- 126 مسئلة الطهارة فى الصعيد شرط- 127 مسئلة الواجب فى التيمم المسح الى المرفقين- 129 ما ورد فى كيفية التيمم- 129 مسئلة هل يجوز التيمم لخوف فوت العيد والجنازة او لخوف فوت الوقت او الجمعة وهل يجب الاعادة- 130 مسئلة إذا وجد الماء بعد الصلاة بالتيمم فى الوقت هل يعيد- 131 مسئلة من كان بعض أعضائه صحيحا وبعضه جريحا 131 مسئلة هل يجوز بالتيمم صلوات كثيرة ما لم يحدث 131 او يجد الماء- مسئلة فاقد الطهورين- 132 مسئلة بطلان مذهب المرجئة فى القطع بالمغفرة 138 ومذهب الخوارج بتكفير المذنب- حديث ثنتان موجبتان- 139 حديث من قال لا اله الا الله دخل الجنة- 139 مسئلة لا يجوز تزكية نفسه ولا الحكم على الغير 140 بالطهارة قطعا الا على حسن الظن- مسئلة يجوز بيان فضل نفسه بالوحى او الإلهام 140 بشرط عدم البطر والتكبر- قصة خروج كعب بن الأشرف الى مكة لجمع الأحزاب ناقضا لعهد كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم وسجوده للصنم وقوله للمشركين هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا- 141 حديث هدم خالد العزى وخروج الشيطانة منها 143 ... ...

ما ورد فى قوله تعالى كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ وما ورد فى عظم جثة الكافر فى النار 145 قصة أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة من عثمان ثم إعطائه إياه بامر الله تعالى- 146 ما ورد فى أداء الامانة- 147 فائدة ومن أداء الامانة الفناء والبقاء 149 المصطلح المستلزمان لتزكية النفس من تزكيتها- الامارة والقضاء امانة وما ورد فى التجنب عنهما- 150 ما ورد فى إطاعة اولى الأمر من امام العامة 151 والزوج والسيد والوالد والعلماء والمشائخ- مسئلة وجوب إطاعة الأمير مقيد بما لم يخالف امره الشرع- 152 مسئلة إذا قال القاضي قضيت بالرجم على وسعك ان تفعل- 152 مسئلة إذا رفع الى القاضي حكم حاكم أمضاه 153 مسئلة إذا افتى المجتهد وظهر ان فتواه مخالف للكتاب او السنة- 153 قصة مخاصمة اليهودي والمنافق الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم رضاء المنافق بقضائه صلى الله عليه وسلم ورفعهما الأمر الى عمر وقتل عمر المنافق وتسميته بالفاروق- 154 حديث من اتى كاهنا فصدقه او اتى امرأت حائضا او فى دبرها فقد برئ مما نزل على محمد- 155 قوله تعالى فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ- 158 الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ اربعة اصناف ويلحق بهم من يحبهم- 161 حديث المرء مع من أحب- 162 حديث لا ينجو أحد منكم بعمله ولا انا الا ان يتغمدنى الله برحمته- 162 ما ورد فى المجاهدين فى سبيل الله- 164 ما ورد فى انه ما من مصيبة أصاب المسلم الا بذنبه ويكفر بها عنه خطاياه- 168 حديث وزيراى فى الأرض ابو بكر وعمر- 170 حديث اقتدوا بالذين من بعدي- 170 حديث اشفعوا تؤجروا- 172 مسئلة ومن الشفاعة الحسنة الدعاء لمسلم والإصلاح بين الناس- 172 حديث من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة- 172 مسائل وجوب رد السلام وكونه على الكفاية وما يتعلق بذلك- 173 ما ورد فى تشميت العاطس والعيادة والمصافحة وغير ذلك- 176 قصة قتل عياش بن ربيعة الحارث بن زيد خطأ 181 مسئلة هل يجب الكفارة فى القتل عمدا- 183 انواع القتل خطأ وحكمها- 183 مسئلة لا كفارة فى شبه العمد فى رواية لابى حنيفة عاقلا بالغا- 185 مسئلة ما يشترط لجواز العتق من الكفارة- 185 مسائل الدية ومن يجب عليه- 185 فصل فى مقدارها فى النفس وما دونها- 187 مسئلة دية المرأة والرقيق- 190 مسئلة جناية العبد- 191 حديث كل معروف صدقة- 192 ... ...

مسئلة دية مسلم لم يهاجر ومسلم ليس له وارث مسلم- 192 مسئلة مقدار دية الكافر- 193 مسئلة الكفارة بالصوم- 195 مسئلة شبه العمد فى الإثم كالعمد 196 مسئلة هل تقبل توبة القاتل عمدا- 196 مسئلة مرتكب الكبيرة ليس بكافر ولا مخلد فى النار 197 فصل فيما ورد فى القاتل عمدا- 198 قوله تعالى إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا 199 مسئلة المجتهد قد يخطئ وخطاؤه مغفور ويجب عليه التثبت والتبيين- 201 مسئلة إذا راى الغزاة فى قرية شعار الإسلام كفوا عنه- 201 ما ورد فى فضل المجاهدين على القاعدين من غير عذر والقاعدين بعذر- 202 قد يبلغ القاعد بعذر درجة المجاهد- 202 مسئلة حرمة الفرار عند التقاء الصفين- 204 مسئلة يشترط للجهاد الزاد والراحلة- 204 مسئلة إذا هجم العدو يكون الجهاد فرض عين- 204 حديث حضور ملائكة الرحمة للمؤمن وملائكة العذاب للكافر عند الموت- 206 مسئلة الهجرة من دار الكفر على من قدر عليها فريضة محكمة 207 مسئلة يجب الهجرة على العبد بغير اذن سيده- 209 حديث من خرج إلينا من العبيد فهو حر- 209 مسائل قصر الصلاة فى السفر من غير خوف مسائل صلوة الخوف وانحائها- 218 مسئلة الواجب التشبث بالأسباب والمحافظة على التيقظ والتدبر فى الجهاد مع التوكل على الله تعالى 224 حديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل احيانه والظاهر ان المراد به دوام الحضور- 224 مسئلة اوقات الصلاة- 225 قصة سرقة طعمة بن أبيرق من مشربة رفاعة بن زيد- 229 مسئلة حجية الإجماع وحرمة مخالفته- 236 حديث الدعاء هو العبادة- 237 ما ورد فى الوسوسة وان الشيطان يجرى من الإنسان مجرى الدم- وفى لمة الشيطان ولمة الملك- 238 حديث ما من مولود الا يولد على الفطرة 239 حديث قدسى انا اغنى الشركاء من الشرك- 240 حديث بايعونى على ان لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا إلخ- 241 ما ورد فى ان المؤمنين يجزون فى الدنيا بذنوبهم حتى يلاقوا الله وليس لهم ذنوب والكفار يجزون بذلك يوم القيامة 242 حديث من يعمل حسنة فله عشر حسنات ومن جوى بالسيئة نقصت واحدة من عشر- 242 حديث الإحسان ان تعبد ربك كانك تراه- 245 حديث لما القى ابراهيم فى النار قال له جبرئيل 246 هل لك حاجة قال اما إليك فلا إلخ- تحقيق مقام الخلة وإعطاء ذلك المقام للمجدد بعد الف سنة لدعائه صلى الله عليه وسلم اللهم صل على محمد وعلى ال محمد كما صليت على ابراهيم- 248 حديث مثل أمتي كمثل المطر- 248 ... ...

حديث جعلت سودة يومها من النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة- 251 مسئلة الصلح بين الزوجين- 252 مسائل الصلح عن اقرار وسكوت وانكار وما يتعلق به 253 حديث من كانت له امرأتان فمال الى إحداهما- 255 مسئلة القسم بين الأزواج الجديدة والقديمة والحرة والامة فى الحضر وحكم السفر- 257 مسئلة ترك احدى الزوجات قسمها لضرتها كما فعلت سودة وجواز الرجوع فى القسم ولا يجوز ترك القسم للمرض- 257 ما ورد فى فضل اهل الفارس وقوله صلى الله عليه وسلم لو كان الدين عند الثريا لنا له رجال من الفرس قلت لعل هذا فى مشائخ ما وراء النهر مثل بهاء الدين النقشبندي- 258 حديث من كانت هجرته الى دنيا إلخ 259 مسئلة الواجب على القاضي التسوية بين الخصمين 259 مسئلة وجوب كمال الايمان وهو الايمان الحقيقي بعد ايمان المجازى- 260 حديث الفصل بين المؤمن والمنافق يوم القيامة- 263 مسئلة هل يجوز اشتراء الكافر عبدا مسلما- 264 مسئلة المرتد تبين امرأته المسلمة بنفس الارتداد 264 حديث مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين- 265 ما ورد فى انّ المنفقين فى الدّرك الأسفل من النّار- 265 حديث المستبان ما قالا فعلى البادي منهما ما لم يعتد المظلوم- 267 حديث قيل كم أعفو عن الخادم قال صلى الله عليه وسلم كل يوم سبعين مرة- 267 قصة رفع عيسى عليه السلام الى السماء واشتباه ذلك على اليهود واختلافهم- 271 قوله تعالى وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ- 272 ما ورد فى نزول عيسى عليه السلام- 273 كان داود يخرج الى البرية فيقوم ويقرا الزبور- 275 قوله عليه السلام لابى موسى الأشعري لقد أعطيت مزمارا من مزامير ال داود- 275 ما ورد فى عدد الأنبياء عليهم السلام 276 مسئلة معرفة الأنبياء بأعيانهم لا يشترط لصحة الايمان 276 حديث من أجل غيرة الله حرم الفواحش ولا أحد أحب اليه العذر من الله ولا أحد أحب اليه المدحة من الله إلخ 276 مسئلة هل يعذب الخلق قبل بعثة الرسل- 276 حديث من شهد ان لا اله الا الله وان محمدا عبده ورسوله وان عيسى عبد الله ورسوله- 280 حديث قدسى كذبنى ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمنى- 280 مسئلة ميراث الاخوة والأخوات لاب وأم- او لاب عند عدم الولد- وما لهم مع البنات- الاختلاف فى اخر سورة نزلت- واخر اية نزلت 286 تمت فهرس سورة النساء.

فهرس التفسير المظهرى

الجزء الثالث بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فهرس التّفسير المظهرى فهرس تفسير سورة المائدة من التّفسير المظهرى مضمون صفحه قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وحديث من 13 آيات المنافق إذا عاهد غدر 14 مسئله حل أكل الجنين إذا خرج ميتابعه زكاة أمه- 15 مسئله الاشعار فى الهدايا سنة 17 مسئله يكره ان يذكر مع اسم الله تعالى عند الذبح شيئا غيره موصولا لا معطوفا واما معطوفا فيحرم الذبيحة 20 مسئله إذا جرح السبع وأدركته حيا فذبحته يحل أكله 21 مسئله يجوز الذبح بكل ما ينهر الدم 21 مسئله يستحب للذابح ان يحد شفرته 22 مسئله لو رمى الى صيد فى الهواء فسقط ومات 22 مسئله ان كسر الكلب عضو صيد هل يوكل 27 حديث ما أصاب بعرضه فقتله فلا تأكل وغير ذلك من مسائل الصيد 27 مسئله ترك التسمية عند الذبح والرمي وإرسال الكلب 30 مسائل ما يحل أكله من الحيوانات وما يحرم 32 فائدة أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجاج والجنادى 238 مضمون صفحه مسئله ذبيحة الكافر 38 مسئله ذبيحة اليهودي على اسم عزير ع 39 مسئله نكاح الكتابيات والمشركات والصابيات 41 مسائل الوضوء 43 مسائل الغسل 57 مسئلة التيمم 60 ما ورد فى الطهارة عن الذنوب بالوضوء 61 وحديث يدعون أمتي غرا محجلين- 61 قصة بعث المنذر بن عمرو الساعدي 63 ثلثين ركبا الى بنى عامر وغدد بنى عامر وشهادة المنذر ومن معه الا ثلاثة نفر أحدهم عمرو بن امية الضمري وقتل عمرو بن امية رجلين من بنى عامر وبين قومهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم موادعة وذهاب النبي صلى الله عليه وسلم الى بنى النضير ليستعين فى الدية وغدرهم به عن ابن مسعود الرجل ينسى العلم بالخطيئة 66 العفو عن الكافر الخائن احسان فضلا عن غيره 67 حديث انا اولى الناس بعيسى 71 الأنبياء اخوة من علات- 71

قصة مسير موسى مع بنى إسرائيل لقتال 72 الجبارين وبعثه اثنتي عشر نقيبا- وقصة عوج بن عنق- 73 ومعصية بنى إسرائيل وقعودهم عن الحرب 73 قصة مبعث يوشع وقتاله مع الجبابرة ورد الشمس عليه- 75 حديث ان الشمس لم تحبس على بشر الا ليوشع وذكر موت يوشع- 75 قصة احتباس بنى إسرائيل فى التيه- 76 قصة وفات هارون ع- 76 قصة وفات موسى ع- 77 قصة هابيل وقابيل- 78 ان الطاعة انما يتقبل من مؤمن متقى- 79 حديث كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل- 80 حديث أن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتى قد شتم هذا وأكل ما لهذا الحديث- 80 حديث لا يقتل نفس ظلما الا كان على ابن آدم الاول كفل من دمها لانه أول من سن القتل 83 ما ورد فى قتل مؤمن بغير حق- 84 قوله تعالى انما جزاء الذين يحاربون الله- 85 وقصة العرنيّين- 85 وقصة هلال بن عويمر- 286 مسائل قطاع الطريق- 86 مسئله الوسيلة درجة مختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم جاز حصولها لبعض الكمل من افراد أمته 92 مسئلة الترقي الى الوسيلة منوط بالمحبة وهى 92 مرتبة اللاتعين على اصطلاح المجددية- المحبة ثمرة اتباع السنة- 92 حديث يقول الله لا هون اهل النار عذابا لوان 93 لك ما فى الأرض من شيء أكنت تفتدى به- مسائل السرقة- 93 مسائل الرشوة وحرمتها على الاخذ وما يحل منها للمعطى وما لا يحل- 113 مسئله إذا ترافع الكفار من اهل الحرب او الذمة قضية الى القاضي هل يجوز له الاعراض عن الحكم 115 وإذا ترافع اهل الإسلام او الكفر الى رجل من عوام المسلمين ليحكم بينهم- 116 ما ورد فى فضل الحكم بالعدل- 116 مسئله يجب علينا العمل بشرائع من قبلنا ما لم يظهر نسخه- 117 حديث انا اولى الناس بعيسى- 117 مسائل القصاص فى الأطراف والجروح وما لا قصاص فيه- 119 قصة إعطاء علىّ كرم الله وجهه خاتمه فى الصلاة للفقير- 132 مسئله العمل القليل فى الصلاة لا يبطلها- 132

مسئله صدقة التطوع تسمى زكاة- 132 استدلال الروافض على انحصار الخلافة فى علىّ رضى الله عنه وابطال قولهم- 134 مسئله صرف الحواس والعقل ليست علة موجبة للعلم كما زعمت الفلاسفة- 137 حديث ان الإسلام يهدم ما كان قبله والهجرة والحج- 142 حديث والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي يهودى ولا نصرانى ثم يموت ولم يومن الحديث 142 حديث ان الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه الحديث 150 حديث كان فيمن قبلكم إذا عمل عامل خطيئه ونهاه فاذا كانوا من الغد جالسه وأكله فجعلهم الله قردة وخنازير ولعنهم الحديث- 151 قصة هجرة الصحابة الى الحبشة واسلام النجاشي ومن اسلم من الحبشة- 153 قصة نكاح أم المؤمنين أم حبيبة- 154 حديث الإحسان ان تعبد ربك كانك تراه- 156 قصة اتفاق بعض الصحابة وعزمهم على الترحب ومنعه صلى الله عليه وسلم إياهم عنه- 157 ما ورد فى النهى عن التشدد على أنفسهم وقوله عليه السلام من رغب عن سنتى فليس منى- 158 حديث كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحلو والعسل- 2159 حديث الطاعم الشاكر كالصائم الصابر 160 مسائل اليمين المنعقدة وكفارته 160 حديث من قال انى برئ من الإسلام ان كان كذا فان كان كاذبا فهو كما قال الحديث- 161 فصل فى النذر وما يجب فيه الكفارة من النذر 170 مسئله الاستثناء بعد الحلف- 170 حديث شارب الخمر كعابد الوثن- 172 ما ورد فى ان الصلاة فارق بين الايمان والكفر 173 ما ورد فى حرمة الخمر ووعيد شاربها- 173 ما ورد فى النهى عن قتل الصيد للمحرم وما يحل له قتله- 175 مسئله يحرم على المحرم الاشارة الى الصيد 177 والدلالة عليه لمن يصيد- 177 مسئلة ما صاد المحرم فهو ميتة 177 مسئلة ما صاد الحلال بامر المحرم او إشارته او دلالته يحرم على المحرم فقط- 177 مسائل جزاء الصيد على المحرم- 178 وقصة ما اهدى الى النبي صلى الله عليه وسلم من حمار الوحش وهو محرم- 186 مسئلة ما اصطاد الحلال لاجل المحرم 187 حديث من تصدق بعدل تمرة ولا يقبل الله الا الطيب- 190 حديث هذا «1» خير من ملأ الأرض مثل هذا «2» 191

_ (1) يعنى المؤمن الفقير 12. (2) يعنى الكافر الخبيث 12.

فهرس تفسير سورة الانعام من التفسير المظهرى

مسئله الأمر المطلق لا يقتضى التكرار 191 حديث انما شفاء العي السؤال 192 حديث الولاء لمن أعتق 194 حديث رايت عمرو بن عامر الخزاعي يجرّ 194 قصبه فى النار كان أول من سيب السوائب حديث إذا رأوا منكرا فلم يغيروه يوشك ان يعمهم الله بعقاب الحديث ونحوه- 196 قال ابن عباس مروا بالمعروف وانهوا عن 196 المنكر ما قبل منكم فان رد عليكم فعليكم أنفسكم تاويل قوله تعالى عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم- 196 حديث ايتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر 196 حتى إذا رأيت شحا مطاعا وديتا موثرة الحديث الى قوله فعليك نفسك فان ورائكم ايام الصبر الحديث- حديث ليردنّ علىّ ناس من أصحابي على الحوض حتى 202 عرفتهم اختلجوا دونى فاقول أصيحابي الحديث قصة سوال عيسى عليه السلام المائدة- 204 قصة نزول المائدة 205 حديث ان النبي صلى الله عليه وسلم تلى قوله تعالى فى ابراهيم رب انهن اضللن كثيرا من الناس الاية وفى عيسى ان تعذبهم فانهم عبادك الاية فقال اللهم أمتي أمتي وبكى فقال الله تعالى انا سنرضيك فى أمتك- 210 تمّ فهرس تفسير سورة المائدة. فهرس تفسير سورة الانعام من التفسير المظهرى حديث خطلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا الحديث- 213 حديث ان الله خلق الخلق فى ظلمة فالقى عليهم من نوره الحديث- 213 حديث خلق الله آدم من تواب وجعله طينا الحديث- 2218 حديث ان الله خلق آدم من قبضة إلخ 214 حديث ان خلق أحدكم يجمع فى بطن امه أربعين يوما نطفة إلخ 214 حديث ستة لعنتهم ولعنهم الله إلخ 215 مسئله الرسول برزخ لا بد له من المناسبة بين الخلائق وبين الخالق وذكر مبادى تعينات 218

الرسل عليهم السّلام حديث قدسى رحمتى سبقت غضبى إلخ 219 حديث ان لله مائة رحمة انزل منها واحدة 219 حديث قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبى فاذا امرأت وجدت صبيا فالصقته ببطنها وارضعته فقال عليه السلام هل ترون هذه طارحة ولدها فى النار لله ارحم من هذه بولدها إلخ 219 حديث احفظ الله يحفظك وفيه لو جهد الخلائق ان ينفعوك او يضروك بما لم يقضه الله ما قدروا عليه إلخ 224 نزول قوله تعالى قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ- 224 حديث بلغوا عنى ولو اية إلخ 224 حديث من حدث عنى بحديث وهو يرى انه كذب إلخ 224 حديث نصر الله عبد اسمع مقالتى فحفظها وأذاها إلخ 224 حديث ما منكم من أحد الا له منزلان منزل فى الجنة ومنزل فى النار- 225 حديث كيف بكم إذ جمعكم الله كما يجمع النبل فى الكنانة خمسين الف سنة لا ينظر إليكم إلخ 226 حديث ليعذرن الله الى آدم يوم القيمة ثلث معاذير إلخ 229 حديث قدسى انا عند ظن عبدى بي إلخ 230 من مات فقد قامت قيامته- 231 حديث والمؤمن إذا خرج من قبره استقبله 231 عمله فى احسن صورة وفيه يوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا والكافر إذا خرج من قبره استقبله عمله فى أقبح صورة وفيه ويحملون أوزارهم على ظهورهم حديث لا الفين أحدكم يوم القيمة على رقبته بعير بقر شاة وصامت إلخ 231 حديث من بنى بناء فوق ما يكفيه كلف ان يجمل على عاتقه- 241 حديث من ظلم قيد شبر أرضا طوق إلخ 241 أحاديث القصاص بين البهائم- 245 حديث إذا رايت يعطى العبد فى الدنيا وهو مقيم على معاصيه ما يحب فانما هو استدراج 236 الذين نزل فيهم لا تطرد الذين يدعون ربهم الاية مسئله الاستعداد يسبق الوجود- 241 الذين نزل فيهم إذا جاءك الذين يومنون باياتنا فقل سلام عليكم الاية 242 حديث مفاتح الغيب خمس لا يعلمها الا الله إلخ 245 قوله تعالى توفته رسلنا وما ورد فى ملك 246 الموت وأعوانه وملئكة الرحمة والعذاب حديث صعود روح المؤمن والكافر الى السماء وفتح باب السماء للمومن دون الكافر- 247 أحاديث تعوذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من نزول العذاب من الفوق ومن التحت وقال ان يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض هذا أهون- 251 حديث سال الله ثلثة فاعطاه اثنين ومنعه واحدة- 251 أحاديث الصور وملك الصور ذكرا زر 254

وهل كان هو عم ابراهيم او أبوه- حديث يلقى ابراهيم أباه آزر يوم القيمة إلخ 256 ما ورد فى روية ابراهيم ملكوت السموات والأرض- 257 استدلال ابراهيم بالكوكب والقمر والشمس لالزام الكفار- 258 وقصة نمرود 258 وقصة ولادة ابراهيم وبلوغه الى الرشد 259 حديث الظلم انما هو الشرك- 263 حديث الإحسان ان تعبد ربك كانك تراه إلخ 264 قوله تعالى فبهداهم اقتده- 265 مسئلة التعبد بالشرائع السابقة- 266 مسئله لا يجوز أخذ الاجرة على القران والفقه- 266 ذكر مسيلمة الكذاب واسود العنسي- 268 بحث روية الله تعالى فى الجنة وجواب استدلال المعتزلة بقوله تعالى لا تدركه الابصار 273 مسئلة الكفر والايمان كل منهما بارادة الله تعالى ومراده تعالى واجب وقوعه- 276 الأصلح ليس بواجب- 277 حديث شياطين الانس شر من شياطين الجنّ- 279 مسئله متروك التسمية عند الذبح عامدا او ناسيا- 2282 مسئله تحقيق مبادى تعينات الأنبياء والملئكة وغيرهم وافضلية ولاية الملئكة على ولاية الأنبياء وفضلهم بالنبوة 286 مسئله شرح الصدر وامارته 286 ذكر الرسل من الجن وذكر مذهب اهل الهند- 289 مسئله هل فى الزرع حق لله تعالى سوى زكوة الزرع- 294 حديث نفى الوجوب فى المال سوى الزكوة 294 حديث ان فى المال حقا سوى الزكوة 295 مسئله الإسراف ما هو- 295 الأحاديث الواردة فى الانفاق فى سبيل الله وعدم الإمساك شيئا- 296 قوله تعالى قل لا أجد فيما اوحى الىّ إلخ 298 مسئله هل ينحصر التحريم فى الثلاثة اولا- 298 حديث تحريم بيع الخمر والميتة ونحو ذلك 301 حديث لعن الله اليهود لما حرم عليهم 301 الشحوم جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه حديث لا تشرك بالله شيئا وان قتلت ولا تعقن والديك إلخ 303 حديث اى الذنب اكبر- 304 حديث لا يحل دم امرأ مسلم الا بإحدى ثلث- 304 ما ورد من الأحاديث فى إعطاء من له الحق اكثر من حقه- 305

حديث رحم الله رجلا سمحا إلخ 306 حديث عدلت شهادة الزور بالاشراك بالله- 306 حديث القضاة ثلث واحد في الجنة إلخ حديث الحلال بين والحرام بين إلخ- 306 حديث خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا إلخ 307 حديث لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواة تبعا لما جئت به- 307 فصل فى اشراط الساعة الدجال وغيره 310 فصل فى المهدى- 312 الأحاديث الواردة فى عدم قبول ايمان الكافر وتوبة الفاسق بعد مشاهدة اشراط الساعة- 313 حديث ينزل عيسى عليه السّلام فيتزوج ويولد له ويمكث إلخ- 314 الأحاديث الواردة فى تفرق الامة الى ثلث وسبعين فرقة وفى اهل البدع والأهواء والمنع عن البدعة وإيجاب اتباع السنة والجماعة وانه لا يجتمع الامة على الضلال يد الله على الجماعة- 314 وذكر منشأ الأهواء الباطلة- 316 حديث فى القدرية والمرجئة- 316 حديث ستة لعنتهم ولعنهم الله إلخ 316 ذم الروافض وما ورد من الأحاديث فى الروافض- 317 ما ورد فى ان الحسنة تضاعف ثوابها الى عشرة أمثالها وما فوق ذلك- 318 وتحقيق هذا التضعيف فى الصدقات وغيرها- 318 ولا تضاعف فى السيئات- 318 حديث عملت اليهود الى نصف النهار والنصارى الى العصر كل على قيراط والمسلمون الى المغرب على قيراطين- 319 حديث كل تسبيحة صدقة إلخ 320 حديث الا أخبركم بخير أعمالكم يعنى ذكر الله- 320 ما ورد فى نزول سورة الانعام جملة وفضلها- 322 تمّ فهرس تفسير سورة الانعام من التّفسير المظهرى.

فهرس تفسير سورة الأعراف من التفسير المظهرى

فهرس تفسير سورة الأعراف من التفسير المظهرى بسم الله الرّحمن الرّحيم ما ورد فى السؤال عن المرسلين والمرسل إليهم 325 ما ورد فى الميزان وكيفية وزن الأعمال 326 قصة خلق آدم وإبليس وامره بالسجود 331 ما ورد فى التكبر- 333 اجابة الدعاء قد يكون استدراجا- 334 مسئلة إذا حضرت الصلاة وأنتم عند 339 مسجد فصلوا فيه ولا تقولوا صلى فى مسجدى ما ورد فى ان الناس يبعثون من قبورهم 340 حفاة عراة وما ورد فى انهم يبعثون فى ثيابهم مسئلة الجهل ليس بعذر- 341 خذوا زينتكم عند كل مسجد- 341 مسئلة اشتراط ستر العورة فى الصلاة- 343 مسئلة عورة الرجل- 343 مسئلة الركبة عورة 345 مسئلة عورة الحرة 345 مسئلة نغمة المرأة عورة فاذا جهرت القراءة فسدت صلوتها- 345 مسئلة عورة الامة 345 مسئلة يجب عند احمد ستر المنكبين فى الفرض- 346 مسئلة يستحب ان يصلى الرجل فى ثياب الزينة- 2346 حديث كل ما شئت والبس ما شئت ما اخطأتك خصلتان سرف ومخيلة 347 مسئلة الأصل فى المطاعم والمشارب الحل- 347 حديث لا أحدا غير من الله الحديث- 348 حديث قبض روح الكافر- 350 حديث يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة فيقتص لبعضهم من بعض مظالم- 351 واختلف فى القنطرة 352 نزع الغل من الصدور قد يكون بغير قصاص- 352 حديث ينادى مناد ان لكم ان تصحوا فلا تسقموا ابدا إلخ 353 حديث ما منكم من أحد الا له منزلان منزل فى الجنة ومنزل فى النار- 353 ما ورد فى الأعراف وأصحابه- 354 حديث التأنى من الرحمن والعجلة من الشيطان- 359 بحث الاستواء على العرش 359 ما ورد فى ذكر الجهر والخفي- 361 فصل فى اقسام الذكر- 362

ما ورد فى الاعتداء فى الدعاء 363 ما ورد فى ما يمنع من اجابة الدعاء 364 ما ورد فى ما بين النفختين 365 قصة نوح عليه السلام ونسبه ووجه تسميته 366 حديث اوحى الله لنبى قل لاهل طاعتى لا يتكلوا على اعماله ولاهل معصيتى لا تقنطوا- 368 ذكر هود عليه السلام- ونسبه 369 قصة عاد- 371 ذكر صالح عليه السلام- 374 حديث أشقى الأولين عاقر ناقة صالح ع وأشقى الآخرين قاتل على رض- 376 قصة ثمود- 376 حديث نزوله صلى الله عليه واله وسلم الحجر فى غزوة تبوك وذكر ابى رغال- 381 قصة لوط عليه السلام- 381 قصة مدين وشعيب عليه السلام- 383 حديث ان أحدكم ليعمل بعمل اهل الجنة فيسبق عليه الكتاب إلخ 385 حديث قلوب بنى آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن- 385 قصة موسى عليه السلام وفرعون- 389 قصة نزول الآيات من الطوفان وغيره- 396 ما ورد فى الطاعون- 399 قصة إتيان موسى عليه السلام على 2401 قوم يعكفون على أصنام وقول بنى إسرائيل اجعل لنا الها- حديث قول بعض الصحابة فى غزوة حنين اجعل لنا ذات أنواط- 402 قصة ميعاد موسى ثلثين ليلة وإتمامها 402 قصة تكليم موسى عليه السلام وطلبه الروية- 403 قوله تعالى تجلى ربه للجبل- 406 معنى التجلي عند الصوفية- 406 فى القصة ان موسى بعد ما كلمه ربه لا يستطيع أحد ان ينظر اليه لما غشى وجهه النور- 407 ما روى البخاري عن كعب الأحبار فى فضائل امة محمد صلى الله عليه واله وسلم وقول موسى يا ليتنى من اصحاب محمد صلى الله عليه واله وسلم- 407 ما ورد فى كتابة التورية- 408 قصة اتخاذ بنى إسرائيل العجل- 410 قصة غضب موسى على عبادة العجل والقائه التورية- 411 حديث ليس الخبر كالمعاينة- 412 حديث كل أمتي يدخلون الجنة الا من ابى 415 حديث انا امة امية- 416 حديث انا اكثر الأنبياء تبعا- 416

ما ورد فى نعوت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فى التورية- حديث فضلت على الأنبياء بست- قصة من اعتدى فى السبت فصاروا قردا 424 قصة إخراج ذرية آدم من ظهره وأخذ الميثاق عليهم 427 قصة بلعم بن باعور- 430 قصة ملك بلقاء وبلعام- 432 قصة امية بن ابى الصلت الثقفي 432 قصة بسوس رجل من بنى إسرائيل- 433 حب الدنيا راس كل خطيئة 434 ما ورد فى ان الله تعالى خلق خلقا للجنة وخلقا للنار- 435 اسماء الله الحسنى وانها توقيفية- 436 حديث لا يزال من أمتي امة قائمة بامر الله إلخ 439 ما ورد فى إتيان القيامة بغتة- 440 ما ورد فى فضيلة العفو- 445 ما ورد فى ان يصل من قطعه ويعطى من حرمه ويعفو عمن ظلمه- 445 ما ورد فى الأمر بالمعروف- 446 ما ورد فى مكارم الأخلاق- 446 بحث الكلام فى الصلاة واختلافهم فى الكلام ساهيا او جاهلا او مكرها او ناسيا- 448 مسئلة الإنصات لاستماع الخطبة واستماع كل واعظ- 2450 ما ورد فى رفع الصوت خلف الامام وفى القراءة مطلقا خلقه 450 مسئلة استماع التلميذ وإنصاته عند قراءة المقري 450 فصل اختلف العلماء فى وجوب الاستماع والإنصات على من هو خارج الصلاة يبلغه صوت من يقرأ فى الصلاة او خارجها 451 مسئلة هل يأثم من يقرأ جمرا وبجنبه نائم او رجل يكتب الفقه ولا يمكنه الاستماع- 451 أحاديث كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم 451 يصلى بالليل فيسمع قراءته من وراء الحجرة وكانت الصحابة يقرءون رافعى أصواتهم فصل لا يجوز الدعاء والتعوذ للسامع إذا 452 قرأ القاري فى القران ذكر الجنة والنار الامام والمنفرد لا يشتغل بغير القراءة فى الفرض وفى النفل يسأل الجنة ويتعوذ من النار- 452 فصل كيف يستحب القراءة فى الصلاة ليلا وخارج الصلاة جهرا او سرا- 452 ما ورد فى تحسين الصوت والتغني بالقران 453 مسئلة التفرع والاستكانة وترك رفع الصوت بالدعاء- 454 ما ورد فى فضائل السجود وفى سجدة التلاوة 456 تمّ فهرس سورة الأعراف.

سورة المائدة

سورة المائدة «1» مدنيّة وهى مائة وعشرون اية وستّ عشر ركوعا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ العقد العهد الموثق وأصله الجمع بين الشيئين بحيث يعسر الانفصال قال الزجاج هو أوكد العهود والوقاع والإيفاء القيام بمقتضى العهد وفى الإيفاء مبالغة ليس فى الوفاء كذا قال التفتازانيّ والحكم عام يشتمل العقود التي عقدها الله تعالى على عباده عامة من يوم الميثاق الى يومنا هذا من التكاليف وتحليل حلاله وتحريم حرامه وما أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتب فى الايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبيان نعته وما يعقد الناس بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوها

_ (1) عن عائشة رض قالت المائدة اخر القرآن نزولا فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه وما وجدتم من حرام فحرموه رواه احمد والنسائي وغيرهما وعن عبد الله بن عمر قال اخر سورة المائدة والفتح رواه احمد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه واخرج ابو عبد عن محمد بن كعب القرظي قال نزلت سورة المائدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع فيما بين مكة والمدينة وهو على ناقته تصدعت كتفها فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا اخرج ابن جرير عن الربيع ابن انس وعطية بن قيس قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المائدة من اخر القران تنزيلا فاحلوا حلالها وحرموا حرامها واخرج ابو داود والنحاس عن ابى ميسرة عن عمرو بن شرحبيل واخرج ابو داود فى ناسخه وابن المنذر عن الحسن انه لم ينسخ من المائدة شىء واخرج عبد بن حميد وابو داود فى ناسخه عن الشعبي قال لم ينسخ من المائدة الا هذه الآية يا ايها الذين أمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدى ولا القلائد- بقية بر ص 14. واخرج ابو داود فى ناسخه والحاكم وصححه عن ابن عباس قال نسخ من هذه السورة آيتان اية القلائد وقوله تعالى فان جاؤك فاحكم بينهم او اعرض عنهم اخرج البيهقي فى شعب الايمان عن مقاتل بن حبان قال بلغنا فى قوله تعالى يا ايها الذين أمنوا أوفوا بالعقود يعنى العهد الذي كان عهدهم فى القرآن فيما أمرهم من طاعته ان يعملوا بها ونهيه الذي نهاهم عنه بالعهد الذي بينهم وبين المشركين وفيما يكون من العهود بين الناس 12 منه وبهذه الآية استدلت الحنفية على ان البيع إذا تم بالإيجاب والقبول ليس لاحد من المتعاقدين حق الفسخ إلا بخيار شرط او روية او عيب وبه قال مالك وقال الشافعي رحمه الله تعالى المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا او يكون البيع خيارا لما روى البخاري هذا اللفظ بعينه من حديث ابن عمر رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذا من حديث حكيم بن حزام وإذا ثبت خيار المجلس بالحديث الصحيح قالوا تمام العقد قبل التفرق وبطلان الخيار ممنوع كما ان عند اشتراط الخيار لا يتم العقد قبل انقضاء مدة الخيار والله اعلم 12 منه

مما يجب الوفاء به وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم من آيات المنافق إذا عاهد غدر متفق عليه من حديث عبد الله بن عمرو ولما كان مما عقد الله سبحانه تحليل حلاله وتحريم حرامه عقبه بقوله عز وجل أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ والبهيمة كل حى لا يميز والانعام ذات القوائم الأربع وقيل البهيمة ذات اربع قوائم والانعام الإبل والبقر والغنم والاضافة على التقديرين اضافة العام المطلق الى الخاص وهذه الاضافة عند النحويين بمعنى اللام وانما جعلوا الاضافة بمعنى من إذا كان المضاف اليه جنس المضاف وفسروا الجنس بما يكون بينه وبين المضاف عموم من وجه نحو خاتم فضة وكلام البيضاوي والكشاف يشعران هذه الاضافة بمعنى من والله اعلم ومقتضى هذين التأويلين انه تعالى أراد تحليل ما حرم اهل الجاهلية على أنفسهم من الانعام كالبحيرة والسائبة وقال الكلبي بهيمة الانعام وحشيتها كالظباء وبقر الوحش ونحوهما مما يماثل الانعام فى اجترار العلف من الكرش الى الفم وعدم الأنياب والاضافة حينئذ الى الانعام لملابسة الشبه من قبيل سجين الماء قال البغوي وروى ابو ظبيان عن ابن عباس قال بهيمة الانعام الاجنة ومثله عن الشعبي فالآية على هذا التأويل يدل على حل أكل الجنين إذا خرج ميتا بعد زكوة امه وقد تم خلقه وبه قال الشافعي رح واحمد رح وابو يوسف رح ومحمد رح وشرط مالك الاشعار قال البغوي قال ابن عمر زكوة ما فى بطنها فى زكوتها إذا تم خلقه ونبت شعره ومثله عن سعيد بن المسيب وقال ابو حنيفة رح لا يحل أكل الجنين من غير ذبح مستقل أشعر او لم يشعر احتج

الشافعي رح ومن معه بحديث ابى سعيد الخدري قال قلنا يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة فنجد فى بطنها الجنين أنلقيه أم ناكله فقال كلوه ان شئتم فان زكوته زكوة امه رواه احمد وابو داود وعن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال زكوة الجنين زكوة امه رواه ابو داود والدارمي وروى الدار قطنى عن ابن عمران رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فى الجنين زكوته زكوة امه أشعر او لم يشعر قال الدار قطنى الصواب انه من قول ابن عمر وقال الشافعي رح ومن معه ان الجنين جزء من الام حقيقة لانه متصل بها حتى يفصل بالمقراض وقد يتغذى بغذائها ويتنفس بنفسها فاذا كان جزأ منها فالجرح فى الام زكوة له عند العجز عن زكوته كالصيد وقال ابو حنيفة رح الجنين مستقل فى الحيوة يتصور حيوته بعد موتها وهو حيوان دموى وما هو المقصود من الزكوة وهو الميز بين الدم واللحم لا يحصل بجرح الام فيه إذ هو ليس بسبب لخروج الدم من الجنين أصلا بخلاف الجرح فى الصيد لانه سبب لخروج الدم ناقصا فيقام مقام الكامل عند التعذر وإذا لم يحصل الميز فالجنين ميتة وقد ثبت حرمة الميتة بدليل قطعى من الكتاب فلا يثبت حله بحديث الآحاد وتاويل بهيمة الانعام فى هذه الاية بالجنين غير ظاهر ولا يلائمه الاستثناء بقوله تعالى إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ المراد بالموصول الميتة وما اهل لغير الله به وما ذبح على النصب والمنخنقة والموقوذة والنطيحة وما أكل السبع وهذه الأشياء كانت داخلة فى بهيمة الانعام والتحريم لما عرض من الموت حتف انفه ونحو ذلك من العوارض فالاستثناء متصل وقيل المراد بهيمة الانعام المذكورة والاستثناء منقطع واسناد التلاوة الى الميتة وأخواتها مجازى او بتقدير المضاف اى يتلى عليكم اية تحريمه فالمجاز حينئذ فى الظرف وجازان يراد بالموصول الآية ويقدر المضاف على الموصول يعنى الّا محرم ما يتلى عليكم غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ الصيد يحتمل المصدر والمفعول وغير حال من الضمير فى لكم اى أحلت لكم بهيمة الانعام حال كونكم غير معتقدين حل الصيد فى حالة الإحرام ولما كان تقئيد إحلال الانعام بحال عدم اعتقاد حل الصيد غير ظاهر قال صاحب الكشاف غير محلى الصيد عبارة عن الامتناع عن الصيد كانه قال أحلت لكم بعض الانعام فى حال امتناعكم عن الصيد لئلا يضيق عليكم الأمر ويرد عليه ان حل الانعام غير مقيد بحالة الإحرام حالة الامتناع عن الصيد بل هى حلال فى جميع الأحوال فهذا التقييد انما يصح لو جعل بهيمة الانعام ما يعم الوحشي والأهلي وهو التأويل الاوّل او يخص بالوحشى وهو التأويل الثالث فجعل حل الصيد مقيدا بحالة عدم الإحرام والتقدير أحلت لكم

[سورة المائدة (5) : آية 2]

بهيمة الانعام كلها وحشيا كان او أهليا الا ما يتلى عليكم من الميتة وأخواتها حال كونكم غير معتقدين حل الصيد فى الإحرام يعنى ما أحلت لكم الصيد فى الإحرام حتى تعتقد وأحلها وجاز ان يكون فاعل غير محلى الصيد الشارع جلّ وعلى والجمع للتعظيم كانه قال أحللنا لكم بهيمة الانعام حال كوننا غير محلى الصيد لكم وَأَنْتُمْ حُرُمٌ الحرم جمع حرام والجملة حال من المستكن فى محلى الصيد ان كان المستكن ضمير المخاطبين وكذا ان كان المستكن فيه ضمير الشارع المتكلم ويكفى للجملة الحالية الواو ولا يجب الضمير او من الضمير المحذوف اعنى لكم على تقدير كون المستكن ضمير الشارع فقط إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (ط) فى التحليل والتحريم وغير ذلك لا اعتراض عليه اخرج ابن جرير عن عكرمة وعن السدى نحوه انه قدم الحكم بن هند البكري المدينة فى عير له يحمل طعاما فباعه ثم دخل على النّبى صلى الله عليه وسلم فبايعه واسلم فلما ولى خارجا نظر اليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال لمن عنده لقد دخل علىّ بوجه فاجر وولى بقضاء غادر فلما قدم اليمامة ارتد عن الإسلام وخرج فى عير له يحمل الطعام فى ذى القعدة يريد مكة فلما سمع به اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تهيأ للخروج اليه نفر من المهاجرين والأنصار ليقطعوه فى عيره فانزل الله تعالى. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ الاية فانتهى القوم وقال البغوي نزلت فى الحطم واسمه شريح بن ضبيعة البكري اتى المدينة وخلف خيله خارج المدينة وحده على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الى ما تدعو الناس فقال الى شهادة ان لا اله الا الله وانا محمد رسول الله واقام الصلاة وإيتاء الزكوة فقال حسن الا ان لى أمراء لا اقطع امرا دونهم ولعلى اسلم واتى بهم وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه يدخل عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان الشيطان ثم خرج شريح من عنده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد دخل بوجه كافر وخرج بقناء غادر ومر الرجل فمر بسرح «1» المدينة فاستاقه وانطلق فتبعوه فلم يدركوه فلما كان العام المقبل خرج حاجا فى حجاج بكر بن وائل من اليمامة ومعه تجارة عظيمة وقد قلد الهدى فقال المسلمون للنبى صلى الله عليه وسلم هذا الحطم خرج حاجا فخل بيننا وبينه فقال النبي صلى الله عليه وسلم انه قد قلد الهدى فقالوا يا رسول الله هذا شىء كنا نفعله فى الجاهلية فابى النبي صلى الله عليه وسلم فانزل الله تعالى هذه الآية

_ (1) شرح اسم جمع وليس بتكسير سارح الماشية 12

وذكر الواحدي اتى الحطم النبي صلى الله عليه وسلم من اليمامة الى المدينة فعرض عليه الإسلام فلم يقبل فلما خرج مر بسرح المدينة فاستاقها فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام القضية سمع تلبيته بحجاج اليمامة فقال لاصحابه هذا الحطم وأصحابه وقد كان قلد ما نهب من السرح وأهداه الى الكعبة فانزل الله تعالى هذه الاية قال ابن عباس رض ومجاهد المراد بشعائر الله مناسك الحج ومواقفه من المطاف والمسعى والموقف بعرفة والمزدلفة والرمي للجمار والافعال التي تعرف بها الحاج من الإحرام والطواف والحلق والنحر وغيرها وإحلالها التهاون بحرمتها وان يحال بينها وبين المتناسكين بها كان المشركون يحجون ويهدون فاراد المسلمون ان يغيروا عليهم فنهاهم الله عن ذلك والشعائر جمع شعيرة وهى فى الأصل اسم لما أشعر به انما سمى اعمال الحج ومواقفه شعائر لانها علامات الحج واعلام النسك وقال ابو عبيدة شعائر الله هى الهدايا والاشعار من الشعار اى العلامة والاشعار ان يطعن فى صفحة سنام البعير بحديدة حتى يسيل الدم فيكون ذلك علامة انه هدى- قلت وعلى هذا يلزم التكرار بذكر الهدايا والقلائد- (مسئلة:) الاشعار فى الهدايا سنة إذا كانت الهدى من الإبل عند الائمة الثلاثة وبه قال ابو يوسف ومحمد رح وقال ابو حنيفة رح مكروه والحجة للجمهور ما فى الصحيحين من حديث عائشة رض قالت فتلت قلائد بدن النبي صلى الله عليه وسلم بيدي ثم قلدها وأشعرها واهديها فما حرم عليه شىء كان أحل له وقال عطية عن ابن عباس لا تحلوا شعائر الله هى ان تصيد وأنت محرم بدليل قوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا قلت لعل المراد من قول ابن عباس هذا والذي ذكرنا عنه سابقا واحدا- فان الاجتناب عن الاصطياد فى الإحرام داخل فى الاجتناب عن إحلال مناسك الحج وقيل المراد من قوله لا تحلوا شعائر الله النهى عن القتل فى الحرم وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وإحلال القتال فيه وقال ابن زيد هو النسى وذلك انهم كانوا يحلونه عاما ويحرمونه عاما وَلَا الْهَدْيَ جمع هداية وهى ما يهدى به الى الكعبة من الإبل والبقر والغنم ذكر البخاري عن ابن عباس انه سئل عن الهدى فقال فيها جزورا وبقرا وشاة وانما ذكر الهدى مع انه من الشعائر تخصيصا بعد تعميم لان المنع عن تحليله أهم لان فيه إتلاف حق الفقراء ولانه اقرب بان يقع الناس فيه لان فيه أخذ مال جبل الطبائع على حبها وَلَا الْقَلائِدَ جمع قلادة وهى ما قلد به الهدى من نعل او لحاء شجرا وغيرهما ليعلم به

انه هدى فلا يتعرض له والمراد به الهدايا المقلدة وعطفها على الهدى للاختصاص فانه اشرف الهدى وقال عطاء أراد اصحاب القلائد وذلك انهم كانوا فى الجاهلية إذا أرادوا الخروج من الحرم قلدوا أنفسهم وإبلهم بشئ من لحاء شجر الحرم كيلا يتعرض لهم وقال مطرف بن الشخير هى القلائد أنفسها وذلك ان المشركين كانوا يأخذون لحاء من شجر مكة ويتقلدونها فنهوا عن نزع شجرها وقيل النهى عن إحلال القلائد مبالغة فى النهى عن التعرض للهدى نظيره قوله تعالى ولا يبدين زينتهن وإحلال الهدى والقلائد أخذها او منعها عن البلوغ الى الحرم وَلَا آمِّينَ قاصدين الْبَيْتَ الْحَرامَ لزيارته واحلالهم التعرض لهم بالقتل والنهب يَبْتَغُونَ يطلبون فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ فى الدنيا بالرزق فى التجارة وفى الاخرة بالثواب وَرِضْواناً يرضى عنهم والجملة فى موضع الحال من المستكن فى أمين او صفة موصوفة المقدر تقديره ولا قوما آمّين البيت الحرام يبتغون ولا يجوز ان يكون صفة لآمين لانه عامل والمختار ان اسم الفاعل الموصوف لا يكون عاملا وفائدة هذا التقييد استنكارا حلال من هذا شأنه والتنبيه على المانع وكلمة أمين البيت الحرام يعم المؤمنين والمشركين من حيث الصيغة ومن حيث سوق الكلام فان الآية نزلت فى عام القضاء وسيق الكلام للنهى عن تعرض البكري وهداياه وأمثاله فالآية منسوخة باعتبار قصر حكمها بالمؤمنين بقوله تعالى اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وقوله تعالى انما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا فلا يجوزان يحج مشرك ولا يأمن كافر بالهدى والقلائد وابتغاء الفضل والرضوان فى المشركين قيل مبنى على زعمهم لان الكافر لا نصيب له فى الرضوان وقال قتادة هو ان يصلح الله معايشهم فى الدنيا وان لا يعجل لهم العقوبة فيها وقيل ابتغاء الفضل اى الرزق بالتجارة عام للمؤمنين والمشركين وابتغاء الرضوان للمؤمنين خاصة وَإِذا حَلَلْتُمْ من الإحرام فَاصْطادُوا اذن فى الاصطياد بعد تحريمه بقوله تعالى لا تحلوا شعائر الله فان الصيد فى الإحرام تحليل للشعائر وقيل بعد المنهي لقوله تعالى غير محلى الصيد وهذا بعيد وهذا الأمر للاباحة بقرينة الإجماع كما فى قوله تعالى فاذا قضيت الصلاة فانتشروا ولا دليل فيه على ان الأمر بعد الحظر يكون للاباحة مطلقا فان مقتضى الأمر المطلق الخالي عن القرائن هو الإيجاب كما برهن عليه فى الأصول قال الله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة او يصيبهم عذاب اليم وقال الله تعالى ما منعك ان تسجد إذ امرتك واخرج ابن ابى حاتم عن زيد بن اسلم قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحديبية حين صدهم المشركون

[سورة المائدة (5) : آية 3]

عن البيت وقد اشتد ذلك عليهم فمر بهم أناس من المشركين من اهل المشرق يريدون العمرة فقال اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نصد هؤلاء كما صدنا أصحابنا فانزل الله تعالى وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ قال البغوي قال ابن عباس وقتادة لا يحملنكم وقال الفراء لا يكسبنكم شنأن قوم اى قومكم من اهل مكة والشنآن مصدر بمعنى شدة البغض والعداوة أضيف الى المفعول او الفاعل قرأ ابن عامر وابو بكر بسكون النون الاولى والآخرون بفتحها وهما لغتان فى المصدر وجاز ان يكون نعتا على تقدير سكون النون بمعنى بغيض قوم فان المصادر أكثرها فعلان بفتح العين مثل الضربان والسيلان والنسلان وبالسكون فى النعت اكثر مثل السكران والندمان والرحمن أَنْ صَدُّوكُمْ قرأ ابن كثير وابو عمرو بكسر الهمزة على انه شرط معترض اغنى عن جوابه لا يجر منكم والباقون بفتح الهمزة بتقدير اللام اى لان صدوكم عن البيت عام الحديبية متعلق بشنأن قال البغوي قال محمد بن جرير هذه السورة نزلت بعد قصة الحديبية وكان الصدقة قد تقدم عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا عليهم بالقتال وأخذ الأموال وهذا ثانى مفعولى يجر منكم فانه يتعدى الى واحد والى اثنين ككسب وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ اى على امتثال امر الله تعالى وَالتَّقْوى اى الانتهاء عما نهى عنه كى يتقى نفسه عن عذاب الله وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ يعنى لا تعاونوا على ارتكاب المنهيات ولا على الظلم لتشفى صدوركم بالانتقام عن النواس بن سمعان الأنصاري قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم قال البر حسن الخلق والإثم ما حاك فى نفسك وكرهت ان يطلع عليه الناس رواه مسلم فى صحيحه والبخاري فى الأدب والترمذي وعن ابى ثعلب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البر ما سكنت اليه النفس واطمأن اليه القلب وان أفتاك المفتون رواه احمد قلت هذا الحديث خطاب لارباب النفوس المطمئنة والقلوب الزاكية وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ فانتقامه أشد وخوف. حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ هذا بيان لما يتلى عليكم والميتة ما فارقه الروح على حتف انفه اخرج ابن مندة فى كتاب الصحابة من طريق عبد الله بن جبلة بن حيان بن ابجر عن أبيه عن جده حيان بن الجر قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وانا أوقد تحت قدر فيها لحم ميتة فانزل الله تحريم الميتة فاكفأت القدر قلت انما ذكرت هذا الحديث فى هذا المقام تبعا

الباب «1» النقول فى اسباب النزول والصحيح ان كون هذه القصة عند نزول هذه الاية اية المائدة محال لان هذه الاية اخر اية الاحكام نزولا كما سنذكر وحرمة الميتة كانت قبل الهجرة نزلت بمكة فى سورة الانعام فلا يمكن من الصحابي طبخ لحم الميتة بعد ذلك فالظاهر ان القصّة عند نزول اية التحريم فى الانعام قل لا أجد فيما اوحى الى والله اعلم وَالدَّمُ اى المسفوح منه بالإجماع وهو السائل وكان اهل الجاهلية يصيونها فى الأمعاء ويشربونها وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ انما خص اللّحم بالذكر مع كونه نجسا بجميع اجزائه بالنص والإجماع لانه معظم المقصود من الحيوان وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ والإهلال رفع الصوت وهو قولهم عند الذبح باسم اللّات والعزّى عن ابى الطفيل قال سئل على رضى الله عنه هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشئ قال ما خصنا بشئ لم يعم به الناس الا ما فى قراب «2» سيفى هذا فاخرج صحيفة فيها لعن الله من ذبح لغير الله ولعن الله من سرق «3» منار الأرض وفى رواية بلفظ من غيّر منار الأرض ولعن الله من لعن والده ولعن الله من آوى محدثا رواه مسلم (مسئلة:) يكره ان يذكر مع اسم الله عند الذبح شيئا غيره موصولا لا معطوفا مثل ان يقول عند الذبح بسم الله اللهم تقبل من فلان لكن لا يحرم ونظيره بسم الله محمد رسول الله بالرفع وان ذكر موصولا على وجه العطف والشركة نحو ان يقول بسم الله واسم فلان او بسم الله ومحمد رسول الله بالجرّ يحرم الذبيحة لانه اهل بها لغير الله ولا بأس بان يقول قبل التسمية قبل ان يضجع الذبيحة او بعد الذبح كما روى انه صلى الله عليه وسلم قال بعد الذبح اللهم تقبل هذا عن امة محمّد عليه السلام ممن شهد لك بالوحدانية ولى بالبلاغ قد ذكر حرمة هذا الاربعة وما يتصل بها من المسائل فى سورة البقرة وَالْمُنْخَنِقَةُ التي ماتت بالخنق وَالْمَوْقُوذَةُ الوقذ الضرب الشديد وكانوا فى الجاهلية يقتلون البهيمة ضربا بعصا او حجر وَالْمُتَرَدِّيَةُ التي تردت اى سقطت من علو او فى بير فماتت بلا ذبح وَالنَّطِيحَةُ وهى التي نطحتها اخرى اى أصابتها بقرنها فماتت والتاء فيها للنقل من الوصفية الى الاسمية وَما أَكَلَ السَّبُعُ يعنى ما بقي «4» من أكل السبع وماتت باكله بعضها وهذا يدل

_ (1) اسم كتاب فى اسباب النزول 12 (2) القراب شبه الجواب يطرح فيه الراكب سيفه بغمده وسوطه وقد يطرح فيه زاده من تمر وغيره 12 نهايه (3) المنار جمع منارة وهى العلامة 12 نهايه [.....] (4) ويمكن ان يقال ان ما أكله السبع المعلم الذي ذكر اسم الله عند إرساله فهو داخل فى المستثنى لانه ذكوة ضرورى 12

على ان جوارح الصيد كالكلب والفهد والباز والصقر إذا أكلت مما اصطادته لا يحل أكله إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ يعنى ما أدركتم ذكوته من هذه الأشياء واصل التذكية الإتمام يقال ذكت النار إذا تمت اشتعالها والمراد هاهنا الذبح فانه إتمام للحيوة قال فى الصحاح ذكيت الشاة اى ذبحتها وحقيقة التذكية إخراج الحرارة الغريزية لكن خصّ فى الشرع بابطال الحيوة على وجه دون وجه انتهى كلامه قلت يعنى ابطال الحيوة بالذبح او النحر فى الخلق واللبة فى حالة الاختيار مع ذكر اسم الله تعالى وحده عليه عن ابى هريرة قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم نوفل بن ورقا الخزاعي على جمل أورق يصيح فى فجاج منى الا ان الذكوة فى الحلق واللبة رواه ابن الجوزي من طريق الدارقطني- (مسئلة:) فاذا جرح السبع او أكل شيئا منه وأدركته حيا فذبحته يحل أكله وهو المراد بقوله تعالى الا ما ذكيتم واماما صار بجرح السبع الى حالة المذبوح فهو فى حكم الميتة فلا يكون حلالا وان ذبحته وكذلك المتردية والنطيحة والموقوذة إذا أدركتها حية قبل ان يصير الى حالة المذبوح فذبحتها يكون حلالا والاستثناء إذا وقع بعد امور متعاطفة يرجع الى الاخيرة فقط عند ابى حنيفة رح وانما عرف حكم ما أدركته حيا بعد الخنق والوقذ والنطح والتردي وذبحته بالمقايسة ولا يمكن إرجاع الاستثناء الى الجميع لان المنخنقة اسم لما مات بالخنق وكذا أخواتها فلا يشتمل ذلك ما أدركته حيا وذبحته فلا يجوز الاستثناء- (مسئلة:) عروق الذبح الحلقوم اعنى مجرى النفس والمري اعنى مجرى العلف والماء والودجان وهما مجرى الدم فقال مالك رح يجب قطع هذه الاربعة وهو أحد قولى احمد رح وقال الشافعي رح واحمد رح يجزى فى الذكوة قطع الحلقوم والمري وقال ابو حنيفة رح ان قطع ثلثا منها اى ثلث كان يحل الاكل وبه كان يقول ابو يوسف رح اولا ثم رجع فقال لا بد من قطع الحلقوم والمري واحد الودجين وبه قال محمد رح فى رواية وعنه انه يعتبر اكثر كل من الأربع وهو رواية عن ابى حنيفة رح لان كل فرد منها اصل بنفسه وللاكثر حكم الكل ولابى يوسف رح ان المقصود من قطع الودجين انهار الدم فينوب أحدهما عن الاخر واما الحلقوم فيخالف المري فلابد من قطعهما وقال ابو حنيفة رح الأكثر يقوم مقام الكل فى كثير من الاحكام واى ثلث قطع فقد قطع الأكثر منها وحصل ما هو المقصود وهو انهار الدم المسفوح- (مسئلة:) يجوز الذبح بكل ما ينهر الدم ويحصل القطع من زجاج او حجر او قصب او

غير ذلك إذا كان له حدة وكذا يجوز بالسن والظفر والقرن إذا كان منزوعا ذى حدة عند ابى حنيفة رح الا انه يكره كذا فى الهداية وقالت الأئمة الثلاثة لا يجوز بالسنّ والظفر والقرن ويكون ميتة عن رافع بن خديج قال قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم انا لاقوا العدو غدا وليست معنا مدى افنذبح بالقصب قال ما انهر الدم وذكر اسم الله فكل ليس السن والظفر وساحدثك عنه اما السن فعظم واما الظفر فمدى الحبشة متفق عليه وعن كعب بن مالك انه كانت لنا غنم يرعى بسلع فابصرت جارية لنا بشاة من غنمنا موتا فكسرت حجرا فذبحتها فسال النبي صلى الله عليه وسلم فامره بأكلها رواه البخاري وعن عدى بن حاتم قال قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ارايت أحدنا أصاب صيدا وليس معه سكين أيذبح بالمروة «1» وشقة العصى قال امرر الدم بما شئت واذكر اسم الله رواه ابو داود والنسائي وعن عطاء بن يسار عن رجل من بنى حارثة انه كان يرعى لقحه بشعب من شعاب أحد فراى بها الموت فلم يجد ما ينحرها به فاخذ وتدا فوجأ به من لبتها حتى اهراق دمها ثم اخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فامره بأكلها رواه ابو داود ومالك وفى رواية فذكاها بشظاظ «2» احتج ابو حنيفة رح فى الخلافية بعموم قوله صلى الله عليه وسلم ما انهر فكل وقوله صلى الله عليه وسلم امرر الدم بما شئت واحتج الائمة الثلاثة بقوله صلى الله عليه وسلم ليس السن والظفر حيث استثنى مما انهر الدم وأجاب ابو حنيفة رح بانه محمول على غير المنزوع فان الحبشة كانوا يذبحون بظفر غير منزوع والظاهر ان المراد بالسن فى الاستثناء ما ليس فيه حدة يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم اما السن فعظم ولا يجوز بسن وظفر غير منزوعين اجماعا لانه يقتل بالثقل فيكون فى معنى المنخنقة- (مسئلة:) يستحب للذابح ان يحد شفرته لقوله صلى الله عليه وسلم ان الله كتب الإحسان على كل شىء فاذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته رواه مسلم عن شداد بن أوس- (مسئلة:) لو رمى الى صيد فى الهواء فاصابه فسقط على الأرض ومات كان حلالا لان الوقوع على الأرض من ضرورته وان سقط فى الماء او على جبل او شجر ثم تردى منه فمات لا يحل أكله وهو من المتردية والذي مات بالغرق الا ان يكون السهم أصاب مذبحه

_ (1) الشظاظ خشبة محددة الطرف تدخل فى عروقى الجو القين لتجمع بينهما عند حملها على البعير 12 (2) بالمروة الحجر الأبيض والمراد هاهنا كل حجر له حد 12

فى الهواء فيحل كيف ما وقع لان الذبح قد حصل بأصابة السهم المذبح وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ قيل النصب جمع واحدها نصاب ككتب وكتاب وقيل هو واحد وجمعها أنصاب كعنق وأعناق وهو الشيء المنصوب قال مجاهد وقتادة كانت حول البيت ثلاثمائة وستون حجرا منصوبة كان اهل الجاهلية يعبدونها ويعظمونها ويذبحون بها وليست هى بأصنام انما الأصنام هى الصورة المنقوشة وقال الآخرون هى الأصنام المنصوبة وقال قطرب على بمعنى اللام ومعناه ما ذبح لاجل النصب وقال ابن زيد ما ذبح على النصب وما اهل لغير الله به واحد قلت العطف يقتضى التغاير فالظاهر ما قيل انها كانت حجارة منصوبة حول البيت يذبحون عليها ويعدون ذلك قربة وحرم عليكم وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ اى الاستسقام اى طلب معرفة ما قسم لهم مما لم يقسم لهم بالأزلام وهى القداح التي لا ريش لها ولا نصل واحدها زلم بفتح الزاء وضمها وكانت ازلامهم سبعة قداح مستوية من شوحط تكون عند «1» سادن الكعبة مكتوب على واحد منها نعم وعلى واحد لا وعلى واحد منكم وعلى واحد من غيركم وعلى واحد ملصق وعلى واحد العقل وواحد غفل ليس عليه شىء فكانوا إذا أرادوا امرا من سفر او نكاح او ختان او غيره او اختلفوا فى نسب او اختلفوا فى تحمل عقل جاؤا الى هبل وكانت أعظم أصنام قريش بمكة وجاؤا بمائة درهم أعطوها صاحب القداح حتى يحيل القداح وو يقولون يا الهنا انا أردنا كذا كذا فان خرج نعم فعلوا وان خرج لا لم يفعلوا ذلك حولا ثم عادوا الى القداح ثانية وإذا جالوا على نسب فان خرج منكم كان وسيطا منهم وان خرج من غيركم كان حليفا وان خرج ملصق كان على منزلة لا نسب له ولا حلف وإذا اختلفوا فى عقل فمن خرج قدح العقل حمله وان خرج الغفل أجالوا ثانيا حتى يخرج مكتوب فنهى الله عن ذلك وحرمه وقال ذلِكُمْ فِسْقٌ قال سعيد بن جبير الأزلام حصى بيض كانوا يضربون بها وقال مجاهد كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها وقال الشعبي وغيره الأزلام للعرب والكعاب للعجم وقال سفيان بن وكيع هى الشطرنج قلت وكل شىء يطلب به علم الغيب على نحو هذا الطريق كعلم الرمل بضرب الكعاب واستخراج إشكال النقاط وما يقال بالفارسية فال نامه وكل ما يقامر بها فهو داخل فى الاستقسام بالأزلام عبارة او دلالة جلية او خفية والله اعلم وعن ابى الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تكهن او

_ (1) اى خادم الكعبة ومتولى أمرها من فتح الباب والاغلاق 12

استقسم او تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر الى الدرجات العلى من الجنة يوم القيمة رواه البغوي وعن قبيصة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» العيافة والطيرة «2» والطرق من الجبت رواه ابو داود بسند صحيح والطرق الضرب بالحصى الْيَوْمَ لم يرد يوما بعينه وانما أراد الحاضر وما يتصل به من الازمنة الآتية وقيل أراد يوم نزولها يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ ان يبطلوه او ان يغلبوا على اهله او ان يرجع عنه اهله بتحليل الخبائث وغيرها فَلا تَخْشَوْهُمْ ان يظهروا عليكم ويبطلوا دينكم وَاخْشَوْنِ اثبت الياء فى الوصل خاصة ابو عمرو وحذفها الباقون فى الحالين يعنى أخلصوا الخشية لى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ بالتنصيص على قواعد العقائد والتوقيف على اصول الشرائع من الفرائض والواجبات والسنن والآداب والحلال والحرام والمكروه وموجبات الفساد لما له وجود شرعى كالصلوة والصوم والبيع ونحوها وقوانين الاجتهاد فيما لا نص فيه وجاز ان يكون المراد بإكمال الدّين بلوغه صلى الله عليه وسلم فى معارج القرب الى مرتبة يغبطه الأولون والآخرون حتى غفر لكمال محبوبيته جميع ذنوب أمته حتى الدماء والمظالم عن عباس بن مرداس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لامته عشية عرفة بالمغفرة فاجيب انى قد غفرت لهم ما خلا المظالم فانى أخذ للمظلوم منه قال اى رب ان شئت أعطيت المظلوم من الجنة وغفرت للظالم فلم يجب عشيته فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فاجيب الى ما سأل قال فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم او قال تبسم فقال ابو بكر وعمران هذه لساعة ما كنت تضحك فيها فما الذي اضحكك اضحك الله سنّك قال ان عدو الله إبليس لما علم ان الله قد استجاب دعائى وغفر لامتى أخذ التراب فجعل يحثوه على راسه ويدعو بالويل والثبور فاضحكنى ما رأيت من جزعه رواه ابن ماجة والبيهقي فى كتاب البعث قال ابن عباس لم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام ولا شىء من الفرائض والسنن والحدود والاحكام فان قيل يروى عن ابن عباس ان آية الربوا نزلت بعدها قلنا ان صح هذا فالمراد ان قوله تعالى فى اخر البقرة الذين يأكلون الربوا لا يقومون الى قوله تعالى يايها الذين أمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا الآية نزلت بعد ذلك ولا شك ان حرمة الربوا كانت قبل نزول تلك الآية

_ (1) العيافة زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها ومهرها 12 نهاية (2) الطيرة التشاؤم بالشيء 12 نهايه

وانما نزلت تلك الاية للتوبيخ وقد ورد فى حديث جابر عند مسلم فى قصة حجة الوداع قوله صلى الله عليه وسلم وربوا الجاهلية موضوع وأول ربوا أضع من ربانا ربوا عباس بن عبد المطلب فانه موضوع كله وقال سعيد بن جبير وقتادة أكملت لكم دينكم فلم يحج معكم مشرك وقيل أظهرت دينكم على الأديان كلها وامنتكم من الأعداء- (فائدة) نزلت هذه الاية يوم الجمعة عرفة بعد العصر فى حجة الوداع والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفة على ناقته العضباء فكادت عضد الناقة تندقّ من ثقلها فنزلت روى الشيخان فى الصحيحين عن عمر بن الخطاب ان رجلا من اليهود قال له يا امير المؤمنين اية فى كتابكم تقرءونها لو نزلت علينا معشر اليهود ما نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا قال ايّة اية قال اليوم أكملت لكم دينكم الاية قال عمر قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة يوم الجمعة أشار عمر الى ان ذلك اليوم كان عيد النابل عيدين الجمعة وعرفة قال البغوي روى هارون بن عنترة عن أبيه قال لما نزلت هذه الآية بكى عمر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما يبكيك يا عمر قال أبكاني انا كنا فى زيادة من ديننا فاما إذ أكمل فانه لم يكمل شىء الا نقص قال صدقت وكان هذه الاية نعى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها أحد وثمانين يوما ومات يوم الاثنين بعد ما زاغت الشمس لليتين خلتا من شهر ربيع الاول سنة أحد عشر وكانت هجرته فى الثاني عشر منه وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي يعنى أنجزت وعدي بقولي ولاتم نعمتى عليكم وإتمام النعمة بالهداية والتوفيق وإكمال الدين وفتح مكة وهدم منار الجاهلية حتى حجوا مطمئنين لم يخالطهم أحد من المشركين وَرَضِيتُ اى اخترت لَكُمُ الْإِسْلامَ من بين الأديان دِيناً وهو الدين الصحيح عند الله لا غير روى البغوي بسنده عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال جبرئيل قال الله تعالى هذا دين ارتضيه لنفسى ولن يصلحه الا السخاء وحسن الخلق فاكرموه بهما ما صحبتموه والله اعلم فَمَنِ اضْطُرَّ متصل بذكر المحرمات وما بينهما اعتراض بما يوجب التجنب عنها من تعظيم الدين وذكر المنة على المؤمنين باكماله وكون ارتكابها فسقا يعنى من اضطر الى أكل شىء مما ذكر فِي مَخْمَصَةٍ وهى خلو البطن من الغذاء يقال رجل خميص البطن اى جائع غَيْرَ مُتَجانِفٍ اى مائل لِإِثْمٍ اى الى اثم بان يأكلها تلذذا او عجاوزا عن

[سورة المائدة (5) : آية 4]

حد الرخصة فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تقديره فاكله فان الله غفور رحيم يغفره قد ذكرنا هذا البحث وما يناسبه فى سورة البقرة روى البغوي بسنده عن ابى واقد الليثي ان رجلا قال يا رسول الله انا نكون بالأرض فتصيبنا بها المخمصة فمتى يحل لنا الميتة فقال ما لم تصطبحوا او تغتبقوا او تحتفؤا بها بقلا فشانكم بها الغبوق شراب اخر النهار مقابل الصبوح كذا فى النهاية واحتفى البقل اقتلعه من الأرض كذا فى القاموس والله اعلم روى الطبراني والحاكم والبيهقي وغيرهم عن ابى رافع قال جاء جبرئيل الى النبي صلى الله عليه وسلم فاستاذن عليه فاذن له فابطأ فاخذ ردائه فخرج اليه وهو قائم بالباب فقال قد اذنّا لك فقال أجل ولكنا لا ندخل بيتا فيه صورة ولا كلب فنظروا فاذا فى بعض بيوتهم جرؤا فأمر أبا رافع لا يدع كلبا بالمدينة الا قتله فاتاه ناس فقالوا يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الامّة التي أمرت بقتلها فنزلت. يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ لما تضمن السؤال معنى القول أوقع على الجملة وروى ابن جرير عن عكرمة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع فى قتل الكلاب حتى بلغ العوالي فدخل عاصم بن عدى وسعد بن حتم وعويمر بن ساعدة فقالوا ماذا أحل لنا يا رسول الله فنزلت هذه الآية واخرج عن محمد بن كعب القرظي قال امر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب فقالوا يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الامّة فنزلت واخرج من طريق الشعبي ان عدى بن حاتم الطائي قال اتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن صيد الكلاب فلم يدرعا يقول حتى نزلت هذه الآية واخرج ابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير ان عدى بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا انا قوم نصيد بالكلاب والبزاة وان كلاب آل دريح تصيد البقر والحمير والظباء وقد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا منها فنزلت يسالونك ماذا أحل لهم يعنى من الانتفاع بالكلاب ومن الصيد الذي تصيدها الكلاب قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ هذا زائد على قدر الجواب وسنذكر شرحه فيما بعد إنشاء الله تعالى والجواب قوله تعالى وَما عَلَّمْتُمْ عطف على الطيبات ان كانت ما موصولة والعائد محذوف والتقدير أحل لكم صيد ما علمتموه والجملة شرطية ان كانت ما شرطية وجواب الشرط فيما سيأتى اعنى فكلوا مِنَ الْجَوارِحِ بيان لما والمراد بها السباع من البهائم والطير كالكلب والفهد والنمر وغيرها والبازي والصقر والشاهين وغيرها والجرح اما من الكسب يقال فلان جارحة اهله اى كاسبهم ومنه يقال للاعضاء الجوارح لانها

كاسبة للافعال وهذه السباع كاسبة لاربابها أقواتهم من الصيد واما من الجراحة فانها تجرح فى الصيد وبناء على هذا التأويل قال ابو حنيفة رح واحمد رح واكثر العلماء رح لا بد فى الصيد من الجرح فلو قتل الكلب الصيد من غير جرح بان صدمه او خنقه فمات لا يحل أكله وقال الشافعي رح فى أحد قوليه يحل ولا يشترط الجرح نظرا الى التأويل الاوّل قال صاحب الهداية لا تنافى بين التأويلين فى الاية وفى الجمع بين التأويلين أخذ باليقين فلا بد من اشتراط الجرح وفى الكفاية النهى إذا ورد فيه اختلاف المعاني فانكان بينهما تناف يثبت أحدهما بدليل توجب ترجيحه وان لم يكن بينهما تتاف يثبت الجميع أخذا باليقين كذا ذكر فخر الإسلام فان قيل فعلى هذا يلزم القول بعموم المشترك وهو خلاف مذهب ابى حنيفة رح قلنا عموم المشترك ان يريد المتكلم من لفظ مشترك كلا المعنيين جميعا كما يراد بالعام وان يحكم السامع بشمول الحكم لكلا المعنيين جميعا كما فى العام وهاهنا ليس كذلك بل نقول ان المراد عند الله تعالى من الجوارح أحدهما لكن لما لم يقم دليل قاطع على تعيين أحدهما ولا منافاة بينهما أخذنا بهما احتياطا واحتج الحنفية ايضا على اشتراط الجرح انه لا بد من الذكوة والذكوة الاضطراري الجرح فى اى موضع كان من البدن بانتساب ما وجد من الآلة اليه بالاستعمال وان كسر عضوا فقتله ففى رواية عن ابى حنيفة رح انه لا بأس باكله لانه جراحة باطنة فهى كالجراحة الظاهرة والصحيح من مذهبه انه لا يؤكل لان المعتبر جرح ينتهض سببا لانهار الدم ولا يحصل ذلك بالكسر فاشبه التخنيق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما انهر الدم وذكر اسم الله فكل وكذا يشترط الجرح فى الرمي اجماعا لحديث عدى بن حاتم قال قلت يا رسول الله انا نرمى بالمعراض قال كل ما خزق «1» وما أصاب بعرضه فقتله فانه وقيذ فلا تأكل متفق عليه (مسئلة:) يجوز الاصطياد بكل جارح من البهائم والطيور وعن ابى يوسف رح انه استثنى من ذلك الأسد والذئب لانها لا يعملان لغيرهما الأسد لعلو همته والذئب لخساسته والحق بهما البعض الحداءة لخساسة والخنزير مستثنى اجماعا لانه نجس العين لا يجوز الانتفاع به بوجه قلت لا وجه لاستثناء الأسد والذئب والحدأة من الجوارح والقول بانهما لا يعملان لغيرهما لا يضر فانهما حينئذ يخرجان من قوله تعالى ما علمتم وقال احمد لا يحل صيد الكلب الأسود البهيم لحديث عبد الله بن مغفل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

_ (1) خزق السهم وخسق إذا أصاب الرمية ونفذ فيها 12 نهايه

لولا ان الكلب امّة من الأمم لامرت بقتلها فاقتلوا منها الأسود البهيم رواه ابو داود والترمذي والدارمي وعن جابر قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ثم نهى عن قتلها وقال عليكم بالأسود البهيم ذى النقطتين فانه شيطان رواه مسلم والجمهور على انه يحل صيده لعموم الآية والله اعلم- مُكَلِّبِينَ حال من الضمير المرفوع فى علمتم وفائدتها المبالغة فى التعليم والإغراء والمكلب الذي يغرى الكلاب على الصيد ويعلمها ويودبها مشتق من الكلب لان التأديب يكون فيه اكثر واثر او لان كل سبع يسمى كلبا فى القاموس الكلب كل سبع عقور وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عتبة بن ابى لهب وقد كان يسبّ النبي صلى الله عليه وسلم اللهم سلّط عليه كلبا من كلابك فخرج فى قافلة يريد الشام فنزلوا منزلا فقال انى أخاف دعوة محمّد فحطّوا متاعهم حوله وقعدوا يحرسونه فجاء الأسد فانتزعه فذهب به أخرجه الحاكم فى المستدرك من حديث ابى نوفل بن ابى عقرب عن أبيه وقال صحيح الاسناد تُعَلِّمُونَهُنَّ حال ثانية او استيناف مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ من طرق التأديب او مما علمكم ان تعلموها من اتباع الصيد بإرسال صاحبه وانزجاره بزجره وانصرافه بدعائه وان يمسك الصيد ولا يأكل منه ويعلم كونه معلما بتكرر ظهور اثار التعليم هذه منها ثلث مرات أسند الله سبحانه التعليم الى نفسه لان العلوم كلها التصورية والتصديقية البديهية والنظرية ملهمة من الله تعالى والعقل والفكر فى بعض الأمور سبب عادى والعلم بالنتيجة بعد العلم بالمقدمتين انما يحصل بفيضان من الله تعالى على مقتضى جرى العادة فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ اى الجوارح عَلَيْكُمْ يعنى مما لم تأكل منه وهذا التفسير مستفاد من حديث عدى بن حاتم قال قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله فان امسك فادركته حيا فاذبحه وان أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله وان أكل فلا تأكله فانما امسك على نفسه الحديث متفق عليه وفى رواية بلفظ ما علمت من كلب او باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله عليه فكل مما اسكن عليك قلت وان قتل قال ان قتله ولم يأكل منه فكله وان أكل فلا تأكله فانما امسكه على نفسه رواه ابو داود والبيهقي من رواية مجالد عن الشعبي عنه وقال البيهقي تفرد مجالد بذكر الباز فيه وخالفه الحفاظ فهذه الآية بهذا التفسير المستفاد من الحديث حجة لابى حنيفة رح واحمد رح والشافعي رح فى أصح قوليه ان الكلب إذا أكل من الصيد لا يباح أكله قال البغوي وهو المروي

عن ابن عباس وهو قول عطاء وطاؤس والشعبي والثوري وابن المبارك قالوا اية كون الكلب معلّما ان لا يأكل ثلث مرات فاذا ترك الاكل ثلث مرات حل صيده فى الرابعة وفى رواية عن ابى حنيفة رح حل صيده فى الثالثة وقال مالك رح لا بأس بأكل الكلب من الصيد ويحل أكله وهو أحد قولى الشافعي رح قال البغوي وهو المروي عن ابن عمر وسلمان الفارسي وسعد بن ابى وقاص لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان رجلا اتى النبي صلى الله عليه وسلم يقال له ابو ثعلبة فقال يا رسول الله ان لى كلابا مكلبة فافتنى فى صيدها فقال ان كانت لك كلابا مكلبة فكل مما أمسكن عليك قال ذكىّ وغير ذكىّ قال ذكىّ وغير ذكىّ قال وان أكل منه قال وان كل منه رواه ابو داود قلت هذا الحديث أعله البيهقي وحديث عدى بن حاتم متفق على صحته والله اعلم قلت وهذه الاية بهذا التأويل وما رواه ابو داود برواية مجالد عن الشعبي من الحديث يقتضى اشتراط ترك الاكل فى سباع الطيور ايضا واليه ذهب بعض الفقهاء وقال ابو حنيفة رح لا يشترط ذلك فى السباع الطيور لان بدن الطيور لا يتحمل الضرب وبدن الكلاب يتحمله فيضرب ليتركه اخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال إذا أكل الكلب فلا تأكل وإذا أكل الصقر فكل لان الكلب يستطيع ان تضربه والصقر لا يستطيع ان تضربه فان قيل هذا استدلال فى مقابلة نص الكتاب والسنة قلنا الكتاب ليس بظاهر الدلالة على اشتراط عدم الاكل فان الإمساك ضد الإرسال لا ضد الاكل وانما اشترطنا عدم الاكل فى الكلب بحديث الصحيحين وما تفرد به مجالد لا يعتد به لمخالفة الحفاظ ومخالفة القياس والله اعلم وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ الضمير عايد الى ما علمتم يعنى سموا عليه عند إرساله فيشترط التسمية عند إرسال الكلب والباز ونحوهما وكذا عند الرمي كما يشترط عند الذبح غير ان التسمية عند الذبح انما هو على المذبوح وفى الصيد على الآلة لان المقدور فى الاوّل الذبح وفى الثاني الرمي والإرسال دون الاصابة فيشترط عند فعل يقتدر عليه حتى لو اضجع شأة وسمّى وذبح غيرها بتلك التسمية لا يجوز ولو رمى الى صيد وسمى وأصاب صيدا غيره حل ولو اضجع شاة وسمى ثم رمى بالشفرة وذبح بأخرى أكل وان سمى على سهم ثم رمى بغيره لا يؤكل والتسمية على المذبوح هو الأصل وجواز التسمية على الآلة انما هو عند العجز عن الأصل فان أدرك مرسل للباز او الكلب بالتسمية او الرامي بالتسمية الصيد حيا وجب عليه ان يذكّيه ويذكر اسم الله عند الذبح ثانيا وان ترك تذكية حتى مات لم يؤكل وهذا إذا تمكن من ذبحه واما إذا وقع فى يده ولم يتمكن من ذبحه وفيه من

الحيوة فوق ما يكون فى المذبوح لم يؤكل عند ابى حنيفة رح وفى رواية عنه وعن ابى يوسف رح انه يحل وهو قول الشافعي رح لانه لم يقدر على الأصل وقال بعضهم ان لم يتمكن لفقد الآلة لم يؤكل وان لم يتمكن لضيق الوقت أكل عند ابى حنيفة رح خلافا للشافعى رح- (مسئلة:) ان ترك التسمية عامدا عند إرسال الكلب او السهم او عند الذبح او شاركه كلب غير معلم او كلب مجوسى او كلب لم يذكر اسم الله عليه عمدا لا يحل أكله لفوات شرط الحل فى هذه الاية ولقوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ولحديث عدى بن حاتم قال قلت يا رسول الله أرسل كلبى فاجد معه كلب اخر قال فلا تأكل فانما سميت على كلبك ولم تسم على كلب اخر متفق عليه وعنه قال قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله فان امسك عليك فأدركته حيا فاذبحه وان أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله وان أكل فلا تأكل فانما امسك على نفسه فان وجدت مع كلبك كلبا غيره وقد قتل فلا تأكل فانك لا تدرى أيهما قتل وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله فان غاب عنك يوما فلم تجد فيه الا اثر سهمك فكل ان شئت وان وجدته غريقا فى الماء فلا تأكل متفق عليه وعن ابى ثعلبة الخشني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله فكل وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله فكل وما صدت بكلبك غير معلم فادركت ذكوته فكل متفق عليه (مسئلة:) وكذا ان ترك التسمية ناسيا عند احمد ويحل عند ابى حنيفة رح وهو رواية عن احمد رح وبه قال مالك رح كذا فى كتب المالكية وعن احمد ان نسيها على الذبيحة حلت واما على الصيد فلا وعنه ان نسيها على السهم حلت واما على الكلب والفهد فلا وقال الشافعي رح وهو رواية عن مالك يحل مطلقا وبه قال ابو القاسم من المالكية سواء ترك التسمية عامدا او ناسيا على الذبيحة او على الصيد بالكلب او بالسهم بعد ان كان الكلب معلما والمكلب مسلما او كتابيا ويحرم بمشاركة الكلب غير المعلم وكلب المجوسي والحجة على حل متروك التسمية مطلقا حديث عائشة رض ان قوما قالوا للنبى صلى الله عليه وسلم ان قوما يأتونا باللحم لا يدرى اذكر اسم الله أم لا فقال سموا أنتم وكلوا قالت وكانوا حديثى العهد بالكفر رواه البخاري وعن ابى هريرة قال سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ارايت الرجل منا يذبح وينسى ان يسمى الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم اسم الله فى فم كل مسلم رواه الدار قطنى وعن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال المسلم

ان نسى ان يسمى حين يذبح فليسم وليذكر اسم الله ثم لياكل رواه الدار قطنى وعن الصلت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله او لم يذكر رواه ابو داود فى المراسيل ورواه البيهقي من حديث ابن عباس موصولا وفى اسناده ضعف وقال البيهقي الأصح وقفه على ابن عباس والجواب ان الحديث الاوّل لا يدل على ترك التسمية والظاهر تسميتهم واما الثاني ففيه مروان بن سالم قال احمد ليس ثقة وقال النسائي والدار قطنى متروك واما الثالث ففيه معقل مجهول واما الرابع فمرسل ثم الحديث الثاني والثالث فى متروك التسمية ناسيا فليس فيهما حجة للشافعى رح والحديث الرابع نحمله على حالة النسيان قال صاحب الهداية وهذا القول من الشافعي رح يعنى يحل متروك التسمية عامدا مخالف للاجماع فانه لا خلاف فيمن كان قبله فى حرمة متروك التسمية عامدا وانما الخلاف بينهم فى متروك التسمية ناسيا فمن مذهب ابن عمر انه يحرم ومن مذهب على وابن عباس يحل بخلاف متروك التسمية عامدا ولهذا فأل ابو يوسف رح متروك التسمية عامد الا يسع فيه الاجتهاد ولو قصى القاضي بجواز بيعه لا ينفذ لكونه مخالفا للاجماع- (مسئلة:) ما استأنس من الصيد فذكوته الذبح وما توحش من الإبل والبقر فذكوته العقر والجرح واما الشاة فاذا ندت فى الصحراء فذكوته العقر وان ندت فى المصر لا تحل بالعقر لانه يمكن أخذها فى المصر ومبنى الحكم على ان ذكوة الاضطرار انما يصار اليه عند العجز عن ذكوة الاختيار والعجز متحقق فيما توحش من النعم دون ما استأنس من الصيد وكذا ما تردى من النعم فى بير ووقع العجز عن ذكوته الاختيارية جاز فيه الذكوة الاضطرارية عند الجمهور وقال مالك لا يجوز ذكوة النعم الا فى الحلق واللبة لان توحشها نادر فلا عبرة به لنا حديث رافع بن خديج قال أصابنا نهب ابل فند منها بعير فرماه رجل بسهم فحبسه الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش فاذا غلبكم منها شىء فافعلوا به هكذا متفق عليه وعن ابى العشراء عن أبيه انه قال يا رسول الله اما يكون الذكوة الا فى الحلق واللبة فقال لو طعنت فى فخذها لاجزأ عنك رواه احمد واصحاب السنن الاربعة والدارمي وقال ابو داؤد هكذا ذكوة المتردى وقال الترمذي هذا فى الضرورة ورواه الحافظ ابو موسى فى مسند ابى العشراء بلفظ لو طعنت فى فخذها او شأكلتها وذكرت اسم الله لاجزأ عنك وقال الشافعي رح

[سورة المائدة (5) : آية 5]

تردى بعير فى بير فطعن فى شاكلته فسأل ابن عمر عن أكله فأمر به- (مسئلة:) إذا رمى صيدا فقطع عضوا منه أكل الصيد ولا يؤكل العضو وقال الشافعي رح أكلا وان مات الصيد منه لانه مبان بذكاة اضطراري فيحل المبان والمبان منه ولنا عموم قوله صلى الله عليه وسلم ما أبين من الحي فميت وَاتَّقُوا اللَّهَ فى محرماته إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ فيؤاخذكم بما جل ودق. الْيَوْمَ يعنى الان عند كمال الدين الى يوم القيامة إذ لا نسخ بعد الإكمال أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ كرره للتأكيد ولفظ الطيبات ضد الخبائث مجمل التحق الأحاديث النبوية البينة للطيبات والخبائث بيانا له ثم قيس على موارد النصوص أشباهها والأصل فيه ان ما ورد النص بكونه حلالا ظهرانه طيب وما ورد النص بكونه حراما ظهر كونه خبيثا وما ورد الأمر بقتله وسماه خبيثا فاسقا فهو خبيث حرام كما روى عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خمس لا جناح على من قتلهن فى الحرم والإحرام الفارة والغراب والحداة والعقرب والكلب العقور متفق عليه وعن عائشة عنه صلى الله عليه وسلم قال خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم الحية والغراب الأبقع والفارة والكلب العقور والحدأة متفق عليه وعن ابى هريرة فى الحية ما سالمنا هم منذ حاربناهم ومن ترك شيئا منهم خيفة فليس منا رواه ابو داود وعن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتلوا الحيات كلهن فمن خاف ثارهن فليس منى رواه ابو داود والنسائي وما لم يرد النص فيه يقاس اما على الطيّبات بجامع استطابة الطبائع السليمة من العرب واما على الخبائث بجامع استقذار الطبائع السليمة منهم وكانت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعون يكرهون ما يأكل الجيف أخرجه ابن ابى شيبة من طريق ابراهيم النخعي ولذا قال جمهور العلماء لا يؤكل من الدواب والطيور ما يأكل الجيف والنهى عن قتل حيوان لا يدل على حرمته ولا على كراهته ما لم يدل عليه دليل اخر عند الائمة الثلاثة وعند الشافعي رح يدل على تحريمه فلا يحرم الهدهد والطاووس عند الثلاثة خلافا للشافعى رح- (مسئلة:) كل حيوان ذى ناب من السباع كالاسد والذئب والنمر والفهد والكلب والهرة وذى مخلب من الطير كالصقر والباز والحدأة ونحوها فاكله حرام عند الائمة الثلاثة وقال مالك رح يكره ولا يحرم شىء من ذلك لقوله تعالى قل لا أجد فيما اوحى الى محرما على طاعم يطعمه الآية وهذا هو الأصل لمالك فى جميع مسائل الباب قلنا هذه الآية تدل على عدم وجدان الحرمة

حالة نزول هذه الاية لا بعد ذلك وسنذكر البحث عن الآية فى موضعها إنشاء الله تعالى وقد ظهر حرمة غير المذكورات فى الآية بعد ذلك بنصوص صحيحة تلقته الامة بالقبول منها حديث ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ذى ناب من السباع فاكله حرام رواه مسلم وعن ابن عباس قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذى ناب من السباع وذى مخلب من الطير رواه مسلم قال ابن عبد البر مجمع على صحته وكذا روى عبد الله بن احمد فى زيادات المسند من حديث على وفى اسناده علة وروى احمد نحوه من حديث جابر وعن جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الهر وأكل ثمنها رواه ابو داود والترمذي (مسئلة:) الضبع والثعلب حرام عند ابى حنيفة رح مكروه عند مالك رح كسائر السباع وقال الشافعي رح واحمد رح يحلهما وفى رواية عن احمد رح لا يحل الثعلب قال صاحب الهداية هما من السباع وفى الكفاية ان لهما نابان يقاتلان بانيا بهما فلا يؤكلان كالذئب احتج الشافعي رح بحديث جابر انه سئل عن الضبع اصيد هى قال نعم قيل أيؤكل قال نعم قيل أسمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم رواه الشافعي رح واصحاب السنن غير ابى داود والبيهقي وصححه البخاري والترمذي وغيرهما وأعله ابن عبد البر بعبد الرحمن بن ابى عمارة ووثقه ابو ذرعة والنسائي وقال الشافعي رح وما يباع لحم الضباع الّا بين الصفا والمروة ورواه ابو داود بلفظ سالت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع فقال صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم قلت كونه صيدا وجزائه بكبش فى الإحرام لا يقتضى حله فانه يجب على المحرم الجزاء بقتل صيد حرم لحمه والصيد هو الحيوان المتوحش الممتنع بالطبع وحديث حل الضبع لا يقوى قوة حديث حرمة السباع وعند التعارض الترجيح للمحرم على المبيح احتياطا ولئلا يلزم تكرار النسخ كما بين فى الأصول واماما رواه الترمذي من حديث خزيمة بن جرير او يأكل الضبع أحد فضعيف لا تفاقهم على ضعف عبد الكريم بن امية والراوي عنه امية بن مسلم- (مسئلة:) يحرم حشرات الأرض مثل الفار والوزغ وغيرها عند الائمة الثلاثة وقال مالك رح يكره ولا يحرم لما ذكرنا لنا حديث أم شريك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم امر بقتل الوزغ وقال كان ينفخ على ابراهيم متفق عليه وعن سعد رض بن ابى وقاص ان رسول الله صلى الله عليه وسلم امر بقتل الوزغ وسماه فويسقا رواه مسلم وعن ابى هريرة رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قتل وزغا فى أول ضربة كتبت له مائة حسنة

وفى الثانية دون ذلك وفى الثالثة دون ذلك رواه مسلم وسبق فى الحديث الأمر بقتل الفارة فى الحل والحرم وتسميته فاسقة فيحرم الحشرات كلها استدلالا بالوزغ والفارة ومنها القنفذ وهو حلال عند مالك رح والشافعي رح وقال ابو حنيفة رح بتحريمه لانه من الحشرات ولما روى ابو داود من حديث عيسى بن نميلة عن أبيه قال كنت عند ابن عمر فسئل عن القنفذ فقرأ هذه الآية قل لا أجد فيما اوحى الىّ الآية فقال شيخ عنده سمعت أبا هريرة رضى الله عنه يقول ذكر القنفذ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال خبيثة من الخبائث فقال ابن عمر ان كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو كما قاله قال البيهقي فيه ضعف ولم يرو الا بهذا الاسناد- (مسئلة:) يحرم الضب واليربوع عند ابى حنيفة رح وعند مالك رح والشافعي رح هما حلالان وقال احمد الضبّ حلال وفى اليربوع عنه روايتان احتجوا على حل الضب بحديث ابن عمر رض قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الضب لست أكله ولا احرمه متفق عليه وعن ابن عباس رض ان خالد بن الوليد أخبره انه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ميمونة وهى خالته وخالة ابن عباس فوجد عندها ضبا محنوذا «1» فقدمت الضب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضب فقال خالد احرام الضب يا رسول الله قال لا ولكن لم يكن بأرض قومى فاجدنى إعافة قال خالد فاجتررته فاكلته ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر الى متفق عليه قال ابو حنيفة رح الضب من الحشرات وهذا استدلال فى مقابلة النصّ الصحيح الصريح وذكر فى الهداية ان النّبى صلى الله عليه وسلم نهى «2» عائشة حين سألت عن أكل الضب ولا اعرف ذلك الحديث- (مسئلة:) يحلّ أكل الجراد ميتا على كل حال وقال مالك رح لا يؤكل منه ما مات على حتف انفه من غير سبب يضع به يعنى يكره احتج الجمهور بحديث ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحلت لنا ميتتان والدمان فاما الميتتان فالجراد والحوت

_ (1) محنوذا بالحاء المهملة والنون والذال المعجمة اى مشويا 12 (2) حديث عائشة رضى الله عنها أورده صاحب المشكوة فى باب ما يحل أكله وما لا يحل أكله من حديث عبد الرحمن بن شبل نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الضب رواه ابو داود هكذا وجدت فى اصل النسخة فليحقق

واما الدمان فالكبد والطحال رواه الشافعي واحمد وابن ماجة والدارقطني والبيهقي من رواية عبد الرحمن بن زيد بن اسلم عن أبيه عنه وعبد الرحمن بن زيد ضعيف متروك ورواه الدارقطني عن زيد بن اسلم موقوفا على ابن عمر فقال وهو أصح وكذا صحح الموقوف ابو ذرعة وابو حاتم وأخرجه الخطيب من رواية مسور بن الصلت عن زيد بن اسلم عن عطاء بن يسار عن ابى سعيد الخدري والمسور قد كذبه احمد بن حنبل وقال ابن حبان يروى عن الثقات الموضوعات (مسئلة:) يحرم أكل لحوم الحمر الاهلية والبغال عند الائمة الثلاثة وقال مالك رح يكره لنا حديث ابى ثعلبة قال حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الاهلية متفق عليه وفى رواية عن احمد رح امر عبد الرحمن بن عوف ينادى بالناس ان لحوم الحمر الانسية لا تحل لمن شهد انى رسول الله وعن جابر انه صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الاهلية وأذن فى الخيل متفق عليه وعنه قال حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر الحمر الانسية ولحوم البغال وكل ذى ناب من السباع وكل ذى مخلب من الطير رواه الترمذي وقال حديث غريب ورواه احمد بلفظ حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمر الانسية ولحوم الثعالب وكل ذى ناب من السباع وذى مخلب من الطير وعنه قال أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر رواه الترمذي وصححه والنسائي وعن ابى هريرة رض ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم يوم خيبر كل ذى ناب من السباع والحمر الانسية رواه احمد وعن البراء بن عازب قال أصبنا يوم خيبر حمرا فاذا ينادى منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان اكفئوا القدور متفق عليه وعن على رضى الله عنه ان النبىّ صلى الله عليه وسلم نهى عام خيبر عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الاهلية متفق عليه وفى الباب حديث ابى سليط وانس وابن عباس وسلمة بن الأكوع وعبد الله بن ابى اوفى وخالد بن الوليد وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده والمقدام بن معد يكرب وعمرو بن دينار- (مسئلة:) يحل أكل لحوم الخيل عند الجمهور وبه قال ابو يوسف ومحمد رحمهما الله وقال ابو حنيفة ومالك رحمهما الله يكره ثم قيل الكراهة عند ابى حنيفة رح كراهة تحريم وقيل كراهة تنزيه قال صاحب الهداية الاول أصح احتج الجمهور لما مر من حديث جابر اذن فى الخيل وحديث اسماء «1» قال نحرنا فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا فاكلناه ونحن بالمدينة متفق عليه

_ (1) اسماء لم نقف على اسمه- مصحح.

زاد احمد فيه نحن واهل بيته احتج ابو حنيفة رح بقوله تعالى والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة قال خرج مخرج الامتنان والاكل من أعلى منافعها والحكيم لا يترك الامتنان بالأعلى ويمن بالأدنى وبحديث خالد بن الوليد عن النبىّ صلى الله عليه وسلم انه قال حرام لحوم الحمر الاهلية وخيلها وفى لفظ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير رواه احمد برواية صالح بن يحيى بن المقدام عن جده المقدام عن خالد قال احمد هذا حديث منكر وقال موسى ابن هارون لا يعرف صالح بن يحيى ولا أبوه الا بجده وقال الدارقطني هذا حديث ضعيف قال ابن الجوزي وفى بعض ألفاظ هذا الحديث ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمها يوم خيبر قال الواقدي انما اسلم خالد بعد خيبر والله اعلم- (مسئلة:) يكره عند ابى حنيفة رح ابن عرس فانه من سباع الهوام- (مسئلة:) يكره عند الائمة الثلاثة أكل الرخم والبغاث لانهما يأكلان الجيف والأبقع الذي يأكل الجيف وكذا الغراب وكذا النسر وكذا كل ما يأكل الجيف ولا ياس بغراب الزرع لانه يأكل الحب وليس من سباع الطير ولا بأس بأكل العقعق لانه يخلط فاشبه الدجاجة وعن ابى يوسف رح انه يكره لان غالب أكله الجيف- (مسئلة:) يحرم أكل الجلّالة وبيضها ولبنها عند احمد رح ما لم يحبس فانكان طائرا فثلثة ايام وان كان من الإبل فاربعين يوما والبقر ثلثين والغنم سبعة والدجاجة ثلثة وفى رواية كلها ثلثة وعند الائمة الثلاثة يكره تحريما ان ظهر النتن فى لحمها او لبنها وتحبس حتى تزول رائحة النجاسة عن ابن عباس قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى لبن الشاة الجلالة رواه احمد وعن ابن عمر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة «1» وألبانها رواه ابو داود والترمذي وابن ماجة وعن عبد الله بن عمر وقال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإبل الجلالة ان يؤكل لحمها ولا يشرب ألبانها ولا يركبها الناس حتى ينقضه أربعين ليلة رواه البيهقي والدارقطني وفيه إسماعيل بن ابراهيم ابن مهاجر عن أبيه قال ابن الجوزي هو وأبوه ضعيفان ورواه احمد وابو داود والنسائي والحاكم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ نهى عن لحوم الحمر الاهلية وعن الجلالة وعن ركوبها-

_ (1) الجلالة من الحيوان ما يأكل العذرة والجلة البعرة فوضع موضع العذرة 12 نهاية

(مسئلة:) لا يؤكل من حيوان البحر الا السمك عند ابى حنيفة رحمه الله وقال مالك رحمه الله يؤكل كلها حتى السرطان والضفدع وكلب الماء وخنزيره لكنه كره الخنزير وحكى انه توقف فيه وقال احمد كلما يعيش ويولد فى البحر يحل أكله الا الضفدع والتمساح والكوسج ويحتاج عنده غير السمك الى الذبح كخنزير البحر وكلبه وانسانه واختلف اصحاب الشافعي رح فمنهم من قال مثل قول مالك ومنهم من قال مثل قول ابى حنيفة رحمه الله ومنهم من قال كل ما له شبه فى البر لا يوكل فلا يوكل كلب الماء وخنزيره وانسانه وحيته وفارته وعقربه ويوكل ما سوى ذلك ومنهم من قال يؤكل غير التمساح والضفدع والحية والعقرب والسرطان والسلحفاة احتج مالك رحمه الله ومن معه بعموم قوله تعالى أحل لكم صيد البحر من غير فصل وقوله صلى الله عليه وسلم فى البحر هو الطهور مائه والحل ميتته وأجيب بان المراد بالصيد الاصطياد بدليل قوله تعالى وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما فان المحرم هو اصطياد صيد البر فأما إذا صاد الحلال صيد البر بلا اعانة من المحرم ولا دلالة حل للمحرم أكله والمراد بالميتة هو السمك وقوله صلى الله عليه وسلم ما من دابة فى البحر الا قد ذكاه الله عز وجل لبنى آدم رواه الدارقطني من حديث جابر وروى عن عبد الله بن سرجس قوله صلى الله عليه وسلم ذبح كل نون لبنى آدم قلنا النون هو السمكة وسوق الحديث لعدم الاحتياج الى ذبح السمكة لا لعموم حل ما فى البحر ويدل على حل بعض ما فى البحر سوى السمكة حديث جابر قال غزوت جيش الخبط وامر ابو عبيدة فجعنا جوعا شديدا فالقى البحر حوتا ميتا لم نر مثله يقال له العنبر فاكلنا منه نصف شهر فاخذ ابو عبيدة عظما من عظامه فمر الراكب تحته فلما قد منا ذكرنا للنبى صلى الله عليه وسلم فقال كلوا رزقا أخرجه الله إليكم وأطعمونا ان كان معكم قال فارسلنا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فاكله متفق عليه وقالت الحنفية لعل ذلك الحيوان من اقسام السمك كما يدل عليه لفظ الحوت والحجة على حرمة الضفدع ونحوه مما يستقذر الطبع السليم قوله تعالى ويحرم عليهم الخبائث وحديث عبد الرحمن بن عثمان قال ذكر طبيب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم دواء وذكر الضفدع يجعل فيه فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع رواه احمد وابو داود والنسائي والبيهقي قال البيهقي هو أقوى ما ورد فى النهى-

(مسئلة:) ويكره أكل الطافي من السمك عند ابى حنيفة رحمه الله ولا يكره عنه الجمهور احتجوا بما ذكرنا من حديث جابر فى العنبر وقوله صلى الله عليه وسلم هو الحل ميتة قلنا ورد فى حديث جابر انه القى البحر حوتا ميتا ومعناه القى البحر حوتا فماتت بإلقائه وذلك حلال اتفاقا وميتة البحر ما لفظه البحر حتى يكون موته مضافا الى البحر لا ما مات فيه بلا آفة احتج الحنفية بحديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا طفا فلا تأكله وإذا جزر عنه فكله وما كان على حافته فكله رواه الدارقطني من طريق ابى احمد الزبيري عن سفيان الثوري عن ابى الزبير عن جابر قال الدارقطني لم يسنده عن الثوري غير ابى احمد ورواه وكيع وعبد الرزاق ومومل وغيرهم موقوفا وكذلك روى ابو أيوب السجستاني وعبد الله بن عمرو ابن جريح وزهير وحماد بن سلمة وغيرهم عن ابى الزبير موقوفا ولا يصح رفعه ورواه الدارقطني من طريق اخر بلفظ كلوا ما حسر عنه البحر وما القى وما وجدتموه ميتا او طافيا فوق الماء فلا تأكلوه قال الدارقطني تفرد به عبد العزيز عن وهب وعبد العزيز ضعيف لا يحتج به قال احمد هو ضعيف والحديث ليس بصحيح وقال النسائي هو متروك وله طريق اخر رواه ابو داود عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما القى البحر او جزر عنه فكلوه وما مات فيه وطفى فلا تأكلوه وفى هذا الطريق اسمعيل بن امية وهو متروك قال ابو داود رواه سفيان وأيوب وحماد عن ابى الزبير فوقفوه على جابر والله اعلم- (مسئلة:) حل أكل الأرنب اجماعا لحديث انس قال انفجنا أرنبا بمر الظهران فأخذتها فاتيت بها أبا طلحة فذبحها وبعث الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوركها وفخذها فقبله متفق عليه- (فائدة) أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم الدجاج متفق عليه عن ابى موسى (فائدة) عن سفينة أكلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم الحبارى رواه ابو داود- وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ المراد بالطعام الذبائح لان سائر الاطعمة لا يختص حلها بالميتة وقوله تعالى الذين أوتوا الكتاب يشتمل اليهود والنصارى والصابئين ان كانوا يؤمنون بدين نبى ويقرءون بكتاب لا ان كانوا يعبدون الكواكب ولا كتاب لهم حربيا كان الكتابي او ذميا عجميا كان او عربيا او تغلبيا به قال ابو حنيفة رحمه الله

وقالت الائمة الثلاثة لا يحل ذبيحة نصارى العرب من بنى تغلب قال ابن الجوزي روى أصحابنا حديث ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذبايح نصارى العرب وروى ابن الجوزي بسنده عن على رضى الله عنه قال لا تأكلوا من ذبايح نصارى بنى تغلب فانهم لم يتمسكوا من النصرانية بشئ الا شربهم الخمر ورواه الشافعي رحمه الله بسند صحيح عنه واخرج عبد الرزاق من طريق ابراهيم النخعي ان عليّا كان يكره ذبايح نصارى بنى تغلب ونسائهم قلت ولم يظهر لى صحة الحديث المرفوع فى الباب ولو صح فهو حديث احاد لا يصلح ناسخا للكتاب قال البغوي يريد الله سبحانه ذبايح اليهود والنصارى ومن دخل فى دينهم من سائر الأمم قبل مبعث النبىّ صلى الله عليه وسلم واما من دخل فى دينهم بعد مبعث النبىّ صلى الله عليه وسلم يعنى من غير اهل الإسلام فلا تحل ذبيحته قلت وهذا التقييد ليس بشئ عندنا قال صاحب الهداية لا يؤكل ذبيحة المرتد يعنى من كان مسلما ثم ارتد نعوذ بالله منها فصار يهوديا او نصرانيا او مجوسيا او وثنيا لا يوكل ذبيحته لانه لا ملة له لانه لا يقر على ما انتقل اليه بخلاف الكتابي إذا انتقل الى غير دينه لانه يقر عليه عندنا فيعتبر ما هو عليه عند الذبح لا ما قبله قال فى الكفاية حتى لو تمجس يهودى او نصرانى لا يحل صيده ولا ذبيحته بمنزلة ما لو كان مجوسيا فى الأصل وان تهود مجوسى او تنصر يوكل ذبيحته وصيده كما لو كان عليه فى الأصل لانه يقر على ما اعتقد عندنا- (مسئلة:) لو ذبح يهودى على اسم عزير ونصرانى على اسم عيسى لا يحل أكله عندنا قال فى الكفاية انما يحل ذبيحة الكتابي فيما إذا لم يذكر وقت الذبح اسم عزير او اسم المسيح واما إذا ذكر فلا يحل كما لا يحل ذبيحة المسلم إذا ذكر وقت الذبح اسم غير الله تعالى لقوله تعالى وما اهل به لغير الله فحال الكتابي فى ذلك لا يكون أعلى من حال المسلم وقال البغوي اختلف العلماء فى هذه المسألة قال ابن عمر لا يحل وذهب اكثر اهل العلم الى انه يحل وهو قول الشعبي وعطاء والزهري ومكحول سئل الشعبي وعطاء عن النصراني يذبح باسم المسيح قالا يحل فان الله تعالى قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون وقال الحسن إذا ذبح اليهودي او النصراني فذكر اسم غير الله تعالى وأنت تسمع فلا تأكله وإذا غاب عنك فكل فقد أحل الله لك قلت والصحيح المختار عندنا هو القول الاوّل يعنى ذبايح الكتابي تاركا للتسمية عامدا او على غير اسم الله تعالى لا يؤكل ان علم ذلك يقينا او كان غالب

حالهم ذلك وهو محمل النهى عن أكل ذبايح نصارى العرب ومحمل قول على رضى الله عنه لا تأكلوا من ذبايح نصارى بنى تغلب فانهم لم يتمسكوا من النصرانية بشئ الا بشربهم الخمر فلعل عليا رضى الله عنه علم من حالهم انهم لا يسمون الله عند الذبح او يذبحون على غير اسم الله تعالى فكذا حكم نصارى العجم ان كان عادتهم الذبح على غير اسم الله تعالى غالبا لا يؤكل ذبيحتهم ولا شك ان النصارى فى هذا الزمان لا يذبحون بل يقتلون بالوقد غالبا فلا يحل طعامهم وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ فان قيل النبىّ صلى الله عليه وسلم مبعوث الى كافة الناس بشريعة واحدة فما معنى لاختلاف الحل والحرمة بالنسبة الى هؤلاء وهؤلاء- قلت معناه ان من الأشياء ما هو حلال على كافة الناس من غير شرط كحل ماء البحر ومنها ما هو مشروط حلها بشرائط كالصلوة مشروط جوازها بالوضوء وسائر العبادات مشروط إتيانها بالايمان بالله ورسوله واخلاص النية وأكل الأموال مشروط حلها بالملك او اذن من المالك فذبايح المؤمنين حلال على الكفار حتى لا يعذبون فى الاخرة بأكلها كما لا يعذبون بإتيان امور مباحة للعالمين إتيانها من غير شرط الايمان بخلاف ذبايح المجوس فانها كالميتة يحرم أكلها على سائر الناس فيعذب الكفّار بأكلها كما يعذبون بترك الايمان وترك سائر الواجبات المتوقفة على الايمان وإتيان المنهيات قال الله تعالى ما سلككم فى سقر قالوا لم نك من المصلين الآية وفائدة هذا القول التفرقة بين ذبايح المسلمين ونسائهم فان ذبايح المسلمين حلال على كافة الناس من غير اشتراط الايمان بخلاف نسائهم فانه يشترط لحل مناكحتهم الايمان- قال الزجاج معناه حلال لكم ان تطعموهم فيكون خطاب الحل مع المسلمين وعبّر البيضاوي ما قال الزجاج بعبارة أصح واصرح فقال فلا عليكم ان تطعموهم وتبيعوا منهم ولو حرم عليهم لم يجز ذلك والسر فى هذا المقام ما ذكرنا ان حل أكل ذبايح المؤمنين غير مشروط بالايمان بخلاف حل نسائهم والله اعلم وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ عطف على الطيبات او مبتدا خبره محذوف يعنى حل لكم والجملة معطوفة على قوله وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وما بينهما اعتراض قال البغوي اختلفوا فى معنى المحصنات فذهب اكثر العلماء الى ان المراد منهن الحرائر وأجاز وإنكاح كل حرة مؤمنة كانت او كتابية فاجرة كانت او عفيفة وهو قول مجاهد وقال

هؤلاء لا يجوز نكاح الامة الكتابية لقوله تعالى فمما ملكت ايمانكم من فتياتكم المؤمنات جوز نكاح الامة بشرط الايمان وذهب قوم الى ان المراد من المحصنات العفائف من الفريقين حرائركن او إماء وأجازوا نكاح الامة الكتابية وحرم البغايا من المؤمنات والكتابيات وهو قول الحسن وقال الشعبي إحصان الكتابية ان تستعف من الزنا وتغتسل من الجنابة قلت وقول البغوي هذا مبنى على اعتبار المفهوم المخالف وهو غير معتبر عند ابى حنيفة رحمه الله ويقول بجواز نكاح الامة الكتابية الغير العفيفة ايضا لعموم قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم وعند الشافعي رح المفهوم وان كان معتبرا لكنه غير معتبر فى قوله تعالى والمحصنات من المؤمنات حيث يجوز نكاح الامة المؤمنة الفاجرة ولذلك قال البيضاوي تخصيصهن بعث على ما هو اولى وإذا لم يعتبر فيه المفهوم فلا وجه لاعتباره فى قوله تعالى والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب والله اعلم وعموم «1» هذه الاية يقتضى جواز نكاح الكتابية الحربية وعليه انعقد الإجماع وكان ابن عباس يقول لا يجوز نكاح الحربية والله اعلم وكان ابن عمر يمنع نكاح الكتابية مطلقا حرة كانت او امة ذمية او حربية لاندراجها فى المشركات قال الله تعالى قالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله وقال الله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن وفسّر ابن عمر المحصنات فى الآية بالمسلمات وهذا التفسير غير صحيح فان تفسير المحصنات بالمسلمات ليس من اللغة وقد انعقد الإجماع على حل نكاح الحرة الكتابية وانما الخلاف فى الامة الكتابية كما ذكرنا فى سورة النساء لكنه يكره نكاح الكتابية مطلقا اجماعا لاستلزام النكاح مصاحبة الكافرة وموالاتها وتعريض الولد على التخلق بأخلاق الكفار لاجل مصاحبة الام وموانستها قال ابن همام نكح حذيفة وطلحة وكعب بن مالك كتابيات فغضب عمر رضى الله عنه فقالوا انطلق يا امير المؤمنين وهذه القصة تدل على جواز النكاح حتى يترتب عليه الطلاق وعلى كراهته- (فائدة) روى الخلاف بين ابى حنيفة رحمه الله وصاحبيه رحمهما الله فى نكاح الصابيات جوزه ابو حنيفة رحمه الله زعما منه انهم يؤمنون بزبور داود عليه السلام فهم من اهل الكتاب وكذا من أمن بصحف ابراهيم وشيث عليهما السلام ولم يجوزه صاحباه زعما منهما انهم

_ (1) وعن عمر رضى الله عنه انه قال المسلم يتزوج النصرانية ولا يتزوج المسلمة نصرانى 12

يعبدون الكواكب فهم من المشركين قال فى الهداية وهذا الخلاف محمول على اشتباه مذهبهم فكل أجاب على ما وقع عنده ولا خلاف فى الحقيقة- (مسئلة:) قال فى المستصفى قالوا هذا يعنى الحل إذا لم يعتقد النصراني المسيح الها واما إذا اعتقده فلا وفى مبسوط شيخ الإسلام ويجب ان لا يؤكل ذبايح اهل الكتاب إذا اعتقدوا ان المسيح اله وان عزيرا اله ولا يتزوج نسائهم قيل وعليه الفتوى ولكن بالنظر الى الدلائل ينبغى ان يحل الاكل والتزوج انتهى كلامه قال ابن همام وهو موافق لما فى رضاع مبسوط شيخ الإسلام فى ذبحة النصراني انه حلال مطلقا سواء قال بثالث ثلثه اولا وموافق لاطلاق الكتاب هنا قلت الظاهر ان المراد باهل الكتاب فى الاية موحد وهم بدليل قوله تعالى لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن والقول بان حكم حرمة نكاح المشركة منسوخ فى حق اهل الكتاب خاصة بهذه الاية بعيد جدا إذ لا فرق بين شرك وشرك وقوله تعالى قالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصري المسيح ابن الله قد قيل ان القائل بذلك طائفتان من اليهود والنصارى انقرضوا كلهم قال ابن همام ويهود ديارنا مصرحون بالتنزيه عن ذلك والتوحيد واما النصارى فلم ار الا من يصرح بالابنية لعنهم الله وما ذكرنا من قول على رضى الله عنه فى منع أكل ذبيحة بنى تغلب ومناكحة نسائهم يؤيد ما قلنا والله اعلم إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ اى مهورهن وتقييد الحل بإتيانها لتاكيد وجوبها والحث على الاولى وقيل المراد بإتيانها التزامها وذلك بالنكاح فكانه قال إذا نكحتموهن مُحْصِنِينَ اى مريدين تحصين الفروج بالنكاح غَيْرَ مُسافِحِينَ اى غير مضيعين الماء بالزنا باى مزنية كانت بلا تعيين مزنية وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ صديقات معينات تزنون بهن والخدن يقع على الذكر والأنثى وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ اى بشرائع الإسلام فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ لان الايمان شرط لقبول الأعمال وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ قال ابن عباس خسر الثواب روى البخاري من طريق عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت سقطت قلادة لى بالبيداء ونحن داخلون المدينة فاناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل فثنى راسه فى حجرى راقداوا قبل ابو بكر فلكزنى لكزة «1» شديدة وقال حبست

_ (1) الكز الدفع بالكف 12 نهايه

[سورة المائدة (5) : آية 6]

الناس فى قلادة ثم ان النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ وحضرت الصبح فالتمس الماء فلم يوجد فنزلت. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ الاية فقال أسيد ابن حضير لقد بارك الله للناس فيكم يا ال ابى بكر وهذه الرواية مصرحة بان النازل فى قصة قلادة عائشة هذه الاية فى المائدة دون اية النساء ويعلم ان هذه الاية اسبق نزولا من اية النساء والا لما عاتب ابو بكر عائشة بقوله انها حبست الناس لا على ماء ولا ماء معهم وما شكرها أسيد بن حضير وروى الطبراني عنها نحوه وفيه فانزل الله رخصة التيمم فقال ابو بكر انك لمباركة ومعنى إذا قمتم الى الصلاة اى إذا أردتم القيام الى الصلاة كقوله تعالى وإذا قرأت القران فاستعذ بالله عبر عن ارادة الفعل بالفعل المسبب عنها للايجاز والتنبيه على ان من أراد العبادة فليبادر إليها بحيث لا ينفك الارادة عن الفعل وظاهر الاية يوجب الوضوء على كل قائم الى الصلاة وان لم يكن محدثا والإجماع على خلافه وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه صلى يوم الفتح الصلوات بوضوء واحد ومسح على خفيه وكان يتوضأ عند كل صلوة فقال له عمر لقد صنعت شيئا اليوم لم تكن تصنعه قال عمد اصنعته يا عمر رواه مسلم واصحاب السنن الاربعة من حديث بريدة فاختلف العلماء فى تاويل هذه الاية فقال بعضهم الأمر فيه للوجوب وكان ذلك اوّل الأمر ثم نسخ ويدل عليه حديث عبد الله بن حنظلة بن عامر غسيل الملائكة ان النبي صلى الله عليه وسلم امر بالوضوء عند كل صلوة طاهرا او غير طاهر فلما شق ذلك عليه امر بالسواك لكل صلوة رواه احمد وابو داود وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحهما والحاكم فى المستدرك وقال بعضهم الأمر للندب والإجماع منعقد على كون الوضوء مسنونا مندوبا عند كل صلوة وان كان المصلى طاهرا ويدل على كونه مسنونا حديث انس قال كان النبىّ صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلوة الحديث رواه النسائي وصححه ويدل على كونه مندوبا حديث ابن عمر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات رواه النسائي بإسناد ضعيف وقيل هذا الحكم وان كان مطلقا لفظا لكنه أريد به التقييد ومعناه إذا قمتم الى الصلاة محدثين يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله صلوة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ رواه الشيخان فى الصحيحين وابو داود والترمذي عن ابى هريرة وقال زيد بن اسلم

معنى الاية إذا قمتم الى الصلاة من النوم وقال بعضهم هذا اعلام من الله تعالى رسوله ان لا وضوء عليه الا إذا قام الى الصلاة دون غيرها من الأعمال فأذن له ان يفعل بعد الحدث ما شاء من الافعال غير الصلاة عن ابن عباس قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فرجع من الغائط فأتى بطعام فقيل له الا تتوضأ فقال أريد ان أصلي فاتوضأ رواه البغوي- (فائدة) الوضوء كان واجبا قبل نزول هذه الاية كما يدل عليه ما روى البخاري فى شأن نزول الاية من قصة فقد قلادة عائشة ولذا استعظموا نزولهم على غير ماء وقال ابن عبد البر معلوم عند جميع اهل المغازي انه صلى الله عليه وسلم لم يصل منذ فرضت الصلاة الا بوضوء وكان فرض الوضوء مع فرض الصلاة والحكمة فى نزول اية الوضوء مع ما تقدم من العمل ليكون فرضه متلوا بالتنزيل قلت ولتمهيد التيمم والله اعلم فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الغسل إمرار الماء عليه ولا يشترط فيه الدلك عند الائمة الثلاثة خلافا لمالك رح وهو محجوج بإطلاق الكتاب والوجه اسم لعضو معلوم مشتق من المواجهة وحده من منأبت الشعر الى منتهى الذقن طولا وما بين الأذنين عرضا فمن ترك غسل ما بين اللحية والاذن لم يجز وضوئه عند الائمة الثلاثة خلافا لمالك رحمه الله ويجب إيصال الماء الى ما تحت الحاجبين واهداب العينين والشارب واماما تحت اللحية فانكانت خفيفة يرى ما تحتها يجب غسله وان كانت كثيفة لا يرى البشرة من تحتها يسقط غسل البشرة فى الوضوء كما يسقط مسح الراس بالشعر النابت عليه- والدليل عليه اجماع الامة وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم انه صلى الله عليه وسلم كان يغسل وجهه بغرفة واحدة رواه البخاري من حديث ابن عباس وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كث اللحية ذكره القاضي عياض وقرر ذلك فى أحاديث جماعة من الصحابة بأسانيد صحيحة وفى مسلم من حديث جابر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير شعر اللحية قلت ولا يمكن إيصال الماء بغرفة واحدة الى تحت كل شعرة لمن كان كث اللحية ويجب غسل ظاهر اللحية كلها عوضا عن البشرة عند الجمهور كما فى مسح شعر الراس وبه قال ابو حنيفة رحمه الله فى رواية قال فى الظهيرية وعليه الفتوى وقال فى البدائع ان ما عدا هذه الرواية مرجوع عنه وفى رواية عنه يجب مسح ربع اللحية وفى رواية مسح ثلث اللحية وفى رواية لا يجب مسح اللحية ولا غسلها والحجة على وجوب غسل ظاهر اللحية كلها ان غسل البشرة

سقط بالإجماع وسند الإجماع اما فعل النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يغسل وجهه بغرفة واما القياس على سقوط مسح الراس بالشعر النابت عليه ولا شك ان مستند الإجماع نصا كان او قياسا يدل على ان غسل ما تحت اللحية انما سقط لقيام الشعر مقامه ووجوب غسله بدلا عنه اما القياس فلان حكم الأصل ليس الا سقوط مسح الراس الى بدل وهو وجوب مسح الشعر فلابد ان يكون سقوط وظيفة الوجه اعنى الغسل ايضا الى بدل وهو وجوب غسل ما يستره من اللحية كيلا يلزم مزية الفرع على الأصل واما الحديث فايضا يدل على انه صلى الله عليه وسلم كان يغسل وجهه بغرفة ولا شك انه كان يغسل اللحية فظهر ان الإجماع منعقد على قيام اللحية مقام الوجه وسقوط وظيفة الوجه الى بدل لا بلا بدل فثبت بذلك ان وظيفة الوجه وهو غسل تمامه ثابت فى بدله وهو اللحية والله اعلم- وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ اليد اسم لعضو معلوم من الأنامل الى الآباط ولما جعل المرافق غاية الغسل سقط ما ورائه اى العضد وبقي غسل المرافق واجبا عند الائمة الاربعة وجمهور العلماء وحكى عن الشعبي ومحمد بن جرير عدم وجوب غسل المرافق وبه قال زفر رحمه الله لان كلمة الى للغاية والغاية تكون خارجة عن حكم المغيا كما فى أتموا الصيام الى الليل او لان مذهب المحققين من علمآء العربية انها موضوعة لمطلق الغاية واما دخولها فى الحكم او خروجها فلا دلالة لها عليه وانما يعلم من خارج ولا دليل هاهنا فلا يدخل بالشك قلنا بل هاهنا دليل على كون الغاية داخلا فى حكم المغيا وهو الإجماع قال الشافعي رحمه الله فى الام لا اعلم مخالفا فى إيجاب دخول المرفقين فى الوضوء وما حكى عن الشعبي ومحمد بن جرير ان صح الرواية عنهما وكذا قول زفر رحمه الله لا يرفع اجماع من قبلهم ومن بعدهم ولم يثبت عن مالك رحمه الله خروج المرفقين صريحا وانما حكى عنه اشهب كلاما محتملا وسند الإجماع فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المبين لمجمل الكتاب روى الدارقطني بإسناد حسن من حديث عثمان فى الوضوء فغسل يديه الى المرفقين حتى مس أطراف العضدين وقال هكذا كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى ايضا من حديث جابر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه لكن اسناده ضعيف وروى البزار والطبراني من حديث وائل بن حجر مرفوعا وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفقين وروى الطحاوي والطبراني من حديث ثعلبة بن عباد

عن أبيه مرفوعا ثم يغسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه ولم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة انهم تركوا غسل المرافق والكعاب فى الوضوء وذلك دليل واضح لمعرفة معنى الكتاب ومن ثم قال بعض المفسرين الى هاهنا فى الموضعين بمعنى مع كما فى قوله تعالى ويزدكم قوة الى قوتكم وقوله تعالى ولا تأكلوا أموالهم الى أموالكم وقوله تعالى من انصارى الى الله اى مع الله وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ اختلف العلماء فى القدر الواجب من مسح الراس بهذه الاية فقال مالك واحمد رحمه الله يجب مسح جميع الراس لان الراس اسم لعضو معلوم والباء زائدة فاذا أمرنا بالمسح يجب استيعابها كما يجب استيعاب الوجه بالمسح فى التيمم ويدل عليه استيعابه صلى الله عليه وسلم روى عبد الله بن زيد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح راسه بيديه فاقبل بهما وأدبر بمقدم راسه ثم ذهب بهما الى قفاه ثم ردّهما الى المكان الذي بدأ منه متفق عليه وقال ابو حنيفة رحمه الله والشافعي رحمه الله الباء للالصاق لانه هو المعنى الحقيقي للباء اجمع عليه علماء العربية لا يصار عنه الا بدليل وهى تدخل على الوسائط غالبا والوسائط لا تقصد استيعابها ولذلك إذا دخلت على المحل دلت على ان الاستيعاب غير مراد ويدل على ذلك فعله صلى الله عليه وسلم عن المغيرة بن شعبة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته ومسح على الخفين والعمامة رواه مسلم وروى الشافعي رحمه الله عن عطاء مرسلا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فحسر العمامة ومسح مقدم راسه وهو مرسل اعتضد من وجه اخر روى موصولا أخرجه ابو داود من حديث انس وفى اسناده ابو معقل لا يعرف حاله واخرج سعيد بن منصور عن عثمان صفة الوضوء قال ومسح مقدم راسه وفيه خالد بن يزيد بن ابى مالك مختلف فيه قال الحافظ ابن حجر وصح عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الراس قاله ابن المنذر وغيره ولم يصح عن أحد من الصحابة انكار ذلك قاله ابن حزم وأحاديث الاستيعاب محمولة على الاستحباب لا ينفى عدم جواز الاكتفاء على البعض ولما ثبت ان مسح جميع الراس غير مراد فقال الشافعي رحمه الله فالمعنى وامسحوا بعض رءوسكم فالاية مطلق فيكفى من الرأس مسح شعرة او ثلث شعرات وقال ابو حنيفة رحمه الله بل الآية مجملة لان جميع الراس غير مراد بدلالة كلمة الباء وأحاديث المسح على مقدم الراس ولا مطلق البعض من الراس

اى بعض كان لان ذلك يحصل فى ضمن غسل الوجه ضرورة استيعاب الوجه وإذا كانت الآية مجملة التحق حديث المغيرة وما فى معناه بيانا لها فقلنا بوجوب مسح ربع الراس لان للراس اربعة جوانب مقدم الراس واحد منها وَأَرْجُلَكُمْ قرأ نافع وابن عامر والكسائي ويعقوب وحفص بالنصب معطوف على ايديكم بقرينة ضرب الغاية لقوله تعالى إِلَى الْكَعْبَيْنِ فان الغاية لا يضرب فى الممسوح كالراس وأعضاء التيمم انما يضرب للمغسولات وقرأ الباقون بالجر لاجل الجوار كما فى قوله تعالى انى أخاف عليكم عذاب يوم اليم بالجر فى اليم على الجوار مع انه صفة لعذاب وهو منصوب والقول بان جر الجوار أنكره اكثر النحاة ومن جوزه جوزه بشرط ان لا يتوسط حرف العطف وبشرط الا من من اللبس مدفوع إذا لا من من اللبس حاصل بذكر الغاية وانكار اكثر النحاة ممنوع وإنكاره مكابرة لوقوعه كثيرا فى القران وكلام البلغاء وذكر الامثلة يقتضى تطويلا لكن اختلف النحاة فى مجئ جر الجوار بتوسط حرف العطف فقيل لا يجئ لان العاطف يمنع التجاوز والحق انه يجوز بتوسط العاطف فان العاطف موضوع لتوكيد الوصل دون القطع قال ابن مالك وخالد الأزهري ان الواو يختص من بين سائر حروف العطف بأحد وعشرين حكما منها جواز جر الجوار فى المعطوف بها قلت ولو لم يكن على جواز جر الجوار بتوسط المعطوف بالواو دليل اخر فهذه الآية الدالة على وجوب غسل الرجلين بما ذكرنا من وجوه العطف على الأيدي وعدم جواز عطف الأرجل على الرؤوس وبما لحقه البيان من الأحاديث والإجماع كافية لاثبات جواز جر الجوار بتوسط الواو العاطفة والله اعلم وايضا المراد بالكعبين هو المرتفع من العظم عند ملتقى الساق والقدم كما سيجئ تحقيقه وفرضية مسح القدم الى الكعبين لم يقل به أحد وما قيل ان الكلام حينئذ يصير من قبيل ضربت زيدا وعمرا وأكرمت بكرا وخالدا على ارادة كون خالدا مضروبا عطفا على عمر الا مكرما باطل إذ لا قرينة هناك ولا مانع لعطف خالد على بكر والقول بان النصب مبنى على انه معطوف على محل الرؤوس او بنزع الخافض ساقط إذا الأصل فى المعرب العطف على اللفظ دون المحل وذكر الخافض ولا بد للعدول من الأصل وجه وقرينة وكذا لا يجوز القول بتقدير امسحوا فان تقدير الفعل الخاص لا يجوز من غير قرينة تدل على تعيينه ويشترط فى جميع تلك التأويلات الا من عن التباس المعنى المقصود بما يناقضه وكذا القول بان الواو بمعنى مع باطل لان المصاحبة فى اصل الفعل غير كافية فى المفعول معه

بل لا بد من المعية فى الزمان او المكان والمعية فى الزمان غير متصور فان الواجب اما الترتيب واما مطلق الفعل وبوجوب المسحين فى مكان واحد لم يقل أحد ولو فرض كونه معطوفا على الرءوس بتلك التوجيهات الركيكة فالباء الداخلة على الرءوس تدخل على الآلات غالبا وإذا تدخل على المحل لا يراد بها الاستيعاب تشبيها له بالآلة بل يكون للتبعيض ومن ثم ذهب اكثر الفقهاء الى فرضية مسح بعض الراس وتغير اسلوب الكلام فى المعطوف يقتضى ارادة الاستيعاب فى المعطوف والقائلون بمسح الرجلين لم يقل منهم أحد بفرضية استيعاب مسح الرجلين فوظيفة الأرجل الغسل وقالت الامامية وهو معطوف على رءوسكم وحقه الجر وللنصب ذكروا توجيهات ركيكة لنا ما روى ابن خزيمة وغيره من حديث عمرو بن عنبسة عنه صلى الله عليه وسلم مطولا فى فضل الوضوء وذكر فيه ثم يغسل قدميه كما امره الله تعالى فهذه الحديث يدل على ان الله تعالى انما امر بالغسل وقد تواتر النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى أحاديث غسل الرجلين رجال لا يمكن حصرهم ولا يحتمل تواطؤهم على الكذب ولم يرو عنه صلى الله عليه وسلم المسح أصلا واجمع عليه الصحابة ولم يثبت عن أحد منهم خلاف ذلك الا ما روى عن علىّ وابن عباس وانس وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك هكذا قال الحافظ ابن حجر عن على رضى الله عنه انه قرأ وأرجلكم قال عاد الى الغسل رواه سعيد بن منصور وابن المنذر وابن ابى حاتم وعن ابى عبد الرحمن السلمى قال قرأ الحسن والحسين وأرجلكم الى الكعبين فسمع على ذلك وكان يقضى بين الناس فقال وأرجلكم هذا من المقدم والمؤخر من الكلام أخرجه ابن جرير عن ابى عبد الرحمن وقال قال عبد الرحمن بن ابى ليلى اجمع اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على غسل القدمين رواه سعيد بن منصور واخرج ابن ابى شيبة عن الحكم قال مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين بغسل القدمين واخرج ابن جرير عن عطاء قال لم يجز أحد المسح على القدمين وادعى الطحاوي وابن حزم ان المسح منسوخ روى ابن جرير عن انس انه قال نزل القران بالمسح والسنة بالغسل وهذا القول يدل على ان ظاهر القران يدل على المسح لكن عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الغسل ولا يمكن ذلك الا ان يكون المراد بالقران هو الغسل او كان حكم القران منسوخا ولنا ايضا حديث عبد الله بن عمر قال تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

فى سفرة سافرناها فادركنا وقد راهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا قال فنادى بأعلى صوته ويل للاعقاب من النار متفق عليه وروى عن ابى هريرة انه مر بقوم يتوضأون فقال اسبغوا الوضوء فانى سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول ويل للاعقاب من النار متفق عليه وقد روى ويل للاعقاب من النار جابر وعايشة واحتجوا بما رواه اويس بن ابى اويس قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على نعليه ثم قام الى الصلاة ورواه ابو داود وقال على نعليه وقدميه قلنا معناه مسح على نعليه اللتين عمت على قدميه فمسح عليهما كما يمسح على الخفين فان قيل قد رواه هيثم عن يعلى وقال فيه توضأ ومسح على رجليه قلنا قال احمد لم يسمع هيثم من يعلى وقد كان يدلس فلعله سمع عن بعض السفهاء ثم أسقط من البين او يقال معناه مسح على رجليه وهما فى الخفين والكلام فى الكعبين كالكلام فى المرافق وقد مر والكعب هو المرتفع من العظم عند ملتقى الساق والقدم هو الذي يعرفه اهل اللغة دون معقد الشراك ويدل على هذا إيراد لفظ التثنية فقال الكعبين ولم يقل الى الكعاب لان انقسام الآحاد على الآحاد انما يتصور عند مقابلة الجمع بالجمع دون التثنية بالجمع وإذا لم يمكن الانقسام وجب ان يكون فى كل رجل كعبان ومعقد الشراك فى كل رجل واحد- (مسئلة:) يجزى المسح على الخفين عن غسل الرجلين عند الجمهور إذا لبسهما على طهارة كاملة فى الحضر والسفر خلافا لمالك رحمه الله فى الحضر واما السفر فالروايات الصحيحة عنه انه يجوز المسح ومنعت الامامية وابو بكر بن داود المسح على الخفين مطلقا قال بعض المفسرين قراءة النصب يوجب غسل الرجلين عطفا على الأيدي وقراءة الجر يوجب مسحهما عطفا على رءوسكم ويحمل تلك القراءة على حالة كونهما فى الخفين «1» والقراءتان بمنزلة

_ (1) يقال كلما دخلت على الأمير قبلت على رجليه وقد كان يقبل على رجليه ان كانتا مكشوفتين وعلى خفيه إن كانتا فى الخفين والقول بانه لم يجز ذكر الخفين وما دلت عليه قرينة ليس بمغنئ لان الآيتين او القراءتين إذا تعارضتا يجب الجمع بينهما ومن وجوه الجمع حملهما على الحالين ولا يشترط ذكر الحالين فى الكلام ولا قيام القرينة الا ترى انهم حملوا قراءة التشديد فى قوله تعالى ولا تقربوهن حتى يطهرن فيما إذا كان انقطاع الدم قبل العشرة وقراءة التخفيف على كون الانقطاع لتمام العشرة وكون لبس الخفين فى زمن النبىّ صلى الله عليه وسلم نادرا ممنوع 12 منه دام بركاته [.....]

الآيتين يجوز ان يحمل أحدهما على المعنى الحقيقي والاخرى على المعنى المجازى الا ترى ان التركيب والتقدير فى احدى القرائتين يغائر التركيب والتقدير فى الاخرى ولولا هذا التأويل فالحجة للجمهور ان حديث جواز المسح على الخفين متواتر بالمعنى يجوز به نسخ الكتاب صرّح جمع من الحفاظ بان المسح على الخفين متواتر وجمع بعضهم رواته فجاوز الثمانين منهم العشرة المبشرة وروى ابن ابى شيبة وغيره عن الحسن البصري حدثنى سبعون من الصحابة بالمسح على الخفين قال ابو حنيفة رحمه الله ما قلت بالمسح حتى جاءنى فيه مثل ضوء النهار وعنه أخاف الكفر على من لم ير المسح على الخفين وقال احمد ليس فى قلبى من المسح شىء فيه أربعون حديثا عن اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رفعوا وما وقفوا وذكر منها حديثين أحدهما حديث المغيرة بن شعبة قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فى سفر فقال يا مغيرة خذ الاداوة فاخذتها فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توارى عينى فقضى حاجته فصببت عليه فتوضأ وضوئه للصلوة ومسح على خفيه ثم صلى متفق عليه ولهذا الحديث طرق كثيرة روى عنه من نحو ستين طريقا وذكر ابن مندة منها خمسة وأربعين ثانيهما حديث جرير قال رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على الخفين قال ابراهيم وكان يعجبهم هذا الحديث لان اسلام جرير كان بعد نزول المائدة متفق عليه وقال ابن عبد البر المالكي لا اعلم روى عن أحد من الفقهاء إنكاره الا عن مالك مع ان الروايات الصحيحة عنه مصرحة بإثباته ولم يرو عن أحد من الصحابة إنكاره الا عن ابن عباس وعائشة وابى هريرة فاما ابن عباس وابو هريرة فقد جاء عنهما بالأسانيد الحسان خلاف ذلك وموافقة ساير الصحابة واما عائشة ففى صحيح مسلم عن شريح بن هانى قال سالت عائشة عن المسح على الخفين قالت عليك بابن ابى طالب فاساله فانه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسالناه فقال جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلثة ايّام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم رواه ابو داؤد والترمذي وابن حبان وروى الدارقطني عن عائشة اثبات المسح على الخفين وما قيل ان عليا عليه السلام قال ما أبالي مسحت على الخفين او على ظهر حمارى باطل لا اصل له وما قيل ان عائشة قالت لان اقطع الرجل بالموسى أحب الىّ من ان امسح

على الخفين باطل نص عليه الحفاظ. (مسئلة:) مدة المسح على الخفين للمسافر ثلثة ايام ولياليها وللمقيم يوم وليلة لحديث ابى بكر أرخص للمسافر ثلثة ايّام وللمقيم يوما وليلة إذا تطهر فلبس خفيه رواه الترمذي وصححه ورواه ابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والشافعي رحمه الله وابن ابى شيبة والبيهقي والدارقطني ونقل البيهقي ان الشافعي رحمه الله صححه وفى حديث المغيرة كما مرّ وفيه قلت يا رسول الله الا انزع خفيك قال دعهما فانى أدخلتهما وهما طاهرتان وثبت مدة المسح فى حديث على وصفوان بن عسال وعمرو بن الخطاب وعمرو بن ابى امية الضميري وابى هريرة وخزيمة بن ثابت ذكرها ابن الجوزي فى التحقيق وسردناها فى منار الاحكام فهى حجة على مالك حيث لا يوقت للمسافر ويمنع المقيم كما روى عنه (مسئلة:) ولا يشترط فى الوضوء الترتيب ولا الموالاة عند ابى حنيفة رحمه الله ويشترط الترتيب عند الائمة الثلاثة وكذا الموالاة عند مالك واحمد رحمه الله والقول القديم للشافعى رحمه الله لنا ان فى الاية ورد العطف بالواو وهى لمطلق الجمع دون الترتيب فهى لا تدل على الترتيب ولا على الموالاة وروى ان على بن ابى طالب قال ما أبالي باى أعضائي بدأت احتجوا بحديث ابى بن كعب وابن عمران رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بوضوء فتوضأ مرة مرة فقال هذا وضوء من لم يتوضأ لم يقبل الله له صلوة ثم توضأ مرتين مرتين فقال هذا وضوء من توضأ أعطاه الله كفلين من الاجر ثم توضأ ثلثا ثلثا فقال هذا وضوئي ووضوء المرسلين قبلى رواهما الدارقطني وجه الاحتجاج انه صلى الله عليه وسلم لا يخلو من انه توضأ مرتبا متواليا اولا لا جايز انه لم يرتب ولم يوال والا لافترض ترك الترتيب والموالاة ولم يقل به أحد فثبت انه رتب ووالى فثبت انه لا يقبل الله الصلاة الا بهما والجواب عنه بوجوه أحدها من حيث السند ان الحديثين ضعيفان فى حديث ابى بن كعب زيد بن ابى الجواري قال يحيى ليس بشئ وقال ابو ذرعة واهي الحديث وعبد الله بن عوادة قال يحيى ليس بشئ وقال البخاري منكر الحديث وفى حديث ابن عمر المسيب بن واضح ضعيف ثانيها من حيث المتن بالنقض وذلك بان يقال لو صح الاستدلال بهذا الحديث على وجوب الترتيب لوجب بهذا الحديث اما التيامن او عدمه والسواك او عدمه والاستنثار او عدمه لان فعله صلى الله عليه وسلم لا يخلو عن أحد الضدين من هذه الأمور وثالثها وهو الحلّ

ان المراد به الاكتفاء على مرة مرة ادنى مراتب الامتثال لا يقبل الله الصلاة الا به وقد يحتج على وجوب الترتيب بحديث عمرو بن عنبسة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما منكم أحد يقرب وضوئه ثم يمضمض ويستنشق ويستنثر إلا خرت خطايا فمه وخياشيمه مع الماء ثم يغسل وجهه إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء ثم يغسل يديه الى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أطراف أنامله مع الماء ثم يمسح راسه كما امره الله تعالى إلا خرت خطايا راسه من أطراف شعره مع الماء ثم يغسل قدميه الى الكعبين كما امره الله تعالى إلا خرت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء رواه مسلم وكذا روى عن ابى هريرة بلفظ ثم وهى للترتيب قلنا هذا الحديث حكاية عما يفعل المتوضي غالبا وبشارة له بالمغفرة ولا يدل على عدم جواز الصلاة عند فوات الترتيب بل لا يدل على عدم المغفرة عند فواته واحتجوا على وجوب الموالاة بان رجلا توضأ للصلوة فترك موضع ظفر على ظهر قدمه فابصر النبي صلى الله عليه وسلم فقال ارجع فاحسن وضوءك فرجع فتوضأ ثم صلى رواه من حديث عمر بن الخطاب واحمد وابو داود وغيرهما من حديث انس ولا حجة فيه لان معنى قوله صلى الله عليه وسلم احسن وضوءك اى أتمم وضوءك بغسل هذا الموضع ولا يدل على الأمر باعادة الوضوء فان قيل روى احمد حديث عمر بلفظ امره ان يعيد الوضوء قلنا فيه ابن لهيعة ضعيف وكذا ما روى عن بعض ازواج النبي صلى الله عليه وسلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلى وفى بعض ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصيها الماء فامره عليه السلام ان يعيد الوضوء ضعيف فيه بقية مدلس لا يصح حديثه ما لم يتابع عليه أحد ويدل على عدم اشتراط الموالاة ما رواه البخاري عن ميمونة فى صفة غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ثم تنحى عن مقامه فغسل قدميه وروى مالك عن نافع عن ابن عمر والشافعي رحمه الله فى الام عن مالك ان ابن عمر توضأ فى سوق المدينة فدعى الى جنازة وقد بقي من وضوئه فرض الرجلين فذهب معهم الى المصلّى ثم مسح على الخفين ويذكر عن ابن عمر غسل القدمين بعد ما جف وضوئه والله اعلم- (مسئلة:) ولا يشترط فى الوضوء النية عند ابى حنيفة رحمه الله ويشترط عند الائمة الثلاثة لانه عبادة بالإجماع وكل عبادة يشترط له النية بالنصوص والإجماع

قال الله تعالى وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين وقال عليه السلام انما الأعمال بالنيات قلنا الوضوء له اعتباران فباعتبار انه عبادة مكفرة للسيئات لا بد له من نية لما ذكرتم فان ثواب الأعمال انما هو بالنية وباعتبار انه مفتاح للصلوة وشرط من شروطها لا يشترط له النية كما لا يشترط لسائر شرائط الصلاة من ستر العورة وطهارة الاخباث وغيرها. (مسئلة:) لا يشترط للوضوء التسمية ولا المضمضة ولا الاستنشاق عند الجمهور وقال احمد كل ذلك واجب ركن للوضوء اما التسمية فلقوله صلى الله عليه وسلم لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه رواه احمد وجماعة من الائمة من حديث كثير بن زيد عن رميح بن عبد الرحمن بن ابى سعيد الخدري عن أبيه عن جده ورواه الترمذي وجماعة من حديث سعيد بن زيد من طريق عبد الرحمن بن حرملة عن ابى ثقال عن رباح عن جدته عن أبيها وروى احمد واصحاب السنن من حديث ابى هريرة من طريق يعقوب ابن سلمة عن أبيه عنه وفى بعض ألفاظه من توضأ وذكر اسم الله فانه طهر جسده كله ومن توضأ ولم يذكر اسم الله لم يطهر الا موضع الوضوء رواه الدارقطني عنه وعن ابن مسعود وابن عمر ولحديث عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم الى الوضوء فيسمى الله عز وجل رواه الترمذي وابن ابى شيبة وابن عدى وحديث خصيف قال توضأ رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسم فقال أعد وضوءك ثم توضأ ولم يسم فقال أعد وضوءك ثلث مرات ثم توضأ وسمى فقال الان خيرا أصبت وضوءك والجواب ان حديث خصيف موضوع لا اصل له وباقى الأحاديث كلها ضعاف قال ابو بكر الأثرم سمعت احمد بن حنبل يقول ليس فى هذا شىء يثبت وأحسنها حديث كثير بن زيد وكثير ضعيف وكذا عبد الرحمن بن حرملة قال ابو حاتم لا يحتج به ولينه البخاري وابو ثقال ورباح مجهولان وجدة رباح راوية هذا الحديث عن سعيد بن زيد لا يعرف اسمها ولا حالها وكذا قال ابو حاتم وابو ذرعة ويعقوب بن سلمة هو الليثي قال البخاري لا يعرف له سماع من أبيه ولا لابيه من ابى هريرة واما حديث عائشة ففى اسناده حارثة عن محمد وهو ضعيف قال الحافظ ابن حجر وفى الباب حديث على رواه ابن عدى وقال اسناده ليس بمستقيم وحديث انس رواه عبد الملك وهو شديد الضعف

وحديث ابن عمر وفيه ابو بكر الداهر وهو متروك وحديث ابن مسعود وفيه يحيى بن هاشم الشمشاد متروك وروى مرسلا عن ابان وهو مرسل ضعيف فالحاصل ليس فى الباب حديث صحيح ومن ثم قال احمد لا امره بالاعادة فارجوا ان يجزيه الوضوء لكن احمد يقدم الحديث الضعيف على القياس لا سيما هذه الأحاديث بالاجتماع والاعتضاد تدل على ان لها أصلا واستدلوا ايضا على وجوب البسملة بحديث ابى هريرة مرفوعا كل امر ذى بال لم يبدأ ببسم الله فهو اجزم قلنا هذا الحديث لا يدل على الوجوب والا لكان الحمد ايضا واجبا لورود الحديث فيه ايضا بمعناه ثم هذه الأحاديث معارض بحديث ابى جهيم قال اقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بيرجمل فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه حتى اقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد عليه متفق عليه فان هذا الحديث يدل على انه صلى الله عليه وسلم كره ان يذكر لفظ السلام وهو من اسماء الله تعالى على غير طهر فذكر الله تعالى بالتسمية قبل الوضوء اولى بالكراهة ولو سلمنا أحاديث الأمر بالتسمية فهى محمولة على الندب والمراد نفى الوضوء على وجه الكمال واما المضمضة والاستنشاق فدليل وجوبهما حديث عائشة رضى الله عنها وابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا بد منه او لا يتم الوضوء الا بهما وحديث ابى هريرة امر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمضمضة والاستنشاق روى الأحاديث الثلاثة الدارقطني والجواب ان حديث عائشة فيه سليمان بن موسى قال البخاري عنده مناكير وقال النسائي ليس بالقوى وحديث ابن عباس فيه جابر الجعفي كذبه أيوب السجستاني وزائدة وقال النسائي متروك واما حديث ابى هريرة فقال الدارقطني لم يسنده غير هدبة وداؤة بن المحبر عن حماد عن عمار بن ابى عمار عنه وغيرهما يرويه عن عمار مرسلا وأجاب ابن الجوزي بان هدبة ثقة اخرج عنه فى الصحيحين والرفع زيادة ومن الثقة مقبولة ثم المرسل ايضا حجة وقد يحتج على وجوب الاستنشاق بحديث ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخره من الماء ثم ليستنثر رواه مسلم وفى بعض طرقه فليجعل فى انفه ماء ثم ليستنثر متفق عليه قال ابن الجوزي قد روى نحوه عن عثمان بن عفان وسلمان بن قيس ومقدام بن معد يكرب

وروى احمد وابو داؤد والحاكم من حديث ابن عباس مرفوعا استنثروا مرتين بالغتين او ثلثا ولابى داؤد الطيالسي إذا توضأ أحدكم فليستنثر وليفعل ذلك مرتين او ثلثا واسناده حسن قلنا الأمر بالمضمضة والاستنشاق والاستنثار محمول على الاستحباب لا سيما عند اقترانه بالاستنثار الذي هو ليس بواجب اجماعا وقد روى عن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال من توضأ فليستنثر من فعل فقد احسن ومن لا فلا حرج ثم على اصل ابى حنيفة رحمه الله الأحاديث التي تدل على وجوب التسمية او المضمضة او الاستنشاق او غير ذلك فى الوضوء لو فرضنا صحتها لا يجوز بها الزيادة على الكتاب لان الزيادة على الكتاب عنده فى حكم النسخ لان مقتضى الآية صحة الصلاة عند الاقتصار على الأركان الاربعة ولا يجوز نسخ الكتاب بحديث الآحاد فلا يجوز الزيادة على الكتاب بحديث الآحاد والله اعلم- (فصل) وسنن الوضوء النية والبداية بغسل اليدين الى الرسغين ثلثا والمضمضة والاستنشاق والاستنثار ثلثا ثلثا وتثليث غسل المغسولات ومسح كل الراس مرة والترتيب والموالاة لحديث عبد الله بن زيد قيل له توضأ لنا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا باناء فاكفأ منه على يديه فغسلهما ثلثا فمضمض واستنشق من كف واحدة ففعل ذلك ثلثا فغسل وجهه ثلثا فغسل يديه الى المرفقين مرتين مرتين فمسح برأسه فاقبل بيديه وأدبر ثم غسل رجليه الى الكعبين ثم قال هكذا كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه وفى رواية فمضمض واستنشق واستنثر ثلثا بثلث غرفات وفى حديث على تمضمض ثلاثا واستنشق ثلثا وغسل وجهه ثلثا وذراعيه ثلثا ومسح برأسه مرة ثم غسل قدميه الى الكعبين ثم قام فاخذ فضل طهوره فشرب وهو قائم ثم قال أحببت ان أريكم كيف كان طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الترمذي والنسائي قال الدارقطني لم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه توضأ وضوء لم يدع فيه أحدا من هذه الثلاثة يعنى النية والترتيب والموالاة وقال الشافعي رحمه الله فى أحد قوليه واحمد رحمه الله ان السنة مسح الراس ثلثا وقد صح من حديث عثمان وعلى وعبد الله بن زيد وسلمة ابن الأكوع وانس ومعاذ بن جبل وبراء بن عازب وعبد الله بن عمرو ابن عبّاس انه

مسح راسه مرة احتجوا بحديث عثمان انه صلى الله عليه وسلم توضأ ثلثا ثلثا رواه البخاري وحديث على مثله رواه الترمذي قلنا قوله توضأ ثلثا يعود الى تثليث ما يحصل به الوضاءة وهو الغسل قال ابو داؤد أحاديث عثمان الصحاح كلها تدل على ان مسح الراس مرة واحدة وما ورد فى بعض ألفاظ حديث على توضأ ومسح برأسه واذنيه ثلثا فنحمله على تثليث إمرار اليد من غير أخذ ماء جديد لكل مرة جمعا بين الأحاديث وحينئذ يعد المسح مرة واحدة كما ورد فى حديث عبد الله بن زيد مسح راسه بيديه فاقبل بهما وأدبر بمقدم راسه ثم ذهب بهما الى قفاه ثم ردهما الى المكان الذي بدأ منه والله اعلم- ومنها مسح الأذنين لحديث ابى امامة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الأذنان من الراس وكان يمسح راسه مرة............ وكان يمسح الماقين رواه احمد واصحاب السنن والحديث يدل على المواظبة وحديث مقدام بن معد يكرب مرفوعا توضأ فادخل إصبعيه فى حجرى اذنيه رواه النسائي وابن ماجة وحديث على توضأ ومسح برأسه واذنيه ثلثا وقال هكذا كان وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فان قيل ليس فى كثير من الأحاديث ذكر الأذنين قلنا إذا ثبت المواظبة بحديث ابى امامة وعلى فعدم ذكر غيرهما لا ينتهض دليلا على النفي ولعل من لم يذكر مسح الأذنين اكتفى بذكر مسح الرأس بناء على قوله صلى الله عليه وسلم الأذنان من الراس ومنها تخليل اللحية لحديث عثمان ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته رواه الترمذي وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم وابن حبان وفى الباب حديث ابن عمر رواه ابن ماجة والدارقطني والبيهقي وصححه ابن السكن ومنها ان يدلك عارضيه بعض الدلك لحديث ابن عمر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عرك عارضيه بعض العرك رواه ابن ماجة والدارقطني وصححه ابن السكن والحديث حسن- (فصل) ويستحب البداية بالتسمية لما ذكرنا من الأحاديث وحملناه على الندب والتيامن وكان القياس كونها سنة ولم يقل العلماء بسنيته لان مواظبته صلى الله عليه وسلم كان على سبيل العادة دون العبادة لحديث عايشة قالت كان النبىّ صلى الله عليه وسلم يحب التيامن ما استطاع فى شانه كله فى طهوره وترجله وتنعّله متفق عليه وقال عليه السّلام إذا توضأوا فابدءوا بميامنكم رواه احمد وابو داود

وغيرهما وإذا فرغ من الوضوء يستحب ان يقول اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلنى من التوابين واجعلنى من المتطهرين- روى مسلم من حديث عقبة بن عامر عن عمر من توضأ فقال اشهد ان لا اله الا الله الى قوله رسوله فتحت له أبواب الجنة يدخلها من ايها شاء ورواه الترمذي من وجه اخر وزاد فيه اللهم اجعلنى إلخ او يقول سبحانك الله وبحمدك اشهد ان لا اله الّا أنت استغفرك وأتوب إليك ويصلى ركعتين رواه ابن ماجة من حديث انس والنسائي والحاكم من حديث ابى سعيد بلفظ من توضأ فقال سبحانك إلخ كتب فى رق ثم طبع بطابع فلم يكسر الى يوم القيامة وصحح النسائي الموقوف والمرفوع ضعيف لكن الموقوف له حكم الرفع- (مسئلة) السواك سنة مؤكدة فى نفسه روى البخاري من حديث انس مرفوعا أكثرت عليكم فى السواك ومسلم من حديث عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته يبدأ بالسواك والطبراني والبيهقي من حديث امّ سلمة ما زال جبرئيل يوصينى بالسواك حتى خشيت ان يدردنى «1» وورد نحوه من حديث سهل بن سعد وابى امامة وجبير بن مطعم وابى الطفيل وابن عبّاس والمطلب وعائشة وانس فى كتب الحديث وهذا يدل على كمال المواظبة خصوصا للمستيقظ فانه صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من النوم استاك متفق عليه ويستحب السواك عند كل صلوة قال عليه السلام لولا ان أشق على أمتي لامرتهم بالسواك عند كل صلوة رواه مسلم وابو داود وعن عائشة مرفوعا فضل الصلاة التي يستاك بها على الصلاة التي لا يستاك بها سبعين ضعفا رواه احمد وابن خزيمة والحاكم وغيره وليست السواك من سنن الوضوء لانه روى عن عثمان وعلى وعبد الله ابن زيد وغيرهم فى صفة الوضوء أحاديث كثيرة لم يرو عنهم السواك كما روى المضمضة والاستنشاق والله اعلم وَإِنْ كُنْتُمْ وقت قيامكم الى الصلاة جُنُباً قد مر تفسيره فى سورة النساء فَاطَّهَّرُوا امر بالمبالغة فى التطهير فيجب غسل سائر البدن ويجب المضمضة والاستنشاق ايضا امتثالا للمبالغة بالتطهير فان باطن الفم والخيشوم ظاهر البدن من وجه إذا انفتح وباطنه إذا انضم فالحقنا فى الغسل

_ (1) الادراد إسقاط الأسنان 12

بالظاهر رعاية للمبالغة وقال مالك والشافعي رحمهما الله هما سنتان فى الغسل ايضا كما فى الوضوء لحديث أم سلمة قالت قلت يا رسول الله انى امراة أشد ضفر راسى فانقضه لغسل «1» الجنابة قال لا انما يكفيك ان تحثى على راسك ثلث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين رواه مسلم قلنا انها سالت عن كيفية غسل الراس هل ينقض شعرها أم لا فورد جوابها من غير تعرض للمضمضة والاستنشاق نفيا ولا اثباتا فلا حجة فيه- (مسئلة:) ويجب ايضا إيصال الماء فى الغسل الى اصول شعر الراس على الرجل والمرأة وكذا غسل باطن اللحية خلافا لمالك والشافعي رحمهما الله فى رواية له القياس على الوضوء وجه الفرق عندنا الأمر بالمبالغة فى التطهير فى الغسل دون الوضوء وقوله صلى الله عليه وسلم انقوا البشر وحديث على سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء فعل الله به كذا وكذا من النار قال على فمن ثم عاديت شعرى رواه ابو داؤد وابن ماجة واسناده صحيح وما قيل الصواب وقفه قلنا الرفع زيادة والزيادة من الثقة مقبولة ثم الموقوف فى الباب له حكم الرفع لان عذاب الاخرة لا يدرك بالرأي وعن ابى ايّوب مرفوعا أداء الامانة غسل الجنابة فان تحت كل شعرة جنابة رواه ابن ماجه واسناده ضعيف وفى الصحيحين عن عائشة فى صفة غسله صلى الله عليه وسلم ثم يدخل أصابعه فى الماء فيخلل بها اصول شعره وعن عائشة ان اسماء سالت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض فذكر الحديث وفيه فيدلك دلكا شديدا حتى يبلغ شؤن راسها رواه مسلم وفى الباب حديث ابى ذر إذا وجدت الماء فامسس بشرتك رواه احمد- (مسئلة:) ولا يجب الدلك عند الجمهور خلافا لمالك رحمه الله لنا قوله تعالى

_ (1) اخرج ابن ابى شيبة عن ابن عمر قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتاه رجل جيد الثياب طيب الريح حسن الوجه فقال يا رسول الله ما الإسلام قال تقيم الصلاة وتوتى الزكوة وتصوم رمضان وتحج البيت وتغتسل من الجنابة قال صدقت واخرج عبد بن حميد عن وهب الزمارى قال مكتوب فى الزبور من اغتسل من الجنابة فانه عبدى حقا ومن لم يغتسل من الجنابة فانه عدوى حقا 12 منه

حتى تغتسلوا والاغتسال اسالة الماء والدلك امر خارج من مفهومه وحديث جبير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم امّا انا فاخذ ملأ كفى من الماء فاصب على راسى ثم أفيض بعد على سائر جسدى متفق عليه وليس فى شىء من أحاديث الغسل ما يدل على وجوب الدلك- (مسئلة:) ولا يجب على المرأة نقض الظفائر وغسل فروع الشعر اجماعا واما على الرجل فنقض الظفائر وغسل فروع الشعر من الرأس واللحية واجب بالإجماع وكان القياس وجوب غسل فروع الشعر بنقض الظفائر على الفريقين نظرا للامر بالمبالغة فى التطهير لكن سقط غسل فروع الشعر عن المرأة للحرج اللازم لها دونه كما دل عليه حديث أم سلمة المذكور وروى مسلم عن عبيد بن عمير قال بلغت عائشة ان عبد الله بن عمر يأمر النساء إذا اغتسلن ان ينقضين رؤسهن قالت أفلا يأمرهن ان يحلقن رؤسهن لقد كنت اغتسل انا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من اناء واحد فما أزيد على ان افرغ على راسى ثلث فرغات ولم يسقط غسل فروع الشعر للرجال عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وانقوا البشر رواه ابو داود والترمذي وابن ماجة والبيهقي لكنه ضعيف مداره على الحارث بن دحية وهو ضعيف جدا قال الدارقطني انما يروى هذا عن مالك بن دينار مرسلا وكذا رواه سعيد بن منصور عن هشيم عن يونس عن الحسن مرسلا وقال ابن الجوزي انما يروى هذا من قول ابى هريرة فهو مرسل صحيح وحديث موقوف صحيح والحديث المتصل المرفوع ضعيف والمرسل حجة لا سيما عند الاعتضاد بالمسند والأثر- (فصل) والسنة فى الغسل النية والموالاة وان يتوضأ الا رجليه ثم يفيض الماء على بدنه ثم يغسل رجليه لا فى المستنقع اما النية فالخلاف فيه كما فى الوضوء وقد مر واما الموالاة فلمواظبته عليه السلام واما باقى السنن فلحديث ميمونة قالت وضعت للنبىّ صلى الله عليه وسلم غسلا فاغتسل من الجنابة فاكفأ الإناء بشماله على يمينه فغسل كفيه ثلثا ثم أفاض على فرجه ثم مضمض واستنشق وغسل وجهه ثلثا وذراعيه ثلثا ثم أفاض على راسه ثلثا ثم أفاض على سائر جسده الماء ثم تنحى فغسل رجليه متفق عليه وعن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم

إذا غسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم توضأ كما يتوضأ للصلوة ثم يدخل أصابعه فى الماء فيخلل بها اصول شعره ثم يفيض الماء على جلده كله متفق عليه- (فائدة) وازالة النجاسة الحقيقية عن بدنه انكانت فواجبة ولذا لم تذكر من سنن الغسل كما لم تذكر الاستنجاء من سنن الوضوء وتثليث غسل سائر البدن لم يظهر لى عليه دليل والله اعلم وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ قد مر تفسيره فى سورة النساء زاد الله تعالى فى هذه السورة قوله مِنْهُ اى من الصعيد قال البغوي فيه دليل على انه يجب مسح الوجه واليدين بالصعيد وهو التراب قلت هذا مبنى على ان كلمة من للتبعيض ومن هاهنا قال ابو يوسف وغيره لا يجوز التيمم على شىء من جلس الأرض بلا نقع عليه وعن محمد رح روايتان قلنا المحققون من اهل العربية على ان أصلها لابتداء الغاية وكونها للتبعيض او البيان موقوف على القرينة قال المحقق التفتازانيّ وهو من الشافعية ذهب بعض الفقهاء يعنى من الشافعية ان من اصل وضعها للتبعيض دفعا للاشتراك وهذا ليس بسديد لاطباق ائمة اللغة على انها حقيقة فى ابتداء الغاية انتهى كلامه قلت ومعنى التبعيض هاهنا لا يصح لان ضابطة التبعيض جواز وضع لفظ البعض موضعها وذالا يتصور لان المسح إمرار اليد فمعنى قوله تعالى فامسحوا بوجوهكم الاية امرروا ايديكم ملصقا بوجوهكم وايديكم وهذا كلام تام لا يستدعى مفعولا به اخر حتى تجعل بعض الأرض مفعولا به فان قيل قال صاحب الكشاف قولهم انها لابتداء الغاية تعسف ولا يفهم أحد من العرب من قول القائل مسحت برأسي من الدهن او من الماء او من التراب الا معنى التبعيض قلنا فى الامثلة التي ذكر صاحب الكشاف انما يفهم التبعيض بالقرينة العقلية لا من كلمة من فان إمرار اليد ملصقا بالرأس مبتديا امراره عن الدهن او الماء او التراب يقتضى عند العقل تلطخ اليد ببعض هذه الأشياء لا باللفظ واما لو قيل مسحت برأسي من الصخرة لا يفهم منه معنى التبعيض البتة بل يفهم معنى الابتداء كما لا يخفى وإذا ثبت ان من لابتداء الغاية ثبت جواز التيمم على الصخرة بلا نقع والله اعلم ما يُرِيدُ اللَّهُ بالأمر بالوضوء والغسل والتيمم لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ من ضيق وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ

[سورة المائدة (5) : آية 7]

من الأحداث ومن الذنوب كما روينا من حديث عمرو بن عنبسة قوله صلى الله عليه وسلم ما منكم أحد يقرب وضوئه ثم يمضمض ويستنشق إلا خرت خطايا فمه وخياشيمه مع الماء الحديث وروى البغوي عن عثمان انه توضأ ثلثا ثلثا ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من توضأ وضوئي هذا خرجت خطايا من وجهه ويديه ورجليه وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ بشرعية ما هو مطهر لا بد انكم ومكفر لذنوبكم ومفتاح لصلوتكم التي هو معراج لكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تمام النعمة دخول الجنة والفوز من النار رواه احمد وابن ابى شيبة والترمذي من حديث معاذ بن جبل وعن ابى هريرة قال انى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من اثار الوضوء فمن استطاع منكم ان يطيل غرّته فليفعل رواه البخاري واللام فى المواضع الثلاثة مزيدة وان بعدها مقدرة والمصدر مفعول به ليريد وضعّف البيضاوي هذا التأويل مع كونه اظهر أخذا من عبارة الكافية حيث قال يقدر ان بعد لام كى ولام الجحود وقال البيضاوي ان لا يقدر بعد المزيدة وقد صرح الرضى وصاحب الكشاف بالتقدير فى أمثاله مع كونها زائدة وفى التسهيل ويظهر ان ويضمر بعد لام الجر الغير الجحودية وقال البيضاوي فى تاويل الاية ان مفعول يريد فى الموضعين محذوف واللام للعلة والمعنى ما يريد الله الأمر بالطهارة تضييقا عليكم ولكن يريد الأمر المذكور ليطهركم وليتم نعمته عليكم ولا شك ان بعد ورود الأمر بيان علة ارادة الأمر دون الأمر مستبعد جدا والله اعلم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نعمته. وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بإرسال الرسول وإنزال الكتاب والتوفيق للاسلام وسائر النعم ليذكركم المنعم ويرغبكم فى شكره عز وجلّ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ الذي اخذه على المسلمين حين بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فى العسر واليسر والمنشط والمكره أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت او ميثاق ليلة العقبة الذي اخذه من الأنصار رواه البخاري وغيره او ميثاق بيعة الرضوان فى الحديبية كما نطق به القران وقال مجاهد ومقاتل يعنى الميثاق الذي أخذ على العلمين حين أخرجهم من صلبادم

[سورة المائدة (5) : آية 8]

عليه السّلام إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا بيان للميثاق وَاتَّقُوا اللَّهَ فى نسيان العامة ونقض ميثاقه إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ من خطراتكم من الخير والشر فضلا عن ظواهر أعمالكم فيه وعد ووعيد والله اعلم. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ على أنفسكم واحبتكم بِالْقِسْطِ بالعدل والصدق وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا جرم يجرم بمعنى كسب كاجترم يقال جرم لاهله كذا فى القاموس وعدى بعلى بتضمين فعل يتعدى به كانه قيل ولا يحملنكم شدة بغضكم لقوم مشركين على ترك العدل فيهم فتعتدوا عليهم بكسب ما لا يحل لكم منهم كالمثلة والقذف وقتل النساء ونقض العهد تشفيا لما فى قلوبكم على مقتضى اهوائكم اعْدِلُوا امر بالعدل وهو ضد الجور بعد النهى عن تركه تأكيدا هُوَ اى العدل أَقْرَبُ لِلتَّقْوى اى اقرب الى التقوى من غيره فان التقوى عبارة عن وقاية نفسه وقواه الظاهرة والباطنة عن إتيان ما كره الله فى الدنيا حتى يكون ذلك وقاية لنفسه عن عذاب الله وسخطه فى الاخرة ومرجع العدل والجور الى حقوق الناس ورعاية حقوق الناس أهم وادخل فى التقوى ولذلك قال هو اقرب للتقوى وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما امر ونهى إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ فيجازيكم به فيه وعد ووعيد وتكرير هذا الحكم اما لاختلاف السبب كما قيل الاولى نزلت فى المشركين وهذه فى اليهود او لمزيد الاهتمام بالعدل والمبالغة فى اطفاء نائرة العقب. وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ الجملة فى موضع المفعول الثاني من وعد لان الوعد نوع من القول فيقع على الجملة او هى مستانفة والمفعول الثاني لوعد محذوف يدل عليه هذه الجملة وجاز ان يكون الصالحات ثانى مفعولى وعد اى وعد المثوبات الصالحات ومفعول عملوا محذوف لظهور ان اعمال المؤمن انما هو ما آمن بحسنه. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ يعنى لا يفارقونها هذا من قبيل عطف المعمولين على المعمولين السابقين على تقدير كون جملة لهم مغفرة فى موضع النصب على المفعولية والمعنى وعد الله المؤمنين بهذا القول والكافرين بهذا القول وجاز ان يكون الموصول مبتدأ خبره أولئك اصحاب الجحيم

[سورة المائدة (5) : آية 11]

والجملة معطوفة على الجملة الاسمية السابقة وكلاهما مفعول ثان لوعد يعنى ان الله وعد المؤمنين بمغفرتهم وإهلاك أعدائهم وجاز ان يكون الذين كفروا معطوفا على الذين أمنوا وموعودهم محذوف يدل عليه أولئك اصحب الجحيم على تقدير حذف مفعول وعد فى الاول وجعل جملة لهم مغفرة مستانفة دليلا على المحذوف ويجوز ان يكون هذا كلاما مستانفا والواو للاستيناف ومن عادته سبحانه ذكر حال أحد الفريقين بعد ذكر الفريق الاخر لا تمام مقام الدعوة والله اعلم- قال البغوي قال مجاهد وعكرمة والكلبي وابن بشار عن رجاله انه بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمر والساعدي وهو أحد نقباء ليلة العقبة فى ثلثين ركبا من المهاجرين والأنصار الى بنى عامر بن صعصعة فخرجوا ولقوا عامر بن الطفيل على بيرمعونة وهى من مياه بنى عامر واقتتلوا فقتل المنذر وأصحابه الا ثلثة نفر كانوا فى طلب ضالة لهم أحدهم عمرو بن امية الضميري فلم يرعهم الا والطير تحوم فى السماء يسقط من بين خراطيمها علق الدم فقال أحد النفر قتل أصحابنا ثم تولى يشتد حتى لقى رجلا فاختلفا ضربتين فلما خالطته الضربة رفع راسه الى السماء وفتح عينيه وقال الله اكبر الجنة ورب العلمين ورجع صاحباه فلقيا رجلين من بنى سليم وبين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قومهما موادعة فانتسبا لهما ال بنى عامر فقتلاهما وقدم قومهما الى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون الدية فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وابو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة وعبد الرحمن بن عوف حتى دخلوا على كعب ابن الأشرف وبنى النضير يستعينهم فى عقلهما وكانوا عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم على ترك القتال وعلى ان يعينوا فى الديات فقالوا نعم يا أبا القاسم قد ان لك ان تأتينا وتسالنا حاجة اجلس حتى نطعمك ونعطيك ما تسالنا فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلا بعضهم ببعض فقالوا انكم لم تجدوا محمدا اقرب منه الان فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا فقال عمرو بن جحش انا فجاء الى رحا عظيمة ليطرحها عليه فامسك الله أيديهم وجاء جبرئيل وأخبره فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا الى المدينة ثم دعا عليّا وقال لا تبرح مقامك فمن خرج عليك من أصحابي فسألك عنى فقل توجه الى المدينة ففعل ذلك على حتى تناثلوا اليه ثم اتبعوه فانزل الله تعالى. يا أَيُّهَا الَّذِينَ

آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ الآية ذكر القصة بطولها ابن إسحاق وابن عمرو وابن سعد وذكروا فيها ان سلام بن مشكم نهاهم عن ذلك وقال لئن فعلتم ليخبرن بانا قد غدرنا به وان هذا نقض للعهد الذي بيننا وبينه فلا تفعلوا واخرج ابن جرير عن عكرمة ويزيد بن زياد ونحوه عن عبد الله بن ابى بكر وعاصم بن عمر بن قتادة ومجاهد وعبد الله بن كثير وابى مالك ان النبي صلى الله عليه وسلم خرج ومعه ابو بكر الحديث كما ذكر البغوي ولم يذكر قصة قتل المنذر أصحابه واخرج ابو نعيم فى الدلائل عن ابن عباس وابن إسحاق والبيهقي فى الدلائل عن يزيد بن رومان والذي فى روايتهم ان المقتولين عبدان الا انهما كانا مسلمين واخرج ابن جرير عن قتادة قال ذكر لنا ان هذه الاية نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن نخل فى الغزوة السابعة فاراد بنو ثعلبة وبنو محارب ان «1» يفتكوا به وبأصحابه إذا اشتغلوا بالصلوة فاطلعه الله تعالى على ذلك وانزل صلوة الخوف واخرج ابو نعيم فى دلائل النبوة من طريق الحسن عن جابر بن عبد الله ان رجلا من محارب يقال له الغويرث بن الحارث قال لقومه اقتل لكم محمدا فاقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس وسيفه فى حجره فقال يا محمد انظر الى سيفك هذا قال نعم فاخذه فاستله فجعل يهزه ويهم به فيكبته «2» الله تعالى فقال يا محمد اما تخافنى قال لا قال اما تخافنى والسيف فى يدى قال لا يمنعنى الله منك ثم غمد السيف ورده الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فانزل الله تعالى هذه الاية وذكر هذه الرواية عن الحسن وقال كان النبىّ صلى الله عليه وسلم حينئذ محاصر غطفان بنخل واخرج ابن جرير وابن ابى حاتم من طريق العوفى عن ابن عباس فى هذه الاية ان قوما من اليهود صنعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولاصحابه طعاما ليقتلوه فاوحى الله عز وجل بشانهم فلم يأت الطعام وامر أصحابه فلم يأتوه واخرج الشيخان من حديث جابر نحو هذه القصة وليس عندهما ذكر نزول الاية واخرج البيهقي فى الدلائل عن قتادة انها نزلت فى قوم من العرب أرادوا ان يفتكوا بالنبي صلى الله عليه وسلم فارسلوا اليه الاعرابى يعنى الذي جاءه وهو نائم فى بعض المنازل فاخذ سلاحه وقال من

_ (1) الفتك ان يأتى الرجل صاحبه وهو غافل فيقتل 12 نهايه (2) اى يذله الله ويصرفه عنه 12

[سورة المائدة (5) : آية 12]

يحوله بينى وبينك فقال له الله فشام السيف ولم يعاقبه إِذْ هَمَّ قَوْمٌ الظرف متعلق بنعمة ومفعول هم قوله أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ بالقتل والإهلاك يقال بسط اليه يده إذا بطش وبسط اليه لسانه إذا شتم فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ اى منع ورد مضرتها عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ فانه الكافي لا يصال الخير ودفع الشر. وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ حين انزل عليهم التورية بعد الفراغ من امر فرعون وقد مرّ قصة أخذ الميثاق فى سورة البقرة حيث قال وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً والمراد به رئيس كل سبط يكون شاهدا ينقب عن احوال قومه ويفتش عنها ويكفل عنهم بالوفاء بما أمروا به ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر على حسب امر نبيهم ونهيه وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ يعنى ما دمتم مريدين الوفاء بالميثاق معية بلا كيف يوجب التوفيق لامتثال الأوامر والانتهاء عن المناهي وشرح الصدر والاطمينان وتم الكلام للابتداء بالشرط الداخل عليه اللام الموطّئة للقسم فى قوله تعالى لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي اى بموسى ومن يأتي بعده مصدقا لما جاء به موسى من غير تفريق بين أحد منهم وَعَزَّرْتُمُوهُمْ اى عظمتموهم وقويتموهم ونصرتموهم فى القاموس العزر اللوم والتفخيم والتعظيم ضد والاعانة والتقوية والنصر وفى الصحاح التعزير النصرة مع التعظيم وأصله الذب والرد وفى النصرة رد الأعداء وسمى الزاجر ما دون الحد تعزيرا لان فيه منعه عن شنائع الأعمال ودفع الشنائع عنه والله اعلم وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ بالإنفاق فى سبيل الخير وقيل هو كل حسنة وجاز ان يكون معناه أقرضتم عباد الله بحذف المضاف او أقرضتم الناس لله قَرْضاً حَسَناً يحتمل المصدر والمفعول والقرض الحسن ما يكون بلا منّ وعجب ورياء وغير ذلك مما يبطل العمل لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ جواب للقسم سادّ مسدّ جواب الشرط وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ اى بعد ذلك الميثاق والوعد المؤكد المعلق بالوفاء فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ اضافة الصفة الى الموصوف يعنى ضل سبيلا مستويا واخطأ

[سورة المائدة (5) : آية 13]

طريق الحق والمراد به ضلالا بينا لا شبهة فيه ولا عذر معه يدل عليه التعبير عن المستقبل بالماضي وتأكيده بقد بخلاف من كفر قبل ذلك فانه يحتمل ان يكون له شبهة ويتوهم له معذرة. فَبِما نَقْضِهِمْ ما زائدة أفاد التفخيم مِيثاقَهُمْ حيث كذب النصارى محمدا صلى الله عليه وسلم واليهود إياه وعيسى وغيرهما من الأنبياء ونبذوا كتب الله وضيعوا فرائضه لَعَنَّاهُمْ قال عطاء بعد ناهم عن رحمتنا وقال الحسن ومقاتل مسخناهم وقيل معناه ضربنا عليهم الجزية وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً غليظة لا تلين بذكر الله ولا تنفعل بالآيات والنذر من القسوة بمعنى غلظ القلب وأصله من حجر قاس كذا فى الصحاح وهو المراد بما فسر ابن عباس باليابسة قرأ حمزة والكسائي قسية بتشديد الياء من غير الف قال البغوي هما لغتان كالزاكية والزكية ومعناهما واحد وقال البيضاوي وهى اما مبالغة قاسية او بمعنى ردية من قولهم درهم قسى إذا كان مغشوشا قلت وهو ايضا من القسوة بمعنى الغلظ فان المغشوش فيه يبس وصلابة وقيل معناه ان قلوبهم ليست بخالصة للايمان بل ايمانهم مشوب بالكفر والنفاق كالدرهم المغشوش يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ يعنى كلمات الله التي فى التورية عَنْ مَواضِعِهِ قيل هو تبديل نعت النبي صلى الله عليه وسلم وقيل تحريفهم بسوء التأويل والجملة مستأنفة لبيان قسوة قلوبهم فان تحريف كلام الله والافتراء عليه مقتضى كمال القسوة وجاز ان يكون حالا من مفعول لعناهم لا عن القلوب إذ لا ضمير وَنَسُوا تركوا حَظًّا نصيبا وافيا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فى التورية وعلى لسان الأنبياء من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم او المعنى تركوا حظهم مما انزل إليهم لان حظ ابائهم كان اتباع موسى عليه السلام وحظ هؤلاء الموجودين فى زمان النبي صلى الله عليه وسلم كان اتباع محمد صلى الله عليه وسلم فلم ينالوه ذكر التحريف بلفظ المضارع والنسيان بلفظ الماضي لان الاول مترتب على الثاني فى الوجود وقيل معناه انهم حرفوا فنسو بشوم التحريف علوما كانوا يحفظونها مما ذكروا به روى احمد بن حنبل فى الزهد عن ابن مسعود لا حسب الرجل ينسى العلم كان يعلمها بالخطية يعملها وتلا هذه الاية وَلا تَزالُ يا محمّد تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ الخائنة فاعلة بمعنى المصدر كالكاذبة واللاعنة يعنى على خيانة او هى بمعناها والمعنى

[سورة المائدة (5) : آية 14]

فرقة خائنة او نفس خائنة او فعلة ذات خيانة او معناه خائن والهاء للمبالغة مِنْهُمْ الضمير عائد الى بنى إسرائيل أجمعين الموجودين فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأسلافهم والاطلاع أعم منه بالمشاهدة او بالأخبار يعنى ان الخيانة والغدر من عادتهم وعادة أسلافهم لا تزال ترى ذلك منهم كان أسلافهم يخولون الرسل الماضين وهؤلاء يخونونك وكانت خيانة هؤلاء نقض ما عهدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ومظاهرتهم المشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهمهم بقتله وسمّه ونحو ذلك إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ لم يخونوا وهم الصالحون من امة موسى وعيسى عليهما السّلام والذين أمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد مبعثه وقيل الاستثناء من قوله وجعلنا قلوبهم قاسية وهذا ليس بسديد لان جعل قلوبهم قاسية متفرع على نقضهم ميثاقهم ونقض الميثاق يستلزم القساوة البتة فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ اى اعرض عنهم ولا تتعرض ولا تواخذهم بما اذوك ولا تعامل معهم الا ما أمرك الله به والعفو عما فعلوا فى شانه صلى الله عليه وسلم لا ينافى القتال بامر الله تعالى وقيل معناه اعف واصفح عنهم ان تابوا وأمنوا او عاهدوا والتزموا الجزية وقيل هذا الحكم منسوخ باية السيف إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ تعليل للامر بالصفح وحث عليه وتنبيه على ان العفو عن الكافر الخائن احسان فضلا عن العفو عن غيره. وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ الجار والمجرور متعلق باخذنا وهو معطوف على قوله تعالى ولقد أخذ الله ميثاق بنى إسرائيل وضمير ميثاقهم اما راجع الى الموصول يعنى وأخذنا من النصارى فى الإنجيل وعلى لسان عيسى عليه السّلام ميثاق النصارى بامتثال ما أمروا فى الإنجيل مصدقا لما بين يديه من التورية ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه احمد واما راجع الى بنى إسرائيل المذكورين من قبل يعنى أخذنا من النصارى ميثاق من ذكر قبلهم من قوم موسى اى ميثاقا مثل ميثاقهم قال الحسن فيه دليل على انهم نصارى بتسميتهم أنفسهم لا بتسمية الله تعالى والاولى ان يقال انه تعالى انما لم يقل ومن النصارى أخذنا ميثاقهم ليدل على انهم يسمّون أنفسهم بذلك ادّعاء لنصرة الله تعالى وليسوا كذلك وليس هذا الا للتعريض على الموجودين فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا على أسلافهم فان منهم من كانوا أنصار الله تعالى

[سورة المائدة (5) : آية 15]

على الحقيقة وأخذ الميثاق على هؤلاء الموجودين انما كان تبعا لاخذ الميثاق على ابائهم فَنَسُوا يعنى اكثر هؤلاء الموجودين وبعض من قبلهم حَظًّا اى حظا وافيا او حظهم مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فى الإنجيل فكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم بعد البشارة بمبعثه واتبعوا اهوائهم قبل ذلك فافترقوا فرقا منهم الملكائية والنسطورية واليعقوبية قال بعضهم ان الله ثالث ثلثة وبعضهم عيسى ابن الله وبعضهم ان الله هو المسيح فَأَغْرَيْنا يعنى الصقنا والزمنا من غرى الشيء إذا لصق به ولزمه بَيْنَهُمُ قال مجاهد وقتادة يعنى بين اليهود والنصارى وقال الربيع بين فرق النصارى وهو الأظهر الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ لاجل اختلاف اهوائهم فى الدين إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بالجزاء والعقاب فى الاخرة بِما كانُوا يَصْنَعُونَ فى الدنيا من الكفر والمعاصي وترك الاقتداء بالكتب السماوية التي مآلها واحد والله اعلم اخرج ابن جرير عن عكرمة قال ان نبى الله صلى الله عليه وسلم أتاه اليهود يسالونه عن الرجم فقال أيكم اعلم فاشاروا الى ابن صوريا فناشده بالذي انزل التورية على موسى والذي رفع الطور بالمواثيق الذي أخذت عليهم فقال انه لما كثر الزنا فينا جلدنا مائة وحلقنا الرؤوس فحكم عليهم بالرجم فانزل الله تعالى. يا أَهْلَ الْكِتابِ الى قوله صراط مستقيم والمراد باهل الكتاب اليهود والنصارى ووحد الكتاب لانه للجنس قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا محمد صلى الله عليه وسلم يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ اى التورية والإنجيل مثل اية الرجم ونعت محمد صلى الله عليه وسلم فى التورية وبشارة عيسى بأحمد فى الإنجيل وَيَعْفُوا اى يعرض عَنْ كَثِيرٍ مما يخفونه لا يخبر به إذا لم يتوقف عليه امر دينى او عن كثير منكم فلا يؤاخذ بجرمه قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ يعنى محمد صلى الله عليه وسلم او الإسلام وَكِتابٌ مُبِينٌ للاحكام او بين الاعجاز وهو القران وجاز ان يكون العطف تفسيريا وسمى محمدا صلى الله عليه وسلم والقران نورا لكونهما كاشفين لظلمات الكفر. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ وحد الضمير لان المراد بهما اما واحد او كواحد فى الحكم مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ اى رضاه بالايمان منهم سُبُلَ السَّلامِ اى طرق السلامة من عذاب الله وقيل السلام هو الله تعالى وسبله شرائعه الموصلة اليه وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ

[سورة المائدة (5) : آية 17]

الظُّلُماتِ اى ظلمات الكفر إِلَى النُّورِ نور الايمان بِإِذْنِهِ بإرادته وتوفيقه وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ اى طريق موصل الى الله تعالى البتة وهو الإسلام. لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ والقائلون بهذا القول اليعقوبية من النصارى فانهم قائلون بالاتحاد وقيل لم يصرح به أحد ولكن لما زعموا ان فيه لاهوتا وقالوا لا اله الّا واحد لزمهم ان يكون هو المسيح فنسب إليهم لازم قولهم توضيحا لجهلهم وتفضيحا لمعتقدهم قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ اى يقدر ان يدفع مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يعنى ان المسيح وامه عبدان مخلوقان من جنس سائر الممكنات فان عطف من فى الأرض عليهما يفيد انهما من جنسهم متصفان بالحدوث واماراته من الابنيّة والامومية قابلان للهلاك والغناء مقدوران لله تعالى وحده إنشاء الله تعالى هلاكهما لا يستطيعان دفع الهلاك عن أنفسهما كسائر الممكنات وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ بغير مادة سبقت عليه كالسموات والأرض او من مادة من غير جنسه كما خلق آدم من الطين او من ذكر وحده كما خلق حواء من آدم او من أنثى وحدها كما خلق عيسى بن مريم او من ذكر وأنثى كاكثر الحيوانات وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من الاحياء والاماتة فكيف يتصور اتحاد من ذلك شانه وظهر احتياجه وإمكانه بمن هذا سلطانه وعزّ برهانه روى ابن إسحاق عن ابن عباس قال اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن احيى وبحرى بن عمرو وشاس بن عدى فكلموه وكلمهم ودعاهم الى الله وحذرهم نقمته فقالوا ما تخوفنا يا محمد نحن والله أبناء الله واحباؤه كقول النصارى فانزل الله تعالى. وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ الاية قيل أرادوا ان الله تعالى كالاب لنا فى الحنو والعطف ونحن كالابناء له فى القرب والمنزلة وقال ابراهيم النخعي ان اليهود وجدوا فى التورية يا أبناء احبارى فبدّلوا يا أبناء ابكارى فمن ذلك قالوا نحن أبناء الله وقيل معناه نحن أبناء رسل الله وقيل أرادوا انهم أشياع ابنيه عزير والمسيح كما قال لاشياع ابى الجنيب عبد الله بن الزبير الجنيبيون قُلْ يا محمد ان صح ما زعمتم فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ فان الأب

[سورة المائدة (5) : آية 19]

لا يعذب ولده والحبيب حبيبه وقد عذبكم الله فى الدنيا بالقتل والاسر والمسح وأنتم مقرون انه سيعذبكم بالنار أياما معدودات فليس الأمر كما زعمتم بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ كسائر بنى آدم يحزون بالاساءة والإحسان يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ ما دون الكفر فضلا وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ مدلا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما كلها سواء فى المملوكية والمخلوقية والمملوكية تنافى البنوة فيه تنبيه على نفى بنوة عزير وعيسى وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ لكل مخلوق فيجازى على حسب اعماله فيه وعد ووعيد روى ابن إسحاق عن ابن عباس قال دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودا الى الإسلام ورغبهم فيه فقال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة يا معشر يهود اتقوا الله فو الله انكم لتعلمون انه رسول الله لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه لنا بصفته فقال رافع بن حريملة ووهب بن يهود اما قلنا لكم هذا وما انزل الله من كتاب بعد موسى ولا أرسل بشرا بعده فانزل الله تعالى. يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا محمد صلى الله عليه وسلم يُبَيِّنُ لَكُمْ اعلام الهدى وشرائع الدين وحذف لظهوره او ما كتمتم وحذف لتقدم ذكره ويجوز ان لا يقدر مفعول والمعنى يبذل لكم البيان والجملة فى موضع الحال اى جاءكم رسولنا مبينا لكم عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ متعلق بجاء اى جاءكم على حين فتور من المرسلين وانقطاع من الوحى او حال من الضمير فى يبين أَنْ تَقُولُوا يعنى كراهة ان تقولوا او لئلا تقولوا معتذرين ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ يعنى فلا تعتذروا فقد جاءكم بشير ونذير وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على الإرسال تترى كما فعل بين موسى وعيسى وكان بينهما الف وسبعمائة او خمسمائة سنة والف نبى اخرج ابن سعد والزبير بن بكار وابن عساكر عن الكلبي انه كان بين موسى بن عمران ومريم بنت عمران أم عيسى الف وسبعمائة سنة وليسا من سبط واحد واخرج الحاكم عن ابن عبّاس بلفظ بين موسى وعيسى الف وخمسمائة سنة واخرج ابن ابى حاتم عن الأعمش قال كان بين موسى وعيسى الف نبى ويقدر على الإرسال على فترة كما فعل بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم وكان بينهما ستمائة سنة أخرجه ابن عساكر وابن ابى حاتم عن قتادة او خمسمائة وستون سنة أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير من طريق

[سورة المائدة (5) : آية 20]

معمر عن قتادة ولم يكن بعد عيسى رسول سوى رسولنا صلى الله عليه وسلم وفى الاية امتنان عليهم بان بعث إليهم حين انطمست اثار الوحى وكانوا أحوج ما يكونون اليه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انا اولى الناس بعيسى بن مريم فى الاولى والاخرة الأنبياء اخوة من علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد وليس بيننا نبى متفق عليه. وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ بنى إسرائيل يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ فارشدكم وشرفكم بهم ولم يبعث فى امة ما بعث فى بنى إسرائيل من الأنبياء وَجَعَلَكُمْ اى جعل منكم او فيكم مُلُوكاً وقد تكاثر فيهم الملوك بعد فرعون حتى قتلوا يحيى وهمّوا بقتل عيسى عليهما السلام وقال ابن عباس أراد بالملوك اصحاب خدم وحشم قال قتادة كانوا اوّل من ملك الخدم ولم يكن لمن قبلهم خدم وروى ابن ابى حاتم عن ابى سعيد الخدري رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان بنو إسرائيل إذا كان لاحدهم خادم وامرأة ودابة يكتب ملكا وله شاهد من مرسل زيد بن اسلم وقال عبد الرحمن الحبلى سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص وسأله رجل فقال السنا من فقراء المهاجرين فقال له عبد الله ألك امرأة تأوي إليها قال نعم قال ألك مسكن تسكنه قال نعم قال فانت من الأغنياء قال فان لى خادما قال فانت من الملوك وقال السدى معناه وجعلكم أحرارا تملكون امر أنفسكم بعد ما كنتم فى أيدي القبط يستعبدونكم وقال الضحاك كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية فمن كان مسكنه واسعا فيها ماء جار فهو ملك وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ فى زمانهم لشرف صحبة الأنبياء من مراتب القرب عند الله مع الرفعة فى الدنيا والكرامات مثل فلق البحر وإنزال انواع الرجز على أعدائهم دونهم. يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ قال مجاهد هى الطور وما حوله وقال الضحاك ايليا وبيت المقدس وقال عكرمة والسدى هى أريحا وقال الكلبي هى دمشق وفلسطين وبعض الأردن وقال قتادة هى الشام كلها وقال كعب وجدت فى كتاب الله المنزل ان الشام كنز الله من ارضه وبها كنز من عباده سميت بالمقدسة لانها مقر الأنبياء ومسكن المؤمنين الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ اى كتب وفرض عليكم دخولها كما كتب الصوم والصّلوة كذا قال قتادة والسدى وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ الى مصر او الى خلاف ما أمركم الله جبتا فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ثواب الدارين يجوز فى

فتنقلبوا الجزم على العطف والنصب على الجواب وقيل معنى كتب الله فى اللوح المحفوظ انها يكون مسكنا لكم ولا بد على هذا التأويل ان يقيد بشرط مقدر وهو ان أمنتم وأطعتم لقوله تعالى بعد ما عصوا انها محرمة عليهم وجاز ان يكون ضمير لكم عائدا الى بنى إسرائيل بالنسبة الى بعضهم يعنى المطيعين وضمير محرمة عليهم بالنسبة الى بعض اخر يعنى العاصين او يقال التحريم مقيد بأربعين سنة ثم يكون مسكنا لهم وقال ابن إسحاق معنى كتب الله لكم وهب الله لكم وجعلها لكم قال الكلبي صعد ابراهيم جبل لبنان فقال له انظر فما أدركه بصرك فهو مقدس وهو ميراث لذريتك قال البغوي ان الله عز وجل وعد موسى ان يورثه وقومه الأرض المقدسة وهى الشام وكان يسكنها الكنعانيون الجبارون فلما استقرت لبنى إسرائيل الديار بمصر يعنى بعد الفراغ من امر فرعون أمرهم الله بالمصير الى أريحا من ارض الشام وهى الأرض المقدسة وكانت بها الف قرية فى كل قرية الف بستان قلت لعل المراد بالألف الكثرة جدا دون العدد والله اعلم وقال الله تعالى يا موسى انى كتبتها لكم دارا وقرارا فاخرج إليها وجاهد من فيها من العدو فانى ناصرك عليهم وخذ من قومك اثنا عشر نقيبا من كل سبط نقيبا يكون كفيلا على قومه بالوفاء منهم على ما أمروا به فاختار موسى النقباء وسار ببني إسرائيل حتى إذا قربوا من أريحا بعث هؤلاء النقباء يتجسسون له الاخبار ويعلمون علمها فلقيهم رجل من الجبارين يقال له عوج بن عنق وكان طوله ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلثة وثلثون ذراعا وثلث ذراع وكان يحتجر بالسحاب ويشرب منه ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه يعنى بالشمس يرفعه إليها ثم يأكله ويروى ان الماء طبق على ما على الأرض من جبل وما جاوز من ركبتى عوج وعاش ثلثة آلاف سنة حتى أهلكه الله على يدى موسى وذلك ان جاء وقور «1» صخرة من الجبل على قدر عسكر موسى عليه السّلام وكان فرسخا فى فرسخ وحملها ليطبقها عليهم فبعث الله الهدهد فنقر الصخرة بمنقاره فوقعت فى عنقه فصرعته فاقبل موسى عليه السّلام وهو مصروع فقتله وكانت امه عنق احدى بنات آدم عليه السّلام وكان مجلسها جريبا من الأرض قال فلما لقى عوج النقباء وعلى راسه حزمة حطب أخذ الاثني عشر وجعلهم فى حجزته وانطلق بهم الى امرأته

_ (1) وقور فعول من الوقر بمعنى الثقل 12

[سورة المائدة (5) : آية 22]

وقال انظري الى هؤلاء الذين يزعمون انهم يريدون قتالنا وطرحهم بين يديها وقال الا اطحنهم برجلي فقالت امرأته لا بل خلّ عنهم حتى يخبروا قومهم بما راوا ففعل ذلك وروى انه جعلهم فى كمه واتى بهم الى الملك فنشرهم بين يديه فقال الملك ارجعوا فاخبروهم بما رايتم وكان لا يحمل عنقودا من عنبهم إلا خمسة انفس منهم فى خشبة ويدخل فى شطر الرمانة إذا نزع حبها خمسة انفس قلت كذا ذكر البغوي فى عوج بن عنق وفيه مبالغات لا يقبلها العقل وينكرها المحدثون غير انه أعظم جثة وأقوى قوة من الجبارين وكانوا اجراما عظيمة اولى بأس شديد فلما رجع النقباء الى موسى واخبروه بما عاينوا قال لهم موسى اكتموا شانهم ولا تخبروا به أحدا من اهل العسكر فيفشلوا فاخبر كل رجل منهم قريبه وابن عمه الا رجلان وفيا بما قال لهم موسى أحدهما يوشع بن نون بن افرائيم بن يوسف فتى موسى والاخر كالب بن يوقنا ختن موسى على أخته مريم بنت عمران وكان من سبط يهود افعمت جماعة بنى إسرائيل ذلك ورفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا يا ليتنا متنا بمصر وليتنا نموت ولا يدخلنا الله ارضهم فتكون نساءنا وأولادنا وأثقالنا غنيمة لهم وجعل الرجل يقول لصاحبه تعال نجعل علينا راسا وننصرف الى مصر. قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها اى فى تلك الأرض قَوْماً جَبَّارِينَ الجبار فعال من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه وهو العالي الذي يجبر الناس على ما يريد وقال البغوي الجبار المتعظم الممتنع عن القهر بحيث لا يتاتى مقاومته يقال نخلة جبارة إذا كانت طويلة ممتنعة عن وصول الأيدي إليها قلت كان امتناعهم اما بطولهم وقوة أجسادهم كما يدل عليه القصة او لكثرة جنودهم وأموالهم وآلات الحرب معهم قال البغوي كانوا من العمالقة وبقية قوم عاد وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ إذ لا طاقة لنا بهم فلما قال بنو إسرائيل ذلك وهموا بالانصراف الى معه وخر موسى وهارون ساجدين وخرق كالب ويوشع ثيابهما وهما الذين اخبر الله تعالى عنهما فى قوله. قالَ رَجُلانِ يعنى كالب ويوشع مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ الله تعالى ويتقونه وقيل كانا رجلين من الجبابرة أسلما وصارا الى موسى فعلى هذا الواو لبنى إسرائيل والراجع الى الموصول محذوف اى من الذين يخافهم بنو إسرائيل ويشهده قراءة سعيد ابن جبير يخافون بضم الياء أخرجه ابن جرير عنه والحاكم وصححه عن ابن عباس

[سورة المائدة (5) : آية 24]

أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالايمان والتثبت صفة ثانية لرجلين او اعتراض ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ باب قريتهم اى باغتوا وضاغطوهم فى المضيق وامنعوهم عن الخروج الى الصحارى فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ 5 لتعذر الكر عليهم فى المضايق ولان الله منجز وعده وانا رايناهم فكانت أجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ به مصدقين بوعده قال البغوي فاراد بنو إسرائيل ان يرجموهما بالحجارة وغضبوهما و. قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً نفوا دخولهم على التأكيد والتأبيد وقوله ما دامُوا فِيها بدل من ابدا بدل البعض فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ قيل قالوا ذلك استهانة بالله ورسوله وعدم مبالاة بهما وهذا مستبعد جدا لانه يستلزم الكفر فلا يتصور بعد ذلك مصاحبة موسى وقد كانوا فى مصاحبته ونزل عليهم المن والسلوى وظلل عليهم الغمام وانفجرت من الحجر عيونا لشربهم فالمعنى اذهب أنت وربك يعينك والله اعلم عن ابن مسعود قال شهدت من المقداد بن اسود مشهد الان أكون صاحبه لاحب الى مما عدل به اتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعوه على المشركين قال لا نقول كما قال قوم موسى اذهب أنت وربك فقاتلا ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك فرايت النبىّ صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسره رواه البخاري وغيره فلما فعلت بنو إسرائيل ما فعلت من مخالفة امر الله ورسوله وهموا بيوشع وكالب غضب موسى ودعا عليهم. قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي يعنى وأخي لا يملك الا نفسه فاخى اما منصوب عطفا على اسم ان او مرفوع عطفا على الضمير المرفوع فى املك او مبتدأ خبره محذوف يعنى كذلك وجاز ان يكون معناه لا يطيعنى الا نفسى وأخي وحينئذ أخي اما منصوب عطفا على نفسى او مجرور عند الكوفيين عطفا على ياء المتكلم فى نفسى والحصر إضافي بالنسبة الى القوم العاصين اخرج الكلام شكاية عنهم ولا يلزم منه عدم إطاعة الرجلين يوشع وكالب فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ بان تحكم لكل ما يستحقه من المدح والثواب والذم والعقاب او المعنى فافرق بالتبعيد بيننا وبينهم وتخليصنا من صحبتهم. قالَ الله تعالى فَإِنَّها اى الأرض المقدسة مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ تحريم منع لا تحريم تعبد يعنى انها ممنوعة منهم لا يدخلونها ولا يسكنونها بسبب

عصيانهم أَرْبَعِينَ سَنَةً الظاهر انه متعلق بقوله محرمة فيكون التحريم موقتا غير موبد ولا يكون مخالفا لظاهر قوله تعالى التي كتب الله لكم على تاويل كتب الله فى اللوح المحفوظ كونها مسكنا لكم ويؤيد ذلك ما روى ان موسى فتح أريحا بمن بقي من بنى إسرائيل وكان يوشع على مقدمته وقاتل الجبابرة واقام موسى فيها ما شاء الله ثم قبض كما سيجئ قصته ولا يعلم قبره أحد قال البغوي وهذا أصح الأقاويل لاتفاق العلماء ان عوج بن عنق قتله موسى قلت ولقوله تعالى وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض الى قوله تعالى اهبطوا مصرا فان لكم ما سالتم فانه يدل على ان موسى كان حيا حين اهبطوا مصرا بعد خروجهم من التيه وذلك يعد أربعين سنة وقيل الظرف متعلق بما بعده يعنى يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ اى يسيرون فيها يتحيرون لا يرون الطريق فيكون التحريم حينئذ مطلقا ولم يدخل الأرض المقدسة أحد ممن قال لا ندخلها بل هلكوا فى التيه كلهم وانما قاتل الجبابرة أولادهم مع يوشع لما هلكوا كلهم وانقضت أربعون سنة ونشات النواشي من ذراريهم ولم يسر إليهم يوشع الا بعد موت موسى ومات موسى وهارون عليهما السلام فى التيه كذا اخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن ابن عباس قال البغوي على هذه الرواية فلما مات موسى وانقضت الأربعون سنة بعث الله يوشع نبيا فامرهم ان الله تعالى قد امر بقتال الجبابرة فصدقوه وبايعوه فتوجه بنوا إسرائيل الى أريحا ومعه تابوت الميثاق فاحاط بمدينة أريحا ستة أشهر فلما كان السابع نفخوا فى القرن وضجّ «1» الشغب ضجة واحدة فسقط سور المدينة ودخلوا فقاتلوا الجبارين فهزموهم وهجموا عليهم يقتلونهم وكانت العصابة من بنى إسرائيل يجتمعون على عنق رجل يضربونها لا يقطعونها فكان القتال يوم الجمعة فبقيت منه بقية وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت فقال اللهم اردد الشمس علىّ وقال للشمس انك فى طاعة الله وانا فى طاعته فسال الشمس ان تقف حتى ينتقم من اعداء الله قبل دخول السبت فردت عليه الشمس وزيد فى النهار ساعة حتى قتلهم أجمعين روى احمد فى مسنده مرفوعا ان الشمس لم تحبس على بشر الا ليوشع ليالى سار الى بيت المقدس قال البغوي وتتبع

_ (1) الضجع الضياح عند المكروه والمشقة والجزع والشغب بسكون الغين تهيج الشر والفتنة والخصام 12 نهاية

ملوك الشام فقتل منهم واحد او ثلثين ملكا حتى غلب على جميع ارض الشام وفرق العمال فى نواحيها وجمع الغنائم فلم تنزل النار فاوحى الله الى يوشع ان فيها غلولا فمرهم فليبايعوك فبايعوه فالتصق يد رجل منهم بيده فقال هلم ما عندك فاتاه برأس ثور من ذهب مكلل بالجواهر واليواقيت كان قد غله فجعله فى القربان وجعل الرجل معه فجاءت النار فاكلت الرجل والقربان ثم مات يوشع ودفن فى جبل افرائيم وكان عمره مائة وستا وعشرين سنة وتدبيره امر بنى إسرائيل بعد موسى ستا وعشرين سنة فَلا تَأْسَ اى لا تحزن عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ خاطب به موسى لما ندم على الدعاء عليهم وبين انهم احقّاء بذلك لفسقهم روى انهم لبثوا أربعين سنة فى ستة فراسخ وكانوا يسيرون كل يوم جادين فاذا امسوا كانوا فى الموضع الذي ارتحلوا عنه كذا اخرج ابن جرير وابو الشيخ فى العظمة عن وهب بن منبه بدون ستة فراسخ قال البغوي كانوا ستمائة الف مقاتل قيل ان موسى وهارون لم يكونا فيهم والأصح انهما كانا فيهم ولم يكن لهما عقوبة بل كان روحا لهما وزيادة لدرجتهما وانما كانت العقوبة لهؤلاء القوم وكان الغمام يظللهم من الشمس فى التيه قدر خمسة فراسخ او ستة كذا اخرج ابن جرير عن الربيع ابن انس وكان يطلع بالليل عمود من النور فيضئ لهم وكان طعامهم المن والسلوى ومائهم من الحجر الذي يحملونه حتى انقضت مدة التيه وأمروا بان يهبطوا مصرا ثم قاتل موسى الجبابرة وفتح أريحا وأمروا ان يدخلوا الباب سجّدا وقولوا حطّة (قصّة وفات هارون عليه الصلاة والسلام) قال السدى اوحى الله الى موسى انى متوفى هارون عليه السلام فآت به جبل كذا وكذا فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل فاذا هما بشجرة لم ير مثلها وإذا بيت مبنى وفيه سرير عليه فرش وإذا فيه ريح طيبة فلما نظر هارون الى ذلك أعجبه قال يا موسى انى أحب ان أنام على هذا السرير قال فنم عليه فقال انى أخاف ان يأتي رب هذا البيت فيغضب على قال موسى لا ترهب انى أكفيك رب هذا البيت قال يا موسى فنم أنت معى فان جاء رب البيت غضب علىّ وعليك جميعا فلما ناما أخذ هارون عليه السلام الموت فلما وجد معه قال يا موسى خذ عينى فلما قبض رفع البيت وذهب تلك الشجرة ورفع السرير الى السماء فلما رجع موسى الى بنى اسراءيل وليس معه هارون قالوا ان موسى قتل هارون وحسده لحب بنى إسرائيل له فقال موسى ويحكم كان

أخي أفترونني اقتله فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا الله تعالى ونزل السرير حتى نظروا اليه بين السماء والأرض فصدقوه وعن على بن ابى طالب رضى الله عنه قال صعد موسى وهارون عليهما السلام الجبل فمات هارون فقالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام أنت قتلته فآذوه فامر الله تعالى الملئكة فحملته حتى مروا به على بنى إسرائيل فكلمت الملائكة بموته حتى عرف بنوا إسرائيل انه قد مات فبراه الله مما قالوا ثم ان الملائكة حملوه ودفنوه فلم يطلع على موضع قبره الا الرخم فجعله الله أصم ابكم وقال عمرو بن ميمون مات هارون وموسى عليهما السّلام فى التيه مات هارون قبل موسى وكانا قد خرجا الى بعض الكهوف فمات هارون ودفنه موسى وانصرف الى بنى إسرائيل فقالوا قتلته لحبنا إياه وكان محبا فى بنى إسرائيل فتضرع موسى عليه السلام الى ربه عز وجل فاوحى الله اليه انطلق بهم الى قبره فنادى يا هارون فخرج من قبره ينفض راسه فقال انا قتلتك قال لا ولكنى مت قال فعد الى مضجعك وانصرفوا- (قصّة وفات موسى عليه السّلام) قال ابن إسحاق كان صفى الله موسى يكره الموت فاراد الله ان يحبب اليه الموت فنبأ يوشع بن نون فكان يغدو ويروح عليه فيقول له موسى يا نبى الله ما أحدث الله إليك فيقول له يوشع يا نبى الله الم أصحبك كذا وكذا سنة فهل كنت اسألك عن شىء ما أحدث إليك حتى تكون أنت الذي تبتدى به وتذكره ولا يذكر له شيئا فلما رأى موسى ذلك كره الحيوة وحبب الموت وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ملك الموت الى موسى فقال له أجب ربك قال فلطم موسى عليه السّلام عين ملك الموت ففقأها قال فرجع الملك الى الله سبحانه وتعالى فقال انك أرسلتني الى عبد لك لا يريد الموت وقد فقأ عينى قال فرد الله اليه عينه وقال ارجع الى عبدى فقل له الحيوة تريد فان كنت تريد الحيوة فضع يدك على متن ثور فما وارت يدك من شعره فانك تعيش بها سنة قال ثم مه قال ثم تموت قال فالآن من قريب قال رب أدنني من الأرض المقدسة رمية الحجر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو انى عنده لاريتكم قبره الى جنب الطريق عند الكثيب الأحمر متفق عليه وقال وهب خرج موسى لبعض حاجته فمر برهط من الملائكة يحفرون قبر الم ير شيئا احسن منه ولا مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة فقال لهم يا ملائكة الله لمن تحفرون هذا القبر قالوا لعبد كريم على ربه قال ان هذا العبد

[سورة المائدة (5) : آية 27]

من الله بمنزل ما رايت كاليوم مضجعا فقال الملائكة يا صفى الله أتحب ان يكون لك قال وددت قالوا فانزل واضطجع فيه وتوجه الى ربّك قال فاضطجع وتوجه الى ربه ثم تنفس أسهل تنفس فقبض الله تبارك وتعالى روحه ثم سوت عليه الملائكة وقيل ان ملك الموت أتاه بتفاحة من الجنة فشمها وقبض روحه وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة والله اعلم-. وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ هابيل وقابيل بِالْحَقِّ صفة مصدر محذوف اى تلاوة متلبسة بالحق او حال من الضمير فى اتل او من نبأ اى متلبسا بالصدق موافقا لما فى كتب الأولين إِذْ قَرَّبا قُرْباناً ظرف لنبأ او حال منه او بدل على حذف مضاف اى اتل نبأهم نبا ذاك الوقت والقربان اسم ما يتقرب بها الى الله تعالى من ذبيحة او غيرها كما ان الحلوان اسم لما يحلى اى يعطى وهو فى الأصل مصدر ولذلك لم يثن وقيل تقديره إذ قرب كلو أحد منهما قربانا وكان سبب قربانهم على ما ذكر اهل العلم ان حواء كانت تلد لآدم عليه السلام فى بطن غلاما وجارية وكان جميع ما ولد أربعين ولدا فى عشرين بطنا أولهم قابيل وتوامته إقليما وثانيهم هابيل وتوامته لبودا وآخرهم ابو المغيث وتوامته أم المغيث قال ابن عباس لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين الفا قال محمد بن اسحق عن بعض اهل العلم بالكتاب الاوّل انه ولد قابيل وأخته فى الجنة فلم تجد حواء عليهما وجعا ولا وصبا ولا طلقا ولم تر معهما دما فلما هبطا الى الأرض حملت بهابيل وأخته فوجدت عليهما الوجع والوصب والطلق والدم وقال غيره غشى آدم حواء بعد مهبطهما الى الأرض بمائة سنة فولدت له قابيل وأخته فى بطن ثم هابيل وأخته فى بطن وكان بينهما سنتان فى قول الكلبي وكان آدم إذا شب أولاده يزوج غلام هذا البطن جارية بطن اخرى فكان الرجل منهم يتزوج اية أخواته شاء الا توامته فلما بلغ قابيل وهابيل النكاح اوحى الله تعالى الى آدم ان يزوج كلواحد منهما توامة الاخر فرضى هابيل وسخط قابيل لان توامته كانت أجمل وقال انا أحق بها ونحن من ولادة الجنة وهما من ولادة الأرض فقال له أبوه انها لا تحل لك فابى ان يقبل ذلك وقال ان الله لم يأمره بهذا وانما هو برأيه فقال آدم فقربا قربانا فمن يقبل قربانه فهو احقّ بها وكانت القربان إذا قبلت نزلت نار من السماء بيضاء فاكلته وإذا لم تقبل لم تنزل النار وأكله الطير والسباع فخرجا ليقربا وكان قابيل صاحب زرع فقرب صبرة من طعام من أردى زرعه وأضمر

فى نفسه لا أبالي أيقبل قربانى أم لم يقبل لا يتزوج أختي ابدا وكان هابيل صاحب غنم فعمد الى احسن كبش من غنمه فقرب به وأضمر رضوان الله تعالى فوضعا قربانهما على الجبل ثم دعا آدم عليه السّلام فنزلت نار من السماء فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما يعنى هابيل أكلت النار قربانه وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ يعنى من قابيل قربانه فغضب قابيل لرد قربانه وكان يضمر الحسد فى نفسه الى ان اتى آدم مكة لزيارة البيت فلما غاب آدم اتى قابيل هابيل قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ هابيل لم قال لان الله تعالى قبل قربانك ورد قربانى وتنكح أختي الحسناء وانكح أختك الذميمة فيتحدث الناس انك خير منى ويفتخر ولدك على ولدي فقال هابيل وما ذنبى إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ القربان مِنَ الْمُتَّقِينَ وفيه اشارة الى ان الحاسد ينبغى ان يرى حرمانه من تقصيره ويجتهد فى تحصيل ما به صار المحسود محظوظا لا فى ازالة حظه فان ذلك مما يضره ولا ينفعه وان الطاعة انما يتقبل من مومن متق عن الرذائل والمناهي عند اخلاص النية اخرج ابن ابى شيبة عن الضحاك فى قوله تعالى انما يتقبل الله من المتقين قال الذين يتقون الشرك قلت لعل المراد بقوله تعالى انما يتقبل الله من المتقين ان القربان لا يتقبل الا ممن كان محقا من الخصمين لا من المبطل والله اعلم وسئل موسى بن أعين عن قوله تعالى انما يتقبل الله من المتّقين قال تنزهوا عن أشياء من الحلال مخافة الحرام واخرج ابن ابى الدنيا عن على بن ابى طالب قال لا يقل عمل مع تقوى وكيف يقل ما يتقبّل واخرج ابن ابى الدنيا عن عمر بن عبد العزيز انه كتب الى رجل أوصيك بتقوى الله الذي لا يقبل غيرها ولا يرحم الا أهلها ولا يثاب الا عليها فان الواعظون بها كثير والعاملون بها قليل واخرج ابن ابى حاتم عن ابى الدرداء قال لان استقر انّ الله قد تقبل منى صلوة واحدة أحب الى من الدنيا وما فيها ان الله يقول انما يتقبل الله من المتقين واخرج ابن عساكر عن هشام بن يحيى عن أبيه قال دخل سائل الى ابن عمر فقال لابنه أعطه درهما فاعطاه فلما انصرف قال ابنه تقبل منك يا أبتاه قال لو علمت ان الله يقبل سجدة واحدة او صدقة درهم لم يكن غائب أحب الى من الموت تدرى ممن يتقبل الله انما يتقبل الله من المتقين واخرج ابن عساكر عن ابن مسعود قال لان أكون اعلم ان الله يتقبل منى عملا أحب الى من ان أكون لى ملأ الأرض ذهبا وعن عامر بن عبد الله انه بكى حين حضره الوفاة

[سورة المائدة (5) : آية 28]

فقيل له وما يبكيك وقد كنت وكنت يعنى كنت كثير العبادة قال انى اسمع الله يقول انما يتقبل الله من المتقين وقال هابيل فى جوابه. لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ قرأ نافع وابو عمرو وحفص بفتح الياء والباقون بالإسكان إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي قرأ نافع وابن كثير وابو عمرو بفتح الياء والباقون بالإسكان أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ قال عبد الله بن عمرو وايم الله ان كان المقتول لاشد الرجلين ولكن منعه التحرج ان يبسط يده الى أخيه يعنى استلم له خوفا من الله تعالى اما لان الدفع لم يبح بعد قال مجاهد كتب عليهم فى ذلك الوقت إذا أراد الرجل قتل رجل ان لا يمتنع ويصبر واما تحريا لما هو الأفضل قال عليه السّلام كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل أخرجه ابن سعد فى الطبقات من حديث عبد الله وهذا جائز فى شريعتنا ان ينقاد ويستسلم كما فعل عثمان رضى الله عنه اخرج ابن سعد عن ابى هريرة قال دخلت على عثمان يوم الدار فقلت جئت لانصرك فقال يا أبا هريرة أيسرك ان تقتل الناس جميعا وإياي معهم قلت لا قال فان قتلت رجلا واحدا فكانما قتلت الناس جميعا واخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان ابني آدم ضربا مثلا لهذه الامة فخذوا بالخير منهما واخرج عبد بن حميد عنه بلفظ فتشبهوا بخيرهما ولا تشبهوا بشرهما وانما قال ما انا بباسط فى جواب لئن بسطت للتبرى عن هذا الفعل الشنيع راسا والتحرز من ان يوصف به ويطلق عليه ولذا أكد النفي بالباء. إِنِّي فتح الياء نافع واسكن غيره أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ الى ربك بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ كلاهما فى موضع الحال من فاعل تبوء اى ترجع متلبسا بالاثمين حاملا لهما يعنى إذا قتلتنى ترجع حاملا اثم خطاياى التي عملتها واثم خطاياك التي عملتها من قتلى وغير ذلك كذا روى ابن نجيح عن مجاهد فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ فان المظلوم يعطى من حسنات الظالم يوم القيمة جزاء لظلمه وان لم يكن للظالم حسنات او كانت ولكن فنيت قبل أداء جميع حقوق الناس يطرح على الظالم اثم خطايا المظلوم ويلقى فى النار عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان المفلس من أمتي من يأتى يوم القيامة بصلوة وصيام وزكوة ويأتى قد شتم هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته

[سورة المائدة (5) : آية 30]

وهذا من حسناته فان فنيت حسناته قبل ان يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح فى النّار رواه مسلم فان قيل لا يجوز لمسلم ارادة معصية أخيه وشقاوته فكيف أراد هابيل هكذا قلنا ليس الكلام على حقيقته ولم يكن مراد هابيل ان يقتله اخوه البتة ويكون اخوه قاتلا عاصيا بل انه لما علم انه يكون قاتلا او مقتولا لا محالة أراد نفى كونه قاتلا عن نفسه لا كون أخيه قاتلا فالمراد بالذات ان لا يكون عليه اثم. فَطَوَّعَتْ اى أسمعت وانقادت لَهُ نَفْسُهُ وله لزيادة الربط كقولك حفظت لزيد ماله قَتْلَ أَخِيهِ كانه دعا نفسه اليه فطاوعته واطاعته قال فى الصحاح طوعت ابلغ من اطاعت فلما قصد قابيل قتله لم يدر كيف يقتله قال ابن جريح فتمثل له إبليس فاخذ طيرا فوضع راسه على حجر ثم شدخ راسه بحجر اخر وقابيل ينظر اليه فعلمه القتل فرضخ قابيل راس هابيل بين حجرين قيل وهو مستسلم وقيل اغتاله فى النوم فشدخ راسه فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ فى الدنيا حيث بقي مدة عمره مطرودا محزونا وفى الاخرة حيث بدل جنته بالنار وكان هابيل يوم قتل ابن عشرين سنة قال ابن عباس قتله على جبل نود وقيل عند عقبة حراء فلما قتله تركه بالعراء ولم يدر ما يصنع به لانه كان أول ميت على وجه الأرض من بنى آدم وقصده السباع فجعله فى جراب على ظهره أربعين يوما وقال ابن عبّاس سنة حتى تعير وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يرمى به فتاكله فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه ثم حفر له بمنقاره وبرجله حتى مكن له ثم ألقاه فى الحفرة وواراه وقابيل ينظر اليه وذلك قوله تعالى. فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ الضمير المرفوع راجع الى الله سبحانه او الى الغراب كَيْفَ حال من الضمير فى يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قدم عليه لاقتضائه صدر الكلام والجملة ثانى مفعولى ليريه والروية هاهنا بمعنى العلم دون الابصار إذ الابصار لم يتحقق بمواراة سوأة أخيه بل بمواراة الغراب ولا بد هاهنا من مفعول ثالث لتعديته بهمزة الافعال فتقول جملة كيف يوارى قائم مقام المفعولين كما فى قولك علمت ان زيدا قائم ومعنى الكلام ليريه توارى سوأة أخيه متكيفا بتلك الكيفية والمراد بسوأة أخيه جسده الميت فانه مما يستقبح ان يرى وقيل المراد به عورته وما لا يجوز ان ينكشف من جسده ولم يلهم الله سبحانه قابيل ما الهم الغراب ازدراء به وتنبيها على انك أهون على الله

من الغراب وابعد منزلة منه حتى جعلك تلميذا له يدل عليه قوله قالَ يا وَيْلَتى كلمة جزع وتحسر والالف منه بدل من ياء المتكلم والمعنى يا ويلتى احضرى هذا أوانك ونجنى من الم العجز والويل الهلاك وهو منادى مستغاث او كلمة ندبة مثل يا حسرتا أَعَجَزْتُ والاستفهام للتعجب أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ عطف على ان أكون وليس جواب الاستفهام إذ ليس المعنى لو عجزت لو اريت سَوْأَةَ أَخِي يعنى لست انا اهتدى الى ما اهتدى اليه الغراب فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ على حمله على عاتقه سنة وقيل ندم على فراق أخيه وقيل ندم على القتل لانه أسخط والديه وما انتفع بقتله شيئا ولم يكن ندم على القتل من حيث ركوب الذنب قال المطلب بن عبد الله بن حنطب لما قتل ابن آدم أخاه رجفت الأرض بما عليها ثم شربت الأرض دمه كما يشرب الماء فناداه الله اين أخوك هابيل قال ما أدرى ما كنت عليه رقيبا فقال ان دم أخيك لينادينى من الأرض فلم قتلت أخاك قال فاين دمه ان كنت قتلته فحرم الله عز وجل على الأرض يومئذ ان يشرب دما بعده ابدا وروى انه لما قتله اسود جسده فسأله آدم عن أخيه فقال ما كنت عليه وكيلا فقال بل قتلته ولذلك اسود جسدك وتبرأ عنه ومكث بعد ذلك مائة سنة لا يضحك وقال مقاتل ابن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس لما قتل قابيل هابيل وآدم بمكة اشتاك الشجر وتغيرت الاطعمة وحمضت الفواكه وامرّ الماء واغبرت الأرض فقال آدم قد حدث فى الأرض حدث فاتى الهند فاذا قابيل قتل هابيل فانشا يقول وهو أول من قال شعرا تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذى طعم ولون ... وقل بشاشة الوجه المليح وروى عن ميمون بن مهران عن ابن عبّاس قال من قال ان آدم قال شعرا فقد كذب على الله ورسوله فان محمدا والأنبياء كلهم فى الشعر سواء لكنه لما قتل هابيل رثاه آدم وهو سريانى فلما قال آدم مرثية قال لشيث يا بنى انك وصيي احفظ هذا الكلام ليتوارث فيرق الناس عليه فلم يزل ينقل حتى وصل الى يعرب بن قحطان وكان يتكلم بالعربية والسريانية وهو أول من خط بالعربية وكان يقول الشعر فرد المقدم

[سورة المائدة (5) : آية 32]

الى المؤخر والمؤخر الى المقدم وجعله موزونا وزيد فيه أبيات منها ومالى لا أجود بسكب دمع ... وهابيل تضمنه الضريح ارى طول الحياة علىّ غما ... فهل انا من حياتى مستريح فلما مضى من عمر آدم مائة وثلثون سنة وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين ولدت له حواء شيثا واسمه هبة الله يعنى انه خلف من هابيل علمه الله ساعات الليل والنهار وعلمه عبادة الحق فى كل ساعة منها وانزل عليه خمسين صحيفة فصار وصى آدم وولى عهده فاما قابيل فقيل له اذهب طريدا شريدا فزعا مرعوبا لا تأمن من تراه فاخذ بيد أخته إقليما وهرب بها الى عدن من ارض اليمن فاتاه إبليس فقال له انما أكلت النّار قربان هابيل لانه كان يعبد النار فانصب أنت ايضا نارا تكون لك ولعقبك فبنى بيتا للنار فهو اوّل من عبد النار واتخذ أولاد قابيل آلات اللهو من اليراع والطبول والمزامير والعيدان والطنابير وانهمكوا فى اللهو وشرب الخمر وعبادة النار والزنا والفواحش حتى غرقهم الله بالطوفان ايام نوح وبقي نسل شيث عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقتل نفس ظلما الا كان على ابن آدم الاوّل كفل من دمها لانه اوّل من سن القتل رواه البخاري وغيره وروى البيهقي فى شعب الايمان عن ابن عمر وابن آدم القاتل يقاسم اهل النار قسمة صحيحة العذاب عليه شطر عذابهم واخرج ابن عساكر عن ابى هريرة عن النبىّ صلى الله عليه وسلم قال من هجر أخاه سنة لقى الله بخطية قابيل لا يفكه شىء دون ولوج النار. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ قرأ ابو جعفر من أجل بكسر النون موصولا وإلقاء الهمزة والعامة بسكون النون وفتح الهمزة مقطوعا اى بسبب وقوع ذلك الجناية العظيمة من ابن آدم وسد باب القتل وأجل فى الأصل مصدر أجل شرا بأجل إذا اجناه اى جره اليه فى القاموس أجل للشر عليهم ياجله جناه إذا ثاره وهيجه ثم استعمل فى تعليل الجنايات ثم اتسع فيه فاستعمل فى كل تعليل ومن ابتدائية متعلقة بقوله كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ اى ابتداء الكتب وانشأه من أجل ذلك أَنَّهُ الضمير للشان مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ اى بغير قتل نفس يوجب القصاص أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ وهو يشتمل فساد اهل الحرب واهل البغي وقطاع الطريق وزنا يعنى بغير هذه الأشياء الموجبة للقتل فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ «1» جَمِيعاً قال البغوي اختلفوا فى تأويلها

_ (1) اخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد فى قوله تعالى فكانما قتل الناس جميعا قال هذه مثل التي فى سورة النساء ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه واعدله عذابا عظيما يقول لو قتل الناس لم يزد على مثل ذلك 12 منه

فقال ابن عباس فى رواية عن عكرمة من قتل نبيا او امام عدل فكانما قتل الناس جميعا ومن شد على عضد نبىّ او امام عدل فكانما أحيا الناس جميعا وقال مجاهد من قتل نفسا محرمة يصل النار بقتلها كما يصل لو قتل الناس جميعا ومن أحياها يعنى من سلم من قتلها فقد سلم من قتل الناس جميعا وقال قتادة عظم الله أجرها وعظم وزرها معناه من استحل قتل مسلم بغير حقه فكانما قتل الناس جميعا فى الإثم لانهم لا يسلمون منه وَمَنْ أَحْياها اى تورع عن قتلها او استنقذها من بعض اسباب الهلاك كالقتل بغير حق او غرق او حرق او هدم او نحو ذلك فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً فى الثواب لسلامتهم منه وقال الحسن فكانما قتل الناس جميعا يعنى انه يجب عليه القصاص بقتلها مثل الذي يجب عليه لو قتل النّاس جميعا ومن أحياها اى عفا عمن وجب عليه القصاص له فلم يقتله فكانما احيى الناس جميعا والمقصود من هذه الاية تعظيم قتل النفس وإحياءها فى القلوب ترهيبا عن التعرض لها وترغيبا فى المحاماة عليها عن البراء بن عازب ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق رواه ابن ماجة بسند حسن والبيهقي وزاد ولو ان اهل سموته واهل ارضه اشتركوا فى دم مؤمن لادخلهم النار وفى رواية له من سفك دم بغير حق ولمسلم من حديث عبد الله بن عمر مثل الاول والنسائي من حديث بريدة قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا ولابن ماجة من حديث عبد الله بن عمر ورايت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول ما اطيبك وما أطيب ريحك وما أعظمك وما أعظم حرمتك والذي نفسى بيده لحرمة المؤمن أعظم من حرمتك وماله ودمه قال سليمان بن على قلت للحسن فى هذه الآية يا أبا سعيد أهي لنا كما كانت لبنى إسرائيل قال اى والذي لا اله غيره ما كان دماء بنى إسرائيل أكرم على الله من دمائنا وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ يعنى بنى إسرائيل رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات الواضحات ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ اى بعد ما كتبنا عليهم هذا التشديد العظيم من أجل أمثال تلك الجناية وأرسلنا إليهم الرسل بالآيات الواضحات تأكيدا للامر وتجديدا للعهد كى يتحاموا عنها كثير منهم فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ

[سورة المائدة (5) : آية 33]

بالقتل لا يبالون به والإسراف التباعد عن حد الاعتدال فى الأمر. إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ «1» اى يحاربون عباد الله ويحاربون رسوله فانه صلى الله عليه وسلم هو الحافظ للطرق والخلفاء والملوك بعده نوابه او المعنى يحاربون الله ورسوله انهم يخالفون أمرها ويهتكون حرمة دماء واموال ثبت باثباتهما قال البيضاوي اصل الحرب السلب وفى القاموس الحرب معروف والسلب وهذا يدل على كونه مشتركا وكلام البيضاوي يدل على كونه منقولا وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً اى مفسدين او للفساد وجاز ان يكون منصوبا على المصدرية لان سعيهم كان فسادا وقيل يفسدون فى الأرض فسادا واختلفوا فى نزول هذه الاية اخرج ابن جرير عن يزيد بن ابى حبيب ان عبد الملك بن مردان كتب الى انس يسأله عن هذه الاية فكتب اليه انس ان هذه الاية نزلت فى العرنيين ارتدّوا عن الإسلام وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل الحديث ثم اخرج عن جرير مثله واخرج عبد الرزاق نحوه عن ابى هريرة وكذا ذكر البغوي قول سعيد بن جبير روى البخاري وغيره عن انس قال لما قدم على النبىّ صلى الله عليه وسلم نفر عن عكل فاسلموا فاجتوت «2» المدينة فامرهم النبي صلى الله عليه وسلم ان يأتوا ابل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها ففعلوا فصحوا فارتدوا وقتلوا رعاتها واستاقوا

_ (1) اخرج الخرابطى فى مكارم الأخلاق عن ابن عباس ان قوما من عرينة جاؤا الى النبي صلى الله عليه وسلم فاسلموا وكان قد شلت أعضائهم واصفرت وجوههم وعظمت بطونهم فامر بهم النبىّ صلى الله عليه وسلم الى ابل الصدقة يشربون من ألبانها وأبوالها فشربوا حتى صحوا وسمنوا فعمدوا الى راعى النبي صلى الله عليه وسلم فقتلوا واستاقوا الإبل وارتدوا عن الإسلام وجاء جبرئيل فقال يا محمد ابعث فى اثارهم فبعث ثم قال ادع بهذا الدعاء اللهم ان السماء سماءك والأرض أرضك والمشرق مشرقك والمغرب مغربك اللهم ضيق عليهم الأرض برحبها حتى تجعلها عليهم أضيق من سك جمل حتى تقدرنى عليهم فجاؤا بهم فانزل الله تعالى انما جزاؤ الذين الاية فامر جبرئيل من أخذ المال وقتل يصلب ومن قتل ولم يأخذ يقتل ومن أخذ المال ولم يقتل يقطع يده ورجله من خلاف قال ابن عباس هذا الدعاء لكل ابق ولكل من ضلت له ضالة من انسان او غيره يدعو بهذا الدعاء ويكتب فى شىء ويدفن فى مكان نظيف الا قدره الله عليه 12 (2) اى أصابهم الجوى وهو المرض وداء الجوف إذا تطاول وذلك إذا لم يوافقهم هواء المدينة 12 نهايه

فبعث النبي صلى الله عليه وسلم فى اثارهم فاتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم ثم أمرهم بمسامير فكحلهم بها وطرحهم بالحرة يستسقون فما يسقون حتى ماتوا قال ابو قلابة قتلوا وسرقوا وحاربوا الله ورسوله وسعوا فى الأرض فسادا واختلفوا فيما فعل بالعرنيين فقال بعضهم منسوخ بهذه الاية لان المثلة لا يجوز وقال بعضهم حكم ثابت الا السمل والمثلة وهذا القول لا يتصور الا إذا كان الامام مخيرا بين الاحكام الاربعة المذكورة فى هذه الاية وروى قتادة عن ابن سيرين ان ذلك كان قبل ان ينزل الحدود وقال ابو الزناد لما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بهم انزل الله الحدود ونهاه عن المثلة فلم يعدو عن قتادة قال بلغنا ان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة وقال سليمان التيمي عن انس انما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعينهم لانهم سملوا أعين الرعاة وقال الليث بن سعد نزلت هذه الاية معاتبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليما منه إياه عقوبتهم وقال انما جزاؤهم هذه لا المثلة وقال الضحاك نزلت هذه الاية فى قوم من اهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا فى الأرض وقال الكلبي نزلت فى قوم هلال بن عويمر وذلك ان النبي صلى الله عليه وسلم وادع هلال بن عويمر وهو ابو برزة الأسلمي على ان لا يعينه ولا يعين عليه ومن مر بهلال بن عويمر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهوا من لا يهاج فمر قوم من بنى كنانة يريدون الإسلام بناس من اسلم من قوم هلال ابن عويمر ولم يكن هلال شاهدا فنهدوا إليهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم فنزل جبرئيل عليه السلام بالقضية فيهم والله اعلم- (فائدة) اجمعوا على ان المراد بالمحاربين المفسدين فى هذه الاية قطاع الطريق سواء كانوا مسلمين او من اهل الذمة واتفقوا على ان من برزو شهر السلاح مخيفا مغيرا خارج المصر بحيث لا يدركه الغوث فهو محارب قاطع للطريق جارية عليه احكام هذه الاية واختلفوا فيمن قطع الطريق ليلا او نهارا فى المصر او بين الكوفة والحيرة مثلا فقال مالك رح والشافعي رح واحمد رح هو قاطع محارب وقال ابو حنيفة رح لا يثبت هذا الحكم الا فيمن يكون خارج المصر بعيدا منه بحيث لا يلحقه الغوث كذا ذكر صاحب رحمة الامة وقال البغوي المكابرون فى الأمصار داخلون فى حكم هذه الاية وهو قول مالك والأوزاعي والليث

ابن سعد والشافعي رح وقال ابن همام هذا مذهب الشافعي رح فان فى وجيزهم من أخذ فى البلد مالا مغالبة فهو قاطع طريق وعلى ظاهر الرواية من مذهب ابى حنيفة رح يشترط ان يكون بين مكان القطع وبين المصر مسيرة سفر وعن ابى يوسف رح انه إذا كان خارج المصر ولم يقرب منه يجب الحد لانه لا يلحقه الغوث لانه محارب بل مجاهرته هاهنا اغلظ من مجاهرته فى المفازة ولا تفصيل فى النصّ فى مكان القطع وعن مالك كل من أخذ المال على وجه لا يمكن لصاحبه الاستعانة فهو محارب وعنه لا محاربة الا على قدر ثلثة أميال من العمران وتوقف احمد مرة وعند اكثر أصحابه ان يكون بموضع لا يلحقه الغوث وعن ابى يوسف رح فى رواية اخرى ان قصد بالسلاح نهارا فى المصر فهو قاطع وان قصد بخشب ونحوه فليس بقاطع وفى الليل يكون قاطعا بالخشب والحجر لان السلاح لا يلبث فيتحقق القطع قبل الغوث والغوث يبطى بالليل فيتحقق القطع فيها بلا سلاح وفى شرح الطحاوي الفتوى على قول ابى يوسف رح يعنى هذا قال فى الهداية قول ابى حنيفة رح استحسان والقياس قول الشافعي رح لوجود قطع الطريق حقيقة ووجه الاستحسان ان قطع الطريق بقطع المادة ولا يتحقق ذلك فى المصر ويقرب منه لان الظاهر لحوق الغوث انتهى كلامه وقال ابن همام وأنت تعلم ان الحد المذكور فى الاية لم ينط بمسمى قطع الطريق وانما هو اسم من الناس وانما ينط بمحاربة عباد الله على ما ذكرنا من تقدير المضاف وذلك يتحقق فى خارجه ثم هذا الدليل المذكور لا يفيد تعيين مسيرة ثلثة ايّام بين المصر وبين القاطع قلت وحديث العرنيين يابى عن اشتراط هذه المسافة بين المصر ومكان القطع والله اعلم- (مسئلة:) ويشترط كونهم ذا منعة جماعة تمنعين او واحد يقدر على الامتناع لا مختلسون يتعرضون لاخر القافلة يعتمدون المهرب والذين يغلبون شرذمة بقوتهم فهم قطاع فى حقهم وان لم يكونوا قطاعا فى حق قافلة عظيمة وهذا الشرط يستفاد من الاية فان المحاربة والفساد فى الأرض لا يتحقق بدون المنعة والقدرة على الامتناع أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ يعنى أيديهم الايمان وأرجلهم الإيسار بإجماع الامة أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذهب قوم الى ان الامام بالخيار فى امر المحاربين بين القتل والصلب والقطع والنفي كما هو المستفاد

من ظاهر الاية بكلمة او فانها للتخيير ولا يحتاج حينئذ الى تقدير تقييد وهو قول سعيد ابن المسيب وعطاء وداود والحسن والضحاك والنخعي ومجاهد وابو ثور وقال مالك انه يفعل فيهم الامام على ما يراه ويجتهد فمن كان منهم ذا راى وقوة قتله فان راى زيادة سياسة صلب ومن كان ذا قوة وجلدة بلا رأى قطعه من خلاف ومن كان لا راى له ولا قوة نفاه والمراد بالنفي عنده ان يخرج من البلد الذي كان فيه الى غيره ويحبس فيه كما سنذكر قول محمد بن جبير ويشترط عند مالك فى المال المأخوذ ان يكون جملتها نصابا ولا يشترط عنده ان يكون نصيب كلواحد من المحاربين نصابا وقال ابو حنيفة رح والشافعي رح واحمد رح والأوزاعي وقتادة كلمة او للتوزيع على احوال القاطع ان قصدوا قطع الطريق وأخافوا فاخذوا قبل ان يأخذوا مالا او يقتلوا نفسا ينفوا من الأرض والمراد بالنفي عند ابى حنيفة رح ان يحبس حتى يظهر منه التوبة لانه نفى عن وجه الأرض بدفع شرهم عن أهلها قال مكحول ان عمر بن الخطاب أول من حبس فى السجون وقال احبسه حتى اعلم منه التوبة ولا انفيه الى بلد فيوذيهم وقال محمد بن جبير ينفى من بلده الى غيره ويحبس فى السجن فى البلد الذي نفى اليه حتى يظهر توبته وعلى هذا القول يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز وقال اكثر العلماء هو ان يطلبه الامام ففى كل بلد يوجد ينفى عنه ولا يتمكنون من القرار فى موضع وان أخذوا مال مسلم او ذمى ولم يقتلوا والمأخوذ إذا قسم على جماعتهم أصاب كل واحد نصاب السرقة وهو عشرة دراهم عند ابى حنيفة رح وربع دينار عند الشافعي رح واحمد رح او ثلثة دراهم كما سنذكره إن شاء الله تعالى اقطع الامام أيديهم وأرجلهم من خلاف وان قتلوا ولم يأخذوا مالا قتلهم الامام حدا ولا يلتفت الى عفو الأولياء وان باشر القتل او الاخذ أحدهم اجرى الحد على جميعهم عند ابى حنيفة رح ومالك واحمد رح لانه جزاء المحاربة وهى يستحقق بان يكون البعض ردا للبعض حتى لو زالت أقدامهم انحازوا إليهم وانما الشرط القتل من واحد منهم والتشديد فى قوله تعالى ان يقتّلوا او يصلّبوا او تقطع يفيدان يجرى الحد بمباشرة بعضهم على كلهم واحدا بعد واحد فان التفعيل للتكثير وايضا يفيد المبالغة فلا يجوز عفوه وقال الشافعي رح لا يجب على الرد أغير التعزير بالحبس والتغريب وغير ذلك وان قتلوا وأخذوا المال فعند ابى حنيفة رح وابى يوسف الامام بالخيار ان شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وقتلهم وصلبهم وان شاء قتلهم و

ان شاء صلبهم وعنه الشافعي رح واحمد رح قتلوا وصلبوا ولا قطع فيه وهو الظاهر من الاية وقال محمد يقتل او يصلب ولا يقطع لانه جناية واحدة فلا توجب حدين ولان ما دون النفس يدخل فى النفس فى باب الحد كحد السرقة والرجم وجه قول ابى حنيفة رح ان هذه عقوبة واحدة تغلظت لتغلظ سببها وهو تفويت الا من على التناهى بالقتل وأخذ المال ولهذا كان قطع اليد والرجل فى السرقة الكبرى حدا واحدا وان كان فى الصغرى حدين والتداخل انما يكون فى حدين لا فى حد واحد وعن ابى يوسف رح انه يقتل ويصلب البتة ولا يترك الصلب لانه منصوص عليه والمقصود به التشهير ليعتبر به غيره وقال ابو حنيفة رح اصل التشهير بالقتل والمبالغة فى الصلب فيخير فيه وصفة الصلب عند الشافعي رح انه يقتل ثم يصلب وقيل عنده يصلب حيا ثم يطعن برمح حتى يموت وكلا الروايتين عن ابى حنيفة رح الاولى مختار الطحاوي رح توقيا عن المثلة والثانية مروى عن الكرخي رح وهو الأصح لدخول كلمة او بين القتل والصلب ولا يصلب فوق ثلثة ايّام عند ابى حنيفة رح لانه يتغير بعدها فيتاذى به الناس وعن ابى يوسف رح انه يترك على خشبة حتى ينقطع فيسقط ليعتبر به غيره قلنا يحصل الاعتبار بالصلب والنهاية غير مطلوبة وهذا التفسير الذي اختاره الجمهور رواه الشافعي رح عن ابن عباس قال فى قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض ورواه البيهقي من طريق محمد بن سعد العوفى عن ابائه الى ابن عبّاس فى هذه الاية قال إذا حارب وقتل فعليه القتل إذا ظهر عليه قبل توبته وإذا حارب وأخذ المال وقتل فعليه الصلب وان لم يقتل فعليه قطع اليد والرجل من خلاف وان حارب وأخاف السبيل فعليه النفي وروى محمد عن ابى يوسف رح عن الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس قال وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بردة هلال بن عويمر الأسلمي فجاء أناس يريدون الإسلام فقطع عليهم اصحاب ابى بردة الطريق فنزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحدان من قتل وأخذ المال صلب ومن قتل ولم يأخذ قتل ومن أخذ مالا ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف ومن جاء مسلما هدم الإسلام ما كان منه فى الشرك وفى رواية عطية عن ابن عباس

ومن أخاف الطريق ولم يقتل ولم يأخذ المال نفى رواه احمد بن حنبل فى تفسيره عن ابى معاوية عن عطية وايضا القول بالتوزيع موافق لقواعد الشرع دون التخيير لان هذه الجناية يتفاوت خفة وغلظا والقول بالتخيير يقتضى جوازان يترتب على اغلظ الجنايات أخف الاجزية وبالعكس والقتل بالقتل والقطع بالأخذ والجمع بين الصلب والقتل بالجمع امر معقول وانما أجاز ابو حنيفة رح الاكتفاء بالقتل وترك الصلب بحديث العرينين حيث لم يصلبهم النبي صلى الله عليه وسلم. (مسئلة:) وان لم يقتل القاطع ولم يأخذ مالا وقد جرح اقتص منه مما فيه القصاص وأخذ الأرش مما فيه الأرش وذلك الى المجنى عليه فيجوز عفوه قال فى الهداية لانه لا حد فى هذه الجناية فظهر حق العبد وهو ما ذكرناه ويرد عليه ان حد هذه الجناية النفي بسبب الاخافة فقوله لاحد فى هذه الجناية ممنوع. (مسئلة:) وان أخذ ما لا ثم جرح قطعت يده ورجله وبطلت الجراحات لانه لما وجب الحد حقا لله تعالى سقطت عصمة النفس حقا للعبد كما يسقط عصمة المال عند ابى حنيفة رح وقال الشافعي رح لا يسقط حق العبد بالحد فيستوفى الجراحات مع الحد وعلى هذا الخلاف إذا قتل القاطع حدا او قطعت يده ورجله لا ضمان عليه فى مال أخذ وهلك عنده او استهلك عند ابى حنيفة رح وعند الشافعي رح واحمد رح عليه الضمان وان كان المال موجودا يرد على المالك اجماعا وسنذكر هذا الخلاف فى حد السرقة ان شاء الله تعالى. (مسئلة:) ان كان فى قطاع الطريق امرأة فوافقتهم فقتلت وأخذت قال مالك رح والشافعي رح واحمد رح تقتل حدا وقال ابو حنيفة رح تقتل قصاصا وتضمن المال. (مسئلة:) وان كان من قطاع الطريق صبى او مجنون يحد الباقون عند الائمة الثلاثة وقال ابو حنيفة وزفر يسقط الحد عن الباقين وعن ابى يوسف رح لو باشر العقلاء يحد الباقون وكذا الخلاف لو كان من قطاع الطريق ذو رحم محرم من بعض اهل القافلة لابى حنيفة رح انه جناية واحدة قامت بالكل فاورثت شبهة فى الباقين وعند الجمهور لا عبرة بهذه الشبهة إذ حينه عن ينسد باب الحد. (مسئلة:) إذا قطع بعض القافلة على البعض لا يجب الحد لان القافلة حرز واحد

[سورة المائدة (5) : آية 34]

فصار كسارق سرق متاع غيره وهو معه فى دار واحدة وإذا لم يجب الحد وجب القصاص والضمان ذلِكَ الذي ذكر لَهُمْ من الحد خِزْيٌ ذل وفضيحة فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ لعظم ذنبهم. إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ قال البغوي من ذهب ان الاية نزلت فى الكفار قال معناه الا الذين تابوا من الشرك واسلموا قبل القدرة عليهم فلا سبيل عليهم بشئ من الحدود ولا تبعة عليهم فيما أصابوا فى حال الكفر من دم او مال قلت وكذا ان تاب الكافر الحربي عن الشرك بعد القدرة ويثبت هذا الحكم من غير هذه الاية واما قطاع الطريق من المسلمين واهل الذمة فمن تاب منهم من قطع الطريق قبل القدرة عليه اى قبل ان يظفر به الامام فبمقتضى هذا الاستثناء يسقط عنه الحد المذكور حقا لله تعالى اجماعا كما يدل عليه قوله تعالى فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ واما حقوق العباد فقال بعضهم يسقط ولا يكون لاحد عليه تبعة فى دم او مال الا ان يوجد معه مال بعينه فيرده الى صاحبه وهو المروي عن على فى حارثة بن بدر كان خرج محاربا فسفك الدماء وأخذ الأموال ثم جاء تائبا قبل ان يقدر عليه فلم يجعل عليه على عليه السّلام تبعة كذا روى ابن ابى شيبة وعبد بن حميد وابن ابى الدنيا وابن جرير وابن ابى حاتم عن الشعبي عن على واخرج ابن ابى شيبة وعبد بن حميد عن اشعث عن رجل عن ابى موسى الأشعري نحوه وعند الجمهور لا يسقط عنه حقوق العباد فان كان قد قتل وأخذ المال وتاب قبل ان يظفر به يستوفى الولي القصاص او يعفو ويجب ضمان المال إذا هلك فى يده او استهلكه قال ابو حنيفة سقوط القصاص والضمان انما كان مبنيا على وجوب الحد وكونه خالص حق الله تعالى فاذا ظهر بالاستثناء ان الحد لم يجب ظهر حق العبد فى النفس والمال ويجب القصاص فى النفس والأطراف والضمان فى الأموال تغير هذه الاية والله اعلم. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ اى التقرب رواه الحاكم عن حذيفة وكذا روى الفرياني وعبد بن حميد وابن المنذر وابن ابى حاتم عن ابن عباس قلت يعنى تقربا ذاتيا بلا كيف فى القاموس الوسيلة المنزلة عند الملك والدرجة والقربة والواسل الراغب وفى الصحاح الوسيلة التوصل الى شىء برغبة وهى أخص من الوصيلة لتضمنها

[سورة المائدة (5) : آية 36]

معنى الرغبة وفى الحديث الوسيلة درجة عند الله ليس فوقها درجة فسلوا الله ان يوتينى الوسيلة رواه احمد بسند صحيح عن ابى سعيد الخدري مرفوعا وروى مسلم عن عبد الله ابن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علىّ فانه من صلى علىّ صلوة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لى الوسيلة فانها منزلة فى الجنة لا ينبغى الا لعبد من عباد الله وأرجو ان أكون انا هو فمن سال لى الوسيلة حلت عليه الشفاعة فان قيل هذه الأحاديث تدل على ان الوسيلة درجة ليست فوقها درجة ولا جرم انها مختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم كما يدل عليه النصوص والإجماع وقوله تعالى وابتغوا اليه الوسيلة امر بطلبه ويظهر بذلك جواز حصوله لغيره فما الوجه لتخصيصه قلت المرتبة المختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن حصولها لاحد من الناس بالاصالة ولكن جاز حصولها لكمل افراد أمته بالتبعية والوراثة ومن طلب زيادة شرح هذا المقام فليرجع الى مكاتيب سيدى وامامى القيوم الرباني المجدد للالف الثاني ومن هاهنا يتلاشى كثير من اعتراضات المعاندين المتعصبين الغافلين عن حقيقة الأمر عن كلامه ويمكن ان يقال الوسيلة تعم درجات قربه تعالى وما طلبه النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه هو أعلى افرادها والله اعلم- (فائدة) وكون الرغبة والمحبة داخلة فى مفهوم الوسيلة كما ذكره الجوهري فى الصحاح يفيدك ان الترقي الى هنالك منوط بالمحبة لا بشئ اخر ويؤيده ما قال المجدد رض ان السير يعنى النظري فى مرتبة اللاتعين التي هى أعلى مراتب القرب التي ليس فوقها درجة وهى المكنى عنها بقوله صلى الله عليه وسلم لى مع الله وقت لا يسعنى فيه ملك مقرب ولا نبى مرسل منوط بالمحبة لا غير والله اعلم والمحبة ثمرة اتباع السنة قال الله تعالى فاتبعونى يحببكم الله فكمال متابعة النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا يفيد حصول تلك المرتبة لمن يشاء الله تعالى تبعا ووراثة وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ مع اعداء الله سبحانه عن النفس والشياطين والكفار لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وتفوزون الى ما هو مقصودكم من الخلوص لعبودية الله تعالى وكمال التقوى وابتغاء الوسيلة. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ ثبت أَنَّ لَهُمْ فى الاخرة ما فِي الْأَرْضِ من صنوف المحبوبين عنده جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ وبذلوه يدل عليه سياق الكلام لِيَفْتَدُوا بِهِ ووحد الضمير والمذكور شيئان

[سورة المائدة (5) : آية 37]

اما لاجرائه مجرى اسم الاشارة فى نحو قوله تعالى عوان بين ذلك او لان الواو فى ومثله بمعنى مع من قبيل كل رجل وضيعة معطوف على اسم ان وكلمة معه للتاكيد والتنبيه على ان الواو بمعنى مع فان قيل الواو بمعنى مع يفيد المعية فى الثبوت لا المعية فى الافتداء قلنا رجوع الضمير الى ما معه الشيء يفيد تعلق الحكم الذي تعلق به بما معه التزاما مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ المترتب على كمال بعدهم من الله وكونهم ملعونين مطرودين عن رحمته ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ جواب لو ولو بما فى حيّزه خبر ان والمعنى ان الكافرين الذين اختاروا فى الدنيا محبوبين غير الله سبحانه من الأنفس والأولاد والأموال وغيرها وما بذلوها فى الدنيا رغبة فى الله تعالى لو بذلوها فى الاخرة ما تقبل منهم لذهاب وقته فان قيل هذا المعنى يحصل فى القول بان الذين كفروا لو افتدوا بما فى الأرض ومثله معه ما تقبل منهم مع كونه اخصر قلنا فى هذا الأسلوب فائدتان جليلتان أحدهما انهم لو حصلوا ما فى الأرض ومثله للبذل والافتداء وكانوا خائفين من الله وحفظوا الفدية له وتفكروا فى الافتداء ورعاية أسبابه كما هو شان من يصدر منه امر بهم ما تقبل منه فضلا عند كونه غافلين عن تحصيل الفدية ثانيهما ان لا يتوهم ان عدم قبول الفدية لانها ليست عندهم ما يفتدوا به والله اعلم وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعنى انه كما لا يندفع به عذابهم لا يخفف عنهم عن انس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله لاهون اهل النار عذابا يوم القيامة لو ان لك ما فى الأرض من شىء أكنت تفتدى به فيقول نعم فيقول أردت منك أهون من هذا وأنت فى صلب آدم ان لا تشرك بي شيئا فابيت ان لا تشرك بي متفق عليه. يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ اى يقصدون الخروج كما فى قوله تعالى كلما أرادوا ان يخرجوا منها أعيدوا فيها او يتمنون ويطلبون من الله كما فى قوله تعالى اخبارا عنهم ربنا أخرجنا منها وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها أورد الجملة الاسمية بدل وما يخرجون للمبالغة والجملة حال من فاعل يريدون وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ اى دائم فيه تصريح لما علم ضمنا من الجملة السابقة وفيها إفادة انه كما لا يندفع ولا يخفف عذابهم لا يندفع دوامه ولا يزول عنهم. وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما كان المختار عند النحاة فى مثل هذا الموضع اعنى فى اسم يقع بعده فعل مشتغل عنه بضميره وكان الفعل إنشاء النصب بإضمار الفعل على شريطة التفسير

لان الإنشاء لا يقع خبرا الا بإضمار وتاويل وقد اتفق القراء هاهنا على الرفع فاحتاج النحاة هاهنا الى تكلف فقال سيبويه الاية جملتان السارق والسارقة مبتدأ خبره محذوف تقديره حكمهما فيما يتلى عليكم وقوله فاقطعوا جزاء شرط محذوف اى ان ثبت سرقتهما فاقطعوا وقال المبرد هى جملة واحدة وكون الفعل إنشاء وان كان يقتضى النصب لكن يعارضه ان الفاء يمنع عن المنع فيما قبله فقوله تعالى السارق والسارقة مبتدأ تضمن معنى الشرط ولذا دخل الفاء على خبره اى الذي سرق والتي سرقت فاقطعوا قال المحقق التفتازانيّ الإنشاء فى مثل هذا الموضع يقع خبر مبتدأ بلا تكلف لكونه فى الحقيقة جزاء للشرط اى ان سرق أحد فاقطعوه ولم يدرج الله سبحانه الإناث هاهنا وكذا فى حد الزنا فى التعبير عن الذكور كما هو داب القران فى كثير من المواضع لان الحدود تندرئ بالشبهات فلابد فيه من التصريح وبدأ بذكر الرجل هاهنا واخر فى الزانية والزاني لان فى السرقة لا بد من الجرأة وهى فى الرجال اكثر وفى الزنا من الشهوة وهى فى النساء أوفر وقطعت اليد لانها فمعز الدولة السرقة ولم يقطع فمعز الدولة الزنا تعاديا عن قتل النسل واليد اسم للعضو الى المنكب ولذلك ذهب الخوارج الى ان المقطع هو المنكب لكن توارث العمل وانعقد الإجماع على ان القطع من الرسغ ومثله لا يطلب له سند بخصوصه وقد روى فيه خصوص متون امر رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع السارق من المفصل رواه الدارقطني فى حديث رداء صفوان وضعف بالعذرى ورواه ابن عدى فى الكامل عن عبد الله بن عمر وفيه عبد الرحمن بن سلمة قال ابن القطان لا اعرف له حالا واخرج ابن ابى شيبة عن رجاء بن حيوة ان النّبى صلى الله عليه وسلم قطع رجلا من المفصل وانما فيه الإرسال واخرج عن عمر وعلى انهما قطعا من المفصل وقيل اليد اسم مشترك يطلق على ما الى المنكب وما الى الرسغ بل الإطلاق الثاني أشهر من الاول حتى يتبادر عند الإطلاق وإذا كان مشتركا فالقطع من الرسغ عملا بالمتيقن ودرأ للزائد عند احتمال عدمه والمراد بايديهما إيمانهما اجماعا عملا بقراءة ابن مسعود فاقطعوا إيمانهما وهى مشهورة يجوز به تقييد المطلق إذا كانا فى الحكم واتحدت الحادثة وليس هذا من بيان المجمل إذ لا إجمال فيه وقد قطع النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك الصحابة اليمين فلو كان الإطلاق مرادا دون التقييد باليمين لقطع اليسار البتة طلبا لليسر للناس ما أمكن فان اليمين انفع من اليسار والله اعلم ولما كان المراد إيمانهما

جاز وضع الجمع موضع المثنى كما فى قوله تعالى صغت قلوبكما اكتفاء بتثنية المضاف اليه واحترازا عن تكرير التثنية وذلك انما يجوز عند عدم اللبس فلا يقال عند ارادة التثنية افراسكما وغلمانكما ولو كان الإطلاق مرادا لم يجز ذلك لاجل اللبس فان أيدي الشخصين اربعة جاز ارادة الجمع ايضا والله اعلم والسرقة أخذ مال الغير من حرز مختفيا قال فى القاموس سرق منه الشيء واسترقه جاء مستترا الى حرز فاخذ مال غيره فالاخذ مال الغير على وجه الخفية من حرز داخل فى مفهومه فلهذا يشترط فى السرقة كون المال مملوكا لغيره لا يكون للسارق فيه ملك ولا شبهة ملك وكون المال فى حرز لا شبهة فيه وما كان حرز الشيء من الأموال فهو حرز لجميعها عند ابى حنيفة رح وعند الائمة الثلاثة الحرز يختلف باختلاف الأموال ومبناه على العرف فلو سرق لؤلؤا من إصطبل او حظيرة غنم يقطع عند ابى حنيفة لا عندهم والحرز قد يكون بالمكان المعدلة وقد يكون بالحافظ كمن جلس فى الطريق او المسجد وعنده متاعه فهو محرز به وقد قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم من سرق رداء سفيان من تحت راسه وهو نائم فى المسجد رواه مالك فى المؤطا واحمد من غير وجه والحاكم وابو داؤد والنسائي وابن ماجة قال صاحب التنقيح حديث صحيح وله طرق كثيرة وألفاظه مختلفة وان كان فى بعضها انقطاع وفى بعضها ضعف وكون الاخذ مختفيا اما ابتداء وانتهاء ان كان السرقة بالنهارا وابتداء فقط ان كانت بالليل فانه إذا نقب الجدار ليلا على الاستسرار أو أخذ المال من المالك جهارا مكابرة فهو سرقة وهذه الشروط مراعى بالإجماع لكونها ماخوذة فى مفهوم السرقة وما قيدنا من عدم الشبهة فى الملك او الحرز فمستفاد من الأحاديث المرفوعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فان وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله فان الامام لان يخطى فى العفو خير من ان يخطى فى العقوبة رواه الشافعي رح والترمذي والحاكم والبيهقي وصححه من حديث عائشة وروى ابن ماجة من حديث ابى هريرة مرفوعا بسند حسن ادفعوا الحدود عن عباد الله ما وجدتم له مدفعا وعن على مرفوعا ادرءوا الحدود ولا ينبغى للامام تعطيل الحدود رواه الدارقطني والبيهقي بسند حسن وروى ابن عدى فى جزء له من حديث اهل المصر بسند ضعيف والجربزة عن ابن عباس مرفوعا ادرءوا الحدود بالشبهات وأقيلوا الكرام عثراتهم الا فى حد من حدود الله وروى صدره ابو مسلم الكحى وابن السمعاني

فى الذيل عن عمر بن عبد العزيز مرسلا ومسدد عن ابن مسعود موقوفا وقد انعقد الإجماع على درء الحدود بالشبهات وإذا تمهد ما ذكرنا من الشروط فى السرقة فليتفرع عليها مسائل منها انه لا قطع على منتهب ولا مختلس لانه يجاهر بفعله فليس بسرقة ولا على خائن وجاحد وديعة لقصور فى الحرز لانه قد كان فى يد الخائن وحرزه لا حرز المالك باعتبار انه احرزه بايداعه عنده لكنه حرز ماذون للسارق فيه الدخول فيه وفى ما ذكرنا حديث جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس على المنتهب قطع ومن انتهب نهبة مشهورة فليس منا رواه ابو داود وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع رواه احمد والترمذي وقال حسن صحيح والنسائي وابن ماجة والدارمي وله شاهد من حديث عبد الرحمان بن عوف رواه ابن ماجة بإسناد صحيح واخر من رواية الزهري عن انس أخرجه الطبراني فى الأوسط ورواه ابن الجوزي فى العلل من حديث ابن عباس وضعفه وقال احمد يجب القطع على جاحد العارية لحديث عائشة قالت كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده فامر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها فاتى أهلها اسامة بن زيد فكلموه فكلم اسامة النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا اسامة لا أراك تكلمنى فى حد من حدود الله ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا فقال انما هلك من كان قبلكم بانه إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه والذي نفسى بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها فقطع يد المخزومية رواه مسلم وعن ابن عمر قال كانت مخزومية تستعير المتاع وتجحده فامر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بان المرأة كانت متصفة مشهورة بجحد العارية فعرفتها عائشة بوصفها المشهور والمعنى امرأة كانت وصفها جحد العارية سرقت فامرت بقطعها ولو سلمنا حملها على الظاهر فهذا الحديث يعارضه ما ذكرنا من حديث جابر لا قطع على الخائن وقد تلقته الامة بالقبول والعمل به فيحمل هذا الحديث على كونه منسوخا درا للحد ومنها انه لا قطع على النباش بشبهة فى الملك والحرز وبه قال ابو حنيفة ومحمد لان الكفن ليس ملكا للورثة لتاخر تعلق حقهم بالتركة من التجهيز بل من الديون والوصايا ايضا ولا ملكا للميت فانه فى احكام الدنيا ملحق بالجمادات ليس أهلا للملك والقبر حفرة من الصحراء مامور

للعموم المرور به ليلا ونهارا ولا غلق عليه ولا حارس فلا حرز وقالت الائمة الثلاثة وابو يوسف بقطع النباش لقوله صلى الله عليه وسلم من نبش قطعناه وهو حديث منكر رواه البيهقي فى المعرفة من حديث البراء بن عازب وقال فى اسناده بعض من يجهل حاله وقال البخاري فى التاريخ قال هشيم حدثنا سهل شهدت ابن الزبير قطع نباشا وسهل ضعيف قال عطاء نتهمه بالكذب وروى احمد بن حنبل بسنده عن هشيم عن يونس عن الحسن وابن سيرين قالا النباش يقطع وروى ايضا عن معاوية بن فروة قال يقطع النباش ولم يصح فى الباب حديث مرفوع ومنها انه لا يقطع السارق من بيت المال عند ابى حنيفة والشافعي واحمد والنخعي والشعبي وقال مالك يقطع قلنا انه مال عامة والسارق منهم واخرج ابن ابى شيبة عن عمر انه قال لا قطع عليه يعنى على سارق من بيت المال ما من أحد الا وله فيه حق وروى البيهقي عن على ليس على من سرق من بيت المال قطع واخرج ابن ماجة عن ابن عبّاس ان عبدا من رقيق الخمس سرق من المغنم فرفع الى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقطعه وقال مال الله سرق بعضه بعضا وعن ابن مسعود فيمن سرق من بيت المال قال أرسله فما من أحد إلا وله فى هذا المال حق ومنها انه لا يقطع السارق إذا كان للسارق فيه شركة بان سرق أحد الشريكين من حرز الاخر مالا مشتركا بينهما ومنها انه من له على اخر دراهم فسرق مثلها لم يقطع لانه استوفى حقه وكذا لو سرق اكثر من حقه لان فى الزيادة يكون شريكا بحقه ومنها انه لا يقطع الآباء والأمهات وان علوا فيما سرقوا من مال أولادهم لقوله صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لابيك وكذا ان سرق الفرع مال أصله عند الثلاثة للبسوطة فى المال وفى الدخول فى الحرز وقال مالك يقطع وكذا من سرق من ذى رحم محرم كالاخ والعم عند ابى حنيفة للبسوطة فى الدخول فى الحرز ولذا أباح الشرع النظر الى مواضع الزينة الظاهرة وعند الائمة الثلاثة يقطع الحاقا لها بالقرابة البعيدة ومما يدل على نقصان الحرز فى المحارم من ذوى الأرحام قوله تعالى ولا على أنفسكم ان تأكلوا من بيوتكم او بيوت ابائكم او بيوت أمهاتكم او بيوت إخوانكم او بيوت أخواتكم او بيوت أعمامكم او بيوت عماتكم او بيوت أخوالكم او بيوت خالاتكم او ما ملكتم مفاتحه او صديقكم فانه يفيد اطلاق الدخول وجواز الاكل او يورث شبهة عند قيام دليل المنع كما فى قوله عليه السلام أنت ومالك لابيك فان قيل فعلى هذا ينبغى ان لا يجب القطع من بيت الصديق ايضا

قلنا لما سرق من ماله فقد عاداه فلم يبق صديقا وقت السرقة ومنها انه لو سرق من بيت ذى الرحم مال غيره لا يقطع ولو سرق من بيت غير ذى الرحم مال ذى رحمه يقطع عند ابى حنيفة رح اعتبارا للحرز وعدمه ومنها انه لا يقطع أحد الزوجين بسرقة مال الاخر سواء سرق من بيت خاص لاحدهما او من البيت الذي هما فيه عند ابى حنيفة رح وهى رواية عن احمد رح وقول للشافعى وقال مالك رح والشافعي رح وهى رواية عن احمد اخرى ان سرق من بيت خاص قطع ومن بيت سكناها لا يقطع وفى قول للشافعى يقطع الزوج خاصة دون الزوجة لقوله صلى الله عليه وسلم لهند امرأة ابى سفيان خذ من ماله ما يكفيك وولدك ووجه قول ابى حنيفة الاذن فى الدخول عادة فاختل الحرز وفى موطأ مالك عن عمر انه اتى بغلام سرق مراة امرأة سيده فقال ليس عليه شىء خادمكم سرق متاعكم فاذا لم يقطع خادم الزوج فالزوج اولى ومنها انه لا يقطع العبد بسرقة مال سيده او زوجة سيده او زوج سيدتها للاذن فى الدخول ولا الضيف إذا سرق ممن اضافه لوجود الاذن فى الدخول ولا من سرق من بيت اذن فى الدخول منه كحوانيت التجار نهارا ومنها انه إذا سرق نصابا ثم ملكه بشراء او هبة مع القبض او ارث او غيره قبل الترافع او بعده وبعد القضاء لا يقطع عند ابى حنيفة ومحمد وعند الائمة الثلاثة وابى يوسف يقطع لان السرقة قد تمت انعقادا وظهورا فلا شبهة ولحديث صفوان بن امية قال بينا أنارا قد إذ جاء السارق فاخذ ثوبى من تحت راسى فادركته فاتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت ان هذا السرق ثوبى فامر به النبي صلى الله عليه وسلم ان يقطع فقلت يا رسول الله ليس هذا أردت هو عليه صدقة قال هلا قبل ان تأتيني به رواه مالك واحمد وابو داؤد وابن ماجة زاد النسائي فى روايته فقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى ابو داؤد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب وأجاب ابن همام بان حديث صفوان المذكور فى رواية كما ذكر وفى رواية الحاكم فى المستدرك انا أبيعه وانسئه ثمنه وسكت عليه وفى كثير من الروايات لم يذكر هذا بل قال ما كنت أريد هذا او قال أيقطع رجل من العرب فى ثلثين درهما فكان فى هذه الزيادة اضطرابا والاضطراب موجب للضعف واستيفاء الحدود من تمام القضاء وملك السارق قبل القضاء توجب شبهة البتة.

(فصل) ويشترط للقطع ان يكون المال المسروق نصابا بإجماع اهل السنة وعند الخوارج لا يشترط ذلك وبه قال ابن بنت الشافعي وداؤد وهو المروي عن الحسن البصري لاطلاق الاية ولقوله صلى الله عليه وسلم لعن الله السارق يسرق الحبل فيقطع يده ويسرق البيضة ويقطع يده متفق عليه من حديث ابى هريرة قلنا الاية ليست على إطلاقه اجماعا وقول الخوارج لا عبرة بها وكذا قول داؤد والحسن لا يصلحان خارقا للاجماع (مسئلة:) لو سرق جماعة نصابا واحدا او اكثر وأصاب كل واحد منهم اقل قال احمد يقطع أيديهم أجمعين وهو محمل حديث ابى هريرة عنده وقال مالك ان كانوا أخذوا نصابا واحدا وأخرجوه معا وكان المأخوذ مما يحتاج اليه المعاونة فيه قطعوا جميعا والا لا يقطع ما لم يصب كلواحد نصابا وعند ابى حنيفة والشافعي لا قطع على واحد من الجماعة بحال ما لم يصب كلواحد منهم نصابا. (مسئلة:) نصاب السرقة عشرة دراهم او دينارا وما يبلغ قيمة أحدهما عند ابى حنيفة رحمه الله وعند مالك واحمد فى اظهر الروايات عنه ربع دينار او ثلثة دراهم او ما يبلغ قيمة أحدهما وعند الشافعي ربع دينار من الدراهم وغيرها لحديث عائشة مرفوعا يقطع اليد فى ربع دينار فصاعدا ويروى لا يقطع اليد الا فى ربع دينار متفق عليه باللفظين معا وفى لفظ لن يقطع يد السارق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ادنى من ثمن المجن وفى لفظ لمسلم لا يقطع اليد الا فى ربع دينار فما فوقه وفى مسند احمد فى حديثها اقطعوا فى ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو ادنى من ذلك وفى حديث ابن عمران رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع سارقا فى مجن قيمته ثلثة دراهم متفق عليه وروى مالك فى المؤطا عن عمرة بنت عبد الرحمن ان سارقا سرق فى زمن عثمان اترجة فامر بها عثمان فقومت بثلاثة دراهم من ضرب اثنا عشر بدينار فقطع عثمان يده وجه قول ابى حنيفة ان الاخذ بالأكثر فى هذا الباب اولى احتيالا للدرء وقد روى فى ثمن المجن اكثر مما ذكر روى الحاكم فى المستدرك عن مجاهد عن ايمن قال لم يقطع اليد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الا فى ثمن المجن وثمنه يومئذ دينار وروى احمد والشافعي عن ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان قيمة المجن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم واخرج الدار قطنى واحمد من طريق سالم بن قتيبة حدثنا زفر بن

هذيل حدثنا الحجاج بن ارطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقطع السارق الا فى عشرة دراهم وروى ابن ابى شيبة فى مصنفه فى كتاب اللقطة عن سعيد ابن المسيب عن رجل من مزينة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما بلغ ثمن المجن قطعت يد صاحبه وكان ثمن المجن عشرة دراهم وروى عبد الرزاق والطبراني عن القاسم بن عبد الرحمن عن ابن مسعود موقوفا لا قطع الا فى دينار او عشرة دراهم وهو موقوف منقطع فان القاسم لم يسمع من ابن مسعود والحق ان الأحاديث التي احتج بها الجمهور صحاح غاية الصحة وهذه الأحاديث ضعاف ولا ترجيح ولا أخذ بالأحوط الا عند المعارضة فان ابن إسحاق وسالم وزفر والحجاج من رواة حديث عمرو بن شعيب كلهم ضعاف وايضا قول الراوي قيمة المجن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم ظن وتخمين من الراوي ولا شك ان ثمن المجن قد يكون ثلثة دراهم وقد يكون عشرة وقد يكون اكثر من ذلك على اختلاف كيفية المجن فعلى هذا حديث لن يقطع يد السارق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ادنى من ثمن المجن كان مجملا وو الحديث بلفظ يقطع فى ربع دينار وبلفظ لا يقطع الا فى ربع دينار وبلفظ اقطعوا فى ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو ادنى من ذلك محكم لا يعارضه الا لفظ لا يقطع السارق الا فى عشرة دراهم ان صح لكن بهذا اللفظ لا يصح مرفوعا والموقوف فى الخلافيات لا يكون حجة اجماعا نقل عن الشافعي انه قال لمحمد بن الحسن هذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يقطع فى ربع دينار فصاعدا فكيف قلت لا يقطع الا فى عشرة دراهم فصاعدا فاحتج محمد بحديث مجاهد عن ايمن بن أم ايمن أخي اسامة بن زيد لامه فاجاب الشافعي ان ايمن ابن أم ايمن قتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قبل ان يولد مجاهد وقد ذكر ابو حاتم ان ايمن راوى هذا الحديث غير ايمن الذي قتل يوم حنين وهذا تابعي لم يدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا زمن أحد من الخلفاء الاربعة قلت ومن لم يدرك زمن الخلفاء كيف تلده أم ايمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهى كانت حاضنة للنبى صلى الله عليه وسلم اكبر سنا منه وقيل ايمن كان اسما لرجلين من التابعين أحدهما مولى ابن الزبير وثانيهما مولى ابن ابى عمر وابن ابى حاتم وابن حبان جعلاهما واحدا والحاصل ان هذا الحديث لا يصلح كونه معارضا لحديث عائشة وابن عمر.

(مسئله) ولا قطع عند ابى حنيفة رحمه الله فيما يوجد تافها مباحا فى تلك الديار كالخشب والحشيش والقصب والسمك والطير والصيد والجص والنورة ولا فيما يتسارع اليه الفساد من الاطعمة كاللبن واللحم والفواكه والثمار الرطبة والرطاب وعند الائمة الثلاثة يقطع فى كل ذلك انكانت محرزة لعموم الاية وجه قول ابى حنيفة ان الاية ليست على عمومها اجماعا حيث خص منها ما دون النصاب فيختص هذه الأشياء ايضا بحديث عائشة لم يكن السارق يقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الشيء التافه رواه ابن ابى شيبة فى مصنفه من حديث عبد الرحمن بن سليمان عن هشام بن عروة عنها ورواه مرسلا ايضا عن وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه ورواه عبد الرزاق فى مصنفه أخبرنا ابن جريح عن هشام به وكذا اسحق بن راهويه قال أخبرنا عيسى بن يونس عن هشام ورواه ابن عدى فى الكامل مسندا عن عبد الله بن قبيصة الفزاري عن هشام بن عروة عن عائشة ولم يقل فى عبد الله هذا شيئا الا انه قال لم يتابع عليه ولم ار للمتقدمين فيه كلاما قال ابن همام لا يخفى ان هذه المرسلات كلها حجة وقد وصله ابن ابى شيبة وما روى عبد الرزاق بسند فيه جابر الجعفي عن عبد الله بن يسار قال اتى عمر بن عبد العزيز برجل سرق دجاجة فاراد ان يقطعه فقال له سلمة بن عبد الرحمن قال عثمان لا قطع فى الطير وروى ابن ابى شيبة عن عبد الرحمن بن مهدى عن زهير بن محمد عن يزيد بن حفصة قال اتى عمر بن عبد العزيز برجل قد سرق طيرا فاستفتى فى ذلك السائب بن يزيد فقال ما رايت أحدا قطع فى الطير وما عليه فى ذلك قطع فتركه عمر واخرج ابو داود فى المراسيل عن جرير بن حازم عن الحسن البصري ان النبي صلى الله عليه وسلم قال انى لا اقطع فى الطعام وذكره عبد الحق ولم يعله بغير الإرسال والمرسل عندنا حجة وحديث رافع ابن خديج قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لا قطع فى ثمر ولا كنز رواه الترمذي عن ليث بن سعد والنسائي وابن ماجة عن سفيان بن عيينة كلاهما عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع ورواه ابن حبان فى صحيحه وعند تعارض الانقطاع والوصل الوصل اولى لانه زيادة ومن الثقة مقبولة قال الطحاوي هذا الحديث تلقته الامة بالقبول قالوا المراد بالثمر فى هذا الحديث الثمر المعلق بالشجر لعدم الحرز بدليل حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو انه عليه الصلاة والسلام سئل

عن الثمر المعلق فقال من أصاب بفيه من ذى حاجة غير متخذ خبنة «1» فلا شىء عليه ومن خرج بشئ منه فعليه غرامة مثليه ومن سرق منه شيئا بعد ان يوويه الجرين «2» فبلغ تمن المجن فعليه القطع رواه ابو داود عن ابن عجلان والوليد بن كثير وعبيد الله بن الأخنس ومحمد بن اسحق اربعتهم عن عمرو بن شعيب ورواه النسائي من طريق وهب عن عمرو بن الحارث وهشام بن سعد عن عمرو بن شعيب وفى روايته ان رجلا من مزينة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحريسة «3» التي تؤخذ فى مراتعها فقال فيها ثمنها مرتين وضرب ونكال وما أخذ من عطته ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن قالوا يا رسول الله فالثمار وما أخذ منها فى أكمامها فقال من أخذ بفيه ولم يتخذ خبنة فليس عليه شىء ومن احتمل فعليه ثمنه مرتين وضرب ونكال وما أخذ من اجرانه ففيه القطع رواه احمد والنسائي وفى لفظ ما ترى فى الثمر المعلق فقال ليس فى شىء من الثمر المعلق قطع الا ما اواه الجرين فما أخذ من الجرين فبلغ ثمن المجن ففيه القطع وما لم يبلغ ثمن المجن غرامة مثليه وجلدات نكال ورواه الحاكم بهذا المتن وقال قال اما منا اسحق بن راهويه إذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب ثقة فهو كايوب عن نافع عن ابن عمر ورواه ابن ابى شيبة ووقفه على عبد الله بن عمرو وقال ليس فى شىء من الثمار قطع حتى يأوي الجرين وأخرجه عن ابن عمر مثله سواء وهذا الحديث حجة للائمة الثلاثة حيث أوجبوا القطع فى الثمار بعد الاحراز وايضا يؤيد مذهبهم ما رواه مالك فى المؤطأ ان سارقا سرق اترجة فى عهد عثمان فامر بها عثمان فقومت ثلثة دراهم من ضرب اثنى عشر درهما بدينار فقطع يده قال مالك وهى الا ترجة التي يأكلها الناس وقال ابن كنانة كانت اترجة من ذهب قدر الحمصة يجعل فيها الطيب ورد عليه بانه لو كانت من ذهب لم يقوم وأجاب عنه الحنفية بوجوه أحدها ان هذا الحديث متروك الظاهر بنص الكتاب حيث وجب الحديث فى الثمر غرامة مثليه وفى الحريسة ثمنها مرتين وقد قال الله تعالى فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وهذا انقطاع معنوى فى الحديث يوجب ترك العمل به ثانيها ان الحديث معارض بإطلاق ما روينا لا قطع فى ثمر ولا كنز وهو يشمل ما يوويه الجرين وغيره فالسبيل فى دفع التعارض اما التوزيع فيحمل عدم القطع على الرطب والقطع على اليابس واما ترجيح مالا يوجب القطع درأ للحد والله اعلم والمراد بالطعام فى الحديث الذي يوجب عدم القطع ما يتسارع اليه الفساد للاجماع

_ (1) يعطف الإزار وطرف الثوب اى لا يأخذ منه فى ثوبه 12 نهاية (2) موضع بخفيف التثمر (3) الحريسة يقال للشاة التي يدركها الليل قبل ان يصل الى مراحها وفلان يأكل الحرساة إذا سرق أغنام الناس وأكلها 12 نهاية

على انه يقطع فى الحنطة وغيرها من الحبوب والسكر الا فى عام سنة فانه لا يقطع فيها لانه عن ضرورة ظاهرا وهى تبيح التناول وعنه صلى الله عليه وسلم انه لا قطع فى مجاعة مضطر وعن عمر رضى الله تعالى عنه لا قطع فى عام سنة. (مسئلة:) وإذا سرق ثانيا بعد القطع فى الاولى او سرق اولا وهو مقطوع اليد اليمنى يقطع رجله اليسرى اجماعا لا بهذه الاية لان المأمور بالآية قطع اليد والمراد به قطع اليد اليمنى خاصة بدليل قراءة ابن مسعود والإجماع فلا يجب القطع لفوات المحل بل بالسنة والإجماع وان كان السارق مقطوع اليد اليمنى والرجل اليسرى او سرق ثالثا بعد القطع لا يقطع عند ابى حنيفة واحمد رحمهما الله بل يسجن ويعزر وقال مالك والشافعي يقطع رجله اليسرى ثانيا ثم ان سرق ثالثا يقطع يده اليسرى ثم ان سرق رابعا يقطع رجله اليمنى وهو رواية عن احمد ثم ان سرق خامسا يعزر ويحبس عندهما ايضا كقولنا فى الثالثة وحكى عن عطاء وعمرو بن العاص وعثمان وعمرو بن عبد العزيز يقتل فى الخامسة احتج مالك والشافعي بحديث جابر بن عبد الله قال اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسارق فقطع يده ثم اتى به قد سرق فقطع رجله ثم اتى به قد سرق فقطع يده ثم اتى به قد سرق فقطع ثم اتى به قد سرق فامر به فقتل رواه الدارقطني وفى اسناده محمد بن يزيد بن سنان وهو ضعيف ورواه ابو داود والنسائي بغير هذا السياق بلفظ جئ بسارق الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله انما سرق قال اقطعوه فقطع به ثم جئ به الثانية فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله انما سرق قال اقطعوه ثم جئ به الثالثة فقال اقتلوه فقالوا انما سرق قال اقطعوه فقطع ثم جئ به الرابعة فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله انما سرق فقال اقطعوه فقطع ثم جئ به الخامسة فقال اقتلوه قال جابر فانطلقنا به الى مربد النعم فاستلقى على ظهره فقتلناه ثم اجتررناه فالقيناه فى بير ورمينا عليه الحجارة وفى اسناده مصعب بن ثابت قال النسائي ليس بالقوى والحديث منكر لا اعلم فيه حديثا صحيحا وفى الباب عن الحارث بن حاطب الحجبي عند النسائي والحاكم وعن عبد الله بن زيد عند ابى نعيم فى الحلية وقال ابن عبد البر حديث القتل منكر لا اصل له وقد قال الشافعي هذا الحديث منسوخ لا خلاف فيه عند اهل العلم قال ابن عبد البر هذا يدل على ان ما حكاه ابو مصعب عن عثمان وعمرو بن عبد العزيز انه يقتل لا اصل له لانهم لا يخالفون الإجماع وبحديث ابى هريرة عن النبي صلى الله

عليه وسلم إذا سرق السارق فاقطعوا يده فان عاد فاقطعوا رجله فان عاد فاقطعوا يده فان عاد فاقطعوا رجله رواه الدارقطني وفى اسناده الواقدي قال احمد كذاب ورواه الشافعي عن بعض أصحابه عن ابن ابى ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن عن ابى مسلمة عن ابى هريرة مرفوعا نحوه وفى الباب عن عصمة بن مالك رواه الطبراني والبيهقي واسناده ضعيف وروى الدارقطني عن ابن عباس قال شهدت عمر بن الخطاب فقطع بعد يد ورجل يدا وروى مالك فى المؤطا عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه ان رجلا من اليمن اقطع اليد والرجل قدم فنزل على ابى بكر فشكا اليه ان عامل اليمن ظلمه فكان يصلى بالليل ويقول ابو بكر وأبيك وما ليلك بليل سارق ثم انهم فقدوا عقد الأسماء بنت عميس فجعل الرجل يطوف معهم ويقول اللهم عليك بمن بيت اهل هذا البيت الصالح فوجد الحلي عند صائغ زعم ان الأقطع جاء به فاعترف الأقطع وشهد عليه فامر به ابو بكر فقطعت يده اليسرى قال ابو بكر لدعائه على نفسه أشد عليه من سرقته وفى سنده انقطاع ورواه عبد الرزاق نحوه وقال محمد بن الحسن فى مؤطاه قال الزهري ويروى عن عائشة رض قالت انما كان الذي سرق حلى اسماء اقطع اليد اليمنى فقطع ابو بكر رجله اليسرى قال وكان ابن شهاب اعلم بهذا الحديث من غيره ولنا ما رواه محمد فى كتاب الآثار انا ابو حنيفة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن على رض قال إذا سرق السارق قطعت يده اليمنى فان عاد قطعت رجله اليسرى فان عاد ضمنته السجن حتى يحدث خيرا انى لاستحيى من الله ان ادعه ليس له يد يأكل بها ويستنجى بها ورجل يمشى عليها وروى عبد الرزاق فى مصنفه أخبرنا معمر عن جابر عن الشعبي قال كان على لا يقطع الا اليد والرجل وان سرق بعد ذلك سجنه ويقول انى لاستحيى من الله الحديث واخرج ابن ابى شيبة فى مصنفه حدثنا حاتم بن اسمعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على مثل ما قال الشعبي عنه واخرج البيهقي عن عبد الله بن سلمة عن على انه اتى بسارق فقطع يده ثم اتى به فقطع رجله ثم اتى به فقال اقطع يده باى شىء يتمسح وباى شىء يأكل اقطع رجله على اى شىء يمشى انى لاستحيى من الله ثم ضربه وخلده فى السجن وفى تنقيح عبد الهادي قال سعيد بن منصور حدثنا ابو معشر عن سعيد بن ابى سعيد المقبري عن أبيه قال حضرت على بن ابى طالب اتى برجل مقطوع اليد والرجل قد سرق

قال لاصحابه ما ترون فى هذا قالوا اقطعه يا امير المؤمنين قال قتلته إذا وما عليه القتل باى شىء يأكل الطعام باى شىء يتوضأ للصلوة باى شىء يغتسل من جنابته باى شىء يقوم على حاجته فرده الى السجن أياما ثم استخرجه فاستشار الصحابة فقالوا مثل قولهم الاوّل وقال لهم مثل ما قال اوّل مرّة فجلده جلدا شديدا ثم أرسله وقال سعيد ايضا حدثنا ابو الأحوص عن سماك بن حرب عن عبد الرحمن بن عامر قال اتى عمر بن الخطاب باقطع اليد والرجل قد سرق فامر به ان يقطع رجله فقال على قال الله تعالى انما جزاؤا الذين يحاربون الله ورسوله الاية فقد قطعت يد هذا ورجله فلا ينبغى ان يقطع رجلا فتدعه ليس له قائمة يمشى عليها اما ان تعزره واما ان تودعه السجن فاستودعه السجن وروى هذا البيهقي واخرج ابن ابى شيبة عن سماك ان عمر استشارهم فى سارق فاجمعوا على مثل قول علىّ واخرج عن مكحول ان عمر قال إذا سرق فاقطعوا يده ثم ان عاد فاقطعوا رجله ولا تقطعوا يده الاخرى وذروه يأكل بها ويستنجى بها ولكن احبسوه عن المسلمين وروى ابن ابى شيبة عن ابن عباس مثل قول على فظهران ما قال علىّ انعقد عليه الإجماع ورجع اليه عمر وما احتج به الشافعي اما لا اصل له واما منسوخ ولو كان عند الصحابة علم بفعل النبي صلى الله عليه وسلم لاحتجوا به على علىّ ولم يجز لعلى القول بانى لاستحيى الله الى آخره قال الله تعالى لا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله والله اعلم وبما استدل به على يستفاد ان من كان يده اليسرى او إبهامه او رجله اليمنى اقطع او شلاء وسرق اوّل مرة لا يقطع يمناه لانه إهلاك معنى وما عليه القتل والله اعلم- (مسئلة:) ويجب ان يحسم بعد القطع كيلا يودى الى التلف وعن الشافعي واحمد انه مستحب وروى الحاكم من حديث ابى هريرة انه صلى الله عليه وسلم اتى بسارق سرق شملة فقال عليه السّلام ما إخاله سرق فقال السارق بلى يا رسول الله فقال اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ثم ايتوني فقطع ثم حسم ثم اتى به فقال تب الى الله فقال تبت الى الله فقال تاب الله عليك وقال صحيح على شرط مسلم ورواه ابو داؤد فى المراسيل ورواه القاسم ابن سلام فى غريب الحديث واخرج الدارقطني عن على موقوفا انه قطع أيديهم من المفصل ثم حسمهم-

(مسئلة:) يجب القطع بإقراره مرة عند ابى حنيفة ومحمد ومالك والشافعي واكثر العلماء وقال احمد وابو يوسف وابن ابى ليلى وزفر وابن شبرمة لا يقطع الا بإقراره مرتين ويروى عن ابى يوسف اشتراط كون الإقرار مرتين فى مجلسين ليستدلوا بحديث ابى امية المخزومي انه صلى الله عليه وسلم اتى بلصّ قد اعترف فقال عليه السلام ما إخالك سرقت قال بلى يا رسول الله فاعادها عليه السلام مرتين او ثلثا فامر به فقطع فلم يقطع الا بعد تكرار إقراره وأسند الطحاوي الى على ان رجلا أقر عنده بسرقة مرتين فقال قد شهدت على نفسك شهادتين فامر به فقطع فعلقها فى عنقه وبالقياس على الشهادة فى الزنا اعتبر عدد الإقرار فيه بعدد الشهود والجواب ان حديث ابى امية المخزومي قال الخطابي فى اسناده مقال وقال الحديث إذا رواه مجهول لم يكن حجة ولم يجب الحكم به واما القياس فلا يصح لانه مع الفارق فان اعتبار العدد فى الشهادة للتهمة ولا تهمة فى الإقرار واشتراط العدد فى الإقرار بالزنا معدول عن سنن القياس بالنص وايضا يعارضه القياس على حد القذف والقصاص والحجة لابى حنيفة ما ذكرنا من حديث ابى هريرة فى مسئلة الحسم حيث قطعه بإقراره مرة- جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ منصوبان على المفعول له او المصدرية ودل على فعلهما فاقطعوا وقال البغوي منصوبان على الحال يعنى من فاعل فاقطعوا بتأويل اسم الفاعل وفى المدارك جزاء منصوب على المفعول له ونكالا بدل منه وفى القاموس نكّل تنكيلا صنع به صنعا يحذر غيره ونحاه عن ما قبله والنكال ما نكلت به غيرك كائنا ما كان قال المحقق التفتازانيّ ترك العطف اشعارا بان القطع للجزاء والقطع على قصد الجزاء للنكال والمنع عن المعاودة ولمنع الغير عن مثله قلت فعلى هذا الاولى ان يقال جزاء مفعول له لقوله فاقطعوا ونكالا مفعول له لقوله جزاء وقال بعض المحققين لم يعطف لان العلة مجموعهما والجزاء اشارة الى ان فيه حق العبد والنكال اشارة الى ان فيه حق الله تعالى. (مسئلة:) القطع يسقط عصمة المال المسروق عند ابى حنيفة رحمه الله ولا يجتمع القطع مع الضمان عنده وعند الائمة الثلاثة لا يسقط العصمة بالقطع ويجتمع القطع مع الضمان فان كان المال المسروق موجود أيسترد المالك من السارق اجماعا قبل لقطع وبعده وان هلك المال او استهلكه السارق لا ضمان على السارق عند ابى حنيفة

خلافا لهم وان سرق السارق الاول المال المسروق المردود الى المالك منه ثانيا بعد القطع فى السرقة الاولى وهو كذلك لا يقطع ثانيا عند ابى حنيفة لزوال العصمة وعندهم يقطع احتج ابو حنيفة بوجوه أحدها الاستدلال بهذه الاية قالوا الجزاء إذا اطلق فى موضع العقوبة يراد به ما يجب حقا خالصا لله لا يكون فيه حق العبد وكذا النكال فكان القطع خالص حق الله تعالى فوجب ان يكون الجناية على حقه خالصا بان يكون محلها حراما لعينه كالخمر لا حراما لغيره والا كان مباحا فى ذاته بالاباحة الاصلية وهو لا يوجب الجزاء لله وايضا لو كان مباحا لذاته ينتفى القطع للشبهة وايضا الجزاء اما مشتق من جزى بمعنى قضى او من جزأ بمعنى كفى وكلواحد منهما يدل على الكمال والكمال بالحرمة لعينه وإذا كان محرما لعينه لم يبق معصوما كالخمر والميتة فلا ضمان عند الهلاك والاستهلاك ثانيها انه لو وجب الضمان بعد القطع يتملك السارق المسروق بأداء الضمان مستندا الى وقت الاخذ فتبين انه ورد السرقة على ملكه فينتفى القطع وما يؤدى الى انتفائه فهو المنتفى وثالثها بحديث عبد الرحمن ابن عوف قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا غرم على السارق بعد قطع يمينه رواه الدارقطني ورواه النسائي بلفظ لا يغرم صاحب سرقة إذا أقيم عليه الحد والبزار بلفظ لا يضمن السارق سرقته بعد اقامة الحد ومدار هذا الحديث على سعيد بن ابراهيم يرويه عن أخيه مسور بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن جده عبد الرحمن بن عوف قال الدارقطني سعيد بن ابراهيم مجهول ومسور لم يذكر عبد الرحمن بن عوف وقال ويروى هذا من وجوه كلها لا يثبت وقال ابن همام سعيد بن ابراهيم انه الزهري قاضى المدينة أحد الثقات الإثبات وأجاب الشافعية عن الاستدلال بالآية بان قولكم الجزاء إذا اطلق فى معرض العقوبة يراد به ما يجب خالصا حقا لله تعالى ممنوع كيف وقد قال الله تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفى وأصلح فاجره على الله فانه صريح فى كون الجزاء حقا للعبد حتى يتصور العفو منه والظاهر ان الجزاء اشارة الى حق العبد والنكال اشارة الى حق الله تعالى كما ذكرنا والجزاء وان دل على الكمال لكن الكمال فى الجناية ان يجنى على كلا الحقين حق الله تعالى وحق العبد سلمنا ان القطع خالص حق الله تعالى لكن لا يلزم منه ان يكون المحل حراما لعينه حتى لا يترتب عليه الضمان بل القطع حق الشرع وسببه ترك الانتهاء عما نهى عنه والضمان حق العبد وسببه أخذ المال الذي تعلق به

[سورة المائدة (5) : الآيات 39 إلى 40]

حق العبد كاستهلاك صيد مملوك فى الإحرام سلمنا حرمة المحل لكن لاجل النهى لا لمعنى فيه كيف ولو حرم لعينه لم يحل للمسروق منه حال بقائه بعد القطع ولم يحل للزوج وطى المزنية بعد رجم الزاني لقوله تعالى فيه نكالا وايضا لو كانت الحرمة لعينه كالخمر والميتة يجب ان لا يجب القطع إذ لا قطع فى الخمر والميتة فينتفى القطع وما يودى الى انتفائه فهو المنتفى ولو يفرق بعصمة المسروق قبل السرقة بخلاف الخمر لقول سقوط العصمة ان لم يمنع القطع فلا اقل من ايراث الشبهة سلمنا الحرمة لعينه كالخمر لم لا يجوز ان يحرم بحرمتين او ثلث كشرب الخمر المملوكة للذمى فى صوم رمضان والزنا بامة غيره فى رمضان وأجابوا عن الاستدلال الثاني بانا لا نسلم ان السارق يملك المسروق مستندا من وقت الاخذ بل انما يجب عليه ضمان الاتلاف بالهلاك والاستهلاك وعن الثالث بان الحديث ضعيف ولو صح الحديث فلا يصادم عموم قوله تعالى فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وقوله عليه السلام على اليد ما أخذت حتى يوديه رواه احمد واصحاب السنن الاربعة بسند صحيح والحاكم عن سمرة بن جندب وَاللَّهُ عَزِيزٌ غالب لا يعارض فى حكمه حَكِيمٌ فيما حكم اخرج احمد وابن جرير وابن ابى حاتم عن عبد الله بن عمر وان امرأة سرقت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقطعت يدها اليمنى فقالت هل لى من توبة يا رسول الله قال نعم أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك فانزل الله تعالى. فَمَنْ تابَ من السرقة وغيرها مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ اى معصية من السرقة وغيرها والمراد بالتوبة الندم على ما وقع منه من المعصية ورد المظلمة والاستغفار من الله تعالى والعزم على تركها وَأَصْلَحَ امره بعد ذلك فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ اى يرجع عليه بالرحمة وقبول التوبة فلا يعذبه فى الاخرة وهل يسقط عنه القطع فى الدنيا أم لا فقال احمد يسقط القطع عن السارق وكل حد بالتوبة لهذه الاية ولقوله تعالى واللذان يأتيانها منكم فاذوهما فان تابا وأصلحا فاعرضوا عنهما ولقوله عليه السّلام التائب من الذنب كمن لا ذنب له وفى قول للشافعى يسقط الحد إذا مضى على التوبة سنة وعند ابى حنيفة ومالك وهو رواية عن احمد وقول للشافعى لا يسقط شىء من الحدود بالتوبة الأحد قاطع الطريق بالاستثناء المذكور فى الاية قالوا هذه الاية لا تدل على سقوط الحد وقوله تعالى واللذان يأتيانها كان فى اوّل الأمر ثم نسخ ونحن نقطع بان رجم ما عز والغامدية كان بعد توبتهما.

(مسئلة:) ومن سرق سرقة ورد المسروق الى المالك قبل الارتفاع الى الحاكم لم يقطع وعن ابى يوسف يقطع اعتبارا بما إذا ردها بعد المرافعة وجه الظاهر ان الخصومة شرط الظهور السرقة فكانت شرطا فى القطع والخصومة لا تتصور بعد الرد بخلاف ما لوردها بعد المرافعة وسماع البينة والقضاء فانه يقطع وكذا بعد سماعها قبل القضاء استحسانا لظهور السرقة عند القاضي بالشهادة بعد الخصومة. (مسئلة:) قطع السارق هل يكون له توبة اولا فقال مجاهد نعم لحديث عبادة ابن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوله عصابة من أصحابه بايعونى على ان لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين ايديكم وأرجلكم ولا تعصوا فى معروف فمن وفى منكم فاجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب على ذلك فى الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو الى الله ان شاء عفى عنه وان شاء عاقبه فبايعناه على ذلك متفق عليه وقال البغوي الصحيح ان القطع للجزاء على الجناية كما قال الله تعالى جزاء بما كسبا ولا بد من التوبة بعده ويدل عليه حديث ابى هريرة الذي ذكرناه فى مسئلة الحسم بعد القطع حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم بعد القطع بالإقرار تب الى الله فقال تبت الى الله تعالى فقال تاب الله عليك إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أَلَمْ تَعْلَمْ ايها النبي والمراد به الامة او المراد الم تعلم ايها الإنسان خطابا لكل واحد. أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه من العصاة سواء ارتكب صغيرة او كبيرة فانه عدل مقتضى المعصية وَيَغْفِرُ بفضله صغيرة كانت او كبيرة بالتوبة وبلا توبة لِمَنْ يَشاءُ مغفرته وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من التعذيب والمغفرة قَدِيرٌ لا يجب عليه شىء قدم التعذيب لان استحقاق التعذيب مقدم على المغفرة ولان المقصود وصفه تعالى بالقدرة والقدرة فى تعذيب من يشاء اظهر من القدرة فى مغفرته لانه لا اباء فى المغفرة وفى التعذيب اباء والله اعلم روى احمد ومسلم وغيرهما عن البراء ابن عازب قال مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودى محمم مجلود فدعاهم فقال هكذا تجدون حد الزاني فى كتابكم قالوا نعم فدعا رجلا من علمائهم فقال أنشدك بالله الذي انزل التورية على موسى هكذا تجدون حد الزاني فى كتابكم قال لا والله ولولا انك

نشدتنى لم أخبرك نحد حد الزاني فى كتابنا الرجم ولكنه كثر فى اشرافنا فكنا إذا أخذ الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فقلنا تعالوا نجعل شيئا نقيمه على الشريف والوضيع فاجتمعنا على التحميم والجلد فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم انى أول من احيى أمرك إذا أماتوه فامر به فرجم فانزل الله تعالى يا ايها الرسول لا يحزنك الى قوله ان أوتيتم هذا فخذوه يقولون ايتوا محمدا فان افتاكم بالتحميم والجلد فخذوه وان افتاكم بالرجم فاحذروا الى قوله ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الظالمون وذكر البغوي هذه القصة بان امرأة ورجلا من اشراف خيبر زنيا وكانا محصنين وكان حدهما فى التورية الرجم فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما فارسلوا الى إخوانهم بنى قريظة وقالوا سلوا محمدا عن الزانيين إذا احصنا ما حدهما فان أمركم بالجلد فاقبلوا منه وان أمركم بالرجم فاحذروا ولا تقبلوا منه وأرسلوا معهم الزانيين فقالت قريظة والنضير إذا والله يأمركم بما تكرهون ثم انطلق منهم كعب بن اشرف وسعيد بن عمرو ومالك بن الضيف ولبابة بن ابى الحقيق وغيرهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا احصنا ما حدهما فى كتابك فقال هل ترضونى بقضائي قالوا نعم فنزل جبرئيل بالرجم فاخبرهم بذلك فابوا ان يأخذوا به فقال جبرئيل جعل بينك وبينهم ابن صوريا ووصفه له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تعرفون شابا امرد ابيض اعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا قالوا نعم قال فاى رجل هو فيكم قالوا هو اعلم يهودى بقي على وجه الأرض بما انزل الله سبحانه على موسى فى التورية قال فارسلوا اليه فاتاهم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أنت ابن صوريا قال نعم قال وأنت اعلم اليهود قال كذلك يزعمون قال أتجعلونه بينى وبينكم قالوا نعم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أنشدك بالله الذي لا اله الا هو الذي انزل التورية على موسى وأخرجكم من مصر وفلق لكم البحر وأنجاكم وأغرق ال فرعون والذي ظلل عليكم الغمام وانزل عليكم المن والسلوى وانزل عليكم كتابه فيه حلاله وحرامه هل تجدون فى كتابكم الرجم على من أحصن قال ابن صوريا نعم والذي ذكرتنى لولا خشيه ان يحرقنى التورية ان كذبت وغيرت ما اعترفت لك ولكن كيف هى فى كتابك يا محمد قال إذا شهد اربعة رهط عدول انه قد ادخله فيها كما يدخل الميل فى المكحلة وجب عليه الرجم قال ابن صوريا والذي انزل التورية

[سورة المائدة (5) : آية 41]

على موسى هكذا انزل الله فى التورية على موسى فقال له النبي صلى الله عليه وسلم فماذا كان أول ما ترخصتم به امر الله قال كنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فكثر الزناء فى اشرافنا حتى زنى ابن عم ملك لنا فلم نرجمه ثم زنى رجل اخر فى اسرة من الناس فاراد ذلك الملك رجمه فقام دونه قومه فقالوا والله لا ترجمه حتى ترجم فلانا لابن عم الملك فقلنا تعالوا نجتمع فلنضع شيئا دون الرجم يكون على الوضيع والشريف فوضعنا الجلد والتحميم فامر بها النبي صلى الله عليه وسلم فرجم بهما عند باب مسجده وقال اللهم انى أول من احيى أمرك إذا ماتوه فانزل الله عز وجل. يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ صنيع الَّذِينَ يُسارِعُونَ يقعون سريعا فِي الْكُفْرِ اى فى انكار ما يجب فى الشرع إقراره والاعتقاد به إذا وجدوا منه فرصة روى البغوي بسنده عن ابن عمر قال ان اليهود جاؤا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له ان رجلا منهم وامراة زنيا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تجدون فى التورية فى شان الرجم قال نفضحهم ويجلدون قال عبد الله بن سلام كذبتم ان فيها لاية الرجم فاتوا بالتورية فنشروها فوضع أحدهم يده على اية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله ارفع يدك فرفع يده فاذا فيها اية الرجم قالوا صدق محمد فيها اية الرجم فامر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما فقال عبد الله فرايت الرجل يحنى على المرأة يقيها الحجارة واخرج احمد فى مسنده عن جابر بن عبد الله قال زنى رجل من اهل فدك فكتب اهل فدك الى ناس من اليهود بالمدينة ان سألوا محمدا عن ذلك فان أمركم بالجلد فخذوه عنه وان أمركم بالرجم فلا تأخذوه عنه فسألوه عن ذلك فذكر نحو حديث مسلم فامر به فرجم فنزلت فان جاءوك فاحكم بينهم الاية واخرج البيهقي فى الدلائل من حديث ابى هريرة نحوه وقال البغوي وقيل سبب نزول الاية القصاص وذلك ان بنى نضير كان لهم فضل على بنى قريظة فقال بنو قريظة إخواننا بنى النضير أبونا واحد وديننا واحد ونبيّنا واحد وإذا قتلوا منا قتيلا لم يقيدونا واعطون ديته سبعون وسقا من تمر وإذا قتلنا منهم قتلوا القاتل وأخذوا منا الضعف مائة وأربعين وسقا من تمر وإن كان القتيل امرأة قتلوا بها رجلا منا وبالرجل رجلين وبالعبد حرامنا وجراحاتنا على التضعيف من جراحاتهم فاقض بيننا وبينهم فانزل الله عز وجل هذه الاية كذا روى

احمد وابو داؤد عن ابن عباس قال أنزلها الله فى طائفتين من اليهود قهرت إحداهما الاخرى فى الجاهلية حتى ارتضوا واصطلحوا على ان كل قتيل قتلته العزيزة فديته خمسون وسقا وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق فكانوا على ذلك حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا فارسلت العزيزة ان ابعثوا الدية مائة وسق فقال الذليلة وهل كان ذلك فى حيين قط دينهما واحد ونسبتهما واحدة وبلدهما واحد دية بعضهم نصف دية بعض انا أعطيناكم هذا ضيما «1» منكم لنا وفرقا «2» فاما إذا قدم محمد فلا تعطيكم فكادت الحرب تهيج وبينهما ثم ارتضوا على ان جعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما فارسلوا اليه ناسا من المنافقين ليختبروا رايه فانزل الله عز وجل يا ايها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر مِنَ الَّذِينَ قالُوا بيان لقوله الذين يسارعون آمَنَّا مقولة قالوا بِأَفْواهِهِمْ متعلق بقالوا لا بآمنا وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ فى محل النصب على الحال من فاعل قالوا ويحتمل العطف على قالوا وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا عطف على من الذين قالوا يعنى من المنافقين واليهود سَمَّاعُونَ خبر مبتدأ محذوف اى هم سماعون والضمير للفريقين او للذين يسارعون ويجوز ان يكون مبتدأ ومن الذين هادوا خبره اى من اليهود قوم سماعون لِلْكَذِبِ اللام اما مزيدة للتاكيد او لتضمين السماع معنى القبول اى قابلون لما يفتريه الأحبار او للعلة والمفعول محذوف اى سماعون كلامك ليكذبوا عليك فيها بالزيادة والنقصان والتغير والتبديل وقيل اللام بمعنى الى اى سماعون الى كذب أحبارهم سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ من اليهود لَمْ يَأْتُوكَ اى لم يحضروك وتجافوا عنك تكبرا او افراطا فى البغض واللام فى لقوم اما لتضمن السماع معنى القبول اى مصغون لقوم آخرين قابلون كلامهم واما للعلة اى سماعون لاجلهم والإنهاء إليهم اى هم يعنى بنى قريظة جواسيس لقوم آخرين وهم اهل خيبر ويجوز ان يتعلق اللام بالكذب وسماعون الثاني مكرر للتاكيد اى سماعون كلامك ليكذبوا عليك لقوم آخرين أمي للانهاء إليهم يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ المنزلة فى التورية من اية الرجم والقصاص وغير ذلك والكلم اسم جنس او اسم جمع وليس بجمع ولذلك أفرد الضمير نظرا الى لفظه فى قوله تعالى مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ اى من بعد وضعه الله تعالى مواضعه معنى يحرفون الكلم

_ (1) الضيم الظلم 12 قاموس (2) الفرق بالفتحتين الخوف 12 نهاية [.....]

[سورة المائدة (5) : آية 42]

عما هو فى التورية اما لفظا بان يغيروه بغيره او معنى بان يحملوه على غير ما أريد منه والجملة صفة اخرى لقوم او صفة لسماعون او حال من الضمير فيه او استيناف لا موضع من الاعراب او فى موضع الرفع خبرا عن مبتدأ محذوف اى هم يحرفون وكذلك قوله تعالى يَقُولُونَ وجاز ان يكون حالا من الضمير فى يحرفون إِنْ أُوتِيتُمْ يعنى ان أتاكم محمد صلى الله عليه وسلم حكما مثل هذا المحرف فَخُذُوهُ اى اعملوا به وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ يعنى افتاكم محمد صلى الله عليه وسلم بخلافه فَاحْذَرُوا قبول ما افتاكموه وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ ضلالته او هلاكه او عذابه فَلَنْ تَمْلِكَ يا محمد لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً اى لن تقدر ولن تستطيع له شيئا من الاستطاعة كائنة من الله تعالى فى دفع مراده او لن تقدر دفع شىء من مراده تعالى فقوله تعالى أمن الله اما متعلق بقوله تملك ومن ابتدائية او ظرف مستقر حال من شيئا وشيئا منصوب على المصدرية او المفعولية فيه حجة لنا على المعتزلة فى ان مراد الله لا ينفك عن إرادته أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ من الكفر اية محكمة دالة على فساد قول المعتزلة ان الله يريد من كل عباده الايمان دون الكفر لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ هوان بالقتل كما وقع فى بنى قريظة او بالجزية والخوف من المؤمنين وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ وهو الخلود فى النار والضمير للذين هادوا على تقدير الاستيناف بقوله ومن الذين هادوا والا فللفريقين سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ كرر للتأكيد اى هم سماعون ومثله. أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ قرأ ابن كثير وابو عمرو والكسائي وابو جعفر فى المواضع الثلاثة بضم الحاء والباقون بإسكانها ومعناه الحرام وأصله الهلاك قال الله تعالى فيسحتكم بعذاب قال الأخفش السحت كل كسب لا يحل نزلت الاية فى حكام اليهود كعب بن الأشرف وأمثاله كانوا يرتشون ويقضون لمن رشاهم ويسمعون الكذب ويقبلونه من الراشي ولا يلتفتون الى خصمه وقال الحسن ومقاتل وقتادة والضحاك السحت هو الرشوة فى الحكم وقال الحسن انما ذلك فى الحكم إذا رشوته ليحق لك باطلا او يبطل عليك حقا فاما ان يعطى الرجل الوالي يخاف ظلمه ليدرأ به عن نفسه الظلم فلا بأس به يعنى لا بأس به على المعطى فى دفعه وقاية لنفسه وماله واما على الاخذ فحرام اخذه قلت وكذا إذا كان المدعى محقا يرى ان القاضي لا يحكم له بحقه ولا يدفع عنه ظلم

خصمه الا بدفع الرشوة فلا بأس له فى الدفع وحرام على القاضي الاخذ لان الحكم بالحق ودفع الظلم واجب عليه لا يجوز له ان يأخذ عليه شيئا قال ابن مسعود من يشفع شفاعة ليرد بها حقا او يدفع بها ظلما فاهدى له فقبل فهو سحت فقيل له يا باعبد الرحمن ما كنا نرى ذلك الا الاخذ على الحكم فقال الاخذ على الحكم كفر قال الله عز وجل ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون وعن مسروق قال قلت لعمر بن الخطاب ارايت الرشوة فى الحكم من السحت هى قال لا ولكن كفر انما السحت ان يكون للرجل عند السلطان جاه ومنزلة ويكون للاخر الى السلطان حاجة فلا يقضى حاجته حتى يهدى اليه هدية وعن عمر قال بابان من السحت يأكلهما الناس الرشا فى الحكم ومهر الزانية وعن ليث قال تقدم الى عمر بن الخطاب خصمان فاقامهما ثم عادا فاقامهما ثم عادا ففصل بينهما فقيل له فى ذلك فقال تقدما الى فوجدت لاحدهما ما لم أجد لصاحبه فكرهت ان افصل بينهما على ذلك ثم عادا فوجدت بعض ذلك فكرهت ثم عادا قد ذهب ذلك ففصلت بينهما وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعنة الله على الراشي والمرتشي فى الحكم رواه احمد والترمذي وصححه والحاكم عن ابى هريرة وروى البغوي نحوه عن عبد الله بن عمر ومرفوعا وروى احمد بإسناد ضعيف عن ثوبان مرفوعا لعن الله الراشي والمرتشي والرائش الذي يسعى بينهما. (فائدة) قال ابن همام الرشوة على اقسام منها ما هو حرام على الاخذ والمعطى وهو الرشوة فى تقليد القضاء فلا يصير قاضيا وارتشاء القاضي ليحكم فلا ينفذ قضاؤه فى تلك الواقعة وان حكم بحق لانه واجب عليه فلا يحل أخذ المال عليه ولا إعطائه ومنها ما هو حرام على الاخذ دون المعطى كما إذا اعطى المال ليسوى امره عند السلطان دفعا للضرر او جلبا للنفع وحيلة حلها للاخذ ان يستاجر يوما الى الليل او يومين فيصير منافعه مملوكة له ثم يستعمله فى الذهاب الى السلطان للامر الفلاني وكذا إذا ما اعطى المال لدفع الخوف من المدفوع اليه على نفسه او ماله حرام على الاخذ دون المعطى لان دفع الضرر على المسلم واجب ولا يجوز أخذ المال على الفعل الواجب. (فائدة) وفى المحيط الرشوة على انواع نوع منها ان يهدى الرجل الى رجل مالا لابتغاء التودد والتحبب وهذا حلال من جانب المهدى والمهدى اليه قلت وفى الباب قوله صلى

الله عليه وسلم تهادوا تحابوا ونوع منها ان يهدى الرجل الى رجل ما لا بسبب ان ذلك الرجل قد خوفه فيهدى اليه ما لا ليدفع الخوف عن نفسه او يهدى الى السلطان مالا ليدفع ظلمه عن نفسه او ماله وهذا النوع لا يحل للاخذ وعامة المشايخ على انه يحل للمعطى لانه بذل ماله وقاية لنفسه وماله ونوع منها ان يهدى الرجل الى رجل مالا يسوى امره فيما بينه وبين السلطان ويعينه فى حاجته فان كان حاجته حراما لا يحل من الجانبين الاخذ والإعطاء وان كان مباحا فان كان قد اشترط انه انما يهدى اليه ليعينه عند السلطان لا يحل الاخذ وهل يحل الإعطاء تكلموا فيه فمنهم من قال يحل ومنهم من قال لا يحل والحيلة فيه ان يستاجره صاحب الحادثة يوما الى الليل ليقوم بعمله وان لم يشترط لكن انما يهدى اليه ليعينه عند السلطان فقال عامة المشايخ لا يكره اخذه وقيل يكره كذا نقل عن ابن مسعود فَإِنْ جاؤُكَ يا محمد يعنى اليهود لتحكم بينهم فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً خيّر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم إذا تحاكم اليه الكفار بين الحكم والاعراض قال البغوي اختلفوا فى حكم هذه الاية اليوم هل للحاكم الخيار فى الحكم بين اهل الذمة إذا تحاكموا إلينا فقال اكثر اهل العلم هو حكم ثابت وليس فى سورة المائدة منسوخ حكام المسلمين بالخيار فى الحكم بين اهل الكتاب ان شاؤا حكموا وان شاؤا لم يحكموا وان حكموا حكموا بحكم الإسلام وهو قول النخعي والشعبي وعطاء وقتادة وقال قوم يجب على حكام المسلمين ان يحكم بينهم والاية منسوخة نسخها قوله تعالى وان احكم بينهم بما انزل الله وهو قول مجاهد وعكرمة وروى ذلك عن ابن عباس وقال لم ينسخ من المائدة الا آيتان قوله تعالى لا تحلوا شعائر الله نسخها قوله تعالى اقتلوا المشركين كافة وقوله تعالى فان جاؤك فاحكم بينهم او اعرض عنهم نسخها قوله تعالى وان احكم بينهم بما انزل الله قال البيضاوي قيل لو تحاكما الكتابيان الى القاضي لم يجب عليه الحكم وهو قول الشافعي والأصح وجوبه إذا كان الترافعان او أحدهما ذميا لانا التزمنا الذنب عنهم ودفع الظلم منهم والاية ليست فى اهل الذمة وعند ابى حنيفة رحمه الله يجب مطلقا قلت إذا ترافع الى القاضي كافران ذميان او حربيان يجب على القاضي الحكم بينهما بالعدل لانه التزم من السلطان القضاء بالحق وكذا إذا ترافع أحدهما والمدعى عليه

[سورة المائدة (5) : آية 43]

مسلم او ذمى لالتزامه حكم الشرع بالإسلام او الاستسلام بخلاف ما إذا كان المدعى عليه حربيا حيث لم يلتزم أحكامنا واما إذا ترافع مسلمان او ذميان او حربيان او مختلفان الى رجل من المسلمين غير الحكام ليحكم بينهم لا يجب عليه قبول التحكيم بل هو بالخيار ان شاء حكم بينهم وان شاء اعرض عنهم وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ بالعدل إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ العادلين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان المقسطين عند الله على منابر من نور رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو وعن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان أفضل عباد الله عند الله منزلة يوم القيامة امام عادل رفيق وان شر الناس عند الله منزلة امام جائر خرق «1» رواه البيهقي فى شعب الايمان. وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ تعجيب من تحكيمهم من لا يؤمنون به والحال انهم يعلمون حكم الله فان عندهم التورية فيها حكم الله وهو الرجم وهم لا يعملون به والحاصل انه ليس غرضهم من تحكيمهم إياك إصابة الحق واقامة الشرع بل انما يطلبون ما يكون أهون عليهم وان لم يكن حكم الله وقوله فيها حكم الله حال من التورية ان رفعتها بالظرف وان جعلتها مبتدأ فمن ضميرها المستكن فى الظرف وتانيثها لكونها نظيرة المؤنث فى كلام العرب كرماة ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ عطف على يحكمونك داخل فى التعجيب يعنى ثم يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم مِنْ بَعْدِ ذلِكَ اى بعد تحكيمك وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ 6 بشئ من كتب الله تعالى لا بالتورية والا لعملوا بها وأمنوا بما يصدقه ويوافقه ولا بكتابك. إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً الى الحق وَنُورٌ ينكشف به احكام الله تعالى ويجتلى به القلوب الغير القاسية يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ موسى ومن بعده من الأنبياء آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم قضى عليهم بالرجم وقال الحسن والسدى أراد به محمدا صلى الله عليه وسلم حكم على اليهود بالرجم وذكر بلفظ الجمع كما فى قوله تعالى ان ابراهيم كان امة قانتا ويحكم بصيغة المضارع يدل على ان حكم محمّد صلى الله عليه وسلم ايضا داخل فى المقصود بالآية وقيل ان المراد بالنبيين هاهنا الذين بعثوا بعد موسى قبل عيسى

_ (1) الخرق بالضم الجهل والحمق 12

ليحكموا بالتورية بقرينة قوله تعالى وقفينا على اثارهم بعيسى وعلى تقدير شمول كلمة النبيين المذكورة محمدا صلى الله عليه وسلم وغيره لا بد من التأويل فى قوله تعالى وقفينا على اثارهم بان الضمير راجع إليهم بالنسبة الى بعض افرادهم كما فى قوله تعالى وبعولتهن أحق بردهن ومن هاهنا قال ابو حنيفة يجب علينا العمل بشرائع من قبلنا ما لم يظهر نسخه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انا اولى الناس بعيسى بن مريم فى الاولى والاخرة الأنبياء اخوة من علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد الحديث متفق عليه يعنى دينهم واحد وهو ما قضى الله به سبحانه وطرق ظهور ذلك الدين فى الدنيا شتى بعدد تعينات الأنبياء الَّذِينَ أَسْلَمُوا اى انقادوا الحكم الله صفة أجريت على النبيين مدحا لهم وتنويها لشان المسلمين وتعريضا لليهود حيث لا يحكمون بما فى التورية ولا ينقادون لحكم الله تعالى لِلَّذِينَ هادُوا اى تابوا من الكفر متعلق بانزلنا او بالظرف المستقر أعنى فيها هدى ونورا وبيحكم اى يحكمون بها فى تحاكمهم وعلى التقدير الثالث قيل اللام بمعنى على كما فى قوله تعالى وان أسأتم فلها يعنى فعليها وقوله تعالى أولئك لهم اللعنة اى عليهم قلت وعلى هذا التأويل جاز ان يكون معنى الاية يحكم النبيون بالتورية على اليهود بكفرهم فان التورية يحكم عليهم انه إذا جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال البيضاوي هذا القيد يعنى للذين هادوا يدل على ان المراد بالنبيين فى هذه الاية أنبياء بنى إسرائيل الذين بعثوا بعد موسى عليه السّلام ليحكموا بما فى التورية لا من لم يومر بما فى التورية ومنهم عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم وكذا قوله تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا وهذا القول منه مبنى على مذهب الشافعي رح ان شرائع من قبلنا لا يكون حجة علينا قلنا قوله تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا لا يدل على نسخ جميع احكام التورية بل على بعضها او أكثرها وما لم يظهر نسخ حكم ثبت بالكتاب او السنة ان الله تعالى حكم به لا بد من العمل به لقوله تعالى فبهدئهم اقتده والله اعلم وَالرَّبَّانِيُّونَ اى الصوفية الزهاد يحكم بها المسترشدين منهم فيما يتعلق بتهذيب الأخلاق وتجلية القلوب وَالْأَحْبارُ جمع حبر بفتح الحاء وكسرها والكسر افصح هو العالم المحكم للشئ وقيل الحبر بمعنى الجمال فى الحديث يخرج من النار رجل قد ذهب حبره

[سورة المائدة (5) : آية 45]

وصبره اى حسنه وهيئته ومنه التحبير للتحسين ويقال للعالم حبرا لما عليه من جمال العلم والعلماء جمال الامة بِمَا اسْتُحْفِظُوا العائد الى الموصول محذوف وبيانه من قوله تعالى مِنْ كِتابِ اللَّهِ الجار والمجرور متعلق بيحكم والباء للسببية والضمير المرفوع فى استحفظوا راجع الى النبيين والربانيين والأحبار والاستحفاظ منهم تكليفهم بحفظه والعمل به ومنعهم عن نسيانه وعن ترك العمل به وعن التضييع والتحريف يعنى يحكم بها الأنبياء ومن تبعهم بسبب أمرهم الله تعالى بان يحفظوه وَكانُوا عَلَيْهِ اى على الاستحفاظ من الله او على كتاب الله شُهَداءَ رقباء يعلمونه ويبينونه فَلا تَخْشَوُا ايها الحكام النَّاسَ فى الحكومة على خلاف مرادهم وَاخْشَوْنِ فى ترك العمل بكتابي واحكامى اثبت الياء فى الوصل فقط ابو عمرو وحذفها الجمهور فى الحالين اخرج ابن عساكر والحكيم الترمذي عن ابن عباس انه قال انما يسلط على ابن آدم من خافه ابن آدم فان لم يخف الا الله لم يسلط عليه غيره وانما وكل ابن آدم بمن رجا ابن آدم فان لم يرج ابن آدم الا الله لم يكله الى سواه وَلا تَشْتَرُوا اى لا تستبدلوا بِآياتِي باحكامى التي أنزلتها ثَمَناً قَلِيلًا من متاع الدنيا على سبيل الرشوة ونحو ذلك هذا صريح فى ان حكام هذه الامة مأمورون بالحكم بما ثبت كونه فى التورية ولم يثبت نسخه وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مستهينا به جاحدا له كذا قال عكرمة فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ان لم يحكم بالاستهانة وقيل المراد بالكفر الفسق وجاز ان يكون المراد بالكفر ستر الحق قال ابن عباس وطاووس ليس بكفر ينقل عن الملة بل إذا فعل فهو به كفر يعنى ستر الحق وليس كمن كفر بالله واليوم الاخر. وَكَتَبْنا اى فرضنا عَلَيْهِمْ اى على بنى إسرائيل فِيها اى فى التورية أَنَّ النَّفْسَ القاتلة حرا كانت او رقيقا ذكرا كانت او أنثى مسلما كانت او ذميا تقتل بِالنَّفْسِ المقتولة كيفما كانت وقد مرحكم هذه المسألة فى شريعتنا فى سورة البقرة فى تفسير قوله تعالى الحر بالحر الاية وَالْعَيْنَ تقفأ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ تجدع بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ تقطع بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ تقلع بِالسِّنِّ قرأ الكسائي العين والانف والاذن والسن بالرفع على انها جمل متعاطفة عطفت على ان وما فى حيزها كانه قيل كتبنا عليهم النفس بالنفس فان الكتابة والقراءة يقعان على الجمل كالقول او مستانفة ومعناها وكذلك العين مقفوة بالعين والانف

مجدوعة بالأنف والاذن مقطوعة بالاذن والسن مقلوعة بالسن او على ان المرفوع منها معطوف على المستكن فى قوله بالنفس وانما ساغ لانه فى الأصل مفصول عنه بالظرف والجار والمجرور مبنية للمعنى والباقون بالنصب وقرأ نافع الاذن بالاذن وفى اذنيه بإسكان الذال حيث وقع والباقون بضمها وَالْجُرُوحَ ذات قِصاصٌ قرأ ابن كثير والكسائي وابو عمرو وابن عامر وابو جعفر بالرفع على انه إجمال للحكم بعد التفصيل والباقون بالنصب عطفا على اسم ان وهذا تعميم بعد التخصيص ولفظ القصاص ينبئ عن المماثلة فكل ما أمكن فيه رعاية المماثلة يجب فيه القصاص ومالا فلا فاليد ان قطع من المفصل عمدا قطعت يد الجاني من ذلك المفصل وانكانت يده اكبر من اليد المقطوعة وكذلك الرجل ومارن الانف والاذن والسن لامكان رعاية المماثلة ومن ضرب عين رجل فقلعها لا قصاص عليه لامتناع المماثلة فى القلع فان كانت العين قائمة وذهب ضوءها فعليه القصاص لا مكان المماثلة فتحمى له المرأة ويجعل على وجهه قطن رطب ويقابل عينه بالمرءاة فيذهب ضوءها وهو ماثور عن جماعة الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين قال فى الكفاية هذه حادثة وقعت فى زمن عثمان فسأل الصحابة عنها فلم يكن عندهم جواب فحضر على رض فاجاب بهذا فقضى عثمان بهذا ولم ينكر عليه أحد فصار اجماعا ولا قصاص فى عظم الا فى السن. (مسئلة:) ولا يقتص من الجراحة الا بعد الاندمال عند ابى حنيفة واحمد وقال الشافعي يقتص فى الحال لنا حديث جابر ان رجلا جرح فاراد ان يستقيد منه فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح رواه الدارقطني. (مسئلة:) من قطع يد رجل من نصف الساعد او جرحه جائفة فبرأ منها فلا قصاص عليه لانه لا يمكن اعتبار المماثلة فيه إذ الاول كسر العظم ولا ضابطة فيه وكذا البرأ نادر فيفضى الثاني الى الهلاك ظاهرا وقال الشافعي لو كسر عضده وابانه قطع من المرفق وله حكومة الباقي وكذا فى كسر الساعد وغيره من العظام ان له قطع اقرب مفصل من موضع الكسر وحكومة الباقي. (مسئلة:) لا قصاص عند ابى حنيفة فى اللسان ولا فى الذكر الا ان يقطع الحشفة

لانهما ينقبضان وينبسطان فلا يمكن اعتبار المماثلة وعن ابى يوسف انه إذا قطع اللسان او الذكر من أصله يجب القصاص وبه قال الشافعي واحمد لانه يمكن اعتبار المساواة والشفة ان استقصاها بالقطع يجب القصاص لامكان اعتبار المماثلة بخلاف ما إذا قطع بعضها لانه يتعذر اعتبارها. (مسئلة:) ولا يقطع اليد الصحيحة باليد الشلاء ولا يمين بيسار ولا يسار بيمين اجماعا- (مسئلة:) فى العين القائمة بلا نور واليد الشلاء ولسان الأخرس والذكر الأشل والإصبع الزائدة حكومة عدل عند الجمهور وعند احمد فيها ثلث دية العضو الصحيح لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان النبي صلى الله عليه وسلم قضى فى العين العوراء السادة مكانها إذا طمست ثلث ديتها وفى اليد الشلاء إذا قطعت بثلث ديتها وفى السن السوداء إذا نزعت بثلث ديتها رواه البيهقي من طريق النسائي وعن ابن عباس موقوفا فى اليد الشلاء ثلث الدية وفى العين القائمة إذا حشفت ثلث الدية رواه الدارقطني. (مسئلة:) ان كانت يد المقطوع صحيحة ويد القاطع شلاء او ناقصة الأصابع فالمقطوع بالخيار عند ابى حنيفة رحمه الله ان شاء قطع اليد المعيبة ولا شىء غيرها وان شاء أخذ الأرش كاملا لان استيفاء الحق كملا متعذر فله ان يتجوز بدون حقه وله ان يعدل الى البدل وعند الشافعي يجب الأرش لا غير. (مسئلة:) من شج رجلا فاستوعبت الشجة ما بين قرنيه وهى لا تستوعب ما بين قرنى الشاج فالمشجوج بالخيار ان شاء اقتص بمقدار شجته يبتدئ بها من اى الجانبين شاء وان شاء أخذ الأرش وفى عكسه يخير ايضا. (مسئلة:) ويجرى القصاص فى كسر السن كما يجرى فى قلعها عند ابى حنيفة رحمه الله وقال الشافعية لا قصاص فى الكسر لامتناع التماثل قلنا يمكن التماثل إذا يبرد بالمبرد وفى الباب حديث انس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالقصاص فى السن رواه النسائي وعن انس ايضا قال كسرت الربيع وهى عمة انس بن مالك ثنية جارية من الأنصار فاتوا النبي صلى الله عليه وسلم فامر بالقصاص فقال انس بن النضر عم انس ابن مالك لا تكسر

ثنيتها يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا انس كتاب الله القصاص فرضى القوم وقبلوا الأرش فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان من عباد الله من لو اقسم على الله لا بره متفق عليه. (مسئلة:) ليس فيما دون النفس شبهة عمد انما هو عمدا وخطاء لان شبه العمد فيما دون النفس عمد. (مسئلة:) لا قصاص بين الرجل والمرأة فيما دون النفس ولا بين الحر والعبد ولا بين العبدين عند ابى حنيفة رحمه الله وعند الائمة الثلاثة يجرى القصاص فى جميع ذلك الا فى الحر يقطع طرفا للعبد جريا على أصلهم من انه لا يقتص حر لعبد لقوله تعالى الحر بالحر وهذه الاية بعمومها يعنى العين بالعين حجة لهم على ابى حنيفة ووجه قول ابى حنيفة ان الأطراف يسلك بها مسلك الأموال فينعدم التماثل بالتفاوت فى القيمة وهو معلوم قطعا بتقويم الشرع فامكن اعتباره بخلاف الأنفس لان المتلف به الحيوة بازهاق الروح ولا تفاوت فيه. (مسئلة:) يجب القصاص فى الأطراف بين المسلم والذمي عند ابى حنيفة رحمه الله للتساوى بينهما فى الأرش عنده وقال الشافعي واحمد ان قطع المسلم طرف كافر فلا قصاص لعدم جريان القصاص بينهما فى الأنفس وقد مر المسألة فى سورة البقرة فَمَنْ تَصَدَّقَ من اصحاب الحق بِهِ اى بالقصاص وعفا عن الجاني فَهُوَ اى التصدق كَفَّارَةٌ لَهُ اى للمتصدق كذا قال عبد الله بن عمرو بن العاص والحسن والشعبي وقتادة اخرج ابن مردويه عن رجل من الأنصار عن النبي صلى الله عليه وسلم فى قوله فمن تصدق به فهو كفارة له قال هو الرجل يكسر سنه او يقطع يده او يقطع شىء منه او يجرح فى بدنه فيعفو عن ذلك فيحط عنه قدر خطاياه فان كان ربع الدية فربع خطاياه وإن كان الثلث فثلث خطاياه وانكانت الدية حطت عنه خطاياه كذلك وروى الطبراني فى الكبير بسند حسن عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تصدق من جسده بشئ كفر الله بقدره من ذنوبه والطبراني والبيهقي عن سنجرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ابتلى فصبروا عقل فشكر وظلم فغفر وظلم فاستغفر أولئك لهم الا من وهم مهتدون وروى الترمذي وابن ماجة عن ابى الدرداء

[سورة المائدة (5) : آية 46]

قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من رجل يصاب بشئ فى جسده فتصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط عنه خطيئة وكما أصيب شيخنا «1» وامامنا بجراحة توفى بها واستشهد أرسل اليه امير «2» الأمراء وقال لاقيدن ممن جنى عليك ايها الشيخ فقال الشيخ رضى الله تعالى عنه لا تعرضوا بمن جنى علىّ فتصدق الشيخ به وقيل الضمير عائد الى الجاني المفهوم مما سبق معنى عفوه كفارة لذنب الجاني لا يوخذ به فى الاخرة كما ان القصاص كفارة له واما اجر العافي فعلى الله قال الله تعالى فمن عفا وأصلح فاجره على الله قال البغوي روى ذلك عن ابن عباس وبه قال مجاهد وابراهيم وزيد بن اسلم وجاز ان يكون معنى الاية فمن تصدق به اى انقاد للقصاص لمن وجب له القصاص فهو كفارة له من ذنوبه قال الله تعالى ولكم فى القصاص حيوة يأولى الألباب وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ من القصاص وغيره فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ بالامتناع من ذلك. وَقَفَّيْنا اى اتبعناهم يعنى النبيين حذف المفعول لدلالة الجار والمجرور عليه اعنى عَلى آثارِهِمْ اى على اثار النبيين الذين اسلموا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مفعول ثان عدى اليه الفعل بالباء مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ فى موضع النصب على الحال من الإنجيل وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ اى الإنجيل مِنَ التَّوْراةِ عطف على فيه هدى وكذا قوله وَهُدىً وَمَوْعِظَةً وجاز نصبهما على العلية عطفا على محذوف يعنى رحمة للناس وهدى وموعظة لِلْمُتَّقِينَ لانهم هم المنتفعون به او تعلقا بمحذوف تقديره واتيناه هدى وموعظة وعلى تقدير نصبهما على العلية عطفا عليهما. وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ فى قراءة حمزة بكسر اللام ونصب يحكم يعنى ولكى يحكم وعلى التأويل الاول لام كى متعلق بمحذوف تقديره واتيناه ليحكم واما على قراءة الجمهور بسكون اللام والجزم على انه صيغة امر والجملة مستانفة فان قيل الإنجيل نسخ بالقران وصيغة الأمر للحال او للاستقبال فكيف يتصور الأمر بالحكم بما فى الإنجيل قلنا لا نسلم انه منسوخ بجميع أحكامه وما نسخ منه فتركه باتباع القران محكوم فيه فالحكم بالناسخ الذي ورد فى القران حكم بما انزل الله فى الإنجيل والحكم بالمنسوخ بعد النسخ ترك العمل بالإنجيل

_ (1) المراد به مرزاجا نجانا مظهر مرحوم 12 (2) نواب مرزا نجف خان 12

[سورة المائدة (5) : آية 48]

واهل الإنجيل هم امة عيسى عليه السّلام قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وامة محمّد صلى الله عليه وسلم بعد بعثته بدليل قوله تعالى لعيسى وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا الى يوم القيامة وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ الخارجون عن حكمه او عن الايمان بالاستهانة. وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ يا محمد الْكِتابَ القران متلبسا بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ اى من جنس الكتب المنزلة فاللام الاولى للعهد والثانية للجنس وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ روى الوالبي عن ابن عباس رضى الله عنهما اى شاهدا وهو قول مجاهد وقتادة والسدى والكسائي وقال عكرمة دالا وقال سعيد بن جبير وابو عبيدة موتمنا عليه وقال الحسن أمينا وقال سعيد بن المسيّب والضحاك قاضيا وقال الخليل رقيبا وحافظا والمعنى متقاربة ومعنى الكل ان كل كتاب يشهد به القران ويصدقه فهو كتاب الله قال ابن جريح القران أمين على ما قبله من الكتب فما اخبر اهل الكتاب من كتابهم فانكان فى القران فصدقوه والا فكذبوه يعنى الكان فى القران تصديقه فصدقوه وإن كان فى القران تكذيبه فكذبوه وان كان القران ساكتا عنه فاسكتوا عنه لاحتمال الصدق والكذب من اهل الكتاب قيل اصل مهيمن ما يمن مفيعل من الامانة فقلبت الهمزة هاء فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ اى بين الناس بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فى القران فانه اما موافق لما سبق من الاحكام او ناسخ له وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ اى أهواء الناس ان أرادوا منك الحكم على خلاف ما انزل الله عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ متعلق بقوله لا تتبع لتضمنه معنى لا تنحرف او حال من فاعله اى لا تتبع أهواءهم معرضا عما جاءك من الحق لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ اى جعلنا لكل امة منكم ايها الناس شِرْعَةً اى شريعة وهى الطريق الى الماء شبه الدين لانه طريق الى ما هو سبب للحيوة الا بدية وَمِنْهاجاً طريقا واضحا فى الدين من نهج الأمر إذا وضح استدل البيضاوي بهذه الاية على انا غير متعبدين بالشرائع المتقدمة ونحن نقول إذا ثبت بالقران او السنة ان الله تعالى حكم بشئ فى شىء من الكتب السابقة ولم يثبت نسخه فنحن متعبدون به بناء على انه من احكام شريعتنا والقول بترك جميع ما نزل فى الكتب السابقة لا يساعده عقل ولا نقل واختلاف الشرائع انما هو باختلاف اكثر الفروع مع اتحاد الأصول لا محالة وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً

[سورة المائدة (5) : آية 49]

جماعة متفقة على جميع الفروع فى جميع الاعصار من غير نسخ وتبديل وَلكِنْ لم يشأ ذلك وجعلكم امما شتى على شرائع مختلفة لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ من الاحكام المناسبة لكل عصر وقرن اى ليعلم من يتبع حكم الله ممن ينقلب على عقبيه جمودا على دين ابائهم وقيل معناه ولو شاء الله اجتماعكم على الإسلام لاجبركم عليه ولكن لم يجبر ليبلوكم فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ يعنى بادروا الى الأعمال الصالحة اغتناما للفرصة وحيازة لفضل السبق والتقدم فانه من سن سنة حسنة فله أجرها واجر من عمل بها من غير ان ينقص من أجورهم شىء إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً استيناف فيه تعليل للاستباق ووعد ووعيد للمبادرين والمقصرين فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ بالجزاء الفاصل بين المحق والمبطل روى ابن إسحاق عن ابن عباس قال قال كعب بن اسد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس اذهبوا بنا الى محمد لعلنا نفتنه عن دينه فاتوه فقالوا يا محمد انك قد عرفت انا أحبار اليهود واشرافهم وساداتهم وانا ان اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا وان بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك فتقضى لنا عليهم ونؤمن لك فابى ذلك فانزل الله تعالى. وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ الى قوله يوقنون عطف على الكتاب اى أنزلنا إليك الكتاب وأنزلنا إليك الحكم او على الحق اى أنزلناه بالحق وبان احكم وجاز ان يكون جملة بتقدير وأمرنا ان احكم بينهم بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عطف على احكم وكذا وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ اى ان يضلوك ويصرفوك وان مع صلته بدل اشتمال من الضمير المنصوب يعنى احذر فتنتهم او مفعول له يعنى احذرهم مخافة ان يفتنوك او لئلا يفتنوك عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا عن الحكم المنزل وأرادوا غيره فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ اى يعجل لهم الله العقوبة فى الدنيا ببعض ذنوبهم هاهنا وضع المظهر موضع المضمر والمعنى يريد الله ان يصيبهم به اى بذلك التولي فى الدنيا وهذا الإبهام لتعظيم التولي والتنبيه على ان لهم ذنوب كثيرة واحدها هذا وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ يعنى من اليهود لَفاسِقُونَ المتمردون المعتدون فى الكفر. أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ قرأ ابن عامر بالتاء الفوقانية على الخطاب والباقون بالتحتانية على الغيبة والمراد بالجاهلية الملة الجاهلية وهى متابعة الهوى

[سورة المائدة (5) : آية 51]

قيل نزلت فى قريظة وبنى النضير طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يحكم بما كان يحكم به اهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى والاستفهام للانكار يعنى لا تفعل ذلك وَمَنْ أَحْسَنُ يعنى لا أحد احسن مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ 4 اى عندهم واللام للبيان كما فى قولك هيئت لك اى هذا الاستفهام لقوم يوقنون فانهم هم الذين يتدبرون فى الأمور ويتحققون فى الأشياء بانظارهم فيعلمون ان لا احسن حكما من الله تعالى اخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال اسلم عبد الله بن ابى ابن سلول ثم انه قال ان بينى وبين قريظة والنضير حلف وانى أخاف الدوائر فارتد كافرا وقال عبادة بن الصامت انى ابرأ الى الله من حلف قريظة والنضير وأتولى الله ورسوله والمؤمنين فانزل الله تعالى هذه الاية الى قوله فترى الذين فى قلوبهم مرض الاية وقوله انما وليكم الله الاية وقوله لو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما انزل اليه ما اتخذوهم اولياء واخرج ابن اسحق وابن جرير وابن ابى حاتم والبيهقي عن عبادة بن الصامت قال لما حاربت بنو قينقاع نشب بامرهم عبد الله بن ابى ابن سلول وقام دونهم ومشى عبادة بن الصامت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ الى الله ورسوله ومن حلفهم وكان أحد بنى عوف بن الخزرج وله من حلفهم مثل الذي لهم من عبد الله بن ابى فتبرأ من حلفائه الكفار وولايتهم قال ففيه وفى عبد الله بن ابى نزلت. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا «1» الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ اى لا تعتمدوا عليهم ولا تعاشروهم معاشرة الأحباب بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ايماء الى علة النهى يعنى انهم متفقون على خلافكم واضراركم وتوالى بعضهم بعضا لاتحادهم فى الدين وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ يعنى عبد الله بن ابى فَإِنَّهُ مِنْهُمْ يعنى كافر منافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا الحباب ما نفست «2» من ولاية

_ (1) عن عياض ان عمر امر أبا موسى الأشعري ان يرفع اليه ما أخذ وما اعطى فى أديم واحد وكان له كاتب نصرانى فرفع اليه ذلك فعجب عمر وقال ان هذا لحفيظ بل أنت قارى لنا كتابا فى المسجد جاء من الشام فقال انه لا يستطيع ان يدخل المسجد قال عمرا جنب قال لا بل نصرانى قال فنهزنى وضرب فخذى ثم قال أخرجه ثم قرأ لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء الاية أخرجه ابن ابى حاتم والبيهقي فى شعب الايمان 12 (2) اى ما صرت مرغوبا من ولاية اليهود على عباده 12

[سورة المائدة (5) : آية 52]

اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه قال إذا اقبل وجاز ان يكون قوله تعالى ومن يتولهم منكم فانه منهم مبنيا على التجوز يعنى من يتولهم فهو فاسق والفاسق يشابه الكافر والغرض منه التشديد فى وجوب مجانبتهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انا برئ من كل مسلم اقام مع المشركين لا ترا انا راهما رواه الطبراني برجال ثقات عن خالد بن الوليد واخرج ابو داؤد والترمذي والنسائي عن جرير بن عبد الله إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفار وظلموا المؤمنين بموالاة أعدائهم. فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعنى عبد الله ابن ابى ابن سلول وأصحابه من المنافقين يُسارِعُونَ فِيهِمْ اى فى موالاة اليهود ومعاونتهم مفعول ثان لترى إن كان من الروية بمعنى العلم والا فهو حال من فاعله يَقُولُونَ حال من فاعل يسارعون نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ من دوائر الزمان بان ينقلب الأمر ويكون الدولة للكفار ولا يتم امر محمّد فيدور علينا كذا قال ابن عباس وقيل معناه نخشى ان يدور الدهر علينا بمكروه فنحتاج الى نصرهم او يصيبنا جدب وقحط فلا يعطونا الميرة اخرج ابن جرير من حديث عطية وابن اسحق ان عبادة بن الصامت قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ان لى موالى من اليهود كثيرا عددهم وانى ابرأ الى الله ورسوله من ولايتهم وأو الى الى الله ورسوله فقال ابن ابى انى رجل أخاف الدوائر لا ابرأ من ولاية موالى قال البغوي فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا الحباب ما نفست من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه قال إذا اقبل قال الله تعالى فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ قال قتادة ومقاتل بالقضاء الفصل من نصر محمد صلى الله عليه وسلم على من خالفه وقال الكلبي والسدى فتح مكة وقال الضحاك فتح قرى ليهود خيبر وفدك وغيرها أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ اى اظهار اسرار المنافقين وقتلهم وتفضيحهم او قتل بنى قريظة واجلاء بنى النضير واستيصال اليهود من جزيرة العرب فَيُصْبِحُوا اى هؤلاء المنافقين منصوب بان مقدرة بعد فاء السببية الواقعة بعد عسى لانه بمعنى لعل وهو من ملحقات التمني كما فى قوله تعالى لعلى ابلغ الأسباب اسباب السموات فاطلع بالنصب وجاز ان يكون معطوفا على الفتح تقديره عسى الله ان يأتي بالفتح وصيرورة المنافقين نادمين وجاز ان يكون معطوفا على يأتي وهذا اما على تقدير كون ان يأتي اسم عسى بدلا من الله

[سورة المائدة (5) : آية 53]

مغنيا عن الخير بما تضمنه من الحدث واما على تنزيل عسى الله ان يأتي منزلة عسى ان يأتي الله لان كليهما بمعنى واحد فالتقدير عسى ان يأتي الله بالفتح وعسى ان يصبحوا الا على تقدير كون يأتي خبر عسى لانه حينئذ لا بد من الضمير فى خبر عسى عائدا الى اسمه وجاز ان يقال لفظة الله فى قوله اقسموا بالله مظهر فى موضع الضمير والله اعلم عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ استبطنوه من النفاق وموالاة الكفار فضلا عما أظهروه مما أشعر على نفاقهم نادِمِينَ خبر ليصبحوا والجار والمجرور متعلق به. وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا قرأ الكوفيون بالواو ويقول بالرفع على انه كلام مبتدأ وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر بغير واو وهكذا فى مصاحفهم ويقول بالرفع على الاستيناف كانه فى جواب قائل يقول فماذا يقول المؤمنون حينئذ وقرأ ابو عمرو ويعقوب بالواو ويقول بالنصب على انه معطوف على يصبحوا والمعنى إذا جاء الله بالفتح يصير المنافقون نادمين ويقول المؤمنون متعجبين او على احتمالات اخر ذكرناها فى فيصبحوا والتقدير عسى ان يأتي الله بالفتح وقول المؤمنين كذلك او عسى ان يأتي الله بالفتح او عسى ان يقول المؤمنون او عسى الله ان يقول المؤمنون أهؤلاء المنافقون الذين اقسموا به تعالى كذلك أَهؤُلاءِ يعنى المنافقين الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ اى أغلظها مصدر قائم مقام الجملة الواقعة حالا تقديره اقسموا بالله يجتهدون جهدا ايمانهم ولذلك جاز كونه معرفة او منصوب على المصدرية من اقسموا لانه بمعناه إِنَّهُمْ اى المنافقين لَمَعَكُمْ هذه الجملة جواب للقسم يعنى يقول المؤمنون بعضهم لبعض تعجبا من حال المنافقين حيث كانوا يقسمون بانهم لمع المؤمنين وتبجّحا بما منّ الله عليهم من الإخلاص او يقولون لليهود فان المنافقين كانوا يحلفون لليهود بالمعاضدة ويقولون لهم ان أخرجتم لنخرجن معكم وان قوتلتم لننصرنكم حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ فى الدنيا والاخرة هذه الجملة اما من مقولة المؤمنين او من مقولة الله تعالى شهادة لهم بحبوط أعمالهم وخسرانهم. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ «1» قرأ نافع

_ (1) عن قتادة انه قال انزل الله هذه الاية وقد علم انه سيرتد مرتدون من الناس فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم ارتد عامة العرب عن الإسلام الا ثلثة مساجد اهل المدينة واهل مكة واهل جواثا من عبد القيس وقال الذين ارتدوا نصلى الصلاة ولا تزكى والله لا يغصب أموالنا فكلم ابو بكر فى ذلك يتجاوز عنهم وقيل اما انهم لو قد فقهوا أدوا الزكوة فقال والله لا افرق بين شىء جمعه الله لو منعونى عقالا مما فرض الله ورسوله لقاتلتهم عليه فبعث الله بعصائب مع ابى بكر فقاتلوا حتى قتلوا وأقروا بالماعون وهو الزكوة قال قتادة فكنا نتحدث ان هذه الاية نزلت فى ابى بكر وأصحابه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابو الشيخ والبيهقي فى سننه وابن عساكر 12 منه (فائده) لم يوجد قتال مع المرتدين الا فى زمن ابى بكر وقد لامه الصحابة وكرهوا ذلك القتال فى الابتداء فلم يخف لومتهم ثم حمدوه فى الانتهاء 12 منه وعن ابى موسى الأشعري قال قلت عند النبي صلى الله عليه وسلم فسوف يأتي الله بقوم يحبونه ويحبهم قال هؤلاء من اهل اليمن ثم من كندة ثم من السكون ثم من تجيب وعن القاسم ابن محمره قال أتيت عمر فرجت فى ثم تلا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ثم ضرب على منكبى وقال احلف بالله انهم لمنكم اهل اليمن ثلثا أخرجه البخاري فى تاريخه قلت وقع قتال عسكر ابى بكر مع اهل الردة بامداد اهل اليمن 12 منه

وابن عامر يرتدد بفك الإدغام والباقون بالإدغام بفتح الدال مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ يعنى عن الإسلام الى الكفر قال الحسن علم الله تبارك وتعالى ان قوما يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم فاخبر انه سياتى فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ العائد الى عن محذوف تقديره فسوف يأتي الله اى يقيم الله تعالى لمدافعتهم قوما منكم يحبهم ويحبونه واختلفوا فى ذلك القوم من هم قال على رض ابن ابى طالب والحسن والضحاك وقتادة هم ابو بكر وأصحابه الذين قاتلوا اهل الردة ومانعى الزكوة وذلك ان النبي صلى الله عليه وسلم لما قبض ارتد عامة العرب الا اهل مكة والمدينة والبحرين من عبد القيس ومنع بعضهم الزكوة وهمّ ابو بكر بقتالهم فكره ذلك اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقال عمر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت ان أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله فمن قاله فقد عصم منى ماله ونفسه الا بحقه وحسابه على الله عز وجل فقال ابو بكر رض والله لا قاتلن من فرق بين الصلاة والزكوة فان الزكوة حق المال والله لو منعونى عناقا كانوا يؤدونها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها قال انس بن مالك كرهت الصحابة قتال مانعى الزكوة وقالوا

اهل القبلة فتقلد ابو بكر رض سيفه وخرج وحده فلم يجدوا بدا من الخروج على اثر قال ابن مسعود رض كرهنا ذلك فى الابتداء ثم حمدناه عليه فى الانتهاء قال ابو بكر بن عياش سمعت أبا حفص يقول ما ولد بعد النبيين مولود أفضل من ابى بكر رض قام بعد النبي صلى الله عليه وسلم فى قتال اهل الردة وقال قد ارتد فى حيوة النبي صلى الله عليه وسلم ثلث فرق منهم مذحج ورئيسهم ذو الحمار عبهلة بن كعب العنسي ويلقب بالأسود وكان كاهنا مشعبدا فتبنّى باليمن واستولى على بلاده فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الى معاذ بن جبل ومن معه من المسلمين وأمرهم ان يحثوا الناس على التمسك بدينهم وعلى النهوض الى حرب الأسود فقتله فيروز الديلمي على فراشه قال ابن عمر فاتى الخبر النبي صلى الله عليه وسلم من السماء الليلة التي قتل فيها وقال النبي صلى الله عليه وسلم قتل الأسود البارحة قتله رجل مبارك قيل ومن هو قال فيروز وفاز فيروز فبشر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بهلاك الأسود وقبض صلى الله عليه وسلم من الغد واتى خبر مقتل العنسي المدينة فى اخر شهر ربيع الاول بعد مخرج اسامة وكان ذلك أول فتح جاء أبا بكر رض والفرقة الثانية بنو حنيفة باليمامة ورئيسهم مسيلمة الكذاب وكان قد تنبى فى حيوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى اخر سنة عشر وزعم انه أشرك مع محمد صلى الله عليه وسلم فى النبوة وكتب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسيلمة رسول الله الى محمد رسول الله اما بعد فان الأرض نصفها لى ونصفها لك وبعث بذلك اليه رجلين من أصحابه فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا ان الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما ثم أجاب من محمد رسول الله الى مسيلمة الكذاب اما بعد فان الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ومرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفى فبعث ابو بكر خالد بن الوليد الى مسيلمة فى جيش كثير حتى أهلكه الله على يدى وحشي غلام مطعم بن عدى الذي قتل حمزة بن عبد المطلب بعد حرب شديد وكان وحشي يقول قتلت خير الناس فى الجاهلية وشر الناس فى الإسلام والفرقة الثالثة بنو اسد ورئيسهم طليحة بن خويلد وكان طليحة اخر من ارتد وادعى النبوة فى حيوة النبي صلى الله عليه وسلم وأول من قوتل بعد وفات النبي صلى الله عليه وسلم من اهل الردة فبعث ابو بكر خالد بن الوليد اليه فهزمهم خالد بعد قتال شديد وأفلت طليحة فمر على

وجهه هاربا نحو الشام ثم انه اسلم بعد ذلك وحسن إسلامه وقد ارتد بعد وفات النبي صلى الله عليه وسلم فى خلافة ابى بكر رض خلق كثير سبع فرق فزارة قوم عيينة بن حصين وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري وبنو سليم قوم الفجاة بن عبد ياليل وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة وبعض تميم قوم شجاج بنت المنذر المتنبية زوجة مسيلمة وأسلمت آخرا وكندة قوم الأشعث بن قيس وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطيم حتى كفى الله بالمسلمين أمرهم ونصر دينه على يدى ابى بكر رض قالت عائشة توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب واشرب النفاق ونزل بابى ما لو نزل بالجبال الراسيات «1» لها ضمها «2» وارتد فى خلافة عمر غسان قوم جبلة ابن الابهم لما اجرى عليه عمر حكم القصاص تنصر وصار الى الشام وقال قوم المراد «3» بقوم يحبهم ويحبونه هم الأشعريون روى عن عياض بن غنم قال لما نزلت هذه الاية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم هذا وأشار الى ابى موسى الأشعري رواه ابن جرير فى سننه والطبراني والحاكم وكانوا من اليمن عن ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أتاكم اهل اليمن هو أضعف قلوبا وارق افئدة الايمان يمان والحكمة يمانية متفق عليه وقال الكلبي هم احياء من اليمن الفان من النخع وو خمسة آلاف من كندة وبحيلة وثلثة آلاف من إفناء الناس فجاهدوا فى سبيل الله يوم القادسية فى ايام عمر رض أَذِلَّةٍ جمع ذليل من ذل يذل ذلا وذلالة بالضم وذلة بالكسر ومذلة وذلالة بالفتح بمعنى هان كذا فى القاموس والذلة انكانت على الإنسان من نفسه فهى محمودة قال الله تعالى واخفض لهما جناح الذل من الرحمة اى كن كالمقهور لهما وانكانت من غيره عليه فعليه عذاب قال الله تعالى ترهقهم ذلة وضربت عليهم الذلة والمسكنة وضد الذلة العز بمعنى الغلبة والعزيز الذي يقهر ولا يقهر وهى إن كان للانسان من نفسه لنفسه فمذموم قال الله تعالى بل الذين كفروا فى عزة وشقاق وقد يستعار

_ (1) اى القائمات 12 (2) اى كسرها 12 (3) اخرج ابن سعد وابن ابى شيبة واحمد والطبراني والبيهقي فى الشعب عن ابى ذر قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع يحب المساكين وان ادنوا منهم وان انظر الى من هو أسفل منى ولا انظر الى من هو فوقى وان اصل رحمى وان جفانى وان اكثر من قول لا حول ولا قوة الا بالله فانها من كنز تحت العرش وان أقول الحق وان كان مرا ولا أخاف فى الله لومة لائم وان لا أسأل الناس شيئا 12 منه

حينئذ للحمية قال الله تعالى أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم وان كانت من الله تعالى فكمال ونعمة قال الله تعالى ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين وقال عز وجل من كان يريد العزة فلله العزة جميعا وقال عليه السلام كل عز ليس من الله فهو ذل قال البيضاوي هو جمع ذليل لا ذلول فان جمعه ذلل لكن قال فى القاموس جمع ذليل ذلال وأذلاء واذلة وجمع ذلول ذلل واذلة فاذلة جمع لكليهما قلت فان كان جمع ذلول فهو ضد صعب ومعناهما متقارب وحاصل المعنى انهم متواضعون لينون رحماء متعاطفون عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كان القياس للمؤمنين فاورد على هاهنا بمعنى اللام للمشاكلة التي دعى إليها المقابلة وتنبيها لاختصاص ذلهم بالمؤمنين مع علو مرتبتهم وفضلهم على من يذلون لهم أو هي بمعناها أورد لتضمن الذل معنى العطف والحنوا ويقال ذكر الاذلة فى مقابلة الاعزة تنبى عن نفى عزهم على المؤمنين كانه قيل غيرا عزة على المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ اى أشداء عليهم متغلبين ما استكانوا لهم وما ضعفوا فى مقابلتهم نظير هذه الاية قوله تعالى أشداء على الكفار رحماء بينهم يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حال من الضمير فى اعزة وجاز ان يكون صفة اخرى لقوم وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ الواو يحتمل ان يكون للحال يعنى يجاهدون وحالهم انهم لا يخافون لوم الكفار كما هو حال المنافقين كانوا يخرجون فى جيوش الإسلام اما خوفا من ظهور نفاقهم او طمعا فى الغنيمة ومع ذلك يخافون لومة اولياء هم من اليهود فلا يعملون شيئا مما يعلمون انه يلحقهم لوم من جهتهم او هى عاطفة عطف على يجاهدون بمعنى انهم هم الجامعون بين المجاهدة فى سبيل الله والتصلب فى دينهم عن عبادة بن الصامت قال بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة وان نقوم او نقول بالحق حيث ما كنا لا نخاف فى الله لومة لائم متفق عليه واللومة المرّة من اللوم وفى تنكيرها وتنكير لائم مبالغتان كانه قال لا يخافون شيئا قط من لوم أحد من اللوام ذلِكَ يعنى محبتهم ومحبوبيتهم لله تعالى وذلهم للمؤمنين وقهرهم على الكفار ومجاهدتهم فى سبيل الله وعدم خوفهم من لومة لائم بعد ارتداد قوم منهم وضعف شوكتهم فَضْلُ اللَّهِ عليهم وعطائه يُؤْتِيهِ يمنحه ويوفق به مَنْ يَشاءُ من عباده فمن راى فيه شيئا من ذلك الأوصاف يجب عليه ان يشكر الله تعالى ولا يعجب بنفسه وانى يكون العجب لمن اتصف بهذه الأوصاف

[سورة المائدة (5) : آية 55]

وَاللَّهُ واسِعٌ فضله وقدرته وقالت الصوفية واسع وسعة بلا كيف يتجلى كمالاته فى المظاهر كلها عَلِيمٌ بمواقع اعمال قدرته لا يفوته ما يقتضيه الحكمة. إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا متصل بقوله تعالى لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء وما بينهما اما لتاكيد النهى كقوله تعالى ومن يتولهم منكم فانه منهم وقوله تعالى فترى الذين فى قلوبهم الاية واما لتوطية تعيين من هو حقيق للولاية كقوله تعالى فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه الاية وهذه الاية لتعيين من هو حقيق بالولاية والنفي المستفاد بانما هو على قول البصريين لتاكيد النهى المستفاد مما سبق وانما قال وليكم ولم يقل أوليائكم للتنبيه على ان الولاية لله خاصة على الاصالة وما هو لرسوله وللمؤمنين فبالتبع الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ صفة للذين أمنوا لانه جار مجرى الاسم ولو قدر له موصوف يكون صفة ثانية لموصوفه او بدل منه ويجوز نصه على المدح وكذا رفعه بتقدير المبتدأ يعنى هم او الاستيناف فى جواب من الذين أمنوا وَهُمْ راكِعُونَ الواو للعطف على يقيمون الصلاة ويؤتون الزكوة والمعنى هم مصلون صلوة ذات ركوع بخلاف صلوة اليهود والنصارى فانها لا ركوع فيها او المعنى هم خاضعون متخشعون فى صلوتهم وزكوتهم قال الجوهري يستعمل الركوع تارة فى التواضع والتذلل وجاز ان يكون الواو للحال من فاعل يؤتون اى يؤتون الزكوة فى حال ركوعهم فى الصلاة مسارعة الى الإحسان اخرج الطبراني فى الأوسط بسند فيه مجاهيل عن عمار بن ياسر قال وقف على على بن ابى طالب سائل وهو راكع فى تطوع ونزع خاتمه وأعطاه السائل فنزلت انما وليكم الله ورسوله الاية وله شواهد قال عبد الرزاق بن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس فى قوله تعالى انما وليكم الله قال نزلت فى على ابن ابى طالب وروى ابن مردويه عن وجه اخر عن ابن عباس مثله واخرج ايضا عن على مثله واخرج ابن جرير عن مجاهد وابن ابى حاتم عن سلمة بن كهيل مثله وروى الثعلبي عن ابى ذر والحاكم فى علوم الحديث عن على رض فهذه شواهد يقوى بعضها بعضا وهذه القصة تدل على ان العمل القليل فى الصلاة لا يبطلها وعليه انعقد الإجماع وعلى ان صدقة التطوع تسمى زكوة ونزول هذه الاية فى على رض لا يقتضى تخصيص الحكم به لان العبرة لعموم اللفظ دون خصوص المورد كما يدل عليه صيغة الجمع ولعل ذكر

[سورة المائدة (5) : آية 56]

الركوع هاهنا على سبيل التمثيل وعلى مقتضى الحادثة الواردة فيه والمراد منه يؤتون الزكوة فورا على السؤال بلا مهلة وقال البيضاوي ان صح انه نزل فى على رض فلعله جيئى بلفظ الجمع ليرغب الناس فى مثل فعله فيندرجوا فيه قلت ولو كان المراد به على رض فالحصر المستفاد بانما على قول البصريين حصر إضافي بالنسبة الى اليهود والنصارى دون المؤمنين كما فى قوله تعالى وما محمّد الا رسول وذكر البغوي انه روى عن ابن عباس انها نزلت فى عبادة ابن الصامت رضى الله عنه وعبد الله بن ابى ابن سلول حين تبرّأ عبادة من اليهود وقال أتولى الله ورسوله والذين أمنوا فنزل فيهم من قوله يا ايها الذين أمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء الى قوله انما وليكم الله ورسوله والذين أمنوا الاية يعنى عبادة وسائر اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال جاء عبد الله بن سلام الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ان قومنا قريظة والنضير قد هجرونا وفارقونا واقسموا ان لا يجالسونا فنزلت هذه الاية فقال رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين اولياء وقال جويبر عن الضحاك فى قوله تعالى انما وليكم الله ورسوله والذين أمنوا قال هم المؤمنون بعضهم اولياء بعض وقال ابو جعفر محمد بن على الباقر رضى الله عنهما نزلت فى المؤمنين فقيل له ان ناسا يقولون انها نزلت فى على ابن ابى طالب رض فقال هو من المؤمنين رواه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم وابو نعيم فى الحلية وروى عن عكرمة انها نزلت فى ابى بكر رض قال البغوي وعلى هذه الروايات أراد بقوله وهم راكعون مصلون صلوة التطوع باليل والنهار. وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا قال ابن عباس يريد المهاجرين والأنصار يعنى من يتخذهم اولياء فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ تقديره فانهم هم الغالبون وضع المظهر موضع المضمر تنبيها على البرهان عليه كانه قيل ومن يتول هؤلاء فهم حزب الله وحزب الله هم الغالبون ينتج فهم هم الغالبون وتنويها بذكرهم وتعظيما لشانهم وتشريفا لهم بهذه الاسم وتعريضا لمن تولى غير هؤلاء بانهم حزب الشيطان فى القاموس الحزب بالكسر الورد والطائفة والسلاح وجند الرجل وأصحابه الذين على رايه قلت وهذا هو المراد هاهنا قال البيضاوي الحزب القوم يجتمعون لامر حزبه فى القاموس حزبه الأمر يعنى نابه واشتد عليه احتجت الروافض بهذه الاية على انحصار الخلافة فى على رض قالوا المراد

بالولى المتولى لامور المسلمين والمستحق للتصرف فيهم فالله سبحانه كما اثبت الولاية لنفسه وللرسول اثبت لعلى رض وذكر بكلمة انما للحصر ولا شك ان ولاية الله والرسول عامة فكذلك ولاية على وهو الامام دون غيره واحتجوا بحديث البراء بن عازب وزيد ابن أرقم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بغدير خم أخذ بيد على فقال ألستم تعلمون انى اولى بالمؤمنين من أنفسهم قالوا بلى قال ألستم تعلمون انى اولى بكل مؤمن من نفسه قالوا بلى فقال اللهم من كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه فلقيه عمر بعد ذلك فقال له هنيئا يا ابن ابى طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة رواه احمد وغيره وقد بلغ هذا الحديث مبلغ التواتر رواه جمع من المحدثين فى الصحاح والسنن والمسانيد برواية نحو من ثلثين من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم على بن ابى طالب وبريدة بن حصيب وابو أيوب وعمرو ابن مرة وابو هريرة وابن عباس وعمار بن بريدة وسعد بن وقاص وابن عمر وانس وجرير بن مالك بن الحويرث وابو سعيد الخدري وطلحة وابو الطفيل وحذيفة بن أسيد وغيرهم وفى بعض الروايات من كنت اولى به من نفسه فعلى وليه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه قالت الروافض هذا الحديث حديث غدير خم نص جلى فى خلافة على رض وعن عمران بن حصين ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ان عليا منى وانا منه وهو ولى كل مؤمن رواه الترمذي وابن ابى شيبة وهذين الحديثين اولى بالاحتجاج من الاية لانه نص محكم فى وجوب ولاية على رض غير شامل لغيره بخلاف الاية فانها على تقدير صحة نزولها فى على شاملة لجميع المؤمنين فان العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص المورد لكن استدلال الروافض بالحديثين والاية على نفى خلافة غيره باطل فان الولي والمولى مشتقان من الولي بمعنى القرب والدنو قال فى القاموس الولي اسم من الولي ويقال الولي للمحب والصديق والنصير وفى الصحاح الولاء والتوالي ان يحصل شيئان فصاعدا حصولا ليس بينهما ما ليس منهما ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان ومن حيث النسبة ومن حيث الدين ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد والولاية والنصرة ويطلق ايضا على تولى الأمر وفى القاموس المولى المالك والعبد والمعتق والمعتق على البناء للفاعل والمفعول والصاحب والقريب كابن العم ونحوه والجار والحليف وابن العم والنزيل والشريك وابن الاخت والولي والرب

والناصر والمنعم والمنعم عليه والمحب والتابع والصديق وقد ورد فى القران ونسبة المحبة والقرب التي بين العبد والله سبحانه يطلق عليه الولاية ويطلق الولي على المؤمن فيقال ولى الله وعلى الله فيقال الله ولى الذين أمنوا واطلق المولى فى القران على الله سبحانه حيث قال نعم المولى ونعم النصير وعلى العباد فيما بينهم ايضا حيث قال ان الله هو موليه وجبريل وصالح المؤمنين فهذه الاية وهذه الأحاديث لا يدل شىء منها على خلافة على فضلا عن نفى خلافة غيره بل انما يدل الاية على استحقاق محبته والحديث على وجوب محبته وحرمة عداوته كما يدل الاية على حرمة ولاية اليهود والنصارى اعنى محبتهم ومناصرتهم اخرج ابو نعيم المدائنى عن الحسن المثنى بن الحسن المجتبى انه لما قيل له ان خبر من كنت مولاه نص فى امامة على قال اما والله لو يعنى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك الامامة والسلطان لافصح لهم فانه صلى الله عليه وسلم كان افصح الناس للمسلمين وكان سبب خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بغدير خم ان النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليا الى اليمن امير العسكر فتسرى جارية من الخمس وشكى بذلك بعض الناس فغضب النبي صلى الله عليه وسلم لاجل شكايته وقال ما تريدون من رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله وخطب تلك الخطبة ليتمكن محبة على فى قلوب المؤمنين ويزول شكايتهم وقوله صلى الله عليه وسلم ألستم تعلمون انى اولى بكل مؤمن الغرض منه تنبيه المسلمين على وجوب امتثال امره فى محبة على رض وكذا دعائه صلى الله عليه وسلم فى اخر الحديث للتاكيد فى محبته قلت وهذه الاية تدل على ابطال مذهب الروافض بوجهين أحدهما ان قوله تعالى اذلة على المؤمنين اعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم يستاصل بنيان التقية التي عليها بناء مذهبهم فان عليا رض تابع الخلفاء الثلاثة وصلى معهم وجاهد معهم الى ثلث وعشرين سنة وانكح ابنته عمر رض فان كان ذلك بالتقية خوفا من الناس لا يكون على داخلا فى حكم هذه الاية ولا مجال بهذه القول الباطل الا للروافض خذلهم الله والله اعلم وثانيهما ان قوله تعالى فان حزب الله هم الغالبون يدل على ان الفرقة الناجية ليست الا اهل السنة والجماعة دون الروافض وغيرهم من اهل الأهواء لبداهة غلبة اهل السنة فى القرون والأمصار بل الروافض يعترفون بذلك حيث قالوا ان عليا

[سورة المائدة (5) : آية 57]

كان مع الخلفاء الثلاثة تقية مقهورا مغلوبا والائمة بعده لم يظهروا دينهم خوفا وعلّموا أصحابهم دينهم خفية ويأمرونهم بالإخفاء ويقولون للجدر أذان كذا رووا عن الباقر والصادق فى كتبهم وقالوا صاحب الأمر اختفى فى سرد دابة سر من راى نحوا من الف سنة والله اعلم روى ابن جرير عن ابن عباس قال كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد اظهر الإسلام نفاقا وكان رجال من المسلمين يوادونهما فانزل الله تعالى. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ الى قوله تكتمون هُزُواً وَلَعِباً مهزوا به وملعوبا حيث يظهرون الايمان ويضمرون الكفر رتب النهى عن موالاتهم على استهزائهم أيماء الى علة النهى من باب ترتب الحكم على العلة وتنبيها على ان هذا الوصف يوجب المعادات فكيف يجوز موالاتهم مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ يعنى اليهود وَالْكُفَّارَ يعنى المشركين يؤيده قراءة ابن مسعود ومن الذين أشركوا قرأ ابو عمرو والكسائي بالجر عطفا على الموصول الثاني والباقون بالنصب عطفا على الموصول الاول عبّر المشركين بالكفار لتضاعف كفرهم وجاز ان يكون المراد بالكفار أعم من اهل الكتاب واهل الشرك فهو تعميم بعد تخصيص على قراءة النصب تنبيها على ان الاستهزاء والكفر كلواحد منهما يقتضى المعادات ويمنع الموالاة أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ بترك المناهي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ شرط استغنى عن الجزاء بما سبق يعنى ان الايمان بالله وبوعده ووعيده يوجب التقوى عن المناهي المقتضية للوعيد قال الكلبي كان منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نادى للصلوة وقام المسلمون إليها قالت اليهود قد قاموا لا قاموا وصلوا لا صلوا على طريق الاستهزاء وضحكوا فانزل الله عز وجل. وَإِذا نادَيْتُمْ عطف على اتخذوا دينكم يعنى لا تتخذوا الذين إذا ناديتم إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها يعنى الصلاة او المناداة هُزُواً وَلَعِباً اخرج ابن ابى حاتم عن السدى ان نصرانيا بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول اشهد ان محمدا رسول الله قال احرق الله الكاذب فدخل خادمه ذات ليلة بنار وهو واهله ينام فتطائرت منها شرارة فاحترق هو واهله قيل ان الكفار لما اسمعوا الاذان حسدوا المسلمين فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد لقد أبدعت شيئا لم يسمع به فيما مضى من الأمم فان كنت تدعى النبوة فقد خالفت فيما أحدثت الأنبياء قبلك ولو كان فيه خيرا لكان

[سورة المائدة (5) : آية 59]

اولى الناس به الأنبياء فمن اين ذلك صياح كصياح العنز فما أقبح من صوت وما استبهج من امر فانزل الله تعالى ومن احسن قولا ممن دعا الى الله وعمل صالحا وانزل الله هذه الاية ذلِكَ الاستهزاء بالحق بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ فان مقتضى العقل ترك الاستهزاء والتأمل فى حسن الشيء وقبحه وفى هذه الاية دليل على ان الكافرين مع كونهم عاقلين فى امور الدنيا كما يشهده البداهة لا يعقلون شيئا من امور الدين وبهذا يظهر ان صرف الحواس والعقل والنظر فى المقدمات ليست علة موجبة لحصول العلم بالمطالب كما يزعمه الفلاسفة بل هو امر عادى يخلق الله العلم بعد النظر ان شاء والله اعلم روى ابن جرير عن ابن عباس قال اتى النبي صلى الله عليه وسلم نفر من اليهود فيهم ابو ياسر بن اخطب ورافع بن ابى رافع وعارى بن عمرو فسألوه عمن يؤمن به من الرسل قال او من بالله وما انزل الى ابراهيم واسمعيل واسحق ويعقوب والأسباط وما اوتى موسى وعيسى وما اوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا لا نؤمن بعيسى ولا بمن أمن به وفى رواية قالوا والله ما نعلم اهل الكتاب اقل حظّا فى الدنيا والاخرة منكم ولا دينا شرا من دينكم فانزل الله تعالى. قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ قرأ الكسائي بإدغام لام هل وبل فى التاء كما فى هذه الاية وقوله تعالى هل تعلم والثاء والسين والزاء والطا والضاد والنون نحو هل ثوب وبل سولت وبل زين وبل طبع وبل ظننتم وبل ضلوا وهل ندلكم وهل ننبئكم وهل نحن وشبهه وادغم حمزة فى التاء والثاء والسين فقط واختلف عن خلاد عند الطاء فى قوله بل طبع وادغم ابو عمرو هل ترى من فطور فهل ترى لهم فى الملك والحاقة لا غير واظهر الباقون عند اليمانية والاستفهام للانكار بمعنى النفي والنقمة العيب المنكر المكروه والأسقام مكافاته ومعنى ما تنقمون ما تنكرن وتكرهون وتعيبون مِنَّا اى من اعمالنا وصفاتنا شيئا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ يعنى الا ايمانا بالله وبكل ما انزل الله من الكتب وذلك هو الحسن البين حسنه وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ الواو للحال من فاعل هل تنقمون يعنى لا تكرهون الا أيماننا والحال ان أكثركم فاسقون اى كافرون فمالكم لا تعلمون انكم على أقبح الصفات من انكار الكتب السماوية ونحن على أحسنها ومع ذلك

[سورة المائدة (5) : آية 60]

تكرهون الحسن ولا تكرهون القبيح او هى للعطف على ان أمنا وكان المستثنى لازم الامرين وهو المخالفة يعنى لا تنكرون منا الا مخالفتكم حيث دخلنا فى الايمان وأنتم خارجون عنه او كان تقديره واعتقاد انّ أكثركم فاسقون فحذف المضاف او على علة أمنا بتقدير فعل منصوب يعنى الا ان أمنا واعتقدنا ان أكثركم فاسقون او هو معطوف على علة محذوفة والتقدير هل تنقمون منا الا ان أمنا لعدم اتصافكم ولان أكثركم فاسقون فهو منصوب بنزع اللام الخافض او منصوب بإضمار فعل دل عليه هل تنقمون اى ولا تنقمون ان أكثركم فاسقون او هى بمعنى مع يعنى هل تنقمون الا ان أمنا مع ان أكثركم فاسقون قيل لا يتم هذا على ظاهر كلام النحاة حيث يشترطون فى المفعول معه المصاحبة فى معمولية الفعل ويتم على مذهب الأخفش حيث اكتفى فى المفعول معه المقارنة فى الوجود مطلقا قلنا الاشتراط فى المفعول معه لا يوجب ان يشترط فى كل واو بمعنى مع فليكن الواو بمعنى مع للعطف ولا يكون مفعولا معه عند النحاة لانتفاء شرطه ويكون عند الأخفش وجاز ان يكون مجرورا معطوفا على ما يعنى ما تنقمون منا الا الايمان بالله وبما انزل وبان أكثركم فاسقون وجاز ان يكون مرفوعا على الابتداء والخبر محذوف تقديره ومعلوم عندكم ان أكثركم فاسقون لكن حب الرياسة والمال يمنعكم عن الانصاف وجاز ان يكون تقدير الكلام وما تنقمون منا شيئا لشئ الا لان أمنا ولان أكثركم فاسقون يعنى علة انكار شىء تنكرونه منا ليس الا المخالفة فى الدين. قُلْ يا محمد لمعشر اليهود هَلْ أُنَبِّئُكُمْ أخبركم بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ المتقوم المكروه عندكم مَثُوبَةً جزاء وهى مختصة بالخير كالعقوبة بالشر وضعت هاهنا موضع العقوبة استهزاء بهم كقوله تعالى بشّرهم بعذاب اليم والمثوبة منصوب على التميز عن بشر قال البغوي لما كان قول اليهود لم نر اهل دين اقل خطا فى الدنيا والاخرة ولا دينا شرا من دينكم فذكر الجواب بلفظ الابتداء وان لم يكن الابتداء شراكما فى قوله تعالى أأنبئكم بشر من ذلكم النار عِنْدَ اللَّهِ متعلق بشر مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ بدل من شر على حذف المضاف هاهنا او فيما قبل تقديره بشر من ذلك دين من لعنه الله او بشر من اهل ذلك من لعنه الله او خبر مبتدأ محذوف على حذف مضاف ايضا تقديره هو دين من لعنة الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ فالقردة اصحاب السبت والخنازير كفار مائدة عيسى عليه السّلام وروى عن على بن ابى طلحة

[سورة المائدة (5) : آية 61]

عن ابن عباس ان المسخين كلاهما فى اصحاب السبت فشبّانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ قرأ حمزة عبد بضم الباء والطاغوت بكسر التاء على الاضافة عطفا على القردة وعبد بضم الباء قيل مفرد كعبد بسكون الباء وهما لغتان كسبع وسبع وقيل هو اسم موضوع للمبالغة كحذر وفطن للبليغ فى الحذر والفطانة وقيل هو جمع عبد ذكره فى القاموس من صيغ الجمع كندس وقيل أصله عبدة فحذف التاء للاضافة تحرزا عن اجتماع الزيادتين من التاء والاضافة مثل أخلفوك عد الأمر الذي وعدوا اى عدة الأمر وقرأ الباقون بفتح الباء على الماضي ونصب الطاغوت عطفا على صلة من والمراد بالطاغوت اما العجل استعير له من الشيطان بجامع المعبودية الباطلة او المراد الشيطان فان عبادتهم العجل كان بتزيين الشيطان وقيل المراد به الكهنة وكل من أطاعوه فى معصية الله أُولئِكَ ملعونون شَرٌّ مَكاناً من كل شرير جعل مكانهم شرا ليكون ابلغ فى الدلالة على شرارتهم وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ من كل ضال عن السبيل السوي ونزلت فى المنافقين قوله تعالى. وَإِذا جاؤُكُمْ يعنى المنافقين قالُوا آمَنَّا بك وهم يسرّون الكفر وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ الجملتان حالان من فاعل قالوا وبالكفر وبه حالان من فاعلى دخلوا وخرجوا يعنى قالوا أمنا بك والحال انهم كاذبون فى هذا القول وقد دخلوا عندك متلبسين بالكفر وخرجوا لذلك لم يوثر فيهم ما سمعوا منك وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ فيه وعيد لهم بالفضيحة فى الدنيا والعذاب فى الاخرة. وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يعنى من اليهود او من المنافقين يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ قيل الإثم المعاصي والعدوان الظلم وقيل الإثم ما كتموا من التوراة والعدوان ما زادوا فيها وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ الحرام خصه بالذكر للمبالغة فى الذم فان أكلهم الرشى منعهم عن الايمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وبعثهم على تحريف التوراة والكذب على الله وصد غيرهم عن الايمان لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ اى لبئس شيئا بما يعملونه وصفهم بسوء الأعمال بعد وصفهم بسوء الاعتقاد ليستدل بها على نفاقهم. لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ يعنى العلماء قيل الربانيون علماء النصارى والأحبار علماء اليهود تخصيص لعلمائهم عن النهى عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ يعنى الكذب وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ الحرام وفيه كمال توبيخ

[سورة المائدة (5) : آية 64]

عليهم حيث كان منصبهم النهى عن المنكر وهم يأمرون به ويفعلونه لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ هذا ابلغ مما سبق فان الصنع عمل الإنسان بعد تدرب فيه وتعود وتحرى اجادة ولذلك ذم به خواصهم ذكر فى المدارك انه روى عن ابن عباس هى أشد اية فى القران حيث انزل تارك النهى عن المنكر منزلة مرتكب المنكر فى الوعيد بل ابلغ منه قال البيضاوي ترك الحسنة أقبح من الوقوع فى المعصية لان النفس يلتذ بها وتميل إليها ولا كذلك فى ترك الإنكار عليها فكان جديرا بأبلغ الذم. وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ قال ابن عباس وعكرمة والضحاك وقتادة ان الله تعالى قد بسط على اليهود حتى كانوا من اكثر الناس مالا واخصبهم ناحية فلما عصوا الله فى محمد صلى الله عليه وسلم وكذبوه كف الله عنهم ما بسط عليهم من السعة فعند ذلك نسبوه الى البخل وقال فنحاص بن عازورا راس يهود قينقاع يد الله مغلولة اى محبوسة مقبوضة عن الرزق كذا اخرج ابو الشيخ ابن حبان فى تفسيره عن ابن عباس واخرج الطبراني عن ابن عباس قال قال رجل من اليهود يقال له النباش بن قيس ان ربك بخيل لا ينفق فانزل الله تعالى هذه الاية قيل انما قال هذه المقالة فنحاص او النباش ولكن لما لم ينهه الآخرون ورضوا بقوله اشركهم الله فى نسبة القول إليهم وغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ دعاء عليهم بالبخل او بالفقر والمسكنة او بغل الأيدي حقيقة بالأسر فى الدنيا او بالاغلال فى أعناقهم والسلاسل فى نار جهنم وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يد الله صفة من صفاته تعالى كالسمع والبصر والوجه لا يدرى كنهها الا الله تعالى ولا تذهب نفسك الى الجارحة وتكيّفها ويجب على العباد الايمان بها والتسليم قال ائمة السلف من اهل السنة فى هذه الصفات امرّوا كما جاءت بلا كيف عن عمرو بن عنبسة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين رجال ليسوا بانبياء ولا شهداء يغشى بياض وجوههم نظر الناظرين يغبطهم النبيون والشهداء بمقعدهم وقربهم من الله قيل يا رسول الله ومن هم قال جمّاع «1» من نزاع القبائل يجتمعون على ذكر الله فيبتغون

_ (1) اى جماعات نزاع القابل جمع نازع ونزيع وهو القريب الذي نزع من اهله وعشيرته اى بعد وغاب نهاية

اطائب الكلام كما ينبغى أكل «1» أطائبه رواه الطبراني بسند جيد والمتأخرون يؤلونه بما يليق به تعالى من القدرة ونحوها قالوا بسط اليدين كناية عن الجود وثنى اليد مبالغة فى الرد ونفى البخل عنه واثباتا لغاية الجود فان غاية ما يبذله السخي من ماله ان يعطيه بيديه وتنبيها على منح الدنيا والاخرة وعلى ما يعطى للاستدراج وما يعطى للاكرام يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ يوسع تارة ويضيق اخرى على مقتضى حكمته والجملة تأكيد للجود ودفع لتوهم البخل عند التضيق وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً كما ان الغذاء الصالح يزيد للصحيح قوة وللمريض مرضا وضعفا كذلك القران لفساد بواطنهم يزيد هو طغيانا وكفرا قيل معناه انه كلما نزلت اية كفروا بها فازدادوا طغيانا وكفرا وقيل انهم عند نزول القران يحسدون ويتمادون فى الجحود فاسند الفعل الى السبب البعيد مجازا وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعنى بين اليهود «2» والنصارى قال الحسن ومجاهد وقيل بين طوائف اليهود جعلهم الله مختلفين فى دينهم فلا يتوافق قلوبهم ولا يتطابق

_ (1) المراد به الصوفية العلية اهل الخانقاهات وطلبة العلم اهل المدارس 12 منه (2) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقت امة موسى على احدى وسبعين ملة سبعون منها فى النار وواحدة فى الجنة وتفرقت امة عيسى ع على اثنتين وسبعين ملة واحدة منها فى الجنة واحدى وسبعون فى النار وستفرق أمتي على ثلث وسبعين ملة واحدة فى الجنة وثنتان وسبعون فى النار قالوا من هم يا رسول الله قال الجماعات الجماعات رواه ابن مردويه من طريق يعقوب بن زيد بن طلحه عن زيد بن اسلم عن انس وقال يعقوب بن زيد كان على ابن ابى طالب إذا حدث بهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا فيه قرانا قال ولو ان اهل الكتاب أمنوا واتقوا الى قوله ساء ما كانوا يعملون قال العبد الضعيف ثناء الله يعنى على رض ان الفرقة الناجية المتمسكون بكتاب الله ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فقال ذلك عند ذهاب العلم قال زياد بن لبيد كيف يذهب العلم ونحن نقرأ القران ونقرأه أبنائنا ويقرأه أبناء أبنائنا أبنائهم الى يوم القيامة قال ثكلتك أمك يا ابن أم لبيد ان كنت لاراك من افقه رجل بالمدينة او ليس هذه اليهود والنصارى يقرؤن التورية والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشىء رواه عن لبيد وروى ابن جرير عن جبير بن نفير وفيه ثم قرأ ولو انهم أقاموا التورية والإنجيل الاية 12 منه

[سورة المائدة (5) : آية 65]

أقوالهم كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ ظرف مستقر صفة لنار او لغو متعلق باوقدوا أَطْفَأَهَا اللَّهُ قال الحسن معناه كلما أرادوا حرب الرسول صلى الله عليه وسلم واثارة شر عليه أوقع بينهم منازعة كف بها عنه شرهم فردهم وقهرهم ونصر نبيه ودينه وقال قتادة هذا عام فى كل حرب طلبته اليهود وذلك انهم أفسدوا وخالفوا حكم التورية فبعث الله عليهم ضطنوس الرومي ثم أفسدوا فسلطا لله عليهم المجوس ثم أفسدوا فبعث الله المسلمين فلا تلقى اليهود فى بلد الا وجدتهم اذلّ الناس وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً اى للفساد او مفسدين وهو اجتهادهم فى اثارة الحروب والفتن وجاز ان يكون يسعون بمعنى يطلبون وفسادا منصوبا على المفعولية يعنى يطلبون الفساد والكفر ويجتهدون فى محو دين الإسلام وذكر النبي صلى الله عليه وسلم من كتبهم وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ فلا يجازيهم الأشرار. وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا محمد صلى الله عليه وسلم وبالقران وَاتَّقَوْا الكفر والمعاصي لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ التي فعلوها قبل ذلك وان جلت عن عمرو بن العاص قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت ابسط يمينك فلا بايعك فبسط يمينه فقبضت يدى فقال مالك يا عمرو قلت أردت ان اشترط قال تشترط ماذا قلت ان يغفر لى قال اما علمت يا عمرو ان الإسلام يهدم ما كان قبله وان الهجرة تهدم ما كان قبلها وان الحج يهدم ما كان قبله رواه مسلم وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ فان دخول الجنة مشروط بالايمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي يهودى ولا نصرانى ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به الا كان من اصحاب النار رواه مسلم من حديث ابى هريرة. وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ يعنى أقاموا حدودها وأحكامها وعملوا بما فيها ولم يحرفوها ولم يكتموها ومن جملة إقامتها ان يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبينوا ما وصفه الله تعالى فى التورية وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ يعنى القران والزبور وسائر الكتب السماوية فانهم مكلفون بالايمان بجميع الكتب فهى كالمنزل إليهم لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ قال الفراء أراد به كمال التوسعة فى الرزق كما يقال فلان فى الخير من القرن الى القدم وقال ابن عباس لا نزلت عليهم المطر من فوقهم

[سورة المائدة (5) : آية 67]

وأخرجت بنات الأرض من تحتهم نظيره قوله تعالى ولو ان اهل القرى أمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض والحاصل ان ما كف الله عنهم من الرزق بشوم كفرهم ومعاصيهم لا لبخل به تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ عادلة غير غالية ولا مقتصرة وهم عبد الله بن سلام وأشباهه مؤمنوا اهل الكتاب وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ 4 اى ساء ما يعملونه او ساء شيئا عملهم وهى المعاندة وتحريف كتاب الله عز وجل والاعراض عنه والافراط فى عداوة النبي صلى الله عليه وسلم والله اعلم اخرج ابو الشيخ عن الحسن ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ان الله بعثني برسالته فضقت بها ذرعا وعرفت ان الناس مكذبى فوعدنى لا بلغن او ليعذبنى فنزلت. يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعنى كل شىء انزل إليك لا يفوت منه شىء غير منتظر مضرتك ولا خائف من أحد مكروها روى عن مسروق قال قالت عائشة من حدثك ان محمدا كتم شيئا مما انزل الله فقد كذب وهو يقول يا ايها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وقيل بلغ ما انزل من الرجم والقصاص نزلت فى قصة يهود وقيل نزلت فى امر زينب بنت جحش ونكاحها «1» وقيل نزلت فى

_ (1) واخرج ابن ابى حاتم وابن مردوية وابن عساكر عن ابى سعيد الخدري قال نزلت هذه الاية يا ايها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك يوم غدير خم فى على بن ابى طالب واخرج ابن مردوية عن ابن مسعود قال كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ايها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك ان عليا مولى المؤمنين وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ليكن هذه الرواية التي تدل على نزول الاية يوم غدير خم يأباه النقل والعقل وسوق هذه الاية بل سياق تمام السورة- اما النقل فاصح الروايات ما رواه البخاري عن عائشة رضى الله عنها تقول كان النبي صلى الله عليه وسلم سهرا فلما قدم المدينة الحديث ويطابقه ما اخرج الترمذي والحاكم عن عائشة وما اخرج الطبراني عن ابى سعيد الخدري فان هذه الروايات تدل على نزول الاية فى غزوة الخندق- واما اباء العقل فان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزل غدير خم لم يكن شيئا من التبليغ باقيا فى ذمته بل قد تم قبل ذلك ونزل يوم عرفة فى حجة الوداع اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا فكيف يقال له بلغ ما انزل إليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته ولم يكن حينئذ فى جزيرة العرب مشرك فكيف يقال له والله يعصمك من الناس ان الله لا يهدى القوم الكافرين- وايضا قبل هذه الاية وبعد هذه الاية مخاطبات فى شان اليهود والنصارى من قوله تعالى يا ايها الذين أمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم ان يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم الاية فالظاهر ان المراد بالتبليغ اية الرجم والقصاص التي نزلت فى قصة اليهود كما رواه ابو الشيخ عن الحسن وبعد هذه الاية قال الله تعالى يا اهل الكتاب لستم على شىء حتى تقيموا التورية والإنجيل الاية 12

الجهاد وذلك ان المنافقين كرهوه كما قال الله تعالى فاذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رايت الذين فى قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت وكرهه بعض المؤمنين قال الله تعالى الم تر الى الذين قيل لهم كفوا ايديكم الاية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسك من الحث على الجهاد لما علم من كراهية بعضهم فانزل الله هذه الاية واخرج ابن ابى حاتم عن مجاهد قال لما نزلت يا ايها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك قال يا رب كيف اصنع وانا وحدي يجتمعون على فنزلت وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ الاية قرأ نافع وابن عامر وابو بكر ويعقوب رسالاته على الجمع والباقون رسالته على التوحيد يعنى ان لم تفعل تبليغ كل شىء وتركت بعضه فكانما ما بلغت شيئا من رسالاته لان كتمان بعضها يضيع ما ادى منها كترك بعض اركان الصلاة وذلك لان ترك تبليغ البعض يستلزم كفر الناس بذلك البعض وانكارهم كونه من الله تعالى والايمان ببعض الكتاب مع الكفر بالبعض لا يعد ايمانا كقول اليهود نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض او لان كتمان البعض يستجلب العقاب مثل كتمان الكل نظيره قوله تعالى فكانما قتل الناس جميعا وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فلا تخفهم فى التبليغ وان كنت وحدك لا يستطيعون قتلك فلا يرد ان يقال انه صلى الله عليه وسلم قد شج راسه وكسرت رباعيته وأوذي بضروب من الأذى وقيل نزلت هذه الاية بعد ماشج راسه لان سورة المائدة من اخر القران نزولا واخرج الترمذي والحاكم عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الاية والله يعصمك من الناس فاخرج راسه من القبة فقال يا ايها الناس انصرفوا فقد اعصمنا الله فى هذا الحديث انها ليلية فراشية وروى البخاري عن عائشة تقول كان النبي صلى الله عليه وسلم سهرا فلما قدم المدينة قال ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسنى الليلة إذ سمعنا صوت سلاح فقال من هذا قال انا سعد بن ابى وقاص جئت لاحرسك ونام النبي صلى الله عليه وسلم

واخرج الطبراني عن ابى سعيد الخدري قال كان العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن يحرسه فلما نزلت والله يعصمك من الناس ترك الحرس واخرج ايضا عن عصمة بن مالك الحطمى قال كنا نحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل حتى نزلت والله يعصمك من الناس فترك الحرس واخرج ابن حبان فى صحيحه عن ابى هريرة قال كنا إذا صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سفر تركنا أعظم شجر وأظلها فينزل تحتها فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها فجاء رجل فأخذه فقال يا محمد من يمنعك منى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله يمنعنى منك ضع السيف فوضعه فنزلت والله يعصمك من الناس قال البغوي وروى محمد بن كعب القرظي عن ابى هريرة نحوه وفيه فرعدت يد الاعرابى وسقط السيف من يده وجعل يضرب برأسه الشجرة حتى انتشر دماغه فانزل الله عز وجل هذه الاية واخرج ابن ابى حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى انمار نزل ذات الرقيع بأعلى نخل فبينما هو جالس على راس بير قد دلى رجليه فقال الوارث من بنى النجار لاقتلن محمدا فقال له أصحابه كيف تقتله قال أقول له أعطني سيفك فاذا أعطانيه قتلته فاتاه فقال يا محمد أعطني سيفك أشمه فاعطاه إياه فرعدت يده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حال بينى وبينك ما تريد فانزل الله يا ايها الرسول بلغ الاية وروى البخاري نحو هذه القصة وليس فيها ذكر نزول الاية ومن غريب ما ورد فى سبب نزولها ما أخرجه ابن مردويه والطبراني عن ابن عباس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس وكان يرسل معه ابو طالب كل يوم رجلا من بنى هاشم يحرسونه حتى نزلت هذه الاية فاراد عمه ان يرسل معه من يحرسه فقال يا عم ان الله عصمنى من الجن والانس واخرج ابن مردوية عن جابر بن عبد الله نحوه وهذا يقتضى ان الاية مكية والظاهر خلافه إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ اى لا يمكنهم ما يريدون من قتلك ومحو دين الإسلام قال البغوي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود الى الإسلام فقالوا اسلمنا قبلك وجعلوا يستهزءون به فيقولون تريد ان نتخذك حنانا كما اتخذ النصارى عيسى حنانا فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك سكت فنزلت يا ايها الرسول بلغ الاية وامره ان يقول يا اهل الكتاب لستم على شىء الاية وروى ابن جرير وابن ابى حاتم عن ابن عباس قال جاء رافع وسلام بن مشكم ومالك بن

[سورة المائدة (5) : آية 68]

الضيف فقالوا يا محمد الست تزعم انك على ملة ابراهيم ودينه وتؤمن بما عنده قال بلى ولكنكم أحدثتم وجحدتم بما فيها وكتمتم ما أمرتم ان تبينوه للناس قالوا فانا ناخذ بما فى أيدينا فانا على الهدى والحق فانزل الله تعالى. قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ اى على دين معتد به عند الله او يقال إذا لم يكن دينهم معتدا به عند الله تعالى والدين كالصلوة له وجود اعتباري باعتبار الشرع لا وجود له سواه كان باطلا فصدق لستم على شىء من الدين حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ومن إقامتها الايمان بما فيها من اصول الدين ومنها الايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقران والعمل بمقتضاها من بيان نعت محمد صلى الله عليه وسلم وفى فروع الايمان الأعمال المأمورة فى التورية ما لم يثبت نسخها وبعد النسخ العمل بالناسخ مما انزل الله وهذه الاية تدل على وجوب العمل بالشرائع المتقدمة وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعنى القران طُغْياناً وَكُفْراً وقد مر شرحه فَلا تَأْسَ فلا تحزن عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ لزيادة طغيانهم ترحّما عليهم ولا خوفا من شرهم. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ قد مر تفسير هذه الاية فى سورة البقرة بقي الكلام فى رفع الصابئين وكان حقه والصابئين فذهب الكوفيون الى انه يجوز للعطف على اسم ان بالرفع نظرا الى محله من غير اشتراط مضى الخبر فان ان عندهم لا تعمل الا فى الاسم وعند الكسائي والمبرد يجوز ذلك ان كان اسم ان مبنيا لعدم ظهور عملها فيه فكانها لم تعمل فلا إشكال على مذهب هؤلاء وعند البصريين لا يجوز ذلك من غير مضى الخبر كيلا يجتمع العاملان فى الخبران ومعنى الابتداء فاحتاجوا الى تكلف فقال سيبويه هو مرفوع على الابتداء وخبره محذوف والنية فيه التأخير تقديره ان الذين أمنوا والذين هادوا وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ والصابئون كذلك وهذه الجملة انما قدمت من مقامها لتدل على ان الصابئين مع ظهور ضلالتهم وميلهم عن الأديان كلها يغفر لهم ويثاب عليهم ان صح ايمانهم وعملوا صالحا فغيرهم اولى بذلك وجاز ان يكون والنصارى ايضا مرفوعا عطفا على الصابئون وما بعدهما خبرهما وخبران

[سورة المائدة (5) : آية 70]

مقدرة دل عليه ما بعده كقول الشاعر نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف وجاز ان يكون الصابئون معطوفا على الموصول مع الصلة بحذف الموصول وصدر الصلة تقديره والذين هم الصابئون وقيل ان بمعنى نعم وما بعدها فى موضع الرفع على الابتداء وقيل والصابئون منصوب بالفتحة وذلك كما جوز بالياء جوز بالواو. لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ فى التورية بالتوحيد والعمل بما فيها والايمان بالأنبياء كلهم وبمحمد صلى الله عليه وسلم وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ليذكروهم وليبينوا لهم امر دينهم كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فى هذا الكلام دلالة على انهم خالفوا التورية ونقضوا المواثيق فكلما جاءهم رسول بما فى التورية مخالفا لهواهم فَرِيقاً منهم كَذَّبُوا ولم يقتلوه وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ بعد تكذيبهم هذا جواب الشرط والجملة الشرطية صفة رسلا والعائد محذوف اى كلما جاءهم رسول منهم وقيل الجواب محذوف والشرطية مستانفة وانما جئ بيقتلون موضع قتلوا على حكاية الحال الماضية استحضارا لها واستعظاما للقتل وتنبيها على ان هذا ديدنهم ماضيا ومستقبلا ومحافظة على رؤس الآي او المراد انهم يريدون قتل محمد صلى الله عليه وسلم يحاربونه ويجعلون فى طعامه سما ويسحرونه. وَحَسِبُوا يعنى بنى إسرائيل أَلَّا تَكُونَ قرأ ابو عمرو وحمزة والكسائي بالرفع على ان هى المخففة من الثقيلة والحسبان نزل منزلة العلم لتمكنه فى قلوبهم تقديره انه لا تكون وان بما فى حيزها ساد مسد مفعوليه والباقون بالنصب على انه مصدرية وكان تامة فاعله فِتْنَةٌ اى لا تصيبهم عذاب وبلاء بقتل الأنبياء وتكذيبهم فَعَمُوا عن الدين والدلائل وَصَمُّوا عن استماع الحق لاجل حسبانهم الباطل بعد موسى عليه السلام ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حين تابوا وأمنوا بعيسى عليه السلام ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كرة اخرى بعد عيسى عليه السلام وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم كَثِيرٌ مِنْهُمْ بدل من الضمير او فاعل والواو علامة الجمع كقولهم أكلوني البراغيث او خبر مبتدأ محذوف اى أولئك كثير منهم وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ فيجازيهم على حسب أعمالهم. لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ يعنى الملكائية واليعقوبية منهم زعموا بالحلول والاتحاد

[سورة المائدة (5) : آية 73]

وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ يعنى مربوب مثلكم ولا يمكن اتحاد الرب مع المربوب وحلوله فيه إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ اى بمرتبة التنزيه الصرف غيره فى استحقاق العبادة او فى وجوب الوجود او فيما يختص به من الصفات والافعال فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ التي أعدت للموحدين المتقين يعنى جعل دخولها عليه ممتنعا بالغير وَمَأْواهُ النَّارُ التي أعدت للمشركين وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ وضع الظاهر موضع الضمير تنبيها على انهم ظلموا أنفسهم ومن زائدة يعنى ما لهم ناصر وذكر الأنصار موضع ناصر مبنى على زعمهم ان لهم أنصارا كثيرة تهكما بهم وقيل فيه اشارة الى انه لا بد لهم جمع كثير ينصرهم وليس لهم ذلك وقوله انه من يشرك بالله الى آخره يحتمل ان يكون من كلام الله تعالى وان يكون من تمام كلام عيسى عليه السلام اخبر الله تعالى بذلك حكاية عنه تنبيها على انهم قالوا ما قالوا تعظيما لعيسى عليه السّلام وتقربا اليه فى زعمهم وهو يخاصمهم فيه ويعاديهم بذلك فما ظنك لغيره. لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ اى ثالث الهة ثلاثة يعنى المرقوسية والنسطورية القائلون بالأقانيم الثلاثة قيل المراد بالثلاثة الله يعنى مرتبة الذات وعيسى وهو عبارة عن صفة العلم على زعمهم وجبرئيل وهو عبارة عن صفة الحيوة على زعمهم وقيل الثلاثة هو الله وعيسى ومريم كما يدل عليه قوله تعالى للمسيح أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي الهين من دون الله وَما مِنْ إِلهٍ من مزيدة للاستغراق واله فى محل الرفع على انه اسم ما وخبره محذوف اى ما اله فى الوجود اى ما فى الوجود والإمكان العام اله واجب وجوده مستحق للعبادة من حيث وجوب وجوده وكونه مبدأ لوجود كل موجود يغائره إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ موصوف بالوحدانية متعال عن قبول الشركة لا فى ذاته وماهيته ولا فى شىء من صفاته وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ من كلمات الشرك ولم يوحدوا لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ من للبيان او للتبعيض بناء على ان الذين داموا على الكفر بعض منهم ووضع المظهر موضع المضمر تكريرا للشهادة على كفرهم وتنبيها على ان من دام على الكفر حتى مات فله عَذابٌ أَلِيمٌ ولذلك عقبه بقوله. أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ من الشرك وَيَسْتَغْفِرُونَهُ عمّا صدر منهم موحدين منزهين عن الاتحاد والحلول بعد هذا التقرير والتهديد وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

[سورة المائدة (5) : آية 75]

يغفر لهم ويرحمهم ان تابوا وفى هذا الاستفهام تعجيب من إصرارهم. مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ يعنى هو منحصر فى صفة الرسالة ليست له صفة الالوهية كما زعمته النصارى خذلهم الله فالحصر إضافي بالنسبة الى ما يصفه به النصارى قَدْ خَلَتْ اى مضت مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وهو يمضى ايضا الجملة صفة لرسول يعنى ما هو الا رسول من جنس الذين خلوا من قبله ممكن حادث جائز العدم خصه الله ببعض المعجزات كابراء الأبرص والأكمه واحياء الموتى كما خص غيره بغير ذلك فان الله احيى على يد موسى عصاه وجعلها حية تسعى وذلك اعجب من احياء الموتى وان خلقه من غير اب فقد خلق آدم من غير اب وأم وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ يعنى كانت امرأة كسائر النساء فضلت على أكثرهن بكثرة الصدق وتصديق آيات الله وأنبيائه كما ينبغى كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ويفتقران اليه كسائر الحيوانات بيّن اولا أقصى ما لهما من الكمال وبين انه لا يوجب الالوهية وان كثيرا من الناس يشاركهما فى مثله ثم بين نقصهما وما فيهما من امارة الحدوث ومنافى الربوبية وكونهما من جملة المركبات الكائنة الفاسدة ثم تعجب ممن يدعى الربوبية لهما مع هذه الادلة الظاهرة فقال انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ الدالة على بطلان قولهم ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ كيف يصرفون عن استماع الحق وتأمله وثم لتفاوت ما بين العجبين يعنى بياننا عجيب واعراضهم عنها اعجب منه فانهم مع بداهة كونه من الحوادث اليومية الممكنة المفتقرة الى علة الإيجاد والإبقاء لا يحكمون عليه بالإمكان والحدوث ومع بون بعيد بين الرب والمربوب لما نظروا الى بعض صفاته الكاملة المستعارة من الله سبحانه حكموا عليه بالالوهيّة. قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً يعنى عيسى عليه السّلام فان أفعاله مخلوقة لله تعالى كسائر العباد فلا يملك فى الحقيقة شيئا وان ملك بعض الأشياء بتمليك الله تعالى وصدر على يده بخلق الله تعالى وهو لا يملك مثل ما يضر الله به من البلايا والمصائب فى الدنيا والتعذيب بالنار فى الاخرة ولا مثل ما ينفع الله به من الصحة والسعة فى الدنيا والجنة فى الاخرة وعبّر بكلمة ما وهو بغير ذوى العقول توطية لنفى القدرة عنه راسا وتنبيها على انه من هذا الجنس ومن كان له مجانسة بالممكنات فهو بمعزل عن الالوهية وقدم الضرر لان دفع الضرر أهم

[سورة المائدة (5) : آية 77]

من جلب النفع وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ بالأقوال والعقائد فيجازى على حسبها وضمير الفصل للحصر يدل على ان عيسى ليس له فى حد ذاته سمعا ولا بصرا ولا علما ولا غير ذلك من صفات الكمال بل هى مستعارة من الله تعالى. قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ الغلو التجاوز عن الحد بالإفراط او التفريط فان من جملة الدين الصحيح عند الله الايمان بان عيسى عبد الله ورسوله فاليهود فرطوا فى دينهم وأنكروا رسالته وبهتوا امه والنصارى افرطوا فيه وادعوا له الالوهية وقيل الخطاب للنصارى فقط غَيْرَ الْحَقِّ منصوب على المصدرية اى غلوا باطلا غير الحق وفيه تأكيد والا فالغلو لا يكون الا باطلا وجاز ان يكون حالا من دينكم يعنى لا تغلوا فى دينكم حال كونه غير الحق والغلو فى الدين الباطل الإصرار عليه وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ يعنى أسلافهم الذين ضلوا قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فى شريعتهم وَأَضَلُّوا كَثِيراً ممن تابعهم على البدع والضلال وَضَلُّوا بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم لما كذبوه وبغوا عليه عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ 4 يعنى عن دين الإسلام الذي هو ظاهر الحقية وقيل الضلال الاول كفرهم والضلال الثاني اضلالهم غيرهم وقيل الاول اشارة الى ضلالهم عن مقتضى العقل والثاني اشارة الى ضلالهم عما نطق به الشرع. لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ يعنى اليهود عَلى لِسانِ داوُدَ يعنى فى الزبور او المراد بهم اهل ايلة لما اعتدوا فى السبت قال داؤد عليه السلام اللهم العنهم واجعلهم اية فمسخوا قردة وَعلى لسان عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فى الإنجيل او المراد بهم كفار اصحاب مائدة لما لم يؤمنوا قال عيسى عليه السّلام اللهم العنهم واجعلهم اية فمسخوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ذلِكَ اللعن بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ اى بسبب عصيانهم واعتدائهم ثم فسر العصيان والاعتداء بقوله. كانُوا لا يَتَناهَوْنَ اى لا ينهى بعضهم بعضا عَنْ مُنكَرٍ يعنى عن معاودة منكرا وعن مثل منكر فَعَلُوهُ او المعنى عن منكر أرادوا فعله فان جريمة ترك النهى عن المنكر يقتضى عذاب كلهم أجمعين عن ابى بكر الصديق رضى الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان الناس إذا راوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك ان يعمهم الله بعقاب رواه الاربعة قال الترمذي حسن صحيح وصححه ابن حبان ولفظ النسائي القوم إذا راوا المنكر فلم يغيروه

[سورة المائدة (5) : آية 80]

وفى لفظ لابى داؤد ما من قوم يعمل فيهم المعاصي وهم يقدرون على ان يغيروا فلم يغيروا او شك ان يعمهم الله العذاب وجاز ان يكون المعنى لا ينتهون عن منكر بل يصرون عليه من قولهم تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع منه لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ تعجب من سوء فعلهم مؤكد بالقسم ذمهم عن عبد الرحمن بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيمن قبلكم من بنى إسرائيل إذا عمل العامل منهم الخطية نهاه الناهي تعذيرا فاذا كانوا من الغد جالسه وأكله وشاربه كانه لم يره على الخطيئة بالأمس فلما راى الله تبارك وتعالى ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض وجعل منهم القردة والخنازير ولعنهم على لسان داؤد وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون والذي نفسى بيده لتامرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتاخذن على يد السفيه ولتاطرن على الحق اطرا او ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعنهم رواه البغوي ورواه الترمذي وابو داؤد من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعا. تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يعنى من اليهود كعب بن الأشرف وأصحابه يَتَوَلَّوْنَ اى يوالون الَّذِينَ كَفَرُوا يعنى مشركى مكة حين خرجوا إليهم يستجيشون على النبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن عباس ومجاهد والحسن فى منهم ضمير للمنافقين فانهم كانوا يتولون اليهود لَبِئْسَ اى شيئا ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ ان مع صلته مخصوص بالذم والمراد بالسخط موجب سخط الله وعذابه المخلد او المخصوص محذوف وهذا علة الذم اى لبئس شيئا قدمت لهم أنفسهم ذلك لان ذلك يوجب السخط والخلود فى العذاب. وَلَوْ كانُوا هؤلاء اليهود او المنافقون يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ يعنى نبيهم وان كانت الاية فى المنافقين فالمراد به نبينا صلى الله عليه وسلم وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ من التورية او القران مَا اتَّخَذُوهُمْ يعنى ما اتخذ اليهود كفار مكة على بغض النبي صلى الله عليه وسلم او المنافقون اليهود أَوْلِياءَ إذ الايمان بالأنبياء والكتب السماوية يمنع ذلك وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ خارجون عن امتثال امر الله سبحانه. لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ اخرج ابو الشيخ وابن مردويه عن ابى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خلا يهودى بمسلم

الأحدث نفسه بقتله وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا يعنى مشركى العرب لانهما كهم فى اتباع الهوى وركونهم الى التقليد وبعدهم عن التحقيق وتمرنهم على تكذيب الأنبياء ومعاداتهم وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى قال البغوي لا يريد جميع النصارى لانهم فى عداوة المسلمين كاليهود فى قتل المسلمين واسرهم وتخريب بلادهم وهدم مساجدهم وإحراق مصاحفهم فلا كرامة لهم بل الاية فيمن اسلم منهم مثل النجاشي وأصحابه واخرج النسائي وابن ابى حاتم والطبراني عن عبد الله بن زبير قال نزلت هذه الاية فى النجاشي وأصحابه إذا سمعوا الاية وروى ابن ابى حاتم وغيره عن مجاهد قال هم الوفد الذين جاؤا مع جعفر وأصحابه من ارض الحبشة وكذا اخرج عن عطاء انما يراد به النجاشي وأصحابه وقيل نزلت فى جميع اليهود وجميع النصارى لان اليهود أقسى قلبا والنصارى ألين قلبا منهم وكانوا اقل مظاهرة للمشركين من اليهود قلت عموم لفظ الاية يقتضى ان لا يراد بهم جماعة معينة منهم وان كان سبب النزول قصة النجاشي كيف والجماعة المعينة من اليهود يعنى الذي اسلموا منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه وكعب الأحبار ايضا بهذه الصفة فلا وجه للتفرقة بين اليهود والنصارى بل الظاهر ان المراد بالنصارى هاهنا الذين هم كانوا على الدين الحق دين عيسى قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم منهم النجاشي وأصحابه دون القائلين بان المسيح هو الله او ثالث ثلثة فان تلك الفرق من النصارى مثل اليهود فى كونهم على الباطل قاسية قلوبهم متبعين أهواءهم كاهل نجران واما من كان منهم على الدين الحق ووصية عيسى عالمين بالإنجيل منتظرين ظهور رسول يأتي من بعد عيسى اسمه احمد صلى الله عليه وسلم مشتغلين بالعلم والعمل معرضين عن الدنيا كانت قلوبهم صافية لاجل ايمانهم بعيسى قبل مبعث سيد الرسل عليهم الصّلوة والسّلام يدل عليه قوله تعالى ذلِكَ القرب مودة للمؤمنين بِأَنَّ اى بسبب ان مِنْهُمْ اى من النصارى قِسِّيسِينَ قال البغوي القس والقسيس العالم بلغة الروم وفى القاموس هو رئيس النصارى فى العلم والقس مثلثة تتبع الشيء وطلبه فى الصحاح هو العالم العابد من رؤس النصارى واصل القس تتبع الشيء وطلبه بالليل كانهم سموا بذلك لان العلماء والعباد يطلبون العلم ووحدة الوجهة الى الله سبحانه

فى ظلمات الليالى وَرُهْباناً جمع راهب كالركبان جمع راكب وهم العباد اصحاب الصوامع فى القاموس رهب كعلم خاف والترهب التعبد وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ عن قبول الحق إذا دعوا اليه ويتواضعون ولا يتكبرون كاليهود قال قتادة نزلت هذه الاية فى ناس من اهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى عليه السّلام فلما بعث الله سبحانه محمدا صلى الله عليه وسلم صدقوه وأمنوا به فاثنى الله عز وجل عليهم بقوله ذلك بان منهم قسيسين الاية قلت وهؤلاء القوم من النصارى الذين كانوا على الدين الحق قبل البعثة وأمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعدها هم المراد باهل الكتاب فى قوله صلى الله عليه وسلم ثلثة لهم أجران رجل من اهل الكتاب أمن بنبيه وأمن بمحمد الحديث متفق عليه عن ابى موسى الأشعري والله اعلم قال اهل التفسير ائتمرت قريش ان يفتنوا المؤمنين عن دينهم فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يوذونهم ويعذبونهم فافتتن من افتتن وعصم الله منهم من شاء ومنع الله تعالى رسوله بعمه ابى طالب فلما راى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بأصحابه ولم يقدر على منعهم ولم يؤمر بعد بالجهاد أمرهم بالخروج الى ارض الحبشة وقال ان بها ملكا صالحا لا يظلم ولا يظلم عنده أحد فاخرجوا اليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجا وأراد به النجاشي واسمه اصحمة وهو بالحبشة عطية وانما النجاشي اسم الملك مثل قيصر وكسرى فخرج إليها سرّا أحد عشر رجلا واربع نسوة وهم عثمان ابن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود وعبد الرحمن بن عوف وابو حذيفة بن عتبة وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو مصعب بن عمير وابو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة بنت امية وعثمان بن مظعون وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت ابى حشمة وحاطب بن عمر وسهيل ابن بيضا رضى الله عنهم أجمعين فخرجوا الى البحر وأخذوا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار فى رجب من السنة الخامسة من البعثة وهذه الهجرة الاولى ثم خرج جعفر بن ابى طالب وتتابع المسلمون إليها وكان جميع المهاجرين الى الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلا سوى النساء والصبيان فلما علمت قريش بذلك وجهوا عمرو بن العاص وصاحبه بالهدايا الى النجاشي وبطارقته ليردهم إليهم فعصمهم الله وذكرت القصة فى تفسير

سورة ال عمران فى تفسير قوله تعالى ان اولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي الاية......... فلما انصرفا اقام المسلمين هناك بخير واحسن جوار الى ان هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلا امره وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الى النجاشي على يدى عمرو بن امية الضميري سنة ست من الهجرة ليزوجه أم حبيبة بنت ابى سفيان وقد هاجرت مع زوجها فمات زوجها وليبعث من عنده من المسلمين فارسل النجاشي الى أم حبيبة جارية له يقال لها ابرهة تخبرها بخطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعطتها اوضاحا لها سرورا بذلك فاذنت خالد بن سعيد بن العاص حتى انكحها على صداق اربعمائة دينار فانقد إليها النجاشي اربعمائة دينار على يد ابرهة فلما جاءتها بها أعطتها خمسين دينارا فردته وقالت أمرني الملك ان لا أخذ منك شيئا وقالت انا صاحبة دهن الملك وثيابه وقد صدقت ومحمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وامنت به وحاجتى منك ان تقرئيه منى السلام قالت نعم وقد امر الملك نسائه ان يبعثن إليك بما عندهن من عود وعنبر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه عليها وعندها فلا ينكر وقالت أم حبيبة فخرجنا الى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فخرج من خرج اليه وأقمت بالمدينة حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم فدخلت عليه فكأن يسألنى عن النجاشي فقرأت عليه من ابرهة السلام فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم فانزل الله تعالى عسى الله ان يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم يعنى أبا سفيان مودة يعنى بتزويج أم حبيبة ولما جاء أبا سفيان تزويج أم حبيبة قال ذلك الفحل لا يقرع انفه وبعث النجاشي بعد قدوم جعفر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنه ارها بن اصحمة ابن الجر فى ستين رجلا من الحبشة وكتب اليه يا رسول الله اشهد انك رسول الله صادقا مصدقا وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت لله رب العلمين وقد بعثت إليك بابني ارها وأنت ان شئت ان اتيك بنفسي فعلت والسلام عليك يا رسول الله فركبوا سفينة فى اثر جعفر وأصحابه حتى إذا كانوا فى وسط البحر غرقوا ووافى جعفر وأصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سبعين رجلا عليهم ثياب الصوف منهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من اهل الشام فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة يس الى آخرها فبكوا حين سمعوا القران وأمنوا وقالوا ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى عليه السّلام

[سورة المائدة (5) : آية 83]

فانزل الله تعالى هذه الاية ولتجدن أقربهم مودة للذين أمنوا الذين قالوا انا نصارى يعنى وفد النجاشي الذين قدموا مع جعفر وهم سبعون وكانوا اصحاب الصوامع وقال مقاتل والكلبي كانوا أربعين رجلا اثنان وثلثون من الحبشة وثمانية من اهل الشام وقال عطاء كانوا ثمانين رجلا أربعون من اهل نجران من بنى الحارث واثنان وثلثون من اهل الحبشة وثمانية من اهل الشام روميون واخرج ابن ابى شيبة وابن ابى حاتم والواحدي من طريق ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وابى بكر بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير مرسلا قالوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن امية الضمري وكتب معه كتابا الى النجاشي فقدم على النجاشي فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم دعا جعفر بن ابى طالب والمهاجرين معه وأرسل الى الرهبان والقسيسين ثم امر جعفر ابن ابى طالب فقرأ عليهم سورة مريم فامنوا بالقران وقاضت أعينهم من الدمع فهم الذين انزل فيهم لتجدن أقربهم مودة الى قوله فاكتبنا مع الشاهدين وروى ابن جرير وابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير قال بعث النجاشي فلاس رجلا من خيار أصحابه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه سورة يس فبكوا فنزلت فيهم الاية واخرج النسائي عن عبد الله بن الزبير قال نزلت هذه الاية فى النجاشي وأصحابه. وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ وروى الطبراني عن ابن عباس نحوه ابسط منه قلت ونزول الاية فى النجاشي او فى الذين وفدهم لا يقتضى اختصاصهم بهذا الحكم فان العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص المورد قوله وإذا سمعوا عطف على لا يستكبرون وهو بيان لرقة قلوبهم وشدة خشيتهم ومسارعتهم الى قبول الحق وعدم تابيهم عنه والفيض هو انصباب عن امتلاء فوضع موضع الامتلاء للمبالغة او جعلت أعينهم من فرط البكاء كانها تفيض بانفسها وتفيض فى موضع النصب على الحال.... لان الروية بمعنى الابصار وقيل من للابتداء والظاهر انها للتعليل اى من أجل الدمع مِمَّا عَرَفُوا من للابتداء او للتعليل اى من أجل المعرفة وما موصولة يعنى من الذي عرفوه كائنا مِنَ الْحَقِّ من اما للبيان او للتبعيض يعنى انهم عرفوا بعض الحق فابكاهم فكيف إذا عرفوه كله قال ابن عباس فى رواية عطاء به يريد بالسامعين النجاشي وأصحابه قرأ عليهم جعفر بالحبشة كهيعص فما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة يَقُولُونَ حال من الضمير الفاعل فى عرفوا رَبَّنا آمَنَّا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما انزل عليه منك والمراد

[سورة المائدة (5) : آية 84]

إنشاء الايمان والدخول فيه وانما قالوا ربنا ليكونوا مومنين فيما بينهم وبين الله لا كالمنافقين فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ يعنى مع امة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يشهدون للرسل على سائر الأمم قالوا ذلك لانهم وجدوا ذكر امة فى الإنجيل كذلك او المعنى مع الشاهدين بنبوته وبان القران حق من عند الله تعالى والشهادة ما يكون عن صميم القلب ولذلك قال الله تعالى فى المنافقين والله يشهد ان المنافقين لكاذبون ففيه تنزيه لانفسهم عن النفاق ثم أظهروا الحجة على ان ايمانهم ايمان الشهداء لا المنافقين بقولهم. وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا على لسان محمّد مِنَ الْحَقِّ يعنى القران وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا الجنة مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ اى مع مؤمنى امة محمد صلى الله عليه وسلم الذين قال الله تعالى فيهم ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر انّ الأرض يرثها عبادى الصّالحون قوله ما لنا مبتدأ وخبر ولا نؤمن حال اى غير مؤمنين كقولك مالك قائما ونطمع معطوف على نؤمن يعنى ما لنا لا نؤمن ولا نطمع او عطف على نؤمن اى ما لنا نجمع بين عدم الايمان والطمع فانهما متنافيان فان الطمع مع عدم الايمان باطل او خبر مبتدأ محذوف اى نحن والواو للحال وجملة ونحن نطمع حال من ضمير الفاعل فى نؤمن وفيه انكار واستبعاد لانتفاء الايمان مع قيام موجبه وهو الطمع فى انعام الله تعالى وقيل جواب سوال ذكر البغوي ان اليهود عيّرهم وقالوا لم أمنتم فاجابوا وقيل انهم لما رجعوا الى قومهم لاموهم فاجابوا بذلك ويرد عليه انه كيف جاء الجواب بالعاطف والجواب مبنية للفصل وغاية التوجيه ان يقال تقديره مالك لا تؤمن وما لنا لا نؤمن. فَأَثابَهُمُ اللَّهُ اى جزاهم الله بِما قالُوا بعد خلوص الاعتقاد المدلول عليه بقوله ترى أعينهم تفيض من الدمع بما عرفوا من الحق وقيل القول يستعمل فى قول عن اعتقاد يقال هذا قول فلان اى معتقده جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الجنات جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ الذين يعبدون الله تعالى بكمال الخشوع والحضور قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الإحسان ان تعبد ربك كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك ثم ذكر جزاء الكافرين المكذبين كما هو داب المثاني والقران العظيم من الجمع بين الترغيب والترهيب ولما كان فيما مضى ذكر التصديق بالقلب ومعرفة الحق مع الإقرار باللسان عقبه بما يضاده

[سورة المائدة (5) : آية 86]

من جحود الحق والتكذيب فقال. وَالَّذِينَ كَفَرُوا اى جحدوا الحق بقلوبهم وَكَذَّبُوا بِآياتِنا بألسنتهم أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ع روى الترمذي وغيره عن ابن عباس ان رجلا اتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله انى إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتى فحرمت علىّ اللحم فانزل الله تعالى. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ اى ما طاب ولذّ وتشتهيها الأنفس من الحلال وفى ترتيب الآيات لطافة فانه تضمن ما قبله مدح النصارى على ترهبهم والحث على كسر النفس ورفض الشهوات ثم عقبه النهى عن الافراط فى ذلك والاعتداء عما حد الله تعالى بجعل الحلال حراما فقال وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ويجوز ان يراد به ولا تعتدوا حدود ما أحل الله لكم الى ما حرم عليكم فتكون الاية ناهية عن تحريم ما أحل وتحليل ما حرم داعية الى القصد بينهما وجاز ان يكون المعنى ولا تسرفوا فى تناول الطيبات اخرج ابن جرير من طريق العوفى انّ رجالا من الصحابة منهم عثمان بن مظعون حرموا النساء واللحم على أنفسهم وأخذوا الشفار ليقطعوا مذاكيرهم لكى ينقطع الشهوة عنهم ويتفرغوا للعبادة فنزلت هذه الاية واخرج ابن جرير نحو ذلك من مرسل عكرمة وابى قلابة ومجاهد وابى مالك والنخعي والسدى وغيرهم وفى رواية السدى انهم كانوا عشرة منهم ابن مظعون وعلى ابن ابى طالب وفى رواية عكرمة منهم ابن مظعون وعلى وابن مسعود والمقداد بن الأسود وسالم مولى حذيفة وفى رواية مجاهد منهم ابن مظعون وعبد الله بن عمرو واخرج ابن عساكر فى تاريخه من طريق السدى الصغير عن الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس قال نزلت هذه الاية فى رهط من الصحابة منهم ابو بكر وعمر وعلى وابن مسعود وعثمان بن مظعون والمقداد بن الأسود وسالم مولى ابى حذيفة توافقوا على ان يجبوا أنفسهم ويعتزلوا النساء ولا يأكلوا لحما ولا دسما ويلبسوا المسوح ولا يأكلوا من الطعام الا قوتا وان يسيحوا فى الأرض كهيئة الرهبان فنزلت وذكر البغوي عن اهل التفسير ان النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الناس يوما ووصف القيامة فرق الناس له وبكوا فاجتمع عشرة من الصحابة فى بيت عثمان بن مظعون الجمحي وهم أبو بكر الصديق وعلى بن ابى طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وابو ذر الغفاري وسالم مولى ابى حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل

ابن مقرن رضى الله عنهم أجمعين وتشاوروا واتفقوا على ان يترهبوا ويلبسوا المسوح ويجبوا مذاكيرهم ويصوموا الدهر ويقوموا الليل ولا يناموا على الفراش ولا يأكلوا اللحم والودك ولا يقربوا النساء والطيب ويسيحوا فى الأرض فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتى دار عثمان بن مظعون فلم يصادفه فقال لامرأته أم حكيم بنت ابى امية واسمها الخولاء وكانت عطارة أحق ما بلغني عن زوجك وأصحابه فكرهت ان تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكرهت ان تبدى على زوجها فقالت يا رسول الله إن كان أخبرك عثمان فقد صدقك فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دخل عثمان أخبرته بذلك فاتى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الم أنبأكم انكم اتفقتم على كذا وكذا قالوا بلى يا رسول الله وما أردنا الا الخير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انى لم اومر بذلك ثم قال لانفسكم عليكم حقا فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا فانى أقوم وأنام وأصوم وأفطروا كل اللحم والدسم واتى النساء ومن رغب عن سنتى فليس منى ثم جمع الناس وخطبهم فقال ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا اما انى لست أمركم ان تكونوا قسيسين ورهبانا فانه ليس فى دينى ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع وان سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد واعبدوا الله تعالى ولا تشركوا به شيئا وحجوا واعتمروا واقيموا الصلاة وأتوا الزكوة وصوموا رمضان واستقيموا يستقم لكم فانما هلك من كان قبلكم بالتشديد شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فاولئك بقاياهم فى الديارات والصوامع فانزل الله عز وجل هذه الاية وروى البغوي بسنده عن سعد بن مسعود ان عثمان بن مظعون رض اتى النبي صلى الله عليه وسلم قال ائذن لنا فى الاختصاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس منا من خصى ولا من اختصى ان خصاء أمتي الصيام فقال يا رسول الله ائذن لنا فى السياحة فقال ان سياحة أمتي الجهاد فى سبيل الله قالوا يا رسول الله ائذن لنا فى الترهب فقال ان ترهب أمتي الجلوس فى المساجد وانتظار الصلاة وفى الصحيحين عن انس قال جاء ثلثة رهط الى ازواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبىّ صلى الله عليه وسلم فلمّا أخبروا بها كانهم تقالّوها فقالوا اين نحن من النبىّ صلى الله عليه وسلم وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقال أحدهم اما انا فاصلى الليل ابدا وقال

[سورة المائدة (5) : آية 88]

الاخر انا أصوم النهار ولا أفطر وقال الاخر انا اعتزل النساء فلا أتزوج ابدا فجآء النبي صلى الله عليه وسلم فقال أنتم الذي قلتم كذا وكذا اما والله انى لاخشاكم لله وأتقاكم له ولكنى أصوم وأفطر وأصلي وارقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى وروى ابو داؤد عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم فان قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم فتلك بقاياهم فى الصوامع والديار رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم وفى الصحيحين عن عائشة قالت صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فرخص فيه فتنزه عنه قوم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب فحمد الله ثم قال ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء اصنعه فو الله انى لاعلمهم بالله وأشدهم خشية وروى ابن ابى حاتم عن زيد ابن اسلم ان عبد الله بن رواحة أضاف ضيفا من اهله وهو عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع الى اهله فوجدهم لم يطعموا ضيفهم انتظارا له فقال لامرأته حبست ضيفى من اجلى وهو حرام على فقالت امرأته هو على حرام قال الضيف هو على حرام فلما رأى ذلك وضع يده وقال كلوا بسم الله ثم ذهب الى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الذي كان منهم ثم انزل الله يايها الذين أمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين. وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً قال عبد الله بن مبارك الحلال ما أخذته من وجهه يعنى من وجه مشروع والطيب ماغذ او نما فاما الجوامد كالطين والتراب وما لا يغذى فمكروه الا على وجه التداوى حلالا مفعول كلوا ومما رزقكم حال منه قدمت لكون ذى الحال نكرة ومن للتبعيض وفيه تصريح ان بعض الرزق يكون حلالا دون بعض كما يقوله اهل الحق ويجوز ان يكون من ابتدائية متعلقة بكلوا ويجوز ان يكون مفعولا وحلالا حال من الموصول والعائد محذوف او صفة لمصدر محذوف يعنى أكلا حلالا وعلى الوجوه كلها لو لم يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة وَاتَّقُوا اللَّهَ توكيد للتوصية بما امر به وزاده توكيدا بقوله الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ لان مقتضى الايمان التقوى فيما امر به ونهى عنه روى البغوي بسنده عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحلوا والعسل رواه البخاري وعن ابن عباس قال كان أحب الطعام الى رسول الله صلى الله عليه وسلم الثريد من الخبز والثريد من

[سورة المائدة (5) : آية 89]

الحيس رواه ابو داؤد وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الطاعم الشاكر كالصائم الصابر رواه الترمذي ورواه ابن ماجة والدارمي عن سنان بن سنة عن أبيه قال البغوي قال ابن عباس لما نزلت لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم قالوا يا رسول الله فكيف نصنع بايماننا التي حلفنا عليها وكانوا حلفوا على ما أنفقوا عليه فانزل الله تعالى. لا يُؤاخِذُكُمُ «1» اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ قرأ ابن ذكوان عاقدتم من المفاعلة بمعنى فعل وقرأ ابو بكر وحمزة والكسائي عقدتم بغير الف مخففا على وزن ضربتم والباقون مشددا من التفعيل وقد مر تفسير الاية فى سورة البقرة واقسام الايمان وأحكامها وان المراد بالمؤاخذة المؤاخذة الاخروية وبما عقدتم الايمان ما تعلق القصد بتوثيقه والزام شىء من فعل او ترك به على نفسه صيانة لذكر اسم الله تعالى فتكون لا محالة فى الإنشاء وهذا القسم من اليمين يوجب ذلك الفعل او الترك على الحالف بقوله تعالى يا ايها الذين أمنوا أوفوا بالعقود وقوله تعالى ولكن يواخذكم بما عقدتم يعنى بنكث ما عقدتم او يواخذكم بما عقدتم ان حنثتم وحذف للعلم. (مسئلة:) ينعقد اليمين عند جمهور العلماء والائمة الاربعة بحرف القسم ملفوظا او مقدرا مقترنا باسم من اسماء الله تعالى او ما يدل على ذاته تعالى نحو والذي نفسى بيده والذي لا اله غيره ومقلب القلوب ورب السموات والأرض ونحو ذلك وقال بعض مشائخ الحنفية كل اسم لا يسمى به غيره تعالى فهو يمين وما يسمى به غيره ايضا كالحليم والعليم والقادر والوكيل والرحيم ونحو ذلك لا يكون يمينا الا بالنية او العرف او دلالة الحال وكذا ينعقد عند الجمهور بكل صفة من صفاته وقال ابو حنيفة ينعقد بكل صفة يحلف بها عرفا كعزة الله وجلاله وعظمته وكبريائه لا بما لا يحلف عرفا كعلم الله وإرادته ومشيته ولمشايخ العراق هاهنا تفصيل اخر وهو ان الحلف بصفات الذات يكون يمينا وبصفات الفعل لا يكون يمينا وصفات الذات ما لا يوصف الله تعالى بضده كالقدرة والجلال والكبرياء والعظمة والعزة وصفات الفعل ما يوصف به وبضده كالرحمة والغضب والرضاء

_ (1) روى ابو الشيخ وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير ان اللغو ان تحرم ما أحل الله لكم تكفر عن يمينك ولا تحرمه لا يؤاخذكم الله به ولكن بما عقدتم الايمان فان مت عليه أخذت به 12 [.....]

والسخط والقبض والبسط. (مسئلة) لو حلف بالقران يكون يمينا عند الائمة الثلاثة وعند ابى حنيفة لا يكون يمينا لعدم العرف وقال ابن همام ولا يخفى ان الحلف بالقران الان متعارف فيكون يمينا يعنى عنه ابى حنيفة ايضا كما هو قول الائمة الثلاثة وكذا الكلام لو حلف بالمصحف فان المراد به القران دون القراطيس وحكى ابن عبد البر فى التمهيد فى المسألة اقوال الصحابة والتابعين واتفاقهم على إيجاب الكفارة فيها قال ولم يخالف فيها الا من لا يعتد بقوله واختلفوا فى قدر الكفارة فقال مالك والشافعي يلزم كفارة واحدة وعن احمد رح روايتان إحداهما كالجمهور والثانية يلزم بكل اية كفارة ولو قال وحق الله كان يمينا عند الثلاثة خلافا لابى حنيفة ولو قال لعمر الله وايم الله قال ابو حنيفة يمين نوى او لم ينو وهى رواية عن احمد وقال بعض اصحاب الشافعي وهى رواية عن احمد ان لم ينو لا يكون يمينا. (مسئلة) من حلف بالكعبة او بالنبي لا يكون يمينا ولا يجب عليه الكفارة عند الائمة الثلاثة وهى رواية عن احمد وفى اظهر الروايتين عنه الحلف بالنبي يكون يمينا لنا قوله صلى الله عليه وسلم من كان حالفا فليحلف بالله او ليصمت متفق عليه من حديث ابن عمر وعنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف بغير الله فقد أشرك رواه ابو داؤد وعن ابن مسعود موقوفا لان احلف بالله كاذبا أحب الىّ ان احلف بغير الله صادقا قال صاحب الهداية هذا إذا قال والنبي اما لو قال ان فعلت كذا فهو برئ عن النبي صلى الله عليه وسلم او عن الكعبة او هو يهودى او نصرانى او كافر يكون يمينا لانه لما جعل الشرط علما على الكفر فقد جعله واجب الامتناع وقد أمكن القول بوجوبه لغيره فجعلناه يمينا كما نقول فى تحريم الحلال فان تحريم الحلال عند نايمين وقال الشافعي رح تحريم الحلال لا يكون يمينا لنا ان النبي صلى الله عليه وسلم حرم مارية وشرب العسل فنزل يا ايها النبي لم تحرم ما أحل الله لك قد فرض الله لكم تحلة ايمانكم كذا فى الصحيحين وغيرهما وسنذكر فى سورة التحريم ان شاء الله تعالى. (مسئلة) ولو قال ان فعلت كذا فهو يهودى او برئ من الإسلام او نحو ذلك فى شىء قد فعله فهو الغموس ولا يكفر عند ابى حنيفة اعتبارا بالمستقبل وقيل يكفر لانه تنجيز معنى قال صاحب الهداية والصحيح انه لا يكفر إن كان يعلم انه يمين وإن كان عنده

انه يكفر بالحلف يكفر لانه رضى بالكفر عن بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال انى برئ من الإسلام فان كان كاذبا فهو كما قال وان كان صادقا لن يرجع الى الإسلام سالما رواه ابو داؤد والنسائي وابن ماجة. (مسئلة) لو ذكر فعل القسم على صيغة الماضي مقترنا باسم الله او صفة من صفاته فقال أقسمت بالله او حلفت بالله او شهدت بالله او عزمت بالله لا فعلن كذا فهو يمين بلا خلاف ولو قال بصيغة المضارع نحو اقسم بالله او احلف بالله او اشهد بالله او اعزم بالله فهو يمين عند ابى حنيفة واحمد وعند الشافعي لا يكون يمينا الا بالنية لاحتمال ان يريد بالمستقبل الوعد قالت الحنفية المضارع حقيقة فى الحال مجاز فى الاستقبال لا ينصرف اليه الا بقرينة السين او سوف او نحو ذلك. (مسئلة) لو قال أقسمت او اقسم او حلفت او احلف ونحو ذلك من غير ذكر اسم الله تعالى وصفة فهو يمين عند ابى حنيفة نوى او لم ينو شيئا وان نوى غيره يصدق ديانة لا قضاء وقال مالك واحمد فى رواية وزفران نوى يكون يمينا والا فلا لاحتمال اليمين بغير الله وقال الشافعي لا يكون يمينا وان نوى قلنا الحلف بالله هو المعهود والمشروع وبغيره محظور فيصرف الى المشروع عند عدم النية واحتج فى هذه المسألة بحديث ابن عباس ان رجلا راى رويا فقصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابو بكر ايذن لى فاعبرها فاذن له فعبرها ثم قال أصبت يا رسول الله قال أصبت واخطأت قال أقسمت يا رسول الله لتخبرنى قال لا تقسم هكذا رواه احمد وقد اخرج فى الصحيحين بلفظ اخر فانه قال والله لتخبرنى بالذي اخطأت قال لا تقسم والله اعلم فَكَفَّارَتُهُ اى كفارة نكثه او كفارة معقود الايمان او كفارة ما عقدتم الايمان إذا حنثتم والكفارة الفعلة التي من شانها ان يكفر الخطيئة ويذهب إثمها ويسترها إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ والإطعام جعل الغير طاعما سواء كان بالتمليك او الإباحة ومن ثم قال ابو حنيفة لو غدّاهم وعشّاهم اكلتين مشبعتين من غير تمليك جاز قليلا أكلوا او كثيرا كذا ذكر الكرخي بإسناده الى الحسن خلافا للشافعى رحمه الله فعنده يشترط التمليك اعتبارا بالزكاة وصدقة الفطر ولان التمليك ادفع للحاجة فلا ينوب منابه الإباحة قلنا المنصوص عليه فى الزكوة الإيتاء وفى صدقة الفطر الأداء وهما للتمليك

حقيقة بخلاف الإطعام لانه حقيقة فى التمكين من الطعم فان قيل لما كان الإطعام حقيقة فى التمكين ينبغى ان لا يجوز التمليك وإلا لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز قلنا فى التمليك من الطعم ايضا او يقال جواز التمليك انما هو بدلالة النص والدلالة لا يمنع العمل بالحقيقة كما فى حرمة الضرب والشتم مع التأفيف لان النص ورد فى دفع حاجة الاكل فالتمليك الذي هو لدفع كل حاجة ومنها الاكل اجوز اخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير وابن ابى حاتم عن على بن ابى طالب رض فى قوله تعالى فكفارته اطعام عشرة مساكين قال يغديهم ويعشيهم ان شئت خبزا ولحما او خبزا وزيتا او خبزا وسمنا او خبزا وتمرا- (مسئلة) لو كان فيمن أطعمهم صبيا فطيما لا يجزيه لانه لا يستوفى كاملا- (مسئلة) لا بد من الادام فى خبز غير الحنطة ليمكنهم الاستيفاء الى الشبع فى صورة الإباحة وفى خبز الحنطة لا يشترط ان كان اوسط طعام اهله بغير ادام. (مسئلة) ان اعطى مسكينا واحدا عشرة ايام يجوز عند ابى حنيفة وان اطعم فى يوم واحد عشر مرات لا يجوز وقيل هذا إذا كان بالاباحة واما إذا كان بالتمليك فيجوز لان الحاجة الى التمليك يتجدد فى يوم واحد ولا يتجدد الحاجة الى الاكل فى يوم واحد عشر مرات وإذا دفع الى فقير وأحد طعام عشرة مساكين دفعة واحدة فى يوم واحد ولو بالتمليك لا يجوز هذا كله قول ابى حنيفة وجه قوله ان المقصود سدخلة المحتاج والحاجة يتجدد فى كل يوم فالدفع اليه فى اليوم الثاني كالدفع الى غيره ولا يتجدد الحاجة فى يوم الى الاكل عشر مرات وقال مالك والشافعي وهو الصحيح من مذهب احمد وبه قال اكثر اهل العلم لا يجوز اطعام مسكين واحد عشرة ايام ولو بالتمليك لانه تعالى نص على عشرة مساكين وبتكرر الحاجة فى مسكين واحد لا يصير هو عشرة مساكين والتعليل بان المقصود سدخلة المحتاج الى اخر ما ذكر مبطل لمقتضى النص فلا يجوز. (مسئلة) وإذا ملك الطعام عشرة مساكين فالقدر الواجب لكل مسكين عند اهل العراق مدان وهو نصف صاع قال البغوي يروى ذلك عن عمرو على وقال ابو حنيفة نصف صاع من بر او صاع من شعير او تمر وهو قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير ومجاهد والحكم وقال مالك مد وهو رطلان بالبغدادي وقال احمد مد من حنطة او دقيق ومدان من شعير او تمر ورطلان من خبز اى خبز حنطة وقال الشافعي مد النبي صلى الله عليه وسلم وهو رطل

وثلث رطل من غالب قوة البلد ولا يجوز عنده دفع الخبز ولا الدقيق بل إعطاء الحب قال البغوي وهو قول زيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر وبه قال سعيد بن المسيب والقاسم وسليمان بن يسار وعطاء والحسن وكذلك الخلاف فى جميع الكفارات ويجوز دفع القيمة من الدراهم والدنانير عند ابى حنيفة خلافا لغيره وذكر الكرخي بإسناده الى عمر قال صاع من تمر او شعير او نصفه من بر وبإسناده الى علىّ قال كفارة اليمين نصف صاع من حنطة وبإسناده الى مجاهد قال كل كفارة فى القران فهو نصف صاع من بر لكل مسكين وروى ابن الجوزي فى التحقيق بسنده عن سليمان بن يسار قال أدركت الناس وهم يعطون فى طعام المساكين مدا مدا ويروى ان ذلك يجزى عنهم وفى الباب حديث ابى سلمة ان سليمان بن صخر ويقال له سلمة بن صخر البياضي جعل امرأته كظهر امه حتى يمضى رمضان فلما مضى نصف من رمضان وقع عليها ليلا فاتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق رقبة قال لا أجدها قال فصم شهرين متتابعين قال لا أستطيع قال اطعم ستين مسكينا قال لا أجد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعروة بن عمرو أعطه ذلك الفرق وهو مكتل يأخذ خمسة عشر صاعا او ستة عشر صاعا يطعم ستين مسكينا رواه الترمذي وروى ابو داؤد وابن ماجة والدارمي عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر نحوه قال كنت أصبت من النساء ما لا يصيب غيرى وهذا الحديث حجة للشافعى وغيره من قال ان لكل مسكين هذا احتج ابو حنيفة بحديث رواه الطبراني عن أوس بن الصامت قال فاطعم ستين مسكينا ثلثين صاعا قال لا املك ذلك الا ان تعيننى فاعانه النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعا وأعانه الناس حتى بلغ انتهى قلت لعل كان ذلك من الحنطة وروى ابو داؤد من طريق ابن إسحاق عن معمر بن عبد الله بن حنظلة عن يوسف بن عبد الله بن سلام فى حديث أوس بن الصامت انه قال صلى الله عليه وسلم فانى ساعينه بفرق من تمر قال يا رسول الله وانا أعينه بفرق اخر قال أحسنت قال الفرق ستون صاعا واخرج الحديث ايضا بهذا الاسناد الا انه قال والمكتل ثلثون صاعا قال ابن همام وهذا أصح لانه لو كان ستين لم يحتج الى معاونتهما ايضا بفرق اخر فى الكفارة واخرج ابو داؤد عن ابى سلمة بن عبد الرحمن قال الفرق زنبيل يأخذ خمسة عشر صاعا واخرج ابو داؤد فى حديث سلمة بن

صخر البياضي قال فاطعم وسقا من تمر بين ستين مسكينا قال والذي بعثك بالحق لقد بتنا وحشيين ما املك لنا طعاما قال فانطلق الى صاحب صدقة بنى زريق فليدفعها إليك فاطعم ستين مسكينا وسقا من تمر وكل أنت وعيالك بقيتها الحديث أخرجه احمد وابو داؤد (مسئلة) يجوز دفع الطعام وتمليكه لصغير يقبل عنه وليه وهل يجزى بصغير لم يطعم الطعام قال الثلاثة نعم وقال احمد لا. (مسئلة) ان ادى الى ذمى قال ابو حنيفة يجوز لاطلاق النص وقد قال الله تعالى لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين الاية وعند الجمهور لا يجوز قياسا على الزكوة فانه لا يجوز صرف الزكوة الى الذمي اجماعا مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ محله النصب لانه صفة مفعول محذوف تقديره ان تطعموا عشرة مساكين طعاما من اوسط ما تطعمون او الرفع على البدل من اطعام قال البغوي اى من خير قوة عيالكم قلت والظاهر ان المراد المتوسط فى الكيفية لا أعلى ولا ادنى فمن كان غنيا يأكل اهله أطعمة لذيذة يجب فى التغدي والتعشي ان يطعم الفقراء على غالب قوة اهله وهذا الكلام يدل على ما قال ابو حنيفة بجواز عطاء الفقير على وجه الإباحة اخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ابى حاتم عن ابن عباس فى قوله تعالى من اوسط ما تطعمون قال من عسركم ويسركم وفى رواية ليس بارفعه ولا أدناه وجمع الأهل بالياء والنون شاذ لعدم العلمية أَوْ كِسْوَتُهُمْ عطف على اطعام او على من اوسط ان جعل بدلا لان البدل هو المقصود وادنى الكسوة ما يجوز به الصلاة عند مالك واحمد وهو المروي عن محمد ففى الرجل يجزى السراويل فقط او الإزار فقط او القميص فقط وفى المرأة لا بد من ثوبين قميص وخمار وعند ابى حنيفة وابى يوسف أدناه ما يستر عامة البدن فلا يجوز السراويل وان صح صلوته فيه لان لابسه يسمى فى العرف عريانا والمأمور به جعله مكتسيا ويجوز ان يعطى قميصا سابلا للمرأة وان لم يصح صلوتها بدون الخمار لانها مكتسية عرفا لا عريانة اخرج ابن مردويه عن حذيفة قال قلنا يا رسول الله او كسوتهم ما هو قال عباءة وكذا اخرج الطبراني وابن مردوية عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال عباءة لكل مسكين وعند الشافعي رح يجوز اقل ما يقع عليه اسم الكسوة فيجوز عنده العمامة فحسب والسراويل فقط والقميص فقط وفى القلنسوة لاصحابه وجهان ان اطعم

خمسا وكسى خمسا قال ابو حنيفة واحمد يجوز وقال مالك والشافعي لا يجوز أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ يعنى اعتاق انسان ويجوز فى كفارة اليمين والظهار اعتاق رقبة كافرة عند ابى حنيفة لاطلاق النص وعند مالك والشافعي واحمد لا يجوز الا مؤمنا حملا للمطلق على المقيد الوارد فى كفارة القتل قلنا المطلق يجرى على إطلاقه والمقيد على تقئيده ولا وجه لحمل أحدهما على الاخر. (مسئلة) مقتضى كلمة او إيجاب احدى الخصال الثلث مطلقا ويخير المكلف فى التعيين اخرج ابن مردوية عن ابن عباس قال لما نزلت اية الكفارة قال حذيفة يا رسول الله نحن بالخيار قال أنت بالخيار ان شئت كسوت وان شئت أطعمت فمن لم يجد فصيام ثلثة ايام متتابعات فَمَنْ لَمْ يَجِدْ شيئا من ذلك وعجز عنها بان لا يفضل ماله عن الديون وعن قوته وقوة عياله وحوائجه ما يطعم او يكسو او يعتق وقال بعض العلماء إذا ملك ما يمكنه الإطعام او أحد أخواته وان لم يفضل عن كفاية فليس هو بعاجز وهو قول الحسن وسعيد بن جبير وروى ابو الشيخ عن قتادة ان كان عنده خمسون درهما فهو ممن يجد ويجب عليه الإطعام وانكانت اقل فهو ممن لا يجد ويصوم واخرج ابو الشيخ عن ابراهيم النخعي قال إذا كان عنده عشرون درهما فعليه ان يطعم. (مسئلة) العبد لا كفارة له الا الصوم لانه لا يقدر على الإطعام والاكساء والاعتاق لعدم مالكية المال ولو أعتق عنه مولاه او اطعم او اكسى لا يجزيه وكذا المكاتب والمستسعى. (مسئلة) لو صام العبد فعتق قبل ان يفرغ ولو بساعة فاصاب مالا وجب عليه استيناف الكفارة وكذا الفقير إذا صام فاصاب مالا قبل ان يفرغ من الصيام استأنف الكفارة. (مسئلة) المعتبر عندنا كونه واجدا عند ارادة التكفير وعند الشافعي عند الحنث لنا ان الصوم خلف عن المال كالتيمم فانما يعتبر فيه وقت الأداء فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ خبر مبتدأ محذوف والجملة جزاء للشرط يعنى فكفارته صيام ثلثة ايام. (مسئلة) لا يجب عند مالك التتابع فى الصيام لاطلاق النص بل يستحب وعن

الشافعي قولان الجديد الراجح انه يستحب ولا يجب وقال ابو حنيفة واحمد وهو أحد قولى الشافعي رح انه يجب وجه قول احمد ورواية الشافعي حمل المطلق على المقيد الوارد فى كفارة القتل والظهار ووجه القول الجديد للشافعى ان هذه الكفارة يحاذيها الاصلان فى التتابع وعدمه فحمله على كفارة القتل والظهار يقتضى التتابع وحمله على صوم المتعة بناء على انه دم جبر عنده يوجب التفرق فترك الحمل على كل منهما وعمل بإطلاق النص هاهنا ووجه قول ابى حنيفة العمل بقراءة ابن مسعود فانه قرأ ثلثة ايام متتابعات وهى مشهورة يجوز به تقئيد مطلق النص لانه داخل على الحكم دون السبب. (مسئلة) يمين الكافر لا ينعقد ولا يلزمه الكفارة عند ابى حنيفة وقال الائمة الثلاثة ينعقد يمينه ويلزمه الكفارة بالحنث لنا انه ليس باهل اليمين لانها تنعقد لتعظيم اسم الله تعالى ومع الكفر لا يكون معظما ويرد عليه انه فى الدعاوى يستحلف الكافر المنكر اجماعا ولانه ليس أهلا للكفارة لكونها عبادة قلت ومقتضى هذا الدليل انه لو حلف الكافر ثم اسلم وحنث بعد الإسلام يلزمه الكفارة والله اعلم. ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وحنثتم فان الكفارة لا تجب الا بعد الحنث اجماعا استدل احمد والشافعي بهذه الاية على جواز تقديم الكفارة قبل الحنث وهو أحد الروايتين عن مالك لانه أضيف الكفارة الى اليمين دون الحنث والاضافة دليل بسببية المضاف اليه للمضاف الواقع حكما شرعيا او متعلقه كما فى ما نحن فيه فان الكفارة متعلق الحكم الذي هو الوجوب وإذا ثبت سببيته جاز تقديم الكفارة على الحنث لانه حينئذ شرط والتقديم على الشرط بعد وجود السبب ثابت شرعا كما فى الزكوة جاز تقديمها على الحول بعد وجود السبب الذي هو ملك النصاب وكما فى تقديم التكفير بعد الجرح على المقتول قبل الموت وبناء على هذا الدليل لا فرق بين الكفارة بالمال والصوم وعند مالك واحمد وبه قال الشافعي فى القديم وفى القول الجديد للشافعى يجوز تقديم الكفارة بالمال قبل الحنث ولا يجوز بالصوم لان تقديم الأداء على الوجوب بعد السبب لم يعرف شرعا الا فى العبادة المالية ولا يجوز تقديم الصوم والصلاة قبل وجوبهما وعند ابى حنيفة لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث مطلقا هو يقول ان سبب الكفارة هو الحنث دون اليمين لان الكفارة انما وجبت لستر الجناية ودفع الإثم ولا جناية ولا اثم الا بالحنث واليمين

ليست بسبب للحنث ولا للكفارة بل للبر إذا قل ما فى السبب ان يكون مفضيا اليه واليمين ليس كذلك لانه مانع عن عدم المحلوف عليه فكيف يكون مفضيا اليه نعم قد يتفق تحققه اتفاقا والاضافة قد يكون الى الشرط كما فى صدقة الفطر ولو سلم ان اليمين سبب فلا شك فى ان الحنث شرط للوجوب فلا يقع التكفير واجبا قبله فلا يسقط الوجوب قبل ثبوته ولا عند ثبوته بفعل وجد قبله ولم يكن واجبا وكان مقتضى هذا الدليل عدم جواز أداء الزكوة قبل الحول وصدقة الفطر قبل الفطر لكن ثبت جواز ادائهما قبل وجوبهما بالنص على خلاف القياس فيقتصر على موردهما اما الزكوة فلحديث على رضى الله عنه ان العباس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تعجيل صدقة قبل ان تحل فرخص له فى ذلك رواه ابو داؤد والترمذي وابن ماجة والدارمي واما صدقة الفطر فلما رواه البخاري عن ابن عمر فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر الى ان قال فى آخره وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم او يومين وهذا مما لا يخفى على النبي صلى الله عليه وسلم بل لا بد من كونه بإذن سابق فان الاسقاط قبل الوجوب مما لا يعقل فلم يكونوا يقدمون الا بسمع قبله كذا قال ابن همام والصحيح عندى ان اليمين سبب للكفارة كما يدل عليه الاضافة غير ان الحنث شرط لكونه سببا كما حقق فى اصول الفقه ان التعليق بالشرط فى قوله ان دخلت الدار فانت طالق مانع عن السبب دون الحكم عند ابى حنيفة وعند الشافعي مانع عن الحكم فهذا الكلام لا يكون سببا للطلاق الا بعد دخول الدار وزوال المانع وقبل ذلك كان سببا لمنع المرأة عن الدخول كذلك الحلف بالله تعالى سبب للبر وبعد فوات البر والحنث تصير سببا للكفارة فالكفارة قبل الحنث أداء قبل السبب بخلاف الزكوة فان سببه المال وبخلاف صدقة الفطر فان سببه الراس وقد يستدل على جواز التكفير قبل الحنث بحديث ابى الأحوص عوف بن مالك عن أبيه قال قلت يا رسول الله أرأيت ابن عم لى اتيه اسأله فلا يعطينى ولا يصلنى ثم يحتاج الىّ فياتينى فيسألنى وقد حلفت ان لا أعطيه ولا أصله فامرنى ان اتى الذي هو خير واكفر عن يمينى رواه النسائي وابن ماجة وفى رواية قال قلت يا رسول الله يأتينى ابن عمى فاحلف ان لا أعطيه ولا أصله قال كفر عن يمينك وعن ابى موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انى والله إنشاء الله لا احلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها الا كفرت عن يمينى واثبت

الذي هو خير متفق عليه وعن عبد الرحمن بن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن يمينك وات الذي هو خير وفى رواية فات الذي هو خير وكفر عن يمينك متفق عليه وعن ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من حلف على يمين فرأى خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل رواه مسلم والاحتجاج بهذه الأحاديث على جواز تقديم الكفارة على الحنث لذكر الكفارة فى بعض الروايات قبل ذكر الحنث ليس بشئ لان الواو لمطلق الجمع دون الترتيب فان قيل قد ورد فى بعض الروايات بكلمة ثم روى ابو داؤد حديث عبد الرحمن بن سمرة بلفظ فكفر عن يمينك ثم ات الذي هو خير وفى المستدرك من حديث عائشة كان عليه الصلاة والسلام إذا حلف لا يحنث حتى انزل الله كفارة اليمين فقال لا احلف الى ان قال الا كفرت عن يمينى ثم أتيت الذي هو خير قلنا هى رواية شاذة مخالفة لما فى الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن سمرة وقد ذكرنا ولما فى البخاري من حديث عائشة وفيه العطف بالواو وقد شذت الرواية بثم لمخالفتهما روايات الصحيحين والسنن والمسانيد وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ قيل أراد به ترك الحلف اى لا تحلفوا لكل امر والصحيح ان المراد منه حفظ اليمين عن الحنث وإيفاء ما أوجب على نفسه القيام بمقتضاه ويؤيده قوله تعالى يا ايها الذين أمنوا أوفوا بالعقود والحكم فى الباب ان المحلوف عليه ان كان طاعة لزمه الوفاء بها وهل له ان يعدل عن الوفاء الى الكفارة مع القدرة على الوفاء قال ابو حنيفة واحمد ليس له ذلك عملا بهذه النص وقال الشافعي الاولى ان لا يعدل فان عدل جاز ولزمه الكفارة وعن مالك روايتان كالمذهبين وكذا ان حلف على امر مباح ليس تركه خيرا من فعله وان كان المحلوف عليه معصية يجب عليه ان يحنث ويكفر لان اثم المعصية لازم واثم الحنث مكفر بالكفارة وان حلف على ترك امر مستحب فالاولى ان يحنث ويكفر قال الله تعالى لا نجعلوا الله عرضة لايمانكم يعنى حاجزا مانعا من الحسنات وقال عليه السلام كفر عن يمينك وات بالذي هو خير عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال انى احلف لا اعطى أقواما ثم يبدو لى ان أعطيهم فاطعم عشرة مساكين صاعا من شعير او صاعا من تمر او نصف صاع من قيح وعن عائشة قالت كان ابو بكر إذا حلف لم يحنث حتى نزلت اية الكفارة وكان بعد ذلك يقول لا احلف على يمين فارى غيرها خيرا منها الا أتيت الذي هو خير وقبلت رخصة الله رواه ابن ابى شيبة وعبد الرزاق والبخاري وابن مردوية.

(فصل فى النذر) إذا نذر شيئا معلقا بشرط يريد وجوده كما يقول ان شفى مريضى فعلىّ صوم يجب عليه الوفاء كما يجب بالنذر المنجز اجماعا وان نذر شيئا معلقا بشرط يريد عدمه كما يقول ان فعلت كذا يريد ترك ذلك الفعل فعلىّ حج فعن ابى حنيفه انه لزمه الوفاء والصحيح انه رجع عن هذا القول وقال أجزأه كفارة يمين وهو قول محمد وبه قال احمد فيخرج بالوفاء وبالكفارة يميل الى أيهما شاء وفى رواية عن احمد ان الواجب الكفارة لا غير وعن الشافعي كالروايتين الأخريين وقال مالك فى صدقة المال يلزمه الثلث وفى غيره يلزمه الوفاء احتج مالك بحديث ابى لبابة انه قال للنبى صلى الله عليه وسلم ان من توبتى ان اهجر دار قومى التي أصبت فيها الذنب وان انخلع مالى كله صدقة قال عليه السلام يجزى عنك الثلث والحجة لجواز الكفارة حديث عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كفارة النذر كفارة اليمين رواه مسلم وحديث عمران بن حصين لا نذر فى غضب وكفارته كفارة اليمين رواه احمد والنسائي نحوه. (مسئلة) من نذر نذرا لا يمكنه وفائه اما بان لا يطيقه كحج ماشيا وصوم الدهر او كان النذر بمعصية يكفر عنه كفارة يمين لان النذر إيجاب شىء على نفسه وإيجاب شىء يقتضى تحريم ضده والتحريم يمين واللام المستعمل فى النذر فى قوله لله علىّ كذا يجئى بمعنى القسم قال الله تعالى لعمرك وفى الباب حديث عائشة لا نذر فى معصية وكفارته كفارة اليمين رواه احمد وابو داؤد والترمذي والنسائي وروى النسائي عن عمران بن حصين نحوه وعن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من نذر نذر الم يسمه فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا فى معصية فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا اطاقه فليف به رواه ابو داؤد وابن ماجة ووقفه بعضهم على ابن عباس وعن عبد الله بن مالك ان عقبة بن عامر سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن اخت له نذرت ان تحج حافية غير مختمرة قال مروها فتخمر ولتركب ولتصم ثلثة ايام رواه اصحاب السنن الاربعة والدارمي. (مسئلة) من حلف على يمين وقال إنشاء الله متصلا بيمينه فلا حنث عليه لحديث ابن عمران رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من حلف على يمين فقال إنشاء الله فلا حنث عليه رواه اصحاب السنن الاربعة والدارمي وذكر الترمذي ان جماعة وقفوه

[سورة المائدة (5) : آية 90]

على ابن عمر كَذلِكَ اى مثل ذلك البيان يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ اى اعلام شرايعه لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ على نعمة التعليم او نعمة أداء الواجب وفراغ الذمة وحصول مرضاة الله تعالى ودرجات القرب والثواب فان مثل هذا التبين يسهل الأداء. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ «1» قد مر تفسيرهما وحكمهما فى تفسير سورة البقرة وَالْأَنْصابُ اى الأصنام التي نصبت للعبادة وَالْأَزْلامُ سبق تفسيرها فى أول السورة رِجْسٌ قذر يعاف عنه العقول السليمة والطباع المستقيمة وافراده لانه خبر للخمر وخبر المعطوفات محذوف او بحذف المضاف كانه قال انما تعاطى الخمر والميسر مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ اى من تسويله وتزئينه فكانه عمله فَاجْتَنِبُوهُ الضمير للرجس او لما ذكر او للتعاطى لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ لكى تفلحوا بالاجتناب عنه ان الله سبحانه أكد تحريم الخمر والميسر فى هذه الاية بان صدر الجملة بانما وقرنهما بالانصاب والأزلام وسماهما رجسا وجعلهما من عمل الشيطان تنبيها على ان الاشتغال بهما شربحت او غالب وامر بالاجتناب عن أعينهما وجعله سببا يرجى منه الفلاح ثم بين ما فيهما من المفاسد الدينية والدنيوية المقتضية للاجتناب فقال. إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ

_ (1) اخرج الترمذي عن عمر بن الخطاب انه قال اللهم بين لنا فى الخمر بيان شفاع فنزلت التي فى البقرة يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما اثم كبير ومنافع للناس الاية فدعى عمر فقرأت عليه ثم قال اللهم بين لنا فى الخمر بيان شفاء فنزلت التي فى النساء يا ايها الذين أمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى الاية فدعى عمر فقرأت عليه ثم قال اللهم بين لنا فى الخمر بيان شفاء فنزلت التي فى المائدة انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر الى قوله فهل أنتم منتهون فدعى عمر فقرأت عليه فقال انتهينا انتهينا واخرج النسائي عن عبد الرحمن بن الحارث قال سمعت عثمان بن عفان رضى الله عنهما يقال اجتنبوا الخمر فانها أم الخبائث انه كان رجل ممن خلا قبلكم يتعبد فعلقته امرأة غرية فارسلت اليه جاريتها فقالت له انا ندعوك للشهادة فانطلق مع جاريتها فطفقت كلما دخل بابا أغلقته دونه حتى افضى الى امرأة وضية عندها غلام وباطية خمر فقالت انى والله ما دعوتك للشهادة ولكن دعوتك لتقع علىّ او تشرب الخمر كأسا او تقتل هذا الغلام قال فاسقينى من هذا الخمر فسقته كاسا قال رويدنى فلم يزل حتى وقع عليها وقتل النفس فاجتنبوا الخمر فانها والله لا يجتمع الايمان وإدمان الخمر الا ليوشك ان يخرج أحدهما صاحبه 12

أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ كما فعل الأنصاري «1» الذي شج راس سعد بن ابى وقاص بلحى الجمل وفيه نزلت هذه الاية وقد مرت القصة فى سورة البقرة وَالْمَيْسِرُ قال قتادة كان الرجل يقاهر على الأهل والمال ثم يبقى حزينا مسلوب الأهل والمال مغتاظا على حرفائه خصهما باعادة الذكر وشرح ما فيهما من الفساد تنبيها على انهما هما المقصودان بالبيان هاهنا وانما ذكر الأنصاب والأزلام هاهنا للدلالة على انهما مثلهما فى الحرمة والشرارة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم شارب الخمر كعابد الوثن أخرجه البزار من حديث عبد الله بن عمرو ورواه ابن ماجة بلفظ مد من الخمر ورواه الحارث بلفظ شارب الخمر كعابد اللات والعزى وَيَصُدَّكُمْ اى الشيطان بارتكاب الخمر والميسر عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ وذلك انه من اشتغل بالخمر والقمار الهاه عن ذكر الله وشوش عليه صلوته كما فعل باضياف عبد الرحمن بن عوف قدم رجلا ليصلى بهم صلوة المغرب بعد ما شربوا فقرأ قل يا ايها الكافرون اعبد بحذف لا كما مرت القصة فى سورة البقرة وخص الصلاة من بين الذكر للتعظيم والاشعار بان الصاد منها كالصاد من الايمان من حيث انها شعار المؤمنين وعماد الدين والفارق بين المؤمن والكافر صورة

_ (1) عن ابن عباس ان الشّراب كانوا يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأيدي والنعال والعصا حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابو بكر لو فرضنا لهم حدا فتوخى نحو ما كانوا يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان ابو بكر جلدهم أربعين حتى توفى ثم كان عمر من بعدهم فجلدهم كذلك أربعين حتى اتى برجل من المهاجرين الأولين قد شرب فامر به ان يجلد فقال لم تجلدنى بينى وبينك كتاب الله عز وجل قال وفى اى كتاب تجدان لا أجلدك قال ان الله يقول فى كتابه ليس على الذين أمنوا وعملوا الصّلحت جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وأمنوا الاية فانا من الذين أمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وأحسنوا شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وأحدا والخندق والمشاهد قال عمر الا تردون عليه فقال ابن عباس هؤلاء آيات نزلت عذرا للماضين وحجة فى الباقين عذرا للماضين لانهم لقوا الله قبل ان يحرم عليهم الخمر وحجة على الباقين لان الله يقول انما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام حتى بلغ الاية الاخرى فكان من الذين أمنوا وعملوا الصّلحت ثم اتقوا وأحسنوا فان الله قد نهى ان يشرب الخمر قال عمر فماذا ترون فقال على بن ابى طالب نرى انه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفترى ثمانون جلدة فامر عمر فجلد ثمانين رواه ابو الشيخ وابن مردوية والحاكم وصححه 12

[سورة المائدة (5) : آية 92]

قال الله تعالى وما كان الله ليضيع ايمانكم يعنى صلوتكم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة رواه مسلم وابو داؤد والترمذي وابن ماجة من حديث جابر وروى احمد من حديث عبد الله بن بريدة نحوه وفيه فمن تركها فقد كفر وروى احمد من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم انه ذكر الصلاة يوما فقال من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نورا ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وابى بن خلف ثم أعاد الحث على الانتهاء بصيغة الاستفهام مرتبا على ما تقدم من انواع المفاسد فقال فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ لفظة استفهام ومعناه امر بأبلغ الوجوه كانه قيل فهل أنتم بعد ما ذكر من المفاسد منتهون أم لا كانكم لم توعظوا. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فى الانتهاء عن الخمر والميسر وسائر المناهي وإتيان الواجبات وَاحْذَرُوا عن مخالفتهما فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ عن إطاعة الله والرسول فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ فتوليكم لا يضر بالرسول وانما يضر بانفسكم عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كل مسكر حرام وان حتما على الله ان لا يشربه عبد فى الدنيا الا سقاه الله عن طينة الخبال هل تدرون ما طينة الخبال قال عرق اهل النار رواه البغوي وعنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال من شرب الخمر فى الدنيا ثم لم يتب منها حرمها الله فى الاخرة رواه البغوي وعنه انه قال اشهد انى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبايعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمول اليه وأكل ثمنها رواه ابن ماجة وروى ابو داؤد وليس فيه وأكل ثمنها وفى الباب عن انس بن مالك وروى الترمذي وابن ماجة عن ابن عباس والحاكم عن ابن مسعود وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من شرب الخمر لم يقبل الله له صلوة أربعين صباحا فان تاب تاب الله عليه فان عاد لم يقبل الله له صلوة أربعين صباحا فان تاب تاب الله عليه فان عاد لم يقبل الله له صلوة أربعين صباحا فان تاب تاب الله عليه فان عاد فى الرابعة لم يقبل الله له صلوة أربعين صباحا فان تاب لم يتب الله عليه وسقاه من نهر الخبال رواه الترمذي ورواه النسائي وابن ماجة والدارمي عن عبد الله بن عمرو وعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يدخل الجنة عاق ولا قمار ولا مد من خمر رواه الدارمي وعن ابى امامة قال قال رسول

[سورة المائدة (5) : آية 93]

الله صلى الله عليه وسلم ان الله بعثني رحمة للعالمين وهدى للعلمين وأمرني ربى بمحق المعازف والمزامير والأوثان والصليب وامر الجاهلية وحلف ربى عز وجل بعزتي لا يشرب عبد من عبيد جرعة من خمر إلا سقيته من الصديد مثلها ولا يتركها من مخافتى الا سقيته من حياض القدس رواه احمد وعن ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثلثة قد حرم الله عليهم الجنة مد من الخمر والعاق والديوث رواه احمد والنسائي وعن ابى موسى الأشعري مثله وفيه مد من الخمر وقاطع الرحم ومصدق بالسحر رواه احمد وقد ذكرنا فى سورة البقرة ما أخرجه احمد عن ابى هريرة قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يشربون الخمر الحديث الى ان قال ثم نزلت اغلظ من ذلك يا ايها الذين أمنوا انما الخمر والميسر الى قوله فهل أنتم منتهون قالوا انتهينا ربنا فقال الناس ناس قتلوا فى سبيل الله وماتوا على فراشهم وكانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر وقد جعله الله رجسا من عمل الشيطان فانزل الله تعالى ليس على الذين أمنوا الاية وروى النسائي والبيهقي عن ابن عباس قال انما نزل تحريم الخمر فى القبيلتين من قبائل الأنصار شربوا فلما ان ثمل «1» القوم عبث بعضهم ببعض فلما صحوا جعل الرجل يرى الأثر فى وجهه وراسه ولحيته فيقول صنع بي هذا أخي فلان وكانوا اخوه ليس فيهم ضغائن فيقول والله لو كان بي رءوفا رحيما ما صنع بي هذا حتى وقعت الضغائن فى قلوبهم فانزل الله يا ايها الذين أمنوا انما الخمر والميسر الاية فقال ناس من المتكلفين هى رجس وهى فى بطن فلان وقد قتل يوم أحد فانزل الله تعالى. لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا اى شربوا من الخمر وأكلوا من مال الميسر قبل تحريمهما إِذا مَا اتَّقَوْا الشرك وَآمَنُوا بالله وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بعد الايمان ثُمَّ اتَّقَوْا الخمر والميسر بعد التحريم وَآمَنُوا بتحريمهما ثُمَّ اتَّقَوْا سائر المحرمات او الاولى عن الشرك والثاني عن المحرمات والثالث عن الشبهات وَأَحْسَنُوا الى الناس او المعنى أحسنوا الأعمال بان عبدوا ربهم كانهم يرونه وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ع فلا يؤاخذهم بشئ وفيه تنبيه على انه من فعل ذلك صار محسنا ومن صار محسنا صار لله محبوبا ونزلت عام الحديبية وكانوا محرمين بالعمرة فى ذى القعدة سنة ست. يا أَيُّهَا الَّذِينَ

_ (1) ثمل اى اخذه منه الشراب والسكر 12

[سورة المائدة (5) : آية 95]

آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ اى شىء يسير ليس من العظائم التي يدحض الاقدام كالابتلاء ببذل الأنفس والأموال مِنَ الصَّيْدِ يرسله إليكم صفة لشئ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ صفة بعد صفة فكانت الوحوش «1» تغشاهم فى رحالهم بحيث يتمكنون من أخذها بايديهم وطعنها برماحهم لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ متعلق بيبلوا فان ذلك الابتلاء انما هو لينميز الخائف من عقاب الله ممن لا يخافه فذكر العلم وأراد وقوع المعلوم وظهوره او تعلق العلم او المعنى ليعلم خوف الخائف موجودا كما كان يعلمه قبل وجوده انه يوجد حتى ليثبه على عمله لا على علم نفسه فيه بِالْغَيْبِ اى متلبسا ذلك الخائف بالغيب يعنى غائبا من العذاب او من الله سبحانه يعنى يخافه ولم يره اخبر الله سبحانه بذلك الابتلاء ليكونوا اصبر على الانتهاء عن المعصية اعانة للمؤمنين فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ الابتلاء بالصيد فصاده او بعد ذلك الاخبار من الله سبحانه بالابتلاء فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ فانه لم يملك نفسه فى مثل ذلك الشيء اليسير ولم يراع حكم الله فيه فكيف يملك نفسه فيما يكون النفس اليه أميل قال البغوي روى عن ابن عباس انه قال يوسع جلد ظهره وبطنه جلدا او يسلب ثيابه ذكر البغوي ان رجلا يقال له ابو اليسر شدّ على حمار وحش فقتله فنزلت. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ يعنى الحيوان الممتنع المتوحش فى اصل الخلقة سواء كان ماكول اللحم او لا كذا فى القاموس وبه قال ابو حنيفة رحمه الله غير انه خص منه ما ورد فى الحديث جواز قتلها وهى الحية والعقرب والفارة والحداة والغراب والذئب السبع العادي دون غير العادي فيجوز قتل الكلب لا سيما العقور والظاهر انه صيد واستيناسها عارضى وقيل انه ليس بصيد فانه غير متوحش بالطبع فى الصحيحين عن ابن عمر سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يقتل المحرم من الدواب فقال لا جناح فى قتلهن على من قتلهن العقرب والفارة والغراب والحداة والكلب العقور وفيهما عن عائشة وعن حفصة نحوه قال ابن الجوزي المراد بالكلب السبع مطلقا لانه يطلق الكلب على السبع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قصة عتبة بن ابى لهب اللهم سلط عليه كلبا من كلابك وقال الله تعالى من الجوارح مكلبين قال ابو حنيفة

_ (1) اخرج ابن ابى حاتم عن مقاتل بن حبان قال نزلت هذه الاية فى عمرة الحديبية فكانت الوحش والطير والصيد تغشاهم فى رحالهم لم يروا مثله قط فنهاهم الله عن قتلها وهم محرمون يعلم الله من يحافه بالغيب 12

لو سلمنا جواز اطلاق الكلب على السبع لغة لكن فى العرف غلب استعماله فى الحيوان المخصوص وحمل الحديث على العرف العام اولى واخرج ابو عوانة فى المستخرج من طريق البخاري عن عائشة ذكر فيها ستا وزاد الحية وروى ابو داؤد من حديث ابى سعيد الخدري قال عليه السّلام يقتل المحرم الحية والعقرب والفويسقة والكلب العقور والحداة والسبع العادي ويرمى الغراب ولا يقتله ورواه الترمذي ولم يذكر السبع العادي وقال الحسن ويحمل الغراب المنهي عن قتله على غراب الزرع وروى ابن خزيمة وابن المنذر من حديث ابى هريرة زيادة ذكر الذئب والنمر على الخمس المشهورة لكن قال ابن خزيمة ذكر الذئب والنمر من تفسير الراوي للكلب العقور وفى مرسل سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم يقتل المحرم الحية والذئب أخرجه ابن ابى شيبة وسعيد بن منصور وابو داؤد ورجاله ثقات واخرج مسلم عن عائشة ذكر أربعا وأسقط العقرب عن الخمس المشهور فان قيل كيف يجوز تخصيص الكتاب على اصل ابى حنيفة بأحاديث الآحاد قلنا هذه الحديث تلقته الامة بالقبول فصار فى حكم الحديث المشهور جاز به تخصيص الكتاب او يقال ثبت بالإجماع ان بعض الصيد يجوز قتله للمحرم فصار العام مخصوصا بالبعض فخصصناه بالأحاديث وقال الشافعي واحمد انما يحرم على المحرم قتل ما يحل أكله دون ما لا يحل أكله لان فى الأحاديث اعيان بعضها سباع ضارة وبعضها هو أم قاتلة وبعضها طير لا يدخل فى معنى السباع بل هو حيوان مستخبث اللحم فرتبنا الحكم على استخباث اللحم وخصصنا الاية بالقياس بعد التخصيص بالحديث قلت التعليل فى اباحة القتل باستخباث اللحم غير مناسب لعدم استلزامه المصلحة فلا يجوز القياس والمختار عندى للفتوى ما قال صاحب البدائع ان الحيوان البرى ينقسم الى ماكول وغير ماكول والثاني الى ما يبتدى بالاذى غالبا وما ليس كذلك وانما يجوز فى الإحرام قتل ما يبتدى بالاذى غالبا من غير المأكول وهى رواية عن ابى يوسف كذا فى فتاوى قاضى خان ومثله عن مالك والعلة المؤثرة فى القياس البداية بالاذى قلت والإيذاء على انواع مختلفة فكان النبي صلى الله عليه وسلم نبه بالعقرب على ذوات السموم كالزنبور وكل ما يلدغ وبالفارة ما يشاركها فى النقب والتقرض كابن عرس وبالغراب والحداة على ما يشاركهما فى الاختطاف كالصقر وبالكلب العقور على كل سبع عادى والسنور الأهلي ليس بصيد عند ابى حنيفة لعدم توحشها والصحيح انها متوحشة واستيناسها عارضى بخلاف المتوحش من الانعام فانها مستأنسة خلقة.

(مسئلة) ويلتحق بقتل الصيد الاشارة اليه والدلالة عليه للذى يريد قتله اجماعا لانه فى معنى القتل إذ هو ازالة الا من عن الصيد لانه أمن بتوحشه وبعده عن الأعين روى الشيخان فى الصحيحين حديث ابى قتادة وفيه أحرموا كلهم الا أبا قتادة لم يحرم فبينما هم يسيرون إذ راوا حمر وحش فحمل ابو قتادة على الحمر فعقر منها أتانا فاكلوا من لحمها الحديث وفيه فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم امنكم أحد امره ان يحمل عليها او أشار إليها قالوا لا قال فكلوا ما بقي من لحمها ففى الحديث ان النبي صلى الله عليه وسلم علق اباحة الاكل بعدم الاشارة. (مسئلة) ويلتحق بالصيد بيض الطائر وقال داؤد لا يضمن وسنذكر ما ورد من الحديث والآثار فى ضمان البيص. (مسئلة) اجمعوا على ان المحرم إذا اصطاد صيدا او ذبحه كان حكمه حكم الميتة لا يجوز أكله للحلال ولا للمحرم وقال الثوري وابو ثور وطائفة يجوز أكله وهو كذبيحة السارق وهو وجه للشافعية لنا انه اثم فى ذبحه بمنزلة تارك التسمية عامدا فصار فى معنى ما ذبح فسقا اهل لغير الله بخلاف السارق فان الذبح له فى نفسه وانما المانع هناك حق العبد وهو ينجبر بالضمان. (مسئلة) وان اصطاده حلال وكان امره بالقتل محرم او دل عليه او أشار اليه يحرم أكله للمحرم لما ذكرنا من حديث ابى قتادة حيث علق النبي صلى الله عليه وسلم اباحة الاكل للمحرم بعدم الأمر والاشارة ويجوز أكله للحلال اجماعا وَمَنْ قَتَلَهُ يعنى الصيد مِنْكُمْ يعنى من المؤمنين المحرمين مُتَعَمِّداً قال سعيد بن جبير وداؤد وابو ثور وابو منذر من الشافعية وهى رواية عن احمد بن حنبل ان هذا القيد يفيد انه لا يجب الجزاء إذا قتل مخطيا او ناسيا إحرامه او مكرها او نحو ذلك وقال مجاهد والحسن انما الجزاء انما يجب إذا قتله عامدا فى قتله ناسيا إحرامه واما إذا قتله ذاكرا إحرامه فلا حكم عليه وامره الى الله تعالى لانه أعظم من ان يكون له كفارة وجمهور العلماء والائمة الاربعة على انه يجب الجزاء سواء قتله عامدا او ناسيا إحرامه او مكرها او مخطيا او جاهلا للحرمة قال الزهري الجزاء على المتعمد بالكتاب وعلى المخطى بالسنة والمفهوم ليس بحجة عند ابى حنيفة وعند القائلين به المفهوم دليل ظنى ومنطوق الحديث

أقوى منه والإجماع أقوى من الكل لكونه دليلا قطعيا واستدل ابن الجوزي بحديث جابر قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الضبع فقال هى صيد وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشا رواه الترمذي وقال هذا حديث صحيح والاستدلال بإطلاق الحكم قيل قوله تعالى متعمدا توطية لقوله تعالى ومن عاد فينتقم الله منه. (مسئلة) إذا دل المحرم على صيد «1» من يريد قتله باللسان او باليد يجب عليه الجزاء كما يجب بالقتل عند ابى حنيفة واحمد وقال مالك والشافعي لا يلزم الجزاء على الدال وان كان يا ثم كمن دل صائما على امرأة فجامعها لا يلزم الكفارة على الدال ولا يفسد صومه ولكن يأثم فكذا هاهنا لان الدلالة ليس بقتل والجزاء انما هو على القتل بالنص قلنا الدلالة فى معنى القتل والنبي صلى الله عليه وسلم سوى بين الاشارة والقتل كما مر فى حديث ابى قتادة ولانه محظورات الإحرام اجماعا فلو لم يجب عليه الجزاء لا يرتفع إثمه ويرتفع اثم القتل بالجزاء فيلزم مزية الدلالة على القتل فان قيل فعلى هذا يلزم ان يجب الكفارة على الدال وان لم يتعقبه القتل قلنا الدلالة فانية ان يكون كالرمى الى الصيد من اسباب القتل وذلك ليس بموجب للجزاء ما لم يتعقبه القتل فانه إذا لم يتعقبه القتل لم ينعقد سببا فَجَزاءٌ خبر مبتدأ محذوف يعنى فالواجب عليه جزاء او مبتدأ خبره ظرف مقدم عليه او فاعل ظرف مقدم عليه يعنى فعليه جزاء والجملة خبر لمن والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط قرأ الجمهور مضافا الى مِثْلُ ما قَتَلَ قيل الاضافة بيانية والظاهر انه اضافة المصدر الى مفعوله يعنى فعليه ان يجزى مثل ما قتل وقرأ الكوفيون فجزاء منونا ومثل مرفوعا بدلا منه او صفة له ومال القرائتين واحد معنى والمراد بالمثل القيمة عند ابى حنيفة وابى يوسف لان المثل المطلق صورة ومعنى هو المشارك فى النوع غير مراد هاهنا اجماعا فبقى ان يراد المثل معنى وهو القيمة ولان القيمة فى قتل بعض الصيد واجب اجماعا وهو ما لا يكون له مثل من النعم وما كان أصغر من الحمامة كالعصفور والجراد فلا بد ان يقال بوجوب القيمة فى الجميع كيلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز او عموم المشترك ولان المعهود فى الشرع فى اطلاق المثل ان يراد المشارك فى النوع او القيمة قال الله تعالى فى ضمان العدوان فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل اعتدى عليكم والمراد الأعم اعنى المماثل فى النوع إذا كان المتلف مثليا

_ (1) عن الحكم ان عمر كتب ان يحكم عليه فى جزاء الصيد فى الخطاء والعمد 12

والقيمة إذا كان قيميا بناء على انه مشترك معنوى وفى الحيوانات أهدر المماثلة الكائنة فى تمام الصورة اجماعا تغليبا للاختلاف الباطني بين افراد نوع واحد فجعل من القيميات فما ظنك إذا انتفى المشاركة فى النوع ايضا ولم يكن هناك الا مشاكلة فى العوارض كطول العنق والرجلين فى النعامة مع البدنة وان يعب ويهدر فى الحمامة مع الشاة وعند مالك والشافعي واحمد ومحمد بن الحسن المراد بالمثل حيوان من النعم الاهلية يشابهه الصيد المقتول من حيث الخلقة لان النبي صلى الله عليه وسلم قال الضبع صيد وفيه شاة رواه ابو داؤد عن عبد الله وكذا روى اصحاب السنن والحاكم فى المستدرك واحمد وابن حبان عن جابر ولفظ الحاكم الضبع صيد فاذا أصابه المحرم ففيه كبش ويوكل وقال صحيح الاسناد وروى مالك فى الموطأ والشافعي بسند صحيح عن عمر بن الخطاب انه قضى فى الضبع بكبش وفى الغزال بمعز وروى الشافعي والبيهقي عن ابن مسعود قضى فى اليربوع بجفر او جفرة واخرج البيهقي عن ابن عباس قال فى حمامة الحرم شاة وفى البيضتين درهم وفى النعامة جزور وفى البقر بقرة وفى الحمار بقرة وروى الشافعي والبيهقي عن عثمان بن عفان انه قضى فى أم جنين بحلان من الغنم ولان قوله تعالى مِنَ النَّعَمِ اى الإبل او البقر او الغنم صفة لمثل بيان له والقيمة لا يكون من النعم وأجاب الحنفية عن استدلالهم بان التقديرات المذكورة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة انما هى باعتبار القيمة دون المشاكلة الصورية وبانا لا نسلم ان قوله تعالى من النعم صفة لمثل بل هو حال من الضمير المنصوب المحذوف اى مثل ما قتله حال كون المقتول من النعم اى ذات قوائم الأربع والنعم يطلق على الوحشي كما يطلق على الأهلي كذا قال ابو عبيدة وكذا فى القاموس ويرد عليه ان الكلام فى جزاء الصيد مطلقا سواء كان من النعم او من الطير فجعله حالا من المقتول ينافى المقصود قلت وعندى انه صفة لمثل والمراد بالمثل حيوان من النعم الاهلية يماثل المقتول فى القيمة دون بعض العوارض لما ذكر ابو حنيفة من الدليل فعندى انه إذا اختار الجاني الهدى فعليه ان يهدى من النعم الأهلي امثلها وأقربها قيمة من الصيد المقتول ففى حمار الوحش وبقر الوحش وكل ما زاد قيمته على قيمة الشاة سواء كانت قيمته مثل قيمة البقر او دونه يهدى بقرة جيدة او ردية بشرط ان لا يكون قيمة الهدى اقل من قيمة الصيد وفيما زاد على البقر فى القيمة سواء كان مثل البدنة فى القيمة او اقل منها يهدى بدنة وفيما زاد على البدنة يهدى شاة مع بدنة او بقرة وشاة او بدنة

وبقرة او بدنتين او بقرتين او شاتين او نحو ذلك يعنى يكون قيمة الهدى مثل قيمة الصيد او اكثر منه وما كان قيمته كقيمة الشاة جائز التضحية يهدى شاة كذلك وما يكون قيمته اقل من قيمة الشاة كالضبع والوبر واليربوع والغزال وأم جنين والحرباء والضب والثعلب يهدى عناقا او جفرة او حملا اعنى ما يكون قيمته كقيمة الصيد او اكثر منه من نوع الغنم وفى الحمامة وما دونه إذا اختار الهدى يهدى ادنى ما يطلق عليه اسم الشاة هذا على اصل الجمهور انه لا يشترط ان يكون الهدى جائز التضحية وهو المختار عندى للفتوى واما على اصل ابى حنيفة رحمه الله فلا بد ان يهدى فى كل ما يكون قيمته اقل من قيمة الشاة شاة جائز التضحية وبه قال مالك ان المقتول سواء كان صغيرا او كبيرا صحيحا او معيبا الواجب انما هو الهدى جائز التضحية الكبير الصحيح وجه قولهما ان مطلق الاسم ينصرف اليه ولذا لا يجوز فى هدى المتعة وسائر الجنايات فى الحج ان يهدى الا جائز التضحية لنا ان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أوجبوا عناقا وجفرة ولا نسلم ان المذكور فى النص مطلق اسم الهدى حتى ينصرف الى الكامل كما فى هدى المتعة ونحوه بل المذكور هاهنا مثل ما قتل من النعم هديا فالمراد الهدى المماثل بالمقتول اما صورة كما قال الشافعي او قيمة كما قلنا فلا وجه لايجاب الكبير جائز التضحية وما ذكرنا من التفسير للاية لا يزاحمه اقوال الصحابة فان الصحابة انما حكموا فى الأرنب بعنز لأن العنز يماثل قيمة بقيمة الأرنب وفى الحمامة بشاة لان الشاة ادنى اقسام الهدى وأشبهها وأقربها بالحمامة قيمة بالنسبة الى البقرة والبدنة فلو أراد الهدى يهدى ادنى افراد الشاة ولا دليل على انهم اعتبروا المماثلة فى الخلقة فان قيل روى البيهقي بسند حسن عن ابن عباس وروى ايضا من عطاء الخراسانى عن عمر وعثمان وعلى وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية انهم قالوا فى النعامة يقتلها المحرم بدنة ورواه مالك من طريق ابى عبيدة بن عبد الله بن مسعود مكاتبة عن أبيه وقال مالك لم ازل اسمع ان فى النعامة بدنة ولا شك ان حكمهم فى النعامة ببدنة ليس الا لرعاية المشابهة فى طول العنق والرجلين دون القيمة قلنا فى الأثر ضعف وانقطاع وقال الشافعي هذا غير ثابت عند اهل العلم بالحديث وبالقياس قلنا ان فى النعامة بدنة او يقال لعل بعض افراد النعامة فى بعض الازمنة بلغ قيمة شىء من الإبل فحكم بعض الصحابة ان فى النعامة بدنة ثم تبعه جماعة من التابعين زعما

منهم ان ذلك الصحابي انما حكم بالبدنة عملا بالمماثلة الصورية فشاع ذلك فيهم حتى قال مالك ثم ازل اسمع ان فى النعامة بدنة فان قيل روى البيهقي عن عكرمة قال جاء رجل الى ابن عباس فقال انى قتلت أرنبا وانا محرم فكيف ترى فقال هى تمشى على اربع والعناق تمشى على اربع وهى تجتر «1» والعناق تجتر ويأكل الشجر وكذا العناق اهد مكانها عناقا وهذا صريح فى رعاية المماثلة الصورية وروى ابن ابى شيبة من طريق عطاء ان رجلا اغلق بابه على حمامة وفرخيها ثم انطلق الى عرفات ومنى ورجع وقد ماتوا فاتى ابن عمر فجعل عليه ثلثة من الغنم وحكم معه رجل وروى الثوري وابن ابى شيبة والشافعي والبيهقي من حديث ابن عباس مثله وهذا ايضا يدل على ان وجوب الشاة فى الحمامة ليس من حيث القيمة والا لكفت شاة واحدة فى ثلث حمامات واكثر منها قلنا نعم بعض الآثار تدل على رعاية المشابهة فى الصورة وذلك عن راى لا عن رواية وليس علينا اتباع بعض الصحابة مع مخالفة الكتاب وقد قال الله تعالى فجزاء مثل ما قتل من النعم ونحن نتيقن ان البدنة ليست مثلا للنعامة ولا الشاة للحمامة فى الصورة ولا فى المعنى والمشابهة فى بعض صفات لا يعبأ بها غير معتبرة عرفا ولغة والا فجميع الحيوانات لا يخلوا عن مشابهة ما فى صفة من الصفات البتة يَحْكُمُ بِهِ اى بالجزاء او بالمثل ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ «2» جملة واقعة صفة للجزاء او للمثل لان المثل لا يتعرف بالاضافة فجاز وصفها ووصف ما أضيف إليها بالجملة او حالا من ضمير الجزاء فى خبره او منه إذا رفعته بظرف على الفاعلية قال

_ (1) الاجترار كشيدن ونشخوار كردن شتر و چريدن 12 (2) عن ميمون بن مهران ان أعرابيا اتى أبا بكر فقال قتلت صيدا انا محرم فما ترى علىّ من الجزاء فقال ابو بكر وابى بن كعب وهو جالس عنده ما ترى فيها فقال الاعرابى أتيتك وأنت خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم اسألك فاذا أنت تسأل غيرك فقال ابو بكر فما تنكر يقول الله عز وجل يحكم به ذوا عدل منكم فشاورت صاحبى حتى إذا اتفق على شىء امرناك به وعن ابى بكر المزني قال كان رجلان محرمين فحاش أحدهما ظبيا فقتله الاخر وأتيا عمر وعبد الرحمن بن عوف عنده فقال له عمر ما ترى قال شاة قال وانا ارى ذلك فاهديا شاة فلما مضيا قال أحدهما لصاحبه مادرى امير المؤمنين ما يقول حتى سأل صاحبه فسمعها عمر فردهما واقبل على القائل ضربا بالدرة قال تقتلون الصيد وأنتم حرم وتغمصون الفتيا ان الله تعالى يقول يحكم به ذوا عدل منكم ثم قال ان الله لم يرض لعمر وحده فاستعنت لصاحبى 12 منه

اكثر الحنفية الواحد يكفى لاعتبار المماثلة كما روى عن كثير من الصحابة انهم حكموا وحدانا والاثنان أحوط وابعد من الغلظ وقال الشافعي وجمهور العلماء انه يشترط العدد والعدالة وهو المختار للفتوى اتباعا للنص واقتداء بعمل الصحابة كما يشهد به الآثار روى مالك عن محمد بن سيرين ان عمر سأله رجل عن جزاء الظبى قال عمر لعبد الرحمن بن عوف تعال حتى احكم انا وأنت فحكما عليه بعنز فقال الرجل هذا امير المؤمنين لا يستطيع ان يحكم فى ظبى حتى دعا رجلا يحكم معه فسمع عمر قوله فدعاه فسأله هل تقرأ سورة المائدة فقال لا فقال عمر لو انك أخبرتني انك تقرأ سورة المائدة لأوجعتك ضربا قال الله تعالى فى كتابه يحكم به ذوا عدل منكم. (مسئلة:) اختلف القائلون بالمثل خلقة فقال مالك يحكم الحكمان فى كل زمان حكما مستانفا وقال أكثرهم ان الحكم فى ذلك ما حكم به السلف لا يتجاوز عنه وما لم يحكموا فيه يستانف فيه الحكم وما اختلف فيه مجتهد فيه وقال الثوري الاختيار فى ما اختلف فيه السلف الى الحكمين فى كل زمان والقران يبطل هذه الأقوال كلها فان الحكم فى كل زمان مستانفا غير مفيد عند اعتبار المماثلة خلقة إذ الخلقة لا تتفاوت والاخذ بما حكم به السلف يرده قوله تعالى يحكم به ذوا عدل منكم فانه يقتضى ان يحكم العدلان فى كل زمان مستانفا ولو كان الحكم مرة يكفى للابد لحكم النبي صلى الله عليه وسلم فى جميع الصيود او فى اكثر منه ولم يحتج الى حكم الحكمين فى كل مرة فالاية دليل على ان المراد بالمثل هو المثل من حيث القيمة حتى يتصور الاحتياج الى حكم الحكمين فى كل زمان ومكان لاختلاف القيمة باختلاف الازمنة والامكنة هَدْياً حال من الضمير الراجع الى الى الجزاء او الى المثل او من جزاء وان نوّن لتخصيصه بالصفة او بدل عن مثل باعتبار محله قال الشافعي وغيره هذا يدفع قول ابى حنيفة ان المراد بالمثل القيمة فان القيمة لا يكون هديا قلت ولا يرد ذلك على ما ذكرت من التفسير للمثل بالحيوان من النعم يماثل الصيد فى القيمة فانه يكون هديا على انه لو كان المراد بالمثل القيمة كما قاله ابو حنيفة فيجوز ان يكون هديا حالا مقدرة اى صائرا ذلك القيمة هديا بواسطة الشراء بها لا يقال حينئذ يحتاج الى التقدير بقوله صائرا من غير ضرورة قلنا الضرورة ثابتة لما ذكرنا وايضا التقدير لازم على تفسير الشافعي ايضا إذ لا يصح حكمهما بالهدى

موصوفا ببلوغه الى الكعبة حال حكمهما به على التحقيق فالتقدير على تفسيركم انه يحكمان به مقدرا بلوغه فلزوم التقدير ثابت غير انه يختلف محله على الوجهين. (مسئلة:) هل يجب فى الهدى السوق أم يجوز ان يشترى بمكة فقال مالك يجب فيه السوق عملا بظاهر قوله تعالى هديا بالِغَ الْكَعْبَةِ وصف به هديا لان إضافته لفظية وقال الجمهور لا يجب السوق بل انما ذكر قوله هديا بالغ الكعبة للدلالة على ان الحرم شرط لذبح الهدى وعليه انعقد الإجماع وكونه مهدى من خارج غير مقصود قلت والدليل على ان السوق ليس بشرط قصة حجة الوداع ان النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة قال للناس من كان منكم اهدى فانه لا يحل من شىء حرم منه حتى يقضى حجه ومن لم يكن منكم اهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهدو من لم يجد هديا فليصم وهذا صريح فى ان بعض الصحابة لم يسق الهدى واشتروا هديا بمكة ومن لم يجد هديا صام وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم هديا حيث قال ثم ليهل بالحج وليهدو قد قال الله تعالى فى التمتع ايضا فما استيسر من الهدى وما قاله مالك فيمن اشترى الهدى من الحرم الواجب ان يخرج به إذا حج الى عرفة امر لا دليل عليه. (مسئلة) هل يجب التصدق بلحم الهدى على فقراء مكة فقال الجمهور يجب ذلك لان صفة بلوغ الهدى الكعبة يشعر ان ينفق اللحم على مساكين الحرم وقال ابو حنيفة لا يجب ذلك بل يتصدق على من يشاء من المساكين فى الحرم وغيره لان الذبح عبادة غير معقولة فلا بد فيه من رعاية المكان حتى انه من ذبح فى غير الحرم لا يجزيه الا ان يبلغ اللحم قيمة الصيد فينفقه بنية الإطعام واما انفاق اللحم فعبادة معقولة ولا دليل على التخصيص بمساكين الحرم وما ذكروا من الاشعار ممنوع أَوْ كَفَّارَةٌ عطف على جزاء قرأ نافع وابن عامر بالاضافة الى طَعامُ مِسْكِينٍ اضافة بيانية والباقون بتنوين كفارة ورفع طعام على انه عطف بيان او بدل منه او خبر مبتدأ محذوف اى هى طعام مساكين وكلمة او للتخيير «1» تفيد ان الجاني مخير

_ (1) والعطف بكلمة او للتخيير اى تخيير الجاني بين الخصال الثلاثة تخفيفا عليه كما فى خصال كفارة اليمين هذا عند ابى حنيفة وابى يوسف رح وقال محمد والشافعي رح الخيار فى تعيين شىء من الخصال الى الحكمين ولا دليل لهذا القول فى الاية بل الاية تدل على ان المراد بالمثل القيمة وتقدير القيمة مفوض الى الحكمين فاذا حكما بمقدار القيمة فالخيار الى الجاني ان شاء يشترى بها هديا بالغ الكعبة وان شاع يشترى بها طعاما للمساكين وان شاء صام مكان كل مسكين يوما ولا مدخل للحكمين فى التعيين فان الحاكم هو الله لا غير وانما التخيير للتخفيف رحمة من الله تعالى وذلك فى تخيير الجاني 12 منه

بين ان يجزى مثل ما قتل من النعم وبين ان يكفر فيطعم المساكين وبين ان يصوم وقال الشعبي والنخعي جزاء الصيد على الترتيب والاية حجة لنا عليهما. (مسئلة) اجمعوا على ان بناء الإطعام على القيمة وعلى ان الصيد إذا لم يكن له مثل من النعم فالمعتبر قيمة الصيد يشترى به طعاما واما إذا كان له مثل من النعم فعند الجمهور يعتبر قيمة مثله لا قيمته لان الواجب عندهم المثل لا قيمة الصيد والإطعام بدل عنه فمن قتل حمامة واختار الإطعام يطعم عندهم قيمة شاة لا قيمة حمامة إذا النظير هو الواجب عينا وعند ابى حنيفة رح يعتبر قيمة الصيد مطلقا لانها هو الواجب عنده واما على ما قلت ان الواجب على تقدير اختيار الهدى مثله من النعم فالمراد مثله فى القيمة فما زاد الهدى على قيمة الصيد انما التزمه تطوعا او لزمه ضرورة عدم التجزى فى الهدى ولا ضرورة ولا التزام عند اختيار الإطعام فيعتبر قيمة الحمامة لا قيمة الشاة لان المتلف هو المضمون فلا معنى لتقويم غيره لجبره ولا نسلم ان النظير هو الواجب عينا فانه من قتل حمامة لو اهدى بعيرا أجزأه البتة ولو كانت الشاة هى الواجبة عينا لم يجزه البعير على ان القول بان النظير هو الواجب عينا لا يتصور الا إذا كان الواجب على الترتيب كما قال الشعبي والنخعي فيجب اولا النظير فان لم يجد النظير يقضيه بالاطعام وان لم يجد فبالصيام قضاء غير معقول وليس كذلك بل الواجب أحد الخصال الثلاثة على التخيير كما ذكرنا فاعتبار احدى الخصال فى الاخرى بلا دليل شرعى باطل وانما اعتبر قدر الإطعام فى الصيام بقوله تعالى أَوْ عَدْلُ ذلِكَ الطعام صِياماً معطوف على جزاء قال الفراء العدل بالكسر المثل من جنسه وبالفتح المثل من غير جنسه. (مسئلة:) اختلفوا فى مقدار طعام كل مسكين فقال الشافعي ليطعم كل مسكين مدا كما هو كذلك عنده فى كفارة الصوم والظهار واليمين وقال ابو حنيفة يطعم كل

[سورة المائدة (5) : الآيات 96 إلى 97]

مسكين نصف صاع من بر او صاعا من شعير او تمر كما هو عنده فى صدقة الفطر وحمل على ذلك الكفارات كلها والاولى ان يقال نصف صاع من غالب قوت البلد للاجماع على انه هو المقدار للاطعام فى باب الجنايات إذا حلق المعذور راسه حيث امر النبي صلى الله عليه وسلم كعبا بتفريق الفرق بين ستة وقد مر الحديث فى سورة البقرة والحمل على هذا اولى من الحمل على صدقة الفطر لاتحاد جنس الجناية ويشترط عند الجمهور للاطعام مساكين الحرم كما فى انفاق لحم الهدى ولا يشترط ذلك عند ابى حنيفة لما قلنا. (مسئلة:) ولو كان قيمة الصيد اقل من طعام مسكين واحد او فضل شىء يسير من طعام مسكين او مساكين يعطى ذلك القدر اليسير مسكينا ولا يجب عليه جبر الكسر اجماعا وان صام عنه صام يوما لان الصوم لا يتجزى وكذا لو اهدى يهدى ادنى ما يطلق عليه اسم الشاة على ما قلت وشاة جائز للتضحية عند ابى حنيفة ومالك لِيَذُوقَ متعلق بمحذوف يعنى أوجبنا ذلك الجزاء او الكفارة ليذوق الجاني وَبالَ أَمْرِهِ اى ثقل فعله وسوء عاقبته هتكه حرمة الله واصل الوبل الثقل يقال طعام وبيل اى ثقيل ومنه أخذناه أخذا وبيلا عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ من قتل الصيد محرما فى الجاهلية او قبل التحريم او فى هذه المرة وَمَنْ عادَ الى قتل الصيد بعد ذلك المرة فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ خبر مبتدأ محذوف تقديره فهو ينتقم الله منه لان الفاء لا تدخل على المضارع إذا وقع جزاء ذهب ابن عباس على ظاهر هذه الاية حيث روى عنه انه إذا قتل المحرم صيدا متعمدا يسأله هل قتلت قبله شيئا من الصيد فان قال نعم لم يحكم وقال له اذهب فينتقم الله منك وان قال لم اقتل قبله شيئا من الصيد حكم عليه فان عاد بعد ذلك لم يحكم عليه ولكن يملأ ظهره وصدره ضربا وجيعا كذا قال البغوي قلت والاولى ان يقال فى تفسير الاية عفا الله عما سلف بأداء الجزاء ومن عاد فينتقم الله منه يعنى يوجب عليه الجزاء مرة ثانية فان لم يود الجزاء يعذبه فى الاخرة وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ممّن أصر على عصيانه. أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ اى الاصطياد «1» من البحر لانه هو المراد من صيد «2» البر كما سنذكر وَطَعامُهُ

_ (1) وعن انس عن ابى بكر الصديق فى الاية قال صيده ما حويت عليه وطعامه ما لفظ إليك رواه ابو الشيخ 12 منه (2) عن الحارث بن نوفل قال حج عثمان بن عفان فاتى بلحم صيد صاده حلال فاكل منه عثمان ولم يأكل على فقال عثمان والله ما صدنا ولا أمرنا ولا أشرنا فقال على وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما وعن الحسن ان عمر بن الخطاب لم يكن يرى بأسا بلحم الصيد للمحرم إذا صيد لغيره وكرهه ابن ابى طالب رواه ابن ابى شيبة 12 منه

اى ما يطعم منه الضمير اما عائد الى الصيد او الى البحر اى ما يطعم من صيد البحر او من البحر وقيل المراد بصيد البحر كل حيوان لا يعيش الا فى الماء وطعامه أكله واحتج به مالك على جواز أكل كل حيوان بحرى وقد مرت المسألة فى أول السورة وقال عمر رضى الله عنه صيد البحر ما اصطيد وطعامه ما رمى به وعن ابن عباس وابن عمر وابى هريرة طعامه ما قذفه الماء الى الساحل ميتا وقال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعكرمة وقتادة والنخعي ومجاهد صيده طريه وطعامه مالحه مَتاعاً لَكُمْ مفعول له لاحلّ يعنى أحل ذلك تمتيعا لكم اى للمقيمين منكم يأكلونه طريا وَلِلسَّيَّارَةِ اى للمسافرين منكم يتزودونه قد يدا وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً قيل معنى الاية حرم صيد البر مطلقا على المحرم وان اصطاده حلال من غير امر المحرم ولا اعانته ولا إشارته ولا لاجله يروى ذلك عن ابن عباس وهو قول طاووس وسفيان الثوري ويويده حديث ابن عباس عن الصعب بن جثامة الليثي انه اهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا وهو بالأبواء او بودان فرد عليه فلما رأى ما فى وجهه قال انا لم نرده عليك الا انا حرم متفق عليه وعند النسائي لا تأكل الصيد وفى رواية سعيد عن ابن عباس لولا انا محرمون لقبلناه منك وأجيب بما ترجم البخاري فى الباب انه حمل الحديث على ان الحمار كان حيا والمحرم لا يجوز له ذبح الصيد الحي كذا نقلوا التأويل عن مالك وهذا التأويل لا يصح لانه رواه إسحاق فى مسنده بسنده عن موسى عن محمد بن عمرو بن علقمة عن الزهري فقال لحم حمار واخرج الطبراني عن الزهري فقال رجل حمار وحش وفى رواية عند مسلم عجز حمار وحش تقطر دما وفى رواية عند مسلم رجل حمار وحش واخرج مسلم من طريق حبيب بن ابى ثابت عن سعيد فقال تارة حمار وحش وتارة شق حمار وحش واتفقت الروايات كلها على انه رده الا ما رواه وهب والبيهقي من طريقه بإسناد حسن من طريق عمرو بن امية ان النبي صلى الله عليه وسلم اهدى له عجز حمار وحش وهو بالجحفة فاكل منه وأكل القوم والجمع بينهما بالحمل على القصتين اولى لان القصة المروية فى الصحيحين كانت بالأبواء او بودان وفى رواية وهب انه بالجحفة وبين الجحفة

والأبواء ثلثة وعشرون ميلا وبين جحفة وودان ثمانية أميال وفى الباب حديث على قال انشد من كان هاهنا من أشجع أتعلمون ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اهدى اليه عضو صيد فلم يقبله قال انا حرم قال نعم رواه ابو داؤد والطحاوي وروى مسلم نحوه لكن اجمع المسلمون بعد القرن الاول ان ما صاده الحلال لاجل نفسه يحل للمحرمين أكله وقد صح الأحاديث ان النبي صلى الله عليه وسلم أكل من لحم الصيد وامر أصحابه باكله منها حديث ابى قتادة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلوا ما بقي من لحمها وفى بعض الروايات الصحيحة ان النبي صلى الله عليه وسلم أكلها ومنها ما ذكرنا من حديث الصعب بن جثامة انه وقع فى بعض رواياته ان النبي صلى الله عليه وسلم أكل منها ومنها ما رواه مسلم عن معاذ ابن عبد الرحمن بن عثمان التيمي عن أبيه قال كنا مع طلحة بن عبد الله ونحن حرم فاهدى له طير وطلحة راقد فمنا من أكل ومنا من تورع فلما استيقظ طلحة وافق من أكله وقال أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها حديث عمرو بن سلمة الضميري عن البهزى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يريد مكة وهو محرم حتى إذا كان بالروحا إذا حمار وحشي عقير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوه فانه يوشك ان يأتى صاحبه فجاء البهزى وهو صاحبه فقال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم شانكم بهذا الحمار فامر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقسمه بين الرفاق الحديث رواه مالك واصحاب السنن وصححه ابن خزيمة فتفسير الاية وحرم عليكم صيد البر أي اصطياده. (مسئلة) ما اصطاد الحلال لاجل المحرم اختلف فيه فقال ابو حنيفة يحل أكله مطلقا حتى يحل لمن صيد لاجله ايضا وقال مالك لا يحل أكله لا للحلال ولا للمحرم وقال الشافعي واحمد ما صيد لاجل المحرم قبل إحرامه او بعده يحرم على ذلك المحرم أكله ولا يحرم أكله لغير المحرم ولا لمن لم يصد له من المحرمين ومذهب الشافعي واحمد مروى عن عثمان روى مالك فى الموطإ عن عبد الله بن ابى بكر عن عبد الله بن عامر قال رايت عثمان بن عفان بالعرج وهو محرم فى صائف قد غطى وجهه بقطيفة ثم اتى بلحم صيد فقال لاصحابه كلوا فقالوا اولا تأكل أنت قال لست كهيئتكم انما صيد من اجلى وما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه أكل من لحم الصيد وروى انه رده ولم يأكله قال الائمة الثلاثة وجه الجمع بين الروايتين انه أكل ما صاده الحلال لاجل نفسه ولم يأكل

ما صاد لاجل رسول الله صلى الله عليه وسلم او لغيره من المحرمين قلنا لا دليل فى شىء من الأحاديث المذكورة على هذا التفصيل ووجه الجمع عندى ان أكل لحم الصيد مطلقا إذا صاده الحلال مباح للمحرم لكن تركه أفضل فبالاكل تارة علّم النبي صلى الله عليه وسلم الجواز وبترك الاكل منه اخرى نبه على الاستحباب فان قيل إذا تعارض الأحاديث ولا ترجيح كان القياس الاخذ بالمحرم احتياطا قلنا نعم لكنا انما لم نقل هكذا حتى لا يلزمنا مخالفة الإجماع فانهم اجمعوا على ان أكل بعض الصيد للمحرم حلال احتج الائمة الثلاثة على حرمة ما صيد لاجل المحرم بحديث جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوا او يصاد لكم أخرجه الترمذي والنسائي وابن خزيمة واحمد نحوه قال مالك سوى النبي صلى الله عليه وسلم بين ما صاده المحرم وما صيد له حالة إحرامه فثبت ان ما صيد لاجل المحرم حكمه حكم ما صاده المحرم بنفسه فهو حرام على جميع الناس كالميتة وقال الشافعي واحمد ان انقسام الآحاد على الآحاد يقتضى ان كل محرم يحرم عليه ما صاده وما صيد له واما ما صاده محرم غيره او حلال او صيد لغيره من محرم او حلال فلا يثبت من هذا الحديث فيه شىء وانما يعرف حكمه من خارج وقلنا هذا الحديث لا يصلح للاحتجاج فان مداره على عمرو بن ابى عمرو فرواه احمد عنه عن رجل من الأنصار عن جابر ورواه الترمذي وغيره عنه عن المطلب عن جابر ففى رواية احمد راوى عن جابر مجهول وفى رواية الترمذي قال الترمذي لا يعرف للمطلب سماع من جابر ثم عمرو بن ابى عمرو وهو مولى المطلب قال يحيى بن معين لا يحتج بحديثه وقال مرة هو وابو داؤد انه ليس بالقوى لكن قال احمد ما به بأس ثم هو استدلال بمفهوم الغاية والاستدلال بالمفهوم لا يجوز عندنا وقد يحتجون بحديث ابى قتادة قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية فاحرم أصحابي ولم احرم فرايت حمارا فحملت عليه فاصطدته فذكرت شانه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت انى لم أكن أحرمت وانى انما اصطدته لك فامر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فاكلوا او لم يأكل منه حين أخبرته انى اصطدته لك أخرجه إسحاق وابن خزيمة والدارقطني والجواب انه قال ابن خزيمة وابو بكر النيسابورى والدارقطني انه تفرد بهذه الزيادة معمر ولا اعلم أحدا ذكر قوله اصطدته لك وقوله ولم يأكل منه غيره فلعل هذا من اوهامه

[سورة المائدة (5) : آية 98]

قال الذهبي معمر بن راشد له أوهام قلت وقد ورد فى الروايات المتفقة على صحتها ان النبي صلى الله عليه وسلم أكلها وما استدلوا برواية معمر حجة على مالك لا له حيث قال فامر أصحابه فاكلوا فان مالكا يجعل ما صيد لاجل المحرم حراما على جميع الناس. وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ جَعَلَ اى صير اللَّهُ الْكَعْبَةَ سميت لتربعها والعرب تسمى كل بيت مربع كعبة وقال مقاتل سميت كعبة لانفرادها من البناء وقيل سميت كعبة لارتفاعها من الأرض وأصلها الخروج والارتفاع ومنه سمى الكعب فى الرجل كعبا لارتفاعه من جانبى القدم ومنه قيل للجارية إذا قاربت البلوغ وخرج ثديها تكعبت الْبَيْتَ الْحَرامَ عطف بيان على جهة المدح او بدل او المفعول الثاني سمى به لان الله حرمه وعظم حرمته قال النبي صلى الله عليه وسلم ان الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض قِياماً لِلنَّاسِ منصوب على انه مفعول ثان او حال قرأ ابن عامر قيما بلا الف والباقون بالألف اى قواما لهم وهو ما يقوم به امر دينهم ودنياهم اما الدين فلان به يقوم الحج والمناسك واما الدنيا فلانهم كانوا يأمنون فيه من النهب والغارة ولا يتعرض أحد لهم فى الحرم وَالشَّهْرَ الْحَرامَ يعنى جنس الأشهر الحرم وهى رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم جعلها قياما للناس يأمنون فيه من القتال وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ سبق تفسيرها فى اوّل السورة يأمنون الناس بها من التعرض ذلِكَ اشارة الى الجعل او الى ما ذكر من الأمر بحفظ حرمة الإحرام وغيره وقال الزجاج راجع الى ما سبق فى هذه السورة من الاخبار عن الغيوب وكشف الاسرار مثل قوله سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين ومثل اخباره بتحريفهم الكتب ونحو ذلك لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ فان شرع الاحكام لدفع المضار قبل وقوعها وجلب المنافع المترتبة عليهما دليل على حكمة الشارع وكمال علمه وكذا الاخبار بالغيب دليل على علمه الكامل الشامل وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ تعميم بعد تخصيص ومبالغة بعد اطلاق. اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وعد ووعيد لمن انتهك محارمه ولمن حافظ عليها ولمن أصر عليها ولمن انقلع عليها اخرج ابو الشيخ عن الحسن ان أبا بكر الصديق

[سورة المائدة (5) : آية 99]

حين حضرته الوفاة قال الم تر ان الله ذكر اية الرخاء عند اية الشدة واية الشدة عند اية الرخاء ليكون المؤمن راغبا راهبا لا يتمنى على الله غير الحق ولا يلقى بايديه الى التهلكة. ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ وقد فرغ الرسول ما وجب عليه من التبليغ وقامت عليكم الحجة ولا عذر لكم فى التفريط فيه تشديد فى إيجاب القيام بما امر به وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ من تصديق وتكذيب وفعل وعزيمة اخرج الواحدي والاصبهانى فى الترغيب عن جابر ان النبي صلى الله عليه وسلم ذكر تحريم الخمر فقام أعرابي فقال انى كنت رجلا كانت هذه تجارتى فاعتقيت منها ما لا فهل ينفع ذلك المال ان عملت فيه بطاعة الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم ان الله لا يقبل الا الطيب فانزل الله تصديقا لرسوله. قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ «1» وَالطَّيِّبُ لفظه عام فى نفى المساوات عند الله بين الردى من الاشخاص والأعمال وبين جيدها رغب به فى صالح العمل والحلال من المال وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فان العمل القليل الصّالح بالإخلاص خير من كثير بلا اخلاص وانفاق مال قليل حلال خير من الكثير الحرام عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تصدق بعدل تمرة ولا يقبل الله الا الطيب فان الله يقبلها بيمينه ويربيها لصاحبه كما يربى أحدكم فلوه حتى يكون مثل الجبل متفق عليه والمخلصون والصالحون من الناس خير عند الله من ملأ الأرض من الخبيثين عن سهل بن سعد قال مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس ما رأيك فى هذا فقال رجل من اشراف الناس هذا والله حرى ان خطب ان ينكح وان شفع ان يشفع قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مر رجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيك فى هذا فقال يا رسول الله رجل من فقراء المسلمين هذا حرى ان خطب ان لا ينكح وان شفع ان لا يشفع وان قال

_ (1) اخرج ابن ابى حاتم ثنا يونس بن عبد الأعلى ثنا ابن وهب ثنى يعقوب الإسكندر انى قال كتب الى عمر بن عبد العزيز بعض عماله ان الخراج قد انكسر فكتب اليه عمر ان الله يقول لا يستوى الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فان استطعت ان تكون فى العدل والإحسان والإصلاح بمنزلة من كان قبلك فى الظلم والفجور والعدول فافعل ولا قوة الا بالله 12 منه

[سورة المائدة (5) : آية 101]

لا يسمع لقوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا خير من ملأ الأرض مثل هذا متفق عليه فَاتَّقُوا اللَّهَ حتى تكونوا عند الله من الطيبين واثروا الطيب وان قل من العمل والمال على الخبيث وان كثر قال البغوي يعنى فاتقوا الله ولا تتعرضوا للحجاج وان كانوا مشركين وقد مضت قصة شريح فى اوّل السورة يا أُولِي الْأَلْبابِ اصحاب العقول السليمة لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ع اى راجين ان تبلغوا الفلاح بالتقوى روى احمد والترمذي والحاكم عن على عليه السّلام وابن جرير مثله من حديث ابى هريرة وابى امامة وابن عباس انه لما نزلت ولله على الناس حج البيت قالوا يا رسول الله فى كل عام فسكت قالوا يا رسول الله فى كل عام قال لا ولو قلت نعم لوجبت وفى رواية قال النبي صلى الله عليه وسلم ما يومنك ان أقول نعم والله لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما استطعتم فاتركونى ما تركتكم فانما هلك من كان قبلكم بكثرة سوالهم واختلافهم على أنبيائهم فاذا أمرتكم بشئ فاتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شىء فاجتنبوه فانزل الله تعالى عز وجل. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ والقائل عكاشة بن محصن كذا فى حديث ابى هريرة عند ابن جرير يعنى لا تسألوا عن أشياء يشق عليكم إتيانها كالحج فى كل عام قال الخليل وسيبويه وجمهور البصريين أصله شئياء على وزن فعلاء بهمزتين بينهما الف وهمزته الثانية للتأنيث ولذا لم ينصرف كحمراء وهى مفردة لفظا جمع معنى يعنى اسم جمع ولما استثقلت الهمزتان المجتمعان قدمت الاولى التي هى لام الكلمة فجعلت قبل الشين فصار وزنها لفعاء وقيل أصله أشياء على وزن افعلاء جمع لشىء على ان أصله شيئ كهيئ او شييئ كصديق فخفف وقيل افعال جمع لشئ من غير تغيير كبيت وأبيات ومنع عن الصرف على الشذوذ لعدم السببين إِنْ تُبْدَ لَكُمْ اى تظهر لكم ذلك الأشياء الشاقة بان تومروا بإتيانها تَسُؤْكُمْ اى تغمكم ويصعب عليكم إتيانها وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها عن هذه التكليفات الشاقة حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ والرسول بين أظهركم تُبْدَ لَكُمْ يعنى يحتمل ان تبد لكم وتومروا بما سألتم من التكاليف الشاقة الجملتان الشرطيتان المتعاطفتان صفتان لاشياء وهما كالمقدمتين المنتجتين لمنع السؤال. (مسئلة) الأمر المطلق لا يقتضى التكرار على اصل ابى حنيفة ولا يحتمله فمعنى

[سورة المائدة (5) : آية 102]

قوله صلى الله عليه وسلم لو قلت نعم لوجبت وقوله تعالى ان تبد لكم تسؤكم انه لو قال النبي صلى الله عليه وسلم نعم يجب الحج كل عام ويظهر ذلك الأمر لكان ناسخا للامر المطلق لا بيانا له ويدل عليه قوله تعالى وان تسألوا عنها حين ينزل القران تبد لكم فانه لو كان بيانا لامتنع تاخره عن وقت الحاجة من غير سؤال ولان البيان قد يكون بالعقل والتأمل وتتبع اللغة وبما ذكرنا ظهر ان السؤال والاستفسار للمجمل او المشكل او الخفي لا بأس به قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انما شفاء العي السؤال وانما الممنوع السؤال عن تكليف لم يرد الشرع به كالحج فى كل عام وكالسؤال عن لون البقرة المامورة ذبحها لبنى إسرائيل ونحو ذلك عَفَا اللَّهُ عَنْها اى عن الأشياء الشاقة المذكورة حيث لم يأمر بإتيانها صفة اخرى لاشياء وجاز ان يكون استينافا اى عفا الله عما سلف من مسألتكم فلا تعودوا الى مثلها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ لا يعاجلكم بتفريط وافراط منكم ويعفوا. قَدْ سَأَلَها «1» الضمير راجع الى الأشياء بحذف الجار اى عنها او الى المسألة التي دل عليها لا تسألوا «2» فلم يعد بعن قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ قال البيضاوي الظرف متعلق بسألها وليس صفة لقوم لان ظرف الزمان لا يكون صفة الجثة ولا حالا منها ولا خبرا عنها وقيل فيه نظر لان الظرف يسند الى الجثة التي لا يتعين وجودها فيه نحو الهلال يوم الجمعة فيصح كونه صفة لقوم سأل بنو إسرائيل حين أمروا بذبح البقرة بما هى وما لونها وما هى فشق ذلك عليهم وسأل ثمود صالحا الناقة وقوم عيسى المائدة وسأل بنو إسرائيل بعد موسى ابعث لنا ملكا نقاتل فى سبيل الله مع جالوت ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها اى بمسبها كافِرِينَ حيث لم يأتمروا بما أمروا بعد سوالهم قال ابو ثعلبة الخشني ان الله فرض فرايض فلا تسبقوها يعنى بالسؤال ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحد حدود أفلا تعتدوها

_ (1) قال قتادة فى قراءة ابى بن كعب قد سألها قوم بنيت لهم فاصبحوا بها كافرين أخرجه ابن جرير وابن المنذر وغيرهما 12 منه (2) عن ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وهو غضبان محمار وجهه حتى جلس على المنبر فقام اليه رجل فقال اين ابائى قال فى النار فقام اخر فقال من ابى فقال أبوك فلان فقام عمر بن الخطاب فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقران اماما انا يا رسول الله حديث عهد بالجاهلية والشرك والله اعلم من آبائنا فسكن غضبه ونزلت يا ايها الذين أمنوا لا تسألوا عن أشياء الاية 12 منه

[سورة المائدة (5) : آية 103]

وعفا عن أشياء بغير نسيان فلا تبحثوا عنها وروى البخاري عن قتادة عن انس بن مالك قال سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احفوه بالمسألة فغضب فصعد المنبر فقال لا تسألونى اليوم عن شىء إلا بينته لكم فجعلت انظر يمينا وشمالا فاذا كل رجل لان راسه فى ثوبه يبكى فاذا رجل كان إذا لاحى الرجال يدعى لغير أبيه فقال يا رسول الله من ابى قال حذافة ثم انشأ عمر فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا نعوذ بالله من الفتن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رايت فى الخير والشر كاليوم قط انه صورت لى الجنة والنار حتى رايتهما وراء الحائط وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الاية يا ايها الذين أمنوا لا تسألوا عن أشياء الاية وقال يونس عن ابن شهاب أخبرني عبيد الله بن عبد الله قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة ما سمعت بابن قط اعق منك امنت ان تكون أمك قد فارقت بعض ما تقارف نساء اهل الجاهلية فتفضحها على أعين الناس قال عبد الله بن حذافة والله لو الحقنى بعبد اسود للحقته وروى ان عمر قال يا رسول الله انا حديث العهد بالجاهلية فاعف عنا يعف الله سبحانه عنك فسكن غضبه وروى البخاري ايضا عن ابن عباس قال كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء فيقول الرجل من ابى ويقول الرجل ضلت ناقة اين ناقتى فانزل الله تعالى هذه الاية قال الحافظ ابن حجر لا مانع ان تكون نزلت فى الامرين وحديث ابن عباس فى ذلك أصح اسنادا قلت وقصة السؤال عن الحج فى كل عام أوفق بسياق الكتاب وانكانت الاية نزلت فى السؤال عن أبيه فمعنى لا تسألوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم انه ان تبد لكم نسبكم الى غير أبيكم تفضحوا وتسؤكم وقال مجاهد هذه الاية نزلت حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام الا تراه ذكرها. ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ كلمة من زائدة يعنى ما شرع هذه الأشياء ووضع لها احكاما قال ابن عباس البحيرة الناقة التي ولدت خمسة ابطن كانوا بحروا اذنها اى شقوها وتركوا الحمل عليها ولم يركبوها ولم يجزوا وبرها ولم يمنعوها الماء والكلاء فان كان خامس ولدها ذكرا نحروه وأكله الرجال والنساء وان كان أنثى بحروا اذنها اى شقوها قال ابو عبيدة السائبة البعير الذي يسيب وذلك ان الرجل

من اهل الجاهلية إذا مرض او غاب له قريب نذر فقال ان شفانى الله او شفى مريضى أورد غائبى فناقتى هذه سائبة ثم تسيب فلا تحبس عن رعى وماء ولا يركبها أحد فكانت بمنزلة البحيرة وقيل الناقة إذا نتجت ثنتى عشرة إناثا سيبت ولم يركب ظهرها ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها الا ضيف فما نتجت بعد ذلك شق اذنها ثم خلى مع أمها فهى البحيرة بنت السائبة فعل بها كما فعل بامها وقال علقمة العبد يسيب على ان لا ولاء عليه ولا عقل ولا ميراث وقال عليه السلام الولاء لمن أعتق والسائبة الفاعلة بمعنى المفعولة وهى المسيبة نحو عيشة راضية اى مرضية واما الوصيلة فمن الغنم كان الشاة إذا ولدت سبعة ابطن نظروا فان كان السابع ذكرا ذبحوه فاكله الرجال والنساء وان كانت أنثى تركوها فى الغنم وانكانت ذكرا مع أنثى استحيوا الذكر من أجل الأنثى وقالوا وصلت أخاها فلم يذبحوه وكان لبن الأنثى حراما على النساء فان مات منها شىء أكله الرجال والنساء جميعا واما الحام فهو الفحل إذا ركب ولد ولده ويقال إذ انتج من صلبه عشرة ابطن قالوا حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من كلأ ولا ماء فاذا مات أكله الرجال والنساء روى البخاري عن سعيد بن المسيب قال البحيرة التي تمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس والسائبة كانوا يسيبونها لالهتهم لا يحمل عليها شىء والوصيلة الناقة البكر تبكر فى أول نتاج الإبل ثم تثنى بعده بالأنثى وكانوا يسيبونها لطواغيتهم ان وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر والحام فحل الإبل يضرب الضراب المعدود فاذا قضى ضرابه دعوه للطواغيت واعفوه من الحمل فلم يحمل عليه شىء وسموه بالحام قال ابو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رايت عمرو بن عامر الخزاعي يجز قصبه فى النار كان أول من سيب السوائب قال البغوي روى عن محمد بن إسحاق عن محمد بن ابراهيم التيمي عن ابى صالح السمان عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاكثم بن جون الخزاعي يا أكثم رايت عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف يجر قصبه فى النار فما رايت من رجل أشبه برجل منك به ولا به منك وذلك انه أول من غير دين اسمعيل ونصب الأوثان وبحر البحيرة وسيب السوائب ووصل الوصيلة وحمى الحامى فلقد رأيته فى النار يؤذى اهل النار بريح قصبه فقال أكثم أيضرني شبهه يا رسول الله فقال لا انك مؤمن وهو كافر وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى

[سورة المائدة (5) : آية 104]

اللَّهِ الْكَذِبَ فى قولهم ان الله أمرنا بها وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وجه التحليل والتحريم بل يقلدون كبارهم الجهال وفيه اشارة ان بعضهم يعرفون بطلان ذلك ولكن يمنعهم حب الرياسة وتقليد الآباء ان يعترفوا به. وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ فى التحليل والتحريم قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا حسبنا مبتدأ والخبر ما وجدنا يعنى الذي وجدنا عليه آباءنا بيان «1» لقصور عقلهم وان لا استدلال لهم سوى التقليد أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ الواو للحال والهمزة دخلت عليها لانكار التقليد على هذا الحال يعنى ايحسبهم ما وجدوا عليه اباؤهم ولو كانوا جهلة ضالين يعنى اى يحسبهم الجهل والضلال الذي كان عليه اباؤهم والحاصل ان الاقتداء لا يليق الا بالعلماء المهتدين. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ الجار والمجرور اسم فعل جعلا اسما لالزموا فلذلك نصب أنفسكم يعنى الزموا إصلاحها واحفظوها لا يَضُرُّكُمْ يحتمل الرفع على انه مستانف والجزم على انه جواب امر او على انه نهى ضمت الراء اتباعا لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ قيل نزلت الاية لما كان المؤمنون يتحسرون على الكفار ويتمنون ايمانهم اخرج احمد والطبراني وغيرهما عن ابى عامر الأشعري قال سالت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الاية فقال لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم وقال مجاهد وسعيد بن جبير الاية فى اليهود والنصارى يعنى عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل من اهل الكتاب إذا اهتديتم فخذوا منهم الجزية واتركوهم وقيل كان الرجل إذا اسلم يقال سفهت أباك اخرج ابن ابى حاتم عن عمر مولى عفرة قال انما نزلت هذه يا ايها الذين أمنوا عليكم أنفسكم لان الرجل كان ليسلم ويكفر أبوه او اخوه فلما دخل فى قلوبهم حلاوة الايمان دعوا ابائهم وإخوانهم الى الإسلام فقالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا فانزل الله هذه الاية وليست الاية فى ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لان من الاهتداء الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على حسب طاقته عن ابى بكر

_ (1) اخرج ابن ابى حاتم عن عمر مولى عفرة قال انما نزلت هذه الاية يايها الذين أمنوا عليكم أنفسكم لان الرجل كان يسلم ويكفر أبوه او اخوه فلما دخل فى قلوبهم حلاوة الايمان دعوا آباءهم وإخوانهم الى الإسلام فقالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا فانزل الله هذه الاية 12 [.....]

الصديق رضى الله عنه قال يا ايها الناس انكم تقرءون هذه الاية يا ايها الذين أمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم وانكم تضعون على غير موضعها فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه يوشك ان يعمهم الله بعقابه رواه ابن ماجة والترمذي وصححه وفى رواية ابى داؤد إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك ان يعمهم الله بعقاب وفى اخرى له ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على ان يغيروا ثم لا يغيرون الا يوشك ان يعمهم الله بعقاب وفى اخرى له ما من قوم يعمل فيهم المعاصي وهم اكثر ممن يعمله الحديث وفى رواية ليأمرون بالمعروف ولينهن عن المنكر او ليسلطن سبحانه عليكم شراركم فليسومونكم سوء العذاب ثم ليدعن الله عز وجل خياركم فلا يستجاب لكم وقال البغوي روى عن ابن عباس انه قال فى هذه الاية مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما قبل منكم فان رد عليكم فعليكم أنفسكم ثم قال ان القران نزل منه اى قد مضى تأويلهن قبل ان ينزلن ومنه اى وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنه اى وقع تأويلهن بعد النبي صلى الله عليه وسلم بيسير ومنه اى يقع تأويلهن بعد اليوم ومنه اى يقع تأويلهن فى اخر الزمان ومنه اى يقع تأويلهن يوم القيامة ما ذكر من الحساب والجنة والنار فما دامت قلوبكم واهوائكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض فامروا وانهوا وإذا اختلفت القلوب والأهواء والبستم شيعا وذاق بعضكم بأس بعض فامرأ ونفسه فعند ذلك جاء تاويل هذه الاية وروى عبد بن حميد وابن جرير وابن ابى حاتم وابو الشيخ والبيهقي فى الشعب عن ابى العالية هذه القصة عن عبد الله بن مسعود وروى الترمذي وابن ماجة عن ابى ثعلبة الخشني فى قوله تعالى عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم فقال اما والله لقد سالت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رايت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذى راى برايه ورايت امر الابد لك منه فعليك نفسك ودع امر العوام فان ورائكم ايام الصبر فمن صبر فيهن قبض على الجمر للعامل فيهن اجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله قالوا يا رسول الله اجر خمسين منهم قال اجر خمسين منكم وقيل نزلت الاية فى اهل الأهواء قال ابو جعفر الرازي دخل على صفوان بن محرز شاب من اهل

[سورة المائدة (5) : آية 106]

الأهواء فذكر شيئا من امره فقال صفوان الا ادلك على خاصة الله تعالى خص بها أوليائه يا ايها الذين أمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً الضال والمهتدى فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فيجزى كل على حسب عمله ولا يؤاخذ أحد بذنب غيره فيه وعد ووعيد للفريقين ذكر البغوي واخرج نحوه البخاري وابو داؤد والترمذي عن ابن عباس رضى الله عنهما ان تميما الداري وعدى بن بدا خرجا الى الشام للتجارة وكانا حينئذ نصرانيين ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص وكان مسلما فلما قدموا الشام مرض بديل ودوّن ما معه فى صحيفة وطرحها فى متاعه ولم يخبرهما به واوصى إليهما ان يدفعها متاعه الى اهله ومات بديل ففتّشا متاعه وأخذا منه اناء فضة فيه ثلاثمائة مثقال منقوشا بالذهب فغيباه ثم قضيا حاجتهما فانصرفا الى المدينة فدفعا الى اهل الميت ففتّشوا فاصابوا صحيفة فيها تسمية ما كان معه فجاؤا تميما وعديا فقالوا هل باع صاحبنا شيئا من متاعه قالا لا قالوا فهل اتجر تجارة قالا لا قالوا فهل طال مرضه فانفق على نفسه قالا لا فقالوا انا وجدنا فى متاعه صحيفة فيها تسمية ما معه وانا قد فقدنا منها اناء من فضة مموها بالذهب فيه ثلاثمائة مثقال من فضة قالا لا ندرى انما اوصى لنا بشئ فامرنا ان ندفعه إليكم فدفعناه وما لنا من علم بالاناء فجحدوا فترافعوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ شهادة بينكم مبتدأ خبره اثنان بحذف المضاف واقامة المضاف اليه مقامه تقديره شهادة بينكم شهادة اثنين لفظه خبر ومعناه امر اى ليشهد اثنان وجاز ان يكون اثنان فاعل المصدر يعنى شهادة بينكم والمصدر مبتدا خبره محذوف مقدم عليه تقديره فيما أمرتم شهادة اثنين اى ان يشهد اثنان واتسع فى بين فاضيف اليه المصدر والمراد بالشهادة الاشهاد بمعنى الإحضار للايصاء إليهما يدل عليه سياق القصة المنزلة فيها كما فى قوله تعالى وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين وعدد الاثنان مبنى على الأحوط والواحد يكفى للوصية اجماعا وإذا حضر ظرف الشهادة اى الاشهاد ومعنى إذا حضر أحدكم الموت إذا ظهرت اماراته وقوله حين الوصية ظرف لحضر او بدل من إذا حضر وفى إبداله تنبيه على ان الوصية مما ينبغى ان لا يتهاون فيه

يعنى وقت حضور الموت وقت الوصية ضرورة ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ اى من اهل دينكم يا معشر المؤمنين صفتان للاثنان فان المسلمين العدول اولى للاستيمان أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ مرفوع بفعل مضمر يفسره ما بعده ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ اى سافرتم فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ فاوصيتم إليهما ودفعتم إليهما ما لكم فاتهمهما بعض الورثة وادعوا عليهما خيانة وأنكر الخيانة يدل على هذا التقدير سبب النزول حيث أصاب اهل بديل الصحيفة فطالبوهما الإناء فجحد الوصيان تَحْبِسُونَهُما صفة لاثنان او آخران يعنى لكل اثنين عادلين من الحاضرين للايصاء سواء كان منكم او من غيركم ولا وجه لجعله صفة لاخرين فقط والمعنى تقفون الوصيين المنكرين للخيانة مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ من زائدة والمراد بالصلوة صلوة العصر لانه وقت اجتماع الناس وتصادم ملئكة الليل وملئكة النهار وقيل اى صلوة كان فَيُقْسِمانِ اى الوصيان بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ شرط استغنى عن الجزاء بما سبق يعنى ان ارتاب الوارث منكم ويتهم الوصيين بالخيانة وينكر انها يستحلف الوصيين الحاكم فيقسمان بالله وان لم يرتابوا ولم يتهموا فلا حاجة الى تحليفهما فقوله ان ارتبتم اعتراض وجواب القسم لا نَشْتَرِي بِهِ اى لا نستبدل بالقسم او بالله ثَمَناً عرضا من الدنيا اى لا نحلف بالله كاذبا لطمع وَلَوْ كانَ الوصي ذا قُرْبى من الميت وادعى الورثة عليه الخيانة يعنى الاستخلاف لا يختص بالاجنبى عند انكار الخيانة والله اعلم وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ اى الشهادة التي امر الله بإقامتها والمراد بالشهادة هاهنا اظهار الحق والاخبار بالصدق ولو على أنفسهم قرأ يعقوب شهادة الله ممدودا جعل همزة الاستفهام عوضا عن حرف القسم اى والله إِنَّا إِذاً اى إذا كتمنا الحق لَمِنَ الْآثِمِينَ فلما نزلت هذه الاية فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوة العصر دعا تميما وعديا فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا اله الا هو انهما لم يختانا شيئا مما دفع إليهما فحلفا على ذلك وخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهما ثم وجد الإناء فى أيديهما بعد ما طال الزمان وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس انه وجد بمكة فقالوا اشترينا عن تميم وعدى فبلغ ذلك بنى سهم فاتوهم فى ذلك فقالا انا كنا اشترينا منه هذا فقالوا الم تزعما ان صاحبنا لم يبع شيئا من متاعه قالا لم يكن

[سورة المائدة (5) : آية 107]

عندنا بينة فكرهنا ان نقر لكم به فكتمنا لذلك فرفعوهما الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت. فَإِنْ عُثِرَ اى اطلع واصل العثر الوقوع على الشيء عَلى أَنَّهُمَا يعنى الوصين اسْتَحَقَّا اى استوجبا وفعلا ما أوجب إِثْماً بخيانتهما وإيمانهما الكاذبة وادعيا دعوى بالشراء او نحو ذلك ليدفع عنهما تهمة الخيانة فَآخَرانِ فشاهدان اخر ان يَقُومانِ ليحلفا مَقامَهُما مقام الوصيين سمى الاثنان من الورثة شاهدين لانهما بدعوى حقهما وتصديق الشرع لهما فى ان الحق لهما يظهر ان اثم الشاهدين السابقين كانهما شاهدان على إثمهما وتخصيص الحلف باثنين من أقارب الميت لخصوص الواقعة التي نزلت لها فانكان وارث الميت واحد أيحلف هو او اكثر من الاثنين يحلفوا جميعا حيث أنكروا ما ادعيا الوصيان من الشراء من الميت او نحو ذلك مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ قرأ حفص على البناء للفاعل يعنى من اهل الميت الذين استحق عَلَيْهِمُ اى على الورثة الْأَوْلَيانِ من بين الورثة بالشهادة وذلك بسبب كونهما اقرب الى الميت غير محجوبين بغيرهما من الورثة استحقا على سائر الورثة بان يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الوصيين وعلى هذه القراءة الاوليان فاعل لاستحق والجار والمجرور متعلق به وقرأ الباقون استحقّ على البناء للمفعول أسند الى عليهم وعلى حينئذ بمعنى فى كما فى قوله تعالى على ملك سليمان اى فى ملكه يعنى استحق الحالفان الإثم فيهم اى بسببهم والاوليان صفة للاخرين وانما جاز ذلك مع ان الاوليان معرفة وآخران نكرة لانه لما وصف الآخران بقوله تعالى من الذين صار معرفة والظاهران أوليان بدل من آخران او من الضمير فى يقومان ولا يلزم خلو الصفة عن الضمير لان المبدل منه موجود وان كان فى حكم المطروح ولكون البدل عين المبدل منه فهو يسد مسده كالظاهر موضع الضمير او خبر مبتدأ محذوف اى هما الاوليان والمراد بالاوليان الاقربان الى الميت الذين لم يحجبهما غيرهما وقرأ ابو بكر عن عاصم وحمزة ويعقوب الأولين على انه صفة الذين او بدل منه او من الأولين الذين استحق عليهم وسموا أولين لانهم كانوا أولين فى الذكر فى قوله شهادة بينكم فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ على خيانة الوصيين وكذبهما فى دعوى الشراء ونحو ذلك ويقولان لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما يعنى يميننا أحق بالقبول من يمينهما كما فى قوله تعالى

[سورة المائدة (5) : آية 108]

فشهادة أحدهم اربع شهادات بالله انه لمن الصادقين وَمَا اعْتَدَيْنا اى ما تجاوزنا الحق فى أيماننا إِنَّا إِذاً اى إذا اعتدينا لَمِنَ الظَّالِمِينَ الواضعين الباطل موضع الحق فلما نزلت هذه الاية قام رجلان من اولياء السهمي فحلفا هكذا فى رواية البخاري وفى رواية الترمذي فقام عمرو بن العاص ورجل اخر منهم فحلفا وسمى البغوي الاخر المطلب بن وداعة السهمي حلفا بالله بعد العصر ولعل حلف السهميان على عدم علمهما ببيع بديل الإناء من الوصيين وروى الترمذي وضعفه غيره من حديث ابن عباس عن تميم الداري فى هذه الاية قال يرى الناس منها غيرى وغير عدى بن بدا كنا نصرانيين يختلفان الى الشام قبل الإسلام فاتينا الشام لتجارتنا وقدم علينا مولى لبنى سهم يقال له بديل بن ابى مريم بتجارة ومعه جام من فضة فمرض فاوصى إلينا وأمرنا ان تبلغا ما ترك اهله فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ثم اقتسمناه انا وعدى بن بدا فلما قدمنا الى اهله دفعنا إليهم ما كان معنا وفقدوا الجام فسألونا عنه فقلنا غير هذا ما دفع إلينا فلما أسلمت وتاثمت من ذلك فاتيت اهله فاخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة درهم وأخبرتهم ان عند صاحبى مثلها فاتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم البينة فلم يجدوا فامرهم ان يستحلفوه فحلف فانزل الله تعالى يا ايها الذين أمنوا شهادة بينكم الى قوله ان ترد ايمان بعد ايمانهم فقام عمرو بن العاص ورجل اخر فحلفا فنزعت الخمسمائة درهم من عدى بن بدا. ذلِكَ الحكم بتحليف الوصيين عند ارتياب الورثة وتحليف الورثة عند دعوى الوصيين بالشراء ونحوه. أَدْنى اى اقرب من أَنْ يَأْتُوا اى يأتي الأوصياء بِالشَّهادَةِ اى بإظهار الحق وبيان ما اوصى إليهم الميت عَلى وَجْهِها على نحو ما حملوها من غير خيانة فيها أَوْ يَخافُوا عطف على يأتوا اى او ادنى ان يخافوا أَنْ تُرَدَّ على الورثة أَيْمانٌ على انكار ما ادعاه الوصي بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ عطف على محذوف اى احفظوا احكام الله واتقوا الله وَاسْمَعُوا ما أمركم الله سماع اجابة وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ يعنى ان لم تتقوا ولم تسمعوا كنتم قوما فاسقين والله لا يهدى القوم الفاسقين الى حجة او الى طريق الجنة وعلى هذا التفسير الذي ذكرت تطابق الاية

[سورة المائدة (5) : آية 109]

سبب نزولها ولا يلزم النسخ لان يمين الوصي عند إنكاره الخيانة ويمين الوارث عند إنكاره دعوى الوصي الشراء ونحوه حكم ثابت محكم وقد تقرر عند القوم ان شيئا من سورة المائدة لم ينسخ وقيل معنى الاية ليستشهد الميت عند احتضاره إذا اوصى لاحد رجلين ليوديا الشهادة عند القاضي للموصى له ويدل عليه ظاهر قوله تعالى لا نشترى به ثمنا ولو كان ذا قربى يعنى ولو كان الموصى له ذا قربى منا لا نشهد له بالزيادة على الوصية طمعا وعلى هذا التأويل قيل معنى ذوا عدل منكم اى من حى الموصى او آخران من غيركم اى من غير حيكم وعشيرتكم وهو قول الحسن والزهري وعكرمة. (مسئلة:) ولا يجوز شهادة كافر على مسلم فى شىء من الاحكام وقال اكثر المفسرين معنى قوله تعالى منكم اى من اهل دينكم وملتكم ومن غيركم اى من غير ملتكم وبه قال ابن عباس وابو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وابراهيم النخعي وسعيد ابن جبير ومجاهد وعبيدة فقال النخعي وجماعة هى منسوخة وكانت شهادة اهل الذمة مقبولة فى الابتداء ثم نسخت فان شهادة الكافر على المسلم لا يسمع وذهب قوم الى انها ثابتة وقالوا إذا لم يجد مسلمين ليشهد كافرين قال شريح من كان بأرض غربة ولم يجد مسلما يشهد على وصية فاشهد كافرين فشهادتهما جائزة ولا يجوز شهادة كافر على مسلم الا على وصية وعن الشعبي ان رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا ولم يجد مسلما يشهده على وصية فاشهد رجلين من اهل الكتاب فقدما الكوفة بتركته وأتيا الأشعري فاخبراه وقد ما بتركته ووصيته فقال الأشعري هذا امر لم يكن بعد الذي كان فى عهد النبي صلى الله عليه وسلم فاحلفهما وامضى شهادتهما قلت ولو كان حكم هذه الاية ثابتة يجب ان يرد اليمين على الورثة ان ظهر كذب الشاهدين فى الشهادة على الوصية بوجه. يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ يعنى يوم القيامة ظرف متعلق بلا يهدى يعنى لا يهدى الى طريق الجنة يوم يجمع او بدل من مفعول اتقوا بدل اشتمال او مفعول لا سمعوا على حذف مضاف يعنى واسمعوا خبر يوم يجمع او منصوب بإضمار اذكروا او احذروا فَيَقُولُ الله تعالى للرسل ماذا أُجِبْتُمْ ماذا منصوب بأجبتم نصب المصدر او بنزع الخافض اى اىّ اجابة اجابتكم أمتكم او باى شى مما دعوتم قومكم اجابتكم قومكم وهذا السؤال لتوبيخ قومهم كما يسئل الموؤدة باى ذنب

[سورة المائدة (5) : آية 110]

قتلت لتوبيخ الوائدة قالُوا يعنى الرسل لا عِلْمَ لَنا قال ابن عباس والحسن ومجاهد والسدى ان للقيامة اهو الا وزلازل يزول فيها القلوب عن مواضعها فيفزعون من هول ذلك اليوم ويذهلون عن الجواب ويقولون لا علم لنا ثم بعد ما ثابت إليهم عقولهم يشهدون على أممهم وقال ابن جريج معناه لا علم لنا بعاقبة أمرهم وبما أحدثوا بعدنا وبما اضمروا فى قلوبهم إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ تعلم ما غاب عنا ونحن لا نعلم الا ما نشاهده قرأ ابو بكر وحمزة الغيوب بكسر الغين حيث وقع والباقون بضمها عن انس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليردن علىّ ناس من أصحابي الحوض حتى عرفتهم اختلجوا دونى فاقول أصيحابي أصيحابي فيقول لا تدرى ما أحدثوا بعدك رواه البخاري وغيره ونظيره قوله تعالى حكاية عن عيسى كنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتنى كنت أنت الرقيب عليهم وروى عن ابن عباس انه قال معناه لا علم لنا الا علما أنت اعلم به منا وقيل المعنى لا علم لنا الى جنب علمك وقيل لا علم لنا بوجه الحكمة عن سوالك إيانا عن امر أنت اعلم به منا. إِذْ قالَ اللَّهُ بدل من يوم يجمع يعنى يوبخ الكفرة يومئذ بسوال الرسل عن اجابتهم وتعديد ما اظهر عليهم من الآيات فكذبتهم طائفة وسموهم سحرة وغلا آخرون فاتخذوهم الهة او منصوب بإضمار اذكر يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي لفظه واحد ومعناه جمع إذ المراد به الجنس عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ مريم حيث طهرتها واصطفيتها على نساء العلمين قال الحسن ذكر النعمة شكرها إِذْ أَيَّدْتُكَ اى قويتك ظرف لنعمتى او حال منه بِرُوحِ الْقُدُسِ اى جبريل عليه السّلام او بالكلام الذي يحيى به النفوس حيوة ابدية ويطهرها من الآثام ولذا أضاف الروح الى القدس لانه سبب الطهر والذي يحيى به المولى تُكَلِّمُ النَّاسَ حال من مفعول أيدتك فِي الْمَهْدِ اى كائنا فى المهد صبيا وَكَهْلًا نبيّا يعنى يكلمهم فى الطفولية والكهولة على سواء الحق حاله فى الطفولية بحال الكهولة فى كمال العقل والتكلم بالحكمة وبه يستدل على انه سينزل فانه رفع قبل الكهولة قال ابن عباس أرسله الله وهو ابن ثلثين سنة فمكث فى رسالته ثلثين شهرا ثم رفعه الله اليه قال بعض الأفاضل لا دلالة فى النظم على التسوية بين كلام الطفولية والكهولة والاولى ان يجعل وكهلا تشبيها بليغا اى يكلمهم كائنا فى المهد وكائنا كالكهل

[سورة المائدة (5) : آية 111]

وحينئذ لا دلالة فيه على انه سينزل وَإِذْ عَلَّمْتُكَ عطف على إذ أيدتك الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً قرأ نافع ويعقوب طائرا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي سبق تفسيره فى سورة ال عمران وَإِذْ كَفَفْتُ عطف على إذ علمتك يعنى إذ منعت وصرفت بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ يعنى اليهود حين هموا بقتلك إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعنى المعجزات المذكورات الدالة على نبوته ظرف لكففت فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا يعنى ما هذا الذي جئت به إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ قرأ حمزة والكسائي هاهنا وفى سورة هود والصف الا ساحر فالاشارة الى عيسى عليه السّلام وفى هود الى محمد صلى الله عليه وسلم. وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ عطف على إذ كففت ومعنى أوحيت ألهمتهم وقذفت فى قلوبهم كذا روى عبد بن حميد عن قتادة وابو الشيخ عن السدى وقيل معناه امرتهم على لسان عيسى أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي ان مصدرية ويجوز ان يكون مفسرة لاوحيت قالُوا حين امرتهم ووفقتهم آمَنَّا بالله وبرسوله وَاشْهَدْ يا عيسى بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ مخلصون. إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ منصوب باذكر او ظرف لقالوا يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ قرأ الجمهور يستطيع على الغيبة وربّك مرفوعا على الفاعلية يعنى هل يطيعك ربك ان سألته فاستطاع بمعنى أطاع كاستجاب بمعنى أجاب اخرج ابن ابى حاتم عن عامر الشعبي ان عليا كان يقرأ هل يستطيع ربك قال هل يطيعك ربك وفى الآثار من أطاع الله أطاعه ويؤيده قراءة الكسائي هل تستطيع بصيغة الخطاب لعيسى وربك منصوبا على المفعولية بحذف المضاف وهى قراءة على وعائشة وابن عباس ومجاهد ورواه الحاكم من معاذ بن جبل يعنى هل تستطيع سوال ربك من غير صارف يصرفك عن سواله فيفعل ربك اجابة سوالك قالت عائشة كان الحواريون اعلم بالله من ان يقولوا هل يستطيع ان تدعوه رواه ابن ابى شيبة وابو الشيخ وغيرهما وقيل هذه الاستطاعة على ما يقتضيه الحكمة والارادة لا على ما يقتضيه القدرة فلم يقولوا شاكين فى قدرة الله بل كما يقول الرجل لصاحبه هل تستطيع ان تنهض معى وهو يعلم انه يستطيع

[سورة المائدة (5) : آية 113]

وهو يريد هل تفعل ذلك واجرى بعضهم على الظاهر فقالوا كان ذلك قبل استحكام المعرفة وكانوا بشرا حديث عهد بالجاهلية ومن ثم قال عيسى استعظاما لقولهم اتقوا الله ان كنتم مؤمنين يعنى لا تشكوا فى قدرته تعالى أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ المائدة الخوان إذا كان عليه الطعام فاعلة من ماده يميده إذا أعطاه وأطعمه كانها تميد اى تطعم من يقدم عليه فالمائدة بمعنى المعطية المطعمة للاكلين الطعام وسمى الطعام ايضا مائدة على التجوز كما يقال جرى النهر وقال اهل الكوفة سميت مائدة لانها تميد بالاكلين اى تتحرك وقال اهل البصرة فاعلة بمعنى المفعولة يعنى مميدة بالاكلين قالَ عيسى اتَّقُوا اللَّهَ عن أمثال هذا السؤال الذي لم يسأل مثله الأمم السابقة نهاهم عن اقتراح الآيات إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فانه لا يجوز للمؤمنين اقتراح الآيات او المعنى اتقوا ولا تشكوا فى قدرته ان كنتم مؤمنين بكمال قدرته وصحة نبوتى أو ان كنتم صدقتم فى ادعاء الايمان اخرج الحكيم الترمذي فى نوادر الأصول وابن ابى حاتم وابو الشيخ فى العظمة وابو بكر الشافعي فى الفيلانيات عن سلمان الفارسي قال لما سأل الحواريون عيسى ابن مريم المائدة كره ذلك جدا وقال اقنعوا بما رزقكم الله تعالى فى الأرض ولا تسألوا المائدة فانها ان نزلت عليكم كانت اية من ربكم وانما هلكت ثمود حين سألوا نبيّهم اية فابتلوا بها قابوا الا ان يأتيهم بها فلذلك. قالُوا اى الحواريون انما سألنا لانا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا بانضمام علم المشاهدة الى علم الاستدلال بكمال قدرته وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا فى ادعاء النبوة اى نزداد ايمانا او يقينا قيل ان عيسى أمرهم ان يصوموا ثلثين يوما فاذا أفطروا لا يسألون الله شيئا الا أعطاهم ففعلوا وسألوا المائدة وقالوا ونعلم ان قد صدقتنا بمعنى صدقتنا ان الله يجيب دعوتنا بعد ما صمنا ثلثين يوما وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ لله بالوحدانية والقدرة ولك بالنبوة بعد ما أمنا بذلك بالغيب او من الشاهدين لك عند بنى إسرائيل إذا رجعنا إليهم قيل ان عيسى حينئذ اغتسل ولبس المسيح وصلى ركعتين وطأطأ رأسه وغض بصره وبكى. قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا نداء ثان لا صفة ولا بدل لان اللهم لا يوصف ولا يبدل منه كذا قال التفتازانيّ أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً قال السدى معناه تتخذ ذلك اليوم عيدا نعظمه نحن ومن بعدنا

والعيد السرور بعد الغم وقيل يوم السرور سمى به للعود من الترح الى الفرح قيل كان هو يوم الأحد ولذا اتخذه النصارى عيدا وقيل عيدا اى عائدة من الله حجة وبرهانا لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً بدل من لنا باعادة الجار اى يكون عيدا لمتقدمنا ومتاخرنا يعنى اهل زماننا ومن جاء بعدنا على ملتنا قال ابن عباس يأكل منها اخر الناس كما أكل أولهم والظاهر ان لنا خبر كان وعيدا خبر ثان ولاولنا وآخرنا صفة ليعد او اية عطف على عيدا مِنْكَ صفة لاية اى دلالة وحجة كائنة منك على كمال قدرتك وصحة نبوتى وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قالَ اللَّهُ تعالى مجيبا لعيسى عليه السّلام. إِنِّي مُنَزِّلُها يعنى المائدة قرأ نافع وابن عامر وعاصم مشدّدا من التفعيل والتفعيل يدل على التكثير مرة بعد اخرى والباقون مخففا من الافعال عَلَيْكُمْ اجابة الى سوالكم فَمَنْ يَكْفُرْ بعد نزول المائدة بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً اى تعذيبا مصدر للجنس ويجوز ان يجعل مفعولا به على السعة اى أعذبه بعذاب ويراد بالعذاب ما يعذب به لا أُعَذِّبُهُ صفة لعذابا والضمير للمصدر او للعذاب بمعنى ما يعذب به على حذف حرف الجر أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ع اى من عالمى زمانهم او العلمين مطلقا فانهم مسخوا قردة وخنازير لما كفروا بعد نزول المائدة ولم يعذب بمثل ذلك غيرهم وتمام حديث سلمان الفارسي المذكور انه لما سأل عيسى ذلك ربه نزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة من فوقها وغمامة من تحتها وهم ينظرون إليها وهى تهوى منقضة حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى عليه السلام وقال اللهم اجعلنى من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عقوبة واليهود ينظرون الى شىء لم يروا مثله قط ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحه فقال عيسى عليه السّلام ليقم أحسنكم عملا فيكشف عنها ويذكر اسم الله تعالى فقال شمعون الصفار راس الحواريين أنت اولى بذلك منا يا رسول الله فقام عيسى عليه السّلام فتوضأ وصلى صلوة طويلة وبكى كثيرا ثم كشف المنديل عنها وقال بسم الله خير الرازقين فاذا هو سمكة مشوية ليس عليها قلوسا ولا شوك عليها يسيل من الدسم وعند راسها ملح وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث وإذا خمسة ارغفة على واحد زيتون وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد فقال

شمعون يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الاخرة فقال ليس شىء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الاخرة ولكنه شىء افتعله الله تعالى بالقدرة الغالبة كلوا مما سألتم يمددكم ويزدكم من فضله قالوا يا روح الله كن أول من يأكل منها فقال عيسى عليه السّلام معاذ الله ان أكل منها ولكن يأكل منها من سألها فخافوا ان يأكلوا منها فدعا لها عيسى اهل الفاقة والمرض واهل البرص والجذام والمقعدين والمبتلين وقال كلوا من رزق الله ولكم المهناء ولغيركم البلاء فاكلوا وصدر عنها الف وثلاثمائة رجل وامراة من فقير ومريض وزمن ومبتلى كلهم الشبعان وإذا السمكة كهيئتها حين نزلت ثم طارت المائدة صعدا وهم ينظرون إليها حتى توارت فلم يأكل منها زمن ولا مريض ولا مبتلى الا عوفى ولا فقير الا استغنى وندم من لم يأكل منها فلبث أربعين صباحا ينزل ضحى فاذا نزلت اجتمع الأغنياء والفقراء والصغار والكبار والرجال والنساء ولا تزال منصوبة توكل منها حتى إذا فاء الفيء طارت المائدة صعدا وهم ينظرون إليها فى ظلها حتى توارت عنهم وكانت تنزل غبا تنزل يوما ولا تنزل يوما كناقة ثمود فاوحى الله الى عيسى عليه السّلام اجعل مائدتى ورزقى للفقراء دون الأغنياء فعظم ذلك على الأغنياء حتى شكوا وشككوا الناس فيها وقالوا ترون المائدة حقا ينزل من السماء فاوحى الله تعالى الى عيسى انى شرطت ان من كفر بعد نزولها عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين فقال عيسى عليه السّلام ان تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم فمسخ منهم ثلاثمائة وثلثة وثلثون رجلا باتوا من ليلتهم على فرشهم مع نسائهم فاصبحوا خنازير يسعون فى الطرقات والكناسات ويأكلون العذرة فى الحشوس فلما رأى الناس ذلك فزعوا الى عيسى عليه السّلام وبكوا فلما أبصرت خنازير عيسى بكت وجعلت تطيف بعيسى عليه السّلام فجعل عيسى يدعوهم بأسمائهم فيشيرون برؤسهم ويبكون ولا يقدرون على الكلام فعاشوا ثلثة ايام ثم هلكوا وقال البغوي روى خلاس بن عمرو عن عمار بن ياسر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انها نزلت خبزا ولحما وقيل لهم انها مقيمة لكم ما لم تخونوا وتخبئوا فما مضى

[سورة المائدة (5) : آية 116]

يومهم حتى خانوا وخبئوا فمسخوا قردة وخنازير وقال ابن عباس ان عيسى عليه السّلام قال لهم صوموا ثلثين يوما ثم سلوا الله ما شئتم يعطكموه فصاموا فلما فرغوا قالوا يا عيسى لو عملنا لاحد فقضينا عمله لاطعمنا وسألوا المائدة فاقبلت الملئكة بمائدة يحملونها عليها سبعة ارغفة وسبعة أخوات حتى وضعتها بين أيديهم فأكل اخر الناس كما أكل أولهم وقال كعب الأحبار نزلت مائدة منكوسة تطير بها الملئكة بين السماء والأرض عليها كل الطعام الا اللحم وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس انزل على المائدة كل شىء الا الخبز واللحم وقال قتادة كان عليها ثمر من ثمار الجنة وقال عطية العوفى نزلت من السماء سمكة فيها طعم كل شىء وقال الكلبي كان عليها خبز رز وقال وهب بن منبه انزل الله أقرصة من شعير وحيتانا وكان قوم يأكلون ثم يخرجون ويجئى آخرون فياكلون حتى أكلوا بأجمعهم وفضل وعن الكلبي ومقاتل انزل الله خبزا وسمكا وارغفة فاكلوا ما شاء الله سبحانه وتعالى والناس الف ونيف فلما رجعوا الى قراهم ونشروا الحديث ضحك منهم من لم يشهد وقالوا ويحكم انما سحرا عينكم فمن أراد الله به الخير ثبته على بصيرة ومن أراد فتنة رجع الى كفره فمسخوا خنازير ليس فيهم صبى ولا امرأة فمكثوا بذلك ثلثة ايام ثم هلكوا ولم يتوالدوا ولم يأكلوا ولم يشربوا وكذلك كل ممسوخ وقال قتادة كانت المائدة تنزل عليهم بكرة وعشيا حيث كانوا كالمن والسلوى لبنى إسرائيل هكذا اقوال اكثر العلماء وقال مجاهد والحسن لم تنزل المائدة فان الله عز وجل لما أوعدهم على كفرهم بعد نزول المائدة خافوا ان يكفر بعضهم فاستعفوا وقالوا لا نريدها فلم ينزل ومعنى قوله تعالى انى منزلها عليكم يعنى ان سألتم والصحيح هو الذي عليه الأكثرون انها نزلت لقوله تبارك وتعالى انى منزلها عليكم ولا خلف فى خبره تعالى ولتواتر الاخبار به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين. وَإِذْ قالَ اللَّهُ قال البغوي اختلفوا فى هذا القول متى يكون فقال السدى قاله الله تعالى ذلك حين رفعه الى السماء يدل عليه كلمة إذ فانها للماضى وصيغة قال وقال سائر المفسرين انما يقول الله تعالى له ذلك يوم القيامة يريد به توبيخ الكفرة وتبكيتهم بدليل قوله تعالى يوم يجمع

[سورة المائدة (5) : آية 117]

الله الرسل وقوله تعالى هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم وأراد بها يوم القيامة وقد يجئى إذ مع صيغة الماضي فى المستقبل للدلالة على إتيانها لا محالة كانها كائنة نظيره قوله تعالى ولو ترى إذ فزعوا يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ توبيخ للكفرة قدمت المسند اليه على المسند الفعلى لتقوية النسبة لان نسبة هذا القول الى عيسى كانت مستبعدة فاحتاجت الى التقوية ففيه توبيخ للكفرة قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ لم يقل ومريم مكان أمي للتوبيخ بانك مع كونك مولودا وهى والدة كيف وسعك دعوى الالوهية مع وجوب تنزه الإله عن التوالد والتماثل مِنْ دُونِ اللَّهِ صفة لالهين او صلة اتخذوني او حال من فاعل اتخذوني او من مفعوله يعنى حال كونكم متجاوزين الله فى الاتخاذ او حال كونى الهادون الله ومعنى دون المغايرة فيكون فيه تنبيها على ان عبادة الله مع عبادة غيره بمنزلة العدم فمن عبد الله مع عيسى ومريم فكانه لم يعبد الله وجاز ان يكون دون للقصور فانهم لم يعتقدوا عيسى ومريم مستقلين باستحقاق العبادة بل زعموا ان عبادتهما توصل الى عبادة الله قال ابو روق إذا يسمع عيسى هذا الخطاب ترعد مفاصله وتتفجر من اصل كل شعر على جسده عين من دم ثم يقول كما حكى الله تعالى عنه قالَ عيسى سُبْحانَكَ يعنى أسبحك سبحانا وأنزهك تنزيها من ان يكون لك شريك او تنزيها من ان تكون فى العلم بالحقيقة محتاجا الى الاستفهام والبيان ما يَكُونُ لِي اى ما ينبغى لى أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ اى قولا لا يحق لى إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ يعنى لا حاجة لى الى الاعتذار لانك تعلم انى لم اقله ولو قلته لعلمته لانك تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ يعنى تعلم ما اخفيه فى نفسى ولا اعلم ما تخفيه من المعلومات والمراد بالنفس الذات وتعبيره بالنفس للمشاكلة إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مر اختلاف القراءة فى الغيوب ما كان منها وما يكون الجملة خبر وأنت تأكيد لاسم ان تقرير للجملتين السابقين بالمنطوق والمفهوم. ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ تصريح بنفي المستفهم عنه بعد تقديم ما يدل عليه أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ يعنى وحدوه

[سورة المائدة (5) : آية 118]

ولا تشركوا به شيئا وهو خالقى كما هو خالقكم ان مع صلته عطف بيان للضمير فى به او بدل منه وليس من شرط البدل جواز طرح المبدل منه مطلقا حتى يلزم بقاء الموصول بلا عائد أو خبر مبتدأ محذوف اعنى هو او منصوب بتقدير اعنى ولا يجوز إبداله من ما أمرتني به فان المصدر لا يكون مقول القول ولا ان يكون ان مفسرة لان الأمر مسند الى الله وهو لا يقول اعبدوا الله ربى وربكم والقول لا يفسر بان اللهم الا ان يقال القول مأول بالأمر تقديره ما امرتهم الا ما أمرتني به ثم فسر عيسى امر نفسه بقوله ان اعبدوا الله وفى وضع قلت موضع أمرت نكتة جليلة وهى التحاشى عن ان يجعل نفسه كالرب فى كونه امرا وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً رقيبا ومشاهدا لاحوالهم من الكفر والايمان مرشدهم الى الحق مانعهم من القول والاعتقاد الباطل ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي يعنى قبضتنى ورفعتنى إليك والتوفى أخذ الشيء وافيا والموت نوع منه قال الله تعالى الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت فى منامها كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ المحافظ بأعمالهم والمراقب لاحوالهم فتمنع من أردت عصمته بالإرشاد الى الدلائل وإرسال الرسل وإنزال الكتب والتوفيق وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ من قولى وفعلى وقولهم وفعلهم. إِنْ تُعَذِّبْهُمْ «1» فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ ولا اعتراض على المالك المطلق بما فعل بملكه كيف وقد عبدوا غيرك وأنت خلقتهم وشكروا سواك وأنت أنعمت عليهم وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ القادر الغالب القوى على الثواب والعقاب فمغفرتك ليست عن عجز حتى يستقبح الْحَكِيمُ لا تفعل الا بمقتضى الحكمة يعنى ان عذبت

_ (1) اخرج ابن مردوية عن ابى ذر قال قلت يا رسول الله بابى أنت وأمي قمت الليلة باية من القران لو فعل هذا بعضنا وجدنا عليه قال دعوت لامتى قال فماذا أجبت قال أجبت بالذي لو اطلع كثير منهم عليه لتركوا الصلاة قال أفلا ابشر الناس قال بلى قال عمر يا رسول الله انك ان تبعث الى الناس بهذا اتكلوا عن العبادة فناداه ان ارجع فرجع وتلا الاية التي يتلوها ان تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم واخرج مسلم والنسائي عن عبد الله ابن عمرو بن العاص نحوه 12 منه

[سورة المائدة (5) : آية 119]

فعدل وان غفرت ففضل وعدم غفران المشرك بمقتضى الوعيد لا ينافى جواز المغفرة لذاته حتى يمتنع الترديد والتعلق بان وليس فيه طلب المغفرة للكفار ومن ثم لم يقل فانك أنت الغفور الرحيم بل فيه تسليم الأمر وتفويضه الى ارادة الله تعالى وحكمته وكان ابن مسعود يقرأ ان تغفر لهم فانهم عبادك وان تعذبهم فانك أنت العزيز الحكيم وكانّ هذه القراءة كان نظرا الى مناسبة العزيز الحكيم بالتعذيب دون المغفرة ولذلك قيل فى الاية تقديم وتأخير وقد عرفت ان المستحسن المناسب هو الذي فى القراءة المتواترة عن عبد الله بن عمرو بن العاص ان النبي صلى الله عليه وسلم تلى قوله تعالى فى ابراهيم عليه السّلام رب انهن اضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فانه منى ومن عصانى فانك غفور رحيم وفى عيسى قال ان تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فانك أنت العزيز الحكيم فقال اللهم أمتي أمتي وبكى فقال الله سبحانه يا جبرئيل اذهب الى محمد وربك اعلم فاسئله ما يبكيك فاتاه جبرئيل فسأله فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال فقال الله تعالى يا جبرئيل اذهب الى محمد فقل انا سنرضيك فى أمتك ولا نسوءك. قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ قرأ نافع يوم بالفتح اما على انه منصوب ظرفا لقال اى قال الله هذا الكلام لعيسى يوم ينفع وجاز ان يكون خبر هذا محذوف يعنى قال الله هذا حق يعنى ما قال عيسى حق قال ذلك يوم ينفع تصديقا لعيسى ومزيد توبيخ لامة او ظرفا مستقرا واقعا خبرا لهذا يعنى هذا الذي مر من كلام عيسى واقع يوم ينفع فالجملة تأكيد لما سبق واما على انه مرفوع خبرا لهذا لكنه بنى على الفتح لاضافته الى المبنى لا يقال انه مضاف الى المضارع وهو معرب لانا نقول المضاف اليه هو....... الجملة الفعلية لا المضارع فحسب وقرأ الجمهور بالرفع بالضم على انه خبر هذا وفيه رد لما يفهم من الاستغفار فى حق الكفار يعنى هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم دون الكاذبين الكفار حيث لا مغفرة لهم ويحتمل ان يراد به ازالة خوف عيسى من صورة هذا السؤال والمعنى هذا يوم ينفع الصادقين فى الدنيا صدقهم فى الاخرة واما الكاذبون فى الدنيا لو صدقوا فى الاخرة وقالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وقال

[سورة المائدة (5) : آية 120]

الشيطان ان الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم الاية لا ينفعهم صدقهم وكذا لا ينفعهم كذبهم بل لو كذبوا وقالوا والله ربنا ما كنا مشركين يختم على أفواههم ونطقت جوارحهم فافتضحوا قيل أراد بالصادقين النبيين وقال الكلبي ينفع المؤمنين ايمانهم وقال عطاء يوم من ايام الدنيا لان الاخرة دار جزاء لا دار عمل ثم بين الله نفعهم وثوابهم فقال لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ لاجل المحبة من الجانبين كذا قالت الصوفية وقال العامة رضى الله عنهم بالسعي المشكور ورضوا عنه بالجزاء الموفور ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لانه باق بخلاف الفوز فى الدنيا ثم عظم الله نفسه ونبه على كذب النصارى وبطلان دعويهم فى عيسى وامه فقال. لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ لم يقل من فيهن تغليبا للعقلاء وقال ما فيهن اتباعا لهم غير العقلاء تنبيها لغاية قصورهم عن مرتبة الالوهية بسبب مجالستهم لغير العقلاء فى الإمكان والقصور فى العلم والارادة ونحو ذلك بل الصفات الكاملة فى الممكن بمنزلة العدم قال الله تعالى انك ميت وانهم ميتون يعنى فى حد ذواتكم ولان كلمة ما تطلق على الأجناس كلها فهى اولى لارادة العموم وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من المنع والإعطاء والإيجاد والافناء. تمّت سورة المائدة وعمت الفائدة ونرجوا العائدة إنشاء الله تعالى فى السادس عشر من ذى القعدة سنة الف ومائة وثمان وتسعين.

سورة الانعام

سورة الانعام مكيّة وهى مائة وخمس او ست وستون اية وعشرون ركوعا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ تعليم للعباد بالتحميد فى ضمن الاخبار بثبوت جميع المحامد له تعالى والتعريض بانه سبحانه مستغن عن تحميد العباد فله الحمد وان لم يحمد الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ يعنى قدرهما وأوجدهما من غير مثال سبق وفى التوصيف به تنبيه على ظهور ثبوت الحمد لله تعالى من غير احتياج الى الاستدلال خص الله سبحانه السموات والأرض بالذكر لانهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد وفيهما العبر والمنافع للناس ولان خلق غيرهما وحدوثهما مما يراه الناس من الحوادث اليومية ظاهر ومن ثم زعم بعض الجهلة قدمهما بالزمان وذكر السموات بلفظ الجمع دون الأرض وهى مثلهن اشعارا باختلاف ماهيات السموات وأشكالها دون الأرضين قال كعب الأحبار هذه الاية اوّل اية فى التورية واخر اية فى التورية قل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا الاية قال ابن عباس فتح الله الخلق بالحمد فقال الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وختمهم بالحمد فقال وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العلمين وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ فى القاموس الجعل بمعنى الخلق وقال البيضاوي الفرق بينهما ان الخلق بمعنى التقدير والجعل فيه معنى التضمين اى جعل الشيء فى ضمن الشيء اى تحصيل منه او تصير إياه او ينقل منه اليه بالجملة فيه اعتبار الشيئين وارتباط بينهما ولذلك عبر عن احداث النور والظلمة بالجعل تنبيها على انهما لا يقومان بانفسهما كما زعمت الثنوية قلت ولاجل عدم قيامهما

[سورة الأنعام (6) : آية 2]

بانفسهما أسند الجعل الى الظلمة مع كونها عدميا والعدم لا يتعلق به الجعل نظرا الى كونها منتزعا من محل مخلوق وجمع الظلمات لكثرة اجرام حاملة لها بالنسبة الى الاجرام النورانية فالنور بالنسبة الى الظلمة كل واحد بالنسبة الى المتعدد وقال الحسن جعل الظلمات والنور يعنى الكفر والايمان فعلى هذا أورد الظلمات بلفظ الجمع دون النور لتعدد طرق الكفر واتحاد طريقة الايمان عن ابن مسعود رض قال خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ثم قال هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله وقال هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعوا اليه ثم قرأ ان هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله رواه احمد والنسائي والدارمي وقدم الظلمات فى الذكر لتقدمها فى الوجود عن عبد الله ابن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ان الله خلق الخلق فى ظلمة فالقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم على علم الله رواه احمد والترمذي ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ عطف على قوله الحمد لله يعنى انه تعالى حقيق بالحمد على ما خلقه نعمة على العباد ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمته او على قوله خلق يعنى انه خلق ما لا يقدر عليه أحد غيره ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شىء أصلا ومعنى ثم استبعاد عدولهم بعد هذا البيان والباء فى بربهم متعلق بكفروا وصلة يعدلون محذوف ليقع الإنكار على الفعل يعنى يعدلون عنه وعلى الثاني متعلق بيعدلون يعنى ان الكفار يعدلون اى يسوون بربهم الأوثان وقال النضر بن شميل الباء بمعنى عن اى عن ربهم يعدلون اى يميلون وينحرفون الى غيره من العدول. هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ يعنى ابتدأ خلقكم منه حيث خلق منه أصلكم آدم عليه السّلام او المعنى خلق أباكم آدم بحذف المضاف قال السدى بعث الله تعالى جبرئيل الى الأرض لياتيه طائفة منها فقالت الأرض انى أعوذ بالله منك ان تنقص منى فرجع ولم يأخذ وقال يا رب انها عاذت بك فبعث ميكائيل فاستعاذت فرجع فبعث ملك الموت فعاذت منه بالله فقال وانا أعوذ بالله ان أخالف امره فاخذ من وجه الأرض فخلط الحمراء والسوداء والبيضاء فلذلك اختلف ألوان بنى آدم ثم عجنها بالماء العذب والملح والمر كذلك

ولذا اختلف اخلاقهم فقال الله تعالى رحم جبرئيل وميكائيل الأرض ولم ترحمها لا جرم اجعل أرواح من اخلق من هذا الطين بيدك روى عن ابى هريرة رضى الله عنه خلق الله آدم عليه السلام من تراب وجعله طينا ثم تركه حتى كان حماء مسنون ثم خلقه وصوره وتركه حتى صار صلصالا كالفخار ثم نفخ فيه روحه كذا قال البغوي وعن ابى موسى قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب رواه احمد والترمذي وابو داؤد وعن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم خلق الله آدم من تراب الجابية «1» وعجنه بماء الجنة رواه الحكيم وابن عدى بسند حسن ثُمَّ قَضى أَجَلًا والمراد به والله اعلم انه يكتب الملك اجله بإذن ربه بعد تمام خلقه كما يدل عليه كلمة ثم والجملة الفعلية عن ابن مسعود قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ان خلق أحدكم يجمع فى بطن امه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله اليه ملكا بأربع كلمات فيكتب عمله واجله ورزقه وشقى او سعيد ثم ينفخ فيه الروح فو الذي لا اله غيره ان أحدكم ليعمل بعمل اهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها الاذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل النار فيدخلها وان أحدكم ليعمل بعمل اهل النار حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل الجنة فيدخلها متفق عليه وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ اى أجل مثبت معين عند الله فى علمه القديم لا يقبل التغير ولا مدخل فيه لغيره تعالى ولذا عبر عنه بالجملة الاسمية الدالة على الدوام والاستمرار والاستيناف به لتعظيمه ولذلك نكر وكونه مخصوصة بالصفة اغنى عن تقديم الخبر وقال الحسن وقتادة والضحاك الاجل الاول من الولادة الى الموت والاجل الثاني من الموت الى البعث وهو البرزخ روى ذلك عن ابن عباس وقال لكل واحد أجلان أجل من الولادة الى الموت وأجل من الموت الى البعث فان كان برا تقيا وصولا للرحم زيد له من أجل البعث فى أجل العمر وان كان فاجرا قاطعا للرحم نقص من أجل العمر وزيد فى أجل البعث وقال مجاهد وسعيد بن جبير الاجل الاول أجل الدنيا و

_ (1) الجبا بالكسر ما جمعت فيه الماء 12

[سورة الأنعام (6) : آية 3]

أجل الثاني أجل الاخرة وقال عطية عن ابن عباس ثم قضى أجلا يعنى النوم يقبض فيه الروح ثم يرجع عند اليقظة وأجل مسمى عنده أجل الموت ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ اى تشكون من المرية او تجادلون من المراء فى قضائه وقدره تعالى او فى البعث بعد الموت وكلمة ثم لاستبعاد المرية والمراء بعد ظهور انه تعالى خالقهم وخالق أصولهم ومحييهم الى اجالهم فمن كان هذا شانه لا يخرج من قضائه وعلمه شىء ويقدر هو على اعادتهم كما خلق أول مرة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة لعنتهم ولعنهم الله وكل نبى مجاب الزائد فى كتاب الله والمكذب بقدر الله والمتسلط بالجبروت ليعز من اذله الله ويذل من أعزه الله والمستحل لحرمة الله والمستحل من عزتى ما حرم الله والتارك لسنتى رواه البيهقي فى المدخل ورزين فى كتابه قلت الزائد فى كتاب الله الروافض يزيدون فى كتاب الله عشرة اجزاء فوق ثلثين جزء ويزعمون ان عثمان أسقطها من القران ويزعمون ان سورة الأحزاب مثل سورة البقرة والمستحل من عترة النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج والمكذب بقدر الله المعتزلة وهم المشار إليهم بهذه الاية والمستحل لحرمة الله المرجئة القائلين بالجبر والمتسلط بالجبروت السلاطين الظلمة والتارك للسنة جميع اهل الأهواء والفساق. وَهُوَ اللَّهُ الضمير راجع الى الله الموصوف بما ذكروا الله خبره او بدل منه وجاز ان يكون الضمير للشان والله مبتدا نظيره قوله تعالى قل هو الله أحد فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ متعلق باسم الله على تقدير كونه مشتقا بمعنى المعبود يعنى هو المعبود على الاستحقاق فيهما لا غيره نظيره قوله تعالى وهو الذي فى السماء اله وفى الأرض اله او على تاويل المشتق يعنى هو المعرف بذلك الاسم او المذكور به فيهما او ظرف مستقر وقع خبرا على التجوز فان الخلائق كلها مظاهر صفاته ومجالى كمالاته وقال البيضاوي انه تعالى لكمال علمه بما فيهما كانه فيهما وقوله تعالى يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ الجملة خبر ثان او هى الخبر والظرف متعلق به ويكفى لصحة الظرفية كون المعلوم فيهما يقال رميت الصيد فى المفازة من العمران والمعنى يعلم ما تكتمون فى أنفسكم وما تبدون منها وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ بالجوارح من خيرا وشر فيجازيكم عليها وجاز ان يكون المعنى يعلم ما أسررتم من افعال القلوب

[سورة الأنعام (6) : آية 4]

والجوارح وما أعلنتم منها وما تكسبونها فى الاستقبال ولم تعملوا بعد فانه من خصائص معلومات الله تعالى. وَما تَأْتِيهِمْ يعنى اهل مكة مِنْ آيَةٍ من زايدة للاستغراق مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ مثل انشقاق القمر ونطق الحصيات وغير ذلك وقال عطاء من آيات القران ومن للتبعيض إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ تاركين النظر فيه. فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ بالقران وقيل بمحمد عليه السّلام لَمَّا جاءَهُمْ الفاء للتفريع على ما سبق فانهم لما اعرضوا عن الآيات كلها كذبوا بالحق الذي جاءهم فانه من الآيات او للسببية يعنى انهم لما كذبوا بالقران الذي هو أعظم المعجزات باهر الاعجاز لفظا ومعنى فى كل حين وزمان وكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم مع ظهور اعجاز وجوده الشريف حيث كان مولودا فيهم اميا لم يقرء ولم يكتب فى زمان الجاهلية وفترة العلم والحكمة وقد تفجر منه ينابيع العلم والحكمة والآداب على ما تساعده الكتب القيمة المتقدمة وأقر بنبوته القسيسين والأحبار والرهبان فكيف لا يعرضون عن افراد المعجزات فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ يوم القيمة او عند ظهور الإسلام وارتفاع امره أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يعنى يظهر لهم قبحه عند نزول العذاب بهم فى الاخرة او فى الدنيا. أَلَمْ يَرَوْا فى أسفارهم الى الشام كَمْ خبرية بمعنى كثيرا أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ من زائدة وكذا فى قوله تعالى مِنْ قَرْنٍ القرن القوم المقترنون فى زمان واحد وجمعه قرون ومنه قوله صلى الله عليه وسلم خير القرون قرنى يعنى من اقترن معى او طائفة من الزمان يقترن فيها الناس فقيل هو أربعون سنة او عشرة او عشرون او ثلثون او خمسون او ستون او سبعون او ثمانون او مائة او مائة وعشرون والأصح انه مائة سنة لانه صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن بشر المازني انك تعيش قرنا فعاش مائة سنة كذا ذكر البغوي وفى نهاية الجزري انه صلى الله عليه وسلم مسح راس غلام وقال عش قرنا فعاش مائة سنة وعلى تقدير كونه للزمان معناه اهل قرن مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ يعنى قررناهم فيها وأعطيناهم من القوى والأسباب والعدد ما تمكنوا بها على ما أرادوا والجملة فى موضع الجر صفة لقرن وجمع نظرا للمعنى ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ ما لم نعطكم من القوى والمال والأسباب والعدد ما موصوفة بمعنى شيئا منصوب اما على انه مفعول ثان

[سورة الأنعام (6) : آية 7]

لمكناهم بتضمين أعطيناهم او على المصدرية يعنى مكناهم شيئا من التمكين لم نمكن لكم مثلهم قال ابن عباس امهلناهم فى العمر ما لم نعمركم مثل قوم نوح وعاد وثمود فيه التفات من الغيبة الى الخطاب وقال البصريون اخبر عن اهل مكة بلفظ الغيبة فقال الم يروا ولما كان فيهم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه أورد بلفظ الخطاب وَأَرْسَلْنَا عطف على مكنا السَّماءَ يعنى المطر عَلَيْهِمْ مِدْراراً مفعال من الدر والدر اللبن وفى اللبن خير كثير للعرب حال من السماء يعنى حال كونه كثير النفع فى اوقات حاجاتهم وقال ابن عباس يعنى متتابعا وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ اى من تحت مساكنهم فعاشوا مترفهين بين الثمار والأنهار فَأَهْلَكْناهُمْ إذا جاءتهم الرسل وكذبوهم بِذُنُوبِهِمْ بسبب عصيانهم الرسل ولم يغن مكنتهم فى الدنيا ورفاهيتهم فيها عنهم شيئا فكيف يغنى هؤلاء الكفار أسبابهم فى الدنيا إذا كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم القران وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ فكما أهلكنا من قبلكم وأنشأنا مكانهم آخرين نفعل بكم يا اهل مكة ان لم تؤمنوا قال الكلبي ومقاتل ان النضر بن الحارث وعبد الله بن ابى امية ونوفل بن خويلد قالوا يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه اربعة من الملئكة يشهدون عليه انه من عند الله وانك رسوله فانزل الله تعالى. وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً مكتوبا فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ اى مسوا ذلك القرطاس بِأَيْدِيهِمْ بحيث لا يحتمل التزوير بوجه فان السحر لا يجرى فى الملموس فلا يمكنهم ان يقولوا سكرت أبصارنا لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا تعنتا وعنادا إِنْ هذا المكتوب إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ لانه سبق علمه تعالى فيهم انهم لا يؤمنون. وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ يعنى على محمد اى معه مَلَكٌ يكلمنا انه نبى كما فى قوله تعالى لولا انزل معه ملك فيكون معه نذيرا وَلَوْ أَنْزَلْنا معه مَلَكاً كما اقترحوا لَقُضِيَ الْأَمْرُ باهلاكهم بجريان سنة الله تعالى باهلاك الأمم عند نزول الآيات على اقتراحهم ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ اى لا يهملون بعد نزوله طرفة عين وقال مجاهد لقضى الأمر اى لقامت القيامة وقال الضحاك لو أتاهم ملك فى صورته لماتوا من هوله وكلمة ثم لبعد ما بين الامرين قضاء الأمر وعدم الانظار فان عدم الانظار بمعنى فجاءد العذاب أشد من نفس العذاب. وَلَوْ جَعَلْناهُ الضمير للمطلوب او للرسول مَلَكاً يعنى لو جعلنا

[سورة الأنعام (6) : آية 10]

قرينا لك ملكا يعاينوه او جعلنا الرسول ملكا فانهم تارة يقولون لولا انزل معه ملكا فيكون معه نذيرا وتارة يقولون لو شاء ربنا لانزل ملئكة لَجَعَلْناهُ رَجُلًا يعنى لمثلناه رجلا كما كان جبرئيل يتمثل للنبى صلى الله عليه وسلم غالبا فى صورة دحية لان القوة البشرية لا يقوى على روية الملك فى صورته وانما رأهم كذلك الافراد من الأنبياء أحيانا لقوتهم القدسية ولان الرسول برزخ بين الخالق والخلق ولا بد فى البرزخ من المناسبتين مناسبة بالخالق كى يتلقى الفيوض من جنابه المقدس ومناسبة بالخلق كى يفيض عليهم ما استفاض من الجناب المقدس فان الافادة والاستفادة لا يتصور من غير مناسبة فالرسول له مناسبة باطنية بالخالق فان مبدأ تعينه صفة من صفات الله تعالى بخلاف سائر الخلائق سوى الأنبياء والملائكة فان مبادى تعيناتهم ظلال الصفات فلا بد ان يكون للرسول مناسبة صورية بالناس المرسل إليهم ولان بناء التكليف على الايمان بالغيب فلابد من التلبيس والتخليط لبقاء التكليف ومن ثم قال الله تعالى وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ اى لخلطنا واشكلنا عليهم فلا يدرون انه ملك بل يقولون ما هذا الا بشر مثلكم ما يَلْبِسُونَ على أنفسهم من امر الرّسول بعد ظهور رسالته بالآيات ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم على ما أصابه من استهزاء قومه بقوله. وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ كما استهزئك يا محمد فلا تهتم فَحاقَ قال الضحاك أحاط وكذا فى القاموس وقال الربيع بن انس نزل وقال عطاء حل بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ فكذا يحيق بهؤلاء ما يستهزءون بك وما موصولة او مصدرية والمضاف على التقديرين محذوف يعنى أحاط بهم وبال الذي كانوا يستهزءون به او وبال كونهم مستهزئين. قُلْ يا محمد سِيرُوا فِي الْأَرْضِ بالاقدام او بالعقول والقوى الفكرية معتبرين ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ اى جزاء أمرهم وكيف أورثهم الكفر والتكذيب الهلاك والخسران فان قيل جاء فى موضع اخر قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين بكلمة الفاء وهاهنا بكلمة ثم والفاء للتعقيب بلا مهلة وثم للتراخى فكيف التوفيق قلنا السير ممتد والنظر على مساكن المكذبين من الأمم السابقة يقع متراخيا بالنسبة الى ابتداء السير غالبا ويترتب على بعض اجزاء السير بلا مهلة فايراد الفاء نظرا الى بعض اجزاء

[سورة الأنعام (6) : آية 12]

السير وإيراد ثم نظرا الى بداية السير قال البيضاوي والفرق بين هذه وبين قوله تعالى سيروا فى الأرض فانظروا ان السير ثمه لاجل النظر ولا كذلك هاهنا ولذلك قيل معنى هذه الاية اباحة السير للتجارة وغيرها وإيجاب النظر فى اثار الهالكين وكذا قال صاحب المدارك وزاد انه تعالى نبه على إيجاب النظر فى اثار الهالكين بثم للتباعد بين الواجب والمباح قلت بناء قول الشيخين على ان الفاء للسببية دون ثم ومقتضى السببية كون السير سببا للنظر فى الواقع سواء كان السير لاجل النظر قصدا اولا فمفاد الآيتين ان المطلوب شيئان..... السير مطلقا والنظر فى اثار الهالكين غير ان هذا الاية بكلمة ثم لا يفيد سببية أحدهما للاخر وتلك الاية تفيدها وسياق كلتا الآيتين يقتضى ان المأمور به قصدا انما هو النظر والسير انما امر به لكونه وسيلة الى النظر وكانّ فى كلمة ثم اشارة الى التباعد بين ما هو المطلوب قصدا وبالذات وما هو المطلوب ليكون وسيلة الى غيره وعلى هذا التحقيق لا حاجة فى التوفيق بين الآيتين الواردتين إحداهما بالفاء والاخرى بثم الى ملاحظة بداية السير ونهايته. قُلْ يا محمد تبكيت للخصم لِمَنْ من استفهامية والظرف خبر والمبتدأ ما يعنى الأشياء التي هى كائنة فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعم العقلاء وغيرهم ولذلك أورد بكلمة ما قُلْ لِلَّهِ تقرير لهم اى هو الله لا خلاف بيننا وبينكم فيه وتنبيه على انه لا يمكن لاحد ان يجيب بغيره كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ يعنى التزم ووعد وعدا مؤكدا لا يمكن خلفه الرَّحْمَةَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قضى الله الخلق كتب كتابا فهو عنده فوق العرش ان رحمتى غلبت غضبى وفى رواية بلفظ ان رحمتى سبقت غضبى رواه البغوي من حديث ابى هريرة وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لله مائة رحمة انزل منها رحمة واحدة بين الجن والانس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها يتعاطف الوحوش على أولادها واخّر تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيمة رواه مسلم قلت لعل المراد بعدد المائة تمثيل التكثير دون تعيين العدد فان ما عندكم ينفد وما عند الله باق كيف وصفات الممكنات متناهية وصفاته تعالى غير متناهية وما انزل الله من الرحمة فى خلقه وخلقها فى قلوبهم انما هى ظل من ظلال رحمة الله تعالى وعن عمر بن الخطاب قال قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبى فاذا امراة من السبي قد تحلب ثديها تسعى إذا وجدت صبيا فى السبي

[سورة الأنعام (6) : آية 13]

أخذته فالصقته ببطنها وارضعته فقال النبي صلى الله عليه وسلم ترون هذه طارحة ولدها فى النار قلنا لا وهى تقدر على ان لا تطرحه فقال لله ارحم بعباده من هذه بولدها واعلم ان رحمة الله تعالى منها ما يترتب عليها نعماء الدنيا ومنها ما يترتب عليها نعماء الاخرة لارسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الادلة الدالة على التوحيد والموت والبعث بعدها المفضى الى نعيم الجنان ولقاء الرحمن والعمدة فى الباب والمقصود بالذكر انما هى التي تعلقت بالاخرة كما يدل عليه ما ذكرنا من الأحاديث ويدل عليه قوله تعالى لَيَجْمَعَنَّكُمْ يعنى ليجمعن اجزاءكم مبعوثين إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ الظاهر ان الى هاهنا بمعنى فى او المعنى ليجمعنكم فى القبور ميتين الى يوم القيمة ويفهم منه التزاما انه ثم يبعثكم فتصدرون أشتاتا لتروا أعمالكم والجملة جواب قسم محذوف وهو بدل من الرحمة بدل البعض وبهذا يظهر ان المقصود انما هى الرحمة الاخروية ولما كان الكفار مبالغين فى انكار البعث أكده سبحانه بالقسم بعد الانذار على تكذيب المبلغ الصادق وبيان قدرته عليه بقوله لمن ما فى السموات والأرض وبيان الحكمة فى البعث بقوله كتب على نفسه الرحمة لا رَيْبَ فِيهِ اى فى الجمع او فى اليوم ولما كان مقتضى الاية عموم رحمة الله تعالى موهما شمولها للكفار قال الله تعالى لدفع ذلك التوهم وبيان ان حرماتهم من رحمة الله تعالى بسوء اختيارهم وخسرانهم الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بالاشراك حيث ضيعوا رأس ما لهم وهو الفطرة السليمة والعقل السليم وفوتوا حظهم من الرحمة واشتروا به العذاب والنقمة الموصول مبتدأ وخبره فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ الفاء للدلالة على ان خسرانهم فى علم الله تعالى سبب لعدم ايمانهم وكان القياس العطف على لا ريب فيه ووجه الفصل تقدير السؤال كانه قيل فلم يرتاب الكافرون فاجيب بان خسرانهم أنفسهم صار سببا لعدم الايمان وجاز ان يكون الموصول منصوبا على الذم وكما يدل هذه الاية على شمول رحمة الله تعالى وحرمان الكفار بسوء اختيارهم وخسرانهم يدل عليه حديث ابى امامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلكم يدخل الجنة الا من شرد على الله شرد «1» البعير على اهله رواه الطبراني والحاكم بسند صحيح. وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ من السكنى

_ (1) اى اخرج عن طاعته وفارق الجماعة يقال شرد البعير إذا نفر وذهب فى الأرض 12 نهايه

[سورة الأنعام (6) : آية 14]

وتعديته الى المكان بفي كما فى قوله تعالى وسكنتم فى مساكن الذين ظلموا أنفسهم وعدى هاهنا الى الزمان اتساعا والمراد كل ما يمر عليه الليل والنهار او من السكون والمعنى كل ما سكن فيهما وتحرك فاكتفى بأحد الضدين عن الاخر كما فى قوله تعالى سرابيل تقيكم الحر يعنى الحر والبرد وَهُوَ السَّمِيعُ لاصواتهم الْعَلِيمُ بأحوالهم وعيد للمشركين على أقوالهم وأفعالهم. قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا ناصرا ومعبودا استفهام لانكار اتخاذ غير الله وليالا لاتخاذ الولي ولذلك قدم المفعول الاول لاتخذ عليه وذكره متصلا بالهمزة فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اى خالقهما ومبدعهما والاضافة معنوية لان فاطر بمعنى فطر ولذلك قرأ فطر فهو مجرور صفة لله وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ اى يرزق المرزوقين ولا يرزق وتخصيص الطعام لشدة احتياج الناس اليه والجملة حال من الله والاية نزلت حين دعى رسول الله صلى الله عليه وسلم الى دين ابائه قُلْ إِنِّي قرأ نافع بفتح الياء والباقون بالإسكان أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ لان النبي صلى الله عليه وسلم سابق أمته فى الدين وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ معطوف على قل او على أمرت بتقدير وقيل لى ان لا تكونن من المشركين قُلْ إِنِّي قرأ نافع وابن كثير وابو عمرو بفتح الياء والباقون بالإسكان. أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي بان عبدت غيره عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ مبالغة فى قطع اطماعهم وتعريض بهم باستيجابهم العذاب بالكفر والعصيان اعترض الشرط بين الفعل والمفعول به وحذف جزاء الشرط لدلالة الجملة عليه يعنى انى أخاف عذاب يوم عظيم اى يوم القيمة ان عصيت ربى عذبنى يومئذ. مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ قرأ حمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم ويعقوب يصرف بفتح الياء وكسر الراء على البناء للفاعل والضمير عائد الى ربى والمفعول به محذوف او يومئذ بحذف المضاف واقامة المضاف اليه مقامه يعنى من يصرف ربى العذاب يومئذ او عذاب يومئذ يعنى يوم القيامة والباقون بضم الياء وفتح الراء على البناء للمفعول والضمير عائد الى العذاب يعنى من يصرف عنه العذاب يومئذ او يكون مسندا الى يومئذ بحذف المضاف اى عذاب يومئذ وحينئذ ويومئيذ «1» مبنى على الفتح فَقَدْ رَحِمَهُ الله حيث نجاه من العذاب و

_ (1) لاكتسابه البناء من المضاف اليه 12 منه

[سورة الأنعام (6) : آية 17]

ادخله الجنة رحمة منه لا لاداء حق عليه وَذلِكَ الصرف الْفَوْزُ الْمُبِينُ فى القاموس الفوز النجاة والظفر بالخير والهلاك فالمراد هاهنا الظفر بالخير لان الهلاك ليس بمراد البتة لدلالة السياق وكذا النجاة غير مراد إذ المراد باسم الاشارة هو الصرف وهو عين النجاة فيكون الحمل غير مفيد وبهذا يظهر ان دخول الجنة لازم لصرف العذاب عنه فيمكن بهذه الاية الاستدلال على نفى المنزلة بين المنزلتين كما قالت بها المعتزلة. وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ بشدة كفقر او مرض او عذاب فَلا كاشِفَ لَهُ يعنى لا قادر على كشفه أحد إِلَّا هُوَ والا يلزم عجزه تعالى وهو محال مناف للالوهية ووجوب الوجود وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ بعافية ونعمة من صحة وغنى وغيرهما فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فكان قادرا على ادامته وحفظه وكذا على إزالته ولا يستطيع أحد غيره إزالته روى البغوي بسنده عن ابن عباس رض قال اهدى للنبى صلى الله عليه وسلم بغلة اهديها له كسرى فركبها بحبل من شعر ثم أردفني خلفه ثم سار بي مليا ثم التفت الى فقال يا غلام قلت لبيك يا رسول الله قال احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده امامك تعرف الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة فاذا سالت فاسال الله وإذا استعنت فاستعن بالله قد مضى القلم بما هو كائن فلو جهد الخلائق ان ينفعوك بما لم يقضه الله تبارك وتعالى لك لم يقدروا عليه ولو جهدوا ان يضروك بما لم يكتبه الله سبحانه وتعالى عليك ما قدروا عليه فان استطعت ان تعمل بالصبر مع اليقين فافعل فان لم تستطع فاصبر فان فى الصبر على ما تكره خيرا كثيرا واعلم ان النصر مع الصبر وان مع الكرب الفرج وان مع العسر يسرا وروى احمد والترمذي نحوه وقال الترمذي حديث حسن صحيح وليس فى روايتهما من قوله فان استطعت ان تعمل بالصبر إلخ. وَهُوَ الْقاهِرُ مبتدأ وخبر والقهر الغلبة والتذليل معا وفيه زيادة معنى على القدرة وهى منع غيره عن بلوغ المراد من غير إرادته فَوْقَ عِبادِهِ خبر بعد خبر تصوير لقهره وعلوه وَهُوَ الْحَكِيمُ فى امره الْخَبِيرُ بكل شىء لا يخفى عليه شى قال الكلبي اتى اهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا أرنا من يشهد انك رسول الله فانا لا نرى أحدا يصدقك ولقد سالنا عنك اليهود والنصارى فزعموا انه ليس لك عندهم ذكر فانزل الله تعالى. قُلْ أَيُّ شَيْءٍ الشيء يقع

على كل موجود وقد مر الكلام فيه فى سورة البقرة والمعنى اى شاهد أَكْبَرُ اى أعظم شَهادَةً اى شىء مبتدأ واكبر خبره وشهادة تميز عن النسبة يعنى شهادة اى شاهد اكبر فان أجابوك والا قُلْ أنت اللَّهُ اكبر شهادة حذف الخبر لقرينة السؤال وتم الكلام وقوله شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ خبر مبتدأ محذوف يعنى هو شهيد بينى وبينكم وجاز ان يكون الله شهيد هو الجواب لانه تعالى إذا كان شهيدا كان اكبر شىء شهادة وجاز ان يكون تاويل الاية انه اى مشهود اكبر شهادة يعنى مشهودية رسالتى او عدمها والجواب الله شهيد على رسالتى ومعلوم انه ما كان الله عليه شهيدا فهو اكبر شهادة وحينئذ لا حاجة الى تكلف وشهادة الله تعالى على الرسالة اظهار المعجزات الدالة على صدقه صلى الله عليه وسلم ولما كان أعظم المعجزات القران بين الشهادة بقوله وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ المعجز المخبر بأخبار المبدأ والمعاد على ما نطق به الكتب السابقة لِأُنْذِرَكُمْ أخوفكم من عذاب الله ان لم تؤمنوا بِهِ اى بالقران اكتفى بالإنذار عن ذكر البشارة لدلالة الحال والمقال ولمزيد الاهتمام بالإنذار فان دفع المضرة اولى من جلب المنفعة وَمَنْ بَلَغَ منصوب بالعطف على ضمير المخاطبين يعنى لانذركم يا اهل مكة ومن بلغه القران من الموجودين فى ذلك الزمان وبعد ذلك الزمان الى يوم القيامة من الجن والانس عن عبد الله بن عمر وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغوا عنى ولو اية وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار متفق عليه والمراد ببني إسرائيل فى هذا الحديث المؤمنين الصادقين منهم إذ لا وثوق برواية الكفرة الكذابين بدليل حديث سمرة بن جندب والمغيرة ابن شعبة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حدث عنى بحديث يرى انه كذب فهو أحد الكاذبين رواه مسلم وعن ابن مسعود ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نضر الله عبد اسمع مقالتى فحفظها ووعاها وأداها فرب حامل فقه الى من هو افقه منه ثلث لا يغل عليهن قلب مسلم اخلاص العمل لله تعالى ونصيحة المسلمين ولزوم جماعتهم فان دعوتهم تحيط من ورائهم رواه الشافعي والبيهقي فى المدخل ورواه احمد والترمذي وابو داؤد وابن ماجة والدارمي عن زيد بن ثابت الا ان الترمذي وأبا داؤد لم يذكرا ثلاث لا يغل إلخ قال محمد بن كعب القرظي من بلغه القران فكانما رأى

[سورة الأنعام (6) : آية 20]

محمدا صلى الله عليه وسلم وسمع منه أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ يا اهل مكة أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى تقرير لهم مع انكار واستبعاد وتعجب حيث يشهدون على امر ظاهر بطلانه بالادلة القطعية النقلية والعقلية على التوحيد هذه الاية تدل على ان اهل مكة طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم شاهدا على التوحيد ومعنى الاية ان الله يشهد على التوحيد بنصب الادلة عليه وإنزال القران المعجز وهو اكبر شهادة اأنتم تشهدون على خلافه قلت لعلهم طلبوا شاهدا على التوحيد والرسالة جميعا واقتصر الكلبي فى ذكر شان النزول على طلب الشهادة على الرسالة فان الشهادة على الرسالة يستلزم الشهادة على التوحيد من غير عكس قُلْ لا أَشْهَدُ بما تشهدون قُلْ إِنَّما هُوَ اى الله إِلهٌ واحِدٌ متوحد فى استحقاق العبودية ووجوب الوجود والتخليق والترزيق وغير ذلك من صفات الكمال لا شريك له فى شىء منها منزه عن أنحاء التركيب والتعدد وما يستلزمه أحدهما من الجسمية والتحيز والمشاركة لشئ من الأشياء فى صفة من صفات الكمال فلا يرد ما يقال ان الحمل غير مفيد فان الله جزئى حقيقى والجزئى الحقيقي لا يحتمل التعدد هذا على تقدير كون ما كافة وضمير هو راجعا الى الله تعالى وجاز ان يكون ما موصولة مبتدأ وضمير هو راجعا الى الموصولة وجملة هو اله صلة وواحد خبر للموصول مع الصلة فلا إشكال يعنى ما هو اله مستحق للعبادة لاجل كونه واجبا وجوده وصفات كماله مقتضيا لوجود من عداه وتوابعه واحد لا شريك له والمعنى لا اشهد ما تشهدون بل على التوحيد وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ بالله تعالى إياه فى استحقاق العبادة من الأصنام او من اشراككم. الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم موصوفا بالرسالة من الله تعالى لتطابق حليته وأخلاقه وأوصافه بما نعت فى التورية والإنجيل كَما يَعْرِفُونَ اى معرفة كمعرفة أَبْناءَهُمُ من بين الصبيان بحلاهم الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ من اهل الكتاب بكتمان نعته صلى الله عليه وسلم حيث قدر الله تعالى عليهم بالخسران فى علمه القديم فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ بالنبي صلى الله عليه وسلم ويجحدون بنبوته بعد ما استيقنت به أنفسهم ظلما وعلوا وتعنتا وعنادا هذه الاية جواب لقولهم لقد سالنا عنك اليهود والنصارى

[سورة الأنعام (6) : آية 21]

فزعموا انه ليس لك عندهم ذكر يعنى انهم كذبوا وخسروا أنفسهم حيث بدلوا منازلهم من الجنة ان أمنوا بمنازلهم من النار اخرج ابن ماجة والبيهقي بسند صحيح عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منكم من أحد الا له منزلان منزل فى الجنة ومنزل فى النار فاذا مات فدخل النار ورث اهل الجنة منزله فذلك قوله تعالى أولئك هم الوارثون قال البغوي إذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل اهل النار فى الجنة ولاهل النار منازل اهل الجنة فى النار وذلك الخسران قلت كان مقتضى سياق الكلام الذين لا يؤمنون خسروا أنفسهم قلب الحمل مبالغة. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً يعنى ادعى الرسالة كاذبا وقال اوحى الى ولم يوح اليه شىء أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ المنزلة فى القران والمعجزات الدالة على التوحيد وصدق الرسول يعنى لا أحد اظلم منه فهذه الاية بهذا التأويل لتنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن الكذب وتنبيه الكافرين على كونهم اظلم الناس وجاز ان يكون المعنى من اظلم ممن افترى على الله كذبا وقال فيه ما لا يليق به من نسبة الولد او الشريك وقال للحجارة هؤلاء شفعاءنا عند الله او كذب باياته وكان المناسب على هذا التأويل العطف بالواو مكان او لانهم قد جمعوا بين الامرين لكن ذكر كلمة او تنبيها على ان كل واحد من الامرين بالغ غاية الافراط فى الظلم فكيف إذا اجتمعا وجاز ان يكون فى كلمة او اشعارا بكون الامرين متناقضين مع كونهما قبيحا ومع ذلك جمع الكفار بين الامرين المتناقضين لفرط حماقتهم وجه التناقض ان الافتراء على الله ودعوى انه تعالى حرم كذا وأحل كذا واتخذ صاحبة وولدا ويقبل شفاعة الأصنام مثل دعوى الرسالة يزعمون وجوب قبوله بلا دليل وتكذيبهم الآيات والمعجزات وقولهم الرسول لا يكون بشرا بل لا بد ان يكون ملكا يشعر وجوب عدم قبول دعوى الرسالة مع قيام الادلة القاطعة إِنَّهُ اى الشان لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ فضلا عمن هو اظلم الناس لا أحد اظلم منه «1» . وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ يعنى الكفار وما عبدوه جَمِيعاً يعنى يوم القيمة قرأ يعقوب بالياء على الغيبة والضمير عائد الى الله تعالى ووافقه حفص فى سبا والباقون بالنون على التكلم فى الموضعين والظرف معمول بفعل

_ (1) شعر واى بر قومى كه بت را سجده بي حجت كنند ... با رسل گويند ايتونا بسلطن مبين . 12 منه

[سورة الأنعام (6) : آية 23]

محذوف حذف الفعل لينتقل الذهن الى احوال كثيرة واهوال متعددة تلحق الناس فى ذلك اليوم كانه قال يدهشون دهشة لا يحيط به العبارة وتدنو الشمس منهم ويلجمهم العرق ويذهب عرقهم فى الأرض سبعين باعا كما ورد فى الصحاح من الأحاديث ويفعل بهم كيت كيت يوم يحشرهم وجاز ان يكون مفعولا به لا ذكر ثُمَّ نَقُولُ معطوف على نحشر وفى كلمة ثم اشارة الى انتظارهم بعد الحشر الى السؤال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف بكم إذا جمعكم الله كما يجمع النبل فى الكنانة خمسين الف سنة لا ينظر إليكم رواه الحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عمر وقال تمكثون الف عام فى الظلمة يوم القيامة لا تكلمون رواه البيهقي عن ابن عمر لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ اى الهتكم التي جعلتموها شركاء الله فى العبادة الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ اى تزعمونها شركاء فى استحقاق العبادة او تزعمونها شفعاء عند الله حذف المفعولان والمراد من الاستفهام التوبيخ. ثُمَّ لَمْ تَكُنْ قرأ حمزة والكسائي ويعقوب بالياء على التذكير وفِتْنَتُهُمْ بالنصب على انه خبر كان واسمها إِلَّا أَنْ قالُوا وقرأ نافع وابو عمرو وابو بكر وابو جعفر لم تكن بالتاء على التأنيث لتانيث الخبر وفتنتهم بالنصب وابن كثير وابن عامر وحفص لم تكن بالتاء على التأنيث وفتنتهم بالرفع على انه اسم كان والمستثنى حبره وكلمة ثم تدل على طول التأمل فى الجواب والمراد بالفتنة الكفر يعنى يكون عاقبة كفرهم هذا القول بعد طول التأمل والندامة وقال ابن عباس وقتادة معذرتهم وانما سمى المعذرة فتنة لانهم يتوهمون بها خلاص أنفسهم من فتنت الذهب إذا أخلصته وقيل معنى فتنتهم جوابهم وانما سماه فتنة لانه كذبا ولانهم قصدوا بها الخلاص وقيل معناه التجربة ولما كان سوالهم تجربة لاظهار ما فى قلوبهم سمى الجواب فتنة قال الرجاج فى قوله تعالى ثم لم تكن فتنتهم معنى لطيف وذلك مثل الرجل يفتن بحبوب ثم يصيبه فيه محنة فيتبرأ من محبوبه فيقال لم تكن فتنة الا هذا كذلك الكفار فتنوا بمحبة الأصنام قلت بل بتقليد الآباء ثم لما رأوا العذاب تبرأوا منها وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ مقولة قالوا قرأ حمزة ربنا بالنصب على النداء او المدح والباقون بالجر على انه نعت لله روى البخاري وغيره عن ابن عباس فى قوله تعالى ولا يكتمون الله حديثا وقوله تعالى والله ربنا ما كنا مشركين انه قال ان المشركين لما راوا يوم القيامة ان الله يغفر لاهل الإسلام ويغفر الذنوب و

[سورة الأنعام (6) : آية 24]

لا يغفر الشرك جحدوا رجاء ان يغفر لهم فقالوا والله ربنا ما كنا مشركين فيختم الله على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون فعند ذلك يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا فقال الله تعالى. انْظُرْ ايها المخاطب كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ اى زال وذهب عنهم افترائهم بان الله حرم هذا وهؤلاء شفعاءنا عند الله عطف على كذبوا وكيف حال من فاعل كذبوا قدم لاقتضاء الاستفهام الصدارة ومضمون الجملة مفعول انظر يعنى انظر كذبهم على أنفسهم متكيفين باى كيفية حيث لا يفيدهم قال الكلبي اجتمع ابو سفيان بن حرب وابو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعه وامية وابى ابنا خلف والحرث بن عامر يستمعون القران فقالوا للنضر يا با قتيلة ما يقول محمد قال ما أدرى ما يقول الا انه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين مثل ما أحدثكم عن القرون الماضية وكان النضر كثير الحديث عن القرون واخبارها فقال ابو سفيان انى ارى بعض ما يقول حقا فقال ابو جهل كلا لا تقر بشئ من هذا وفى رواية الموت أهون علينا من هذا فانزل الله تعالى. وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حين تتلو القران وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً جمع كنان وهو ما يستر الشيء أَنْ يَفْقَهُوهُ اى لئلا يفقهوه او كراهة ان يفقهوه وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً صمما وثقلا يمنع أسماعهم وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ من المعجزات لا يُؤْمِنُوا بِها لانه تعالى جعل على أبصارهم غشاوة وعلى قلوبهم اكنة وتلك الاكنة موجبة لفرط عنادهم بالنبي صلى الله عليه وسلم واستحكام تقليدهم بالآباء حيث لا يرون الحسن حسنا ولا القبيح قبيحا حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا حتى عاطفة تدخل على الجمل عطف على لا يؤمنون وإذا ظرف تضمن معنى الشرط جوابه يجادلونك ويقول تفسير له او يقال يجادلونك منصوب المحل على انه حال من فاعل جاؤا وجواب الشرط يقول والمعنى بلغ عدم ايمانهم وتكذيبهم الى مرتبة المجادلة وجعل اصدق الحديث خرافات الأولين والمجيء لاجل المجادلة وهذا غاية التكذيب وجاز ان يكون حتى جارة وإذا فى محل الجر متعلقا بقوله تعالى لا يؤمنون على مذهب سيبويه حيث يقول بجواز وقوع إذا غير ظرف خلافا لجمهور النحاة وعلى هذا التأويل

[سورة الأنعام (6) : آية 26]

يجادلونك حال ويقول تفسير له وفى يقول الذين كفروا وضع المظهر موضع المضمر إِنْ هذا يعنى ما هذا القران إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ مقولة يقول فى القاموس السطر الصف من الشيء كالكتاب والشجر والخط والجمع اسطر وسطور واسطار وجمع الجمع أساطير والأساطير الأحاديث التي لا نظام لها وقال البيضاوي الأساطير الأباطيل قلت هذا لازم معناه الحقيقي فان المكتوب فى كتب قصص الأولين غالبا يكون أباطيل لعدم الاطلاع على ما سبق وعدم الاحتياط فى الرواية ويكون قصص الأولين غالبا لا نظام لها لاجل اختلاف الروايات ثم استعمل لفظ أساطير الأولين فى الأحاديث الباطلة الكاذبة حتى صار هو معناه الحقيقي المنقول اليه. وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ قال ابن عباس نزلت الاية فى ابى طالب كان ينهى المشركين ان يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتباعد عما جاء به فلا يؤمن به كذا اخرج الحاكم وغيره عنه وعلى هذا ضمير الجمع راجع الى ابى طالب ومن يساعده وكذا اخرج ابن ابى حاتم عن سعيد بن ابى هلال حيث قال نزلت فى عمومة النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا عشرة فكانوا أشد الناس معه فى العلانية وأشد الناس عليه فى السر فمعنى الاية ينهون الناس عن إيذائه صلى الله عليه وسلم وينئون اى يتباعدون عن اتباعه قال البغوي انه روى انه اجتمع رؤس المشركين الى ابى طالب وقالوا خذ شابا من أصبحنا وجها وادفع إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم فقال ابو طالب ما أنصفتموني ادفع إليكم ولدي لتقتلوه واربى ولدكم وروى ان النبي صلى الله عليه وسلم دعاه الى الإسلام فقال لولا ان يعيرنى قريش لا قررت به عينك ولكن أذب عنك ما حييت وقال فيه أبياتا شعر والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى اوسّد فى التراب دفينا فاصدع بامرك ما عليك غضاضة ... وابشر وقر بذاك عنك عيونا دعوتنى وعرفت انك ناصحى ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا وعرضت دينا قد علمت بانه ... من خير أديان البرية دينا لولا الملامة او حذار مسبة ... لوجدتنى سمحا بذاك مبينا غضاضة الشباب نضارته وطراوته وقال محمد بن الحنفية والضحاك وقتادة نزلت فى كفار مكة ومعناه ينهون الناس

[سورة الأنعام (6) : آية 27]

عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم او القران ويتباعدون عنه وَإِنْ اى ما يُهْلِكُونَ بذلك إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ان ضرره يعود إليهم ولا يعود الى النبي صلى الله عليه وسلم منه شىء. وَلَوْ تَرى الكفار إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ يعنى حين يوقفون على النار حتى يعاينوها ويطلعوا عليها او يدخلوها فيعرفوا عذابها وجواب لو محذوف يعنى لرايت امرا عجيبا فزيعا فَقالُوا عطف على وقفوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ الى الدنيا دار العمل وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قرأ حفص وحمزة الفعلين منصوبين على جواب التمني بإضمار ان بعد الواو وقرأ ابن عامر برفع الاول عطفا على نرد او حالا من الضمير فيه ونصب الثاني على الجواب والباقون بالرفع فيهما عطفا على نرد او حالا من فاعله او استينافا وقال المحقق التفتازانيّ هو عطف الخبر على الإنشاء وهو جائز إذا اقتضاه المقام. بَلْ إعجاب عن ارادة الايمان والعزم عليه المفهوم من التمني يعنى انما قالوا ذلك ضجرا على كفرهم لا عزما على الايمان بَدا لَهُمْ اى ظهر لهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ فى الدنيا من النفاق او ما كان اهل الكتاب يخفون نعت النبي صلى الله عليه وسلم وقد كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم او ما كانوا يخفون فى الاخرة من الشرك حين قالوا والله ربنا ما كنا مشركين قال النضر بن شميل معناه بدا عنهم وقال المبرد بدا لهم جزاء ما كانوا يخفون وَلَوْ رُدُّوا الى الدنيا فرضا بعد ما عاينوا نار جهنم لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ من الكفر والمعاصي لان مبادى تعيناتهم ظلال اسم الله المضل لا يحتمل صدور الايمان منهم وان كانوا على يقين من حقية الايمان وبطلان الكفر كما ان اليهود كانوا ينكرون ويبغضون محمدا عليه السلام وهم كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ويجحدون بما استيقنت به أنفسهم ظلما وعلوا وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فيما وعدوه بعدم التكذيب والايمان على قراءة الرفع او فيما يفهم من الوعد من التمني او المعنى انهم معتادون بالكذب لا يتكلمون بمقتضى الآيات من التوحيد وغير ذلك عوض العايضين اخرج الطبراني فى الأوسط عن ابى هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ليعذرن الله الى آدم يوم القيمة ثلثة معاذير يقول يا آدم لولا انى لعنت الكاذبين وأبغضت الكذب والخلف وواعدت عليه لرحمتك اليوم ولدك أجمعين

[سورة الأنعام (6) : الآيات 29 إلى 30]

ولكن حق القول منى لئن كذّبت رسلى وعصى امرى لاملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ويقول الله يا آدم انى لا ادخل النار أحدا ولا أعذب منهم الا من علمت بعلمي انى لورددته الى الدنيا لعاد الى شر ما كان فيه لم يرجع ولم يعقب ويقول الله يا آدم قد جعلتك حكما بينى وبين زريتك قم عند الميزان إذا يرفع إليك من أعمالهم فمن رجح منهم خيره على شره مثقال ذرة فله الجنة حتى تعلم انى لا ادخل النار الا ظالما. وَقالُوا عطف على لعادوا يعنى لوردوا قالوا او على انهم لكاذبون يعنى وهم الذين قالوا ذلك فى الدنيا او على نهوا يعنى لو ردوا لعادوا لما نهوا ولما قالوا او استيناف بذكر ما قالوه فى الدنيا إِنْ هِيَ الضمير للحيوة إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا اى القربى مؤنث ادنى من الدنو وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ وَلَوْ تَرى يا محمد إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ مجاز عن الحبس للسوال والتوبيخ وقيل معناه على قضاء ربهم او جزائه او عرفوه حق التعريف وجواب لو محذوف مثل ما تقدم قالَ الله او خزنة النار بإذن الله كانه جواب قائل قال ماذا قال ربهم حينئذ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ المشار اليه البعث وما ترتب عليه من الثواب والعقاب استفهام للتفريع والتعيير على التكذيب قالُوا بَلى وَرَبِّنا أقروا مؤكدا باليمين لظهور الأمر كل الظهور وللتبرى عن الشرك والتكذيب وقال ابن عباس هذا فى موقف وللقيامة مواقف ففى موقف يقرون وفى موقف ينكرون قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ع اى بسبب كفركم او يبدله. قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ اى بالبعث بعد الموت المفضى الى روية الله خسر الكافرون حيث أنكروا البعث والجنة والنار ففاتهم النعيم المقيم واستبدلوا بها العذاب الأليم وخسر المعتزلة حيث أنكروا روية الله تعالى فيحرمون عنها وأنكروا الشفاعة والمغفرة فيحرمون عنهما قال الله تعالى انا عند ظن عبدى بي متفق عليه عن ابى هريرة مرفوعا وعند الطبراني والحاكم بسند صحيح عن واثلة واخرج اللالكائى عن ابراهيم الصائغ قال ما يسرنى ان لى نصف الجنة بالروية ثم تلى كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم انهم لصالوا الجحيم ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون قال بالروية حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ قال البيضاوي غاية لكذبوا لا لخسروا فان خسرانهم لا غاية له فان قيل تكذيبهم منته الى الموت لا الى قيام

الساعة قلنا لعل المراد بالساعة ساعة الموت فانه من مات فقد قامت قيامته فى الصحيحين عن عائشة قالت كان رجال من الأعراب يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسألونه عن الساعة فكان ينظر الى أصغرهم فيقول ان يعش هذا لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم وان كان المراد بها القيامة فالموت مقدمة للساعة فكانها هى الساعة او جعل الساعة زمان الموت لسرعة مجئ الساعة بعدها وحينئذ يمكن ان يقال انه غاية للخسران لان الخسران فوات راس المال وحين الموت لم يبق راس المال وهى الحيوة فانتهى زمان خسرانهم وبعده زمان الإفلاس بَغْتَةً يعنى فجأة منصوب على الحال او المصدر فانها نوع من المجيء قالُوا يا حَسْرَتَنا جواب إذا ذكر على وجه النداء يعنى تعال هذا او انك عَلى ما فَرَّطْنا فِيها اى فى الحيوة الدنيا من عمل الخير فهو إضمار بلا ذكر المرجع للعلم به او الضمير راجع الى الساعة يعنى قصرنا فى شان الساعة والايمان بها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ يعنى أعمالهم القبيحة عَلى ظُهُورِهِمْ إذا خرجوا من القبور اخرج ابن ابى حاتم عن عمرة بن قيس الملائى ان المؤمن إذا خرج من قبره استقبله عمله فى احسن صورة وأطيب ريح فيقول هل تعرفنى فقال لا الا ان الله قد أطيب ريحك واحسن صورتك فيقول كذلك كنت فى الدنيا انا عملك الصالح طال ما ركبتك فى الدنيا اركبنى اليوم وتلا يوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا وإن كان الكافر يستقبله عمله فى أقبح صورة وأنتنه ريحا فيقول او لا تعرفنى قال لا الا ان الله قبح صورتك ونتن ريحك فيقول كذلك كنت فى الدنيا انا عملك السيء طال ما ركبتى فى الدنيا وانا أركبك اليوم وتلى وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم وعن ابى هريرة قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم الغلول وامره ثم قال الا الفين أحدكم يجئ يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول يا رسول الله أغثني فاقول لا املك من الله شيئا قد أبلغتك الحديث ذكر فيه على رقبته فرس له حمحمة على رقبته شاة لها ثغاء على رقبته صامة متفق عليه وروى ابو يعلى والبزار عن عمر بن الخطاب نحوه واخرج الطبراني عن ابن مسعود مرفوعا من بنى بناء فوق ما يكفيه كلف ان يحمل على عاتقه وفى الصحيحين عن عائشة مرفوعا من ظلم قيد شبر من ارض طوقه الله يوم القيامة من سبع ارضين وفى الباب عند الطبراني عن الحكم بن حارث وانس وعنده وعند احمد عن يعلى بن مرة وابى مالك الأشعري

[سورة الأنعام (6) : آية 32]

أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ اى بئس شيئا يزرونه وزرهم. وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ جواب لقولهم ان هى الا حيوتنا الدنيا واللعب فعل لا يكون له غرض صحيح ولا يترتب عليه منفعة واللهو ما يشغله عما ينفعه يعنى ما الأعمال التي يقصد بها معيشة الدنيا ولذاتها من غير ان يبتغى بها وجه الله تعالى الا باطلا لا ينفع منفعة معتدة بها لسرعة زوالها فكانها لا منفعة فيها أصلا وهى شاغلة عما يفيده فى الحيوة الابدية وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ قرأ ابن عامر ولدار الاخرة بالاضافة بتأويل ولدار الساعة الاخرة كصلوة الوسطى ومسجد الجامع والباقون بالتوصيف خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ عن الشرك والمعاصي لدوامها وخلوص منافعها ولذاتها وتخصيص الخيرية بالمتقين لانها شر للمشركين حيث يعذبون فيها وفيه اشارة الى انه ما ليس من اعمال المتقين لعب ولهو فان اعمال المتقين فى مقابلة اعمال الدنيا أَفَلا تَعْقِلُونَ قرأ نافع وابن عامر وحفص بالتاء على الخطاب والباقون بالياء على الغيبة يعنى أفلا يعقلون اى الامرين من اعمال الدنيا والاخرة خير فان خير ما يكون منفعته قوية خالصة ابدية على ما هى ضعيفة مشوبة بالمضرات على شرف الزوال بديهية روى الترمذي والحاكم عن على ان أبا جهل قال للنبى صلى الله عليه وسلم انا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به فانزل الله تعالى. قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ الاية قال البيضاوي قد لزيادة الفعل وكثرته كما فى قوله ولكنه قد يهلك المال نايله وضمير انه للشان قال السدى التقى الأخنس بن شريف وابو جهل ابن هشام فقال الأخنس لابى جهل يا أبا الحكم أخبرني عن محمد بن عبد الله اصادق هو أم كاذب فانه ليس هاهنا أحد يسمع كلامك غيرى فقال ابو جهل والله ان محمد الصادق وما كذب محمد قط لكن إذا ذهب بنو قصى باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لساير قريش فانزل الله عز وجل فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ قرأ نافع والكسائي بالتخفيف من الافعال من أكذبه إذا وجده كاذبا والباقون بالتشديد من التفعيل بمعنى نسبته الى الكذب وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ قال ناجية بن كعب قال ابو جهل للنبى صلى الله عليه وسلم لا نتهمك ولا نكذبك ولكنا نكذب التي جئت به وضع الظالمين موضع الضمير للدلالة على انهم ظلموا لجحودهم او جحدوا لتمرنهم على الظلم والباء لتضمين الجحود معنى التكذيب يعنى ان تكذيبهم

[سورة الأنعام (6) : آية 34]

إياك راجع الى الله تعالى فانهم انما يكذبونك من حيث الرسالة وتكذيب الرسول من حيث انه رسول تكذيب للمرسل. وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعنى كذّبهم قومهم كما كذبك قومك وفيه دليل على ان قوله لا يكذبونك ليس على حقيقة بل المراد منه ان تكذيبه صلى الله عليه وسلم راجع الى تكذيب الله سبحانه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من آذاني فقد أذى الله فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا يعنى على تكذيبهم وإيذائهم حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا جعل غاية الصبر النصر فاصبر أنت ايضا كما صبروا حتى يأتيك النصر ففيه وعد بالنصر وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ اى لمواعيده بالنصرة لانبيائه قال الله تعالى ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين انهم لهم المنصورون وان جندنا لهم الغالبون وقال انا لننصر رسلنا وقال كتب الله لاغلبن انا ورسلى وجاز ان يكون المعنى لا مبدل لقضائه وكلماته التكوينية يعنى متى لم يأت وقت النصر لا فائدة للاضطراب بل لا بد من الصبر وإذا جاء وقت النصر لا مرد له وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ من زائدة عند الأخفش وتبعيضية عند سيبويه حيث لا يجوز زيادة من فى الكلام الموجب يعنى جاءك ما يكفيك للتسلية من نبأ المرسلين ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا أشد الحرص على ايمان قومه وكان يشق عليه اعراضهم من الايمان وكان إذا سئلوا اية أحب ان يريهم الله تعالى طمعا فى ايمانهم انزل الله تعالى. وَإِنْ كانَ كَبُرَ اى شق عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ عن الايمان بما جئت به فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ تطلب نَفَقاً سريا فِي الْأَرْضِ صفة لنفقا يعنى تطلب منفذا تنفذ الى جوف الأرض فتطلع لهم اية أَوْ سُلَّماً يعنى مصعدا فِي السَّماءِ صفة سلما يعنى تطلب مصعدا جانب العلو تصعد منه الى السماء فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ فتنزل منها اية وجواب الشرط الثاني محذوف يعنى فافعل والجملة جواب للشرط الاول والحاصل انك لا تقدر على إتيان اية فلا تتعب وان كبر عليك اعراضهم بل تصبر وَلَوْ شاءَ اللَّهُ هدايتهم أجمعين لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فان مشية العباد مخلوقة لله تعالى تابع للمشية لكنه لم يشأ لحكمة لا يعلمها الا الله ولا تتمالك أنت فلا تتعب واصبر فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ فان اتعاب النفس فيما لا يفيد والجزع

[سورة الأنعام (6) : آية 36]

فى مواضع الصبر من داب الجاهلين او المعنى لا تكونن من الجاهلين بان هدايتهم بمشية الله تعالى لا بمشيتك. إِنَّما يَسْتَجِيبُ دعوتك من أمتك الَّذِينَ يَسْمَعُونَ يعنى الذين يخلق الله تعالى فى قلوبهم علما بحقية المسموع اطلق السمع وأريد به العلم الحاصل بعد ذلك جريا على عادة الله تعالى وَالْمَوْتى يعنى الكافر عبر الله تعالى الكافر بالموتى لان الله تعالى لما طبع على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فلا يخلق فى قلوبهم العلم بحقية ما هو حق وبطلان ما هو باطل فلا ينتفعون بالأسماع والابصار كانوا كالموتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ يوم القيامة ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ فيجازيهم على كفرهم ولا يسمعون الحق ولا يبصرونه قبل ذلك او المعنى والموتى من المؤمن والكافر يبعثهم الله ثم اليه يرجعون بعد البعث فيجازيهم على حسب أعمالهم. وَقالُوا يعنى روساء قريش لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ يعنى اية مما اقترحوه او اية اخرى سوى ما انزل عليه من الآيات المتكثرة لعدم اعتدادهم بها عنادا قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً مما اقترحوه او اية يضطرهم الى الايمان كنتق الجبل او اية ان جحدوا بعدها هلكوا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ان الله قادر على انزالها او ما عليهم فى انزالها من الاستيصال بعد تكذيب اية ينزل باقتراحهم كما هو عادة الله تعالى. وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ تدب عليها وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ فى الهواء وضعه به تأكيدا وقطعا لاحتمال مجاز السرعة ونحوها الّا امم أَمْثالُكُمْ فى الخلق والموت والبعث وفى الغذاء وابتغاء الرزق والعافية وإصابة البلاء لا مزية لكم عليها الا بمعرفة الله تعالى ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ يعنى فى اللوح المحفوظ مِنْ شَيْءٍ من زائد وشىء فى موضع المصدر اى شيئا من التفريط وليس بمفعول به فان فرط لا يتعدى بنفسه يعنى علم الله تعالى شامل لكل شىء خفى وجلى ولم يهمل فى اللوح المحفوظ امر حيوان ولا جماد او المراد بالكتاب القران فانه قد دون فيه ما يحتاج اليه من امر الدين مفصلا او مجملا ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ يعنى الأمم كلها المشبه والمشبه به فصح الجمع بالواو قال ابن عباس والضحاك حشرها موتها وروى ابن جرير وابن ابى حاتم والبيهقي عن ابى هريرة قال يحشر الخلق كلهم يوم القيامة البهائم و

[سورة الأنعام (6) : آية 39]

الدواب والطير وكل شىء فبلغ من عدل الله تبارك وتعالى ان يأخذ للجماء من القرناء ثم يقول كونى ترابا فذلك حين يقول الكافر يا ليتنى كنت ترابا وروى البغوي عنه انه قال عليه الصّلوة والسّلام لتؤدن الحقوق الى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء وروى الطبراني فى الأوسط عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان أول خصم يقضى فيه يوم القيامة عنزان ذات قرن وغير ذات قرن ونحوه عن ابى ذر عند احمد والبزار والطبراني وروى الحاكم عن ابن عمر ونحوه ولما ذكر من خلائقه واثار قدرته ما يدل على عظمته وشمول علمه وقدرته على البعث والجزاء قال. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ لا يسمعون مثل هذه الآيات المنبهة خبر للموصول وَبُكْمٌ لا ينطقون بالحق معطوف على صم فِي الظُّلُماتِ خبر بعد خبر والمراد بالظلمات ظلمة الكفر والجهل والعناد وتقليد الآباء وجاز ان يكون حالا من المستكن فى الخبر ثم قال إيذانا بان الاهتداء بالآيات وعدمه يتوقف على مشية الله تعالى وانه تعالى يفعل ما يريد مَنْ يَشَأِ اللَّهُ ضلاله يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ هدايته يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ موصل الى ما هو حق فى نفس الأمر. قُلْ يا محمد لهؤلاء المشركين أَرَأَيْتَكُمْ قرأ نافع ارايتكم وارايتم وأ فرأيت وشبهه إذا كان قبل الراء همزة بتسهيل الهمزة والتي بعد الراء والكسائي يسقطها أصلا وحمزة يوافق نافعا فى الوقف فقط والباقون يحققونها فى الحالين استفهام تعجيب والكاف حرف خطاب أكد به الضمير المرفوع المفرد بناء على شمول الجمع المفرد ولا محل له من الاعراب ومفعولاه محذوفان تقديره ارايتكم الهتكم تنفعكم إذ تدعونها يدل عليهما ما بعده او الفعل فى المعنى متعلق بغير الله تدعون لكنه معلق لان الروية تعلق قبل الاستفهام كما عرف فى موضعه قال البيضاوي الاستفهام للتعجيب فانهم لما عاملوا معاملة من يعلم انه يدعو غير الله فى الابتلاء الشديد نزلهم منزلتهم وتعجيب عن هذا العلم وقال الفراء يقولون ارايتك وهم يريدون أخبرنا قال المحقق التفتازانيّ انما وضع الاستفهام عن العلم او عن روية البصر عن الاستخبار لان الروية بالبصر سبب للعلم والعلم سبب للاخبار فوضع السبب موضع المسبب إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ فى الدنيا كما اتى الأمم الماضية أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ باهوالها أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ بصرف

[سورة الأنعام (6) : آية 41]

العذاب عنكم استفهام انكار فيه تبكيت لهم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ان الأصنام الهة فادعوها وليس الأمر كذلك. بَلْ إِيَّاهُ يعنى الله تعالى تَدْعُونَ قدم المفعول للحصر يعنى لا تدعون فى الشدائد الا الله سبحانه لا غير فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ اى ما تدعونه الى كشفه إِنْ شاءَ كشفه ذلك فى الدنيا دون الاخرة وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ ع يعنى تتركون الهتكم فى ذلك الوقت لما تقرر فى العقول ان القادر على كشف الضر هو الله تعالى لا غير. وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ من زائدة فكذبوهم فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ بالشدة والفقر وَالضَّرَّاءِ المرض والآفات لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ اى يتوبون بالتضرع والخشوع عن ذنوبهم التضرع السؤال بالتذلل. فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا يعنى فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا وانما عدل عن نفى التضرع الى صيغة التنديم ليفيد ان ترك التضرع منهم لم تكن من عذر بل كان مع قيام ما يدعوهم اليه وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ فلم ينتبهوا بما ابتلوا به وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فاستحسنوا سيئات أعمالهم استدراك على المعنى وبيان للصارف لهم عن التضرع وانه لا مانع لهم الا قساوة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم بتزيين الشيطان. فَلَمَّا نَسُوا تركوا ما ذُكِّرُوا بِهِ ما وعظوا وأمروا به ولم ينتبهوا بالبأساء والضراء ولم يتضرعوا فَتَحْنا قرأ ابن عامر هاهنا وفى الأعراف والقمر وفتحت فى الأنبياء بتشديد التاء فى الاربعة من التفعيل للتكثير وقرأ ابو جعفر فى كل القران بالتشديد والباقون بالتخفيف فى الكل عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ من انواع النعم استدراجا ومكرا بهم عن عقبة بن عامر مرفوعا إذا رايت يعطى العبد فى الدنيا وهو مقيم على معاصيه ما يجب فانما هو استدراج ثم تلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نسوا ما ذكروا به الاية والتي بعدها حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا فرح بطر اى بطروا ولم يتوجهوا الى المنعم شكرا كما لم يتضرعوا اليه فى الضراء وقام عليهم حجة بامتخانهم بالسراء والضراء ولم يبق بهم معذرة أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً أخذا فجاة اعجب ما كانت الدنيا لهم فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ آيسون من كل خير. فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا فى القاموس الدابر التابع واخر كل شىء

[سورة الأنعام (6) : آية 46]

والأصل والمعنى انهم اهلكوا كلهم ولم يبق منهم أحد حتى يتوالد فقطع نسلهم فقطع الدابر اما باعتبار هلاك الأصول او باعتبار قطع الاتباع والفروع وضع المظهر موضع المضمر ليدل على ان هلاكهم كان لاجل ظلمهم وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ على إهلاكهم حمد نفسه عند هلاك الظلمة لانه نعمة جليلة من حيث دفع شرهم عن المؤمنين وتطهير الأرض عن العقائد والأعمال الفاسدة الموجبة لنزول العذاب ووصف نفسه برب العالمين لان مقتضى ربوبية العالم إهلاك الظلمة وفيه إيذان بوجوب الحمد عند هلاك من لم يحمد لله ثم دل على قدرته وتوحيده بقوله. قُلْ يا محمد أَرَأَيْتُمْ ايها المشركون إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ بان اصمكم واعميكم وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ بان يغشها بما يزول به عقولكم وجواب الشرط محذوف يدل عليه قوله مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ يعنى لا يأتكم به أحد والجملة الشرطية فى موضع المفعولين لرايتم والاستفهام للتقرير يعنى قد علمتم انه لا يأتيكم أحد بشئ مما ذكره ان اخذه الله انْظُرْ يا محمد كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ فى القاموس صرف الآيات تبيينها كذا قال البغوي يعنى نبيّن العلامات الدالة على التوحيد وقال البيضاوي معناه نكررها تارة من جهة المقدمات العقلية وتارة من حيث الترغيب والترهيب وتارة بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدمين ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ اى يعرضون عنها وثم لاستبعاد الاعراض بعد تصريف الآيات وظهورها. قُلْ يا محمد أَرَأَيْتَكُمْ ايها المشركون إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً منصوبان على المصدرية او على الحالية يعنى اتيانا بغتة فجاة من غير تقدم امارة إتيانه او اتيانا جهرة اى ظاهرة قبل إتيانه بتقدم اماراته او المعنى أتاكم عذابه حال كونه مباغتا اى مفاجيا او مجاهرا وقال ابن عباس والحسن معناه ليلا او نهارا هَلْ يُهْلَكُ استفهام انكار ومعناه النفي ومن ثم جاز الاستثناء المفرغ فالتقدير ما يهلك إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ على أنفسهم بالكفر. وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ المؤمنين بالجنة وَمُنْذِرِينَ الكافرين بالنار يعنى ما نرسلهم قادرين على إتيان الآيات المقترحة وهداية من لم يشأ الله هدايته ولا على شىء اخر من الأحوال التي يتوقعها الكفار الا حال كونهم مبشرين ومنذرين فَمَنْ

[سورة الأنعام (6) : آية 49]

آمَنَ بما جاؤا به وَأَصْلَحَ عمله طمعا فيما بشروا به وخوفا مما حذروه من النار فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من العذاب وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ بفوات الثواب. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا المبشرة والمنذرة يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ جعل العذاب ما سالهم كانه حى يفعل بهم ما يريد بِما كانُوا يَفْسُقُونَ اى بسبب خروجهم عن الايمان والطاعة. قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ اى مقدوراته او خزائن رزقه وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ عطف على عندى خزائن الله ولا زائدة يعنى لا أقول لكم اعلم الغيب ما لم يوح الىّ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ من الملئكة حتى ينافى دعوى الاكل والشرب والنكاح يعنى لا أقول لكم شيئا يجب إنكاره عقلا او يستدعى اقتراح الآيات إِنْ أَتَّبِعُ فى تعليم العلوم وتبليغ الاحكام شيئا إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ يعنى انما ادعى النبوة واتصدى بما يتصدى له الأنبياء ولا استحالة فيه بل هو جائز عقلا واقع تواتر به الاخبار عن الأنبياء الماضين فيه رد على استبعادهم دعواه وجزمهم على فساد مدعاه وقال البغوي هذه الاية نزلت حين اقترحوا الآيات يعنى قل لهم لا أقول لكم عندى خزائن الله حتى اجعل لكم الصفا ذهبا وأعطيكم ما تريدون ولا اعلم الغيب حتى أخبركم بما مضى وما سيكون من غير وحي من الله ولا أقول لكم انى ملك حتى لا احتاج الى الاكل والشرب والنكاح ان اتبع الا ما يوحى إليّ قُلْ يا محمد هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى يعنى الذي لا يمتاز بين الحق والباطل فينكر ما لا يجوز إنكاره ويصدق ما لا يجوز تصديقه وَالْبَصِيرُ الذي يمتاز بينهما فيصدق من يدعى النبوة بعد شهادة الآيات والمعجزات ويكذب من يدعى ان مع الله الهة اخرى ويقول للحجارة هؤلاء شفعاءنا عند الله وان الملئكة بنات الله ويقول بتحريم السوائب مثلا بلا دليل أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ فتهتدوا للامتياز بين الحق والباطل وما يجب تصديقه وما لا يجوز القول به. وَأَنْذِرْ بِهِ اى خوف بما يوحى الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا اى يجمعوا ويبعثوا إِلى رَبِّهِمْ قال البيضاوي أراد بالموصول المؤمنون المفرّطون فى العمل او المجوزون الحشر مومنا كان او كافرا مقرا به من اهل الكتاب او مترددا فيه فان الانذار ينجع فيهم دون الفارغين الجازمين باستحالته والباعث له على هذا القول كون الخوف صلة له وهذا ليس بشئ لان الأمر بالإنذار

[سورة الأنعام (6) : آية 52]

لم يكن مختصا بمن ذكر بل امره الله تعالى بان يقول اوحى الىّ هذا القران لانذركم به ومن بلغ وايضا لا وجه لتخصيص الانذار بالمفرطين فان المجتهدين فى العمل ايضا ينفعهم الانذار كيلا يخرجوا من اجتهادهم كيف ولم يكن من المؤمنين فى خير القرون مفرط بل كلهم كانوا مجتهدين فالاولى ان يقال المراد بالموصول من كان من شانه ان يخاف فيعم الناس أجمعين فان العبد المقهور حقيق ان يخاف الخالق القهار او يقال خص الخائفون بالذكر لانهم هم المنتفعون بالإنذار لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ اى من دون الله وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ الجملة فى موضع الحال من الضمير فى يحشروا فان المخوف هو الحشر فى هذا الحال يعنى يحشرون غير منصورين ولا مشفوعا لهم قلت وجاز ان يكون مضمون هذه الجملة بدلا من الضمير المجرور فى انذر به يعنى انذر بان ليس لهم من دون الله من ولى ولا شفيع فلا يعبدوا ولا يدعوا الا إياه فان قيل هذه الاية ينفى الولاية والشفاعة لغير الله تعالى من الأولياء والأنبياء قلنا لا بل ولاية الأولياء وشفاعتهم انما هى بإذن الله تعالى فهى ولاية الله تعالى وشفاعته لا غير لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ اى لكى يتقوا روى احمد والطبراني وابن ابى حاتم عن ابن مسعود قال مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده خبّاب وصهيب وبلال وعمار فقالوا يا محمد رضيت بهؤلاء أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا لو طردت هؤلاء لاتبعناك فانزل فيهم القران وانذر به الذين يخافون ان يحشروا الى ربهم الى قوله سبيل المجرمين وروى ابن حبان والحاكم عن سعد ابن ابى وقاص قال لقد نزلت هذه الاية فى ستة انا وعبد الله بن مسعود واربعة قالوا يعنى كفار قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم اطردهم فانا نستحيى ان نكون تبعا لك كهولاء فوقع فى نفس النبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله فانزل الله تعالى وروى مسلم بلفظ كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر فقال المشركون اطردهم لا يجترؤا علينا قال كنت انا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسمها فوقع فى نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله ان يقع فحدث نفسه فانزل الله تعالى. وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ اى يعبدونه ويذكرونه فان عبادة الكريم وذكره داع الى انعامه وقيل المراد منه حقيقة الدعاء بِالْغَداةِ قرأ ابن عامر هاهنا

[سورة الأنعام (6) : آية 53]

وفى سورة الكهف بضم الغين وسكون الدال وواو مفتوحة والباقون بفتح الغين وو الدال والالف وَالْعَشِيِّ قال ابن عباس يعنى صلوة الصبح والعصر ويروى عنه ان المراد منه الصلوات الخمس وذلك ان ناسا من الفقراء كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال ناس من الاشراف إذا صلينا فاخّره هؤلاء ليصلوا خلفنا فنزلت الاية يُرِيدُونَ وَجْهَهُ حال من فاعل يدعون يعنى يدعون مخلصين فان الإخلاص ملاك الأمر رتب النهى عليه اشعارا بانه يقتضى إكرامهم وينافى طردهم ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ من زائدة وشىء اسم ما والظرف خبره ومن حسابك وكذا من حسابهم حال من الظرف يعنى ان الطرد وترك المجالسة انما يجوز بل يجب إذا أضر مجالسة أحدهما صاحبه وليس فلا يجوز او المعنى لا يضرك حسابهم بل ينفعك فانهم يأتون بالحسنات وثواب حسنات الامة راجع الى النبي صلى الله عليه وسلم ولا يضرهم حسابك بل ينفعهم فانك قد بلغتهم وأرشدتهم وهديتهم والجملة المنفية فى موضع الحال من الموصول فى لا تطرد الذين ويمكن ان يكون ضمير حسابهم وعليهم راجعا الى المشركين والمعنى لا تواخذ بحساب المشركين ولا هم بحسابك حتى يهمك ايمانهم بحيث تطرد المؤمنين طمعا فيه فَتَطْرُدَهُمْ منصوب على جواب النفي يعنى ما ثبوت حسابهم عليك فتطردهم منك فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ منصوب على جواب النهى يعنى لا يكن منك طردهم فكونك من الظالمين. وَكَذلِكَ الكاف زائدة كما فى قوله تعالى ليس كمثله شىء والمشار اليه ضلال رؤساء قريش واسم الاشارة منصوب المصدرية بقوله تعالى فَتَنَّا يعنى اضللنا ذلك الضلال بَعْضَهُمْ اى بعض الناس يعنى كفار قريش بِبَعْضٍ اى ببعضهم يعنى فقراء المؤمنين حيث امتنعوا من الإسلام بسببهم قال التفتازانيّ شاع هذا التركيب فى معنى فتنا بعضهم ببعض ذلك الفتن ولا يراد به مثل ذلك الفتن او يقال معناه مثل ذلك الفتنة التي فتنا رؤساء قريش فتنا بعض الناس ببعض فى الأمم السابقة حيث قال قوم نوح ما نريك الا بشرا مثلنا وما نريك اتبعك الا الذين هم أراذلنا بادى الرأي وقال نوح ما انا بطارد الذين أمنوا وقال البيضاوي معناه مثل ذلك الفتن وهو اختلاف الناس فى امور

الدنيا بالفقر والغناء فتنا يعنى ابتلينا بعضهم ببعض فى امر الدين فقد منا هؤلاء الضعفاء على اشراف قريش بالسبق الى الايمان لِيَقُولُوا اى الأغنياء واللام للعاقبة أَهؤُلاءِ الفقراء مَنَّ اى أنعم اللَّهُ عَلَيْهِمْ بالهداية والتوفيق لما يسعدهم مِنْ بَيْنِنا دوننا انكار لتخصيص الفقراء باصابة الحق والسبق الى الخير وحاصله لو كان خيرا ما سبقونا اليه أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ يعنى بالذين هم مستعدون للشكر فيوفقهم له وبمن ليس فى استعداده قبول الايمان والشكر فيخذله وهذه الاية تدل على ان الاستعداد يسبق الوجود كما قال المجدد رضى الله عنه ان مربيات تعينات المؤمنين ظلال اسم الله تعالى الهادي ومربيات تعينات الكفار ظلال اسم الله تعالى المضل فلا يمكن لاحد من الفريقين ان يصدر منه الا ما خلق منه وخلق لاجله وجاز ان يكون معنى قول الكفارا هؤلاء الفقراء الأراذل منّ الله عليهم بتخصيص صحبة نبيه صلى الله عليه وسلم دوننا فقال الله تعالى أليس الله بأعلم بالشاكرين فان الشاكرين هم الاحقاء بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم دون الأغنياء قال البغوي قال سلمان وخباب بن الأرت فينا نزلت هذه الاية جاء الأقرع ابن حابس التميمي وعيينة بن حصين الفزاري وغيرهم من المؤلفة فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب فى ناس من ضعفاء المؤمنين فلما راوهم حوله حقروهم فاتوا وقالوا يا رسول الله لو جلست فى صدر المجلس ونفيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم وكان عليهم جباب صوف لم يكن عليهم غيرها لجالسناك وأخذنا عنك فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما انا بطارد المؤمنين فقالوا فانا نحب ان تجعل لنا منك مجلسا تعرف العرب فضلنا فان وفود العرب تأتيك فنستحيى ان يرانا العرب مع هؤلاء الا عبد فاذا نحن جئناك فاقمهم عنا فاذا نحن فرغنا فاقعد معهم ان شئت قال نعم قالوا اكتب لنا عليك بذلك كتابا قال فدعا بالصحيفة ودعا عليا ليكتب قال ونحن قعود فى ناحية إذ نزل جبرئيل بقوله تعالى ولا تطرد الذين الى قوله بالشاكرين فالقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده ثم دعانا فاتيناه وهو يقول سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة فكنا نقعد معه فاذا أراد ان يقوم قام وتركنا فانزل الله عز وجل واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم

[سورة الأنعام (6) : آية 54]

بالغدوة والعشى يريدون وجهه فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعدو وندنوا منه حتى كادت ركبتنا تمس ركبته فاذا بلغ الساعة التي يقوم فيه قمنا وتركنا حتى يقوم وقال لنا الحمد لله الذي لم يمتنى حتى أمرني ان اصبر مع قوم من أمتي معكم المحيي والممات وقال الكلبي قالوا له اجعل لنا يوما ولهم يوما قال لا افعل قالوا فاجعل المجلس واحدا فاقبل علينا وولّ ظهرك عليهم فانزل الله تعالى هذه الاية وروى ما ذكر البغوي عن سلمان وخباب وابن جرير وابن ابى حاتم وغيرهما عن خباب وزادوا ثم ذكر الله تعالى الأقرع وصاحبه فقال وكذلك فتنا بعضهم ببعض الاية قال ابن كثير هذا غريب فان الاية مكية والأقرع وعيينة انما أسلما بعد الهجرة بدهر وروى البغوي بسنده عن ابى سعيد الخدري جلست فى نفر من المهاجرين وان بعضهم ليستتر ببعض من العرى وقارئ يقرأ علينا إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام علينا فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سكن القاري فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ما كنتم تصنعون قلنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قاريا يقرأ علينا فكنا نسمع الى كتاب الله تعالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمد لله الذي جعل من أمتي من أمرني ان اصبر نفسى معهم ثم جلس وسطنا ليعدل نفسه فينا ثم قال بيده هكذا فتحلقوا وبرزت وجوههم له قال فما رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف منهم أحدا غيرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابشروا يا معاشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة يدخلون الجنة قبل اغنياء الناس بنصف يوم وذلك مقدار خمسمائة سنة واخرج ابن جرير عن عكرمة قال جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومطعم بن عدى والحارث بن نوفل فى اشراف بنى عبد مناف من اهل الكفر الى ابى طالب فقالوا لو ان ابن أخيك يطرد عنه هؤلاء الا عبد كان أعظم فى صدورنا وأطوع له عندنا واولى لاتباعنا إياه فكلم ابو طالب النبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر بن الخطاب لو فعلت ذلك حتى تنتظر ما الذي يريدون فانزل الله وانذر به الذين يخافون الى قوله أليس الله بأعلم بالشاكرين وكانوا بلالا وعمار بن ياسر وسالما مولى ابى حذيفة وصبيحا مولى أسيد وابن مسعود والمقداد بن عبد الله وواقد ابن عبد الله الحنظلي وأشباههم فاقبل عمر فاعتذر من مقالته فنزل. وَإِذا جاءَكَ

[سورة الأنعام (6) : آية 55]

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ قال عكرمة نزلت فى الذين نهى الله عز وجل نبيه عن طردهم فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا راهم بدأهم بالسّلام وقال عطاء نزلت فى ابى بكر وعمر وعثمان وعلى وبلال وسالم وابى عبيدة ومصعب بن عمير وحمزة وجعفر وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر وأرقم بن الأرقم وابى سلمة بن عبد الأسد رضى الله عنهم أجمعين واخرج الفريابي وابن ابى حاتم عن ماهان قال جاء ناس الى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا انا أصبنا ذنوبا عظاما فما رد عليهم شيئا فانزل الله تعالى وإذا جاءك الذين يؤمنون باياتنا فقل سلام عليكم كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بان يبدأهم بالتسليم او يبلغ سلام الله إليهم ويبشرهم بوجوب الرحمة من الله لهم بوعده المؤكد تفضلا بعد بشارتهم بالسلامة مما يكره المستفاد من السّلام أَنَّهُ الضمير للشان قرأ نافع وابن عامر وعاصم بفتح الهمزة على انه بدل من الرحمة او بتقدير الباء والباقون بالكسر على الاستيناف على انه تفسير للرحمة مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ فى موضع الحال اى من عمل سوءا جاهلا بحقيقة ما يتبعه....... من المضار والمفاسد او متجاهلا بارتكاب ما يودى الى الضرر من افعال اهل الجهل وذلك التجاهل انما هو لغلبة شهوة النفس فمفعول الجهالة على التقدير الاول محذوف وعلى التقدير الثاني لا يقتضى المفعول ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ اى بعد السوء يعنى رجع عن ذنبه بان ندم على ما فعل وعزم على ان لا يفعل ابدا وَأَصْلَحَ عمله فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب انه بفتح الهمزة على انه خبر مبتدا محذوف او مبتدا خبره محذوف يعنى فامره انه تعالى غفور رحيم او فله انه تعالى غفور والباقون بالكسر والفاء تدل على ان التوبة سبب للغفران. وَكَذلِكَ يعنى كما فصلنا لك فى هذه السورة نُفَصِّلُ الْآياتِ آيات القران او دلائلنا فى كل حق ينكره الكافرون وَلِتَسْتَبِينَ قرأ ابو بكر وحمزة والكسائي بالياء على الغيبة وتذكير الفاعل وابن كثير وابو عمرو وابن عامر وحفص بالتاء على تأنيث الفاعل الغائب ورفع كلهم سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ع على الفاعلية والسبيل يذكر ويؤنث وقرأ نافع لتستبين بالتاء على الخطاب اى لتستوضح يا محمد وسبيل منصوبا على المفعولية والعطف على مقدر تقديره ليظهر الصراط المستقيم ولتستبين

[سورة الأنعام (6) : آية 56]

سبيل المجرمين. قُلْ إِنِّي نُهِيتُ اى صرفت وزجرت بالآيات والادلة العقلية والآيات القرآنيّة السمعية أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعنى ما تدعونها وتسمونها الهة وتعبدونها من دون الله قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ تأكيد لقطع اطماعهم وبيان لان ما هم عليه انما هو امر لا دليل عليه سمعا ولا عقلا بل بتبعية الهوى وتعليل لتركه موافقتهم وتنبيه لمن طلب الحق ان يتبع الحجة ولا يقلد قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً يعنى إذا اتبعت أهواءكم فقد ضللت وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ حينئذ وفيه تعريض بانهم ليسوا بمهتدين. قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ تنبيه على ما يجب اتباعه بعد بيان ما لا يجوز اتباعه يعنى انى على برهان وبصيرة مِنْ رَبِّي صفة لبينة أو صلة له يعنى بينة كائنة من ربى او بينة من معرفة ربى وانه لا معبود سواه وَكَذَّبْتُمْ بِهِ الضمير راجع الى البينة باعتبار المعنى يعنى كذبتم بالبرهان او راجع الى ربى والمعنى كذبتم بربي حيث أشركتم به ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ من العذاب حيث تقولون ان كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء او ائتنا بعذاب اليم او المراد ما تستعجلون به من القيامة قال الله تعالى يستعجل بها الذين لا يومنون بها إِنِ الْحُكْمُ فى تعجيل العذاب وتأخيره وإتيان القيامة لاحد إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ قرأ نافع وابن كثير وعاصم بالصاد المهملة المشددة يعنى يقول ويبين الْحَقَّ ويفصله او يتبع الحق والحكم من قص اثره والباقون بالضاد المعجمة المكسورة بحذف الياء من يقضى لاجتماع الساكنين وصلا وكذا وقفا اتباعا للخط يعنى يحكم بالحق وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ الحاكمين والمظهرين. قُلْ يا محمد لَوْ ثبت أَنَّ عِنْدِي اى فى قدرتى ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ من العذاب او إتيان القيامة لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ اى فرغ من العذاب وأهلكتم وانقطع ما بينى وبينكم من المنازعة او المعنى لقضى بإحقاق الحق وابطال الباطل اليوم بقيام الساعة ما يقضى بينى وبينكم أجلا يوم القيامة قال الله تعالى ثم اليه مرجعكم ثم يحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ولما كان قوله لقضى الأمر بينى وبينكم مجملا لم يتعين فيه مورد العذاب يبيّنه بقوله وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ فيهلكهم على مقتضى حكمة. وَعِنْدَهُ تعالى دون عند غيره يستفاد الحصر من تقديم الظرف مَفاتِحُ الْغَيْبِ مفاتح جمع

مفتح بفتح الميم وهو المخزن او جمع مفتح بكسر الميم بمعنى المفتاح وهو ما يتوصل به الى شىء مغلق والمراد بمفتاح الغيب علمه فان بالعلم يدرك المعلوم كانه وصلة والمراد بالغيب ما لم يوجد بعد كاخبار المعاد ومن هذا القبيل ان المطر هل ينزل او لا ومتى ينزل ومنه ما تكسب نفس غدا وانه باى ارض تموت او وجد ولم يظهر الله تعالى على أحد ومنه ما فى الأرحام ومعنى عنده خزائن الغيب احاطة علمه بها كانه موجود عنده تعالى روى البغوي بسنده عن ابن عمر انه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مفاتح الغيب خمس لا يعلمها الا الله لا يعلم ما يغيض الأرحام أحد الا الله ولا يعلم ما فى الغد أحد الا الله ولا يعلم متى يأتي المطر أحد الا الله ولا تدرى نفس باى ارض تموت ولا يعلم متى تقوم الساعة أحد الا الله وكذا روى احمد والبخاري وفى الصحيحين فى حديث ابى هريرة فى قصة سوال جبرئيل انه عليه السلام قال فى خمس يعنى الساعة لا يعلمهن الا الله ثم قرأ ان الله عنده علم الساعة وينزل الغيث الاية قلت وليست خزائن الغيب منحصرة فى الخمس المذكورة بل كل ما لم يوجد او لم يظهر بعد وقال الضحاك مفاتح الغيب خزائن الأرض وعلم نزول العذاب وقال عطاء ما غاب عنكم من الثواب والعقاب وقيل انقضاء الآجال وقيل احوال العباد من السعادة والشقاوة وخواتيم أحوالهم ولا تعارض بين هذه الأقوال بناء على ما قلت لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ تنصيص بما أشير اليه من حصر علم الغيب به تعالى يعنى لا يعلم شيئا من المغيبات الا الله تعالى ولا يعلم غيره منها الا بتوقيفه وهو سبحانه يعلم أوقاتها وما فى تعجيلها وتأخيرها من الحكمة وفيه دليل على انه تعالى يعلم الأشياء قبل وجودها وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ من النبات والدواب وغيرها وَالْبَحْرِ من الحيوانات والجواهر وغيرها هذه الجملة للاخبار عن تعلق علمه بالموجودات المشاهدات عطف على الاخبار عن علمه تعالى بالمغيبات وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها مبالغة فى احاطة علمه بالجزئيات بعد ما علم ذلك فيما سبق فان ما للنفى ومن للاستغراق اى يعلم عددها وأحوالها قبل السقوط وبعده وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ قال ابن عباس الرطب الماء واليابس البادية وقال عطاء ما ينبت وما لا ينبت وقيل الحي والميت والصحيح انه عبارة عن كل شىء قوله وَلا حَبَّةٍ

[سورة الأنعام (6) : آية 60]

مع ما عطف عليه معطوف على ورقة والعطف يشاركهما فى الصفة اعنى لا يعلمها فكانه قال ولا رطب ولا يابس الا يعلمها فقوله تعالى إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ بدل من الاستثناء الاول من بدل الكل على ان الكتاب المبين علم الله تعالى او بدل اشتمال ان أريد به اللوح المحفوظ او يقال حبة معطوف على ورقة والا فى كتاب مبين معطوف على الا يعلمها عطف المعمولين على المعمولين بفعل واحد. وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ اى ينيمكم فان النوم أحد اقسام التوفى وأصله قبض الشيء بتمامه او هو مستعار من الموت بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ اى كسبتم بالجوارح بِالنَّهارِ خص النوم بالليل والكسب بالنهار نظرا الى الغالب المعتاد وتخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفى الحكم عما عداه ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ اى فى النهار فيه تقديم وتأخير تقديره يتوفيكم بالليل ثم يبعثكم فى النهار ويعلم ما جرحتم به ووجه التقديم الاهتمام بذكر الكسب لِيُقْضى اى ليؤخر أَجَلٌ مُسَمًّى للموت سمى ذلك الاجل حين كان جنينا فى بطن امه بل فى الأزل ثُمَّ إِلَيْهِ اى الى حكمه تعالى بجزاء ما كسبتم مَرْجِعُكُمْ بعد الموت ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ يوم القيامة بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ع عند الحساب فيجازيكم عليه فى الاية السابقة تنبيه على شمول علمه تعالى وفى هذه الاية على كمال قدرته وايماء بالاستدلال بما نشاهد من قدرته على الاحياء بعد النوم التي هى اخت الموت على البعث بعد الموت. وَهُوَ الْقاهِرُ الغالب الذي لا يتصور من أحد مقاومة فى إنفاذ المراد فَوْقَ عِبادِهِ تصوير للغلبة والاستعلاء وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً يحفظون أعمالكم ويكتبونها فى الصحف وينشر تلك الصحف يوم القيامة ليظهر المطيع من العاصي على رؤس الاشهاد حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ غاية لارسال الحفظة او غاية للغلبة يعنى بلغت غلبته الى انهم لا يقدرون على مخالفته فى قبض أرواحهم تَوَفَّتْهُ جواب إذا قرأ حمزة توفاه بالألف الممال على التذكير والباقون بالتاء على التأنيث رُسُلُنا اخرج ابن ابى حاتم وابن ابى شيبة عن ابن عباس ان المراد بهم أعوان ملك الموت من الملئكة وكذا اخرج ابو الشيخ عن النخعي وذكر السيوطي عن وهب بن منبه قال ان الملئكة الذين يقربون بالناس هم الذين يتوفونهم ويكتبون اجالهم فاذا توفى الأنفس

اجالهم دفعوها الى ملك الموت وهو كالعاقب اى العشار الذي يودى اليه من تحته واخرج ابن حبان وابو الشيخ عن الربيع بن انس انه سئل عن ملك الموت هل هو وحده الذي يقبض الأرواح قال هو الذي يلى امر الأرواح وله أعوان على ذلك غير ان ملك الموت هو الرئيس وكل خطوة منه من المشرق الى المغرب قلت اين تكون أرواح المؤمنين قال عند سدرة المنتهى قال القرطبي لا منافاة بين قوله تعالى توفته رسلنا وقوله تعالى يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم وقوله تعالى الله يتوفى الأنفس لان اضافة التوفى الى ملك الموت لانه المباشر للقبض والى الملئكة الذين هم أعوانه لانهم يأخذون فى جذبها فهو قابض وهم معالجون والى الله تعالى لانه هو الفاعل على الحقيقة يعنى افعال العباد مخلوقة له تعالى وقال القرطبي انه فى الخبر انه ينزل عليه اى على الميت اربعة من الملئكة ملك يجذب النفس من قدمه اليمنى وملك يجذبها من قدمه اليسرى وملك يجذبها من يده اليمنى وملك يجذبها من يده اليسرى ذكره ابو حامد وقال الكلبي يقبض ملك الموت الروح من الجسد ثم يسلمها الى ملئكة الرحمة او ملئكة العذاب واخرج جويبر فى تفسيره عن ابن عباس قال قال ملك الموت هو الذي يتوفى الأنفس كلها وقد سلط على ما فى الأرض كما سلط على ما فى راحته ومعه ملئكة من ملئكة الرحمة والعذاب فاذا توفى نفسا طيبة دفعها الى ملئكة الرحمة وإذا توفى نفسا خبيثة دفعها الى ملئكة العذاب واخرج ابن ابى الدنيا وابو الشيخ عن ابن المثنى الحمصي نحوه ويدل على هذا ما روى احمد وابو داؤد والحاكم وابن ابى شيبة والبيهقي وغيرهم من طرق صحيحة فى حديث طويل عن البراء بن عازب وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان العبد المؤمن إذا كان فى انقطاع من الدنيا واقبال من الاخرة نزل اليه ملئكة بيض الوجوه كأنّ وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر ثم يجئ ملك الموت عليه السّلام حتى يجلس عند راسه فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجى الى مغفرة من الله ورضوان قال فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من السقاء فياخذها يعنى ملك الموت فاذا أخذها لم يدعوها فى يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها فى ذلك الكفن وفى ذلك الحنوط الحديث وذكر فى الكافر انه ينزل ملئكة سود الوجوه

معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجئ ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند راسه فذكر الحديث نحوه انه يقبض فاذا أخذها لم يدعوها فى يده طرفة عين الحديث واخرج ابن ابى حاتم عن زهير بن محمد قال قيل يا رسول الله ملك الموت واحد والزحفان يلتقيان من المشرق والمغرب وما بين ذلك من السقط والهلاك فقال انه حوى الدنيا لملك الموت حتى جعلها كالطست بين يدى أحدكم فهل يفوته منها شىء واخرج ابن ابى الدنيا وابو الشيخ عن اشعث بن اسلم قال سال ابراهيم عليه السّلام ملك الموت واسمه عزرائيل وله عينان فى وجهه وعينان فى قفاه فقال يا ملك الموت ما تصنع إذا كانت نفس بالمشرق ونفس بالمغرب ووقع الوباء بأرض والتقى الزحفان كيف تصنع قال ادعوا الأرواح بإذن الله فيكون بين إصبعي هاتين قال ودحيت له الأرض فتركت كالطست يتناول منها حيث يشاء واخرج ان ملك الموت قال ليعقوب حين سأله ان الله سخر لى الدنيا فهى كالطست يوضع قدام أحدكم فيتناول من اى أطرافه شاء كذلك الدنيا عندى واخرج فى الزهد وابو الشيخ وابو نعيم عن مجاهد قال جعلت الأرض لملك الموت مثل الطست يتناول من حيث شاء وجعل له أعوانا يتوفى الأنفس ثم يقبضها منهم قلت وتحقيق المسألة بالنظر الى الأحاديث والآثار ان الله سبحانه جعل ملك الموت بحيث نسبته الى جميع الأرض والأقطار على السواء كالشمس فى المشاهدات وجعل نفسه بحيث لا يغنيه شان عن شان وكذلك يجعل لنفوس بعض أوليائه فانهم يظهرون ان شاء الله تعالى فى ان واحد فى امكنة شتى بأجسادهم المكتسبة وجعل لملك الموت أعوانا فى جذب النفوس هم كالجوارح له وتنزل عند كل ميت مومن او كافر جمع من الملئكة بأكفان من الجنة او النار فياخذون روحه من ملك الموت ويرتقون به الى السماء فالمراد برسلنا فى هذه الاية اما أعوان ملك الموت واما الملئكة الذين يرتقون بالأرواح وياخذونها من ملك الموت وقيل أراد بالرسل ملك الموت وحده فذكر الواحد بلفظ الجمع وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ اى لا يقصرون بالتواني والتأخير ولا يقدرون على قبض الأرواح الا بعد اذنه تعالى اخرج الطبراني وابن مندة وابو نعيم عن الحارث بن الخزرج ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر الى ملك الموت عند راس رجل من الأنصار فقال يا ملك الموت ارفق بصاحبى فانه مومن فقال ملك الموت طب نفسا وقر عينا واعلم انى لكل مومن رفيق واعلم

[سورة الأنعام (6) : آية 62]

يا محمد انى لاقبض روح ابن آدم فاذا صرخ صارخ من اهله قمت فى الدار ومعى روحه فقلت يا هذا الصارخ والله ما ظلمناه ولا سبقنا اجله ولا استعجلنا قدره وما لنا فى قبضة من ذنب فان ترضوا بما صنع الله توجروا وان تسخطوا تأثموا وتوزروا وان لنا عندكم عودة بعد عودة فالحذر الحذر وما من اهل بيت شعر ولا مدربر ولا فاجر سهل ولا جبل الا وانا أتصفحهم فى يوم وليلة حتى لانا اعرف بصغيرهم وكبيرهم منهم بانفسهم والله لو أردت قبض روح بعوضة ما قدرت.... على ذلك حتى يكون الله هو يأذن بقبضها واخرج ابن ابى الدنيا وابو الشيخ عن الحسن نحوه قال جعفر بن محمد بلغني انه انما يتصفحهم عند مواقيت الصلاة فاذا نظر عند الموت فان كان ممن يحافظ على الصلوات الخمس دنا منه ملك الموت وطرد عنه الشياطين ويلقنه لا اله الا الله محمد رسول الله فى ذلك الحال العظيم. ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ اى مالكهم الْحَقِّ المراد بهذه الاية اما ودهم الى الله تعالى عرضهم على الحساب يوم القيامة كما تدل عليه كلمة ثم واما بعد الموت يرتقون بهم ملئكة الرحمة والعذاب كما ورد فى ذلك الحديث الطويل عن البراء بن عازب قال فيصعدون بها يعنى المؤمن فلا يمرون على ملأ من الملئكة الا قالوا ما هذا الروح الطيب فيقولون فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونها فى الدنيا حتى ينتهوا الى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح لهم فيشيعه من كل سماء مقربوها الى السماء التي تليها حتى ينتهى بها الى السماء السابعة فيقول الله اكتبوا كتاب عبدى فى عليين واعيدوه الى الأرض الحديث وقال فى الكافر فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة الا قالوا ما هذا الروح الخبيث فيقولون فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى به فى الدنيا حتى ينتهى بها الى السماء الدنيا فيستفتح فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفتح لهم أبواب السماء الاية فيقول الله عز وجل اكتبوا كتابه فى سجين فى الأرض السفلى فيطرح روحه طرحا ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يشرك بالله فكانما خر من السماء فتخطفه الطير او تهوى به الريح فى مكان سحيق الحديث أَلا لَهُ الْحُكْمُ لا لغيره وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ لا يشغله حساب عن حساب وفى الحديث يحاسب الخلق كلهم فى قدر نصف نهار من ايام الدنيا. قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ قرأ يعقوب بالتخفيف من الافعال والباقون بالتشديد من التفعيل

[سورة الأنعام (6) : آية 64]

مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يعنى من شدائدهما ومهالكهما استعيرت الظلمة للشدة لمشاركتهما فى الهول كانوا إذا سافروا فى البر او البحر فضلّوا الطريق وأحيطوا بالصواعق او الأمواج او غيرها من البليات والمصائب دعوا الله مخلصين له الدين لعلمهم ان الأوثان حجارة لا تضر ولا تنفع تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً مصدر بمعنى الفاعل حال من ضمير الفاعل فى يدعونه والجملة حال من ضمير المفعول فى ينجيكم والتضرع التذلل والمبالغة فى السؤال وَخُفْيَةً قرأ ابو بكر عن عاصم هنا وفى الأعراف بكسر الخاء والباقون بالضم وهما لغتان يعنى مسرين فان الاسرار سنة الدعاء والذكر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انكم لا تدعون أصم ولا غائبا والمعنى تدعون الله بالتضرع والإخلاص فان الاسرار بالدعاء ابعد من الرياء وادل على الإخلاص لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ الظلمة والشدة بتقدير القول بيان لتدعونه يعنى تقولون لئن أنجيتنا قرأ الكوفيون أنجانا على صيغة الغائب والباقون بصيغة الخطاب لله تعالى لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ لله تعالى والشكر هو معرفة النعمة مع القيام بحقها يعنى صرفها فى رضاء المنعم. قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ قرأ الكوفيون وهشام مشددا من التفعيل على طبق السؤال والباقون بالتخفيف من الافعال مِنْها اى من تلك الشدة وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ غاية الغم ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ تعوون الى الشرك ولا توفون بالعهد وتعلمون ان الله هو الذي ينجيكم وتشركون معه الأصنام التي قد علمتم انها لا تضر ولا تنفع وفى وضع تشركون موضع لا تشكرون كمال توبيخ وتنبيه على ان من أشرك فى عبادة الله فكانه لم يعبد الله راسا وكلمة ثم ليس للتراخى فى الزمان بل لكمال البعد بين الإحسان والإشراك. قُلْ هُوَ اى الله هو الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ كما فعل بقوم نوح وعاد وقوم لوط واصحاب الفيل أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ كما فعل بقوم نوح من نبع الأرض وإغراق فرعون وخسف قارون عن ابن عباس ومجاهد من فوقكم السلاطين الظلمة ومن تحت أرجلكم العبيد السوء وقال الضحاك من فوقكم اى من قبل كباركم ومن تحت أرجلكم من قبل صغاركم وقيل حبس المطر والنبات أَوْ يَلْبِسَكُمْ اى يخلطكم شِيَعاً فرقا متفرقين على أهواء شتى ويكون القتال بينكم وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ البأس العذاب والشدة فى الحرب كذا فى القاموس يعنى يقتل بعضكم بعضا

[سورة الأنعام (6) : آية 67]

عن جابر بن عبد الله قال لما نزلت هذه الاية قل هو القادر على ان يبعث عليكم عذابا من فوقكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعوذ بوجهك الكريم او يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أهون وهذا أيسر رواه البخاري وغيره. (فائدة) ظهر تاويل هذه الاية بعد خمس وثلثين سنة من الهجرة حين قاتل المسلمون فى وقعة جمل وصفين وغير ذلك- وعن سعد بن ابى وقاص قال أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مررنا على مسجد بنى معاوية فدخل فصلى ركعتين فصلينا معه فناجى ربه طويلا ثم قال سالت ربى ثلثة سالته ان لا يهلك أمتي بالغرق فاعطانيها وسالته ان لا يهلك أمتي بالسنة فاعطانيها وسالته ان لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها رواه البغوي وعن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري ان عبد الله بن عمر جاءهم ثم قال ان النبي صلى الله عليه وسلم دعا فى مسجد فسال الله ثلثا فاعطاه اثنتين ومنعه واحدة ساله ان لا يسلط على أمته عدوا من غيرهم يظهر عليهم فاعطاه ذلك وسالهم ان لا يهلكهم بالسنين فاعطاه ذلك وساله ان لا يجعل بأس بعضهم على بعض فمنعه ذلك رواه البخاري واخرج ابن ابى حاتم عن زيد بن اسلم قال لما نزلت قل هو القادر على ان يبعث عليكم عذابا من فوقكم الاية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيوف قالوا ونحن نشهد ان لا اله الا الله وانك رسول الله فقال بعض الناس لا يكون هذا ابدا يعنى ان يقتل بعضكم بعضا ونحن مسلمون فنزلت انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ بالوعد والوعيد لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ وَكَذَّبَ بِهِ اى بالعذاب او بالقران. قَوْمُكَ اى كفار قريش وَهُوَ الْحَقُّ الواقع لا محالة او الصدق قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ اى مسلطا من الله عليكم وكّل الىّ أمركم ألزمكم الإسلام لا محالة او اجازيكم ان أبيتم. لِكُلِّ نَبَإٍ خبر من اخبار القران من العذاب النازل بالكفار وغيره مُسْتَقَرٌّ وقت استقرار ووقوع لا يتقدم عليه ولا يتاخر وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عند وقوعه فى الدنيا او فى الاخرة. وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا بالتكذيب والاستهزاء بها والطعن فيها وكانت القريش تفعل ذلك فى أنديتهم «1» فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ اى قم من عندهم ولا تجالسهم والمقصود

_ (1) اندية جمع نادى وهو المجلس واهله 12

[سورة الأنعام (6) : آية 69]

التحذير عن دينهم ومجالستهم لا المنع عن قتالهم حتى يقال بالنسخ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ أعاد الضمير على معنى الآيات لانها القران وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ قرأ ابن عامر بفتح النون وتشديد السين من التفعيل والباقون بسكون النون وكسر السين من الافتعال يعنى ان ينسينك ما نهيت عنه الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى يعنى بعد ان تذكره مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ اى معهم وضع المظهر موضع المضمر تنبيها على انهم ظلموا بوضع التكذيب والاستهزاء موضع التصديق والاستعظام قال البغوي روى عن ابن عباس انه لما نزلت هذه الاية قال المسلمون كيف نقعد فى المسجد الحرام ونطوف بالبيت.... وهم يخوضون ابدا وفى رواية قال المسلمون فانا نخاف الإثم حين نتركهم ولا ننههم فانزل الله عز وجل. وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه مِنْ حِسابِهِمْ اى الكفار المستهزئين ومن للتبعيض مِنْ شَيْءٍ من زائدة يعنى مما يحاسب عليه الكفار من الآثام ليس شىء منها لازما للمتقين وَلكِنْ عليهم ذِكْرى اى تذكيرهم ومنعهم عن الخوض ونحو ذلك من القبائح ان استطاعوا فذكرى فى محل الرفع ويحتمل النصب على المصدرية يعنى ولكن ذكروهم ذكرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ اى الكفار بتذكير المؤمنين وجاز ان يكون الضمير للذين يتقون يعنى لكن يثبتوا على التقوى. وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً يعنى تدبنوا بما لا ينفعهم عاجلا وأجلا كعبادة الأوثان وتحريم البحائر والسوائب او المعنى اتخذوا دينهم الذي كلفوا بإتيانه لهوا ولعبا حيث يسخرون به وقيل معناه ان الله تعالى جعل لكل قوم عيدا فاتخذ كل قوم دينهم يعنى عيدهم لعبا ولهوا الا المسلمين فان فى عيدهم الصلاة صلوة العيد والجمعة والتكبير والنحر لله تعالى وصدقة الفطر والخطبة والتذكير والمعنى اعرض عنهم ولا تبال بأفعالهم وأقوالهم ويجوز ان يكون معناه التهديد كقوله تعالى ذرنى ومن خلقت وحيدا ومن جعله منسوخا باية السيف حمله على ترك التعرض لهم والأمر بالكف عنهم وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا حتى أنكروا البعث وَذَكِّرْ بِهِ اى بالقران أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ يعنى لئلا تبسل او كراهة ان تبسل اى تحبس بما كسبت من السيئات والبسل الحبس كذا فى القاموس لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ ناصر يدفع عنها العذاب بالمقاومة

[سورة الأنعام (6) : آية 71]

وَلا شَفِيعٌ يدفع بالشفاعة وَإِنْ تَعْدِلْ تلك النفس كُلَّ عَدْلٍ العدل الفدية لانها تعادل المفدى اى ان تفد كل الفدية وكل منصوب على المصدرية لا يُؤْخَذْ مِنْها الفعل مسند الى منها ولا ضمير فيه عائد الى العدل لانه هاهنا بمعنى المصدر دون المفعول فلا يسند اليه الاخذ بخلاف قوله تعالى لا يؤخذ منها عدل فان هناك بمعنى المفدى أُولئِكَ المشار اليه الَّذِينَ اتخذوا دينهم لعبا الذين أُبْسِلُوا اى حبسوا وسلموا الى العذاب بِما كَسَبُوا من السيئات لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ ماء بالغ غاية الحرارة وَعَذابٌ أَلِيمٌ بالنار وغيرها بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ع اى بسبب كفرهم جملة مستأنفة او خبر بعد خبر لاولئك. قُلْ أَنَدْعُوا أنعبد مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا اى عبدناه وَلا يَضُرُّنا ان لم نعبده ونكفر به يعنى لا يقدر على شىء من ذلك وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا يعنى نرجع الى الشرك الذي كان الناس عليه فى الجاهلية عطف على ندعوا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ بالوحى فانقذنا من الشرك ورزقنا الإسلام كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ استفعال من هوى يهوى بمعنى ذهب قرأ حمزة استهواه بالألف مما لا على التذكير والباقون بالتاء على التأنيث نظرا الى جمعية الفاعل والكاف فى محل النصب على المصدرية او على الحالية يعنى ردا مثل رد الذي ذهب به الشياطين او نرد مشبهين بالذي ذهب به الشياطين يعنى مردة الجن فِي الْأَرْضِ اى فى المفازة من الطريق الى المهالك حَيْرانَ حال من مفعول استهوته اى ضالا متحير الا يدرى اين يذهب وكيف يصنع لَهُ اى بهذا المستهوى أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى اى الى الطريق المستقيم سماه هدى تسمية للمفعول بالمصدر ائْتِنا تفسير ليدعونه بتقدير القول يعنى يقولون له ائتنا والمستهوى لا يجيبهم ولا يأتيهم وجملة له اصحاب فى محل النصب على الحالية من مفعول استهوته شبه الله سبحانه الضال عن طريق الإسلام والمسلمون يدعونه الى الإسلام فلا يلتفت إليهم بالذي استهوته الغيلان فذهبوا به عن الطريق وأصحابه يدعونه الى الطريق والاستفهام للانكار وجملة التشبيه حال من ضمير نرد قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ اى الإسلام هُوَ الْهُدى وما عداه ضلال وَأُمِرْنا منصوب المحل عطفا على محل ان هدى الله هو الهدى يعنى قل هذا القول وقل أمرنا لِنُسْلِمَ اللام بمعنى الباء او زائدة والفعل بتأويل المصدر بان مقدوة

[سورة الأنعام (6) : آية 72]

مفعول لامرنا يعنى أمرنا ان نسلم او بان نسلم او هى للتعليل والمفعول محذوف يعنى أمرنا باتباع الرسول لنسلم لِرَبِّ الْعالَمِينَ فان الوصول الى الله تعالى وتسليم أنفسهم له تعالى منحصر فى اتباع الرسول. وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ عطف على ان نسلم مفعولا لامرنا او علة يعنى أمرنا بان اقيموا او لاقامة الصّلوة والتقوى وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ يوم القيمة. وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قائما بِالْحَقِّ بالحكمة او محقا او المعنى متلبسات بالحق نظيره ما خلقت هذا باطلا او الباء بمعنى اللام اى لاظهار الحق وَيَوْمَ يَقُولُ للشئ كُنْ فَيَكُونُ يعنى يقول للخلق قوموا فيقومون فيكون مرفوعا على الخبر وليس بجواب ويوم منصوب باذكر او هو معطوف على الضمير المنصوب فى واتقوه يعنى اتقوا عذاب يوم يقول كن يعنى يوم القيمة او على السموات يعنى خلق السموات ويوم القيمة او منصوب بفعل محذوف دل عليه السياق يعنى خلق السموات والأرض وما بينهما ويعيدها يوم يقول للبعث كن فيكون وعلى هذه التأويلات قَوْلُهُ الْحَقُّ مبتدأ وخبر كلام مستأنف يعنى قوله هو الحق الصدق لا محالة وجاز ان يكون الموصوف مع الصفة فاعلا ليقول يعنى فيكون قوله الحق ولا يتخلف الخلائق عن قوله او المعنى حين يقول لقوله الحق اى لقضائه كن فيكون وقيل قوله الحق مبتدا ويوم يقول خبره مقدما عليه كما تقول يوم الجمعة قولك الصدق يعنى قولك الصدق كائن يوم الجمعة قدم الخبر للاهتمام والمعنى انه الخالق للسموات والأرض قوله الحق نافذ فى الكائنات يوم يقول كن فيكون وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ كقوله تعالى لمن الملك اليوم لله الواحد القهار والصور قرن ينفخ فيه كذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى جواب الاعرابى حين ساله رواه ابو داؤد وحسنه والنسائي وابن جبان وصححه والبيهقي فى البعث وابن المبارك فى الزهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص واخرج ابو الشيخ بن حبان فى كتاب العظمة عن وهب بن منبه قال خلق الله الصور من لؤلؤ بيضاء فى صفاء الزجاجة ثم قال للعرش خذ الصور فتعلق به ثم قال كن فكان اسرافيل فامره ان يأخذ الصور فاخذه وبه ثقب بعدد كل روح مخلوقة ونفس منفوسة لا يخرج روحان من ثقب واحد وفى وسط الصور كوة كاستدارة السماء والأرض واسرافيل واضع فمه فى تلك الكوة ثم قال له الرب تعالى قد وكلتك بالصور فانت بالنفخة والصيحة فدخل اسرافيل

[سورة الأنعام (6) : آية 74]

فى مقدم العرش وادخل رجله اليمنى تحت العرش وقدم اليسرى ولم يطرف منذ خلقه الله ينتظر متى يومر به واخرج احمد والطبراني بسند جيد عن زيد بن أرقم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن واحنى جبهته وأصغى بالسمع متى يومر فسمع بذلك اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق عليهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل وكذا اخرج احمد والحاكم فى المستدرك والبيهقي فى البعث والطبراني فى الأوسط عن ابن عباس وفيه حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا وكذا الترمذي والحاكم والبيهقي عن ابى سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم وابو نعيم عن جابر واخرج البزار والحاكم عن ابى سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من صباح الا وملكان موكلان بالصور ينتظران متى يومران فينتفخان وروى ابن ماجة والبزار عنه مرفوعا بلفظ ان صاحبى الصور بايديهما قرنان يلاحظان النظر متى يومران واخرج الحاكم من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال النافخان فى السماء الثانية وراس أحدهما بالمشرق ورجلاه بالمغرب وراس أحدهما بالمغرب ورجلاه بالمشرق ينتظران متى يومران ان ينفخا فى الصور فينفخان فهذه الأحاديث تدل على ان نافخا الصور ملكان لهما قرنان واخرج الطبراني بسند حسن عن كعب الأحبار حديثا فيه ملك الصور جاث على احدى ركبتيه وقد نصب الاخرى فالتقم الصور فحنى ظهره وقد امر إذ رأى اسرافيل قد ضم جناحيه ان ينفخ فى الصور فقالت عائشة هكذا يعنى مثل ما قال كعب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال ابن حجر هذا الحديث يدل على ان النافخ غير اسرافيل فليحمل على انه ينفخ النفخة الاولى إذا راى اسرافيل ضم جناحيه ثم ينفخ اسرافيل نفخة البعث والله اعلم واخرج ابو الشيخ بن حبان فى كتاب العظمة عن ابى بكر الهذلي قال ان ملك الصور الذي وكل به ان احدى قدميه لفى الأرض وهو جاث على ركبته شاخص ببصره الى اسرافيل ما طرف منذ خلقه الله ينتظر متى يشير اليه فينفخ فى الصور عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ اى هو عالم الغيب يعنى ما لم يوجد والشهادة يعنى ما وجد فان كل موجود مشهود لله تعالى لا يعزب عنه مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض وَهُوَ الْحَكِيمُ فى الإيجاد والافناء الْخَبِيرُ بالحساب والجزاء وبأحوال المخلوقات كلها. وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ قرأ يعقوب آزر بالضم

يعنى يا آزر والباقون بالفتح فى محل الجر على انه عطف بيان لابيه وهو اسم أعجمي غير منصرف للعلمية والعجمة وقيل هو اسم عربى مشتق من الأزر بمعنى القوة او الوزر بمعنى الثقل لم ينصرف للعلمية ووزن الفعل وكان آزر على الصحيح عما لابراهيم والعرب يطلقون الأب على العم كما فى قوله تعالى نعبد إلهك واله ابائك ابراهيم واسمعيل وإسحاق الها واحدا وكان اسمه ناخور........ وكان ناخور على دين ابائه الكرام كما ذكرنا فى سورة البقرة ثم لما صار وزير النمرود اختار الكفر للحرص فى الدنيا وترك دين ابائه روى البخاري عن ابى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يلقى ابراهيم آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة فيقول ابراهيم الم اقل لك لا تعصنى فيقول أبوه فاليوم لا أعصيك فيقول ابراهيم يا رب انك وعدتني ان لا تخزينى يوم يبعثون فاى خزى اخزى من ابى الا بعد فيقول الله انى حرمت الجنة على الكافرين ثم يقال يا ابراهيم ما تحت رجليك فينظر فاذا بذيخ «1» متلطخ فيوخذ بقوائمه فيلقى فى النار والله اعلم قال الرازي انه كان عما لابراهيم ولم يكن أبوه وقد سبقه الى هذا القول جماعة من السلف قال الزرقانى فى شرح المواهب ان دليل كون آزر عما لابراهيم ما قد صرح به الشهاب الهيثمي بان اهل الكتابين والتاريخ اجمعوا ان آزر عم ابراهيم كما قال الرازي وقال السيوطي روينا بالأسانيد عن ابن عباس ومجاهد وابن جرير والسدى انهم قالوا ليس آزر أبا لابراهيم انما هو ابراهيم بن تارخ وقال السيوطي وقفت على اثر فى تفسير ابن المنذر صرح فيه بانه عمه وفى القاموس آزر اسم عم ابراهيم عليه السلام واما أبوه فانه تارخ بالخاء المهملة وقيل بالمعجمة او هما واحد ويؤيد القول بانه لم يكن أبا له عليه السلام ما ذكرنا فى سورة البقرة فى تفسير قوله تعالى ولا تسال عن اصحاب الجحيم انه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال بعثت من خير قرون بنى آدم قرنا فقرنا حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه رواه البخاري وقد صنف السيوطي فى اثبات اسلام اباء النبي صلى الله عليه وسلم الى آدم عليه السّلام رسائل والله اعلم لكن قال محمد بن إسحاق والضحاك والكلبي ان آزر اسم ابى ابراهيم واسمه تارخ ايضا مثل إسرائيل ويعقوب وقال مقاتل ابن حبان آزر لقب لابى ابراهيم واسمه تارخ قال سليمان التيمي هو سبّ وعيب ومعناه فى كلامهم المعوج وقيل معناه الشيخ الهرم بالفارسية وعلى هذا

_ (1) الذيخ ذكر الضباع أراد بالتلطخ التلطخ برجيعه او بالطين 12

[سورة الأنعام (6) : آية 75]

عدم انصرافه لانه اسم أعجمي حمل على موازنه والاول أصح وقال سعيد ابن المسيب ومجاهد آزر اسم صنم لقب به لانه كان يعبده او اطلق عليه بحذف المضاف يعنى عبد آزر وعلى تقدير كونه اسم صنم منصوب بفعل مضمر يفسره ما بعده اعنى أَتَتَّخِذُ تقديره أتعبد آزر أتتخذه الها فوضع المظهر موضع المضمر للدلالة على عدم انحصار عبادته فى آزر فقال أَصْناماً آلِهَةً دون الله تعالى إِنِّي قرأ نافع وابن كثير وابو عمرو بفتح الياء والباقون بالإسكان أَراكَ وَقَوْمَكَ يعنى اهل دينك فِي ضَلالٍ عن الحق مُبِينٍ ظاهر الضلالة. وَكَذلِكَ يعنى كما أريناه الحق على خلاف قرنه نُرِي حكاية حال ماضية إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ كرهبوت وترقوت العز والسلطان كذا فى القاموس مشتق من الملك زيدت الواو والتاء للمبالغة فهو أعظم الملك قال فى الصحاح الملكوت مختصة بملك الله تعالى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اضافة الملكوت الى السموات والأرض من قبيل اضافة المصدر الى المفعول يعنى سلطان الله وربوبيته السموات قال مجاهد وسعيد بن جبير يعنى آيات السموات والأرض وذلك انه أقيم على صخرة وكشف له عن السموات والأرض حتى العرش وأسفل الأرضين ونظر الى مكانه فى الجنة وذلك قوله تعالى واتيناه اجره فى الدنيا يعنى أريناه مكانه فى الجنة وروى عن سلمان ورفعه بعضهم عن على رضى الله عنه لما ارى ابراهيم ملكوت السموات والأرض ابصر رجلا على فاحشة فدعا عليه فهلك ثم ابصر اخر فدعا عليه فهلك ثم ابصر اخر فاراد ان يدعوا عليه فقال الرب عز وجل يا ابراهيم انك رجل مستجاب الدعوة فلا تدعون على عبادى فانما انا من عبادى على ثلث خصال اما ان يتوب الىّ فاتوب عليه واما ان اخرج عنه نسمة تعبدنى واما ان يبعث الىّ فان شئت عفوت عنه وان شئت عاتبته وفى رواية واما ان يتولى فان جهنم من ورائه وقال قتادة ملكوت السموات الشمس والقمر والنجوم وملكوت الأرض الجبال والأشجار والبحار وَلِيَكُونَ معطوف على مقدر دل عليه السباق يعنى يستدل وليكون مِنَ الْمُوقِنِينَ او متعلق بفعل محذوف معطوف على نرى يعنى وفعلنا ذلك ليكون من الموقنين عيانا كما كان على بصيرة إلهاما من الله تعالى. فَلَمَّا جَنَّ اى اظلم عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى قرأ حمزة والكسائي وابو بكر وابن ذكوان هذا وشبهه من لفظه إذا لم يأت بعد الياء ساكن بامالة فتحة الراء والهمزة

جميعا كَوْكَباً اى الزهرة او المشترى قالَ إلزاما للكفار فانهم كانوا يعبدون الأصنام والكواكب ويعظمونها ويرون ان الأمور كلها إليها فاراد ان ينبههم على ضلالتهم ويرشدهم الى الحق من طريق النظر والاستدلال فقال هذا رَبِّي فى زعمكم او بحذف همزة الاستفهام يعنى أهذا ربى او قال على سبيل الفرض فان المستدل على فساد قوله يحكيه على ما يقوله الخصم ثم يرجع عليه بالابطال واجرى بعضهم على ظاهره فقال كان ابراهيم عليه السّلام حينئذ مسترشدا طالبا للتوحيد حتى وفقه الله تعالى وأتاه رشده فلم يضره ذلك فى حالة الاستدلال قال البغوي وكان ذلك فى حالة طفوليته قبل قيام الحجة عليه فلم يكن كفرا وقال البيضاوي انما قال ذلك زمان راهقته او أول أوان بلوغه وفى شرح خلاصة السير لمولانا ابى بكر ان استدلاله بالكواكب والقمر كان وهو ابن خمسة عشر شهرا والصحيح هو القول الاوّل إذ لا يجوز ان يكون لله رسول يأتي عليه وقت من الأوقات الا وهو لله موحد وبه عارف ومن كل معبود سواه برى وكيف يتوهم هذا على من عصمه الله وطهّره وأتاه رشده من قبل قال فى الشفاء قال الله تعالى ولقد اتينا ابراهيم رشده من قبل اى هديناه صغيرا قاله مجاهد وغيره وقال ابن عطا اصطفاه قبل بدأ خلقه وقال بعضهم لما ولد ابراهيم عليه السّلام بعث الله اليه ملكا يأمره عن الله تعالى ان يعرفه بقلبه ويذكره بلسانه فقال قد فعلت ولم يقل افعل فذلك رشده وفى هذه الاية عطف قوله تعالى فلما جن على قوله تعالى قال ابراهيم وقوله تعالى وكذلك نرى ابراهيم اعتراض والغاء للتعقيب فدلت هذه الاية على انه كان هذا الاستدلال بعد قوله أتتخذ أصناما الهة انى أراك وقومك فى ضلال مبين وعلى تقدير كون هذا الكلام على طريقة الاستدلال الفاء للتفسير والتفصيل لقوله تعالى كذلك نرى ابراهيم وعلى هذا التقدير لا بد ان يكون هذا الكلام أول ليلة راى الكوكب من زمان عقله وشعوره بحيث لم ير قبل ذلك قط وأساسا لهذا المفاد يذكرون قصة وذلك ان ابراهيم عليه السّلام ولد فى زمن نمرود بن كنعان وكان نمرود أول من وضع التاج على راسه ودعا الناس الى عبادته وكان له كهان ومنجمون فقالوا له انه يولد فى بلدك هذه السنة غلام يغير دين اهل الأرض ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه ويقال انهم وجدوا ذلك فى كتب الأنبياء عليهم السّلام وقال السدى راى نمرود فى منامه كان كوكبا طلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء ففزع فزعا شديدا

فدعا السحرة والكهنة فسالهم عن ذلك فقالوا هو مولود يولد فى ناحيتك هذه السنة فيكون هلاكك واهل بيتك وزوال ملكك على يديه قالوا فامر بذبح كل غلام يولد فى ناحيته تلك السنة وامر بعزل الرجال عن النساء وجعل على كل عشر رجلا فاذا حاضت المرأة خلى بينها وبين زوجها لانهم كانوا لا يجامعون فى الحيض فاذا طهرت حال بينهما فرجع آزر فوجد امرأته قد طهرت من الحيض فواقعها فحملت بإبراهيم عليه الصّلوة والسّلام قال محمد بن إسحاق بعث نمرودا الى كل امرأة حبلى بقرينه فحبسها عنده الا ما كان من أم ابراهيم عليه السّلام لانها كانت جارية حديثة السن لم يعرف الحبل فى بطنها وقال السدى خرج نمرود بالرجال الى المعسكر ونحاهم عن النساء تخوفا من ذلك المولود ان يكون فمكث بذلك ما شاء الله ثم بدت له حاجة الى المدينة فلم يأتمن عليها أحدا من قومه الا آزر فبعث اليه ودعاه وقال ان لى حاجة أحب ان أوصيك بها ولا أبعثك الا لثقتى بك فاقسمت عليك ان لا تدنوا من أهلك فقال آزر انا أشحّ على دينى من ذلك فاوصاه بحاجته فدخل المدينة وقضى حاجته ثم قال لو دخلت على أهلي فنظرت إليهم فلما نظر الى أم ابراهيم عليه السّلام لم يتمالك حتى واقعها فحملت بإبراهيم عليه السّلام وقال ابن عباس لما حملت أم ابراهيم قال الكهان لنمرود ان الغلام الذي قد أخبرناك به قد حملت امه الليلة فامر نمرود بقتل الغلمان فلما دنت ولادة أم ابراهيم وأخذها المخاض خرجت هاربة مخافة ان يطلع عليها فيقتل ولدها فوضعته فى «1» حلفاء فرجعت فاخبرت زوجها بانها ولدت وان الولد فى موضع كذا فانطلق أبوه فاخذه من ذلك المكان وحفر له سربا عند نهر فواراه فيه وسد عليه بابه بصخرة مخافة السباع وكانت امه تختلف اليه فترضعه وقال محمد بن إسحاق لما وجدت أم ابراهيم الطلق خرجت ليلا الى مغارة كانت قريبا منها فولدت فيها ابراهيم فاصلحت من شانه ما يصنع بالمولود ثم سدت عليه المغارة ورجعت الى بيتها ثم كانت تطالعه لتنظره ما فعل فتجده حيا يمص إبهامه قال ابو روق قالت أم ابراهيم ذات يوم لانظرن الى أصابعه فوجدته يمص من إصبع ماء ومن إصبع لبنا ومن إصبع عسلا ومن إصبع تمرا ومن إصبع سمنا وقال محمد ابن إسحاق كان آزر قد سال أم ابراهيم عن حملها ما فعل فقالت قد ولدت غلاما فمات فصدقها وسكت

_ (1) حلفاء نبت فى الماء 12

عنها وكان اليوم على ابراهيم فى الشباب كالشهر والشهر كالسنة فلم يمكث ابراهيم فى المغارة الا خمسة عشر شهرا حتى قال لامه أخرجني فاخرجته عشاء فنظر فتفكر فى خلق السموات والأرض وقال ان الذي خلقنى وأطعمني وسقانى لربى الذي مالى اله غيره ثم نظر فى السماء فرأى كوكبا قال هذا ربى ثم اتبعه بصره ينظر اليه حتى غاب فلما أفل قال لا أحب الآفلين ثم راى القمر بازغا قال هذا ربى ثم اتبعه بصره حتى غاب ثم طلع الشمس هكذا الى آخره ثم رجع الى أبيه آزر وقد استقامت وجهته وعرف ربه وبرى من دين قومه الا انه لم يبادهم بذلك فاخبره انه ابنه وأخبرته امه انه ابنه وأخبرته بما كانت صنعت فى شانه فسر آزر بذلك وفرح فرحا شديدا وقيل انه كان فى السرب سبع سنين وقيل ثلث عشرة سنة وقيل سبع عشرة سنة قلت وهذه القصة ان صحت فالى هنالك لا تدل على كفر أبوي ابراهيم الا تسمية ابى ابراهيم بازر فان كفر آزر ثابت بالكتاب والسنة والظاهر ان تسمية ابى ابراهيم فى هذه القصة بازر وهم من بعض الرواة لكن قال بعضهم فى القصة انه لما شب ابراهيم عليه السّلام وهى فى السرب قال لامه من ربى قالت انا قال فمن ربك قالت أبوك قال فمن رب ابى قال نمرود قال فمن ربه قالت اسكت فسكت ثم رجعت الى زوجها فقالت ارايت الغلام الذي كنا نحدث انه يغير دين اهل الأرض فانه ابنك ثم أخبرته بما قال فاتاه أبوه فقال له ابراهيم يا أبتاه من ربى قال أمك قال فمن رب أمي قالت انا قال فمن ربك قال نمرود قال فمن رب نمرود فلطمه لطمة وقال له اسكت فلما جن عليه الليل دنا من باب السرب فنظر من خلال الصخرة فابصر كوكبا قال هذا ربى ويقال انه قال لابويه أخرجاني فاخرجاه من السرب وانطلقا به حين غابت الشمس فنظر ابراهيم الى الإبل والخيل والغنم فسال أباه ما هذه فقال ابل وخيل وغنم قال ما لهذه بد من ان يكون لهارب وخالق ثم نظر فاذا المشترى قد طلع ويقال الزهرة فكان تلك الليلة من اخر الشهر فتاخر طلوع القمر فيها فرأى الكوكب قبل القمر فذلك قوله عز وجل فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى وهذه القصة تدل على كفر أبوي ابراهيم عليه السّلام لكن لا يدل على موتهما على الكفر وايضا هذه القصة مع اختلافها واضطرابها وعدم ثبوتها بسند صحيح لا يقوى معارضة ما صح عنه صلى الله عليه وسلم ان ابائه كلهم من آدم عليه السّلام الى أبويه كانوا مومنين

[سورة الأنعام (6) : آية 77]

وانه انتقل من أصلاب الطاهرين الى أرحام الطاهرات ومن أرحام الطاهرات الى أصلاب الطاهرين وعليه حمل قوله تعالى ونقلبك فى الساجدين واطلاق الأب على العم شائع لا سيما إذا رباه ولعل تارخ مات وترك ابراهيم فى بطن امه او وليدا رضيعا ورباه عمه آزر والله اعلم- فَلَمَّا أَفَلَ يعنى غاب الكوكب قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ اى لا أحب عبادة المتغيرين عن حال الى حال لان التغير امارة الحدوث إذ القديم لا يكون محلا للحوادث والحدوث ينافى الالوهية. فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ قرأ حمزة وابو بكر هذا وشبهه إذا لقيت الياء ساكنا منفصلا بامالة فتحة الراء فقط دون الهمزة والباقون بفتحها هذا فى حالة الوصل واما فى حالة الوقف فالاختلاف كما مر فى رأى كوكبا وعن ابى بكر وابى شعيب فى روايته عنهما بامالة الراء والهمزة جميعا فى الوصل ايضا وعن البزي نحوه بازِغاً فى بداية الطلوع قالَ هذا رَبِّي هذا القول فى القمر والشمس بعد تمام الاستدلال بالكوكب ليس الا لالزام الخصم والا فالعاقل يكفيه الاشارة وابراهيم عليه السلام مع كمال قوته النظرية لا يتصور ان يحتاج الى استدلال اخر بعد تمام الاستدلال فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ قال ذلك شكر النعمة الهداية من الله تعالى كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا وفيه ارشاد لقومه وتنبيه لهم على ان القمر ايضا لتغير حاله لا يصلح للالوهية وان من اتخذه الها فهو ضال وانما احتج عليهم بالأقوال دون البزوغ مع ان كلا منهما انتقال من حال الى حال لان الاحتجاج به اظهر لكونه انتقالا الى اخس الحالين وأدونهما. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي قيل ذكر اسم الاشارة لتذكير الخبر وصيانية للرب عن شبهة التأنيث وقيل أراد به هذا الطالع أوردا الى المعنى وهو الضياء والنور وعندى ان تأنيث الشمس انما هو سماعى لفظى فى لغة العرب لان تصغيره شميسة دون غيرها من اللغات ولسان ابراهيم عليه السّلام لم يكن عربيا فذكر ابراهيم اسم الاشارة بناء على لغته وحكاه الله سبحانه على ما قاله بلغة العرب هذا أَكْبَرُ من الكواكب كبره استدلالا واظهار الشبهة الخصم فَلَمَّا أَفَلَتْ غربت قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ تبرأ من جميع الالهة الباطلة فانه لما تبين ان الكواكب والقمر والشمس مع كونها اجراما

[سورة الأنعام (6) : آية 79]

علوية عظيمة منيرة غير صالحة للالوهية لكونها محلا لتغيرات محدثة محتاجة الى محدث يحدثها ويخصصها بما يختص به فالاصنام وغيرها من الاجرام السفلية اولى ان لا تتخذ الها وهذا يعنى مخاطبة القوم والتبري عما يعبدونه بعد تمام الحجة دليل واضح على ان هذا الكلام من ابراهيم عليه السّلام لم يكن الا لالزام الخصوم لا لطلب تحقيق لم يكن حاصلا له ولما تبرأ عن الالهة الباطلة ارشدهم الى وجود الإله الحق الذي دلت عليه الممكنات بأسرها فقال. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ قرأ نافع وابن عامر وحفص بفتح الياء والباقون بالإسكان لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وما فيها وَالْأَرْضَ وما فيها يعنى الذي دلت على وجوده ووجوبه هذه الموجودات التي لا تقتضى ذواتها وجوداتها المحتاجة الى من يخرجها من العدم الى الوجود حَنِيفاً حال من فاعل وجهت يعنى مائلا من الأديان كلها الى الإسلام وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ بالله شيئا من خلقه. وَحاجَّهُ قَوْمُهُ فى توحيد الله ونفى الشركاء عنه يعنى قاموا بالمجادلة لما عجزوا وبهتوا فى مقابلة الاستدلال الصحيح وقالوا احذر الهتنا ان تمسك بسوء واحذر نمرود ان يقتلك او يحرقك قالَ ابراهيم أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ بعد تمام الاستدلال على وجوده وتوحيده وَقَدْ هَدانِ اثبت الياء فى الوصل ابو عمرو حذف الباقون يعنى هدانى الله الى الحق واقامة الحجة مع كونى صغيرا اميا وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ تعالى من الممكنات سواء كان من الفلكيات كالشمس والقمر والكواكب او من العنصريات من ذوى العقول كنمرود او من الجمادات كالاصنام فان كلها مثلى فى عدم الاقتدار على النفع والضرر الا باقتدار الله تعالى او أعجز منى روى ان ابراهيم لما خرج من السرب وصار بحال سقط عنه طمع الذباحين وضمه آزر الى نفسه جعل آزر يصنع الأصنام ويعطيها ابراهيم ليبيعها فيذهب بها ابراهيم وينادى من يشترى ما يضره ولا ينفعه فلا يشتريها أحد فاذا بات عليه ذهب بها الى نهر فصوب فيه راسه وقال اشربى استهزاء بقومه إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً يعنى لا يستطيع ما تشركون بالله اضرارى فى وقت من الأوقات الا وقت ان يشاء ربى شيئا من الإضرار وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً كانه علة للاستثناء يعنى لا يبعد ان يكون فى علمه ان يصيبنى مكروه من جهة بعض عباده بمشيته وخلقه وأقداره على الكسب أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ فتميّزوا بين العاجز على الإطلاق كالاصنام وبين العاجز فى نفسه

[سورة الأنعام (6) : آية 81]

القادر باقدار الله تعالى ومشيته وبين القهار المقتدر على الإطلاق. وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ به ولا يقدر أحد منهم على الإضرار من غير مشية الله وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ وهو حقيق ان يخاف منه كل الخوف فانه هو القادر على الإطلاق الضار النافع ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ اى باشراكه عَلَيْكُمْ سُلْطاناً دليلا نقليا من الكتاب ولا عقليا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ من الموحدين بالله المعتقدين على ما اقتضاه العقل والنقل والمشركين به المعتقدين بما لا دليل عليه أَحَقُّ بِالْأَمْنِ من العذاب والمكاره فى الدنيا والاخرة لم يقل أينا احترازا عن تزكية النفس وايماء بان استحقاق الا من غير مختص به بل يشتمل كل موحد ففيه ترغيب لهم فى التوحيد إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ من يحق ان يخاف منه لا تخافوا الا الله تعالى كما أخاف دل على الجزاء ما سبق او المعنى ان كنتم ذا علم وبصيرة فانصفوا فى الجواب عن الاستفهام. الَّذِينَ آمَنُوا بالله وَلَمْ يَلْبِسُوا اى لم يخلطوا إِيمانَهُمْ بالله تعالى بِظُلْمٍ بشرك أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ من العذاب وَهُمْ مُهْتَدُونَ الى الحق والى الجنة عن عبد الله بن مسعود قال انه لما نزلت هذه الاية شق ذلك على المسلمين فقالوا يا رسول الله فاينا لا يظلم نفسه فقال ذلك انما هو الشرك الم تسمعوا الى ما قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بنى لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم متفق عليه وهذه الاية استيناف من الله تعالى او من ابراهيم بالجواب عما استفهم عنه حين لم يسمع منهم جوابا حقا واخرج ابن ابى حاتم من طريق عبيد الله بن زحر عن بكر بن سوادة قال حمل رجل من العدو على المسلمين فقتل رجلا ثم حمل فقتل اخر ثم حمل فقتل اخر ثم قال أينفعنى الإسلام بعد هذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم فدخل فيهم ثم حمل على أصحابه فقتل رجلا ثم اخر ثم قتل قال فيرون ان هذه الاية نزلت فيه الذين أمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم الاية. وَتِلْكَ اشارة الى ما مر من قوله تعالى فلما جن عليه الليل الى قوله تعالى وهم مهتدون وهذا اصرح دليلا على ان ما مر من مقال ابراهيم انما كان احتجاجا على قومه لا تفكرا واستدلالا لنفسه كيف والنفوس القدسية لا يحتاجون الى تجشم الاستدلال وقيل أراد به الاحتجاج الذي حاج نمرود على ما سبق فى سورة البقرة وهذا بعيد جدا حُجَّتُنا خبر لاسم الاشارة او صفة له او بدل منه آتَيْناها إِبْراهِيمَ ارشدناه إليها الجملة خبر او خبر بعد خبر او معترضة

[سورة الأنعام (6) : آية 84]

عَلى قَوْمِهِ يعنى على من بعث إليهم كنمرود واتباعه متعلق بحجتنا ان جعل خبرا وصفة وبمحذوف ان جعل بدلا يعنى اتيناها ابراهيم حجته على قومه نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ قرأ الكوفيون هاهنا وفى سورة يوسف درجات بالتنوين على انه تميز من النسبة او مفعول مطلق يعنى نرفع من نشاء درجات فى العلم والحكمة والباقون بالاضافة اى نرفع درجاتهم إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ فى رفعه وخفضه عَلِيمٌ بحال من يرفعه واستعداده. وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ ابنا وَيَعْقُوبَ ابن ابن كُلًّا اى كلواحد منهما هَدَيْنا انتصب كلا بهدينا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ ابراهيم عد هداه نعمة على ابراهيم من حيث انه أبوه وفيه دليل على ان شرف الوالد يتعدى الى الولد وبالعكس قلت فمن المحال ان يكون بعض اباء النبي صلى الله عليه وسلم مع كونه محبوبا لله كافرا وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ قيل الضمير راجع الى ابراهيم لان الكلام فيه وقيل لنوح لانه اقرب ولان يونس ولوطا ليسا من درية ابراهيم والثاني اظهر فلو كان لابراهيم اختص البيان فى المعدودين فى تلك الاية والتي بعدها والمذكورون فى الاية الثالثة معطوفون على نوحا داوُدَ بن اليشا وَسُلَيْمانَ بن داود وَأَيُّوبَ بن اموص بن رازخ بن روم ابن عيص بن إسحاق بن ابراهيم وَيُوسُفَ بن يعقوب بن إسحاق وَمُوسى وَهارُونَ اخوه اكبر منه بسنة ابني عمران بن يصهر بن قاهت بن لاوى بن يعقوب وَكَذلِكَ منصوب على المصدرية بما بعده اى جزاء مثل جزاء ابراهيم على إحسانه يرفع درجاته ودرجات ابنائه نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ الإحسان ان تعبد ربك كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك متفق عليه من حديث عمر مرفوعا فى قصة سوال جبرئيل. وَزَكَرِيَّا بن اذن وَيَحْيى بن زكريا وَعِيسى بن مريم بنت عمران وَإِلْياسَ بن متى ابن فخاص بن عيزار بن هارون عليه السّلام وقال ابن مسعود هو إدريس وله اسمان مثل يعقوب وإسرائيل وسياق الاية يابى عنه فان إدريس ليس من ذرية نوح بل هو جد ابى نوح فان نوحا ابن لامك بن متوشلخ بن خنوخ بن إدريس وهو أول بنى آدم اعطى النبوة وخط بالقلم كُلٌّ اى كلواحد منهما كائن مِنَ الصَّالِحِينَ اى المعصومين عن الصغائر والكبائر فان من اتى بما نهى الله عنه او ترك ما امر به فهو فاسد وان قل فساده بالنسبة الى غيره واطلاق الصالح على غير المعصوم إضافي

[سورة الأنعام (6) : آية 86]

غير حقيقى لكن إطلاقه على من اتى بمعصية ثم تاب عنه واستغفر صحيح بالحقيقة فان التائب من الذنب كمن لا ذنب له لكن الكامل فى الصلاح هو المعصوم والله اعلم.. وَإِسْماعِيلَ بن ابراهيم جد النبي صلى الله عليه وسلم وَالْيَسَعَ بن أخطوب بن العجحور قرأ حمزة والكسائي واليسع هنا بلام مشددة واسكان الياء والباقون بلام ساكنة مخففة وفتح الياء وعلى القراءتين علم أعجمي ادخل عليه اللام كما ادخل على اليزيد فى قوله رايت الوليد بن اليزيد مباركا شديدا باعياء الخلافة كاهله وَيُونُسَ بن متى وَلُوطاً ابن هاران ابن أخي ابراهيم عليه وعليهم الصلاة والسلام وَكلًّا اى كلواحد منهم منصوب بما بعده فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ اى عالمى زمانهم فيه دليل على فضلهم على من عداهم فى ذلك الزمان من الملئكة وغيرهم من الخلائق. وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ عطف على كلا يعنى فضلنا كلا منهم وبعض ابائهم وذرياتهم وإخوانهم او على نوحا يعنى هدينا هؤلاء وبعض ابائهم وذرياتهم وإخوانهم فان منهم من لم يكن نبيا ولا مهديا وَاجْتَبَيْناهُمْ اى اخترناهم عطف على فضلنا او هدينا وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تكرير لبيان ما هدوا اليه. ذلِكَ التوحيد الذي دانوا به هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ دليل على انه متفضل بالهداية وَلَوْ أَشْرَكُوا يعنى هؤلاء الأنبياء فرضا مع فضلهم وعلو شانهم لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فضلا عن غيرهم. أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ اى الجنس الكتب المنزلة والإتيان أعم من الانزال عليه او امره بتبليغه وَالْحُكْمَ اى الحكمة والفقه او فصل الخصومات على مقتضى الحق او كونهم حاكمين مطاعين وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها اى بهذه الثلاثة هؤُلاءِ اى كفار مكة فَقَدْ وَكَّلْنا بِها يعنى وفقنا بالايمان بها وبمراعات حقوقها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ يعنى الأنصار واهل المدينة قاله ابن عباس ومجاهد والظاهر عمومه لجميع الصحابة ولمن تبعهم من اهل الفرس وغيرهم وقال ابو رجا العطاردي ان يكفر بها اهل الأرض فقد وكلنا بها اهل السماء وهم الملئكة. أُولئِكَ المذكورون من الأنبياء مبتدأ خبره الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ يعنى هديهم الله الى التوحيد واصول الدين والى الإتيان بما امر الله به والانتهاء عما نهى الله عنه فَبِهُداهُمُ اى بطريقتهم

[سورة الأنعام (6) : آية 91]

اقْتَدِهْ الظرف للحصر يعنى لا تقتد الا بهديهم فيه تعريض على المشركين فى اقتدائهم بآبائهم الضالين والمراد بالاقتداء بطريقتهم الاخذ بها لا تقليدهم فان التقليد ليس من شأن اهل الاجتهاد من الامة فكيف يليق بالأنبياء لا سيما بسيدهم يعنى اسلك على طريق الهداية واتباع الشرع المويد بالعقل كما سلكوا ففيه تنبيه على ان طريقهم هو الحق الموافق للدليل العقلي والسمعي قال البيضاوي المراد بهداهم ماتوا فقوا عليه من التوحيد واصول الدين دون الفروع المختلف فيها فانها ليست مضافة الى الكل ولا يمكن التأسى بهم جميعا فليس فيه دليل على انه صلى الله عليه وسلم كان متعبدا بشرائع من قبلنا قلت كلهم كانوا مامورين فى الفروع بامتثال امر نزل من الله تعالى ما لم ينزل نسخه فيحصل التأسى بجميعهم فى الفروع ايضا بإتيان ما ثبت نزوله من الله تعالى بالوحى المتلو او غير المتلو ولم يثبت نسخه فيجب التعبد بشرائع من قبلنا والله اعلم والهاء فى اقتده هاء سكت ولذا حذفه حمزة والكسائي ويعقوب وصلا وأثبتها الباقون فى الحالين تبعا للخط وقرأ ابن عامر بكسر الهاء وابن ذكوان عنه بالإشباع وهشام عنه بالكسر بلا صلة تشبيها بهاء الضمير او هى ضمير راجع الى المصدر يعنى اقتد الاقتداء قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ اى على التبليغ او القران أَجْراً من جهتكم كما لم يسأل من قبلى من النبيين وهذا مما امر بالاقتداء بهم فيه وفيه دليل على ان أخذ الاجر على تعليم القران والفقه ورواية الحديث لا يجوز إِنْ هُوَ اى التبليغ او القران إِلَّا ذِكْرى تذكيرا وعظة لِلْعالَمِينَ ع للانس والجن اخرج ابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير مرسلا قال جاء رجل من اليهود يقال له مالك ابن الضيف يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أنشدك بالذي انزل التورية على موسى هل تجد فى التورية ان الله يبغض الحبر السمين وكان سمينا فغضب فقال والله ما انزل الله على بشر من شىء فقال له أصحابه ويحك ولا على موسى فانزل الله تعالى. وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ الاية واخرج ابن جرير نحوه عن عكرمة قال البغوي لاجل هذه المقالة نزع يهود مالكا عن الحيرية وجعلوا مكانه ابن الأشرف وقال السدى نزلت هذه الاية فى فخاص بن عازورا وهو قائل هذه المقالة وقد تقدم الحديث فى سورة النساء واخرج ابن جرير من طريق ابى طلحة عن ابن عباس قال قالت اليهود يا محمد انزل الله عليك كتابا قال نعم قالوا والله ما انزل الله من السماء كتابا فانزل الله تعالى

[سورة الأنعام (6) : آية 92]

ما قدروا الله حقّ قدره اى ما عرفوه حق معرفته فى الرحمة والانعام على العباد إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ حين أنكروا بعثة الرسل وذلك أعظم رحمة وحق قدره منصوب على المصدرية قُلْ يا محمد مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ التورية الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً حال من الكتاب او من الضمير فى به وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تكتبون عنه دفاتر وكتبا مقطعة تُبْدُونَها اى ما تحبون منها وَتُخْفُونَ كَثِيراً كنعت محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى عليه السّلام واية الرجم وغير ذلك وفيه توبيخهم وذمهم على ما فعلوا بالتورية باتباع شهواتهم قرأ ابن كثير وابو عمرو يجعلونه يبدونها يخفون الثلاثة بالياء على الغيبة حملا على ما قدروا وقالوا والباقون بالتاء على الخطاب لقوله تعالى قل من انزل وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قال الأكثرون هذا خطاب لليهود يعنى علمتم ايها اليهود على لسان محمد صلى الله عليه وسلم زيادة على ما فى التورية او بيانا لما أشكل عليكم وعلى ابائكم من عبادة التورية نظيره قوله تعالى ان هذا القران يقص على بنى إسرائيل اكثر الذي هم فيه يختلفون قال الحسن جعل لهم علم ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فضيعوه وقال مجاهد هذا خطاب للمسلمين يذكرهم النعمة فيما علموا ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا أميين قُلِ اللَّهُ اى أنزله الله او الله أنزله هذا متصل بقوله تعالى قل من انزل امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالجواب لما بهتوا عن الجواب اشعارا بان الجواب متعين لا يمكن غيره ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ اى فى أباطيلهم يَلْعَبُونَ حال من مفعول ذرو الظرف متعلق بذرهم او يلعبون او حال من فاعل يلعبون وجاز ان يكون يلعبون حالا من ضمير فى خوضهم والظرف متصل بالأول. وَهذا القران كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ اى كثير الفائدة والنفع مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ من التورية وغيرها وَلِتُنْذِرَ عطف على ما دل عليه مبارك يعنى لتنتفع به ولتنذر قرأ ابو بكر عن عاصم لينذر بالياء على الغيبة والضمير راجع الى الكتاب أُمَّ الْقُرى يعنى مكة سميت بها لان الأرض دحيت من تحتها فهى كالاصل لجميع الأرض او لانها قبلة اهل القرى وموضع حجهم ومرجع لاهل جميع الأرض والمضاف محذوف يعنى لتنذر اهل أم القرى وَمَنْ حَوْلَها الى الشرق والغرب وأطراف الأرض وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ

[سورة الأنعام (6) : آية 93]

بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ فان من أمن بالاخرة خاف العاقبة ولا يزال الخوف يحمله على النظر والتفكر حتى يؤمن بالنبي والكتاب والضمير يحتملهما ويحافظ على الطاعات وخص الصلاة بالذكر لانها عماد الدين وفى الاية تعريض على اليهود انهم لم يؤمنوا بالقران ومحمد صلى الله عليه وسلم لاجل انهم لم يؤمنوا بالاخرة وبما جاء به موسى عليه السّلام للتلازم بين الايمان بالتورية والقران والقيامة. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى اى اختلق والفرية بالكسر الكذب عَلَى اللَّهِ كَذِباً منصوب على المصدرية مثل مالك بن الضيف القائل بانه ما انزل الله على بشر من شىء ومثل عمرو بن لحىّ واتباعه القائلين بان الله حرم الصوائب والحوامي وبان انعاما حرمت ظهورها وبان ما فى بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وان يكن ميتة فهم فيه شركاء أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ قال البغوي قال قتادة نزلت فى مسيلمة الكذاب..... وكان يسجع ويتكهن وادعى النبوة وزعم انه اوحى اليه وكذا اخرج ابن جرير عن عكرمة وكان قد أرسل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولين فقال النبي صلى الله عليه وسلم أتشهدان ان مسيلمة نبى قالا نعم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لولا ان الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما روى البغوي بسنده عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا انا نائم إذ أتيت مفاتيح خزائن الأرض فوضع فى يدى سواران من ذهب فكبرا علىّ فاهمانى فاوحى الى ان انفخهما فنفختهما فذهبا فاولتهما الكذابين هما صاحب صنعاء وصاحب يمامة أراد بصاحب صنعاء الأسود العنسي وبصاحب يمامة مسيلمة الكذاب وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ قال البغوي نزلت فى عبد الله بن ابى سرج وكان قد اسلم وكان يكتب للنبى صلى الله عليه وسلم وكان إذا املى سميعا بصيرا كتب عليما حكيما وإذا قال عليما حكيما كتب غفورا رحيما فلما نزلت ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين املاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فعجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال تبارك الله احسن الخالقين فقال النبي صلى الله عليه وسلم اكتبها فهكذا نزلت فشك عبد الله وقال ان كان محمد صادقا لقد اوحى الى كما اوحى اليه وان كان كاذبا فقد قلت مثل ما قال فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين وكذا اخرج ابن جرير عن عكرمة والسدى قصة تبارك الاية ذكر البغوي ثم رجع عبد الله

[سورة الأنعام (6) : آية 94]

الى الإسلام قبل فتح مكة إذ نزل النبي صلى الله عليه وسلم بمر الظهران وقال الحافظ فتح الدين ابن سيد الناس فى سيرته تشفع ابن ابى سرج بعثمان رضى الله عنه فقبله النبي صلى الله عليه وسلم بعد تلوم وحسن إسلامه بعد ذلك حتى لم ينقم عليه فيه شيئا ومات ساجدا قال ابن عباس قوله تعالى سانزل مثل ما انزل الله يريد المستهزئين وهو جواب لقولهم لو نشاء لقلنا مثل هذا قلت يعنى النضر بن الحارث كان يقول والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا والخابزات خبزا كانه يعارض قوله تعالى والنازعات غرقا الآيات وَلَوْ تَرى يا محمد والمفعول محذوف اى الظالمين يدل عليه إِذِ الظَّالِمُونَ مبتدأ واللام اما للعهد يعنى الذين نزلت فيهم الاية من اليهود والمتنبية والمستهزئين او للجنس ويدخل فيه هؤلاء وجواب لو محذوف يعنى لرأيت امرا عظيما فزيعا فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ خبر المبتدأ اى شدائده فى القاموس غمرة الشيء شدته وأصله التغطية يقال غمره الماء واغتمره اى غطاه ثم وضعت فى موضع الشدائد والمكاره وفى الصحاح اصل الغمر ازالة اثر الشيء ومنه يقال للماء الكثير وعلى هذا اضافة الغمرة الى الموت بيانية سميت شدة الموت غمرة لازالته اثر الحيوة وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ الجملة حال من الضمير المستتر فى الظرف والعائد محذوف يعنى باسطوا أيديهم لقبض أرواحهم كالمتقاضى الملظ او لتعذيبهم نظيره قوله تعالى والملئكة يضربون وجوههم وادبارهم أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ خبر للملئكة بعد خبر يعنى قائلون لهم يعنى للظلمين تغليظا وتعنيفا اخرجوا أنفسكم إلينا من أجسادكم او أخرجوها من العذاب وخلصوها من أيدينا الْيَوْمَ المراد به الزمان الممتد من وقت الامانة الى ما لا نهاية له تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ يعنى عذابا متضمنا لشدة واهانة وإضافته الى الهون لتمكنه فيه ولمقابلة الهوان فيه بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ افتراء غَيْرَ الْحَقِّ كادعاء الولد والشريك وادعاء النبوة والوحى كاذبا منصوب من تقولون على المصدرية او المفعولية وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ المنزلة فى القران او دلايل التوحيد تَسْتَكْبِرُونَ فلا تتاملون فيها ولا تؤمنون اخرج ابن جرير وغيره عن عكرمة قال قال النضر بن الحارث سوف تشفع لنا الى الله اللات والعزى فنزلت. وَلَقَدْ جِئْتُمُونا بعد الموت ويوم القيامة للحساب والجزاء فُرادى حال من فاعل جئتمونا اى منفردين عن الأموال والأولاد والأعوان والأحباب وسائر ما اثرتموه من الدنيا او من الأوثان

[سورة الأنعام (6) : آية 95]

التي زعمتموها شفعاء لكم وهو جمع فرد والالف للتانيث ككسالى هذا خبر من الله تعالى بقول للكفار على لسان الملئكة يوم موتهم او يوم القيامة والسياق يقتضى يوم الموت لعطفه على قوله اليوم تجزون كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بدل من فرادى اى جئتمونا على الهيئة التي ولدتم عليها فى الانفراد او حال مرادف لفرادى او من الضمير فى فرادى اى مشبهين ابتداء خلقكم عراة حفاة غرلا بهما او صفة مصدر اى جئتمونا مجيئا كخلقنا لكم وَتَرَكْتُمْ فى الدنيا ما خَوَّلْناكُمْ ما أعطيناكم من الأموال والأولاد والخدم والحشم وَراءَ ظُهُورِكُمْ ولم تحتملوا نقيرا وجاز ان يكون المعنى جئتمونا خاسرين بلا كسب كمال كما خلقناكم أول مرة وضيعتم راس مالكم اى اعماركم وتركتم فى الدنيا ما أعطيناكم من الأموال وغيرها ما قدمتم منها شيئا للاخرة وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ الله سبحانه فى ربوبيتكم واستحقاق العبادة يعنى الأوثان لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ قرأ نافع وحفص والكسائي بنصب بينكم على إضمار الفاعل لدلالة ما قبله عليه او أقيم بينكم مقام موصوفه وأصله لقد تقطع ما بينكم من الوصل او يقال فاعله ضمير راجع الى المصدر اى تقطع التقطع بينكم او يقال الفاعل بينكم مجازا فى الاسناد وترك منصوبا للزوم ظرفيته والباقون بالرفع على اسناد الفعل الى الظرف مجاز او المعنى لقد تقطع التقطع بينكم او يقال بينكم بمعنى وصلكم يعنى تقطع وصلكم وتشتت جمعكم وبين مصدر من الاضداد يستعمل للوصل والفصل اسما وظرفا كذا فى القاموس وَضَلَّ عَنْكُمْ اى ضاع وبطل ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ انها شفعائكم وان لا بعث ولا جزاء. إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى قال الحسن وقتادة والسدى معناه شق الحبة عن السنبلة والنواة عن النخلة فيخرجها منها وقال الزجاج يشق الحبة اليابسة والنواة اليابسة فيخرج منها ورقا اخضر وقال مجاهد المراد انشقاق الذي بين الحنطة والنواة وقال الضحاك فالق الحب والنوى يعنى خالقهما والحب جمع الحبة وهى اسم لجميع البذور الماكولة من البر والشعير والذرة والارز ونحوها والنوى جمع النواة وهى كل ما لا يوكل من البذور كنواة التمر والمشمش والخوخ والرمان يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ يعنى ما ينمو من الحيوان والنبات مما لا ينمو كالنطفة والحبة والنواة هذه الجملة وقع موقع البيان لما سبق ولذا لم يعطف وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ يعنى ما لا ينموا ويتفتت مما ينموا

[سورة الأنعام (6) : آية 96]

معطوف على فالق الحب ولذلك ذكره بلفظ اسم الفاعل ذلِكُمُ المحيي والمميت اللَّهَ يعنى هو المستحقّ للعبادة دون من لا يقدر على شىء بل ينفعل ما يفعل به فَأَنَّى اين تُؤْفَكُونَ تصرفون عنه الى غيره. فالِقُ الْإِصْباحِ هو مصدر أصبح إذا دخل فى الصبح سمى به الصبح تسمية المحل باسم الحال يعنى شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل او عن بياض النهار او شاق ظلمة الإصباح وهو الغبش الذي يليه وَجَعَلَ اللَّيْلَ كذا قرأ الكوفيون على صيغة الماضي ونصب الليل على المفعولية معطوف على معنى فالق فان معناه فلق الإصباح وقرأ الباقون جاعل على وزن فاعل مضافا الى الليل سَكَناً يسكن فيه الإنسان واكثر الحيوانات للاستراحة عن كد لمعيشة الى نوم الغفلة او عن وحشة الخلق الى الانس بالحق منصوب بفعل دل عليه اسم الفاعل على قراءة غير اهل الكوفة لان اسم الفاعل بمعنى الماضي كما يدل عليه قراءة جعل لا يعمل وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ على قراءة اهل الكوفة معطوفان على الليل وعلى قراءة غيرهم منصوبان يجعل مقدر يعنى جعل الشمس والقمر حُسْباناً مصدر حسب بالفتح بمعنى الحساب كما ان الحسبان بالكسر مصدر حسب بالكسر وقيل جمع حساب كشهاب وشهبان يعنى جعلهما علمين لحساب الأوقات يعلم بسيرهما ذلِكَ اى جعلهما حسبانا تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الذي قهرهما وسخرهما الْعَلِيمِ بتدبيرهما والانفع من التداوير الممكنة لهما. وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اى خلق لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الليل فى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ واضافتها إليهما للملابسة او المراد بالظلمات مشتبهات الطرق سميت ظلمات على الاستعارة قَدْ فَصَّلْنَا بيّنّا الْآياتِ الدالة على توحيد الصانع المبدع الحكيم لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فانهم هم المنتفعون به. وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ اى ابتدأ خلقكم مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ آدم عليه السّلام فَمُسْتَقَرٌّ قرأ ابن كثير وابو عمرو بكسر القاف على انه اسم فاعل يعنى فمنكم مستقر والباقون بالفتح على انه اسم مفعول او مصدر ميمى او ظرف يعنى فمنكم مستقر او فلكم استقرار او موضع استقرار وَمُسْتَوْدَعٌ بفتح الدال بلا خلاف لجواز نسبة الاستقرار دون الاستيداع يعنى لكم استيداع او موضع استيداع او منكم مستودع قال ابن مسعود المستقر فى الرحم الى ان يولد قال الله تعالى يقر فى الأرحام والمستودع فى القبر الى ان يبعث وقال سعيد ابن جبير مستقر فى الرحم ومستودع فى صلب الأب وعن ابى بعكس هذا وقال مجاهد

[سورة الأنعام (6) : آية 99]

مستقر فى الأرض قال الله تعالى ولكم فى الأرض مستقر والمستودع فى القبر وقال الحسن المستقر فى القبر والمستودع فى الدنيا وعندى المستقر الجنة او النار والمستودع ما عدا ذلك من الأصلاب والأرحام والدنيا والقبر قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ذكر مع النجوم يعلمون لان أمرها ظاهر ومع ذكر تخليق بنى آدم واستيداعهم واستقرارهم يفقهون لان هذه الأمور دقيق يحتاج الى تفقه وتدبر. وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ اى السحاب ومنه الى الأرض ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ اى بالماء نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ نبت كل صنف من الحبوب والنواة سبحان الله أنبت أنواعا مختلفة تسقى بماء واحد وفضل بعضها على بعض فى الاكل فَأَخْرَجْنا مِنْهُ اى من النبات او من الماء خَضِراً شيئا اخضر وهو ما تشعب من اصل النبات الخارج من البذر نُخْرِجُ مِنْهُ من الخضر حَبًّا مُتَراكِباً وهى السنبلة المتراكب حباتها وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها بدل للاول وهو خبر والمبتدأ قِنْوانٌ جمع قنو وهو العذق دانِيَةٌ قريبة من المتناول او قريبة بعضها من بعض اقتصر على ذكرها من مقابلها اما لدلالتها عليه كما فى قوله تعالى سرابيل تقيكم الحر يعنى والبرد واما لان قربها من المتناول او كثرتها وقرب بعضها ببعض أعظم نعمة وأوجب للشكر وجاز ان يكون التقدير وأخرجنا من النخل نخلا من طلعها قنوان دانية وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ عطف على نبات كل شىء يعنى أخرجنا منه جنات قرأ الأعمش عن الأعشى عن عاصم جنات بالرفع عطفا على قنوان وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ عطف على نبات يعنى أخرجنا منه شجرا الزيتون والرمان او نصب على الاختصاص لغير هذين الصنفين عندهم مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ حال من الرمان او من الجميع يعنى حال كون بعضها مشتبها ببعض اخر وبعضها غير متشابه فى الهيئة والقدر واللون والطعم انْظُرُوا ايها الناس بنظر الاعتبار إِلى ثَمَرِهِ قرأ حمزة والكسائي فى الموضعين هاهنا وفى يس بضم الثاء والميم على انه جمع ثمارا وثمرة والباقون بفتحتين على انه اسم جنس كتمرة وتمر وكلمة وكلم إِذا أَثْمَرَ إذا اخرج ثمره كيف يخرج لا يكاد ينتفع به وَالى يَنْعِهِ حال نضجه كيف يعود ضخيما لذيذا فهو مصدر وقيل هو جمع يانع كتاجر وتجر إِنَّ فِي ذلِكُمْ المذكورات لَآياتٍ على توحيد قادر حكيم لا يكون له ضدّ يعانده ولا ندّ يعارضه لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

[سورة الأنعام (6) : الآيات 100 إلى 101]

فانهم هم المستدلون بها وذكر هذه الآيات يستوجب التوبيخ على المشركين فقال وَجَعَلُوا يعنى كفار مكة مع قيام ادلة التوحيد لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ يعنى الملئكة عبدوهم وقالوا الملئكة بنات الله سماهم جنا لاجتنانهم وتحقيرهم عن درجة الربوبية او المراد بالجن الشياطين لانهم أطاعوهم وعبدوا غير الله من الأوثان وغيرها بتسويلهم او لاجل حلول الشياطين فى الأوثان أحيانا او لاجل قولهم الله خالق الخير والشيطان خالق الشر ومفعولا جعلوا لله وشركاء والجن بدل من شركاء او شركاء والجن ولله متعلق بشركاء او حال منه وَخَلَقَهُمْ حال من الله تعالى بتقدير قد او منه ومن الجن معا على ان يكون الضمير المنصوب راجعا الى الجن يعنى وقد علموا ان الله تعالى خلق الانس والجن وكل شىء وان الجن لا يخلق شيئا وَخَرَقُوا قرأ نافع بتشديد الراء للتكثير والمعنى اختلقوا وافتروا لَهُ بَنِينَ قالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله وَبَناتٍ قالت العرب الملئكة بنات الله بِغَيْرِ عِلْمٍ من غير ان يعلموا صدق ما قالوا بدليل عقلى او نقلى وهو فى موضع الحال من فاعل خرقوا او المصدر اى خرقا بغير علم سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ اضافة الصفة المشبهة الى فاعلها يعنى بديع سموته وارضه ليس لها نظير وقيل معناه المبدع يعنى خالقها بلا سبق مثال خبر مبتدا محذوف يعنى هو او مبتدا خبره. أَنَّى من اين او كيف يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ يكون منها الولد وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فى الاية استدلال على نفى الولد بوجوه الاول ان من مبدعاته السموات والأرض وهى مع انها من جنس ما يوصف بالولد مستغن عنه لطول بقائها فالله سبحانه اولى به الثاني انه خالق الأجسام العظيمة وخالق الأجسام لا يكون جسما والولادة من خواص الأجسام والثالث ان الولد ينشئ من ذكر وأنثى متجانسين والله تعالى منزه عن المجانسة الرابع ان الولد كفو للوالد ونظيره وليس له كفوا أحد لان كل ما عداه مخلوقه فلا يكافيه شىء ولانه عالم بكل شىء ولا كذلك غيره بالإجماع الا بتعليمه ذلِكُمُ اى الموصوف بما سبق من الصفات مبتدا اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ اخبار مترادفة ويجوز ان يكون البعض خبرا والبعض بدلا او صفة فَاعْبُدُوهُ الفاء للسببية يعنى

[سورة الأنعام (6) : الآيات 103 إلى 104]

من استجمع تلك الصفات فهو الحقيق بالعبادة دون غيره من خلقه وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ بالحفظ له والتدبير فيه يعنى هو متول لاموركم رقيب على أموالكم فكلوا إليه الأمور وتوسلوا اليه بالعبادة ينجح ما ربكم ويجازى على حسناتكم لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ اخرج ابن ابى حاتم وغيره بسند ضعيف عن ابى سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو ان الجن والانس والشياطين والملائكة منذ خلقوا الى ان فنوا صفا واحدا ما احاطوا بالله ابدا استدل المعتزلة بهذه الاية على امتناع الروية واجمع اهل السنة على نفى الروية فى الدنيا وإثباتها فى الاخرة للمؤمنين فى الجنة والاستدلال بها على الامتناع باطل بوجوه أحدها ان صيغة المضارع اما للحال ويستعمل فى الاستقبال مجازا او هى مشترك فى المعنيين والحال مراد فى الاية اجماعا إذ لا قايل بروية الله تعالى فى الدنيا فلا يجوز ارادة الاستقبال والا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز او عموم المشترك ثانيها ان الابصار بصيغة الجمع يدل على ارادة الافراد دون الجنس فاللام اما للعهد يعنى الابصار الموجودة فى الدنيا او للاستغراق فانكان للعهد فلا دليل على نفى الروية بالأبصار المخلوقة للمؤمنين فى الجنة وان كان للاستغراق فمدلول الاية نفى الاستغراق لا استغراق النفي فلا دليل فيه على نفى الروية بابصار اهل الجنة روى ابو نعيم فى الحلية عن ابن عباس قال تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم رب أرني انظر إليك قال قال الله يا موسى انى لا يرانى حى إلا مات ولا يابس الا تدهده ولا رطب الا تفرق وانما يرانى اهل الجنة لا يموت أعينهم ولا يبلى أجسامهم ثالثها ان الإدراك غير الروية لان الإدراك هو الوقوف على كنه الشيء والإحاطة به او الوصول الى الشيء بحيث لا يفوت منه شىء والروية المعاينة ولا تلازم بينهما قال الله تعالى فلما ترائ الجمعان قال اصحاب موسى انا لمدركون قال كلا فى هذه الاية نفى للدرك بعد اثبات الروية من الجانبين رابعها ان النفي لا يوجب الامتناع وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ يحيط بها علمه وَهُوَ اللَّطِيفُ فى القاموس هو البر بعباده المحسن الى خلقه بايصال المنافع إليهم برفق ومن هاهنا قال ابن عباس اللطيف باوليائه وفيه ايضا اللطيف العالم بخفايا الأمور وفى الصحاح قد يعبر باللطيف ما لا يدرك بالحاسة وعلى هذا ففى الكلام لف ونشر مرتب يعنى لا تدركه الابصار لانه اللطيف وهو يدرك الابصار لانه الْخَبِيرُ قَدْ جاءَكُمْ

[سورة الأنعام (6) : آية 105]

بَصائِرُ يعنى الحجج البينة التي يحصل بها البصيرة التي تبصرون بها الهدى من الضلال والحق من الباطل فالبصيرة للنفس كالبصر للبدن مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ يعنى من استعمل الحجة وابصر الحق وأمن به فَلِنَفْسِهِ ابصر يعود نفعه إليها وَمَنْ عَمِيَ عن الحق واعرض عن الحجج وضل فَعَلَيْها وباله وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ يحفظ أعمالكم ويجازيكم عليها بل الحفيظ هو الله تعالى وانما انا البشير النذير هذا كلام ورد على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم كانه قيل قل قد جاءكم بصائر الاية وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ اى نفصلها ونبين واصل الصرف النقل من حال الى حال وفى التفصيل نقل معنى واحد من عبارة الى عبارة حتى يفهم المخاطب وفى القاموس صرف الحديث ان يزاد فيه ويحسّن من الصرف فى الدراهم وهو فضل بعضها على بعض فى القيمة وكذلك صرف الكلام وله عليه صرف اى فضل لانه إذا فضل صرف عن اشكاله وكذلك منصوب على المصدرية يعنى نصرف الآيات تصريفا مثل تصريفنا فى هذه السورة وَلِيَقُولُوا عطف على مقدر تقديره ليتم التبليغ وليقولوا اى الكفار واللام لام العاقبة يعنى يكون عاقبة الأمر ان يقولوا دَرَسْتَ قرأ نافع والكوفيون بفتح الدال والراء وسكون السين وفتح التاء على صيغة الخطاب من درست الكتاب بمعنى قرات من غيرك قال ابن عباس ليقول اهل مكة حين تقرأ عليهم درست تعلمت من يسار وجبر كانا عبدين من سبى الروم ثم قرأت علينا تزعم انه من عند الله وقرأ ابن كثير وابو عمر دارست من المفاعلة يعنى قارات وذاكرات اهل الكتاب والمعنى واحد وقرأ ابن عامر ويعقوب درست بفتح السين وسكون التاء على صيغة المؤنث الغائب اى قدمت هذه الاخبار التي تتلوها علينا وانمحت من قولهم درس الأثر دروسا وَلِنُبَيِّنَهُ اى القران وهو مذكور لذكر الآيات فيما سبق والآيات هى القران لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فانهم هم المنتفعون به فتصريف الآيات ليتم التبليغ وليشقى به من قال درست وليسعد من تبين له الحق اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعنى اعمل بالقران لا إِلهَ إِلَّا هُوَ اعتراض لتاكيد إيجاب اتباع الوحى او حال مؤكدة من ربك يعنى منفردا فى الالوهية وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ فلا تجادلهم ولا تستمع بأقوالهم ولا تلتفت الى آرائهم وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ايمانهم ما أَشْرَكُوا ولكن حق القول منه لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين فيه

[سورة الأنعام (6) : آية 108]

دليل على ان الكفر والايمان كلا منهما بارادة الله تعالى وان مراده واجب الوقوع خلافا للمعتزلة وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً لاعمالهم رقيبا عليهم ماخوذا باجرامهم وقال عطاء ما جعلنك عليهم حفيظا تمنعهم من عذاب الله انها بعثت معلما وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ تقوم بامرهم قال ابن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال كان المسلمون يسبون أصنام الكفار فيسب الكفار الله تعالى فانزل الله وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الاية قال البغوي قال ابن عباس لما نزلت انكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم قال المشركون يا محمد لتنتهين عن سب الهتنا او لتهجون ربك فنهيهم الله ان يسبوا أوثانهم وقال السدى لما حضرت أبا طالب الوفاة قالت قريش انطلقوا فلندخل على هذا الرجل فلنا مرنه ان ينهى عنا ابن أخيه فانا نستحيى ان نقتله بعد موته فيقول العرب كان يمنعه عمه فلما مات قتلوه فانطلق ابو سفيان وابو جهل والنضر بن الحارث وامية وابى ابنا خلف وعقبة بن ابى معيط وعمرو بن العاص والأسود بن ابى البختري الى ابى طالب فقالوا يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا وان محمدا قد اذانا والهتنا فتجب ان تدعوه وتنهاه عن ذلك وعن ذكر الهتنا ولندعنه والهه فدعاه فقال هولاء قومك تريد ان تدعنا والهتنا وندعك وإلهك وقد أنصفك قومك فاقبل منهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم ارايتم ان أعطيتكم هذا هل أنتم معطى كلمة ان تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم العجم قال ابو جهل نعم وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها قال فما هى قال قولوا لا اله الا الله فابوا وتفرقوا فقال ابو طالب قل غيرها يا ابن أخي قال يا عم ما انا بالذي أقول غيرها ولو أتوني بالشمس فوضعوها فى يدى فقالوا التكفن عن سب الهتنا او لنشتمنك ونشتمن من يأمرك فانزل الله عز وجل ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله يعنى لا تذكروا الأوثان بما فيها من القبائح فَيَسُبُّوا اللَّهَ منصوب على جواب النهى عَدْواً تجاوزا عن الحق الى الباطل بِغَيْرِ عِلْمٍ اى على جهالة بالله تعالى وبما يجب ان يذكر به وما هو منزه عنه فظاهر الاية وان كان نهيا عن سب الأصنام فحقيقة النهى عن سب الله تعالى لانه سبب لذلك وفيه دليل على ان الطاعة إذا أدت الى معصية راجحة وجب تركها لان ما يودى الى الشرشر كَذلِكَ اى تزئينا مثل تزئين سب الله للكافرين زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ مؤمنة وكافرة عَمَلَهُمْ من الخير والشر

[سورة الأنعام (6) : آية 109]

توفيقا وتخذيلا فان الله يضل من يشاء ويهدى من يشاء فظهر ان الأصلح ليس بواجب عليه تعالى ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ مصيرهم فَيُنَبِّئُهُمْ بالمحاسبة والمجازاة بِما كانُوا يَعْمَلُونَ من الخير والشر اخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي وكذا ذكر البغوي عنه وعن الكلبي قال كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا فقالوا يا محمد تخبرنا ان موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر فينفجر منه اثنا عشرة عينا وان عيسى كان يحيى الموتى وان ثمود كانت لهم ناقة فاتنا من الآيات حتى نصدقك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اى شىء تحبون ان اتيكم به قالوا تجعل لنا الصفا ذهبا وزاد البغوي عنهما او ابعث لنا بعض موتانا حتى نسالهم عنك أحق ما تقول أم باطل او أرنا الملئكة يشهدون لك فذكر ابن جرير والبغوي انه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فان فعلت بعض ما تقولون أتصدقونني قالوا نعم والله لان فعلت لنتبعنك أجمعين وسأل المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم ان ينزلها عليهم حتى يؤمنوا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ان يجعل الصفا ذهبا فجاءه جبرئيل فقال له ان شئت أصبح ذهبا ولكن ان لم يصدقوا عذبتهم وان شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل يتوب تائبهم فانزل الله تعالى وَأَقْسَمُوا يعنى الكفار بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ منصوب على المصدرية او مصدر فى موقع الحال يعنى مجتهدين فى إتيان أوكد ما قدروا عليه من الايمان والداعي لهم على القسم وتوكيده التحكم فى طلب الآيات واستحقار ما راوا منها لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ من مقترحاتهم لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ فى قدرته تعالى واختياره يظهر منها ما يشاء وليس شىء منها فى قدرتى واختياري وَما يُشْعِرُكُمْ ما استفهامية للانكار أنكر السبب مبالغة فى نفى المسبب او ما نافية والمعنى على التقديرين انه لا تشعرون خطاب للمشركين الذين اقسموا او للمؤمنين أَنَّها اى الآيات قرأ ابن كثير وابو عمرو وابو بكر عن عاصم ويعقوب بخلاف عنه بكسر الهمزة على الابتداء فعلى هذه القراءة مفعول ما يشعركم محذوف اى ما يشعركم ما يصدر من الكفار بعد مجئ الآيات الايمان او الكفر ثم أخبرهم فقال انها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ هكذا علم الله تعالى فيهم فان مبادى تعيناتهم ظلال الاسم المضل لا يمكن منهم

[سورة الأنعام (6) : آية 110]

الاهتداء وقرأ الباقون بفتح الهمزة على انه مفعول يشعركم لكن قرأ ابن عامر وحمزة لا تومنون بالتاء بصيغة الخطاب على انها خطاب للمشركين والباقون بالياء على الغيبة على انها خطاب للمؤمنين يعنى انكم لا تشعرون ايها المؤمنون او ايها المشركون انها إذا جاءت لا يؤمنون او لا تؤمنون وقيل لا زائدة كما فى قوله تعالى حرام على قرية أهلكناها انهم لا يرجعون ومعناه ما يشعركم انها إذا جاءت يؤمنون وقيل انها بمعنى لعلها يعنى ما يشعركم ما يصدر من الكفار بعد مجئ الآيات لعلها إذا جاءت لا يؤمنون وقيل فيه حذف وتقديره وما يشعركم ايّها المؤمنون او المشركون انها إذا جاءت لا يؤمنون او تؤمنون بالياء والتاء وَنُقَلِّبُ عطف على لا يؤمنون الا على تقدير كون لا زائدة فحينئذ عطف على ما يشعركم أَفْئِدَتَهُمْ عن الحق فلا يفقهونه وَأَبْصارَهُمْ فلا يبصرونه نظر اعتبار فلا يومنون بها كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ اى بما انزل من الآيات كانشقاق القمر وغيرها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ اى نذرهم متحيرين فى طغيانهم ولا نهديهم. وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى مصدقا لنبوتك باحيائنا وَحَشَرْنا جمعنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا قرأ نافع وابن عامر بكسر القاف وفتح الباء على انه مصدر والباقون بضمهما على انه جمع قبيل بمعنى كفيل اى كفلا بما بشروا وانذروا او جمع قبيل الذي هو جمع قبيلة بمعنى جماعات او مصدر بمعنى مقابلة وعلى الوجوه كلها حال من كل شىء ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا لما سبق عليهم القضاء بالكفر ولكون مبادى تعيناتهم ظلال الاسم المضل إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ يعنى فى حال من الأحوال الا حال مشية الله تعالى ايمان من سبق عليه القضاء بالايمان وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ انهم لو أتوا بكل اية لم يومنوا فيقسمون بالله جهد ايمانهم على ما لا يشعرون ولذلك أسند الجهل الى أكثرهم مع ان مطلق الجهل يعمهم او لكن اكثر المسلمين يجهلون انهم لا يؤمنون فيتمنون نزول الآيات طمعا فى ايمانهم وَكَذلِكَ يعنى كما جعلنا كفار قريش اعداء لك يؤذونك ويخالفون أمرك كذلك جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ سبقك عَدُوًّا وهو دليل على ان عداوة الكفار للانبياء بفعل الله تعالى وخلقه شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ بدل من عدوا أو أول مفعول جعلنا وعدوا مفعوله الثاني ولكل متعلق بجعلنا او حال

[سورة الأنعام (6) : آية 113]

والمراد بالشياطين المتمردون من الفريقين قال قتادة ومجاهد والحسن ان من الانس شياطين والشيطان العاتي المتمرد من كل شىء قلت ويؤيده حديث جابر أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ثم نهى عن قتلها وقال عليكم بالأسود البهيم ذى النقطتين فانه شيطان رواه مسلم وقالوا ان الشيطان إذ اعياه المؤمن وعجز عن اغوائه ذهب الى متمرد من الانس وهو شيطان الانس فاغراه بالمؤمن ليفتنه ويدل عليه ما روى عن ابى ذر قال قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تعوذت بالله من شر شياطين الجن والانس قلت يا رسول الله هل للانس من شياطين قال نعم هم شر من شياطين الجن قال مالك بن دينار ان شياطين الانس أشد من شياطين الجن وذلك لانى إذا تعوذت بالله ذهب عنى شياطين الجن وشياطين الانس يجيئنى فيجرنى الى المعاصي عيانا وقال عكرمة والضحاك والسدى والكلبي معنى شياطين الانس التي مع الانس وشياطين الجن التي مع الجن وليس من الانس شياطين وذلك ان إبليس قسم جنده فريقين فبعث فريقا منهم الى الانس وفريقا منهم الى الجن وكلا الفريقين اعداء للنبى صلى الله عليه وسلم ولاوليائه وهم يلتقون فى كل حين فيقول شياطين الانس لشياطين الجن أضللت صاحبى بكذا فاضل صاحبك بمثله ويقول شياطين الجن لشياطين الانس كذلك فذلك وحي بعضهم الى بعض والاول أرجح وأشد موافقة للسياق يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ اى يوسوس شياطين الجن الى شياطين الانس او بعض الجن الى بعض وبعض الانس الى بعض زُخْرُفَ الْقَوْلِ الأباطيل المموهة غُرُوراً منصوب على العلية او المصدرية او مصدر فى موقع الحال يعنى لزينوا الأعمال القبيحة لبنى آدم او يغرهم غرورا او غارين وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ان لا يفعلوا ما فَعَلُوهُ يعنى معادات الأنبياء وايحاء الزخارف او الغرور وهذا ايضا دليل على المعتزلة فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ عليك وعلى الله فان الله يجزيهم وينصرك ويخزيهم وَلِتَصْغى عطف على غرورا إن كان علة او متعلق بمحذوف يعنى وفعلنا ذلك لتصغى اى تميل إِلَيْهِ اى الى زخرف القول أَفْئِدَةُ اى قلوب الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ لانفسهم وَلِيَقْتَرِفُوا اى ليكتسبوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ من المعاصي ولما كانت القريش يقولون للنبى صلى الله عليه وسلم اجعل بيننا وبينك

[سورة الأنعام (6) : آية 114]

حكما فانزل الله تعالى فى جوابهم أَفَغَيْرَ اللَّهِ على ارادة القول يعنى قل لهم يا محمد والفاء للعطف على محذوف يعنى أجيب ما تطلبون منى فغير الله أَبْتَغِي اى اطلب حَكَماً قاضيا بينى وبينكم يفصل المحق منا من المبطل وغير مفعول ابتغى وحكما حال منه ويحتمل ان يكون عكسه وحكما ابلغ من حاكم ولذلك لا يوصف به غير العادل وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ القران المعجز المخبر بالمغيبات مطابقا للكتب المنزلة السابقة مُفَصَّلًا مبينا فيه الحق والباطل بحيث ينفى اللبس حال من الكتاب والجملة حال من الله تعالى وفيه تنبيه على ان القران باعجازه وتقريره مغن عن سائر الآيات وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعنى اليهود يَعْلَمُونَ أَنَّهُ اى القران مُنَزَّلٌ قرأ ابن عامر وحفص بالتشديد من التفعيل والباقون بالتخفيف من الافعال مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ تأكيد لدلالة الاعجاز لان اهل الكتاب يعلمون بالقران كونه محقا لاجل مطابقة كتبهم مع كون النبي صلى الله عليه وسلم اميا لم يدارس كتبهم ولم يجالس علمائهم وانما أسند العلم الى جميعهم لان بعضهم يعلمون وبقيتهم متمكنون منه بأدنى تأمل او بالرجوع الى علمائهم فلا تكوننّ ايها السامع مِنَ الْمُمْتَرِينَ الشاكين فى انه من عند الله تعالى وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ قرأ الكوفيون ويعقوب كلمة بالتوحيد على الجنس والباقون كلمات على الجمع وأراد به اخباره ووعده ووعيده وامره ونهيه الواردة فى القران يعنى بلغت الغاية صِدْقاً فى الاخبار والوعد والوعيد وَعَدْلًا فى الاحكام كذا قال قتادة ومقاتل منصوبان على التميز او الحال لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ يعنى لا أجد يبدل شيئا منها قال ابن عباس لاراد لقضائه ولا مغير لحكمه او المعنى لا نبى ولا كتاب بعد القران ينسخها ويبدل أحكامها وَهُوَ السَّمِيعُ لما يقولون الْعَلِيمُ بما يضمرون فلا يمهلهم وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يعنى الكفار فانهم كانوا اكثر من المؤمنين يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ عن الطريق الموصل اليه تعالى يعنى الدين الإسلام إِنْ يَتَّبِعُونَ اى اكثر اهل الأرض إِلَّا الظَّنَّ يعنى جهالاتهم وآرائهم فى تحليل الميتة وتحريم البحائر ونحوها مما يقولون وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ اى يقولون ما يقولون بالظن والتخمين بلا علم حاصل بدليل صحيح إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ يعنى يعلم بالفريقين فيجازى كلا

[سورة الأنعام (6) : آية 118]

بما يستحقه ومن موصولة او موصوفة فى محل النصب بفعل دل عليه اعلم لا بافعل التفضيل فانه لا يعمل فى الظاهر او هو منصوب بنزع الخافض متعلق بأعلم اى اعلم بمن يضل او استفهامية مرفوعة بالابتداء والخبر يضل والجملة معلق عنها الفعل المقيد روى ابو داؤد والترمذي عن ابن عباس قال اتى ناس النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله اناكل ما نقتل ولا ناكل ما يقتل الله فانزل الله تعالى فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ الفاء للسببية فانه تعالى لما نهى عن اتباع الكفار المضلين فرع عليه قوله فكلوا يعنى لا تتبعوا فى تحريم الحلال وتحليل الحرام آراء الكفار القائلين بتحليل الميتة وتحريم الذبائح إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ فان الايمان به تعالى يقتضى استباحة ما أحل الله واجتناب ما حرمه وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ما استفهامية فى موضع الرفع بالابتداء ولكم خبره وَيعنى والحال انه قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ قرأ نافع وحفص ويعقوب فصل وحرم بالفتح فيهما على البناء للفاعل يعنى بين الله لكم ما حرم الله عليكم وقرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر بضم الفاء والحاء وكسر الصاد والراء على البناء للمفعول فيهما وقرأ ابو بكر وحمزة والكسائي فصل على البناء للفاعل وحرم على البناء للمفعول والمراد بتفصيل المحرمات قوله تعالى قل لا أجد فيما اوحى الىّ محرما الاية إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ استثناء من ضمير حرم وما مصدرية بمعنى المدة يعنى فصل لكم ما حرم عليكم فى جميع الأوقات الا وقت الاضطرار اليه فان قيل ما الفائدة فى الاستثناء وقد اغنى عنه قوله فصل لكم ما حرم عليكم فان التفصيل شامل للاستثناء قلنا فائدته المبالغة فى النهى عن الامتناع عن أكل سالم يحرم فان ما حرم يصير عند الاضطرار مباحا بخلاف ما أحل فانه لا يحرم قط وَإِنَّ كَثِيراً من الناس لَيُضِلُّونَ بتحليل الحرام وتحريم الحلال قرأ الكوفيون هاهنا وفى سورة يونس ليضلون بضم الياء على انه من الإضلال والباقون بالفتح بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ من دليل عقلى ولا نقلى إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ المتجاوزين من الحق الى الباطل ومن الحلال الى الحرام وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ يعنى الذنوب كلها ظاهرها من اعمال الجوارح وباطنها من اعمال القلب وصفات النفس قال الكلبي واكثر المفسرين الإعلان بالزنا والاسرار به وقال سعيد بن جبير ظاهره نكاح المحارم وباطنه

[سورة الأنعام (6) : آية 121]

الزنا وقال ابن زيد ظاهره التجرد من الثياب والطواف عريانا وباطنه الزنا وروى عن الكلبي ظاهره طواف الرجال عريانا بالنهار وباطنه طواف النساء عريانا بالليل إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ فى الاخرة بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ يكتسبون فى الدنيا وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ هذه الاية بعمومها حجة لاحمد حيث يقول متروك التسمية عامدا او ناسيا لا يجوز أكله وبه قال داؤد وابو ثور والشعبي ومحمد بن سيرين وقال مالك خص متروك التسمية ناسيا من عموم هذه الاية بحديث ابى هريرة قال سال رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ارايت الرجل منا يذبح وينسى ان يسمى الله قال اسم الله فى فم كل مسلم رواه الدارقطني وحديث ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وسلم قال المسلم ان نسى ان يسمى حين يذبح فليسم ثم لياكل رواه الدارقطني والحديثان ضعيفان فان فى حديث ابى هريرة مروان بن سالم قال احمد ليس بثقة وقال النسائي والدارقطني متروك وفى حديث ابن عباس معقل مجهول وقال ابو حنيفة ايضا بجواز أكل متروك التسمية ناسيا لكن القول بتخصيص الآحاد لا يصح على اصل ابى حنيفة فقال صاحب الهداية لكنا نقول فى اعتبار ذلك يعنى فى تعميم الاية للناسى ايضا من الحرج ما لا يخفى لان الإنسان كثير النسيان والحرج مدفوع والسمع غير مجرى على ظاهره إذ لو أريد به العموم لجرت المحاجة فظهرت الانقياد وارتفع الخلاف فى الصدر الاول ولا يخفى ضعف هذا القول وقال الشافعي المراد به بما لم يذكر اسم الله عليه الميتات وما ذبح على غير اسم الله تعالى بدليل قوله تعالى وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ والفسق فى ذكر اسم غير الله تعالى كما فى اخر السورة قل لا أجد فيما اوحى الى قوله او فسقا اهل لغير الله به واحتج الشافعي على حل متروكة التسمية عامدا بحديث عائشة قالت ان قوما قالوا يا رسول الله ان هاهنا أقواما حديث عهدهم بشرك يأتوننا بلحمان لا ندرى يذكرون اسم الله عليها او لا قال اذكروا أنتم اسم الله وكلوا رواه البخاري قال البغوي لو كانت التسمية شرطا للاباحة لكان الشك فى وجوده مانعا من أكلها كالشك فى اصل الذبح وبحديث الصلت مرسلا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله او لم يذكر رواه ابو داؤد فى المراسيل قالت الحنفية حديث الصلت محمول على حالة النسيان وحديث عائشة حجة لنا لا علينا لانهم سالوا عن الاكل عند

[سورة الأنعام (6) : الآيات 122 إلى 123]

وقوع الشك بالتسمية بعد علمهم بان الذابح مسلم فذلك دليل على انه كان معروفا عندهم اشتراط التسمية للحل وانما امر النبي صلى الله عليه وسلم بالأكل بناء على ظاهر ان المسلم لا يترك التسمية عمدا كمن اشترى لحما من سوق المسلمين يباح له الاكل بناء على الظاهر وان كان يحتمل انه ذبيحة مجوسى وما قال الشافعي ان الاية فى الميتات وما ذبح على غير اسم الله فمدفوع بان العبرة لعموم اللفظ ونصوص الكتاب والسنة لم يرد شىء منها فى الذبح والصيد الا مقيدا بذكر اسم الله تعالى وقد مر هذه المسألة وغيرها من مسائل الذبح فى تفسير سورة المائدة قال فى شرح المقدمة المالكية يجزيه يعنى الذبح لو ترك التسمية عمدا فى مذهب مالك عند ابى القاسم وفى مذهب المدونة لا يجزيه ومذهب المدونة هو المشهور لانها واجبة مع الذكر وكل هذا فى غير المتهاون واما المتهاون فلا خلاف انها لا يوكل ذبيحته تحريما قاله ابن الحارث وابن البشير والمتهاون هو الذي يتكرر منه ذلك كثيرا والله اعلم اخرج الطبراني وغيره عن ابن عباس قال لما نزلت ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وانه لفسق أرسلت فارس الى قريش ان خاصموا محمدا فقولوا ما تذبح أنت بسكين فهو حلال وما ذبح الله بشمشار من ذهب يعنى الميتة فهو حرام وكذا اخرج ابو داؤد والحاكم وغيرهما قول كفار مكة من غير ذكر فارس فنزلت وَإِنَّ الشَّياطِينَ يعنى شياطين الانس من الفارس او شياطين الجن لَيُوحُونَ يعنى ليلقون او ليوسوسون إِلى أَوْلِيائِهِمْ يعنى كفار قريش او مطلق الكفار لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ فى استحلال ما حرم إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ع فان من ترك طاعة الله او أطاع غيره واتبعه فى دينه فقد أشرك حذف الفاء من الجزاء لكون الشرط بلفظ الماضي قال الزجاج فيه دليل على ان من أحل شيئا مما حرم الله او حرم ما أحل الله فهو مشرك قلت إذا ثبت ذلك بدليل قطعى أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً يعنى كافرا غافلا قلبه عن الحق قرأ نافع ويعقوب هاهنا وفى يس الأرض الميتة وفى الحجرات لحم أخيه ميتا بتشديد الياء فى الثلاثة والباقون بإسكانها استعارة تمثيلية وكذا فى قوله كمن مثله فى الظلمات فان الكافر لا يمتاز بين ما ينفعه وما يضره كالميت فَأَحْيَيْناهُ يعنى أحيينا قلبه بنور الايمان

وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً «1» يعنى فراسة المؤمن يمتاز به الحق من الباطل يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ يعنى يمشى بذلك النور على طريق يقتضيه العقل السليم والطبع المستقيم والشرع المنزل من الله تعالى كَمَنْ مَثَلُهُ اى صفته مبتدا كونه فِي الظُّلُماتِ خبر لمثله وجاز ان يكون الظرف خبر مبتدأ محذوف اى هو والجملة خبر لمثله والجملة الكبرى صلة وقوله لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها حال من المستكن فى الظرف لا من الهاء فى مثله للفصل والمعنى او من كان مومنا كمن هو كافر لم يومن والاستفهام للانكار يعنى هما لا يتماثلان اخرج ابو الشيخ عن ابن عباس انه قال نزلت فى عمر بن الخطاب وابى جهل واخرج ابن جرير عن الضحاك مثله وقال البغوي قال ابن عباس يريد بهما حمزة بن عبد المطلب وأبا جهل وذلك ان أبا جهل رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بفرث فاخبر حمزة بما فعل ابو جهل وهو راجع من قنصه وبيده قوس وحمزة لم يؤمن بعد فاقبل غضبان حتى اتى أبا جهل بالقوس وهو يتضرع ويقول يا با يعلى اما ترى ما جاء محمد به سفّه عقولنا وسب الهتنا وخالف ابائنا فقال حمزة ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمدا عبده ورسوله فانزل الله تعالى هذه الاية وقال عكرمة والكلبي نزلت فى عمار بن ياسر وابى جهل فاتفقت الروايات ان المراد عن مثله فى الظلمات ابو جهل ومقابله أحد الثلاثة والظاهر ان هؤلاء الثلاثة أمنوا متقاربين فى الزمان وحينئذ نزلت الاية ولفظها عام فيمكن حمله على كلهم وفى هذه الاية رد لما زعم ابو جهل انه أفضل من المؤمنين الذين خالفوا ابائهم وسبوا الهتهم فكان مقتضى السياق نفى افضلية الكفار فذكر الله سبحانه نفى المساوات ليكون ابلغ فى الدلالة على نفى أفضليتهم وكيلا يتطرق الوهم الى المساوات واستدل على نفى المساوات بما يقتضى افضلية المؤمنين بل اختصاصهم بالجمال والكمال ونفى ذلك عن الكفار بالكلية فاختصاص المؤمنين بالكمال ونفى مساواتهم بالكفار اشارة النص بالمطابقة ونفى افضلية الكفار عبارة النص بالالتزام كَذلِكَ اى كما زين لابى جهل اعماله حيث زعم نفسه أفضل من المؤمنين زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ أجمعين سيئات ما كانُوا يَعْمَلُونَ وَكَذلِكَ اى كما جعلنا فى مكة أكابر مجرميها

_ (1) وعن زيد بن اسلم انها نزلت فى عمر بن الخطاب وابى جهل وعن الحسن مثله وعن ابى سنان مثله 12

[سورة الأنعام (6) : آية 124]

ليمكروا فيها جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها ان كان جعلنا بمعنى صيرنا فمفعولاه اما فى كل قرية وأكابر ومجرميها بدل من أكابر واما أكابر ومجرميها على تقديم المفعول الثاني على الاول وجاز ان يكون أكابر مضافا الى مجرميها أحد مفعوليه والثاني فى كل قرية وإن كان جعلنا بمعنى مكنا فالظرف متعلق بمكنا وأكابر مضافا الى مجرميها مفعوله وافعل التفضيل إذا أضيف جاز فيه الافراد والمطابقة وخصص الأكابر لانهم أقوى فى استتباع الناس والمكر بهم وذلك سنة الله تعالى حيث يجعل اتباع الرسل فى بدو الأمر ضعفائهم والمكر الخديعة كذا فى القاموس وفى الصحاح المكر صرف الغير عما يقصده بحيلة وكان مكر قريش انهم اجلسوا على كل طريق من طرق مكة اربعة نفر ليصرفوا الناس عن الايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ويقولون لكل من يقدم إياك وهذا الرجل فانه كاهن ساحر كذاب وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ حيث يعود إليهم وباله وَما يَشْعُرُونَ ذلك قال البغوي قال قتادة قال ابو جهل زاحمنا بنو عبد مناف فى الشرف حتى إذا صرنا كفرسى «1» رهان قالوا منا نبى يوحى اليه والله لا نومن به ولا نتبعه ابدا الا ان يأتينا وحي كما يأتيه وقيل ان الوليد بن المغيرة قال لو كانت النبوة حقا لكنت اولى به منك لانى اكبر منك سنا واكثر منك مالا فانزل الله تعالى وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا يعنى كفار قريش لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ثم قال الله تعالى اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ «2» رِسالَتَهُ قرأ ابن كثير وحفص على الافراد وفتح التاء والباقون رسالاته بالجمع وكسر التاء استيناف للرد عليهم بان النبوة ليست بالنسب والمال والسن وانما هى فضل من الله تعالى بمن يعلم انه أحق به قال المجدد للالف الثاني رضى الله عنه مبادى تعينات الأنبياء صفات الله تعالى من غير شائبة الظلية ومبادى تعينات غيرهم من الناس ظلال

_ (1) فرسى رهان مثل يضرب لاثنين يستبقان الى غاية فيستويان 5 قاموس 5 (2) عن ابن مسعود ان الله نظر فى قلوب العباد فوجد قلب محمد خير القلوب فاصطفاه لنفسه وبعثه برسالته ثم نظر فى قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما راه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن وما راه المؤمنون سيئا فهو عند الله سيئ 12

[سورة الأنعام (6) : آية 125]

الأسماء والصفات وصفات الله تعالى وان كانت واجبة لكن وجوبها بالغير فهى باعتبار احتياجها الى الذات صارت مبادى تعينات الأنبياء والملئكة ومن ثم خصت العصمة بهذين الصنفين غير ان الصفات من حيث بطونها وقيامها بالله تعالى مباد لتعينات الملئكة ومن حيث ظهورها وكونها مصادر للعالم وحجبا مبادى لتعينات الأنبياء فولاية الملئكة ارفع واقرب الى الله تعالى من ولاية الأنبياء وفضلهم على الملئكة انما هو من حيث النبوة المختصة بالبشر وذلك بالتجليات الذاتية البحتة فاستحقاق النبوة والرسالة ناش من كون مبادى تعيناتهم صفات الله تعالى لا من حيث النسب والسن والمال كما زعمه الا عمهون سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا يعنى أكابر الكفار صَغارٌ ذل وهوان عِنْدَ اللَّهِ يوم القيامة وقيل تقديره من عند الله يعنى فى الدنيا والاخرة وَعَذابٌ شَدِيدٌ بالقتل والاسر فى الدنيا كما أصاب كفار قريش يوم بدر وبالنار فى الاخرة بِما كانُوا يَمْكُرُونَ الباء للسببية او المقابلة اى بسبب مكرهم فى الدنيا او جزاء على مكرهم فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ الى معرفة طريق الحق يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ لما نزلت هذه الاية سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر قال نور يقذفه الله فى قلب المؤمن فيشرح له ويتفسح قلت يعنى يتسع لمعرفة الحق ويومن قالوا فهل لذلك امارة قال نعم الانابة الى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور واستعداد الموت قبل نزول الموت أخرجه الحاكم والبيهقي فى شعب الايمان من حديث ابن مسعود واخرج الفريابي وابن جرير وعبد بن حميد من حديث ابى جعفر مرسلا قالت الصوفية العلية شرح الصدر لا يكون الا بعد فناء النفس بزوال عينها واثرها وذلك بتجليات صفات الله تعالى الحسنى فى الولاية الكبرى ولاية الأنبياء وحينئذ يحصل الايمان الحقيقي وَمَنْ يُرِدْ الله سبحانه أَنْ يُضِلَّهُ عن طريق الحق يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً قرأ ابن كثير ضيقا بالتخفيف بإسكان الياء هاهنا وفى الفرقان والباقون بالتشديد وهما لغتان مثل هين وهيّن ولين وليّن وقرأ نافع وابو بكر عن عاصم حرجا بكسر الراء والباقون بفتحها قال سيبويه بالفتح المصدر كالطلب بمعنى الصفة وبالكسر الصفة وهى أشد الضيق وقيل هما لغتان بمعنى الصفة يعنى يجعل صدره بحيث لا يدخله الايمان ويشق عليه قبول الحق ويزعمه مستحيلا

[سورة الأنعام (6) : آية 126]

قال الكلبي يعنى ليس للخير فيه منفذ وقال ابن عباس إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه وإذا ذكر شيئا من عبادة الأوثان ارتاح الى ذلك قرأ عمر بن الخطاب هذه الاية فسال أعرابيا من كنانة ما الحرجة قال الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا يصل إليها راعية ولا وحشية ولا شىء فقال عمر كذلك قلب المنافق لا يصل اليه شىء من الخير كَأَنَّما يَصَّعَّدُ قرأ ابن كثير بالتخفيف وسكون الصاد من المجرد وابو بكر يصاعد بالألف وتشديد الصاد اى يتصاعد والباقون بتشديد الصاد والعين اى يتصعد فِي السَّماءِ شبّهه مبالغة فى ضيق صدره بمن يزاول ما لا يقدر عليه فان صعود السماء مثل فيما يبعد من الاستطاعة فيه اشعار بان الايمان يمتنع منه كما يمتنع الصعود عادة وقيل كانما يتصاعد الى السماء يعنى يتباعد عنه فى الهرب عنه كَذلِكَ اى كما يضيق صدره ويبعد قلبه عن الايمان يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ يعنى العذاب كذا قال عطاء وقال الزجاج الرجس اللعنة فى الدنيا والعذاب فى الاخرة وقال الكلبي هو الماثم وقال مجاهد الرجس ما لا خير فيه وقال ابن عباس هو الشيطان يعنى يسلط عليه الشيطان عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اى عليهم وضع المظهر موضع المضمر للتعليل والاية حجة على المعتزلة فى ارادة المعصية وَهذا الذي بينا من شرح صدر من أراد هدايته وجعله ضيقا لمن أراد إضلاله صِراطُ رَبِّكَ طريقه الذي اقتضته الحكمة وسنة التي جرت فى عباده وقيل معناه هذا الذي أنت عليه يا محمد وجاء به القران من الإسلام صراط ربك الموصل اليه مُسْتَقِيماً معناه على التقدير الاول عادلا مطردا وعلى التقدير الثاني لا عوج فيه حال من الصراط والعامل فيها معنى الاشارة قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ من اهل السنة والجماعة فانهم هم المنتفعون بها العالمون بان القادر هو الله تعالى لا غير وان كل ما يحدث من خير وشر بقضائه وخلقه وانه عليم بأحوال العباد حكيم عادل لا مجال لاحد بالاعتراض عليه لَهُمْ اى لقوم يتذكرون بالنصوص ولا يتبعون الأهواء دارُ السَّلامِ يعنى الجنة سميت بها لانها دار السّلام من المكاره او دار تحيتهم فيها سلام او المعنى دار الله أضاف الى نفسه تعظيما عِنْدَ رَبِّهِمْ اى فى ضمانه او ذخيرة لهم عنده لا يعلم كنهها غيره وَهُوَ اى الله تعالى وَلِيُّهُمْ اى متولى أمورهم فى الدنيا بالتوفيق وفى القبور بالتثبيت فى الجواب جواب المنكر والنكير وفى الاخرة بجزيل الجزاء ويرفعهم فى

[سورة الأنعام (6) : آية 128]

درجات القرب بِما كانُوا يَعْمَلُونَ اى بسبب أعمالهم وَنقول او يقول الله يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ يعنى الجن والانس قرأ حفص بالياء على الغيبة والباقون بالنون على التكلم جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ يعنى الشياطين قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ بان جعلتم كثيرا منهم اتباعكم فى الضلالة او استكثرتم من اغوائهم وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ الذين أطاعوهم رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ اى انتفع الانس من الجن بما يتلقون منهم من الأراجيف والسحر والكهانة وتزئينهم لهم الأمور التي يشتهونها وأطاعه الجن لهم فى تحصيل مراداتهم وإيصالهم الى شهواتهم ويبيت الانس فى جوار الجن حين يقول أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه وانتفع الجن من الانس باستعبادهم واستتباعهم فى الضلالات والمعاصي وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا يعنى يوم القيامة أجلت للبعث اعتراف بذنبهم وتحسر على أنفسهم قالَ الله تعالى النَّارُ مَثْواكُمْ منزلكم او ذات مقامكم خالِدِينَ فِيها حال والعامل فيها مثويكم ان جعل مصدر او معنى الاضافة ان جعل مكانا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ قيل معناه الا مدة سبقت على وقت دخولهم فى النار كانه قيل النار مثويكم الا ما امهلتكم وقيل المستثنى الأوقات التي ينقلون فيها من النار الى الزمهرير وقيل معنى إلا سوى والمعنى خالدين فيها سوى ما شاء الله من انواع العذاب وقال ابن «1» عباس الاستثناء يرجع الى قوم سبق فيهم علم الله انهم يسلمون فيخرجون من النار وما بمعنى من على هذا التأويل إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ فيما يفعل باوليائه وأعدائه عَلِيمٌ بما فى قلوبهم من الايمان والنفاق وباعمال الثقلين وأحوالهم وَكَذلِكَ اى كما خذلنا عصاة الجن والانس حتى استمتع بعضهم ببعض نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً اى بعضهم قال قتادة يعنى يجعل بعضهم اولياء بعض المؤمن ولى المؤمن يعينه على الخير والكافر ولى الكافر يبعثه الى الشر وروى معمر عن قتادة معناه نتبع بعضهم بعضا فى النار من الموالاة وقيل معناه نولى ظلمة الانس ظلمة الجن وظلمة الجن ظلمة الانس اى نكل بعضهم الى بعض وروى الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس

_ (1) قلت لعل المراد من قول ابن عباس ان نامنا ممن لم يبلغهم دعوة الرسل سبق فيهم علم الله انهم يسلمون لو بلغهم دعوة الرسل فيخرجون من النار ومن سبق فيه علم الله منهم انهم لا يسلمون يخلدون فى النار 12

[سورة الأنعام (6) : آية 130]

فى تفسير هذه الاية ان الله إذا أراد بقوم خيرا ولّى أمرهم خيارهم وإذا أراد بقوم شرا ولّى أمرهم شرارهم فمعنى نولى بعض الظالمين بعضا اى نسلط بعضهم على بعض فناخذ من الظالم بالظالم كما جاء من أعان ظالما سلطه الله عليه ويؤيد رواية الكلبي عن ابن عباس ما روى الحاكم عن صعصعة بن صوحان عن علىّ عليه السلام انه عليه السلام لما استشهد وضربه ابن ملجم قال الناس يا امير المؤمنين استخلف علينا فقال على ان يعلم الله فيكم خيرا بول عليكم خياركم قال على فعلم الله فينا خيرا فولّى أبا بكر رضى الله عنه وروى الظالم عدال الله فى الأرض ينتقم به من الناس ثم ينتقم منه بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ع من الكفر والمعاصي. مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ اختلفوا فى ان الجن هل أرسل إليهم منهم فسئل الضحاك عنه فقال بلى الم تسمع الله يقول الم يأتكم رسل منكم يعنى رسلا من الانس ورسلا من الجن قال الكلبي كانت الرسل قبل ان يبعث محمد صلى الله عليه وسلم يبعثون الى الجن والى الانس جميعا يعنى الى بعض من كل من الفريقين فانه لم يبعث الى كافتهم الا خاتم الرسل عليه السلام وقال مجاهد الرسل من الانس والنذر من الجن ثم قرأ ولوا الى قومهم منذرين والمراد بالنذر رسل الرسل وهم قوم من الجن يستمعون كلام الرسل فيبلغون الجن ما سمعوا وليس للجن رسل فعلى هذا قوله تعالى رسل منكم ينصرف الى أحد الصنفين وهم الانس كما قال الله تعالى يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان وانما يخرج من الملح دون العذب وقال وجعل القمر فيهن وانما هو فى سماء واحدة قلت الاية تدل على كون الفريقين مرسلين إليهم سواء كان الرسل من كل صنف او من الانس فقط لكن لا مانع من كون بعض الرسل الى الجن منهم قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم كيف وقوله تعالى لو كان فى الأرض ملئكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا يقتضى كون الرسل الى الجن منهم لكمال المناسبة بين الرسول ومن أرسل اليه كيف وخلقة الجن كان اسبق من آدم عليه السلام وكانوا مكلفين لكونهم من ذوى العقول ولقوله تعالى لا ملئن جهنم من الجنة والناس فلو لم يرسل إليهم حينئذ أحد لم يعذبوا لقوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا فهذه الاية تدل على انه كان قبل آدم عليه السلام من الجن رسلا إليهم ومن هاهنا يظهر ان ما يدعوا اهل الهند من البرازخ ويسمونهم أوتارا ويذكرون فى تواريخهم

[سورة الأنعام (6) : آية 131]

ألوف ومائة ألوف من السنين لعلهم كانوا من الجن برازخ مبعوثين الى الجن ولعل لاهل الهند دين منزل من الله تعالى على الجن استفاد منهم الانس قيل لاجل كونهم مولودين من بطن الجنية منسوخ بشرائع منزلة بعد ذلك فان اصول دينهم يوافق الكتاب والسنة غالبا وما يخالف منه فهو من عمل الشيطان مردود والله اعلم قُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي يقرؤن كتبى يُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا يعنى يوم القيامةالُوا جواباهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا بتبليغ الرسل إلينا وبالكفر قال مقاتل وذلك حين شهدت عليهم جوارحهم بالشرك والكفر غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا حتى لم يؤمنوا شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ ذم لهم على سوء اختيارهم فى الدنيا حتى اضطروا الى الاعتراف باستيجاب العذاب ذلِكَ يعنى إرسال الرسل خبر مبتدأ محذوف اى الأمر وما بعده تعليل للحكم او بدل من ذلك والأظهر انه مبتدأ وخبره ما بعده أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ ان مصدرية او مخففة من الثقيلة اسمها ضمير الشأن يعنى إرسال الرسل كان لانتفاء كون ربك او لان الشان لم يكن ربك مُهْلِكَ الْقُرى اى اهله بِظُلْمٍ اما حال من فاعل مهلك يعنى ما كان ربك مهلكهم ظالما وَأَهْلُها غافِلُونَ لم ينبهوا برسول واما حال من مفعوله واما ظرف لغو متعلق بمهلك يعنى ما كان ربك مهلكهم بسبب ظلم فعلوه او ملتبسين بظلم فى حال غفلتهم من قبل ان يأتيهم الرسل وذلك على جرى العادة من الله تعالى وَلِكُلٍّ من المكلفين دَرَجاتٌ مراتب من الله تعالى فى القرب والبعد مِمَّا عَمِلُوا اى من أجل أعمالهم التي اكتسبوها فى الدنيا فمنهم من هو اقرب منزلة وأجزل ثوابا ومنهم من هو ابعد رحمة وأشد عذابا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ فيجزى كلا منهم على حسب عمله قرأ ابن عامر بالتاء على الخطاب والباقون بالياء على الغيبة وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ عن العباد وعن عبادتهم ليس إرسال الرسل وتكليف العباد بالأوامر والنواهي لغرض يعود اليه تعالى بل لانه تعالى ذُو الرَّحْمَةِ على خلقه أرسل إليهم الرسل وأمرهم ونهاهم تكميلا لهم ومن رحمته تعالى انه يمهلهم على المعاصي ويتجاوز عنهم إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ اى يهلككم يا اهل مكة بذنوبكم ما به تعالى إليكم حاجة يفوت بذهابكم وَيَسْتَخْلِفْ اى يخلف وينشأ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ من الخلق غيركم أطوع منكم إنشاء كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ

[سورة الأنعام (6) : آية 134]

من أولاد قَوْمٍ آخَرِينَ قرنا بعد قرن لكنه أمهلكم ترحما عليكم إِنَّ ما تُوعَدُونَ من البعث والحساب والاثابة والتعذيب لَآتٍ كائن لا شبهة فيه وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فائتين طالبكم به بل يدرككم حيث ما كنتم قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ قرأ ابو بكر عن عاصم على مكاناتكم وعلى مكاناتهم حيث وقع على الجمع والباقون على الافراد والمكانة اما مصدر من مكن مكانة إذا تمكن وتسلط على شىء يعنى اعملوا على غاية تمكنكم واستطاعتكم او هو اسم ظرف بمعنى المكان استعير هاهنا للحال يقال للرجل إذا امر ان يثبت على حاله على مكانتك يا فلان اى اثبت على ما أنت عليه من الحال وعلى التقديرين امر للتهديد والوعيد والمعنى اثبتوا على كفركم وعداوتكم إِنِّي عامِلٌ على مكانتى التي انا عليها من المصابرة والثبات على الإسلام وعلى ما أمرني به ربى فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ قرأ حمزة والكسائي يكون بالياء هاهنا وفى القصص لان تأنيث العاقبة غير حقيقى والباقون بالتاء لتانيث الفاعل ومن اما موصولة فى محل النصب على انه مفعول يعلمون يعنى فسوف يعرفون الذين يكون له العاقبة الحسنى فى الدار الاخرى او استفهامية فى محل الرفع على الابتداء وفعل العلم معلق عنه يعنى يعلمون أينا يكون له العاقبة الحسنى فى الدار الاخرى إنذار مع الانصاف فى المقال وحسن الأدب وفيه تعريض على انى على علم ويقين بان العاقبة للمتقين إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ الواضعون العبادة والطاعة فى غير محلها قال البغوي كان المشركون يجعلون لله تعالى من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيبا وللاوثان نصيبا فما جعلوه لله صرفوه الى الضيفان والمساكين وما جعلوه للاوثان أنفقوا على خدمها فان سقط شىء مما جعلو الله فى نصيب الأوثان تركوه وقالوا ان الله لغنى عن هذا وان سقط شىء من نصيب الأصنام فيما جعلوه لله ردوه الى الأوثان وقالوا انها محتاجة وكان إذا هلك او انتقص شىء مما جعلوه لله لم يبالونه وإذا هلك او انتقص شىء مما جعلوه للاصنام جبروه بما جعلوه لله وذلك قوله تعالى وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ اى خلقه الله مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً ولشركائهم نصيبا حذف هذه الجملة لظهورها بالمقابلة فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ يعنى زعموا كذلك ولم يأمرهم

[سورة الأنعام (6) : آية 137]

به الله ولا شرع لهم تلك القسمة قرأ الكسائي بضم الزاء والباقون بالفتح وهما لغتان وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ حيث كانوا يتمون ما جعلوا للاوثان مما جعلوا لله تعالى دون العكس قال قتادة كانوا إذا أصابتهم سنة استعانوا بما جعلوا لله وأكلوا منه ووفروا ولم يأكلوا ما جعلوا للاوثان ساءَ ما يَحْكُمُونَ حكمهم هذا واشراكهم خالق الحرث والانعام وسائر الخلائق جمادات لا يقدر على شىء ما وترجيحهم الجمادات على خالق السموات وَكَذلِكَ يعنى تزئينا مثل ما زين لهم قسمة الحرث ونحوها زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ بواد البنات ونحرهم لالهتهم شُرَكاؤُهُمْ فاعل زين قال مجاهد يعنى شياطينهم زينوا وحسنوا لهم واد البنات خيفة الفقر سميت الشياطين شركاء لانهم أطاعوها فى معصية الله وأضيف الشركاء إليهم لاتخاذهم إياها الهة بلا سبب موجب وقال الكلبي شركائهم سدنة الأوثان كانوا يزينون الكفار قتل الأولاد فكان الرجل منهم يحلف لئن ولد له كذا غلاما لينحرن أحدهم وقرأ ابن عامر زين بضم الزاء وكسر الياء على البناء للمفعول الذي هو القتل مرفوعا ونصب الأولاد على المفعولية للقتل وجر الشركاء على ان المصدر مضاف الى الفاعل اعنى الشركاء وترك المفعول اعنى أولادهم منصوبا ويظهر بتواتر هذه القراءة ان اضافة المصدر الى فاعله مفصولا بينهما بمفعوله صحيح فصيح وان ضعفه بعض اهل العربية كذا قال التفتازانيّ او يقال نزل المضاف اليه منزلة الفاعل المرفوع وجاز تقديم المفعول على الفاعل وانما أسند القتل الى الشركاء وان لم يتولوا ذلك لانهم هم الذين زينوا ذلك ودعوا اليه لِيُرْدُوهُمْ اى ليهلكوهم بالإغواء وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ اى ليخلطوا عليهم دينهم الذي كانوا عليه يعنى دين اسمعيل عليه السلام قبل التلبيس كذا قال ابن عباس او المراد دينهم الذي وجب عليهم ان يتدينوا به واللام للتعليل ان كان التزيين من الشياطين وللعاقبة ان كان من السدنة وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ان لا يفعلوا ذلك التخليط واللبس والتزيين او ان لا يقتلوا الأولاد وان لا يجعلوا للاصنام نصيبا من أموالهم ما فَعَلُوهُ اى المشركين ما زين لهم او الشركاء التزيين او الفريقان جميع ذلك فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ

[سورة الأنعام (6) : آية 138]

اى افترائهم او ما يفترونه من الافك وَقالُوا يعنى المشركين هذِهِ يعنى ما جعلوه لله ولالهتهم من الحرث والانعام على ما مر أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ اى حرام مصدر بمعنى المفعول يستوى فيه الواحد والجمع والذكر والأنثى وقال مجاهد يعنى بالانعام البحيرة والسائبة والوصيلة والحام لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء بِزَعْمِهِمْ من غير حجة وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها يعنى البحائر والسوائب والحوامي وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا فى الذبح وانما يذكرون اسماء الأصنام وقال ابو وائل معناه لا يحجون عليها ولا يركبون لفعل الخير لانه لما جرت العادة بذكر اسم الله على فعل الخير عبر عن فعل الخير بذكر الله افْتِراءً عَلَيْهِ نصب على المصدر من قالوا لان ما قالوه تقولوا على الله والجار والمجرور متعلق لقالوا او بمحذوف هو صفة له يعنى افتراء واقعا عليه او منصوب على الحال يعنى قالوا ذلك مفترين او على العلية يعنى للافتراء والجار والمجرور متعلق به او بالمحذوف سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ اى بسبب افترائهم او بمقابلة وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ يعنى اجنة البحائر والسوائب ما ولد منها حيا خالِصَةٌ الخالص ما لا شوب فيه والهاء فيه للتاكيد والمبالغة وقال الكسائي خالص وخالصة واحد مثل وعظ وموعظة وقال الفراء ادخلت الهاء لتانيث الانعام لان ما فى بطونها مثلها وقيل نظرا الى المعنى فان معنى ما فى بطونها الاجنة والمراد به حلال خاصة لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا اى نسائنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً قرأ ابن عامر وابو جعفر وابن كثير ميتة بالرفع على الفاعلية على ان يكون تامة لكن المكي قرأ يكن بالياء التحتانية والآخران بالتاء الفوقانية لان الفاعل مؤنث غير حقيقى او لان الميتة لفظه مؤنث ومعناه يعم الذكر والأنثى فجاز التذكير على التغليب والتأنيث على اللفظ والباقون ميتة بالنصب على الخبرية غير ان أبا بكر عن عاصم قرأ تكن بالتاء الفوقانية مع ان الضمير راجع الى الموصول نظرا الى تأنيث الخبر او الى المعنى فان ما فى بطونها هى الاجنة والباقون بالتحتانية نظرا الى لفظ الموصول فَهُمْ اى الذكر والأنثى فِيهِ اى فى الميتة وذكر الضمير لانه يعم الذكر والأنثى شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ منصوب بنزع الخافض اى يوصفهم الله

[سورة الأنعام (6) : آية 140]

كاذبا فى التحليل والتحريم او على المصدرية بحذف المضاف اى جزاء وصفهم إِنَّهُ حَكِيمٌ فى جزائهم عَلِيمٌ بما يفعلون قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا قرأ ابن عامر وابن كثير بتشديد التاء على التكثير والباقون بالتخفيف أَوْلادَهُمْ سَفَهاً جهلا بِغَيْرِ عِلْمٍ بان الله رازق أولادهم ويجوز نصبه على المصدرية او الحال اى قتلا بغير علم او كائنين بغير علم قال البغوي نزلت الاية فى ربيعة ومضر وبعض من العرب كانوا يدفنون البنات احياء مخافة الفقر والسبي وبنو كنانة لا يفعلون ذلك وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ يعنى البحيرة والسائبة والوصيلة والحام افْتِراءً عَلَى اللَّهِ منصوب على العلية او الحالية او المصدرية يعنى يفترون على الله افتراء او حرموا مفترين او للافتراء قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ الى الحق والصواب وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ بساتين مَعْرُوشاتٍ قال ابن عباس ما انبسط على وجه الأرض فانتشر مما يعرض اى يرفع مثل الكرم والقرع والبطيخ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ ما قام على الساق ونسق مثل النخل والزرع وسائر الأشجار وقال الضحاك كلاهما من الكرم منها ما عرش يعنى غرسه الناس فعرشوه ومنها ما نبت فى البراري والجبال فلم يعرشه أحد وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ يعنى ثمره فى اللون والطعم والريح الضمير راجع الى الزرع والباقي مقيس عليه او الى النخل والزرع داخل فى حكمه لكونه معطوفا او للجميع على تقدير كل واحد منهما ومختلفا حال مقدرة لان وقت الإنشاء لا أكل له وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً بعض افرادها ببعض وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ بقيتها كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ اى من ثمر كل واحد منها إِذا أَثْمَرَ وان لم يدرك يعنى أول وقت الإباحة طلوع الثمر ولا يتوقف على الإدراك او يقال فائدة هذا القيد رخصة المالك فى الاكل منه قيل أداء حق الله تعالى وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قرأ ابو عمرو وابن عامر وعاصم حصادة بفتح الحاء والباقون بكسرها ومعناهما واحد كالصرام والصرام والجزار والجزار بالكسر والفتح فيهما اختلفوا فى هذا الحق فقال ابن عباس وطاووس والحسن وجابر بن زيد وسعيد بن المسيب انه الزكوة المفروضة من العشر ونصف العشر لان الأمر للوجوب ولفظ الحق غالب استعماله فى الواجب والإجماع على انه لا واجب فى المال الا الزكوة وفى الصحيحين عن

طلحة بن عبد الله قال جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسال عن الإسلام فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس صلوات وصيام شهر رمضان والزكوة فقال هل على غيرها قال لا الا ان تطوع فعلى هذا القول هذه الاية مدنية وفيها حجة لابى حنيفة حيث يقول يجب الزكوة فى الثمار مثل الرمان خلافا لمالك والشافعي فانه لا يجب الزكوة عندهما الا فيما يقتات به وقد مر مسائل زكوة الزرع فى سورة البقرة فى تفسير قوله تعالى وأنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض وقال على بن الحسين وعطاء ومجاهد وحماد والحكم هو حق فى المال سوى الزكوة امر بإتيانه لان الاية مكية وفرضت الزكوة بالمدينة قال ابراهيم هو الضغث وقال الربيع لقاط السنبل اخرج ابن مردويه والنحاس فى ناسخه عن ابى سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم فى هذه الاية قال ما سقط من السنبل وقال مجاهد كانوا يعلقون العذق عند الصرام فياكل منه من مرّ وقال يزيد بن الأصم كان اهل المدينة إذا صرموا يجيئون بالعذق فيعلقونه فى جانب المسجد فيجئ المسكين فيضربه بعصاه فيسقط منه فياخذ ويويد هذا القول حديث فاطمه بنت قيس قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان فى المال لحقا سوى الزكوة ثم تلا ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب رواه الترمذي وابن ماجة والدارمي وقد مر فى تفسير تلك الاية فى البقرة فالمراد بالحق أعم من ان يكون واجبا او مندوبا وقال سعيد ابن جبير كان هذا حقا يومر بإتيانه فى ابتداء الإسلام فصار منسوخا بايجاب العشر قال مقسم عن ابن عباس نسخت الزكوة كل نفقة فى القران وَلا تُسْرِفُوا الإسراف ضد القصد كذا فى القاموس وفى الصحاح انه التجاوز عن الحد فى كل فعل قيل أراد هاهنا بالإسراف إعطاء الكل قال البيضاوي هذه الاية كقوله تعالى ولا تبسطها كل البسط قال البغوي قال ابن عباس فى رواية الكلبي عمد ثابت بن قيس بن شماس فصرم خمسمائة نخلة فقسمها فى يوم واحد ولم يترك لاهله شيئا فانزل الله عز وجل هذه الاية وكذا اخرج ابن جرير عن ابن جريح قال البغوي قال السدى لا تسرفوا اى لا تعطوا سائر أموالكم فتقعدوا فقراء قلت إعطاء الكل انما يكون إسرافا ومنهيا عنه إذا لم يوصل الى عياله ومن له عليه حق حقوقهم كذا قال الزجاج واما بعد أداء

[سورة الأنعام (6) : آية 142]

حقوق اهل الحقوق فاعطاء الكل فى سبيل الله أفضل وليس بإسراف قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان لى مثل أحد ذهبا يسرّنى ان لا يمرّ علىّ ثلث ليال وعندى منه شىء الا شىء ارصده لدين رواه البخاري وعن ابى ذر انه استاذن على عثمان فاذن له وبيده عصاه فقال عثمان يا كعب ان عبد الرحمن بن عوف توفى وترك مالا فما ترى فيه فقال إن كان يصل فيه حق الله فلا بأس به فرفع أبو ذر عصاه فضرب كعبا وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما أحب لو ان لى هذا الجبل ذهبا أنفقه ويتقبل منى اذر خلفى منه ست أواق أنشدك بالله يا عثمان أسمعته ثلث مرات قال نعم رواه احمد وعن ابى هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم دخل على بلال وعنده صبرة من تمر فقال ما هذا يا بلال قال شىء ادخرته لغد فقال أما تخشى ان ترى له غدا بخارا فى نار جهنم يوم القيامة أنفق يا بلال ولا تخش من ذى العرش إقلالا رواه البيهقي فى شعب الايمان وعن ابى هريرة قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم اى الصدقة أفضل قال جهد المقل وابدأ بمن تعول رواه ابو داؤد وقال سعيد بن المسيب معنى لا تسرفوا لا تمنعوا الصدقة يعنى لا تجاوزوا الحد في الإمساك حتى تمنعوا الواجب من الصدقة وقال مقاتل معناه لا تشركوا الأصنام فى الحرث والانعام وقال الزهري معناه لا تنفقوا فى المعصية وقال مجاهد الإسراف ما قصرت به عن حق الله عز وجل وقال لو كان ابو قبيس ذهبا لرجل فانفقه فى طاعة الله لم يكن مسرفا ولو أنفق درهما او مدّا فى معصية الله تعالى كان مسرفا وقال إياس بن معاوية ما جاوزت به امر الله فهو سرف وإسراف وروى ابن وهب عن ابى زيد انه قال الخطاب فى هذه الاية للسلاطين يقول الله تعالى لا تأخذوا فوق حقكم فهذه الاية نظير قوله صلى الله عليه وسلم وإياكم وكرايم اموال الناس إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ لا يرتضى فعلهم وَانشأ مِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وهى كل ما حمل عليه من الإبل والبقر وَفَرْشاً وهى ما لا يحمل عليه من الصغار الدانية الى الأرض كالفصال والعجاجيل والغنم كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ امر اباحة وادخل من التبعيضية لان الرزق ليس كله ماكولا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ اى طرقه فى تحليل الحرام وتحريم الحلال

[سورة الأنعام (6) : آية 143]

إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهر العداوة ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ بدل من حمولة وفرشا او مفعول كلوا ولا تتبعوا معترض بينهما او حال من ما بمعنى مختلفة او متعددة والزوج ما معه اخر من جنسه يزاوجه وقد يقال لمجموعهما والمراد الاول مِنَ الضَّأْنِ اسم جنس وهى ذات الصوف من الغنم وجمعه ضئين او الضان جمع ضائن والأنثى ضائنة وجمعها ضوائن اثْنَيْنِ زوجين اثنين الذكر والأنثى اعنى الكبش والنعجة بدل من حمولة ان جوز تعدد البدل ومن ثمانية ان جوز البدل من البدل وَمِنَ الْمَعْزِ وهى ذات الشعر من الغنم قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر بفتح العين والباقون بالإسكان وهى جمع ما عز كصحب وصاحب وقال البغوي هو جمع لا واحد له من لفظه وجمع الماعز معزى وجمع الماعزة مواعز اثْنَيْنِ الذكر والأنثى التيس والعنز قُلْ يا محمد آلذَّكَرَيْنِ اجمع القراء على ابدال الهمزة الثانية او تسهيلها وكذا كلما دخل همزة الاستفهام على همزة الوصل نحو آلله آلآن يعنى آلذكر من الضان والمعز حَرَّمَ اى حرمه الله تعالى أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ منهما ونصب الذكرين والأنثيين بحرم أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ يعنى أعم من الذكر والأنثى من الجنين نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ يعنى أخبروني بامر معلوم من عند الله تعالى يدل على تحريم ما تحرمونه إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فى دعوى التحريم وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ كما سبق يعنى شىء منهما لم يحرم وذلك انهم كانوا يقولون هذه انعام وحرث حجر وقالوا ما فى بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وكانوا يحرمون البحيرة والسائبة والوصيلة والحام بعضها على النساء فقط وبعضها على الرجال والنساء جميعا فلما جاء الإسلام قام مالك بن عوف ابو الأحوص الجشمي فقال يا محمد بلغنا انك تحرم أشياء مما كان ابائنا يفعلون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انكم قد حرمتم أصنافا من النعم على غير اصل وانما خلق الله تعالى هذه الأصناف الثمانية للاكل والانتفاع بها فمن اين جاء هذا التحريم من قبل الذكر أم من قبل الأنثى فسكت مالك بن عوف وتحير فلو قال جاء هذا التحريم بسبب الذكورة وجب ان يحرم جميع الذكور ولو قال بسبب

[سورة الأنعام (6) : آية 145]

الأنوثة وجب ان يحرم جميع الأنثى ولو قال باشتمال الرحم وجب ان يحرم الكل فاما تخصيص التحريم بالولد الخامس او السابع او بالبعض دون البعض فمن اين هو ويروى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لمالك يا مالك لا تتكلم قال له مالك بل نتكلم واسمع منك أَمِ بل كُنْتُمْ يا اهل مكة شُهَداءَ حضورا إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا التحريم فانكم لا تؤمنون بنبي ولا كتاب لكم فلا طريق لكم الى المعرفة الا المشاهدة والسماع فَمَنْ أَظْلَمُ يعنى لا أحد اظلم مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فى التحريم والتحليل وغيرهما والمراد عمرو بن لحى الخزاعي ومن جاء بعده على طريقه لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ روى انهم قالوا فما المحرم إذا فنزل قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ وهو يعم القران وغيره ولا وجه لتخصيصه بالقران كيف والكلام فى رد ما يزعمون من تحريم البحائر ونحوها بغير علم وذا لا يتم الا بارادة العموم فان المقصود من هذا الكلام التنبيه ان التحريم وغيرها من الاحكام انما يعلم بالوحى دون الهوى ولا أجد هاهنا من افعال القلوب ومفعوله الاول محذوف ومفعوله الثاني قوله تعالى مُحَرَّماً واختار اكثر المفسرين تقدير طعاما محرما ليصح استثناء الخنزير منه متصلا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ متعلق بمحرما إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً قرأ ابن عامر تكون بالتاء لتانيث الفاعل وميتة بالرفع على الفاعلية ويكون حينئذ تامة وقرأ ابن كثير وحمزة ايضا بالتاء نظرا الى تأنيث الخبر وميتة بالنصب على الخبرية كجمهور القراء والباقون بالياء التحتانية على ان الضمير المستتر فيه راجع الى المحذوف المقدر اعنى طعاما والمستثنى فى محل النصب على الحالية يعنى لا أجد طعاما محرما فى حال من الأحوال الا حال كونه ميتة والميتة ما فارقه الروح حتف انفه من غير فعل أحد فلا يدخل فيه الموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع كما يدل عليه العطف فى قوله تعالى حرمت عليكم الميتة الاية فى سورة المائدة ويدل عليه ايضا قول الكفار تزعم يا محمد ان ما قتلت أنت وأصحابك حلال وما قتله الكلب والصقر حلال وما قتله الله حرام وانما تثبت حرمة الموقوذة وأخواتها بغير هذه الآيات أَوْ دَماً مَسْفُوحاً اى مهراقا سائلا قال ابن عباس يريد ما خرج من الحيوان وهو حى وما خرج من الأوداج عند الذبح ولا يدخل فيه الكبد والطحال لانهما جامدان وقد جاء الشرع بإباحتهما

نصا واجماعا ولا ما اختلط باللحم من الدم لانه غير سائل أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ اى الخنزير لقربه رِجْسٌ اى قذر ومن هذه الاية ثبت كون الخنزير نجسا عينه ومن ثم لا يجوز بيع شىء من اجزائه ولا الانتفاع به أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ الجملة صفة لفسقا وهو معطوف على لحم خنزير وقوله فانه رجس معترض بين المعطوف والمعطوف عليه سمى الله سبحانه ما ذبح على اسم الصنم فسقا لتوغله فى الفسق وجاز ان يكون فسقا مفعولا له لاهل والجملة معطوفة على يكون والمستكن فيه راجع الى ما رجع اليه المستكن فى يكون فَمَنِ اضْطُرَّ اى دعته الضرورة الى تناول شىء من ذلك غَيْرَ باغٍ اى حال كونه غير باغ للذة وشهوة ولا باغ على مضطر مثله وَلا عادٍ اى متجاوز قدر الضرورة فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «1» لا يواخذ وقد مر مثل هذه الاية فى سورة البقرة وذكرنا ما يتعلق به هناك. (مسئلة) ذهب بعض العلماء الى ان التحريم مقصور على هذه الأشياء لانحصار التحريم بنص الكتاب فيها ولا يجوز نسخ الكتاب بخبر الآحاد يروى ذلك عن عائشة وابن عباس وبه قال مالك فانه يطلق الكراهة على ما سوى ذلك مما ورد النهى عنها فى الحديث قالوا ويدخل فى الميتة المنخنقة والموقوذة وما ذكر فى أوائل سورة المائدة قلت دخول الموقوذة وأخواتها فى الميتة ممنوع كما ذكرنا وقال اكثر الائمة ابو حنيفة والشافعي واحمد وغيرهم لا يختص التحريم بهذه الأشياء قال البيضاوي الاية محكمة يعنى غير منسوخة لانها تدل على انه لم يجد فيما اوحى اليه الى تلك الغاية محرما غير هذه وذلك لا ينافى ورود التحريم فى شىء اخر فلا يلزم نسخ الكتاب بخبر الواحد وهذا القول غير صحيح عندى فان كل اية او سنة نطقت

_ (1) قال الامام جلال الدين السيوطي فى الإتقان قال الشافعي فى هذه الاية ما معناه ان الكفار لما حرموا ما أحل الله وأحلوا ما حرم الله جاءت الاية مناقضة لغرضهم فكانه قال لا حلال الا ما حرمتموه من البحيرة والسائبة والوصيلة ونحوها يعنى من الانعام ولا حرام الا ما أحللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أحل لغير الله به فالاية نازلة منزلة من يقول فى جواب قول قائل لا تأكل اليوم حلاوة لا أكل اليوم الا حلاوة والغرض المصادة يعنى فى تحليل الانعام وتحريمها لا النفي والإثبات على الحقيقة قال الامام الحرمين وهذا فى غاية الحسن 12

بحكم غير مقيد بالتابيد او التوقيت فانها مؤيدة ظاهرا نظرا الى الاستصحاب وهو فى علم الله موقت ولا يكون قابلا للنسخ الا هذا القسم من النصوص فالناسخ يكون بيانا لمدة الحكم ولذا سمى النسخ بيان تبديل كيلا يلزم على الله البدء المستحيل وو لا شك ان هذه الاية تدل على حل ما عدا المذكورات فى هذا الوقت من غير دلالة على تابيد الحل او كونه منتهيا الى وقت ومن أجل ذلك كانت الاية رد التحريم البحاير وأخواتها واحتمال ورود التحريم بعد ذلك لا ينافى كون حلها حكما شرعيا ثابتا بنص الكتاب فالحكم الوارد بالسنة بعد ذلك بالتحريم يكون ناسخا للحل البتة فلا يصح ما قيل انه لا يلزم نسخ الكتاب بخبر الواحد فالاولى ان يقال قد لحقه التخصيص بالقطعي الوارد فى المنخنقة وأخواتها والوارد فى تحريم الخمر فانه ايضا من جنس الطعام فان قوله تعالى ليس على الذين أمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا الاية وارد فى الخمر والعام المخصوص بالبعض يجوز تخصيصه بخبر الآحاد بل بالقياس ايضا والقول باشتراط المقارنة فى التخصيص ممنوع بل كل ما يخرج بعض الافراد عن الحكم من كلام مستقل فهو مخصص سواء كان متراخيا او مقارنا وانما الناسخ ما سلب الحكم عن جميع الافراد ولو سلمنا هذا الاشتراط فنقول حل جميع الحيوانات الثابت بهذا النص منسوخ بتحريم الخبائث الثابت بقوله تعالى يأمرهم بالمعروف وينهيهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث لكن الطيبات والخبائث مجمل التحق أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الواردة فى تحريم السباع والحمر الاهلية وأمثالها بيانا للاية فالناسخ انما هو الكتاب للكتاب والأحاديث بيان للكتاب او نقول الأحاديث الواردة فى تحريم السباع وغيرها وانكانت من رواية الآحاد لكن تلقتها جميع الامة بالقبول ومالك رحمه الله وان لم يقل بتحريم السباع وأمثالها لكنه يقول بالكراهة التحريمية عملا بتلك الأحاديث فلا شبهة فى قبوله الأحاديث المذكورة فصارت الأحاديث المذكورة مجمعا عليها فجاز نسخ الكتاب بها لكونها قطعية بإجماع الامة على قبولها والاختلاف الواقع فى الضبع والثعلب واليربوع والضب لا يضرابا حنيفة فانه يقول الضبع والثعلب من السباع والضب واليربوع من الحشرات ولا خلاف فى عدم جوازا كل السباع والحشرات وانما الخلاف فى كونها من السباع والحشرات وقد ذكرنا مسائل ما يحل من الحيوانات وما يحرم فى سورة المائدة فى تفسير قوله تعالى اليوم

[سورة الأنعام (6) : آية 146]

أحل لكم الطيبات الاية وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وهى كل ماله إصبع كالابل والسباع والطيور قال القتيبي هو كل ذى مخلب من الطير وكل ذى حافر من الدواب وحكاه عن بعض المفسرين سمى الحافر ظفرا على الاستعارة ولعل مسبب الظلم تعميم التحريم والا فبعضها محرم فى ملة الإسلام ايضا وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما اى ما اشتمل على الظهور والجنوب أَوِ الْحَوايا عطف على ظهورهما يعنى ما اشتمل على الحوايا وهى الأمعاء جمع حاوية او حاوياء أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ يعنى شحوم الالية لاتصالها بعجب الذنب والمخ فبقى بعد الاستثناء شحوم الجوف وهى الثروب وشحوم الكلى ذلِكَ التحريم مفعول ثان لقوله تعالى جَزَيْناهُمْ عقوبة لهم بِبَغْيِهِمْ بسبب ظلمهم من قتل الأنبياء وصدهم عن سبيل الله وأخذهم الربوا وأكلهم اموال الناس بالباطل فان قيل من كان هذا شانه لا يبالى بأكل ما حرم عليه فاى عقوبة وضيق عليهم بالتحريم قلت لعل هذا التحريم لزيادة تعذيبهم فى الاخرة عن جابر بن عبد الله انه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة ان الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام قيل أرأيت شحوم الميتة فانه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح فقال لا هو حرام شحومها ثم قال رسول الله لعن الله اليهود ان الله لما حرم عليهم شحومها جملوها ثم باعوه فاكلوا ثمنه رواه البخاري وغيره والله اعلم وَإِنَّا لَصادِقُونَ فى الاخبار والوعد والوعيد فَإِنْ كَذَّبُوكَ يعنى اليهود فيما أوحيت إليك هذا فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ يمهلكم على التكذيب فلا تغتروا بامهاله فانه لا يهمل وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عذابه عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ إذا جاء وقته او المعنى ذو رحمة واسعة للمؤمنين وذو بأس شديد للمكذبين المجرمين فاقام مقامه ولا يرد بأسه للدلالة على انه لازم بهم لا يمكن رده عنهم سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا اخبار عن مستقبل ففيه اعجاز فانه اخبار عن غيب وقع بعد ذلك وانهم لما لزمتهم الحجة وعجزوا عن جوابها استدلوا على كون ما هم عليهم مشروعا مرضيا لله تعالى بانه لَوْ شاءَ اللَّهُ خلاف ما نحن عليه ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ مما حرمناه يعنى ان الله قادر على ان يحول بيننا وبين ما نحن عليه حتى

[سورة الأنعام (6) : آية 149]

لا نفعله فلولا انه رضى بما نحن عليه وأراد منا وأمرنا به لحال بيننا وبين ذلك وهذا الاستدلال مبنى على جهلهم وعدم تفرقهم بين المشية بمعنى الارادة وبين الرضا فان إرادته تعالى متعلق بالخير والشر ما شاء الله كان وما لم يشأ لا يكون وانه تعالى لا يرضى لعباده الكفر كَذلِكَ اى مثل ما كذبوك فى ان الله منع من الشرك ولم يرض به ولم يحرم ما حرّموه كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ رسلهم حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا عذابنا الذين أنزلنا عليهم بتكذيبهم قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ مستنبط من كتاب او حجة يفيد العلم بانه تعالى راض عن الشرك وحرم ما حرموه او المراد بالعلم امر معلوم يصح الاحتجاج به على ما زعموا فَتُخْرِجُوهُ لَنا ولتظهروا ما أفادكم ذلك العلم وليس الأمر كذلك ولا يقولون انهم يقولون عن علم إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ الحاصل بتقليد الآباء وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ تكذبون والله اعلم قُلْ يا محمّد فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ التامة عليكم باوامره ونواهيه ولا حجة لكم بمشيته فان مشيته لا يلازم رضاه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد على مقتضى حكمته لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون احتج المعتزلة بهذه الاية على ان الكفر ليس بمشية الله تعالى وإرادته والا لما عابهم الله تعالى على قولهم لو شاء الله ما أشركنا ولما كذبهم الله فى هذا القول وبما ذكرنا لك من التفسير ظهر بطلان احتجاجهم بها وان الله تعالى لم يكذبهم فى هذا القول بل قولهم هذا يوافق قوله تعالى فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ولم يقل الله تعالى انكم كاذبون فى هذا القول بل عابهم على تكذيبهم الرسل فى ان الله تعالى ليس براض بالكفرناه عنه ولم يحرم ما يقولونه حراما وعابهم على زعمهم ان تحريمنا البحائر وأشباهها لما كان بمشية الله فهو راض عن ذلك التحريم وان الله حرم هذه الأشياء حيث قال الله تعالى قُلْ يا محمد هَلُمَّ اسم فعل غير منصرف يقال للواحد والتثنية والجمع عند اهل الحجاز ومعناه احضروا شُهَداءَكُمُ اى قدوتكم فى هذا القول استحضرهم ليلزم هم الحجة بأجمعهم ويظهر ضلالتهم وانه لا متمسك لهم كمن يقلدهم ولذلك قيد الشهداء بالاضافة إليهم ووصفهم بقوله الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا الذي زعموه محرما فَإِنْ شَهِدُوا بالباطل فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ اى لا تصدّقهم وبيّن لهم فسادها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا

[سورة الأنعام (6) : آية 151]

بِآياتِنا كان الأصل لا تتبع أهواءهم وضع المظهر موضع المضمر للدلالة على ان مكذب الآيات متبع الهوى لا غير وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ غيره من الأصنام ونحوها ولما سال المشركون النبي صلى الله عليه وسلم عما حرمه الله تعالى بعد ظهور بطلان قولهم فى التحريم قال الله تعالى قُلْ يا محمد تَعالَوْا امر من التعالي وأصله فيمن كان فى علو يقول لمن كان فى سفل ثم اتسع فيه بالتعميم أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ ما موصولة او مصدرية منصوبة باتل او استفهامية منصوبة بحرم والجملة مفعول اتل يعنى اتل اى شىء حرم ربكم عَلَيْكُمْ متعلق بحرم او اتل اسم فعل للاغراء بمعنى الزموا أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ ان مصدرية على تقدير كون عليكم بمعنى الزموا والا فمفسرة بفعل التلاوة يعنى اتل عليكم لا تشركوا وجاز ان يكون مصدرية فى محل الرفع تقديره المتلو ان لا تشركوا او فى محل النصب تقديره أوصيكم ان لا تشركوا ويؤيد هذا التقدير قوله تعالى ذلكم وصيكم وان يكون ان مصدرية ولا زائدة ومحلها النصب على انه بدل من الموصول او من عائده المحذوف وتقديره حرم عليكم ان تشركوا او محلها الرفع تقديره المحرم ان تشركوا به شَيْئاً من الإشراك جليا ولا خفيا او شيئا من الالهة الباطلة وَأحسنوا بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً معطوف على لا تشركوا وضع الأمر موضع النهى عن الاساءة إليهما للمبالغة والدلالة على ان ترك الاساءة فى شانهما غير كاف وترك الإحسان بهما اساءة وان كان لا فى لا تشركوا زائدة فالتقدير حرم عليكم ان تشركوا وان تسيئوا بالوالدين بل أحسنوا إحسانا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ «1» يعنى لا تئدوا البنات مِنْ خشية إِمْلاقٍ فقر نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ فى حديث معاذ أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر كلمات قال لا تشرك بالله وان قتلت وحرقت ولا تعقن والديك وان امراك ان تخرج من أهلك ومالك الحديث رواه احمد

_ (1) عن على بن ابى طالب قال لما امر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ان يعرض نفسه على قبائل العرب خرج الى منى وانا معه وابو بكر وكان ابو بكر رجلا نسابة فوقف على منازلهم ومضاربهم بمنى فسلم عليهم وردوا السّلام وكان فى القوم مغروق بن عمر وهانى بن قبيصة والمثنى بن حادثة والنعمان ابن شريك وكان اقرب القوم الى ابى بكر مفروق قد غلب عليهم بيانا ولسانا فالتفت الى رسول الله عليه وسلم فقال الى ما تدعونا يا أخا قريش فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام ابو بكر يظله بثوبه فقال النبي صلى الله عليه وسلم أدعوكم الى شهادة ان لا اله الا الله وحده لا شريك له وانى رسول الله ولا توذونى وتضربونى وتمنعونى حتى أؤدي عن الله الذي أمرني به فان قريشا قد تظاهرت على امر الله وكذبت رسوله واعانت الباطل على الحق والله هو الغنى الحميد قال له والى ما تدعونا ايضا يا أخا قريش فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قل تعالوا اتل ما حرم ربكم عليكم ان لا تشركوا به شيئا الى قوله تتقون قال له مفروق والى ما تدعونا ايضا يا أخا قريش فو الله ما هذا من كلام اهل الأرض ولو كان من كلامهم لعرفناه فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله يأمر بالعدل والإحسان الاية فقال له مفروق دعوت والله يا قرشى فى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ولقد افك قومك كذبوك وظاهروا عليك وقال هانى بن قبيصة قد سمعتك مقالتك واستحسنت قولك يا أخا قريش وأعجبني ما تكلمت به ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لن تلبثوا الا يسيرا حتى يمنحكم الله بلادهم وأولادهم يعنى ارض فارس وانهار كسرى ويفرشكم نباتهم تسبحون الله وتقدسونه قال له النعمان بن شريك اللهم وانى ذلك لك يا أخا قريش فتلا له رسول الله صلى الله عليه وسلم انا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا الى الله باذنه وسراجا منيرا ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم قابضا على يد ابى بكر 12 [.....]

وفى حديث ابن مسعود قال قال رجل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم اى الذنب اكبر عند الله قال ان تدعو لله ندا وهو خلقك قال ثم اى قال ان تقتل ولدك خشية ان يطعم معك الحديث متفق عليه وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ كبائر الذنوب والزنا ما ظَهَرَ مِنْها من افعال الجوارح علانية وَما بَطَنَ يعنى افعال الجوارح سرا وافعال القلوب من النفاق وغيره ورذائل النفس قوله ما ظهر وما بطن بدل من الفواحش وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ قتله من مومن او معاهد أَلَّا قتلا متلبسا بِالْحَقِّ اى بحق يبيح قتله من ردة او قصاص او زنا بعد إحصان او نقض عهد او بغى او قطع طريق عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل دم امرئ يشهد ان لا اله الا الله وانى رسول الله الا بإحدى ثلث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة رواه البغوي وقال الله تعالى وان نكثوا ايمانهم من بعد عهدهم وطعنوا فى دينكم فقاتلوا ائمة الكفر الاية وقال الله تعالى فان بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغى وقال الله تعالى انما جزاء الذين يحاربون الله الاية

[سورة الأنعام (6) : آية 152]

ذلِكُمْ من الأوامر والنواهي وَصَّاكُمْ بِهِ أمركم بحفظه لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ترشدون فان كمال العقل هو الرشد وضده السفه وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ فضلا من ان تأكلوه او تضيعوه بفعله إِلَّا بِالَّتِي اى بالفعلة التي هِيَ أَحْسَنُ ما يفعل بماله من حفظه وتثميره وصلاحه قال مجاهد هى التجارة فيه حَتَّى يَبْلُغَ اليتيم أَشُدَّهُ جمع شد كفلس وأفلس يعنى صفات كماله من البلوغ والرشد بعد البلوغ المنافى للسفه وقيل هى مفرد بمعنى كماله هذا القيد خرج مخرج العادة تأكيدا لا مفهوم له عند أحد فانه كان معتاد اهل الجاهلية التصرف فى ماله من ايام صباه حتى يبلغ أشده فاذا بلغ أشده منع غيره من ماله فقال الله تعالى لا تقربوا مال اليتيم فى شىء من زمان صباه واما بعد ذلك فلا يمكن لكم التصرف فيه لاجل ممانعته وقال البغوي تقدير الاية لا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هى احسن ابدا حتى يبلغ أشده فادفعوا اليه ماله إن كان رشيدا قلت وجاز ان يكون غاية للمستثنى يعنى افعلوا بما له الفعلة التي هى احسن حتى يبلغ أشده وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ بالعدل والتسوية وضع الأمر موضع النهى يعنى لا تنقصوا المكيال والميزان لكمال الاهتمام فى الإيفاء فان النهى يقتضى الأمر بضده التزاما والاهتمام فى المطابقة والله اعلم لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها اى الا ما يسعها ولا يعسر عليها ذكر هذه الجملة بعد الأمر بالإيفاء بالقسط اشارة الى ان الأفضل ان يعطى من عليه الحق اكثر وأفضل مما وجب عليه تجوز او اخرج ابن مردويه بسند ضعيف من مرسل سعيد بن المسيب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من اوفى على يده والميزان والله يعلم صحة نيته بالوفاء فيهما لم يواخذ وذلك تاويل وسعها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أداء ثمن فرس وجب عليه زن وأرجح رواه احمد وابو داؤد والترمذي وابن ماجة والحاكم وصححه عن سويد بن قيس وفى الصحيحين عن ابى هريرة ان رجلا اتى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه فاغلظ له فهم به بعض أصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوه فان لصاحب الحق مقالا ثم قال أعطوه سنا مثل سنه قالوا يا رسول الله لا نجد الا أمثل من سنه قال أعطوه فان خيركم أحسنكم قضاء وهو عند مسلم من حديث ابى رافع بمعناه وعن ابى هريرة قال اتى النبي صلى الله عليه وسلم برجل يتقاضاه قد استسلف منه شطر وسق فاعطاه وسقا فقال نصف وسق

لك ونصف وسق من عندى ثم جاء صاحب الوسق يتقاضاه فاعطاه وسقين فقال وسق لك ووسق من عندى رواه الترمذي وسنده لا بأس به وكذا الأفضل ان يرضى صاحب الحق من حقه سماحة عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى رواه البخاري لكن الله سبحانه لم يوجب إعطاء اكثر مما وجب عليه ولا الرضا باقل مما له تفضلا فان ذلك شاق على النفوس وذلك قوله تعالى لا يكلف الله نفسا الا وسعها وهذه الأحاديث يؤيد مذهب الشافعي حيث قال ان اهدى المستقرض الى المقرض شيئا او حمله على دابة او اسكنه فى داره ولم يكن ذلك عادة بينهما او اعطى اكثر مما أخذ منه او أجود يجوز ذلك ان كان بغير شرط سبق خلافا للائمة الثلاثة فان ذلك يكره عندهم ولا يحل له أخذ ذلك وقد مر المسألة فى سورة البقرة فى تفسير اية المداينة وَإِذا قُلْتُمْ فى الحكم او الشهادة فَاعْدِلُوا فيه وَلَوْ كانَ المقول له او عليه ذا قُرْبى لكم هذا ايضا امر وضع موضع النهى عن الجور والكذب تأكيدا فى العدالة حتى لا يجوز الشهادة على الظن والتخمين بل على كمال العلم كما يدل عليه لفظة الشهادة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عدلت شهادة الزور بالاشراك بالله ثلث مرات ثم قرأ فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به رواه ابو داؤد وابن ماجة عن خريم بن فاتك واحمد والترمذي عن ايمن بن خريم الا ان ابن ماجة لم يذكر القراءة وعن بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم القضاة ثلثة واحد فى الجنة واثنان فى النار فاما الذي فى الجنة فرجل عرف الحق فقضى به ورجل عرف الحق فجار فى الحكم فهو فى النار ورجل قضى للناس على جهل فهو فى النار رواه ابو داؤد وَبِعَهْدِ اللَّهِ يعنى بما عهد إليكم من ملازمة العدل وتادية احكام الشرع من الأوامر والنواهي او بالنذر واليمين أَوْفُوا هذا ايضا امر فى موضع النهى تأكيدا يعنى لا تنقضوا عهد الله بعد ميثاقه ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها ومقتضى التأكيد والمبالغة فى إتيان الأوامر والنواهي ان يجتنب الشبهات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلال بين والحرام بين وبينهما امور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى المشتبهات استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع فى المشتبهات وقع فى الحرام كراع يرحى حول الحمى يوشك ان يوقعه الحديث متفق عليه من حديث النعمان بن بشير وروى الطبراني فى الصغير بسند

[سورة الأنعام (6) : آية 153]

صحيح عن عمر مرفوعا الحلال بين والحرام بين دع ما يريبك الى ما لا يريبك ذلِكُمْ ما ذكر وَصَّاكُمْ أمركم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ قرأ حمزة والكسائي وحفص بتخفيف الذال حيث وقع فى القران إذا كان بالتاء الفوقانية بحذف احدى التاءين من التفعل والباقون بتشديد الذال وأصله تتذكرون وَأَنَّ هذا قرأ حمزة والكسائي بكسر الهمزة على الاستيناف والباقون بفتح الهمزة لكن قرأ ابن عامر ويعقوب بإسكان النون على انها محففة من المثقلة واسمه ضمير الشان محذوف والباقون بالتشديد قال الفراء تقديره واتل عليكم ان هذا صِراطِي قرأ ابن عامر بفتح الياء والباقون بإسكانها مُسْتَقِيماً حال من الصراط والعامل معنى الاشارة يعنى ان هذا الذي ذكر فى جمع السورة من التوحيد والنبوة والشرائع طريقى ودينى قلت وجاز ان يكون ان فى محل الجر عطفا على الضمير المجرور فى وصيكم به يعنى ووصيكم بان وقال البيضاوي بتقدير اللام على انه علة لقوله تعالى فَاتَّبِعُوهُ وقيل المشار اليه بهذا ما فى هذه الآيات قال البغوي هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شىء وهن محرمات فى جميع الشرائع على بنى آدم كلهم وهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ اى الطرق المختلفة على حسب الأهواء فان مقتضى الشرع اتباع الكتاب والسنة فيما أدركه العقل وفيما لم يدركه ومقتضى اتباع الآراء الفاسدة انه ان وافقها الكتاب والسنة قبلوهما وان خالفها اوّلوا الكتاب واتبعوا الأهواء وهذا منشأ اختلاف الشيع فصارت روافض وخوارج ومجسمة وجبرية وقدرية وغيرهم وقد ذكرنا هذه المسألة فى سورة البقرة فى تفسير قوله تعالى كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا اظلم عليهم قاموا فَتَفَرَّقَ تلك السبل بِكُمْ ويزيلكم عَنْ سَبِيلِهِ الذي هو اتباع الوحى ذلِكُمْ الاتباع وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الضلال والتفرق عن الحق عن عبد الله بن مسعود قال خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ثم قال هذا سبيل الله ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله وقال هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو اليه وقرأ ان هذا صراطى مستقيما فاتبعوه الاية رواه احمد والنسائي والدارمي وعن عبد الله بن عمر وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يومن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به رواه البغوي فى شرح السنة وقال النووي فى اربعينه هذا حديث صحيح ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ

[سورة الأنعام (6) : آية 156]

عطف على وصيكم وثم للتراخى فى الاخبار يعنى ثم أخبركم انا اتينا موسى الكتاب او للتفاوت فى الرتبة كانه قيل ذلكم وصّاكم به قديما وحديثا ثم أعظم من ذلك انا اتينا موسى الكتاب او عطف على قل بتقدير قل يعنى ثم قل اتينا موسى الكتاب او يقال ثم مع الجملة يأتي بمعنى الواو كما فى قوله تعالى ثم الله شهيد قلت ويمكن ان يقال ان قوله تعالى وصيكم خطاب للناس أجمعين من لدن آدم عليه السلام الى الان تغليبا للحاضرين على الغائبين وثم للتراخى فى الحكم والمعنى وصيناكم ايها الناس من بدو خلقكم بما ذكرنا من الشرائع فانها لم تزل فى جميع الشرائع ثم اتينا موسى الكتاب وشرعنا فيه احكاما اخر تَماماً للنعمة والكرامة عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ القيام بالشرائع المتقدمة واما من لم يؤمن بالله وحده ولم يأت بالشرائع المذكورة فلا انتفاع له بالتورية ولا بالقران ولم يتم النعمة والمراد بالذي احسن موسى عليه السلام يعنى تماما عليه النعمة وقيل الذي احسن بمعنى من احسن يعم الواحد والجميع يعنى تماما على من احسن من قوم موسى يدل عليه قراءة ابن مسعود على الذين أحسنوا وقال ابو عبيدة معناه على كل من احسن يعنى اتممنا فضل موسى بالكتاب على المحسنين يعنى أظهرنا فضله عليهم والمحسنون الأنبياء وَتَفْصِيلًا بيانا مفصلا لِكُلِّ شَيْءٍ يحتاج اليه فى الدين وهو عطف على تماما ونصبهما مع ما عطف عليهما للعلية او الحالية او المصدرية وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ اى الناس فى زمن موسى يعنى بنى إسرائيل بِلِقاءِ رَبِّهِمْ اى بالبعث والثواب والعقاب يُؤْمِنُونَ وَهذا القران كِتابٌ أَنْزَلْناهُ عليك بعد موسى مُبارَكٌ اكثر خيرا وبركة من التورية لوجازة نظمه وكثرة علومه وكونه بمنزلة المركز من المحيط للدائرة فَاتَّبِعُوهُ فى نسخ احكام التورية وَاتَّقُوا عذاب الله فى مخالفته لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ باتباعه أَنْ تَقُولُوا خطاب لاهل مكة يعنى لئلا تقولوا او كراهة ان تقولوا علة لانزلناه وقال الكسائي معناه واتقوا ان تقولوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا يعنى اليهود والنصارى والاختصاص بانما لان الباقي المشهور من الكتب السماوية حينئذ لم يكن غير التورية والإنجيل وَإِنْ مخففة من الثقيلة ولذا دخلت اللام الفارقة فى خبرها كُنَّا يعنى وانه كنا عَنْ دِراسَتِهِمْ قراءتهم لَغافِلِينَ لم تعرف الشرائع لكوننا امة أميين فبعث الله محمّدا صلى الله عليه وسلم وانزل القران ليكون حجة على الكافرين من اهل مكة

[سورة الأنعام (6) : آية 157]

ويزيل اعتذارهم ويكون رحمة للعالمين أَوْ تَقُولُوا عطف على الاول يعنى او كراهة ان تقولوا لَوْ ثبت أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ كما انزل على من قبلنا لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ قال البغوي وقد قال جماعة من الكفار لو انا انزل علينا كما انزل على اليهود وا النصارى لكنا خيرا منهم قال الله تعالى فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ حجة واضحة بلغة تعرفونها وتعجزون عن إتيان اقصر سورة مثلها وَهُدىً بيانا لمن تأمل فيها وَرَحْمَةٌ نعمة لمن عمل بها جزاء شرط محذوف يعنى ان صدقتم فيما قلتم فقد جاءكم ما تمنيتم مع وضوح كونه حجة ساطعة وبرهانا قاطعا فَمَنْ يعنى لا أحد أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ بعد وضوح كونها من الله وبعد تمنى مجيئها وَصَدَفَ يعنى اعرض أو صد عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا وضع الظاهر موضع المضمر للمبالغة فى ذمهم سُوءَ الْعَذابِ اى شدته بِما كانُوا يَصْدِفُونَ اى باعراضهم او صدهم هَلْ يَنْظُرُونَ استفهام للانكار اى ما ينتظرون اهل مكة لايمانهم بالقران إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ قرأ حمزة والكسائي بالياء التحتانية هاهنا وفى النحل على التذكير والباقون بالفوقانية لكون الفاعل مؤنثا غير حقيقى الْمَلائِكَةُ يعنى ملئكة الموت او ملئكة العذاب او ملئكة يشهدون عيانا بصدق الرسول وحقية القران والحاصل انهم لما لم يؤمنوا بعد مجئ ما كانوا يتمنون مجيئه وبعد وضوح امره وسطوع برهانه فلعلهم ينتظرون إتيان الملئكة حتى يومنوا حينئذ مع ان الايمان فى تلك الحالة غير مفيد وقال البيضاوي معناه ما ينتظرون الا إتيان الملئكة شبهوا بالمنتظرين لما كان يلحقهم لحوق المنتظر وجاز ان يكون المراد بإتيان الملئكة نزولهم يوم القيامة فى الموقف كما يدل عليه قوله تعالى أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ بلا كيف لفصل القضاء بين خلقه فى موقف القيامة وقد مر نظير هذه الاية فى سورة البقرة هل ينظرون الا ان يأتيهم الله فى ظلل من الغمام والملئكة وقضى الأمر وقد مر تفسيره وما فيه خلاف السلف والخلف وما يليق ويتعلق به من الكلام هناك فليرجع اليه أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يعنى اشراط الساعة قال البغوي يعنى طلوع الشمس من مغربها وعليه اكثر المفسرين ورواه ابو سعيد الخدري مرفوعا «1»

_ (1) عن ابن عباس قال خطبنا عمر فقال ايها الناس ستكون قوم من هذه الامة يكذبون بالرجم ويكذبون بالدجال ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها ويكذبون بعذاب القبر ويكذبون بالشفاعة ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعد ما امتحشوا 12 منه

(فصل) فى اشراط الساعة عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال اطلع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نتذاكر فى الساعة فقال انها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم ويأجوج وماجوج وثلث خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب واخر ذلك نار يخرج من اليمن يطرد الناس الى محشرهم وفى رواية نار يخرج من قعر عدن يسوق الناس الى المحشر وفى رواية العاشر ريح تلقى الناس فى البحر رواه مسلم وعن عبد الله بن عمر وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى وأيهما كانت قبل صاحبتها فالاخرى على اثرها قريبا رواه مسلم وعن النواس بن سمعان قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال فقال ان يخرج وانا فيكم فانا حجيجه دونكم وان يخرج ولست فيكم فامرء حجيج نفسه والله خليفتى على كل مسلم انه شاب قطط عينه طافية كانى أشبهه بعبد العزى بن قطن فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف فانها جواركم من فتنته انه خارج خلة بين الشام والعراق فعاث يمينا وعاث شمالا يا عباد الله فاثبتوا قلنا يا رسول الله وما لبثه فى الأرض قال أربعون يوما يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وساير أيامه كايامكم قلنا فذلك اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلوة يوم قال لا اقدروا له قدره قلنا يا رسول الله وما اسراعه فى الأرض قال كالغيث استدبرته الريح فياتى على القوم فيدعوهم فيؤمنون به فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرعا واسبغه ضروعا وامده خواصر ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله فينصرف منهم فيصبحون محلين ليس بايديهم شىء من أموالهم ويمر بالخرية فيقول بها اخرجى كنوزك فتتبعه كنوزها كيعا سيب النحل ثم يدعو رجلا ممتليا شبابا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقى دمشق بين مهروذتين واضعا كفيه على اجنحة ملكين إذا طاطأ راسه قطر وإذا رفعه تحدر منه مثل جمان «1» كاللؤلؤء فلا يحل لكافر يجد من ريح نفسه إلا مات ونفسه

_ (1) حب يتخذ من الفضة 12

ينتهى حيث ينتهى طرفه فيطلبه حتى يدركه بباب لدّ فيقتله ثم يأتي عيسى قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجات فى الجنة فبينما هو كذلك إذ اوحى الله الى عيسى انى قد أخرجت عبادا لى لا يدان لاحد لقتالهم فحرز عبادى الى الطور ويبعث الله يأجوج وماجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر اوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء ثم يسيرون حتى ينتهوا الى جبل الخمر وهو جبل بيت المقدس فيقولون لقد قتلنا من فى الأرض هلم فلنقتل من فى السماء فيرمون بنشابهم الى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما ويحصر نبى الله وأصحابه حتى يكون راس الثور لاحدهم خيرا من مائة دينار لاحدكم اليوم فيرغب نبى الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف فى رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة ثم يهبط نبى الله عيسى وأصحابه الى الأرض فلا يجدون فى الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم «1» ونتنهم فيرغب نبى الله عيسى وأصحابه الى الله فيرسل الله طيرا كاعناق البخت فيحملهم فيطرحهم حيث شاء الله وفى رواية فيطرحهم فى النهبل «2» ويستوقد المسلمون من قسيهم ونشابهم وجعابهم سبع سنين ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة «3» ثم يقال للارض أنبتي ثمرتك وردى بركتك فيومئذ يأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك فى الرسل حتى ان اللقحة من الإبل لتكفى القيام من الناس واللقحة من البقر لتكفى القبيلة من الناس واللقحة من الغنم لتكفى الفخذ من الناس فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة فتاخذهم تحت اباطهم فيقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون يختلطون منها تهارج الحمر فعليهم يقوم الساعة رواه مسلم الا الرواية الثانية وهى قوله يطرحهم بالنهبل الى قوله سبع سنين رواه الترمذي وعن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم ان الدجال يخرج وان معه ماء ونار فاما الذي يراه الناس ماء فنار يحرق واما الذي يراه الناس نارا فماء بارد عذب فمن أدرك ذلك منكم فليقع فى الذي يراه نارا فانه ماء عذب طيب متفق عليه وزاد مسلم وان الدجال

_ (1) فرسى قتلى زهم رائحة اللحم 12 (2) قال صاحب القاموس فى الترمذي فى حديث الدجال فيطرحهم بالنهبل وهو تصحيف والصواب بالميم 12 (3) الزلفة جمعها زلف مصانع الماء وقيل الروضة 12

ممسوح العين عليها ظفرة غليظة مكتوب بين عينيه كافر يقرأه كل مؤمن كاتب وغير كاتب وفى الصحيحين من حديث ابى هريرة انه يجئ ومعه مثل الجنة والنار فالتى يقول انها الجنة هى النار وكذا عند مسلم من حديث حذيفة وفى حديث ابى سعيد عند مسلم إذ راه يعنى الدجال المؤمن قال يا ايها الناس هذا الدجال الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر الدجال فيوشر بالميشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه ثم يمشى الدجال بين القطعتين ثم يقول قم فيستوى قائما ثم يقول أتؤمن بي فيقول ما ازددت منك الا بصيرة الحديث وفى حديث اسماء بنت يزيد رواه احمد ان من أشد فتنة الدجال انه يأتي الاعرابى فيقول ارايت ان أحييت لك إبلك الست تعلم انى ربك فيقول بلى فيتمثل له الشياطين نحو ابله كاحسن ما يكون ضروعا وأعظمه اسمنة ويأتي الرجل قد مات اخوه ومات أبوه فيقول ارايت ان أحييت لك أباك وأخاك الست تعلم انى ربك فيقول بلى فيتمثل له الشيطان نحو أبيه ونحو أخيه الحديث. (فصل) ويكون قبل تلك الآيات ظهور المهدى عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو لم يبق من الدنيا الا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلا منى او من اهل بيتي يواطى اسمه اسمى واسم أبيه اسم ابى يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا وروى الترمذي بلفظ لا يذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من اهل بيتي اسمه اسمى وعن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من اهل المدينة هاربا الى مكة فياتيه ناس من اهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام ويبعث اليه بعث من الشام فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة فاذا راى الناس ذلك أتاه ابدال الشام وعصائب اهل العراق فيبايعونه ثم ينشا رجل من قريش أخواله كلب فيبعث إليهم بعثا فيظهرون عليهم ذلك بعث كلب ويعمل فى الناس بسنة نبيهم ويلقى الإسلام بجرانه فى الأرض فيلبث سبع سنين ثم يتوفى ويصلى عليه المسلمون رواه ابو داؤد وروى ابو داؤد عن على انه نظر الى ابنه الحسن وقال ان ابني هذا سيد كما سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم يشبهه فى الخلق ولا يشبهه فى الخلق يملأ الأرض عدلا وعن ابى سعيد فى قصة المهدى قال فيجئ رجل فيقول يا مهدى أعطني أعطني قال

فيحثى له فى ثوبه ما استطاع ان يحمله رواه الترمذي وعند الحاكم فى المستدرك يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض لا يدع السماء من قطرها شيئا إلا صبته مدرارا ولا يدع الأرض من نباتها شيئا الا أخرجته حتى يتمنى الاحياء الأموات يعيش فى ذلك سبع سنين او ثمان او تسع يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها حينئذ كالمحتضر إذا صار الأمر عيانا والايمان واجب بالغيب لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ الجملة صفة لنفس أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً عطف على امنت احتج بهذه الاية من لم يعتبر الايمان المجرد عن العمل لان معنى الاية انه لا ينفع الايمان حينئذ نفسا لم يؤمن قبل ذلك اليوم ولا نفسا لم تكسب قبل ذلك اليوم خيرا فى إيمانها قلنا هذه الاية لا تدل على عدم نفع ايمان من لم يكسب فيه خيرا مطلقا بل على عدم نفع إيمانه فى ذلك اليوم خاصة وايضا أحد الامرين على التنكير إذا جاءت فى حيز النفي يعم الامرين كما فى قوله تعالى لا تطع منهم اثما او كفورا يعنى لا تطع اثما ولا كفورا فمعنى الاية لا ينفع الايمان نفسا لم تومن ولم تكسب فيه خيرا وقال البغوي معنى الاية لا يقبل حينئذ ايمان كافر ولا توبة فاسق فالمراد بالايمان فى إيمانها التوبة بعموم المجاز فانه يشتمل التوبة عن الكفر والتوبة عن المعاصي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله عز وجل جعل بالمغرب بابا مسيرة عرضه سبعون عاما للتوبة لا يغلق ما لم يطلع الشمس من قبله وذلك قوله تعالى يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن امنت من قبل رواه الترمذي وابن ماجة من حديث صفوان بن عسال وروى مسلم من حديث ابى موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل حتى تطلع الشمس من مغربها وروى مسلم من حديث ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تاب قبل ان تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه وروى احمد وابو داؤد والدارمي عن معاوية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينقطع الهجرة حتى ينقطع التوبة ولا ينقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها هذه الأحاديث تدل على ان المراد بالايمان فى قوله تعالى لا ينفع نفسا إيمانها التوبة وقد ورد الأحاديث بلفظ الايمان من غير لفظ التوبة منها ما روى البغوي بسنده عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس

[سورة الأنعام (6) : آية 159]

من مغربها فاذا طلعت وراها الناس أمنوا أجمعون وحينئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن امنت من قبل او كسبت فى إيمانها خيرا وروى مسلم عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن امنت من قبل او كسبت فى إيمانها خير الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها وتاويل هذه الأحاديث لا يكون الا ان يقال معناه لا ينفع نفسا لم تكن امنت من قبل وكسبت فى إيمانها خيرا إيمانها اى تحصيل الايمان فى ذلك اليوم بعد ما لم يكن. (فائدة) ولعل قوله تعالى لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن امنت من قبل او كسبت فى إيمانها خيرا تدل على ان من كان كافرا قبل ذلك لا يقبل إيمانه بعد ذلك واما من ولد بعد ذلك او أدرك العقل والبلوغ بعد ذلك وأمن فالظاهر انه يقبل إيمانه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عيسى بن مريم الى الأرض فيتزوج ويولد له ويمكث خمسا وأربعين سنة ثم يموت فيدفن معى فى قبرى فاقوم انا وعيسى بن مريم فى قبر واحد بين ابى بكر وعمر رواه ابن الجوزي فى كتاب الوفاء عن ابن عمر قُلِ انْتَظِرُوا يا اهل مكة إِنَّا مُنْتَظِرُونَ وعيد لهم يعنى حينئذ لنا الفوز وعليكم العذاب إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ قرأ حمزة والكسائي فارقوا من المفاعلة يعنى خرجوا من دينهم وتركوه والباقون فرقوا من التفعيل يعنى أمنوا ببعض وكفروا ببعض او المعنى انهم صاروا فرقا مختلفة قال مجاهد وقتادة والسدى هم اليهود والنصارى تهود قوم وتنصر قوم وكان دين واحدا وهذا ليس بسديد لان تهودهم ابتنى على بعثة موسى ومجيئه بشرع جديد وتنصر آخرين على بعثة عيسى وكان اصول دين اليهود والنصارى واحدا هى اصول دين ابراهيم وانما كفر يهود بانكارهم نبوة عيسى ومحمد صلى الله عليهما وكفر نصارى بانكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وذا ليس بمراد من هذه الاية بل المراد هاهنا تخليطهم فى دينهم ما ليس منه باهوائهم وإغواء الشيطان فالذين افترقوا فى دينهم يعم الذين اتبعوا اهوائهم من الأمم السابقة ومن اصحاب البدع والأهواء من هذه الامة عن عبد الله بن عمر وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لياتين على أمتي كما اتى على بنى إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى ان من كان منهم

اتى امه علانية لكان من أمتي من يصنع ذلك وان بنى إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفرق أمتي على ثلث وسبعين ملة كلهم فى النار إلا ملة واحدة قالوا من هى يا رسول الله قال ما انا عليه وأصحابي رواه الترمذي وفى رواية احمد وابى داؤد عن معاوية ثنتان وسبعون فى النار وواحدة فى الجنة وهى الجماعة وانه سيخرج فى أمتي أقوام يتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب لصاحبه لا يبقى منه زق ولا مفصل إلا دخله وفى رواية من حديث ابى هريرة افترقت اليهود احدى وسبعين فرقة كلهم فى الهاوية الا واحدة وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة كلهم فى الهاوية الا واحدة وتفترق أمتي على ثلث وسبعين فرقة كلها فى الهاوية الا واحدة رواه ابو داؤد والترمذي وصححه وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه قال البغوي روى عن عمر بن الخطاب ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة يا عائشة ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا هم اصحاب البدع واصحاب الأهواء من هذه الامة أخرجه الطبراني وغيره بسند جيد واخرج الطبراني بسند صحيح عن ابى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم نحوه وعن العرباض بن سارية قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ثم اقبل بوجهه فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقال رجل يا رسول الله كانّ هذا موعظة مودع فاوصنا فقال أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وان كان عبدا حبشيا فان من يعشى منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فان كل محدث بدعة وكل بدعة ضلالة رواه احمد وابو داؤد والترمذي وابن ماجة الا انهما لم يذكرا الصلاة وعن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اتبعوا السواد الأعظم ومن شذ شذ فى النار ذكره صاحب المصابيح ورواه ابن ماجة عن انس وعن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله لا يجمع أمتي على ضلالة ويد الله على الجماعة ومن شذ شذ فى النار رواه الترمذي وعن معاذ ابن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إياكم والشعاب وعليكم بالجماعة وو العامة وعن ابى ذر رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه رواه احمد وابو داؤد والجماعة جماعة الصحابة

ومن تبعهم اعلم ان الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم وأعطاه كتابه ومثله معه من العلم بالوحى الغير المتلو ومن الكتاب نصوص محكمات لا شبهة فى مرادها واخر خفيات مرادها ومشكلات ومجملات ومتشابهات التزم الله سبحانه على نفسه بيانها للنبى صلى الله عليه وسلم حيث قال ثم ان علينا بيانه ثم علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما علمه الله أصحابه وعلموه حتى انتهى إلينا فسعادة ابن آدم ان يتبع كتاب الله وسنة رسوله واجماع الصحابة والتابعين ويتبع فى تاويل ما خفى مراده من الكتاب والسنة ما اختاره الصحابة من التأويل واما اهل الأهواء اتبعوا عقولهم وأهواءهم فما وافق من الكتاب آرائهم أخذوه وأمنوا به وما لم يصاعده عقولهم أنكروه وكفروا به فانكروا روية الله سبحانه فى الاخرة وعذاب القبر ووزن الأعمال والصراط والحساب وكون كلام الله غير مخلوق وغير ذلك مما نطق به الكتاب والسنة واجمع عليه الصحابة ففارقوا دينهم وفرقوا كتاب الله أمنوا ببعضه وكفروا ببعضه هذا طريق المعتزلة وكثير منهم وقالوا بوجوب الأصلح على الله سبحانه وامتناع المغفرة وأنكروا القدر وقالوا ان العبد خالق لافعاله دون الله تعالى ولذلك سموا بمجوس هذه الامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم القدرية مجوس هذه الامة ان مرضوا فلا تعودوهم وان ماتوا فلا تشهدوهم رواه احمد وابو داؤد من حديث ابن عمر وقال عليه السلام صنفان من أمتي ليس لهما فى الإسلام نصيب المرجئة والقدرية رواه الترمذي وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة لعنتهم لعنهم الله وكل نبى يجاب الزائد فى كتاب الله والمكذب بقدر الله والمتسلط بالجبروت ليعز من اذله الله ويذل من أعزه الله والمستحل لحرم الله والمستحل من عترتى ما حرم الله والتارك لسنتى رواه البيهقي فى المدخل ورزين فى كتابه قلت الزائد فى كتاب الله الروافض يزعمون غير ما بين فى المصحف قرانا ويحكمون ان الصحابة أخرجوه من القران ولا يومنون بقوله تعالى انا له لحافظون والمكذب بقدر الله القهرية والمستحل من عترته صلى الله عليه وسلم الخوارج والتارك لسنة سائر المبتدعة ومن اهل الهواء من اتبع متشابهات الكتاب بناء على زيغ فى قلوبهم ولم يقتفوا السلف فى تأويلها والايمان بها وذلك داب المجسمة والمشبهة وأمثالهم

واما الروافض ففارقوا دينهم بالكلية فان الدين مستفاد من الكتاب والسنة والإجماع فهم تركوا كتاب الله وأنكروا الوثوق عليه حيث قالوا ان عثمان حذف من القران قريبا من الربع وزاد فيه ما زاد وتركوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث ادعوا كفر جميع الصحابة وارتدادهم ولا سبيل الى معرفة الأحاديث الا بالسمع ولا يتصور السمع الا بتوسط الصحابة وأنكروا اجماع الصحابة وبنوا دينهم على مفتريات مزخرفات نسبوه الى الائمة جعفر الصادق ومحمد الباقر وابائه الكرام ولما ثبت بالتواتر اثار الائمة مطابقا لاثار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ادعوا افتراض التقية وقالوا كان ظاهر كلام الائمة مبنيا على التقية وما وصل إلينا علموا أسلافنا سرّا مختفين قائلين لا تفشوا هذه الاسرار فان للجدران أذان وأنت تعلم ان ما كان مرويا على سبيل الإخفاء والاسرار لا يحتمل الشهرة والتواتر وان اخبار الآحاد وإن كان من الثقات لا يفيد العلم الا الظن وان الظن لا يغنى من الحق شيئا كيف إذا كان روات الاخبار احادا من الكذابين الا بالسنة مثل عبد الله بن سبا يهودى المنافق وهشام بن سالم وهشام بن حكم وزيد بن جهيم الهلالي وشيطان الطاق وديك الجن الشاعر وغيرهم ذكرنا أحوالهم واحوال غيرهم من رجال الروافض فى السيف المسلول فلعل من اعجاز القران الاشارة الى فرق الروافض الذين يسمون أنفسهم شيعة بقوله تعالى وَكانُوا شِيَعاً اى فرقا تشيع كل فرقة منهم اماما على زعمهم عن على عليه السّلام قال قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيك مثل من عيسى أبغضه اليهود حتى بهتوا امه وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزلة التي ليست له ثم قال على يهلك فىّ رجلان محب مفرط يفرطنّنى بما ليس فى ومبغض يحمله شنآنى على ان يبهتنى رواه احمد وعن على قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون فى أمتي قوم يسمعون الرافضة يرفضون الإسلام رواه البيهقي وعنه عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال سياتى بعدي قوم لهم نيز يقال لهم الرافضة فان أدركتهم فاقتلهم فانهم مشركون قال قلت يا رسول الله ما العلامة فيهم قال يفرظونك بما ليس فيك ويطعنون على السلف رواه الدارقطني واخرج الدار قطنى من طريق اخر نحوه وزاد فيه ينتحلون حبنا اهل البيت وليسوا كذلك واية ذلك انهم يسبون أبا بكر وعمرو فى الباب أحاديث اخر ذكرناها فى السيف المسلول لَسْتَ يا محمد مِنْهُمْ

[سورة الأنعام (6) : آية 160]

فِي شَيْءٍ يعنى أنت بريء منهم وهم براء منك يقول العرب ان فعلت كذا فلست منى ولا انا منك إِنَّما أَمْرُهُمْ فى الجزاء والمكافاة إِلَى اللَّهِ يعنى يجزيهم على قدر تباعدهم عن الحق ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ إذا وردوا يوم القيامة يعنى يجزون اولا على تفرقهم فى دينهم وسوء اعتقادهم ثم يجزون على أفعالهم ومعاصيهم مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها اى فله جزاء عشر حسنات أمثال ما فعل من الحسنة حذف المضاف الى عشر وأقيم صفة الجنس المميز مقام الموصوف ولى فى هذا المقام إشكال وذلك ان جزاء الحسنات والسيئات مقدر بتقدير الله تعالى لا مدخل للراى فيه إذ لا مماثلة بين عمل وجزائه يعرف بالحس او العقل او غير ذلك فالجزاء للحسنة ما قدر الله تعالى له جزاء الا ترى الى ان اجرة أجير يستاجر فى الدنيا بعمل انما يتقدر بالعقد إذ لا مماثلة بين العمل والدراهم مثلا فعلى هذا لا يتصوران يقال من عمل حسنة يعطى له جزاء عشر أمثالها الا إذا كانت تلك الحسنة تجزى فى بعض الافراد بعشر هذا الجزاء فانه ان اعطى رجل على عمل درهما واعطى اخر على تلك العمل عشرة دراهم يقال حينئذ اعطى هذا جزاء عشرة أمثال عمله واما إذا كان كل أحد مثلا يعطى على مثل تلك العمل عشرة دراهم فيكون حينئذ جزاء هذا العمل عشرة دراهم ليس الا عشرة فكيف يقال انه اعطى جزاء عشرة أمثال عمله فالظاهر عندى فى تاويل الاية انها ليست على عمومه وان جزاء كل حسنة أدناه مقدر فى علم الله تعالى بتقدير الله تعالى يعطى بعض المكلفين ذلك الأدنى ثم يضاعف الله تعالى ذلك الجزاء على حسب اخلاص العبد ومراتب قربه من الله تعالى او تفضلا منه تعالى لمن يشاء من عباده فيضاعف من يشاء عشر أمثالها الى سبعين او الى سبعمائة ضعف الى ما شاء الله بغير حساب ويدل على ما قلت حديث ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا احسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها الى سبعمائة ضعف وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها حتى يلقى الله عز وجل متفق عليه وجه الدلالة انه عليه السّلام علق التضعيف بحسن إسلامه وحسن الإسلام بتصفية القلب وتزكية النفس المستوجبان للاخلاص فى العمل ويمكن ان يقال ثواب رجل من رجال امة محمد صلى الله عليه وسلم عشرة أمثال ثواب رجل من الأمم السالفة

يدل عليه حديث ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انما اجلكم من أجل من خلا من الأمم ما بين العصر الى مغرب الشمس وانما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا فقال من يعمل لى الى نصف النهار على قيراط قيراط فعملت اليهود الى نصف النهار على قيراط قيراط ثم قال من يعمل لى من نصف النهار الى صلوة العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى من نصف النهار الى صلوة العصر على قيراط قيراط ثم قال من يعمل لى من صلوة العصر الى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين الا فانتم الذين يعملون من صلوة العصر الى مغرب الشمس الا لكم الاجر مرتين فغضبت اليهود والنصارى فقالوا نحن اكثر عملا واقل إعطاء قال الله تعالى فهل ظلمتكم من حقكم شيئا قالوا لا قال الله تعالى فانه فضلى أعطيه من شئت رواه البخاري قلت والتأويل الاول أوجه لان الحديث يدل على تضعيف عمل هذه الامة على الذين من قبلهم مرة لا عشر مرار فلعل ادنى رجل من رجال هذه الامة يعطى ضعف اجر من كان فى الأمم السابقة يضاعف الى عشرة أمثاله او الى سبعين او سبعمائة او الى ما شاء الله تعالى على حسب الإخلاص وتفضلا منه تعالى والله اعلم. وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها لا يضاعف السيئة فى حق أحد من الناس كما يدل عليه قوله تعالى وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ عن ابى ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة مثلها واغفر ومن تقرب منى شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب منى ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يمشى أتيته هرولة ومن لقينى بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي لقيته بمثلها مغفرة رواه البغوي قلت معنى قوله لقيته بمثلها مغفرة يعنى ان شئت بدليل قوله فجزاء سيئة بمثلها قال البغوي قال ابن عمر الاية فى غير الصدقات من الحسنات فاما الصدقات تضاعف الى سبعمائة ضعف قلت انما قال ابن عمر هذا نظرا منه الى قوله تعالى مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء وزعما منه بتخصيص هذا الحكم بالصدقات

[سورة الأنعام (6) : آية 161]

وليس كذلك وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة رواه مسلم وابو داؤد وابن ماجة وغيرهما من حديث ابى ذر بل ذكر الله تعالى اكثر ثوابا من الصدقات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وارفعها فى درجاتكم وخير لكم من انفاق الذهب والورق وخير لكم من ان تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالوا بلى قال ذكر الله رواه ابن ماجة والترمذي والحاكم واحمد عن ابى الدرداء وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صدقة أفضل من ذكر الله رواه الطبراني فى الأوسط عن ابن عباس والله اعلم قُلْ يا محمد إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي قرأ ابو عمرو ونافع بفتح الياء والباقون بالإسكان إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ بالعصمة فى اصل الخلقة والوحى والإرشاد الى ما نصب من الحجج دِيناً بدل من محل الى صراط فان معناه هدانى صراطا او مفعول فعل محذوف دل عليه الملفوظ يعنى هدانى دينا قِيَماً قرأ الكوفيون وابن عامر بكسر القاف وفتح الياء مخففة على انه مصدر نعت به وكان قياسه قوما كعوض فاعلّ لاعلال فعله كالقيام وقرأ الباقون بفتح القاف وكسر الياء مشددة على انه فيعل من قام كسيد من ساد وهو ابلغ من المستقيم باعتبار النية والمستقيم باعتبار الصيغة وقال البغوي معناهما واحد وهو القويم المستقيم مِلَّةَ إِبْراهِيمَ عطف بيان لدينا حَنِيفاً حال من ابراهيم وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بالله يا اهل مكة فلم تشركون أنتم على خلاف أبيكم مع انكم تدعون اتباعه عطف على حنيفا قُلْ يا محمد إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي قيل المراد بالنسك الذبيحة فى الحج والعمرة وقال مقاتل نسكى حجى وقيل دينى وقيل عبادتى كذا فى القاموس والصحاح وَمَحْيايَ قرأ نافع بخلاف عن ورش بسكون الياء والباقون بفتح الياء تحرزا عن اجتماع الساكنين وَمَماتِي قرأ نافع بفتح الياء والباقون بالإسكان يعنى حيوتى وموتى لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ هو يحيى ويميت وقيل ما انا عليه

[سورة الأنعام (6) : آية 163]

فى حيوتى وأموت عليه من الايمان والطاعات او يقال طاعات الحياة من الصلاة والصوم وغيرهما والطاعات المضافة الى الموت من الوصية والتدبير وقيل معناه طاعاتى فى حيوتى لله وجزائى بعد موتى على الله وقيل محياى بالعمل الصالح ومماتى إذا مت على الايمان لله لا شَرِيكَ لَهُ يعنى لا أشرك به أحدا غيره وَبِذلِكَ القول والإخلاص أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ من هذه الامة ولست أدعوكم الا الى ما سبقتكم به فلست الا ناصحا لكم قال البغوي كان كفار قريش يقولون للنبى صلى الله عليه وسلم ارجع الى ديننا فقال الله سبحانه قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا اشركه فى عبادتى انكار على بغية الغير ربا ولذا قدم المفعول وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ حال فى موقع العلة للانكار يعنى كل ما سواه مربوب له مثلى لا يصلح للمعبودية وفى تعقيب هذا الكلام بعد ما سبق ان دينى دين ابراهيم دفع توهم أخذ دينه تقليدا كما أخذ المشركون دين ابائهم قال البغوي قال ابن عباس كان الوليد بن المغيرة يقول اتبعوا سبيلى احمل اوزاركم فقال الله تعالى وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ خطيئة إِلَّا كائنة إثمها عَلَيْها فلا ينفع أحدا كفالة أحد فى ابتغاء رب غيره تعالى وَلا تَزِرُ اى لا تحمل نفس وازِرَةٌ حاملة وِزْرَ ثقل معاصى نفس أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ يوم القيامة فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من الأديان المختلفة فيميز المحق من المبطل ويجزى كلا على حسب عمله واعتقاده وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فى الْأَرْضِ يعنى أهلك اهل القرون الماضية وأورثكم الأرض يا امة محمّد وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ منصوب على التميز من النسبة يعنى رفع درجات بعضكم فوق درجات بعض اخر فى الشرف والغناء وغير ذلك- لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ من الجاه والمال وغير ذلك ليظهر منكم هل تشركون اولا إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ لاعدائه اى يسرع العذاب إذا اراده وتأخير العذاب الى ما بعد الموت او ما بعد القيامة لا ينافى ذلك لان ما هو ات قريب وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ للمؤمنين رَحِيمٌ بهم وصف العقاب بالسرعة ولم يضفه الى نفسه ووصف نفسه بالمغفرة وضم اليه الوصف بالرحمة واتى

ببناء المبالغة واللام الموكدة تنبيها على انه تعالى غفور بالذات معاقب بالعرض رعاية للنظام الجملي الذي هو مقتضى صفة الربوبية كثير الرحمة مبالغ فيها قليل العقوبة مصافح فيها عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزلت علىّ سورة الانعام جملة واحدة يشيعها سبعون الف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد رواه الطبراني فى المعجم الصغير وابو نعيم فى الحلية وابن مردويه فى تفسيره وعن انس قال لما نزلت سورة الانعام سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سدوا الأفق رواه الحاكم فى المستدرك وهذا الحديث ايضا يدل على انها نزلت جملة واحدة ولعل ما ذكر فى اسباب نزول آيات منها اتفق وجودها فى تلك الأيام متقاربة فلمناسبة بعض الآيات ببعضها وبعض اخر ببعض اخر منها قيل نزلت هذه الاية فى كذا وهذه فى كذا والله اعلم «1» . تمّت سورة الانعام من التفسير المظهرى التاسع عشر من الربيع الثاني سنة الف ومائة وتسع وتسعين ويتلوه سورة الأعراف ان شاء الله تعالى سنه 1199 هـ

_ (1) عن عمر بن الخطاب قال الانعام من نواجب القران رواه الدارمي يعنى عتاقه وفى رواية من نجائب القران او نواجبه اى أفاضل سوره جمع نجيبة واخرج البيهقي فى الشعب بسند فيه من لا يعرف عن على موقوفا سورة الانعام ما قرئت على عليل الا شفاه الله عنه 12 .

سورة الأعراف

سورة الأعراف مكيّة وبعضها مدنيّة مائة وخمس اية نحمدك يا من لا اله الّا أنت ونسبّحك ونستعينك ونستغفرك ونشهد انّك مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممّن تشاء وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء بيدك الخير انّك على كلّ شىء قدير أنت ربّنا وربّ السّموات والأرض ومن فيهنّ ونصلّى ونسلّم على رسولك وحبيبك سيّدنا ومولانا محمّد وعلى جميع النّبيّين والمرسلين وعلى عبادك الصّالحين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ المص سبق الكلام فى مثله فى سورة البقرة. كِتابٌ خبر مبتدأ محذوف اى هذا كتاب او خبر للحروف المقطعة ان كان المراد به السورة او القران أُنْزِلَ إِلَيْكَ صفة للكتاب فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ الحرج فى الأصل الضيق قال مجاهد المراد هاهنا الشك فان ضيق الصدر سبب للشك وشرح الصدر سبب لليقين وقد مر مسئلة شرح الصدر وضيقه فى سورة الانعام فى تفسير قوله تعالى فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام الاية وقال ابو العالية المراد منه مخافة الناس فى تبليغ القران من ان يكذبوه ويوذوه فان الخائف فى امر لا ينشط له ولا ينشرح صدره فى الإتيان به وقيل المراد المخافة فى القيام بحقه والخطاب للنبى صلى الله عليه واله وسلم وتوجيه النهى الى الحرج للمبالغة كقولهم لا ارينك يعنى لا تشك فى انه منزل من الله تعالى او لا تخف أحدا من الناس ولا تبال بهم فنحن الحافظون لك او لا تخف ترك القيام بحقوقه فنحن نيسر لك ونوفقك والفاء يحتمل العطف والجواب كانه قيل إذا انزل إليك فلا تحرج صدرك لِتُنْذِرَ بِهِ متعلق بانزل او لا يكن لانه إذا أيقن انه من عند الله جسر على الانذار وكذا إذا لم يخفهم او علم

[سورة الأعراف (7) : آية 3]

انه موفق للقيام به وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ اى عظة لهم مرفوع عطفا على كتاب او خبر المحذوف او منصوب بإضمار تذكر اى تذكر ذكرى او مجرور عطفا على محل تنذر. اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ بتوسط الرسول صلى الله عليه واله وسلم مِنْ رَبِّكُمْ وحيا جليا او خفيا فيعم السنة ايضا وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ اى دون الله تعالى حال من قوله أَوْلِياءَ من الجن والانس تطيعونهم فى معصية الله تعالى خرج بقوله تعالى من دونه من كان ولايته من جهة الله تعالى كالانبياء والعلماء قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ اى تذكرا قليلا او زمانا قليلا وما مزيدة لتاكيد القلة وليست بمصدرية والا لم ينتصب قليلا بتذكرون قرأ ابو عمرو يتذكرون بالياء التحتانية على صيغة الغيبة والخطاب مع النبي صلى الله عليه واله وسلم والباقون بغير ياء على صيغة الخطاب بحذف أحد التاءين على انه خطاب مع الناس قلت نسبة قلة التذكر الى جميع الناس مبنى على كثرة تذكر قليل منهم وهم المؤمنون. وَكَمْ خبرية مبتدأ مِنْ قَرْيَةٍ تميز لها أَهْلَكْناها خبر للمبتدا اى أردنا اهلاكها او خذلناها فَجاءَها اى جاء أهلها بَأْسُنا عذابنا وجاز ان يكون الفاء للبيان والتفسير كما فى قوله أحسنت الىّ فاعطينى فيكون قوله فجاءها بأسنا بدلا من قوله أهلكناها بَياتاً اى بائتين ليلا كقوم لوط مصدر وقع موقع الحال أَوْ هُمْ قائِلُونَ اى نائمون فى الظهيرة كقوم شعيب والقيلولة استراحة نصف النهار وان لم يكن معه نوم والجملة معطوفة على بيانا عطف الجملة على المفرد حال من القرية بمعنى أهلها وانما حذفت واو الحال استثقالا لاجتماع حرفى العطف فانها واو عطف استعيرت للوصل لا اكتفاء بالضمير فانه غير فصيح ومعنى الاية انه جاءهم العذاب وهم غافلون غير متوقعين له ووجه تخصيص الوقتين بالذكر المبالغة فى بيان غفلتهم وامنهم من العذاب. فَما كانَ دَعْواهُمْ اى قولهم ودعائهم وتضرعهم قال سيبويه يقول العرب اللهم أشركنا فى صالح دعوى المسلمين إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ يعنى الا اعترافهم بظلمهم فيما كانوا عليه والمعنى انهم لم يقدروا على رد العذاب بل اعترفوا بذنبهم حين لا ينفعهم الاعتراف. فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ اخرج البيهقي من طريق ابى طلحة عن ابن عباس انه قال نسأل الناس جميعا عما أجابوا المرسلين

ولنسألن المرسلين عما بلغوا واخرج ابن المبارك عن وهب قال إذا كان يوم القيامة دعى اسرافيل ترعد فرائصه فيقال ما صنعت فيما ادى إليك اللوح فيقول بلغت جبرئيل فيدعى جبرئيل ترعد فرائصه فيقال ما صنعت فيما بلغك اسرافيل فيقول بلغت الرسل فيوتى بالرسل فيقال ما صنعتم فيما ادى جبرئيل فيقولون بلغنا الناس وهو قوله تعالى فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين واخرج مسلم عن جابر ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قال فى خطبته فى حجة الوداع أنتم تسألون عنى فهل أنتم قائلون قالوا نشهد انك قد بلغت وأديت ونصحت فقال اللهم اشهد واخرج احمد عن معوية بن جيدة ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قال ان ربى داعى وانه سائلى هل بلغت عبادى وانى قائل قد بلغتهم فليبلغ منكم الشاهد الغائب ثم انكم تدعون مقدمة أفواهكم بالغداة ان أول ما يبين عن أحدكم لفخذه وكفه واخرج ابو الشيخ فى العظمة عن ابى سنان قال أول من يحاسب يوم القيامة اللوح يدعى به ترعد فرائصه فيقال له هل بلغت فيقول نعم فيقول ربنا من يشهد لك فيقول اسرافيل فيدعى اسرافيل ترعد فرائصه فيقول هل بلغك اللوح قال نعم قال اللوح الحمد لله الذي نجانى من سوء الحساب واخرج ابن المبارك فى الزهد عن ابى حبلة قال أول من يدعى يوم القيامة اسرافيل فيقول الله هل بلغت عهدى فيقول نعم قد بلغته جبرائيل فيدعى جبرائيل فيقال هل بلغك اسرافيل عهدى فيقول نعم فيخلى عن اسرافيل فيقول لجبرئيل ما صنعت فى عهدى فيقول يا رب بلغت الرسل فيدعى الرسل فيقول للرسل هل بلغكم جبرئيل عهدى فيقولون نعم فيقال لهم ما صنعتم فى عهدى فيقولون بلغناه الأمم فيقال لهم هل بلغكم الرسل فمكذب ومصدق فيقول الرسل لنا عليهم شهداء فيقول من فيقولون امة محمد صلى الله عليه واله وسلم فتدعى امة محمد صلى الله عليه واله وسلم فيقال لهم تشهدون ان الرسل قد بلغت الأمم فيقولون نعم فتقول الأمم يا ربنا كيف يشهد علينا من لم يدركنا فيقول الله كيف تشهدون عليهم ولم تدركوهم فيقولون يا ربنا أرسلت إلينا رسولا وأنزلت علينا كتابا وقصصت علينا ان قد بلغوا فذلك قوله تعالى وكذلك جعلناكم امة وسطا الاية وقد ذكرنا حديث ابى سعيد الخدري فى الشهادة فى سورة البقرة فى تفسير تلك الاية وجاز ان يكون المراد ولنسألن المرسلين عما اجابتهم الأمم نظيره قوله تعالى يوم يجمع الله الرسل

[سورة الأعراف (7) : آية 7]

فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا انك أنت علام الغيوب وقد مر تفسير الاية فى سورة المائدة. فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ اى على الرسل والمرسل إليهم حين يقول الرسل لا علم لنا او حين أنكر الأمم التبليغ وشهد عليهم امة محمد صلى الله عليه واله وسلم بِعِلْمٍ اى بمعلومنا منهم او المعنى عالمين بظواهرهم وبواطنهم وَما كُنَّا غائِبِينَ عن الرسل فيما بلغوا او عن الأمم فيما أجابوا وفيما شهد عليهم امة محمد صلى الله عليه واله وسلم وانما كان السؤال لتوبيخ الكفرة وتقريعهم واظهار شرف الأنبياء والمسلمين وتفضيل امة محمد صلى الله عليه وسلم بالشهادة. وَالْوَزْنُ اى وزن الأعمال بالميزان مبتدأ خبره يَوْمَئِذٍ اى كائن يوم إذا تحقق السؤال من المرسلين والمرسل إليهم الْحَقُّ صفة للمبتدأ ومعناه العدل السوىّ او خبر لمحذوف اى هو الحق لا شبهة فيه يجب الايمان به اخرج البيهقي فى البعث عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما فى حديث سوال جبرئيل عن الايمان قال يا محمد ما الايمان قال ان تؤمن بالله وملئكة ورسله وتؤمن بالجنة والنار والميزان وتؤمن بالبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره قال فاذا فعلت هذا فانا مؤمن قال نعم قال صدقت واخرج ابن المبارك فى الزهد والآجري فى الشريعة عن سلمان وابو الشيخ فى تفسيره عن ابن عباس قال الميزان له لسان وكفتان واختلفوا فى كيفية الوزن فقال بعضهم يوزن صحايف أعمالهم لما روى الترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عمر رضى الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يجاء برجل من أمتي على رؤس الاشهاد يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر فيقول أتنكر من هذا شيئا أظلمك كتبتى الحافظون فيقول لا يا رب فيقول بلى ان لك عندنا حسنة وانه لا ظلم عليك اليوم فتخرج له بطاقة فيها اشهد ان لا اله الا الله واشهد ان محمدا عبده ورسوله فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقول انك لا تظلم فتوضع السجلات فى كفة والبطاقة فى كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله تعالى شىء واخرج احمد بسند حسن عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم توضع الموازين يوم القيامة فيوتى بالرجل فيوضع فى كفة ويوضع ما احصى عليه فتمايل به الميزان فيبعث به الى النار فاذا أدبر به إذا صائح يصيح من عند الرحمن لا تعجلوا فانه قد بقي له فيوتى

ببطاقة فيها لا اله الا الله فيوضع مع الرجل حتى يميل به الميزان واخرج ابن ابى الدنيا عن عبد الله بن عمرو قال ان لادم من الله موقفا عليه ثوبان أخضران كانه نخلة «1» سحوق ينظر الى لمن ينطلق به من ولده الى النار فبينما آدم على ذلك إذ نظر الى رجل من امة محمد صلى الله عليه واله وسلم ينطلق به الى النار فينادى آدم يا احمد فاقول لبيك يا أبا البشر فيقول هذا رجل من أمتك ينطلق به الى النار فاشد الميزر اسرع فى اثر الملئكة وأقول يا رسل ربى قفوا فيقولون نحن الغلاظ الشداد الذين لا نعصى الله ما أمرنا ونفعل ما نومر فاذا ايس النبي صلى الله عليه واله وسلم قبض على لحيته بيده اليسرى واستقبل العرش بوجهه فيقول رب قد وعدتني ان لا تخزينى فى أمتي فيأتى النداء من عند العرش أطيعوا محمدا وردوا هذا العبد الى المقام فاخرج من حجرتى بطاقة بيضاء كالانملة فالقيها فى كفة الميزان اليمنى وانا أقول بسم الله فترجح الحسنات على السيئات فينادى سعد وسعد جده وثقلت موازينه انطلقوا به الى الجنة فيقول يا رسل ربى قفوا حتّى اسأل هذا العبد الكريم على ربه فيقول بابى وأمي ما احسن وجهك واحسن خلقك من أنت فقد أفلتني ورحمت عزتى فاقول انا نبيك محمد وهذه صلوتك التي كنت تصليها علىّ وافتك أحوج ما تكون إليها وقال بعضهم يوزن الاشخاص لما روى الشيخان فى الصحيحين عن ابى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال انه لياتى الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة ثم قرأ فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا واخرج ابو نعيم والا جرى فى قوله تعالى قال القوى الشديد الأكول الشروب يوضع فى الميزان فلا يزن شعيرة يدفع الملك عن أولئك سبعين الفا دفعة واحدة فى النار وقال بعضهم يوزن الأعمال أنفسها يعنى يجسّد الأعمال وتوزن لما روى البخاري عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان فى الميزان حبيبتان عند الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم وبحمده وروى مسلم عن ابى مالك الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الطهور شطر الايمان والحمد لله يملأ الميزان وروى الاصبهانى فى الترغيب عن ابن عمر رضى الله عنهما قال كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول سبحان الله نصف الميزان والحمد لله يملأ الميزان وروى ابن عساكر من حديث ابى هريرة مثله و

_ (1) النخلة السحوق اى الطويلة بعد ثمرها على المجتنى 12

روى البزار والحاكم عن ابن عمر ورضى الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال ان نوحا لما حضرته الوفاة دعا ابنيه فقال امر كما بلا اله الّا الله فان السموات والأرض وما فيها لو وضعت فى كفة الميزان ووضعت لا اله الا الله فى الكفة الاخرى كانت أرجح منها وروى ابو يعلى وابن حبان والحاكم وصححه عن ابى سعيد عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال قال الله تعالى يا موسى لو ان السموات وعامرهن غيرى والأرضين السبع فى كفة ولا اله الا الله فى كفة لمالت بهن لا اله الا الله وروى الطبراني عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسى بيده لوجئ بالسماوات والأرض وما فيهن وما بينهن وما تحتهن فوضعت فى كفة الميزان ووضعت شهادة ان لا اله الا الله فى الكفة الاخرى لرجحت بهن وروى ابو داؤد والترمذي وصححه وابن حبان عن ابى الدرداء رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ما من شىء أثقل فى الميزان من حسن الخلق وروى البزار والطبراني وابو يعلى وابن ابى الدنيا والبيهقي بسند حسن انه قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يا أبا ذر الا ادلك على خصلتين هما خفيفتان على الظهر وأثقل فى الميزان من غيرهما قال بلى يا رسول الله قال عليك بحسن الخلق وطول الصمت فو الذي نفسى بيده ما عمل الخلائق بمثلهما واخرج احمد فى الزهد عن رجل يقال له حازم ان النبي صلى الله عليه واله وسلم نزل عليه جبرئيل وعنده رجل يبكى فقال من هذا قال فلان قال جبرئيل انما يوزن اعمال بنى آدم كلها الا البكاء فان الله يطفئ بالدمعة بحورا من نار واخرج البيهقي عن معقل بن يسار قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ما إذ «1» رفت عين الا حرم الله سائر الجسد على النار ولا سالت قطرة على خدّها فترهق ذلك الوجه قتر ولا ذلة ولو ان باكيا بكى من امة من الأمم وما من شىء إلا وله مقدار وميزان الا الدمعة فانها تطفئ بها بحار من نار قلت هذه الأحاديث وانكانت ظاهرة فى انه توزن الأعمال أنفسها لكنها يحتمل فيها وزن سجلات كتبت فيها الأعمال او اشخاص صدرت منهم واخرج فى انها تجسّد وتوزن ما رواه البيهقي فى شعب الايمان من طريق السدى الصغير عن الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس رضى الله عنهما قال الميزان له

_ (1) إذ رفت العين يعنى اجرى دمعها نهايه 12

لسان وكفتان يوزن فيه الحسنات والسيئات فيوتى بالحسنات فى احسن صورة فيوضع فى كفة الميزان فيثقل على السيئات «1» فيوخذ فيوضع فى الجنة عند منازله ثم يقال للمؤمن الحق بعملك فينطلق الى الجنة فيعرف منازله بعمله ويوتى بالسيئات فى أقبح صورة فتوضع فى كفة الميزان فتخفف والباطل خفيف فتطرح فى جهنم الى منازله منها ويقال له الحق بعملك النار فياتى النار فيعرف منازله بعمله وما أعد الله فيها من ألوان العذاب قال ابن عباس فلهم اعرف بمنازلهم فى الجنة والنار بعملهم من القوم ينصرفون يوم الجمعة راجعين الى منازلهم لكن الحديث ضعيف لاجل السدى الصغير وما رواه ابن المبارك عن حماد بن ابى سليمان قال جاء رجل يوم القيامة فيرى عمله مختصرا فبينما هو كذلك إذ جاءه مثل السحاب حتى يقع فى ميزانه فقال هذا ما كنت تعلّم الناس من الخير فورثت بعدك فاجرت فيه واخرج ابن عبد الرزاق عن ابراهيم النخعي نحوه وما روى الطبراني عن ابن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول من تبع جنازة يوضع فى ميزانه قيراطان مثل أحد وما روى الاصبهانى عن عايشة عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال ان للصلوة المكتوبة عند الله وزنا من انتقص منها شيئا حوسب فيها على ما ينقص وفى حديث ابى هريرة مرفوعا عند ابى داؤد قال ان انتقص من فريضته شىء قال الرب تبارك وتعالى انظروا هل لعبدى من تطوع فيكمل بها من انتقص من الفريضة ومن الأحاديث ما يدل على ان الأجسام التي لها تعلق بالأعمال توضع فى الميزان منها ما روى الطبراني فى الأوسط عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أول ما يوضع فى ميزان العبد يوم القيامة النفقة على اهله وما فى الصحيحين عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من احتبس فرسا فى سبيل الله ايمانا وتصديقا بوعده كان شبعه وريه وروثه وبوله فى ميزانه يوم القيامة وما روى الطبراني عن على رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه واله وسلم من ارتبط فرسا فى سبيل الله فعلفه واثره فى ميزانه يوم القيامة وما فى حديث علىّ عند الاصفهانى بسند حسن انه قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم

_ (1) لعل المراد بالسيئات العقائد الفاسدة التي يزعمها صاحبها حقة ومن الأعمال ما يزعمها صاحبها عبادة وهى عند الله باطلة غير معتد بها 12 نهايه

[سورة الأعراف (7) : آية 9]

لفاطمة قومى فاشهدى أضحيتك فان لك باول قطرة تقطر من دمها مغفرة لكل ذنب اما انه يجاء بدمها ولحمها فيوضع فى ميزانك سبعين ضعفا قال ابو سعيد يا رسول الله هذا لال محمد خاصة فقال لال محمد وللمسلمين عامة وما اخرج البيهقي عن ابن مسعود موقوفا وابن حبان فى صحيحه عن ابى ذر مرفوعا وابن عساكر بسند ضعيف عن ابى هريرة انه قال عليه الصلاة والسلام من توضأ فمسح بثوب نضيف فلا بأس به ومن لم يفعل فهو أفضل لان الوضوء يوزن يوم القيامة مع سائر الأعمال واخرج ابن ابى شيبة فى المصنف عن سعيد بن المسيب انه كره المنديل بعد الوضوء وقال هو يوزن واخرج الطبراني عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال أعطيت ناقة فى سبيل الله فاردت ان اشترى من نسبها فسألت النبي صلى الله عليه واله وسلم فقال دعها لتاتى يوم القيامة هى وأولادها جميعا فى ميزانك واخرج الذهبي عن عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء فيرجح مداد العلماء على دم الشهداء فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ جمع موزون يعنى اعماله التي توزن والمراد بها حسناته كذا قال مجاهد فانها هى المقصود بوجودها او هو جمع ميزان وعلى هذا ايضا المراد كفة الحسنات من ميزانه وعلى هذا التأويل تدل الاية على ان لكل أحد ميزان على حدة فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بالنجاة والثواب. وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ اى اعماله الحسنة او كفة حسناته وهذا وان كان يعم الكافر الذي لا حسنة له أصلا والمؤمن الذي ترجحت سياته على حسناته لكن المراد به هاهنا هم الكفار جريا على عادة القران غالبا حيث يذكر الكفار فى مقابلة الأبرار وقيل ذكر الذين خلطوا عملا صالحا واخر سيئا من المؤمنين فالكفارهم المحكوم عليهم بقوله تعالى فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بتضيع الفطرة السليمة التي فطر الناس عليها وارتكاب موجبات العذاب بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ فيكذبون بالآيات بدل التصديق وقد ذكرنا تفسير الاية وما يتعلق به فى سورة القارعة فى تفسير قوله تعالى فمن ثقلت موازينه فهو فى عيشة راضية واما من خفت موازينه فامه هاويه فليرجع اليه قال ابو بكر الصديق رضى الله عنه حين حضره الموت فى وصيته لعمر بن الخطاب رضى الله عنه انما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق فى الدنيا

[سورة الأعراف (7) : آية 10]

وثقله عليهم وحق لميزان يوضع فيه الحق غدا ان يكون ثقيلا وانما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل فى الدنيا وخفته عليهم وحق لميزان ان يوضع فيه الباطل غدا ان يكون خفيفا قلت لعل المعنى وحق لميزان اى كفة الحسنات ان يوضع فيه الباطل يعنى العقائد والأعمال التي يراها العامل حسنات وهى عند الله كفريات وبدعات وقبائح ان يكون خفيفا فانها كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتّى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده قوفاه حسابه والله اعلم. وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ اى اقدرناكم على سكناها وزرعها والتصرف فيها وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ جمع معيشة اى أسبابا تعيشون بها ايام حياتكم من الزرع والضرع والمآكل والمشارب والتجارات والمكاسب قَلِيلًا ما اى شكرا قليلا او فى زمان قليل تَشْكُرُونَ فيما صنعت لكم. وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ يعنى قدرناكم فى العلم فى المرتبة الأعيان الثابتة ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ يعنى أباكم آدم نزل تصويره منزلة تصويرا لكل وابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بان قدرنا آدم وصورناه وذلك ابتداء تقديركم وتصويركم وقال ابن عباس خلقناكم اى أصولكم واباءكم ثم صورناكم فى أرحام أمهاتكم كذا قال قتادة والضحاك والسدى وقال مجاهد خلقنكم يعنى آدم ذكره بلفظ الجمع لانه ابو البشر فخلقه خلق من يخرج من صلبه ثم صورناكم فى ظهر آدم وقيل صورناكم يوم الميثاق حين أخرجكم كالذر وقال عكرمة خلقنكم فى أصلاب الرجال ثم صورناكم فى أرحام النساء وقال يمان خلق الإنسان فى الرحم ثم صوره فشق سمعه وبصره وأصابعه وقيل كلمة ثم بمعنى الواو والمعنى خلقكم وصوركم فان بعض المخلوقات كالارواح لا صورة لها ثُمَّ قُلْنا ان كان المراد بضمير الخطاب آدم وحده فلا كلام فيه وان كان المراد الذرية فقيل كلمة ثم بمعنى الواو وقيل معناه ثم اخبرناكم انا قلنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قد ذكرنا شرح الاية فى سورة البقرة لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ قالَ الله تعالى يا إبليس ما مَنَعَكَ يعنى اى شىء منعك أَلَّا تَسْجُدَ اى من ان تسجد ولا زائدة كما فى لئلا يعلم موكدة لمعنى الفعل الذي دخلت عليه ومنبهة على ان الموبخ عليه ترك السجود وقيل الممنوع من الشيء مضطر الى خلافه فكانه قيل ما اضطرك الى ان لا تسجد وجاز ان يكون تقدير الكلام ما منعك من الامتثال وبعثك على ان لا تسجد إِذْ أَمَرْتُكَ بالسجدة فيه دليل على ان مطلق الأمر للوجوب

والسؤال عن المانع من السجود مع العلم به للتوبيخ واظهار معاندته وكفره واستكباره قالَ إبليس أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ جواب من حيث المعنى استأنف به استبعادا لان يكون مثله مامورا بالسجود لمثله كانه قال المانع منه كونى خيرا منه ولا يحسن للفاضل ان يسجد للمفضول فلا يحسن ان يؤمر به ففى الكلام اعتراض على الله سبحانه فى الأمر بالسجود خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ جوهر نورانى مستعل وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ جوهر ظلمانى مستسفل قال ابن عباس أول من قاس إبليس فاخطأ فى القياس فمن قاس الدين بشئ من رايه قرنه الله مع إبليس وقال ابن سيرين ما عبدت الشمس الا بالمقايس قلت وليس فى هذين القولين ابطال القياس بل تخطيته لقياسه فانه قياس فى مورد النص ولذلك قال من قاس الدين بشئ من رايه يعنى على خلاف النصوص الواردة وايضا تعليل الفصل والخيرية بالاضاءة والاستعلاء باطل انما الفضل بيد الله يوتيه من يشاء وقد فضل الله تعالى آدم على جميع خلقه حيث خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وجعله مستعد التعلم أسمائه كلها ومهبطا لتجلياته ومتقربا من الله تعالى بالفرائض والنوافل بامتثال أوامره والانتهاء عن مناهيه ومتحملا لامانته التي أشفقت عنها السموات والأرض والجبال فان قيل الخطأ فى الاجتهاد معفو قلنا انما ذلك إذا كان القائس طالبا للحق باذلا جهده فى طلبه لا إذا كان متعنتا باغيا استعلاء نفسه والزام الخصم الا ترى ان قول الملئكة أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ايضا قياس فيه خطأ ولذا رد الله تعالى قولهم بقوله انى اعلم ما لا تعلمون ولم يردهم أنفسهم حيث لم يصدر ذلك القول منهم استكبارا وتعنتا بل لطلب الحق واستعلام الحكمة ولذلك قالوا عند ظهور الحكمة سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك أنت العليم الحكيم قالت الحكماء للطين فضل على النار من وجوه فان من جوهر الطين الرزانة والوقار والحلم والصبر وهو الداعي لادم بعد السعادة التي سبقت له الى التوبة والتواضع والتضرع فاورثه الاحتباء والتوبة والهداية ومن جوهر النار الخفة والطيش والحدة والارتفاع وهو الداعي لابليس بعد الشقاوة التي سبقت له الى الاستكبار والإصرار فاورثه اللعنة والشقاوة ولان الطين سبب لجمع الأشياء والنار سبب لتفرقها ولان الطين سبب لحيوة النبات والنار سبب لهلاكها واضافة خلق الإنسان الى الطين والشيطان الى النار باعتبار

[سورة الأعراف (7) : آية 13]

الجزء الغالب وتلك الاضافة تدل على ان العمدة فى اجزاء الإنسان انما هو عالم الخلق دون عالم الأمر وعالم الأمر تابع له ويتصف بالخيرية والشرية بتبعيته ويتلون بلونه الا ترى ان الروح تعلق بجسد الإنسان كما تعلق بجسد الشيطان فتلون فى كل على هيئة ومثله كمثل الشمس تجلت فى المرآة فتصورت بصورتها وتلونت بلونها قال المجدد رضى الله عنه كمال الترقي بعالم الأمر الى ظلال الصفات الا الأخفى منها فانها ترتقى الى بعض الصفات وكمال الترقي للنفس المنبعث من لطائف عالم الخلق الى ظاهر الصفات وكمال الترقي للعناصر الثلاثة الى باطن الصفات اى من حيث قيامها بالذات والترقي الى مرتبة الذات مختصة بعنصر الطين كما ان نور الشمس لا يظهر الا على أكثف الأشياء دون ألطفها والله اعلم. قالَ الله تعالى لابليس لما استكبر فَاهْبِطْ مِنْها اى من الجنة وقيل من السماء والفاء جواب لقوله انا خير منه يعنى ان كنت متكبرا فاهبط منها فانه كان للمتواضعين المطيعين فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها اى لا يصح لك التكبر فيها ففيه تنبيه على ان التكبر لا يليق باهل الجنة فانه من خصائص الكبير المتعال وانه تعالى انما طرده واهبط لتكبره عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لا يدخل الجنة أحد فى قلبه مثقال ذرة من خردل من كبر رواه مسلم وفى رواية لمسلم فقال رجل ان الرجل يحب ان يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا قال عليه السلام ان الله جميل يحب الجمال الكبر بطر «1» الحق وغمط «2» الناس وعن حارثة بن وهب قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الا أخبركم باهل الجنة كل ضعيف متضعف لو اقسم على الله لا بره الا أخبركم باهل النار كل عتل «3» جواظ «4» مستكبر متفق عليه وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الكبرياء ردائى والعظمة إزاري فمن نازعنى واحدا منهما أدخلته فى النار رواه مسلم وفى رواية له قذفته فى النار فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ اى اهل الصغار والذل والهوان على الله وعلى أوليائه يذمك كل انسان ويلعنك كل لسان وفى القاموس الصاغر الراضي بالمنزلة الدنية وكذا فى غيره من كتب اللغة ومن هاهنا يعلم ان الصغار والذل لازم للاستكبار قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من تواضع لله رفعه الله فهو

_ (1) بطر الحق هو ان يجعل ما جعله الله حقا من توحيده وعبادته باطلا 12 نهايه (2) الغمط الاستهانة والاستحقار 14 12 نهايه (3) العتل الشديد الجافي 12 نهايه (4) الجواظ الجموح المنوع 12

[سورة الأعراف (7) : آية 14]

فى نفسه صغير وفى أعين الناس عظيم ومن تكبر وضعه الله لهو فى أعين الناس صغير وفى نفسه كبير حتى لهو أهون عليهم من كلب وخنزير رواه البيهقي فى شعب الايمان عن عمر وقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بئس العبد تخيل «1» واختال ونسى الكبير المتعال رواه الترمذي من حديث اسماء وقال حديث غريب وليس اسناده بالقوى. قالَ إبليس عند ذلك أَنْظِرْنِي اى أمهلني ولا تمتنى إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ اى الناس من قبورهم يعنى الى النفخة الاخيرة أراد ان لا يذوق الموت. قالَ الله تعالى إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ وبين الله سبحانه مدة هذه النظرة والمهلة فى موضع اخر فقال انك من المنظرين الى يوم الوقت المعلوم وهو النفخة الاولى حين يموت الخلق كلهم او وقت يعلمه الله انتهاء اجله فيه وفيه دليل على ان اجابة الدعاء غير مختص باهل الإسلام والطاعة وانه لا يدل مطلقا على كون الداعي من المقبولين بل قد يكون استدراجا وفى اجابة دعائه ابتلاء العباد وتعريضهم للثواب بمخالفته. قالَ إبليس فَبِما أَغْوَيْتَنِي الفاء للتعقيب والباء للسببية متعلق بفعل قسم مقدر وما مصدرية يعنى بعد ما أمهلتني فبسبب اغوائك إياي بواسطتهم تسمية او حملا على الغنى او تكليفا بما غويت لاجله اقسم بك لاجتهدن فى اغوائهم باى طريق يمكننى وليس الباء متعلقا باقعدن فان اللام يصد عنه وقيل الباء للقسم اى اقسم باغوائك إياي يعنى بقدرتك على نفاذ سلطانك فى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ جواب للقسم اى اجلس مترصدا بهم كما يقعد القطاع للسابلة صِراطَكَ اى طريق الإسلام ونصبه على الظرف كقوله كما عسل «2» الطريق الثعلب وقيل بنزع الخافض تقديره على صراطك كقولهم ضرب زيد الظهر والبطن والقعود على الطريق كناية عن كمال اجتهاده فى صدهم عن السلوك عليه الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ من جميع الجهات مثّل قصده إياهم بالتسويل والإضلال من اى جهة يمكن بإتيان العدو من الجهات الأربع ولذلك لم يقل من فوقهم ومن تحت أرجلهم قال الله تعالى فى الأولين من لابتداء الغاية وفى الأخريين عن لان عن تدل على الانحراف وقيل لم يقل من فوقهم لان الرحمة تنزل منه ولم يقل من تحتهم لان الإتيان منه توحش

_ (1) تخيل واختال اى تكبر الخيلاء الكبر والعجب 12 نهايه [.....] (2) عسل اى مشى سريعا 12

[سورة الأعراف (7) : الآيات 18 إلى 19]

قال البغوي قال على بن طلحة عن ابن عباس من بين أيديهم اى من قبل الاخرة فاشككهم فيها ومن خلفهم اى من قبل دنياهم فارغبهم فيها وعن ايمانهم اى أشبه عليهم امر دينهم وعن شمائلهم اى أشهى لهم المعاصي وروى عطية عنه من بين أيديهم اى من قبل دنياهم اى أزينها فى قلوبهم ومن خلفهم اى من قبل الاخرة فاقول لا بعث ولا جنة ولا نار وعن ايمانهم من حسناتهم وعن شمائلهم من قبل سياتهم وقال قتادة نحوه ثم قال أتاك يا ابن آدم من كل جهة غير انه لم يأتك من فوقك ولم يستطع ان يحول بينك وبين رحمة الله كذا ذكر السيوطي قول ابن عباس وقال مجاهد من بين أيديهم وعن ايمانهم اى من حيث يبصرون ومن خلفهم وعن شمائلهم اى من حيث لا يبصرون قال ابن جريح معنى قوله حيث يبصرون حيث يعلمون انهم يخطئون وحيث لا يبصرون اى لا يعلمون انهم يخطئون. وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ اى مؤمنين قاله ظنا لقوله تعالى ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه الا قليلا. قالَ الله تعالى اخْرُجْ مِنْها اى من الجنة مَذْؤُماً محقرا فى القاموس ذأمه كمنعه حقره وذمه وطرده وخزاه وقال الجوهري ذأمه ذأما يعنى مهموز العين وذمته أذيمه يعنى الأجوف اليائى وذممته اذمه يعنى المضاعف معنى كل واحد قال البغوي الذيم والذام يعنى المهموز والأجوف أشد العيب مَدْحُوراً اى مبعدا مطرودا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ اى من بنى آدم اللام توطية للقسم لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ اى منك وممن تبعك فغلب المخاطب والجملة جواب للقسم وساد مسد جواب الشرط أَجْمَعِينَ وَيا آدَمُ تقديره وقلنا يا آدم. اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ حواء الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا يحتمل الجزم على العطف والنصب على الجواب اى فتصيرا مِنَ الظَّالِمِينَ مر شرح الاية فى سورة البقرة. فَوَسْوَسَ الوسوسة حديث النفس والشيطان بما لا نفع فيه كذا فى القاموس قال البغوي الوسوسة حديث يلقيه الشيطان فى قلبه وأصله صوت الحلي والهمس الخفي يعنى فعل الوسوسة لَهُمَا اى لاجلهما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما اى ليظهر لهما واللام للعاقبة او للغرض على انه أراد ايضا بوسوسة ان يسوئهما بكشف ما وُورِيَ ما غطى عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما من عوراتهما وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الاخر وفيه دليل على ان كشف العورة فى الخلوة وعند الزوج من غير حاجة قبيح مستهجن فى الطباع

[سورة الأعراف (7) : آية 21]

لم يزل مستقبحا شرعا وعقلا ثم بين الوسوسة فقال وَقالَ إبليس لادم وحواء ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا اى الا لئلا تكونا او كراهة ان تكونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ الباقين الذين لا يموتون كما قال فى موضع اخر هل ادلك على شجرة الخلد واستدل به على فضل الملئكة على الأنبياء والجواب انه انما كانت رغبتهما فى ان يحصل لهما ما للملئكة من الكمالات والاستغناء عن الاطعمة والاشربة وذلك لا يدل على الفضل الكلى فان الفضل الكلى عبارة عن كثيرة الثواب والاقربية الى الله سبحانه لا غير. وَقاسَمَهُما اى فاقسم لهما بالله إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ جواب للقسم ذكر القسم على زنة المفاعلة للمبالغة وقد ذكرنا القصة فى سورة البقرة قال قتادة حلف لهما بالله حتى خدعهما وقد يخدع المؤمن بالله وقال انى خلقت قبلكما وانا اعلم منكما فاتبعانى ارشدكما وإبليس أول من حلف بالله كاذبا فلما حلف ظن آدم ان أحد الا يحلف بالله كاذبا فاغتربه. فَدَلَّاهُما الشيطان قال البغوي يعنى خدعهما يقال ما زال فلان يدلى لفلان بغرور يعنى ما زال يخدعه ويكلمه بزخرف القول بِغُرُورٍ اى باطل وقيل معنى دلّهما انزلهما من درجة عالية الى منزلة سافلة اى من مقام الطاعة الى مقام المعصية فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ اى فلما وجدا طعمها آخذين فى الاكل منها يعنى لم يستوفا الاكل حتّى أخذتهما العقوبة وشوم المعصية وتهافت عنهما لباسهما اخرج عبد بن حميد عن وهب بن منبه انه كان لباسهما من النور واخرج ابن ابى حاتم عن السدى عن الفريابي وابن ابى شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم وابو الشيخ وابن مردوية والبيهقي فى سننه وابن عساكر فى تاريخه عن ابن عباس قال كان لباس آدم وحواء كالظفر فلما أكلا من الشجرة لم يبق عليهما الأمثل الظفر فلما وقع منهما الذنب بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما فاستحيا وَطَفِقا اى أخذا يَخْصِفانِ يلزقان عَلَيْهِما اى على عوراتهما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وهو ورق التين حتّى صار شبيه الثوب كذا اخرج ابن ابى شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم وابو الشيخ وابن مردوية والبيهقي فى سننه وابن عساكر فى تاريخه عن ابن عباس قال الزجاج يجعلان على ورقة ليسترا سواتهما روى ابى بن كعب رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كان آدم رجلا طوالا كانه نخلة سحوق شعر الراس فلما وقع فى الخطيئة بدت له سؤاته وكان لا يراها

[سورة الأعراف (7) : آية 23]

أحد فانطلق هاربا فى الجنة فعرضت له شجرة من شجر الجنة فحبسته شعره فقال أرسلني فقالت لست بمرسلك فناديه ربه تبارك وتعالى يا آدم اتفر منى قال لا يا رب ولكنى استحييتك وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ يعنى عن الاكل منها وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ اى بيّن العداوة حيث أقر على نفسه وقال لاقعدن لهم صراطك المستقيم عتاب على مخالفة النهى وتوبيخ على الاغترار بقول العدو وفيه دليل على ان مطلق النهى للتحريم قال محمد بن قيس ناداه ربه يا آدم لم أكلت منها وقد نهيتك قال يا رب أطعمتني حواء قال لحواء لم أطعمته قالت أمرتني الحية قال لحية لم أمرتها قال أمرني إبليس فقال الله تعالى اما أنت يا حواء فكما أدميت الشجرة تدمين كل شهروا ما أنت يا حية فاقطع قوائمك فتمشين على وجهك وسيشدخ راسك من لقيك واما أنت يا إبليس فملعون مدحور. قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا ضررناها بالمعصية والتعريض للاخراج عن الجنة وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ اى الهالكين فيه دليل على ان الصغائر معاقب عليها ان لم تغفر وقالت المعتزلة لا يجوز المعاقبة عليها مع اجتناب الكبائر. قالَ اهْبِطُوا قيل الخطاب لادم وحواء لان إبليس هبط قبلهما ولعل إيراد صيغة الجمع لان هبوطهما سبب لهبوط ذريتهما وقيل الخطاب لهما ولابليس كرر له الأمر تبعا ليعلم انهم قرنا ابدا او خبر عما قال لهم متفرقا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فى موضع الحال اى متعادين وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ اى استقرار او موضع استقرار وَمَتاعٌ اى تمتع إِلى حِينٍ انقضاء اجالكم. قالَ الله تعالى فِيها اى فى الأرض تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ للجزاء قرأ حمزة والكسائي وابن ذكوان منها تخرجون وفى الزخرف كذلك تخرجون بفتح التاء وضم الراء فيهما على البناء للفاعل والباقون بضم التاء وفتح الراء على البناء للمفعول قال البغوي كانت العرب فى الجاهلية تطوف بالبيت عراة يقولون لا نطوف فى ثياب عصينا الله فيها فكان الرجال يطوفون بالنهار والنساء بالليل عراة فنزلت. يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً وقال قتادة كانت المرأة تطوف وتضع يدها على فرجها وتقول اليوم يبدو بعضه او كله. وما بدا منه لا أحله. فامر الله تعالى بالستر فقال قد أنزلنا عليكم لباسا يُوارِي سَوْآتِكُمْ يعنى عوراتكم واحدتها سوء سميت بها لانها يسوء صاحبه انكشافها ومعنى أنزلنا خلقناه لكم بتدبيرات سماوية

[سورة الأعراف (7) : آية 27]

واسباب نازلة ونظيره قوله تعالى وأنزلت لكم من الانعام وقوله تعالى وأنزلنا الحديد قلت ويمكن ان يقال معناه انزل عليكم ان تلبسوا لباسا يوارى سوءاتكم ولعله ذكر قصة آدم تمهيدا للنهى عن كشف العورة حتى يعلم ان انكشاف العورة أول سوء أصاب الإنسان من الشيطان وانه أغواهم فى ذلك كما اغوى أبويهم وَرِيشاً اى لباسا فاخرا كذا فى القاموس يعنى أنزلنا لباسا يوارى سوأتكم وأنزلنا لباسا فاخرا تتجملون فيها قال البيضاوي الريش الجمال وقيل مالا ومنه تريّش الرجل إذا تمول كذا قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدى وَلِباسُ التَّقْوى قرأ نافع وابن عامر والكسائي بالنصب عطفا على ريشا يعنى وأنزلنا لباس التقوى والباقون بالرفع على الابتداء وخبره ذلِكَ خَيْرٌ او ذلك صفة للمبتدأ وخير خبره واختلفوا فى لباس التقوى قال قتادة والسدى لباس التقوى هو الايمان وقال الحسن هو الحياء لانه يبعث على التقوى وقال عطية عن ابن عباس وهو العمل الصالح وعن عثمان ابن عفان هو السمت الحسن وقال عروة بن الزبير لباس التقوى خشية الله وقال الكلبي هو العفاف والمعنى لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به مما خلق له من اللباس والتجمل وقال ابن الأنباري لباس التقوى هو اللباس الاول وانما إعادة اخبارا ان ستر العورة خير من التعري فى الطواف وان اللباس سبب للتقوى عن معصية التعري وقال زيد بن على لباس التقوى اللباس التي يتقى بها فى الحرب من الدرع والمغفر والساعدين والساقين وقيل لباس التقوى هو الصوف والثياب الخشنة التي يلبسها الزهاد ذلِكَ اى إنزال اللباس مِنْ آياتِ اللَّهِ الدالة على فضله ورحمته لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فيعرفون نعمته ويتورعون عن القبائح. يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ اى لا يخدعنكم ولا يضلنكم الشَّيْطانُ بان لا تدخلوا الجنة كَما فتن وأَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ آدم وحواء مِنَ الْجَنَّةِ والنهى فى الظاهر للشيطان وفى المعنى لبنى آدم لا تفتتنوا ولا تختدعوا ولا تضلوا باتباع الشيطان يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما اى ليرى كل واحد منهما سوءة الاخر والجملة حال من فاعل اخرج او من مفعوله اسناد نزع الى الشيطان للتسبب إِنَّهُ يعنى الشيطان يَراكُمْ يا بنى آدم هُوَ وَقَبِيلُهُ جنوده قال ابن عباس ولده وقال قتادة قبيلة الجن مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ والجملة فقيل للنهى وتأكيد للتحذير من فتنة وقبيله فان عدوا يرانا ولا نراه لشديد المئونة الا من عصم الله فحينئذ كيده

[سورة الأعراف (7) : آية 28]

ضعيف قال ذو النون ان كان هو يريك من حيث لا تراه فاستعن بمن يراه من حيث لا يراه وهو الله القهار الستار إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بما أوجدنا بينهم من التناسب فى اتباع الباطل والتنافر من الحق او بإرسالهم عليهم وتمكينهم من خذلانهم وحملهم على ما سولوا لهم. وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً اى امرا بالغا الى النهاية فى القبح وذلك هو الشرك وقال ابن عباس ومجاهد هى طوافهم بالبيت عريانا والظاهر انه يعم كل كبيرة قالُوا إذا نهوا عن فعل الفاحشة وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها يعنى احتجوا بامرين تقليد الآباء والافتراء على الله فاعرض عن الاول لظهور فساده وقد ردّه فى موضع اخر او لو كان ابائهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ورد الثاني فقال قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ فان الأمر بالقبيح قبيح والله تعالى منزه عن القبائح وفيه دليل على ان الحسن والقبح وان كانا بخلق الله تعالى لكنه يدرك بالعقل ايضا والمراد بالقبيح هاهنا ما يتنفر عنه الطبع السليم ويستنقصه العقل المستقيم وقيل هما جوابا سوالين مترتبين كانه قيل لهم لم فعلتم فقالوا وجدنا عليه آباءنا فقيل ومن اين أخذ اباءكم فقالوا الله أمرنا بها وعلى الوجهين يمنع التقليد إذا قام الدليل على خلافه لا مطلقا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من غير دليل يوجب العلم اليقيني فيه انكار يتضمن النهى عن الافتراء على الله تعالى. قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ قال ابن عباس بلا اله الا الله وقال الضحاك بالتوحيد وقال مجاهد والسدى بالعدل وهو الوسط من كل امر المتجافى عن طرفى الافراط والتفريط وَأَقِيمُوا تقديره وقال اقيموا وهو مقولة للقول المذكور يعنى وقل اقيموا او معطوف على معنى بالقسط يعنى أقسطوا واقيموا او معطوف على مقدر تقديره فاقبلوا واقيموا وُجُوهَكُمْ اى أخلصوا له تعالى سجودكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ اى عند كل وقت صلوة وسجودا وكل مكان سجود وقال مجاهد والسدى وجهوا وجوهكم حيث ما كنتم فى الصلاة الى الكعبة وقال الضحاك إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه ولا يقولن أحدكم أصلي فى مسجدى وبه قال ابو حنيفة رحمه الله غير انه قال من كان اماما لمسجد اخر او رجل يختل بفقده جماعة مسجد اخر جاز له الخروج من المسجد بعد الاذان وقيل معناه توجهوا الى عبادة الله مستقيمين غير عادلين الى غيره وَادْعُوهُ اعبدوه تعالى مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ اى

الطاعة والعبادة من الشرك براء من الرياء والسمعة فانه خلقكم واليه المصير كَما بَدَأَكُمْ اى خلقكم أول مرة من تراب ثم من نطفة تَعُودُونَ احياء باعادته بعد الموت فيجازيكم على أعمالكم شبه الاعادة بالابداء تقرير الا مكانها والقدرة عليها وقيل كما بدأكم حفاة عراة غرلا تعودون لحديث عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم تحشرون يوم القيامة حفاة عراة فقلت يا رسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم الى بعض قال يا عائشة الأمر يومئذ أشد من ذلك متفق عليه وفى الصحيحين وسنن الترمذي عن ابن عباس قال قام رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وقال يايها الناس تحشرون الى الله حفاة مشاة عراة غرلا ثم قرأ كما بدانا أول خلق نعيده الاية وأول من يكسى من الخلائق ابراهيم عليه السلام وفى الباب أحاديث كثيرة صحيحة وما رواه ابو داؤد والحاكم وصححه وابن حبان والبيهقي عن ابى سعيد الخدري انه لما احتضر دعا بثياب جدد فلبسها ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول ان الميت يبعث فى ثيابه التي يموت فيها واخرج ابن ابى الدنيا بسند حسن عن معاذ بن جبل انه دفن امه فامر بها فكفنت فى ثياب جدد وقال أحسنوا أكفان موتاكم فانهم يحشرون فيها واخرج سعيد بن منصور فى سننه عن عمر بن الخطاب قال أحسنوا أكفان موتاكم فانهم يبعثون فيها يوم القيامة فليس فى القوة مثل ما ورد فى الحشر عراة قال اكثر العلماء هذه الأحاديث محمولة على الشهيد وان أبا سعيد سمع الحديث فى الشهيد فحمله على العموم وقال البيهقي يجمع الأحاديث بان بعضهم يبعث عاريا وبعضهم بثيابه وقال بعضهم يخرجون من قبورهم بثيابه ثم تتناثر عنهم عند ابتداء المحشر فيحشرون عراة وقال بعضهم حديث ان الميت يبعث فى ثيابه محمول على العمل الصالح كقوله تعالى ولباس التقوى ذلك خير وقال جابر معنى الاية يبعثون على ما ماتوا عليه رواه مسلم فى صحيحه وابن ماجة والبغوي عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يبعث كل عبد على ما مات عليه المؤمن على إيمانه والكافر على كفره وقال ابن عباس فى تفسير الاية ان الله تعالى بدأ خلق بنى آدم مؤمنا وكافرا كما قال هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ثم يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم مؤمنا وكافرا وقال ابو العالية عادوا الى علمه فيهم وقال سعيد بن جبير معناه كما كتب عليكم تكونون قال محمد بن كعب من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة صار إليها وان عمل بعمل اهل السعادة

[سورة الأعراف (7) : آية 30]

كما ان إبليس كان يعمل بعمل اهل السعادة ثم صار الى الشقاوة ومن ابتدأ خلقه على السعادة صار إليها وان عمل بعمل اهل الشقاوة كما ان السحرة كانوا يعملون بعمل اهل الشقاوة فصاروا الى السعادة عن سهل بن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ان العبد ليعمل عمل اهل النار وانه من اهل الجنة ويعمل عمل اهل الجنة وانه من اهل النار وانما الأعمال بالخواتيم متفق عليه ويناسب هذا التأويل اخر الاية حيث قال. فَرِيقاً منكم هَدى اى أراد بعلمه القديم هدايتهم فوفقهم الايمان والأعمال الصالحة وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ بمقتضى القضاء السابق وانتصابه بفعل يفسره ما بعده اى أضل فريقا حق عليهم الضلالة إِنَّهُمُ اى الفريق الثاني اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ اى الكفار من الجن والانس أَوْلِياءَ أنصارا مِنْ دُونِ اللَّهِ اى غيره وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ فيه دليل على ان الجهل ليس بعذر وان الكافر المخطى والمعاند سواء فى استحقاق الذم والله اعلم روى مسلم عن ابن عباس قال كانت امرأة تطوف بالبيت فى الجاهلية وهى عريانة وعلى فرجها خرقة وهى تقول اليوم يبدوا بعضه او كله. وما بدأ منه فلا أحله. فنزلت. يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ونزلت قل من حرم زينة الله الآيتين والمراد بالزينة ما يوارى العورة من الثياب بإجماع اهل التفسير قال مجاهد ما يوارى عورتك ولو عباءة وكذا قال الكلبي وروى البيهقي فى هذه الاية عن ابن عباس ان المراد بها الثياب والمراد بالمسجد قيل موضع السجود ولذا قيل معناه خذوا ثوبكم عند كل مسجد لطواف او صلوة وعلى هذا قال ابن الهمام الاية نزلت فى الطواف تحريما لطواف العريان والعبرة وان كان لعموم اللفظ لا لخصوص السبب لكن لا بد ان يثبت الحكم فى السبب اولا وبالذات لانه المقصود به قطعا ثم فى غيره على ذلك الوجه والثابت عندنا فى الستر فى الطواف الوجوب يعنى لا على سبيل الاشتراط لصحة الطواف حتى لو طاف عريانا اثم وحكم بسقوطه وفى الصلاة الافتراض يعنى الاشتراط حتّى لا تصح بدونه فالاوجه الاستدلال بالإجماع على الافتراض فى الصلاة كما نقله غير واحد من ائمة النقل الى ان حدث بعض المالكية فخالف كالقاضى اسمعيل وهو لا يجوز بعد تقرر الإجماع والحديث عن عائشة يرفعه لا تقبل الله صلوة حائض بخمار رواه ابو داؤد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وابن خزيمة فى صحيحه رواه ابو داؤد

والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وابن خزيمة فى صحيحه والظاهر عندى ان المسجد مصدر ميمى بمعنى السجدة اطلق على الصلاة تسمية الجزء على الكل كما فى قوله تعالى واركعوا مع الراكعين يعنى صلوا مع المصلين وقوله تعالى فاقرءوا ما تيسر من القران يعنى صلوا ما تيسر من الصلاة فهذه الاية بعبارته يوجب ستر العورة عند كل صلوة خاصة والبحث فى سبب النزول ان قوله تعالى يا بنى آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوءاتكم وريشا الى قوله تعالى قل انما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن الآيات كلها نزلت حين كانت العرب فى الجاهلية تطوف بالبيت عراة يقولون لا نطوف فى ثياب عصينا الله فيها وطافت المرأة عريانة واضعة يدها على فرجها بل ذكر قصة آدم ايضا توطية لذلك حتى يعلم ان انكشاف العورة أول سوء أصاب الإنسان من الشيطان والآيات كلها ناطقة ان خلق اللباس للانسان لاجل ستر عورته نعمة من الله تعالى وذلك هو التقوى وكشف العورة وترك الستر فتنة وإضلال من الشيطان قد عمل اولا بأبيكم آدم وثانيا بكم وانه فاحشة تفعله العرب تقليدا بآبائهم وافتراء على الله تعالى والله تعالى لا يأمر بالفحشاء لكن فريقا من الناس هديهم الله وفريقا حق عليهم الضلالة فهذه الآيات تدل على ان كشف العورة فاحشة حرام مطلقا قبيح مستهجن طبعا وعقلا وشرعا فارتكابها فى الطواف وغير ذلك من العبادات أقبح وافحش وأشد حرمة بالطريق الاولى موجب للاثم وما كانت العرب يدعون ان لبس الثياب فى الطواف حرام وأكل اللحم والدسم فى الحج حرام فهو باطل أنكر عليه سبحانه بقوله من حرم زينة الاية وقوله انما حرم ربى الفواحش ومنها كشف العورة لكن شى من هذه الآيات لا تدل على اشتراط ستر العورة فى الطواف ومن ثم قال ابو حنيفة رحمه الله لو طاف عريانا اثم ويحكم بسقوطه وقال اكثر الائمة لا يحكم بسقوطه لحديث ابى هريرة ان أبا بكر الصديق رضى الله عنهما بعثه فى الحجة التي امره عليها رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قبل حجة الوداع بعام يوم النحر فى رهط يوذن فى الناس ان لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان متفق عليه قالوا الطواف عريانا منهى عنه فلا يتادى به الواجب كما لا يجوز قضاء الصوم فى يوم النحر وقضاء الصلاة فى وقت الطلوع والاستواء والغروب واما هذه الاية خذوا زينتكم عند كل مسجد يقتضى اشتراط ستر العورة فى الصلاة وعدم جواز الصلاة بدونها لما ذكرنا ان كونه فرضا واجبا مطلقا وكون كشف العورة فاحشة حراما مطلقا

ثبت قبل ذلك من الآيات ولا مساس لهذه الاية بالطواف الا إذا ضم معها قوله صلى الله عليه واله وسلم الطواف بالبيت صلوة الا ان الله أباح فيه الكلام رواه الترمذي والحاكم والدارقطني من حديث ابن عباس وصححه ابن خزيمة وابن حبان ونزول هذه الاية فى ضمن آيات نزلت فى استقباح كشف العورة مطلقا وكون سبب نزولها طواف العرب عريانا لا تقتضى كون هذه الاية ايضا فى الطواف فان ما ورد فى حادثة او بعد سوال يجب ان يفيد حكم تلك الحادثة وجواب ذلك السؤال ولا يجب ان لا يذكر حكما زائدا على ما ورد فيه ولا شك ان حكم الطواف عريانا ظهر بغير تلك الاية من الآيات فما أورده ابن الهمام من الاشكال غير وارد (مسئلة) ذكر فى رحمة الامة ان ستر العورة شرط الصلاة عند ابى حنيفة والشافعي واحمد واختلف اصحاب مالك فمنهم من قال كما قال الجمهور انه من الشرائط مع القدرة على الستر فمن صلى مكشوف العورة مع القدرة على الستر فصلوته باطلة ومنهم من قال انه واجب فى نفسه ليس شرطا للصلوة فمن صلى مكشوف العورة مع القدرة على الستر عامدا كان عاصيا لكن يسقط عنه الفرض والمختار عند متاخرى أصحابه انه لا يصح الصلاة مع كشف العورة بحال وقد ذكر ابن الهمام اجماع الامة على ذلك والخلاف المتأخر لا يرفع الإجماع المقدم. (فصل) أفادت الاية على وجوب ستر العورة فى الصلاة لكنه مجمل فى مقدار العورة التي وجب سترها وجاء بيان ذلك من الأحاديث فنقول. (مسئلة) عورة الرجل بين السرة والركبة عند ابى حنيفة والشافعي وعن مالك واحمد روايتان إحداهما ما قال ابو حنيفة والثانية انها القبل والدبر احتجوا بحديث انس ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم غزا خيبر وذكر الحديث بطوله وفيه ثم حسر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الا زارعن فخذه حتى لانى انظر الى بياض فخذ النبي صلى الله عليه واله وسلم رواه البخاري وروى مسلم بلفظ انحسر الا زاد على البناء للمفعول وكذا عند احمد وحديث عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مضطجعا فى بيته كاشفا عن فخذيه او ساقيه فاستاذن ابو بكر فاذن له وهو على تلك الحال فتحدث ثم استاذن عمر فاذن له وهو كذلك فتحدث ثم استاذن عثمان فجلس رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وسوى ثيابه الحديث رواه مسلم وهذا الحديث ليس بحجة لمكان الترديد بقوله فخذيه او ساقيه لكنه عند احمد بلفظ كاشفا عن فخذيه من غير ترديد وكذا عند احمد من حديث

حفصة واخرج الطحاوي والبيهقي عن حفصة بنت عمر قالت كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عندى يوما وقد وضع ثوبه عن فخذيه فدخل ابو بكر فذكر الحديث نحوه وحديث ابى موسى ان النبي صلى الله عليه واله وسلم كان قاعدا فى مكان فيه ماء قد انكشف عن ركبته او ركبتيه فلما دخل عثمان غطاها رواه البخاري واحتج الجمهور بحديث على رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لا تبرز فخذك ولا تنظر الى فخذ حى ولا ميت رواه ابو داؤد وابن ماجة والحاكم والبزار وصحح بعض العلماء هذا الحديث وهو من حديث ابن جريج عن حبيب بن ثابت عن عاصم بن ضمرة عنه قال الحافظ فيه انقطاع بين ابن جريج وحبيب وقال ابو حاتم فى العلل ان الواسطة بينهما الحسن بن ذكوان وهو ضعيف وقال لا يثبت لحبيب رواية عن عاصم فهذه علة اخرى وقال ابن معين ان حبيبا لم يسمع من عاصم وان بينهما رجلا ليس بثقة وبيّن البزار ان الواسطة هو عمرو بن خالد الواسطي وحديث ابن عباس قال مر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم على رجل فخذه خارجة فقال غط فخذك فان فخذ الرجل من عورته رواه الترمذي واحمد والحاكم وصححه بعض العلماء وفى اسناده ابو يحيى القتات ضعيف وحديث جرهد ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مر على جرهد وفخذ جرهد مكشوفة فى المسجد فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يا جرهد غط فخذك فان الفخذ عورة رواه احمد وفيه زرعة مجهول وحديث محمد بن جحش عن النبي صلى الله عليه واله وسلم انه مر على معمر محتبيا كاشفا عن طرف فخذه فقال له النبي صلى الله عليه واله وسلم خمر فخذك يا معمر فان الفخذ عورة رواه احمد والبخاري فى التاريخ والحاكم فى المستدرك قال الحافظ رجاله رجال الصحيح غير ابى كثير وقد روى عنه جماعة لكن لم أجد فيه تصريحا بتعديل او جرح وحديث ابى أيوب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول ما فوق الركبتين من العورة وما أسفل السّرّة من العورة رواه الدارقطني وفى اسناده سعيد بن راشد وعباد بن كثير متروكان وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إذا زوج الرجل منكم عبده الحديث بطوله وفيه فانما تحت السرة الى الركبة من العورة رواه الدار قطنى وفيه سوار بن داؤد لينه العقيلي لكن وثقه ابن معين ولا شك ان هذه الأحاديث لا يصادم شيئا منها ما تقدم من حديث كشف الفخذ لكن لما تعاضد بعضها ببعض وتلقته الامة بالقبول أخذناه احتياطا ومن هاهنا قال

البخاري حديث انس أسند وحديث جرهد أحوط ولاجل قوة حديث انس وما فى معناه قال ابو حنيفة العاري يصلى قاعدا واضعا يديه على قبله يومى للركوع والسجود حيث قال بترك القيام والركوع والسجود مع القدرة عليها الى القعود والإيماء رعاية لستر العورة الذي هو فرض مطلقا فى الصلاة وخارجها والله اعلم- (مسئلة) الركبة عورة عند ابى حنيفة وقال الشافعي واحمد ليست بعورة لما تقدم من حديث ابى أيوب وعمرو بن شعيب واحتج أصحابنا بحديث على رضى الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول الركبة من العورة وفيه عقبة بن علقمة ضعفه ابو حاتم الرازي والنصر بن منصور قال ابو حاتم الرازي مجهول يروى أحاديث مناكير وقال ابن حبان لا يحتج به قلنا الركبة ملتقى عظم العورة وغيرها فاجتمع الحرام والحلال فقدمنا الحرمة احتياطا. (مسئلة) المرأة الحرة كلها عورة الا وجهها وكفيها عند مالك والشافعي واحمد وفى رواية عنهم الا وجهها فقط وكفاها من العورة واما القدمان فليستامن العورة عندهم وقال ابو حنيفة الا وجهها وكفيها وقدميها قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لا يقبل صلوة حائض الا بخمار وقد مرّ وقال عليه السلام المرأة عورة رواه الترمذي من حديث ابن مسعود وروى ابو داود مرسلا ان الجارية إذا حاضت لم يصلح يرى منها الا وجهها ويديها الى المفصل وروى الدارقطني عن أم سلمة انها سالت النبي صلى الله عليه واله وسلم اتصلي المرأة فى درع وخمار وليس لها إزار قال إذا كان الدرع سابغا يغطى ظهور قدميها وفيه عبد الرحمن بن عبد الله ضعفه يحيى وقال ابو حاتم لا يحتج به والظاهر انه غلط فى رفع الحديث ورواه مالك وجماعة عن أم سلمة من قولها. (مسئلة) قال فى النوازل نغمة المرأة عورة ولهذا قال عليه السلام التسبيح للرجال والتصفيق للنساء قال ابن الهمام وعلى هذا لو قيل ان المرأة إذا جهرت بالقراءة فى الصلاة فسدت كان متجها. (مسئلة) عورة الامة كعورة الرجل مع بطنها وظهرها عند ابى حنيفة وقال مالك والشافعي هى كعورة الرجل وبه قال احمد وقال بعض اصحاب الشافعي كلها عورة الا مواضع التقليب منها وهو الرأس والساعدات والساق روى

البيهقي عن نافع ان صفية بنت ابى عبيد حدثته قالت خرجت امرأة متخمرة بتحلية فقال عمر من هذا فقيل له جارية لفلان رجل من بنيه فارسل الى حفصة فقال ما حملك ان تخمرى هذه الامة وتجليبها تشبيها بالمحصنات حتى هممت ان أقع بها لا احسبها الا من المحصنات لا تشبهوا الإماء بالمحصنات قال البيهقي الآثار عن عمر بذلك صحيحة. (مسئلة) يجب عند احمد ستر المنكبين فى الفرض وفى النفل عنه روايتان لحديث ابى هريرة ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال لا يصلى أحدكم فى الثوب الواحد ليس على منكبيه منه شىء رواه احمد وفى الصحيحين نحوه لكن لفظ البخاري ليس على عاتقه منه شىء وفى حديث مسلم عاتقيه وحمل الجمهور على التنزيه قال الكرماني ظاهر النهى يقتضى التحريم لكن الإجماع منعقد على جواز تركه قال الحافظ قد غفل الكرماني عما ذكره بعد قليل عن النووي من حكاية مذهب احمد ونقل ابن المنذر عن محمد بن على عدم الجواز وعقد الطحاوي له بابا فى شرح معانى الآثار ونقل عن ابن عمر ثم عن طاؤس والنخعي ونقل غيره عن ابن وهب وابن جرير ونقل الشيخ تقى الدين السبكى وجوب ذلك عن نص الشافعي واختاره لكن المعروف فى كتب الشافعية خلافه. (مسئلة) يستحب ان يصلى الرجل فى ثياب الزينة كما يشير اليه هذه الاية فان الله سبحانه سمى الثوب زينة وامر باتخاذه فى الصلاة فالواجب وان كان ادنى منها وهو ما يستر العورة فما زاد عليه يستحب روى الطحاوي عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه فان الله أحق ان يزين له الحديث وروى البخاري عن ابى هريرة قال قام رجل الى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فسأله عن الصلاة فى الثوب الواحد فقال او كلكم يجد ثوبين ثم سأل رجل عمر فقال له إذا وسع الله فاوسعوا جمع رجل عليه ثيابه صلى رجل فى إزار ورداء فى إزار وقميص فى إزار وقباء فى سراويل ورداء فى سراويل وقميص فى سراويل وقباء فى تبان وقميص قال واحسبه فى تبان ورداء والله اعلم قال البغوي قال الكلبي كانت بنو عامر لا يأكلون فى ايام حجهم من الطعام الا قوتا ولا يأكلون دسما يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون نحن أحق ان نفعل ذلك يا رسول الله فانزل الله تعالى وَكُلُوا يعنى اللحم والدسم وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا بتحريم ما أحل الله لكم من اللحم والدسم وزينة اللباس وغير ذلك إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ الذين

[سورة الأعراف (7) : آية 32]

يفعلون ذلك اى لا يرتضى فعلهم واخرج ابن المنذر عن عكرمة فى قوله تعالى قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سواتكم قال نزلت فى الخميس من قريش الى ان قال وبنى عامر بن صعصعة وبطون كنانة بن بكرة كانوا لا يأكلون اللحم ولا يأتون البيوت الا من أدبارها قال ابن عباس كل ما شئت والبس ما شئت ما اخطاتك خصلتان سرف ومخيلة أخرجه ابن ابى شيبة فى المصنف وعبد بن حميد فى تفسيره و «1» عن ابن عمر مرفوعا كلوا واشهبوا وتصدقوا والبسوا من غير إسراف ولا مخيلة رواه احمد بسند صحيح وابن ماجة والحاكم روى «2» انه كان للرشيد طبيب نصرانى حاذق فقال لعلى بن الحسن بن واقد ليس فى كتابكم من علم الطب شىء والعلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان فقال له علىّ قد جمع الله الطب كله فى نصف اية من كتابه وهو قوله تعالى كلوا واشربوا ولا تسرفوا فقال النصراني ولم يرو من رسولكم شىء فى الطب فقال قد جمع رسولنا الطب فى ألفاظ يسيرة وهى قوله عليه السلام المعدة بيت الداء والحمية راس كل دواء واعط كل بدن ما عودته فقال النصراني ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا. قُلْ يا محمد إنكارا عليهم مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ اى الثياب وسائر ما يتجمل به الَّتِي أَخْرَجَ أصولها كالقطن والكتان من الأرض والصوف من ظهر الغنم والقز من الدود لِعِبادِهِ اى لاجل انتفاعهم وتزينهم وتجملهم وَاخرج الطَّيِّباتِ اى المستلذات مِنَ الرِّزْقِ من المآكل والمشارب يعنى لم يحرمها الذي هو خالقها ومالكها ولا يقدر أحد غيره على التحريم والتحليل فما لهولاء الكفار يحرمون الثياب فى الطواف واللحم والدسم فى الحج والسوائب ونحو ذلك وبهذه الاية يثبت ان الأصل فى المطاعم والمشارب والملابس الحل ما لم يثبت تحريمها من الله تعالى قُلْ يا محمد هِيَ اى الزينة والطيبات كائنة مخلوقة لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا حتى يتمتعون بها ويشكرون الله تعالى عليها ويتقوون بها على عبادته وليست للكفار الا تبعا للمؤمنين شاركهم الله تعالى فيها ابتلاء واستدراجا خالِصَةً قرا نافع بالرفع على انه خبر بعد خبر لهى والباقون بالنصب على

_ (1) عن الحسن قال دخل عمر على اخر ابنه عبد الله إذا عندهم لحم فقال ما هذا اللحم فقال أشتهيه وكلما اشتهيت شيئا أكلته كفى بالمرأ إسرافا ان يأكل كل ما اشتهى 12 (2) وعن عمر بن الخطاب قال إياكم والبطنة فى الطعام والشراب فانها مفسدة للجسد مورثة للقسم مكسلة عن الصلاة وعليكم بالقصر فيهما فانه أصلح للحمد وابعد من السرف وان الله ليبغض الجسد السمين وان الرجل لن يهلك حتى يوثر شهوته على دينه 12

[سورة الأعراف (7) : آية 33]

انه حال مقدرة يعنى مقدرين الخلوص من التنغيص والغم يَوْمَ الْقِيامَةِ واما فى الدنيا فهى مشوبة بالغم والتنغيص او المعنى مقدرين الخلوص لهم لا يشاركهم الكفار كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ يعنى ميزنا الحلال من الحرام هاهنا حيث أمرنا بإتيان الحلال وترك الحرام ونهينا عن الإسراف وإتيان الحرام كذلك نفصل سائر الاحكام لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ انه لا شريك لله تعالى أحد. قُلْ يا محمد إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ قرأ حمزة بإسكان الياء والباقون بفتحها الْفَواحِشَ اى ما تزايد قبحه ما ظَهَرَ مِنْها كطواف الرجل بالنهار عريانا وَما بَطَنَ كطواف النساء بالليل عريانا وقيل الزنا سرا وعلانية عن ابن مسعود يرفعه قال لا أحدا غير من الله فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب اليه المدحة من الله فلذلك مدح نفسه وَالْإِثْمَ اى ما يوجب الإثم يعنى الذنب والمعصية تعميم بعد تخصيص وقال الضحاك الإثم الذنب الذي لا حدّ فيه وقال الحسن الإثم الخمر قال الشاعر: شربت الإثم حتى ضل عقلى ... كذلك الإثم يذهب بالعقول وَالْبَغْيَ الظلم او الكبر أفرده بالذكر مبالغة او المراد البغي على سلطان عادل بِغَيْرِ الْحَقِّ متعلق بالبغي موكد له معنى وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ اى باشراكه سُلْطاناً حجة فيه تهكم بالمشركين وتنبيه على تحريم اتباع ما لم يدل عليه برهان وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ فى تحريم الحرث والانعام والطواف عريانا وغير ذلك وقال مقاتل هو عام فى تحريم القول فى الدين من غير يقين. وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ يعنى لكل امة من الكفار مدة ووقت معين فى علم الله تعالى لنزول العذاب بهم وعيد لاهل مكة فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ اى حان وقت عذابهم لا يَسْتَأْخِرُونَ عنه ساعَةً اى لا يتاخرون اقصر وقت وان طلبوا الامهال وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ولا يتقدمون ذلك وان سألوا العذاب لقولهم اللهمّ ان كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء او ائتنا بعذاب اليم «1»

_ (1) وعن ابن المسيب قال لما طعن عمر قال كعب لو دعا الله عمر لاخر فى اجله فقيل له أليس قد قال الله تعالى فاذا جاء أجلهم لا يستاخرون ساعة ولا يستقدمون قال كعب وقد قال الله وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره الا فى كتاب مبين فان الله يوخر ما يشاء وينقص ما يشاء فاذا جاء أجلهم لا يستاخرون ولا يستقدمون وعن ابى مليكة قال لما طعن عمر جاء كعب فجعل يبكى ويقول والله لو ان امير المؤمنين ليقسم على الله ان يوخره لاخره فدخل ابن عباس عليه فقال يا امير المؤمنين هذا كعب يقول كذا وكذا قال إذا والله لا اسأله 5

[سورة الأعراف (7) : آية 35]

يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ ما زايدة زيدت لتاكيد الشرط ولذلك أكد فعلها بالنون ذكر الله سبحانه بحرف الشك للتنبيه على ان إتيان الرسل جائز غير واجب ولا يجب على الله شىء رُسُلٌ مِنْكُمْ اى من بنى آدم يَقُصُّونَ اى يقرءون عَلَيْكُمْ آياتِي من الكتب صفة لرسل وجواب الشرط فَمَنِ اتَّقى منكم يعنى من الشرك وتكذيب الرسل وَأَصْلَحَ عمله اى أخلصه لله تعالى واتى به كما امره فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ حين يخاف الناس فى القبر ويوم القيامة وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ إذا حزنوا فى النار. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا منكم وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها اى عن الايمان بها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ادخل الفاء فى الجزاء الاول دون الثاني للمبالغة فى الوعد والمسامحة فى الوعيد. فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً اى جعل له شريكا او قال اتخذ الله صاحبة وولدا او قال الله أمرنا بتحريم السوائب والطواف عريانا ونحو ذلك واللفظ يشتمل الروافض الذين يفترون على الله وعلى رسوله ويقولون انزل الله فى القران آيات كثيرة القاها الصحابة من القران أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ المنزلة والترديد لمنع الخلو أُولئِكَ يَنالُهُمْ فى الدنيا نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ اى حقهم مما كتب لهم فى صحف الملئكة الموكل بهم من الأرزاق والتمتعات والأعمال والاكساب والمصائب والآجال وقيل الكتاب اللوح المحفوظ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يعنى ملك الموت وأعوانه يَتَوَفَّوْنَهُمْ يقبضون أرواحهم قالُوا جواب إذا يعنى قالت الرسل للكفار أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما موصولة وصلت باين الاستفهامية فى خط المصحف وكان حقها الفصل والاستفهام للتوبيخ يعنى اين الذين كنتم تعبدونها من دون الله من الأصنام وغيرها قالُوا اى الكفار ضَلُّوا اى غابوا عَنَّا وَشَهِدُوا يعنى الكفار اعترفوا عند معاينة العذاب عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ قالَ الله تعالى يوم القيمة او ملك الموت حين التوفى. ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ اى كائنين فى جملة امم قَدْ خَلَتْ مضت مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ يعنى الكفار الأمم الماضية من الفريقين فِي النَّارِ متعلق بادخلوا كُلَّما دَخَلَتْ النار أُمَّةٌ كافرة من الأمم لَعَنَتْ أُخْتَها فى الدين التي ضلت هذه الامة باقتدائها فيلعن اليهود اليهود والنصارى النصارى ويلعن الاتباع القادة حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا اى تداركوا وتلاحقوا واجتمعوا فِيها اى فى النار

[سورة الأعراف (7) : آية 39]

جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ دخولا وهم الاتباع لِأُولاهُمْ دخولا وهم القادة فانهم يدخلون النار او لا وقال ابن عباس اخر كل امة لاولها زمانا الذين شرعوا ذلك الدين الباطل رَبَّنا هؤُلاءِ يعنى القادة أَضَلُّونا عن الهدى فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً اى مضاعفا يعنى مثلى ما نحن فيه مِنَ النَّارِ لانهم ضلوا وأضلوا قالَ الله تعالى لِكُلٍّ منكم ومنهم ضِعْفٌ ما يرى الاخر فان للعذاب ظاهرا وباطنا وكل يدرك من الاخر الظاهر دون الباطن فيقدر انه ليس له العذاب الباطن او المعنى لكل ضعف ما يقتضيه ضلاله اما لقادة فبكفرهم وتضليلهم واما لاتباع فبكفرهم وتقليدهم اهل الباطل دون اهل الحق وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ اى لا يعلم أحد منكم ما لغيره من العذاب قرأ ابو بكر عن عاصم بالياء للغيبة على الانفصال والباقون بالتاء على الخطاب. وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ عطفوا كلامهم على جواب الله تعالى لاخريهم ورتبوا عليه فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ يعنى فقد ثبت بقول الله تعالى ان لا فضل لكم علينا وانه كل متساوون فى استحقاق العذاب فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ يحتمل ان يكون من قول القادة او من قول الله تعالى للفريقين. إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها اى عن الايمان بها لا تُفَتَّحُ قرأ ابو عمرو بالتاء لتانيث الفاعل لكونه جمعا بالتخفيف من المجرد وحمزة والكسائي بالياء لان الفاعل مؤنث غير حقيقى ومفعول من المجرد ايضا والباقون بالتاء كابى عمرو والتشديد من التفعيل لكثرة الأبواب لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ لاوعيتهم ولا لاعمالهم ولا لارواحهم وقال ابن عباس لارواحهم لانها خبيثة لا يصعد بها بل يهوى بها الى سجين عن البراء بن عازب فى حديث طويل رواه مالك والنسائي والبيهقي فى البعث والنشور قوله صلى الله عليه واله وسلم فى ذكر العبد الكافران الملئكة سود الوجوه إذا قبضت نفسه جعلوها فى المسوح ويخرج منها كنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملئكة الا قالوا ما هذا الروح الخبيث فيقولون فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها فى الدنيا حتى ينتهى بها الى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لا يفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل فى سم الخياط فيقول الله عز وجل اكتبوا كتابه فى سجين فى الأرض السفلى فتطرح روحه طرحا ثم قرأ

[سورة الأعراف (7) : الآيات 42 إلى 43]

ومن يشرك بالله فكانما خرمن السماء فتخطفه الطير او تهوى به الريح فى مكان سحيق لحديث وفى حديث ابى هريرة عند ابن ماجة نحوه وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ اى حتّى يدخل ما هو مثل فى عظم الجثة وهو البعير فيما هو مثل فى ضيق المنفذ وهو ثقبة الابرة وذلك لا يكون فكذا ما علق به بدل ذلك على تأكيد المنع يعنى لا يدخلون ابدا وَكَذلِكَ اى مثل ذلك الجزاء القطيع يعنى الياس من رحمة الله تعالى نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ لَهُمْ اى للمجرمين مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ فراش وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ لحف منها والتنوين عوض من الياء المحذوفة عند سيبويه وللصرف عند غيره يعنى النار محيط بهم من كل جانب نظيره قوله تعالى من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ذكر الجرم مع الحرمان من الجنة والظلم مع التعذيب بالنار تنبيها على انه أعظم من الاجرام ثم أورد الله سبحانه وعد المؤمنين بعد وعيد الكفار كما هو عادته فقال. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مبتدأ ولما كان الجمع المحلى باللام من صيغ العموم موهما لاختصاص الوعد بمن عمل جميع الصالحات أورد معترضا بين المبتدأ والخبر لدفع ذلك التوهم قوله لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها اى بقدر طاقتها بحيث لا تحرج ولا يشق عليها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خبر للمبتدأ هُمْ فِيها خالِدُونَ وَنَزَعْنا اى أخرجنا صيغة ماض وضع موضع مستقبل تحقيقا لوقوعه ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ اى حسد وعداوة كانت بينهم فى الدنيا حتى لا يكون بينهم الا التواد لا يحسد بعضهم على بعض على شىء خص الله به بعضهم اخرج سعيد بن منصور وابو نعيم فى الفتن وابن ابى شيبة والطبراني وابن مردوية عن على رضى الله عنه انه قال انى أرجو أن أكون انا وعثمان وطلحة والزبير منهم قلت قال ذلك على رضى الله عنه لما وقع بينهم فساد ظن فى فتنة شهادة عثمان رضى الله عنه اخرج البخاري والإسماعيليّ فى مستخرجه واللفظ له عن ابى سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه واله وسلم فى قوله تعالى ونزعنا ما فى صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين قال يخلص المؤمنون من النار فيحسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم حتى إذا هذبوا وقفوا اذن لهم فى دخول الجنة فو الذي نفس محمد بيده لاحدهم اهدى بمنزله فى الجنة منه بمنزله فى الدنيا قال قتادة راوى الحديث كان يقال ما يشبه بهم الا اهل الجمعة

انصرفوا عن جمعتهم واخرج ابن ابى حاتم عن الحسن البصري قال بلغني ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال يحبس اهل الجنة بعد ما يجوزون الصراط حتى يوخذ لبعضهم من البعض ظلماتهم فى الدنيا ويدخلون الجنة ليس فى قلوب بعضهم على بعض غل قال القرطبي هذا فى حق من لم يدخل النار اما من دخلها ثم اخرج منها فانهم لا يحاسبون بل إذا خرجوا اذهبوا على نهار الجنة قال ابن حجر قوله يخلص المؤمنون من النار اى ينجون من السقوط بمجاورة الصراط واختلف فى القنطرة المذكورة فقيل انها من تتمة الصراط وهى طرفه الذي يلى الجنة وقيل الصراط اخر وبه جزم القرطبي وقال السيوطي والاول هو المختار قلت وذلك لان القصاص انما يكون بالحسنات والسيئات فانه ليس ثمه دينار ولا درهم ان كان له يعنى للظالم عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمة وان لم يكن له حسنة أخذ من سيأت صاحبه فحمل عليه كذا روى البخاري من حديث ابى هريرة مرفوعا وعند مسلم والترمذي عنه مرفوعا فان فنيت حسناته قبل ان يقتص ما عليه من الخطايا أخذ من خطاياهم فتطرح عليه ثم طرح فى النار قلت والطرح فى النار لا يتصور بعد مجاورة الصراط بتمامه والله اعلم قلت وليس نزع الغل من الصدور منحصرا فى صورة القصاص ودفع الحسنات والسيئات من البعض الى البعض بل قد يكون بغير ذلك كما قال البغوي قال السند فى هذه الاية الكريمة ان اهل الجنة إذا سبقوا الى الجنة وجدوا عند بابها شجرة فى اصل ساقها عينان فشربوا من أحدهما فينزع ما فى صدورهم من غل وهو الشراب الطهور ومن الاخرى فجرت عليهم نضرة النعيم ان يشعثوا ولن يشحبوا بعدها ابدا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ من تحت منازلهم بعد ما دخلوا الجنة الْأَنْهارُ حال من هم فى صدورهم فيها بمعنى الاضافة وَقالُوا اى اهل الجنة الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا اى الى هذا يعنى الجنة وقال سفيان الثوري معناه هدانا لعمل ثوابه هذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ اللام للجحود لتاكيد النفي كما فى قوله تعالى ما كان الله ليعذبهم بعدها ان المصدرية مقدرة والمصدر بمعنى الفاعل او بتقدير المضاف خبر لكان تقديره ما كنا ذا اهتداء او مهتدين لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ وجواب لولا محذوف دل عليه ما قبله يعنى لولا هداية الله ما كنا مهتدين قرأ ابن عامر ما كنا بغير واو على انها صبية للاولى والباقون بالواو على انه حال من مفعول هدانا لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فاهتدينا بإرشادهم يقولون ذلك تبجحا حين رأوا

[سورة الأعراف (7) : الآيات 44 إلى 46]

ما وعدهم الرسل عيانا وَنُودُوا اى اهل الجنة قيل هذا النداء إذا راوا الجنة من بعيد وقيل هذا النداء يكون فى الجنة واختاره السيوطي فى البدور السافرة أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ ان فى المواضع الخمسة هى المفسرة لان المناداة والتأذين بمعنى القول وجاز ان يكون مخففة أُورِثْتُمُوها أعطيتموها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ اى بسبب أعمالكم الجملة حال من الجنة والعامل فيه معنى الاشارة او خبر والجنة صفة تلكم قال صاحب المدارك سماها ميراثا لانها لا تستحق بالعمل بل هى محض فضل الله تعالى وعده على الطاعات كالميراث من الميت ليس بعوض عن شىء بل هو صلة خالصة اخرج مسلم عن ابى سعيد الخدري وابى هريرة رضى الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ينادى مناد ان لكم ان تصحوا فلا تسقموا ابدا ولكم ان تحيوا فلا تموتوا ابدا وان لكم ان تشبوا فلا تهرموا ابدا وان لكم ان تنعّموا فلا تباسوا «1» ابدا فذلك قوله تعالى ونودوا ان تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون واخرج ابن ماجة والبيهقي بسند صحيح عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ما منكم من أحد الا له منزلان منزل فى الجنة ومنزل فى النار فاذا مات فدخل النار ورث اهل الجنة منزله فذلك قوله تعالى أولئك الوارثون. وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا من الثواب حَقًّا متحققا فى الواقع حال فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ من العذاب حَقًّا قالوا ذلك تبجحا بحالهم وشماتة باصحاب النار تقديره وعدكم حذف كم لدلالة وعدنا ربنا عليه او يقال لم يقل وعدكم كما قال وعدنا لان ما ساهم من الموعود لم يكن بامره وعده مخصوصا بهم كالبعث والحساب ونعيم الجنة قالُوا نَعَمْ قرأ الكسائي بكسر العين حيث وقع والباقون بفتحها وهما لغتان فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ اى نادى مناد قيل هو صاحب الصور بَيْنَهُمْ اى بين الفريقين بحيث اسمع الفريقين أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ قرأ البزي عن ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي بتشديد انّ ونصب اللعنة والباقون بتخفيفها والرفع عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ اى يمتنعون او يمنعون الناس عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ اى دينه صفة للظلمين مقررة او ذم مرفوع او منصوب وَيَبْغُونَها عِوَجاً زيعا وميلا عما هو عليه مفعول ثان ليبغون اى يطلبون لها الاعوجاج والتناقض قال ابن عباس يصلون لغير الله ويعظمون ما لم يعظمه الله قلت تقديره الذين كانوا يصدون عن

_ (1) بئس يبئس بالضم فيهما بأسا اشتد والمبتئس الكارة والحزين 12 نهايه

سبيل الله لان ذلك كان منهم فى الدنيا لا حين يقال لهم ذلك والعوج بالكسر فى المعاني والأعيان ما لم يكن منتصبة كالّذين والأرض وبالفتح فى الأعيان المنتصبة كالحائط والرمح ونحوهما وَهُمْ بِالْآخِرَةِ بالله او الاخرة كافِرُونَ وَبَيْنَهُما اى بين الجنة والنار وقيل بين اهل الجنة واهل النار حِجابٌ وهو سور الذي ذكره الله تعالى فى سورة الحديد فضرب بينهم بسور له باب وقد ذكر هناك تفسيره وَعَلَى الْأَعْرافِ اى على اعراف الحجاب يعنى على أعالي السور المضروب بينهما جمع عرف مستعار من عرف الفرس اخرج هناد من طريق مجاهد عن ابن عباس قال الأعراف سور كعرف الديك وقيل العرف ما ارتفع من الشيء فانه يكون لظهوره اعرف من غيره رِجالٌ اختلف الأقوال فى هؤلاء الرجال أوجهها انهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم منعت حسناتهم من دخول النار وتقاصرت من دخول الجنة كذا اخرج ابن مردوية عن جابر بن عبد الله عنه صلى الله عليه واله وسلم واخرج ابن جرير والبيهقي من طريق ابى طلحة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الأعراف سور بين الجنة والنار وأصحابه رجال كانت لهم ذنوب عظام حبسهم امر الله يقومون على الأعراف يعرفون اهل النار لسواد الوجوه واهل الجنة ببياض الوجوه فاذا نظروا الى اهل الجنة طمعوا ان يدخلوها وإذا نظروا الى النار تعوذوا بالله تعالى منها فادخلهم الله الجنة فذلك قوله تعالى هؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة يعنى اصحاب الأعراف ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون واخرج هناد وابن ابى حاتم وابو الشيخ فى تفاسيرهم من طريق عبد الله بن الحارث عن ابن عباس قال الأعراف السور الذي بين الجنة والنار واصحاب الأعراف المحبوسون بذلك حتى إذا بدأ الله تعالى ان يعافيهم انطلق بهم الى نهر يقال له الحيوة حافتاه الذهب مكلل باللؤلؤ ترابه المسك فالقوا فيه حتى يصلح ألوانهم وتبدوا فى نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها حتى إذا صلحت ألوانهم اتى بهم الرحمن تعالى فقال تمنوا ما شئتم فيتمنون حتى إذا انقطعت أمنيتهم قال لهم لكم الذي تمنيتم ومثله وسبعون ضعفا فيدخلون الجنة فى نحورهم شامة «1» بيضاء يعرفون بها يسمون مساكين اهل الجنة واخرج ابو الشيخ من طريق ابن المنكدر عن رجل من مزينة ان النبي صلى الله عليه واله وسلم سئل عن الأعراف فقال هم قوم خرجوا عصاة بغير اذن ابائهم فقتلوا فى سبيل الله وهم لابائهم عاصون فمنعوا الجنة بمعصية ابائهم ومنعوا النار

_ (1) الشامة الخال فى الجسد 12

لقتلهم فى سبيل الله واخرج الطبراني بسند ضعيف عن ابى سعيد الخدري قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اصحاب الأعراف فقال هم رجال قتلوا فى سبيل الله وو هم عصاة لابائهم فمنعتهم الشهادة ان يدخلوا النار ومنعتهم المعصية ان يدخلوا الجنة وهم على سور بين الجنة والنار حتى تذبل «1» لحومهم وشحومهم حتى يفرغ الله من حساب خلقه ولم يبق غيرهم تغمد الله برحمته فادخلهم الجنة برحمته واخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن ابى حاتم وابن مردوية وابو الشيخ فى تفاسيرهم والطبراني والحارث بن اسامة فى مسنده والبيهقي من عبد الرحمن المزني قال سئل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن اصحاب الأعراف فقال هم أناس قتلوا فى سبيل الله قلت لعل المراد بهذا الذين قتلوا فى سبيل الله الذين هم عصاة لابائهم جمعا بين هذا وبين ما سبق وليعلم ان الذين قتلوا فى سبيل الله عصاة لابائهم افراد ممن استوت حسناتهم وسيئاتهم فذكرهم على وجه التمثيل لا على وجه الحصر لما مر من الأحاديث ولما اخرج ابن ابى داؤد وابن جرير عن ابن عمر بن حزم بن جرير قال سئل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال هم اخر من يفصل بينهم من العباد فاذا فرغ رب العلمين من الفصل بين العباد قال أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار ولم تدخلوا الجنة وأنتم عتقاء فارعوا من الجنة حيث شئتم قال السيوطي مرسل حسن واخرج ابن مردوية وابو الشيخ من طريقين عن جابر بن عبد الله قال سئل رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عمن استوت حسناتهم وسيئاتهم فقال أولئك اصحب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون واخرج البيهقي عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يجمع الله الناس بينهم يوم القيامة فيومر باهل الجنة الجنة وباهل النار النار ثم قال لاصحاب الأعراف ما تنتظرون قالوا ننتظر أمرك فيقال لهم ان حسناتكم تجاوزت بكم النار ان تدخلوها وحالت بينكم وبين الجنة خطاياكم فادخلوا بمغفرتى ورحمتى واخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابو الشيخ والبيهقي وهناد وحذيفة قال اصحاب الأعراف قوم قصرت سيأتهم عن الجنة وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار جعلوا هناك حتى ينقضى الله تعالى بين الناس فبينما هم كذلك إذا طلع عليهم ربهم فقال لهم قوموا فادخلوا الجنة فانى غفرت لكم واخرج عبد الرزاق عن حذيفة قال اصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم وسيأتهم على سور بين الجنة والنار وهم على طمع من دخول الجنة وهم داخلون وروى البغوي بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن مسعود

_ (1) ذبلت بشرته اى قل ماء جلد ورهبت نضارته 12 نهايه

قال يحاسب الناس يوم القيمة فمن كانت حسناته اكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة ومن كانت سيئاته اكثر من حسناته بواحدة دخل النار ثم قرأ قال الله عز وجل فمن ثقلت موازينه فاولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فاولئك الذين خسروا أنفسهم ثم قال ان الميزان يخف حسناته وسيئاته بمثقال حبة ويرجح قال ومن حسناته وسيئاته كان من اصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط ثم عرفوا اهل الجنة واهل النار فاذا نظروا الى اهل الجنة نادوا سلام عليكم وإذا صرفوا أبصارهم الى اصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين فاما اصحاب الحسنات فانهم يعطون نورا يمشون به أيديهم وبايمانهم ويعلى كل عبد يومئذ نورا فاذا أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة فلما رأى اهل الجنة ما بقي المنافقون قالوا ربنا أتمم لنا نورنا فاما اصحاب الأعراف فان النور لم ينزع من بين أيديهم ومنعهم سيأتهم ان يمشوا فبقى فى قلوبهم الطمع إذ لم ينزع من بين أيديهم فهناك يقول الله عز وجل لم يدخلوها وهم يطمعون وكان الطمع للنور الذي بين أيديهم ثم ادخلوا الجنة وكانوا اخر اهل الجنة دخولا واماما اخرج هناد عن مجاهد قال اصحاب الأعراف قوم صالحون فقهاء علماء والأعراف سور بين الجنة والنار فلعل المراد من القوم الصالحين المؤمنين الفقهاء العلماء ارتكبوا السيئات بحيث تساوت حسناتهم خلطوا عملا صالحا واخر سيئا عسى الله ان يتوب عليهم واماما اخرج البيهقي عن ابى مجلز انه قال الأعراف مكان مرتفع عليه رجال من الملئكة يعرفون اهل الجنة بسيماهم واهل النار بسيماهم فليس بشئ إذ لا يقال للملئكة رجال وقد سماهم الله تعالى برجال وايضا يرده ما روينا من الأحاديث واماما قال بعضهم انهم رجال من الأنبياء او الأولياء او الشهداء فيطلعون على اهل الجنة واهل النار جميعا ويطلعون احوال الفريقين فيرده ما روينا من الأحاديث وما سيتلى عليك من الآيات واماما قال بعضهم انهم أطفال المشركين يرده قوله تعالى رجال وما ذكرنا من الأحاديث يَعْرِفُونَ اى اصحاب الأعراف كُلًّا اى كل فريق من المؤمنين والكافرين بِسِيماهُمْ اى بعلامتهم يعرفون اهل الجنة ببياض وجوههم واهل النار بسواد وجوههم مشتق من سام ابله إذا أرسلها فى المرعى معلمة او من وسم على القلب كالجاه من الوجه وَنادَوْا اصحاب الأعراف أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ يعنى سلّموا عليهم إذا نظروا إليهم لَمْ يَدْخُلُوها يعنى اصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة وَهُمْ يَطْمَعُونَ دخولها حيث خلصوا من النار قال الحسن لم يطمعهم الا للكرامة

[سورة الأعراف (7) : آية 47]

يريدها بهم والجملة مستانفة لا محل لها من الاعراب كانّ سائلا سأل عن اصحاب الأعراف فقال لم يدخلوها وهم يطمعون وجاز ان يكون حالا من الضمير المرفوع فى نادوا او صفة لرجال ومن قال ان اصحاب الأعراف الأنبياء والملئكة قال هذه الجملة حال من مفعول نادوا يعنى اصحاب الجنة. وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ اى أبصار اصحاب الأعراف فيه اشارة الى ان صارفا يصرف أبصارهم لينظروا فيستعيدوا تِلْقاءَ ظرف اى الى جانب أَصْحابِ النَّارِ ورأوا ما هم فيه من العذاب تعوذوا بالله وفرعوا الى رحمته قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعنى لا تجعلنا فى النار مع الكافرين سياق الاية تدل على ان اصحاب الأعراف فى خوف ورجاء وذلك مقتضى استواء حسناتهم ولا يتصور ذلك فى الأنبياء والشهداء والصلحاء الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا كانوا عظماء فى الدنيا من الكفار يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا اى اصحاب الأعراف بيان لنادى ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ اى كثرتكم واعوانكم وأولادكم وجمعكم المال وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ عن الحق او على الخلق قال الكلبي ينادون على السوريا وليد بن مغيرة يا أبا جهل بن هشام يا فلان ثم ينظرون الى الجنة فيرون فيها الفقراء والضعفاء ممن كانوا يستهزءون بهم مثل سلمان وصهيب وخباب وبلال وأشباههم فيقول اصحاب الأعراف لهؤلاء الكفار. أَهؤُلاءِ يعنى هؤلاء الضعفاء الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ وحلفتم لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ اى حلفتم انهم لا يدخلون الجنة ثم يقال لاهل الأعراف ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ قلت وجاز ان يكون هذا من تتمة كلام اصحاب الأعراف يعنى هؤلاء الضعفاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة وقد قيل لهم ادخلوا الجنة الاية قال البغوي وفيه قول اخر وهو ان اصحاب الأعراف إذا قالوا لاهل النار قالوا قال لهم اهل النار ان دخل أولئك الجنة فانتم لم تدخلوها فيعيرونهم ويقسمون انهم يدخلون النار فيقول الملئكة الذين حبسوا اصحاب الأعراف على الصراط لاهل النار أهؤلاء يعنى اصحاب الأعراف الذي أقسمتم يا اهل النار انه لا ينالهم رحمة الله ثم قالت الملئكة لاصحاب الأعراف ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون فيدخلون الجنة قال البغوي قال عطاء عن ابن عباس رضى الله عنهما انه لما صار اصحاب الأعراف الى الجنة طمع اهل النار فى الفرج وقالوا يا رب

[سورة الأعراف (7) : آية 50]

ان لنا قرابات من اهل الجنة فاذن لنا حتى نريهم ونكلمهم فنظروا الى قراباتهم فى الجنة وما هم فيه من النعيم فعرفوهم ولم يعرفوا اهل الجنة اهل النار بسواد وجوههم. وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ بأسمائهم واخبروهم بقراباتهم أَنْ أَفِيضُوا اى صبوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ من سائر الاشربة ليلا يم الاضافة او من طعام الجنة فهو من قبيل علفتها تبنا وماء باردا قالُوا يعنى اصحاب الجنة إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما اى الماء والطعام عَلَى الْكافِرِينَ قال البيضاوي معناه منعهما عنهم منع المحرم على المكلف وقال فى المدارك هو تحريم منع كما فى قوله وحرمنا عليه المراضع قلت ومنه قوله تعالى حرام على قرية أهلكناها انهم لا يرجعون واخرج ابن ابى الدنيا والضيا كلاهما فى صفة النار عن زيد بن رفيع ان اهل النار إذا دخلوا النار عكوا الدموع زمانا ثم بكوا الفيح زمانا فيقول لهم الخزنة يا معشر الأشقياء تركتم البكاء فى الدنيا هل تجدون اليوم من تستغيثون به فيعرفون به أصواتهم يا اهل الجنة يا معشر الآباء والأمهات والأولاد خرجنا من القبور عطاشا وكنا طول الموقف عطاشا ونحن اليوم عطاش فافيضوا علينا من الماء او مما رزقكم الله فيدعون أربعين لا يجيبهم ثم يجيبهم أنتم ماكثون فيئسون من كل خير واخرج ابن جرير وابن ابى حاتم عن ابن عباس رضى الله عنهما فى هذه الاية قال ينادى الرجل أخاه فيقول يا أخي أغثني فانى قد أحرقت فيقول ان الله حرمهما على الكفرين. الَّذِينَ اتَّخَذُوا مجرور وصفا للكافرين او مرفوع او منصوب على الذم دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً بتحريم البحيرة وأخواتها والمكاء والتصدية حول البيت والطواف عريانا وأكل الميتة والاستسقام بالأزلام وغير ذلك من الأمور التي كانوا يفعلونها فى الجاهلية وقيل معناه اتخذوا عيدهم لهوا ولعبا قال البيضاوي اللهو صرف الهم بما لا يحسن ان يصرف به واللعب طلب الفرح بما لا يحسن ان يطلب به وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ونسوا الاخرة وزعموا ان لا حيوة الا الحيوة الدنيا ولا الخير ولا الشر الا فيها فَالْيَوْمَ يوم القيامة نَنْساهُمْ نتركهم ترك الناسي فى النار كَما نَسُوا اى نسيانا كنسيانهم لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا حتى تركوا العمل بما ينفعهم يومهم هذا وَما كانُوا وكما كانوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ يعنى ككونهم جاحدين باياتنا منكرين انها من عند الله. وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ يعنى القران فَصَّلْناهُ بينا معانيه وميزنا حلاله وحرامه ومواعظه وقصصه وأوضحنا العقائد الحقة من الباطلة عَلى عِلْمٍ

[سورة الأعراف (7) : آية 53]

عالمين بوجه تفصيله حتى جاء حكيما او عالمين بمصالحهم فهو حال من فاعل فصلناه او مشتملا على علم فهو حال من مفعوله هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ حال من مفعول فصلناه. هَلْ يَنْظُرُونَ اى هل ينتظرون فى الايمان بالقران إِلَّا تَأْوِيلَهُ يعنى الا ما يؤل اليه امره من تبين صدقة وظهور ما ينطق به من الوعد والوعيد قال مجاهد جزاءه يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ اى جزاءه وما يؤل اليه أمرهم وذلك يوم موتهم او يوم القيامة يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ اى تركوه ترك الناسي ولم يؤمنوا به قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ قد تبين لهم انهم جاؤا بالحق فاعترفوا حين لا ينفعهم الاعتراف فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ عطف على جملة قبلها داخلة معها فى حكم الاستفهام كانه قيل فهل لنا من شفعاء او هل نرد ورافعه وقوعه موقعا يصلح للاسم كقولك ابتداء هل يضرب زيدا وعطف على تقدير هل يعنى هل يشفع لنا شافع او هل نرد الى الدنيا فَنَعْمَلَ جواب للاستفهام الثاني غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ نوحد الله ونترك الشرك والمعاصي قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بصرف أعمارهم فى الكفر وَضَلَّ وبطل واضمحل عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ان الله تعالى أمرهم به او فى ادعاء الشريك. إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ اى مقدار ستة ايام من ايام الدنيا وقيل ستة ايام كايام الاخرة كل يوم الف سنة قال سعيد بن جبير كان الله عز وجل قادرا على خلق السموات والأرض فى لمحة ولحظة فخلقهن فى ستة ايام تعليما لخلقه التثبت والتأني فى الأمور وقد جاء فى الحديث التأني من الرحمن والعجلة من الشيطان رواه البيهقي فى شعب الايمان مرفوعا عن انس ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قال البغوي اولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء واما اهل السنة يقولون الاستواء على العرش صفة لله تعالى بلا كيف يجب على الرجل الايمان به ويكل العلم فيه الى الله عز وجل سأل رجل مالك بن انس عن قوله تعالى الرحمن على العرش استوى كيف استوى فاطرق راسه مليا ثم قال الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أظنك الا ضالا ثم امر به فاخرج وروى عن سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعيد وسفيان بن عيينة وعبد الله وغيرهم من علماء اهل السنة فى هذه الآيات التي جاءت فى الصفات المتشابهة أمروها كما جاءت بلا كيف والعرش فى اللغة سرير الملك وهو جسم عظيم من عظائم المخلوقات كريم على الله

[سورة الأعراف (7) : آية 55]

تعالى لاختصاصه بانواع من التجليات ولذا سمى بعرش الرحمن وأضيف اليه تعالى تشريفا وتكريما كما أضيف اليه الكعبة وسمى بيت الله وقد ذكرنا بعض ما ورد فيه من الاخبار فى اية الكرسي فى سورة البقرة يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ اى يغطيه به ولم يذكر عكسه للعلم به او لان اللفظ يحتملهما وقال البغوي فيه حذف ويغشى النهار الليل ولم يذكر لدلالة الكلام عليه قرأ حمزة والكسائي وابو بكر ويعقوب يغشى بالتشديد هاهنا وفى سورة الرعد للدلالة على التكرير والباقون بالتخفيف يَطْلُبُهُ اى يعقبه فان أحدهما إذا كان يعقب الاخر ويخلفه فكانه يطلبه حَثِيثاً اى سريعا بلا مهلة وهو صفة مصدر محذوف اى طلبه حثيثا او حال من الفاعل بمعنى حاثا او المفعول بمعنى محثوثا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ اى مذللات بِأَمْرِهِ بقضائه وتصريفه قرأ ابن عامر برفع الاربعة على الابتداء والخبرية والباقون بنصب الثلاثة بالعطف على السموات ونصب مسخرات على الحال وكذلك فى سورة النحل أَلا لَهُ الْخَلْقُ جميعا لا خالق غيره وَالْأَمْرُ كله بيده يحكم ما يريد لا يجوز لاحد الاعتراض عليه قالت الصوفية المراد بالخلق والأمر عالم الخلق يعنى الجسمانية العرش وما تحته من السموات والأرض وما بينهما وأصولها العناصر الاربعة النار والهواء والماء والتراب ويتولد منها النفوس الحيوانية والنباتية والمعدنية وهى أجسام لطيفة سارية فى أجسام كثيفة وعالم الأمر يعنى المجردات من القلب والروح والسر والخفي والأخفى التي هى فوق العرش سارية فى النفوس الانسانية والملكية والشيطانية سريان الشمس فى المرآة سميت بعالم الأمر لان الله تعالى خلقها بلا مادة بامره كن قال البغوي قال سفيان بن عيينة فرق بين الخلق والأمر فمن جمع بينهما فقد كفر تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ اى تعالى الله بالوحدانية فى الالوهية وتعظم بالتفرد فى الربوبية مشتق من البركة بمعنى النماء والزيادة ومن لوازمه العظمة قيل معناه ان البركة يكتسب ويناول بذكره وعن ابن عباس رضى الله عنهما معناه قال جاء بكل بركة وقال الحسن البركة من عنده وقيل تبارك اى تقدس والقدس الطهارة وقيل تبارك الله تعالى اى باسمه تبرك فى كل شىء قال المحققون معنى هذه الصفة ثبت ودام بما لم يزل ولا يزال واصل البركة الثبوت ومنه البركة ويقال تبارك الله ولا يقال على الله المبارك والمبارك توفيقا على السمع. ادْعُوا رَبَّكُمْ يعنى اذكروه واعبدوه واسألوا منه حوائجكم تَضَرُّعاً حال من فاعل ادعوا اى ذوى تضرع او متضرعين تفعل من الضرع من ضرع الرجل ضراعة ضعف وذل فهو ضارع وضرع وتضرع

اظهر الضراعة فى القاموس ضرع اليه يثلث ضرعا محركة وضراعة خضع وذل واستكان وَخُفْيَةً قرأ ابو بكر بكسر الخاء والباقون بالضم اى ذوى إخفاء او مخفين فان الإخفاء دليل الإخلاص وابعد من الرياء اعلم ان الذكر مطلقا عبادة سواء كان جهرا إذا لم يخالطه الرياء او سرا عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول الله تعالى انا عند ظن عبدى بي وانا معه إذا ذكرنى فان ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى وان ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منهم متفق عليه فان هذا الحديث يفيد ذكر الجهر والخفي كليهما وزعم بعض الناس ان هذا الحديث يدل على افضلية الجهر من الخفي وليس بشئ إذ لا مزية لذكر الله عبده فى ملأ على ذكره إياه فى نفسه بل الأمر على العكس ويدرك ذوق هذا الكلام من ذاق كاس العشق وقوله تعالى فاذكروا الله كذكركم اباءكم او أشد ذكرا ليس فيه التشبيه فى الجهر بل فى إكثار الذكر ثم اجمع العلماء على ان الذكر سرا هو الأفضل والجهر بالذكر بدعة الا فى مواضع مخصوصة مسّت الحاجة فيها الى الجهر به كالاذان والاقامة وتكبيرات التشريق وتكبيرات الانتقال فى الصلاة للامام والتسبيح للمقتدى إذا ناب نائبة والتلبية فى الحج ونحو ذلك ذكر ابن الهمام فى حواشى الهداية ان أبا حنيفة أخذ فى تكبيرات التشريق بقول ابن مسعود انه كان يكبر من صلوة الفجر يوم عرفة الى صلوة العصر من يوم النحر الحديث رواه ابن ابى شيبة والصاحبان أخذا بقول على رضى الله عنه انه كان يكبر بعد الفجر يوم العرفة الى صلوة العصر من اخر ايام التشريق رواه ابن ابى شيبة وكذا روى محمد بن الحسن عن ابى حنيفة بسنده عنه فقال ابن الهمام من جعل الفتوى على قولهما فقد خالف مقتضى الترجيح فان الخلاف فيه مع رفع الصوت لا فى نفس الذكر والأصل فى الاذكار الإخفاء والجهر به بدعة فاذا وقع التعارض فى الجهر يرجح الأقل ويدل على كون ذاكر السر أفضل ومجمعا عليه من الصحابة من تبعهم قول الحسن ان بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا ولقد كان المسلمون يجتهدون فى الدعاء وما يسمع لهم صوتا ان كان الا همسا بينهم وبين ربهم وذلك ان الله سبحانه وتعالى يقول ادعوا ربكم تضرعا وخفية وان الله ذكر عبدا صالحا ورضى فعله فقال إذ نادى ربه نداء خفيا وايضا يدل على فضل الذكر الخفي حديث سعد بن ابى وقاص قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفى رواه احمد وابن حبان فى صحيحه والبيهقي فى شعب الايمان وحديث ابى موسى قال لما غزا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم خيبر اشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير فقال رسول الله صلى الله

عليه واله وسلم اربعوا «1» على أنفسكم انكم لا تدعون أصم ولا غائبا انكم تدعون سميعا قريبا رواه البغوي قلت هذا الحديث وان كان دالا على افضلية الذكر الخفي لكن قوله اربعوا على أنفسكم يدل على ان النهى عن الجهر والأمر بالإخفاء انما هو شفقة لا لعدم جواز الجهر أصلا وكذا حديث خير الذكر الخفي (فصل) اعلم ان الذكر على ثلثة مراتب أحدها الجهر ورفع الصوت بها وذلك مكروه اجماعا الا إذا دعت اليه داعية واقتضته حكمة فحينئذ قد يكون أفضل من الإخفاء كالاذان والتلبية ونحو ذلك ولعل الصوفية الچشتية قدس الله تعالى أسرارهم اختاروا الجهر للمبتدى لاقتضاء حكمة وهى طرد الشيطان ودفع الغفلة والنسيان وحرارة القلب واشتغال نائرة الحب بالرياضة ومع ذلك يشترط لذلك الاحتراز عن الرياء والسمعة ثانيها الذكر باللسان سرّا وهو المراد بقوله صلى الله عليه واله وسلم لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله رواه الترمذي وابن ماجة وروى احمد والترمذي قيل اى الأعمال أفضل قال ان تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله وعن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ان لله ملئكة يطوفون فى الطرق يلتمسون اهل الذكر فاذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا هلموا الى حاجتكم قال فيحفونهم بأجنحتهم الى سماء الدنيا قال فيسئلهم ربهم وهو اعلم بهم ما يقولون عبادى قال يقولون يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك قال فيقول هل رأونى قال فيقولون لا والله ما رأوك قال فيقول كيف لو رأونى قال فيقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدا واكثر لك تسبيحا قال فيقول فما يسئلون قالوا يسئلونك الجنة قال فيقول وهل رأوها قال فيقولون لا والله يا رب ما رأوها قال يقول فكيف لو رأوها قال يقولون لو انهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة قال فمم يتعوذون قال يقولون من النار قال فيقول فهل راوها قال يقولون لا والله يا رب ما رأوها قال يقول فكيف لو رأوها قال يقولون لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة قال فيقول فاشهدوا انى قد غفرت لهم قال يقول ملك من الملئكة فيهم فلان ليس بينهم انما جاء لحاجة قال هم الجلساء لا يشقى جليسهم رواه البخاري ومسلم نحوه وثالثها الذكر بالقلب والروح والنفس وغيرها الذي لا مدخل فيه للسان وهو الذكر الخفي الذي لا يسمعه الحفظة اخرج ابو يعلى عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لفضل الذكر الخفي الذي لا يسمعه الحفظة سبعون ضعفا إذا كان يوم القيامة وجمع الله الخلائق لحسابهم وجاءت

_ (1) اربعوا اى ارفقوا واقتصروا 12 النهاية

[سورة الأعراف (7) : آية 56]

الحفظة بما حفظوا وكتبوا قال لهم انظروا هل بقي له من شىء فيقولون ما تركنا شيئا مما علمناه وحفظناه الا وقد أحصيناه وكتبناه فيقول الله تعالى ان له حسنا لا تعلمه وأخبرك به هو الذكر الخفي قلت وهذا الذكر هو الذي لا انقطاع لها ولا فتور فيها إِنَّهُ تعالى لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ قيل المعتدين فى الدعاء كمن سأل منازل الأنبياء او الصعود الى السماء او دخول الجنة قبل ان يموت ونحو ذلك مما يستحيل عقلا او عادة او يسأل امور الا فائدة فيها معتدا بها روى البغوي بسنده من طريق ابى داود السجستاني عن ابى نعامة ان عبد الله بن مغفل يسمع ابنه يقول اللهم انى أسئلك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها فقال يا بنىّ سل الله الجنة وتعوذ به من النار فانى سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول انه سيكون فى هذه الامة قوم يعتدون فى الطهور والدعاء كذا روى ابن ماجة وابن حبان فى صحيحه وروى ابو يعلى فى مسنده من حديث سعد قوله صلى الله عليه واله وسلم سيكون قوم يعتدون فى الدعاء حسب المرأ ان يقول اللهم انى أسئلك الجنة وما قرب إليها من قول او عمل وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول او عمل قال ابو يعلى لا أدرى قوله وحسب المرأ ان يقول اللهم الى آخره هو من قول سعد او من قول النبي صلى الله عليه واله وسلم وقال عطية هم الذين يدعون على المؤمنين ما لا يحل فيقولون اللهم العنهم اللهم العنهم والبالغ فى هذا الاعتداء الروافض الذين يلعنون الصحابة وبعض اهل البيت وقال ابن جريج الاعتداء رفع الصوت والنداء بالدعاء والصياح لما مر فى حديث ابى موسى قوله صلى الله عليه واله وسلم اربعوا على أنفسكم انكم لا تدعون أصم ولا غائبا قلت الاعتداء التجاوز عن حدود الشرع فيعم جميع اقسام الاعتداء منها ما ذكر ومنها غير ذلك نحو ان يدعو ما فيه ثم او قطيعة رحم او يقول دعوت فلم يستجب لى او يدعوا الله بأسماء لم يرد الشرع بها او يدعو قائلا انه يستجاب له. وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالكفر والمعاصي والبغي والدعاء الى غير طاعة الله بَعْدَ إِصْلاحِها اى إصلاح الله سبحانه إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة والدعاء الى طاعة الله عز وجل وبالنهى عن الاعتداء فى الدعاء قال البغوي هذا معنى قول الحسن والسدى والضحاك والكلبي وقال عطية لا تعصوا فى الأرض فيمسك الله المطر ويهلك الحرث بمعاصيكم فعلى هذا معنى قوله تعالى بعد إصلاح الله تعالى إياها بالمطر والخصب وَادْعُوهُ خَوْفاً اى خائفين من رد الدعاء لقصور أعمالكم وعدم استحقاقكم وَطَمَعاً اى طامعين فى الاجابة تفضلا وإحسانا لفرط رحمة إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ

[سورة الأعراف (7) : آية 57]

مِنَ الْمُحْسِنِينَ ترجيح للطمع وتنبيه على ما يتوسل به الى الاجابة واشارة الى ان رد الدعاء من الكريم الجواد ليس الا لشوم أعمالكم وترك إحسانكم ذكر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الرجل يطيل السفر اشعث اغبر يمديده الى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فانّى يستجاب لذلك رواه مسلم والترمذي من حديث ابى هريرة وروى مسلم والترمذي عن ابى هريرة عنه صلى الله عليه واله وسلم قال لا يزال يستجاب العبد ما لم يدع بإثم او قطيعة رحم وما لم يستعجل قيل يا رسول الله وما الاستعجال قال يقول فلم أر تستجاب لى فيستحسر عند ذلك ويدع عند ذلك وروى احمد عن عبد الله بن عمرو ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قال القلوب اوعية وبعضها اوعى من بعض فاذا سألتم الله عز وجل ايها الناس فاسئلوه وأنتم موقنون بالاجابة فان الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل وعند الترمذي من حديث ابى هريرة نحوه فان قيل قد ذكرت انه لا يجوز لقائل ان يقول يستجاب دعاى البتة وقد ورد فى الحديث فاسئلوه وأنتم موقنون بالاجابة فكيف التوفيق قلت معنى أنتم موقنون فى الاجابة ان الله تعالى جواد كريم لا يتصور منه البخل وليس عدم الاجابة الا لاجل غفلتكم ومعصيتكم فالطمع فى الاجابة واليقين بها نظرا الى رحمته وجوده تعالى وعدم التيقن بالاجابة وخوف الرد لاجل شوم أنفسنا فلا منافاة وتذكير قريب لان الرحمة بمعنى الرحم الثواب فيرجع النعت الى المعنى او لانه صفة محذوف اى امر قريب او للاضافة الى المذكّر او على التشبيه بالفعيل الذي هو المصدر كالنقيض او للفرق بين القريب من النسب والقريب من غيره قال ابو عمرو بن العلا القريب يكون بمعنى القريب من حيث النسب ومن حيث المسافة فيقول العرب هذه امرأة قريبة منك إذا كانت بمعنى القرابة وقريب منك إذا كان بمعنى المسافة. وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي الريح على الوحدة والباقون على الجمع بُشْراً قرأ عاصم بالباء التحتانية الموحدة المضمومة واسكان الشين حيث وقع وهو تخفيف بشر بضم الشين جمع بشير يعنى انها تبشر بالمطر قال الله تعالى الرياح مبشرات وقرأ نافع وابن كثير وابو عمرو بالنون مضمومة وضم الشين جمع نشور حيث وقع بمعنى ناشر قال الله تعالى والناشرات نشرا............... .. ............... ............... ....... وقرأ حمزة والكسائي بالنون مفتوحة واسكان الشين حيث وقع على انه مصدر فى موضع الحال بمعنى ناشر او مفعول مطلق فان

الإرسال والنشر متقاربان بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ اى قدام نعمته يعنى المطر فان الصبا تثير السحاب والشمال تجمعه والجنوب تدره والدبور تفرقه عن ابى هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول الريح من روح الله يأتي بالرحمة والعذاب فاذا رايتموه فلا تسبوها واسئلوا الله خيرها واستعيذوا بالله من شرها رواه البخاري فى الأدب وابو داود والحاكم وصححه ورواه البغوي من طريق الشافعي وعبد الرزاق حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ اى حملت الرياح واشتقاقه من القلة فان المقل للشئ يستقله سَحاباً ثِقالًا بالماء جمعه لان السحاب بمعنى السحائب سُقْناهُ اى السحاب أفرد الضمير نظرا الى لفظه لِبَلَدٍ اى لاجله او لاحيائه او لسقيه وقيل معناه الى بلد مَيِّتٍ قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص بالتشديد والباقون بالتخفيف والمراد بالميت ما لا نبات فيه فَأَنْزَلْنا بِهِ اى بالبلد والباء للسببية او بالسحاب او بالسوق او بالريح والباء للالصاق الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ اى بالبلد او بالسحاب او بالسوق او بالريح او بالماء فاذا كان الضمير للبلد فالباء للظرفية والا فللسببية مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ اى كاخراج الثمرات او كاحياء البلد الميت نُخْرِجُ الْمَوْتى من القبور لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فتستدلون بقدرته تعالى على خلق ما خلق فى الدنيا على قدرته على إعادة ما يريد إعادته فى الاخرة قال البغوي قال ابو هريرة وابن عباس إذا مات الناس كلهم بالنفخة الاولى أرسل الله عليهم مطرا كمنى الرجال من ماء تحت العرش يدعى ماء الحيوان فينبتون فى قبورهم نبات الزرع حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيهم الروح ثم يلقى عليهم نومة فينامون فى قبورهم ثم يحشرون بالنفخة الثانية وهم يجدون طعم النوم فى رؤسهم وأعينهم فعند ذلك يقولون يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا وفى الصحيحين عن ابى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ما بين النفختين أربعون قالوا يا أبا هريرة أربعون يوما قال أبيت قالوا أربعون شهرا قال أبيت قالوا أربعون عاما قال أبيت ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل وليس من الإنسان شىء الا يبلى الا عظما واحدا وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة واخرج ابن ابى داود فى البعث هذا الحديث وفيه بين النفختين أربعون عاما فيمطر الله فى تلك الأربعين واخرج ابن ابى حاتم عن ابن عباس قال يسيل واد من اصل العرش من ماء فيما بين الصيحتين ومقدار ما بينهما أربعون عاما فينبت منه كل خلق بلى من الإنسان او طير او دابة ولو مر عليهم مارّ قد عرفهم قبل ذلك لعرفهم على وجه الأرض فينبتون ثم ترسل الأرواح فتزوج

[سورة الأعراف (7) : آية 58]

بالأجساد فذلك قول الله تعالى فاذا النفوس زوجت واخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير نحوه قال الحليمي اتفقت الروايات على ان بين النفختين أربعون سنة كذا اخرج ابن المبارك عن الحسن مرسلا. وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يعنى الأرض الكريمة التربة يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ بمشيته وتيسيره وهو فى موضع الحال عبر به عن كثرة نباته وحسنه وجلالة نفعه كما يدل عليه ما يقابله فكانه قال يخرج نباته حسنا وافيا بإذن ربه وَالبلد الَّذِي خَبُثَ يعنى الأرض الخبيثة السبخة والحرة او نحو ذلك لا يَخْرُجُ نباته فحذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه فصار مرفوعا مستترا إِلَّا نَكِداً الا قليلا لا منفعة فيه فى القاموس النكد بالضم قلة العطاء وبفتح وعطاء منكود قليل يقال نكد عيشهم كفرح اشتد وعسر والبير قل ماءها ونكد زيد حاجة عمرو منعه إياه وفلانا منعه ما ساله او لم يعطه الا اقله ورجل نكد شوم عسر كَذلِكَ اى تصريفا مثل ذلك التصريف نُصَرِّفُ الْآياتِ نرددها ونكررها لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ نعمة الله وهم المؤمنون لما كانت الآيات السابقة لبيان كمال قدرته تعالى على ما أراد وعموم فيضه ورحمته عقبها بهذه الاية لبيان تفاوت الاستعدادات فى قبول الفيض من المبدأ الفياض ليظهر ان النقصان انما هو من جهة المتأثر كما ان نبات الأرض يتفاوت بتفاوت استعداد الأرض مع اتحاد فيضان المطر كذلك تصريف الآيات ونصب الدلايل وبعث الرسل وان كان رحمة للعالمين عامة لكن الانتفاع بها مختص بالمؤمنين الشاكرين فانهم لحسن استعداداتهم المستفادة من ظلال اسم الله الهادي يهتدون بها ويتفكرون فيها ويعتبرون بها روى الشيخان فى الصحيحين عن ابى موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكانت منها طايفة طيبة قبلت الماء فانبتت الكلاء والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا وأصاب منها طايفة اخرى انما هى قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه فى دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك راسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به. لَقَدْ أَرْسَلْنا جواب قسم محذوف اى والله لقد أرسلنا ولا تكاد تطلق هذا اللام الا مع قد لانها مظنة التوقع فان المخاطب إذا سمعها توقع وقوع ما صدر بها نُوحاً إِلى قَوْمِهِ وهو نوح بن لامك وقيل لمك بن متثولخ وامه عونة وقيل قينوس بنت براليك بن قشولخ وعند بعضهم متوشخ بن خنوخ وقيل أخنوخ وهو إدريس عليه السلام

وهو أول نبى خط بالقلم ابن مهليل وقيل مهلائيل بن قينن وقيل قينان وقيل قانن بن انوش وقيل مانيش بن شيث عليه السلام بن آدم عليه السلام وفى المستدرك عن ابن عباس قال كان بين آدم ونوح عشرة قرون كذا روى الطبراني عن ابى ذر مرفوعا ومما ذكرنا من سلسلة النسب يظهر ان نوحا بعد إدريس عليهما السلام كذا ذكر البغوي واسم نوح سكن لان الناس سكنوا اليه بعد آدم وقيل اسمه شاكر وقيل يشكر وذكر السيوطي فى الإتقان نقلا عن المستدرك للحاكم ان اسمه عبد الغفار واكثر الصحابة على انه قيل إدريس وانما سمى نوحا لكثرة نوحه على نفسه وقومه قيل كان نوحه لهول القيامة وقيل انه راى كلباسئ المنظر فقال له زنم إقليما اى كلب السوء فانطقه الله تعالى وقال العيب منى او من خالقى فلما سمعه من الكلب أغمي عليه فلما أفاق كثر النوح على نفسه وذكر البغوي انه مر بكلب مجذوم فقال اخسأ يا قبيح فاوحى الله تعالى اعبتنى أم عبت الكلب وقيل ناح لدعوته على قومه بالهلاك وقيل لمراجعة ربه فى شان ابنه كنعان والله اعلم بعث الله تعالى نوحا وهو ابن أربعين سنة كذا قال ابن عباس فى المستدرك عنه مرفوعا بعث الله نوحا وهو ابن أربعين سنة فلبث فى قومه الف سنة الا خمسين عاما يدعوهم وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا وقيل بعث وهو ابن خمسين سنة وعاش بعد الطوفان اربعمائة وخمسين فجميع عمره الفا واربعمائة وخمسين وقيل بعث وهو ابن اربعمائة وخمسين او ستين كذا فى شرح خلاصة السير وقيل بعث وهو ابن مائتى وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان مائتى وخمسين سنة وكان عمره الفا واربع مائة وخمسين سنة وقال مقاتل بعث وهو ابن مائة سنة وذكر ابن جرير ان تولد نوح كان بعد وفاة آدم بثمانمائة وستة وعشرين سنة قلت فعلى هذا وفاة نوح من بدو خلق آدم بعد الفين وثمانمائة وست وخمسين سنة لما فى الحديث ان آدم عمره الف سنة الا أربعين عاما التي وهبها لابنه داود عليهم السلام كما سيذكر فى حديث فى قصة إخراج ذرية آدم من صلبه وفى تهذيب النووي انه أطول الأنبياء عمرا فَقالَ نوح لقومه يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحده ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قرأ ابو جعفر والكسائي بخفض غيره حملا على لفظ الا له إذا كان قبله جارة حيث وقع ووافقها حمزة فى سورة فاطر هل من اله غير الله والباقون بالرفع حملا على المحل كانه قيل ما لكم اله غيره فلا تعبدوا معه غيره إِنِّي قرأ نافع وابن كثير وابو عمرو بفتح الياء والباقون بإسكانها أَخافُ عَلَيْكُمْ ان لم تعبدوا الله وحده عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ

[سورة الأعراف (7) : آية 60]

اى يوم القيامة او يوم الطوفان. قالَ الْمَلَأُ اى الاشراف فانهم يجتمعون على رأى فيملأون العيون رواء والنفوس جلالة مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ اى زوال عن الحق مُبِينٍ بين. قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ لم يقل ضلال حتى يكون ابلغ فى نفى الضلال عن نفسه اى ليس فى شىء من الضلال وبالغ فى النفي لما بالغوا فى الإثبات وعرض لهم به يعنى بل أنتم فى ضلال عن الحق وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ استدراك لتاكيد نفى الضلال لان كونه رسولا من الله مبلغا لرسالاته فى معنى كونه على أقصى الغايات من الهدى والصراط المستقيم. أُبَلِّغُكُمْ قرأ ابو عمرو بالتخفيف من الإبلاغ والباقون بالتشديد من التبليغ حيث كان رِسالاتِ رَبِّي جمع الرسالات لاختلاف أوقاتها او لتنوع معانيها كالعقائد والمواعظ والاحكام او لان المراد بها ما اوحى اليه والى الأنبياء كصحف شيث وإدريس عليهم السلام قوله أبلغكم كلام مستانف لبيان كونه رسولا من الله وَأَنْصَحُ لَكُمْ النصح تحرى قول او فعل فيه صلاح وخير لصاحبه قال البغوي ان يريد لغيره من الخير ما يريد لنفسه وهو متعدى بنفسه وباللام لكن فى زيادة اللام دلالة على إمحاض النصح لهم وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ اى ذاته وقدرته على الثواب والعذاب وهذه بطشة بحيث لا يطاق من أحد رده او من جهته بالوحى ما لا تَعْلَمُونَ اى أشياء لا علم لكم بها. أَوَعَجِبْتُمْ الهمزة للانكار والواو للعطف على محذوف يعنى أكذبتمونى وعجبتم من أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ قال ابن عباس موعظة وقيل بيان وقيل رسالة عَلى رَجُلٍ اى منزلا على رجل مِنْكُمْ اى من جملتكم او من جنسكم فانهم كانوا يتعجبون من إرسال الله تعالى البشر ويقولون لو شاء الله لانزل ملئكة ما سمعنا بهذا فى ابائنا الأولين لِيُنْذِرَكُمْ اى ليخوفكم عاقبة الكفر والمعاصي وَلِتَتَّقُوا من عذاب الله الموعود على الكفر والمعاصي بسبب الانذار وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ بالتقوى أورد حرف الترجي للدلالة على ان التقوى غير موجب للترحم بل الترحم من الله تفضل وان المتقى لا ينبغى ان يعتمد على تقواه ولا يأمن من عذاب الله اخرج ابو نعيم عن على رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ان الله تعالى اوحى الى نبى من أنبياء بنى إسرائيل قل لاهل طاعتى من أمتك ان لا يتكلوا على أعمالهم فانى لا انا صب عند الحساب يوم القيامة أشاء ان أعذبه الا عذبته قل لاهل معصيتى من أمتك لا تلقوا بايديكم فانى اغفر الذنوب العظيمة و

[سورة الأعراف (7) : آية 64]

لا أبالي. فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ يعنى نوحا من الطوفان وَالَّذِينَ مَعَهُ وهم أربعون رجلا وأربعون امرأة وقيل ثمانية وقيل عشرة وقيل اثنان وسبعون وقيل ثلثة بنيه سام وحام ويافث وثلث أزواجهم وقيل ثلثة ابنائه وستة من أمن به فِي الْفُلْكِ متعلق بمعه او بانجينا او حال من الموصول او الضمير فى معه وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا بالطوفان إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ اى كفارا عميت قلوبهم عن معرفة الله وعن ادراك الحق حقا والباطل باطلا أصله عميين فخفف. وَإِلى عادٍ قبيلة وهم عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح وهو عاد الاولى أَخاهُمْ فى النسب لا فى الدين عطف على نوحا الى قومه هُوداً عطف بيان لاخاهم وهو هود بن عبد الله بن رياح بن الخلود بن عاد بن عوص المذكور وقال ابن اسحق هو ابن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح قال الشيخ ابو بكر فى شرح خلاصة السير أن هودا عليه السلام اسمه عابر بفتح الباء الموحدة وقيل بكسرها على وزن ناصر وقيل عيبر بالعين المفتوحة والياء التحتانية المثناة الساكنة والباء الموحدة المفتوحة وقيل بالغين المعجمة بدل المهملة ابن شالخ بن قينان بن ارفخشد بن سام بن نوح عليه السلام كذا فى جميع التواريخ والأنساب الا ما شذ عن بعض ان هودا هو هود بن خالد بن الخلود بن العيص بن العمليق بن عاد بن عوض بن ارم بن سام والله اعلم وأم هود مكعبة بنت عويلم بن سام بن نوح وكان نور النبي صلى الله عليه واله وسلم ساطعا فى جبين هود فلما رأوا ذلك النور فى جبينه قالوا ان هذا رجل تعبد الله تعالى وحده وتكسر الأصنام وعظموه ولم يكن بعده نبى مائة سنة الى زمان صالح عليه السلام وكان ذلك الزمان ملوك وأقوام يعبدون الأصنام وبعضهم يعبدون الشمس وآخرون يعبدون النار الى ان بعث الله صالحا عليه السلام الى ثمود وكان هود على شريعة نوح عليهما السلام وبلغ من العمر اربعمائة سنة وقيل اربعمائة وستين سنة وفى التاريخ الشامي انه قال ابن حبيب انه عاش مائة وأربعا وثلثين سنة وقال ابن الكلبي اربعمائة وثلثا وستين وامه مرجانة وكانت من الطاهرات وقبره بحضرموت وقيل بمكة انتهى كلام الشيخ ابى بكر قال البغوي روى عن على ان قبر هود بحضرموت فى كثيب احمر وقال عبد الرحمن بن سابط بين الركن والمقام وزمزم قبر تسعة وتسعين نبيا وان قبر هود وصالح وشعيب فى تلك البقعة ويروى ان نبيّا من الأنبياء إذا هلك قومه جاء هو والصالحون معه الى مكة يعبدون الله فيها حتى يموتوا والمراد بالأخ على ما ذكر ابن اسحق فى نسب هود وذكر الشيخ ابو بكر واحدا من جنسهم وانما جعل منهم لانهم افهم لقوله واعرف بحاله

[سورة الأعراف (7) : آية 66]

وارغب فى اقتفائه قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحده ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ استأنف به ولم يعطف كما فى قصة نوح حيث قال فقال كانه جواب سائل قال فما قال لهم حين أرسل وكذلك جوابهم أَفَلا تَتَّقُونَ عذاب الله وكان قومه اقرب من قوم نوح. قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ وصف الملأ بالذين كفروا للتقييد فان من اشراف قوم هود من أمن به منهم مرتد بن سعد ولم يكن فى اشراف قوم نوح مؤمن إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ اى خفة عقل حيث نهجر دين قومك وتدعى امرا مستحيلا يعنى رسالة الله تعالى جعلت السفاهة ظرفا مجازا يعنى انك متمكن فيها غير منفك عنها وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ فى ادعائك الرسالة. قالَ هود يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ فيما أدعوكم اليه أَمِينٌ على الرسالة ذكر هاهنا صيغة اسم الفاعل لقولهم انا لنظنك من الكاذبين ليقابل الاسمية الاسمية قال الكلبي معناه كنت فيكم قبل اليوم أمينا فلا وجه لكم لسوء الظن فىّ بالكذب وفى اجابة الأنبياء الكفرة عن كلماتهم المسبّة بالحلم وحسن الأدب والاعراض عن مقابلتهم بمثل ما قالوا مع علمهم بان خصومهم أضل الناس وأسفهم كمال النصح والشفقة وهضم النفس وحسن المجادلة وجذب القلوب الى الهداية واخبار الله تعالى ذلك تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء أكذبتمونى. وَعَجِبْتُمْ من أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ إهلاك قَوْمِ نُوحٍ فى الأرض وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً اى طولا وقوة قال الكلبي والسدى كانت قامة الطويل منهم مائة ذراع وقامة القصير منهم سبعون ذراعا وقال ابو حمزة اليماني سبعون ذراعا وعن ابن عباس ثمانون ذراعا وقال مقاتل كان طول كل رجل اثنا عشر ذراعا قال وهب كان راس أحدهم مثل القبة العظيمة وكان عين الرجل ليفرخ فيه الضباع وكذلك مناخرهم فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ اى نعمه واحدها الىّ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ اى لكى يفضى بكم ذكر النعمة شكرها المودي الى الفلاح. قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا من الأصنام ومعنى المجيء اما المجيء من مكان اعتزل من قومه او من السماء على التهكم او القصد على المجاز كقولهم ذهب يسبنى فَأْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب المدلول عليه فى قوله أفلا تتقون او يكون مذكورا صريحا فى كلامه عليه السلام إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فيه. قالَ هود قَدْ وَقَعَ

[سورة الأعراف (7) : آية 72]

عَلَيْكُمْ اى قد وجب او حق عليكم او نزل عليكم على ان المتوقع المعلوم كالواقع مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ اى عذاب مشتق من الارتجاس وهو الاضطراب وقيل السين مبدلة من الزاء وفى الصحاح رجس ورجز الصوت الشديد وَغَضَبٌ اى ارادة انتقام أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ اى أشياء مسميات سَمَّيْتُمُوها الهة يعنى الأصنام او يقال فى اسماء سميتموها لا حقيقة لها وليس تحتها مسميات كما تقول الفلاسفة بالعقول العشرة واهل الهند ديبى وبهواني ونحو ذلك يزعمون الأصنام حاكية عنها او يزعمونها حالة الأصنام أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ بدل من الضمير المرفوع فى سميتموها ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ من حجة وبرهان تدل على انها الهة او مستحقة للعبادة ومبنى هذا القول انهم كانوا يعتقدون لوجود الله سبحانه وكونه خالقا للسموات والأرض وكانوا يزعمون الأصنام شركاء لله فى الالوهية والخالقية او فى استحقاق العبادة لكونها شفعاء عند الله فقال نبى الله صلى الله عليه واله وسلم هذا الذي تزعمون امر لا دليل عليه انما هو من مخترعاتكم او مخترعات ابائكم الجهال فَانْتَظِرُوا نزول العذاب الذي وعدتكم وتطلبونه إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ كذلك. فَأَنْجَيْناهُ يعنى هودا من العذاب الذي نزل بقومه وَالَّذِينَ مَعَهُ فى الدين يعنى المؤمنين به بِرَحْمَةٍ مِنَّا عليهم وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا الدابر الأصل او الكائن خلف الشيء وقطع الدابر عبادة عن الاستيصال وإهلاك كلهم بحيث لا يبقى منهم أحد وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ تعريض بمن أمن منهم وتنبيه على ان الفارق بين من نجا ومن هلك هو الايمان وقصة عاد على ما ذكر محمد ابن اسحق وغيرهم انهم كانوا ينزلون اليمن وكانت مساكنهم بالأحقاف وهى رمال بين عمان وحضرموت وكانوا قد أفسدوا فى الأرض كلها وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي أتاهم الله عز وجل وكانوا اصحاب أوثان يعبدونها يقال لها صدا وسمود والهبا فبعث الله تعالى إليهم هودا عليه السلام نبيا وهو من أوسطهم نسبا وأفضلهم حسبا فامرهم ان يوحدوا الله ويكفوا عن ظلم الناس ولم يأمرهم بغير ذلك فكذبوه وقالوا من أشد منا قوة بنوا المصانع وبطشوا بطشة الجبارين فلما فعلوا ذلك امسك الله عنهم المطر ثلث سنين حتى جهدهم ذلك وكان الناس فى ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء وطلبوا منه الفرج انابوا الى الله عز وجل عند بيته الحرام بمكة مسلمهم ومشركهم فيجتمع بمكة ناس كثير مختلفة الأديان كلهم معظمين لمكة واهل مكة يومئذ العماليق أبناء عمليق بن لاود بن سام بن نوح وكان

سيدهم معاوية بن بكر وكانت أم معاوية كلهدة بنت الخير رجل من عاد فلما قحط المطر عن عاد وجهدوا قالوا جهزوا وفدا منكم الى مكة فليستقر لكم فبعثوا له قيل بن عنز ويقيم بن هزال بن هزيل وعتيل بن ضد بن عاد الأكبر ومرثد بن سعد بن عفير وكان مسلما يكتم إسلامه وجثيمة بن الجيثر خال معاوية بن بكر ثم بعثوا لقمان بن عاد الأصغر بن هاد الأكبر فانطلق كل رجل من هؤلاء ومعه رهط من قومه حتى بلغ عدة وفدهم سبعين رجلا فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر وكانوا أخواله واصهاره فاقاموا عنده شهرا يشربون الخمر ويغنيهم الجرادتان «1» قينتا لمعاوية بن بكر فكان مسيرهم شهرا ومقامهم شهرا فلما راى معاوية بن بكر طول مقامهم وقد بعثهم قومهم يتغوثون بهم من البلاء الذي أصابهم شق ذلك عليه وقال هلك أخوالي واصهارى وهؤلاء مقيمون عندى وهم ضيفى والله ما أدرى كيف اصنع بهم استحيى ان أمرهم بالخروج الى ما بعثوا اليه فيظنون انى ضيق من مقامهم وقد هلك من ورائهم من قومهم جهدا وعطشا فشكا ذلك من أمرهم الى فينته «2» الجرادتين فقالتا قل شعرا نغنيهم لا يدرون من قاله لعل ذلك يحركهم فقال معاوية بن بكر شعر الا يا قيل ويحك قم فهينم ... لعل الله يسقينا غماما فيسقى ارض عاد ان عادا ... قد امسوا ما يبيتون الكلاما من العطش الشديد فليس نرجوا ... به الشيخ الكبير ولا الغلاما وقد كانت نسائهم بخير ... فقد امست نسائهم غياما «3» وان الوحش يأتيهم جهارا ... ولا يخشى لعادى سهاما وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم ... نهاركم وليلكم التماما فقبح وفدكم من وفد قوم ... ولا لقوا التحية والسلاما فلما غنتهم الجرادتان بهذا قال بعضهم لبعض يا قوم انما بعثكم قومكم يتغوثون بكم من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم فادخلوا هذا الحرم فاستسقوا لقومكم فقال مرثد بن مسعود بن عفير وكان قد أمن بهود عليه السلام سرا انكم والله لا تسقون بدعائكم ولكن ان أطعتم نبيكم وتبتم الى ربكم سقيتم فاظهر اسلام عند ذلك فقال شعر

_ (1) فى النهاية الجرادتان هما مغنيتان كانتا بمكة فى الزمن الاول مشهورتان بحسن الصوت والغناء 12 (2) القينة المغنية 12 (3) الغيمة شدة العطش نهاية 12

عصت عاد رسولهم فامسوا ... عطاشا ما يبلهم السماء لهم صنم يقال له صمود ... يقابله صداء والهباء فبصرنا الرسول سبيل رشد ... فابصرنا الهدى وحلى العماء وان اله هود هو الهى ... على الله التوكل والرجاء فقالوا لمعاوية بن بكر احبس عنا مرثد بن سعد فلا يقد من معنا مكة وخرج مرثد بن سعد من منزل معاوية حتى أدركهم قبل ان يدعوا الله فيجابوا بشر مما خرجوا له فلما انتهى إليهم قام يدعوا الله ووفد عاد يدعون فقال اللهم أعطني سوالى وحدي ولا تدخلنى فى شىء مما يدعوك به وفد عاد وكان قيل بن عنز راس وفد عاد فقال وفد عاد اللهم أعط قيلا ما سألك واجعل سوء لنا مع سؤله وقد كان تخلف عن وفد عاد حين دعوا لقمان بن عاد وكان سيد عاد حتى إذا فرغوا من دعوتهم قام فقال اللهم انى جئتك وحدي فى حاجتى فاعطنى سؤلى وسأل الله طول العمر فعمر عمر سبعة أنسر وقال قيل بن عنز حين دعايا الهنا ان كان هود صادقا فاسقنا فانا قد هلكنا فانشأ الله سحائب ثلثا بيضاء وحمراء وسوداء ثم ناداه مناد من السحاب يا قيل اختر لنفسك وقومك من هذا السحائب فقال قيل اخترت السحابة السوداء فانها اكثر السحاب ماء فناداه مناد اخترت رمادا رمدا لا يبقى من ال عاد أحد وساق الله السحابة السوداء التي اختارها قيل بما فيها من النقمة الى عاد حتى خرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيث فلما رأوها استبشروا وقالوا هذا عارض ممطرنا يقول الله عز وجل بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب اليم تدمر كل شىء بامر ربها اى كل شىء مرت به وكان من ابصر ما فيها وعرف انها ريح مهلكة امرأة من عاد يقال لها مهدر فلما تبينت ما فيها صاحت ثم ضعفت فلما أفاقت قالوا لها ماذا رأيت قالت رأيت ريحا فيها كشهب النار امامها رجال يقودونها فسخر الله عليهم سبع ليال وثمانية ايام حسوما فلم تدع من عاد أحدا الا هلك واعتزل هود ومن معه من المؤمنين فى حظيرة «1» ما يصيبه ومن معه من الريح الا ما يلين عليه الجلود وتلتذ الأنفس وانها لتمر من عاد بالظعن «2» فتحملهم بين السماء والأرض فتدمغهم بالحجارة وخرج وفد عاد من مكة

_ (1) حظيرة الموضع الذي يحاط عليه لتاوى اليه الغنم والإبل يقيها البرد والحرّة نهايه 12 (2) الظعينة الراحلة التي ترحل ويقال للهودج وللمرأة 12

[سورة الأعراف (7) : آية 73]

حتى مروا بمعاوية بن بكر فنزلوا عليه فبينما هم عنده إذا قبل رجل على ناقته فى ليلة مقمرة هى ثالثة من مصاب عاد فاخبرهم الخبر فقالوا له فاين فاين فارقت هود وأصحابه فقال فارقتهم بساحل البحر فكانهم شكّوا فيما حدثهم به فقالت هرملة بنت بكر صدق ورب مكة وذكروا ان مرثد بن سعد ولقمان بن عاد وقيل بن عنز حين دعوا بمكة قيل لهم قد أعطيتم مناكم فاختاروا لانفسكم الا انه لا سبيل الى الخلود ولا بد من الموت فقال مرثد اللهم أعطني صدقا وبرا فاعطى ذلك وقال لقمان أعطني يا رب عمرا فقيل له اختر فاختار عمر سبعة أنسر وكان يأخذ الفرخ حين يخرج من بيضة فياخذ الذكر منها لقوته حتى إذا مات أخذ غيره فلم يزل يفعل ذلك حتى اتى على السابع وكان كل نسر يعيش ثمانين سنة وكان آخرها لبد فلما مات لبد مات لقمان معه واما قيل فانه قال اختار ان لقنى ما أصاب قومى فقيل له انه الهلاك فقال لا أبالي لا حاجة فى البقاء بعدهم فاصابه الذي أصاب عادا من البلاء والعذاب فهلك قال السدى فبعث الله على عاد الريح العقيم فلما دنت منهم نظروا الى الإبل والرجال تطيرهم الريح بين السماء والأرض فلما رأوها تبادروا البيوت فدخلوها وأغلقوا أبوابهم فجاءت الريح فقلعت أبوابهم فدخلت عليهم فاهلكتهم فيها ثم أخرجتهم عن البيوت فلما اهلكهم الله أرسل عليهم طيرا سوداء فحملتهم الى البحر فالقتهم فيه وروى ان الله تعالى امر الريح فامالت عليهم الرمال فكانوا تحت الرمل سبع ليال وثمانية ايام لهم انين تحت الرمل ثم امر الريح فكشفت عنهم الرمال فاحتملتهم ورمت بهم فى البحر ولم يخرج ريح قط الا بمكيال الا يومئذ فانها عتت على الخزنة فغلبتهم فلم يعلموا كم كان مكيالها. وَإِلى ثَمُودَ قبيلة اخرى من العرب أبناء ثمود بن عاثر بن ارم بن سام قال ابو عمرو بن العلا سميت ثمود نقلة مائها وثمد الماء القليل وكان مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام الى واد القرى أَخاهُمْ فى النسب لا فى الدين صالِحاً عليه السلام عطف بيان وهو صالح بن عبيد بن أسف بن ماسح وقيل بن رباح بن عبيد بن حاذر بن ثمود قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ حجة ظاهرة الدلالة على صدقى لكونها معجزة مِنْ رَبِّكُمْ كانه قيل ما تلك البينة فقال استينافا هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ أضافها اليه تعالى لتعظيمها ولانها جاءت فى الوجود من الله تعالى بلا وسائط الأسباب المعهودة ولذلك كانت اية مبتدأ او خبر وجاز ان يكون ناقة الله بدلا او عطف بيان والخبر لَكُمْ آيَةً نصب على الحال والعامل فيها

[سورة الأعراف (7) : الآيات 74 إلى 75]

معنى الاشارة على تقدير كون ناقة الله خبرا وعلى التقدير الثاني لكم عامل فيه فَذَرُوها يعنى الناقة تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ العشب «1» وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ نهى عن المس الذي هو مقدمة الاصابة بالسوء الجامع لانواع الأذى مبالغة فى النهى وازاحة للعذر فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ جواب للنهى. وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ اسكنكم الله تعالى فِي الْأَرْضِ ارض حجر تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها اى تبنون فى سهول الأرض او سهولة الأرض بما تعملون منها كاللبن والاجر قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ اى تثقبون فى الجبال وتجعلونها بُيُوتاً كانوا يسكنون فى الصيف فى بيوت الطين وفى الشتاء فى بيوت الجبال المنقورة فانتصاب بيوتا على المفعولية لتضمين تنحتون معنى تجعلون وجاز ان يكون منصوبا على الحال المقدرة كما فى قوله خطت هذا الثوب قميصا فان الجبل لا يكون بيتا حال التحت ولا الثوب قميصا حال الخياطة فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا العثو أشد الفساد فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ قالَ الْمَلَأُ قرأ ابن عامر وقال الملأ بالواو والباقون بلا واو. الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ يعنى الاشراف والقادة الذين يتعظمون عن الايمان بصالح عليه السلام لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا يعنى الاتباع الذين استضعفوهم لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بدل من الذين استضعفوا بدل الكل ان كان الضمير لقومه وبدل البعض ان كان للذين أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالوه استهزاء قالُوا يعنى المؤمنين المستضعفين إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ عدلوا عن قولهم نعم للاشعار بان كونه مرسلا ليس مما يشك فيه عاقل او يخفى على ذى راى. قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ على المقابلة ووضعوا أمنتم به موضع أرسل به ردا لما جعلوا معلوما مسلّما. فَعَقَرُوا النَّاقَةَ اى نحروها قال الأزهري العقر هو قطع عرقوب «2» البعير ثم جعل النحر عقرا لان الناد من البعير يعقر ثم ينحر وفى القاموس العقر الجرح واثر فى قوائم الفرس والإبل وفى الصحاح عقر الدار والحوض أصلها ومنه عقرت النخل قطعته من أصلها وعقرت البعير نحرته أسند العقر الى جميعهم وان كان العاقر قذار بن سالف لانه كان برضاهم وقد كان قذار احمر ازرق قصيرا كما كان

_ (1) العشب كلا الرطب 12 [.....] (2) هو الوتر الذي خلف الكعبين من مفصل القدم والساق من ذوات الأربع وهى من الإنسان موضع العقب 12

[سورة الأعراف (7) : آية 79]

فرعون كذلك قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لعلى أشقى الأولين عاقر ناقة صالح وأشقى الآخرين قاتلك وَعَتَوْا العتو الغلو فى الباطل يقال عتى يعتوا عتوا إذا استكبر فى القاموس عتوا وعتيا وعتيا استكبر وجاوز الحد والمعنى استكبر عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ اى عن امتثاله وهو ما بلغهم صالح عليه السلام بقوله فذروها وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ اى زلزلة الأرض وحركتها واهلكوا بالصيحة والرجفة فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ قيل أراد الدنيا وقيل أراد ارضهم وبلدتهم ولذلك وحد الدار جاثِمِينَ خامدين ميتين فى القاموس جثم الطائر والإنسان لزم مكانه فلم يبرح وقيل معناه ميتين قعودا يقال الناس جثم اى قعود لا حراكة بهم ولا يتكلمون قيل سقطوا على وجوههم موتى عن آخرهم. فَتَوَلَّى اى اعرض عَنْهُمْ صالح وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ فان قيل كيف خاطبهم بقوله أبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم بعد ما اهلكوا بالرجفة قيل كما خاطب النبي صلى الله عليه واله وسلم قتلى بدر بعد ما القوا فى القليب روى الشيخان فى الصحيحين عن ابى طلحة انه قال لما كان من يوم بدر الثالث امر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم براحلة فشد عليها رحلها ثم مشى ومعه أصحابه وقالوا ما نرى لينطلق الا لبعض حاجته حتى قام على سفير القليب فجعل يناديهم يا أبا جهل بن هشام ويا امية بن خلف يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة أيسركم انكم أطعتم الله ورسوله هل وجدتم ما وعد الله ورسوله حقا فانى وجدت ما وعدني ربى حقا بئس عشيرة التي كنتم لنبيكم كذبتمونى وصدقنى الناس وقاتلتمونى ونصرنى الناس فجزاكم الله عنى من إصابة شرا خوفتمونى أمينا وكذبتمونى صادقا فقال عمر يا رسول الله أتناديهم بعد ثلث كيف تكلم أجسادا لا روح فيها فقال ما أنتم باسمع لما أقول منهم انهم الان يسمعون ما أقول لهم غير انهم لا يستطيعون ان يردوا علينا شيئا وقيل خاطبهم ليكون عبرة لمن خلفهم وقيل فى الاية تقديم وتأخير تقديرها فتولى عنهم فقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربى الاية فاخذتهم الرجفة وكان قصة ثمود على ما ذكره محمد بن إسحاق ووهب وغيرهما كذا اخرج ابن جرير والحاكم من طريق حجاج عن ابى بكر بن عبد الله عن شهر بن حوشب عن عمرو بن خارجة عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ان عادا لما أهلكت عمّرت ثمود

بلادهم وخلفوهم وكثروا وعمّروا حتى جعل أحدهم يبنى المسكن من المدر فينهدم والرجل حىّ فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتا وكانوا فى سعة من معاشهم فعتوا وأفسدوا فى الأرض وعبدوا غير الله فبعث الله إليهم صالحا وكانوا قوما عربا وكان صالح من أوسطهم نسبا وأفضلهم حسبا وموضعا فبعثه الله إليهم غلاما شابا فدعاهم الى الله عز وجل حتى شمط «1» لا يتبعه منهم الا قليل مستضعفون فلما ألح عليهم صالح بالدعاء والتبليغ واكثر لهم التحذير والتخويف سألوه ان يريهم اية تكون مصداقا لما تقول فقال لهم اى اية تريدون قالوا تخرج معنا غدا الى عيدنا وكان لهم عيد يخرجون فيه بأصنامهم فى يوم معلوم من السنة فتدعو إلهك وندعوا الهتنا فان استجيب لك اتبعناك وان استجيب لنا تتبعنا فقال لهم صالح نعم فخرجوا باوثانهم الى عيدهم وخرج صالح معهم فدعوا أوثانهم وسألوها ان لا يستجاب لصالح فى شىء مما يدعو به ثم قال جندع بن عمرو بن جواس وهو يومئذ سيد ثمود يا صالح اخرج لنا من هذه الصخرة لصخرة منفردة فى ناحية الحجر يقال لها الكاثبة ناقة مخترجة جوفاء وبراء عشراء والمخترجة ما شاكلت البخت من الإبل فان فعلت صدقناك وأمنا بك فاخذ عليهم صالح مواثيقهم لئن فعلت لتصدقنتى ولتؤمنن بي قالوا نعم فصلى صالح ركعتين دعا ربه فتمخضت «2» الصخرة تمخض النتوج بولدها ثم تحركت الهضبة فانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وو براء كما وصفوا لا يعلم ما بين جنبيها الا الله تعالى عظ وهم ينظرون ثم نتجت ولدا مثلها فى العظم فامن به جندع بن عمرو ورهط من قومه وأراد اشراف ثمود ان يؤمنوا ويصدقوه فنهاهم ذواب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن ميمعر وكان كاهنهم وكانوا من اشراف ثمود فلما خرجت الناقة قال لهم صالح هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم فمكثت الناقة مع ولدها فى ارض ثمود ترعى الشجرة وتشرب الماء وكانت ترد الماء غبا فاذا كان يومها وضعت الناقة راسها فى بير فى حجر يقال لها بير الناقة فلا ترفع راسها حتى تشرب كل ماء فيها فلا تدع قطرة ثم تتفجح «3» فيحلبون ما شاؤا من لبن فيشربون ويدخرون حتى تملأ أوانيهم كلها ثم تصدر من غير الفج الذي وردت منه لا تقدر ان تصدر من حيث ترد تضيق عنها حتى إذا كان الغد كان يومهم فيشربون ما شاؤا من الماء ويدخرون ما شاء واليوم الناقة فهم من ذلك

_ (1) الشمط الشيب 12 (2) فتمخضت يعنى أخذها المخاض هو الطلق عند الولادة 12 (3) تتفجح اى تتباعد فخذيها الفجح تباعد ما بين الفخذين 12

وكانت الناقة تصيف إذا كانت الحر بظهر الوادي فتهرب منها المواشي اغنامهم وبقورهم وإبلهم فتهبط الى بطن الوادي فى حرة وجد به وتشتو ببطن الوادي إذا كان الشتاء فتهرب مواشيهم الى ظهر الوادي فى البرد والجدب فاضر ذلك بمواشيهم للبلاء والاختبار فكبر ذلك عليهم فعتوا عن امر ربهم وحملهم ذلك على عقر الناقة فاجمعوا على عقرها وكانت امرأتان من ثمود إحداهما يقال لها عنيزة بنت غنم بن مجلذ تكنى أم غنم وكانت امرأة ذواب بن عمرو وكانت عجوزة مسنة وكانت ذات بنات حسان وذات مال من ابل وبقر وغنم وامرأة اخرى يقال لها صدوف بنت المختار وكانت جميلة ذات مواش كثيرة وكانتا أشد الناس عداوة لصالح عليه السلام وكانتا تحبان عقر الناقة لما اضرتهما من مواشيهما فحملتا فى عقر الناقة فدعت صدوف رجلا من ثمود يقال له الحباب قال لها اعقر الناقة وعرضت عليه نفسها ان هو فعل فابى عليها فدعت ابن عم لها يقال له مصدع بن مهرج بن المختار وجعلت له نفسها على ان يعقر الناقة وكانت من احسن الناس وأكثرهم مالا فاجابها الى ذلك ودعت عنيزة بنت غنم قذار بن سالف وكان رجلا احمر ازرق قصيرا يزعمون انه كان لزينة وانه لم يكن لسالف لكنه ولد على فراشه فقالت أعطيك اى بناتي شئت على ان تعقر الناقة وكان قذار عزيزا منيعا فى قومه قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فى تفسير قوله تعالى إذا انبعث أشقاها انبعث رجل عزيز عازم منيع فى قومه مثل ابى زمعة رواه البخاري من حديث عبد الله بن زمعة فانطلق قذار بن سالف ومصدع ابن مهرج فاستتبعوا بأعوان ثمود فاتبعهم سبعة نفر وكانوا تسعة رهط فانطلق قذار ومصدع وأصحابهما فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء وقد كمن لها قذار فى اصل صخرة على طريقها وكمن لها مصدع فى طريق اخر فمرت على مصدع فرمى بسهم فانتظم به عضلة ساقها وخرجت أم غنم عنيزة وأمرت ابنتها وكانت من احسن الناس فاسفرت لقذار ثم زمرته فشد على الناقة بالسيف فكشف عرقوبها فخرت ورغت واحدة تحذر ولدها ثم طعن فى لبتها فنحرها وخرج اهل البلدة واقتسموا لحمها وطبخوه فلما رأى ولدها ذلك انطلق حتى اتى جبلا منيعا يقال له صور وقيل اسمه فازه فاتى صالح وقيل له أدرك الناقة فقد عقرت فاقبل وخرجوا يتلقونه ويعتذرون اليه يا نبى الله انما عقرها فلان ولا ذنب لنا فقال صالح انظروا هل تدركون فصيلها فان أدركتموه فعسى ان يرفع عنكم العذاب فخرجوا يطلبونه

فلما رأوا على الجبل ذهبوا لياخذوه فاوحى الله تعالى الجبل فتطاول فى السماء حتى ما يناله الطير وجاء صالح فلما رأه الفصيل بكى حتى سالت دموعه ثم رغى ثلثا وانفجرت الصخرة فدخلتها فقال صالح لكل رغوة أجل يوم تمتعوا فى داركم ثلثة ايام ذلك وعد غير مكذوب قال ابن إسحاق اتبع السقب اربعة نفر من التسعة الذين عقروا الناقة وفيهم مصدع بن مهرج واخوه ذاب بن مهرج فرماه مصدع بسهم فانتقم قلبه ثم جره برجله فانزلوه فالقوا لحمه مع لحم امه فقال لهم صالح انتهكتم حرمة الله فابشروا بعذاب الله ونقمته قالوا وهم يستهزءون به ومتى ذلك يا صالح وما اية ذلك وكانوا يسمون الأيام فيهم الأحد الاول والاثنين العون والثلاثا دبار والأربعاء حبار والخميس مونس والجمعة العروبة والسبت شيار وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء فقال لهم صالح حين قالوا ذلك تصبحون غداة يوم المونس ووجوهكم مصفرة ثم تصبحون يوم العروبة ووجوهكم محمرة ثم تصبحون يوم شيار ووجوهكم مسودة ثم يصبحكم العذاب يوم أول فلما قال لهم صالح ذلك قال التسعة الذين عقروا الناقة هلم فلتقتل صالحا فان كان صادقا عجلناه قتلا وان كان كاذبا قد كنا الحقناه بناقته فاتوه ليلا ليبيتوه فى اهله فدفعتهم الملئكة بالحجارة فلما أبطئوا على أصحابهم أتوا منزل صالح فوجدوهم قد رضخوا بالحجارة فقالوا لصالح أنت قتلتهم ثم هموا به فقامت عشيرته دونه ولبسوا السلاح وقالوا لهم لا تقتلونه ابدا فقد وعدكم ان العذاب نازل بكم بعد ثلث فان كان صادقا لم تزيدوا ربكم عليكم الا غضبا وان كان كاذبا فانتم من وراء ما تريدون فانفرقوا عنهم ليلتهم فاصبحوا يوم الخميس ووجوهم مصفرة كانما طليت بالخلوف صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وأنثاهم وأيقنوا بالعذاب وعرفوا ان قد صدقهم فطلبوا ليقتلوه وخرج صالح هاربا منهم حتى جاء الى بطن من ثمود يقال لهم بنو غنم فنزل على سيدهم رجل منهم يقال له نفيل ويكنى بابى هدب وهو مشرك فغيّبه ولم يقدروا عليه فغدوا على اصحاب صالح يعذبونهم ليدلوهم عليه فقال رجل من اصحاب صالح يقال له ميدع بن هرم يا نبى الله انهم ليعذبوننا لندلهم عليك أفندلهم قال نعم قل عندى صالح وليس لكم عليه سبيل فاعرضوا عنه وتركوه وشغله عنه ما انزل الله بهم من عذابه فجعل بعضهم يخبر بعضا بما يرون فى وجوههم فلما امسوا صاحوا بأجمعهم الا وقد مضى من الاجل يوم فلما أصبحوا اليوم الثاني إذا وجوههم محمرة كانما خضبت بالدماء فصاحوا وبكوا

انه العذاب فلما امسوا صاحوا بأجمعهم الا وقد مضى يومان من الاجل وحضركم العذاب فلما أصبحوا اليوم الثالث إذا وجوههم مسودة كانما طليت بالقار فصاحوا جميعا الا وقد حضركم العذاب فلما كان ليلة الأحد خرج صالح من بين أظهرهم ومن اسلم معه الى الشام فنزل رملة فلسطين فلما أصبح القوم تكفنوا وتحنطوا والقوا أنفسهم الى الأرض يقلبون أبصارهم الى السماء مرة والى الأرض مرة لا يدرون من اين يأتيهم العذاب فلما اشتد الضحى من يوم الأحد اخذتهم الرجفة فاصبحوا فى ديارهم جاثمين وأتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شىء فى الأرض فتقطعت قلوبهم فى صدورهم فلم يبق منهم صغير ولا كبيرا لاهلك الا جارية مقعدة يقال لها ذريقة بنت سلف وكانت كافرة شديدة العداوة لصالح عليه السلام فانطلق الله رجليها بعد ما عاينت العذاب فخرجت كاسرع ما يرى شىء قط حتى أتت فرخ وهو وادي القرى فاخبرتهم بما عاينته من العذاب وما أصابت ثم استسقت من الماء فسقيت فلما أشربت ماتت وذكر السدى فى عقر الناقة قال فاوحى الله تعالى الى صالح ان قومك سيعقرون ناقتك فقال لهم ذلك فقالوا ما كنا لنفعل فقال صالح انه يولد فى شهركم هذا غلام فسيعقرها فيكون هلاككم على يديه فقالوا لا يولد لنا ولد فى هذا الشهر الا قتلناه فولد عشرة قتلوا منها تسعة وبقي واحد ازرق احمر فنبت نباتا سريعا فكان إذا مر بآباء التسعة ورأوه قالوا لو كان أبنائنا احياء لكانوا مثل هذا فغضب التسعة على صالح لانه كان سبب قتل أبنائهم فتقاسموا بالله لنبيتنه واهله قالوا نخرج فيرى الناس انا قد خرجنا الى سفر فناتى الغار فنكون فيه حتى إذا كان الليل وخرج صالح الى مسجده اتيناه فقتلناه ثم رجعنا الى الغار وكنا فيه ثم انصرفنا الى رحالنا فقلنا ما شهدنا مهلك اهله وانا لصادقون فيصدقوننا ويظنون انا قد خرجنا الى سفر وكان صالح لا ينام معهم فى القرية كان يبيت فى مسجد يقال له مسجد صالح فاذا أصبح أتاهم فوعظهم وذكرهم فاذا امسى خرج الى المسجد فبات فيه فانطلقوا فدخلوا الغار فسقط عليهم فقتلهم قال الله تعالى فمكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانطلق ممن قد اطلع على ذلك منهم فاذا هم رضخ فرجعوا يصيحون فى القرية اى عباد الله اما رضى صالح ان أمرهم بقتل أولادهم حتى قتلهم فاجتمع اهل القرية على قتل الناقة وقال ابن اسحق انما تقاسم التسعة على تبيت صالح بعد عقرهم الناقة كما ذكرنا

[سورة الأعراف (7) : آية 80]

قال السدى وغيره فلما ولد ابن العاشر يعنى قذارشب فى اليوم شباب غيره فى الجمعة وشب فى الشهر شباب غيره فى السنة فلما كبر جلس مع الناس يصيبون من الشراب فارادوا ماء يمزجون به شرابهم وكان ذلك اليوم شرب الناقة فوجدوا الماء قد شربته الناقة فاشتد ذلك عليهم وقالوا ما نفعل باللبن لو كنا ناخذ هذا الماء الذي تشربه الناقة فنسقيه أنعامنا وحروثنا كان خيرا لنا فقال ابن العاشر هل لكم فى ان اعقرها لكم قالوا نعم فعقرها روى البخاري فى الصحيح من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمه ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لما نزل الحجر فى غزوة تبوك أمرهم ان لا يشربوا من بيرها ولا يسقوا منها فقالوا قد عجنا واستقينا فامرهم ان يطرحوا ذلك العجين ويهريقوا ذلك الماء قال البغوي وقال نافع عن ابن عمر فامرهم رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ان يهريقوا ما استقوا من بيرها وان يعلفوا الإبل العجين وأمرهم ان يسقوا من البير التي كانت تردها الناقة قال وروى ابو الزبير عن جابر قال لما مر النبي صلى الله عليه واله وسلم بالحجر فى غزوة تبوك قال لاصحابه لا يدخلن أحد منكم هذه القرية ولا تشربوا من مائهم ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين الا ان تكونوا باكين خائفين ان يصيبكم مثل الذي أصابهم ثم قال اما بعد فلا تسألوا رسولكم الآيات هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم فبعث الله الناقة فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج وتشرب مائهم يوم وردها فعتوا عن امر ربهم فعقروها فاهلك الله سبحانه من تحت أديم السماء من مشارق الأرض ومغاربها الا رجلا واحدا يقال له ابو رغال وهو ابو ثقيف كان فى حرم الله فمنعه الحرام من عذاب الله فلما خرج أصابه ما أصاب قومه فدفن ودفن معه غصن من ذهب وأراهم قبر ابى رغال فنزل القوم فابتدروا بأسيافهم وحفروا عنه فاستخرجوا ذلك الغصن وكانت الفرقة المؤمنة من قوم صالح اربعة آلاف خرج بهم صالح الى حضرموت فلما دخلها مات صالح فسمى حضرموت ثم بنى الاربعة آلاف مدينة يقال له حاصورا وقال قوم من اهل العلم توفى صالح بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة واقام فى قومه عشرين سنة. وَلُوطاً يعنى وأرسلنا لوطا وهو لوط بن هار من بن تارخ ابن أخي ابراهيم عليه السلام إِذْ قالَ اى وقت قوله لِقَوْمِهِ وهم اهل سدوم وقيل معناه واذكر لوطا وعلى هذا إذ بدل منه أَتَأْتُونَ انكار وتوبيخ وتفريع الْفاحِشَةَ يعنى إتيان الرجال فى ادبارهم ما سَبَقَكُمْ بِها بتلك الفعلة الباء للتعدية مِنْ أَحَدٍ من زائدة

[سورة الأعراف (7) : آية 81]

لتاكيد النفي والاستغراق مِنَ الْعالَمِينَ من للتبعيض والجملة استيناف مقرر للانكار او حال من الفاحشة كانه وبخهم اولا بإتيان الفاحشة ثم ما اختراعها فانه أسوأ قال عمرو بن دينار ما يرى ذكر على ذكر فى الدنيا حتى كان من قوم لوط عليه السلام. اانكم قرأ نافع وحفص بهمزة واحدة مكسورة على الخبر على الاستيناف والباقون بهمزتين على الاستفهام بيان لقوله أتأنون الفاحشة وهو ابلغ فى الإنكار والتوبيخ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ أتجامعونهم فى ادبارهم يقال اتى المرأة إذا غشيها شَهْوَةً منصوب على العلية اى للشهوة لا حامل لكم على ذلك الا لمجرد الشهوة من غير حكمة او مصدر فى موقع الحال يعنى لشهوتهم شهوة ردية غير مفيدة مِنْ دُونِ النِّساءِ اى من غير النساء يعنى لا تأتونهن مع ما فيه من الحكمة من انتفاء الولد وبقاء النوع ولا ذم أعظم منه لانه وصف لهم بالبهيمة الصرفة قلت ومن هذه الاية ثبت حرمة إتيان النساء فى أدبارهن بدلالة النص لانه مثل إتيان الرجال خبيثة غير مفيد أصلا وقد ذكرنا هذه المسألة فى سورة البقرة فى تفسير قوله تعالى ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى الاية وهو قوله تعالى فاتوا حرثكم انى شئتم بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ إضراب عن الإنكار الى الاخبار عن حالهم الذي يوجب ارتكاب أمثال ذلك القبائح يعنى أنتم عادتكم الإسراف والتجاوز عن الحدود المعقولة والمشروعة فى الشيء حتى تجاوزتم فى النكاح عن المعتاد المفيد الى غير المعتاد الذي لا خير فيه أصلا او إضراب عن الإنكار فى ما ذكر الى الذم على جميع اوصافهم او عن محذوف تقديره لا عذر لكم بل أنتم قوم عادتكم الإسراف. وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ اى ما جاءوا بما يصلح جوابا عن كلام إِلَّا أَنْ قالُوا استثناء منقطع يعنى لكنهم قابلوا النصيحة بقول بعضهم لبعض أَخْرِجُوهُمْ يعنى لوطا ومن معه من المؤمنين مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ من الفواحش قالوا ذلك استهزاء. فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ يعنى اتباعه من المؤمنين وقيل ابنتاه إِلَّا امْرَأَتَهُ واهله استثناء من الأهل فانها كانت منافقة تستر الكفر كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ اى من الذين بقوا فى ديارهم فهلكوا وقيل معناه كانت من الباقين فى العذاب وقيل معناه كانت من الباقين المعمرين قد اتى عليها دهر طويل قبل ذلك فهلكت مع من هلك من قوم لوط والتذكير لتغليب الذكور. وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ اى على قوم لوط مَطَراً اى نوعا من المطر عجيبا يعنى حجارة من سجيل مسومة قال وهب الكبريت والنار قال ابو عبيدة يقال فى العذاب

[سورة الأعراف (7) : آية 85]

أمطر وفى الرحمة مطر فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ الكفرين روى ان لوطا لما هاجر مع عمه ابراهيم عليهما السلام من أرض بابل الى الشام نزل بالأردن فارسله الله الى اهل سدوم ليدعوهم الى الله وينهاهم عما اخترعوا من الفاحشة فلم ينتهوا عنها فامطر الله عليهم الحجارة فهلكوا أخرجه اسحق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس نحوه وقيل خسف بالمقيمين منهم وأمطرت الحجارة على مسافريهم قال محمد بن اسحق كانت لهم ثمار وقرى لم يكن فى الأرض مثلها فقصدهم الناس فاذوهم فعرض لهم إبليس فى صورة فقال ان فعلتم بهم كذا نجوتم فابوا فلما ألح اى لزم الناس إياهم إلخ الناس عليهم قصدوهم فاصابوا غلمانا صبيانا فاخبثوا فاستحكم ذلك فيهم قال الحسن كانوا لا يناكحون الا العرباء قال الكلبي ان أول من عمل عمل قوم لوط إبليس لان بلادهم أخصبت فانتجعها اهل البلدان فتمثل لهم إبليس فى صورة شاب ثم دعا الى دبره فنكح فى دبره فامر الله السماء ان تحصبهم وامر الأرض تخسف بهم. وَإِلى مَدْيَنَ يعنى وأرسلنا الى أولاد مدين بن ابراهيم خليل الرحمن قال البغوي هم اصحب الايكة أَخاهُمْ فى النسب شُعَيْباً قال عطاء هو شعيب بن توبة بن ابراهيم خليل الرحمن وقال ابن اسحق هو شعيب بن ميكيل بن يشجر بن مدين بن ابراهيم عليه السلام وله ميكيل بنت لوط عليه السلام وقيل هو شعيب ابن يثرون بن نوس بن مدين وكان شعيب عليه السلام أعمى وكان يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه وكان قومه اهل كفر وبخس للمكيال والميزان اخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إذا ذكر شعيبا يقول ذلك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحده ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعنى معجزة كانت لشعيب عليه السلام ولم يذكر فى القران ما هى وقيل أراد بالبينة مجئ شعيب عليه السلام بالحكمة والموعظة وفصل الخطاب فَأَوْفُوا يعنى أتموا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ مصدر بمعنى الوزن كالميعاد بمعنى الوعد او المضاف محذوف يعنى وزن الميزان او المراد بالكيل فمعز الدولة الكيل على الإضمار او اطلق الكيل على المكيال كالعيش على المعاش وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ اى لا تنقصوهم حقوقهم البخس يتعدى الى مفعولين وهما الناس وأشياءهم يقال بخست زيدا حقه اى نقصته إياه وانما قال اشيائهم للتعميم تنبيها على انهم كانوا يبخسون الجليل والحقير والقليل والكثير وقيل كانوا مكاسين

[سورة الأعراف (7) : آية 86]

لا يدعون شيئا الا مكسوه وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالكفر والظلم بَعْدَ إِصْلاحِها يعنى بعد ما بعث الله نبيا يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر والاضافة الى مكر الليل والنهار ذلِكُمْ الذي ذكرت لكم وأمرتكم خَيْرٌ لَكُمْ مما كنتم عليه من الظلم والبخس فان ذلك وان كان فيه نوع منفعة فى الدنيا لكنه يجلب مضرة عظيمة فى الدارين وما أمرتكم فيه صلاح الدنيا والاخرة جميعا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ مصدقين لى فافعلوا ما أمرتكم وكانوا يعلمون ان شعيبا عليه السلام يكذب قط قبل كانوا يجلسون على الطريق فمن جاء الى شعيب عليه السلام ليومن به منعوه وقالوا ان شعيبا كذاب فلا يفتنك عن دينك كانوا يتوعدون المؤمنين بالقتل ويخوفونهم كذا اخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم عن ابن عباس نحوه فقال الله تعالى. وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ مع ما عطف عليه فى موضع الحال من فاعل تقعدوا وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ عن الايمان بالله مَنْ آمَنَ بِهِ اى بالله تعالى تنازع فيه الفعلان فى المفعولية توعدون وتصدون فاعمل الثاني ولذا لم يقل وتصدونهم وَتَبْغُونَها اى تطلبون سبيل الله عِوَجاً بإلقاء الشبه او وصفها للناس بانها معوجة وقيل معنى قوله تعالى لا تقعدوا بكل صراط اى بكل طريق من طرق الدين كالشيطان وسبيل الحق وان كان واحدا لكنه تنشعب الى معارف وحدود واحكام وكانوا إذا رأوا واحدا يسعى فى شىء منها وعدوه بالقتل والتعذيب وعلى هذا ففى قوله تعالى ويصدون عن سبيل الله وضع الظاهر موضع الضمير بيانا لكل صراط ودلالة على عظيم ماى صدون عنه وتقبيحا لما كانوا عليه وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا عددكم او عدكم فَكَثَّرَكُمْ الله بالبركة فى النسل والمال وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ من الأمم قبلكم قوم لوط وغيرهم فاعتبروا بهم. وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا به فَاصْبِرُوا اى فتربصوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا بنصر المحقين على المبطلين فهو وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ لا معقب لحكمه. قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا اى والله ليكونن أحد الامرين اما إخراجكم من القرية او عودكم فى الكفر وشعيب لم تكن فى ملتهم قط لان الأنبياء لا يجوز عليهم الكفر لكن غلبوا الجماعة الذين أمنوا معه عليه مخاطبة مع قومه

[سورة الأعراف (7) : الآيات 89 إلى 90]

بخطابهم وعلى ذلك اجرى الجواب وقيل معناه او لتدخلن فى ملتنا وعاد بمعنى صار قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ الهمزة للانكار والواو للحال بل للعطف على محذوف والجملة فى موضع الحال تقديره أتعيدوننا فى ملتكم لو كنا طائعين ولو كنا كارهين فحذف أحد المعطوفين الذي هما حالان من فاعل كنا وعلق الحكم بأبعد النقيضين ليدل على عدم الحكم ثم قال شعيب. قَدِ افْتَرَيْنا اى اختلقنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً بإثبات الشريك له تعالى إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها شرط حذف جوابه بدليل ما سبق وكلمة افترينا ماض بمعنى المستقبل جعل كانه الواقع للمبالغة وادخل عليه قد لتقربه من الحال اى قد افترينا الحال ان أردنا العود بعد ما أنقذنا الله تعالى منها وبيّن لنا ان ما كنا عليه كان باطلا وما صرنا عليه حق وقيل انه جواب قسم بحذف اللام تقديره والله لقد افترينا وَما يَكُونُ لَنا اى ما يثبت لنا ابدا أَنْ نَعُودَ فِيها بيان عزم على الاستقامة على الإسلام والاجتناب عن الكفر ولما كان فى الكلام شائبة تزكية النفس وعدم خوف ما يؤل اليه الأمر قال إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا خذلاننا وارتدادنا ويكون سبق فى مشيته ذلك وفيه دليل على ان الكفر بمشية الله وقيل أراد به حسم طمعهم فى العود بالتعليق بما لا يكون وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً فهو يعلم ما يؤل اليه امر عباده من الايمان الى الكفر او من الكفر الى الايمان قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم والذي لا اله غيره ان أحدكم ليعمل بعمل اهل النار حتى ما يكون بينه وبيها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل الجنة فيدخلها متفق عليه من حديث ابن مسعود عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا فى ان يثبتنا على الايمان ويوفقنا لازدياد اليقين قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ان قلوب بنى آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك رواه مسلم ثم دعا عليهم شعيب عليه السلام بعد ما ايس من فلاحهم فقال رَبَّنَا افْتَحْ اى احكم من الفتاحة بمعنى الحكم والفتاح القاضي يفتح الأمر المتعلق او المعنى اظهر الأمر حتى ينكشف الحق من المبطل من فتح المشكل إذا بينه بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ للسفلة لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً فى دينه وتركتم دينكم إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ لاستبدال ضلالته بهديكم او لفوات ما يحصل لكم المنفعة بالبخس والتطفيف وهو

[سورة الأعراف (7) : آية 91]

ساد مسد جواب الشرط والقسم الذي وطأته اللام فى لئن اتبعتم. فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قال الكلبي الزلزلة فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ اى مدينتهم جاثِمِينَ ميتين قال ابن عباس وغيره فتح الله عليهم بابا من جهنم فارسل عليهم حرا شديدا فاخذ بانفاسهم فلم ينفعهم ظل ولا ماء وكانوا يدخلون الأسراب ليتبرّدوا فيها فاذا دخلوها وجدوها أشد حرا من الظاهر فخرجوا هرابا الى البرية فبعث الله سحابة فيها ريح طيبة فاظلتهم وهى الظلة فوجدوا لها بردا ونسيما فنادى بعضهم بعضا حتى اجتمعوا تحت السحابة رجالهم ونسائهم وصبيانهم فالهب الله تعالى عليهم نارا وجفت بهم الأرض فاحترقوا كما يحترق الجراد المقلى وقال يزيد الجريري سلط الله عليهم الريح سبعة ايام ثم سلط عليهم الحر ورفع عليهم جبل من بعيد فاتاه رجل فاذا تحته انهار وعيون فاجتمعوا تحته كلهم فوقع ذلك الجبل عليهم فذلك يوم الظلة قال قتادة بعث الله شعيبا الى اصحاب الايكة واهل مدين فاما اصحاب الايكة فاهلكوا بالظلة واما اصحاب مدين فاخذتهم الرجفة صاح بهم جبرئيل صيحة فهلكوا جميعا. الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً مبتدأ خبره كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا اى استوصلوا كان لم يقيموا ولم ينزلوا فيها من قولهم غنيت بالمكان إذا أقمت به والمغانى المنازل واحدها مغنى الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ دنيا ودينا الا الذين صدقوه واتبعوه كما زعموا فانهم الرابحون فى الدارين وللتنبيه على وجه الاختصاص والمبالغة فيه كرر الموصول ولم يكتف بالعطف واستأنف بالجملتين واتى بهما اسميتين. فَتَوَلَّى اى اعرض عَنْهُمْ شعيب شاخصا بين أظهرهم حين أتاهم العذاب وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ قال ذلك تأسفا بهم بشدة حزنه عليهم ثم أنكر على نفسه فقال فَكَيْفَ آسى احزن عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ فانهم ليسوا أهلا لان يحزن عليهم لاستحقاقهم ما نزل بهم او قاله اعتذارا عن شدة حزنه عليهم يعنى بعد ما بلغت فى الإبلاغ والنصيحة لما لم يتبعونى واثروا لانفسهم العذاب فكيف اسى عليهم. وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ فيه إضمار يعنى فكذبوه إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ اى الفقر وَالضَّرَّاءِ اى المرض كذا قال البغوي عن ابن مسعود وقيل البأساء الحرب والضراء الجدب لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ لكى يتوبوا الى الله يتضرعوا من هاهنا يظهر بطلان قول من قال ان عسى وكاد ولعل من الله واجبة الوقوع.

[سورة الأعراف (7) : آية 95]

ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ اى البأساء والضراء الْحَسَنَةَ السعة والا من والخصب استدراجا وابتلاء لهم بالأمرين حَتَّى عَفَوْا اى كثروا عددا ومالا يقال عفت النبات إذا كثرت ومنه إعفاء اللحية وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ اى هكذا كانت عادة الدهر قديما يعاقب فى الناس بين الضراء والسراء ونسوا خالق الأرض والسماء ومنشئ النعمة والبلاء فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بنزول العذاب. وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى اللام للعهد الخارجي يعنى اهل القرى التي أرسلنا فيها الأنبياء آمَنُوا بالأنبياء وَاتَّقَوْا عذاب الله بالطاعة وترك المعاصي لَفَتَحْنا قرأ ابن عامر بالتشديد للتكثير والباقون بالتخفيف عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ اى لو سعنا عليهم الخير من كل جانب وداومناه لهم وقيل بركات السماء المطر وبركات الأرض النبات والزرع واصل البركة الزيادة والمواظبة على شىء وَلكِنْ كَذَّبُوا الرسل فَأَخَذْناهُمْ بالعقوبة بِما كانُوا يَكْسِبُونَ من الكفر والمعاصي. أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى عطف على قوله فاخذناهم بغتة وهم لا يشعرون وما بينهما اعتراض والمعنى ابعد ما أخذنا اهل القرى من الكافرين السابقين أمن اهل القرى من الكافرين بنبوة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه واله وسلم يعنى اهل مكة وما حولها أَنْ يَأْتِيَهُمْ بأسنا عذابنا بَياتاً اى تبيتا او وقت بيات يعنى ليلا او مبيتا او مبيتين وهو فى الأصل بمعنى البيتوتة ويجئ بمعنى التبيت كالسلام بمعنى التسليم وَهُمْ نائِمُونَ غافلون عنه حال من ضمير هم البارز او المستتر فى بياتا. أَوَأَمِنَ قرأ نافع وابن عامر او بسكون الواو على الترديد والباقون بفتح الواو على ان الهمزة للاستفهام للتوبيخ والواو للعطف والجمع أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى اى نهارا وقت الضحى وقت انبساط الشمس وَهُمْ يَلْعَبُونَ اى غافلون مشتغلون بما لا ينفعهم. أَفَأَمِنُوا تقريره لقوله أفأمن اهل القرى مَكْرَ اللَّهِ اى استدراجه إياهم بما أنعم عليهم فى الدنيا الى حين ثم أخذهم من حيث لا يحتسبون بالعذاب بغتة كما فعل بأشياعهم من قبل فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ الذين خسروا أنفسهم بالكفر والمعاصي وتركوا النظر والاعتبار. أَوَلَمْ يَهْدِ قرأ قتادة ويعقوب نهد بالنون على التكلم والتعظيم والباقون بالياء على الغيبة والهمزة

[سورة الأعراف (7) : آية 101]

فى المواضع الاربعة للتوبيخ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ بالسكنى مِنْ بَعْدِ هلاك أَهْلِها الذين قبلهم عدى الهداية باللام لانه بمعنى البيان أَنْ مخففة من المثقلة اسمه ضمير الشان فاعل ليهد على تقدير الغيبة ومفعوله على تقدير التكلم يعنى او لم يبين للذين ورثوا السابقين انه لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ اى أخذناهم بالعذاب والعقوبة بِذُنُوبِهِمْ اى بجزاء ذنوبهم كما أصبنا من قبلهم وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ عطف على ما دل عليه او لم يهد اى يغفلون عن الهداية ونختم على قلوبهم وقال الزجاج هو منقطع مما قبله يعنى ونحن نطبع ولا يجوز عطفه على أصبناهم على انه بمعنى وطبعناهم لانه لو كان فى سياق جواب لو لزم نفى الطبع عنهم فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ الانذار ولا يقبلون الموعظة. تِلْكَ الْقُرى قرى اللامم الماضية قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وشعيب الموصوف مع الصفة مبتدأ خبره نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها يعنى نقص عليك بعض اخبار أهلها لكى تعتبروا لا كلها وجاز ان يكون القرى خبرا ونقص خبرا ثانيا او حال من القرى والعامل فيه معنى الاشارة وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ اى بالآيات والمعجزات الشاهدة على رسالتهم فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا منصوب بان مقدرة بعد لام الجحود لتاكيد النفي والمصدر اما بمعنى الفاعل او محمول بتقدير ذى اى ما كانوا مؤمنين او ذا ايمان عند مجيئهم بها بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ اى بما كذبوه من قبل الرسل يعنى التوحيد بل كانوا مستمرين على التكذيب والإشراك او فما كانوا ليؤمنوا مدة عمرهم بما كذبوا به اولا يعنى بالرسالة والشرائع كلها حين جاءتهم الرسل بها ولم يؤثر فيهم قط دعوتهم المتطاولة والآيات المتتابعة وقال البغوي قال ابن عباس والسدى يعنى فما كان هؤلاء الكفار الذين أهلكناهم ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا من قبل يوم أخذهم ميثاقهم حين اخرجوا من ظهر آدم فاقرءوا باللسان واضمروا بالتكذيب وقال مجاهد معناه فما كانوا لو احييناهم بعد هلاكهم ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل هلاكهم كقوله تعالى ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وقال يمان بن ذباب هذا على معنى ان كل نبى انذر قومه بالعذاب فكذبوه فاهلكناهم فلما جاء بعدهم من رسول بالبينات ما كانت الأمم اللاحقة ليؤمنوا بما كذب به اوائلهم من الأمم الخالية بل كذبوا بما كذب به اوائلهم نظيره قوله تعالى ما اتى الذين من قبلهم من رسول الا قالوا ساحرا ومجنون كَذلِكَ اى مثل ذلك الطبع الشديد الذي طبعنا على قلوب الذين أهلكناهم من قبل يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ الذين

[سورة الأعراف (7) : آية 102]

كتبنا عليهم من قومك ان لا يؤمنوا فلا يلين قلوبهم بالآيات والنذر. وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ اى لاكثر الناس والاية اعتراض او لاكثر الأمم المذكورين مِنْ عَهْدٍ اى من وفاء بالعهد الذي عاهدناهم يوم الميثاق حين اخرجوا من صلب آدم عليه السلام او ما عهدوا اليه حين كانوا فى ضر ومخافة لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشكرين وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ قال الكوفيون ان نافية واللام بمعنى الا يعنى ما وجدنا أكثرهم الا فاسقين ناقضين للعهد وقال البصريون ان مخففة من المثقلة واللام فارقة وعلى هذا وجدنا بمعنى علمنا لان ان المخففة من المثقلة لا تدخل الا على الافعال الداخلة على المبتدأ والخبر. ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ الضمير للرسل فى قوله ولقد جاءتهم رسلهم والمراد نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام او للامم والمراد أقوامهم مُوسى بن عمران عليه السلام بِآياتِنا يعنى المعجزات التي تذكر بعد ذلك إِلى فِرْعَوْنَ وهو لقب لملك مصر ككسرى لملك فارس وكان اسمه قابوس وقيل الوليد بن مصعب بن الريان وَمَلَائِهِ اى شرفاء قومه فَظَلَمُوا بِها اى بالآيات والظلم وضع الشيء فى غير موضعه ولما كانت الآيات لوضوحها من حقها الايمان بها وهم كفروا بها مكان الايمان قال الله تعالى ظلموا بها مكان كفروا بها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ حيث اغرقوا فى اليم. وَقالَ مُوسى لما دخل على فرعون يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ حَقِيقٌ عَلى قرأ نافع علىّ بفتح الياء مشددة يعنى واجب على فهو مستانفة فى جواب تكذيبه إياه فى دعوى الرسالة وانما لم يذكر تكذيبه لدلالة قوله فظلموا بها عليه وقرأ الباقون على مقصورة كانّ أصله حقيق علىّ كما قرأه نافع فقلب لا من اللبس او يقال على هاهنا جارة وضع مكان الباء لافادة التمكن كقولهم رميت على القوس مكان رميت بالقوس يدل عليه قراءة ابى والأعمش حقيق بان لا أقول او يقال عدى حقيق بعلى لتضمين معنى حريص وعلى هذا حقيق اما خبر مبتدأ محذوف يعنى انا حقيق اى جدير والجملة مستانفة او صفة لرسول. أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ شاهد على رسالتى فَأَرْسِلْ مَعِيَ قرأ حفص بفتح الياء والباقون بإسكانها بَنِي إِسْرائِيلَ اى اطلق عنهم وخلّهم يرجعون الى الأرض المقدسة هى وطن ابائهم وكان فرعون قد استخدمهم فى الأعمال الشاقة من ضرب اللبن ونقل التراب وغيرها. قالَ فرعون مجيبا

[سورة الأعراف (7) : آية 107]

لموسى عليه السلام إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ من عند الله فَأْتِ بِها بتلك الاية إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فى دعواك شرط استغنى من الجزاء بما مضى. فَأَلْقى موسى عَصاهُ من يده فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ الثعبان الذكر العظيم من الحيّة وكان يتحرك كانها جان اى حيّة صغيرة ولهذا قال فى موضع اخر كانها جان قال ابن عباس والسدى انه لما القى العصا صارت حيّة عظيمة صفراء شعراء عرفاء فاغرافاه بين لحييها ثمانون ذراعا وارتفعت من الأرض قد رميل واقامت على ذنبها واضعة لحيها الأسفل فى الأرض والأعلى على سور القصر وتوجهت نحو فرعون لياخذ وروى انها أخذت قبة فرعون بين نابيها فوثب فرعون هاربا وأخذت اخذة البطن فى ذلك اليوم اربعمائة مرة وحملت على الناس فانهزموا وصاحوا ومات منهم خمسة وعشرون الفا قتل بعضهم بعضا ودخل فرعون البيت وصاح يا موسى أنشدك بالذي أرسلك خذها وانا أمن بك وأرسل معك بنى إسرائيل فاخذها موسى فعادت عصاكما كانت كذا اخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم من طريق معمر عن قتادة ثم قال فرعون هل معك اخرى قال نعم. وَنَزَعَ يَدَهُ من تحت جيبه بعد ما أدخلها فيه فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ بياضا عجيبا خارجا عن العادة لها شعاع غلب نور الشمس يعجب الناظرين لحسن منظره ثم أدخلها فى جيبه فصارت أدما كما كانت. قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ماهر فى السحر يأخذا عين الناس حتّى يخيل إليهم العصا حيّة والادم ابيض ويرى الشيء على خلاف ما هو عليه فى الواقع أسند القول المذكور هاهنا الى الملأ وفى سورة الشعراء الى فرعون فالظاهر ان القول صدر منه ومنهم جميعا على سبيل التشاور فحكى قوله ثمه وقولهم هاهنا وقاله فرعون ابتداء فتلقته منه الملأ فقالوه فيما بينهم ولاتباعهم. يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ يا معشر القبط مِنْ أَرْضِكُمْ يعنى مصر فَماذا تَأْمُرُونَ يحتمل ان يكون هذا بقية الكلام السابق الذي قال الملأ لفرعون وخاصته فيكون الأمر على حقيقته او قالوه فيما بينهم او لاتباعهم فيكون تأمرون بمعنى تشيرون والمستشار من حيث انه معلم ومرشد امير على المسترشد ويحتمل ان يكون قوله فماذا تأمرون كلام المخاطبين فى جواب قولهم هذا ساحر عليم يريد ان يخرجكم من أرضكم فعلى هذا اما ان يكون كلام لفرعون او لغيره ثم بعد ما قال فرعون وملائه ما ذكر اجتمع راى الملأ أجمعين على ان. قالُوا

[سورة الأعراف (7) : آية 112]

لفرعون أَرْجِهْ قرأ ابن كثير وهشام هذا وفى الشعراء ارجئه بالهمز وضم الهاء بعدها ووصلها بواو الإشباع وابو عمرو كذلك لكن من غير صلة وابن ذكوان بالهمز وكسر الهاء ولا يصلها بياء وهذه القراءة على خلاف القياس لان الهاء لا يكسر الا إذا كان قبلها كسرة او ياء ساكنة لكن الهمزة كانت تقلب ياء أجريت مجريها وقرأ قالون بغير همز باختلاس الكسرة وورش والكسائي نحوه لكن يشبعان الكسرة ياء وعاصم وحمزة بغير همز واسكان الهاء والهاء فى الوقف ساكنة بلا خلاف الا فى مذهب من ضمها سواء وصلها او لم يصلها فان الروم والإشمام جائز ان فيها التشبيه المنفصل بالمتصل ومعناه اخر امره يعنى لا تعجل فى الايمان به ولا فى قتله وعقوبته حتّى يظهر امره فى القاموس ارجأ الأمر آخره وَأَخاهُ هارون عليه السلام وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ مدائن الصعيد من نواحى مصر كان هناك رؤساء السحرة حاشِرِينَ اى شرطا ورجالا جامعين السحرة. يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ جواب لقوله أرسل يعنى ان ترسل إليهم حاشرين يجمعون إليك من فيها من السحرة فان غلبهم موسى صدقناه وان غلبوا عليه علمنا انه ساحر قرأ حمزة والكسائي هنا وفى سورة يونس بكل سحار بالألف بعد الحاء على المبالغة كما اتفق عليه القراء فى الشعراء والباقون فى هاتين ساحر على وزن فاعل قال البغوي قال ابن عباس والسدى وابن إسحاق لمار أي فرعون سلطان الله فى العصا ما راى قال انا لا نغالب موسى الا بمن هو منه فاتخذ غلمانا من بنى إسرائيل فبعث بها الى قرية يقال لها الغرماء يعلمونهم السحر فعلموهم سحرا كثيرا وواعد موسى موعدا فبعث الى السحرة فجاؤا ومعهم معلمهم فقال لهم ماذا صنعتم قالوا قد علمنا سحرا لا يطيقه سحرة اهل الأرض الا ان يكون امرا من السماء فانه لا طاقة لهم به ثم بعث فرعون فى مملكته فلم يترك فى سلطانه ساحرا الا اتى به قال مقاتل كانوا اثنين وسبعين اثنان منهم من القبط هما راس القوم أحدهما شمعون وسبعون من بنى إسرائيل وقال الكلبي كان الذين يعلمونهم رجلين محبوسين من اهل نينوى وكانوا سبعين غير رئيسهم وقال كعب كانوا اثنى عشر الفا وقال السدى كانوا بضعة وثلثين الفا وقال عكرمة سبعين الفا وقال محمد بن المنكدر كانوا ثمانين الفا. وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ مع الحاشرين بعد ما أرسلهم فى طلبهم قالُوا يعنى السحرة استيناف كانه فى جواب سائل قال ما قالوا إذا جاؤا إِنَّ لَنا

[سورة الأعراف (7) : آية 114]

لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ قرأ نافع وابن كثير وحفص ان لنا بهمزة واحدة على الخبر وإيجاب الاجر كانهم قالوا لا بد لنا من اجر والتنكير للتعظيم وقرأ الباقون اان بهمزتين على الاستفهام وهم على مذاهبهم المذكورة فى الهمزتين المفتوحتين ولم يختلفوا فى الشعراء انه بالاستفهام. قالَ فرعون نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ عطف على جملة سد مسدها نعم يعنى ان لكم اجرا وانكم لمن المقربين فى المنزلة الرفيعة عندى زاد على الجواب لتحريضهم قال مقاتل قال موسى لكبير السحرة تومن بي ان غلبتك قال لاتين بسحر لا يغلبه ساحر ولئن غلبتنى لا ومنن بك وفرعون ينظر. قالُوا اى السحرة يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ عصاك وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ عصينا وحبالنا خيروا موسى إظهارا للجلادة ولكن كان رغبتهم فى ان يلقوا قبل موسى يدل عليه تغير النظم الى ما هو ابلغ وتعريف الخبر وتوسيط الفصل او تاكيدهم الضمير المتصل بالمنفصل فلذلك. قالَ موسى بل أَلْقُوا ازدراء بهم وثوقا على شانه فَلَمَّا أَلْقَوْا السحرة حبالهم وعصيهم سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ اى صرفوها عن ادراك حقيقة ما القوه وتخيل للناس حبالهم وعصيهم حيات وأفاعي أمثال الجبال قد ملأ الوادي فى ميل يركب بعضها فى بعض وَاسْتَرْهَبُوهُمْ اى خوفوهم ارهابا شديدا كانهم طلبوا رهبتهم وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ فى فنه. وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى حين أوجس فى نفسه خيفة أَنْ أَلْقِ عَصاكَ ولا تخف انك أنت الا على انما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث اتى فالقاها فَإِذا هِيَ حية عظيمة قد سدت الأفق تسعى قال ابن زيد كان اجتماعهم بالاسكندرية ويقال بلغ ذنب الحية من وراء البحيرة ثم فتحت فاها ثمانين ذراعا تَلْقَفُ قرأ حفص هاهنا وفى طه والشعراء بإسكان اللام وتخفيف القاف من المجرد والباقون بفتح اللام وتشديد القاف من التفعل بحذف احدى التاءين أصله تتلقف اى تبتلع ما يَأْفِكُونَ اى ما يزورونه من الافك بمعنى قلب الشيء من وجهه ويجوز ان يكون ما مصدرية والمصدر بمعنى المفعول روى انها تلقفت حبالهم وعصيهم وابتلعها بأسرها ثم أقبلت على الحاضرين فهربوا وازدحموا حتى هلك جمع عظيم ثم أخذها موسى فصارت عصا كما كانت فقالت السحرة لو كان هذا سحرا لبقيت حبالنا وعصينا فلما نفدت علموا ان ذلك من الله تعالى وذلك قوله تعالى. فَوَقَعَ الْحَقُّ اى

[سورة الأعراف (7) : آية 119]

ثبت وظهر امره وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ السحرة. فَغُلِبُوا يعنى فرعون وقومه هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا اى رجعوا الى المدينة صاغِرِينَ أذلاء مقهورين. وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ألقاهم الله تعالى ساجِدِينَ لله تعالى لم يقل سجدوا لله تنبيها على ان ظهور الحق اضطرهم الى السجود حيث لم يبق لهم تمالك وقيل الهمهم الله ان يسجدوا فسجدوا وقال الأخفش من سرعة ما سجدوا كانهم القوا. قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ابدلوا الثاني بالأول لئلا يتوهم انهم أرادوا به فرعون قال ابن عباس لما امنت السحرة اتبع موسى ستمائة الف من بنى إسرائيل. قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ اى بالله او بموسى قرأ قنبل وأمنتم به فى حال الوصل يبدل من همزة الاستفهام واوا مفتوحة ومد بعدها مدة فى تقدير الفين وقرأ فى طه على الخبر بهمزة واحدة والف وقرأ فى الشعراء على الاستفهام بهمزة ومدة مطولة فى تقدير الفين وحفص فى الثلاثة بهمزة والف على الخبر وابو بكر وحمزة والكسائي فيهن على الاستفهام بهمزتين محققتين بعدهما الف والباقون على الاستفهام بهمزة ومدة مطولة بعدها فى تقدير الفين ولم يدخل أحد منهم ألفا بين الهمزة المخففة والملينة فى هذه المواضع الثلاثة كما أدخلها من أدخلها فى اانذرتهم وبابه لكراهة اجتماع ثلث الفات بعد الهمزة فالاستفهام للانكار والاستبعاد والخبر على التوبيخ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ اى هذا الصنيع لحيلة احتملتموها أنتم وموسى فِي الْمَدِينَةِ اى فى مصر قبل ان تخرجوا للميعاد لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها يعنى القبط ويخلص مصر لكم ولبنى إسرائيل فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عاقبة ما فعلتم تهديد مجمل تفصيله. لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ من كل شق طرفا ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ فى جذوع النخل على شاطئ نهر مصر تفضيحا لكم وتنكيلا لامثالكم قيل انه أول من سن ذلك أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن ابى حاتم عن ابن عباس. قالُوا يعنى السحرة لفرعون إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ بالموت لا محالة نرجوا ثوابه فلا نبالى بوعيدك او المعنى مصيرنا ومصيركم الى ربنا فيحكم بيننا. وَما تَنْقِمُ اى ما تنكر مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا وهو خير الأعمال واصل المناقب لا يجوز عليها الإنكار ولا يجوز لنا العدول عنها لابتغاء مرضاتك او خوف وعيدك ثم فزعوا الى الله فقالوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا

[سورة الأعراف (7) : آية 127]

صَبْراً اى اصبب علينا صبرا كما يصب الماء كيلا يمنعنا وعيد فرعون عن الايمان ويطهرنا من الآثام وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ ثابتين على الإسلام ذكر الكلبي ان فرعون قطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم وذكر غيره انه لم يقدر عليهم لقوله تعالى لا يصلون اليكما أنتما ومن اتبعكما الغالبون. وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بتغير الناس عليك ودعوتهم الى مخالفتك وَيَذَرَكَ عطف على يفسدوا او جواب للاستفهام بالواو كقولهم هل عندكم ماء واشربه والمعنى أيكون منك ترك موسى ويكون تركه إياك وَآلِهَتَكَ اى معبوداتك فلا يعبدون لك ولا لها قال ابن عباس كان لفرعون بقرة يعبدها وكانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم ان يعبدوها ولذلك اخرج السامري لهم عجلا وقال الحسن كان قد علق على عنقه صليبا يعبده وقال السدى كان فرعون قد اتخذ لقومه أصناما وأمرهم بعبادتها وقال لقومه هذه الهتكم وانا ربكم وربها ولذلك قال انا ربكم الأعلى وقيل كانوا يعبدون الكواكب وقرأ ابن مسعود وابن عباس والشعبي والضحاك ويذرك والهتك بكسر الالف على وزن عبادتك ومعناه وقيل أراد بالهتك الشمس وكانوا يعبدونها قالَ فرعون سَنُقَتِّلُ قرأ نافع وابن كثير بفتح النون وضم التاء مخففا من المجرد والباقون بضم النون وكسر التاء مشددا من التفعيل على التكثير أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ اى نتركهن احياء كما نفعل من قبل وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ غالبون وهم مقهورون تحت أيدينا قال ابن عباس كان فرعون يقتل أبناء بنى إسرائيل فى العام الذي قيل له يولد مولود يذهب به ملكك فقال فرعون أعيد عليهم القتل ليعلموا انا على ما كنا عليه من القهر والغلبة ولا يتوهم أحد ان موسى هو المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكنا على يديه فلما أعاد عليهم القتل شكت ذلك بنو إسرائيل الى موسى فحينئذ. قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ بالتضرع اليه والدعاء والتوكل عليه وَاصْبِرُوا على ما يصيبكم من فرعون وقومه فان ذلك بارادة الله ومشيته وابتلائه إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ كافرا كان او مسلما لا يجوز الاعتراض عليه تعالى وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ يعنى جزاء الحسنات والسعادة الابدية التي لا تنقطع والجنة للمتقين فابتغوا الدار الاخرة الباقية واصبروا على ما أصابكم فى الدنيا الفانية سمى جزاء الفعل العقبى والعاقبة لانه يعقب

[سورة الأعراف (7) : آية 129]

العمل لكنهما مختصان بالثواب وخير الجزاء على الحسنات كذلك العقب مختص بالثواب كما ان العقوبة والمعاقبة والعقاب مختصة بالعذاب وسوء الجزاء قال الله تعالى أولئك لهم عقبى الدار ونعم عقبى الدار وخير عقبا وقال فحق عقاب شديد العقاب وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم وجاز ان يكون قوله ان الأرض لله الى آخره وعد البنى إسرائيل بان يرثوا ارض مصر بعد فرعون ويكون لهم النصر والظفر عاقبة الأمر كالاية الثانية. قالُوا يعنى قوم موسى أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا بالرسالة بقتل الأبناء وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا باعادة القتل علينا وقيل ان المراد منه ان فرعون كان يسخرهم قبل مجئ موسى الى نصف النهار فلما جاء موسى استسخرهم جميع النهار بلا اجر وذكر الكلبي انهم كانوا يضربون اللبن بطين فرعون فلما جاء موسى عليه السلام اجبرهم ان يضربوه من طين من عندهم قالَ لهم موسى عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ فرعون وَيَسْتَخْلِفَكُمْ اى يسكنكم بعد هلاكه فِي الْأَرْضِ ارض مصر فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ من شكر وطاعة او كفران ومعصية وعدهم الله تعالى بالنصر والظفر وأشار الى إيجاب الشكر عند ابتلائه بالخير وإيجاب الصبر على الابتلاء بالشر فانجز الله وعده حتى أغرق فرعون واستخلفهم فى ديارهم وأموالهم فعبدوا العجل وروى ان مصر فتح لهم فى زمن داؤد عليه السلام. وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ اى اتباعه بِالسِّنِينَ بالجدوب والقحوط والسنة غلبت على عام القحط لكثرة ما يذكر عنه ويورخ به ثم اشتق منه فيقال سنت القوم إذا قحطوا ويقال مستهم السنة اى جدب السنة وقيل أراد بالسنين القحط سنة بعد سنة وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ بكثرة الآفات والعاهات قال قتادة اما سنين فلا هل البوادي واما نقص الثمرات فلا هل الأمصار لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ لكى ينتبهوا على ان ذلك بشوم كفرهم ومعاصيهم فيتعظوا او يرق قلوبهم بالشدائد فيفزعوا الى الله ويرغبوا فيما عنده. فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ يعنى الخصب والسعة والعافية قالُوا اى ال فرعون لَنا هذِهِ اى لاجلنا ونحن مستحقوها على العادة التي جرت لنا فى سعة أرزاقنا ولم يروها تفضلا من الله تبارك وتعالى ليشكروا عليها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ جدب وبلاء يكرهونه يَطَّيَّرُوا اى يتشاءموا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ قالوا لم يصبنا بلاء حتى رايناهم فهذا من شوم موسى وقومه وقال سعيد بن جبير ومحمد بن المنكدر وكان ملك

[سورة الأعراف (7) : آية 132]

فرعون اربعمائة سنة وعاش ستمائة وعشرين سنة لا يرى مكروها ولو كان له فى تلك المدة جوع يوم او حمى يوم او وجع ساعة لما ادعى الربوبية قط ولم يكن هذا القول منهم الا لكمال إغراقهم فى الغباوة والقساوة فانهم بعد مشاهدة الآيات لم ينتبهوا على انه ما كانت الحسنة الا تفضلا من الله تعالى وابتلاء فلما لم يشكروها ودعاهم الرسول المويد بالمعجزات الباهرة الى الشكر والطاعة فلم يطيعوه وتمادوا فى العصيان اخذتهم السنة لشوم أعمالهم عقوبة من عند الله تعالى كما قال أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ اى شومهم عِنْدَ اللَّهِ اى من عنده بكفرهم ومعاصيهم كذا قال ابن عباس وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ لفرط غباوتهم ان الذي أصابهم عقوبة من الله تعالى وقيل معنى الاية ان طائرهم اى انصبائهم من الخير والشر كله من عند الله وفى القاموس الطائر ما تيمنت به او تشاءمت والخط وعمل الإنسان ورزقه او سبب خيرهم وشرهم عنده وهو حكمه ومسببه او سبب شومهم عند الله وهو أعمالهم المكتوبة عنده فانها التي ساقت إليهم ما يسوئهم وقيل معناه الشوم العظيم هو الذي لهم عند الله من عذاب النار قال البيضاوي انما عرف الحسنة وذكرها مع اداة التحقيق يعنى إذا الكثرة وقوعها وتعلق الارادة بها بالذات لسعة رحمة الله تعالى ونكر السيئة واتى بها مع حرف الشك يعنى ان لندرتها وعدم تعلق القصد بها الا بالتبع. وَقالُوا يعنى فرعون واله لموسى عليه السلام مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ اى معجزة وعلامة على صدقك فى دعوى النبوة انما سموها اية على زعم موسى عليه السلام او استهزاء به لا على اعتقادهم ولذلك قالوا لِتَسْحَرَنا بِها أعيننا وتشبه علينا وتلفتنا عما نحن عليه من الذين والضمير فى به وبها لما ذكره قبل التبئين اى كلمة مهما ذكره باعتبار اللفظ وانثه باعتبار المعنى فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ بمصدقين فدعا موسى عليهم. فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ نصب على الحال من الأسماء المذكورة مُفَصَّلاتٍ مبينت لا يخفى على العاقل انها من الله تعالى ونقمته او منفصلات لامتحان أحوالهم وكان بين كل ايتين منها ثلاثون يوما أخرجه ابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير وكان امتداد كل منها اسبوعا أخرجه ابن المنذر عن ابن عباس بلفظ يمكث فيهم سبتا الى سبت ثم يرفع عنهم شهرا وقيل ان موسى لبث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات على مهل قال البغوي قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة و

محمد بن اسحق دخل كلام بعضهم فى بعض لما امنت السحرة ورجع فرعون وقومه مغلوبا ابى هو وقومه لا الاقامة على الكفر والتمادي فى الشر فتابع الله عليهم الآيات وأخذهم بالسنين ونقص من الثمرات فلما عالج منهم بالآيات الأربع العصا واليد والسنين ونقص من الثمرات فابوا ان يؤمنوا فدعا عليهم موسى عليه السلام فقال يا رب ان عبدك فرعون علا فى الأرض وطغى وعتى وان قومه قد نقضوا عهدك فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة ولقومى عظة ولمن بعدهم اية وعبرة فبعث عليهم الطوفان وهو الماء أرسل الله عليهم المطر وبيوت بنى إسرائيل وبيوتهم مشتبكة مختلطة فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا فى الماء وركد الماء على أراضيهم لا يقدرون على ان يحرثوا ولا يزرعوا شيئا ودام ذلك عليهم سبعة ايام من السبت الى السبت وقال مجاهد وعطاء الطوفان الموت كذا اخرج ابن جرير عن عائشة عن النبي صلى الله عليه واله وسلم وقال وهب الطوفان الطاعون بلغة اليمن وقال ابو قلابة الطوفان الجدري وهم أول من عذبوا به فبقى فى الأرض وقال مقاتل الطوفان الماء طفا فوق حروثهم وروى ابو ظبيان عن ابن عباس قال الطوفان امر من الله عز وجل طاف بهم ثم قرأ فطاف عليهم طائف من ربك وهم نائمون قال نحاة الكوفة الطوفان مصدر لا يجمع كالرجحان والنقصان وقال اهل البصرة هو جمع واحدها طوفانة فقالوا لموسى ادع لنا ربك يكشف عنا المطر فنؤمن بك ونرسل معك بنى إسرائيل فدعا ربه فكشف الطوفان فانبت الله لهم فى تلك السنة شيئا لم ينبت قبل ذلك من الكلأ والزروع والثمار وأخصبت بلادهم فقالوا ما كان هذا الماء الا نعمة علينا وخصبا فلم يومنوا وقاموا شهرا فى عافية فبعث الله عليهم الجراد وأكل عامة زروعهم وثمارهم وأوراق الشجر حتى كانت تأكل الأبواب وسقف البيت والخشب والنبات والامتعة ومسامير الأبواب من الحديد حتى يقع دونهم وابتلى الجراد بالجوع فكانت لا تشبع ولا يصيب بنى إسرائيل شىء من ذلك فعجوا «1» وضجوا «2» وقالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك واعطوا عهد الله وميثاقه فدعا موسى فكشف الله عنهم الجواد بعد ما اقام عليهم سبعة ايام من السبت الى السبت وفى الخبر مكتوب على صدر كل جراد جند الله الأعظم ويقال ان موسى برز الى الفضاء فاشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجعت الجراد من حيث

_ (1) العج رفع الصوت 12 (2) الضج الصياح عند المكروه والمشقة والجزع 12

جاءت وكانت قد بقيت من زروعهم وغلاتهم بقية فقالوا قد بقي لنا ما هو كافينا فما نحن بتاركي ديننا فلم يفوا بما عاهدوا وعادوا الى أعمالهم السوء فاقاموا شهرا فى عافيه ثم بعث الله عليهم القمل واختلفوا فى القمل فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال القمل السوس الذي يخرج من الحنطة وقال مجاهد والسدى وقتادة والكلبي الدباء قالوا الجراد الطيارة التي لها اجنحة والدباء صغارها التي لا اجنحة لها وقال عكرمة هى بنات الجراد وقال ابو عبيدة هو الحمنان وهو ضرب من القراد وقال عطاء الخراسانى هو القمل وبه قرأ الحسن والقمل بفتح القاف وسكون الميم قالوا امر الله تعالى موسى ان يمشى الى كثيب «1» اعفر «2» بقرية من قرى مصر تدعى عين الشمس فمشى موسى الى ذلك الكثيب وكان اهيل «3» فضربه بعصاه فانتال عليهم بالقمل فتتبع ما بقي من حروثهم وأشجارهم ونباتهم فاكله وكان يدخل بين ثوب أحدهم وجلدهم فيعضه وكان أحدهم يأكل الطعام فيمتلى قملا قال سعيد بن المسيب القمل السوس الذي يخرج من الحبوب وكان الرجل يخرج عشرة أقفزة الى الرحى فلم يرد منها الا ثلثة أقفزة فلم يصابوا ببلاء كان أشد عليهم من القمل وانحزت أشعارهم وأبصارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ولزم جلودهم كالجدرى عليهم ومنعهم النوم والقرار فصرخوا وصاحوا الى موسى انا نتوب فادع الله لنا ربك يكشف عنا البلاء فدعى موسى فرفع الله القمل عنهم بعد ما اقام سبعة ايام من السبت الى السبت فنكثوا وعادوا الى أخبث أعمالهم وقالوا ما كنا قطان نستيقن انه ساحر منا اليوم يجعل الوصل دوابا فدعا موسى عليهم بعد ما أقاموا شهرا فى عافية فارسل الله عليهم الضفادع فامتلأت منها بيوتهم وأفنيتهم وأطعمتهم وآنيتهم فلا يكشف أحد اناء ولا طعاما الا وجد فيه الضفادع وكان الرجل يجلس فى الضفادع الى ذقنه ويهم ان يتكلم فيثب الضفدع فى فيه وكانت تثبت فى قدورهم فيفسد عليهم طعامهم ويطفئ نيرانهم وكان أحدهم يضطجع فيركبه الضفادع فتكون عليه ركاما حتى ما يستطيع ان ينصرف الى شقه الاخر ويفتح فاه لاكله فيسبق الضفادع أكلته الى فيه ولا يعجن عجينا الا تشدخت فيه ولا يفتح قدرا الا امتلأت ضفادع فلقوا منها أذى شديدا وروى عكرمة عن ابن عباس قال كانت الضفادع برية فلما أرسلها الله على ال فرعون سمعت واطاعت تقذف نفسها فى القدر وهى تغلى وفى التنانير وهى تفور فاثابها لحسن طاعتها يرد الماء

_ (1) الكثيب الرمل المستطيل المحدوب 12 (2) اعفر ابيض ليس بناصع 12 (3) الا هيل السائل من الرمل 12

فلما رأوا ذلك بكوا وشكوا الى موسى وقالوا هذه المرة نتوب ولا نعود تأخذ عهودهم ومواثيقهم ثم دعا ربه فكشف عنهم الضفادع بعد ما أقاموا سبعا من السبت الى السبت فاقاموا شهرا فى عافية ثم نقضوا العهود وعادوا الى كفرهم فدعا عليهم موسى فارسل الله عليهم الدم فسال النيل عليهم دما وصارت مياهم دما فما يستسقون من الآبار والأنهار الا وجدوا دما عبيطا «1» احمر فشكوا الى فرعون فقال انه قد سحركم فقال القوم من اين سحرنا ونحن لا تجد فى أعيننا من الماء الا دما كان يجمع بين القبطي والاسرائيلى على الإناء الواحد فيكون ما يلى الاسرائيلى ماء وما يلى القبطي دما ويقومان الى جب فيه الماء فيخرج للاسرائيلى ماء والقبطي دم حتّى تكون المرأة من ال فرعون تأتي المرأة من بنى إسرائيل حين جهدهم العطش فتقول اسقيني من مائك فتصب لها من قربتها فيعود فى الإناء دما حتى كانت تقول اجعليه فى فيك ثم مجيه فى فىّ فتاخذ فى فيها فاذا مجته فى فيها صارد ما وان فرعون اعتراه العطش حتى انه كان يضطر الى مضغ الأشجار الرطبة فاذا مضغ يصير مائها فى فيه ملحا أجاجا فمكثوا فى ذلك سبعة ايام لم يشربوا الا الدم قال زيد بن اسلم الدم الذي كان سلط الله عليهم كان رعافا فاتوا موسى وقالوا يموسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنومن بك ونرسل معك بنى إسرائيل فدعا ربه فكشف عنهم فَاسْتَكْبَرُوا عن الايمان بموسى وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ اى نزل بهم جنس العذاب الذي ذكر من الطوفان وغيرها وقال سعيد بن جبير الرجز هو الطاعون وهو العذاب السادس بعد الآيات الخمس مات منهم سبعون الفا فى يوم واحد فامسوا وهم يتدافنون روى الشيخان فى الصحيحين والترمذي والبغوي عن اسامة بن زيد قال قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الطاعون رجزا رسل على بنى إسرائيل وعلى من كان قبلكم فاذا سمعتم به من ارض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه وروى احمد والبخاري عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الطاعون كان عذابا يبعثه الله على من يشاء وان الله جعله رحمة للمؤمنين فليس من أحد يقع الطاعون فيمكث فى بلده صابرا محتسبا يعلم انه لا يصيبه الا ما كتب الله له الا كان له مثل اجر شهيد قلت لكن الحديثين المذكورين لا يدلان على ان الطاعون أرسل على القبط بل يدلان على انه أرسل على بنى إسرائيل ولعله

_ (1) العبيط الدم الطري 12

[سورة الأعراف (7) : آية 135]

ذلك بعد فرعون قلت ولو صح قول سعيد بن جبير فحينئذ بعد السنين ونقص من الثمرات اية واحدة ثالثة بعد العصا واليد بعضها على اهل القرى وهو السنين وبعضها على اهل الأمصار هو نقص من الثمرات وبعدها ست آيات من الطوفان الى الرجز فهى الآيات التسع المرادة بقوله تعالى ولقد اتينا موسى تسع آيات. قالُوا يعنى فرعون واتباعه يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ كشف العذاب عنا ان أمنا او بعهده عندك وهو النبوة كذا قال عطاء او بالذي عهده إليك من اجابة دعوتك وهو صلة لادع او حال من الضمير فيه بمعنى ادع الله متوسلا اليه بما عهد عندك او متعلق بفعل محذوف دل عليه التماسهم مثل اسعفنا الى ما نطلب منك بحق ما عهد عندك او قسم جوابه لَئِنْ كَشَفْتَ يعنى اقسمنا بعهد الله عندك لئن كشفت عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ الى ارض الشام وكان استعبدهم. فَلَمَّا كَشَفْنا بدعاء موسى عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ اى حد من الزمان هُمْ بالِغُوهُ يعذبون فيه او يهلكون وهو وقت الغرق او الموت وقيل الى أجل عينوه لايمانهم إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ جواب للما اى فلما كشفنا عنهم الرجز فاجئوا النكث ونقض العهد والإصرار على الكفر من غير توقف وتأمل فيه. فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ يعنى أخذناهم بالنقمة والعذاب بيانه فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ اى البحر الذي لا يدرك قعره وهو لجة البحر المالح ومعظم مائه واشتقاقه من التيمم لان المشفعين به يقصدونه بِأَنَّهُمْ اى بسبب انهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها اى عن الآيات غافِلِينَ يعنى انهم لم يتفكروا فيها حتى صاروا كالغافلين عنها وقيل الضمير للنقمة المدلول عليها بقوله فانتقمنا. وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ يعنى بنى إسرائيل بالاستعباد وذبح الأبناء واستخدام النساء مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها بالأنهار والأشجار والثمار والخصب وسعة العيش يعنى ارض مصر والشام ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة وتمكنوا فى نواحيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى تأنيث الأحسن صفة للكلمة اى مضت عليهم يقال تم الأمر إذا مضى عليه واتصلت بالانجاز واستمرت عدته إياهم بالنصرة والتمكين وهو قوله ونريد ان نمن الى قوله ما كانوا يحذرون المذكور فى القصص وقوله عسى ربكم ان يهلك عدوكم ويستخلفكم فى الأرض عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا اى بسبب صبرهم على دينهم والشدائد من فرعون

[سورة الأعراف (7) : آية 138]

وقومه وَدَمَّرْنا خربنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ من القصور والعمارات وَما كانُوا يَعْرِشُونَ من الثمار والأعناب فى الجنات كذا قال الحسن او ما كانوا يرفعون من البناء كصرح هامان وغير ذلك من القصور والبيوت كذا قال مجاهد قرأ ابو بكر وابن عامر يعرشون بضم الراء هنا وفى النحل والباقون بكسرها وهذا اخر قصة فرعون وقومه ويتلوه ما أحدثه بنو إسرائيل من الأمور الشنيعة بعد ما من الله عليهم بالنعم الجسم وأراهم من الآيات العظام تسلية لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم فيما يرى منهم وايقاظا للمؤمنين حتى لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم ومراقبة أحوالهم وفى قوله تعالى بما صبروا حث على الصبر ودلالة على ان من قابل البلاء بالصبر فرجه الله عنه ودمر عدوه ومن قابله بالجزع وكله الله اليه والله تعالى اعلم. وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ قال الكلبي عبر بهم موسى البحر يوم عاشوراء بعد ما هلك فرعون وقومه فصام شكر الله عز وجل فَأَتَوْا فمروا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ اى يقيمون قرأ حمزة والكسائي بكسر الكاف والباقون بضمها وهما لغتان عَلى عبادة أَصْنامٍ أوثان لَهُمْ قال ابن جريج كانت تماثيل بقر وذلك أول شان العجل وكذا اخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جبير وزاد من نحاس والقوم قيل كانوا من العمالقة الذين امر موسى بقتالهم واخرج ابن ابى حاتم وابو الشيخ من ابن عمر ان الجونى قال هم لخم وجذام وقال البغوي قال قتادة كان أولئك القوم من لخم وكانوا نزولا بالرقة فقالت بنو إسرائيل لما رأوا ذلك قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً اى مثالا نعبده كَما لَهُمْ آلِهَةٌ ما كافة للكاف ولذلك وقعت الجملة بعدها قال البغوي ولم يكن ذلك شكا من بنى إسرائيل فى وحدانية الله تعالى وانما معناه اجعل لنا شيئا نعظمه ونتقرب الى الله بتعظيمه وظنوا ان ذلك لا يضر الديانية وكان ذلك لخفة عقلهم وشدة جهلهم ولذلك قالَ لهم موسى تعجبا من قولهم على اثر ما رأوا من الآيات إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ وصفهم بالجهل وأكده بقوله. إِنَّ هؤُلاءِ القوم مُتَبَّرٌ اى مهلك ما هُمْ فِيهِ يعنى الله يهدم دينهم الذي هم عليه ويحطم أصنامهم ويجعلها رضاضا وَباطِلٌ مضمحل ما كانُوا يَعْمَلُونَ من عبادتها يعنى ليس ذلك مقربا الى الله تعالى بالغ فى هذا الكلام بايقاع هؤلاء اسم ان والاخبار عما هم فيه بالتبار وعما فعلوا بالبطلان وتقديم الخبرين فى الجملتين الواقعين خبر الان للتنبيه على ان الذمار لاحق لما هم فيه لا محالة لا يعدوهم وان الإحباط الكلى لازم لما مضى عنهم تنقيرا وتحذيرا عما طلبوا ثم. قالَ

[سورة الأعراف (7) : الآيات 141 إلى 142]

موسى توبيخا وتعجبا أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً اطلب لكم معبودا وَهُوَ اى الله سبحانه فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ اى عالمى زمانكم يعنى والحال انه خصكم بنعم لم يعطها غيركم وفيه تنبيه على سوء مقابلتهم حيث قابلوا تخصيص الله إياهم من بين أمثالهم بما لم يستحقوه تفضلا بما قصدوا ان يشركوا به احسن شىء من مخلوقاته وهو ليس كمثله شىء عن واقد الليثي قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قبل حنين فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة يعكفون حولها فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم الله اكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا الها كما لهم الهة انكم تركبون سنن من قبلكم رواه البغوي بسنده واذكروا صنيعه معكم الان. إِذْ أَنْجَيْناكُمْ قرأ ابن عامر من الافعال على الغيبة وهكذا فى مصاحف اهل الشام والباقون أنجيناكم على التكلم والتعظيم مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ استيناف لبيان ما أنجاهم منه او حال من المخاطبين او من ال فرعون او منها سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ قرأ نافع بفتح الياء واسكان القاف وضم التاء الفوقانية من المجرد والباقون بضم الياء وفتح القاف وكسر التاء مشددا من التفعيل للتكثير أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ جملة يقتلون مع ما عطف عليه بدل من يسومونكم مبين له وَفِي ذلِكُمْ العذاب او الانجاء بَلاءٌ محنة او نعمة مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ وَواعَدْنا مُوسى قرأ ابو عمرو وعدنا من المجرد والباقون من المفاعلة ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ اخرج ابن ابى حاتم عن ابى العالية يعنى ذى القعدة وعشرا من ذى الحجة قال السيوطي وعد الله موسى ان يكلمه عند انتهاء ثلثين ليلة وقال البغوي وعد موسى بنى إسرائيل وهم بمصر ان الله إذا أهلك عدوهم أتاهم بكتاب فيه بيان ما يأتون وما يذرون فلما فعل الله ذلك سال موسى ربه الكتاب فامر الله عز وجل ان يصوم ثلثين يوما فلما تمت ثلثون وجد خلوفا فتسوك بعود خروب وقال ابو العالية أكل من لحاء شجرة فقالت له الملئكة كنا نشم من فيك رائحة المسك فافسدته بالسواك فامر الله ان يصوم عشرة ايام من ذى الحجة وقال اما علمت ان خلوف فم الصائم أطيب عندى من ريح المسك وكانت فتنتهم فى العشر الذي زاده وكذا اخرج الديلمي عن ابن عباس معناه فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ اى وقت وعده بكلامه وإيتاء الكتاب أَرْبَعِينَ حال لَيْلَةً تميز وَقالَ مُوسى عند انطلاقه الى الجبل للمناجاة لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي اى كن خليفتى فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ ما يجب ان يصلح

[سورة الأعراف (7) : آية 143]

من أمورهم او كن مصلحا او أصلحهم بحملك إياهم على طاعة الله وقال ابن عباس يريد الرفق بهم والإحسان إليهم وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ يعنى لا تتبع من عصى الله ولا تطع من دعاك الى المعصية والإفساد. وَلَمَّا جاءَ مُوسى الى طور سيناء لِمِيقاتِنا اللام للاختصاص اى اختص مجيئه لميقاتنا اى وقتنا الذي وقتنا له ان أكلمه فيه قال اهل التفسير ان موسى عليه السّلام تطهر وطهر ثيابه لميعاد ربه وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ فى القصة ان الله انزل ظلمة على سبعة فراسخ وطرد عنه الشياطين وطوّر هو أم الأرض ونحى عنه الملكين وكشط له السماء فراى الملئكة قياما فى الهواء ورأى العرش بارزا فكلمه الله وناجاه حتى أسمعه وكان جبرئيل معه فلم يسمع ما كلمه ربه حتى سمع صرير القلم قال البيضاوي روى ان موسى كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة قلت معناه انه لا يسمع من جهة وكان كلما يتوجه الى جهة من الجهات يسمع ذلك الكلام بلا جهة من غير تفاوت فاستجلى موسى كلام ربه واشتاق الى رويته وقالَ رَبِّ أَرِنِي نفسك أَنْظُرْ إِلَيْكَ قال الحسن هاج به الشوق قال الروية ظنا منه انه يجوز ان يرى فى الدنيا يعنى قياسا على الروية فى الاخرة قالَ الله تعالى لَنْ تَرانِي وليس لبشران يطيق النظر الىّ فى الدنيا من نظر الىّ فى الدنيا مات فقال الهى سمعت كلامك فاشتقت الى النظر إليك ولان انظر إليك ثم أموت أحب الى من ان اعيش ولا أراك قال السيوطي التعبير بلن ترانى دون لا ارى يفيد إمكان الروية فقال الله تعالى وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ الاية وهو أعظم جبل بمدين يقال له زبير قال السدى لما كلم الله تعالى موسى غاص الخبيث إبليس فى الأرض حتى خرج بين قدمى موسى فوسوس اليه وقال ان من كلمك شيطان فعند ذلك سأل الروية وفى هذه الاية دليل على إمكان الروية فى الدنيا لان طلب المستحيل من الأنبياء محال خصوصا ما يقتضى الجهل بالله تعالى وقوله لن ترانى فيه دليل على عدم الوقوع له ما دامت الدنيا لا على عدم الوقوع له ولغيره فضلا من عدم الإمكان والظاهر ان موسى قبل نزول قوله لن ترانى كان لا يعرف عدم الوقوع فى الدنيا وليس هذا جهلا بالله تعالى بل ببعض أحكامه كما ان نوحا عليه السلام سأل ربه نجاة ابنه وابراهيم عليه السلام سأل مغفرة أباه ومحمدا صلى الله عليه واله وسلم سأل مغفرة ابى طالب حتى نزل قوله تعالى وما كان للنبى والذين أمنوا ان يستغفروا للمشركين ولو كانوا اولى قربى الاية وسأل مغفرة بعض المنافقين حتى نزل استغفر لهم او لا تستغفر لهم

ان تستغفر لهم سبعين مرة وحتى نزل ولا تصل على أحد منهم مات ابدا ولا تقم على قبره كل ذلك لعدم اطلاعهم على عدم وقوع الاستجابة مع كفر المدعو لهم واستدل نفاة الروية بقوله تعالى لن ترانى قالوا لن للتأبيد قلنا ليس كذلك بل هى لتاكيد نفى الروية المسئولة فى الدنيا الا ترى ان قوله تعالى ولن يتمنوه ابدا اخبار عن اليهود وقد اخبر عن الكفرة بتمنيهم الموت فى الاخرة حيث قال ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك وقال يا ليتها كانت القاضية ويقول الكفر يليتنى كنت ترابا والقول بان سوال موسى عليه السلام الروية كان لتبكيت قومه حين قالوا أرنا الله جهرة خطأ فاحش فان ذلك وقعة اخرى وقد عذبهم الله تعالى على ذلك القول فاخذتهم الصاعقة بظلمهم حيث لم يكونوا مستحقين لها ولم يكن أحدا من قوم موسى معه حين كلمه الله تعالى وأعطاه التورية وسأل ربه الروية ولم يعاتب على موسى على ذلك السؤال لاستحقاقه وانما نفى الروية لعدم احتمالها للنية الدنيوية وقال ولكن انظر الى الجبل الاية وايضا لو كانت الروية ممتنعة وكان هذا السؤال لتبكيت قومه لوجب على موسى ان تجهلهم ويزيح شبهتهم كما فعل بهم حين قالوا اجعل لنا الها وكيف يتبع موسى سبيلهم لو كان ممتنعا وقد قال لاخيه ولا تتبع سبيل المفسدين وقوله تعالى ولكن انظر الى الجبل فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي استدراك يريد ان يبين به انه لا يطيقه كما لا يطيق الجبل وفى تعليق الروية بالاستقرار ايضا دليل على الجواز ضرورة ان المعلق على الممكن ممكن قال وهب وابن اسحق لما سأل موسى ربه الروية أرسل الله الضباب «1» والصواعق والظلمة والرعد والبرق وأحاطت بالجبل الذي عليه موسى الى اربعة فراسخ من كل جانب وامر الله تعالى ملئكة السموات ان يعترضوا على موسى فمرت به ملئكة السماء الدنيا كثيران «2» البقر تتبع أفواههم بالتسبيح والتقديس بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد ثم امر الله ملئكة السماء الثانية ان اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه فهبطوا عليه أمثال الأسود لهم لجب «3» بالتسبيح والتقديس ففزع العبد الضعيف ابن عمران مما راى وسمع واقشعرت كل شعرة فى راسه وجسده ثم قال لقد ندمت على مسألتى فهل يجنبنى من مكانى الذي انا فيه شىء فقال خير الملئكة وراسهم يا موسى اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت ثم امر الله تعالى ملئكة السماء الثالثة ان اهبطوا على موسى واعترضوا عليه فهبطوا أمثال الأسود لهم قصف «4»

_ (1) الضباب اى السحاب الرقيق 12 (2) كثيران جمع ثور اى الذكر من البقر 12 (3) لجب الصياح واضطراب موج البحر 12 قاموس (4) قصف اى كسر وقصف الرعد اى صار صوته شديدا 12 [.....]

ورجف ولجب شديد وأفواههم تتبع بالتسبيح والتقديس كجلب «1» الجيش العظيم ألوانهم كلهب النار ففزع موسى واشتد نفسه وايس من الحيوة فقال له خير الملئكة يا ابن عمران مكانك حتى ترى ما لا تصبر عليه ثم امر الله تعالى ملئكة السماء الرابعة ان اهبطوا واعترضوا على موسى ابن عمران وكان لا يشبههم شىء من الذين مروا به قبلهم ألوانهم كلهب النار وسائر خلقهم كالثلج الأبيض أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس لا يقاربهم شىء من أصوات الذين مروا به قبلهم فاصطكت «2» ركبتاه وارعد «3» قلبه واشتد بكاؤه فقال له خير الملئكة وراسهم يا ابن عمران اصبر لما سالت فقليل من كثير ما رايت ثم امر الله تعالى ملئكة السماء الخامسة ان اهبطوا واعترضوا على موسى فهبطوا عليه لهم سبعة ألوان فلم يستطع موسى ان يتبعهم بصره لما لم ير مثلهم ولم يسمع مثل أصواتهم فامتلأ جوفه واشتد حزنه وكثر بكاؤه فقال له خير الملئكة يا ابن عمران مكانك حتّى ترى ما لا تصبر عليه ثم امر الله ملئكة السماء السادسة ان اهبطوا على عبدى الذي طلب ليرانى فاعترضوا عليه وفى يد كل ملك مثل النخلة الطويلة نار أشد ضوء من الشمس ولباسهم كلهب النار إذا سبحوا وقدسوا جاءوا بهم من كان قبلهم من ملئكة السموات كلهم يقولون لشدة أصواتهم سبوح قدوس رب الملئكة والروح رب العزة ابدا لا يموت فى راس كل ملك منهم اربعة أوجه فلما راهم موسى رفع صوته ليسبح حين سبحوا وهو يبكى ويقول رب اذكرني ولا تنس عبدك لا أدرى انفلت مما انا فيه أم لا ان خرجت احترقت وان مكثت مت فقال له كبير الملئكة وراسهم قد اوشكت يا ابن عمران ان يشتد خوفك وينخلع قلبك فاصبر للذى سألت ثم امر الله ان يحمل عرشه فى ملئكة السماء السابعة فلما بدأ نور العرش انفرج الجبل من عظمة الرب جل جلاله فرفعت ملئكة السماء أصواتهم جميعا يقولون سبحان الملك القدوس رب العزة ابدا لا يموت فارتج الجبل بشدة أصواتهم واندكت كل شجرة كانت فيه وخر العبد الضعيف موسى صعقا على وجهه ليس معه روحه فارسل الله برحمته الروح فتغشاه وقلب عليه الحجر الذي كان عليه موسى وجعل كهيئة القبة لئلا يحترق موسى فاقامه الروح مثل الام فقام موسى يسبح الله ويقول امنت بك ربى وصدقت انه لا يراك أحد فيحيى من نظر الى ملئكتك انخلع قلبه فما أعظم ملئكتك أنت رب الأرباب واله الالهة وملك الملوك ولا يعدلك شىء ولا يقوم لك شىء رب تبت إليك الحمد لك لا شريك لك ما أعظمك و

_ (1) اى اختلاط الصوت 12 (2) فاصطكت اى اضطربت 12 (3) ارعد اى اضطرب 12

ما أجلك رب العالمين فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ اى ظهر وانكشف بعض أنواره قال السيوطي اظهر من نوره قدر نصف انملة الخنصر كذا فى حديث صححه الحاكم لِلْجَبَلِ قالت الصوفية التجلي ظهور الشيء فى المرتبة الثانية كظهور زيد فى المرآة وليس هو روية الذات فان الله سبحانه لما نفى الروية لموسى بالتاكيد مع كونه أقوى استعدادا من الجبل لا يتصور حصوله للجبل قال الله تعالى انا عرضنا الامانة على السموات والأرض والجبال فابين ان يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان قال ابن عباس ظهر نوره للجبل وقال الضحاك اظهر الله من نوره الحجب مثل منخر ثور وقال عبد الله ابن سلام وكعب الأحبار ما تجلى من عظمة الله للجبل الأمثل سم الخياط حتى صار دكا وقال السدى ما تجلى الا قدر الخنصر يدل عليه ما روى احمد والترمذي والحاكم وصححاه عن ثابت عن انس ان النبي صلى الله عليه واله وسلم قرأ هذه الاية وقال هكذا ووضع الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ «1» الجبل وخر موسى صعقا واخرج ابو الشيخ بلفظ وأشار بالخنصر فمن نورها جعله دكا وحكى عن سهل بن سعد الساعدي ان الله اظهر من سبعين الف حجاب من نور قدر الدرهم فجعل الدرهم للجبل دكا جَعَلَهُ دَكًّا قرأ حمزة والكسائي دكاء بالمد والهمز بغير تنوين اى أرضا مستوية ومنه ناقة دكاء التي لاسنام لها وقرأ الباقون دكا بالتنوين بغير همز اى مدكوكا مفتتا والدك والدق اخوان قال فى القاموس الدك والدق والهدم ما استوى من الرمل قال ابن عباس جعله ترابا قال ساخ الجبل فى الأرض حتّى وقع فى البحر فهو يذهب فيه وقال عطية العوفى صار رملا هائلا وقال الكلبي جعله دكا اى كسر اجبالا صغارا قال البغوي وقع فى التفاسير صارت لعظمته ستة اجبل وقعت ثلثة بالمدينة أحد وورقان ورضوى ووقعت ثلثة بمكة ثور وثبير وحراء قال السعاف فى تخريج البيضاوي اخرج ابن مردوية عن على بن ابى طالب رضى الله عنه فى قوله تعالى فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا قال اسمع موسى قال له اننى انا الله قال وذاك عشية عرفة وكان الجبل بالموقف فانقطع على سبع قطع قطعة أسقطت بين يديه وهو الذي يقوم الامام عنده فى الموقف وبالمدينة ثلثة طيبة واحد ورضوى وطور سيناء بالشام وانما سمى الطور لانه طار فى الهواء الى الشام قلت هذه الرواية غريبة جدا فان تكلم الله تعالى بموسى عليه السلام وإعطائه التورية كان بالشام على طور سينا دون مكة والله اعلم وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً قال ابن عباس والحسن مغشيا عليه

_ (1) ساخ سوخا وسواخا وسوخاتا سار رويدا 12 قاموس

[سورة الأعراف (7) : آية 144]

وقال قتادة ميتا قال الكلبي خر موسى صعقا يوم الخميس يوم عرفة فاعطى التورية يوم الجمعة يوم النحر قال الواقدي لما خر موسى صعقا قال ملئكة السموات ما لابن عمران وسوال الروية فَلَمَّا أَفاقَ موسى من صعقته قالَ تعظيما لما راى سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ من الجرأة والاقدام على السؤال بغير اذن وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ لان ايمان كل نبى مقدم على ايمان أمته. قالَ الله تعالى يا مُوسى إِنِّي قرأ ابن كثير وابو عمرو بفتح الياء والباقون بالإسكان اصْطَفَيْتُكَ اى اخترتك عَلَى النَّاسِ الموجودين فى زمانك بِرِسالاتِي قرأ نافع وابن كثير برسالتى على التوحيد والباقون على الجمع وَبِكَلامِي اى بتكليمى إياك فَخُذْ ما آتَيْتُكَ أعطيتك من الرسالة وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ وفى القصة ان موسى بعد ما كلمه ربه لا يستطيع أحد ان ينظر اليه لما غشى وجهه من النور ولم يزل على وجهه برقع حتى مات وقالت له امرأته انا ايم منك منذ كلمك ربك فكشف لها عن وجهه فاخذها مثل شعاع الشمس فوضعت يدها على وجهها وخرت لله ساجدة وقالت ادع الله ان يجعلنى زوجتك فى الجنة قال ذلك لك ان لم تتزوجى بعدي فان المرأة لاخر أزواجها وروى البغوي بسنده عن كعب الأحبار ان موسى نظر فى التورية فقال رب انى أجد امة خير الأمم أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله وبالكتاب الاول وبالكتاب الاخر ويقاتلون اهل الضلالة حتّى يقاتلون الأعور الدجال رب اجعلهم أمتي قال يا موسى هى امة محمد صلى الله عليه واله وسلم قال رب انى أجد امة هم الحمادون رعاة الشمس المحكمون إذا أرادوا امرا قالوا نفعل إنشاء الله فاجعلهم أمتي قال هى امة محمد صلى الله عليه واله وسلم قال رب انى أجد امة يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم وكان الأولون يحرقون صدقاتهم بالنار وهم المستجيبون والمستجاب لهم الشافعون المشفع لهم فاجعلهم أمتي قال هى امة محمد صلى الله عليه واله وسلم فقال انى أجد امة إذا اشرف أحدهم على شرف كبر الله وإذا هبط واديا حمد الله الصعيد لهم طهور والأرض لهم مسجد حيث ما كانوا يتطهرون من الجنابة طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء غر محجلون من اثار الوضوء فاجعلهم أمتي قال هى امة محمد صلى الله عليه واله وسلم فقال رب انى أجد أمة إذا همّ أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة مثلها وان عملها ضعف عشر أمثالها الى سبعمائة ضعف وإذا همّ بسيئة ولم يعملها لم يكتب

[سورة الأعراف (7) : آية 145]

عليه وان عمل كتبت له سيئة مثلها فاجعلهم أمتي قال هى امة احمد صلى الله عليه واله وسلم فقال رب انى أجد امة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب من الذين اصطفيتهم فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات فلا أجد منهم الا مرحوما فاجعلهم أمتي قال هى امة احمد صلى الله عليه واله وسلم فقال انى أجد امة مصاحفهم فى صدورهم يلبسون ألوان ثياب اهل الجنة يصفون فى صلوتهم صفوف الملئكة أصواتهم فى مساجدهم كدوى النحل لا يدخل النار أحد منهم ابدا الا من برى من الحسنات مثل ما برى الحجر من ورق الشجر فاجعلهم أمتي قال هى امة احمد صلى الله عليه واله وسلم فلما عجب موسى من الخير الذي اعطى الله محمدا صلى الله عليه واله وسلم وأمته قال يا ليتنى من اصحاب محمد صلى الله عليه واله وسلم فاوحى الله عز وجل بثلث يرضيه بهن يا موسى انى اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامي الى قوله ساوريكم دار الفاسقين ومن قوم موسى امة يهدون بالحق وبه يعدلون قال فرضى موسى عليه السلام كل الرضاء. وَكَتَبْنا لَهُ اى لموسى فِي الْأَلْواحِ كانت سبعة او عشرة قال ابن عباس يعنى الواح التورية وفى الحديث كانت من سدر الجنة طول اللوح اثنى عشر ذراعا أخرجه ابو الشيخ من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده وجاء فى الحديث خلق الله عز وجل آدم عليه السلام بيده وكتب التورية بيده وغرس شجرة طوبى بيده وقال الحسن كانت الألواح من خشب وقال الكلبي كانت من زبرجدة خضراء وقال سعيد بن جبير كانت من ياقوت احمر وكذا اخرج الطبراني وابو الشيخ عن كعب وقال الربيع بن انس كانت الألواح من زبرجد وقال ابن جريح كانت زمردا امر الله تعالى جبرئيل عليه السلام حتى جاء بها من عدن فكتبها بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور واخرج ابو الشيخ عن ابن جريج انها كانت من زمرد او زبرجد قال وهب امر الله بقلع الألواح من صخرة صماء لينها الله تعالى له فقطعها بيده ثم شققها بيده وسمع موسى عليه السلام صرير القلم بالكلمات العشرة وكان ذلك فى أول يوم من ذى القعدة وكانت الألواح عشرة اذرع على طول موسى عليه السلام وقال مقاتل ووهب وكتبنا فى الألواح كنقش الخاتم وقال الربيع بن انس نزلت التورية وهى سبعون وقر بعير يقرء الجزء منه فى سنة لم يقرأه الا اربعة نفر موسى ويوشع وعزير وعيسى وقال الحسن هذه الاية فى التورية الف اية يعنى قوله تعالى وكتبنا له فى الألواح مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مما يحتاجون اليه من امر الدين مَوْعِظَةً الموعظة التذكير والتحذير مما يخاف عاقبته قال فى القاموس وعظه موعظة ذكره

[سورة الأعراف (7) : آية 146]

ما يلين قلبه من الثواب والعقاب وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ اى تبيانا لكل شىء من الأمر والنهى والحلال والحرام والحدود والاحكام بدل من الجار والمجرور اى كتبنا كل شىء من المواعظ وتفصيل الاحكام فَخُذْها عطف على كتبنا بإضمار القول او بدل من قوله فخذ ما أتيتك والضمير راجع الى الألواح او الى كل شىء فانه بمعنى الأشياء او للرسالات بِقُوَّةٍ اى بجد واجتهاد وقيل بقوة القلب وصحة العزيمة لانه إذا اخذه بضعف النية رده الى الفتور وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها اى بما هو بالغ فى الحسن مطلقا وليس افعل للتفضيل بالاضافة فان كل ما هو فى كتاب الله حسن بالغ فى الحسن لا يحتمل النقيض ولا يجوز ان يكون شىء احسن منه فهو كقولهم الصيف أحر من الشتاء كذا قال قطرب وقال عطاء عن ابن عباس يحلوا حلالها ويحرموا حرامها ويتدبروا ويتعظوا بامثالها ويعملوا بحكمها ويقفوا عند متشابهها وقيل المراد بأحسنها الفرائض والنوافل يعنى ما يستحق عليه الثواب وما دونها المباح لانه لا يستحق عليها الثواب وقيل بالعزيمة دون الرخصة وبأحسن الامرين فى كل شىء كالعفو احسن من القصاص والصبر احسن من الانتصار سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ تحذيرا من ان لا تأخذوا بكتاب الله تعالى فتكونون مثلهم والمراد بدار الفاسقين دار فرعون وقومه بمصر خاوية على عروشها كذا قال عطية العوفى وقال السدى مصارع الكفار وقال الكلبي وقتادة ما مروا عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود والقرون الذين اهلكوا وقال مجاهد والحسن وعطاء دار الفاسقين مصيرهم فى الاخرة يعنى جهنم. سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ قرأ ابن عامر وحمزة بإسكان الياء والباقون بفتحها والمعنى ساصرف عن التفكر فى آياتي التي فى الآفاق والأنفس وعن الاعتبار بها وقيل معناه ساصرفهم عن ابطال آياتي المنزلة والمعجزات وان يطفئوا نور الله بأفواههم كما فعل فرعون فعاد عليه باعلائها او باهلاكهم والله متم نوره ولو كره الكافرون او المعنى ساصرف عن قبول آياتي المنزلة فى الكتاب والتصديق بها بالحرمان عن الهداية لعنادهم الحق نظيره قوله تعالى فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم كذا قال ابن عباس وقال سفيان سامنع عن فهم القران ودرك عجائبه الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ ويتجبرون على عبادى ويحاربون أوليائي بِغَيْرِ الْحَقِّ صلة يتكبرون اى يتكبرون بما ليس بحق وهو دينهم الباطل او حال من